الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ٢٥٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةكان الكلام إلى هنا طلب في بذل المال والنفس في سبيل الله تعالى، وقد ضرب له مثل الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف فماتوا بجبنهم ولم تغن عنهم كثرتهم ثم أحياهم الله تعالى، أي أحيا أُمتهم بنفر منهم غيروا ما بأنفسهم، ومثل الملأ من بني إسرائيل بعد أن غلب الفلسطينيون أُمتهم على أمرها وأخرجوها من ديارهم وأبنائهم ثم نصرها الله تعالى بفئة قليلة مؤمنة بلقائه صابرة في بلائه، بعد هذا أراد سبحانه أن يقوي النفوس على القيام بذلك فذكر الأنبياء المرسلين الذين كانوا أقطاب الهداية، ومحل التوفيق منه والعناية -الذين بيّن الدليل في آخر السياق الماضي على أن المخاطب بهذا القرآن الذي فيه سيرتهم منهم وكان قد ذكر قبل ذلك داود وما آتاه الله من الملك والنبوة- ذكرهم مبينًا تفضيل بعضهم على بعض، وخص بالذكر أو الوصف من بقي لهم أتباع، وذكر ما كان من أمر أتباعهم من بعدهم في الاختلاف والاقتتال، ثم عاد إلى الموضوع وهو الإنفاق وبذل المال في سبيل الله لكن بأسلوب آخر كما ترى في الآية التي تلي هذه الآية.
قال تعالى: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ ﴾ أي المشار إليهم بقوله ﴿ وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ ﴾ في آخر الآية السابقة، ومنهم داود الذي ذكر في الآية التي قبلها.
وهذا أظهر من قولهم المراد بالرسل من ذكروا في هذه السورة أو من قص الله على النبي قبل هذا من أنبائهم أو المراد جماعة الرسل ﴿ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ مع استوائهم في اختيار الله تعالى إياهم للتبليغ عنه وهداية خلقه إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.
والتصريح بهذا التفضيل وذكر بعض المفضلين يشبه أن يكون استدراكًا مع ما ذكر في الآيات السابقة من إيتائه تعالى داود الملك والحكمة وتعليمه مما يشاء فهو يقول إنهم كلهم رسل الله فهم حقيقون بأن يتبعوا ويقتدى بهداهم وإن امتاز بعضهم على بعض بما شاء الله من الخصائص في أنفسهم وفي شرائعهم وأُممهم.
وقد بيّن هذا التفضيل في بعض المفضلين فقال ﴿ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ﴾ بصيغة الالتفات عن الضمير إلى التعبير بالظاهر لتفخيم شأن هذه المنقبة والغرض من هذا الإلفتات الفات الأذهان إلى هذه المنقبة تفخيمًا لها وتعظيمًا لشأنها.
وهذا التكليم كان من الله تعالى لسيدنا موسى كما قال تعالى في سورة النساء: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ وفي سورة الأعراف: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ وفي الآية التي بعدها: ﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي ﴾ فهذه الآيات تدل على أن موسى قد خص بتكليم لم يكن لكل نبي مرسل وإن كان وحي الله تعالى عامًا لكل الرسل ويطلق عليه كلام الله تعالى.
وقد قال تعالى في سورة الشورى: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ فجعل كلامه لرسله ثلاثة أنواع، والظاهر أن تكليم موسى كان النوع الثاني في الآية، وكلها تسمى وحي الله وكلام الله.
وقال بعضهم إن هذا النوع من التكليم كان لنبينا في تجلي ليلة المعراج فهو المراد بمن كلم الله هنا والجمهور على القول الأول وإن كان لفظ "من" يتناول أكثر من واحد.
إن هذا الكلام مما لا يمكن أن يعرفه إلا النبي المُكَلَّم، فلا ينبغي لنا أن نبحث فيه ونحاول الوقوف على كنهه، حتى أن النبي المكلّم نفسه لا يستطيع أن يُفهِمَه لغيره لأنه ليس له عبارة تدل عليه: يعني أن ما كان للرسل عليهم السلام من تكليم الله وما خصهم به من وحيه هو من قبيل التصورات والخواطر.
وأما قوله تعالى ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾ فذهب جماهير المفسرين إلى أن المراد به نبينا محمد وهو ما رواه ابن جرير عن مجاهد وأيده.
والأسلوب يؤيده ويقتضيه، لأن السياق في بيان العبرة للأمم التي تتبع الرسل والتشنيع على اختلافهم واقتتالهم مع أن دينهم واحد في جوهره.
والموجود من هذه الأمم واليهود والنصارى والمسلمون فالمناسب تخصيص رسلهم بالذكر ولعل ذكر آخرهم في الوسط للإشعار بكون شريعته وكذا أُمته وسطًا.
ثم قال تعالى ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ﴾ إذا جرينا في فهم الآية على تفسير مفسرنا (الجلال) وأضرابه نكون جبرية لا نقبل دينًا ولا شرعًا ولا يكون لنا في الكلام عبرة لأنهم يقولون ما قصاراه أن الله تعالى هو الذي غرس في قلب هؤلاء الذين جاؤوا من بعد الأنبياء بذور الخلاف والشقاق وقضى عليهم بما ألزمهم العدوان والاقتتال، فإنه شاء أن يكونوا هكذا فكانوا مضطرين في الباطن وإن كان لهم اختيار ما بحسب الظاهر.
فلندع هذا ولننظر ما تدل عليه هذه الكلمات القليلة من اتفاق حكمة الله تعالى مع مشيئته في خلق الإنسان وسننه في شؤونه الاجتماعية.
لم يخلق الله الناس بقوى محدودة متساوية في أفرادهم لا تتجاوز طلب ما به قوام الجسم بالإلهام الفطري والإدراك الجزئي كالأنعام السائمة والطيور الحائمة، بل خلق الإنسان كما نعرفه الآن.
جعل له عقلًا يتصرف في أنواع شعوره، وفكرًا يجول في طرق حاجاته البدنية والنفسية، وجعل ارتقاءه في إدراكه وأفكاره كسبيًا ينشأ ضعيفًا فيقوى بالتدريج حسب التربية التي يحاط بها والتعليم الذي يتلقاه وتأثير حوادث الزمان والمكان والأسوة والتجارب فيه.
وجعل هداية الدين له أمرًا اختياريًا لا وضعًا اضطراريًا، فهي معروضة أمامه يأخذ منها بقدر استعداده وفكره كما هو شأنه في الأخذ بسائر أنواع الهداية والاستفادة من منافع الكون.
هذه هي سنته تعالى في الإنسان، وهي منشأ الاختلاف، فهو يقول لو شاء الله أن لا يجعل سنته في تبليغ الدين وعرضه على الناس هكذا بأن يجعله من إلهاماتهم العامة وشعورهم الفطري كشعور الحيوان وإلهامه ما فيه منفعته لكانوا في هداية الدين سواء يسعدون به أجمعين فتمنعهم بيناته أن يختلفوا فيقتتلوا ولكنه خلق الإنسان على غير ما خلق عليه الحيوان، وكان ذلك سبب اختلاف أهل الأديان، فمنهم من آمن إيمانًا صحيحًا فأخذ الدين على وجهه، إذ فهمه حق فهمه، ومنهم من لبسه مقلوبًا وحكم هواه في تأويله فكان كافرًا به في الحقيقة، وإن كان غاليًا فيما أحدث فيه من مذهب أو طريقة، وكان ذلك مدعاة التخاصم، وسبب التنازع والتقاتل، اختلف اليهود في دينهم فاقتتلوا، وأما النصارى فلم تختلف أمة اختلافهم، ولم يقتتل أهل المذاهب في دين من الأديان اقتتالهم، بل كان المذهب الواحد من مذاهبهم يتشعب إلى شعب يقاتل بعضها بعضًا.
وكان يجب أن يحذر المسلمون من هذا الاختلاف أشد الحذر لكثرة ما نهاهم الله عن الاختلاف وأنذرهم العذاب عليه في الدنيا والآخرة وقد امتثلوا أمره تعالى بالاتحاد والاعتصام، وانتهوا عما نهاهم عنه من التفرق والاختلاف، في عصر صاحب الرسالة وطائفة من الزمن بعده فكانوا خير أمة أخرجت للناس، ثم لم يلبثوا أن ذهبوا في الدين مذاهب، وفرقوا دينهم فكانوا في شريعته مشارب، فاقتتلوا في الدين قليلًا، وفي السياسة التي صبغوها بصبغة الدين كثيرًا، وقد تمادوا في هذا الشقاق والاختلاف، فانتهوا إلى زمن صاروا فيه أبعد الأمم عن الاتفاق والائتلاف.
ثم قال تعالى ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا ﴾ يمكن تفسير هذه الجملة بمثل ما فسرت به الجملة الأولى.
والأوْلى أن تفسر بوجه آخر أخص كأن يقال: لو شاء الله تعالى أن تكون سنته في الإنسان على ما فطر عليه من الاختلاف أن يعذر المختلفون من أفراده بعضهم بعضًا ويوطن كل فريق منهم نفسه على أن ينتصر لرأيه بالحجة، ويسعى إلى مصلحته بالفطنة، لما اقتتلوا على ما يختلفون فيه ولكنه جعلهم درجات في الفهم والحزم وأودع في غرائزهم المدافعة عن حقيقتهم والنضال دون مصلحتهم بكل ما قدروا عليه من قول وعمل، فالقوي بالرأي يحارب بالرأي والقوي بالسيف يقاوم بالسيف، فكان الاختلاف في الرأي والمصالح معًا مع عدم العذر، مؤديًا إلى الاقتتال لا محالة.
هكذا خلق الإنسان فلا يقال لم خلقه هكذا، لأن هذا بحث عن أسرار الخلقة ككبر أذني الحمار وصغر أذني الجمل، ولذلك قال ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ أي أن اختصاص الناس بهذه المزايا هو أثر إرادته وتخصيصها فلا مرد له.
<div class="verse-tafsir"