آية الكرسي

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > آية الكرسي

ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌۭ وَلَا نَوْمٌۭ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍۢ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ ٢٥٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 314 دقيقة قراءة

صفحةُ آية الكرسي: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير آية الكرسي عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه آية الكرسي ولها شأن عظيم قد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل آية في كتاب الله .

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق حدثنا سفيان عن سعيد الجريري عن أبي السليل عن عبد الله بن رباح ، عن أبي هو ابن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله : " أي آية في كتاب الله أعظم " ؟

قال : الله ورسوله أعلم .

فرددها مرارا ثم قال أبي : آية الكرسي .

قال : " ليهنك العلم أبا المنذر ، والذي نفسي بيده إن لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش " وقد رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن الجريري به ، وليس عنده زيادة : " والذي نفسي بيده .

.

.

" إلخ .

حديث آخر : عن أبي أيضا في فضل آية الكرسي ، قال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا مبشر عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبدة بن أبي لبابة عن عبد الله بن أبي بن كعب : أن أباه أخبره : أنه كان له جرن فيه تمر قال : فكان أبي يتعاهده فوجده ينقص قال : فحرسه ذات ليلة فإذا هو بدابة شبيه الغلام المحتلم قال : فسلمت عليه فرد السلام .

قال : فقلت : ما أنت ، جني أم إنسي ؟

قال : جني .

قلت : ناولني يدك .

قال : فناولني ، فإذا يد كلب وشعر كلب .

فقلت : هكذا خلق الجن ؟

قال : لقد علمت الجن ما فيهم أشد مني ، قلت : فما حملك على ما صنعت ؟

قال : بلغني أنك رجل تحب الصدقة فأحببنا أن نصيب من طعامك .

قال : فقال له فما الذي يجيرنا منكم ؟

قال : هذه الآية : آية الكرسي .

ثم غدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " صدق الخبيث " .

وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي داود الطيالسي عن حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن الحضرمي بن لاحق ، عن محمد بن عمرو بن أبي بن كعب عن جده به .

وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عثمان بن غياث قال : سمعت أبا السليل قال : كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحدث الناس حتى يكثروا عليه فيصعد على سطح بيت فيحدث الناس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أي آية في القرآن أعظم ؟

" فقال رجل : ( الله لا إله إلا هو ) قال : فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي ، أو قال : فوضع يده بين ثديي فوجدت بردها بين كتفي وقال : " ليهنك العلم يا أبا المنذر " .

حديث آخر : عن الأسفع البكري .

قال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا أبو يزيد القراطيسي حدثنا يعقوب بن أبي عباد المكي حدثنا مسلم بن خالد ، عن ابن جريج أخبرني عمر بن عطاء أن مولى ابن الأسفع رجل صدق أخبره عن الأسفع البكري : أنه سمعه يقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين فسأله إنسان : أي آية في القرآن أعظم ؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ) حتى انقضت الآية .

.

حديث آخر : عن أنس قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن الحارث حدثني سلمة بن وردان أن أنس بن مالك حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلا من صحابته فقال : " أي فلان هل تزوجت " ؟

قال : لا وليس عندي ما أتزوج به .

قال : " أوليس معك : ( قل هو الله أحد ) " ؟

قال : بلى .

قال : " ربع القرآن .

أليس معك : ( قل ياأيها الكافرون ) " ؟

قال : بلى .

قال : " ربع القرآن .

أليس معك ( إذا زلزلت ) " ؟

قال : بلى .

قال : " ربع القرآن .

أليس معك : ( إذا جاء نصر الله [ والفتح ] ) " ؟

قال : بلى .

قال : " ربع القرآن .

أليس معك آية الكرسي : ( الله لا إله إلا هو ) " ؟

قال : بلى .

قال : " ربع القرآن " .

حديث آخر : عن أبي ذر جندب بن جنادة قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع بن الجراح حدثنا المسعودي أنبأني أبو عمر الدمشقي عن عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر رضي الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فجلست .

فقال : " يا أبا ذر هل صليت ؟

" قلت : لا .

قال : " قم فصل " قال : فقمت فصليت ثم جلست فقال : " يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن " قال : قلت : يا رسول الله أوللإنس شياطين ؟

قال : " نعم " قال : قلت : يا رسول الله الصلاة ؟

قال : " خير موضوع ، من شاء أقل ومن شاء أكثر " .

قال : قلت : يا رسول الله فالصوم ؟

قال : " فرض مجزئ وعند الله مزيد " قلت : يا رسول الله فالصدقة ؟

قال : " أضعاف مضاعفة " .

قلت : يا رسول الله فأيها أفضل ؟

قال : " جهد من مقل أو سر إلى فقير " قلت : يا رسول الله أي الأنبياء كان أول ؟

قال : " آدم " قلت : يا رسول الله ونبي كان ؟

قال : " نعم نبي مكلم " قال : قلت : يا رسول الله كم المرسلون ؟

قال : " ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرا " وقال مرة : " وخمسة عشر " قال : قلت : يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم ؟

قال : " آية الكرسي : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) " ورواه النسائي .

حديث آخر : عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ، رضي الله عنه وأرضاه قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب : أنه كان في سهوة له ، وكانت الغول تجيء فتأخذ فشكاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم : فقال : " فإذا رأيتها فقل : باسم الله أجيبي رسول الله " .

قال : فجاءت فقال لها : فأخذها فقالت : إني لا أعود .

فأرسلها فجاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ما فعل أسيرك ؟

" قال : أخذتها فقالت لي : إني لا أعود ، إني لا أعود .

فأرسلتها ، فقال : " إنها عائدة " فأخذتها مرتين أو ثلاثا كل ذلك تقول : لا أعود .

وأجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : " ما فعل أسيرك ؟

" فأقول : أخذتها فتقول : لا أعود .

فيقول : " إنها عائدة " فأخذتها فقالت : أرسلني وأعلمك شيئا تقوله فلا يقربك شيء : آية الكرسي ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : " صدقت وهي كذوب " .

ورواه الترمذي في فضائل القرآن عن بندار عن أبي أحمد الزبيري به ، وقال : حسن غريب .

وقد ذكر البخاري هذه القصة عن أبي هريرة فقال في كتاب " فضائل القرآن " وفي كتاب " الوكالة " وفي " صفة إبليس " من صحيحه : قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو حدثنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال : إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة .

قال : فخليت عنه .

فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة ؟

" قال : قلت : يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته وخليت سبيله .

قال : " أما إنه قد كذبك وسيعود " فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه سيعود " فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود .

فرحمته وخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة ؟

" قلت : يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته فخليت سبيله .

قال : " أما إنه قد كذبك وسيعود " فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود .

فقال : دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها .

قلت : ما هن .

قال : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح .

فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما فعل أسيرك البارحة ؟

" قلت : يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله .

قال : " ما هي ؟

" قال : قال لي : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) وقال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح .

وكانوا أحرص شيء على الخير ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أما إنه صدقك وهو كذوب .

تعلم من تخاطب مذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟

" قلت : لا قال : " ذاك شيطان " .

كذا رواه البخاري معلقا بصيغة الجزم وقد رواه النسائي في " اليوم والليلة " عن إبراهيم بن يعقوب عن عثمان بن الهيثم فذكره وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة بسياق آخر قريب من هذا فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره : حدثنا محمد بن عبد الله بن عمرويه الصفار ، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب أخبرنا مسلم بن إبراهيم أخبرنا إسماعيل بن مسلم العبدي أخبرنا أبو المتوكل الناجي : أن أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة وكان فيه تمر فذهب يوما ففتح الباب فوجد التمر قد أخذ منه ملء كف ودخل يوما آخر فإذا قد أخذ منه ملء كف ثم دخل يوما آخر ثالثا فإذا قد أخذ منه مثل ذلك .

فشكا ذلك أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " تحب أن تأخذ صاحبك هذا ؟

" قال : نعم .

قال : " فإذا فتحت الباب فقل : سبحان من سخرك لمحمد " فذهب ففتح الباب فقال : سبحان من سخرك لمحمد .

فإذا هو قائم بين يديه قال : يا عدو الله أنت صاحب هذا ؟

قال : نعم دعني فإني لا أعود ما كنت آخذا إلا لأهل بيت من الجن فقراء ، فخلى عنه ثم عاد الثانية ثم عاد الثالثة .

فقلت : أليس قد عاهدتني ألا تعود ؟

لا أدعك اليوم حتى أذهب بك إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تفعل ، فإنك إن تدعني علمتك كلمات إذا أنت قلتها لم يقربك أحد من الجن صغير ولا كبير ذكر ولا أنثى قال له : لتفعلن ؟

قال : نعم .

قال : ما هن ؟

قال : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) قرأ آية الكرسي حتى ختمها فتركه فذهب فأبعد فذكر ذلك أبو هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما علمت أن ذلك كذلك ؟

" .

وقد رواه النسائي عن أحمد بن محمد بن عبيد الله عن شعيب بن حرب عن إسماعيل بن مسلم عن أبي المتوكل عن أبي هريرة به ، وقد تقدم لأبي بن كعب كائنة مثل هذه أيضا فهذه ثلاث وقائع .

قصة أخرى : قال أبو عبيد في كتاب " الغريب " : حدثنا أبو معاوية عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود قال : خرج رجل من الإنس فلقيه رجل من الجن فقال : هل لك أن تصارعني ؟

فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخل شيطان ؟

فصارعه فصرعه فقال : إني أراك ضئيلا شخيتا كأن ذراعيك ذراعا كلب ، أفهكذا أنتم أيها الجن كلكم أم أنت من بينهم ؟

فقال : إني بينهم لضليع فعاودني ، فصارعه فصرعه الإنسي .

فقال : تقرأ آية الكرسي فإنه لا يقرؤها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان وله خبج كخبج الحمار .

فقيل لابن مسعود : أهو عمر ؟

فقال : من عسى أن يكون إلا عمر .

قال أبو عبيد : الضئيل : النحيف الجسم ، والخبج بالخاء المعجمة ويقال : بالحاء المهملة : الضراط .

حديث آخر عن أبي هريرة : قال الحاكم أبو عبد الله في مستدركه : حدثنا علي بن حمشاذ ، حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثني حكيم بن جبير الأسدي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه !

آية الكرسي " .

وكذا رواه من طريق أخرى عن زائدة عن حكيم بن جبير ثم قال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

كذا قال ، وقد رواه الترمذي من حديث زائدة [ به ] ولفظه : " لكل شيء سنام ، وسنام القرآن سورة البقرة ، وفيها آية هي سيدة آي القرآن : آية الكرسي " .

ثم قال : غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير ، وقد تكلم فيه شعبة وضعفه .

قلت : وكذا ضعفه أحمد ويحيى بن معين وغير واحد من الأئمة وتركه ابن مهدي وكذبه السعدي .

حديث آخر : قال ابن مردويه : حدثنا عبد الباقي بن نافع ، أخبرنا عيسى بن محمد المروزي ، أخبرنا عمر بن محمد البخاري ، أخبرنا أبي ، أخبرنا عيسى بن موسى غنجار ، عن عبد الله بن كيسان ، أخبرنا يحيى بن عقيل ، عن يحيى بن يعمر ، عن ابن عمر ، عن عمر بن الخطاب : أنه خرج ذات يوم إلى الناس وهم سماطات فقال : أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن ؟

فقال ابن مسعود : على الخبير سقطت ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أعظم آية في القرآن : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) .

حديث آخر في اشتماله على اسم الله الأعظم : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن بكر ، أخبرنا عبيد الله بن أبي زياد ، حدثنا شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الآيتين ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) و ( الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) [ آل عمران : 1 ، 2 ] " إن فيهما اسم الله الأعظم " .

وكذا رواه أبو داود عن مسدد ، والترمذي عن علي بن خشرم ، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، ثلاثتهم عن عيسى بن يونس عن عبيد الله بن أبي زياد به ، وقال الترمذي : حسن صحيح .

حديث آخر في معنى هذا عن أبي أمامة رضي الله عنه : قال ابن مردويه : أخبرنا عبد الرحمن بن نمير ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل ، أخبرنا هشام بن عمار ، أخبرنا الوليد بن مسلم ، أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زيد : أنه سمع القاسم بن عبد الرحمن يحدث عن أبي أمامة يرفعه قال : " اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث : سورة البقرة وآل عمران وطه " وقال هشام وهو ابن عمار خطيب دمشق : أما البقرة ف ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) وفي آل عمران : ( الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) وفي طه : ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) [ طه : 111 ] .

حديث آخر عن أبي أمامة في فضل قراءتها بعد الصلاة المكتوبة : قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن محرز بن مساور الأدمي ، أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسن ، أخبرنا الحسين بن بشر بطرسوس ، أخبرنا محمد بن حمير ، أخبرنا محمد بن زياد ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت " .

وهكذا رواه النسائي في " اليوم والليلة " عن الحسين بن بشر به ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث محمد بن حمير وهو الحمصي من رجال البخاري أيضا ، فهو إسناد على شرط البخاري ، وقد زعم أبو الفرج بن الجوزي أنه حديث موضوع فالله أعلم .

وقد روى ابن مردويه من حديث علي والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله نحو هذا الحديث .

ولكن في إسناد كل منها ضعف .

وقال ابن مردويه أيضا : حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري ، أخبرنا يحيى بن درستويه المروزي ، أخبرنا زياد بن إبراهيم ، أخبرنا أبو حمزة السكري ، عن المثنى ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي موسى الأشعري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أوحى الله إلى موسى بن عمران عليه السلام أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة ؛ فإنه من يقرأها في دبر كل صلاة مكتوبة أجعل له قلب الشاكرين ولسان الذاكرين وثواب المنيبين وأعمال الصديقين ، ولا يواظب على ذلك إلا نبي أو صديق أو عبد امتحنت قلبه للإيمان أو أريد قتله في سبيل الله " وهذا حديث منكر جدا .

حديث آخر في أنها تحفظ من قرأها أول النهار وأول الليل : قال أبو عيسى الترمذي : حدثنا يحيى بن المغيرة أبو سلمة المخزومي المديني ، أخبرنا ابن أبي فديك ، عن عبد الرحمن المليكي ، عن زرارة بن مصعب ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ : ( حم ) المؤمن إلى : ( إليه المصير ) وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي ، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح " ثم قال : هذا حديث غريب ، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة المليكي من قبل حفظه .

وقد ورد في فضيلتها أحاديث أخر تركناها اختصارا لعدم صحتها وضعف أسانيدها كحديث على قراءتها عند الحجامة : أنها تقوم مقام حجامتين ، وحديث أبي هريرة في كتابتها في اليد اليسرى بالزعفران سبع مرات وتلحس للحفظ وعدم النسيان ، أوردهما ابن مردويه وغير ذلك .

وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة .

فقوله : ( الله لا إله إلا هو ) إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق ) الحي القيوم ) أي : الحي في نفسه الذي لا يموت أبدا القيم لغيره ، وكان عمر يقرأ : " القيام " فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غني عنها ، ولا قوام لها بدون أمره كقوله : ( ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ) [ الروم : 25 ] وقوله : ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) أي : لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه بل هو قائم على كل نفس بما كسبت شهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه خافية ، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم ، فقوله : ( لا تأخذه ) أي : لا تغلبه سنة وهي الوسن والنعاس ولهذا قال : ( ولا نوم ) لأنه أقوى من السنة .

وفي الصحيح عن أبي موسى قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال : " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل ، وعمل الليل قبل عمل النهار ، حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، أخبرني الحكم بن أبان ، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله : ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) أن موسى عليه السلام سأل الملائكة هل ينام الله عز وجل ؟

فأوحى الله إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثا فلا يتركوه ينام ففعلوا ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما .

قال : فجعل ينعس وهما في يده في كل يد واحدة قال : فجعل ينعس وينبه وينعس وينبه حتى نعس نعسة فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما .

قال معمر : إنما هو مثل ضربه الله عز وجل يقول : فكذلك السماوات والأرض في يديه .

وهكذا رواه ابن جرير عن الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق فذكره ، وهو من أخبار بني إسرائيل ، وهو مما يعلم أن موسى عليه السلام لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله عز وجل وأنه منزه عنه .

وأغرب من هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، حدثنا هشام بن يوسف ، عن أمية بن شبل ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى عليه السلام على المنبر ، قال : " وقع في نفس موسى : هل ينام الله ؟

فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما " .

قال : " فجعل ينام تكاد يداه تلتقيان فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى ، حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان " قال : " ضرب الله له مثلا عز وجل : أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض " .

وهذا حديث غريب جدا والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع ، والله أعلم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي ، حدثني أبي ، عن أبيه ، حدثنا أشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن بني إسرائيل قالوا : يا موسى هل ينام ربك ؟

قال : اتقوا الله .

فناداه ربه عز وجل : يا موسى سألوك : هل ينام ربك فخذ زجاجتين في يديك فقم الليلة ففعل موسى فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه ، ثم انتعش فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا .

فقال : يا موسى ، لو كنت أنام لسقطت السماوات والأرض فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك .

وأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم آية الكرسي .

وقوله : ( له ما في السماوات وما في الأرض ) إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه وتحت قهره وسلطانه كقوله : ( إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) [ مريم : 9395 ] .

وقوله : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) كقوله : ( وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) [ النجم : 26 ] وكقوله : ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) [ الأنبياء : 28 ] وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع عنده إلا بإذنه له في الشفاعة كما في حديث الشفاعة : " آتي تحت العرش فأخر ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال : ارفع رأسك ، وقل تسمع ، واشفع تشفع " قال : " فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة " .

وقوله : ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات : ماضيها وحاضرها ومستقبلها كقوله إخبارا عن الملائكة : ( وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا ) [ مريم : 64 ] .

وقوله : ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) أي : لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله عز وجل وأطلعه عليه .

ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلا بما أطلعهم الله عليه كقوله : ( ولا يحيطون به علما ) [ طه : 110 ] .

وقوله : ( وسع كرسيه السماوات والأرض ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا ابن إدريس ، عن مطرف بن طريف ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( وسع كرسيه ) قال : علمه ، وكذا رواه ابن جرير من حديث عبد الله بن إدريس وهشيم كلاهما عن مطرف بن طريف به .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن سعيد بن جبير مثله .

ثم قال ابن جرير : وقال آخرون : الكرسي موضع القدمين .

ثم رواه عن أبي موسى والسدي والضحاك ومسلم البطين .

وقال شجاع بن مخلد في تفسيره : أخبرنا أبو عاصم عن سفيان عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله : ( وسع كرسيه السماوات والأرض ) قال : " كرسيه موضع قدميه ، والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل " .

كذا أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن مردويه من طريق شجاع بن مخلد الفلاس ، فذكره وهو غلط ، وقد رواه وكيع في تفسيره : حدثنا سفيان عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : الكرسي موضع القدمين ، والعرش لا يقدر أحد قدره .

وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي عن محمد بن معاذ عن أبي عاصم عن سفيان وهو الثوري بإسناده عن ابن عباس موقوفا مثله وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وقد رواه ابن مردويه من طريق الحاكم بن ظهير الفزاري الكوفي وهو متروك عن السدي عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا ولا يصح أيضا .

وقال السدي عن أبي مالك : الكرسي تحت العرش .

وقال السدي : السماوات والأرض في جوف الكرسي ، والكرسي بين يدي العرش .

وقال الضحاك عن ابن عباس : لو أن السماوات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة .

ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم .

وقال ابن جرير : حدثني يونس أخبرني ابن وهب قال : قال ابن زيد : حدثني أبي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس " .

قال : وقال أبو ذر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض " .

وقال أبو بكر بن مردويه : أخبرنا سليمان بن أحمد أخبرنا عبد الله بن وهيب الغزي أخبرنا محمد بن أبي السري العسقلاني أخبرنا محمد بن عبد الله التميمي عن القاسم بن محمد الثقفي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري ، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة " .

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده : حدثنا زهير حدثنا ابن أبي بكير حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر ، رضي الله عنه قال : أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : ادع الله أن يدخلني الجنة .

قال : فعظم الرب تبارك وتعالى وقال : " إن كرسيه وسع السماوات والأرض ، وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد من ثقله " .

وقد رواه الحافظ البزار في مسنده المشهور ، وعبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما ، والطبراني وابن أبي عاصم في كتابي السنة لهما ، والحافظ الضياء في كتاب " المختار " من حديث أبي إسحاق السبيعي عن عبد الله بن خليفة وليس بذاك المشهور وفي سماعه من عمر نظر ، ثم منهم من يرويه عنه عن عمر موقوفا ، ومنهم من يرويه عنه مرسلا ، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة ، ومنهم من يحذفها .

وأغرب من هذا حديث جبير بن مطعم في صفة العرش كما رواه أبو داود في كتابه السنة من سننه ، والله أعلم .

وقد روى ابن مردويه وغيره أحاديث عن بريدة وجابر وغيرهما في وضع الكرسي يوم القيامة لفصل القضاء ، والظاهر أن ذلك غير المذكور في هذه الآية .

وقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإسلاميين : أن الكرسي عندهم هو الفلك الثامن وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع وهو الفلك الأثير ويقال له : الأطلس .

وقد رد ذلك عليهم آخرون .

وروى ابن جرير من طريق جويبر عن الحسن البصري أنه كان يقول : الكرسي هو العرش .

والصحيح أن الكرسي غير العرش ، والعرش أكبر منه ، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار ، وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد الله بن خليفة ، عن عمر في ذلك ، وعندي في صحته نظر ، والله أعلم .

وقوله : ( ولا يئوده حفظهما ) أي : لا يثقله ولا يكرثه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما ومن بينهما ، بل ذلك سهل عليه يسير لديه وهو القائم على كل نفس بما كسبت ، الرقيب على جميع الأشياء ، فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء والأشياء كلها حقيرة بين يديه متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه ، محتاجة فقيرة وهو الغني الحميد الفعال لما يريد ، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .

وهو القاهر لكل شيء الحسيب على كل شيء الرقيب العلي العظيم لا إله غيره ولا رب سواه .

فقوله : ( وهو العلي العظيم ) كقوله : ( وهو [ العلي الكبير ) وكقوله ] : ( الكبير المتعال ) [ الرعد : 9 ] .

وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على تأويل قوله: " الله " (17) .

* * * وأما تأويل قوله: " لا إله إلا هو " فإن معناه: النهي عن أن يعبد شيء غير الله الحي القيوم الذي صفته ما وصف به نفسه تعالى ذكره في هذه الآية.

يقول: " الله " الذي له عبادة الخلق=" الحي القيوم "، لا إله سواه، لا معبود سواه، يعني: ولا تعبدوا شيئا سوى الحي القيوم الذي لا يأخذه سِنة ولا نوم، (18) والذي صفته ما وصف في هذه الآية.

* * * وهذه الآية إبانة من الله تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله عما جاءت به أقوال المختلفين في البينات= (19) من بعد الرسل الذين أخبرنا تعالى ذكره أنه فضل بعضهم على بعض= واختلفوا فيه، فاقتتلوا فيه كفرا به من بعض، وإيمانا به من بعض.

فالحمد لله الذي هدانا للتصديق به، ووفقنا للإقرار.

* * * وأما قوله: " الحي" فإنه يعني: الذي له الحياة الدائمة، والبقاء الذي لا أول له بحد، ولا آخر له بأمد، (20) إذ كان كل ما سواه فإنه وإن كان حيا فلحياته أول محدود، وآخر ممدود، ينقطع بانقطاع أمدها، (21) وينقضي بانقضاء غايتها.

* * * وبما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 5763 - حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " الحي" حي لا يموت.

5764 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

* * * قال أبو جعفر: وقد اختلف أهل البحث في تأويل ذلك (22) .

فقال بعضهم: إنما سمى الله نفسه " حيا "، لصرفه الأمور مصارفها وتقديره الأشياء مقاديرها، فهو حي بالتدبير لا بحياة.

وقال آخرون: بل هو حي بحياة هي له صفة.

وقال آخرون: بل ذلك اسم من الأسماء تسمى به، فقلناه تسليما لأمره (23) .

* * * وأما قوله: " القيوم "، فإنه " الفيعول " من " القيام " وأصله " القيووم "،: سبق عين الفعل، وهي" واو " ،" ياء " ساكنة، فأدغمتا فصارتا " ياء " مشددة.

وكذلك تفعل العرب في كل " واو " كانت للفعل عينا، سبقتها " ياء " ساكنة.

ومعنى قوله: " القيوم "، القائم برزق ما خلق وحفظه، كما قال أمية: (24) .

لــم تخــلق الســماء والنجــوم والشــمس معهــا قمــر يعــوم (25) قــــدره المهيمـــن القيـــوم والجســـر والجنـــة والجحــيم (26) إلا لأمــر شـأنه عظيــم * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 5765 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " القيوم "، قال: القائم على كل شيء.

5766 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " القيوم "، قيم كل شيء، يكلؤه ويرزقه ويحفظه.

5767 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " القيوم " وهو القائم.

&; 5-389 &; 5768 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: " الحي القيوم "، قال: القائم الدائم.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " لا تأخذه سنة "، لا يأخذه نعاس فينعس، ولا نوم فيستثقل نوما.

* * * " والوسن " خثورة النوم، (27) ومنه قول عدي بن الرقاع: وســنان أقصـده النعـاس فـرنقت فــي عينــه ســنة وليس بنـائم (28) ومن الدليل على ما قلنا: من أنها خثورة النوم في عين الإنسان، قول الأعشى ميمون بن قيس: تعـــاطى الضجــيع إذا أقبلــت بعيــد النعــاس وقبــل الوســن (29) وقال آخر: (30) باكرتهـا الأغـراب فـي سـنة النـو م فتجــري خـلال شـوك السـيال (31) &; 5-391 &; يعني عند هبوبها من النوم ووسن النوم في عينها، يقال منه: " وسن فلان فهو يوسن وسنا وسنة وهو وسنان "، إذا كان كذلك.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 5769 - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله تعالى: " لا تأخذه سنة " قال: السنة: النعاس، والنوم: هو النوم (32) .

5770 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " لا تأخذه سنة " السنة: النعاس.

5771 - حدثنا الحسن بن يحيي، قال: أخبرنا عبد الرازق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن في قوله: " لا تأخذه سنة " قالا نعسة.

5772 - حدثني المثنى، قال، حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " لا تأخذه سنة ولا نوم " قال: السنة: الوسنة، وهو دون النوم، والنوم: الاستثقال، 5773 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن &; 5-392 &; جويبر، عن الضحاك: " لا تأخذه سنة ولا نوم " السنة: النعاس، والنوم: الاستثقال.

5774 - حدثني يحيي بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله سواء.

5775 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " لا تأخذه سنة ولا نوم " أما " سنة "، فهو ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان (33) .

5776 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " لا تأخذه سنة ولا نوم " قال: " السنة "، الوسنان بين النائم واليقظان.

5777 - حدثني عباس بن أبي طالب، قال: حدثنا منجاب بن الحرث، قال: حدثنا علي بن مسهر، عن إسماعيل عن يحيى بن رافع: " لا تأخذه سنة " قال: النعاس (34) .

5778 - حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " لا تأخذه سنة ولا نوم " قال: " الوسنان ": الذي يقوم من النوم لا يعقل، حتى &; 5-393 &; ربما أخذ السيف على أهله.

* * * قال أبو جعفر: وإنما عنى تعالى ذكره بقوله: " لا تأخذه سنة ولا نوم " لا تحله الآفات، ولا تناله العاهات.

وذلك أن " السنة " و " النوم "، معنيان يغمران فهم ذي الفهم، ويزيلان من أصاباه عن الحال التي كان عليها قبل أن يصيباه.

* * * فتأويل الكلام، إذ كان الأمر على ما وصفنا: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الذي لا يموت= الْقَيُّومُ على كل ما هو دونه بالرزق والكلاءة والتدبير والتصريف من حال إلى حال=" لا تأخذه سنة ولا نوم "، لا يغيره ما يغير غيره، ولا يزيله عما لم يزل عليه تنقل الأحوال وتصريف الليالي والأيام، بل هو الدائم على حال، والقيوم على جميع الأنام، لو نام كان مغلوبا مقهورا، لأن النوم غالب النائم قاهره، ولو وسن لكانت السماوات والأرض وما فيهما دكا، لأن قيام جميع ذلك بتدبيره وقدرته، والنوم شاغل المدبر عن التدبير، والنعاس مانع المقدر عن التقدير بوسنه.

(35) كما: 5779 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر= قال: أخبرني الحكم بن أبان، (36) عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: " لا يأخذه سنة ولا نوم " أن موسى سأل الملائكة: هل ينام الله؟

فأوحى الله إلى الملائكة، وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثا فلا يتركوه ينام.

ففعلوا، ثم أعطوه قارورتين فأمسكوه، ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما.

قال: فجعل ينعس وهما في يديه، &; 5-394 &; في كل يد واحدة.

قال: فجعل ينعس وينتبه، وينعس وينتبه، حتى نعس نعسة، فضرب بإحداهما الأخرى فكسرهما= قال معمر: إنما هو مثل ضربه الله، يقول: فكذلك السماوات والأرض في يديه.

5780 - حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى صلى الله عليه وسلم على المنبر، قال: وقع في نفس موسى: هل ينام الله تعالى ذكره؟

فأرسل الله إليه ملكا فأرّقه ثلاثا، ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة، أمره أن يحتفظ بهما.

قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى، ثم نام نومة فاصطفقت يداه وانكسرت القارورتان.

قال: ضرب الله مثلا له أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض (37) .

* * * القول في تأويل قوله تعالى : لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " له ما في السماوات وما في الأرض " أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون كل آلهة ومعبود (38) .

وإنما يعنى بذلك أنه لا تنبغي العبادة لشيء سواه، لأن المملوك إنما هو طوع يد مالكه، وليس له خدمة غيره إلا بأمره.

يقول: فجميع ما في السموات والأرض ملكي وخلقي، فلا ينبغي أن يعبد أحد من خلقي غيري وأنا مالكه، لأنه لا ينبغي للعبد أن يعبد غير مالكه، ولا يطيع سوى مولاه.

* * * وأما قوله: " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " يعني بذلك: من ذا الذي يشفع لمماليكه إن أراد عقوبتهم، إلا أن يخليه، ويأذن له بالشفاعة لهم.

(39) وإنما قال ذلك تعالى ذكره لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى!

(40) فقال الله تعالى ذكره لهم: لي ما في السموات وما في الأرض مع السموات والأرض ملكا، فلا ينبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه والشفاعة لمن يشفع له، من رسلي وأوليائي وأهل طاعتي.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك أنه المحيط بكل ما كان وبكل ما هو كائن علما، لا يخفى عليه شيء منه.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 5781 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم: " يعلم ما بين أيديهم "، الدنيا=" وما خلفهم "، الآخرة.

5782 - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " يعلم ما بين أيديهم "، ما مضى من الدنيا=" وما خلفهم " من الآخرة.

5783 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج قوله: " يعلم ما بين أيديهم " ما مضى أمامهم من الدنيا=" وما خلفهم " ما يكون بعدهم من الدنيا والآخرة.

5784 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " يعلم ما بين أيديهم "، قال: [ وأما ]" ما بين أيديهم "، فالدنيا=" وما خلفهم "، فالآخرة (41) .

* * * وأما قوله: " ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء "، فإنه يعني تعالى ذكره: أنه العالم الذي لا يخفي عليه شيء محيط بذلك كله، (42) &; 5-397 &; محص له دون سائر من دونه= وأنه لا يعلم أحد سواه شيئا إلا بما شاء هو أن يعلمه، فأراد فعلمه، وإنما يعني بذلك: أن العبادة لا تنبغي لمن كان بالأشياء جاهلا فكيف يعبد من لا يعقل شيئا البتة من وثن وصنم ؟!

يقول: أخلصوا العبادة لمن هو محيط بالأشياء كلها، (43) يعلمها، لا يخفي عليه صغيرها وكبيرها.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 5786 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا يحيطون بشيء من علمه " يقول: لا يعلمون بشيء من علمه =" إلا بما شاء "، هو أن يعلمهم (44) .

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى " الكرسي" الذي أخبر الله تعالى ذكره في هذه الآية أنه وسع السماوات والأرض.

فقال بعضهم: هو علم الله تعالى ذكره.

* ذكر من قال ذلك: 5787 - حدثنا أبو كريب وسلم بن جنادة، قالا حدثنا ابن إدريس، عن مطرف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " وسع كرسيه " قال: كرسيه علمه.

5788 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا مطرف، &; 5-398 &; عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله= وزاد فيه: ألا ترى إلى قوله: وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ؟

* * * وقال آخرون: " الكرسي": موضع القدمين.

* ذكر من قال ذلك: 5789 - حدثني علي بن مسلم الطوسي، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثني محمد بن جحادة، عن سلمة بن كهيل، عن عمارة بن عمير، عن أبي موسى، قال: الكرسي: موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرحل (45) .

5790 - حدثني موسى بن هاوون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " وسع كرسيه السماوات والأرض "، فإن السماوات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش، وهو موضع قدميه.

5791 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك قوله: " وسع كرسيه السماوات والأرض "، قال: كرسيه الذي يوضع تحت العرش، الذي يجعل الملوك عليه أقدامهم، 5792 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، قال: الكرسي: موضع القدمين (46) .

&; 5-399 &; 5793 - حدثني عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " وسع كرسيه السماوات والأرض "، قال: لما نـزلت: " وسع كرسيه السماوات والأرض " قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هذا الكرسي وسع السموات والأرض، فكيف العرش؟

فأنـزل الله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إلى قوله: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: 67] (47) .

5794 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " وسع كرسيه السماوات والأرض " قال ابن زيد: فحدثني أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس "= قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض (48) .

* * * وقال آخرون: الكرسي: هو العرش نفسه.

* ذكر من قال ذلك: 5795 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: كان الحسن يقول: الكرسي هو العرش.

* * * قال أبو جعفر: ولكل قول من هذه الأقوال وجه ومذهب، غير أن الذي هو أولى بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما:- &; 5-400 &; 5796 - حدثني به عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة!

فعظم الرب تعالى ذكره، ثم قال: " إن كرسيه وسع السماوات والأرض، وأنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع- ثم قال بأصابعه فجمعها - وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد، إذا ركب، من ثقله " (49) .

5797 - حدثني عبد الله بن أبى زياد، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.

5798 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: جاءت امرأة، فذكر نحوه (50) .

* * * وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عنه أنه قال: " هو علمه " (51) .

وذلك لدلالة قوله تعالى ذكره: وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا على أن ذلك كذلك، فأخبر أنه لا يؤوده حفظ ما علم، وأحاط به مما في السماوات والأرض، وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا في دعائهم: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: 7]، &; 5-402 &; فأخبر تعالى ذكره أن علمه وسع كل شيء، فكذلك قوله: " وسع كرسيه السماوات والأرض ".

* * * قال أبو جعفر: وأصل " الكرسي" العلم.

(52) ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب " كراسة "، ومنه قول الراجز في صفة قانص: * حتى إذا ما احتازها تكرسا * (53) .

يعني علم.

ومنه يقال للعلماء " الكراسي"، لأنهم المعتمد عليهم، كما يقال: " أوتاد الأرض ".

يعني بذلك أنهم العلماء الذي تصلح بهم الأرض، (54) ومنه قول الشاعر: (55) يحـف بهـم بيـض الوجـوه وعصبة كراســي بــالأحداث حـين تنـوب (56) يعني بذلك علماء بحوادث الأمور ونوازلها.

والعرب تسمي أصل كل شيء " الكرس "، يقال منه: " فلان كريم الكرس "، أي كريم الأصل، قال العجاج: &; 5-403 &; قــد علـم القـدوس مـولى القـدس أن أبـــا العبـــاس أولــى نفس * بمعدن الملك الكريم الكِرْس * (57) يعني بذلك: الكريم الأصل، ويروى: * في معدن العز الكريم الكِرْس * * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ولا يئوده حفظهما "، ولا يشق عليه ولا يثقله.

* * * يقال منه: " قد آدني هذا الأمر فهو يؤودني أودا وإيادا "، (58) ويقال: " ما آدك فهو لي آئد "، يعني بذلك: ما أثقلك فهو لي مثقل.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 5799 - حدثنا المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: &; 5-404 &; حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " ولا يؤوده حفظهما " يقول: لا يثقل عليه.

5800 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ولا يؤوده حفظهما " قال: لا يثقل عليه حفظهما.

5801 - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ولا يؤوده حفظهما " لا يثقل عليه لا يجهده حفظهما.

5802 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله: " ولا يؤوده حفظهما " قال: لا يثقل عليه شيء.

5803 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا يوسف بن خالد السمتي، قال: حدثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " ولا يؤود حفظهما " قال: لا يثقل عليه حفظهما.

5804 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن أبي زائدة= وحدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد= قالا جميعا: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: " ولا يؤوده حفظهما " قال: لا يثقل عليه.

5805 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، عن عبيد، عن الضحاك، مثله.

5806 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعته = يعني خلادا = يقول: سمعت أبا عبد الرحمن المديني يقول في هذه الآية: " ولا يؤوده حفظهما "، قال: لا يكبر عليه (59) .

5807 - حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن &; 5-405 &; ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ولا يؤوده حفظهما " قال: لا يكرثه (60) .

5808 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا يؤوده حفظهما " قال: لا يثقل عليه.

5809 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " ولا يؤوده حفظهما " يقول: لا يثقل عليه حفظهما.

5810 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " ولا يؤوده حفظهما " قال: لا يعز عليه حفظهما.

* * * قال أبو جعفر: " والهاء "، و " الميم " و " الألف " في قوله: " حفظهما "، من ذكر السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ .

فتأويل الكلام: وسع كرسيه السماوات والأرض، ولا يثقل عليه حفظ السموات والأرض.

* * * وأما تأويل قوله: " وهو العلي" فإنه يعني: والله العلي.

* * * و " العلي" " الفعيل " من قولك: " علا يعلو علوا "، إذا ارتفع،" فهو عال وعلي"،" والعلي" ذو العلو والارتفاع على خلقه بقدرته.

* * * وكذلك قوله: " العظيم "، ذو العظمة، الذي كل شيء دونه، فلا شيء أعظم منه.

كما:- 5811 - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " العظيم "، الذي قد كمل في عظمته.

* * * &; 5-406 &; قال أبو جعفر: واختلف أهل البحث في معنى قوله: (61) .

" وهو العلي".

فقال بعضهم: يعني بذلك; وهو العلي عن النظير والأشباه، (62) وأنكروا أن يكون معنى ذلك: " وهو العلي المكان ".

وقالوا: غير جائز أن يخلو منه مكان، ولا معنى لوصفه بعلو المكان، لأن ذلك وصفه بأنه في مكان دون مكان.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: وهو العلي على خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه، لأنه تعالى ذكره فوق جميع خلقه وخلقه دونه، كما وصف به نفسه أنه على العرش، فهو عال بذلك عليهم.

* * * وكذلك اختلفوا في معنى قوله: " العظيم ".

فقال بعضهم: معنى " العظيم " في هذا الموضع: المعظم، صرف " المفعل " إلى " فعيل "، كما قيل للخمر المعتقة،" خمر عتيق "، كما قال الشاعر: (63) .

وكــأن الخـمر العتيـق مـن الإس فنـــط ممزوجـــة بمــاء زلال (64) وإنما هي" معتقة ".

قالوا: فقوله " العظيم " معناه: المعظم الذي يعظمه خلقه ويهابونه ويتقونه.

قالوا: وإنما يحتمل قول القائل: " هو عظيم "، أحد معنين: أحدهما: ما وصفنا من أنه معظم، والآخر: أنه عظيم في المساحة والوزن.

قالوا: وفي بطول القول بأن يكون معنى ذلك: أنه عظيم في المساحة والوزن، صحة القول بما قلنا.

* * * وقال آخرون: بل تأويل قوله: " العظيم " هو أن له عظمة هي له صفة.

وقالوا: لا نصف عظمته بكيفية، ولكنا نضيف ذلك إليه من جهة الإثبات، (65) .

وننفي عنه أن يكون ذلك على معنى مشابهة العظم المعروف من العباد.

لأن ذلك تشبيه له بخلقه، وليس كذلك.

وأنكر هؤلاء ما قاله أهل المقالة التي قدمنا ذكرها، وقالوا: لو كان معنى ذلك أنه " معظم "، لوجب أن يكون قد كان غير عظيم قبل أن يخلق الخلق، وأن يبطل معنى ذلك عند فناء الخلق، لأنه لا معظم له في هذه الأحوال.

* * * وقال آخرون: بل قوله: إنه " العظيم " وصف منه نفسه بالعظم.

وقالوا: كل ما دونه من خلقه فبمعنى الصغر لصغرهم عن عظمته.

------------------ الهوامش : (17) انظر تفسير"الله" فيما سلف 1 : 122- 126 .

(18) في المطبوعة : "ولا تعبدوا شيئا سواه الحي القيوم" ، والصواب من المخطوطة .

(19) في المطبوعة : "المختلفين في البينات" ، بزيادة"في" ، وهو خطأ مخل بالكلام ، والصواب ما في المخطوطة ، و"البينات"فاعل"جاءت به" ، و"المختلفين"مفعوله .

والجملة التي بين الخطين ، معترضة ، وقةله : بعد"واختلفوا فيه فاقتتلوا فيه..." ، عطف على قوله : "عما جاءت به..." .

(20) في المطبوعة : "لا أول له يحد" بالياء ، فعلا ، ثم جعل التي تليها"ولا آخر له يؤمد" ، فأتى بفعل عجيب لا وجود له في العربية ، وفي المخطوطة : "بحد" غير منقوطة وصواب قراءتها بباء الجر في أوله .

وفيها"بأمد" كما أثبت ، والأمد : الغاية التي ينتهى إليها .

بقول : ليس له أول له حد يبدأ منه وليس له آخر له أمد ينتهى إليه .

(21) في المطبوعة : "وآخر مأمود" ، أتى أيضًا بالعجب في تغيير المخطوطة ، وباستخراج كلمة لا يجيزها اشتقاق العربية ، ولم تستعمل في كلام قط .

وفي المخطوطة"ممدود"كما أثبتها .

وهي من قولهم : "مد له في كذا" أي طويل له فيه .

بل أولى من ذلك أن يقال إنها من"المد" ، وهي الطائفة من الزمان .

وقد استعملو من المدة : "ماددت القوم" .

أي جعلت لهم مدة ينهون إليها .

وفي الحديث : "يا ويح قريش ، لقد نهكتهم الحرب!

ما ضرهم لو ماددناهم مدة" ، أي جعلنا لهم مدة ، وهي زمان الهدنة .

وقال ابن حجر في مقدمته الفتح : 182"قوله : (في المدة التي فيها أبا سفيان) : أي جعل بينه وبينه مدة صلح ، ومنه : (إن شاؤوا ماددتهم) .

فهو"فاعل" من"المد" .

ولا شك أن الثلاثى منه جائز أن يقال : " مد له مدة" أي جعل له مدة ينتهى من عند آخرها .

وكأتى قرأتها في بعض كتب السير ، فأرجو أن أظفر بها فأقيدها إن شاء الله ، فمعنى قوله : "وآخر ممدود ينقطع بانقطاع أمدها" أي : آخر قد ضربت له مدة ينقطع بانقطاع غايتها .

(22) هذه أول مرة يستعمل فيها الطبري : "أهل البحث" ، ويعنى بذلك أهل النظر من المتكلمين .

(23) في المطبوعة : "فقلناه" ، وما في المخطوطة صواب أيضًا جيد .

(24) هو : أمية بن أبي الصلت الثقفى .

(25) ديوانه : 57 ، والقرطبي 3 : 271 ، وتفسير أبي حيان 25 : 277 .

وفي المطبوعة والقرطبي"قمر يقوم" ، وهو لا معنى له ، والصواب في المخطوطة وتفسير أبي حيان .

عامت النجوم تعوم عوما : جرب ، مثل قولهم : "سبحت النجوم في الفلك تسبح سبحا" (26) في المراجع كلها"والحشر" ، وهو خطأ وتصحيف لا ريب فيه عندي ، وهو في المخطوطة"والحسر" غير منقوطة ، وصواب قراءتها"الجسر" كما أثبت .

وفي حديث البخاري : "ثم يؤتى بالجسر" قال ابن حجر : أي الصراط ، وهو كالقنطرة بين الجنة والنار ، يمر عليها المؤمنون .

ولم يذكر في بابه في كتب اللغة ، فليقيد هناك ، فإن هذا هو سبب تصحيف هذه الكلمة .

وفي بعض المراجع : "والجنة والنعيم" ، والذي في الطبري هو الصواب .

هذا وشعر أمية كثير خلطه .

(27) الخثورة : نقيض الرقة ، يقال : "خثر اللبن والعسل ونحوهما" ، إذا ثقل وتجمع ، والمجاز منه قولهم : "فلان خاثر النفس" أي ثقيلها ، غير طيب ولا نشيط ، قد فتر فتورا .

واستعمله الطبري استعمالا بارعا ، فجعل للنوم"خثورة" ، وهي شدة الفتور ، كأنه زالت رقته واستغلط فثقل ، وهذا تعبير لم أجده قبله .

(28) من أبيات له في الشعر والشعراء : 602 ، والأغانى 9 : 311 ، ومجاز القرآن 1 : 78 ، واللسان (وسن) (رنق) ، وفي جميعها مراجع كثيرة ، وقبل البيت في ذكرها صاحبته"أم القاسم" : وكأنهــا وســط النسـاء أعارهـا عينيــه أحـور مـن جـاذر جاسـم وسـنان أقصـده النعـاس ..........

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

يصطــاد يقظـان الرجـال حديثهـا وتطــير بهجتهــا بـروح الحـالم والجآذر بقر الوحش ، وهي حسان العيون .

وجاسم : موضع تكثر فيه الجآذر .

و" أقصده النعاس" قتله النعاس وأماته .

يقال : "عضته حبة فإقصدته" ، أي قتلته على المكان -أي من فوره .

و"رفقت" أي خالطت عينه .

وأصله من ترنيق الماء ، وهو تكديره بالطين حتى يغلب على الماء .

وحسن أن يقال هو من ترنيق الطائر بجناحيه ، وهو رفرفته إذا خفق بجناحيه في الهواء فثبت ولم يطر ، وهذا المجازأعجب إلى في الشعر .

(29) ديوانه : 15 ، وهو يلي البيت الذي سلف 1 : 345 ، 346 ، وفي ذكر نساء استمع بهن : إذا هـــن نـــازلن أقـــرانهن وكـان المصـاع بمـا فـي الجـون تعـــاطى الضجـــيع...........

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

صريفيـــة طيبـــا طعمهـــا لهــا زبــد بيــن كــوب ودن وقوله"تعاطى" من قولهم للمرأة : "هى تعاطى خلها" أي صاحبها -أن تناوله قبلها وريقها .

وقوله : "أقبلت" ، هو عندي بمعنى : سامحت وطاوعت وانقادت ، من"القبول" وهو الرضا .

ولم يذكر ذلك أصحاب اللغة ، ولكنه جيد في العربية ، شبيه بقولهم : "أسمحت" ، من السماح ، إذا أسهلت وانقادت ووافقت ما يطلبه صاحبها .

وذلك هو الجيد عندي .

ليس من الإقبال على الشيء .

بل من القبول .

ويروي مكمان ذلك : "إذا سامها" ، ورواية الديوان : "بعيد الرقـــاد وعنــد الوســن" والصريفية : الخمر الطيبة ، جعلها صريفية ، لأنها أخذت من الدن ساعتئذ ، كاللبن الصريف وهو اللبن الذي ينصرف من الضرع حارا إذا حلب .

وفي الديون : "صليفية" ، باللام ، والصواب بالراء يقول : إذا انقادت لصاحبها بعيد رقادها ، أو قبل وسنها ، عاطته من ريقها خمرا صرفا تفور بالزبد بين الكوب و الدن ، ولم يمض وقت عليها فتفسد .

يقول : ريفها هو الخمر ، في يقظتها قبل الوسن -وذلك بدء فتور الفس وتغير الطباع -وبعد لومها ، وقد تغيرت أفواه البشر واستكرهت روائحها ينفي عنها العيب في الحالين .

وذلك قل أن يكون في النساء أو غيرهن .

(30) هو الاعشى أيضًا (31) ديوانه : 5 ، واللسان (غرب) ، من قصيدة جليلة ، أفضى فيها إلى ذكر صاحبته له يقول قبله : وكـأن الخـمر العتيـق مـن الإسفنط ممزوجــــة بمــاء زلال باكرتها الأغراب .......................

...............................

الإسفنط : أجود أنواع الخمر وأغلاها .

وباكرتها ، أي في أول النهار مبادرة إليها .

والأغراب جمع غرب (بفتح فسكمون) ، وهو القدح .

والسيال : شجر سبط الأغصان ، عليه شوك أبيض أصوله أمثال ثنايا اعذارى ، وتشبه به أسنانهن يقول : إذا نامت لم يتغير طيب ثغرها ، بل كأن الخمر تجرى بين ثناياها طيبة الشذا .

وقوله : "باكرتها الأغراب" ، وهو كفوله في الشعر السالف أنها"صريفية" أي أخذت من دنها لسعتها .

يقول : ملئت الأقداح منها بكرة ، يعنى تبادرت إليها الأقداح من دنها ، وذلك أطيب لها .

هذا ، وقد جاء في شرح الديوان : الأغراب : حد الأسنان وبياضها ، وأظال في شرحه ، ولكنى لا أرتضيه ، والذي شرحته موجود في اللسان ، وهو أعرق في الشعر ، وفي فهمه .

(32) يعنى أن النوم معروف ، والسنة غير النوم ، وانظر الأثر الآتي : 5772 وما بعده .

(33) في المخطوطة"ريح" غير منقوطة .

والريح هنا : الغلبة والقوة ، كما جاء في شعر أعشى فهو أو سليك بن السلكة .

أتنظران قليلا ريث غفلتهمأوتعدوان فإن الريح للعادى أي الغلبة .

وربما قرئت أيضًا : "الرنح" (بفتح الراء وسكون النون) وهو الدوار .

ومنه : "ترنح من السكر" إذا تمايل ، و"رنح به" (بالبناء للمجهول مشددة النون) إذا دير به كالمغشى عليه ، أو اعتراه وهن في عظامه من ضرب أو فزع أو سكر .

(34) الأثر : 5777 -"عباس بن أبي طالب" ، هو : "عباس جعفر بن الزبرقان" مضت ترجمته في رقم : 880 ، و"المنجاب بن الحارث" ، مضت ترجمته في رقم : 322 -328 ، و"على بن مسهر القرشي" الكوفي الحافظ ، روي عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، وهشام بن عروة ، واسماعيل بن أبي خلد .

ثقة ، مات سنة 189 .

مترجم في التهذيب .

و" اسناعيل" هو" اسماعيل بن أبي خالد الأحمس" روي عن أبيه ، وأبيجحيفة ، ن وعبدالله بن أبي أوفى ، وعمرو بن حريث ، وأبي كاهل ، وهؤلاء صحابة .

وعن زيد بن وهب والشعبي وغيرهما من كبار التابعين .

كان ثقة ثبتا .

مات سنه 146 .

مترجم في التهذيب .

و"يحيى بن رافع" أبو عيسى الثقفى .

روي عن عثمان وأبي هريرة ، وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد .

مترجم في الكبير 4/ 2/ 273 ، وابن أبي حاتم 4/2/ 143 .

(35) في المطبوعة : "يمانع" بالياء في أوله ، وهو خطأ لا خير فيه .

وإنما أخطأ قراءة المخطوطة للفتحة على الميم ، اتصلت بأولها .

(36) في المطبوعة والمخطوطة"وأخبرنى الحكم" ، وكأن الصواب حذف الواو"أخبرنا معمر قال ، أخبرنى الحكم بن أبان" كما أثبته فإن معمرا يروي عن الحكم بن أبان .

انظر ترجمته في التهذيب ، وكما جاء في ابن كثير 2 : 11 على الصواب .

وقال بمقبه : "وهو من أخبار بني إسرائيل ، وهو مما يعلم أن موسى عليه السلام لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله عز وجل ، وهو منزه عنه" .

وأصاب ابن كثير الحق ، فإن أهل الكتاب ينسبون إلى أنبياء الله ، ما لو تركوه لكان خيرا لهم .

(37) الأثر : 5780 -"إسحق بن أبى إسرائيل-واسمه إبراهيم- بن كما مجرا ، أبو يعقوب المروزي" نزيل بغداد .

روى عنه البخاري في الأدب المفرد ، وأبو داود والنسائى وغيرهم .

قال ابن معين : "من ثقات المسلمين ، ما كتب حديثا قط عن أحد من الناس ، إلا ما خطه هو في ألواحه أو كتابه" .

وكرهه أحمد لوقفه في أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، فتركه الناس حتى كان الناس يمرون بمسجده ، وهو فيه وحيد لا يقربه أحد .

وقال أبو زرعة : "عندي أنه لا يكذب ، وحدث بحديث منكر" .

مات سنه 240 .

مترجم في التهذيب .

و"هشام بن يوسف الصنعائي"قاضي صنعاء ، ثقة .

روى عنه الأئمة كلهم .

روي عن معمر ، وابن جريج ، والقاسم بن فياض ، والثوري ، وغيرهم .

قال عبد الرزاق : "إن حدثكم القاضي -يعنى هشام بن يوسف- فلا عليكم أن لا تكتبوا عن غيره" .

مترجم في التهذيب .

و"أمية بن شبل الصنعائي" ، سمع الحكم بن أبان طاوس .

روى عنه هشام بن يوسف وعبدالرزاق ، وثقه ابن معين ، مترجم في الكبير 1/2/ 12 ، ولم يذكر فيه جرحا ، وابن أبي حاتم 1/ 1/ 302 ، ولسان الميزان 1 : 467 .

وقال الحافظ في لسان الميزان : "له حديث منكر ، رواه عن الحكم بن أبان عن عكرمة ، عن أبي هريرة ، مرفوعا ، قال"وقع في نفس موسى عليه السلام ، هل ينام الله" ، الحديث ، رواه عنه هشام بن يوسف ، وخالفه معمر ، عن الحكم ، عن عكمرمة ، فوقفة ، وهو أقرب .

ولا يسوغ أن يكون هذا وقعا في نفس موسى عليه السلام ، وإنما روي أن بني إسرائيل سألوا موسى عن ذلك" .

وساق ابن كثير في تفسير 1 : 11 ، هذه الآثار ، ثم قال : "وأغرب من هذا كله ، الحديث الذي رواه ابن جرير : حدثنا إسحق بن أبي إسرائيل..." ، وساق الخبر ، ثم قال : " وهذا حديث غريب ، والأظهر أنه إسرائيل لا مرفوع ، والله أعلم" .

والذي قاله ابن حجر قاطع في أمر هذا الخبر .

(38) انظر ما سلف في تفسير : "له ما في السموات..." ، 2 : 537 .

(39) انظر معنى"شفع" فيما سلف 2 : 31 - 33 ، وما سلف قريبا : 382 - 384 .

ومعنى"الإذن" فيما سلف 2 : 449 ، 450/ ثم4 : 286 ، 370/ ثم هذا 352 ، 355 .

(40) هذا تأويل آية"سورة الزمر" : 3 .

(41) زيادة ما بين القوسين ، لاغنى عنها .

(42) انظر تفسير"الإحاطة" فيما سلف 2 : 284 .

(43) في المطبوعة : "أخلصوا" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب .

(44) سقط من الترقيم : 5785 ، سهوا .

(45) الأثر : 5789 -"علي بن مسلم بن سعيد الطوسي" نزيل بغداد .

روى عنه البخاري ، وأبو داود ، والنسائي ، ثقة ، مات سنة 253 ، مترجم في التهذيب .

و"عمارة بن عمير التيمي" ، رأى عبدالله لابن عمرو ، وروي عن الأسود بن يزيد النخعي ، والحارث بن سويد التيمي ، وإبراهيم بن أبي موسى الأشعري .

لم يدرك أبا موسى .

والحديث منقطع .

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 1 : 327 ، ونسبه لابن المنذر ، وأبي الشيخ ، والبيهقى في الأسماء والصفات .

الأطيط : صوت الرحل والنسع الجديد ، وصوت الباب ، وهو صوت متمدد خشن ليس كالصرير بل أخشن .

(46) الأثر : 5792 -خرجه ابن كثير في تفسيره 2 : 13 من طريق سفيان عن عمار الدهني ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، ونسبه لوكيع في تفسيره .

ورواه الكاكم في المستدرك 2 : 282 مثله ، موقوفا علي ابن عباس ، وقال : "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" .

ووافقه الذهبى قال ابن كثير : " وقد رواه ابن مردويه ، من طريق الحاكم بن ظهير الفزارى الكوفي ، وهو متروك ، عن السدى عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا ، ولا يصح أيضًا" .

وانظر مجمع الزوائد 6 : 323 : والفتح 8 : 149 .

(47) الأثر : 5793 - لم يرد في تفسير الآية من"سورة الزمر" .

(48) الأثر : 5794 -أثر أبي ذر ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 1 : 328 ، ونسبه لأبي الشيخ في العظمة ، وابن مردويه ، والبيهقي في الأسماء والصفات ، وخرجه ابن كثير في تفسيره 2 : 13 وساق لفظ ابن مردويه وإسناده ، من طريق محمد بن عبدالتميمي ، عن القاسم بن محمد الثقفي ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي ذر .

(49) الأثر : 5796 -"عبدالله بن أبي زياد القطواني" ، هو"عبدالله بن الحكم بن أبي زيادة" سلفت ترجمته برقم : 2247 .

و"عبيدالله بن موسي بن أبي المختار ، وأسمه باذام ، العبسى مولاهم" ، روى عنه البخاري ، وروى عنه هو والباقون بواسطة أحمد بن أبي سريج الرازى ، وأحمد بن إسحق البخاري ، وأبي بكر بن أبي شبية ، وعبدالله بن الحكم القطواني وغيرهم .

ثقة صدوق حسن الحديث ، كان عالما بالقرآن رأسا فيه ، وأثبت أصحاب إسرائيل .

مترجم في التهذيب .

و"عبدالله بن خليفة الهمداني الكوفي" روي عن عمر وجابر ، روى عنه أبو إسحق السبيعى ذكره ابن حبان في الثقات .

مترجم في التهذيب .

وهكذا روى الطبري هذا الأثر موقوفا ، وخرجه ابن كثير وفي تفسيره 2 : 13 من طريق إسرائيل ، عن أبي إسحق ، عن عبدالله بن خليفة ، عن عمر رضي الله عنه .

قال ابن كثير : "وقد رواه الحافظ البزار في مسنده المشهور ، وعبد بن بن حميد ، وابن جرير في تفسيريهما ، والطبراني ، وابن أبي عاصم في كتابي السنة ، لها ، والحافظ الضياء في كتابه المختار من حديث أبي إسحق السبيعي ، عن عبدالله بن خليفة ، وليس بذاك المشهور .

وفي سماعه من عمر نظطر : ثم منهم من يرويه عنه ، عن عمر موقوفا -قلت : كما رواه الطبري هنا -ومنهم من يرويه عن عمر مرسلا ، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غربية -قلت : وهي زيادة الطبري في هذا الحديث -ومنهم من يحذفها .

وأغرب من هذا حديث جبير بن مطعم في صفة العرش ، كما رواه أبو داود في كتاب السنة من سنته (رقم : 4726) ، والله أعلم" .

قال بيده : أشار بها ، وانظر ما سلف من تفسير الطبري لذلك في 2 : 546 -548 .

(50) الأثران : 5797 ، 5798 -يحيى بن أبي بكير ، واسمه نسر ، الأسدي" ، أبو زكريا الكرماني الأصل .

سكن بغداد ، روي عن بن عثمان ، وإبراهيم بن طهمان ، وإسرائيل ، وزائدة .

روى عنه الستة ، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي ، ومحمد بن أحمد بن أحمد بن أبي خلف ، وغيرهم .

ذكره ابن حبان في الثقات .

مات سنة 208 أو 209 .

مترجم في التهذيب .

وكان في المطبوعة"يحيى بن أبي بكر" وهو خطأ .

وهذا الأثر ، والذي يليه ، إسنادان آخران للأثر السالف رقم : 5796 ، فانظر التعليق عليهما .

(51) العجب لأبي جعفر ، كيف تناقض قوله في هذا الموضع !

فإنه بدأ فقال : إن الذي هو أولى بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ، من الحديث في صفة الكرسي ، ثم عاد في هذا الموضع يقول : وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن ، فقول ابن عباس أنه علم الله سبحانه .

فإما هذا وإما هذا ، وغير ممكن أن يكون أولى التأويلات في معنى"الكرسي" هو الذي جاء في الحديث الأول ، ويكون معناه أيضًا "العلم" ، كما زعم أنه دل على صحته ظاهر القرآن .

وكيف يجمع في تأويل واحد ، معنيان مختلفان في الصفة والجوهر !

!

وإذا كان خبر جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، صحيح الإسناد ، فإن الخبر الآخر الذي رواه مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، صحيح الإسناد علىشرط الشيخين ، كما قال الحاكم ، وكما في مجمع الزوائد 6 : 323" رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح" ، كما بينته في التعليق على الأثر : 5792 .

ومهما قيل فيها ، فلن يكون أحدهما أرجح من الآخر إلا بمرجح يجب التسليم له .

وأما أبو منصور الأزهري فقد قال في ذكر الكرسي : "والصحيح عن ابن عباس ما رواه عمار الدهنى ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنه قال : "الكرسي موضع القدمين ، وأما العرش فإنه لا يقدر قدره .

قال : وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها .

قال : ومن روى عنه في الكرسي أنه العلم ، فقد أبطل" ، وهذا هو قول أهل الحق إن شاء الله .

وقد أراد الطبري أن يستدل بعد بأن الكرسي هو"العلم" ، بقوله تعالى : "ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما" ، فلم لم يجعل"الكرسي" هو"الرحمة" ، وهما في آية واحدة؟

ولم يجعلها كذلك لقوله تعالى في سورة الأعراف : 156 : "قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء"؟

واستخراج معنى الكرسي من هذه الآية كما فعل الطبري ، ضعيف جدا ، يجل عنه من كان مثله حذرا ولطفا ودقة .

وأما ما ساقه بعد من الشواهد في معنى"الكرسي" ، فإن أكثره لا يقوم على شيء ، وبعضه منكر التأويل ، كما سأبينه بعد إن شاء الله .

وكان يحسبه شاهدا ودليلا أنه لم يأت في القرآن في غير هذا الموضع ، بالمعنى الذي قالوه ، وأنه جاء في الآية الأخرى بما ثبت في صحيح اللغة من معنى"الكرسي" ، وذلك قوله تعالى في"سورة ص" : "ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب" .

وكتبه محمود محمد شاكر .

(52) أخشى أن يكون الصواب : "وأصل الكرس : العلم" (بفتح الكاف وسكون الراء) مما رواه ابن العرابى من قولهم : "كرس الرجل" (بفتح ثم كسر) : إذا ازدحم علمه على قلبه .

وجعل أبي جعفر هذا أصلا ، عجب أي عجب!

فمادة اللغة تشهد على خلافه ، وتفسير ابن الأعرابى هذا أيضًا شاهد على خلافه .

وأنما أصل المادة (كرس) من تراكم الشيء وتلبد بعضه على وتجمعه .

وقوله بعد : " ومنه قيل للصحيفة كراسة" ، والأجود أن يقال : إنه من تجمع أوراقه بعضها على بعض ، أو ضم بعضها إلى بعض .

(53) لم أجد الرجز ، وقوله : "احتازها" ، أي حازها وضمها إلى نفسه .

ولا أدرى إلى أي شيء يعود الضمير : إلى القانص أم إلى كلبه؟

والاستدلال بهذا الرجز على أنه يعنى بقوله : "تكرس" ، علم ، لا دليل عليه ، حتى نجد سائر الشعر ، ولم يذكره أحد من أصحاب اللغة .

(54) هذا التفسير مأخوذ من قول قطرب كما سيأتى ، أنهم العلماء ، ولكن أصل مادة اللغة يدل على أن أصل ذلك هو ذلك هو الشيء الثابت الذي يعتمد عليه ، كالكرسي الذي يجلس عليه ، وتسمية العلماء بذلك مجاز محض .

(55) لم أعرف قائله .

(56) لم أجد البيت ، إلا فيمن نقل عن الطبري ، وفي أساس البلاغة (كرس) أنشده بعد قوله : "ويقال للعلماء الكراسي -عن قطرب" وأنشد البت .

ولم أجد من ذكر ذلك من ثقات أهل اللغة .

(57) ديوانه : 78 ، واللسان (قدس) (كرس) .

و"القدس" هو الله -سبحانه الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص .

والقدس .

ومولاها : ربها .

وقد سلف تفسير معنى"القدس" و"القدس" في هذا التفسير 1 : 475 ، 476/ 2 : 322 ، 323 .

و"أبو العباس" هو أبو العباس السفاح ، الخليفة العباسي .

وروى صاحب اللسان" القديم الكرس" ، و"المعدن" (بفتح الميم وكسر الدال) : مكان كل شيء وأصله الثابت ، ومنه : "معدن الذهب والفضة" ، وهو الموضع الذي ينبت الل فيه الذهب والفضة ، ثم تستخرج منه ، وهو المسمى في زماننا"المنجم" .

يقول : أبو العباس أولى نفس بالخلافة ، الثابتة الأصل الكريمته .

(58) قوله : "إيادا" مصدر لم أجده في كتب اللغة ، زادناه الطبري .

(59) في المخطوطة والمطبوعة : "يكثر عليه" والصواب ما أثبت : "كبر عليه" ، ثقل عليه .

(60) كرثه الأمر يكرثه : اشتد عليه وبلغ منه المشقة .

(61) انظر ما سلف في ذكره" أهل البحث" فيما سلف قريبا : 387 ، التعليق : 2 .

(62) في المخطوطة : "النظر" ، بغير ياء .

و"النظر" (بكسر فسكون) ، مثل"النظير" ، مثل : "ند ونديد" .

وجائز أن يكون"النظر" (بضمتين) جمع"نظير" ، وهم يكسر"فعيلا" الصفة ، على"فعل" ، بضمتين تشبيها له"بفعيل" الاسم ، كما قالوا في"جديد ، جدد" ، و"نذير ، نذر" .

أما النظائر جمع نظير ، فهو شاذ عن بابه .

(63) هو الأعشى .

(64) ديوانه : 5 ، وقد مضى هذا البيت في تعليقنا آنفًا : 390 ، تعليق : 3 .

والزلال : الماء الصافى العذب البارد السائغ في الحلق .

(65) الإثبات: إثبات الصفات لله سبحانه كما وصف نفسه ، بلا تأويل ، خلافا للمعتزلة وغيرهم وانظر ما سلف 1 : 189 ، تعليق : 1 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيمقوله تعالى : الله لا إله إلا هو الحي القيوم هذه آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية ، كما تقدم بيانه في الفاتحة ، ونزلت ليلا ودعا النبي صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها .

روي عن محمد ابن الحنفية أنه قال : لما نزلت آية الكرسي خر كل صنم في الدنيا ، وكذلك خر كل ملك في الدنيا وسقطت التيجان عن رءوسهم ، وهربت الشياطين يضرب بعضهم على بعض إلى أن أتوا إبليس فأخبروه بذلك فأمرهم أن يبحثوا عن ذلك ، فجاءوا إلى المدينة فبلغهم أن آية الكرسي قد نزلت .

وروى الأئمة عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟

قال قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟

قال قلت : الله لا إله إلا هو الحي القيوم فضرب في صدري وقال : ليهنك العلم يا أبا المنذر .

زاد الترمذي الحكيم أبو عبد الله : فوالذي نفسي بيده إن لهذه الآية للسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش .

قال أبو عبد الله : فهذه آية أنزلها الله جل ذكره ، وجعل ثوابها لقارئها عاجلا وآجلا ، فأما في العاجل فهي حارسة لمن قرأها من الآفات ، وروي لنا عن نوف البكالي أنه قال : آية الكرسي تدعى في التوراة ولية الله .

يريد [ ص: 246 ] يدعى قارئها في ملكوت السماوات والأرض عزيزا ، قال : فكان عبد الرحمن بن عوف إذا دخل بيته قرأ آية الكرسي في زوايا بيته الأربع ، معناه كأنه يلتمس بذلك أن تكون له حارسا من جوانبه الأربع ، وأن تنفي عنه الشيطان من زوايا بيته .

وروي عن عمر أنه صارع جنيا فصرعه عمر رضي الله عنه ، فقال له الجني : خل عني حتى أعلمك ما تمتنعون به منا ، فخلى عنه وسأله فقال : إنكم تمتنعون منا بآية الكرسي .قلت : هذا صحيح ، وفي الخبر : من قرأ الكرسي دبر كل صلاة كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام ، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى يستشهد .

وعن علي رضي الله عنه قال : سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول وهو على أعواد المنبر : من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله .

وفي البخاري عن أبي هريرة قال : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان ، وذكر قصة وفيها : فقلت يا رسول الله ، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله ، قال : ( ما هي ) ؟

قلت قال لي : إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الله لا إله إلا هو الحي القيوم .

وقال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح ، وكانوا أحرص شيء على الخير .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ) ؟

قال : لا ، قال : ( ذاك شيطان ) .

وفي مسند الدارمي أبي محمد قال [ ص: 247 ] الشعبي قال عبد الله بن مسعود : لقي رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رجلا من الجن فصارعه فصرعه الإنسي ، فقال له الإنسي : إني لأراك ضئيلا شخيتا كأن ذريعتيك ذريعتا كلب فكذلك أنتم معشر الجن ، أم أنت من بينهم كذلك ؟

قال : لا والله إني منهم لضليع ولكن عاودني الثانية فإن صرعتني علمتك شيئا ينفعك ، قال نعم ، فصرعه ، قال : تقرأ آية الكرسي : الله لا إله إلا هو الحي القيوم ؟

قال : نعم ، قال : فإنك لا تقرأها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج كخبج الحمار ثم لا يدخله حتى يصبح .

أخرجه أبو نعيم عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي .

وذكره أبو عبيدة في غريب حديث عمر حدثناه أبو معاوية عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي عن عبد الله قال : فقيل لعبد الله : أهو عمر ؟

فقال : ما عسى أن يكون إلا عمر .

قال أبو محمد الدارمي : الضئيل : الدقيق ، والشخيت : المهزول ، والضليع : جيد الأضلاع ، والخبج : الريح .

وقال أبو عبيدة : الخبج : الضراط ، وهو الحبج أيضا بالحاء .

وفي الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ حم - المؤمن - إلى إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي ، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح قال : حديث غريب .

وقال أبو عبد الله الترمذي الحكيم : وروي أن المؤمنين ندبوا إلى المحافظة على قراءتها دبر كل صلاة .

عن أنس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : أوحى الله إلى موسى عليه السلام من داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة أعطيته فوق ما أعطي الشاكرين وأجر النبيين وأعمال الصديقين وبسطت عليه يميني بالرحمة ولم يمنعه أن أدخله الجنة إلا أن يأتيه ملك الموت ) قال موسى عليه السلام : يا رب من سمع بهذا لا يداوم عليه ؟

قال : ( إني لا أعطيه من عبادي إلا لنبي أو صديق أو رجل أحبه أو رجل أريد قتله في سبيلي .

وعن أبي بن كعب قال : قال الله تعالى : ( يا موسى من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة أعطيته ثواب الأنبياء ) قال أبو عبد الله : معناه عندي أعطيته ثواب عمل الأنبياء ، فأما ثواب النبوة فليس لأحد إلا للأنبياء .

وهذه الآية تضمنت التوحيد والصفات العلا ، وهي خمسون كلمة ، وفي كل كلمة خمسون بركة ، وهي تعدل ثلث القرآن ، ورد بذلك الحديث ، ذكره ابن عطية .

و ( الله ) مبتدأ ، و ( لا إله ) مبتدأ ثان وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود .

و ( إلا هو ) بدل من موضع لا إله .

وقيل : الله لا إله إلا هو ابتداء وخبر ، وهو مرفوع محمول على المعنى ، أي ما إله [ ص: 248 ] إلا هو ، ويجوز في غير القرآن لا إله إلا إياه ، نصب على الاستثناء .

قال أبو ذر في حديثه الطويل : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية أنزل الله عليك من القرآن أعظم ؟

فقال : الله لا إله إلا هو الحي القيوم .

وقال ابن عباس : أشرف آية في القرآن آية الكرسي .

قال بعض العلماء : لأنه يكرر فيها اسم الله تعالى بين مضمر وظاهر ثماني عشرة مرة .( الحي القيوم ) نعت لله عز وجل ، وإن شئت كان بدلا من هو ، وإن شئت كان خبرا بعد خبر ، وإن شئت على إضمار مبتدإ .

ويجوز في غير القرآن النصب على المدح .

و ( الحي ) اسم من أسمائه الحسنى يسمى به ، ويقال : إنه اسم الله تعالى الأعظم .

ويقال : إن عيسى ابن مريم عليه السلام كان إذا أراد أن يحيي الموتى يدعو بهذا الدعاء : يا حي يا قيوم .

ويقال : إن آصف بن برخيا لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان دعا بقوله يا حي يا قيوم .

ويقال : إن بني إسرائيل سألوا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم : أيا هيا شرا هيا ، يعني يا حي يا قيوم .

ويقال : هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يدعون به .

قال الطبري عن قوم : إنه يقال حي قيوم كما وصف نفسه ، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه .

وقيل : سمى نفسه حيا لصرفه الأمور مصاريفها وتقديره الأشياء مقاديرها .

وقال قتادة : الحي الذي لا يموت .

وقال السدي : المراد بالحي الباقي .

قال لبيد :فإما تريني اليوم أصبحت سالما فلست بأحيا من كلاب وجعفروقد قيل : إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم .

القيوم من قام ، أي القائم بتدبير ما خلق ، عن قتادة .

وقال الحسن : معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها ، من حيث هو عالم بها لا يخفى عليه شيء منها .

وقال ابن عباس : معناه الذي لا يحول ولا يزول ، قال أمية بن أبي الصلت :لم تخلق السماء والنجوم والشمس معها قمر يقومقدره مهيمن قيوم والحشر والجنة والنعيمإلا لأمر شأنه عظيمقال البيهقي : ورأيت في " عيون التفسير " لإسماعيل الضرير في تفسير " القيوم " قال : ويقال هو الذي لا ينام ، وكأنه أخذه من قوله عز وجل عقيبه في آية الكرسي : لا تأخذه سنة ولا نوم .

وقال الكلبي : القيوم الذي لا بديء له ، ذكره أبو بكر الأنباري .

وأصل قيوم قيووم [ ص: 249 ] اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء ، ولا يكون قيوم فعولا ؛ لأنه من الواو فكان يكون قووما .

وقرأ ابن مسعود وعلقمة والأعمش والنخعي " الحي القيام " بالألف ، وروي ذلك عن عمر .

ولا خلاف بين أهل اللغة في أن القيوم أعرف عند العرب وأصح بناء وأثبت علة .

و " القيام " منقول عن القوام إلى القيام ، صرف عن الفعال إلى الفيعال ، كما قيل للصواغ الصياغ ، قال الشاعر :إن ذا العرش للذي يرزق النا س وحي عليهم قيومثم نفى عز وجل أن تأخذه سنة ولا نوم .

والسنة : النعاس في قول الجميع .

والنعاس ما كان من العين فإذا صار في القلب صار نوما ، قال عدي بن الرقاع يصف امرأة بفتور النظر :وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائموفرق المفضل بينهما فقال : السنة من الرأس ، والنعاس في العين ، والنوم في القلب .

وقال ابن زيد : الوسنان الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل ، حتى ربما جرد السيف على أهله .

قال ابن عطية : وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر ، وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب .

وقال السدي : السنة : ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان .قلت : وبالجملة فهو فتور يعتري الإنسان ولا يفقد معه عقله .

والمراد بهذه الآية أن الله تعالى لا يدركه خلل ولا يلحقه ملل بحال من الأحوال .

والأصل في " سنة " وسنة حذفت الواو كما حذفت من يسن .

والنوم هو المستثقل الذي يزول معه الذهن في حق البشر .

والواو للعطف و ( لا ) توكيد .قلت : والناس يذكرون في هذا الباب عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى على المنبر قال : ( وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما قال فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ثم يستيقظ فينحي أحديهما عن الأخرى حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان - قال - ضرب الله له مثلا أن لو كان ينام لم تتمسك السماء والأرض ) ولا يصح هذا الحديث ، ضعفه غير واحد منهم البيهقي .قوله تعالى : له ما في السماوات وما في الأرض أي بالملك فهو مالك الجميع وربه وجاءت العبارة ب " ما " وإن كان في الجملة من يعقل من حيث المراد الجملة [ ص: 250 ] والموجود .

قال الطبري : نزلت هذه الآية لما قال الكفار : ما نعبد أوثانا إلا ليقربونا إلى الله زلفى .قوله تعالى : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " من " رفع بالابتداء و " ذا " خبره ، و " الذي " نعت ل " ذا " ، وإن شئت بدل ، ولا يجوز أن تكون " ذا " زائدة كما زيدت مع " ما " لأن " ما " مبهمة فزيدت " ذا " معها لشبهها بها .

وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة ، وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله ، ثم لا يشفعون إلا لمن ارتضى ، كما قال : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى قال ابن عطية : والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين ، أو وصل ولكن له أعمال صالحة .

وفي البخاري في " باب بقية من أبواب الرؤية " : إن المؤمنين يقولون : ربنا إن إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا .

وهذه شفاعة فيمن يقرب أمره ، وكما يشفع الطفل المحبنطئ على باب الجنة .

وهذا إنما هو في قراباتهم ومعارفهم .

وإن الأنبياء يشفعون فيمن حصل في النار من عصاة أممهم بذنوب دون قربى ولا معرفة إلا بنفس الإيمان ، ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين في المستغرقين في الخطايا والذنوب الذين لم تعمل فيهم شفاعة الأنبياء .

وأما شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في تعجيل الحساب فخاصة له .قلت : قد بين مسلم في صحيحه كيفية الشفاعة بيانا شافيا ، وكأنه رحمه الله لم يقرأه وأن الشافعين يدخلون النار ويخرجون منها أناسا استوجبوا العذاب ، فعلى هذا لا يبعد أن يكون للمؤمنين شفاعتان : شفاعة فيمن لم يصل إلى النار ، وشفاعة فيمن وصل إليها ودخلها ، أجارنا الله منها .

فذكر من حديث أبي سعيد الخدري : ( ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم - قيل : يا رسول الله وما الجسر ؟

قال : دحض مزلة فيها خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل [ ص: 251 ] ومكدوس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار ، يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون ، فيقال لهم أخرجوا من عرفتم ، فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به ، فيقول عز وجل ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقا كثيرا ، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ، ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ، ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا - وكان أبو سعيد يقول : إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ( فيقول الله تعالى : شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما ) وذكر الحديث .

وذكر من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال ليس ذلك لك - أو قال ليس ذلك إليك - وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله ) .

وذكر من حديث أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام : ( حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود ) الحديث بطوله .قلت : فدلت هذه الأحاديث على أن شفاعة المؤمنين وغيرهم إنما هي لمن دخل النار وحصل فيها ، أجارنا الله منها وقول ابن عطية : " ممن لم يصل أو وصل " يحتمل أن يكون أخذه [ ص: 252 ] من أحاديث أخر ، والله أعلم .

وقد خرج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يصف الناس يوم القيامة صفوفا - وقال ابن نمير أهل الجنة - فيمر الرجل من أهل النار على الرجل فيقول يا فلان أما تذكر يوم استسقيت فسقيتك شربة ؟

قال فيشفع له ويمر الرجل على الرجل فيقول أما تذكر يوم ناولتك طهورا ؟

فيشفع له - قال ابن نمير - ويقول يا فلان أما تذكر يوم بعثتني لحاجة كذا وكذا فذهبت لك ؟

فيشفع له .وأما شفاعات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فاختلف فيها ، فقيل ثلاث ، وقيل اثنتان ، وقيل : خمس ، يأتي بيانها في " سبحان " إن شاء الله تعالى .

وقد أتينا عليها في كتاب " التذكرة " والحمد لله .قوله تعالى : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم الضميران عائدان على كل من يعقل ممن تضمنه قوله : له ما في السماوات وما في الأرض .

وقال مجاهد ) ما بين أيديهم ) الدنيا ( وما خلفهم ) الآخرة .

قال ابن عطية : وكل هذا صحيح في نفسه لا بأس به ؛ لأن ما بين اليد هو كل ما تقدم الإنسان ، وما خلفه هو كل ما يأتي بعده ، وبنحو قول مجاهد قال السدي وغيره .قوله تعالى : ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء العلم هنا بمعنى المعلوم ، أي ولا يحيطون بشيء من معلوماته ، وهذا كقول الخضر لموسى عليه السلام حين نقر العصفور في البحر : ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر .

فهذا وما شاكله راجع إلى المعلومات لأن علم الله سبحانه وتعالى الذي هو صفة ذاته لا يتبعض .

ومعنى الآية لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه .قوله تعالى : وسع كرسيه السماوات والأرض ذكر ابن عساكر في تاريخه عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الكرسي لؤلؤة والقلم لؤلؤة وطول القلم سبعمائة سنة وطول الكرسي حيث لا يعلمه إلا الله ) .

وروى حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة - وهو عاصم بن أبي النجود - عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال : بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام ، وبين الكرسي وبين العرش مسيرة خمسمائة عام ، والعرش فوق الماء والله فوق العرش يعلم ما أنتم فيه وعليه .

يقال كرسي وكرسي والجمع الكراسي .

وقال ابن عباس : كرسيه علمه .

ورجحه الطبري ، قال : ومنه [ ص: 253 ] الكراسة التي تضم العلم ، ومنه قيل للعلماء : الكراسي ؛ لأنهم المعتمد عليهم ، كما يقال : أوتاد الأرض قال الشاعر :يحف بهم بيض الوجوه وعصبة كراسي بالأحداث حين تنوبأي علماء بحوادث الأمور .

وقيل : كرسيه قدرته التي يمسك بها السماوات والأرض ، كما تقول : اجعل لهذا الحائط كرسيا ، أي ما يعمده .

وهذا قريب من قول ابن عباس في قوله وسع كرسيه .

قال البيهقي : وروينا عن ابن مسعود وسعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله وسع كرسيه قال : علمه .

وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور مع العرش .

وروى إسرائيل عن السدي عن أبي مالك في قوله وسع كرسيه السماوات والأرض قال : إن الصخرة التي عليها الأرض السابعة ومنتهى الخلق على أرجائها ، عليها أربعة من الملائكة لكل واحد منهم أربعة وجوه : وجه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر ، فهم قيام عليها قد أحاطوا بالأرضين والسماوات ، ورءوسهم تحت الكرسي والكرسي تحت العرش والله واضع كرسيه فوق العرش .

قال البيهقي : في هذا إشارة إلى كرسيين : أحدهما تحت العرش ، والآخر موضوع على العرش .

وفي رواية أسباط عن السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود عن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وسع كرسيه السماوات والأرض فإن السماوات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش .

وأرباب الإلحاد يحملونها على عظم الملك وجلالة السلطان ، وينكرون وجود العرش والكرسي وليس بشيء .

وأهل الحق يجيزونهما ، إذ في قدرة الله متسع فيجب الإيمان بذلك .

قال أبو موسى الأشعري : الكرسي موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل .

قال البيهقي : قد روينا أيضا في هذا عن ابن عباس وذكرنا أن معناه فيما يرى أنه موضوع من العرش موضع القدمين من السرير ، وليس فيه إثبات المكان لله تعالى .

وعن ابن بريدة عن أبيه قال : لما قدم جعفر من الحبشة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أعجب شيء رأيته ) ؟

قال : رأيت امرأة على رأسها مكتل طعام فمر فارس فأذراه فقعدت تجمع طعامها ، ثم التفتت إليه فقالت له : ويل لك يوم يضع الملك كرسيه فيأخذ للمظلوم من الظالم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا لقولها : ( لا قدست [ ص: 254 ] أمة - أو كيف تقدس أمة - لا يأخذ ضعيفها حقه من شديدها ) .

قال ابن عطية : في قول أبي موسى " الكرسي موضع القدمين " يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين من أسرة الملوك ، فهو مخلوق عظيم بين يدي العرش نسبته إليه كنسبة الكرسي إلى سرير الملك .

وقال الحسن بن أبي الحسن : الكرسي هو العرش نفسه ، وهذا ليس بمرضي ، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش والعرش أعظم منه .

وروى أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله ، أي ما أنزل عليك أعظم ؟

قال : ( آية الكرسي - ثم قال - يا أبا ذر ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة ) .

أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده والبيهقي وذكر أنه صحيح .

وقال مجاهد : ما السماوات والأرض في الكرسي إلا بمنزلة حلقة ملقاة في أرض فلاة .

وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات الله تعالى ، ويستفاد من ذلك عظم قدرة الله عز وجل إذ لا يؤوده حفظ هذا الأمر العظيم .و ( يؤوده ) معناه يثقله ، يقال : آدني الشيء بمعنى أثقلني وتحملت منه المشقة ، وبهذا فسر اللفظة ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم .

قال الزجاج : فجائز أن تكون الهاء لله عز وجل ، وجائز أن تكون للكرسي ، وإذا كانت للكرسي ، فهو من أمر الله تعالى .

و ( العلي ) يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان ؛ لأن الله منزه عن التحيز .

وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا : هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه .

قال ابن عطية : وهذا قول جهلة مجسمين ، وكان الوجه ألا يحكى .

وعن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحا في السماوات العلى : سبحان الله العلي الأعلى سبحانه وتعالى .

والعلي والعالي : القاهر الغالب للأشياء ، تقول العرب : علا فلان فلانا أي غلبه وقهره ، قال الشاعر :فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعى لنسر وكاسرومنه قوله تعالى : إن فرعون علا في الأرض .

و ( العظيم ) صفة بمعنى عظيم القدر والخطر والشرف ، لا على معنى عظم الأجرام .

وحكى الطبري عن قوم أن العظيم معناه المعظم ، كما يقال : العتيق بمعنى المعتق ، وأنشد بيت الأعشى :فكأن الخمر العتيق من الإس فنط ممزوجة بماء زلال[ ص: 255 ] وحكي عن قوم أنهم أنكروا ذلك وقالوا : لو كان بمعنى معظم لوجب ألا يكون عظيما قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم ، إذ لا معظم له حينئذ .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه الآية الكريمة أعظم آيات القرآن وأفضلها وأجلها، وذلك لما اشتملت عليه من الأمور العظيمة والصفات الكريمة، فلهذا كثرت الأحاديث في الترغيب في قراءتها وجعلها وردا للإنسان في أوقاته صباحا ومساء وعند نومه وأدبار الصلوات المكتوبات، فأخبر تعالى عن نفسه الكريمة بأن { لا إله إلا هو } أي: لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدا لربه، ممتثلا أوامره مجتنبا نواهيه، وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقا ناقصا مدبرا فقيرا من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئا من أنواع العبادة، وقوله: { الحي القيوم } هذان الاسمان الكريمان يدلان على سائر الأسماء الحسنى دلالة مطابقة وتضمنا ولزوما، فالحي من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك، والقيوم: هو الذي قام بنفسه وقام بغيره، وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين من فعله ما يشاء من الاستواء والنزول والكلام والقول والخلق والرزق والإماتة والإحياء، وسائر أنواع التدبير، كل ذلك داخل في قيومية الباري، ولهذا قال بعض المحققين: إنهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ومن تمام حياته وقيوميته أن { لا تأخذه سنة ولا نوم } والسنة النعاس { له ما في السماوات وما في الأرض } أي: هو المالك وما سواه مملوك وهو الخالق الرازق المدبر وغيره مخلوق مرزوق مدبر لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض فلهذا قال: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } أي: لا أحد يشفع عنده بدون إذنه، فالشفاعة كلها لله تعالى، ولكنه تعالى إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن يشفع فيه، لا يبتدئ الشافع قبل الإذن، ثم قال { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما مضى من جميع الأمور { وما خلفهم } أي: ما يستقبل منها، فعلمه تعالى محيط بتفاصيل الأمور، متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى، ولهذا قال: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض } وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه، إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تعالى، بل هنا ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار، وتقلقل الجبال وتكع عنها فحول الرجال، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها، والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب، فلهذا قال: { ولا يؤوده } أي: يثقله { حفظهما وهو العلي } بذاته فوق عرشه، العلي بقهره لجميع المخلوقات، العلي بقدره لكمال صفاته { العظيم } الذي تتضائل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة، فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر والغلبة لكل شيء، فقد اشتملت هذه الآية على توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وعلى إحاطة ملكه وإحاطة علمه وسعة سلطانه وجلاله ومجده، وعظمته وكبريائه وعلوه على جميع مخلوقاته، فهذه الآية بمفردها عقيدة في أسماء الله وصفاته، متضمنة لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أنا حميد بن زنجويه أنا ابن أبي شيبة أنا عبد الأعلى عن الجريري عن أبي السليل عن عبد الله بن رباح الأنصاري عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبا المنذر أي آية من كتاب الله أعظم؟

" قلت ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) قال فضرب في صدري ثم قال : " ليهنك العلم " ثم قال : " والذي نفس محمد بيده إن لهذه الآية لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف عن محمد بن إسماعيل قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو : أخبرنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة قال : فخليت سبيله فأصبحت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟

" قلت : يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال : " أما إنه قد كذبك وسيعود " فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : دعني فإني محتاج وعلي عيال ولا أعود ، فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال : لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا هريرة ما فعل أسيرك " قلت : يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته وخليت سبيله قال : " أما إنه قد كذبك وسيعود " فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام ، فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم لا تعود ثم تعود قال : دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت : ما هي؟

قال : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما فعل أسيرك البارحة؟

قلت يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال ما هي؟

قلت : قال لي : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) وقال : لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح وكانوا أحرص الناس على الخير فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة " قلت : لا قال " ذاك شيطان " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا يحيى بن يحيى أخبرنا أبو معاوية ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر هو المليكي عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ حين يصبح آية الكرسي وآيتين من أول " حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم " ( 2 - غافر ) حفظ في يومه ذلك حتى يمسي ومن قرأهما حين يمسي حفظ في ليلته تلك حتى يصبح " .

قوله تعالى : ( الله ) رفع بالابتداء وخبره في ( لا إله إلا هو الحي ) الباقي الدائم على الأبد وهو من له الحياة والحياة صفة الله تعالى ( القيوم ) قرأ عمر وابن مسعود " القيام " وقرأ علقمة " القيم " وكلها لغات بمعنى واحد قال مجاهد ( القيوم ) القائم على كل ( شيء ) وقال الكلبي : القائم على كل نفس بما كسبت وقيل هو القائم بالأمور .

وقال أبو عبيدة : الذي لا يزول ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) السنة : النعاس وهو النوم الخفيف والوسنان بين النائم واليقظان يقال منه وسن يسن وسنا وسنة والنوم هو الثقيل المزيل للقوة والعقل قال المفضل الضبي : السنة في الرأس والنوم في القلب فالسنة أول النوم وهو النعاس وقيل : السنة في الرأس والنعاس في العين والنوم في القلب فهو غشية ثقيلة تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء نفى الله تعالى عن نفسه النوم لأنه آفة وهو منزه عن الآفات ولأنه تغير ولا يجوز عليه التغير .

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرنا عبد الله بن حامد أخبرنا محمد بن جعفر أخبرنا علي بن حرب أخبرنا أبو معاوية أخبرنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال : " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ولكنه يخفض القسط ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " .

ورواه المسعودي عن عمرو بن مرة وقال : حجابه النار .

( له ما في السماوات وما في الأرض ) ملكا وخلقا ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) بأمره ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) قال مجاهد وعطاء والسدي : ( ما بين أيديهم ) أمر الدنيا ( وما خلفهم ) أمر الآخرة وقال الكلبي : ( ما بين أيديهم ) يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها ( وما خلفهم ) الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم وقال ابن جريج : ما بين أيديهم ما مضى أمامهم وما خلفهم ما يكون بعدهم وقال مقاتل : ما بين أيديهم ، ما كان قبل خلق الملائكة وما خلفهم أي ما كان بعد خلقهم وقيل : ما بين أيديهم أي ما قدموه من خير أو شر وما خلفهم ما هم فاعلوه ( ولا يحيطون بشيء من علمه ) أي من علم الله ( إلا بما شاء ) أن يطلعهم عليه يعني لا يحيطون بشيء من علم الغيب إلا بما شاء مما أخبر به الرسل كما قال الله تعالى : ( فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ) ( 36 - الجن ) قوله تعالى : ( وسع كرسيه السماوات والأرض ) أي ملأ وأحاط به واختلفوا في الكرسي فقال الحسن : هو العرش نفسه وقال أبو هريرة رضي الله عنه : الكرسي موضوع أمام العرش ومعنى قوله : " وسع كرسيه السماوات والأرض " أي سعته مثل سعة السماوات والأرض وفي الأخبار أن السماوات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة .

ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن السماوات السبع والأرضين السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس .

وقال علي ومقاتل : كل قائمة من الكرسي طولها مثل السماوات السبع والأرضين السبع وهو بين يدي العرش ويحمل الكرسي أربعة أملاك لكل ملك أربعة وجوه وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة عام ملك على صورة سيد البشر آدم عليه السلام وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من السنة إلى السنة وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور وهو يسأل للأنعام الرزق من السنة إلى السنة وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد يسأل للسباع الرزق من السنة إلى السنة [ وملك على صورة سيد الطير وهو النسر يسأل الرزق للطير من السنة إلى السنة ] وفي بعض الأخبار أن ما بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجابا من ظلمة وسبعين حجابا من نور غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام لولا ذلك لاحترق حملة الكرسي من نور حملة العرش .

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أراد بالكرسي علمه وهو قول مجاهد ومنه قيل لصحيفة العلم كراسة وقيل : كرسيه ملكه وسلطانه والعرب تسمي الملك القديم كرسيا ، ( ولا يئوده ) أي لا يثقله ولا يشق عليه يقال : آدني الشيء أي أثقلني ( حفظهما ) أي حفظ السماوات والأرض ( وهو العلي ) الرفيع فوق خلقه والمتعالي عن الأشياء والأنداد وقيل : العلي بالملك والسلطنة ( العظيم ) الكبير الذي لا شيء أعظم منه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الله لا إله» أي لا معبود بحق في الوجود «إلا هو الحيُّ» الدائم بالبقاء «القيوم» المبالغ في القيام بتدبير خلقه «لاتأخذه سنة» نعاس «ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض» ملكا وخلقا وعبيدا «من ذا الذي» أي لا أحد «يشفع عنده إلا بإذنه» له فيها «يعلم ما بين أيديهم» أي الخلق «وما خلفهم» أي من أمر الدنيا والآخرة «ولا يحيطون بشيء من علمه» أي لا يعلمون شيئا من معلوماته «إلا بما شاء» أن يعلمهم به منها بأخبار الرسل «وسع كرسيه السماوات والأرض» قيل أحاط علمه بهما وقيل ملكه وقيل الكرسي نفسه مشتمل عليهما لعظمته، لحديث: ما السماوات السبع في الكرسى إلا كدارهم سبعة ألقيت في ترس «ولا يئوده» يثقله «حفظهما» أي السماوات والأرض «وهو العلي» فوق خلقه بالقهر «العظيم» الكبير.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله الذي لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو، الحيُّ الذي له جميع معاني الحياة الكاملة كما يليق بجلاله، القائم على كل شيء، لا تأخذه سِنَة أي: نعاس، ولا نوم، كل ما في السماوات وما في الأرض ملك له، ولا يتجاسر أحد أن يشفع عنده إلا بإذنه، محيط علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها، يعلم ما بين أيدي الخلائق من الأمور المستقبلة، وما خلفهم من الأمور الماضية، ولا يَطَّلعُ أحد من الخلق على شيء من علمه إلا بما أعلمه الله وأطلعه عليه.

وسع كرسيه السماوات والأرض، والكرسي: هو موضع قدمي الرب -جل جلاله- ولا يعلم كيفيته إلا الله سبحانه، ولا يثقله سبحانه حفظهما، وهو العلي بذاته وصفاته على جميع مخلوقاته، الجامع لجميع صفات العظمة والكبرياء.

وهذه الآية أعظم آية في القرآن، وتسمى: (آية الكرسي).

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن أمر الله المؤمنين بالإِنفاق في وجوه الخير ، وذكرهم بأهوال يوم القيامة ، أتبع ذلك بآية كريمة اشتملت على تمجيده - سبحانه - فبينت كمال سلطانه ، وشمول علمه .

وسابغ نعمه على خلقه .

استمع إلى القرآن وهو يصف لك الخالق - عز وجل - بأكمل الصفات وأعظمها فيقول :( الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم .

.

.

)قال بعضهم : هذه آية الكرسي أفضل آية من القرآن .

ومعنى الفضل أن الثواب على قراءتها أكثر من على غيرها من الآيات .

هذا هو التحقيق في تفضيل بعض آيات القرآن على بعض .

وإنما كانت أفضل لأنها جمعت من أحكام الألوهية وصفات الإِله الثبوتية والسلبية ما لم تجمعه آية أخرى .

جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لكل شيء سنام وإن سنام القرآن البقرة ، وفيها آية هي سيدة القرآن - أي أفضله - وهي آية الكرسي " .وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر جمل فيها ما فيها من صفات الله الجليلة - ونعوته السامية .

أما الجملة الأولى والثانية فتتمثل في قوله - تعالى - : ( الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم ) .ولفظ الجلالة ( الله ) يقول العلماء : إن أصله إله دخلت عليه أداة التعريف " أل " وحذفت الهمزة فصارت الكلمة الله .

قال القرطبي : قوله ( الله ) هذا الاسم أكبر أسمائه - تعالى - وأجمعها ، حتى قال بعضهم إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره ، ولذلك لم يثن ولم يجمع ، فالله اسم الموجود الحق الجامع لصفات الألوهية ، المنعوت بنعوت الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقي ، لا إله إلا هو - سبحانه - " .ولفظ ( إله ) قالوا إنه من إله فلان يأله أي عبد .

فالإِله على هذا المعنى هو المعبود ، وقيل هو من أله أي تحير .

.

وذلك أن العبد إذا تفكر في صفاته - سبحانه - تحير فيها؛ ولذا قيل : " تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله " .و ( الحي ) أي الباقي الذي له الحياة الدائمة التي لا فناء لها .

لم تحدث له الحياة بعد الموت ، ولا يعتريه الموت بعد الحياة ، وسائر الأحياء سواه يعتريهم الموت والفناء .و ( القيوم ) أي : الدائم القيام بتدبير أمر الخلق وحفظهم ، والمعطى لهم ما به قوامهم .

وهو مبالغة في القيام .

وأصله قيووم - بوزن فيعول - من قام بالأمر إذا حفظه ودبره .والمعنى : الله - عز وجل - هو الإِله الحق المتفرد بالألوهية التي لا يشاركه فيها سواه ، وهو المعبود بحق وكل معبود سواه فهو باطل ، وهو ذو الحياة الكاملة ، وهو الدائم القيام بتدبير شئون الخلق وحياطتهم ورعايتهم وإحيائهم وإماتتهم .والجملة الثالثة قوله - تعالى - : ( لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ) وهي جملة سلبية مؤكدة للوصف الإِيجابي السابق ، فإن قيامه على كل نفس ما كسبت ، وعلى تدبير شئون خلقه يقتضي ألا تعرض له غفلة ، ولأن السنة والنوم من صفات الحوادث وهو - سبحانه - مخالف لها .والسنة : الفتور الذي يكون في أول النوم مع بقاء الشعور والإِدراك .ويقال له غفورة .

يقال : وسن الرجل يوسن وسناً وسنة فهو وسن ووسنان إذا نعس والمراد أنه - سبحانه - لا يغفل عن تدبير أمر خلقه أبداً ، ولا يحجب علمه شيء حجباً قصيراً أو طويلاً ، ولا يدركه ما يدرك الأجسام من الفتور أو النعاس ، أو النوم .وتقديم السنة على النوم يفيد المبالغة من حيث إن نفي السنة يدل على نفي النوم بالأولى ، فنفيه ثانياً صريحاً يفيد المبالغة لأن عطف الخاص على العام يفيد المبالغة ولأن عطف الخاص على العام يفيد التوكيد أي لا تأخذه سنة فضلا عن أن يأخذه نوم .

وفي قوله : ( لاَ تَأْخُذُهُ ) دلالة على أن للنوم قوة قاهرة تأخذ الحيوان أخذاً وتقهر الكثير من أجناس المخلوقات قهراً ، ولكنه - سبحانه - وهو القاهر فوق عباده - منزه عن ذلك ، ومبرأ من أن يعتريه ما يعتري الحوادث .وقوله - سبحانه - في الجملة الرابعة : ( لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ) تقرير لانفراده بالأولوهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته ، وتعليل لا تصافه بالقيومية ، لأن من كانت جميع الموجودات لمكا له فهو حقيق بأن يكون قائما بتدبير أمرها .والمراد بما فيهما ما هو أعم من أجزائهما الداخلة فيهما ومن الأمور الخارجة عنهما المتمكنة فيهما من العقلاء وغيرهم .

فالجملة الكريمة تفيد الملكية المطلقة لرب العالمين لكل ما في هذا الوجود من شمس وقمر وحيوان ونبات وجماد وغير ذلك من المخلوقات .

وصدرت الجملة بالجار والمجرور " له " لإفادة القصر أي ملك السموات والأرض له وحده ليس لأحد سواه شيء معه .والاستفهام في قوله في الجملة الخامسة ( مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) للنفي والإِنكار أي : لا أحد يستطيع أن يشفع عنده - سبحانه - إلا بإذنه ورضاه قال - تعالى - ( وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السماوات لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَآءُ ويرضى ) والمقصود من هذه الجملة - كما يقول الآلوسي - بيان كبرياء شأنه - تعالى - وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه بحيث يستقل أن يدفع ما يريده دفعا على وجه الشفاعة والاستكانة والخضوع فضلا عن أن يستقل بدفعه عناداً أو مناصبة وعداوة .

وفي ذلك تيئيس للكفار حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء لهم عند الله " .

وقوله - سبحانه في الجملة السادسة : ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) تأكيد لكمال سلطانه في هذا الوجود ، وبيان لشمول علمه على كل شيء .والضمير في ( أيديهم ) و ( خلفهم ) يعود إلى ( ما ) في قوله قبل ذلك ( لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ) وعبر بضمير الذكور والعقلاء ، تغليباً لجانبهم على جانب غير العقلاء .والعلم بما بين أيديهم وما خلفهم كناية عن إحاطة علمه - سبحانه بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم ، وما يعرفونه من شئونهم الدنيوية وما لا يعرفونه .وقوله - تعالى - في الجملة السابعة : ( وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ) معطوف على قوله ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) لأنه مكمل لمعناه .

والمراد بالعلم المعلوم .

والإِحاطة بالشيء معناهها العلم الكامل به .أي : لا يعلمون شيئاً من معلوماته - سبحانه - إلا بالقدر الذي أراد أن يعلمهم إياه على ألسنة رسله .

فهو كقوله - تعالى - : ( عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً .

إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ ) فالجملة الكريمة بيان لكمال علم الله - تعالى - ولنقصان علم سواه ، إذ أن البشر لم يعظوا من العلم إلا القليل ، وهذا القليل ناقص لأنه ليس على إحاطة واستغراق لكل ما تشتمل عليه جزئيات الشيء ووجوده وجنسه وكيفية وغرضه المقصود به وبإيجاده ، إذ العلم الكامل بالشيء لا يكون إلا الله رب العالمين .ثم قال - تعالى - في الجملة الثامنة : ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض ) .قال الراغب : الكرسي في تعارف العامة : اسم للشيء الذي يقعد عليه ، وهو في الأصل منسوب إلى الكرسي أي الشيء المجتمع ، ومنه الكراسة لأنها تجمع العلم .

.

وكل مجتمع من الشيء كرس .وللعلماء اتجاهان مشهوران في تفسير معنى الكري في الجملة الكريمة .

فالسلف يقولون : إن لله - تعالى - كرسيا علينا أن نؤمن بوجوده وإن كنا لا نعرف حقيقته ، لأن ذلك ليس في مقدور البشر .والخلف يقولون : الكرسي في الآية كناية عن عظم السلطان ، ونفوذ القدرة ، وسعة العلم ، وكمال الإِحاطة .ولصاحب الكشاف تلخيص حسن لأقوال العلماء في ذلك ، فقد قال - رحمه الله - وفي قوله : ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ) أربعة أوجه :أحدها : أن كرسيه لم يضق عن السماوات والأرض لبسطته وسعته وما هو إلا تصوير لعظمته ولا كسري ثمة ولا قعود ولا قاعد .والثاني : وسع علمه ، وسمي العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم .والثالث : وسع ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك .والرابع : ما روى أنه خلق كرسيا هو بين يدي العرش دونه السموات والأرض وهو إلى العرش كأصغر شيء .

وعن الحسن الكلرسي هو العرش .هذا وقد روى المفسرون عن ابن عباس أنه قال : " كرسيه علمه " ولعل تفسير الكرسي بالعلم كما قال حبر الأمة هو أقرب الأقوال إلى الصواب ، لأنه هو المناسب لسياق الآية الكريمة .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالصفتين التاسعة والعاشرة فقال - تعالى - : ( وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العلي العظيم ) .( يَؤُودُهُ ) معناه يثقله ويشق عليه .

يقال آدني الأمر بمعنى أثقلني وتحملت منه المشقة .و ( العلي ) هو المتعالي عن الأشياء ، والأنداد ، والأمثال ، والأضداد وعن إمارات النقص ودلالات الحدوث .

وقيل هو من العلو الذي هو بمعنى القدرة وعلو الشأن .والمعنى : ولا يثقله ولا يتعبه حفظ السموات والأرض ورعايتهما ، وهو المتعالي عن الأشباه والنظائر ، والمسيطر على خلقه ، العظيم في ذاته وصفاته ، ففي هاتين الجملتين بيان لعظيم قدرته ، وعظيم رعايته لخلقه ، وتنزيهه - سبحانه - عن مشابهة الحوادث .وبعد ، فهذه آية الكرسي التي اشتملت على عشر جمل ، كل جملة منها تشتمل على وصف أو أكثر من صفات الله الجليلة ، ونعوته المجيدة ، وألوهيته الحقه ، وقدرته النافذة ، وعلمه المحيط بكل شيء ، قد أقامت الأدلة الساطعة على وحدانية الله - تعالى - وجوب إفراده بالعباده .وقد تكلم العلماء طويلا عن تناسق جملها ، وبلاغه تراكيبها ووجوه فضلها ومن ذلك قول صاحب الكشاف : " فإن قلت : لم فضلت هذه الآية على غيرها حتى ورد في فضلها ما ورد؟

قلت : لما فضلت له سورة الإخلاص من اشتمالها على توحيد الله وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى ولا مذكور أعظم من رب العزة .

فما كان ذكراً له كان أفضل من سائر الأذكار " .ومن الأحاديث التي ساقها الإِمام ابن كثير في فضلها ما جاء عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله : " أي آية في كتاب الله أعظم؟

قال الله ورسوله أعلم .

فرددها مرارا ثم قال : آية الكرسي .

فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم ليهنك العلم أبا المنذر " .وأخرج الإِمام مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن أعظم آية في القرآن هي آية الكرسي " .وروى أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خرج ذات يوم على الناس فقال : أيكم يخبرني بأعظم آية؟

فقال ابن مسعود على الخبير سقطت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أعظم آية في القرآن ( الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم ) " .

الآية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن من عادته سبحانه وتعالى في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط هذه الأنواع الثلاثة بعضها ببعض، أعني علم التوحيد، وعلم الأحكام، وعلم القصص، والمقصود من ذكر القصص إما تقرير دلائل التوحيد، وإما المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف، وهذا الطريق هو الطريق الأحسن لا إبقاء الإنسان في النوع الواحد لأنه يوجب الملال، فأما إذا انتقل من نوع من العلوم إلى نوع آخر فكأنه يشرح به الصدر ويفرح به القلب، فكأنه سافر من بلد إلى بلد آخر وانتقل من بستان إلى بستان آخر، وانتقل من تناول طعام لذيذ إلى تناول نوع آخر، ولا شك أنه يكون ألذ وأشهى، ولما ذكر فيما تقدم من علم الأحكام ومن علم القصص ما رآه مصلحة ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد، فقال: ﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في فضائل هذه الآية روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوماً ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة».

وعن علي أنه قال: سمعت نبيّكم على أعواد المنبر وهو يقول: من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات التي حوله وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي: أين أنتم من آية الكرسي، ثم قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا علي سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي».

وعن علي أنه قال: لما كان يوم بدر قاتلت ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ماذا يصنع، قال فجئت وهو ساجد يقول: يا حي يا قيوم، لا يزيد على ذلك، ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو يقول ذلك، فلا أزال أذهب وأرجع وأنظر إليه، وكان لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له.

واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم فكلما كان المذكور والمعلوم أشرف كان الذكر والعلم أشرف، وأشرف المذكورات والمعلومات هو الله سبحانه بل هو متعال عن أن يقال: إنه أشرف من غيره، لأن ذلك يقتضي نوع مجانسة ومشاكلة، وهو مقدس عن مجانسة ما سواه، فلهذا السبب كل كلام اشتمل على نعوت جلاله وصفات كبريائه، كان ذلك الكلام في نهاية الجلال والشرف، ولما كانت هذه الآية كذلك لا جرم كانت هذه الآية بالغة في الشرف إلى أقصى الغايات وأبلغ النهايات.

المسألة الثانية: اعلم أن تفسير لفظة ﴿ الله ﴾ قد تقدم في أول الكتاب وتفسير قوله: ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ قد تقدم في قوله: ﴿ وإلهكم إله واحد لاَّ إله إِلاَّ هُوَ  ﴾ بقي هاهنا أن نتكلم في تفسير قوله: ﴿ الحى القيوم ﴾ وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقول: أعظم أسماء الله ﴿ الحى القيوم ﴾ وما روينا أنه صلوات الله وسلامه عليه ما كان يزيد على ذكره في السجود يوم بدر يدل على عظمة هذا الاسم والبراهين العقلية دالة على صحته وتقريره، ومن الله التوفيق: أنه لا شك في وجود الموجودات فهي إما أن تكون بأسراها ممكنة، وإما أن تكون بأسراها واجبة وإما أن تكون بعضها ممكنة وبعضها واجبة لا جائز أن تكون بأسراها ممكنة، لأن كل مجموع فهو مفتقر إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزاء هذا المجموع ممكن والمفتقر إلى الممكن أولى بالإمكان، فهذا المجموع ممكن بذاته وكل واحد من أجزائه ممكن فإنه لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح مغاير له، فهذا المجموع مفتقر بحسب كونه مجموعاً وبحسب كل واحد من أجزائه إلى مرجح مغاير له وكل ما كان مغايراً لكل الممكنات لم يكن ممكناً فقد وجد موجود ليس بممكن، فبطل القول بأن كل موجود ممكن وأما القسم الثاني وهو أن يقال الموجودات بأسرها واجبة فهذا أيضاً باطل.

لأنه لو حصل وجودان كل واحد منهما واجب لذاته لكانا مشتركين في الوجوب بالذات ومتغايرين بالنفي، وما به المشاركة مغاير لما به الممايزة، فيكون كل واحد منهما مركباً في الوجوب الذي به المشاركة، ومن الغير الذي به الممايزة، وكل مركب فهو مفتقر إلى كل واحد من جزئه وجزء غيره، وكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، فلو كان واجب الوجود أكثر من واحد لما كان شيء منها واجب الوجود وذلك محال، ولما بطلل هذان القسمان ثبت أنه حصل في مجموع الموجودات موجود واحد واجب الوجود لذاته وأن كل ما عداه فهو ممكن لذاته موجود بإيجاد ذلك الموجود الذي هو واجب الوجود لذاته، ولما بطل هذان فالواجب لذاته موجود لذاته وبذاته، ومستغن في وجوده عن كل ما سواه، وأما كل ما سواه فمفتقر في وجوده وماهيته إلى إيجاد الواجب لذاته، فالواجب لذاته قائم بذاته وسبب لتقوم كل ما سواه في ماهيته وفي وجوده، فهو القيوم الحي بالنسبة إلى كل الموجودات، فالقيوم هو المتقوم بذاته، المقوم لكل ما عداه في ماهيته ووجوده، ولما كان واجب الوجود لذاته كان هو القيوم الحق بالنسبة إلى الكل، ثم إنه لما كان المؤثر في الغير إما أن يكون مؤثراً على سبيل العلية والإيجاب وإما أن يكون مؤثراً على سبيل الفعل والاختيار: لا جرم أزال وهم كونه مؤثراً بالعلية والإيجاب بقوله: ﴿ الحى القيوم ﴾ فإن ﴿ الحى ﴾ هو الدراك الفعال، فبقوله: ﴿ الحى ﴾ دل على كونه عالماً قادراً، وبقوله: ﴿ القيوم ﴾ دل على كونه قائماً بذاته ومقوماً لكل ما عداه، ومن هذين الأصلين تتشعب جميع المسائل المعتبرة في علم التوحيد.

فأولها: أن واجب الوجود واحد بمعنى أن ماهيته غير مركبة من الأجزاء، وبرهانه أن كل مركب فإنه مفتقر في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، وجزؤه غيره، وكل مركب فهو متقوّم بغيره، والمتقوم بغيره لا يكون متقوماً بذاته، فلا يكون قيوماً، وقد بينا بالبرهان أنه قيوم وإذا ثبت أنه تعالى في ذاته واحد، فهذا الأصل له لازمان أحدها: أن واجب الوجود واحد، بمعنى أنه ليس في الوجود شيئان كل واحد منهما واجب لذاته، إذ لو فرض ذلك لاشتركا في الوجوب، وتباينا في التعين، وما به المشاركة غير ما به المباينة، فيلزم كون كل واحد منهما في ذاته مركباً من جزأين، وقد بينا أنه محال.

اللازم الثاني: أنه لما امتنع في حقيقته أن تكون مركبة من جزأين امتنع كونه متحيزاً، لأن كل متحيز فهو منقسم، وقد ثبت أن التركيب عليه ممتنع، وإذا ثبت أنه ليس بمتحيزاً امتنع كونه في الجهة، لأنه لا معنى للمتحيز إلا ما يمكن أن يشار إليه إشارة حسيّة، وإذا ثبت أنه ليس بمتحيز وليس في الجهة، امتنع أن يكون له أعضاء وحركة وسكون.

وثانيها: أنه لما كان قيوماً كان قائماً بذاته، وكونه قائماً بذاته يستلزم أمور: اللازم الأول: أن لا يكون عَرَضاً في موضوع، ولا صورة في مادة، ولا حالاّ في محل أصلاً لأن الحال مفتقر إلى المحل والمفتقر إلى الغير لا يكون قيوماً بذاته.

واللازم الثاني: قال بعض العلماء: لا معنى للعلم إلا حضور حقيقة المعلوم للعالم، فإذا كان قيوماً بمعنى كونه قائماً بنفسه لا بغيره كانت حقيقته حاضرة عند ذاته، وإذا كان لا معنى للعلم إلا هذا الحضور، وجب أن تكون حقيقته معلومة لذاته فإذن ذاته معلومة لذاته، وكل ما عداه فإنه إنما يحصل بتأثيره، ولأنا بينا أنه قيوم بمعنى كونه مقوماً لغيره، وذلك التأثير إن كان بالاختيار فالفاعل المختار لابد وأن يكون له شعور بفعله وإن كان بالإيجاب لزم أيضاً كونه عالماً بكل ما سواه لأن ذاته موجبة لكل ما سواه، وقد دللنا على أنه يلزم من كونه قائماً بالنفس لذاته كونه عالماً بذاته، والعلم بالعلة علة للعلم بالمعلول، فعلى التقديرات كلها يلزم من كونه قيوماً كونه عالماً بجميع المعلومات.

وثالثها: لما كان قيوماً لكل ما سواه كان كل ما سواه مُحْدَثاً، لأن تأثيره في تقويم ذلك الغير يمتنع أن يكون حال بقاء ذلك الغير لأن تحصيل الحاصل محال فهو إما حال عدمه وإما حال حدوثه وعلى التقديرين وجب أن يكون الكل محدثاً.

ورابعها: أنه لما كان قيوماً لكل الممكنات استندت كل الممكنات إليه إما بواسطة أو بغير واسطة، وعلى التقديرين كان القول بالقضاء والقدر حقاً، وهذا مما قد فصلناه وأوضحناه في هذا الكتاب في آيات كثيرة فأنت إن ساعدك التوفيق وتأملت في هذه المعاقد التي ذكرناها علمت أنه لا سبيل إلى الإحاطة بشيء من المسائل المتعلقة بالعلم الإلهي إلا بواسطة كونه تعالى حياً قيوماً فلا جرم لا يبعد أن يكون الاسم الأعظم هو هذا، وأما سائر الآيات الإلهية، كقوله: ﴿ وإلهكم إله واحد لاَّ إله إِلاَّ هُوَ  ﴾ وقوله: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ  ﴾ ففيه بيان التوحيد بمعنى نفي الضد والند، وأما قوله: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ  ﴾ ففيه بيان التوحيد بمعنى نفي الضد والند، وبمعنى أن حقيقته غير مركبة من الأجزاء، وأما قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض  ﴾ ففيه بيان صفة الربوبية وليس فيه بيان وحدة الحقيقة، أما قوله: ﴿ الحى القيوم ﴾ فإنه يدل على الكل لأن كونه قيوماً يقتضي أن يكون قائماً بذاته، وأن يكون مقوماً لغيره وكونه قائماً بذاته يقتضي الوحدة بمعنى نفي الكثرة في حقيقته، وذلك يقتضي الوحدة بمعنى نفي الضد والند ويقتضي نفي التحيز وبواسطته يقتضي نفي الجهة، وأيضاً كونه قيوماً بمعنى كونه مقوماً لغيره يقتضي حدوث كل ما سواه جسماً كان أو روحاً عقلاً كان أو نفساً، ويقتضي استناد الكل إليه وانتهاء جملة الأسباب والمسببات إليه، وذلك يوجب القول بالقضاء والقدر فظهر أن هذين اللفظين كالمحيطين بجميع مباحث العلم الإلهي، فلا جرم بلغت هذه الآية في الشرف إلى المقصد الأقصى واستوجب أن يكون هو الاسم الأعظم من أسماء الله تعالى.

ثم إنه تعالى لما بين أنه حي قيوم أكد ذلك بقوله: ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ والمعنى: أنه لا يغفل عن تدبير الخلق، لأن القيم بأمر الطفل لو غفل عنه ساعة لاختل أمر الطفل، فهو سبحانه قيم جميع المحدثات، وقيوم الممكنات، فلا يمكن أن يغفل عن تدبيرهم، فقوله: ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ كالتأكيد لبيان كونه تعالى قائماً، وهو كما يقال لمن ضيع وأهمل: إنك لو سنان نائم، ثم إنه تعالى لما بيّن كونه قيوماً بمعنى كونه قائماً بذاته، مقوماً لغيره، رتب عليه حكماً وهو قوله: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ لأنه لما كان كل ما سواه إنما تقومت ماهيته، وإنما يحصل وجوده بتقويمه وتكوينه وتخليقه لزم أن يكون كل ما سواه ملكاً له وملكاً له، وهو المراد من قوله: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ ثم لما ثبت أنه هو الملك والمالك لكل ما سواه، ثبت أن حكمه في الكل جار ليس لغيره في شيء من الأشياء حكم إلا بإذنه وأمره، وهو المراد بقوله: ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ ثم لما بيّن أنه يلزم من كونه مالكاً للكل، أن لا يكون لغيره في ملكه تصرف بوجه من الوجوه، بيّن أيضاً أنه يلزم من كونه عالماً بالكل وكون غيره غير عالم بالكل، أن لا يكون لغيره في ملكه تصرف بوجه من الوجوه إلا بإذنه، وهو قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ وهو إشارة إلى كونه سبحانه عالماً بالكل، ثم قال: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ ﴾ وهو إشارة إلى كون غيره غير عالم بجميع المعلومات، ثم إنه لما بيّن كمال ملكه وحكمه في السموات وفي الأرض، بيّن أن ملكه فيما وراء السماوات والأرض أعظم وأجل، وأن ذلك مما لا تصل إليه أوهام المتوهمين وينقطع دون الارتقاء إلى أدنى درجة من درجاتها المتخيلين، فقال: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والأرض ﴾ ثم بيّن أن نفاذ حكمه وملكه في الكل على نعت واحد، وصورة واحدة، فقال: ﴿ وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ ثم لما بين كونه قيوماً بمعنى كونه مقوماً للمحدثات والممكنات والمخلوقات، بيّن كونه قيوماً بمعنى قائماً بنفسه وذاته، منزّهاً عن الاحتياج إلى غيره في أمر من الأمور، فتعالى عن أن يكون متحيزاً حتى يحتاج إلى مكان، أو متغيراً حتى يحتاج إلى زمان، فقال: ﴿ وَهُوَ العلى العظيم ﴾ فالمراد منه العلو والعظمة، بمعنى أنه لا يحتاج إلى غيره في أمر من الأمور، ولا ينسب غيره في صفة من الصفات ولا في نعت من النعوت، فقال: ﴿ وَهُوَ العلى العظيم ﴾ إشارة إلى ما بدأ به في الآية من كونه قيوماً بمعنى كونه قائماً بذاته مقوماً لغيره، ومن أحاط عقله بما ذكرنا علم أنه ليس عند العقول البشرية من الأمور الإلهية كلام أكمل، ولا برهان أوضح مما اشتملت عليه هذه الآيات.

وإذا عرفت هذه الأسرار، فلنرجع إلى ظاهر التفسير.

أما قوله: ﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: ﴿ الله ﴾ رفع بالابتداء، وما بعده خبره.

المسألة الثانية: قال بعضهم: الإله هو المعبود، وهو خطأ لوجهين: الأول: أنه تعالى كان إلها في الأزل، وما كان معبوداً والثاني: أنه تعالى أثبت معبوداً سواه في القرآن بقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله  ﴾ بل الإله هو القادر على ما إذا فعله كان مسحتقاً للعبادة.

أما قوله: ﴿ الحى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الحي أصله حيي كقوله: حذر وطمع فأدغمت الياء في الياء عند اجتماعهما، وقال ابن الأنباري: أصله الحيو، فلما اجتمعت الياء والواو ثم كان السابق ساكناً فجعلنا ياء مشددة.

المسألة الثانية: قال المتكلمون الحي كل ذات يصح أن يعلم ويقدر، واختلفوا في أن هذا المفهوم صفة موجودة أم لا، فقال بعضهم: إنه عبارة عن كون الشيء بحيث لا يمتنع أنه يعلم ويقدر، وعدم الامتناع لا يكون صفة موجودة، وقال المحققون: ولما كانت الحياة عبارة عن عدم الامتناع، وقد ثبت أن الامتناع أمر عدمي، إذ لو كان وصفاً موجوداً لكان الموصوف به موجوداً، فيكون ممتنع الوجود موجوداً وهو محال، وثبت أن الامتناع عدم، وثبت أن الحياة عدم هذا الامتناع.

وثبت أن عدم العدم وجود، لزم أي يكون المفهوم من الحياة صفة موجودة وهو المطلوب.

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: لما كان معنى الحي هو أنه الذي يصح أن يعلم ويقدر، وهذا القدر حاصل لجميع الحيوانات، فكيف يحسن أن يمدح الله نفسه بصفة يشاركه فيها أخس الحيوانات.

والذي عندي في هذا الباب أن الحي في أصل اللغة ليس عبارة عن هذه الصحة، بل كل شيء كان كاملاً في جنسه، فإنه يسمى حياً، ألا ترى أن عمارة الأرض الخربة تسمى: إحياء الموات، وقال تعالى: ﴿ فانظر إلى ءاثار رَحْمَةِ الله كَيْفَ يُحْىِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا  ﴾ وقال: ﴿ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض  ﴾ والصفة المسماة في عرف المتكلمين، إنما سميت بالحياة لأن كمال حال الجسم أن يكون موصوفاً بتلك الصفة فلا جرم سميت تلك الصفة حياة وكمال حال الأشجار أن لا تكون مورقة خضرة فلا جرم سميت هذه الحالة حياة وكمال الأرض أن تكون معمورة فلا جرم سميت هذه الحالة حياة فثبت أن المفهوم الأصلي من لفظ الحي كونه واقعاً على أكمل أحواله وصفاته، وإذا كان كذلك فقد زال الإشكال لأن المفهوم من الحي هو الكامل، ولما لم يكن ذلك مقيداً بأنه كامل في هذا دون ذاك دل على أنه كامل على الإطلاق، فقوله الحي يفيد كونه كاملاً على الإطلاق، والكامل هو أن لا يكون قابلاً للعدم، لا في ذاته ولا في صفاته الحقيقة ولا في صفاته النسبية والإضافية، ثم عند هذا إن خصصنا القيوم بكونه سبباً لتقويم غيره فقد زال الإشكال، لأن كونه سبباً لتقويم غيره يدل على كونه متقوماً بذاته، وكونه قيوماً يدل على كونه مقوماً لغيره، وإن جعلنا القيوم اسماً يدل على كونه يتناول المتقوم بذاته والمقوم لغيره كان لفظ القيوم مفيداً فائدة لفظ الحي مع زيادة، فهذا ما عندي في هذا الباب والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ القيوم ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: القيوم في اللغة مبالغة في القائم، فلما اجتمعت الياء والواو ثم كان السابق ساكناً جعلتا ياء مشددة، ولا يجوز أن يكون على فعول، لأنه لو كان كذا لكان قووما، وفيه ثلاث لغات: قيوم، وقيام وقيم، ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه قرأ: الحي القيام ومن الناس من قال هذه اللفظة عبرية لا عربية، لأنهم يقولون: حياً قيوماً، وليس الأمر كذلك، لأنا بينا أن له وجهاً صحيحاً في اللغة، ومثله ما في الدار ديار وديور، ودير، وهو من الدوران، أي ما بها خلق يدور، يعني: يجيء ويذهب، وقال أُمية بن أبي الصلت: قدرها المهيمن القيوم *** المسألة الثانية: اختلفت عبارات المفسرين في هذا الباب، فقال مجاهد: القيوم القائم على كل شيء، وتأويله أنه قائم بتدبير أمر الخلق في إيجادهم، وفي أرزاقهم، ونظيره من الآيات قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  ﴾ وقال: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ قَائِمَاً بالقسط ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ  ﴾ وهذا القول يرجع حاصله إلى كونه مقوماً لغيره، وقال الضحاك: القيوم الدائم الوجود الذي يمتنع عليه التغير، وأقول: هذا القول يرجع معناه إلى كونه قائماً بنفسه في ذاته وفي وجوده، وقال بعضهم: القيوم الذي لا ينام بالسريانية، وهذا القول بعيد، لأنه يصير قوله: ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ السنة ﴾ ما يتقدم من الفتور الذي يسمى النعاس.

فإن قيل: إذ كانت السنة عبارة عن مقدمة النوم، فإذا قال: ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ﴾ فقد دل ذلك على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى، وكان ذكر النوم تكريراً.

قلنا: تقدير الآية: لا تأخذه سنة فضلاً عن أن يأخذه النوم.

المسألة الثانية: الدليل العقلي دل على أن النوم والسهو والغفلة محالات على الله تعالى، لأن هذه الأشياء، إما أن تكون عبارات عن عدم العلم، أو عن أضداد العلم، وعلى التقديرين فجواز طريانها يقتضي جواز زوال علم الله تعالى، فلو كان كذلك لكانت ذاته تعالى بحيث يصح أن يكون عالماً، ويصح أن لا يكون عالماً، فحينئذ يفتقر حصول صفة العلم له إلى الفاعل، والكلام فيه كما في الأول والتسلسل محال فلابد وأن ينتهي إلى من يكون علمه صفة واجبة الثبوت ممتنعة الزوال، وإذا كان كذلك كان النوم والغفلة والسهو عليه محالا.

المسألة الثالثة: يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه حكي عن موسى عليه السلام أنه وقع في نفسه: هل ينام الله تعالى أم لا، فأرسل الله إليه ملكاً فأرقه ثلاثا، ثم أعطاه قارورتين في كل يد واحدة، وأمره بالاحتفاظ بهما، وكان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان، فضرب الله تعالى ذلك مثلاً له في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السموات والأرض.

واعلم أن مثل هذا لا يمكن نسبته إلى موسى عليه السلام، فإن من جوز النوم على الله أو كان شاكاً في جوازه كان كافراً، فكيف يجوز نسبة هذا إلى موسى، بل إن صحت الرواية،.

فالواجب نسبة هذا السؤال إلى جهال قومه.

أما قوله تعالى: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ فالمراد من هذه الإضافة إضافة الخلق والملك، وتقديره ما ذكرنا من أنه لما كان واجب الوجود واحداً كان ما عداه ممكن الوجود لذاته وكل ممكن فله مؤثر، وكل ما له مؤثر فهو محدث فإذن كل ما سواه فهو محدث بإحداثه مبدع بإبداعه فكانت هذه الإضافة إضافة الملك والإيجاد.

فإن قيل: لم قال: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات ﴾ ولم يقل: له من في السموات؟.

قلنا: لما كان المراد إضافة ما سواه إليه بالمخلوقية، وكان الغالب عليه ما لا يعقل أجرى الغالب مجرى الكل فعبر عنه بلفظ ﴿ مَا ﴾ وأيضاً فهذه الأشياء إنما أسندت إليه من حيث إنها مخلوقة، وهي من حيث إنها مخلوقة غير عاقلة، فعبّر عنها بلفظ ﴿ مَا ﴾ للتنبيه على أن المراد من هذه الإضافة إليه الإضافة من هذه الجهة.

واعلم أن الأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، قالوا: لأن قوله: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ يتناول كل ما في السموات والأرض، وأفعال العباد من جملة ما في السموات والأرض، فوجب أن تكون منتسبة إلى الله تعالى انتساب الملك والخلق، وكما أن اللفظ يدل على هذا المعنى فالعقل يؤكده، وذلك لأن كل ما سواه فهو ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يترجح إلا بتأثير واجب الوجود لذاته، وإلا لزم ترجح الممكن من غير مرجح وهو محال.

أما قوله تعالى: ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ مَن ذَا الذى ﴾ استفهام معناه الإنكار والنفي، أي لا يشفع عنده أحد إلا بأمره وذلك أن المشركين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم وقد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يقولون ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى  ﴾ وقولهم: ﴿ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله  ﴾ ثم بيّن تعالى أنهم لا يجدون هذا المطلوب.

فقال: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ  ﴾ فأخبر الله تعالى أنه لا شفاعة عنده لأحد إلا من استثناه الله تعالى بقوله: ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً  ﴾ .

المسألة الثانية: قال القفال: إنه تعالى لا يأذن في الشفاعة لغير المطيعين، إذ كان لا يجوز في حكمته التسوية بين أهل الطاعة وأهل المعصية، وطول في تقريره.

وأقول: إن هذا القفال عظيم الرغبة في الاعتزال حسن الاعتقاد في كلماتهم، ومع ذلك فقد كان قليل الإحاطة بأصولهم، وذلك لأن من مذهب البصريين منهم أن العفو عن صاحب الكبيرة حسن في العقول، إلا أن السمع دل على أن ذلك لا يقع، وإذا كان كذلك كان الاستدلال العقلي على المنع من الشفاعة في حق العصاة خطأ على قولهم، بل على مذهب الكعبي أن العفو عن المعاصي قبيح عقلاً، فإن كان القفال على مذهب الكعبي، فحينئذ يستقيم هذا الاستدلال، إلا أن الجواب عنه يرد ذلك من وجوه: الأول: أن العقاب حق الله تعالى وللمستحق أن يسقط حق نفسه، بخلاف الثواب فإنه حق العبد فلا يكون لله تعالى أن يسقطه، وهذا الفرق ذكره البصريون في الجواب عن شبهة الكعبي والثاني: أن قوله: لا يجوز التسوية بين المطيع والعاصي إن أراد به أنه لا يجوز التسوية بينهما في أمر من الأمور فهو جهل، لأنه تعالى قد سوى بينهما في الخلق والحياة والرزق وإطعام الطيبات، والتمكين من المرادات وإن كان المراد أنه لا يجوز التسوية بينهما في كل الأمور فنحن نقول بموجبه، فكيف لا يقول ذلك والمطيع لا يكون له جزع، ولا يكون خائفاً من العقاب، والمذنب يكون في غاية الخوف وربما يدخل النار ويتألم مدة، ثم يخلصه الله تعالى عن ذلك العذاب بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

واعلم أن القَفّال رحمه الله كان حسن الكلام في التفسير دقيق النظر في تأويلات الألفاظ إلا أنه كان عظيم المبالغة في تقرير مذهب المعتزلة مع أنه كان قليل الحظ من علم الكلام قليل النصيب من معرفة كلام المعتزلة.

أما قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: الضمير لما في السموات والأرض، لأن فيهم العقلاء، أو لما دل عليه ﴿ مَن ذَا ﴾ من الملائكة والأنبياء.

المسألة الثانية: في الآية وجوه: أحدها: قال مجاهد، وعطاء، والسدي ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ ما كان قبلهم من أمور الدنيا ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ما يكون بعدهم من أمر الآخرة والثاني: قال الضحاك والكلبي ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم والثالث: قال عطاء عن ابن عباس ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ من السماء إلى الأرض ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ يريد ما في السموات الرابع ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ بعد انقضاء آجالهم ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ أي ما كان من قبل أن يخلقهم والخامس: ما فعلوا من خير وشر وما يفعلونه بعد ذلك.

واعلم أن المقصود من هذا الكلام: أنه سبحانه عالم بأحوال الشافع والمشفوع له فيما يتعلق باستحقاق العقاب والثواب، لأنه عالم بجميع المعلومات لا تخفى عليه خافية، والشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أن لهم من الطاعة ما يستحقون به هذه المنزلة العظيمة عند الله تعالى، ولا يعلمون أن الله تعالى هل أذن لهم في تلك الشفاعة وأنهم يستحقون المقت والزجر على ذلك، وهذا يدل على أنه ليس لأحد من الخلائق أن يقدم على الشفاعة إلا بإذن الله تعالى.

المسألة الثالثة: هؤلاء المذكورون في هذه الآية يحتمل أن يكون هم الملائكة، وسائر من يشفع يوم القيامة من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين.

أما قوله: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: المراد بالعلم هاهنا كما يقال: اللّهم اغفر لنا علمك فينا، أي معلومك وإذا ظهرت آية عظيمة، قيل: هذه قدرة الله، أي مقدوره والمعنى: أن أحداً لا يحيط بمعلومات الله تعالى.

المسألة الثانية: احتج بعض الأصحاب بهذه الآية في إثبات صفة العلم لله تعالى وهو ضعيف لوجوه: أحدها: أن كلمة ﴿ مِّنْ ﴾ للتبعيض، وهي داخلة هاهنا على العلم.

فلو كان المراد من العلم نفس الصفة لزم دخول التبعيض في صفة الله تعالى وهو محال والثاني: أن قوله: ﴿ بِمَا شَاء ﴾ لا يأتي في العلم إنما يأتي في المعلوم والثالث: أن الكلام إنما وقع هاهنا في المعلومات، والمراد أنه تعالى عالم بكل المعلومات، والخلق لا يعلمون كل المعلومات، بل لا يعلمون منها إلا القليل.

المسألة الثالثة: قال الليث: يقال لكل من أحرز شيئاً، أو بلغ علمه أقصاه قد أحاط به، وذلك لأنه علم بأول الشيء وآخره بتمامه صار العلم كالمحيط به.

أما قوله: ﴿ إِلاَّ بِمَا شَاء ﴾ ففيه قولان أحدها: أنهم لا يعلمون شيئاً من معلوماته إلا ما شاء هو أن يعلمهم كما حكي عنهم أنهم قالوا: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا ﴾ والثاني: أنهم لا يعلمون الغيب إلا عند إطلاع الله بعض أنبيائه على بعض الغيب، كما قال: ﴿ عالم الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والأرض ﴾ فاعلم أنه يقال: وسع فلانا الشيء يسعه سعة إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به، ولا يسعك هذا، أي لا تطبقه ولا تحتمله ومنه قوله عليه السلام: «لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي» أي لا يحتمل غير ذلك وأما الكرسي فأصله في اللغة من تركب الشيء بعضه على بعض، والكِرسُ أبوال الدواب وأبعارها يتلبد بعضها فوق بعض، وأكرست الدار إذا كثرت فيها الأبعار والأبوال وتلبد بعضها على بعض، وتكارس الشيء إذا تركب، ومنه الكراسة لتركب بعض أوراقها على بعض والكرسي هو هذا الشيء المعروف لتركب خشباته بعضها فوق بعض.

واختلف المفسرون على أربعة أقوال الأول: أنه جسم عظيم يسع السموات والأرض، ثم اختلفوا فيه فقال الحسن الكرسي هو نفس العرش، لأن السرير قد يوصف بأنه عرش، وبأنه كرسي، لكون كل واحد منهما بحيث يصح التمكن عليه، وقال بعضهم: بل الكرسي غير العرش، ثم اختلفوا فمنهم من قال: إنه دون العرش وفوق السماء السابعة، وقال آخرون إنه تحت الأرض وهو منقول عن السدي.

واعلم أن لفظ الكرسي ورد في الآية وجاء في الأخبار الصحيحة أنه جسم عظيم تحت العرش وفوق السماء السابعة ولا امتناع في القول به فوجب القول باتباعه، وأما ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: موضع القدمين، ومن البعيد أن يقول ابن عباس: هو موضع قدمي الله تعالى وتقدس عن الجوارح والأعضاء، وقد ذكرنا الدلائل الكثيرة على نفي الجسمية في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، فوجب رد هذه الرواية أو حملها على أن المراد أن الكرسي موضع قدمي الروح الأعظم أو ملك آخر عظيم القدر عند الله تعالى.

القول الثاني: أن المراد من الكرسي السلطان والقدرة والملك، ثم تارة يقال: الإلهية لا تحصل إلا بالقدرة والخلق والإيجاد، والعرب يسمون أصل كل شيء الكرسي وتارة يسمى الملك بالكرسي، لأن الملك يجلس على الكرسي، فيسمى الملك باسم مكان الملك.

القول الثالث: أن الكرسي هو العلم، لأن العلم موضع العالم، وهو الكرسي فسميت صفة الشيء باسم مكان ذلك الشيء على سبيل المجاز لأن العلم هو الأمر المعتمد عليه، والكرسي هو الشيء الذي يعتمد عليه، ومنه يقال للعلماء: كراسي، لأنهم الذين يعتمد عليهم كما يقال لهم: أوتاد الأرض.

والقول الرابع: ما اختاره القفال، وهو أن المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه، وتقريره أنه تعالى خاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم من ذلك أنه جعل الكعبة بيتاً له يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم وذكر في الحجر الأسود أنه يمين الله في أرضه ثم جعله موضعاً للتقبيل كما يقبل الناس أيدي ملوكهم، وكذلك ما ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيّين والشهداء ووضع الموازين، فعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشاً، فقال: ﴿ الرحمن عَلَى العرش استوى  ﴾ ثم وصف عرشه فقال: ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء  ﴾ ثم قال: ﴿ وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش يُسَبّحُونَ بِحَمْدِهِ رَّبِّهِمْ  ﴾ وقال: ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية  ﴾ وقال: ﴿ الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ  ﴾ ثم أثبت لنفسه كرسياً فقال: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والأرض ﴾ .

إذا عرفت هذا فنقول: كل ما جاء من الألفاظ الموهمة للتشبيه في العرش والكرسي، فقد ورد مثلها بل أقوى منها في الكعبة والطواف وتقبيل الحجر، ولما توافقنا هاهنا على أن المقصود تعريف عظمة الله وكبريائه مع القطع بأنه منزّه عن الكعبة، فكذا الكلام في العرش والكرسي، وهذا جواب مبين إلا أن المعتمد هو الأول، لأن ترك الظاهر بغير دليل لا يجوز، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ فاعلم أنه يقال: آده يؤده: إذا أثقله وأجهده، وأدت العود أوداً، وذلك إذا اعتمدت عليه بالثقل حتى أملته، والمعنى: لا يثقله ولا يشق عليه حفظهما أي حفظ السموات والأرض.

ثم قال: ﴿ وَهُوَ العلى العظيم ﴾ واعلم أنه لا يجوز أن يكون المراد منه العلو بالجهة، وقد دللنا على ذلك بوجوه كثيرة، ونزيد هاهنا وجهين آخرين الأول: أنه لو كان علوه بسبب المكان، لكان لا يخلو إما أن يكون متناهياً في جهة فوق، أو غير متناه في تلك الجهة، والأول باطل لأنه إذا كان متناهياً في جهة فوق، كان الجزء المفروض فوقه أعلى منه، فلا يكون هو أعلى من كل ما عداه، بل يكون غيره أعلى منه، وإن كان غير متناه فهذا محال، لأن القول بإثبات بعد لا نهاية له باطل بالبراهين اليقينية، وأيضاً فإنا إذا قدرنا بعداً لا نهاية له، لافترض في ذلك البعد نقط غير متناهية، فلا يخلو إما أن يحصل في تلك النقط نقطة واحدة لا يفترض فوقها نقطة أخرى، وإما أن لا يحصل، فإن كان الأول كانت النقطة طرفاً لذلك البعد، فيكون ذلك البعد متناهياً، وقد فرضناه غير متناه.

هذا خلف، وإن لم يوجد فيها نقطة إلا وفوقها نقطة أخرى كان كل واحدة من تلك النقط المفترضة في ذلك البعد سفلاً، ولا يكون فيها ما يكون فوقاً على الاطلاق، فحينئذ لا يكون لشيء من النفقات المفترضة في ذلك البعد علو مطلق ألبتة وذلك ينفي صفة العلوية.

الحجة الثانية: أن العالم كرة، ومتى كان الأمر كذلك فكل جانب يفرض علواً بالنسبة إلى أحد وجهي الأرض يكون سفلاً بالنسبة إلى الوجه الثاني، فينقلب غاية العلو غاية السفل.

الحجة الثالثة: أن كل وصف يكون ثبوته لأحد الأمرين بذاته، وللآخر بتبعية الأول كان ذلك الحكم في الذاتي أتم وأكمل، وفي العرضي أقل وأضعف، فلو كان علو الله تعالى بسبب المكان لكان علو المكان الذي بسببه حصل هذا العلو لله تعالى صفة ذاتية، ولكان حصول هذا العلو لله تعالى حصولاً بتبعية حصوله في المكان، فكان علو المكان أتم وأكمل من علو ذات الله تعالى، فيكون علو الله ناقصاً وعلو غيره كاملاً وذلك محال، فهذه الوجوه قاطعة في أن علو الله تعالى يمتنع أن يكون بالجهة، وما أحسن ما قال أبو مسلم بن بحر الأصفهاني في تفسير قوله: ﴿ قُل لّمَن مَّا فِي السموات والأرض قُل لِلَّهِ  ﴾ قال: وهذا يدل على أن المكان والمكانيات بأسرها ملك الله تعالى وملكوته، ثم قال: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اليل والنهار  ﴾ وهذا يدل على أن الزمان والزمانيات بأسرها ملك الله تعالى وملكوته، فتعالى وتقدس عن أن يكون علوه بسبب المكان وأما عظمته فهي أيضاً بالمهابة والقهر والكبرياء، ويمتنع أن تكون بسبب المقدار والحجم، لأنه إن كان غير متناه في كل الجهات أو في بعض الجهات فهو محال لما ثبت بالبراهين القاطعة عدم إثبات أبعاد غير متناهية، وإن كان متناهياً من كل الجهات كانت الأحياز المحيطة بذلك المتناهي أعظم منه، فلا يكون مثل هذا الشيء عظيماً على الاطلاق، فالحق أنه سبحانه وتعالى أعلى وأعظم من أن يكون من جنس الجواهر والأجسام- تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الحى ﴾ الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء، وهو على اصطلاح المتكلمين الذي يصح أن يعلم ويقدر.

و ﴿ القيوم ﴾ الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه.

وقريء: ﴿ القيام ﴾ ، ﴿ والقيم ﴾ والسنة: ما يتقدّم النوم من الفتور الذي يسمي النعاس.

قال ابن الرقاع العاملي: وَسْنَانُ أقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ ** فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ أي لا يأخذه نعاس ولا نوم وهو تأكيد للقيوم؛ لأنّ من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيوماً.

ومنه حديث موسى أنه سأل الملائكة (وكان ذلك من قومه كطلب الرؤية): أينام ربنا؟

فأوحى الله إليهم أن يوقظوه ثلاثاً ولا يتركوه ينام، ثم قال: خذ بيدك قارورتين مملوءتين.

فأخذهما، وألقى الله عليه النعاس فضرب إحداهما على الأخرى فانكسرتا، ثم أوحى إليه: قل لهؤلاء إني أمسك السموات والأرض بقدرتي، فلو أخذني نوم أو نعاس لزالتا.

﴿ مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ ﴾ بيان لملكوته وكبريائه.

وأن أحداً لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام، كقوله تعالى: ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن ﴾ [النبأ: 38] ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ما كان قبلهم وما يكون بعدهم.

والضمير لما في السموات والأرض لأنّ فيهم العقلاء، أو لما دل عليه ﴿ مَّن ذَا ﴾ من الملائكة والأنبياء ﴿ مّنْ عِلْمِهِ ﴾ من معلوماته ﴿ إِلاَّ بِمَا شَاءَ ﴾ إلا بما علم.

(الكرسي) ما يجلس عليه، ولا يفضل عن مقعد القاعد.

وفي قوله ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ﴾ أربعة أوجه: أحدها أنّ كرسيه لم يضق عن السموات والأرض لبسطته وسعته، وما هو إلا تصوير لعظمته وتخييل فقط، ولا كرسي ثمة ولا قعود، ولا قاعد، كقوله: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والارض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ ﴾ [الزمر: 67] من غير تصوّر قبضة وطيّ ويمين، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه وتمثيل حسيّ.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ والثاني: وسع علمه وسمي العلم كرسياً تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم.

والثالث: وسع ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك.

والرابع: ما روي: أنه خلق كرسيا هو بين يدي العرش دونه السموات والأرض، وهو إلى العرش كأصغر شيء.

وعن الحسن: الكرسي هو العرش ﴿ وَلاَ يَؤُودُهُ ﴾ ولا يثقله ولا يشق عليه ﴿ حِفْظُهُمَا ﴾ حفظ السموات والأرض ﴿ وَهُوَ العلى ﴾ الشأن ﴿ العظيم ﴾ الملك والقدرة.

فإن قلت: كيف ترتبت الجمل في آية الكرسي من غير حرف عطف؟

قلت: ما منها جملة إلا وهي واردة على سبيل البيان لما ترتبت عليه والبيان متحد بالمبين، فلو توسط بينهما عاطف لكان كما تقول العرب: بين العصا ولحائها، فالأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمنا عليه غير ساه عنه.

والثانية لكونه مالكاً لما يدبره.

والثالثة لكبرياء شأنه.

والرابعة لإحاطته بأحوال الخلق، وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة، وغير المرتضى.

والخامسة لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها، أو لجلاله وعظم قدره.

فإن قلت: لم فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد منه قوله صلى الله عليه وسلم: «ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة، يا عليّ علمها ولدك وأهلك وجيرانك، فما نزلت آية أعظم منها» وعن عليّ رضي الله عنه: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم على أعواد المنبر وهو يقول: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمّنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله» وتذاكر الصحابة رضوان الله عليهم أفضل ما في القرآن، فقال لهم عليّ رضي الله عنه: أين أنتم عن آية الكرسي، ثم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا عليّ، سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي» قلت: لما فضلت له سورة الإخلاص لاشتمالها على توحيد الله وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى، ولا مذكور أعظم من رب العزة فما كان ذكراً له كان أفضل من سائر الأذكار.

وبهذا يعلم أنّ أشرف العلوم وأعلاها منزلة عند الله علم أهل العدل والتوحيد ولا يغرّنك عنه كثرة أعدائه: فإنَّ الْعَرَانِينَ تَلْقَاهَا مُحَسَّدَةً ** وَلاَ تَرَى لِلئَامِ النَّاسِ حُسَّادًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والمَعْنى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ لا غَيْرَهُ.

ولِلنُّحاةِ خِلافٌ في أنَّهُ هَلْ يُضْمَرُ لِلْأخِيرِ لا مِثْلَ في الوُجُودِ أوْ يَصِحُّ أنْ يُوجَدَ.

﴿ الحَيُّ ﴾ الَّذِي يَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ ويُقَدِّرَ وكُلُّ ما يَصِحُّ لَهُ فَهو واجِبٌ لا يَزُولُ لِامْتِناعِهِ عَنِ القُوَّةِ والإمْكانِ.

﴿ القَيُّومُ ﴾ الدّائِمُ القِيامِ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ وحِفْظِهِ فَيْعُولٌ مِن قامَ بِالأمْرِ إذا حَفِظَهُ، وقُرِئَ « القَيّامُ» و « القَيِّمُ» .

﴿ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ ﴾ السِّنَةُ فُتُورٌ يَتَقَدَّمُ النُّوَّمَ قالَ ابْنُ الرَّقّاعِ: وسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ...

في عَيْنِهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بِنائِمِ والنَّوْمُ حالٌ تَعْرِضُ لِلْحَيَوانِ مِنِ اسْتِرْخاءِ أعْصابِ الدِّماغِ مِن رُطُوباتِ الأبْخِرَةِ المُتَصاعِدَةِ، بِحَيْثُ تَقِفُ الحَواسُّ الظّاهِرَةُ عَنِ الإحْساسِ رَأْسًا، وتَقْدِيمُ السِّنَةِ عَلَيْهِ وقِياسُ المُبالَغَةِ عَكْسُهُ عَلى تَرْتِيبِ الوُجُودِ، والجُمْلَةُ نَفْيٌ لِلتَّشْبِيهِ وتَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِ حَيًّا قَيُّومًا، فَإنَّ مَن أخَذَهُ نُعاسٌ أوْ نَوْمٌ كانَ مَؤُوفَ الحَياةِ قاصِرًا في الحِفْظِ والتَّدْبِيرِ، ولِذَلِكَ تُرِكَ العاطِفُ فِيهِ وفي الجُمَلِ الَّتِي بَعْدَهُ.

﴿ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِقَيُّومِيَّتِهِ واحْتِجاجٌ بِهِ عَلى تَفَرُّدِهِ في الأُلُوهِيَّةِ، والمُرادُ بِما فِيهِما داخِلًا في حَقِيقَتِهِما أوْ خارِجًا عَنْهُما مُتَمَكِّنًا فِيهِما فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ ﴾ ، ﴿ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ ﴾ بَيانٌ لِكِبْرِياءِ شَأْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأنَّهُ لا أحَدَ يُساوِيهِ أوْ يُدانِيهِ يَسْتَقِلُّ بِأنْ يَدْفَعَ ما يُرِيدُهُ شَفاعَةً واسْتِكانَةً فَضْلًا عَنْ أنْ يُعاوِقَهُ عِنادًا أوْ مُناصَبَةً أيْ مُخاصَمَةً.

﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ ما قَبْلَهم وما بَعْدَهُمْ، أوْ بِالعَكْسِ لِأنَّكَ مُسْتَقْبِلٌ المُسْتَقْبَلَ ومُسْتَدْبِرٌ الماضِيَ، أوْ أُمُورُ الدُّنْيا وأُمُورُ الآخِرَةِ، أوْ عَكْسُهُ، أوْ ما يُحِسُّونَهُ وما يَعْقِلُونَهُ، أوْ ما يُدْرِكُونَهُ وما لا يُدْرِكُونَهُ، والضَّمِيرُ لِما في السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ فِيهِما العُقَلاءَ، أوْ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ مَن ذا ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ ﴾ مِن مَعْلُوماتِهِ.

﴿ إلا بِما شاءَ ﴾ أنْ يَعْلَمُوهُ، وعَطَفَهُ عَلى ما قَبْلَهُ لِأنَّ مَجْمُوعَهُما يَدُلُّ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالعِلْمِ الذّاتِيِّ التّامِّ الدّالِّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ تَصْوِيرٌ لِعَظَمَتِهِ وتَمْثِيلٌ مُجَرَّدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ ولا كُرْسِيَّ في الحَقِيقَةِ، ولا قاعِدَ.

وقِيلَ كُرْسِيُّهُ مَجازٌ عَنْ عِلْمِهِ أوْ مُلْكِهِ، مَأْخُوذٌ مِن كُرْسِيِّ العالِمِ والمَلِكِ.

وقِيلَ جِسْمٌ بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ كُرْسِيًّا مُحِيطٌ بِالسَّماواتِ السَّبْعِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ما السَّمَواتُ السَّبْعُ والأرْضُونَ السَّبْعُ مِنَ الكُرْسِيِّ، إلّا كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ، وفَضْلُ العَرْشِ عَلى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ تِلْكَ الفَلاةِ عَلى تِلْكَ الحَلْقَةِ» وَلَعَلَّهُ الفَلَكُ المَشْهُورُ بِفَلَكِ البُرُوجِ، وهو في الأصْلِ اسْمٌ لِما يُقْعَدُ عَلَيْهِ ولا يَفْضُلُ عَنْ مَقْعَدِ القاعِدِ، وكَأنَّهُ مَنسُوبٌ إلى الكُرْسِيِّ وهو المُلَبَّدُ.

﴿ وَلا يَئُودُهُ ﴾ أيْ ولا يُثْقِلُهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الأوْدِ وهو الِاعْوِجاجُ.

﴿ حِفْظُهُما ﴾ أيْ حِفْظُهُ السَّماواتِ والأرْضَ، فَحَذَفَ الفاعِلَ وأضافَ المَصْدَرَ إلى المَفْعُولِ.

وهو العَلِيُّ المُتَعالِي عَنِ الأنْدادِ والأشْباهِ.

﴿ العَظِيمُ ﴾ المُسْتَحْقَرُ بِالإضافَةِ إلَيْهِ كُلُّ ما سِواهُ.

وَهَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أُمَّهاتِ المَسائِلِ الإلَهِيَّةِ، فَإنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى مَوْجُودٌ واحِدٌ في الأُلُوهِيَّةِ، مُتَّصِفٌ بِالحَياةِ، واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ مُوجِدٌ لِغَيْرِهِ، إذِ القَيُّومُ هو القائِمُ بِنَفْسِهِ المُقِيمُ لِغَيْرِهِ، مُنَزَّهٌ عَنِ التَّحَيُّزِ والحُلُولِ، مُبَرَّأٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والفُتُورِ، لا يُناسِبُ الأشْباحَ ولا يَعْتَرِيهِ ما يَعْتَرِي الأرْواحَ، مالِكُ المُلْكِ والمَلَكُوتِ، ومُبْدِعُ الأُصُولِ والفُرُوعِ، ذُو البَطْشِ الشَّدِيدِ، الَّذِي لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ عالِمُ الأشْياءِ كُلِّها، جَلِيِّها وخَفِيِّها، كُلِيِّها وجُزْئِيِّها، واسِعُ المُلْكِ والقُدْرَةِ، كُلٌّ ما يَصِحُّ أنْ يُمْلَكَ ويُقْدَرَ عَلَيْهِ، لا يَئُودُهُ شاقٌّ، ولا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ، مُتَعالٍ عَمّا يُدْرِكُهُ، وهو عَظِيمٌ لا يُحِيطُ بِهِ فَهْمٌ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّ أعْظَمَ آيَةٍ في القُرْآنِ آيَةُ الكُرْسِيِّ، مَن قَرَأها بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَكْتُبُ مِن حَسَناتِهِ، ويَمْحُو مِن سَيِّئاتِهِ إلى الغَدِ مِن تِلْكَ السّاعَةِ» .

وَقالَ «مَن قَرَأ آيَةَ الكُرْسِيِّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ إلّا المَوْتُ، ولا يُواظِبُ عَلَيْها إلّا صِدِّيقٌ أوْ عابِدٌ، ومَن قَرَأها إذا أخَذَ مَضْجَعَهُ آمَنَهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ وجارَهُ وجارَ جارِهِ والأبْياتَ حَوْلَهُ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ} لا مع اسمه وخبره وما أبدل من موضعه في موضع الرفع خبر المبتدأ وهو الله {الحى} الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء {القيوم} الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} نعاس وهو ما يتقدم النوم من الفتور {وَلاَ نَوْمٌ} عن المفضل السنة ثقل في الرأس والنعاس في العين والنوم في القلب وهو تأكيد للقيوم لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيوماً وقد أوحى إلى موسى عليه السلام قل لهؤلاء أنى أمسك السموات بقدرتى فلوا أخذني نوم أو نعاس لزالتا {لَّهُ مَا فِى السماوات وَمَا فِي الأرض}

ملكاً وملكاً {مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} ليس لأحد أن يشفع عنده إلا بإذنه وهو بيان لملكوته وكبريائه وأن أحداً لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام وفيه رد لزعم الكفار أن الأصنام تشفع لهم {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} ما كان قبلهم وما يكون

بعدهم والضمير لما فى السموات والأرض لأن فيهم العقلاء {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ} من معلومه يقال في الدعاء اللهم اغفر علمك فينا أي معلومك {إِلاَّ بِمَا شَاءَ} إلا بما علم {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض} أى علمه ومنه الكرامة لتضمنها العلم والكراسى بالعلماء وسمي العلم كرسياً تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم وهو كقوله تعالى رَبَّنَا وَسِعْتَ كل شيء رحمة وعلما أو ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك وعرشه كذا عن الحسن أو هو سرير دون العرض فى الحديث ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بفلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة أو قدرته بدليل قوله {وَلاَ يؤوده} ولا يثقله ولا يشق عليه {حِفْظُهُمَا} حفظ السموات والأرض {وَهُوَ العلى} في ملكه وسلطانه {العظيم} في عزه وجلاله أو العلي المتعالي عن الصفات التي لا تليق به العظيم المتصف بالصفات التى تليتى به فهما جامعان لكمال التوحيد وإنما ترتبت الجمل في آية الكرسي بلا حرف عطف لأنها وردت على سبيل البيان فالأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمناً عليه غير ساهٍ عنه والثانية لكونه مالكاً لما يدبره والثالثة لكبرياء شأنه والرابعة لإحاطته بأحوال الخلق والخامسة لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها أو لجلاله وعظم قدره وإنما فضلت هذه الآية حتى ورد فى فضلها ماو ورد ما روى عن على رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله وقال عليه السلام سيد البشر آدم وسيد

العرب محمد ولا فخر وسيد الفرس سلمان وسيد الروم صهيب وسيد الحبشة بلال وسيد الجبال الطور وسيد الأيام يوم الجمعة وسيد الكلام القرآن وسيد القرآن البقرة وسيد البقرة آية الكرسي وقال ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة وقال من قرأ

آية الكرسي عند منامه بعث إليه ملك يحرسه حتى يصبح وقال من قرأ هاتين الآيتين حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح وإن قرأهما حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي آية

البقرة (٢٥٦ _ ٢٥٨)

الكرسي وأول حم المؤمن إلى إِلَيْهِ المصير لاشتمالهما على توحيد الله تعالى وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى ولا مذكور أعظم من رب العزة فما كان ذكرا له كان أفضل من سائر الأذكار وبه يعلم أن أشرف العلوم علم التوحيد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والمُرادُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعُبُودِيَّةِ لا غَيْرَ، قِيلَ: ولِلنّاسِ في رَفْعِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ وكَذا في الِاسْمِ الكَرِيمِ إذا حَلَّ مَحَلَّهُ أقْوالٌ خَمْسَةٌ: قَوْلانِ مُعْتَبِرانِ، وثَلاثَةٌ لا مُعَوَّلَ عَلَيْها، فالقَوْلانِ المُعْتَبِرانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ عَلى البَدَلِيَّةِ، وثانِيهُما: أنْ يَكُونَ عَلى الخَبَرِيَّةِ والأوَّلُ هو الجارِي عَلى ألْسِنَةِ المُعْرِبِينَ وهو رَأْيُ اِبْنِ مالِكٍ، وعَلَيْهِ إمّا أنْ يُقَدَّرَ لِلْأخِيرِ أوْ لا، والقائِلُونَ بِالتَّقْدِيرِ اِخْتَلَفُوا؛ فَمِن مُقَدِّرٍ أمْرًا عامًّا كالوُجُودِ والإمْكانِ؛ ومِن مُقَدِّرٍ أمْرًا خاصًّا كَلَنا ولِلْخَلْقِ، واعْتُرِضَ تَقْدِيرُ العامِّ بِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ أحَدُ المَحْذُورَيْنِ إمّا عَدَمُ إثْباتِ الوُجُودِ بِالفِعْلِ لِلَّهِ تَعالى شَأْنَهُ وإمّا عَدَمُ تَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنْ إمْكانِ الشَّرِكَةِ، وكَذا تَقْدِيرُ الخاصِّ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ أوْ فِيهِ خَفاءٌ، ويُمْكِنُ الجَوابُ بِاخْتِيارِ تَقْدِيرِهِ عامًّا ولا مَحْذُورَ، أمّا عَلى تَقْدِيرِ الوُجُودِ فَلِأنَّ نَفْيَ الوُجُودِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الإمْكانِ إذْ لَوِ اِتَّصَفَ فَرْدٌ آخَرُ بِوُجُوبِ الوُجُودِ لَوَجَدَ ضَرُورَةً فَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ عُلِمَ عَدَمُ اِتِّصافِهِ بِهِ وما لَمْ يَتَّصِفْ بِوُجُوبِ الوُجُودِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ لِاسْتِحالَةِ الِانْقِلابِ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ الإمْكانِ فَلِأنّا نَقُولُ قَدْ ظَهَرَ أنَّ إمْكانَ اِتِّصافِ شَيْءٍ بِوُجُوبِ الوُجُودِ يَسْتَلْزِمُ اِتِّصافَهُ بِالفِعْلِ بِالضَّرُورَةِ فَإذا اُسْتُفِيدَ إمْكانُهُ يُسْتَفادُ وجُودُهُ أيْضًا إذْ كُلَّما لَمْ يُوجَدْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ عَلى أنَّهُ قَدْ ذَكَرَ غَيْرَ واحِدٍ أنَّ نَفْيَ وُجُودِ إلَهٍ غَيْرِهِ تَعالى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْتَبَةً مِنَ التَّوْحِيدِ يُناطُ بِها الإسْلامُ ويُكْتَفى بِها مِن أكْثَرِ العَوامِّ، وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا نَفْيَ إمْكانِهِ سِيَّما مَعَ الغَفْلَةِ وعَدَمِ الشُّعُورِ بِهِ فَلا يَضُرُّ عَدَمُ دَلالَةِ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ إيجابَ النَّفْيِ جاءَ والآلِهَةُ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى مَوْجُودَةٌ، وقَدْ قامَتْ عِبادَتُها عَلى ساقٍ، وعَكَفَ عَلَيْها المُشْرِكُونَ في سائِرِ الآفاقِ، فَأمُرِ النّاسُ بِنَفْيِ وجُودِها مِن حَيْثُ إنَّها آلِهَةً حَقَّةً، ولَوْ كانَ إذْ ذاكَ قَوْمٌ يَقُولُونَ بِإمْكانِ وُجُودِ إلَهٍ حَقٍّ غَيْرِهِ تَعالى لَكِنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ أصْلًا لَأمَرُوا بِنَفْيِ ذَلِكَ الإمْكانِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ المَتانَةِ بِمَكانٍ، ويُمْكِنُ الجَوابُ بِاخْتِيارِ تَقْدِيرِهِ خاصًّا بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ الخاصُّ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ والمُقامُ قَرِينَةً واضِحَةً عَلَيْهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ التَّعَدُّدِ لا بِالإمْكانِ ولا بِالفِعْلِ لِجَوازِ وُجُودِ إلَهٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وبِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ إمّا نَفْيُ المُسْتَحِقِّ غَيْرَهُ تَعالى بِالفِعْلِ أوِ الإمْكانِ، والأوَّلُ: لا يَنْفِي الإمْكانَ، والثّانِي: لا يَدُلُّ عَلى اِسْتِحْقاقِهِ تَعالى بِالفِعْلِ، وأُجِيبَ بِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِأنَّ وُجُوبَ الوُجُودِ مَبْدَأُ جَمِيعِ الكِمالاتِ فَلا رَيْبَ أنَّهُ يُوجِبُ اِسْتِحْقاقَ التَّعْظِيمِ والتَّبْجِيلِ ولا مَعْنى لِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ سِواهُ فَإذا لَمْ يَسْتَحِقَّ غَيْرُهُ تَعالى لِلْعِبادَةِ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ تَعالى وإلّا لاسْتَحَقَّ العِبادَةَ قَطْعًا وإذا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أيْضًا عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ فَثَبَتَ أنَّ نَفْيَ الِاسْتِحْقاقِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ التَّعَدُّدِ مُطْلَقًا، والقائِلُونَ بِعَدَمِ تَقْدِيرِ الخَبَرِ ذَهَبَ الأكْثَرُ مِنهم إلى أنَّ (لا) هَذِهِ لا خَبَرَ لَها، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ اِنْتِفاءُ الحُكْمِ والعَقْدِ وهو باطِلٌ قَطْعًا ضَرُورَةَ اِقْتِضاءِ التَّوْحِيدِ ذَلِكَ، وأُجِيبَ بِأنَّ القَوْلَ بِعَدَمِ الِاحْتِياجِ لا يُخْرِجُ المُرَكَّبَ مِن لا واسْمِها عَنِ العَقْدِ لِأنَّ مَعْناهُ اِنْتَفى هَذا الجِنْسَ مِن غَيْرِ هَذا الفَرْدِ وإلّا عِنْدَ هَؤُلاءِ بِمَعْنى غَيْرِ تابِعَةٌ لِمَحَلِّ اِسْمِ (لا) وظَهَرَ إعْرابُها فِيما بَعْدَها ولا مَجالَ لِجَعْلِها لِلِاسْتِثْناءِ إذْ لَوْ كانَتْ لَهُ لَما أفادَ الكَلامُ التَّوْحِيدَ لَأنَّ حاصِلَهُ حِينَئِذٍ أنَّ هَذا الجِنْسَ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ دُخُولِ هَذا الفَرْدِ فِيهِ مُنْتَفٍ فَيُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ اِنْتِفاءِ أفْرادِ غَيْرِ خارِجٍ عَنْها ذَلِكَ وهو بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّوْحِيدِ كَما لا يَخْفى.

واسْتُشْكِلَ الإبْدالُ مِن جِهَتَيْنِ، الأوَّلِ: أنَّهُ بَدَلٌ بَعْضٌ ولا ضَمِيرَ لِلْمُبْدَلِ مِنهُ وهو شَرْطٌ فِيهِ، الثّانِي: أنَّ بَيْنَهُما مُخالَفَةً فَإنَّ البَدَلَ مُوجَبٌ والمُبْدَلَ مِنهُ مَنفِيٌّ، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ: بِأنَّ (إلّا) تُغْنِي عَنِ الضَّمِيرِ لِإفْهامِها البَعْضِيَّةَ، وعَنِ الثّانِي: بِأنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الأوَّلِ في عَمَلِ العامِلِ، وتَخالُفُهُما في الإيجابِ والنَّفْيِ لا يَمْنَعُ البَدَلِيَّةَ عَلى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: إنَّ البَدَلَ في الِاسْتِثْناءِ عَلى حِدَةٍ لَمْ يَبْعُدْ.

والثّانِي: مِنَ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ وهو القَوْلُ بِخَبَرِيَّةِ ما بَعْدَ (إلّا) ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ وضُعِّفَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَمَلُ (لا) في المَعارِفِ وهي لا تَعْمَلُ فِيها وبِأنَّ اِسْمَها عامٌّ وما بَعْدَ (إلّا) خاصٌّ فَكَيْفَ يَكُونُ خَبَرًا، وقَدْ قالُوا: بِامْتِناعِ الحَيَوانِ إنْسانًا، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ: بِأنَّ (لا) لا عَمَلَ لَها في الخَبَرِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ وأنَّهُ حِينَ دُخُولِها مَرْفُوعٌ بِما كانَ مَرْفُوعًا بِهِ قَبْلُ فَلَمْ يَلْزَمْ عَمَلُها في المَعْرِفَةِ وهو كَما تَرى، وعَنِ الثّانِي: بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ في التَّرْكِيبِ قَدْ أخْبَرَ بِالخاصِّ عَنِ العامِّ إذِ العُمُومُ مَنفِيٌّ والكَلامُ مَسُوقُ العُمُومِ، والتَّخْصِيصُ بِواحِدٍ مِن أفْرادِ ما دَلَّ عَلَيْهِ العامُّ وفِيهِ ما فِيهِ.

وأمّا الأقْوالُ الثَّلاثَةُ الَّتِي لا يُعَوَّلُ عَلَيْها فَأوَّلُها: أنَّ (إلّا) لَيْسَتْ أداةَ اِسْتِثْناءٍ وإنَّما هي بِمَعْنى غَيْرٍ وهي مَعَ اِسْمِهِ تَعالى شَأْنُهُ صِفَةٌ لا اِسْمُ لا بِاعْتِبارِ المَحَلِّ، والتَّقْدِيرُ لا إلَهَ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى في الوُجُودِ، وثانِيها: وقَدْ نُسِبَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ أنْ لا إلَهَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ و(إلّا) وما بَعْدَها في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ، والأصْلُ هو أوِ اللَّهُ إلَهٌ، فَلَمّا أُرِيدَ قَصْرُ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ قُدِّمَ الخَبَرُ وقُرِنَ المُبْتَدَأُ بِإلّا إذِ المَقْصُورُ عَلَيْهِ هو الَّذِي يَلِي (إلّا) والمَقْصُورُ هو الواقِعُ في سِياقِ النَّفْيِ، والمُبْتَدَأُ إذا اِقْتُرِنَ بِإلّا وجَبَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ عَلَيْهِ كَما قُرِّرَ في مَوْضِعِهِ، وثالِثُها: أنَّ ما بَعْدَ (إلّا) مَرْفُوعٌ بِإلَهٍ كَما هو حالُ المُبْتَدَأِ إذا كانَ وصْفًا لِأنَّ إلَهًا بِمَعْنى مَأْلُوهٍ فَيَكُونُ قائِمًا مَقامَ الفاعِلِ وِسادًّا مَسَدَّ الخَبَرِ كَما في ما مَضْرُوبِ العُمْرانِ، ويُرَدُّ عَلى الأوَّلِ: أنَّ فِيهِ خَلَلًا مِن جِهَةِ المَعْنى لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلِمَةِ أمْرانِ نَفْيُ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى وإثْباتُها لَهُ سُبْحانَهُ وهَذا إنَّما يَتِمُّ إذا كانَ (إلّا) فِيها لِلِاسْتِثْناءِ إذْ يُسْتَفادُ النَّفْيُ والإثْباتُ حِينَئِذٍ بِالمَنطُوقِ، وأمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى غَيْرٍ فَلا يُفِيدُ الكَلامُ بِمَنطُوقِهِ إلّا نَفْيَ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى، وأمّا إثْباتُها لَهُ عَزَّ اِسْمُهُ فَلا يُسْتَفادُ مِنَ التَّرْكِيبِ واسْتِفادَتُهُ مِنَ المَفْهُومِ لا تَكادُ تُقْبَلُ لِأنَّهُ إنْ كانَ مَفْهُومُ لَقَبٍ فَلا عِبْرَةَ بِهِ ولَوْ عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ إذْ لَمْ يَقُلْ بِهِ إلّا الدَّقّاقُ وبَعْضُ الحَنابِلَةِ، وإنْ كانَ مَفْهُومُ صِفَةٍ فَمِنَ البَيِّنِ أنَّهُ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، ويُرَدُّ عَلى الثّانِي: أنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّمَحُّلِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَبْنِيًّا مَعَ (لا) وهي لا يُبْنى مَعَها إلّا المُبْتَدَأُ، وأيْضًا لَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ لَمْ يَكُنْ لِنَصْبِ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ (إلّا) في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ وجْهٌ، وقَدْ جَوَّزَهُ فِيهِ جَماعَةٌ، وعَلى الثّالِثِ: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ إلَهًا وصْفٌ وإلّا لَوَجَبَ إعْرابُهُ وتَنْوِينُهُ ولا قائِلَ بِهِ.

هَذا ولِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَوْدَةٌ بَعْدَ عَوْدَةٍ إلى ما في هَذِهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ مِنَ الكَلامِ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَيُّ ﴾ سَبْعَةُ أوْجُهٍ مِن وُجُوهِ الإعْرابِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا لِلَفْظِ الجَلالَةِ، الثّانِي: أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَيُّ، الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ ، الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (هُوَ) وحْدَهُ، الخامِسُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿ لا تَأْخُذُهُ ﴾ ، السّادِسُ: أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ (اَللَّهِ)، السّابِعُ أنَّهُ صِفَةٌ لَهُ ويُعَضِّدُهُ القِراءَةُ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ لِاخْتِصاصِهِ بِالنَّعْتِ، وفي أصْلِهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ أصْلَهُ حَيِّي بِ يائَيْنِ مِن حَيَّ يَحَيُّ، والثّانِي: أنَّهُ حَيِوَ فَقُلِبَتِ الواوُ المُتَطَرِّفَةُ المُنْكَسِرُ ما قَبْلَها ياءً، ولِذَلِكَ كَتَبُوا الحَياةَ بِواوٍ في رَسْمِ المُصْحَفِ تَنْبِيهًا عَلى هَذا الأصْلِ، ويُؤَيِّدُهُ الحَيَوانُ لِظُهُورِ هَذا الأصْلِ فِيهِ، ووَزْنُهُ قِيلَ: فَعِلَ وقِيلَ: فَيْعِلَ فَخُفِّفَ كَمَيْتٍ في مَيِّتٍ.

والحَياةُ عِنْدَ الطَّبِيعِيِّ القُوَّةُ التّابِعَةُ لِلِاعْتِدالِ النَّوْعِيِّ الَّتِي تَفِيضُ عَنْها سائِرُ القُوى الحَيَوانِيَّةِ أوْ قُوَّةُ التَّغْذِيَةِ أوْ قُوَّةُ الحِسِّ أوْ قُوَّةٌ تَقْتَضِي الحِسَّ والحَرَكَةَ، والكُلُّ مِمّا يَمْتَنِعُ اِتِّصافُ اللَّهِ تَعالى بِهِ لِأنَّهُ مِن صِفاتِ الجُسْمانِيّاتِ فَهي فِيهِ سُبْحانَهُ صِفَةٌ مَوْجُودَةٌ حَقِيقِيَّةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ لا يَكْتَنِهُ كُنْهَها ولا تُعْلَمُ حَقِيقَتُها كَسائِرِ صِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ زائِدَةٌ عَلى مَجْمُوعِ العِلْمِ والقُدْرَةِ ولَيْسَتْ نَفْسَ الذّاتِ حَقِيقَةً ولا ثابِتَةً لا مَوْجُودَةً ولا مَعْدُومَةً كَما قِيلَ بِكُلٍّ فالحَيُّ ذاتٌ قامَتْ بِهِ تِلْكَ الصِّفَةُ، وفَسَّرَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ ((بِأنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ ويَقْدِرَ، واعْتَرَضَهُ الإمامُ بِأنَّ هَذا القَدْرَ حاصِلٌ لِجَمِيعِ الحَيَواناتِ فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يَمْدَحَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ بِصِفَةٍ يُشارِكُهُ بِها أخَسُّ الحَيَواناتِ؟

ثُمَّ قالَ واَلَّذِي عِنْدِي في هَذا البابِ أنَّ الحَيَّ في أصْلِ اللُّغَةِ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ نَفْسِ هَذِهِ الصِّحَّةِ بَلْ كُلُّ شَيْءٍ كانَ كامِلًا في جِنْسِهِ يُسَمّى حَيًّا ألا يُرى أنَّ عِمارَةَ الأرْضِ الخَرِبَةِ تُسَمّى إحْياءَ المَواتِ، والصِّفَةُ المُسَمّاةُ في عُرْفِ المُتَكَلِّمِينَ حَياةً إنَّما سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها كَمالُ الجِسْمِ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلا جَرَمَ سُمِّيَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ حَياةً، وكَمالُ حالِ الأشْجارِ أنَّ تَكُونَ مُورِقَةً خَضِرَةً فَلا جَرَمَ سُمِّيَتْ هَذِهِ الحالُ حَياةً فالمَفْهُومُ الأصْلِيُّ مِنَ الحَيِّ كَوْنُهُ واقِعًا عَلى أكْمَلِ أحْوالِهِ وصِفاتِهِ وإذا كانَ كَذَلِكَ زالَ الإشْكالُ لِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ الحَيِّ هو الكامِلُ ولَمّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَيَّدًا دَلَّ عَلى أنَّهُ كامِلٌ عَلى الإطْلاقِ، والكامِلُ كَذَلِكَ مَن لا يَكُونُ قابِلًا لِلْعَدَمِ لا في ذاتِهِ ولا في صِفاتِهِ الحَقِيقِيَّةِ ولا في صِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ والإضافِيَّةِ)) اِنْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ قَوْلَهُ: إنَّ الحَيَّ بِمَعْنى الَّذِي يَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ ويَقْدِرَ مِمّا يَشْتَرِكُ بِهِ سائِرُ الحَيَواناتِ فَلا يَحْسُنُ أنْ يَمْدَحَ اللَّهُ تَعالى بِهِ نَفْسَهُ في غايَةِ السُّقُوطِ لِأنَّهُ إنْ أرادَ الِاشْتِراكَ في إطْلاقِ اللَّفْظِ فَلَيْسَ الحَيُّ وحْدَهُ كَذَلِكَ بَلِ السَّمِيعُ والبَصِيرُ أيْضًا مِثْلُهُ في الإطْلاقِ عَلى أخَسِّ الحَيَواناتِ، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى بِهِما نَفْسَهُ ولَمْ يَسْتَشْكِلْ ذَلِكَ أهْلُ السُّنَّةِ، وإنْ أرادَ الِاشْتِراكَ في الحَقِيقَةِ فَمَعاذَ اللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ إذِ الِاشْتِراكُ فِيها مُسْتَحِيلٌ بَيْنَ التُّرابِ ورَبِّ الأرْبابِ، وبَيْنَ الأزَلِيِّ والزّائِلِ، ومَتى قُلْتَ إنَّ الِاشْتِراكَ في إطْلاقِ اللَّفْظِ يُوجِبُ ذَلِكَ الِاشْتِراكَ حَقِيقَةً، ولا مَناصَ عَنْهُ إلّا بِالحَمْلِ عَلى المَجازِ لَزِمَكَ مِثْلُ ذَلِكَ في سائِرِ الصِّفاتِ ولا قائِلَ بِهِ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، وأما ثانِيًا: فَلِأنَّ كَوْنَ الحَياةِ في اللُّغَةِ بِمَعْنى الكَمالِ مِمّا لَمْ يَثْبُتْ في شَيْءٍ مِن كُتُبِ اللُّغَةِ أصْلًا وإنَّما الثّابِتُ فِيها غَيْرُ ذَلِكَ ووَصْفُ الجَماداتِ بِها إنَّما هو عَلى سَبِيلِ المَجازِ دُونَ الحَقِيقَةِ كَما وهَمَ، فَإنْ قالَ: إنَّها مَجازٌ في اللَّهِ تَعالى أيْضًا بِذَلِكَ المَعْنى عادَ الإشْكالُ بِحُصُولِ الِاشْتِراكِ في الكَمالِ مَعَ الجَماداتِ فَضْلًا عَنِ الحَيَوانِ، فَإنْ قالَ: كَمالُ كُلِّ شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلِيقُ بِهِ قُلْنا: فَحَياةُ كُلِّ حَيٍّ حَقِيقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلِيقُ بِهِ، ولَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ، وكَأنِّي بِكَ تَفْهَمُ مِن كَلامِي المَيْلَ إلى مَذْهَبِ السَّلَفِ في مِثْلِ هَذِهِ المَواطِنِ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ فَهْمَ القَوْمِ كُلَّ القَوْمِ.

ويا حَبَّذا هِنْدٌ وأرْضٌ بِها هِنْدُ واَلزَّمَخْشَرِيُّ فَسَّرَ الحَيَّ بِالباقِي الَّذِي لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلْمَوْتِ والفَناءِ وجَعَلُوا ذَلِكَ مِنهُ تَفْسِيرًا بِما هو المُتَعارَفُ مِن كَلامِ العَرَبِ وأرى أنَّ في القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، ولَعَلِّي مِن وراءِ المَنعِ لِذَلِكَ، نَعَمْ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ الَّذِي لا يَمُوتُ وهو لَيْسَ بِنَصٍّ في المُدَّعى.

﴿ القَيُّومُ ﴾ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ لِلْقِيامِ وأصْلُهُ قَيْوُومٌ عَلى فَيْعُولٍ فاجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعُولًا وإلّا لَكانَ قَوُومًا لِأنَّهُ واوِيٌّ، ويَجُوزُ فِيهِ قَيّامُ وقَيِّمٌ وبِهِما قُرِئَ، ورُوِيَ أوَّلُهُما عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقُرِئَ (اَلْقائِمَ) و(اَلْقَيُّومَ) بِالنَّصْبِ ومَعْناهُ كَما قالَ الضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ: الدّائِمُ الوُجُودِ، وقِيلَ: القائِمُ بِذاتِهِ، وقِيلَ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ مِن إنْشائِهِمُ اِبْتِداءً وإيصالِ أرْزاقِهِمْ إلَيْهِمْ وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ وقِيلَ: هو العالِمُ بِالأُمُورِ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ يَقُومُ بِالكِتابِ أيْ يَعْلَمُ ما فِيهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو الدّائِمُ القَيّامُ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ وحِفْظِهِ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ يُقالُ: قامَ كَذا أيْ دامَ وقامَ بِكَذا أيْ حَفِظَهُ، والقَيُّومُ القائِمُ الحافِظُ لِكُلِّ شَيْءٍ والمُعْطِي لَهُ ما بِهِ قِوامُهُ، والظّاهِرُ مِنهُ أنَّ القِيامَ بِمَعْنى الدَّوامِ ثُمَّ يَصِيرُ بِالتَّعْدِيَةِ بِمَعْنى الإدامَةِ وهو الحِفْظُ فَأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ المُبالَغَةَ لَيْسَتْ مِن أسْبابِ التَّعْدِيَةِ فَإذا عُرِّيَ القَيُّومُ عَنْ أداتِها كانَ بِمَعْنى اللّازِمِ فَلا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِالحافِظِ ثُمَّ إنَّ المُبالِغَةَ في الحِفْظِ كَيْفَ تُفِيدُ إعْطاءَ ما بِهِ القِوامُ، ولَعَلَّهُ مِن حَيْثُ إنَّ الِاسْتِقْلالَ بِالحِفْظِ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ كَما لا يَخْفى، وأوْرَدَ عَلى تَفْسِيرِهِ بِنَحْوِ القائِمِ بِذاتِهِ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَيُّومِ السَّماواتِ والأرْضِ الوارِدِ في الأدْعِيَةِ المَأْثُورَةِ واجِبُ السَّماواتِ والأرْضِ وهو كَما تَرى، فالظّاهِرُ أنَّهُ فِيهِ بِمَعْنًى آخَرَ مِمّا يَلِيقُ إذْ لا يَصِحُّ ذَلِكَ إلّا بِنَوْعِ تَمَحُّلٍ.

وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّ القَيُّومَ هو اِسْمُ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمُ، وفَسَّرَهُ هَؤُلاءِ بِأنَّهُ القائِمُ بِذاتِهِ والمُقَوِّمُ لِغَيْرِهِ، وفَسَّرُوا القِيامَ بِالذّاتِ بِوُجُوبِ الوُجُودِ المُسْتَلْزِمِ لِجَمِيعِ الكِمالاتِ والتَّنَزُّهِ عَنْ سائِرِ وُجُوهِ النَّقْصِ وجَعَلُوا التَّقْوِيمَ لِلْغَيْرِ مُتَضَمِّنًا جَمِيعَ الصِّفاتِ الفِعْلِيَّةِ فَصَحَّ لَهُمُ القَوْلُ بِذَلِكَ وأغْرَبُ الأقْوالِ أنَّهُ لَفْظٌ سُرْيانِيٌّ ومَعْناهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ الَّذِي لا يَنامُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ لِأنَّهُ يَتَكَرَّرُ حِينَئِذٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ ﴾ السِّنَةُ بِكَسْرِ أوَّلِهِ فُتُورٌ يَتَقَدَّمُ النَّوْمَ ولَيْسَ بِنَوْمٍ لِقَوْلِ عَدِيِّ بْنِ الرِّقاعِ: وسِنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ ∗∗∗ في عَيْنِهِ (سِنَةٌ) ولَيْسَ بِنائِمِ والنَّوْمُ بَدِيهِيُّ التَّصَوُّرِ يَعْرِضُ لِلْحَيَوانِ مِنَ اِسْتِرْخاءِ أعْصابِ الدِّماغِ مِن رُطُوباتِ الأبْخِرَةِ المُتَصاعِدَةِ بِحَيْثُ تَقِفُ الحَواسُّ الظّاهِرَةُ عَنِ الإحْساسِ رَأْسًا، وزَعَمَ السُّيُوطِيُّ في بَعْضِ «رَسائِلِهِ» أنَّ سَبَبَهُ شَمَّ هَواءٍ يَهُبُّ مِن تَحْتِ العَرْشِ، ولَعَلَّهُ أرادَ تَصاعُدَ الأبْخِرَةِ مِنَ المَعِدَةِ تَحْتَ القَلْبِ الَّذِي هو عَرْشُ الرُّوحِ وإلّا فَلا أعْقِلُهُ، وتَقْدِيمُ السِّنَةِ عَلَيْهِ وقِياسُ المُبالَغَةِ يَقْتَضِي التَّأْخِيرَ مُراعاةً لِلتَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ فَلِتَقَدُّمِها عَلى النَّوْمِ في الخارِجِ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ في اللَّفْظِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى طَرِيقِ التَّتْمِيمِ وهو أبْلَغُ لِما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ إذْ نَفِيُ السِّنَةِ يَقْتَضِي نَفْيَ النَّوْمِ ضِمْنًا فَإذا نُفِيَ ثانِيًا كانَ أبْلَغَ، ورُدَّ بِأنَّهُ إنَّما هو عَلى أُسْلُوبِ الإحاطَةِ والإحْصاءِ وهو مُتَعَيَّنٌ فِيهِ مُراعاةُ التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ والِابْتِداءِ مِنَ الأخَفِّ فالأخَفِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ﴾ ولِهَذا تَوَسَّطَتْ كَلِمَةُ (لا) تَنْصِيصًا عَلى الإحاطَةِ وشُمُولِ النَّفْيِ لِكُلٍّ مِنهُما، وقِيلَ: إنَّ تَأْخِيرَ النَّوْمِ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ ولا يَخْفى أنَّهُ مِن ضِيقِ العَطَنِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: هَذا كُلُّهُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ إذا أُخِذَ الأخْذُ بِمَعْنى العُرُوضِ والِاعْتِراءِ، وأمّا لَوْ أخَذَ بِمَعْنى القَهْرِ والغَلَبَةِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ فالتَّرْتِيبُ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ إذْ يَكُونُ المَعْنى لا تَغْلِبُهُ السِّنَةُ ولا النَّوْمُ الَّذِي هو أكْثَرُ غَلَبَةً مِنها.

والجُمْلَةُ نَفْيٌ لِلتَّشْبِيهِ وتَنْزِيهٌ لَهُ تَعالى أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ مِنَ الأحْياءِ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن ذَلِكَ فَكَيْفَ تُشابِهُهُ، وفِيها تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِ تَعالى حَيًّا قَيُّومًا لِأنَّ النَّوْمَ آفَةٌ تُنافِي دَوامَ الحَياةِ وبَقاءَها وصِفاتُهُ تَعالى قَدِيمَةٌ لا زَوالَ لَها ولِأنَّ مَن يَعْتَرِيهِ النَّوْمُ والغَلَبَةُ لا يَكُونُ واجِبَ الوُجُودِ دائِمَهُ ولا عالِمًا مُسْتَمِرَّ العِلْمِ ولا حافِظًا قَوِيَّ الحِفْظِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى هَلْ يَنامُ رَبُّكَ؟

قالَ: اِتَّقَوُا اللَّهَ تَعالى فَناداهُ رَبُّهُ يا مُوسى سَألُوكَ هَلْ يَنامُ رَبُّكَ فَخُذْ زُجاجَتَيْنِ في يَدَيْكَ فَقُمِ اللَّيْلَ فَفَعَلَ مُوسى فَلَمّا ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ ثُلْثٌ نَعَسَ فَوَقَعَ لِرُكْبَتَيْهِ ثُمَّ اِنْتَعَشَ فَضَبَطَهُما حَتّى إذا كانَ آخِرَ اللَّيْلِ نَعَسَ فَسَقَطَتْ الزُّجاجَتانِ فانْكَسَرَتا فَقالَ: يا مُوسى لَوْ كُنْتُ أنامُ لَسَقَطَتِ السَّماواتُ والأرْضُ فَهَلَكْنَ كَما هَلَكَتِ الزُّجاجَتانِ في يَدَيْكَ» ولِما فِيها مِنَ التَّأْكِيدِ كاَلَّذِي بَعْدَها تُرِكَ العاطِفُ فِيها وهي إمّا اِسْتِئْنافِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وإمّا حالٌ مُؤَكَّدَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿ القَيُّومُ ﴾ ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا عَنِ الحَيِّ أوْ عَنِ الِاسْمِ الجَلِيلِ.

﴿ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِقَيُّومِيَّتِهِ تَعالى واحْتِجاجٌ عَلى تَفَرُّدِهِ في الإلَهِيَّةِ، والمُرادُ بِما فِيهِما ما هو أعَمُّ مِن أجْزائِهِما الدّاخِلَةِ فِيهِما ومِنَ الأُمُورِ الخارِجَةِ عَنْهُما المُتَمَكِّنَةِ فِيهِما مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ فَيُعْلَمُ مِنَ الآيَةِ نَفْيُ كَوْنِ الشَّمْسِ والقَمَرِ وسائِرِ النُّجُومِ والمَلائِكَةِ والأصْنامِ والطَّواغِيتِ آلِهَةً مُسْتَحِقَّةً لِلْعِبادَةِ.

﴿ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ ﴾ اِسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ ولِذا دَخَلَتْ (إلّا) والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ كِبْرِياءِ شَأْنِهِ تَعالى وأنَّهُ لا أحَدَ يُساوِيهِ أوْ يُدانِيهِ بِحَيْثُ يَسْتَقِلُّ أنْ يَدْفَعَ ما يُرِيدُهُ دَفْعًا عَلى وجْهِ الشَّفاعَةِ والِاسْتِكانَةِ والخُضُوعِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَقِلَّ بِدَفْعِهِ عِنادًا أوْ مُناصَبَةً وعَداوَةً وفي ذَلِكَ تَأْيِيسٌ لِلْكُفّارِ حَيْثُ زَعَمُوا أنَّ آلِهَتَهم شُفَعاءُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ﴾ أيْ أمْرَ الدُّنْيا ﴿ وما خَلْفَهُمْ ﴾ أيْ أمْرَ الآخِرَةِ قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُما، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةُ عَكْسُ ذَلِكَ، وقِيلَ: يَعْلَمُ ما كانَ قَبْلَهم وما كانَ بَعْدَهُمْ، وقِيلَ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وما خَلْفَهم مِمّا فَعَلُوهُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: ما يُدْرِكُونَهُ وما لا يُدْرِكُونَهُ أوْ ما يُحِسُّونَهُ ويَعْقِلُونَهُ والكُلُّ مُحْتَمَلٌ، ووَجْهُ الإطْلاقِ فِيهِ ظاهِرٌ، وضَمِيرُ الجَمْعِ يَعُودُ عَلى ما في ﴿ ما في السَّماواتِ ﴾ الخ إلّا أنَّهُ غَلَّبَ مَن يَعْقِلُ عَلى غَيْرِهِ، وقِيلَ: لِلْعُقَلاءِ في ضِمْنِهِ فَلا تَغْلِيبَ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ مَن ذا ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، وقِيلَ: الأنْبِياءُ خاصَّةً، والعِلْمُ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم كِنايَةٌ عَنْ إحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، والجُمْلَةُ إمّا اِسْتِئْنافٌ أوْ خَبَرٌ عَمّا قَبْلُ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَشْفَعُ) أوْ مِنَ المَجْرُورِ في (بِإذْنِهِ).

﴿ ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ ﴾ أيْ مَعْلُومِهِ كَقَوْلِهِمُ: اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لَنا عِلْمَكَ فِينا، والإحاطَةُ بِالشَّيْءِ عِلْمًا عِلْمُهُ كَما هو عَلى الحَقِيقَةِ، والمَعْنى لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ كُنْهَ شَيْءٍ ما مِن مَعْلُوماتِهِ تَعالى ﴿ إلا بِما شاءَ ﴾ أنْ يَعْلَمَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ (مِن عِلْمِهِ) مَعْلُومُهُ الخاصُّ وهو كُلُّ ما في الغَيْبِ ﴿ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا ﴾ ﴿ إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ ﴾ وعُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ما قَبْلَها لِمُغايَرَتِها لَهُ لِأنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ وهَذِهِ تُفِيدُ أنَّهُ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ ومَجْمُوعُهُما دالٌّ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالعِلْمِ الذّاتِيِّ الَّذِي هو مِن أُصُولِ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَتَّصِفَ الإلَهُ تَعالى شَأْنُهُ بِها بِالفِعْلِ.

﴿ وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ الكُرْسِيُّ جِسْمٌ بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ مُحِيطٌ بِالسَّماواتِ السَّبْعِ، وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: لَوْ أنَّ السَّماواتَ السَّبْعَ والأرْضِينَ السَّبْعَ بُسِطْنَ ثُمَّ وُصِلْنَ بَعْضُهُنَّ إلى بَعْضِ ما كُنَّ في سِعَتِهِ أيِ الكُرْسِيِّ إلّا بِمَنزِلَةِ الحَلْقَةِ في المَفازَةِ وهو غَيْرُ العَرْشِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ «أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ  عَنِ الكُرْسِيِّ فَقالَ: ”يا أبا ذَرٍّ ما السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُونَ السَّبْعُ عِنْدَ الكُرْسِيِّ إلّا كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ بِأرْضِ فَلاةٍ وأنَّ فَضْلَ العَرْشِ عَلى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الفَلاةِ عَلى تِلْكَ الحَلْقَةِ“» وفي رِوايَةِ الدّارَقُطْنِيِّ والخَطِيبِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ  عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وسِعَ كُرْسِيُّهُ ﴾ الخ «قالَ: كُرْسِيُّهُ مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ والعَرْشُ لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ» وقِيلَ: هو العَرْشُ نَفْسُهُ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الحَسَنِ، وقِيلَ: قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: تَدْبِيرُهُ، وقِيلَ: مَلَكٌ مِن مَلائِكَتِهِ، وقِيلَ: مَجازٌ عَنِ العِلْمِ مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَكانِهِ لِأنَّ الكُرْسِيَّ مَكانُ العالَمِ الَّذِي فِيهِ العِلْمُ فَيَكُونُ مَكانًا لِلْعِلْمِ بِتَبَعِيَّتِهِ لِأنَّ العَرْضَ يَتْبَعُ المَحَلَّ في التَّحَيُّزِ حَتّى ذَهَبُوا إلى أنَّهُ مَعْنى قِيامِ العَرْضِ بِالمَحَلِّ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: عَنِ المُلْكِ أخْذًا مِن كُرْسِيِّ المُلْكِ، وقِيلَ: أصْلُ الكُرْسِيِّ ما يُجْلَسُ عَلَيْهِ ولا يُفَضَّلُ عَنْ مَقْعَدِ القاعِدِ.

والكَلامُ مَساقٌ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِعَظَمَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ وسِعَةِ سُلْطانِهِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِالأشْياءِ قاطِبَةً، فَفي الكَلامِ اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ ولَيْسَ ثَمَّةَ كُرْسِيٍّ ولا قاعِدٌ ولا قُعُودٌ وهَذا الَّذِي اِخْتارَهُ الجَمُّ الغَفِيرُ مِنَ الخَلَفِ فِرارًا مِن تَوَهُّمِ التَّجْسِيمِ، وحَمَلُوا الأحادِيثَ الَّتِي ظاهِرُها حَمْلُ الكُرْسِيِّ عَلى الجِسْمِ المُحِيطِ عَلى مَثَلِ ذَلِكَ لا سِيَّما الأحادِيثِ الَّتِي فِيها ذِكْرُ القِدَمِ كَما قَدَّمْنا، وكالحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، الكُرْسِيُّ: مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ ولَهُ أطِيطٌ كَأطِيطِ الرَّحْلِ؛ وفي رِوايَةٍ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «لَهُ أطِيطٌ كَأطِيطِ الرَّحْلِ الجَدِيدِ إذا رَكِبَ عَلَيْهِ مَن يَثْقُلُهُ ما يَفْضُلُ مِنهُ أرْبَعُ أصابِعَ ”،» وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ وأمْثالَهُ لَيْسَ بِالدّاعِي القَوِيِّ لِنَفْيِ الكُرْسِيِّ بِالكُلِّيَّةِ فالحَقُّ أنَّهُ ثابِتٌ كَما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ وتَوَهُّمُ التَّجْسِيمِ لا يُعْبَأُ بِهِ وإلّا لَلَزِمَ نَفْيُ الكَثِيرِ مِنَ الصِّفاتِ وهو بِمَعْزِلٍ عَنِ اِتِّباعِ الشّارِعِ والتَّسْلِيمِ لَهُ، وأكْثَرُ السَّلَفِ الصّالِحِ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وفَوَّضُوا عِلْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ القَوْلِ بِغايَةِ التَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ لَهُ تَعالى شَأْنُهُ.

والقائِلُونَ بِالمَظاهِرِ مِن ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم لَمْ يُشْكِلْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن أمْثالِ ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ مِنهم أنَّ الكُرْسِيَّ عِبارَةٌ عَنْ تَجَلِّي جُمْلَةُ الصِّفاتِ الفِعْلِيَّةِ فَهو مَظْهَرٌ إلَهِيٌّ ومَحَلُّ نُفُوذِ الأمْرِ والنَّهْيِ والإيجادِ والإعْدامِ المُعَبَّرِ عَنْهُما بِالقَدَمَيْنِ، وقَدْ وسِعَ السَّماواتِ والأرْضَ وُسْعَ وُجُودِ عَيْنِي ووُسْعَ حُكْمِي لِأنَّ وجُودِهِما المُقَيَّدَ مِن آثارِ الصِّفاتِ الفِعْلِيَّةِ الَّتِي هو مَظْهَرٌ لَها ولَيْسَتِ القَدَمانِ في الأحادِيثِ عِبارَةً عَنْ قَدَمَيِ الرِّجْلَيْنِ ومَحَلِّ النَّعْلَيْنِ تَعالى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولا «اَلْأطِيطُ» عِبارَةً عَمّا تَسْمَعُهُ وتَفْهَمُهُ في الشّاهِدِ بَلْ هو -إنْ لَمْ تُفَوِّضْ عِلْمَهُ إلى العَلِيمِ الخَبِيرِ- إشارَةٌ إلى بُرُوزِ الأشْياءِ المُتَضادَّةِ أوِ اِجْتِماعِها في ذَلِكَ المَظْهَرِ الَّذِي هو مَنشَأُ التَّفْصِيلِ والإبْهامِ ومَحَلُّ الإيجادِ والإعْدامِ ومَرْكَزُ الضُّرِّ والنَّفْعِ والتَّفْرِيقِ والجَمْعِ، ومَعْنى ما يَفْضُلُ مِنهُ إلّا أرْبَعَ أصابِعَ إنْ كانَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى الرَّحْلِ ظاهِرٌ وإنْ كانَ راجِعًا إلى الكُرْسِيِّ فَهو إشارَةٌ إلى وُجُودِ حَضَراتٍ هي مَظاهِرُ لِبَعْضِ الأسْماءِ لَمْ تَبْرُزْ إلى عالَمِ الحِسِّ ولا يُمْكِنْ أنْ يَراها إلّا مَن وُلِدَ مَرَّتَيْنِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الأصابِعِ الأرْبَعِ ما تَعْرِفُهُ مِن نَفْسِكَ، ولِلْعارِفِينَ في هَذا المَقامِ كَلامٌ غَيْرُ هَذا، ولَعَلَّنا نُشِيرُ إلى بَعْضٍ مِنهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

ثُمَّ المَشْهُورُ أنَّ الياءَ في الكُرْسِيِّ لِغَيْرِ النَّسَبِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الكِرْسِ وهو الجَمْعُ ومِنهُ الكُرّاسَةُ لِلصَّحائِفِ الجامِعَةِ لِلْعِلْمِ، وقِيلَ: كَأنَّهُ مَنسُوبٌ إلى الكَرِسِ بِالكَسْرِ وهو المُلَبَّدُ وجَمْعُهُ كَراسِيُّ كَبُخْتِيُّ وبَخاتِيُّ وفِيهِ لُغَتانِ ضَمُّ كافِهِ وهي المَشْهُورَةُ وكَسْرُها لِلْإتْباعِ والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِ الواوِ والعَيْنِ، وكَسْرِ السِّينِ في ﴿ وسِعَ ﴾ عَلى أنَّهُ فَعِلَ والكُرْسِيُّ فاعِلُهُ، وقُرِئَ بِسُكُونِ السِّينِ مَعَ كَسْرِ الواوِ كَعِلْمٍ في عَلِمَ، وبِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ السِّينِ ورَفْعِ العَيْنِ مَعَ جَرِّ كُرْسِيِّهِ ورَفْعِ السَّماواتِ فَهو حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ مُضافٌ إلى ما بَعْدَهُ و(اَلسَّماواتُ والأرْضُ) خَبَرُهُ.

﴿ ولا يَئُودُهُ ﴾ أيْ لا يُثْقِلُهُ كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الأوْدِ بِمَعْنى الِاعْوِجاجِ لِأنَّ الثَّقِيلَ يَمِيلُ لَهُ ما تَحْتَهُ، وماضِيهُ آدَ؛ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى.

وقِيلَ: الكُرْسِيُّ.

﴿ حِفْظُهُما ﴾ أيِ السَّماواتِ والأرْضِ وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ ما فِيهِما لِما أنَّ حِفْظَهُما مُسْتَتْبِعٌ لِحِفْظِهِ، وخَصَّهُما بِالذِّكْرِ دُونَ الكُرْسِيِّ لِأنَّ حِفْظَهُما هو المُشاهَدُ المَحْسُوسُ، والقَوْلُ بِالِاسْتِخْدامِ لِيَدْخُلَ هو والعَرْشُ وغَيْرُهُما مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى بِعِيدٌ ﴿ وهُوَ العَلِيُّ ﴾ أيِ المُتَعالِي عَنِ الأشْباهِ والأنْدادِ والأمْثالِ والأضْدادِ وعَنْ أماراتِ النَّقْصِ ودَلالاتِ الحُدُوثِ، وقِيلَ: هو مِنَ العُلُوِّ الَّذِي هو بِمَعْنى القُدْرَةِ والسُّلْطانُ والمُلْكِ وعُلُوِّ الشَّأْنِ والقَهْرِ والِاعْتِلاءِ والجَلالِ والكِبْرِياءِ ﴿ العَظِيمُ  ﴾ ذُو العَظَمَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ بِالإضافَةِ إلَيْهِ حَقِيرٌ.

ولَمّا جُلِّيَتْ عَلى مِنَصَّةِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَرائِسُ المَسائِلِ الإلَهِيَّةِ وأشْرَقَتْ عَلى صَفَحاتِها أنْوارُ الصِّفاتِ العَلِيَّةِ حَيْثُ جَمَعَتْ أُصُولَ الصِّفاتِ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ والحَياةِ والعِلْمِ والمُلْكِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ، واشْتَمَلَتْ عَلى سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فِيها اِسْمُ اللَّهِ تَعالى ظاهِرٌ في بَعْضِها ومُسْتَتِرٌ في البَعْضِ ونَطَقَتْ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ مَوْجُودٌ مُنْفَرِدٌ في أُلُوهِيَّتِهِ حَيٌّ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ مُوجِدٌ لِغَيْرِهِ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّحَيُّزِ والحُلُولِ مُبَرَّأٌ عَنِ التَّغَيُّرِ والفُتُورِ لا مُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأشْباحِ ولا يَحِلُّ بِساحَةِ جَلالِهِ ما يَعْرِضُ لِلنُّفُوسِ والأرْواحِ، مالِكُ المُلْكِ والمَلَكُوتَ ومُبْدِعُ الأُصُولِ والفُرُوعِ ذُو البَطْشِ الشَّدِيدِ العالِمُ وحْدَهُ بِجَلِيِّ الأشْياءِ وخَفِيِّها وكُلِّيِّها وجُزْئِيِّها واسِعُ المُلْكِ والقُدْرَةِ لِكُلِّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُمْلَكَ ويُقْدَرَ عَلَيْهِ لا يَشُقُّ عَلَيْهِ شاقٌّ ولا يَثْقُلُ شَيْءٌ لَدَيْهِ مُتَعالٍ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ عَظِيمٌ لا يَسْتَطِيعُ طَيْرُ الفِكْرِ أنْ يَحُومَ في بَيْداءَ صِفاتٌ قامَتْ بِهِ تَفَرَّدَتْ بِقَلائِدِ فَضْلٍ خَلَتْ عَنْها أجْيادٌ أخَواتُها الجِيادُ وجَواهِرُ خَواصٍّ تَتَهادى بِها بَيْنَ أتْرابِها ولا كَما تَتَهادى لُبْنى وسُعادُ.

أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ وغَيْرُهُما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: «“ إنَّ أعْظَمَ آيَةٍ في القُرْآنِ آيَةُ الكُرْسِيِّ» وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ مَرْفُوعًا «مَن قَرَأ آيَةَ الكُرْسِيِّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ حُفِظَ إلى الصَّلاةِ الأُخْرى ولا يُحافِظُ عَلَيْها إلّا نَبِيٌّ أوْ صِدِّيقٌ أوْ شَهِيدٌ» وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهَ أنَّهُ قالَ: ««لَوْ تَعْلَمُونَ ما فِيها لَما تَرَكْتُمُوها عَلى حالٍ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: ”أُعْطِيتُ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ يُؤْتِها نَبِيٌّ قَبْلِي“» والأخْبارُ في فَضْلِها كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ إلّا أنَّ بَعْضَها مِمّا لا أصْلَ لَهُ كَخَبَرِ ««مَن قَرَأها بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا يَكْتُبُ مِن حَسَناتِهِ ويَمْحُو مِن سَيِّئاتِهِ إلى الغَدِ مِن تِلْكَ السّاعَةِ»،» وبَعْضَها مُنْكَرٌ جِدًّا كَخَبَرِ ««إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنِ اِقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَإنَّهُ مَن يَقْرَؤُها في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ أجْعَلُ لَهُ قَلْبَ الشّاكِرِينَ ولِسانَ الذّاكِرِينَ وثَوابَ المُنِيبِينَ وأعْمالَ الصِّدِّيقِينَ»».

ولا يَخْفى أنَّ أكْثَرَ الأحادِيثِ في هَذا البابِ حُجَّةٌ لِمَن قالَ: إنَّ بَعْضَ القُرْآنِ قَدْ يُفَضَّلُ عَلى غَيْرِهِ وفِيهِ خِلافٌ فَمَنَعَهُ بَعْضُهم كالأشْعَرِيِّ والباقِلّانِيِّ وغَيْرِهِما لِاقْتِضائِهِ نَقْصَ المَفْضُولِ وكَلامُ اللَّهِ تَعالى لا نَقْصَ فِيهِ، وأوَّلُوا أعْظَمَ بِعَظِيمٍ وأفْضَلَ بِفاضِلٍ، وأجازَهُإسْحَقُ بْنُ راهَوَيْهِ وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ والمُتَكَلِّمِينَ وهو المُخْتارُ ويَرْجِعُ إلى عِظَمِ أجْرِ قارِئِهِ ولِلَّهِ تَعالى أنْ يَخُصَّ ما شاءَ بِما شاءَ لِما شاءَ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ الكافِرِينَ هُمُ الظّالِمُونَ ناسَبَ أنْ يُنَبِّهَهم جَلَّ شَأْنُهُ عَلى العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي هي مَحْضُ التَّوْحِيدِ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ المُرْسَلُونَ عَلى اِخْتِلافِ دَرَجاتِهِمْ وتَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ بِما أيْنَعَتْ مِن ذَلِكَ رِياضُهُ وتَدَفَّقَتْ حِياضُهُ وصَدَحَ عَنْدَلِيبُهُ وصَدَعَ عَلى مَنابِرِ البَيانِ خَطِيبُهُ فَلِلَّهِ الحَمْدُ عَلى ما أوْضَحَ الحُجَّةَ وأزالَ الغُبارَ عَنْ وجْهِ المَحَجَّةِ.

* * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ ﴾ أيْ أسْرارُهُ وأنْوارُهُ ورُمُوزُهُ وإشاراتُهُ ﴿ نَتْلُوها ﴾ بِلِسانِ الوَحْيِ ﴿ عَلَيْكَ ﴾ مُلابَسَةً لِلْحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي لا يَعْتَرِيهِ تَغْيِيرٌ ﴿ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ الَّذِينَ عَبَرُوا هَذِهِ المَقاماتِ وصَحَّ لَهم صَفاءُ الأوْقاتِ ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ بِمُقْتَضى اِسْتِعْلاءِ أنْوارِ اِسْتِعْداداتِهِمْ ﴿ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ﴾ عِنْدَ تَجَلِّيهِ عَلى طَوْرِ قَلْبِهِ وفي وادِي سِرِّهِ ﴿ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ ﴾ بِفَنائِهِ عَنْ ظُلْمَةِ الوُجُودِ بِالكُلِّيَّةِ وبَقائِهِ في حَضْرَةِ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ وبُلُوغِهِ مَقامَ قابِ قَوْسَيْنِ وظَفْرِهِ بِكَنْزٍ فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى مِن أسْرارِهِمُ النَّشْأتَيْنِ حَتّى عادَ وهو نُورُ الأنْوارِ والمَظْهَرُ الأعْظَمُ عِنْدَ ذَوِي الأبْصارِ ﴿ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ ﴾ والآياتِ الباهِراتِ مِن إحْياءِ أمْواتِ القُلُوبِ والأخْبارِ عَمّا يُدَّخَرُ في خَزائِنِ الأسْرارِ مِنَ الغُيُوبِ ﴿ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ الَّذِي هو رُوحُ الأرْواحِ المُنَزَّهُ عَنِ النَّقائِصِ الكَوْنِيَّةِ والمُقَدَّسُ عَنِ الصِّفاتِ الطَّبِيعِيَّةِ ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ ﴾ جاءُوا ﴿ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ بِسُيُوفِ الهَوى ونِبالِ الضَّلالِ ﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ ﴾ مِن أنْوارِ الفِطْرَةِ وإرْشادِ الرُّسُلِ الآياتُ الواضِحاتُ ﴿ ولَكِنِ اخْتَلَفُوا ﴾ حَسْبَما اِقْتَضاهُ اِسْتِعْدادُهُمُ الأزَلِيُّ ﴿ فَمِنهم مَن آمَنَ ﴾ بِما جاءَ بِهِ الوَحْيُ ﴿ ومِنهم مَن كَفَرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا ﴾ عَنِ اِخْتِلافٍ بِأنْ يَتَّحِدَ اِسْتِعْدادُهم ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴾ ولا يُرِيدُ إلّا ما في العِلْمِ وما كانَ فِيهِ سِوى هَذا الِاخْتِلافِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ ﴾ بِبَذْلِ الأرْواحِ وإرْشادِ العِبادِ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ﴾ القِيامَةِ الكُبْرى ﴿ لا بَيْعٌ فِيهِ ﴾ ولا تُبَدَّلُ صِفَةٌ بِصِفَةٍ فَلا يَحْصُلُ تَكْمِيلُ النَّشْأةِ ﴿ ولا خُلَّةٌ ﴾ لِظُهُورِ الحَقائِقِ ﴿ ولا شَفاعَةٌ ﴾ لِلتَّجَلِّي الجَلالِيِّ.

﴿ والكافِرُونَ هُمُ ﴾ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِنَقْصِ حُظُوظِها وما ظَلَمْناهم إذْ لَمْ نَقْضِ عَلَيْهِمْ سِوى ما اِقْتَضاهُ اِسْتِعْدادُهُمُ غَيْرُ المَجْعُولِ ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ ﴾ في الوُجُودِ العِلْمِيِّ ﴿ إلا هو الحَيُّ ﴾ الَّذِي حَياتُهُ عَيْنُ ذاتِهِ وكُلُّ ما هو حَيٌّ لَمْ يَحْيَ إلّا بِحَياتِهِ ﴿ القَيُّومُ ﴾ الَّذِي يَقُومُ بِنَفْسِهِ ويُقَوِّمُ كُلَّ ما يَقُومُ بِهِ، وقِيلَ: الحَيُّ الَّذِي ألْبَسَ حَياتَهُ أسْرارَ المُوَحِّدِينَ فَوَحَّدُوا بِهِ، والقَيُّومُ الَّذِي رَبّى بِتَجَلِّي الصِّفاتِ وكَشْفِ الذّاتِ أرْواحَ العارِفِينَ فَفَنُوا في ذاتِهِ واحْتَرَقُوا بِنُورِ كِبْرِيائِهِ.

﴿ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ ﴾ بَيانٌ لِقَيُّومِيَّتِهِ وإشارَةٌ إلى أنَّ حَياتَهُ عَيْنُ ذاتِهِ لَهُ ما في سَماواتِ الأرْواحِ وأرْضِ الأشْباحِ فَلا يَتَحَرَّكُ مُتَحَرِّكٌ ولا يَسْكُنُ ساكِنٌ ولا يَخْطُرُ خاطِرٌ في بَرٍّ أوْ بَحْرٍ وسِرٍّ أوْ جَهْرٍ إلّا بِقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ وعِلْمِهِ ومَشِيئَتِهِ ﴿ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ ﴾ إذْ كُلُّهم لَهُ ومِنهُ وإلَيْهِ وبِهِ ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ﴾ مِنَ الخَطَراتِ ﴿ وما خَلْفَهُمْ ﴾ مِنَ العَثَراتِ، أوْ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ المَقاماتِ وما خَلْفَهم مِنَ الحالاتِ، أوْ يَعْلَمُ مِنهم ما قَبْلَ إيجادِهِمْ مِن كَمِّيَّةِ اِسْتِعْدادِهِمْ وما بَعْدَ إنْشائِهِمْ مِنَ العَمَلِ بِمُقْتَضى ذَلِكَ ﴿ ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن ﴾ مَعْلُوماتِهِ الَّتِي هي مَظاهِرُ أسْمائِهِ ﴿ إلا بِما شاءَ ﴾ كَما يَحْصُلُ لِأهْلِ القُلُوبِ مِن مُعايَناتِ أسْرارِ الغُيُوبِ وإذا تَقاصَرَتِ الفُهُومُ عَنِ الإحاطَةِ بِشَيْءٍ مِن مَعْلُوماتِهِ فَأيُّ طَمَعٍ لَها في الإحاطَةِ بِذاتِهِ هَيْهاتَ هَيْهاتَ أنّى لِخُفّاشٍ الفَهْمُ أنْ يَفْتَحَ عَيْنَهُ في شَمْسِ هاتِيكَ الذّاتِ؟

﴿ وسِعَ كُرْسِيُّهُ ﴾ الَّذِي هو قَلْبُ العارِفِ ﴿ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ لِأنَّهُ مَعْدِنُ العُلُومِ الإلَهِيَّةِ والعِلْمِ اللَّدُنِيِّ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ ولا حَدَّ، ومِن هُنا قالَ أبُو يَزِيدٍ البَسْطامِيُّ: لَوْ وقَعَ العالَمُ ومِقْدارُ ما فِيهِ ألْفُ ألْفِ مَرَّةٍ في زاوِيَةٍ مِن زَوايا قَلْبِ العارِفِ ما أحَسَّ بِهِ، وقِيلَ: كُرْسِيُّهُ عالَمُ المَلَكُوتِ وهو مَطافُ أرْواحِ العارِفِينَ لِجَلالِ الجَبَرُوتِ ﴿ ولا يَئُودُهُ ﴾ ولا يُثْقِلُهُ ﴿ حِفْظُهُما ﴾ في ذَلِكَ الكُرْسِيِّ لِأنَّهُما غَيْرُ مَوْجُودِينَ بِدُونِهِ ﴿ وهُوَ العَلِيُّ ﴾ الشَّأْنِ الَّذِي لا تُقَيِّدُهُ الأكْوانُ ﴿ العَظِيمُ ﴾ الَّذِي لا مُنْتَهى لِعَظَمَتِهِ ولا يُتَصَوَّرُ كُنْهَ ذاتِهِ لِإطْلاقِهِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال عز وجل: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ يقول: لا خالق ولا رازق ولا معبود إلا هو.

ويقال: الإثبات إذا كان بعد النفي، فإنه يكون أبلغ في الإثبات، فلهذا قال: اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ فبدأ بالنفي ثم استثنى الإثبات، فيكون ذلك أبلغ في الإثبات.

الْحَيُّ الْقَيُّومُ، يقول: الحي الذي لا يموت، ويقال: الحي الذي لا بدئ له، يعني لا ابتداء له الْقَيُّومُ، يعني القائم على كل نفس بما كسبت، ويقال: القائم بتدبير أمر الخلق في إنشائهم ورزقهم ومعنى القائم: هو الدائم.

لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ روي عن علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- أنه قال: السنة والنوم، كلاهما واحد، ولكنه أول ما يدخل في الرأس يقال له: سنة ويكون بين النائم واليقظان، فإذا وصل إلى القلب صار نوماً.

ويقال: معناه: أنه ليس بغافل عن أمور الخلق، فيكون النوم على وجه الكناية.

وقال بعضهم هو على ظاهره أنه مستغن عن النوم.

وروي في بعض الأخبار أن موسى بن عمران-  - حين رفع إلى السماء، سأل بعض الملائكة أينام ربنا؟

وقال بعضهم: خطر ذلك بقلبه، ولم يتكلم به فأمره الله تعالى أن يأخذ زجاجتين، وأمره بأن يحفظهما، ثم ألقى عليه النوم فلم يملك نفسه حتى نام، فانكسرت الزجاجتان في يده فقال له: يا موسى لو كان لي نوم، لهلكت السموات والأرض أسرع من كسر الزجاجتين في يدك فذلك قوله تعالى: لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ.

لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.

كلهم عبيده وإماؤه وهو مستغن عن الشريك، ويقال: معناه أن كل ما فى السموات والارض يدل على وحدانيته.

مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ، يقول: من ذا الذي يجترئ أن يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ دون أمره، رداً لقولهم حيث قالوا: هم شفعاؤنا عند الله.

وفي الآية دليل على إثبات الشفاعة لأنه قال: إِلَّا بِإِذْنِهِ ففيه دليل على أن الشفاعة قد تكون بإذنه للأنبياء والصالحين.

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، يعني الله لا إله إلا هو الحي القيوم، هو الذي يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمر الدنيا، يعني يعلم أن الأصنام لا يدعون الألوهية.

وَما خَلْفَهُمْ، يعني يعلم أنه لا شفاعة لهم.

وقال مقاتل: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، يعني ما كان قبل خلق الملائكة وَما خَلْفَهُمْ، أي ما يكون بعد خلقهم.

وقال الزجاج: يعني يعلم الغيب الذي تقدمهم والغيب الذي يأتي من بعدهم.

وقال الكلبي: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمر الآخرة وَمَا خَلْفَهُمْ من أمر الدنيا.

ثم قال: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ، يعني الملائكة لا يعلمون الغيب، لأن بعض الناس يعبدون الملائكة ويرجون شفاعتهم.

فأخبر أنهم لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يعلمون مما تقدمهم ولا مما بعدهم، إلا بما أنبأهم الله تعالى.

ويقال: لا يدركون جميع علمه.

والإحاطة في اللغة: إدراك الشيء بكماله إِلَّا بِما شاءَ فيعلمهم.

ثم أخبر عن عظمته فقال تعالى: إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، أي ملأ كرسيه السموات والأرض.

وروي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: السموات السبع والأرضون السبع تحت جنب الكرسي كحلقة بأرض فلاة.

وهكذا قال الكلبي ومقاتل: وقال بعضهم: الكرسي هو المكان الذي خلق الله فيه السَّموات والأرض.

وقال بعضهم: الكرسي والعرش واحد، ولكنه مرة ذكر بلفظ العرش ومرة ذكر بلفظ الكرسي.

وقال بعضهم: الكرسي غير العرش.

قال الفقيه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد قال: حدّثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضيل قال: حدّثنا أبو مطيع، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة- وهو عاصم بن أبي النجود- عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، وبين الكرسي وبين العرش مسيرة خمسمائة عام، والعرش فوق الماء والله فوق العرش- أي بالعلو والقدرة- يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ.

وقال الزجاج: قال ابن عباس: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، يعني علمه وقال قوم: كرسيه، قدرته التي يمسك بها السموات والأرض وهذا قريب من قول ابن عباس.

ثم أخبر عن قدرته فقال: وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما، يقول: ولا يثقله حفظهما أي حفظ السموات والأرض.

وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، أي الرفيع تعالى فوق خلقه، العظيم يعني أعلى وأعظم من أن يتخذ شريكا.

ويقال: يحمل الكرسي أربعة أملاك لكل ملك أربعة أوجه: وجه إنسان ووجه ثور ووجه أسد ووجه نسر أقدامهم في الصخرة التي تحت الأرضين هكذا قال الكلبي ومقاتل.

ويقال: يدعو بالوجه الذي كوجه الإنسان لبني آدم، ويسأل الله تعالى لهم الرزق والرحمة والمغفرة وبالوجه الذي كوجه الثور يدعو للأنعام والرزق وبالوجه الذي كوجه الأسد يدعو للوحوش وبالوجه الذي كوجه النسر يدعو للطيور.

وروي عن محمد بن الحنفية أنه قال: لما نزلت آية الكرسي، خرّ كل صنم في دار الدنيا، وخرّ كل ملك في الدنيا على وجهه، وسقطت التيجان عن رؤوسهم، وهربت الشياطين فضرب بعضهم بعضا، فاجتمعوا إلى إبليس وأخبروه بذلك، فأمرهم أن يبحثوا عن ذلك، فجاؤوا إلى المدينة، فبلغهم أن آية الكرسي قد نزلت.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «من قرأ آية الكرسي خلف كلّ صلاة، أعطاه الله تعالى صلاة الشّاكرين وصلاة المطيعين وصلاة الصّابرين، ولا يمنعهم دخول الجنّة إلّا الموت» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

دفَاعُ اللَّه النَّاسَ بعضَهُم ببعض.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ ...

الآيةَ، قال ابن جُرَيْج: هذه الآيةُ تجمعُ الزكاةَ والتطوُّع، أي «١» : وجميعَ وجوهِ البرِّ من سبيلٍ وصلةِ رحمٍ، وهذا كلامٌ صحيحٌ، لكن ما تقدَّم من الآيات في ذكْر القتَالِ يرجِّح أنَّ هذه النفقةَ في سَبيل اللَّه، ويقوِّي ذلك قولُه: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ، أي: فكافِحُوهم بالقتَالِ بالأنْفُس، وإِنفاقِ الأموال ممَّا رزقْنَاكم، وهذا غاية الإِنعام والتفضُّل منه سبحانه أنْ رَزَق، ثم نَدَب للنفقةِ ممَّا به أنعم، وحذَّر سبحانه من الإِمساك إِلى أنْ يأتي يَوْم لا يمكنُ فيه بيْعٌ، ولا شراءٌ، ولا استدراك نفقةٍ في ذاتِ اللَّه تعالى، إِذ هي مبايعةٌ إِذ البيعُ فديةٌ لأن المرء قد يشتري نفْسَه، ومرادَهُ بماله فكأن معنى الآية أنْ لا فديةَ يوم القيامة، ولا خُلَّةَ نافعة، وأهل التقوى في ذلك اليَوْمِ بينهم خُلَّة، ولكنَّه غير محتاج إِلَيْها.

ت: وفي قوله: «غَيْر مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا» قلقٌ، ولا شفاعة يَومَئِذٍ إِلا لِمَنْ أذن له سبحانه، فالمنفيُّ مثل حال الدُّنيا من البَيْع، والخُلَّة، والشَّفاعة بغير إِذْن المَشْفوع عنده، قال عطاءُ بن دِينَار: الحَمْدُ للَّهِ الَّذي قال: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ، ولم يقل:

والظّالمون هم الكافرون» .

اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)

وقوله تعالى: اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ...

الآية: هذه الآيةُ سيِّدة آي القرآن، وورد في الحديثِ «أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآن» «٣» ، وورد «أنَّ مَنْ قَرَأَهَا أَوَّلَ لَيْلِهِ، لَمْ يَقْرَبْهُ شَيْطَانٌ» وكذلك مَنْ قَرَأَهَا أَوَّلَ نهاره «٤» ، وهي متضمّنة التوحيد والصّفات العلا،

وعن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلم لفاطمةَ: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَسْمَعِي، مَا أَوْصَيْتُكِ بِهِ، تَقُولِينَ، إِذَا أَصْبَحْتِ، وَإِذَا أَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلاَ تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» ، رواه النَّسائيُّ، واللفظ له، والحاكمُ في «المستدرك» على الصحيحين، وقال: صحيح على شرط الشيخين، يعني البخاريَّ ومسلما «١» .

انتهى من «السلاح» .

وعن ابن مسعود أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا نَزَلَ بِهِ هَمٌّ أَوْ غَمٌّ، قال: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث» رواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح الإِسناد «٢» ، ورواه الترمذيُّ من حديث أنسٍ «٣» ، والنَّسائيّ من حديثِ رَبِيعَةَ بْنِ عامرٍ «٤» ، انتهى من «السِّلاح» .

واللَّه: مبتدأ، ولا إِلَهَ: مبتدأ ثانٍ، وخبره محذوف، تقديره معبود أو موجود، ٦٥ أوقيّوم: بناءُ مبالغةٍ، أي: هو القائم على كلِّ نفس بما كَسَبَتْ بهذا المعنى/ فسَّره مجاهدٌ، والرَّبيع، والضَّحَّاك «٥» ، ثم نفى عزَّ وجلَّ أنْ تأخذه سِنَةٌ أو نَوْم.

وفي لفظٍ: الأَخْذُ غلبة

مَّا، فلذلك حَسُنَتْ في هذا الموضِعِ بالنفْيِ، والسِّنَةُ: بدْء النُّعَاس، وليس يفقد معه كلّ الذِّهْن، والنَّوْمُ هو المستثْقَلُ الذي يزولُ معه الذهْن، والمراد بالآية: التنزيهُ أنه سبحانه لا تدركُه آفة، ولا يلحقه خَلل بحالٍ من الأحوال، فجعلت هذه مثالاً لذلك، وأقيمَ هذا المذكورُ من الآفاتِ مقام الجميعِ، وهذا هو مفهومُ الخطَابِ «١» كما قال تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [الإسراء: ٢٣] .

ت: وبيانه أنه إِذا حرم التأفيف، فأحرى ما فوقه من الشَّتْمِ، والضَّرْب في حقِّ الأبوَيْن، وروى أبو هريرة، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يَحْكِي عَنْ موسى عَلَى المِنْبَرِ، قَالَ: «وَقَعَ فِي نَفْسِ موسى: هَلْ يَنَامُ اللَّهُ- جَلَّ ثَنَاؤُهُ- فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكاً فَأرَّقَهُ ثَلاَثاً، ثُمَّ أعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ فِي كُلِّ يَدٍ قَارُورَةً، وأَمَرَهُ بِأَنْ يَحْتَفِظَ بِهِمَا، قَالَ: فَجَعَلَ يَنَامُ، وتَكَادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ، فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الأخرى حتى نَامَ نَوْمَةً، فاصطفقت يَدَاهُ، فانكسرت القَارُورَتَانِ، قَالَ: ضَرَبَ اللَّهُ لَهُ مَثَلاً أَنْ لَوْ كَانَ يَنَامُ، لَمْ تَسْتَمْسِكِ السَّمَاءُ والأرض» «٢» .

قوله تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، أي: بالملك فهو مالكُ الجميع، وربُّه، ثم قرَّر، ووَقَفَ تعالى من يتعاطى أنْ يشفع إِلاَّ بإذنه، أي: بأمره.

ص: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ: «مَنْ» : مبتدأ، وهو استفهام معناه النفْيُ ولذا دخلَت «إِلاَّ» في قوله: إِلَّا بِإِذْنِهِ، والخبر «ذَا» ، و «الَّذِي» نعْتٌ ل «ذَا» أو بدل منه، وهذا على أنَّ «ذا» اسمُ إِشارةٍ، وفيه بُعْد لأن الجملة لم تستقلَّ ب «مَنْ» مع «ذَا» ، ولو كان خبراً، لاستقلَّ، ولم يحتجْ إِلى الموصولِ، فالأولى أنَّ «مَنْ» ركّبت مع «ذا» للاستفهام.

انتهى.

قال مجاهدٌ وغيره: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ: الدُّنيا، وَما خَلْفَهُمْ: الآخرة «١» ، وهذا صحيحٌ في نفْسه عند موت الإِنسان لأن ما بين اليَدِ هو كلُّ ما تقدَّم الإِنسان، وما خَلْفه:

هو كلُّ ما يأتي بعده، وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ، أي: مِن معلوماته لأن علْم اللَّه تعالى لا يتبعَّض، ومعنى الآية: لاَ مَعْلُومَ لأحدٍ إلا ما شاء اللَّه أنْ يعلمه، قال ابن عبَّاس:

كُرْسيُّه: علْمه «٢» [قالَ] الطبريُّ «٣» : ومنه الكُرَّاسَة.

قال ع «٤» : والذي تقتضيه الأحاديثُ أنَّ الكرسيَّ مخلوقٌ عظيمٌ بَيْن يَدَيِ العَرْشِ، والعَرْشُ أعظمُ منْه وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلاَّ كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ» وقال أبو ذَرٍّ: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا الكُرْسيُّ فِي العَرْش إِلاَّ كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ» «٥» وهذه الآية مُنْبِئَةٌ عن عِظَمِ مخلوقاتِ اللَّه سبحانَهُ، والمستفادُ من ذلك عِظَمُ قدرتِهِ- جل وعلا- إِذ لا يَؤُوده حفْظُ هذه المخلوقاتِ العظيمة، وَلا يَؤُدُهُ: معناه: لا يُثْقِلُهُ، ولا يشقُّ عليه، وهو تفسير ابن عبّاس وغيره، والْعَلِيُّ: يراد به عُلُوُّ القَدْر، والمنزلةِ، لا عُلُوُّ المكانِ لأن اللَّه سبحانه منزَّه عن التَّحَيُّز وكذا الْعَظِيمُ: هو صفةٌ بمعنى عِظَم القَدْر، والخَطَر، لا على معنى عِظَمِ الأجْرَامِ، ومن «سلاح المؤمن» قال: وعن أبي أُمَامَةً، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ إِلاَّ أَنْ يَمُوتَ» .

رواه النَّسَائِيُّ «٦» عن الحُسَيْن بن بشر «٧»

عن محمَّد بن حِمْيَرَ «١» ، عن محمَّد بن زيَادٍ/ الألهانيِّ، عن أبي أُمَامَةَ، فأما الحُسَيْن، فقال ٦٥ ب فيه النَّسائيُّ: لا بأس به، وقال في موضِعٍ آخر: ثِقَة، وقال أبو حاتِمٍ: شيخ، وأما المُحمَّدان، فاحتج بهما البخاريُّ في «صحيحه» ، وقد أخرج شيخُنا الحافظُ أبو محمَّد الدِّمْيَاطِيُّ «٢» - رحمه اللَّه- الْحَدِيثَ في بَعْضِ تصانِيفِهِ مِنْ حديثِ أبِي أمَامَةَ، وعليٍّ، وعبد اللَّه بنِ عُمَر، والمُغِيرَة، وجابرٍ، وأنَس، قال: وإِذَا ضمت هذه الأحاديث بعضُها إلى بعض، أخذت قوة.

انتهى من «السلاح» .

وقد أخْرج البخاريُّ والنَّسَائِيُّ من حديث أبي هُرَيْرة في قصَّته مع الشَّيْطَان وأخْذِهِ الطَّعام، ما هو مَعْلُومٌ من فَضْل هذه الآية.

وفيه: أنه إِذا قرأْتَهَا حِينَ تَأوي إلى فِرَاشِكَ، لَمْ يَزَلْ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبْكَ شَيْطَانٌ حتى تُصْبِحَ، وخرَّجه الترْمِذِيُّ من حدِيثِ أبي أَيُّوبَ في قصَّته مع الغُول نحْو حديث أبِي هريرة «٣» قال الغزَّاليُّ ما معناه: إِنما وصفت بكونها سيِّدة آي القرآن لاشتمالها على اسم اللَّه الأعظم، وهو الحيُّ القيومُ قاله في «الجواهر» ، وأسند صاحب «غاية المغنم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ رَوى مُسْلِمٌ في "صَحِيحِهِ" «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لَهُ: "يا أبا المُنْذِرِ!

أتَدْرِي أيَّ آَيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ أعْظَمَ؟

" قالَ: قُلْتُ: ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ قالَ: فَضَرَبَ في صَدْرِي، وقالَ: "لِيَهْنِكَ العِلْمُ يا أبا المُنْذِرِ"» قالَ: أبُو عُبَيْدَةَ، القَيُّومُ: الَّذِي لا يَزُولُ، لِاسْتِقامَةِ وصْفِهِ بِالوُجُودِ، حَتّى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: القَيُّومُ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ أمْرِ الخَلْقِ.

وقالَ الخَطّابِيُّ: القَيُّومُ: هو القائِمُ الدّائِمُ بِلا زَوالٍ، وزْنُهُ: "فَيْعُولٌ" مِنَ القِيامِ، وهو نَعْتٌ لِلْمُبالِغَةِ لِلْقِيامِ عَلى الشَّيْءِ، ويُقالُ: هو القائِمُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِالرِّعايَةِ، يُقالُ: قُمْتُ بِالشَّيْءِ: إذا ولَيْتُهُ بِالرِّعايَةِ والمَصْلَحَةِ.

وفي "القَيُّومِ" ثَلاثُ لُغاتٍ القَيُّومُ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ، والقِيامُ، وبِهِ قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والأعْمَشُ.

والقَيِّمُ، وبِهِ قَرَأ أبُو رَزِينٍ، وعَلْقَمَةُ.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّهُ كَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: وأصْلُ القَيُّومِ: القَيْوُومُ: فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ والسّابِقُ ساكِنٌ، جُعِلَتا ياءً مُشَدَّدَةً.

وأصْلُ القِيامِ: القَوّامُ، قالَ الفَرّاءُ: وأهْلُ الحِجازِ يُصَرِّفُونَ الفِعالَ [إلى ] الفَيْعالِ، فَيَقُولُونَ لِلصَّوّاغِ: صَيّاغٌ.

فَأمّا "السَّنَةُ" فَهِيَ: النُّعاسُ مِن غَيْرِ نَوْمٍ، ومِنهُ: الوَسَنانِ.

قالَ ابْنُ الرِّقاعِ: وكَأنَّها بَيْنَ النِّساءِ أعارَها عَيْنَيْهِ أحْوَرَ مِن جَآذِرٍ جاسِمِ وسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ ∗∗∗ في عَيْنِهِ سِنَةٌ، ولَيْسَ بِنائِمٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: والأرْضِينَ.

لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُ الجَمْعِ في السَّماواتِ، فاسْتَغْنى بِذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ، ومِثْلُهُ ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ﴾ ولَمْ يَقُلِ: الأنْوارُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ ﴾ فِيهِ رَدٌّ عَلى مَن قالَ: ﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ ظاهِرُ الكَلامِ يَقْتَضِي الإشارَةَ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِهِمُ المَلائِكَةُ.

وفي المُرادِ بِـ ﴿ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُهُما: أنَّ الَّذِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ أمْرُ الآَخِرَةِ، والَّذِي خَلْفَهم أمْرُ الدُّنْيا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِي بَيْنَ أيْدِيهِمُ الدُّنْيا، والَّذِي خَلْفَهُمُ الآَخِرَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: ما قَبْلَ خَلْقِهِمْ، وما خَلْفَهم، ما بَعْدَ خَلْقِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ ﴾ قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: لِكُلِّ مَن أحْرَزَ شَيْئًا، أوْ بَلَغَ عِلْمُهُ أقْصاهُ: قَدْ أحاطَ بِهِ.

والمُرادُ بِالعِلْمِ هاهُنا: المَعْلُومُ، ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ﴾ أيِ: احْتَمَلَ وأطاقَ.

وفي المُرادِ بِالكُرْسِيِّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كُرْسِيٌّ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ دُونَ العَرْشِ، قالَ النَّبِيُّ  : « "ما السَّماواتُ السَّبْعُ في الكُرْسِيِّ إلّا كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ في أرْضْ فَلاةٍ"» وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكُرْسِيِّ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى، رَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الكُرْسِيَّ هو العَرْشُ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَئُودُهُ ﴾ أيْ: لا يُثْقِلُهُ، يُقالُ: آَدَهُ الشَّيْءُ يَؤُودُهُ أوْدًا وإيادًا.

والأوْدُ: الثِّقَلُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والجَماعَةِ.

والعَلِيُّ: العالِي القاهِرُ، "فَعِيلٌ" بِمَعْنى "فاعِلٍ" .

وقالَ الخَطّابِيُّ: وقَدْ يَكُونُ مِنَ العُلُوِّ الَّذِي هو مَصْدَرُ: عَلا يَعْلُوا، فَهو عالٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى  ﴾ .

ويَكُونُ ذَلِكَ مِن عَلاءِ المَجْدِ والشَّرَفِ، يُقالُ مِنهُ: عَلى يَعْلى عَلاءً.

ومَعْنى العَظِيمِ: ذُو العَظَمَةِ والجَلالِ، والعِظَمُ في حَقِّهِ تَعالى، مُنْصَرِفٌ إلى عِظَمِ الشَّأْنِ، وجَلالِ القَدْرِ، دُونَ العِظِمِ الَّذِي هو مِن نُعُوتِ الأجْسامِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ سَيِّدَةُ آيِ القُرْآنِ، ورَدَ ذَلِكَ في الحَدِيثِ، ووَرَدَ أنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، ووَرَدَ أنَّ مَن قَرَأها أوَّلَ لَيْلِهِ لَمْ يَقْرَبْهُ شَيْطانٌ، وكَذَلِكَ مَن قَرَأها أوَّلَ نَهارِهِ.

وهَذِهِ مُتَضَمِّنَةٌ التَوْحِيدَ، والصِفاتِ العُلى و"اللهُ" مُبْتَدَأٌ، و"لا إلَهَ" مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "مَعْبُودٌ" أو "مَوْجُودٌ"، و"إلّا هُوَ" بَدَلٌ مِن مَوْضِعِ: "لا إلَهَ"، و"الحَيُّ" صِفَةٌ مِن صِفاتِ اللهِ تَعالى ذاتِيَّةٌ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: اللهُ تَعالى حَيٌّ لا بِحَياةٍ، وهَذا قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وهو قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عنهُ، وحُكِيَ عن قَوْمٍ أنَّهُ حَيٌّ بِحَياةٍ هي صِفَةٌ لَهُ - وحُكِيَ عن قَوْمٍ أنَّهُ يُقالُ: حَيٌّ كَما وصَفَ نَفْسَهُ ويُسَلِّمُ ذَلِكَ دُونَ أنْ يَنْظُرَ فِيهِ.

و"القَيُّومُ" فَيْعُولٌ - مِنَ القِيامِ أصْلُهُ: قَيْوُومُ، اجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُكُونِ فَأُدْغِمَتِ الأُولى في الثانِيَةِ بَعْدَ قَلْبِ الواوِ ياءً، وقَيُّومٌ بِناءُ مُبالَغَةٍ، أيْ: هو القائِمُ عَلى كُلِّ أمْرٍ بِما يَجِبُ لَهُ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَهُ مُجاهِدٌ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، والأعْمَشُ: "الحَيُّ القَيّامُ" بِالألِفِ.

ثُمَّ نَفِي عَزَّ وجَلَّ أنْ تَأْخُذَهُ سِنَةٌ أو نَوْمٌ، وفي لَفْظِ الأخْذِ غَلَبَةٌ ما، فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ في هَذا المَوْضِعِ بِالنَفْيِ، والسِنَةُ: بَدْءُ النُعاسِ، وهو فُتُورٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ وتَرْنِيقٌ في عَيْنَيْهِ، ولَيْسَ يَفْقِدُ مَعَهُ كُلَّ ذِهْنِهِ، والنَوْمُ هو المُسْتَثْقَلُ الَّذِي يَزُولُ مَعَهُ الذِهْنُ.

والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى لا تُدْرِكُهُ آفَةٌ، ولا يَلْحَقُهُ خَلَلٌ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، فَجُعِلَتْ هَذِهِ مِثالًا لِذَلِكَ، وأُقِيمَ هَذا المَذْكُورُ مِنَ الآفاتِ مَقامَ الجَمِيعِ، وهَذا هو مَفْهُومُ الخِطابِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ  ﴾ ومِمّا يُفَرِّقُ بَيْنَ الوَسَنِ والنَوْمِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ الرِقاعِ: وسْنانُ أقْصَدَهُ النُعاسُ فَرَنَّقَتْ ∗∗∗ في عَيْنِهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بِنائِمِ وبِهَذا المَعْنى في السِنَةِ فَسَّرَ الضَحّاكُ والسُدِّيُّ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: السِنَةُ النُعاسُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الوَسْنانُ الَّذِي يَقُومُ مِنَ النَوْمِ وهو لا يَعْقِلُ حَتّى رُبَّما جَرَّدَ السَيْفَ عَلى أهْلِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الَّذِي قالَ ابْنُ زَيْدٍ فِيهِ نَظَرٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَفْهُومٍ مِن كَلامِ العَرَبِ.

ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: « "سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ  يَحْكِي عن مُوسى عَلى المِنبَرِ قالَ: وقَعَ في نَفْسِ مُوسى هَلْ يَنامُ اللهُ جَلَّ ثَناؤُهُ فَأرْسَلَ اللهُ إلَيْهِ مَلَكًا فَأرَّقَهُ ثَلاثًا ثُمَّ أعْطاهُ قارُورَتَيْنِ في كُلِّ يَدٍ قارُورَةٌ، وأمَرَهُ أنْ يَحْتَفِظَ بِهِما، قالَ: فَجَعَلَ يَنامُ وتَكادُ يَداهُ تَلْتَقِيانِ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فَيَحْبِسُ إحْداهُما عَنِ الأُخْرى حَتّى نامَ نَوْمَةً فاصْطَفَقَتْ يَداهُ فانْكَسَرَتِ القارُورَتانِ.

قالَ: ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا أنْ لَوْ كانَ يَنامُ لَمْ تَسْتَمْسِكِ السَماءُ والأرْضُ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ أيْ بِالمِلْكِ، فَهو مالِكُ الجَمِيعِ ورَبُّهُ - وجاءَتِ العِبارَةُ بِـ "ما" وإنْ كانَ في الجُمْلَةِ مَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ المُرادُ الجُمْلَةُ والمَوْجُودُ.

ثُمَّ قَرَّرَ ووَقَفَ تَعالى عَلى مَن يَتَعاطى أنْ يَشْفَعَ عِنْدَهُ إلّا أنْ يَأْذَنَ هو فِيهِ جَلَّ وعَلا.

وَقالَ الطَبَرِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ لَمّا قالَ الكُفّارُ: ما نَعْبُدُ أوثانَنا هَذِهِ إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللهِ زُلْفِي، فَقالَ اللهُ: ﴿ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ الآيَةَ، وتَقَرَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ يَأْذَنُ لِمَن يَشاءُ في الشَفاعَةِ وهُمُ الأنْبِياءُ والعُلَماءُ وغَيْرُهم.

والإذْنُ هُنا راجِعٌ إلى الأمْرِ فِيما نُصَّ عَلَيْهِ كَمُحَمَّدٍ  إذا قِيلَ لَهُ: « "واشْفَعْ تُشَفَّعْ"» وإلى العِلْمِ والتَمْكِينِ إنْ شَفَعَ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ- والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ العُلَماءَ والصالِحِينَ يَشْفَعُونَ فِيمَن لَمْ يَصِلْ إلى النارِ وهو بَيْنَ المَنزِلَيْنِ، أو وصَلَ ولَكِنْ لَهُ أعْمالٌ صالِحَةٌ.

وفِي البُخارِيِّ في بابِ بَقِيَّةٍ مِن بابِ الرُؤْيَةِ: « "إنَّ المُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنا.

إخْوانُنا كانُوا يُصَلُّونَ مَعَنا، ويَصُومُونَ مَعَنا، ويَعْمَلُونَ مَعَنا، فَهَذِهِ شَفاعَةٌ فِيمَن يَقْرُبُ أمْرُهُ، وكَما يَشْفَعُ الطِفْلُ المُحَبْنَطِيءُ عَلى بابِ الجَنَّةِ".» الحَدِيثُ.

وهَذا إنَّما هو في قَرابَتِهِمْ ومَعارِفِهِمْ - وأنَّ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ فِيمَن حَصَلَ في النارِ مِن عُصاةِ أُمَمِهِمْ بِذُنُوبٍ دُونَ قُرْبى ولا مَعْرِفَةٍ إلّا بِنَفْسِ الإيمانِ، ثُمَّ تَبْقى شَفاعَةُ أرْحَمِ الراحِمِينَ في المُسْتَغْرِقِينَ بِالذُنُوبِ الَّذِينَ لَمْ تَنَلْهم شَفاعَةُ الأنْبِياءِ.

وأمّا شَفاعَةُ مُحَمَّدٍ في تَعْجِيلِ الحِسابِ فَخاصَّةٌ لَهُ، وهي الخامِسَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ: « "وَأُعْطِيتُ الشَفاعَةَ"» وهي عامَّةٌ لِلنّاسِ، والقَصْدُ مِنها إراحَةُ المُؤْمِنِينَ، ويَتَعَجَّلُ الكُفّارُ مِنها المَصِيرَ إلى العَذابِ، وكَذَلِكَ إنَّما يَطْلُبُها إلى الأنْبِياءِ المُؤْمِنُونَ.

والضَمِيرانِ في قَوْلِهِ: "أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ" عائِدانِ عَلى كُلِّ مَن يَعْقِلُ مِمَّنْ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ وقالَ مُجاهِدٌ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: الدُنْيا، وما خَلْفَهُمْ: الآخِرَةُ، وَهَذا في نَفْسِهِ صَحِيحٌ عِنْدَ المَوْتِ، لِأنَّ ما بَيْنَ اليَدِ هو كُلُّ ما تَقَدَّمَ الإنْسانَ، وما خَلْفَهُ هو كُلُّ ما يَأْتِي بَعْدَهُ، وبِنَحْوِ قَوْلِ مُجاهِدٍ قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلا بِما شاءَ وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَماواتِ والأرْضَ ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما وهو العَلِيُّ العَظِيمُ.

﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ ﴾ مَعْناهُ: مِن مَعْلُوماتِهِ، وهَذا كَقَوْلِ الخَضِرِ لِمُوسى عَلَيْهِما السَلامُ - حِينَ نَقَرَ العُصْفُورُ مِن حَرْفِ السَفِينَةِ "ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللهِ إلّا كَما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ"، فَهَذا وما شاكَلَهُ راجِعٌ إلى المَعْلُوماتِ لِأنَّ عِلْمَ اللهِ تَعالى الَّذِي هو صِفَةُ ذاتِهِ لا يَتَبَعَّضُ - ومَعْنى الآيَةِ: لا مَعْلُومَ لِأحَدٍ إلّا ما شاءَ اللهُ أنْ يَعْلَمَهُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الكُرْسِيِّ الَّذِي وصَفَهُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ وسِعَ السَمَواتِ والأرْضَ.

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُرْسِيُّهُ عِلْمُهُ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ: مِنهُ الكُرّاسَةُ لِلصَّحائِفِ الَّتِي تَضُمُّ العِلْمَ، ومِنهُ قِيلَ لِلْعُلَماءِ: الكَراسِيُّ، لِأنَّهُمُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: أوتادُ الأرْضِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الألْفاظُ تُعْطِي ما ذُهِبَ إلَيْهِ مِن أنَّ الكُرْسِيَّ العِلْمُ، قالَ الطَبَرِيُّ: ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَحُفُّ بِهِمْ بِيضُ الوُجُوهِ وعُصْبَةٌ ∗∗∗ كَراسِيُّ بِالأحْداثِ حِينَ تَنُوبُ يُرِيدُ بِذَلِكَ عُلَماءُ بِحَوادِثِ الأُمُورِ ونَوازِلِها.

وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ، ولَهُ أطِيطٌ كَأطِيطِ الرَحْلِ.

وَقالَ السُدِّيُّ: هو مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ، وعِبارَةُ أبِي مُوسى مُخْلِصَةٌ لِأنَّهُ يُرِيدُ هو مِن عَرْشِ الرَحْمَنِ كَمَوْضِعِ القَدَمَيْنِ في أسِرَّةِ المُلُوكِ، فَهو مَخْلُوقٌ عَظِيمٌ بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ نِسْبَةُ الكُرْسِيِّ إلى سَرِيرِ المَلِكِ، والكُرْسِيُّ هو مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ، وأمّا عِبارَةُ السُدِّيِّ فَقَلِقَةٌ، وقَدْ مالَ إلَيْها مُنْذِرٌ البَلُّوطِيُّ، وأوَّلَها بِمَعْنى ما قَدِمَ مِنَ المَخْلُوقاتِ عَلى نَحْوِ ما تَأوَّلَ في قَوْلِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: " «فَيَضَعُ الجَبّارُ فِيها قَدَمَهُ".» وهَذا عِنْدِي عَناءٌ، لِأنَّ التَأْوِيلَ لا يُضْطَرُّ إلَيْهِ إلّا في ألْفاظِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، وفي كِتابِ اللهِ، وأمّا في عِبارَةِ مُفَسِّرٍ فَلا.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الكُرْسِيُّ هو العَرْشُ نَفْسُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي تَقْتَضِيهِ الأحادِيثُ أنَّ الكُرْسِيَّ مَخْلُوقٌ عَظِيمٌ بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ والعَرْشُ أعْظَمُ مِنهُ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "ما السَمَواتُ السَبْعُ في الكُرْسِيِّ إلّا كَدَراهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ في تُرْسٍ"،» وقالَ أبُو ذَرٍّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ  يَقُولُ: « "ما الكُرْسِيُّ في العَرْشِ إلّا كَحَلْقَةٍ مِن حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ في فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ".» وهَذِهِ الآيَةُ مُنْبِئَةٌ عن عِظَمِ مَخْلُوقاتِ اللهِ تَعالى، والمُسْتَفادُ مِن ذَلِكَ عِظَمُ قُدْرَتِهِ إذْ لا يئوده حِفْظُ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ.

و"يئوده" مَعْناهُ: يُثْقِلُهُ يُقالُ: آدَنِي الشَيْءُ بِمَعْنى أثْقَلَنِي وتَحَمَّلْتُ مِنهُ مَشَقَّةً، وبِهَذا فَسَّرَ اللَفْظَةَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهم.

ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، والأعْرَجِ - بِخِلافٍ عنهم - تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ الَّتِي عَلى الواوِ الأُولى، جَعَلُوها بَيْنَ بَيْنَ، لا تَخْلُصُ واوًا مَضْمُومَةً ولا هَمْزَةً مُحَقَّقَةً، كَما قِيلَ في لُؤْمٍ لُومٌ.

و"العَلِيُّ": يُرادُ بِهِ عُلُوُّ القَدْرِ والمَنزِلَةِ، لا عُلُوُّ المَكانِ لِأنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنِ التَحَيُّزِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: هو العَلِيُّ عن خَلْقِهِ بِارْتِفاعِ مَكانِهِ عن أماكِنِ خَلْقِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلُ جَهَلَةٍ مُجَسِّمِينَ، وكانَ الوَجْهُ أنْ لا يُحْكى، وكَذا "العَظِيمُ" هي صِفَةٌ بِمَعْنى عِظَمِ القَدْرِ والخَطَرِ، لا عَلى مَعْنى عِظَمِ الأجْرامِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّ "العَظِيمُ" مَعْناهُ المُعَظَّمُ كَما يُقالُ: العَتِيقُ بِمَعْنى المُعَتَّقِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الأعْشى: وكَأنَّ الخَمْرَ العَتِيقَ مِنَ الإسْـ ∗∗∗ ـفَنْطِ مَمْزُوجَةٌ بِماءٍ زُلالٍ وذَكَرَ عن قَوْمٍ أنَّهم أنْكَرُوا ذَلِكَ، وقالُوا: لَوْ كانَ بِمَعْنى مُعَظَّمٍ لَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ عَظِيمًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ وبَعْدَ فَنائِهِمْ إذْ لا مُعَظِّمَ لَهُ حِينَئِذٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما ذكر هول يوم القيامة وذكر حال الكافرين استأنف بذكر تمجيد الله تعلى وذكر صفاته إبطالاً لكفر الكافرين وقطعاً لرجائهم، لأنّ فيها ﴿ من الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ ، وجعلت هذه الآية ابتداءً لآيات تقرير الوحدانية والبعث، وأودعت هذه الآية العظيمة هنا لأنّها كالبرزخ بين الأغراض السابقة واللاّحقة.

وجيء باسم الذات هنا لأنّه طريق في الدلالة على المسمى المنفرد بهذا الاسم، فإنّ العَلَم أعْرَفُ المَعارف لعدم احتياجه في الدلالة على مسمّاه إلى قرينة أو مَعُونة لولا احتمالُ تعدد التسمية، فلما انتفى هذا الاحتمالُ في اسم الجلالة كان أعرفَ المعارف لا مَحالةً لاستغنائه عن القرائن والمعونات، فالقرائنُ كالتكلّم والخطاب، والمعونات كالمَعاد والإشارةِ باليدِ والصلةِ وسبققِ العهد والإضافة.

وجملة «لا إله إلاَّ هو» خبر أول عن اسم الجلالة، والمقصود من هذه الجملة إثبات الوحدانية وقد تقدم الكلام على دلالة لا إله إلاّ هو على التوحيد ونفي الآلهة عند قوله تعالى: ﴿ وإلهكم إله واحد إلاّ هو ﴾ [البقرة: 163].

وقوله: ﴿ الحي ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، و ﴿ القيّوم ﴾ خبر ثان لذلك المبتدإالمحذوف، والمقصودُ إثبات الحياة وإبطالُ استحقاق آلهة المشركين وصف الإلهية لانتفاء الحياة، عنهم كما قال إبراهيم عليه السلام ﴿ يا أبت لِمَ تعبدُ ما لا يسمع ولا يبصر ﴾ [مريم: 42] وفُصِلت هذه الجملة عن التي قبلها للدلالة على استقلالها لأنّها لو عطفت لكانت كالتبع، وظاهر كلام الكشاف أنّ هذه الجملة مبيّنة لما تضمّنته جملة ﴿ الله لا إله إلا هو ﴾ من أنّه القائم بتدبير الخلق، أي لأنّ اختصاصه بالإلهية يقتضي أن لا مدبّر غيره، فلذلك فصلت خلافاً لما قرر به التفتازاني كلامَه فإنّه غير ملائم لعبارته.

والحيّ في كلام العرب من قامت به الحياة، وهي صفة بها الإدراكُ والتصرّفُ، أعني كمال الوجود المتعارف، فهي في المخلوقات بانبثاث الروح واستقامة جريان الدم في الشرايين، وبالنسبة إلى الخالق ما يقاربُ أثَر صفة الحياة فينا، أعني انتفاء الجَمَادِيَّة مع التنزيه عن عوارض المخلوقات.

وفسّرها المتكلّمون بأنها «صفة تصحّح لمن قامت به الإدراكَ والفعل».

وفسّر صاحب «الكشاف» الحيّ بالباقي، أي الدائم الحياة بحيث لا يعتريه العدم، فيكون مستعملاً كناية في لازم معناه لأنّ إثباتَ الحياة لله تعالى بغير هذا المعنى لا يكون إلاَّ مجازاً أو كناية.

وقال الفخر: «الذي عندي أنّ الحي في أصل اللغة ليس عبارة عن صحة العلم والقدرة.

بل عبار عن كمال الشيء في جنسه، قال تعالى: ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ [الجاثية: 5]، وحياة الأشجار إيراقها.

فالصفة المسمّاة في عرف المتكلّمين بالحياة سمّيت بذلك لأنّ كمال حال الجسم أن يكون موصوفاً بها، فالمفهوم الأصلي من لفظ الحيّ كونه واقعاً على أكمل أحواله وصفاته».

والمقصود بوصف الله هنا بالحيّ إبطال عقيدة المشركين إلاهية أصنامهم التي هي جمادات، وكيف يكون مدبّر أمور الخلق جماداً.

والحيّ صفة مشبهة من حيِيَ، أصله حَيِيٌ كحَذِرٍ أدغمت الياءان، وهو يائي باتفاق أئمة اللّغة، وأما كتابة السلف في المصحف كلمة حيوة بواو بعد الياء فمخالفة للقياس، وقيل كتبوها على لغة أهل اليمن لأنّهم يقولون حيوة أي حياة، وقيل كتبوها على لغة تفخيم الفتحة.

والقيّوم فيعول من قام يقوم وهو وزن مبالغة، وأصله قَيْوُوم فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمتا، والمراد به المبالغة في القيام المستعمللِ مجازاً مشهوراً في تدبير شؤون الناس، قال تعالى: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبتْ ﴾ [الرعد: 33].

والمقصود إثبات عموم العلم له وكماللِ الحياة وإبطالُ إلاهية أصنام المشركين، لأن المشركين كانوا يعترفون بأن مدبّر الكون هو الله تعالى، وإنّما جعلوا آلهتهم شفعاء وشركاء ومقتسمين أمور القبائل.

والمشركون من اليونان كانوا قد جعلوا لكل إله من آلهتهم أنواعاً من المخلوقات يتصرّف فيها وأمماً من البشر تنتمي إليه ويَحنأ عليها.

وجملة ﴿ لا تأخذه سِنة ولا نوم ﴾ مُقرّرة لمضمون جملة «الله الحيّ القيوم» ولرفع احتمال المبالغة فيها، فالجملة منزّلة منزلة البيان لمعنى الحي القيوم ولذلك فصلت عن التي قبلها.

والسِّنة فِعْلة من الوسن، وهوأول النوم، والظاهر أنّ أصلها اسم هيأة كسائر ما جاء على وزن فِعله من الواوي لفاء، وقد قالوا وَسنة بفتح الواو على صيغة المرة.

والسنة أول النوم، قال عدي بن الرقاع: وسنانُ أقْصَدَه النُّعَاس فَرنَّقَتْ *** في عينه سِنَة وليسَ بنائم والنوم معروف وهو فتور يعتري أعصَاب الدماغ من تعب أعمال الأعصاب من تصاعد الأبخرة البدنية الناشئة عن الهضم والعمللِ العصبي، فيشتدّ عند مغيب الشمس ومجيء الظُلمة فيطلب الدمَاغ والجهاز العصبي الذي يدبّره الدمَاغ استراحةً طبيعية فيغيب الحِسّ شيئاً فشيئاً وتثقل حركة الأعضاء، ثم يغيب الحسّ إلى أن تسترجع الأعصاب نشاطها فتكون اليقظة.

ونفي استيلاء السنة والنوم على الله تعالى تحقيق لكمال الحياة ودوام التدبير، وإثبات لكمال العلم؛ فإنّ السنة والنوم يشبهان الموت، فحياة النائم في حالهما حياة ضعيفة، وهما يعوقان عن التدبير وعن العلم بما يحصل في وقت استيلائهما على الإحساس.

ونفي السنة عن الله تعالى لا يغني عن نفي النوم عنه لأنّ من الأحياء من لا تعتريه السنة فإذا نام نام عميقاً، ومن الناس من تأخذه السنة في غير وقت النوم غلبة، وقد تمادحت العرب بالقدرة على السهر، قال أبو كبير: فأتَتْ به حُوشَ الفُؤادِ مُبَطَّناً *** سُهُداً إذَا ما نَام ليلُ الهَوْجَلِ والمقصود أنّ الله لا يحجب علمه شيء حجباً ضعيفاً ولا طويلاً ولا غلبة ولا اكتساباً، فلا حاجة إلى ما تطلّبه الفخر والبيضاوي من أن تقديم السنة على النوم مراعى فيه ترتيب الوجود، وأنّ ذكر النوم من قبيل الاحتراس.

وقد أخذ هذا المعنى بشّار وصاغه بما يناسب صناعة الشعر فقال: وليللٍ دَجُوجِي تَنَامُ بناتُه *** وأبناؤه من طُوله ورَبَائِبه فإنّه أراد من بنات الليل وأبنائه الساهرات والساهرين بمواظبة، وأراد بربائب الليل من هم أضعف منهم سهراً لليللِ لأنّ الربيب أضعف نسبة من الولد والبنت.

وجملة ﴿ له ما في السماوات وما في الأرض ﴾ تقرير لانفراده بالإلهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته، وتعليل لاتّصافه بالقيّوميّة لأنّ من كانت جميع الموجودات مِلكاً له فهو حقيق بأن يكون قيّومها وألاّ يهملها ولذلك فُصلت الجملة عن التي قبلها.

واللامُ للمِلك.

والمراد بالسماوات والأرض استغراق أمكنة الموجودات، فقد دلت الجملة على عموم الموجودات بالموصول وصلته، وإذا ثبت ملكه للعموم ثبت أنّه لا يشذّ عن مِلكه موجود فحصل معنى الحصر، ولكنّه زاده تأكيداً بتقديم المسند أي لا لِغيره لإفادة الردّ على أصناف المشركين، من الصابئة عبدة الكواكب كالسريان واليونان ومن مشركي العرب لأن مجرّد حصول معنى الحصر بالعموم لا يكفي في الدلالة على إبطال العقائد الضّالة.

فهذه الجملة أفادت تعليم التوحيد بعمومها، وأفادت إبطال عقائد أهل الشرك بخصوصية القصر، وهذا بلاغة معجِزة.

وجملة ﴿ من ذا الذي يشفع عنده ألا بإذنه ﴾ مقرّرة لمضمون جملة ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ لما أفادُه لام الملك من شمول ملكه تعالى لِجميع ما في السماوات وما في الأرض، وما تضمنّه تقديم المجرور من قَصْر ذلك الملك عليه تعالى قصرَ قلب، فبطل وصف الإلهية عن غيره تعالى، بالمطابقة.

وبطل حق الإدلال عليه والشفاعة عنده التي لا تردّ بالالتزام، لأنّ الإدلال من شأن المساوي والمقارب، والشفاعة إدلال.

وهذا إبطال لمعتقد معظم مشركي العرب لأنّهم لم يثبتوا لإلهتهم وطواغيتهم ألوهية تامة، بل قالوا: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18] وقالوا: ﴿ ما نعبدهم إلاَّ ليقرّبونا إلى الله زُلْفى ﴾ [الزمر: 3]، فأكّد هذا المدلول بالصريح، ولذلك فصلت هذه الجملة عمّا قبلها.

وَ ﴿ ذا ﴾ مزيدة للتأكيد إذ ليس ثمّ مشار إليه معيَّن، والعرب تزيد (ذا) لما تدل عليه الإشارة من وجود شخص معيّن يتعلق به حكم الاستفهام، حتى إذا أظهر عدم وجوده كان ذلك أدلّ على أن ليس ثمّةَ متطلع ينصب نفسه لادّعاء هذا الحكم، وتقدم القول في (من ذا) عند قوله تعالى: ﴿ مَن ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ [البقرة: 245].

والاستفهام في قوله: ﴿ من ذا الذي يشفع عنده ﴾ مستعمل في الإنكار والنفي بقرينة الاستثناء مِنه بقوله ﴿ إلا بإذنه ﴾ .

والشفاعة تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ لا بيع فيه ولا خلّة ولا شفاعة ﴾ [البقرة: 54].

والمعنى أنّه لا يشفع عنده أحد بحق وإدلال لأنّ المخلوقات كلها ملكُه، ولكن يشفع عنده من أراد هُو أن يُظهر كرامته عنده فيأذَنَه بأن يشفع فيمن أراد هو العفوَ عنه، كما يُسند إلى الكبراء مناولة المكرمات إلى نبغاء التلامذة في مواكب الامتحان، ولذلك جاء في حديث الشفاعة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه الناس ليكلّم ربّه فيخفّف عنهم هَوْل موقف الحساب، فيأتي حتى يسجد تحت العرش ويتكلم بكلمات يعلّمه الله تعالى إياها، فيقال يا محمدُ ارفع رأسك، سَل تعطَه، واشفَع تشفَّع، فسجوده استيذان في الكلام، ولا يشفع حتى يقال اشفع، وتعليمُه الكلمات مقدّمة للإذن.

وجملة ﴿ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه ﴾ تقرير وتكميل لما تضمنّه مجموع جملتي ﴿ الحيّ القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ولما تضمنّته جملة ﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه ﴾ ، فإنّ جملتي ﴿ الحيّ القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ دلتا على عموم علمه بما حدث ووُجد من الأكوان ولم تَدُلاّ على علمه بما سيكون فأُكد وكمل بقوله يعلمُ الآية، وهي أيضاً تعليل لجملة من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه إذ قد يتّجه سؤال لماذا حُرموا الشفاعة إلاّ بعد الإذن فقيل لأنّهم لا يعلمون من يستحقّ الشفاعة وربّما غرّتهم الظواهر، والله يعمل من يستحقّها فهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولأجل هذين المعنيين فصلت الجملة عما قبلها.

والمراد بما بين أيديهم وما خلفهم ما هو ملاحظ لهم من المعلومات وما خفي عنهم أو ذهلوا عنه منها، أو ما هو واقع بعدهم وما وقع قبلهم.

وأما علمه بما في زمانهم فأحرى.

وقيل المستقبل هو ما بين الأيدي والماضي هوالخَلف، وقيل عكس ذلك، وهما استعمالان مبنيان على اختلاف الاعتبار في تمثيل ما بين الأيدي والخلف، لأنّ ما بين أيدي المرء هو أمامَه، فهو يستقبله ويشاهده ويسعى للوصول إليه، وما خلفه هو ما وراء ظهره، فهو قد تخلّف عنه وانقطع ولا يشاهده، وقد تجاوزه ولا يتّصل به بعد وقيل أمور الدنيا وأمور الآخرة، وهوفرع من الماضي والمستقبل، وقيل المحسوسات والمعقولات.

وأياماً كان فاللفظ مجاز، والمقصود عموم العلم بسائرِ الكائنات.

وضمير ﴿ أيديهم ﴾ و ﴿ خلفهم ﴾ عائد إلى ﴿ ما في السماوات وما في الأرض ﴾ بِتغليب العقلاء من المخلوقات لأنّ المراد بما بين أيديهم وما خلفهم ما يشمل أحوال غير العقلاء، أو هو عائد على خصوص العقلاء من عموم ما في السموات وما في الأرض فيكون المراد ما يختصّ بأحوال البشر وهو البعض، لضمير ولا يحيطون لأنّ العلم من أحوال العقلاء.

وعطفت جملة ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ [البقرة: 216].

ومعنى يحيطون يعلمون علماً تاماً، وهومجاز حقيقته أنّ الإحاطة بالشيء تقتضي الاحتواء على جميع أطرافه بحيث لا يشذّ منه شيء من أوله ولا آخره، فالمعنى لا يعلمون علم اليقين شيئاً من معلوماته، وأمَّا ما يدّعونه فهو رجم بالغيب.

فالعلمُ في قوله: ﴿ من علمه ﴾ بمعنى المعلوم، كالخَلْق بمعنى المخلوق، وإضافته إلى ضمير اسم الجلالة تخصيص له بالعلوم اللدُنية التي استأثر الله بها ولم ينصب الله تعالى عليها دلائل عقلية أو عادية.

ولذلك فقوله: ﴿ إلا بما شاء ﴾ تنبيه على أنّه سبحانه قد يُطلع بعض أصفيائه على ما هو من خواصّ علمه كقوله: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلاّ من ارتضى من رسول ﴾ [الجن: 26، 27].

وقوله: ﴿ وسّع كرسيّه السموات والأرض ﴾ تقرير لما تضمّنته الجمل كلّها من عظمة الله تعالى وكبريائه وعلمِه وقدرته وبيان عظمة مخلوقاته المستلزمة عظمة شأنه، أو لبيان سعة ملكه كذلك كما سنبيّنه، وقد وقعت هذه الجمل مترتبة متفرّعة.

والكرسي شيء يُجلس عليه مُتركب من أعواد أو غيرها موضوعة كالأعمدة متساوية، عليها سطح من خشب أو غيره بمقدار ما يسع شخصاً واحداً في جلوسه، فإن زاد على مجلس واحد وكان مرتفعاً فهو العرش.

وليس المراد في الآية حقيقة الكرسي إذ لا يليق بالله تعالى لاقتضائه التحيّز، فتعين أن يكون مراداً به غير حقيقته.

والجمهور قالوا: إنّ الكرسي مخلوق عظيم، ويضاف إلى الله تعالى لعظمته، فقيل هو العرش، وهو قول الحسَن.

وهذا هو الظاهر لأنّ الكرسي لم يذكر في القرآن إلاّ في هذه الآية وتكرّر ذكر العرش، ولم يَرِد ذكرهما مقترنين، فلو كان الكرسي غير العرش لذكر معه كما ذُكرت السماوات مع العرش في قوله تعالى: ﴿ قل من رب السموات السبع وربُ العرش العظيم ﴾ [المؤمنون: 86]، وقيل الكرسي غير العرش، فقال ابن زيد هو دون العرش وروى في ذلك عن أبي ذَر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما الكرسيُ في العرش إلاّ كحلقة من حديد ألقيَتْ بين ظهري فلاة من الأرض " وهو حديث لم يصح.

وقال أبو موسى الأشعري والسُدى والضحاك: الكرسي موضع القدمين من العرش، أي لأنّ الجالس على عرش يكون مرتفعاً عن الأرض فيوضع له كرسي لئلا تكون رجلاه في الفضاء إذا لم يتربَّع، وروي هذا عن ابن عباس.

وقيل الكرسي مثلَ لعلم الله، وروي عن ابن عباس لأنّ العالم يجلس على كرسي ليعلّم الناس.

وقيل مثل لملك الله تعالى كما يقولون فلان صاحب كرسي العراق أي ملك العراق، قال البيضاوي: «ولعلّه الفلَك المسمّى عندهم بفَلك البروج».

قلت أثبت القرآن سبع سماوات ولم يبيّن مسمّاها في قوله (سورة نوح): ﴿ ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ﴾ [نوح: 15، 16]، فيجوز أن تكون السموات طبقات من الأجواء مختلفة الخصائص متمايزة بما يملاّها من العناصر، وهي مسبح الكواكب، ولقد قال تعالى (سورة الملك): ﴿ ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ [الملك: 5]، ويجوز أن تكون السماوات هي الكواكب العظيمة المرتبطة بالنظام الشمس وهي: فُلكان، وعطارد، والزهرة، وهذه تحت الشمس إلى الأرض، والمريخُ، والمشتري، وزحلُ، وأورانوس، ونبتون، وهذه فوق الشمس على هذا الترتيب في البعد، إلاّ أنّها في عظم الحجم يكون أعظمها المشتري، ثم زحل، ثم نبتون، ثم أورانوس، ثم المريخ، فإذا كان العرش أكبرها فهو المشتري، والكرسي دونه فهو زُحل، والسبع الباقية هي المذكورة، ويضم إليها القمر، وإن كان الكرسي هو العرش فلا حاجة إلى عدّ القمر، وهذا هو الظاهرُ، والشمس من جملة الكواكب، وقوله تعالى: ﴿ وجعل الشمس سراجاً ﴾ [نوح: 16] تخصيص لها بالذكر للامتنان على الناس بأنّها نور للأرض، إلاّ أنّ الشمس أكبر من جميعها على كل تقدير.

وإذا كانت السماوات أفلاكاً سبعة لشموس غير هذه الشمس ولكل فَلك نظامه كما لهذه الشمس نظامها فذلك جائز وسبحان من لا تحيط بعظمةِ قدرتِه الأفهامُ فيكون المعنى على هذا أن الله تعالى نبهنا إلى عظيم قدرته وسعة ملكوته بما يدل على ذلك مع موافقته لما في نفس الأمر، ولكنّه لم يفصّل لنا ذلك لأنّ تفصيله ليس من غرض لاستدلال على عظمته، ولأن العقول لا تصل إلى فهمه لتوقفه على علوم واستكمالات فيها لم تتمّ إلى الآن، ولتعلمُنّ نبأه بعد حين.

وجُملة ﴿ ولا يؤوده حفظهما ﴾ عطفت على جملة ﴿ وَسِع كرسيهُ ﴾ لأنّها من تكملتها وفيها ضمير معادُه في التي قبلها، أي إنّ الذي أوجد هاته العوالمَ لا يعجز عن حفظها.

وآده جعله ذا أود.

والأوَدُ بالتحريك العِوَج، ومعنى آده أثقله لأن المثقَّل ينحني فيصير ذا أوَد.

وعطف عليه ﴿ وهو العلي العظيم ﴾ لأنّه من تمامه، والعلو والعظمة مستعاران لشرف القدر وجلال القدرة.

ولهذه الآية فضل كبيرٌ لما اشتملت عليه من أصول معرفة صفات الله تعالى، كما اشتملت سورة الإخلاص على ذلك وكما اشتملت كلمة الشهادة.

في «الصحيحين» عن أبي هريرة " أنّ آتياً أتاه في الليل فأخذ من طعام زكاة الفطر فلما أمسكه قال له إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي لن يزال معك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح " فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " صدقك وذلك شيطان " وأخرج مسلم عن أبي ابن كعب أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: " يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم قلت اللَّهُ لا إله إلاّ هو الحيّ القيلأم، فضرب في صدري وقال: واللَّهِ لِيَهْنِك العلمُ أبا المُنذر ".

وروى النسائي: " من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلاّ الموت " وفيها فضائل كثيرة مجرّبة للتأمين على النفس والبيت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ الآيَةَ.

مُخَرَّجَةٌ مَخْرَجَ النَّفْيِ أنْ يَصِحَّ إلَهٌ سِوى اللَّهِ، وحَقِيقَتُهُ إثْباتُ إلَهٍ واحِدٍ وهو اللَّهُ، وتَقْدِيرُهُ: اللَّهُ الإلَهُ دُونَ غَيْرِهِ.

﴿ الحَيُّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ سَمّى نَفْسَهُ حَيًّا لِصَرْفِهِ الأُمُورَ مَصارِفَها، وتَقْدِيرِ الأشْياءِ مَقادِيرَها، فَهو حَيٌّ بِالتَّقْدِيرِ لا بِحَياةٍ.

والثّانِي: أنَّهُ حَيٌّ بِحَياةٍ هي لَهُ صِفَةٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَسَمّى بِهِ، فَقُلْناهُ تَسْلِيمًا لِأمْرِهِ.

والرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بِالحَيِّ الباقِي، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: إذا ما تَرَيَنِّي اليَوْمَ أصْبَحْتُ سالِمًا فَلَسْتُ بِأحْيا مِن كِلابٍ وجَعْفَرِ ( القَيُّومُ ) قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: (القَيّامُ).

وفِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: القائِمُ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: يَعْنِي القائِمَ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، حَتّى يُجازِيَها بِعَمَلِها مِن حَيْثُ هو عالِمٌ بِهِ، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: مَعْنى القائِمِ الوُجُودُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي لا يَزُولُ ولا يُحَوَّلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ العالِمُ بِالأُمُورِ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَقُومُ بِهَذا الكِتابِ، أيْ هو عالِمٌ بِهِ.

والسّادِسُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الِاسْتِقامَةِ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: لَمْ تُخْلَقِ السَّماءُ والنُّجُومُ ∗∗∗ والشَّمْسُ مَعَها قَمَرٌ يَقُومُ ∗∗∗ قَدَّرَها المُهَيْمِنُ القَيُّومُ ∗∗∗ والحَشْرُ والجَنَّةُ والحَمِيمُ إلّا لِأمْرٍ شَأْنُهُ عَظِيمُ ﴿ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ ﴾ السِّنَةُ: النُّعاسُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، والنُّعاسُ ما كانَ في الرَّأْسِ، فَإذا صارَ في القَلْبِ صارَ نَوْمًا، وفَرَّقَ المُفَضَّلُ بَيْنَهُما، فَقالَ: السِّنَةُ في الرَّأْسِ، والنُّعاسُ في العَيْنِ، والنَّوْمُ في القَلْبِ.

وَما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ السِّنَةِ والنُّعاسِ أشْبَهُ، قالَ عَدِيُّ بْنُ الرِّقاعِ: وسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَقَتْ ∗∗∗ في عَيْنِهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بِنائِمِ ﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: هو ما قَبْلَ خَلْقِهِمْ، وما خَلْفَهُمْ: هو ما بَعْدَ مَوْتِهِمْ.

والثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ: ما أظْهَرُوهُ، وما خَلْفَهُمْ: ما كَتَمُوهُ.

﴿ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلا بِما شاءَ ﴾ أيْ مِن مَعْلُومِهِ إلّا أنْ يُطْلِعَهم عَلَيْهِ ويُعْلِمَهم إيّاهُ.

﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ في الكُرْسِيِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ مِن أوْصافِ مَلَكُوتِهِ.

فَإذا قِيلَ: إنَّهُ مِن صِفاتٍ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عِلْمُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قُدْرَةُ اللَّهِ.

والثّالِثُ: مُلْكُ اللَّهِ.

والرّابِعُ: تَدْبِيرُ اللَّهِ.

وَإذا قِيلَ: إنَّهُ مِن أوْصافِ مَلَكُوتِهِ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ العَرْشُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ سَرِيرٌ دُونَ العَرْشِ.

والثّالِثُ: هو كُرْسِيٌّ تَحْتَ العَرْشِ، والعَرْشُ فَوْقَ الماءِ.

وَأصْلُ الكُرْسِيِّ العِلْمُ، ومِنهُ قِيلَ لِلصَّحِيفَةِ فِيها عِلْمٌ مَكْتُوبٌ: كُرّاسَةٌ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ما لِي بِأمْرِكَ كُرْسِيٌّ أُكاتِمُهُ ∗∗∗ ولا بِكُرْسِيِّ عَلِيمِ الغَيْبِ مَخْلُوقُ وَقِيلَ لِلْعُلَماءِ: الكَراسِيُّ، لِأنَّهُمُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ كَما يُقالُ لَهُمْ: أوْتادُ الأرْضِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ بِهِمْ تَصْلُحُ الأرْضُ، قالَ الشّاعِرُ: يَحُفُّ بِهِمْ بِيضُ الوُجُوهِ وعِلْيَةٌ ∗∗∗ كَراسِيُّ بِالأحْداثِ حِينَ تَنُوبُ أيْ عُلَماءُ بِحَوادِثِ الأُمُورِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الشَّواهِدُ عَلى أنَّ أصَحَّ تَأْوِيلاتِهِ، ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أنَّهُ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى.

وَقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ: (وُسْعُ كُرْسِيِّهِ السَّماواتُ والأرْضُ) بِتَسْكِينِ السِّينِ مِن وُسْعِ وضَمِّ العَيْنِ، ورَفْعُ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وفي تَأْوِيلِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يُثْقِلُهُ حِفْظُهُما في قَوْلِ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: لا يَتَعاظَمُهُ حِفْظُهُما، حَكاهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ.

وَأنْشَدَ: ألا بِكِ سَلْمى اليَوْمَ بَتَّ جَدِيدُها ∗∗∗ وضَنَّتْ وما كانَ النَّوالُ يَئُودُها واخْتَلَفُوا في الكِنايَةِ بِالهاءِ إلى ماذا تَعُودُ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: إلى اسْمِ اللَّهِ، وتَقْدِيرُهُ: ولا يُثْقِلُ اللَّهَ حِفْظُ السَّماواتِ والأرْضِ.

والثّانِي: تَعُودُ إلى الكُرْسِيِّ، وتَقْدِيرُهُ: ولا يُثْقِلُ الكُرْسِيَّ حِفْظُهُما.

﴿ وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ ﴾ في العَلِيِّ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: العَلِيُّ بِالِاقْتِدارِ ونُفُوذِ السُّلْطانِ.

والثّانِي: العَلِيُّ عَنِ الأشْباهِ والأمْثالِ.

وَفي الفَرْقِ بَيْنَ العَلِيِّ والعالِي وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: أنَّ العالِيَ هو المَوْجُودُ في مَحَلِّ العُلُوِّ، والعَلِيُّ هو مُسْتَحِقُّ العُلُوِّ.

والثّانِي: أنَّ العالِيَ هو الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُشارَكَ في عُلُوِّهِ، والعَلِيَّ هو الَّذِي لا يَجُوزُ أنْ يُشارَكَ في عُلُوِّهِ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ، يَجُوزُ أنْ نَصِفَ اللَّهَ بِالعَلِيِّ، ولا يَجُوزُ أنْ نَصِفَهُ بِالعالِي، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ نَصِفَهُ بِهِما جَمِيعًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد واللفظ له ومسلم وأبو داود وابن الضريس والحاكم والهروي في فضائله عن أبي كعب «أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أي آية في كتاب الله أعظم؟

قال: آية الكرسي ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ قال ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده إن لها لساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش» .

وأخرج النسائي وأبو يعلى وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة والطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن أبي بن كعب:أنه كان له جرن فيه تمر فكان يتعاهده فوجده ينقص، فحرسه ذات ليلة فإذا هو بدابة شبه الغلام المحتلم، قال: فسلمت فرد السلام فقلت: ما أنت؟!

جني أم أنسي؟

قال: جني.

قلت ناولني يدك.

فناولني فإذا يداه يدا كلب وشعره شعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجن؟

قال: لقد علمت الجن أن ما فيهم من هو أشد مني.

قلت: ما حملك على ما صنعت؟

قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة فأحببنا أن نصيب من طعامك.

فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم؟

قال: هذه الآية، آية الكرسي التي في سورة البقرة، من قالها حتى يمسي أُجِيرَ مِنَّا حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح أجير منا حتى يمسي.

فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأخبره، فقال: «صدق الخبيث» .

وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني وأبو نعيم في المعرفة بسند رجاله ثقات عن ابن الأسقع البكري «أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين، فسأله إنسان أي آية في القرآن أعظم؟

فقال النبي ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ حتى انقضت الآية» .

وأخرج أحمد وابن الضريس والهروي في فضائله عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

سأل رجلاً من أصحابه هل تزوّجت؟

قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به.

قال: أو ليس معك ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الإِخلاص: 1] ؟

قال: بلى.

قال: ربع القرآن، أليس معك ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون: 1] ؟

قال: بلى.

قال: ربع القرآن، أليس معك ﴿ إذا زلزلت ﴾ [ الزلزلة: 1] ؟

قال: بلى.

قال: ربع القرآن، أليس معك ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ [ النصر: 1] ؟

قال: بلى.

قال: ربع القرآن، أليس معك آية الكرسي؟

قال: بلى.

قال: فتزوج» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ في دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي حفظ إلى الصلاة الأخرى، ولا يحافظ عليها إلا نبي أو صديق أو شهيد» .

وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون أي القرآن أعظم؟

قالوا: الله ورسوله أعلم!

قال: ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ إلى آخر الآية» .

وأخرج الطبراني بسند حسن عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى» .

وأخرج أبو الحسن محمد بن أحمد بن شمعون الواعظ في أماليه وابن النجار عن عائشة «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فشكا إليه أن ما في بيته ممحوق من البركة، فقال: أين أنت من آية الكرسي، ما تليت على طعام ولا إدام إلا أنمى الله بركة ذلك الطعام والإِدام» .

وأخرج الدارمي عن أيفع بن عبد الله الكلاعي قال: قال رجل: يا رسول الله أي آية في كتاب الله أعظم؟

قال: «آية الكرسي ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ قال: فأي آية في كتاب الله تحب أن تصيبك وأمتك؟

قال: آخر سورة البقرة، فإنها من كنز الرحمة من تحت عرش الله، ولم تترك خيراً في الدنيا والآخرة إلا اشتملت عليه» .

وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة أعطاه الله قلوب الشاكرين، وأعمال الصديقين، وثواب النبيين، وبسط عليه يمينه بالرحمة، ولم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت فيدخلها» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق محمد بن الضوء بن الصلصال بن الدلهمس عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة لم يكن بينه وبين أن يدخل الجنة إلا أن يموت، فإن مات دخل الجنة» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن الضريس والطبراني والهروي في فضائله والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود أن أعظم آية في كتاب الله ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ .

وأخرج أبو عبيد وابن الضريس ومحمد بن نصر عن ابن مسعود قال: ما خلق الله من سماء ولا أرض ولا جنة ولا نار أعظم من آية في سورة البقرة ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود قال: ما من سماء ولا أرض ولا سهل ولا جبل أعظم من آية الكرسي.

وأخرج أبو عبيد في فضائله والدارمي والطبراني وأبو نعيم في دلائل النبوة والبيهقي عن ابن مسعود قال: خرج رجل من الإِنس، فلقيه رجل من الجن فقال: هل لك أن تصارعني؟

فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان، فصارعه فصرعه الإِنسي.

فقال: تقرأ آية الكرسي، فإنه لا يقرأها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان له خبج كخبج الحمار.

فقيل لابن مسعود: أهو عمر؟

قال: من عسى أن يكون إلا عمر.

الخبج الضراط.

وأخرج المحاملي في فوائده عن ابن مسعود قال: «قال رجل: يا رسول الله علمني شيئاً ينفعني الله به.

قال» اقرأ آية الكرسي فإنه يحفظك وذريتك ويحفظ دارك، حتى الدويرات حول دارك «» .

وأخرج ابن مردويه والشيرازي في الألقاب والهروي في فضائله عن ابن عمر.

أن عمر بن الخطاب خرج ذات يوم إلى الناس فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن، وأعدلها، وأخوفها، وأرجاها؟

فسكت القوم.

فقال ابن مسعود: على الخبير سقطت «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أعظم آية في القرآن ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ وأعدل آية في القرآن ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإِحسان ﴾ [ النحل: 90] إلى آخرها، وأخوف آية في القرآن ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ [ الزلزلة: 7-8] وأرجى آية في القرآن ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ [ الزمر: 53]» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ آخر سورة البقرة، أو آية الكرسي ضحك، وقال: إنهما من كنز الرحمن تحت العرش، وإذا قرأ ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ [ النساء: 123] استرجع واستكان» .

وأخرج ابن الضريس ومحمد بن نصر والهروي في فضائله عن ابن عباس قال: ما خلق الله؛ من سماء ولا أرض ولا سهل ولا جبل أعظم من سورة البقرة، وأعظم آية فيها آية الكرسي.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن المنذر وابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف.

أنه كان إذا دخل منزله قرأ في زواياه آية الكرسي.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب قال: سيد آي القرآن ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ .

وأخرج البيهقي عن علي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ومن قرأها حين يأخذ مضجعه أمنه الله على داره ودار جاره، وأهل دويرات حوله» .

وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة والدارمي ومحمد بن نصر وابن الضريس عن علي قال: ما أرى رجلاً ولد في الإِسلام أو أدرك عقله الإِسلام يبيت أبداً حتى يقرأ هذه الآية ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ ولو تعلمون ما هي، إنما أعطيها نبيكم من كنز تحت العرش، ولم يعطها أحد قبل نبيكم، وما بت ليلة قط حتى اقرأها ثلاث مرات، اقرأوها في الركعتين بعد العشاء الآخرة، وفي وتري، وحين آخذ مضجعي من فراشي.

وأخرج أبو عبيد عن عبد الله بن رباح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب: «أبا المنذر أي آية في القرآن أعظم؟

قال: الله ورسوله أعلم!

قال: أبا المنذر أي آية في كتاب الله أعظم قال: الله ورسوله أعلم!

قال: أبا المنذر أي آية في كتاب الله عز وجل أعظم؟

قال: الله ورسوله أعلم، فقال: ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ قال: فضرب صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر» .

وأخرج ابن راهويه في مسنده عن عوف بن مالك قال: جلس أبو ذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال: «يا رسول الله أيما أنزل الله عليك أعظم؟

قال: ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ حتى تختم» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان ومحمد بن نصر الطبراني والحاكم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن معاذ بن جبل قال: «ضم إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تمر الصدقة، جعلته في غرفة لي، فكنت أجد فيه كل يوم نقصاناً، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: هو عمل الشيطان فأرصده، فرصدته ليلاً، فلما ذهب هوى من الليل أقبل على صورة الفيل، فلما انتهى إلى الباب دخل من خلل الباب على غير صورته، فدنا من التمر فجعل يلتقمه، فشددت على ثيابي فتوسطته، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، يا عدو الله وثبت إلى تمر الصدقة فأخذته وكانوا أحق به منك، لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفضحك- فعاهدني أن لا يعود، فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل أسيرك؟

فقلت: عاهدني أن لا يعود.

فقال: إنه عائد فأرصده، فرصدته الليلة الثانية، فصنع مثل ذلك، وصنعت مثل ذلك، فعاهدني أن لا يعود، فخليت سبيله، ثم غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته.

فقال: إنه عائد فأرصده، فَرَصَدْتُهُ الليلة الثالثة فصنع مثل ذلك، وصنعت مثل ذلك، فقلت: يا عدو الله عاهدتني مرتين وهذه الثالثة.

فقال: إني ذو عيال وما أتيتك إلا من نصيبين، ولو أصبت شيئاً دونه ما أتيتك، ولقد كنا في مدينتكم هذه حتى بعث صاحبكم، فلما نزلت عليه آيتان انفرتنا منها فوقعنا بنصيبين، ولا تقرآن في بيت إلا لم يلج فيه الشيطان ثلاثاً، فإن خليت سبيلي علمتكهما.

قلت: نعم.

قال: آية الكرسي، وآخر سورة البقرة ﴿ آمن الرسول ﴾ [ البقرة: 285] إلى آخرها.

فخليت سبيله، ثم غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قال.

فقال: صدق الخبيث وهو كذوب.

قال: فكنت أقرأهما بعد ذلك فلا أجد فيه نقصاناً» .

وأخرج الطبراني في السنة عن ابن عباس ﴿ الله لا إله إلا هو ﴾ يريد الذي ليس معه شريك، فكل معبود من دونه فهو خلق من خلق لا يضرون ولا ينفعون، ولا يملكون رزقاً ولا حياة ولا نشوراً ﴿ الحي ﴾ يريد الذي لا يموت ﴿ القيوم ﴾ الذي لا يبلى ﴿ لا تأخذه سنة ﴾ يريد النعاس ﴿ ولا نوم من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ يريد الملائكة مثل قوله: ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ [ الأنبياء: 28] ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ يريد من السماء إلى الأرض ﴿ وما خلفهم ﴾ يريد ما في السموات ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ﴾ يريد مما أطلعهم على علمه ﴿ وسع كرسيه السماوات والأرض ﴾ يريد هو أعظم من السموات السبع والأرضين السبع ﴿ ولا يؤوده حفظهما ﴾ يريد ولا يفوته شيء مما في السموات والأرض ﴿ وهو العلي العظيم ﴾ يريد لا أعلى منه، ولا أعظم، ولا أعز، ولا أجل، ولا أكرم.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي رحزة يزيد بن عبيد الساعي قال: «لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أتاه وفد من بني فزارة، فقالوا: يا رسول الله ادع ربك أن يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع ربك إليك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك هذا أنا شفعت إلى ربي فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه، لا إله إلا هو العظيم، وسع كرسيه السموات والأرض، فهي تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرجل الحديد!» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان ومحمد بن نصر والطبراني وأبو نعيم في الدلائل عن أبي أسيد الساعدي.

أنه قطع تمر حائطه فجعله في غرفة، فكانت الغول تخالفه إلى مشربته فتسرق تمره وتفسده عليه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «تلك الغول يا أبا أسيد، فاستمع عليها فإذا سمعت اقتحامها قل: بسم الله أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقالت الغول: يا أبا أسيد اعفني أن تكلفني أن أذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطيك موثقاً من الله أن لا أخالفك إلى بيتك ولا أسرق تمرك، وأدلك على آية تقرأها على بيتك فلا تخالف إلى أهلك، وتقرأها على إنائك فلا يكشف غطاؤه، فأعطته الموثق الذي رضي به منها.

فقالت: الآية التي أدلك عليها هي آية الكرسي.

فأتى النبي صلى الله عليه وسلم.

فقص عليه القصة، فقال: صدقت وهي كذوب» .

وأخرج النسائي والروياني في مسنده وابن حبان والدارقطني والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء والطبراني وابن مردويه والهروي في فضائله والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي أمامة يرفعه «قال: اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث سور: سورة البقرة، وآل عمران، وطه، قال أبو أمامة: فالتمستها فوجدت في البقرة في آية الكرسي ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ وفي آل عمران ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ [ آل عمران: 2] وفي طه ﴿ وعنت الوجوه للحي القيوم ﴾ [ طه: 111] » .

وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نازلاً على أبي أيوب في غرفة، وكان طعامه في سلة في المخدع، فكانت تجيء من الكوّة كهيئة السنور تأخذ الطعام من السلة، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال: تلك الغول فإذا جاءت فقل: عزم عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحي.

فجاءت فقال لها أبو أيوب: عزم عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحي.

فقالت: يا أبا أيوب دعني هذه المرة فوالله لا أعود، فتركها ثم قالت: هل لك أن أعلمك كلمات إذا قلتهن لا يقرب بيتك شيطان تلك الليلة وذلك اليوم ومن الغد؟

قال: نعم.

قالت: اقرأ آية الكرسي.

فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره.

فقال: صدقت وهي كذوب» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان وأبو الشيخ في العظمة والطبراني والحاكم وأبو نعيم في الدلائل عن أبي أيوب «أنه كان في سهوة له، فكانت الغول تجيء فتأخذ، فشكاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا رأيتها فقل: بسم الله أجيبي رسول الله.

فجاءت فقال لها.

فأخذها فقالت: إني لا أعود.

فأرسلها فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ما فعل أسيرك؟

قال: أخذتها فقالت: إني لا أعود.

فأرسلتها.

فقال: إنها عائدة.

فأخذها مرتين أو ثلاثاً كل ذلك تقول: لا أعود، ويجيء النبي صلى الله عليه وسلم.

فيقول: ما فعل أسيرك؟

فيقول: أخذتها فتقول: لا أعود.

فقال: إنها عائدة.

فأخذها فقالت: أرسلني وأعلمك شيئاً تقوله فلا يقربك شيء آية الكرسي.

فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: صدقت وهي كذوب» .

وأخرج أحمد وابن الضريس والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله: أيما أنزل عليك أعظم؟

قال: آية الكرسي ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ » .

وأخرج ابن السني عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: «من قرأ آية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة عند الكرب أغاثه الله» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً: «أوحى الله إلى موسى بن عمران: أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، فإنه من يقرأها في دبر كل صلاة مكتوبة أجعل له قلب الشاكرين، ولسان الذاكرين، وثواب النبيين، وأعمال الصديقين، ولا يواظب على ذلك إلا نبي، أو صديق، أو عبد امتحنت قلبه بالإِيمان، أو أريد قتله في سبيل الله.

قال ابن كثير: منكر جداً» .

وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة قال: «قلت: يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟

قال: ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ آية الكرسي» .

وأخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق علي بن الحسين عن أبيه عن أمه فاطمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دنا ولادها أمر أم سلمة وزينب بنت جحش أن يأتيا فاطمة، فيقرأ عندها آية الكرسي و ﴿ إن ربكم الله ﴾ [ الأعراف: 54] إلى آخر الآية، ويعوّذاها بالمعوّذتين.

وأخرج الديلمي عن علي بن أبي طالب قال: ما أرى رجلاً أدرك عقله في الإِسلام يبيت حتى يقرأ هذه الآية ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ ولو تعلمون ما فيها لما تركتموها على حال، إن رسول الله قال: «أعطيت آية الكرسي من كنز تحت العرش، ولم يؤتها نبي قبلي.

قال علي: فما بت ليلة قط منذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقرأها» .

وأخرج الطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال: كان لي تمر في سهوة لي، فجعلت أراه ينقص منه، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنك ستجد فيه غداً هرة فقل: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما كان الغد وجدت فيه هرة فقلت: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتحوّلت عجوزاً وقالت: أذكرك الله لما تركتني، فأني غير عائدة.

فتركتها فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل الرجل؟

فأخبرته بخبرها.

فقال: كذبت وهي عائدة.

فقل لها: أجيبي رسول الله، فتحوّلت عجوزاً.

وقالت: أذكرك الله يا أبا أيوب لما تركتني هذه المرة فإني غير عائدة.

فتركتها، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال كما قال لي، فعلت ذلك ثلاث مرات، فقالت لي في الثالثة: أذكرك الله يا أبا أيوب حتى أعلمك شيئاً لا يسمعه شيطان فيدخل ذلك البيت فقلت: ما هو؟

فقالت: آية الكرسي لا يسمعها شيطان إلا ذهب، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت وإن كانت كذوباً» .

وأخرج الطبراني عن أبي أيوب قال: أصبت جنية فقالت لي: دعني ولك علي أن أعلمك شيئاً إذا قلته لم يضرك منا أحد.

قلت: ما هو؟

قال: آية الكرسي ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقت وهي كذوب» .

وأخرج الطبراني عن أبي أيوب قال: «كنت مؤذى في البيت، فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكانت روزنة في البيت لنا، فقال: أرصده فإذا أنت عاينت شيئاً فقل: أجيبي يدعوك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فرصدت فإذا شيء قد تدلى من روزنة، فوثبت إليه، وقلت: اخسأ يدعوك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذته فتضرع إلي، وقال لي: لا أعود.

فأرسلته فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل أسيرك؟

فأخبرته بالذي كان فقال: أما إنه سيعود.

ففعلت ذلك ثلاث مرات كل ذلك آخذه وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالذي كان، فلما كانت الثالثة أخذته قلت: ما أنت بمفارقي حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناشدني وتضرع إليّ وقال: أعلمك شيئاً إذا قلته من ليلتك لم يقربك جان ولا لص، تقرأ آية الكرسي، فأرسلته ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل أسيرك؟

قلت: يا رسول الله ناشدني وتضرع إلي حتى رحمته، وعلمني شيئاً أقوله إذا قلته لم يقربني جن ولا لص.

قال: صدق وإن كان كذوباً» .

وأخرج البخاري وابن الضريس والنسائي وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي هريرة قال: «وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، ولي حاجة شديدة.

فخليت عنه، فأصبحت فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟

قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته وحليت سبيله.

قال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فعرفت أنه سيعود فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل أسيرك؟

قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالاً فرحمته وخليت سبيله، فقال: أما إنه قد كذبك وسيعود.

فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود ثم تعود.

فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها.

قلت: ما هي؟

قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان، حتى تصبح.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه صدقك وهو كذوب» .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن بريدة قال: «كان لي طعام فتبينت فيه النقصان، فكمنت في الليل فإذا غول قد سقطت عليه، فقبضت عليها فقلت: لا أفارقك حتى أذهب بك إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

فقالت: إني امرأة كثيرة العيال لا أعود.

فجاءت الثانية والثالثة، فأخذتها فقالت: ذرني حتى أعلمك شيئاً إذا قلته لم يقرب متاعك أحد منا، إذا أويت إلى فراشك فاقرأ على نفسك، ومالك آية الكرسي.

فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال» صدقت وهي كذوب «» .

وأخرج سعيد بن منصور والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه، آية الكرسي» .

وأخرج الدارمي والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ حم، المؤمن ﴾ إلى ﴿ إليه المصير ﴾ ، وآية الكرسي حين يصبح حُفِظَ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حُفِظَ بهما حتى يصبح» .

وأخرج البخاري في تاريخه وابن الضريس عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت آية الكرسي من تحت العرش» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان، والدينوري في المجالسة عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن جبريل أتاني فقال: إن عفريتاً من الجن يكيدك، فإذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان وأبو الشيخ في العظمة عن ابن إسحاق قال: خرج زيد بن ثابت ليلاً إلى حائط له، فسمع فيه جلبة فقال: ما هذا؟

قال: رجل من الجان أصابتنا السنة، فأردت أن أصيب من ثمارهم فطيبوه لنا.

قال: نعم، ثم قال زيد بن ثابت: ألا تخبرنا بالذي يعيذنا منكم؟

قال: آية الكرسي.

و أخرج أبو عبيد عن سلمة بن قيس وكان أول أمير كان على إيلياء قال: ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإِنجيل، ولا في الزبور، أعظم من ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ .

وأخرج ابن الضريس عن الحسن أن رجلاً مات أخوه فرآه في المنام فقال: أخي أي الأعمال تجدون أفضل؟

قال: القرآن.

قال: فأي القرآن؟

قال: آية الكرسي ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ ثم قال: ترجون لنا شيئاً؟

قال: نعم.

قال: إنكم تعملون ولا تعلمون، وإنا نعلم ولا نعمل.

وأخرج ابن الضريس عن قتادة قال: من قرأ آية الكرسي إذا أوى إلى فراشه وكل به ملكين يحفظانه حتى يصبح.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس.

أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟

قال: اتقوا الله.

فناداه ربه: يا موسى سألوك هل ينام ربك، فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل، ففعل موسى فلمّا ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه ثم انتعش فضبطهما، حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا، فقال: يا موسى لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك، وأنزل الله على نبيه آية الكرسي.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ الحي ﴾ قال: حي لا يموت ﴿ القيوم ﴾ قيم على كل شيء يكلؤه ويرزقه ويحفظه.

وأخرج آدم ابن أبي إياس وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله: ﴿ القيوم ﴾ قال: القائم على كل شيء.

وأخرج ابن أبي حاتم والحسن قال: ﴿ القيوم ﴾ الذي لا زوال له.

و أخرج ابن الأنباري في المصاحف عن قتادة قال: ﴿ الحي ﴾ الذي لا يموت و ﴿ القيوم ﴾ القائم الذي لا بديل له.

وأخرج آدم بن أبي إياس وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله: ﴿ القيوم ﴾ قال: القائم على كل شيء.

وأخرج ابن أبي حاتم والحسن قال: ﴿ القيوم ﴾ الذي لا زوال له.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن قتادة قال: ﴿ الحي ﴾ الذي لا يموت و ﴿ القيوم ﴾ القائم الذي لا بديل له.

وأخرج آدم بن أبي أياس وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ قال: السنة النعاس، والنوم هو النوم.

وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والطستي في مسائله عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ لا تأخذه سنة ﴾ قال: السنة الوسنان الذي هو نائم وليس بنائم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى وهو يقول: ولا سنة طوال الدهر تأخذه ** ولا ينام وما في أمره فند و أخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك في الآية قال: السنة النعاس، والنوم الاستثقال.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن السدي قال: السنة ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإِنسان.

و أخرج ابن أبي حاتم عن عطية ﴿ لا تأخذه سنة ﴾ قال: لا يفتر.

وأخرج عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ من ذا الذي يشفع عنده ﴾ قال: من يتكلم عنده إلا بإذنه.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ قال: ما مضى من الدنيا ﴿ وما خلفهم ﴾ من الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ ما قدموا من أعمالهم ﴿ وما خلفهم ﴾ ما أضاعوا من أعمالهم.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه ﴾ يقول: لا يعلمون بشيء من علمه ﴿ إلا بما شاء ﴾ هو أن يعلمهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس ﴿ وسع كرسيه السماوات والأرض ﴾ قال: كرسيه علمه، ألا ترى إلى قوله: ﴿ ولا يؤوده حفظهما ﴾ .

وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله: ﴿ وسع كرسيه السماوت والأرض ﴾ قال كرسيه موضع قدمه، والعرش لا يقدّرُ قدره» .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه والخطيب والبيهقي عن ابن عباس قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري قال: الكرسي موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل.

قلت: هذا على سبيل الاستعارة- تعالى الله عن التشبيه- ويوضحه ما أخرجه ابن جرير عن الضحاك في الآية قال: كرسيه الذي يوضع تحت العرش الذي تجعل الملوك عليه أقدامهم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لو أن السموات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعته- يعني الكرسي- إلا بمنزلة الحلقة في المفازة.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ذر «أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال: يا أبا ذر ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي عاصم في السنة والبزار وأبو يعلى وابن جرير وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه والضياء المقدسي في المختارة عن عمر «أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، فعظم الرب تبارك وتعالى، وقال: إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله، ما يفضل منه أربع أصابع» .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الحلية بسند واه عن علي مرفوعاً: «الكرسي لؤلؤ، والقلم لؤلؤ، وطول القلم سبعمائة سنة، وطول الكرسي حيث لا يعلمه العالمون» .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك قال: الكرسي تحت العرش.

وأخرج أبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: الكرسي بالعرش ملتصق، والماء كله في جوف الكرسي.

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة قال: الشمس جزء من سبعين جزءاً من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزءاً من نور العرش.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهد قال: ما السموات والأرض في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة، وما موضع كرسيه من العرش إلا مثل حلقة في أرض فلاة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: إن السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: «قال رجل: يا رسول الله ما المقام المحمود؟

قال: ذلك يوم ينزل الله على كرسيه يئط منه كما يئط الرحل الجديد من تضايقه، وهو كسعة ما بين السماء والأرض» .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: كان الحسن يقول: الكرسي هو العرش.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمذاني عن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم....

﴾ الآية.

قال: أما قوله: ﴿ القيوم ﴾ فهو القائم، وأما ﴿ السنة ﴾ فهي ريح النوم التي تأخذ في الوجه فينعس الإِنسان، وأما ﴿ ما بين أيديهم ﴾ فالدنيا ﴿ وما خلفهم ﴾ الآخرة، وأما ﴿ لا يحيطون بشيء من علمه ﴾ يقول: لا يعلمون شيئاً من علمه إلا بما شاء هو يعلمهم، وأما ﴿ وسع كرسيه السماوات والأرض ﴾ فإن السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش وهو موضع قدميه، وأما ﴿ لا يؤوده ﴾ فلا يثقل عليه.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن أبي مالك في قوله: ﴿ وسع كرسيه السماوات والأرض ﴾ قال: إن الصخرة التي تحت الأرض السابعة ومنتهى الخلق على أرجائها عليها أربعة من الملائكة، لكل واحد منهم أربعة وجوه: وجه إنسان، ووجه أسد، ووجه ثور، ووجه نسر، فهم قيام عليها قد أحاطوا بالأرضين والسموات، ورؤوسهم تحت الكرسي، والكرسي تحت العرش، والله واضع كرسيه على العرش.

قال البيهقي: هذا إشارة إلى كرسيين.

أحدهما تحت العرش، والآخر موضوع على العرش.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا يؤوده حفظهما ﴾ يقول: لا يثقل عليه.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ ولا يؤوده حفظهما ﴾ قال: لا يثقله.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: يعطى المئين ولا يؤوده حملها ** محض الضرائب ماجد الأخلاق وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا يؤوده ﴾ قال: لا يكرثه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: ﴿ العظيم ﴾ الذي قد كمل في عظمته.

وأخرج الطبراني في السنة عن ابن عباس ﴿ الله لا إله إلا هو ﴾ يريد الذي ليس معه شريك، فكل معبود من دونه فهو خلق من خلقه لا يضرون ولا ينفعون، ولا يملكون رزقاً ولا حياة ولا نشوراً ﴿ الحي ﴾ يريد الذي لا يموت ﴿ القيوم ﴾ الذي لا يبلى ﴿ لا تأخذه سنة ﴾ يريد النعاس ﴿ ولا نوم من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ يريد الملائكة، مثل قوله: ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ .

﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ يريد من السماء إلى الأرض ﴿ وما خلفهم ﴾ يريد ما في السموات ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ﴾ يريد مما أطلعهم على علمه ﴿ وسع كرسيه السماوات والأرض ﴾ يريد هو أعظم من السموات السبع والأرضين السبع ﴿ ولا يؤوده حفظهما ﴾ يريد لا يفوته شيء مما في السموات والأرض ﴿ وهو العلي العظيم ﴾ يريد لا أعلى منه ولا أعز، ولا أجل ولا أكرم.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السلمي قال: «لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أتاه وفد من بني فزارة فقالوا: يا رسول الله ادع ربك أن يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع ربك إليك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك هذا أنا شفعت إلى ربي، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه؟!

لا إله إلا الله العظيم وسع كرسيه السموات والأرض، فهي تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ الْحَيُّ ﴾ الحي من له حياة، وهي صفة تخالف الموت والجمادية (٣) (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى ﴿ الْقَيُّومُ ﴾ القَيُّومُ في اللغة: مبالغةٌ من القَائم، وزنه فَيْعُول، وأصله: قَيْوُوُم، فلما اجتمعت الياء والواو، والسابق ساكن جُعِلَتا ياءً مشددة (٧) (٨) (٩) ﴿ الْقَيُّومُ ﴾ لعدم التوقيف بغيره من اللغات، إلا ما روي عن بعض الصحابة والتابعين، أنهم قرأوا: القَيَّام والقَيّم (١٠) قَدَّرَها (١١) (١٢) إنَّ ذا العَرْش الذي يَرْزُق ...

النَّاس وحَيّ عَلَيْهمُ قَيّوم (١٣) ومثله: ما في الدار دَيَّارٌ ودَيُّورٌ ودَيِّر (١٤) فأما معناه: فقال (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾ السِّنة: ثِقَلُ النُّعاس، وهو مصدر وَسَن، يَوْسَنُ، سِنَةً، وهو وسنان ووسِن، وامرأة وَسْنَانَةٌ ووَسْنَى.

وحقيقة السِّنة: ريح تجيء من قبل الرأس لينة تغشى العين (٢٠) وحقيقة النوم: هو الغشية الثقيلة، التي تهجم على القلب، فتقطعه عن معرفة الأمور الظَّاهرة.

وقال المفضل: السِّنة في الرأس، والنوم في القلب (٢١) وقد فصل بينهما عدي ابن الرِّقَاع [[عدي بن زيد بن مالك بن الرقاع العاملي القضاعي، يكنى أبا داود، تقدمت ترجمته [البقرة: 60].]] في قوله (٢٢) وَسْنَانُ أَقْصدَه النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ ...

في عَينِه سِنَةٌ ولَيْسَ بِنَائِمِ (٢٣) (٢٤) وتأويله: أنه لا يغفل عن تدبير الخلق (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ استفهام معناه الإنكار والنفي، أي: لا يشفع عنده أحد إلا بأمره (٢٦) ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ﴾ الآية [يونس: 18] فأخبر الله تعالى أنه لا شفاعة عنده لأحد (٢٧) ﴿ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ يريد: شفاعة النبي  وشفاعة بعض المؤمنين لبعض في الدعاء (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ قال مجاهد (٢٩) (٣٠) (٣١) ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ من أمر الدنيا ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ من أمر الآخرة.

الضحاك (٣٢) (٣٣) (٣٤) ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ يعني (٣٥) ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ الدنيا، لأنهم يُخِّلفونها وراء ظهورهم (٣٦) وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ يريد: من السماء إلى الأرض، (وما خلفهم) يريد: ما في السموات (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ يقال: أَحَاط بالشئ: إذا عَلِمَه، كأنه ما لم يَعْلَمْه عازِبٌ عنه، فإذا عَلِمَه ووَقَفَ عليه وجَمَعَه في قَلْبه قيل: أحاط به (٣٨) (٣٩) (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ عِلْمِهِ ﴾ أي: من معلومه، كما يقال: اللهم اغفر لنا علمك فينا، وإذا ظهرت آية عظيمة قيل: هذه قدرة، أي: مقدورة.

وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ أي: إلا (٤١) (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ يقال: وَسِع الشيءَ يَسَعُه سَعَةً: إذا احتمله وأطاقه (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) أي: ما أطيق، ومنه قوله  : "لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي (٤٧) (٤٨) وأما الكرسي، فأصله في اللغة: من تركب الشيء بعضه على بعض، قال الأصمعي: الكِرْسُ: أبوالُ الدواب وأَبْعَارُها، تَتَلَبَّدُ بعضها فوق بعض (٤٩) (٥٠) قال العجّاج (٥١) يا صاحِ هل تَعْرِفُ رَسْمًا مُكرِسَا (٥٢) (٥٣) (٥٤) واختلف المفسرون في معنى الكرسي في هذه الآية، فأولى الأقاويل وأصحُّها: ما قال ابن عباس، في رواية عطاء (٥٥) (٥٦) (٥٧) قال عطاء: هو أعظم من السموات السبع والأرضين السبع (٥٨) وروى عمَّار الدُّهني (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) قال الزجاج: وهذا القول بَيِّن؛ لأن الذي نعرفه من الكرسي في اللغة: الشيء الذي يعتمد عليه، ويجلس عليه، فهذا يدل (٦٤) (٦٥) وقال بعضهم: كرسيه: سلطانه ومُلْكه، يقال: كرسي الملك من مكان كذا إلى مكان كذا، أي: مُلْكه، مشبه (٦٦) (٦٧) (٦٨) (٦٩) وقال قوم: كرسيه: قدرته التي بها يمسك السموات والأرض، قالوا: وهذا كقولك: اجعل لهذا الحائط كرسيًا، أي: اجعل له ما يَعْمِدُه ويُمْسِكُه، حكاه أبو إسحاق (٧٠) وقال ابن عباس (٧١) (٧٢) (٧٣) قال أهل المعاني: يجوز أن يُسَمَّى العلمُ كرسيًّا، من حيث إن الاعتماد في الأشياء على العلم، كالكرسي الذي يعتمد عليه، ويقال للعلماء: الكراسي؛ لأنهم المُعتمدُ عليهم، كما يقال: هم أوتاد الأرض (٧٤) (٧٥) أي: علماء بحوادث الأمور.

وأنشدوا أيضًا: نَحْنُ الكرَاسِي لا (٧٦) (٧٧) قال ابن الأنباري: الذي نذهب إليه ونختاره القول الأول، لموافقته الآثار، ومذاهب العرب، والذي يحكى عن ابن عباس: أَنَّه عِلْمُه، إنما يروى بإسناد مطعون، والبيتان يقال: إنهما من صَنْعَةِ النحويين، لا يُعْرفُ لهما قائل، فلا يحتج بمثلهما (٧٨) (٧٩) وقال الأزهري: من روى عن ابن عباس في الكرسي (٨٠) (٨١) (٨٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ يقال: آده يَؤُوده أَوْدًا: إذا أَثْقَلَه وأَجْهَدَه، وأُدْتُ العُودَ أودًا، وذلك إذا اعتَمدت (٨٣) (٨٤) وحَامِلُ الثِّقلِ والأعْبَاءِ قَدْ عَلِمُوا ...

إذا يَؤُودُ رِجَالًا (٨٥) (٨٦) وقال آخر: وقَامَتْ تُرَائِيكَ مُغْدوْدِنًا (٨٧) (٨٨) (٨٩) وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ يقال: علا يَعْلُو عُلُوًّا فهو عالٍ وعليّ، مثل: عَالم وعَليم، وسامع وسميع، فالله تعالى عليٌّ بالاقتدار ونفوذِ السلطان، وقيل: عليٌّ على الأشباه والأمثال.

يقال: علا على قِرنه، إذا اقتدر عليه وغَلبه، وليس ثَمَّ عُلُوٌ من جهة المكان، ويقال أيضًا: علا فلان عن هذا الأمر: إذا كان أرْفَعَ مَحَلًّا عن الوصف به (٩٠) (٩١) (٩٢) والعظيم: معناه: أنه عظيم الشأن، لا يُعْجِزه شَيء، ولا نهايةَ لمَقْدُوره (٩٣) (١) ساقطة من (ش).

(٢) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 330، "تفسير الثعلبي" 2/ 1435، "إعراب مشكل القرآن" 1/ 136، "التبيان" ص 151.

(٣) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1436 (٤) في (ي) (الحياة).

(٥) ابن الأنباري، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 947 (مادة: حوى) عن الفراء.

(٦) ينظر في (حيي): "معاني القرآن" للزجاج 1/ 336، "تفسير الثعلبي" 2/ 1436.

(٧) في "تهذيب اللغة" 1/ 947 عن سيبويه.

وكذلك قال في سيد وجيد وميت وهيِّن وليِّن.

(٨) في (ي): (قؤومًا)، وفي (م): (قيووم).

(٩) "تفسير الثعلبي" 2/ 1437.

(١٠) "معاني القرآن" للفراء 1/ 190، وقال: وقرأها عمر بن الخطاب وابن مسعود (القيّام)، وصورة القيوم: فيعول، والقيام: الفيعال، وهما جميعًا مدح، وأهل الحجاز أكثر شيء قولًا: (الفيعال) من ذوات الثلاَثة، فيقولون للصوّاغ: الصيّاغ.

اهـ.

والقيم: قرأه علقمة، كما ذكر الثعلبي 2/ 1436.

(١١) في (ي) (قدزها) (١٢) صدر بيت من مشطور الرجز، لأمية بن أبي الصلت، وهو في "ديوانه" ص 73 ضمن أبيات له يقول فيها: == لم تخلق السماء والنجوم والشمس معها قمر يَعُوم درها المهيمن القيوم والحشر والجنة والجحيم إلا لأمر شأنه عظيم (١٣) البيت لم أهتد إلى قائله، ولا من ذكره (١٤) ينظر في (القيوم): "معاني القرآن" للفراء 1/ 190، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 336، "تهذيب اللغة" 9/ 356.

(١٥) في (ي): (قال).

(١٦) رواه الطبري في "تفسيره" عنه 3/ 6، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 486، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 1/ 131.

(١٧) رواه الطبري عنه في "تفسيره" 3/ 6.

(١٨) "مجاز القرآن" 1/ 78.

(١٩) ليست في (ي).

(٢٠) ينظر "تفسير الثعلبي" 2/ 1443.

(٢١) ينظر في (السنة): "غريب القرآن" لابن قتيبة 84، "تهذيب اللغة" 4/ 3893 مادة "وسن"، "المفردات" 539.

(٢٢) (في قوله) ساقط من (ي).

(٢٣) في (ش): (ينام).

(٢٤) البيت في "ديوانه" ص 122، وذكره في "مجاز القرآن" 1/ 78، "غريب القرآن" ص 84، والأغاني 8/ 181، وفي "اللسان" 8/ 4839 مادة "وسن".

والإقصاد: أن يصيبه السهم فيقتله من فوره، وهو هنا استعارة، أي: أقصد النعاس فأنامه، رنقت: دارت وماجت، "سمط اللآلئ" 1/ 521.

(٢٥) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 337.

(٢٦) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 278.

(٢٧) في (ي): (لأحد عنده).

(٢٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 337 بمعناه.

(٢٩) رواه الطبري عنه في "تفسيره" 3/ 9، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 489.

(٣٠) "تفسير الثعلبي" 2/ 1452، وفي "تفسير البغوي" 1/ 312.

(٣١) رواه الطبري عنه في "تفسيره" 3/ 9، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 489.

(٣٢) في (ي) و (أ) و (ش): (ضحاك).

(٣٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1453.

(٣٤) ذكره أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 223، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1453.

(٣٥) ساقط من (ي).

(٣٦) في نسختي (أ) و (م) كرر قول الضحاك والكلبي بنصه، ونسبه إلى عطاء عن ابن عباس، وقد أتى بعده ما رواه عطاء عن ابن عباس.

(٣٧) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.

(٣٨) ساقط من (ي).

(٣٩) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 707 (مادة: حاط).

(٤٠) ينظر في (أحاط): "تهذيب اللغة" 1/ 707 مادة "حاط"، "المفردات" ص 111 - 112، "اللسان" 2/ 1052 (مادة: حوط).

(٤١) ساقط من (ي).

(٤٢) في (ي): (قال).

(٤٣) ساقط من (ش).

(٤٤) في (ي): (لا تحمله).

(٤٥) في (ي): (أبو زيد).

(٤٦) عَجْز بيتٍ، صدرُه: حّمالُ أثقالِ أهلِ الودِّ آونةً والبيت في "اللسان" 8/ 4834 (مادة: وسع)، وفي "تهذيب اللغة" 4/ 3890 (ماده: وسع)، قال الأزهري: فدع ما أحيط به وأقدر عليه، والمعنى: أعطيهم ما لا أجِدُه إلا بجهد، فدع ما أحيط به.

(٤٧) أخرجه الإمام أحمد 3/ 338 بلفظ: "فإنه لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني".

(٤٨) ينظر في (مادة: وسع): "تهذيب اللغة" 4/ 3890، "المفردات" ص 538، "اللسان" 8/ 4835.

(٤٩) نقله في "تهذيب اللغة" 4/ 3126 مادة "كرس".

(٥٠) في (ي): (الأبوال والأبعار).

(٥١) ساقطة من (ي).

(٥٢) البيت، من أرجوزة للعجاج، في "ديوانه" 1/ 185، وبعده قوله: قال: نعم أعرفه وأبلسا ضمن مجموع أشعار العرب 2/ 31، وذكره في "تهذيب اللغة" 4/ 3127، و"المفردات" ص430، و"لسان العرب" 7/ 3854 مادة "كرس".

(٥٣) في (ي) (خشيه).

(٥٤) ينظر في (كرس): "معاني القرآن" للزجاج 1/ 337 - 338، "تهذيب اللغة" 4/ 3126 - 3127، "المفردات" 430، "اللسان" 7/ 3854 - 3855.

(٥٥) ذكره البغوي بمعناه 1/ 313، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 251 وقد تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي.

(٥٦) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في "السنة" 1/ 302، والطبري في "تفسيره" 3/ 10، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في العرش ص 78، وأبو الشيخ في "العظمة" 2/ 627، وابن منده في "الرد على الجهمية" 46، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 272، وصححه الحافظ في الفتح 8/ 199.

(٥٧) رواه الطبري عنه بمعناه في "تفسيره" 3/ 10، "ابن أبي حاتم" في "تفسيره" 5/ 491.

(٥٨) ذكره البغوي بمعناه 1/ 313، وفي "زاد المسير" 1/ 251.

(٥٩) في (ي) الذهبي.

(٦٠) هو: عمار بن معاوية الدُّهْني، أبو معاوية البَجَلي الكوفي، قال ابن حجر: صدوق يتشيع، توفي سنة 133 هـ ينظر "تقريب التهذيب" ص 408 (4833).

(٦١) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في "السنة" 1/ 301، والدارمي في "نقض الإمام أبي سعيد على المريسي" 1/ 399، 412، وابن خزيمة في "التوحيد" 1/ 248، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في "العرش" ص 79، والطبراني في "الكبير" 12/ 31، وأبو الشيخ في "العظمة" 2/ 582، والحاكم 2/ 310، وقال: صحيح على شرط الشيخين 2/ 310، والخطيب في "تاريخ بغداد" 9/ 251، قال الذهبي في "مختصر العلو" ص102: رواته ثقات، وقال الهيثمي في المجمع 6/ 326: ورجاله رجال الصحيح، وصححه الأزهري كما ذُكر في النص أعلاه.

(٦٢) في (ي) و (ش) (قال).

(٦٣) في "تهذيب اللغة" 4/ 3127 مادة "كرسى".

(٦٤) في (م) (يدل على).

(٦٥) "معاني القرآن" 1/ 338.

(٦٦) في (م) (فشبه).

(٦٧) ساقطة من (ش).

(٦٨) في (ي) (كما لا يبعد أن تكني).

(٦٩) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 11، "تفسير الثعلبي" 2/ 1455، "النكت والعيون" 1/ 325، "البحر المحيط" 2/ 279.

(٧٠) "معاني القرآن" 1/ 338.

(٧١) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في "السنة" 2/ 500، والطبري في "تفسيره" 3/ 9، و"ابن أبي حاتم" في "تفسيره" 2/ 490، وابن مندة في الرد على الجهمية 45، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" 3/ 449، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 272، كلهم من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

قال الدارمي في نقضه على المريسي 1/ 411: وأما ما رَوَيْتَ عن ابن عباس فإنه من رواية جعفر، وليس جعفر ممن يعتمد على روايته إذا خالفه الرواة المتقنون.

وقال ابن منده في "الرد على الجهمية" ص 45: ولم يتابع عليه جعفر، وليس هو بالقوى في سعيد بن جبير.

(٧٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1454، والبغوي في "تفسيره" 1/ 313.

(٧٣) رواه البخاري عنه 8/ 199 معلقا مجزومًا، ورواه موصولًا سفيان الثوري 127.

(٧٤) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 11، "تفسير الثعلبي" 2/ 1454، "النكت والعيون" 1/ 325، "البحر المحيط" 2/ 280.

(٧٥) البيت ذكره الطبري في "تفسيره" 3/ 11، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1455، والماوردي في "النكت والعيون" 1/ 3205، والزمخشري في "أساس البلاغة" 2/ 303، (كرسي) وقال: أنشده قطرب، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 380.

(٧٦) في (ي) (فلا).

(٧٧) البيت لم أهتد إلى قائله، ولا من ذكره.

(٧٨) في (أ) و (م) بمثلها.

(٧٩) سقطت من (ي).

(٨٠) سقطت من (ي).

(٨١) "تهذيب اللغة" 4/ 3126، وهذا لفظه في نسخة خطية أشار إليها محققو التهذيب، ونقلها صاحب "اللسان" 7/ 3855 مادة (كرس)، ولفظه في النسخة المطبوعة: والذي روي عن ابن عباس في الكرسي، فليس مما يثبته أهل المعرفة بالأخبار.

وفي "مجموع الفتاوى" 6/ 584 سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: هل العرش والكرسي موجودان، أو أن ذلك مجاز؟

فأجاب: الحمد لله، بل العرش موجود == بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، وكذلك الكرسي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع جمهور السلف، وقد نقل عن بعضهم أن كرسيه: علمه، وهو قول ضعيف، فإن علم الله وسع كل شيءكما قال: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا  ﴾ والله يعلم نفسه، ويعلم ما كان وما لم يكن، فلو قيل: وسع علمه السموات والأرض؛ لم يكن هذا المعنى مناسبًا، ولاسيما وقد قال: ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا  ﴾ أي لا يثقله ولا يكرثه، وهذا يناسب القدرة لا العلم، والآثار المأثورة تقتضي ذلك.

(٨٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 338.

(٨٣) في (أ) و (م) و (ش): (اعتمد).

(٨٤) في (أ) و (م) و (ش) (أماله).

(٨٥) في (ي): (رجال).

(٨٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1463، وليس في "ديوانه".

(٨٧) في (م) مغدودوننا.

(٨٨) البيت من المتقارب، وهو لحسان بن ثابت في "ديوانه" ص 76، وفي "الحجة" 2/ 392، "المحتسب" 1/ 319، "لسان العرب" 6/ 3220 مادة: غدن.

والمُغْدَودِن: الشعر الطويل.

(٨٩) ينظر في (آد): "تهذيب اللغة" 1/ 133، "المفردات" ص 43، "اللسان" 1/ 168، وقال ابن قتيبة في غريب القرآن ص 93: آده الشيء يؤوده، وآده يئيده، والوأد، الثِّقْل.

(٩٠) ساقط من (ي).

(٩١) في (ي): (ولا يوازى ولا يوارى).

(٩٢) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1463، وقد أنكر المؤلف -رحمه الله- علو الله على خلقه علو الذات وهو خلاف مذهب السلف.

فالعلو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، ينظر كتاب: "العلو للعلي الغفار" للإمام الذهبي.

(٩٣) في (م): (لقدورة).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم ﴾ هذه آية الكرسي وهي أعظم آية في القرآن حسبما ورد في الحديث، وجاء فيها فضل كبير في الحديث الصحيح وفي غيره ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ تنزيه لله تعالى عن الآفات البشرية، والفرق بين السنة والنوم: أن السنة هي ابتداء النوم لا نفسه: كقول القائل: في عينه سنة وليس نائم ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ ﴾ استفهام مراد به نفي الشفاعة إلاّ بإذن الله، فهي في الحقيقة راجعة إليه ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ الضمير عائد على من يعقل ممن تضمنه قوله: له ما في السموات وما في الأرض والمعنى: يعلم ما كان قبلهم وما يكون بعدهم، وقال مجاهد: ما بين أيديهم الدنيا؛ وما خلفهم الآخرة ﴿ مِّنْ عِلْمِهِ ﴾ من معلوماته أي لا يعلم عباده من معلوماته إلاّ ما شاء هو أن يعلموه ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ﴾ الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش، وهو أعظم من السموات والأرض، وهو بالنسبة إلى العرش كأصغر شيء، وقي: كريه علمه.

وقيل: كرسيه ملكه ﴿ وَلاَ يَؤُودُهُ ﴾ أي لا يشغله ولا يشق عليه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: تعرف ممَّا مرَّ.

الوقوف: ﴿ إلا هو ﴾ ج، لأن قوله: ﴿ الحي القيوم ﴾ يصلح بدلاً عن الضمير وخبر ضمير آخر محذوف ﴿ القيوم ﴾ ج لاختلاف الجملتين، ﴿ ولا نوم ﴾ ط، ﴿ وما في الأرض ﴾ ط لابتداء الاستفهام.

﴿ بإذنه ﴾ ط لانتهاء الاستفهام.

﴿ وما خلفهم ﴾ ج للفرق بين الأخبار عن علمه الكامل مطلقاً وإثبات علم الخلق المقدر لمشيئته مبتدأ بالنفي.

﴿ بما شاء ﴾ ج لاختلاف الجملتين.

﴿ حفظهما ﴾ ج ﴿ العظيم ﴾ هـ.

﴿ الغي ﴾ ج، لأن من للشرط مع فاء التعقيب.

﴿ الوثقى ﴾ ط قد قيل للاستئناف بالنفي والوجه الوصل على جعل الجملة حالاً للعروة أي: استمسك بها غير منفصمة ﴿ لها ﴾ ط.

﴿ عليم ﴾ هـ.

﴿ آمنوا ﴾ لا، لأن ﴿ يخرجهم ﴾ حال والعامل معنى الفعل في ﴿ ولي ﴾ تقديره: الله يليهم مخرجاً لهم أو مخرجين ﴿ إلى النور ﴾ ط للفصل بين الفريقين: ﴿ الطاغوت ﴾ لا، لأن ﴿ يخرجونهم ﴾ حال.

إلى الظلمات ط.

﴿ النار ﴾ ج.

﴿ خالدون ﴾ هـ.

التفسير: قد جرت عادته  في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط الأنواع الثلاثة، أعني: علم التوحيد وعلم الأحكام، وعلم القصص بعضها ببعض.

والغرض من ذكر القصص إما تقرير دلائل التوحيد، وإما المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف، وفي هذا النسق أيضاً رحمة شاملة ولطف كامل؛ فإن طبع الإنسان جبل على الملال، فكلما انتقل من أسلوب إلى أسلوب انشرح صدره وتجدد نشاطه وتكامل ذوقه ولذته ويصير أقرب إلى فهم معناه والعمل بمقتضاه.

وإذ قد تقدَّم من علم الأحكام والقصص ما اقتضى المقام إيراده ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد.

فقال ﴿ الله لا إله إلا هو الحى القيوم ﴾ عن النبي  أنه قال " "ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة " .

وعن عليّ  : "سمعت نبيكم وهو على أعواد المنبر يقول من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره، وجار جاره والأبيات حوله" وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي  : أين أنتم من آية الكرسي؟.

ثم قال: قال رسول الله  "يا علي سيد البشر آدم  ، وسيد العرب أنت، وسيد العالمين محمد  ولا فخر، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي" .

وعن عليّ  أنه قال: "لما كان يوم بدر قاتلتُ ثم جئتُ إلى رسول الله  أنظر ماذا يصنع، فجئت فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوملا يزيد على ذلك.

ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو  يقول ذلك.

فلا أزال أذهب وارجع وأنظر إليه وكان لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له" .واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم، وأشرف المذكورات والمعلومات هو الله  بل هو متعالٍ عن أن يقال هو أشرف من غيره لأن ذلك يقتضي نوع مشاكلة أو مجانسة وهو مقدس عن مجانسة ما سواه؛ ولما كانت الآية مشتملة من نعوت جلاله وأوصاف كبريائه على الأصول والمهمات، فلا جرم وصلت في الشرف إلى أقصى الغايات ونهاية التصورات.

ولنشتغل بالتفسير.

أما لفظ "الله" فقد مرَّ تفسيره في أول الكتاب.

وأما قوله ﴿ لا إله إلاَّ هو ﴾ فقد سبق تفسيره في قوله ﴿ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو  ﴾ وأما ﴿ الحي القيوم ﴾ فقد سلف أيضا معناهما في شرح الأسماء، إلا أنا نزيد ههنا فنقول: عن ابن عباس: إن أعظم أسماء الله "الحي القيوم".

ويؤكده ما روينا من قصة بدر ولو كان ذكر أشرف منه لذكره وقتئذٍ في السجود.

وأما الدليل العقلي فإن "الحي" قيل هو الذي يصلح أن يعلم ويقدر، أو هو الدراك الفعال، فأورد عليه أن هذا لا يقتضي المدح لمشاركة أخس الحيوانات إياه في ذلك.

ونحن نقول إن "الحي" في اللغة ليس عبارة عمن يوجد فيه هذه الصفة من هذه الحيثية فقط، بل كل شيء، يكون كاملاً في جنسه فإنه يسمَّى حيًّا.

ومن ههنا يصحُّ أن يقال: أحيا الموات، وأحيا الله الأرض.

فإن كمال حال الأرض أن تكون معمورة، وكمال حال الأشجار أن تكون مورقة نضيرة.

ولما كان كمال حال الجسم أن يكون بحيث يصح أن يعلم ويقدر، فلا جرم سميت تلك الصفة حياة.

فالمفهوم من "الحي" هو الكامل في جنسه، والكامل في الوجود هو الذي يجب وجوده بذاته، فلا حيّ بالحقيقة إلاّ واجب الوجود لذاته.

وأما "القيوم" فيطلق لمجموع اعتبارين: أحدهما، أنه لا يفتقر في قوامه إلى غيره.

والثاني أنَّ غيره يفتقر في قوامه إليه، وبهذا الثاني يزيد على مفهوم "الحي".

ومن هذين الأصلين يتشعَّب جميع مسائل التوحيد والمعرفة فمنها أن واجب الوجود واحد في ذاته وبجميع جهات الوحدة، إذ لو فرض فيه تركّب بوجه من الوجوه افتقر في تحققه إلى وجود ذينك الجزأين فيقدح في كونه قيوماً؛ ومنها أنه لا شريك له وإلا اشتركا في الوجوب وتباينا بالتعيُّن فيكون كلّ منهما مركّباً من جزأين فلا يكون قيوماً ولا حيَّا، فإن كلّ مركّب مفتقِرٌ وكل مفتقِرٍ ممكنٌ؛ ومنها أن لا يكون متّحيزاً لأن كلَّ متّحيزٍ منقسمٌ، قد ثبت أنه واحد، ومنها أنه ليس في جهة يُشار إليها، وإلا كان متحيزاً؛ ومنها أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا يصح عليه الحركة والسكون والانتقال والحالية والمحلية وغير ذلك؛ ومنها أنه عالم بجميع المعلومات فإنه لا معنى للعلم إلا حضور حقيقة المعلوم للعالم، وإذا كان حيًّا قيوماً كانت حقيقته حاضرة عند ذاته وذاته مقوم لغيره، والعلم بالعلة يوجبُ العلم بالمعلول فيكون عالماً بما سواه.

ومنها أنه قادر على كل المقدورات، وإلا لم يكن قيوماً بمعنى كونه مقوماً لغيره ويعلم منه استناد كل الممكنات إليه بواسطة أو غير واسطة، ويلزم منه القول بالقضاء والقدر.

"والحي" أصله حيي كحذر وطمع، فأدغمت الياء في الياء عند اجتماعهما، وكلا الياءين أصل، وقال ابن الأنباري: أصله "حيو" بدليل الحيوان، فلما اجتمعت الواو والياء ثم كان السابق ساكناً، جعلنا ياء مشددة، وزيف بكونه عديم النظير فإنه لم يوجد ما عينه ياء ولامه واو.

"والقيوم" مبالغة قائم، وأصله "قيووم" على "فيعول"، فجعلت الياء الساكنة والواو الأولى ياء مشددة.

ولو كان "قوّوما" على "فعول" لقيل "قووم"، وعن عمر أنه قرأ "الحي القيام".

وقرىء "القيم" ثم لما بين أنه "حي قيوم" أكد ذلك بقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ولهذا فقد العاطف بينهما وكذا فيما يعقبهما والسنة ما يتقدم النوم من الفتور الذي يسمَّى النعاس، أي: لا/ يأخده نعاس، فضلاً أن يأخذه نوم أو نقول: نفى الأخص أولاً، ثم نفى الأعم ليفيد المبالغة من حيث لزوم نفي النوم أولاً ضمناً ثم ثانياً صريحاً.

ولو اقتصر على نفي الأخص لم يلزم منه نفي الأعم، والمعنى أنه لا يفتر عن تدبير الخلق لأن القيم بأمر الطفل لو غفل عنه ساعة اختل أمر الطفل، وهو كما يقال لمن ضيع وأهمل: إنك لوسنان نائم.

ومما يدل على أن السهو والغفلة والنوم على الله محال هو أن هذه الأشياء إما أن تكون عبارات عن عدم العلم، أو عن أضداد العلم.

وعلى التقديرين فجواز طريانها يوجب جواز زوال علم الله تعالى، فلا يكون العلم مقتضى ذاته فيفتقر إلى فاعل: فواجب الوجود لذاته لا يكون واجباً بجميع صفاته، فلا يكون حيًّا ولا قيوماً وهذا خلف.

"روي عن النبي  أن موسى  سأل الملائكة: هل ينام ربنا؟

فأوحى الله إليهم أن يوقظوه ثلاثاً ولا يتركوه ينام، ثم أعطاه قاروتين مملؤتين ماء في كل يدٍ واحدة، وأمره بالاحتفاظ.

فكان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فضرب إحداهما على الأخرى فانكسرتا" .

وكان ذلك مثلا في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السموات والأرضين.

وهذه الرواية، إن صحت، وجب أن ينسب هذا السؤال إلى جهال قوم موسى كطلب الرؤية، وإلا فكيف يجوز على نبيّ الله تجويز النوم على "الحي القيوم" والتجويز شك، والشك في مثله كفر.

ثم لما بيَّن كونه "قيوماً" وأكده بما أكد، رتّب عليه حكماً وهو قوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ لأن كل ما سواه فإنما تقوّمت ماهيته وتحصّل وجوده به، فيكون ملكاً له، ويلزم منه أن يكون حكمه جارياً في الكل، ولا يكون لغيره في شيء من الأشياء حكم إلا بإذنه وأمره، وهو المراد بقوله: ﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ ومعنى الاستفهام ههنا الإنكار، أي: لا يشفع، وفيه ردّ على المشركين القائلين للأصنام: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله  ﴾ ويلزم من كون غيره غير متصرف في ملكه بوجهٍ من الوجوه إلا بأمره كونه عالماً بالكل وكون غيره غير عالم بالكل إلا بإعلامه.

فأشار إلى الأول بقوله ﴿ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ﴾ ، وإلى الثاني بقوله ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ﴾ والمعنى: يعلم ما كان قبلهم وما يَكون بعدهم والضمير لما في السموات والأرض، لأن فيهم العقلاء فغلبوا، أو لما دل عليه قول ﴿ مَنْ ذا ﴾ من الملائكة والأنبياء والصالحين والشهداء.

عن مجاهد وعطاء والسدي أي: يعلم ما كان قبلهم من أمور الدنيا وما كان بعدهم من أمور الآخرة؛ وعن الضحاك والكلبي: ﴿ ما بين أيديهم ﴾ : الآخرة لأنهم يقدمون عليها، "وما خلفهم" الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم.

وعن ابن عباس: ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ من السماء إلى الأرض، "وما خلفهم" يريد ما في السموات وقيل: ما فعلوا من خير وشر وما يفعلونه بعد/ ذلك، والغرض أنه  عالم بأحوال الشافع والمشفوع له فيما يتعلق باستحقاق الثواب والعقاب، لأنه عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه خافية، والشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أن لهم من الطاعة ما يستحقون به هذه المنزلة العظيمة عند الله ولا يعلمون أن الله تعالى أذن لهم في تلك الشفاعة أم لا، فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه، أي من معلوماته، إلا بما علم كقوله: ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا  ﴾ ويحتمل أن يراد: ولا يعلمون الغيب إلا بإعلامه كقوله: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول  ﴾ وإذا كان الشفعاء وهم الملائكة والأنبياء لا يعلمون شيئاً إلا بتعليم الله فغيرهم بعدم العلم أولى.

ثم إنه لما بين كمال ملكه وحكمه في السموات وفي الأرضين ذكر أن ملكه فيما عدا السموات والأرضين أعظم وأجلّ، وأنّ ذلك مما ينقطع دون الإيماء إلى أدنى درجة من درجاتها أوهام المتوهمين، فقال ﴿ وسع كرسيه السموات والأرض ﴾ يقال وسع فلان الشيء إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به.

قال  : " لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي" " أي: لم يحتمل غير ذلك.

وأما "الكرسي" فأصله من التركيب والتلبد، ومنه الكرس بالكسر للأبوال والأبعار يتلبد بعضها على بعض، والكراسة لتراكب بعض أوراقها على بعض، والكرسي لما يجلس عليه لتركب خشباته، وللمفسرين في معناه ههنا أقوال: فعن الحسن أنه جسم عظيم يسع السموات والأرض وهو نفس العرش لأن السرير قد يوصف بأنه عرش وبأنه كرسي لأن كل واحد منهما يصح التمكن عليه.

وقيل إنه دون العرش وفوق السماء السابعة وقد وردت الأخبار الصحيحة بهذا.

وعن السدي أنه تحت الأرض.

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكرسي موضع القدمين وينبغي أن تحمل هذه الرواية إن صحت على ما لا يفضي إلى التشيبيه ككونه موضع قدم الروح الأعظم أو ملك آخر عظيم القدر عند الله  .

وههنا أسرارا لا أحبُّ إظهارها لو شاء الله أن يطلع عليها عبداً من عبيده فهو أعلم بمحارم أسراره.

وقيل: المراد من الكرسي أن السلطان والقدرة والملك له لأن الإلهية لا تحصل إلا بهذه الصفات، والعرب تسمِّي أصل كل شيء الكرسي، أو لأنه تسمية للشيء باسم مكانه؛ فإن الملك مكانه الكرسي.

وقيل: المراد به العلم لأن موضع العالم هو الكرسي وأيضا العلم هو الأمر المعتمد عليه.

ومنه يقال للعلماء: كراسي الأرض كما يقال لهم أوتاد الأرض.

وقيل: المقصود من الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه ولا كرسي ثم ولا قعود ولا قاعد.

واختاره جمع من المحققين كالقفال والزمخشري وتقريره: أنه يخاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوا في ملوكهم؛ فمن ذلك أنه جعل الكعبة بيتاً له/ يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم، وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم.

وذكر في الحجر الأسود أنه يمين الله في أرضه، ثم جعله مقبل الناس كما تقبَّل أيدي الملوك.

وكذلك ما ذكر في القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشهداء ووضع الموازين.

وعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشاً فقال: ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ ووصف عرشه فقال: ﴿ وكان عرشه على الماء  ﴾ ثم قال ﴿ وترى الملائكة حافين من حول العرش  ﴾ ثم قال ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية  ﴾ ثم أثبت لنفسه كرسياً.

ولما توافقنا أن المراد من الألفاظ الموهمة للتشبيه في الكعبة والطواف والحجر هو تعريف عظمة الله وكبريائه فكذا الألفاظ الواردة في العرش والكرسي ﴿ ولا يؤده ﴾ لا يثقله ولا يشق عليه؛ ﴿ حفظهما ﴾ حفظ السموات والأرض وفيه أن نفاذ حكمه وأمره في الكل على نعت واحد وصورة واحدة، علوية كانت الأجسام أو سفلية كبيرة أو صغيرة.

ثم بيَّن أنه مع كونه مقوِّماً للممكنات مقيماً للأرضين والسموات متعال عن المتحيزات ومقدس عن الزمنيات فقال: ﴿ وهو العلي العظيم ﴾ والمراد منهما علو الرتبة وعظمة الشرف لا الحيز والجهة.

وكيف لا وهو مقيم للمكان ومديم للزمان.

وقوله  : ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ الآية: لما بيَّن دلائل التوحيد بياناً شافياً قاطعاً للأعذار ذكر بعد ذلك.

أنه لم يبق للكافر علة في إقامته على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه؛ وذلك لا يجوز في دار الدنيا التي هي مقام الابتلاء والاختبار، وينافيه الإكراه والإجبار.

ومما يؤكد ذلك قوله: ﴿ قد تبين الرشد من الغي ﴾ يقال بَانَ الشيء واستبان وتبيَّن وبيّن أيضا إذا وضح وظهر ومنه المثل: قد تبين الصبح لذي عينين.

والرشد إصابة الخير، والغي نقيضه.

أي: تميز الحق من الباطل، والإيمان الكفر، والهدى من الضلال، بكثرة الحجج والبينات ووفور الدلائل والآيات.

﴿ فمن يكفر بالطاغوت ﴾ قال النحويون: وزنه "فعلوت" نحو جبروت وأصله من "طغى"، إلا أن لام الفعل قلبت إلى موضع العين ثم صيرت ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.

وذكر الفارسي أنه مصدر كالرغبوت والرهبوت، والدليل على ذلك أنه يفرد في موضع الجمع كما يقال: هم رضا وعدل.

ولهذا قال  : ﴿ أولياؤهم الطاغوت  ﴾ والأصل فيه التذكير.

قال  : ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به  ﴾ فأما قوله  : ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها  ﴾ فالتأنيث لإرادة الآلهة.

وأما معنى "الطاغوت" فعن عمر ومجاهد وقتادة: هو الشيطان.

وعن سعيد بن جبير: الكاهن.

وقال أبو العالية: الساحر.

وعن بعضهم: الأصنام.

وقيل: مردة الجن والإنس وكل ما يطغى، وإنما جعلت/ هذه الأشياء أسباباً للطغيان لحصول الطغيان عند الاتصال بها كقوله ﴿ رب إنهن أضللن كثيراً من الناس  ﴾ ويعلم من قوله ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ﴾ ثم من قوله: ﴿ ومن يؤمن بالله ﴾ ، أن الكافر لا بد أن يتوب أوّلاً، ثم يؤمن بعد ذلك، ﴿ فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾ استمسك وتمسك بمعنى، والعروة واحدة عرى: الدلو والكوز ونحوهما مما يتعلق به.

والوثقى تأنيث الأوثق، وهذا من باب استعارة المحسوس للمعقول، لأن الإسلام أقوى ما يتشبث به للنجاة فمثل المعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس وهو الحبل الوثيق المحكم حتى يتصور السامع كأنه ينظر إليه بعينه فتزول شبهته بالكلية.

والفصم كسر الشيء من غير أن يبيّن فصَمْتُه فانفصم.

والمقصود من قوله ﴿ لا انفصام لها ﴾ هو المبالغة لأنه إذا لم يكن لها انفصام، فأن لا يكون لها انقطاع أولى قيل إن الموصول ههنا محذوف أي التي لا انفصام لها كقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ أي مَن له.

وقيل: معنى قوله ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ لا تكرهوا في الدين على أنه إخبار في معنى النهي والإكراه إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً يحمله عليه.

ثم قال بعضهم: إنه منسوخ بقوله ﴿ جاهد الكفار والمنافقين  ﴾ وقال بعضهم: هو في أهل الكتاب خاصة، لأنهم إذا قبلوا الجزية سقط القتل عنهم وحُكْم المجوس حُكْمهم.

وأما الكفار الذين تهوّدوا أو تنصروا فقيل إنهم لا يقرُّون على ذلك ويكرهون على الإسلام.

وقيل يقرُّون على ما انتقلوا إليه ولا يكرهون.

"روي أنه كان لأنصاريٍّ من بني سالم بن عوق ابنان فتنصَّرا قبل أن يبعث رسول الله  ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما.

فأبيا فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عيله وسلم فقال الأنصاري: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر فنزلت فخلاهما" .

وقيل معنى قوله ﴿ لا إكراه ﴾ أي: لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب أنه دخل مكرهاً لأنه إذا رضي بعد الحرب وصحَّ إسْلامه فليس بمكره، ومعناه لا تنسبوه إلى الإكراه فيكون كقوله ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً  ﴾ .

﴿ والله سميع عليم ﴾ يسمع قول من يتكلم بالشهادة وقول من يتكلم بالكفر، يعلم ما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطيب وما في قلب الكافر من العقد الخبيث.

"وعن عطاء عن ابن عباس قال: كان رسول الله  يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة وكان يسأل الله ذلك سراً وعلانية فقيل له: والله سميع لدعائك يا محمد عليم بحرصك واجتهادك" قوله  : ﴿ الله ولي الذين آمنوا ﴾ أي متولي أمورهم وكافل مصالحهم "فعيل"/ بمعنى "فاعل" والتركيب يدل على القرب، فالمحب ولي لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة، ومنه الوالي لأنه يلي القوم بالتدبير، وفيه دليل على أن ألطاف الله  في حق المؤمنين وفيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر، وذلك أنه يخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان ومن الضلال إلى الهدى ومن الشك إلى اليقين.

والإخراج يشمل الكافر إذا آمن والمؤمن الأصلي، ولا يبعد أن يقال يخرجهم إلى النور من الظلمات، وإن لم يكونوا في الظلمة ألبتة؛ فإن العبد لو خلا عن توفيق الله  لحظة لوقع في ظلمات الجهالات والضلالات فصار توفيقه  سبباً لدفع تلك الظلمات عنه، وبين الدفع والرفع تشابه، ومثله قوله: ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها  ﴾ ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار.

"ويروى أنه  سمع إنساناً قال: أشهد أن لا إله إلا الله فقال: على الفطرة فلما قال: أشهد أن محمداً رسول الله قال: خرج من النار" ومن المعلوم أنه ما كان فيها.

قال الواحدي: كل ما في القرآن من الظلمات والنور فإنه  أراد بهما الكفر والإيمان إلا قوله في أول الأنعام ﴿ وجعل الظلمات والنور  ﴾ فإنه عنى به الليل والنهار.

قال: وإنما جعل الكفر ظلمة لأنه كالظلمة في المنع من الإدراك، وجعل الإيمان نوراً لأنه كالسبب في حصول الإدراك.

قلت: قد مر أن الإيمان والعلم وجميع الكمالات النفسانية والمعارف اليقينية أنوار تزداد النَفس بها نورية وإشراقاً فلا حاجة إلى هذا التكلف.

﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ﴾ مصدر، ولهذا وحد في موضع الجمع ﴿ يخرجونهم من النور إلى الظلمات ﴾ وإنما وحد النور وجمع الظلمة لأن الحق وما يرجع إليه طريقه واحد وهو أيضا في نفسه واحد، وأما الباطل فلا حصر له ولا لطرقه.

كما أن الخط المستقيم الواصل بين النقطتين واحد، والمنحنية غير محدود.

وإسناد الإضلال إلى الطاغوت، وهو كل من ينسب إلى الطغيان، كالمجاز فإن الحوادث بأسرها تستند إلى المبدأ الأول بالحقيقة وتنتهي إلى قضائه وقدره كما سبق تحقيقه مراراً.

﴿ أولئك ﴾ الكفار أو هم مع من يطيعهم من الوسائط والوسائل ﴿ أصحاب النار ﴾ فيكون زجراً للكل ووعيداً لهم أعاذنا الله من ذلك.

التأويل: ﴿ الحي القيوم ﴾ : أشير بهما إلى الاسم الأعظم لأن اسمه "الحي" مشتمل على جميع أسمائه وصفاته.

فإن من لوازم الحي أن يكون قادراً عالماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً إلى غير ذلك من نعوت الكمال، واسمه "القيوم" دالّ على افتقار كل المخلوقات إليه؛ فإذا تجلى الله للعبد بهاتين الصفتين، انكشف للعبد عند تجلي صفته "الحي" معاني جميع أسمائه وصفاته؛ وعند تجلي صفته "القيوم" فناء جميع المخلوقات، إذ كان قيامها/ بقيومية الحق لا بأنفسهم، فلما جاء الحق وزهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا "الحي القيوم" إذ سلب "الحي" جميع أسماء الله وسلب "القيوم" قيام الممكنات، ففني التعدد وبقيت الوحدة.

فيذكره عند شهود عظمة الواحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية، فقد ذكره باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى؛ لأنه حينئذٍ ينطق بالله فيكون الحال كما جرى على لسانه.

فأما الذاكر عند غيبته عن عظمة الوحدانية فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم بالنسبة إلى حال غيبته، وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم.

كما سئل أبو يزيد عن الاسم الأعظم فقال: الاسم الأعظم ليس له حد محدود ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت.

﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ، لأن النوم أخو الموت والموت ضد الحياة، وهو الحي الحقيقي فلا يلحقه ضد الحياة.

﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ هذا الاستثناء راجع إلى النبي  كأنه قيل: من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد  فإنه مأذون في الشفاعة موعود بها ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً  ﴾ .

﴿ ويعلم ﴾ محمد  ﴿ ما بين أيديهم ﴾ من أوليات الأمور قبل خلق الخلائق، كقوله  "أول ما خلق نوري، أول ما خلق الله العقل أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام" ﴿ وما خلفهم ﴾ من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم نفسي نفسي ورجوعهم إليه بالاضطرار، ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه ﴾ وإنما هو شاهد على أحوالهم وسيرهم ومعاملاتهم وقصصهم ﴿ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل  ﴾ ويعلم أمور آخرتهم وأحوال أهل الجنة والنار، وهم لا يعلمون شيئاً من ذلك ﴿ إلا بما شاء ﴾ أن يخبرهم عنه ﴿ وسع كرسيه السموات والأرض ﴾ : مثال العرش في عالم الإنسان قلبه؛ ومثال الكرسي: سره.

وسوف يجيء تمام التحقيق إن شاء الله  في قوله ﴿ الرحمن علىالعرش استوى  ﴾ وإن العرش مع عظمته كحلقة ملقاة بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن.

﴿ ولا يؤده حفظهما ﴾ لا يثقل الروح الإنساني حفظ أسرار السموات والأرض، ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ ولما أظهر لمخلوقاته من العرش والكرسي ولقلب المؤمن وسره علواً في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهاراً لكمال القدرة والحكمة، تردَّى برداء الكبرياء واتّزر بإزار العظمة والبهاء وهو أولى بالمدح والثناء فقال: ﴿ وهو العلي العظيم ﴾ فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه، ومن عظم فبتعظيمه.

ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ كما قال  : " ليس الدين بالتمني" " مع أن التمني نوع من الاختيار فكيف يحصل بالإكراه هو/ الإجبار، فإن الدين هو الاستسلام لأوامر الشرع ظاهراً والتسليم لأحكام الحقِّ باطناً من غير حرج وضيق عطن.

ثم شرع في مزيد شرح لحقيقة الدين بقوله ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ﴾ يتبرأ منه؛ فطاغوت العوام الأصنام، وطاغوت الخواص هو النفس، وطاغوت خواص الخواص ما سوى الله.

وإيمان العوام إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، وإيمان الخواص عزوب النفس عن الدنيا وسلوك طريق العقبى.

وشهود القلب مع المولى.

وإيمان خواص الخواص ملازمة الظاهر والباطن في طاعة الله، وإنابة القلب إلى الفناء في الله، وإخلاء السر للبقاء بالله، وهذا هو السكر الموجب للشكر.

ولهذا قال موسى بعد إفاقته عن سكر سطوات شراب التجلي ﴿ تبت إليك  ﴾ أي عن هذه الإفاقة، فكان مخصوصاً عن عالمي زمانه بالإيمان العياني وشريكاً مع القوم بالإيمان البياني كما البياني كما قيل: لي سكرتان وللندمان واحدة *** شيء خصصت به من بينهم وحدي ثم العروة الوثقى التي استمسك بها المؤمن لا يمكن أن تكون من المحدثات المخلوقات لقوله ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ ولا تكون أيضا من بطشك وإلا كانت منفصمة، بل تكون من بطشه ﴿ إن بطش ربك لشديد  ﴾ ولكل مؤمن عروة مناسبة لمقامه في الإيمان؛ فهي للعوام توفيق الطاعة، وللخواص مزيد العناية بالمحبة ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ولخواص الخواص الجذبة الإلهية التي تفنيه عن ظلمات الغيرية وتبقيه بنور الربوبية ولهذا قال  : " "جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين " وأعمالهما فانية من عالم الحدوث، وجذبة الحق باقية من عالم القدم لا يجوز عليها الانفصام، فالمجذوب لا يخلص منها أبد الآبدين.

ثم أخبر عن تصرفات جذباته فقال: ﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ يخرج العوام من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية، والخواص من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية والربانية، وخواص الخواص من ظلمات الحدوث والفناء إلى نور الشهود والبقاء.

﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ﴾ : ذكر الطاغوت بلفظ الوحدان، والأولياء بلفظ الجمع، ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار أي هم أولياء الطاغوت كقوله ﴿ أنداداً يحبونهم كحب الله  ﴾ ؛ فإن الطاغوت لو فسر بالأصنام فهي بمعزل عن الولاية وإن فسر بالشيطان أو النفس؛ فهم الأعداء لا الأولياء يخرجونهم من نور الروحانية وصفاء الفطرة إلى ظلمات الصفات البهيمية والسبعية/ والشيطانية، ظلمات بعضها فوق بعض، دركات بعضها تحت بعض ﴿ أولئك ﴾ أي أرواح الكفار مع النفس والشيطان والأصنام أصحاب النار، لأن الأرواح، وإن لم تكن من جنسهم ولكن من تشبه بقوم فهو منهم.

والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ ﴾ قيل: هو الحي بذاته لا بحياة هي غيره كالخلق هم أحياء بحياة هي غيرهم حلت فيهم لا بد من الموت، والله عز وجل يتعالى عن أن يحل فيه الموت؛ لأنه حي بذاته وجميع الخلائق أحياء لا بذاتهم، تعال الله عز وجل عما يقول فيه الملحدون علوا كبيرا.

والأصل: أن كل من وصف في الشاهد بالحياة وصف ذلك للعظمة له والجلال والرفعة.

ويقال: (فلان حي)، وكذلك الأرض سماها الله  (حية)، إذا اهتزت وربت وأنبتت، لرفعتها على أعين الخلق.

فعلى ذلك الله  وتعالى (حي) للعظمة.

وكذلك الأرض سماها الله  : (حية) للعظمة والرفعة ولكثرة ما يكون يذكر في المواطن كلها، كما سمى الشهداء (أحياء)؛ لأنهم مذكورون في الملأ من الخلق.

ويحتمل: أنه يسمي (حيّاً) لما لا يغفل عن شيء، ولا يسهو، ولا يذهب عنه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

وبالله العصمة.

وقوله: ﴿ ٱلْقَيُّومُ ﴾ ، القائم على مصالح أعمال الخلق وأرزاقهم.

وقيل: ﴿ ٱلْقَيُّومُ ﴾ ، هو القائم على كل شيء يحفظه ويعاهده، كما يقال: (فلان قائم على أمر فلان)، يعنون أنه يتحفظ أموره حتى لايذهب عنه شيء.

وقيل: ﴿ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ ﴾ ، أي لا يغفل عن أحوال الخلق.

وقوله  : ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ .

قيل: (السنة)، النعاس.

وقيل: (السنة)، هي بين النوم واليقظة، وسمي (وسنان).

وقيل: (السنة)، هي ريح تجيء من قبل الرأس، فتغشى العينين، فهو (وسنان) بين النائم واليقظان.

ويحتمل قوله: ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ على نفي الغفلة والسهو عنه؛ إذ لو أخذه، صار مغلوباً مقهوراً، فيزول عنه وصفه (حي، قيوم)، كقوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ  ﴾ .

على نفي الغفلة.

ويحتمل: أنه نفي عن نفسه ذلك؛ لأن الخلق إنما ينامون وينعسون طلباً للراحة والمنفعة - إما لدفع حزن أو وحشة - فأخبر أنه ليس بالذي يحتاج إلى راحة، وإلى دفع حزن أو وحشة.

وقيل: لا يفتر ولا ينام.

قال الشيخ - رحمه الله  -: والنوم والسنة حالان تدلان على غفلة من حلاّ به، وعلى حاجته إلى ما فيه راحته، وعلى عجزه، إذ هما يغلبان ويقهران.

فوصف الرب نفسه بما يعلو عن الذي دلا عليه من الوجوه.

وقوله  : ﴿ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

وهو العالي على ذلك، القاهر له، لا تأخذه سنة ولا وحشة، ولا معنى يدل على العجز والحاجة.

ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أخبر أن ما في السماوات وما في الأرض، عبيده وإماؤه، ليس كما قالوا: (فلان ابن الله)، و(الملائكة بنات الله)، بل كلهم عبيده وإماؤه، والناس لا يتخذون ولدا من عبيدهم وإمائهم، فالله أحق ألا يتخذ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله  : ﴿ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ ، أي: لا أحد يجترئ على الشفاعة إلا بإذنه.

ثم اختلف في الشفاعة: قالت المعتزلة: لا تكون الشفاعة إلا لأهل الخيرات خاصة الذين لا ذنب لهم، أو كان لهم ذنب فتابوا عنه.

ذهبوا في ذلك إلى ما ذكر الله  في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ ، أخبر أنهم يستغفرون للذين آمنوا وتابوا واتبعوا.

فإذا كان الاستغفار في الدنيا إنما يكون للذين آمنوا وتابوا واتبعوا، فعلى ذلك الشفاعة إنما تكون في الآخرة لهؤلاء.

وأما عندنا: فإن الشفاعة تكون لأهل الذنوب؛ لأن من لا ذنب له لا حاجة له إلى الشفاعة.

وقوله: ﴿ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ  ﴾ ، يكون لهم ذنوب في أحوال التوبة، فإنما يغفر لهم الذنوب التي كانت لهم، فقد ظهر الاستغفار لأهل الذنوب؛ فعلى ذلك الشفاعة.

فإن قيل: أرأيت رجلاً قال لعبده: إن عملت عملاً تستوجب به الشفاعة فأنت حر، فأي عمل يعمله ليستوجب به الشفاعة حتى يعتق عبده: الطاعة، أو المعصية؟

قيل: الطاعة، فعلى ذلك الشفاعة، لا تكون إلا لأهل الطاعة والخير لا لأهل المعصية.

[قيل: إن الشفاعة التي يستوجبها أهل الذنوب إنما يستوجبون بالطاعات التي كانت لهم حالة الشفاعة؛ لأن أهل الإيمان وإن ارتكبوا مآثم ومعاصي فإن لهم طاعات، فبتلك الطاعات يستوجبون الشفاعة، كقوله: ﴿ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً  ﴾ ، فالشفاعة في شره بخيره].

وقالوا: لا شفاعة في الشاهد لأحد في الآخرة؛ لأن الشفاعة هي أن يذكر عن مناقب أحد عند أحد وخيراته، ليس سوءاً، وكذا في الآخرة.

والجواب لهم من وجهين: أحدهما: أنه إنما يذكر في الدنيا خيرات المشفع له لجهالة هذا بأحواله، فيذكر خيراته ليعرفه بها، فيشفع فيه.

والله  عارف لا يتعرف.

والثاني: أن ذكر خيراته لحاجة تقع للمذكور له تكون في مثلها، لا تكون في الآخرة خاصة، والله -  - يتعالى عن الحاجة عما بالعباد؛ لذلك اختلفا.

والله أعلم.

فإن قال لنا قائل: إن جميع ما ذكر في هذه الآية - من أولها إلى آخرها - كلها دعوى، فما الدليل على تلك الدعوى؟

قيل: يحتمل أن يكون دليله ما تقدم ذكره من قوله  : ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ...

﴾ الآية [البقرة: 164].

والثاني: من أنكر الصانع فيتكلم أولا معه في حدث العالم، وحاجته إلى محدث، فإذا ثبت حدث العالم، فحينئذ يتكلم في إثبات الصانع ووحدانيته.

وبالله التوفيق.

وفي قوله  : (واحد)، ليس من حيث العدد؛ لأن كل ذي عدد يحتمل الزيادة والنقصان، ويحتمل الطول والعرض، ويتحمل القصر والكسر، ولكن يقال: ذلك (واحد) من حيث العظمة والجلال والرفعة، كما يقال: فلان واحد زمانه، وواحد قومه، يعنون به رفعته وجلالته في قومه وسلطانه عليهم، جائز القول، فهم لا يعنون من جهة العدد؛ لأن مثله كثير فيهم من حيث العدد.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ﴾ .

هذا على المعتزلة؛ لأنهم لا يصفونه بالعلم، وقد أخبر أن له العلم.

ثم احتمل: ﴿ عِلْمِهِ ﴾ ، علم الغيب.

وقال آخرون: علم الأشياء كلها.

لا يعلمون إلا ما يعلمهم الله من ذلك، كقول الملائكة: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ  ﴾ .

ومن قال: علم الغيب، فهو الذي قال: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً  إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ﴾ ، وسع علمه.

وهو قول ابن عباس، رضي الله  عنه.

وقال آخرون: ﴿ كُرْسِيُّهُ ﴾ ، قدرته، وهو وصف بالقدرة والعظمة.

وقيل: ﴿ كُرْسِيُّهُ ﴾ ، والكرسي هو أصل الشيء، يقال: كرسي كذا، والمراد منه أنه المعتمد والمفزع للخلق.

وذلك وصف بالعظمة والقوة.

ويقال: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ﴾ ، وهو خلق من خلقه.

وقيل: إن الكرسي هو الكرسي، لكنه خلقه ليكرم به من يشاء من خلقه.

[ثم لا يجوز أن يفهم من إضافته إليه ما يفهم من الخلق، كما لم يفهم من قوله: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ ، و"نور الله"، و"بيت الله" ونحوه ما يفهم من إضافته إلى خلقه].

فعلى ذلك لا يفهم من قوله: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ﴾ ، وغيره من الآيات ما يفهم من الخلق بقوله  : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ .

قيل: ﴿ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ ، لا يشق عليه حفظهما.

وهو قول ابن عباس، رضي الله  عنه، وروي عنه أيضاً أنه قال: لا يثقل عليه.

وقيل: ﴿ وَلاَ يَؤُودُهُ ﴾ ، لا يجهده.

وقيل: لا يعالج بحفظ شيء مثال الخلق.

وقوله  : ﴿ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .

﴿ ٱلْعَلِيُّ ﴾ عن كل موهوم يحتاج إلى عرش أو كرسي، ﴿ ٱلْعَظِيمُ ﴾ عن أن يحاط به.

وقال ابن عباس - رضي الله  عنه -: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ﴾ ، قال: علمه، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ ، كل شيء في علمه، لا يئوده حفظ شيء، والله أعلم.

قال الشيخ:- رحمه الله  - ﴿ ٱلْعَلِيُّ ﴾ ، عن جميع أحوال الخلق وشبههم، و ﴿ ٱلْعَظِيمُ ﴾ القاهر والغالب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الله الذي لا إله يُعبد بحقٍّ إلا هو وحده دون سواه، الحي حياة كاملة لا موت فيها ولا نقص، القيوم الَّذي قام بنفسه فاستغنى عن جميع خلقه، وبه قامت جميع المخلوقات فلا تستغني عنه في كل أحوالها، لا يأخذه نعاس ولا نوم؛ لكمال حياته وقيوميته، له وحده ملك ما في السماوات وما في الأرض، لا يملك أحد أن يشفع عنده لأحد إلا بعد إذنه ورضاه، يعلم ما مضى من أمور خلقه مما وقع، وما يستقبلونه مما لم يقع، ولا يحيطون بشيء من علمه تعالى إلا بما شاء أن يطلعهم عليه، أحاط كرسيه -وهو: موضعِ قَدَميِ الرب- بالسماوات والأرض على سَعَتِهما وعِظَمِهما، ولا يُثْقِلُه أو يشق عليه حفظهما، وهو العَليُّ بذاته وقدْرِه وقهْرِه، العظيم في ملكه وسلطانه.

<div class="verse-tafsir" id="91.G0Q4o"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ  ﴾ فسر (الجلال) الإله بالمعبود بحق والحي بالدائم البقاء والقيوم بالمبالغ بالقيام بتدبير خلقه.

وأنا أستحسن تفسيره لكلمة التوحيد أما تفسيره لكلمة إله فإنه هو الشائع، وهو إنما يصح إذا حملنا العبادة على معناها الحقيقي وهو استعباد الروح وإخضاعها لسلطان غيبي لا تحيط به علمًا ولا نعرف كنهًا، فهذا هو معنى التأليه في نفسه، وكل ما ألهه البشر من جماد ونبات وحيوان وإنسان فقد اعتقدوا فيه هذا السلطان الغيبي بالاستقلال أو بالتبع لإله آخر أقوى منه سلطانًا، ومن ثم تعددت الآلهة المنتحلة، وكل تعظيم واحترام ودعاء ونداء يصدر عن هذا الاعتقاد فهو عبادة حقيقية وإن كان المعبود غير إله حقيقة، أي ليس له هذا السلطان الذي اعتقده العابد له لا بالذات ولا بالتوسط إلى ما هو أعظم منه.

فالإله الحق هو الذي يعبد بحق وهو واحد، والآلهة التي تعبد بغير حق كثيرة جدًا وهي غير آلهة في الحقيقة ولكن في الدعوى الباطلة التي يثيرها الوهم.

ذلك أن الإنسان إذا رأى أو سمع أو توهم أن شيئًا غريبًا صدر عن موجود بغير علة معروفة ولا سبب مألوف يتوهم أنه لو لم تكن له تلك السلطة العليا والقوة الغيبية لما صدر عنه ذلك حتى إن الذين يعتقدون النفع ببعض الشجر والجماد "كشجرة الحنفي" و "نعل الكلشني" يعدون عابدين لها حقيقة.

والحاصل أن معنى ﴿ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ  ﴾ : ليس في الوجود صاحب سلطة حقيقة على النفوس يبعثها على تعظيمه والخضوع له قهرًا منها معتقدة أن بيده منح الخير ورفع الضر بتسخير الأسباب أو إبطال السنن الكونية إلا الله تعالى وحده.

وأما الحي فهو ذو الحياة وهي مبدأ الشعور والإدراك والحركة والنمو، وذلك كمثل النبات والحيوان فإن كلًا منهما حي وإن تفاوتت الحياة فيهما فكانت في النبات أكمل منها في الحيوان.

والحياة بهذا المعنى مما ينزه الله تعالى عنه لأنه محال عليه ولذلك فسر مفسرنا "الحي" بالدائم البقاء، وهو بعيد جدًا لا يفهم من اللفظ مطلقًا، وإنما معنى الحياة بالنسبة إليه سبحانه مبدأ العلم والقدرة، أي الوصف يعقل معه الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة.

وهذا الوصف يبطل قول الماديين الذين يزعمون أن مبدأ الكون علة تتحرك بطبعها ولا شعور لها بنفسها ولا بحركتها وما ينشأن عنها من الأفعال والآثار.

أي أن هذا النظام والإحكام في الخلق من آثار المادة الميتة التي لا شعور لها ولا علم.

﴿ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ  ﴾ : إن ما ذكر في النظم الكريم ترق في نفي هذا النقص ومن قال بعدم الترقي فقد غفل عن معنى الأخذ وهو الغلب والاستيلاء، ومن لا تغلبه السِّنة قد يغلبه النوم لأنه أقوى، فذكر النوم بعد السنة ترق من نفي الأضعف إلى نفي الأقوى: والجملة تأكيد لما قبلها مقررة لمعنى الحياة والقيومية على أكمل وجه، فإن من تأخذه السنة والنوم يكون ضعيف الحياة وضعيف القيام بنفسه أو على غيره.

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ  ﴾ فهم ملكه وعبيده مقهورون لسنته خاضعون لمشيئته هو وحده المصرف لشؤونهم والحافظ لوجودهم ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ  ﴾ : إن في هذا الاستثناء قطعًا لأمل الشافعين والمتكلين على الشفاعة المعروفة التي كان يقول بها المشركون وأهل الكتاب عامة ببيان انفراده تعالى بالسلطان والملك وعدم جراءة أحد من عبيده على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه، وإذنه غير معروف لأحد من خلقه ثم قال: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ  ﴾ معناه أن الشفاعة تتوقف على إذنه، وإذنه لا يعلم إلا بوحي منه تعالى، يريد أن ذلك ترق في نفيها من دليل إلى آخر أي إذا أمكن أن تكون هناك شفاعة بمعنى آخر يليق بجلال الله تعالى كالدعاء المحض فإنه لا يجرأ عليها أحد في ذلك اليوم العصيب إلا بإذن الله تعالى، وإذنه تعالى مما استأثر بعلمه فلا يعلمه غيره إلا إذا شاء إعلامه به، ثم قال وإنما يعرف إذنه تعالى بما حدده من الأحكام في كتابه، أي فمن بيَّن أنه مستحق لعقابه فهو مستحق له لا يجرأ أحد أن يدعو له بالنجاة، ومن بيَّن أنه مستحق لرضوانه على هفوات ألم بها لم تحول وجهه عن الله تعالى إلى الباطل والفساد الذي يطبع على الروح فتسترسل في الخطايا حتى تحيط بها وتملك عليها أمرها فذلك مستحق له منته إليه بوعد الله في كتابه وفضله على عباده كما سبق في علمه الأزلي.

قالوا إن الاستثناء في قوله تعالى ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِهِ  ﴾ ، واقع، وهو أن نبينا  يشفع في فصل القضاء فيفتح باب الشفاعة فيدخل فيه غيره من الشفعاء كالأنبياء والأصفياء كما ثبت في الأحاديث، وهي مسألة أنكرها المعتزلة وأثبتها أهل السنة.

والله تعالى يأذن لمن يشاء ويطلع على علمه باستحقاق الشفاعة من يشاء، كما علم من الاستثناء.

﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ  ﴾ السياق يدل على أن الكرسي هو العلم الإلهي وبذلك قال بعض المفسرين وأهل اللغة -ويقال كرس الرجل كفرح أي كثر علمه وازدحم قلبه- أي أن علمه تعالى محيط بما يعملون مما عبر عنه بقوله ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ  ﴾ وبما لا يعلمون من شؤون سائر الكائنات فبماذا يمكن أن يعلمه الشفعاء.

وقيل هو العرش واختاره مفسرنا (الجلال) وهو إنما يثبت بخبر المعصوم وقيل إنه تمثيل لملك الله تعالى واختاره القفال والزمخشري والآية تدل على أنه شيء يضبط السماوات والأرض ولا يتوقف التسليم بها على تعيينه والقول بأنه علم أو ملك أو جسم كثيف أو لطيف أي فإن كان هو العلم الإلهي فالأمر ظاهر وإن كان خلقًا آخر فهو من عالم الغيب الذي نؤمن به ولا نبحث عن حقيقته ولا نتكلم فيه بالرأي كما قال كثيرون إنه هو الفلك الثامن المكوكب من الأفلاك التسعة التي يقو بها فلاسفة اليونان ومقلدوهم فذلك من القول على الله بدون علم وهو من أمهات الكبائر ﴿ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا  ﴾ أي لا يثقله حفظ هذه العوالم بما فيها ولا يشق عليه ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ  ﴾ فيتعالى بذاته أن يكون شأنه كشأن البشر في حفظ أموالهم، ويتنزه بعظمته عن الاحتياج إلى من يعلمه بحقيقة أحوالهم، أو يستنزله إلى ما لم يكن يريد من مجازاتهم على أعمالهم.

جملة الآية وما في معناها إنذار للموسلمين أن يكونوا كأهل الكتاب الذين يتكلمون في نجاتهم على شفاعة سلفهم فأوقعهم ذلك في ترك المبالاة بالدين.

ولكن المسلمين اتبعوا بعد ذلك سننهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع وسبقوهم في الاتكال على الشفاعة وما يترتب عليه من التهاون بالدين كما نرى.

هذه القلوب التي خويت من ذكر الله وخلت من خشيته للجهل بما يجب من معرفته وهي على خطر الهلاك الأبدي.

وهذه النفوس المنغمسة في أقذار الشهوات، المسترسلة في فعل المنكرات، وهي تشعر بأنها على شفير جهنم، تريد أن تتلهى بما يصمها عن سماع نذير الشريعة للفطرة التي أفسدتها الجهالات والأهواء، لكيلا تتألم بما ينغص عليها لذاتها، أو يحتم عليها طاعة ربها، فلا ترى أُلْهِيَةً تضيفها إلى الدين، ويرتضيه لها رؤساؤه الرسميون، إلا كلمة الشفاعة التي تزعم أنها تعظم بها النبيين والصديقين، وإن جعلتها بمعنى وثني يخل بعظمة رب العالمين، وكل من اغتر بذلك فشيطانه هو الذي يوسوس له ويمده في الغي، وإنها النفس ما عرفت عظمة الله ولا شعرت بالحياء منه في حياتها ولا ظهر في أعمالها أثر محبته، ولا احترام دينه وشريعته، وما أثر الإيمان به والحب له والرجاء بفضله إلا أخذ دينه بقوة وجد، وآيته بذل المال والروح في إعلاء كلمته، وتأييد شريعته، لا الامتنان عليه وعلى رسوله بقبول لقب الإسلام، وتعظيمه بالقول والخيال، دون القلوب والأعمال والقرآن شاهد عدل ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ  وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد