الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > آية الكرسي
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءة﴿ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ فسر (الجلال) الإله بالمعبود بحق والحي بالدائم البقاء والقيوم بالمبالغ بالقيام بتدبير خلقه.
وأنا أستحسن تفسيره لكلمة التوحيد أما تفسيره لكلمة إله فإنه هو الشائع، وهو إنما يصح إذا حملنا العبادة على معناها الحقيقي وهو استعباد الروح وإخضاعها لسلطان غيبي لا تحيط به علمًا ولا نعرف كنهًا، فهذا هو معنى التأليه في نفسه، وكل ما ألهه البشر من جماد ونبات وحيوان وإنسان فقد اعتقدوا فيه هذا السلطان الغيبي بالاستقلال أو بالتبع لإله آخر أقوى منه سلطانًا، ومن ثم تعددت الآلهة المنتحلة، وكل تعظيم واحترام ودعاء ونداء يصدر عن هذا الاعتقاد فهو عبادة حقيقية وإن كان المعبود غير إله حقيقة، أي ليس له هذا السلطان الذي اعتقده العابد له لا بالذات ولا بالتوسط إلى ما هو أعظم منه.
فالإله الحق هو الذي يعبد بحق وهو واحد، والآلهة التي تعبد بغير حق كثيرة جدًا وهي غير آلهة في الحقيقة ولكن في الدعوى الباطلة التي يثيرها الوهم.
ذلك أن الإنسان إذا رأى أو سمع أو توهم أن شيئًا غريبًا صدر عن موجود بغير علة معروفة ولا سبب مألوف يتوهم أنه لو لم تكن له تلك السلطة العليا والقوة الغيبية لما صدر عنه ذلك حتى إن الذين يعتقدون النفع ببعض الشجر والجماد "كشجرة الحنفي" و "نعل الكلشني" يعدون عابدين لها حقيقة.
والحاصل أن معنى ﴿ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ : ليس في الوجود صاحب سلطة حقيقة على النفوس يبعثها على تعظيمه والخضوع له قهرًا منها معتقدة أن بيده منح الخير ورفع الضر بتسخير الأسباب أو إبطال السنن الكونية إلا الله تعالى وحده.
وأما الحي فهو ذو الحياة وهي مبدأ الشعور والإدراك والحركة والنمو، وذلك كمثل النبات والحيوان فإن كلًا منهما حي وإن تفاوتت الحياة فيهما فكانت في النبات أكمل منها في الحيوان.
والحياة بهذا المعنى مما ينزه الله تعالى عنه لأنه محال عليه ولذلك فسر مفسرنا "الحي" بالدائم البقاء، وهو بعيد جدًا لا يفهم من اللفظ مطلقًا، وإنما معنى الحياة بالنسبة إليه سبحانه مبدأ العلم والقدرة، أي الوصف يعقل معه الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة.
وهذا الوصف يبطل قول الماديين الذين يزعمون أن مبدأ الكون علة تتحرك بطبعها ولا شعور لها بنفسها ولا بحركتها وما ينشأن عنها من الأفعال والآثار.
أي أن هذا النظام والإحكام في الخلق من آثار المادة الميتة التي لا شعور لها ولا علم.
﴿ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ﴾ : إن ما ذكر في النظم الكريم ترق في نفي هذا النقص ومن قال بعدم الترقي فقد غفل عن معنى الأخذ وهو الغلب والاستيلاء، ومن لا تغلبه السِّنة قد يغلبه النوم لأنه أقوى، فذكر النوم بعد السنة ترق من نفي الأضعف إلى نفي الأقوى: والجملة تأكيد لما قبلها مقررة لمعنى الحياة والقيومية على أكمل وجه، فإن من تأخذه السنة والنوم يكون ضعيف الحياة وضعيف القيام بنفسه أو على غيره.
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ﴾ فهم ملكه وعبيده مقهورون لسنته خاضعون لمشيئته هو وحده المصرف لشؤونهم والحافظ لوجودهم ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ ﴾ : إن في هذا الاستثناء قطعًا لأمل الشافعين والمتكلين على الشفاعة المعروفة التي كان يقول بها المشركون وأهل الكتاب عامة ببيان انفراده تعالى بالسلطان والملك وعدم جراءة أحد من عبيده على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه، وإذنه غير معروف لأحد من خلقه ثم قال: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ ﴾ معناه أن الشفاعة تتوقف على إذنه، وإذنه لا يعلم إلا بوحي منه تعالى، يريد أن ذلك ترق في نفيها من دليل إلى آخر أي إذا أمكن أن تكون هناك شفاعة بمعنى آخر يليق بجلال الله تعالى كالدعاء المحض فإنه لا يجرأ عليها أحد في ذلك اليوم العصيب إلا بإذن الله تعالى، وإذنه تعالى مما استأثر بعلمه فلا يعلمه غيره إلا إذا شاء إعلامه به، ثم قال وإنما يعرف إذنه تعالى بما حدده من الأحكام في كتابه، أي فمن بيَّن أنه مستحق لعقابه فهو مستحق له لا يجرأ أحد أن يدعو له بالنجاة، ومن بيَّن أنه مستحق لرضوانه على هفوات ألم بها لم تحول وجهه عن الله تعالى إلى الباطل والفساد الذي يطبع على الروح فتسترسل في الخطايا حتى تحيط بها وتملك عليها أمرها فذلك مستحق له منته إليه بوعد الله في كتابه وفضله على عباده كما سبق في علمه الأزلي.
قالوا إن الاستثناء في قوله تعالى ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ ، واقع، وهو أن نبينا يشفع في فصل القضاء فيفتح باب الشفاعة فيدخل فيه غيره من الشفعاء كالأنبياء والأصفياء كما ثبت في الأحاديث، وهي مسألة أنكرها المعتزلة وأثبتها أهل السنة.
والله تعالى يأذن لمن يشاء ويطلع على علمه باستحقاق الشفاعة من يشاء، كما علم من الاستثناء.
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾ السياق يدل على أن الكرسي هو العلم الإلهي وبذلك قال بعض المفسرين وأهل اللغة -ويقال كرس الرجل كفرح أي كثر علمه وازدحم قلبه- أي أن علمه تعالى محيط بما يعملون مما عبر عنه بقوله ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ وبما لا يعلمون من شؤون سائر الكائنات فبماذا يمكن أن يعلمه الشفعاء.
وقيل هو العرش واختاره مفسرنا (الجلال) وهو إنما يثبت بخبر المعصوم وقيل إنه تمثيل لملك الله تعالى واختاره القفال والزمخشري والآية تدل على أنه شيء يضبط السماوات والأرض ولا يتوقف التسليم بها على تعيينه والقول بأنه علم أو ملك أو جسم كثيف أو لطيف أي فإن كان هو العلم الإلهي فالأمر ظاهر وإن كان خلقًا آخر فهو من عالم الغيب الذي نؤمن به ولا نبحث عن حقيقته ولا نتكلم فيه بالرأي كما قال كثيرون إنه هو الفلك الثامن المكوكب من الأفلاك التسعة التي يقو بها فلاسفة اليونان ومقلدوهم فذلك من القول على الله بدون علم وهو من أمهات الكبائر ﴿ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ أي لا يثقله حفظ هذه العوالم بما فيها ولا يشق عليه ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ فيتعالى بذاته أن يكون شأنه كشأن البشر في حفظ أموالهم، ويتنزه بعظمته عن الاحتياج إلى من يعلمه بحقيقة أحوالهم، أو يستنزله إلى ما لم يكن يريد من مجازاتهم على أعمالهم.
جملة الآية وما في معناها إنذار للموسلمين أن يكونوا كأهل الكتاب الذين يتكلمون في نجاتهم على شفاعة سلفهم فأوقعهم ذلك في ترك المبالاة بالدين.
ولكن المسلمين اتبعوا بعد ذلك سننهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع وسبقوهم في الاتكال على الشفاعة وما يترتب عليه من التهاون بالدين كما نرى.
هذه القلوب التي خويت من ذكر الله وخلت من خشيته للجهل بما يجب من معرفته وهي على خطر الهلاك الأبدي.
وهذه النفوس المنغمسة في أقذار الشهوات، المسترسلة في فعل المنكرات، وهي تشعر بأنها على شفير جهنم، تريد أن تتلهى بما يصمها عن سماع نذير الشريعة للفطرة التي أفسدتها الجهالات والأهواء، لكيلا تتألم بما ينغص عليها لذاتها، أو يحتم عليها طاعة ربها، فلا ترى أُلْهِيَةً تضيفها إلى الدين، ويرتضيه لها رؤساؤه الرسميون، إلا كلمة الشفاعة التي تزعم أنها تعظم بها النبيين والصديقين، وإن جعلتها بمعنى وثني يخل بعظمة رب العالمين، وكل من اغتر بذلك فشيطانه هو الذي يوسوس له ويمده في الغي، وإنها النفس ما عرفت عظمة الله ولا شعرت بالحياء منه في حياتها ولا ظهر في أعمالها أثر محبته، ولا احترام دينه وشريعته، وما أثر الإيمان به والحب له والرجاء بفضله إلا أخذ دينه بقوة وجد، وآيته بذل المال والروح في إعلاء كلمته، وتأييد شريعته، لا الامتنان عليه وعلى رسوله بقبول لقب الإسلام، وتعظيمه بالقول والخيال، دون القلوب والأعمال والقرآن شاهد عدل ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"