الآية ٢٥٦ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٥٦ من سورة البقرة

لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 150 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥٦ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( لا إكراه في الدين ) أي : لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه ، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة ، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا .

وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار ، وإن كان حكمها عاما .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كانت المرأة تكون مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده ، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا : لا ندع أبناءنا فأنزل الله عز وجل : ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) وقد رواه أبو داود والنسائي جميعا عن بندار به ومن وجوه أخر عن شعبة به نحوه .

وقد رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به ، وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم : أنها نزلت في ذلك .

وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد الجرشي عن زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد [ بن جبير ] عن ابن عباس قوله : ( لا إكراه في الدين ) قال : نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له : الحصيني كان له ابنان نصرانيان ، وكان هو رجلا مسلما فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية ؟

فأنزل الله فيه ذلك .

رواه ابن جرير وروى السدي نحو ذلك وزاد : وكانا قد تنصرا على يدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتا فلما عزما على الذهاب معهم أراد أبوهما أن يستكرههما ، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث في آثارهما ، فنزلت هذه الآية .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عوف أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أسق قال : كنت في دينهم مملوكا نصرانيا لعمر بن الخطاب فكان يعرض علي الإسلام فآبى فيقول : ( لا إكراه في الدين ) ويقول : يا أسق لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين .

وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية .

وقال آخرون : بل هي منسوخة بآية القتال وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام ، فإن أبى أحد منهم الدخول فيه ولم ينقد له أو يبذل الجزية ، قوتل حتى يقتل .

وهذا معنى الإكراه قال الله تعالى : ( ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون ) [ الفتح : 16 ] وقال تعالى : ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) [ التحريم : 9 ] وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين ) [ التوبة : 123 ] وفي الصحيح : " عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل " يعني : الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة .

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا يحيى عن حميد عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل : " أسلم " قال : إني أجدني كارها .

قال : " وإن كنت كارها " فإنه ثلاثي صحيح ، ولكن ليس من هذا القبيل ، فإنه لم يكرهه النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام بل دعاه إليه فأخبر أن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة فقال له : " أسلم وإن كنت كارها ؛ فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص " .

وقوله : ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ) أي : من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله ، ووحد الله فعبده وحده وشهد أن لا إله إلا هو ( فقد استمسك بالعروة الوثقى ) أي : فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم .

قال أبو القاسم البغوي : حدثنا أبو روح البلدي حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم ، عن أبي إسحاق عن حسان هو ابن فائد العبسي قال : قال عمر رضي الله عنه : إن الجبت : السحر ، والطاغوت : الشيطان ، وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال ، يقاتل الشجاع عمن لا يعرف ويفر الجبان من أمه ، وإن كرم الرجل دينه ، وحسبه خلقه ، وإن كان فارسيا أو نبطيا .

وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن حسان بن فائد العبسي عن عمر فذكره .

ومعنى قوله في الطاغوت : إنه الشيطان قوي جدا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية ، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها .

وقوله : ( فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ) أي : فقد استمسك من الدين بأقوى سبب ، وشبه ذلك بالعروة الوثقى التي لا تنفصم فهي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد ولهذا قال : ( فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ) .

قال مجاهد : ( فقد استمسك بالعروة الوثقى ) يعني : الإيمان .

وقال السدي : هو الإسلام .

وقال سعيد بن جبير والضحاك : يعني لا إله إلا الله .

وعن أنس بن مالك : ( بالعروة الوثقى ) : القرآن .

وعن سالم بن أبي الجعد قال : هو الحب في الله والبغض في الله .

وكل هذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها .

وقال معاذ بن جبل في قوله : ( لا انفصام لها ) أي : لا انقطاع لها دون دخول الجنة .

وقال مجاهد وسعيد بن جبير : ( فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ) ثم قرأ : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) [ الرعد : 11 ] .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن يوسف حدثنا ابن عون عن محمد عن قيس بن عباد قال : كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع ، فدخل فصلى ركعتين أوجز فيهما فقال القوم : هذا رجل من أهل الجنة .

فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته فلما استأنس قلت له : إن القوم لما دخلت قبل المسجد قالوا كذا وكذا .

قال : سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم ، وسأحدثك لم : إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه : رأيت كأني في روضة خضراء - قالابن عون : فذكر من خضرتها وسعتها - وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة ، فقيل لي : اصعد عليه فقلت : لا أستطيع .

فجاءني منصف قال ابن عون : هو الوصيف ، فرفع ثيابي من خلفي ، فقال : اصعد .

فصعدت حتى أخذت بالعروة فقال : استمسك بالعروة .

فاستيقظت وإنها لفي يدي ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه .

فقال : " أما الروضة فروضة الإسلام ، وأما العمود فعمود الإسلام ، وأما العروة فهي العروة الوثقى ، أنت على الإسلام حتى تموت " .

قال : وهو عبد الله بن سلام أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون وأخرجه البخاري من وجه آخر ، عن محمد بن سيرين به .

طريق أخرى وسياق آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى وعفان قالا : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عاصم بن بهدلة عن المسيب بن رافع عن خرشة بن الحر قال : قدمت المدينة فجلست إلى مشيخة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم .

فجاء شيخ يتوكأ على عصا له فقال القوم : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا .

فقام خلف سارية فصلى ركعتين فقمت إليه ، فقلت له : قال بعض القوم : كذا وكذا .

فقال : الجنة لله يدخلها من يشاء ، وإني رأيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا ، رأيت كأن رجلا أتاني فقال : انطلق .

فذهبت معه فسلك بي منهجا عظيما فعرضت لي طريق عن يساري ، فأردت أن أسلكها .

فقال : إنك لست من أهلها .

ثم عرضت لي طريق عن يميني فسلكتها حتى انتهت إلى جبل زلق فأخذ بيدي فزجل فإذا أنا على ذروته ، فلم أتقار ولم أتماسك فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب فأخذ بيدي فزجل حتى أخذت بالعروة فقال : استمسك .

فقلت : نعم .

فضرب العمود برجله فاستمسكت بالعروة ، فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " رأيت خيرا ، أما المنهج العظيم فالمحشر ، وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار ، ولست من أهلها ، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة ، وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء ، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام ، فاستمسك بها حتى تموت " .

قال : فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة .

قال : وإذا هو عبد الله بن سلام .

وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان ، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن الحسن بن موسى الأشيب كلاهما عن حماد بن سلمة به نحوه .

وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر الفزاري به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: نـزلت هذه الآية في قوم من الأنصار- أو في رجل منهم - كان لهم أولاد قد هودوهم أو نصروهم، فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم عليه، فنهاهم الله عن ذلك، حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام.

* ذكر من قال ذلك: 5812 - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، &; 5-408 &; عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتا، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده.

فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا!

فأنـزل الله تعالى ذكره: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".

5813 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: كانت المرأة تكون مقلى ولا يعيش لها ولد = قال شعبة.

وإنما هو مقلات = فتجعل عليها إن بقي لها ولد لتهودنه.

قال: فلما أجليت بنو النضير كان فيهم منهم، فقالت الأنصار: كيف نصنع بأبنائنا؟

فنـزلت هذه الآية: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".

قال: من شاء أن يقيم أقام، ومن شاء أن يذهب ذهب (66) .

5814 - حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا داود= وحدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية، عن داود= عن عامر، قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاتا لا يعيش لها ولد، فتنذر إن عاش ولدها أن تجعله مع أهل الكتاب على دينهم، فجاء الإسلام وطوائف من أبناء الأنصار على دينهم، فقالوا: إنما جعلناهم على دينهم، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا‍‍!

وإذ جاء الله بالإسلام فلنكرهنهم!

فنـزلت: " لا إكراه في الدين "، فكان &; 5-409 &; فصل ما بين من اختار اليهودية والإسلام، فمن لحق بهم اختار اليهودية، ومن أقام اختار الإسلام= ولفظ الحديث لحميد.

5815 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت داود، عن عامر، بنحو معناه= إلا أنه قال: فكان فصل ما بينهم، إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، فلحق بهم من كان يهوديا ولم يسلم منهم، وبقي من أسلم.

5816 - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا داود، عن عامر بنحوه= إلا أنه قال: إجلاء النضير إلى خيبر، فمن اختار الإسلام أقام، ومن كره لحق بخيبر (67) .

5817 - حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن أبي إسحاق، عن محمد بن أبي محمد الحرشي مولى زيد بن ثابت عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، قال: نـزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟

فأنـزل الله فيه ذلك (68) .

5818 - حدثني المثنى قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" قال: نـزلت هذه في الأنصار، قال: قلت خاصة!

قال: خاصة!

قال: كانت المرأة في الجاهلية تنذر إن ولدت ولدا أن تجعله في اليهود، &; 5-410 &; تلتمس بذلك طول بقائه.

قال: فجاء الإسلام وفيهم منهم، فلما أجليت النضير قالوا: يا رسول الله، أبناؤنا وإخواننا فيهم، قال: فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله تعالى ذكره: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد خير أصحابكم، فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم " قال: فأجلوهم معهم (69) .

5819 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" إلى: لا انْفِصَامَ لَهَا قال: نـزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين: كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت.

فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية، فتنصرا فرجعا إلى الشام معهم.

فأتى أبوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال (70) إن ابني تنصرا وخرجا، فأطلبهما؟

فقال: " لا إكراه في الدين " (71) .

ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال: أبعدهما الله!

هما أول من كفر!

فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما، فنـزلت: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [ سورة النساء: 65] ثم إنه نسخ: " لا إكراه في الدين " فأمر بقتال أهل الكتاب في" سورة براءة " (72) .

5820 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " لا إكراه في الدين " قال: كانت اليهود ، يهود بني النضير، (73) أرضعوا رجالا من الأوس، فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجلائهم، قال أبناؤهم من الأوس: لنذهبن معهم، ولندينن بدينهم!

فمنعهم أهلوهم، وأكرهوهم على الإسلام، ففيهم نـزلت هذه الآية.

5821 - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان= وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد = جميعا، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد: " لا إكراه في الدين "، قال: كان ناس من الأنصار مسترضعين في بني قريظة، فأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام، فنـزلت: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".

5822 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني الحجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: كانت النضير يهودا فأرضعوا،= ثم ذكر نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم= قال ابن جريج، وأخبرني عبد الكريم، عن مجاهد: أنهم كانوا قد دان بدينهم أبناء الأوس، (74) دانوا بدين النضير.

5823 - حدثني المثنى، قال: لنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي: أن المرأة من الأنصار كانت تنذر إن عاش ولدها لتجعلنه في أهل الكتاب، فلما جاء الإسلام قالت الأنصار: &; 5-412 &; يا رسول الله ألا نكره أولادنا الذين هم في يهود على الإسلام، فإنا إنما جعلناهم فيها ونحن نرى أن اليهودية أفضل الأديان؟

فلما إذ جاء الله بالإسلام، (75) .

أفلا نكرههم على الإسلام؟

فأنـزل الله تعالى ذكره: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".

5824 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن داود، عن الشعبي مثله = وزاد: قال: كان فصل ما بين من اختار اليهود منهم وبين من اختار الإسلام، إجلاء بني النضير، فمن خرج مع بني النضير كان منهم، ومن تركهم اختار الإسلام (76) .

5825 - حدثني يونس، قال: أخبرنا بن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " لا إكراه في الدين " إلى قوله: " العروة الوثقى " قال: قال منسوخ.

5826 - حدثني سعيد بن الربيع الرازي، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ووائل، عن الحسن: أن أناسا من الأنصار كانوا مسترضعين في بني النضير، فلما أجلوا أراد أهلوهم أن يلحقوهم بدينهم، فنـزلت: " لا إكراه في الدين ".

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يكره أهل الكتاب على الدين إذا بذلوا الجزية، ولكنهم يقرون على دينهم.

وقالوا: الآية في خاص من الكفار، ولم ينسخ منها شيء.

* ذكر من قال ذلك: 5827 - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن &; 5-413 &; قتادة: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، قال: أكره عليه هذا الحي من العرب، لأنهم كانوا أمة أميه ليس لهم كتاب يعرفونه، فلم يقبل منهم غير الإسلام.

ولا يكره عليه أهل الكتاب إذا أقروا بالجزية أو بالخراج، ولم يفتنوا عن دينهم، فيخلى عنهم (77) .

5828 - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا سليمان قال: حدثنا أبو هلال، قال: حدثنا قتادة في قوله: " لا إكراه في الدين "، قال: هو هذا الحي من العرب، أكرهوا على الدين، لم يقبل منهم إلا القتل أو الإسلام، وأهل الكتاب قبلت معهم الجزية، ولم يقتلوا.

5829 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدثنا عمرو بن قيس، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " لا إكراه في الدين "، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان، فلم يقبل منهم إلا " لا إله إلا الله "، أو السيف.

ثم أمر فيمن سواهم بأن يقبل منهم الجزية، فقال: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".

5830 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " لا إكراه في الدين "، قال: كانت العرب ليس لها دين، فأكرهوا على الدين بالسيف.

قال: ولا يكره اليهود ولا النصارى والمجوس، إذا أعطوا الجزية.

5831 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال: سمعت مجاهدا يقول لغلام له نصراني: يا جرير أسلم.

ثم قال: هكذا كان يقال لهم.

5832 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: &; 5-414 &; حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، قال: وذلك لما دخل الناس في الإسلام، وأعطى أهل الكتاب الجزية.

* * * وقال آخرون: هذه الآية منسوخة، وإنما نـزلت قبل أن يفرض القتال.

* ذكر من قال ذلك: 5833 - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري قال: سألت زيد بن أسلم عن قول الله تعالى ذكره: " لا إكراه في الدين "، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحدا في الدين، فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم، فاستأذن الله في قتالهم فأذن له.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: نـزلت هذه الآية في خاص من الناس- وقال: عنى بقوله تعالى ذكره: " لا إكراه في الدين "، أهل الكتابين والمجوس وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه، وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخا (78) .

وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لما قد دللنا عليه في كتابنا( كتاب اللطيف من البيان عن أصول الأحكام ): من أن الناسخ غير كائن ناسخا إلا ما نفى حكم المنسوخ، فلم يجز اجتماعهما.

فأما ما كان ظاهره العموم من الأمر والنهي، وباطنه الخصوص، فهو من الناس والمنسوخ بمعزل (79) .

وإذ كان ذلك كذلك = وكان غير مستحيل أن يقال: لا إكراه لأحد ممن أخذت منه الجزية في الدين، ولم يكن في الآية دليل على أن تأويلها بخلاف ذلك، وكان المسلمون جميعا قد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه &; 5-415 &; أكره على الإسلام قوما فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم، وأنه ترك إكراه الآخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه وإقراره على دينه الباطل، وذلك كأهل الكتابين ومن أشبههم = (80) كان بينا بذلك أن معنى قوله: " لا إكراه في الدين "، إنما هو لا إكراه في الدين لأحد ممن حل قبول الجزية منه بأدائه الجزية، ورضاه بحكم الإسلام.

ولا معنى لقول من زعم أن الآية منسوخة الحكم، بالإذن بالمحاربة.

* * * فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما روي عن ابن عباس وعمن روي عنه: من أنها نـزلت في قوم من الأنصار أرادوا أن يكرهوا أولادهم على الإسلام؟

قلنا: ذلك غير مدفوعة صحته، ولكن الآية قد تنـزل في خاص من الأمر، ثم يكون حكمها عاما في كل ما جانس المعنى الذي أنـزلت فيه.

فالذين أنـزلت فيهم هذه الآية - على ما ذكر ابن عباس وغيره - إنما كانوا قوما دانوا بدين أهل التوراة قبل ثبوت عقد الإسلام لهم، فنهى الله تعالى ذكره عن إكراههم على الإسلام، وأنـزل بالنهي عن ذلك آية يعم حكمها كل من كان في مثل معناهم، ممن كان على دين من الأديان التي يجوز أخذ الجزية من أهلها، وإقرارهم عليها، على النحو الذي قلنا في ذلك.

* * * قال أبو جعفر: ومعنى قوله: " لا إكراه في الدين ".

لا يكره أحد في دين الإسلام عليه، (81) وإنما أدخلت " الألف واللام " في" الدين "، تعريفا للدين الذي عنى الله بقوله: (82) " لا إكراه فيه "، وأنه هو الإسلام.

&; 5-416 &; وقد يحتمل أن يكون أدخلتا عقيبا من " الهاء " المنوية في" الدين "، (83) فيكون معنى الكلام حينئذ: وهو العلي العظيم، لا إكراه في دينه، قد تبين الرشد من الغي.

وكأن هذا القول أشبه بتأويل الآية عندي.

* * * قال أبو جعفر: وأما قوله: " قد تبين الرشد "، فإنه مصدر من قول القائل: " رشدت فأنا أرشد رشدا ورشدا ورشادا "، وذلك إذا أصاب الحق والصواب (84) .

* * * وأما " الغي"، فإنه مصدر من قول القائل: " قد غوى فلان فهو يغوى غيا وغواية "، وبعض العرب يقول: " غوى فلان يغوى "، والذي عليه قراءة القرأة: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [ سورة النجم: 2] بالفتح، وهي أفصح اللغتين، وذلك إذا عدا الحق وتجاوزه، فضل.

* * * فتأويل الكلام إذا: قد وضح الحق من الباطل، واستبان لطالب الحق والرشاد وجه مطلبه، فتميز من الضلالة والغواية، فلا تكرهوا من أهل الكتابين= ومن أبحت لكم أخذ الجزية منه=، (85) .

[ أحدا] على دينكم، دين الحق، فإن من حاد عن الرشاد بعد استبانته له، فإلى ربه أمره، وهو ولي عقوبته في معاده.

* * * القول في تأويل قوله : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى " الطاغوت ".

فقال بعضهم: هو الشيطان.

* ذكر من قال ذلك: 5834 - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العبسي قال: قال عمر بن الخطاب: الطاغوت: الشيطان (86) .

5835 - حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثني ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر، مثله.

5836 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عمن حدثه، عن مجاهد، قال: الطاغوت: الشيطان.

5837 - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي، قال: الطاغوت: الشيطان.

5838 - حدثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " فمن يكفر بالطاغوت " قال: الشيطان.

5839 - حدثنا بشر بن معاذ، قال، حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: الطاغوت: الشيطان.

5840 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: " فمن يكفر بالطاغوت " بالشيطان.

* * * وقال آخرون: الطاغوت: هو الساحر.

* ذكر من قال ذلك: 5841 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا داود، &; 5-418 &; عن أبي العالية، أنه قال: الطاغوت: الساحر.

* * * وقد خولف عبد الأعلى في هذه الرواية، وأنا أذكر الخلاف بعد (87) .

* * * 5842 - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا عوف، عن محمد، قال: الطاغوت: الساحر (88) .

* * * وقال آخرون: بل " الطاغوت " هو الكاهن.

* ذكر من قال ذلك: 5843 - حدثني ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: الطاغوت: الكاهن (89) .

5844 - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا داود، عن رفيع، قال: الطاغوت: الكاهن (90) .

5845 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " فمن يكفر بالطاغوت "، قال: كهان تنـزل عليها شياطين، يلقون على ألسنتهم وقلوبهم = أخبرني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، أنه سمعه يقول: - وسئل عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال-: كان في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد، وهي كهان ينـزل عليها الشيطان.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي في" الطاغوت "، أنه كل ذي طغيان على الله، فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، وإنسانا كان ذلك المعبود، أو شيطانا، أو وثنا، أو صنما، أو كائنا ما كان من شيء.

* * * وأرى أن أصل " الطاغوت "،" الطغووت " من قول القائل: " طغا فلان يطغوا "، إذا عدا قدره، فتجاوز حده، ك " الجبروت "" من التجبر "، و " الخلبوت " من " الخلب "، (91) .

ونحو ذلك من الأسماء التي تأتي على تقدير " فعلوت " بزيادة الواو والتاء.

ثم نقلت لامه - أعني لام " الطغووت " فجعلت له عينا، وحولت عينه فجعلت مكان لامه، كما قيل: " جذب وجبذ "، و " جاذب وجابذ "، و " صاعقة وصاقعه "، وما أشبه ذلك من الأسماء التي على هذا المثال.

* * * فتأويل الكلام إذا: فمن يجحد ربوبية كل معبود من دون الله، فيكفر به=" ويؤمن بالله "، يقول: ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده (92) = فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ، يقول: فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه، كما:- 5846 - حدثني أحمد بن سعيد بن يعقوب الكندي، قال: حدثنا بقية بن الوليد، قال: حدثنا ابن أبي مريم، عن حميد بن عقبة، عن أبي الدرداء: أنه عاد مريضا من جيرته، فوجده في السوق وهو يغرغر، لا يفقهون ما يريد.

&; 5-420 &; فسألهم: يريد أن ينطق؟

قالوا: نعم يريد أن يقول: "آمنت بالله وكفرت بالطاغوت ".

قال أبو الدرداء: وما علمكم بذلك؟

قالوا: لم يزل يرددها حتى انكسر لسانه، فنحن نعلم أنه إنما يريد أن ينطق بها.

فقال أبو الدرداء: أفلح صاحبكم !

إن الله يقول: " فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا الفصام لها والله سميع عليم " (93) .

* * * القول في تأويل قوله : فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى قال أبو جعفر: " والعروة "، في هذا المكان، مثل للإيمان الذي اعتصم به المؤمن، فشبهه في تعلقه به وتمسكه به، بالمتمسك بعروة الشيء الذي له عروة يتمسك بها، إذ كان كل ذي عروة فإنما يتعلق من أراده بعروته.

وجعل تعالى ذكره الإيمان الذي تمسك به الكافر بالطاغوت المؤمن بالله، ومن أوثق عرى الأشياء بقوله: " الوثقى " * * * و " الوثقى "،" فعلى " من " الوثاقة ".

يقال في الذكر: " هو الأوثق "، وفي الأنثى: " هي الوثقى "، كما يقال: " فلان الأفضل، وفلانة الفضلى ".

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 5847 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " بالعروة الوثقى "، قال: الإيمان.

5848 - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

5849 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: " العروة الوثقى "، هو الإسلام.

5850 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن أبي السوداء، عن جعفر - يعني ابن أبي المغيرة - عن سعيد بن جبير قوله: " فقد استمسك بالعروة الوثقى "، قال: لا إله إلا الله (94) .

5851 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي السوداء النهدي، عن سعيد بن جبير مثله.

5852 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، الضحاك: " فقد استمسك بالعروة الوثقى "، مثله.

* * * القول في تأويل قوله : لا انْفِصَامَ لَهَا قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " لا انفصام لها "، لا انكسار لها." والهاء والألف "، في قوله: " لها " عائد على " العروة ".

* * * ومعنى الكلام: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، فقد اعتصم من طاعة الله بما لا يخشى مع اعتصامه خذلانه إياه، وإسلامه عند حاجته إليه في أهوال الآخرة، كالمتمسك بالوثيق من عرى الأشياء التي لا يخشى انكسار عراها (95) .

* * * وأصل " الفصم " الكسر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة: ومبســمها عــن شــتيت النبـات غـــير أكـــس ولا منفصـــم (96) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 5853 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " لا انفصام لها "، قال: لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

5854 - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

5855 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " لا انفصام لها "، قال: لا انقطاع لها.

* * * القول في تأويل قوله : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: " والله سميع "، إيمان المؤمن بالله وحده، الكافر بالطاغوت، عند إقراره بوحدانية الله، وتبرئه من الأنداد والأوثان التي تعبد &; 5-424 &; من دون الله=" عليم " بما عزم عليه من توحيد الله وإخلاص ربوبيته قلبه، (97) وما انطوى عليه من البراءة من الآلهة والأصنام والطواغيت ضميره، وبغير ذلك مما أخفته نفس كل أحد من خلقه، لا ينكتم عنه سر، ولا يخفى عليه أمر، حتى يجازي كلا يوم القيامة بما نطق به لسانه، وأضمرته نفسه، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا.

--------------------------- الهوامش : (66) الأثران : 5812 ، 5813 -في ابن كثير 2 : 15 ، والدر المنثور 1: 329 قال ابن كثير : "رواه أبو داود والنسائي جميعا عن بندار به ، ومن وجوه أخرى عن شعبة به نحوه .

ورواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به" .

والسنن الكبرى للبيهقى 9 : 186 ، وسنن أبي داود -3 : 78 -79 رقم : 2682 .

وكان في المطبوعة والمخطوطة في رقم 5813 ، "حدثنا محمد بن جعفر ، عن سعيد" ، وهو خطأ صوابه"شعبة" .

وقوله : "قال : من شاء أن يقيم أقام" وهو من كلام سعيد بن جبير ، كما في السنن للبيهقى .

والحديث مرفوع هناك إلى ابن عباس وهو الصواب ولكني تركت ما في الطبري على حاله .

وامرأة مقلت (بضم الميم) ومقلات (بكسر الميم) ، هى المرأة التي لايعيش لها ولد .

ويأتى أيضًا "مقلات" ، أنها المرأة التي ليس لها إلا ولد واحد .

ولكن الأول هو المراد في هذا الأثر .

(67) الآثار 5814 -5816- هى ألفاظ مختلفة لحديث واحد ، وانظر 1 : 329 ، وقال" : أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر" ، ثم انظر الأثرين رقم : 5823 ، 5824 فيما يأتي بعد .

(68) الأثر : 5817 -انظر ما قاله الحافظ ابن حجر في تحقيق اسم الصحابي في"حصين الأنصاري" غير منسوب ، ثم في باب الكنى"أبو الحصين الأنصاري السالمي" ، وفيهما تحقيق جيد .

وانظر تفسير ابن 2 : 15 ، والدر المنثور 1 : 329 .

وانظر الأثر التالي رقم : 5819 .

(69) الأثر : 5818 -في السنن الكبرى للبيهقى 9 : 186 من طريق سعيد بن منصور عن أبي عوانة ، وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 329 وزاد نسبته إلى"سعيد بن منصور ، وعبدبن حميد ، وابن المنذر" وفيها زيادة : "كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت نزورا مقلاتا تنذر لئن ولدت ولدا لتجعلنه في اليهود" وسائر الخبر سواء .

وكتب في البيهقي والدر المنثور"مقلاة" بالتاء المربوطة وهو خطأ ، و"امرأة نزرة" (بفتح وكسر" وامرأة نزور" قليلة الولد .

وفي الدر"نزورة" وهو خطأ .

(70) في المطبوعة : "إلى رسول الله صلى عليه وسلم" ، والصواب من المخطوطة والدر المنثور .

(71) في المطبوعة : إتمام الآية"قد تبين الرشد من الغى" ، وليس في المخطوطة ولا الدر المنثور .

(72) الأثر : 5819 -في الدر المنثور 1 : 329 ، وزاد نسبته إلى أبي داود في ناسخه ، وابن المنذر ، وأشار إليه ابن كثير في تفسيره 2 : 15 .

هذا ولم يذكر أبو جعفر هذا الأثر في تفسير آية"سورة النساء" ، ولم يجعلها قولا غير الأقوال التي ذكرها .

وهو دليل على اختصاره هذا التفسير ، كما رووا عنه .

(73) في المطبوعة : "كانت في اليهود يهود أرضعوا..." ، وفي المخطوطة كانت اليهود يهودا أرضعوا" وهما خطأ .

وفي الدر المنثور 1 : 329 : " كانت النضير أرضعت" .

واستظهرت أن تكون العبارة أثبتها ، سقط من الناسخ"بني النضير" -أو يكون صوابها كما سيأتى في الأثر رقم : 5822 : "كانت النضير يهودا..." .

(74) في المخطوطة : "قد دانوا بدينهم أبناء الأوس" ، وأخشى أن يكون ما في المطبوعة أصح .

(75) في المطبوعة : "فلما أن جاء الإسلام" ، وفي المخطوطة : "فلما إذ جاء" ، وصواب ذلك ما أثبت .

(76) الأثران : 5823 ، 5824 -انظر الآثار السالفة : 5814 -5816 .

(77) في المخطوطة : " فخلى عنهم" ، وهما سواء .

(78) في المخطوطة : "منسوخ" ، والصواب ما في المطبوعة .

(79) انظر ما قاله فيما سلف في شرط النسخ 3 : 358 ، 563 .

(80) سياق الجملة : "وإذ كان ذلك كذلك ...

كان بينا" .

وما بين الخطين ، عطوف متتابعة فاصلة بينهما .

(81) "عليه" ، أي على الإسلام .

(82) في المطبوعة والمخطوطة : "تصريفا للدّين" ، وهو تحريف ، والصواب الواضح ما أثبت .

(83) قوله : "عقيبا" أي بدلا وخلفا منه .

أصله من العقيب : وهو كل شيء أعقب شيئا .

وعقيبك : هو الذي يعاقبك في العمل ، يعمل مرة ، وتعمل أنت مرة .

(84) انظر ما سلف في معنى"رشد" 3 : 484 ، 485 .

(85) أي ، فلا تكرهوا من أهل الكتاب...

أحدا على دينكم...والزيادة مما يقتضيه السياق .

(86) الأثر : 5834 -"حسان بن فائد العبسي" .

روى عنه أبو إسحق السبيعي .

قال أبو حاتم"شيخ" ، وقال البخاري يعد في الكوفيين .

وذكره ابن حبان في ثقات التابعين .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2/ 1/ 28 ، وابن أبي حاتم 1/2 /223 .

وكان في المطبوعة : "العنسي" ، والصواب من المخطوطة .

وهذا الأثر ساقه ابن كثير بتمامه في تفسيره 2 : 16 -17 (87) في لأثر الآتي رقم : 5844 .

(88) الأثر : 5842 -حماد بن مسعدة ، سلف ترجمته في رقم : 3056 .

وكان في المطبوعة"حميد بن مسعدة" ، وهو هنا خطأ ، صوابه من المخطوطة .

أما"حميد بن مسعدة ، فهو شيخ الطبري ، سلف ترجمته في الأثر رقم : 196 .

(89) الأثر : 5843 -كان في المطبوعة والمخطوطة : "حدثنا محمد بن جعفر ، قال حدثنا سعيد" ، والصواب"شعبة" ، وانظر مثل ذلك في هذا الإسناد نفسه مما سلف رقم : 5813 ، والتعليق عليه .

(90) الأثر 5844 -رفيع ، هو أبو العالية الرياحي ، وقد مضت ترجمته مرارا فيما سلف .

(91) في المطبوعة والمخطوطة"الحلبوت من الحلب" بالحاء المملة ، والصواب ما أثبت .

يقال : "رجل خلبوت وامرأة خلبوت" ، وهو المخادع الكذوب ، وجاء في الشعر ، وما أصدق ما قال هذا العربى ، وما أبصره بطباع الناس ، وما أصدقه على زماننا هذا : ملكــتم فلمــا أن ملكــتم خـلبتم وشــرالملوك الغــادر الخــلبوت .

(92) اطلب معنى"الإيمان" فيما سلف في فهارس اللغة .

(93) الأثر : 5846-"أحمد بن سعيد بن يعقوب الكندي" ، أبو العباس ، روي عن بقية بن الوليد ، وعثمان بن سعيد الحمصي ، روى عنه النسائي .

وذكره ابن حبان في الثقات .

مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم 1/1 / 53 .

و"حميد بن عقبة" ، هو : حميد بن عقبة بن رومان بن زرارة القرشي و"يقال ، الفلسطيني .

سمع ابن عمر ، وأبا الدرداء .

وروى عنه أبو بكر بن مريم والوليد بن سليمان بن أبي السائب .

قال أحمد : "حدثنا أبو الغيرة : سألت أبا بكر فقلت : حميد بن عقبة أراه كبيرا ، وأنت تحدث عنه عن أبي الدرداء؟

قال : حدثني أن كل شيء حدثني عن أبي الدرداء ، سمعه من أبي الدرداء" ، مترجم في الكبير 1/ 2/ 347 ، وابن أبي حاتم 1/ 2 /226 ، وتعجيل المنفعة : 106 .

يقال : "فلان في السوق ، وفي السياق" أي في النزع عند الموت ، كأن روحه تساق لتخرج من بدنه .

و"هو يسوق نفسه ويسوق بنفسه" : أي يعالج سكرة الموت ونزعه .

ويقال : "غرغر فلان يغرغر" جاد بنفسه عند الموت ، و"الغرغرة" تردد الروح في الحلق ، وأكثر ذلك أن يكون معها صوت ، كغرغرة الماء في الحلق .

وقوله : "حتى انكسر لسانه" : أي عجز عن النطق .

وكل من عجز عن شيء ، فقد انكسر عنه .

وهو هنا عبارة جيدة تصور ما يكون في لسان الميت .

* * * وعند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه : " يتلوه القول في تأويل قوله : فقد استمسك بالعروة الوثقى .

وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وسلم كثيرا" ثم يبدا الجزء بعده : "بسم الله الرحمن الرحيم ، رب يسر" .

(94) الأثر : 5850 ، 5851-"أبو السوداء" ، هو : "عمرو بن عمران النهدي" ، روي عن المسيب بن عبدخير ، وأبي مجلز ، وعبدالرحمن بن باسط والضحاك بن مزاحم ، وروى عنه حفص ابن عبدالرحمن بن سوقة والسفيانان .

ثقه ، مترجم في التهذيب .

(95) في المطبوعة والمخطوطة : "كالتمسك بالوثيق" .

والصواب الذي يقتضيه السياق ما أثبت .

(96) ديوانه : 2 من قصيدة من جيد شعر الأعشى ، وقبله أبيات من تمام معناه: أتهجــــر غانيــــة أم تلـــم أم الحـــبل واه بهـــا منجــذم أم الرشــد أحجــى فــإن امـرءا ســــينفعه علمــه إن علـــم كمـــا راشــد تجــدن امــرءا تبيـــن , ثـم انتهــى إذ قــدم عصــى المشــفـقين إلــى غيـه وكـــل نصيـــح لــه يتهــم ومــا كـــان ذلــك إلا الصبــا وإلا عقــاب امــرئ قــد أثــم ونظـــرة عيــن عــلى غــرة محـــل الخــليط بصحــراء زم ومبســــــــمها ..............

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

فبـانت وفـي الصـدر صـدع لهــا كصــدع الزجاجــة مــا يلتئــم وقوله : "ومبسهما" منصوب عطفا ما قبله ، وهو مصدر ميمى ، أي ابتسامها .

والشتيت : المتفرق المفلج ، يعنى : عن ثغرها شتيت النبات ، غير متراكب نبتة الأسنان .

والأكس ، من الكسس (بفتحتين) : وهو أن يكون الحنك الأعلى أقصر من الأسفل ، فتكون الثنيتان العلييان وراء السفليين من داخل الفم .

وهو عيب في الخلفية .

ورواية الديوان : "منقصم" وهي أجود معنى .

يقال : ينصدع الشيء دون أن يبين .

وأما"القصم" فهو أن ينكسر كسرا فيه بينونة .

ولكن الطبري استشهد به على"الفصم" بالفاء .

وكلاهما عيب .

وكان البيت مصحفا في المطبوعة : "...

عن سنب النبات غير كسر" ، والصواب في المخطوطة ، ولكنه غير منقوط فأساؤوا قراءته .

(97) السياق : "بما عزم عليه...

قلبه" ، مرفوعا فاعل"عزم" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليمقوله تعالى : لا إكراه في الدين فيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى : لا إكراه في الدين الدين في هذه الآية المعتقد والملة بقرينة قوله : قد تبين الرشد من الغي .

والإكراه الذي في الأحكام من الإيمان والبيوع والهبات وغيرها ليس هذا موضعه ، وإنما يجيء في تفسير قوله : إلا من أكره .

وقرأ أبو عبد الرحمن " قد تبين الرشد من الغي " وكذا روي عن الحسن والشعبي ، يقال : رشد يرشد رشدا ، ورشد يرشد رشدا : إذا بلغ ما يحب .

وغوى ضده ، عن النحاس .

وحكى ابن عطية عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قرأ " الرشاد " بالألف .

وروي عن الحسن أيضا " الرشد " بضم الراء والشين .

" الغي " مصدر من غوى يغوي إذا ضل في معتقد أو رأي ، ولا يقال الغي في الضلال على الإطلاق .الثانية : اختلف العلماء في معنى هذه الآية على ستة أقوال :( الأول ) قيل إنها منسوخة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا بالإسلام ، قاله سليمان بن موسى ، قال : نسختها يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين .

وروي هذا عن ابن مسعود وكثير من المفسرين .( الثاني ) ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة ، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية ، والذين يكرهون أهل الأوثان فلا يقبل منهم إلا الإسلام فهم الذين نزل فيهم يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين .

هذا قول الشعبي وقتادة والحسن والضحاك .

والحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز [ ص: 256 ] نصرانية : أسلمي أيتها العجوز تسلمي ، إن الله بعث محمدا بالحق .

قالت : أنا عجوز كبيرة والموت إلي قريب!

فقال عمر : اللهم اشهد ، وتلا لا إكراه في الدين .( الثالث ) ما رواه أبو داود عن ابن عباس قال : نزلت هذه في الأنصار ، كانت تكون المرأة مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده ، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار فقالوا : لا ندع أبناءنا فأنزل الله تعالى : لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي .

قال أبو داود : والمقلات التي لا يعيش لها ولد .

في رواية : إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه ، وأما إذا جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه فنزلت : لا إكراه في الدين من شاء التحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام .

وهذا قول سعيد بن جبير والشعبي ومجاهد إلا أنه قال : كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع .

قال النحاس : قول ابن عباس في هذه الآية أولى الأقوال لصحة إسناده ، وأن مثله لا يؤخذ بالرأي .( الرابع ) قال السدي : نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين كان له ابنان ، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت ، فلما أرادوا الخروج أتاهم ابنا الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا ومضيا معهم إلى الشام ، فأتى أبوهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكيا أمرهما ، ورغب في أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يردهما فنزلت : لا إكراه في الدين ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب ، وقال : ( أبعدهما الله هما أول من كفر ) فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله جل ثناؤه فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم الآية ثم إنه نسخ لا إكراه في الدين فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة ( براءة ) .

والصحيح في سبب قوله تعالى : فلا وربك لا يؤمنون حديث الزبير مع جاره الأنصاري في السقي ، على ما يأتي في ( النساء ) بيانه إن شاء الله تعالى .( وقيل ) معناها لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف مجبرا مكرها ، وهو القول الخامس .( وقول سادس ) وهو أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا إذا كانوا كبارا ، وإن كانوا [ ص: 257 ] مجوسا صغارا أو كبارا أو وثنيين فإنهم يجبرون على الإسلام ؛ لأن من سباهم لا ينتفع بهم مع كونهم وثنيين ، ألا ترى أنه لا تؤكل ذبائحهم ولا توطأ نساؤهم ، ويدينون بأكل الميتة والنجاسات وغيرهما ، ويستقذرهم المالك لهم ويتعذر عليه الانتفاع بهم من جهة الملك فجاز له الإجبار .

ونحو هذا روى ابن القاسم عن مالك .

وأما أشهب فإنه قال : هم على دين من سباهم ، فإذا امتنعوا أجبروا على الإسلام ، والصغار لا دين لهم فلذلك أجبروا على الدخول في دين الإسلام لئلا يذهبوا إلى دين باطل .

فأما سائر أنواع الكفر متى بذلوا الجزية لم نكرههم على الإسلام سواء كانوا عربا أم عجما قريشا أو غيرهم .

وسيأتي بيان هذا وما للعلماء في الجزية ومن تقبل منه في ( براءة ) إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله جزم بالشرط .

والطاغوت مؤنثة من طغى يطغى .

- وحكى الطبري يطغو - إذا جاوز الحد بزيادة عليه .

ووزنه فعلوت ، ومذهب سيبويه أنه اسم مذكر مفرد كأنه اسم جنس يقع للقليل والكثير .

ومذهب أبي علي أنه مصدر كرهبوت وجبروت ، وهو يوصف به الواحد والجمع ، وقلبت لامه إلى موضع العين وعينه موضع اللام كجبذ وجذب ، فقلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها فقيل طاغوت ، واختار هذا القول النحاس .

وقيل : أصل طاغوت في اللغة مأخوذة من الطغيان يؤدي معناه من غير اشتقاق ، كما قيل : لآل من اللؤلؤ .

وقال المبرد : هو جمع .

وقال ابن عطية : وذلك مردود .

قال الجوهري : والطاغوت الكاهن والشيطان ، وكله رأس في الضلال ، وقد يكون واحدا ، قال الله تعالى : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به .

وقد يكون جمعا ، قال الله تعالى : أولياؤهم الطاغوت والجمع الطواغيت .

( ويؤمن بالله ) عطف .

فقد استمسك بالعروة الوثقى جواب الشرط ، وجمع الوثقى الوثق مثل الفضلى والفضل ، فالوثقى فعلى من الوثاقة ، وهذه الآية تشبيه .

واختلفت عبارة المفسرين في الشيء المشبه به ، فقال مجاهد : العروة الإيمان .

وقال السدي : الإسلام .

وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك ، لا إله إلا الله ، وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد .

ثم قال : لا انفصام لها قال مجاهد : أي لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، أي لا يزيل عنهم اسم الإيمان حتى يكفروا .

والانفصام : الانكسار من غير بينونة .

والقصم : كسر ببينونة ، وفي صحيح الحديث فيفصم عنه الوحي وإن جبينه ليتفصد عرقا أي يقلع .

قال الجوهري : فصم الشيء كسره من غير أن يبين ، تقول : [ ص: 258 ] فصمته فانفصم ، قال الله تعالى : لا انفصام لها وتفصم مثله ، قاله ذو الرمة يذكر غزالا يشبهه بدملج فضة :كأنه دملج من فضة نبه في ملعب من جواري الحي مفصوموإنما جعله مفصوما لتثنيه وانحنائه إذا نام .

ولم يقل " مقصوم " بالقاف فيكون بائنا باثنين .

وأفصم المطر : أقلع .

وأفصمت عنه الحمى ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات " سميع " من أجل النطق " عليم " من أجل المعتقد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه لا إكراه في الدين لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه، لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة أثاره، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول، وظهرت طرقه، وتبين أمره، وعرف الرشد من الغي، فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره، وأما من كان سيئ القصد فاسد الإرادة، خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل، ويبصر الحسن فيميل إلى القبيح، فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين، لعدم النتيجة والفائدة فيه، والمكره ليس إيمانه صحيحا، ولا تدل الآية الكريمة على ترك قتال الكفار المحاربين، وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله لكل منصف قصده اتباع الحق، وأما القتال وعدمه فلم تتعرض له، وإنما يؤخذ فرض القتال من نصوص أخر، ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية من غير أهل الكتاب، كما هو قول كثير من العلماء، فمن يكفر بالطاغوت فيترك عبادة ما سوى الله وطاعة الشيطان، ويؤمن بالله إيمانا تاما أوجب له عبادة ربه وطاعته { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي: بالدين القويم الذي ثبتت قواعده ورسخت أركانه، وكان المتمسك به على ثقة من أمره، لكونه استمسك بالعروة الوثقى التي { لا انفصام لها } وأما من عكس القضية فكفر بالله وآمن بالطاغوت، فقد أطلق هذه العروة الوثقى التي بها العصمة والنجاة، واستمسك بكل باطل مآله إلى الجحيم { والله سميع عليم } فيجازي كلا منهما بحسب ما علمه منهم من الخير والشر، وهذا هو الغاية لمن استمسك بالعروة الوثقى ولمن لم يستمسك بها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( لا إكراه في الدين ) قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة - ( المقلاة من النساء ) لا يعيش لها ولد - وكانت تنذر لئن عاش لها ولد لتهودنه فإذا عاش ولدها جعلته في اليهود فجاء الإسلام وفيهم منهم فلما أجليت بنو النضير كان فيهم عدد من أولاد الأنصار فأرادت الأنصار استردادهم وقالوا : هم أبناؤنا وإخواننا فنزلت هذه الآية ( لا إكراه في الدين ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خيروا أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم وإن اختاروهم فأجلوهم معهم " .

وقال مجاهد : كان ناس مسترضعين في اليهود من الأوس فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجلاء بني النضير قال الذين كانوا مسترضعين فيهم : لنذهبن معهم ولندينن بدينهم فمنعهم أهلوهم فنزلت ( لا إكراه في الدين ) .

وقال مسروق : كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان فتنصرا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون الطعام فلزمهما أبوهما وقال : لا أدعكما حتى تسلما فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر فأنزل الله تعالى ( لا إكراه في الدين ) فخلى سبيلهما .

وقال قتادة وعطاء : نزلت في أهل الكتاب إذا قبلوا الجزية وذلك أن العرب كانت أمة أمية لم يكن لهم كتاب فلم يقبل منهم إلا الإسلام فلما أسلموا طوعا أو كرها أنزل الله تعالى : ( لا إكراه في الدين ) فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يسلموا أو يقروا بالجزية فمن أعطى منهم الجزية لم يكره على الإسلام وقيل كان هذا في الابتداء قبل أن يؤمر بالقتال فصارت منسوخة بآية السيف وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه ( قد تبين الرشد من الغي ) أي الإيمان من الكفر والحق من الباطل ( فمن يكفر بالطاغوت ) يعني الشيطان وقيل : كل ما عبد من دون الله تعالى فهو طاغوت ، وقيل كل ما يطغي الإنسان فاعول من الطغيان زيدت التاء فيه بدلا من لام الفعل كقولهم حانوت وتابوت فالتاء فيها مبدلة من هاء التأنيث ( ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة ) أي تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين والوثقى تأنيث الأوثق ، وقيل العروة الوثقى السبب الذي يوصل إلى رضا الله تعالى : ( لا انفصام لها ) لا انقطاع لها ( والله سميع ) قيل : لدعائك إياهم إلى الإسلام ( عليم ) بحرصك على إيمانهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا إكراه في الدين» على الدخول فيه «قد تبين الرشد من الغي» أي ظهر بالآيات البينات أن الايمان رشد والكفر غي نزلت فيمن كان له من الأنصار اولاد أراد أن يكرههم علي الإسلام «فمن يكفر بالطاغوت» الشيطان أو الأصنام وهو يطلق على المفرد والجمع «ويؤمن بالله فقد استمسك» تمسك «بالعروة الوثقى» بالعقد المحكم «لا انفصام» انقطاع «لها والله سميع» لما يقال «عليم» بما يفعل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لكمال هذا الدين واتضاح آياته لا يُحتاج إلى الإكراه عليه لمن تُقبل منهم الجزية، فالدلائل بينة يتضح بها الحق من الباطل، والهدى من الضلال.

فَمَن يكفر بكل ما عُبِد من دون الله ويؤمن بالله، فقد ثبت واستقام على الطريقة المثلى، واستمسك من الدين بأقوى سبب لا انقطاع له.

والله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم ونياتهم، وسيجازيهم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن ساق - سبحانه - في آية الكرسي الأدلة الواضحة على وحدانيته وعظمته وتنزيهه عن صفات الحوادث ، عقب ذلك ببيان أن الدين الحق قد ظهر وتجلى لكل ذي عقل سليم ، وأنه لا يقسر أحد على الدخول فيه فقال - تعالى - :( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين .

.

.

)الإكراه معناه : حمل الغيرعلى قول أو فعل لا يريده عن طريق التخويف أو التعذيب أو ما يشبه ذلك .

والمراد بالدين دين الإِسلام والألف واللام فيه للعهد .والرشد : الاستقامة على طريق الحق مع تصلبه فيه ، مصدر رشيد يرشد ويرشد أي اهتدى .

والمراد هنا : الحق والهدى .والغي ضد الرشد .

مصدر من غوى يغوي إذا ضل في معتقد أو رأى ، ويرى بعض العلماء أن نفي الإِكراه هنا خبر في معنى النهي ، أي : لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإِسلام فإنه بين واضح في دلائله وبراهينه ، فمن هداه الله له ونور بصيرته دخل فيه على بصيرة ، ومن أضله وأعمى قلبه لا يفيده الإِكراه على الدخول فيه .وقال بعض العلماء إن الجملة هنا على حالها من الخبرية والمعنى : ليس في الدين - الذي هو تصديق بالقلب ، وإذعان في النفس - إكراه وإجبار من الله - تعالى - لأحد ، لأن مبني هذا الدين على التمكين والاختيار ، وهو مناط الثواب والعقاب ، لولا ذلك لما حصل الابتلاء والاختبار ، ولبطل الامتحان .أو المعنى : كما يرى بعضهم - إن من الواجب على العاقل بعد ظهور الآيات البينات على أن الإِيمان بدين الإِسلام حق ورشد .

وعلى أن الكفر به غي وضلال ، أن يدخل عن طواعية واختيار في دين الإِسلام الذي ارتضاه الله وألا يكره على ذلك بل يختاره بدون قسر أو تردد .فالجملة الأولى وهي قوله - تعالى - : ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين ) : تنفى الإِجبار على الدخول في الدين ، لأن هذا الإجبار لا فائدة من ورائه ، إذ التدين إذعان قلبي ، واتجاه بالنفس والجوارح إلى اله رب العالمين بإرادة حرة مختارة فإذا أكره عليه الإِنسان إزداد كرهاً له ونفوراً منه .

فالإِكراه والتدين نقيضان لا يجتمعان ، ولا يمكن أن يكون أحدهما ثمرة للآخرة .والجملة الثانية وهي قوله - تعالى - : ( قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي ) بمثابة العلة لنفي هذا الإكراه على الدخول في الدين ، أي قد ظهر الصبح لذي عينين ، وانكشف الحق من الباطل ، والهدى من الضلال وقامت الأدلة الساطعة على دين الإِسلام هو الدين الحق وغيره من الأديان ضلال وكفران وما دام الأمر كذلك فقد توافرت الأسباب التي تدعو إلى الدخول في دين الإِسلام ، ومن كفر به بعد ذلك فليحتمل نتيجة كفره ، وسوء عاقبة أمره .ثم قال - تعالى - : ( فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى لاَ انفصام لَهَا ) .الطاغوت : اسم لكل ما يطغى الإِنسان ، كالأصنام والأوثان والشيطان وكل رأس في الضلال وكل ما عبد من دون الله .

وهو مأخوذ من طغا يطغى - كسعى يسعى - طغياً وطغياناً ، أو من يطغو طغوا طغواناً ، إذا جاوز الحد وغلا في الكفر وأسرف في المعاصي والفجور .والعروة : في أصل معناها تطلق على ما يتعلق بالشيء من عراه أي من الجهة التي يجب تعليهقمنها ، وتجمع على غرى .

والعروة من الدلو والكوز مقبضه .

ومن الثوب مدخل زره .والوثقى : مؤنث الأوثق ، وهو الشيء المحكم الموثق .

يقال وثق - بالضم - وثاقه أي : قوى وثبت فهو وثيق أي ثابت محكم .والانفصام : الانكسار ، والقصم كسر الشيء وقطعة .والمعنى : فمن خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة غير الله ، وآمن بالله - تعالى - إيماناً حالصاً صادقاً فقد ثبت أمره واستقام على الطريقة المثلى التي لا انقطاع لها وأمسك من الدين بأقوى سبب وأحكم رباط .والفاء في قوله : ( فَمَنْ يَكْفُر ) للتفريع .

والسين والتاء في استمسك للتأكيد والطلب ، وقوله : ( فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى ) فيه - كما يقول الزمخشري - تمثيل للمعلوم بالمنظور والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى بتصوره السامع كأنما ينظر إلأيه بعينه فيحكم اعتقاده والتيقن به ، وجملة ( لاَ انفصام لَهَا ) استئناف مقرر لما قبله أو حال من " العروة " والعامل " استمسك " .ثم ختم - سبحانه الآية بقوله : ( والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) أي سميع الأقوال ، وهمسات القلوب ، وخلجات النفوس ، عليم بما يسره الناس وما يعلنونه ، وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب .قال القرطبي ما ملخصه : قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله - تعالى - : ( ياأيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإِسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا الإِسلام .

وقيل إنهاه لسيت بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة ، وأنهم لا يكرهون على الإِسلام إذا أدوا الجزية .

.

والحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية : أسلمي أيتها العجوز تسلمي ، إن الله بعث محمداً بالحق .قالت أنا عجوز كبيرة والموت إلى قريب .

فقال عمر : اللهم اشهد وتلا : ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين ) .والذي تسكن إليه النفس أن هذه الآية محكمة غير منسوخة ، لأن التدين لا يكون مع الإِكراه - كما أشرنا من قبل - ولأن الجهاد ما شرع في الإِسلام لإِجبار الناس على الدخول في الإِسلام إذ لا إسلام مع إجبار ، وإنما شرع الجهاد لدفع الظلم ورد العدوان وإعلاء كلمة الله ، والرسول صلى الله عليه وسلم ما قاتل العرب ليكرههم على الدخول في الإِسلام وإنما قاتلهم لأنهم بدأوه بالعدواة .ولأن الروايات في سبب نزول هذه الآية تؤيد أنه لا إكراه في الدين ، ومن هذه الروايات ما جاء عن ابن عباس أنه قال : نزلت في رجل من الأنجز من بني سالم بن عوف يققال له الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلما ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم ألا استكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية فأنزل الله هذه الآية وفي رواية أخرى أنه حاول إكراههما على الدخول في الإِسلام فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الأنصاري : يا رسول الله أيدخل بعض النار وأنا أنظر إليه فنزلة هذه الآية .ولأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن التوفيق بين الآيتين وهنا يمكن التوفيق بأن نقول : إن الآية التي معنا تنفى إكراه الناس على اعتقاد ما لا يريدون وآية ( ياأيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين ) جاءت لحض النبي صلى الله عليه وسلم وحض أصحابه على قتال الكفار الذين وقفوا في طريق دعوته ، حتى يكفوا عن عدوانهم وتكون كلمة الله هي العليا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسألتان: المسألة الأولى: اللام في ﴿ الدين ﴾ فيه قولان أحدهما: أنه لام العهد والثاني: أنه بدل من الإضافة، كقوله: ﴿ فَإِنَّ الجنة هِىَ المأوى  ﴾ أي مأواه، والمراد في دين الله.

المسألة الثانية: في تأويل الآية وجوه: أحدها: وهو قول أبي مسلم والقفال وهو الأليق بأصول المعتزلة: معناه أنه تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر، وإنما بناه على التمكن والاختيار، ثم احتج القفال على أن هذا هو المراد بأنه تعالى لما بيّن دلائل التوحيد بياناً شافياً قاطعاً للعذر، قال بعد ذلك: إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه، وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ  ﴾ وقال في سورة أخرى ﴿ لَعَلَّكَ بَٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَٰقُهُمْ لَهَا خَٰضِعِينَ  ﴾ وقال في سورة الشعراء ﴿ لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السماء ءَايَةً فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين ﴾ ومما يؤكد هذا القول أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي ﴾ يعني ظهرت الدلائل، ووضحت البينات، ولم يبق بعدها إلا طريق القسر والإلجاء والإكراه، وذلك غير جائز لأنه ينافي التكليف فهذا تقرير هذا التأويل.

القول الثاني: في التأويل هو أن الإكراه أن يقول المسلم للكافر: إن آمنت وإلا قتلتك فقال تعالى: ﴿ لا إِكْرَاهَ فِي الدين ﴾ أما في حق أهل الكتاب وفي حق المجوس، فلأنهم إذا قبلوا الجزية سقط القتل عنهم، وأما سائر الكفار فإذا تهودوا أو تنصروا فقد اختلف الفقهاء فيهم، فقال بعضهم: إنه يقر عليه؛ وعلى هذا التقدير يسقط عنه القتل إذا قبل الجزية، وعلى مذهب هؤلاء كان قوله: ﴿ لا إِكْرَاهَ فِي الدين ﴾ عاماً في كل الكفار، أما من يقول من الفقهاء بأن سائر الكفار إذا تهودوا أو تنصروا فإنهم لا يقرون عليه، فعلى قوله يصح الإكراه في حقهم، وكان قوله: ﴿ لا إِكْرَاهَ ﴾ مخصوصاً بأهل الكتاب.

والقول الثالث: لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب إنه دخل مكرهاً، لأنه إذا رضي بعد الحرب وصح إسلامه فليس بمكره، ومعناه لا تنسبوهم إلى الإكراه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِناً  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: بان الشيء واستبان وتبين إذا ظهر ووضح، ومنه المثل: قد تبين الصبح لذي عينين، وعندي أن الإيضاح والتعريف إنما سمي بياناً لأنه يوقع الفصل والبينونة بين المقصود وغيره، والرشد في اللغة معناه إصابة الخير، وفيه لغتان: رشد ورشد والرشاد مصدر أيضاً كالرشد، والغي نقيض الرشد، يقال غوى يغوي غياً وغواية، إذا سلك غير طريق الرشد.

المسألة الثانية: ﴿ تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي ﴾ أي تميز الحق من الباطل، والإيمان من الكفر والهدى من الضلالة بكثرة الحجج والآيات الدالة، قال القاضي: ومعنى ﴿ قَد تَّبَيَّنَ الرشد ﴾ أي أنه قد اتضح وانجلى بالأدلة لا أن كل مكلف تنبه لأن المعلوم ذلك وأقول: قد ذكرنا أن معنى ﴿ تَّبَيَّنَ ﴾ انفصل وامتاز، فكان المراد أنه حصلت البينونة بين الرشد والغي بسبب قوة الدلائل وتأكيد البراهين، وعلى هذا كان اللفظ مُجْرَى على ظاهره.

أما قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت ﴾ فقد قال النحويون: الطاغوت وزنه فعلوت، نحو جبروت، والتاء زائدة وهي مشتقة من طغا، وتقديره طغووت، إلا أن لام الفعل قلبت إلى موضع العين كعادتهم في القلب، نحو: الصاقعة والصاعقة، ثم قلبت الواو ألفاً لوقوعها في موضع حركة وانفتاح ما قبلها، قال المبرد في الطاغوت: الأصوب عندي أنه جمع قال أبو علي الفارسي: وليس الأمر عندنا كذلك، وذلك لأن الطاغوت مصدر كالرغبوت والرهبوت والملكوت، فكما أن هذه الأسماء آحاد كذلك هذا الاسم مفرد وليس بجمع، ومما يدل على أنه مصدر مفرد قوله: ﴿ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت ﴾ فأفرد في موضع الجمع، كما يقال: هم رضاهم عدل، قالوا: وهذا اللفظ يقع على الواحد وعلى الجمع، أما في الواحد فكما في قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ  ﴾ وأما في الجمع فكما في قوله تعالى: ﴿ والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت  ﴾ وقالوا: الأصل فيه التذكير، فأما قوله: ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا  ﴾ فإنما أنثت إرادة الآلهة.

إذا عرفت هذا فنقول: ذكر المفسرون فيه خمسة أقوال الأول: قال عمر ومجاهد وقتادة هو الشيطان الثاني: قال سعيد بن جبير: الكاهن الثالث: قال أبو العالية: هو الساحر الرابع: قال بعضهم الأصنام الخامس: أنه مردة الجن والإنس وكل ما يطغى، والتحقيق أنه لما حصل الطغيان عند الاتصال بهذه الأشياء جعلت هذه الأشياء أسباباً للطغيان كما في قوله: ﴿ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس  ﴾ .

أما قوله: ﴿ وَيُؤْمِن بالله ﴾ ففيه إشارة إلى أنه لابد للكافر من أن يتوب أولاً عن الكفر، ثم يؤمن بعد ذلك.

أما قوله: ﴿ فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى ﴾ فاعلم أنه يقال: استمسك بالشيء إذا تمسك به والعروة جمعها عرا نحو عروة الدلو والكوز وإنما سميت بذلك، لأن العروة عبارة عن الشيء الذي يتعلق به والوثقى تأنيث الأوثق، وهذا من باب استعارة المحسوس للمعقول، لأن من أراد إمساك شيء يتعلق بعروته، فكذا هاهنا من أراد إمساك هذا الدين تعلق بالدلائل الدالة عليه، ولما كانت دلائل الإسلام أقوى الدلائل وأوضحها، لا جرم وصفها بأنها العروة الوثقى.

أما قوله: ﴿ لاَ انفصام لَهَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الفصم كسر الشيء من غير إبانة، والانفصام مطاوع الفصم فصمته فانفصم والمقصود من هذا اللفظ المبالغة، لأنه إذا لم يكن لها انفصام، فإن لا يكون لها انقطاع أولى.

المسألة الثانية: قال النحويون: نظم الآية بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والعرب تضمر (التى) و(الذى) و(مَنْ) وتكتفي بصلاتها منها، قال سلامة بن جندل: والعاديات أسامي للدماء بها *** كأن أعناقها أنصاب ترحيب يريد العاديات التي قال الله: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ  ﴾ أي من له.

ثم قال: ﴿ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ وفيه قولان: القول الأول: أنه تعالى يسمع قول من يتكلم بالشهادتين، وقول من يتكلم بالكفر، ويعلم ما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطاهر، وما في قلب الكافر من الاعتقاد الخبيث.

والقول الثاني: روى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة، وكان يسأل الله تعالى ذلك سراً وعلانية، فمعنى قوله: ﴿ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ يريد لدعائك يا محمد بحرصك عليه واجتهادك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لا إِكْرَاهَ فِي الدين ﴾ أي لم يجر الله أمر الإيمان على الإجبار والقسر، ولكن على التمكين والاختيار.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الارض كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 99] أي لو شاء لقسرهم على الإيمان ولكنه لم يفعل، وبنى الأمر على الاختيار ﴿ قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي ﴾ قد تميز الإيمان من الكفر بالدلائل الواضحة ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت ﴾ فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام والإيمان بالله ﴿ فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى ﴾ من الحبل الوثيق المحكم، المأمون انفصامها، أي انقطاعها.

وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر، والاستدلال بالمشاهد المحسوس، حتى يتصوّره السامع كأنه ينظر إليه بعينه، فيحكم اعتقاده والتيقن به.

وقيل: هو إخبار في معنى النهي، أي لا تتكرهوا في الدين.

ثم قال بعضهم: هو منسوخ بقوله: ﴿ جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 73] وقيل: هو في أهل الكتاب خاصة لأنهم حصنوا أنفسهم بأداء الجزية وروي أنه كان لأنصاري من بني سالم بن عوف ابنان فتنصرا قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما، فأبيا فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الأنصاري: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟

فنزلت: فخلاهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لا إكْراهَ في الدِّينِ ﴾ إذِ الإكْراهُ في الحَقِيقَةِ إلْزامُ الغَيْرِ فِعْلًا لا يَرى فِيهِ خَيْرًا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، ولَكِنْ ﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ ﴾ تَمَيَّزَ الإيمانُ مِنَ الكُفْرِ بِالآياتِ الواضِحَةِ، ودَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ الإيمانَ رُشْدٌ يُوصِلُ إلى السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ والكُفْرَ غَيٌّ يُؤَدِّي إلى الشَّقاوَةِ السَّرْمَدِيَّةِ، والعاقِلُ مَتى تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ بادَرَتْ نَفْسُهُ إلى الإيمانِ طَلَبًا لِلْفَوْزِ بِالسَّعادَةِ والنَّجاةِ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى الإكْراهِ والإلْجاءِ.

وقِيلَ إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ، أيْ لا تُكْرَهُوا في الدِّينِ، وهو إمّا عامٌّ مَنسُوخٌ بُقُولِهِ ﴿ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، أوْ خاصٌّ بِأهْلِ الكِتابِ لِما رُوِيَ « (أنَّ أنْصارِيًّا كانَ لَهُ ابْنانِ تَنَصَّرا قَبْلَ المَبْعَثِ، ثُمَّ قَدِما المَدِينَةَ فَلَزِمَهُما أبُوهُما وقالَ: واللَّهِ لا أدَعُكُما حَتّى تُسْلِما فَأبَيا، فاخْتَصَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيَدْخُلُ بِعَقْبَيَّ النّارَ وأنا أنْظُرُ إلَيْهِ) فَنَزَلَتْ فَخَلّاهُما.» ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ﴾ بِالشَّيْطانِ، أوِ الأصْنامِ، أوْ كُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ صَدَّ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى.

فَعْلُوتٌ مِنَ الطُّغْيانِ قُلِبَتْ عَيْنُهُ ولامُهُ.

﴿ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ ﴾ بِالتَّوْحِيدِ وتَصْدِيقِ الرُّسُلِ.

﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى ﴾ طَلَبَ الإمْساكَ عَنْ نَفْسِهِ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى مِنَ الحَبْلِ الوَثِيقِ، وهي مُسْتَعارَةٌ لِمُتَمَسِّكِ الحَقِّ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ والرَّأْيِ القَوِيمِ.

﴿ لا انْفِصامَ لَها ﴾ لا انْقِطاعَ لَها يُقالُ فَصَمْتُهُ فانْفَصَمَ إذا كَسَرْتَهُ.

﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ بِالأقْوالِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِالنِّيّاتِ، ولَعَلَّهُ تَهْدِيدٌ عَلى النِّفاقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لا إِكْرَاهَ فِى الدين} أي لا إجبار على الدين الحق وهو دين الإسلام وقيل هو إخبار في معنى النهي ورُوي أنه كان لأنصاري ابنان فتنصرا فلزمهما أبوهما وقال والله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الأنصاري يا رسول الله أيدخل بعضي في النار وأنا أنظر فنزلت فخلاهما قال ابن مسعود وجماعة كان هذا في الابتداء ثم نسخ بالأمر بالقتال {قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي} قد تميز الإيمان من الكفر بالدلائل الواضحة {فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت} بالشيطان أو الأصنام {وَيُؤْمِن بالله فَقَدِ

استمسك} تمسك {بالعروة} أي المعتصم والمتعلق {الوثقى} تأنيث الأوثق أي الأشد من الحبل الوثيق المحكم المأمون {لاَ انفصام لَهَا} لا انقطاع للعروة وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده والمعنى فقد عقد لنفسه من الدين عقداً وثيقاً لا تحله شبهة {والله سَمِيعٌ} لإقراره {عليم} باعتقاده

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا إكْراهَ في الدِّينِ ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ خالِدُونَ ﴾ مِن بَقِيَّةِ آيَةِ الكُرْسِيِّ، والحَقُّ أنَّها لَيْسَتْ مِنها بَلْ هي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ جِيءَ بِها إثْرَ بَيانِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الإكْراهُ في الدِّينِ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ إلْزامُ الغَيْرِ فِعْلًا لا يَرى فِيهِ خَيْرًا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ والدِّينُ خَيْرٌ كُلُّهُ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا خَبَرٌ بِاعْتِبارِ الحَقِيقَةِ ونَفْسِ الأمْرِ وأمّا ما يَظْهَرُ بِخِلافِهِ فَلَيْسَ إكْراهًا حَقِيقِيًّا، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ إخْبارًا في مَعْنى النَّهْيِ أيْ لا تُكْرِهُوا في الدِّينِ وتُجْبِرُوا عَلَيْهِ وهو حِينَئِذٍ إمّا عامٌّ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ ﴾ وهو المَحْكِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ زَيْدٍ وسُلَيْمانَ بْنِ مُوسى، أوْ مَخْصُوصٌ بِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ قَبِلُوا الجِزْيَةَ وهو المَحْكِيُّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وفي سَبَبِ النُّزُولِ ما يُؤَيِّدُهُ فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ««أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ مِن بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ يُقالُ لَهُ الحَصِينُ كانَ لَهُ اِبْنانِ نَصْرانِيّانِ وكانَ هو رَجُلًا مُسْلِمًا فَقالَ لِلنَّبِيِّ  : ألا أسْتَكْرِهُهُما فَإنَّهُما قَدْ أبَيا إلّا النَّصْرانِيَّةَ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ذَلِكَ»».

و(أل) في (اَلدِّينِ) لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ أيْ دِينُ اللَّهِ وهو مِلَّةُ الإسْلامِ، وفاعِلُ الإكْراهِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرِ غَيْرِهِ تَعالى، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ لَيْسَ في الدِّينِ إكْراهٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وقَسْرٌ بَلْ مَبْنى الأمْرِ عَلى التَّمْكِينِ والِاخْتِيارِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَصَلَ الِابْتِلاءُ ولَبَطَلَ الِامْتِحانُ فالآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ القَفّالُ.

﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ ﴾ تَعْلِيلٌ صُدِّرَ بِكَلِمَةِ التَّحْقِيقِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَضْمُونِهِ أيْ قَدْ تَمَيَّزَ بِما ذَكَرَ مِن نُعُوتِهِ تَعالى الَّتِي يَمْتَنِعُ تَوَهُّمُ اِشْتِراكِ الغَيْرِ في شَيْءٍ مِنها، الإيمانُ مِنَ الكُفْرِ والصَّوابُ مِنَ الخَطَأِ، والرُّشْدُ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ عَلى المَشْهُورِ مَصْدَرُ رَشَدَ بِفَتْحِ الشِّينِ يَرْشُدُ بِضَمِّها، ويُقْرَأُ بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ، وفِعْلُهُ رَشِدَ يَرْشَدُ مِثْلَ عَلِمَ يَعْلَمُ وهو نَقِيضُ الغَيِّ وأصْلُهُ سُلُوكُ طَرِيقِ الهَلاكِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو كالجَهْلِ إلّا أنَّ الجَهْلَ يُقالُ اِعْتِبارًا بِالِاعْتِقادِ، والغَيَّ اِعْتِبارًا بِالأفْعالِ، ولِهَذا قِيلَ: زَوالُ الجَهْلِ بِالعِلْمِ، وزَوالُ الغَيِّ بِالرُّشْدِ، ويُقالُ لِمَن أصابَ: رَشِدَ، ولِمَن أخْطَأ غَوى، ويُقالُ لِمَن خابَ: غَوى أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ومَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدُ النّاسُ أمْرَهُ ومَن يَغْوِ لَمْ يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ (لائِمًا) ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ﴾ أيِ الشَّيْطانِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ والحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ أنَّهُ الكاهِنُ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ السّاحِرُ، وعَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وعَنْ بَعْضِهِمُ الأصْنامُ، والأوْلى أنْ يُقالَ بِعُمُومِهِ سائِرُ ما يَطْغى، ويُجْعَلُ الِاقْتِصارُ عَلى بَعْضٍ في تِلْكَ الأقْوالِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ كالجَبَرُوتِ والمَلَكُوتِ، واخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في الأصْلِ ولِذَلِكَ يُوَحَّدُ ويُذَكَّرُ كَسائِرِ المَصادِرِ الواقِعَةِ عَلى الأعْيانِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفارِسِيُّ وقِيلَ: هو اِسْمُ جِنْسٍ مُفْرَدٌ فَلِذَلِكَ لَزِمَ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ وإلَيْهِ ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ وقِيلَ: هو جَمْعٌ وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ وقَدْ يُؤَنَّثُ ضَمِيرُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها ﴾ وهو تَأْنِيثٌ اِعْتِبارِيٌّ واشْتِقاقُهُ مَن طَغى يَطْغى أوْ طَغى يَطْغُو، ومَصْدَرُ الأوَّلِ: الطُّغْيانُ والثّانِي: الطُّغْوانُ، وأصْلُهُ عَلى الأوَّلِ: طَغْيُوتٌ، وعَلى الثّانِي: طَغْوُوتٌ فَقُدِّمَتِ اللّامُ وأُخِّرَتِ العَيْنُ فَتَحَرَّكَ حَرْفُ العِلَّةِ وانْفَتَحَ ما قَبْلَهُ فَقُلِبَ ألِفًا فَوَزْنُهُ مِن قَبْلُ فَعْلُوتٌ والآنَ فَلْعُوتٌ، وقَدَّمَ ذِكْرَ الكُفْرِ بِالطّاغُوتِ عَلى ذِكْرِ الإيمانِ بِاَللَّهِ تَعالى اِهْتِمامًا بِوُجُوبِ التَّخْلِيَةِ أوْ مُراعاةً لِلتَّرْتِيبِ الواقِعِيِّ أوْ لِلِاتِّصالِ بِلَفْظِ الغَيِّ.

﴿ ويُؤْمِن بِاللَّهِ ﴾ أيْ يُصَدِّقُ بِهِ طِبْقَ ما جاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ ﴾ أيْ بالَغَ في التَّمَسُّكِ حَتّى كَأنَّهُ وهو مُتَلَبِّسٌ بِهِ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ الزِّيادَةَ فِيهِ والثَّباتَ عَلَيْهِ ﴿ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى ﴾ وهي الإيمانُ قالَهُ مُجاهِدٌ أوِ القُرْآنُ قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ أوْ كَلِمَةُ الإخْلاصِ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ أوِ الِاعْتِقادُ الحَقُّ أوِ السَّبَبُ المُوصِلُ إلى رِضا اللَّهِ تَعالى أوِ العَهْدُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في (اَلْعُرْوَةِ) اِسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ و(اِسْتَمْسَكَ) تَرْشِيحٌ لَها أوِ اِسْتِعارَةٌ أُخْرى تَبَعِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الكَلامُ تَمْثِيلًا مَبْنِيًّا عَلى تَشْبِيهِ الهَيْئَةِ العَقْلِيَّةِ المُنْتَزَعَةِ مِن مُلازَمَةِ الحَقِّ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ أصْلًا لِثُبُوتِهِ بِالبَراهِينِ النَّيِّرَةِ القَطْعِيَّةِ بِالهَيْئَةِ الحِسِّيَّةِ المُنْتَزَعَةِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالحَبْلِ المُحْكَمِ المَأْمُونِ اِنْقِطاعُهُ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمُفْرِداتِ، واخْتارَ ذَلِكَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وجَعْلُ العُرْوَةِ مُسْتَعارَةً لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ المُؤَدِّي لِلِاعْتِقادِ الحَقِّ كَما قِيلَ لَيْسَ بِالحَسَنِ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في حَيِّزِ الشَّرْطِ أصْلًا ﴿ لا انْفِصامَ لَها ﴾ أيْ لا اِنْقِطاعَ لَها؛ والِانْفِصامُ والِانْقِصامُ لُغَتانِ وبِالفاءِ أفْصَحُ كَما قالَ الفَرّاءُ وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَهُما بِأنَّ الأوَّلَ: اِنْكِسارٌ بِغَيْرِ بَيْنُونَةٍ، والثّانِي: اِنْكِسارٌ بِها وحِينَئِذٍ يَكُونُ اِنْتِفاءُ الثّانِي مَعْلُومًا مِن نَفْيِ الأوَّلِ بِالأوْلَوِيَّةِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن وثاقَةِ العُرْوَةِ وإمّا حالٌ مِنَ (اَلْعُرْوَةِ)، والعامِلُ (اِسْتَمْسَكَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (اَلْوُثْقى) لِأنَّها لِلتَّفْضِيلِ تَأْنِيثُ الأوْثَقِ، و(لَها) في مَوْضِعِ الخَبَرِ.

﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ بِالأقْوالِ ﴿ عَلِيمٌ  ﴾ بِالعَزائِمِ والعَقائِدِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ حامِلٌ عَلى الإيمانِ رادِعٌ عَنِ الكُفْرِ والنِّفاقِ لِما فِيها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، قِيلَ: وفِيها أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا بُدَّ في الإيمانِ مِنَ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، يعني لا تكرهوا في الدين أحداً، بعد فتح مكة وبعد إسلام العرب.

قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، أي قد تبين الهدى من الضلالة.

ويقال: قد تبين الإسلام من الكفر، فمن أسلم وإلا وضعت عليه الجزية ولا يكره على الإسلام.

فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ، يعني بالشيطان ويقال: الصنم.

ويقال: هو كعب بن الأشرف، وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى، يقول: بالثقة يعني بالإسلام.

ويقال: فقد تمسك بلا إله إلا الله.

لَا انْفِصامَ لَها، يعني لا انقطاع لها ولا زوال لها ولا هلاك لها.

ويقال: قد استمسك بالدين الذي لا انقطاع له من الجنة.

وَاللَّهُ سَمِيعٌ بقولهم، عَلِيمٌ بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في اسم اللَّهِ الأعْظَمِ» ، عن غَالِبٍ القَطَّان «١» ، قال: مكثْتُ عشْرَ سنينَ، أدعو اللَّه أنْ يعلِّمني اسمه الأعْظَم الَّذي إِذا دُعِيَ به أجَابَ، وإِذا سُئِلَ به أعطى، فأتانِي آتٍ في مَنَامِي ثَلاَثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ يَقُولُ: يَا غَالِبُ قُلْ: يَا فَارِجَ الهَمِّ، وَيَا كَاشِفَ الغَمِّ، يَا صَادِقَ الوَعْدِ، يَا مُوفِياً بِالْعَهْدِ، يَا مُنْجِزاً لِلْوَعْدِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لاَ إله إِلاَّ أَنْتَ.

انتهى من «غاية المغنم» .

قوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ: الدِّينُ، في هذه الآية:

هو المُعْتَقَدُ، والمِلَّة، ومقتضى قولِ زَيْدِ بن أسْلَمَ أن هذه الآية مكِّيَّة، وأنها من آيات الموادَعَة الَّتي نسخَتْها آية السَّيْف «٢» ، وقال قتادةُ والضَّحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ: هذه الآية مُحْكَمَةٌ خاصَّة في أهل الكتاب الذينَ يبذُلُون الجزْيَة «٣» ، وقوله تعالى: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ:

معناه: بنصب الأدلّة، ووجود الرسول صلّى الله عليه وسلم الدَّاعِي إِلى اللَّه، والآياتِ المُنيرة، والرُّشْدُ:

مصْدَر من قولك: رَشِدَ بكسر الشين، وضَمِّها، يَرْشُدُ رُشْداً، ورَشَداً، ورَشَاداً، والغيُّ مصدر من: غَوِيَ يغوى، إِذا ضلَّ في معتقد، أو رأْيٍ، ولا يُقَال: الغيُّ في الضلال على الإِطلاق، والطَّاغُوتَ بنَاءُ مبالغةٍ من: طغى يطغى، واختلف في مَعْنى الطَّاغوت، فقال عُمَر بْنُ الخَطَّاب وغيره: هو الشَّيْطَان «٤» ، وقيل: هو السَّاحِر، وقيل: الكَاهِنُ، وقيل:

الأصْنَام، وقال بعضُ العلماء: كُلُّ ما عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فهُوَ طَاغُوتٌ.

ع «١» : وهذه تسميةٌ صحيحة في كلِّ معبودٍ يرضى ذلك كفرعَوْنَ ونُمْرُوذ، وأما مَنْ لا يرضى ذلك، فسمي طاغوتاً في حقِّ العَبَدَةِ، قال مجاهد: العروةُ الوثقَى:

الإِيمانُ «٢» ، وقال السُّدِّيُّ: الإِسلام «٣» ، وقال ابن جُبَيْر وغيره: لا إِله إِلا الله «٤» .

قال ع «٥» : وهذه عباراتٌ تَرْجِعُ إِلى معنًى واحدٍ.

والاِنْفِصَامُ: الاِنكسارُ من غَيْر بَيْنُونَةٍ، وقد يجيءُ بمعنى البَيْنُونة «٦» ، والقَصْم كسر بالبينونة.

ت: وفي «الموطّإ» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الوَحْيَ يَأْتِينِي أَحْيَاناً فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ» «٧» .

قال أبو عُمَر في «التمهيد» : قوله: «فَيَفْصِمُ عَنِّي» : معناه: ينفرجُ عنِّي، ويذهب كما تفصمُ الخلخال، إِذا فتحته لتخرجَهُ من الرِّجْل، وكلُّ عُقدْة حلَلْتَهَا، فقد فَصَمْتَها/، قال الله عز وجلّ: ٦٥ ب فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها، وانفصامُ العروةِ أنْ تنفَكَّ عن موضعها، وأصْلُ الفَصْم عند العرب: أنْ تفكَّ الخلخال، ولا يبين كَسْره، فإِذا كسرته، فقد قَصَمْتَهُ بالقافِ.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذا القَدْرِ مِنَ الآَيَةِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مُحْكَمٌ، وإنَّهُ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ، فَإنَّهُ خَصَّ مِنهُ أهْلَ الكِتابِ بِأنَّهم لا يُكْرَهُونَ عَلى الإسْلامِ، بَلْ يُخَيَّرُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أداءِ الجِزْيَةِ، وهَذا مَعْنى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآَيَةِ: لَيْسَ الدِّينُ ما تَدِينُ بِهِ في الظّاهِرِ عَلى جِهَةِ الإكْراهِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَشْهَدْ بِهِ القَلْبُ، وتَنْطَوِي عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، إنَّما الدِّينُ هو المُنْعَقِدُ بِالقَلْبِ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مَنسُوخٌ، وقالُوا: هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ، فَعَلى قَوْلِهِمْ، يَكُونُ مَنسُوخًا بِآَيَةِ السَّيْفِ، وهَذا مَذْهَبُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.

والدِّينُ هاهُنا: أُرِيدَ بِهِ الإسْلامُ.

والرُّشْدُ: الحَقُّ، والغَيُّ: الباطِلُ.

وقِيلَ: هو الإيمانُ والكُفْرُ.

فَأمّا الطّاغُوتُ؛ فَهو اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الطُّغْيانِ، وهو مُجاوَزَةُ الحَدِّ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطّاغُوتُ: واحِدٌ وجَمْعٌ، ومُذَكَّرٌ، ومُؤَنَّثٌ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ ﴾ وقالَ: ﴿ والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها  ﴾ والمُرادُ بِالطّاغُوتِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الشَّيْطانُ، قالَهُ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الكاهِنُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ السّاحِرُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الأصْنامُ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ، والزَّجّاجُ.

والخامِسُ: أنَّهُ مَرَدَةُ أهْلِ الكِتابِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى ﴾ هَذا مَثَلٌ لِلْإيمانِ، شَبَّهَ التَّمَسُّكَ بِهِ بِالتَّمَسُّكِ بِالعُرْوَةِ الوَثِيقَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ: فَقَدْ عَقَدَ لِنَفْسِهِ عَقْدًا وثِيقًا.

والِانْفِصامُ: كَسْرُ بِالشَّيْءِ مِن غَيْرِ إبانَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ ﴿ لا إكْراهَ في الدِينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ الدِينُ في هَذِهِ الآيَةِ: المُعْتَقَدُ والمِلَّةُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُشْدُ مِنَ الغَيِّ ﴾ والإكْراهُ الَّذِي في الأحْكامِ مِنَ الأيْمانِ والبُيُوعِ والهِباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَهُ، وإنَّما يَجِيءُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ  ﴾ فَإذا تَقَرَّرَ أنَّ الإكْراهَ المَنفِيَّ هُنا هو في تَفْسِيرِ المُعْتَقَدِ مِنَ المِلَلِ والنِحَلِ فاخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الآيَةِ.

فَقالَ الزُهْرِيُّ: «سَألْتُ زَيْدَ بْنَ أسْلَمٍ عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا إكْراهَ في الدِينِ ﴾ فَقالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ  بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ لا يُكْرِهُ أحَدًا في الدِينِ، فَأبى المُشْرِكُونَ إلّا أنْ يُقاتِلَهم فاسْتَأْذَنَ اللهَ في قِتالِهِمْ فَأذِنَ لَهُ،» قالَ الطَبَرِيُّ: والآيَةُ مَنسُوخَةٌ في هَذا القَوْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وأنَّها مِن آيات المُوادَعَةِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.

وقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: هَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ خاصَّةٌ في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَبْذُلُونَ الجِزْيَةَ ويُؤَدُّونَها عن يَدٍ صُغْرَةً، قالا: « "أُمِرَ رَسُولُ اللهِ  أنْ يُقاتِلَ العَرَبُ أهْلَ الأوثانِ لا يَقْبَلُ مِنهم إلّا لا إلَهَ إلّا اللهُ أوِ السَيْفَ"، ثُمَّ أُمِرَ فِيمَن سِواهم أنْ يَقْبَلَ الجِزْيَةَ، ونَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ لا إكْراهَ في الدِينِ ﴾ .» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى مَذْهَبِ مالِكٍ: أنَّ الجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِن كُلِّ كافِرٍ سِوى قُرَيْشٍ - أيَّ نَوْعٍ كانَ - فَتَجِيءُ الآيَةُ خاصَّةً فِيمَن أعْطى الجِزْيَةَ مِنَ الناسِ كُلِّهِمْ لا يَقِفُ ذَلِكَ عَلى أهْلِ الكِتابِ كَما قالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ الأوسِ والخَزْرَجِ، كانَتِ المَرْأةُ تَكُونُ مِقْلاةً لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ، فَكانَتْ تَجْعَلُ عَلى نَفْسِها -إنْ جاءَتْ بِوَلَدٍ- أنْ تُهَوِّدَهُ، فَكانَ في بَنِي النَضِيرِ جَماعَةٌ عَلى هَذا النَحْوِ، فَلَمّا أجْلى رَسُولُ اللهِ  بَنِي النَضِيرِ قالَتِ الأنْصارُ: كَيْفَ نَصْنَعُ بِأبْنائِنا؟

إنَّما فَعَلْنا ما فَعَلْنا ونَحْنُ نَرى أنَّ دِينَهم أفْضَلُ مِمّا نَحْنُ عَلَيْهِ، وأمّا إذْ جاءَ اللهُ بِالإسْلامِ فَنُكْرِهُهم عَلَيْهِ؟

فَنَزَلَتْ: ﴿ لا إكْراهَ في الدِينِ ﴾ الآيَةُ.

وقالَ بِهَذا القَوْلِ عامِرٌ الشَعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، إلّا أنَّهُ قالَ: كانَ سَبَبُ كَوْنِهِمْ في بَنِي النَضِيرِ الِاسْتِرْضاعَ.

وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتِ الآيَةُ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ أبُو حَصِينٍ، كانَ لَهُ ابْنانِ، فَقَدِمَ تُجّارٌ مِنَ الشامِ إلى المَدِينَةِ يَحْمِلُونَ الزَيْتَ، فَلَمّا أرادُوا الرُجُوعَ أتاهُمُ ابْنا أبِي حَصِينٍ فَدَعُوهُما إلى النَصْرانِيَّةِ فَتَنَصَّرا، ومَضَيا مَعَهم إلى الشامِ، فَأتى أبُوهُما رَسُولَ اللهِ  مُشْتَكِيًا أمْرَهُما، ورَغِبَ في أنْ يَبْعَثَ رَسُولُ اللهِ  مَن يَرُدُّهُما، فَنَزَلَتْ: ﴿ لا إكْراهَ في الدِينِ ﴾ ولَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِقِتالِ أهْلِ الكِتابِ - وقالَ: أبْعَدَهُما اللهُ، هُما أوَّلُ مَن كَفَرَ، فَوَجَدَ أبُو الحَصِينِ في نَفْسِهِ عَلى رَسُولِ اللهِ  حِينَ لَمْ يَبْعَثْ في طَلَبِهِما، فَأنْزَلَ اللهُ جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿ فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ  ﴾ .

ثُمَّ إنَّهُ نَسَخَ: "لا إكْراهَ في الدِينِ" فَأمَرَ بِقِتالِ أهْلِ الكِتابِ في سُورَةِ بَراءَةٍ.

والصَحِيحُ في سَبَبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ حَدِيثُ الزُبَيْرِ مَعَ جارِهِ الأنْصارِيِّ في حَدِيثِ السَقْيِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُشْدُ مِنَ الغَيِّ ﴾ مَعْناهُ: بِنَصْبِ الأدِلَّةِ، ووُجُودِ الرَسُولِ الداعِي إلى اللهِ، والآياتِ المُنِيرَةِ.

والرُشْدُ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: رَشِدَ - بِكَسْرِ الشِينِ وضَمِّها - يَرْشَدُ رَشَدًا ورُشْدًا ورَشادًا - والغَيُّ مَصْدَرٌ مِن غَوى يَغْوِي إذا ضَلَّ في مُعْتَقَدٍ أو رَأْيٍ، ولا يُقالُ الغَيُّ في الضَلالِ عَلى الإطْلاقِ - وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "الرَشادُ" بِالألِفِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ: "الرَشَدُ" بِفَتْحِ الراءِ والشِينِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ "الرُشُدُ" بِضَمِّ الراءِ والشِينِ.

والطاغُوتُ: بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن طَغى يَطْغى، وحَكى الطَبَرِيُّ: يَطْغُو إذا جاوَزَ الحَدَّ بِزِيادَةٍ عَلَيْهِ ووَزْنُهُ فَعْلُوتْ.

ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ كَأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ لِلْكَثِيرِ والقَلِيلِ، ومَذْهَبُ أبِي عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَرَهَبُوتٍ وجَبَرُوتٍ، وهو يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وقُلِبَتْ لامُهُ إلى مَوْضِعِ العَيْنِ وعَيْنُهُ مَوْضِعَ اللامِ فَقِيلَ: طاغُوتٌ.

وقالَ المُبَرِّدُ: هو جَمْعٌ، وذَلِكَ مَرْدُودٌ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى الطاغُوتِ - فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، ومُجاهِدٌ، والشَعْبِيُّ، والضَحّاكُ، وقَتادَةُ والسُدِّيُّ: الطاغُوتُ: الشَيْطانُ - وقالَ ابْنُ سِيرِينَ، وأبُو العالِيَةِ: الطاغُوتُ: الساحِرُ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ورَفِيعٌ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وابْنُ جُرَيْجٍ: الطاغُوتُ: الكاهِنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَيِّنٌ أنَّ هَذِهِ أمْثِلَةٌ في الطاغُوتِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها لَهُ طُغْيانٌ، والشَيْطانُ أصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ.

وقالَ قَوْمٌ: الطاغُوتُ: الأصْنامُ.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ فَهو طاغُوتٌ، وهَذِهِ تَسْمِيَةٌ صَحِيحَةٌ في كُلِّ مَعْبُودٍ يَرْضى ذَلِكَ كَفِرْعَوْنَ ونُمْرُودَ ونَحْوِهِ، وأمّا مَن لا يَرْضى ذَلِكَ كَعُزَيْرٍ وعِيسى عَلَيْهِما السَلامُ، ومَن لا يَعْقِلُ كالأوثانِ فَسُمِّيَتْ طاغُوتًا في حَقِّ العَبَدَةِ، وذَلِكَ مَجازٌ، إذْ هي بِسَبَبِ الطاغُوتِ الَّذِي يَأْمُرُ بِذَلِكَ ويُحَسِّنُهُ وهو الشَيْطانُ.

وقَدَّمَ تَعالى ذِكْرَ الكُفْرِ بِالطاغُوتِ عَلى الإيمانِ بِاللهِ لِيُظْهِرَ الِاهْتِمامَ بِوُجُوبِ الكُفْرِ بِالطاغُوتِ.

والعُرْوَةُ في الأجْرامِ وهي مَوْضِعُ الإمْساكِ وشَدِّ الأيْدِي، و"اسْتَمْسَكَ" مَعْناهُ قَبَضَ وشَدَّ يَدَيْهِ، و"الوُثْقى" فُعْلى مِنَ الوَثاقَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَشْبِيهٌ.

واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في الشَيْءِ المُشَبَّهِ بِالعُرْوَةِ - فَقالَ مُجاهِدٌ: العُرْوَةُ الإيمانُ.

وقالَ السُدِّيُّ: الإسْلامُ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: العُرْوَةُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ.

وهَذِهِ عِباراتٌ تَرْجِعُ إلى مَعْنىً واحِدٍ والِانْفِصامُ: الِانْكِسارُ مِن غَيْرِ بَيْنُونَةٍ، وإذا نُفِيَ ذَلِكَ فَلا بَيْنُونَةَ بِوَجْهٍ، والفَصْمُ كَسْرٌ بِبَيْنُونَةٍ، وقَدْ يَجِيءُ الفَصْمُ بِالفاءِ في مَعْنى البَيْنُونَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: كَأنَّهُ دُمْلُجٌ مِن فِضَّةٍ نَبَهٌ ∗∗∗ في مَلْعَبٍ مِن عَذارى الحَيِّ مَفْصُومُ ولَمّا كانَ الكُفْرُ بِالطاغُوتِ والإيمانُ بِاللهِ مِمّا يَنْطِقُ بِهِ اللِسانُ ويَعْتَقِدُهُ القَلْبُ حَسُنَ في الصِفاتِ "سَمِيعٌ" مِن أجْلِ النُطْقِ و"عَلِيمٌ" مِن أجْلِ المُعْتَقَدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني ناشئ عن الأمر بالقتال في سبيل الله في قوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ﴾ [البقرة: 244] إذ يبدو للسامع أن القتال لأجل دخول العدو في الإسلام فبيّن في هذه الآية أنه لا إكراه على الدخول في الإسلام وسيأتي الكلام على أنّها محكمة أو منسوخة.

وتعقيب آية الكرسي بهاته الآية بمناسبة أنّ ما اشتملت عليه الآية السابقة من دلائل الوحدانية وعظمة الخالق وتنزيهه عن شوائب ما كفرت به الأممُ، من شأنه أن يسوق ذوي العقول إلى قبول هذا الدين الواضححِ العقيدة، المستقيم الشريعةِ، باختيارهم دون جبر ولا إكراه، ومن شأنه أن يجعل دوامهم على الشرك بمحل السؤال: أيُتْرَكون عليه أم يُكْرَهُون على الإسلام، فكانت الجملة استئنافاً بيانياً.

والإكراه الحمل على فعل مكروه، فالهمزة فيه للجعل، أي جعله ذا كراهية، ولا يكون ذلك إلاّ بتخويف وقوع ما هو أشدّ كراهية من الفعل المدعو إليه.

والدين تقدم بيانه عند قوله: ﴿ مالك يوم الدين ﴾ [الفاتحة: 3]، وهو هنا مراد به الشرع.

والتعريف في الدين للعهد، أي دين الإسلام.

ونفي الإكراه خير في معنى النهي، والمراد نفي أسباب الإكراه في حُكم الإسلام، أي لا تكرهوا أحداً على أتباع الإسلام قسراً، وجيء بنفي الجنس لقصد العموم نصاً.

وهي دليل واضح على إبطال الإكراه على الدِّين بسائر أنواعه، لأنّ أمر الإيمان يجري على الاستدلال، والتمكين من النظر، وبالاختيار.

وقد تقرر في صدر الإسلام قتال المشركين على الإسلام، وفِي الحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها».

ولا جائز أن تكون هذه الآية قد نزلت قبل ابتداء القتال كله، فالظاهر أنّ هذه الآية نزلت بعد فتح مكة واستخلاص بلاد العرب، إذ يمكن أن يدوم نزول السورة سنين كما قدمناه في صدر تفسير سورة الفاتحة لا سيما وقد قيل بأنّ آخر آية نزلت هي في سورة النساء (176) ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ الآية، فنسخت حكم القتال على قبول الكافرين الإسلام ودلت على الاقتناع منهم بالدخول تحت سلطان الإسلام وهو المعبّر عنه بالذمة، ووضحُه عمل النبي وذلك حين خلصت بلاد العرب من الشرك بعد فتح مكة وبعد دخول الناس في الدين أفواجاً حين جاءت وفود العرب بعد الفتح، فلما تم مراد الله من إنقاذ العرب من الشرك والرجوع بهم إلى ملَّة إبراهيم، ومن تخليص الكعبة من أرجاس المشركين، ومن تهيئة طائفة عظيمة لحمل هذا الدين وحماية بيضته، وتبيّنَ هدى الإسلام وزال ما كان يحول دون أتِّباعه من المكابرة، وحقّق الله سلامه بلاد العرب من الشرك كما وقع في خطبة حجة الوداع إنّ الشيطان قد يئس من أن يُعبد في بلدكم هذا لَمَّا تم ذلك كله أبطل الله القتال على الدين وأبقى القتال على توسيع سلطانه، ولذلك قال (سورة التوبة 29) ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾ وعلى هذا تكون الآية ناسخة لما تقدّم من آيات القتال مثل قوله قبلها ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلط عليهم ﴾ [التوبة: 73] على أن الآيات النازلة قبلها أو بعدها أنواع ثلاثة: أحدها: آيات أمرت بقتال الدفاع كقوله تعالى: ﴿ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ﴾ [التوبة: 36]، وقوله: ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله ﴾ [البقرة: 194]، وهذا قتال ليس للإكراه على الإسلام بل هو لدفع غائلة المشركين.

النوع الثاني: آيات أمرت بقتال المشركين والكفّار ولم تغيّ بغاية، فيجوز أن يكون إطلاقها مقيّداً بغاية آيةِ ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ [التوبة: 29] وحينئذ فلا تعارضه آيتنا هذه ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ .

النوع الثالث: مَا غُيِّيَ بغاية كقوله تعالى: ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ﴾ [البقرة: 193]، فيتعين أن يكون منسوخاً بهاته الآية وآيةِ ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ [التوبة: 29] كما نُسخ حديثُ " أمرتُ أن أقاتل الناس " هذا ما يظهر لنا في معنى الآية، والله أعلم.

ولأهل العلم قبلنا فيها قولان: الأول قال ابن مسعود وسليمان بن موسى: هي منسوخة بقوله ﴿ يأيها النبي جاهد الكفّار والمنافقين ﴾ [التوبة: 73]، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم أكره العرب على الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلاّ به.

ولعلهما يريدان من النسخ معنى التخصيص.

والاستدلال على نسخها بقتال النبي صلى الله عليه وسلم العربَ على الإسلام، يعارضه أنّه عليه السلام أخذ الجزية من جميع الكفّار، فوجه الجمع هو التنصيص.

القول الثاني أنها محكّمة ولكنّها خاصة، فقال الشعبي وقتادة والحسن والضحاك هي خاصة بأهل الكتاب فإنّهم لا يُكْرَهون على الإسلام إذا أدّوا الجزية وإنّما يجبر على الإسلام أهل الأوثان، وإلى هذا مال الشافعي فقال: إنّ الجزية لا تؤخذ إلاّ من أهل الكتاب والمجوسسِ.

قال ابن العربي في الأحكام «وعلى هذا فكل من رأى قبول الجزية من جنسسٍ يَحمل الآية عليه»، يعني مع بقاء طائفة يتحقق فيها الإكراه.

وقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: نزلت هذه الآية في الأنصار كانوا في الجاهلية إذا كانت المرأة منهم مِقلاتاً أي لا يعيش لها ولد تنذر إن عاش لها ولد أن تهوّده، فلما جاء الإسلام وأسلموا كان كثير من أبناء الأنصار يهودا فقالوا: لا ندع أبناءنا بل نكرههم على الإسلام، فأنزل الله تعالى: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ .

وقال السدي: نزلت في قصة رجل من الأنصار يقال له أبو حُصَين من بني سلِمة بن عَوف وله ابنان جاء تجّار من نصارى الشام إلى المدينة فدعَوْهما إلى النصرانية، فتنصّرا وخرجا معهم، فجاء أبوهما فشكا للنبيء صلى الله عليه وسلم وطلب أن يبعث من يردّهما مكرهين فنزلت ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ ، ولم يؤمر يومئذ بالقتال ثم نسخ ذلك بآيات القتال.

وقيل: إن المراد بنفي الإكراه نفي تأثيره في إسلام من أسلم كرهاً فراراً من السيف، على معنى قوله تعالى: ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ [النساء: 94].

وهذا القول تأويل في معنى الإكراه وحمل للنفي على الإخبار دون الأمر.

وقيل: إنّ المراد بالدين التوحيد ودين له كتاب سماوي وإنّ نفي الإكراه نهي، والمعنى لا تكرهوا السبايا من أهل الكتاب لأنّهنّ أهل دين وأكرهُوا المجوس منهم والمشركات.

وقوله: ﴿ قد تبين الرشد من الغيّ ﴾ واقع موقع العلة لقوله: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ ولذلك فصلت الجملة.

والرشد بضم فسكون، وبفتح ففتح الهُدى وسداد الرأي، ويقابله الغيّ والسفه، والغيّ الضلال، وأصله مصدرُ غَوَى المتعدي فأصله غَوْي قلبت الواو ياء ثم أدغمتا.

وضُمّن تبيّن معنى تميز فلذلك عدي بمَن، وإنّما تبيّن ذلك بدعوة الإسلام وظهوره في بلد مستقل بعد الهجرة.

وقوله: ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾ تفريع على قوله: ﴿ قد تبيّن الرشد من الغي ﴾ إذ لم يبق بعد التبيين إلاّ الكفرُ بالطاغوت، وفيه بيان لنفي الإكراه في الدين؛ إذ قد تفرّع عن تميّز الرشد من الغي ظهور أنّ متّبع الإسلام مستمسك بالعروة الوثقى فهو ينساق إليه اختياراً.

والطاغوت الأوثان والأصنام، والمسلمون يسمّون الصَّنم الطاغية، وفي الحديث: " كانوا يهلون لمناة الطاغية " ويجمعون الطاغوت على طواغيت، ولا أحسبه ألاّ من مصطلحات القرآن وهو مشتق من الطغيان وهو الارتفاع والغلو في الكبر وهو مذموم ومكروه.

ووزن طاغوت على التحقيق طَغَيُوت فَعَلُوت من أوزان المصادر مثل مَلَكوت ورَهَبوت وَرَحَمُوت فوقع فيه قلب مكاني بين عينه ولامه فصيرُ إلى فَلَعوت طيَغوت ليتأتى قلب اللام ألفاً فصار طَاغوت، ثم أزيل عنه معنى المصدر وصار اسماً لطائفة مما فيه هذا المصدر فصار مثل مَلَكوت في أنه اسم طائفة مما فيه معنى المصدر لا مثل رَحَموت ورهبوت في أنّهما مصدران فتاؤه زائدة، وجعل علماً على الكفر وعلى الأصنام، وأصله صفة بالمصدر ويطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث كشأن المصادر.

وعطف ﴿ ويؤمن بالله ﴾ على الشرط لأنّ نبذ عبادة الأصنام لا مزيّة فيه إن لم يكن عَوّضها بعبادة الله تعالى.

ومعنى استمسك تمسك، فالسينُ والتاء للتأكيد كقوله: ﴿ فاستمسكْ بالذي أُوحيَ إليك ﴾ [الزخرف: 43] وقوله: ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ [آل عمران: 195] وقول النابغة: «فاستنكحوا أمّ جابر» إذ لا معنى لطلب التمسك بالعروة الوثقى بعد الإيمان، بل الإيمان التمسك نفسه.

والعروة بضم العين ما يُجعل كالحلْقة في طرف شيء ليقبض على الشيء منه، فللدّلوْ عروة وللكُوز عُروة، وقد تكون العروة في حبل بأن يشدّ طرفه إلى بعضه ويعقد فيصير مثل الحلقة فيه، فلذلك قال في «الكشاف»: العروة الوثقى من الحبل الوثيق.

و ﴿ الوثقى ﴾ المحكمة الشدّ.

﴿ ولا انفصام لها ﴾ أي لا انقطاع، والفصم القطع بتفريق الاتصال دون تجزئة بخلاف القصم بالقاف فهو قطع مع إبانة وتجزئة.

والاستمساك بالعروة الوثقى تمثيلي، شبهت هيأة المؤمن في ثباته على الإيمان بهيأة من أمسك بعروة وثقى من حَبل وهو راكب على صَعب أو في سفينة في هَول البحر، وهي هيأة معقولة شبهت بهيأة محسوسة، ولذلك قال في «الكشاف» «وهذا تمثيل للمعلوم بالنظَر، بالمشاهَد» وقد أفصح عنه في تفسير سورة لقمان إذ قال «مثلت حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه»، فالمعنى أنّ المؤمن ثابت اليقين سالم من اضطراب القلب في الدنيا وهو ناج من مَهاوي السقوط في الآخرة كحال من تمسك بعروة حبل متين لا ينفصم.

وقد أشارت الآية إلى أنّ هذه فائدة المؤمن تنفعه في دنياه بأن يكون على الحق والبصيرة وذلك ممّا تطلبه النفوس، وأشارت إلى فائدة ذلك في الآخرة بقوله: ﴿ والله سميع عليم ﴾ الذي هو تعريض بالوعد والثواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا إكْراهَ في الدِّينِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ في أهْلِ الكِتابِ، لا يُكْرَهُونَ عَلى الدِّينِ إذا بَذَلُوا الجِزْيَةَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ خاصَّةً، كانَتِ المَرْأةُ مِنهم تَكُونُ مِقْلاةً لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ، فَتَجْعَلُ عَلى نَفْسِها إنْ عاشَ لَها ولَدٌ أنْ تُهَوِّدَهُ، تَرْجُو بِهِ طُولَ العُمُرِ، وهَذا قَبْلَ الإسْلامِ، فَلَمّا أجْلى رَسُولُ اللَّهِ  بَنِي النَّضِيرِ، كانَ فِيهِمْ مِن أبْناءِ الأنْصارِ، فَقالَتِ الأنْصارُ: كَيْفَ نَصْنَعُ بِأبْنائِنا؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِفَرْضِ القِتالِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الشَّيْطانُ وهو قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ.

والثّانِي: أنَّهُ السّاحِرُ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والثّالِثُ: الكاهِنُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: الأصْنامُ.

والخامِسُ: مَرَدَةُ الإنْسِ والجِنِّ.

والسّادِسُ: أنَّهُ كُلُّ ذِي طُغْيانٍ طَغى عَلى اللَّهِ، فَيُعْبَدُ مِن دُونِهِ، إمّا بِقَهْرٍ مِنهُ لِمَن عَبَدَهُ، أوْ بِطاعَةٍ لَهُ، سَواءٌ كانَ المَعْبُودُ إنْسانًا أوْ صَنَمًا، وهَذا قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ.

والسّابِعُ: أنَّها النَّفْسُ لِطُغْيانِها فِيما تَأْمُرُ بِهِ مِنَ السُّوءِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ  ﴾ .

واخْتَلَفُوا في ﴿ الطّاغُوتُ ﴾ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَماعَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الطّاغِيَةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هي الإيمانُ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: سُنَّةُ الرَّسُولِ.

والثّالِثُ: التَّوْفِيقُ.

والرّابِعُ: القُرْآنُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ لا انْفِصامَ لَها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا انْقِطاعَ لَها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: لا انْكِسارَ لَها، وأصْلُ الفَصْمِ: الصَّدْعُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن منده في غرائب شعبه وابن حبان وابن مردويه والبيهقي في سننه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا.

فأنزل الله: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ قال: نزلت في الأنصار خاصة.

قلت: خاصة، كانت المرأة منهم إذا كانت نزورة أو مقلاة تنذر: لئن ولدت ولداً لتجعلنه في اليهود تلتمس بذلك طول بقاءه، فجاء الإِسلام وفيهم منهم، فلما أجليت النضير قالت الأنصار: يا رسول الله أبناؤنا وإخواننا فيهم، فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد خير أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم، فأجلوهم معهم» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يعيش لها ولد، فتنذر إن عاش ولدها أن تجعله مع أهل الكتاب على دينهم، فجاء الإِسلام وطوائف من أبناء الأنصار على دينهم، فقالوا: إنما جعلناهم على دينهم، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وأن الله جاء بالإِسلام فلنكرهنهم، فنزلت ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ فكان فصل ما بينهم إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، فلحق بهم من لم يسلم، وبقي من أسلم.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان ناس من الأنصار مسترضعين في بني قريظة فثبتوا على دينهم، فلما جاء الإِسلام أراد أهلوهم أن يكرهوهم على الإِسلام، فنزلت ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن مجاهد قال: «كانت النضير أرضعت رجالاً من الأوس، فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجلائهم قال أبناؤهم من الأوس: لنذهبن معهم ولندينن دينهم، فمنعهم أهلوهم وأكرهوهم على الإِسلام، ففيهم نزلت هذه الآية ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ » .

وأخرج ابن جرير عن الحسن.

أن ناساً من الأنصار كانوا مسترضعين في بني النضير، فلما أجلوا أراد أهلوهم أن يلحقوهم بدينهم، فنزلت ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ .

وأخرج ابن اسحق وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلاً مسلماً، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية، فأنزل الله فيه ذلك.

وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن عبيدة «أن رجلاً من الأنصار من بني سالم بن عوف كان له ابنان تنصرا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فقدما المدينة في نفر من أهل دينهم يحملون الطعام، فرآهما أبوهما فانتزعهما وقال: والله لا أدعهما حتى يسلما، فأبيا أن يسلما، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟

فأنزل الله: ﴿ لا إكراه في الدين...

﴾ الآية.

فخلى سبيلهما» .

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر «عن السدي في قوله: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين، كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا، فرجعا إلى الشام معهم، فأتى أبوهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابني تنصرا وخرجا فاطلبهما؟

فقال: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال: أبعدهما الله، هما أول من كفر، فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما، فنزلت ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم...

﴾ [ النساء: 65] الآية.

ثم نسخ بعد ذلك ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ وأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ﴾ قال: وذلك لما دخل الناس في الإِسلام، وأعطى أهل الكتاب الجزية.

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة في الآية قال: كانت العرب ليس لها دين، فاكرهوا على الدين بالسيف، قال: ولا يكره اليهود ولا النصارى والمجوس إذا أعطوا الجزية.

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن في قوله: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ قال: لا يكره أهل الكتاب على الإِسلام.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن وسق الرومي قال: كنت مملوكاً لعمر بن الخطاب، فكان يقول لي: أسلم فإنك لو أسلمت استعنت بك على أمانة المسلمين، فإني لا أستعين على أمانتهم بمن ليس منهم، فأبيت عليه فقال لي: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ .

وأخرج النحاس عن أسلم.

سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: أسلمي تسلمي، فأبت فقال عمر: اللهم اشهد ثم تلا ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سليمان بن موسى في قوله: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ قال: نسختها ﴿ جاهد الكفار والمنافقين ﴾ [ التوبة: 73] .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن حميد الأعرج.

أنه كان يقرأ ﴿ قد تبين الرشد ﴾ وكان يقول: قراءتي على قراءة مجاهد.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب قال: ﴿ الطاغوت ﴾ الشيطان.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن جابر بن عبدالله.

أنه سئل عن الطواغيت قال: هم كهان تنزل عليهم الشياطين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ﴿ الطاغوت ﴾ الكاهن.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال: ﴿ الطاغوت ﴾ الساحر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: ﴿ الطاغوت ﴾ الشيطان في صورة الإِنسان، يتحاكمون إليه وهو صاحب أمرهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس قال: ﴿ الطاغوت ﴾ ما يعبد من دون الله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾ قال: لا إله إلا الله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أنس بن مالك في قوله: ﴿ فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾ قال: القرآن.

وأخرج سفيان وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ بالعروة الوثقى ﴾ قال: الإِيمان.

ولفظ سفيان قال: كلمة الإِخلاص.

وأخرج البخاري ومسلم عن عبدالله بن سلام قال: «رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيت كأني في روضة خضراء، وسطها عمود حديد، أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة فقيل لي: اصعد عليه فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك بالعروة فاستيقظت وهي في يدي، فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما الروضة فروضة الإِسلام، وأما العمود فعمود الإِسلام، وأما العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإِسلام حتى تموت» .

وأخرج ابن عساكر عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر، فإنهما حبل الله الممدود، فمن تمسك بهما فقد تمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: القدر نظام التوحيد، فمن كفر بالقدر كان كفره بالقدر نقصاً للتوحيد، فإذا وحد الله وآمن بالقدر فهي العروة الوثقى.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل.

أنه سئل عن قوله: ﴿ لا انفصام لها ﴾ قال: لا انقطاع لها دون دخول الجنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ الآية.

اللام في الدين، قيل: إنه لام العهد، وقيل: بدل من الإضافة، كقوله: ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى  ﴾ أي: مأواه، وأراد: في دين الله (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وذلك أن العرب كانت أمة أمية، لم يكن لهم دين ولا كتاب، فلم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف (٦) (٧) ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ فأمر أن يقاتل أهل الكتاب، والمجوس، والصابئون، على أن يسلموا أو يقروا بالجزية، فمن أقر منهم بالجزية، قبلت منه وخُلّي سبيلُه، ولم يُكره على الإسلام (٨) والحكم في هذا: أن الحربي إذا أُكْره على الإسلام فتلفظ بالشهادتين خوف السيف صحّ إسلامه، ولا خلاف في ذلك؛ لأن الإكراه إكراه بالحق هذا (٩) (١٠) وقال ابن مسعود، (١١) (١٢) (١٣)  بقتال أهل الكتاب في سورة براءة.

وقال سليمان بن موسى (١٤) ﴿ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ  ﴾ (١٥) وقال الزجاج: الإكراه في هذه الآية معناه: النسبة إلى الكره، كما يقال: أكفره وأفسقه وأكذبه.

ومعنى الآية: لا تقولوا لمن دخل بعد الحرب في الإسلام: إنه (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا  ﴾ (١٩) وقوله تعالى: ﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ يقال: بَانَ الشيءُ وأَبَانَ واستبان وَبيَّنَ: إذا ظهر وَوَضَح، ومنه المثل: قد بَيَّنَ الصُّبْح لذي عينين، ويقال: تبَيَّن (٢٠) والرُّشْدُ معناه في اللغة: إصابةُ الخير، وفيه لغتان: رَشَد يَرْشُد رُشْدُا، ورشِد يرشَد رشَدًا (٢١) (٢٢) والغيُّ: نقيض الرُّشد، يقال: غوى يغوي غيًا وغوايةً، إذا سلك خلافَ طريقِ الرشد (٢٣) فمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَه ...

ومَنْ يَغْوِ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائِما (٢٤) قال أبو عبيد: وبعضٌ يقول: غَوِيْتُ أَغْوَى، وليست بمعروفة، إنما هي في الفصيل إذا بِشِمَ من اللبن (٢٥) ومعنى ﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ ﴾ مِنْ الغَبِّ ظهر الإيمان من الكفر، والهدى من الضلالة بكثرة الحجج والآيات الدالة.

وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾ قال أهل اللغة: الليث، (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ  ﴾ فهذا في الواحد، قيل: هو كعب بن الأشرف (٣٠) (٣١) ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ  ﴾ وقال في المؤنث: ﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا  ﴾ .

ومثله من الأسماء: الفُلْك، يكون (٣٢) (٣٣) قال النحويون: وزنه: فَعَلوت، نحو: جَبَرُوت، والتاء زائدة فيه، وهي مشتقة من طَغَى، وتقديره: طَغَوُوْت (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) ﴿ أَنْ يَعْبُدُوهَا  ﴾ فإنما أَنَّثَ إِرادةَ الآلهة، ويدل على أنه مصدر مفرد قوله: ﴿ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ﴾ فأفرد في موضع الجمع، كما قال: هم رضا، وهم عدل (٣٨) قال ابن عباس (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾ اسْتَمْسَكَ بالشيء: إذا تمسك به (٤٣) والعُرْوة: جمعها عُرًى، وهي نحو عُروة الدَّلو والكُوز، وإنما سُميت لأنها يتعلق بها، من قولهم: عَرَوْتُ الرجلَ أَعْرُوهُ عَرْوًا: إذا ألمَمْتَ به مُتَعلِّقا بسبب منه، والعُرْوَةُ: شَجَر يبقى على الجَدْب؛ لأن الإبل تتعلق (٤٤) (٤٥) ومنه قول مهلهل (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (والوُثْقَى) تأنيث الأوثق (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) قال أهل المعاني: العروة (٥٧)  .

وقوله تعالى: ﴿ لَا انْفِصَامَ لَهَا ﴾ الفَصْم: كَسْرُ الشيء من غير إبانة، يدل عليه قولُ ذىِ الرمة يَصِفُ ظَبْيًا حاقِفًا: كأنه دُمْلجٌ من فِضَّةٍ نَبَهٌ ...

في مَلْعَبٍ من جَوَارِي الحَيِّ مَفْصومُ (٥٨) والانفصام: مطاوع الفَصْم، يقال: فَصمْتُه فانْفَصَم، أي: صَدَعْتُه فانْصَدَع (٥٩) قال ابن عباس: لا انقطاع لها دون رضى الله ودخول الجنة (٦٠) قال النحويون: نَظْمُ الآيةِ: بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والعرب تضمر (التي والذي ومن وما)، وتكتفي بصلاتها منها (٦١) (٦٢) والعادِياتُ أَسَابِيُّ الدِّماءِ بها ...

كأنَّ أَعْناقَها أَنْصابُ تَرْجِيبِ (٦٣) يريد: والعاديات (٦٤) ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ  ﴾ أي: رأيت (٦٥) كَذَبْتُم وبَيْتِ الله لا تَنْكِحُونَها ...

بَني شَابَ قَرْنَاهَا تُصَرُّ وتُحْلَبُ (٦٦) على معنى: بني مَنْ شاب قرناها، وقال الله عز وجل: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ  ﴾ ، أي: من له.

وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: كان رسول الله  يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين حول المدينة، وكان يسأل الله ذلك سرًّا وعلانية (٦٧) فمعنى قوله: والله سميع، يريد: لدعائك يا محمد، عليم بحرصك واجتهادك.

وقال (٦٨) (٦٩) (١) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 282.

(٢) "الوسيط" 1/ 369.

(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 102، والطبري في "تفسيره" 3/ 16، "ابن أبي حاتم" في "تفسيره" 2/ 493.

(٤) "الوسيط" 1/ 369.

(٥) عزاه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1472 إلى قتادة والضحاك وعطاء وأبي روق والواقدي.

(٦) في (ي) (والسيف).

(٧) في (ي) و (ش) (وأكرهوا).

(٨) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1472.

(٩) ساقط من (ي).

(١٠) ينظر: المغني 12/ 291، وخالف محمد بن الحسن، حيث يرى أن الذمي المكره على الإسلام يصير مسلمًا في الظاهر، وإن رجع عنه قتل إذا امتنع عن الإسلام.

(١١) ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 314، والقرطبي 3/ 280.

(١٢) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 494، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 306.

(١٣) ذكره في "النكت والعيون" 1/ 327، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 306.

(١٤) لعله سليمان بن موسى بن الأشدق أبو أيوب الدمشقي، روى عن عطاء وعمرو بن شعيب، وروى عنه الأوزاعي وابن جابر، كان أوثق أصحاب مكحول، وكان فقيها ثبتا.

ينظر "الجرح والتعديل" 4/ 141 - 142، "التقريب" ص 255 (2616).

(١٥) ذكره القرطبي في "تفسيره" 3/ 280.

(١٦) في (ي): (لا تقولوا من دخل في الإسلام بعد الحرب دخل مكرها).

(١٧) في (ش) (بمكروه).

(١٨) "معاني القرآن" 1/ 338.

(١٩) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1475.

(٢٠) ينظر في (بان): "تهذيب اللغة" 1/ 264، "المفردات" ص 45، "اللسان" 1/ 406.

(٢١) ينظر في (رشد): "تهذيب اللغة" 2/ 1411، "المفردات" ص 202، "اللسان" 3/ 649.

وذكر الراكب عن بعضهم الفرق بين الرشَد والرُّشْد، بأن الرَّشَد أخص من الرُّشد، فإن الرُّشد يقال في الأمور الدنيوية والأخروية، والرَّشَد يقال في الأمور الأخروية لا غير.

والراشد والرشيد يقال فيهما جميعا.

(٢٢) ذكر في "تهذيب اللغة" 2/ 1411 مادة "رشد" أن الليث فرق بين رَشَد يرشُد رُشْدا ورَشَادا، ورَشِد يرشَد رَشَدا، بأن الأول نقيض الغي، والثاني نقيض الضلال، ثم ذكر الأزهري أن غير الليث جعلوهما بمعنى واحد.

(٢٣) ينظر في (غوى): "تهذيب اللغة" 3/ 2706، و"القاموس المحيط" ص 1220، "اللسان" 6/ 3320، قال الراغب: الغيُّ: جهل من اعتقاد فاسد، وذلك أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقادا لا صالحًا ولا فاسدًا، وقد يكون من اعتقاد شيء فاسد، وهذا النحو الثاني يقال له غيٌّ.

(٢٤) البيت للمُرَقِّش، كما في "اللسان" 6/ 3320 مادة "غوص"، وضُبطت: يغْوَ، بفتح الواو، بينما في نسخة (أ) من البسيط ضُبطت بكسر الواو.

(٢٥) نقله في "تهذيب اللغة" 3/ 2706 مادة (غوى)، وينظر "غريب الحديث" لأبي عبيد، وغويت أغْوَى، تقال في الفصيل إذا بشم وأتخم، وإذا لم يصب ريًّا من اللبن.

(٢٦) نقله عنه في: "تهذيب اللغة" 3/ 2196 مادة (طغى).

(٢٧) "مجاز القرآن" 1/ 79، "تهذيب اللغة" 3/ 2196 مادة (طغى).

(٢٨) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 3/ 2196 مادة (طغى).

(٢٩) في (م): (وجمع).

(٣٠) كعب بن الأشرف الطائي: من بني نبهان، شاعر جاهلي، أمه يهودية من بني النضير، وكان سيداً فيهم، هجا النَّبي  وأصحابه، وآذى كثيرًا من المسلمين، أمر النبي بقتله، فقتله خمسة من الأنصار ظاهر حصنه سنة 3 هـ.

ينظر "الروض الأنف" 3/ 139، "الأعلام" 5/ 225.

(٣١) ساقط من (ي).

(٣٢) في (ش): (تكون).

(٣٣) ينظر في الطاغوت: "تهذيب اللغة" 3/ 2196، "التبيان" 153، "اللسان" 5/ 2678، مادة (طغى) وفى "المفردات" 307 - 308 قال الراغب: والطاغوت: عبارة عن == كل متعد وكل معبود من دون الله، ويستعمل في الواحد والجمع.

ولما تقدم سمِّي الساحر والكاهن والمارد من الجن والصارف عن طريق الخير طاغوتًا.

(٣٤) في (ي) (إنها طغووت).

(٣٥) ليست في (م).

(٣٦) ينظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 137، "المفردات" ص308، "التبيان" ص153، "اللسان" 5/ 2678 مادة (طغى).

قال العكبري: وأصله طغَيُوت؛ لأنه من طغيت تطغى، ويجوز أن يكون من الواو؛ لأنه يقال فيه: يطغو أيضا، والياء أكثر، وعليه جاء الطغيان، ثم قدمت اللام فجعلت قبل العين، فصار طيْغوتًا أو طوْغوتًا، فلما تحرك الحرف وانفتح ما قبله قلب ألفا، فوزنه الآن فلَعوت، وهو مصدر في الأصل مثل الملكوت والرهبوت.

اهـ.

وبنحو هذا في "مشكل إعراب القرآن".

(٣٧) المبرد، نقله عنه في "البحر المحيط" 2/ 272.

(٣٨) أبو علي، نقله عنه في "البحر المحيط" 2/ 272.

(٣٩) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 495، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1477، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 306.

(٤٠) "تفسير مقاتل" 1/ 215.

(٤١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1477.

(٤٢) تفسير ابن أبي حاتم 2/ 495، "بحر العلوم" للسمرقندي 1/ 224، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1477.

(٤٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1478، "المفردات" ص 471، قال: واستمسكت بالشيء إذا تحريت الإمساك.

(٤٤) في (م) (ش): (يتعلق).

(٤٥) ينظر في (العروة): "تهذيب اللغة" 3/ 2376، "اللسان" 5/ 2919، قال الراغب في "المفردات" ص 335: والعروة: ما يتعلق به من عراه، أي ناحيته، قال تعالى: ﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾ وذلك على سبيل التمثيل، والعروة أيضا شجرة يتعلق بها الإبل، ويقال لها: عروة وعَلْقةً.

(٤٦) مهلهل بن ربيعة التغلبي؛ قيل: اسمه امرؤ القيس، وقيل: عدي، ورجح المرزُباني أن عديًّا أخوه، سمي مهلهلًّا؛ لأنه هلهَل الشعر، أي: أَرقّه، ويقال إنه أول من قصد القصائد، وفي الأعلام رجح عديًّا، وقال توفي نحو 100 ق هـ.

ينظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 39، "معجم الشعر" للمرزباني ص 248، "الأعلام" 4/ 220.

(٤٧) حاشية على نسخة (أ) نصها: والنصِي من نبات الرمل، يقال له: الغضا والأرَطى والألا، مثال: العُلا، وهو شجر حسن المنظر، مر الطعم، والسبط والنَّصِي ما دام رطبًا، فإذا يبس فهو الحَلِي.

(٤٨) ساقط من (ي).

(٤٩) في (م): (كأنها أهل).

(٥٠) في (م): (تعلقت).

(٥١) "تهذيب اللغة" مادة (عرا) 3/ 2376.

(٥٢) "المفردات" 527.

(٥٣) ذكره القرطبي في "تفسيره" 3/ 282، "ابن أبي حاتم" في "تفسيره" 2/ 496.

(٥٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 20، "ابن أبي حاتم" في "تفسيره" 2/ 496.

(٥٥) "معاني القرآن" 1/ 339.

(٥٦) من قوله: (وقال الزجاج).

ساقط من (ي).

(٥٧) ساقطة من (ش).

(٥٨) البيت في ديوان ذي الرمة ص 572، وفي "تهذيب اللغة" 3/ 2795، وجاء في "اللسان" مادة (فصم) 6/ 3424،: شبه الغزال وهو نائم بدملج فضة قد طرح ونُسي، وكل شيء سقط من إنسان فنسيه ولم يهتد له فهو نَبَهٌ، قال ابن بري: قبل في نبه: إنه المشهور، وقيل: النفيس الضال الموجود عن غفلة لا عن طلبَ، وقيل هو المنسي.

(٥٩) ينظر في فصم: "تهذيب اللغة" 3/ 2795، "اللسان" 6/ 3424، وفي "البحر المحيط" 2/ 272، ذكر أبو حيان أن الفصم: الانكسار من غير بينونة، والقصم: الكسر ببيونة، وقد يجيء الفصم -بالفاء- في معنى البينونة.

(٦٠) ذكره في "الوسيط" 1/ 370.

(٦١) في (ي): (منهما).

(٦٢) سلامة بن جندل بن عبد عمرو، من بني كعب بن سعد التميمي، أبو مالك: شاعر جاهلي، من الفرسان، من أهل الحجاز، في شعره حكمة وجودة، توفي في حدود 23 ق.

هـ.

ينظر الأعلام 3/ 106.

(٦٣) البيت في ديوان سلامة ص 96، وجاء في "لسان العرب" 3/ 1084 مادة (رجب) شَبّه الشاعر أعْناق الخيل بالنخلِ المُرَجَّب، والترجيب: التعظيم أو إرفاد النخلة من جانب ليمنعها من السقوط، وقيل: شبه أعناقها بالحجارة التي تذبح عليها النسائك.

(٦٤) في (ي): (العادة).

(٦٥) ساقط من (ش).

(٦٦) البيت من الطويل للأسدي في "لسان العرب" 6/ 3609 (مادة: قرن).

(٦٧) هذه الرواية التي تقدم عنها الحديث في قسم الدراسة.

(٦٨) في (ي): (قال).

(٦٩) "معاني القرآن" 1/ 339.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين ﴾ المعنى: أن دين الإسلام في غاية الوضوح وظهور البراهين على صحته، بحيث لا يحتاج أن يكره أحد على الدخول فيه بل يدخل فيه كل ذي عقل سليم من تلقاء نفسه، دون إكراه ويدل على ذلك قوله: ﴿ قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي ﴾ أي قد تبين أن الإسلام رشد أن الكفر غي، فلا يفتقر بعد بيانه إلى إكراه، وقيل: معناه الموادعة، وأن لا يكره أحد بالقتال على الدخول في الإسلام؛ ثم نسخت بالقتال، وهذا ضعيف لأنها مدنية وإنما آية المسالمة وترك القتال بمكة ﴿ بالعروة الوثقى ﴾ العروة في الأَجْرام هي: موضع الإمساك وشدّ الأيدي، وهي هنا تشبيه واستعارة في الإيمان ﴿ لاَ انفصام لَهَا ﴾ لا انكسار لها ولا انفصال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: تعرف ممَّا مرَّ.

الوقوف: ﴿ إلا هو ﴾ ج، لأن قوله: ﴿ الحي القيوم ﴾ يصلح بدلاً عن الضمير وخبر ضمير آخر محذوف ﴿ القيوم ﴾ ج لاختلاف الجملتين، ﴿ ولا نوم ﴾ ط، ﴿ وما في الأرض ﴾ ط لابتداء الاستفهام.

﴿ بإذنه ﴾ ط لانتهاء الاستفهام.

﴿ وما خلفهم ﴾ ج للفرق بين الأخبار عن علمه الكامل مطلقاً وإثبات علم الخلق المقدر لمشيئته مبتدأ بالنفي.

﴿ بما شاء ﴾ ج لاختلاف الجملتين.

﴿ حفظهما ﴾ ج ﴿ العظيم ﴾ هـ.

﴿ الغي ﴾ ج، لأن من للشرط مع فاء التعقيب.

﴿ الوثقى ﴾ ط قد قيل للاستئناف بالنفي والوجه الوصل على جعل الجملة حالاً للعروة أي: استمسك بها غير منفصمة ﴿ لها ﴾ ط.

﴿ عليم ﴾ هـ.

﴿ آمنوا ﴾ لا، لأن ﴿ يخرجهم ﴾ حال والعامل معنى الفعل في ﴿ ولي ﴾ تقديره: الله يليهم مخرجاً لهم أو مخرجين ﴿ إلى النور ﴾ ط للفصل بين الفريقين: ﴿ الطاغوت ﴾ لا، لأن ﴿ يخرجونهم ﴾ حال.

إلى الظلمات ط.

﴿ النار ﴾ ج.

﴿ خالدون ﴾ هـ.

التفسير: قد جرت عادته  في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط الأنواع الثلاثة، أعني: علم التوحيد وعلم الأحكام، وعلم القصص بعضها ببعض.

والغرض من ذكر القصص إما تقرير دلائل التوحيد، وإما المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف، وفي هذا النسق أيضاً رحمة شاملة ولطف كامل؛ فإن طبع الإنسان جبل على الملال، فكلما انتقل من أسلوب إلى أسلوب انشرح صدره وتجدد نشاطه وتكامل ذوقه ولذته ويصير أقرب إلى فهم معناه والعمل بمقتضاه.

وإذ قد تقدَّم من علم الأحكام والقصص ما اقتضى المقام إيراده ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد.

فقال ﴿ الله لا إله إلا هو الحى القيوم ﴾ عن النبي  أنه قال " "ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة " .

وعن عليّ  : "سمعت نبيكم وهو على أعواد المنبر يقول من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره، وجار جاره والأبيات حوله" وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي  : أين أنتم من آية الكرسي؟.

ثم قال: قال رسول الله  "يا علي سيد البشر آدم  ، وسيد العرب أنت، وسيد العالمين محمد  ولا فخر، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي" .

وعن عليّ  أنه قال: "لما كان يوم بدر قاتلتُ ثم جئتُ إلى رسول الله  أنظر ماذا يصنع، فجئت فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوملا يزيد على ذلك.

ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو  يقول ذلك.

فلا أزال أذهب وارجع وأنظر إليه وكان لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له" .واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم، وأشرف المذكورات والمعلومات هو الله  بل هو متعالٍ عن أن يقال هو أشرف من غيره لأن ذلك يقتضي نوع مشاكلة أو مجانسة وهو مقدس عن مجانسة ما سواه؛ ولما كانت الآية مشتملة من نعوت جلاله وأوصاف كبريائه على الأصول والمهمات، فلا جرم وصلت في الشرف إلى أقصى الغايات ونهاية التصورات.

ولنشتغل بالتفسير.

أما لفظ "الله" فقد مرَّ تفسيره في أول الكتاب.

وأما قوله ﴿ لا إله إلاَّ هو ﴾ فقد سبق تفسيره في قوله ﴿ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو  ﴾ وأما ﴿ الحي القيوم ﴾ فقد سلف أيضا معناهما في شرح الأسماء، إلا أنا نزيد ههنا فنقول: عن ابن عباس: إن أعظم أسماء الله "الحي القيوم".

ويؤكده ما روينا من قصة بدر ولو كان ذكر أشرف منه لذكره وقتئذٍ في السجود.

وأما الدليل العقلي فإن "الحي" قيل هو الذي يصلح أن يعلم ويقدر، أو هو الدراك الفعال، فأورد عليه أن هذا لا يقتضي المدح لمشاركة أخس الحيوانات إياه في ذلك.

ونحن نقول إن "الحي" في اللغة ليس عبارة عمن يوجد فيه هذه الصفة من هذه الحيثية فقط، بل كل شيء، يكون كاملاً في جنسه فإنه يسمَّى حيًّا.

ومن ههنا يصحُّ أن يقال: أحيا الموات، وأحيا الله الأرض.

فإن كمال حال الأرض أن تكون معمورة، وكمال حال الأشجار أن تكون مورقة نضيرة.

ولما كان كمال حال الجسم أن يكون بحيث يصح أن يعلم ويقدر، فلا جرم سميت تلك الصفة حياة.

فالمفهوم من "الحي" هو الكامل في جنسه، والكامل في الوجود هو الذي يجب وجوده بذاته، فلا حيّ بالحقيقة إلاّ واجب الوجود لذاته.

وأما "القيوم" فيطلق لمجموع اعتبارين: أحدهما، أنه لا يفتقر في قوامه إلى غيره.

والثاني أنَّ غيره يفتقر في قوامه إليه، وبهذا الثاني يزيد على مفهوم "الحي".

ومن هذين الأصلين يتشعَّب جميع مسائل التوحيد والمعرفة فمنها أن واجب الوجود واحد في ذاته وبجميع جهات الوحدة، إذ لو فرض فيه تركّب بوجه من الوجوه افتقر في تحققه إلى وجود ذينك الجزأين فيقدح في كونه قيوماً؛ ومنها أنه لا شريك له وإلا اشتركا في الوجوب وتباينا بالتعيُّن فيكون كلّ منهما مركّباً من جزأين فلا يكون قيوماً ولا حيَّا، فإن كلّ مركّب مفتقِرٌ وكل مفتقِرٍ ممكنٌ؛ ومنها أن لا يكون متّحيزاً لأن كلَّ متّحيزٍ منقسمٌ، قد ثبت أنه واحد، ومنها أنه ليس في جهة يُشار إليها، وإلا كان متحيزاً؛ ومنها أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا يصح عليه الحركة والسكون والانتقال والحالية والمحلية وغير ذلك؛ ومنها أنه عالم بجميع المعلومات فإنه لا معنى للعلم إلا حضور حقيقة المعلوم للعالم، وإذا كان حيًّا قيوماً كانت حقيقته حاضرة عند ذاته وذاته مقوم لغيره، والعلم بالعلة يوجبُ العلم بالمعلول فيكون عالماً بما سواه.

ومنها أنه قادر على كل المقدورات، وإلا لم يكن قيوماً بمعنى كونه مقوماً لغيره ويعلم منه استناد كل الممكنات إليه بواسطة أو غير واسطة، ويلزم منه القول بالقضاء والقدر.

"والحي" أصله حيي كحذر وطمع، فأدغمت الياء في الياء عند اجتماعهما، وكلا الياءين أصل، وقال ابن الأنباري: أصله "حيو" بدليل الحيوان، فلما اجتمعت الواو والياء ثم كان السابق ساكناً، جعلنا ياء مشددة، وزيف بكونه عديم النظير فإنه لم يوجد ما عينه ياء ولامه واو.

"والقيوم" مبالغة قائم، وأصله "قيووم" على "فيعول"، فجعلت الياء الساكنة والواو الأولى ياء مشددة.

ولو كان "قوّوما" على "فعول" لقيل "قووم"، وعن عمر أنه قرأ "الحي القيام".

وقرىء "القيم" ثم لما بين أنه "حي قيوم" أكد ذلك بقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ولهذا فقد العاطف بينهما وكذا فيما يعقبهما والسنة ما يتقدم النوم من الفتور الذي يسمَّى النعاس، أي: لا/ يأخده نعاس، فضلاً أن يأخذه نوم أو نقول: نفى الأخص أولاً، ثم نفى الأعم ليفيد المبالغة من حيث لزوم نفي النوم أولاً ضمناً ثم ثانياً صريحاً.

ولو اقتصر على نفي الأخص لم يلزم منه نفي الأعم، والمعنى أنه لا يفتر عن تدبير الخلق لأن القيم بأمر الطفل لو غفل عنه ساعة اختل أمر الطفل، وهو كما يقال لمن ضيع وأهمل: إنك لوسنان نائم.

ومما يدل على أن السهو والغفلة والنوم على الله محال هو أن هذه الأشياء إما أن تكون عبارات عن عدم العلم، أو عن أضداد العلم.

وعلى التقديرين فجواز طريانها يوجب جواز زوال علم الله تعالى، فلا يكون العلم مقتضى ذاته فيفتقر إلى فاعل: فواجب الوجود لذاته لا يكون واجباً بجميع صفاته، فلا يكون حيًّا ولا قيوماً وهذا خلف.

"روي عن النبي  أن موسى  سأل الملائكة: هل ينام ربنا؟

فأوحى الله إليهم أن يوقظوه ثلاثاً ولا يتركوه ينام، ثم أعطاه قاروتين مملؤتين ماء في كل يدٍ واحدة، وأمره بالاحتفاظ.

فكان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فضرب إحداهما على الأخرى فانكسرتا" .

وكان ذلك مثلا في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السموات والأرضين.

وهذه الرواية، إن صحت، وجب أن ينسب هذا السؤال إلى جهال قوم موسى كطلب الرؤية، وإلا فكيف يجوز على نبيّ الله تجويز النوم على "الحي القيوم" والتجويز شك، والشك في مثله كفر.

ثم لما بيَّن كونه "قيوماً" وأكده بما أكد، رتّب عليه حكماً وهو قوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ لأن كل ما سواه فإنما تقوّمت ماهيته وتحصّل وجوده به، فيكون ملكاً له، ويلزم منه أن يكون حكمه جارياً في الكل، ولا يكون لغيره في شيء من الأشياء حكم إلا بإذنه وأمره، وهو المراد بقوله: ﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ ومعنى الاستفهام ههنا الإنكار، أي: لا يشفع، وفيه ردّ على المشركين القائلين للأصنام: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله  ﴾ ويلزم من كون غيره غير متصرف في ملكه بوجهٍ من الوجوه إلا بأمره كونه عالماً بالكل وكون غيره غير عالم بالكل إلا بإعلامه.

فأشار إلى الأول بقوله ﴿ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ﴾ ، وإلى الثاني بقوله ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ﴾ والمعنى: يعلم ما كان قبلهم وما يَكون بعدهم والضمير لما في السموات والأرض، لأن فيهم العقلاء فغلبوا، أو لما دل عليه قول ﴿ مَنْ ذا ﴾ من الملائكة والأنبياء والصالحين والشهداء.

عن مجاهد وعطاء والسدي أي: يعلم ما كان قبلهم من أمور الدنيا وما كان بعدهم من أمور الآخرة؛ وعن الضحاك والكلبي: ﴿ ما بين أيديهم ﴾ : الآخرة لأنهم يقدمون عليها، "وما خلفهم" الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم.

وعن ابن عباس: ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ من السماء إلى الأرض، "وما خلفهم" يريد ما في السموات وقيل: ما فعلوا من خير وشر وما يفعلونه بعد/ ذلك، والغرض أنه  عالم بأحوال الشافع والمشفوع له فيما يتعلق باستحقاق الثواب والعقاب، لأنه عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه خافية، والشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أن لهم من الطاعة ما يستحقون به هذه المنزلة العظيمة عند الله ولا يعلمون أن الله تعالى أذن لهم في تلك الشفاعة أم لا، فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه، أي من معلوماته، إلا بما علم كقوله: ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا  ﴾ ويحتمل أن يراد: ولا يعلمون الغيب إلا بإعلامه كقوله: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول  ﴾ وإذا كان الشفعاء وهم الملائكة والأنبياء لا يعلمون شيئاً إلا بتعليم الله فغيرهم بعدم العلم أولى.

ثم إنه لما بين كمال ملكه وحكمه في السموات وفي الأرضين ذكر أن ملكه فيما عدا السموات والأرضين أعظم وأجلّ، وأنّ ذلك مما ينقطع دون الإيماء إلى أدنى درجة من درجاتها أوهام المتوهمين، فقال ﴿ وسع كرسيه السموات والأرض ﴾ يقال وسع فلان الشيء إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به.

قال  : " لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي" " أي: لم يحتمل غير ذلك.

وأما "الكرسي" فأصله من التركيب والتلبد، ومنه الكرس بالكسر للأبوال والأبعار يتلبد بعضها على بعض، والكراسة لتراكب بعض أوراقها على بعض، والكرسي لما يجلس عليه لتركب خشباته، وللمفسرين في معناه ههنا أقوال: فعن الحسن أنه جسم عظيم يسع السموات والأرض وهو نفس العرش لأن السرير قد يوصف بأنه عرش وبأنه كرسي لأن كل واحد منهما يصح التمكن عليه.

وقيل إنه دون العرش وفوق السماء السابعة وقد وردت الأخبار الصحيحة بهذا.

وعن السدي أنه تحت الأرض.

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكرسي موضع القدمين وينبغي أن تحمل هذه الرواية إن صحت على ما لا يفضي إلى التشيبيه ككونه موضع قدم الروح الأعظم أو ملك آخر عظيم القدر عند الله  .

وههنا أسرارا لا أحبُّ إظهارها لو شاء الله أن يطلع عليها عبداً من عبيده فهو أعلم بمحارم أسراره.

وقيل: المراد من الكرسي أن السلطان والقدرة والملك له لأن الإلهية لا تحصل إلا بهذه الصفات، والعرب تسمِّي أصل كل شيء الكرسي، أو لأنه تسمية للشيء باسم مكانه؛ فإن الملك مكانه الكرسي.

وقيل: المراد به العلم لأن موضع العالم هو الكرسي وأيضا العلم هو الأمر المعتمد عليه.

ومنه يقال للعلماء: كراسي الأرض كما يقال لهم أوتاد الأرض.

وقيل: المقصود من الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه ولا كرسي ثم ولا قعود ولا قاعد.

واختاره جمع من المحققين كالقفال والزمخشري وتقريره: أنه يخاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوا في ملوكهم؛ فمن ذلك أنه جعل الكعبة بيتاً له/ يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم، وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم.

وذكر في الحجر الأسود أنه يمين الله في أرضه، ثم جعله مقبل الناس كما تقبَّل أيدي الملوك.

وكذلك ما ذكر في القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشهداء ووضع الموازين.

وعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشاً فقال: ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ ووصف عرشه فقال: ﴿ وكان عرشه على الماء  ﴾ ثم قال ﴿ وترى الملائكة حافين من حول العرش  ﴾ ثم قال ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية  ﴾ ثم أثبت لنفسه كرسياً.

ولما توافقنا أن المراد من الألفاظ الموهمة للتشبيه في الكعبة والطواف والحجر هو تعريف عظمة الله وكبريائه فكذا الألفاظ الواردة في العرش والكرسي ﴿ ولا يؤده ﴾ لا يثقله ولا يشق عليه؛ ﴿ حفظهما ﴾ حفظ السموات والأرض وفيه أن نفاذ حكمه وأمره في الكل على نعت واحد وصورة واحدة، علوية كانت الأجسام أو سفلية كبيرة أو صغيرة.

ثم بيَّن أنه مع كونه مقوِّماً للممكنات مقيماً للأرضين والسموات متعال عن المتحيزات ومقدس عن الزمنيات فقال: ﴿ وهو العلي العظيم ﴾ والمراد منهما علو الرتبة وعظمة الشرف لا الحيز والجهة.

وكيف لا وهو مقيم للمكان ومديم للزمان.

وقوله  : ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ الآية: لما بيَّن دلائل التوحيد بياناً شافياً قاطعاً للأعذار ذكر بعد ذلك.

أنه لم يبق للكافر علة في إقامته على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه؛ وذلك لا يجوز في دار الدنيا التي هي مقام الابتلاء والاختبار، وينافيه الإكراه والإجبار.

ومما يؤكد ذلك قوله: ﴿ قد تبين الرشد من الغي ﴾ يقال بَانَ الشيء واستبان وتبيَّن وبيّن أيضا إذا وضح وظهر ومنه المثل: قد تبين الصبح لذي عينين.

والرشد إصابة الخير، والغي نقيضه.

أي: تميز الحق من الباطل، والإيمان الكفر، والهدى من الضلال، بكثرة الحجج والبينات ووفور الدلائل والآيات.

﴿ فمن يكفر بالطاغوت ﴾ قال النحويون: وزنه "فعلوت" نحو جبروت وأصله من "طغى"، إلا أن لام الفعل قلبت إلى موضع العين ثم صيرت ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.

وذكر الفارسي أنه مصدر كالرغبوت والرهبوت، والدليل على ذلك أنه يفرد في موضع الجمع كما يقال: هم رضا وعدل.

ولهذا قال  : ﴿ أولياؤهم الطاغوت  ﴾ والأصل فيه التذكير.

قال  : ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به  ﴾ فأما قوله  : ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها  ﴾ فالتأنيث لإرادة الآلهة.

وأما معنى "الطاغوت" فعن عمر ومجاهد وقتادة: هو الشيطان.

وعن سعيد بن جبير: الكاهن.

وقال أبو العالية: الساحر.

وعن بعضهم: الأصنام.

وقيل: مردة الجن والإنس وكل ما يطغى، وإنما جعلت/ هذه الأشياء أسباباً للطغيان لحصول الطغيان عند الاتصال بها كقوله ﴿ رب إنهن أضللن كثيراً من الناس  ﴾ ويعلم من قوله ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ﴾ ثم من قوله: ﴿ ومن يؤمن بالله ﴾ ، أن الكافر لا بد أن يتوب أوّلاً، ثم يؤمن بعد ذلك، ﴿ فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾ استمسك وتمسك بمعنى، والعروة واحدة عرى: الدلو والكوز ونحوهما مما يتعلق به.

والوثقى تأنيث الأوثق، وهذا من باب استعارة المحسوس للمعقول، لأن الإسلام أقوى ما يتشبث به للنجاة فمثل المعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس وهو الحبل الوثيق المحكم حتى يتصور السامع كأنه ينظر إليه بعينه فتزول شبهته بالكلية.

والفصم كسر الشيء من غير أن يبيّن فصَمْتُه فانفصم.

والمقصود من قوله ﴿ لا انفصام لها ﴾ هو المبالغة لأنه إذا لم يكن لها انفصام، فأن لا يكون لها انقطاع أولى قيل إن الموصول ههنا محذوف أي التي لا انفصام لها كقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ أي مَن له.

وقيل: معنى قوله ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ لا تكرهوا في الدين على أنه إخبار في معنى النهي والإكراه إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً يحمله عليه.

ثم قال بعضهم: إنه منسوخ بقوله ﴿ جاهد الكفار والمنافقين  ﴾ وقال بعضهم: هو في أهل الكتاب خاصة، لأنهم إذا قبلوا الجزية سقط القتل عنهم وحُكْم المجوس حُكْمهم.

وأما الكفار الذين تهوّدوا أو تنصروا فقيل إنهم لا يقرُّون على ذلك ويكرهون على الإسلام.

وقيل يقرُّون على ما انتقلوا إليه ولا يكرهون.

"روي أنه كان لأنصاريٍّ من بني سالم بن عوق ابنان فتنصَّرا قبل أن يبعث رسول الله  ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما.

فأبيا فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عيله وسلم فقال الأنصاري: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر فنزلت فخلاهما" .

وقيل معنى قوله ﴿ لا إكراه ﴾ أي: لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب أنه دخل مكرهاً لأنه إذا رضي بعد الحرب وصحَّ إسْلامه فليس بمكره، ومعناه لا تنسبوه إلى الإكراه فيكون كقوله ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً  ﴾ .

﴿ والله سميع عليم ﴾ يسمع قول من يتكلم بالشهادة وقول من يتكلم بالكفر، يعلم ما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطيب وما في قلب الكافر من العقد الخبيث.

"وعن عطاء عن ابن عباس قال: كان رسول الله  يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة وكان يسأل الله ذلك سراً وعلانية فقيل له: والله سميع لدعائك يا محمد عليم بحرصك واجتهادك" قوله  : ﴿ الله ولي الذين آمنوا ﴾ أي متولي أمورهم وكافل مصالحهم "فعيل"/ بمعنى "فاعل" والتركيب يدل على القرب، فالمحب ولي لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة، ومنه الوالي لأنه يلي القوم بالتدبير، وفيه دليل على أن ألطاف الله  في حق المؤمنين وفيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر، وذلك أنه يخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان ومن الضلال إلى الهدى ومن الشك إلى اليقين.

والإخراج يشمل الكافر إذا آمن والمؤمن الأصلي، ولا يبعد أن يقال يخرجهم إلى النور من الظلمات، وإن لم يكونوا في الظلمة ألبتة؛ فإن العبد لو خلا عن توفيق الله  لحظة لوقع في ظلمات الجهالات والضلالات فصار توفيقه  سبباً لدفع تلك الظلمات عنه، وبين الدفع والرفع تشابه، ومثله قوله: ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها  ﴾ ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار.

"ويروى أنه  سمع إنساناً قال: أشهد أن لا إله إلا الله فقال: على الفطرة فلما قال: أشهد أن محمداً رسول الله قال: خرج من النار" ومن المعلوم أنه ما كان فيها.

قال الواحدي: كل ما في القرآن من الظلمات والنور فإنه  أراد بهما الكفر والإيمان إلا قوله في أول الأنعام ﴿ وجعل الظلمات والنور  ﴾ فإنه عنى به الليل والنهار.

قال: وإنما جعل الكفر ظلمة لأنه كالظلمة في المنع من الإدراك، وجعل الإيمان نوراً لأنه كالسبب في حصول الإدراك.

قلت: قد مر أن الإيمان والعلم وجميع الكمالات النفسانية والمعارف اليقينية أنوار تزداد النَفس بها نورية وإشراقاً فلا حاجة إلى هذا التكلف.

﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ﴾ مصدر، ولهذا وحد في موضع الجمع ﴿ يخرجونهم من النور إلى الظلمات ﴾ وإنما وحد النور وجمع الظلمة لأن الحق وما يرجع إليه طريقه واحد وهو أيضا في نفسه واحد، وأما الباطل فلا حصر له ولا لطرقه.

كما أن الخط المستقيم الواصل بين النقطتين واحد، والمنحنية غير محدود.

وإسناد الإضلال إلى الطاغوت، وهو كل من ينسب إلى الطغيان، كالمجاز فإن الحوادث بأسرها تستند إلى المبدأ الأول بالحقيقة وتنتهي إلى قضائه وقدره كما سبق تحقيقه مراراً.

﴿ أولئك ﴾ الكفار أو هم مع من يطيعهم من الوسائط والوسائل ﴿ أصحاب النار ﴾ فيكون زجراً للكل ووعيداً لهم أعاذنا الله من ذلك.

التأويل: ﴿ الحي القيوم ﴾ : أشير بهما إلى الاسم الأعظم لأن اسمه "الحي" مشتمل على جميع أسمائه وصفاته.

فإن من لوازم الحي أن يكون قادراً عالماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً إلى غير ذلك من نعوت الكمال، واسمه "القيوم" دالّ على افتقار كل المخلوقات إليه؛ فإذا تجلى الله للعبد بهاتين الصفتين، انكشف للعبد عند تجلي صفته "الحي" معاني جميع أسمائه وصفاته؛ وعند تجلي صفته "القيوم" فناء جميع المخلوقات، إذ كان قيامها/ بقيومية الحق لا بأنفسهم، فلما جاء الحق وزهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا "الحي القيوم" إذ سلب "الحي" جميع أسماء الله وسلب "القيوم" قيام الممكنات، ففني التعدد وبقيت الوحدة.

فيذكره عند شهود عظمة الواحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية، فقد ذكره باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى؛ لأنه حينئذٍ ينطق بالله فيكون الحال كما جرى على لسانه.

فأما الذاكر عند غيبته عن عظمة الوحدانية فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم بالنسبة إلى حال غيبته، وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم.

كما سئل أبو يزيد عن الاسم الأعظم فقال: الاسم الأعظم ليس له حد محدود ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت.

﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ، لأن النوم أخو الموت والموت ضد الحياة، وهو الحي الحقيقي فلا يلحقه ضد الحياة.

﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ هذا الاستثناء راجع إلى النبي  كأنه قيل: من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد  فإنه مأذون في الشفاعة موعود بها ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً  ﴾ .

﴿ ويعلم ﴾ محمد  ﴿ ما بين أيديهم ﴾ من أوليات الأمور قبل خلق الخلائق، كقوله  "أول ما خلق نوري، أول ما خلق الله العقل أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام" ﴿ وما خلفهم ﴾ من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم نفسي نفسي ورجوعهم إليه بالاضطرار، ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه ﴾ وإنما هو شاهد على أحوالهم وسيرهم ومعاملاتهم وقصصهم ﴿ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل  ﴾ ويعلم أمور آخرتهم وأحوال أهل الجنة والنار، وهم لا يعلمون شيئاً من ذلك ﴿ إلا بما شاء ﴾ أن يخبرهم عنه ﴿ وسع كرسيه السموات والأرض ﴾ : مثال العرش في عالم الإنسان قلبه؛ ومثال الكرسي: سره.

وسوف يجيء تمام التحقيق إن شاء الله  في قوله ﴿ الرحمن علىالعرش استوى  ﴾ وإن العرش مع عظمته كحلقة ملقاة بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن.

﴿ ولا يؤده حفظهما ﴾ لا يثقل الروح الإنساني حفظ أسرار السموات والأرض، ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ ولما أظهر لمخلوقاته من العرش والكرسي ولقلب المؤمن وسره علواً في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهاراً لكمال القدرة والحكمة، تردَّى برداء الكبرياء واتّزر بإزار العظمة والبهاء وهو أولى بالمدح والثناء فقال: ﴿ وهو العلي العظيم ﴾ فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه، ومن عظم فبتعظيمه.

ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ كما قال  : " ليس الدين بالتمني" " مع أن التمني نوع من الاختيار فكيف يحصل بالإكراه هو/ الإجبار، فإن الدين هو الاستسلام لأوامر الشرع ظاهراً والتسليم لأحكام الحقِّ باطناً من غير حرج وضيق عطن.

ثم شرع في مزيد شرح لحقيقة الدين بقوله ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ﴾ يتبرأ منه؛ فطاغوت العوام الأصنام، وطاغوت الخواص هو النفس، وطاغوت خواص الخواص ما سوى الله.

وإيمان العوام إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، وإيمان الخواص عزوب النفس عن الدنيا وسلوك طريق العقبى.

وشهود القلب مع المولى.

وإيمان خواص الخواص ملازمة الظاهر والباطن في طاعة الله، وإنابة القلب إلى الفناء في الله، وإخلاء السر للبقاء بالله، وهذا هو السكر الموجب للشكر.

ولهذا قال موسى بعد إفاقته عن سكر سطوات شراب التجلي ﴿ تبت إليك  ﴾ أي عن هذه الإفاقة، فكان مخصوصاً عن عالمي زمانه بالإيمان العياني وشريكاً مع القوم بالإيمان البياني كما البياني كما قيل: لي سكرتان وللندمان واحدة *** شيء خصصت به من بينهم وحدي ثم العروة الوثقى التي استمسك بها المؤمن لا يمكن أن تكون من المحدثات المخلوقات لقوله ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ ولا تكون أيضا من بطشك وإلا كانت منفصمة، بل تكون من بطشه ﴿ إن بطش ربك لشديد  ﴾ ولكل مؤمن عروة مناسبة لمقامه في الإيمان؛ فهي للعوام توفيق الطاعة، وللخواص مزيد العناية بالمحبة ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ولخواص الخواص الجذبة الإلهية التي تفنيه عن ظلمات الغيرية وتبقيه بنور الربوبية ولهذا قال  : " "جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين " وأعمالهما فانية من عالم الحدوث، وجذبة الحق باقية من عالم القدم لا يجوز عليها الانفصام، فالمجذوب لا يخلص منها أبد الآبدين.

ثم أخبر عن تصرفات جذباته فقال: ﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ يخرج العوام من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية، والخواص من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية والربانية، وخواص الخواص من ظلمات الحدوث والفناء إلى نور الشهود والبقاء.

﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ﴾ : ذكر الطاغوت بلفظ الوحدان، والأولياء بلفظ الجمع، ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار أي هم أولياء الطاغوت كقوله ﴿ أنداداً يحبونهم كحب الله  ﴾ ؛ فإن الطاغوت لو فسر بالأصنام فهي بمعزل عن الولاية وإن فسر بالشيطان أو النفس؛ فهم الأعداء لا الأولياء يخرجونهم من نور الروحانية وصفاء الفطرة إلى ظلمات الصفات البهيمية والسبعية/ والشيطانية، ظلمات بعضها فوق بعض، دركات بعضها تحت بعض ﴿ أولئك ﴾ أي أرواح الكفار مع النفس والشيطان والأصنام أصحاب النار، لأن الأرواح، وإن لم تكن من جنسهم ولكن من تشبه بقوم فهو منهم.

والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .

قيل: ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: لا يكره على الدين.

فإن كان التأويل هذا فهو على بعض دون بعض.

وقال بعضهم: نزلت في المجوس، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، أنه يقبل منهم الجزية، ولا يكرهون على الإسلام.

ليس كمشركي العرب ألا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ولا يقبل منهم الجزية، فإن أسلموا وإلا قتلوا.

وعلى ذلك روي عن رسول الله  ، أنه كتب إلى المنذر بن فلان: "أما العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية" .

وعلى ذلك نطق به الكتاب ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ .

وقال قوم: ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ﴾ أي: لا دين يقبل بإكراه، بل ليس ذلك بإيمان.

والثاني: أن ﴿ ٱلرُّشْدُ ﴾ قد تبين من الغي، وبين ذلك لكل أحد حتى إذا قبل الدين قبل عن بيان وظهور، لا عن إكراه.

وقال آخرون: قوله: ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ، أي: لا إكراه على هذه الطاعات بعد الإسلام؛ لأن الله  حبب هذه الطاعات في قلوب المؤمنين فلا يكرهون على ذلك.

ومعناه: أن في الأمم المتقدمة الشدائد والمشقة، ورفع الله عز وجل تلك الشدائد عن هذه الأمة وخففها عليهم، دليله قوله  : ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، ومثل ذلك كثير، كانت على الأمم السالفة ثقيلة وعلى هذه الأمة مخففة، فإذا كانت مخففة عليهم لا يكرهون على ذلك.

وقال آخرون: هو منسوخ بقوله  : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" وقال آخرون: إن قوماً من الأنصار كانت ترضع لهم اليهود، فلما جاء الإسلام أسلم الأنصار، وبقي من عند اليهود من ولد الأنصار على دينهم، فأرادوا أن يكرهوهم، فنزل الآية ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله  -: ويحتمل ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ﴾ ما قال في قوله  : ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ ﴾ .

يعني قد تبين الإسلام من الكفر بالله فلا تكرهون على ذلك.

وقوله  : ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: ﴿ بِٱلطَّاغُوتِ ﴾ ، الشياطين.

وقيل: كل ما يعبد من دون الله فهو طاغوت من الأصنام والأوثان التي تعبد من دون الله.

وقيل: ﴿ بِٱلطَّاغُوتِ ﴾ ، الكهنة الذين يدعون الناس إلى عبادة غير الله بكفر هؤلاء وتكذيبهم.

قال الشيخ - رحمه الله  -: ومن جملته: ومن يكفر بالذى يدعو إلى عبادة غير الله، ويكذبه في ذلك، ويؤمن بالذى يدعو إلى عبادة الله، ويصدقه، أنه داع إلى حق.

وقوله  : ﴿ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ ﴾ .

فيه دلالة: أن الإيمان بالله هو إيمان بالأنبياء والرسل والكتب جميعاً، إذ لم يذكر معه غيره، والكفر بالذي ذكرت يمنع حقيقة الإيمان بالله؛ لأنه [في آخر السورة ذكر ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ  ﴾ ، على طريق التفضيل -] من آمن بالله آمن به وبأمره ونهيه وشرائعه - لكن الذي قال: ﴿ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ  ﴾ ، لقول قوم حيث قالوا: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ  ﴾ ، وإلا لكان في الإيمان بالله إيمان بجميع ذلك.

وقوله  : ﴿ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: فقد عقد لنفسه عقداً وثيقاً لا انفصام لذلك العقد ولا انقطاع، لا تقوم الحجة ببعضه.

ويحتمل: ﴿ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ ﴾ ، بنصره إياه بالحجج والبراهين النيرة التي من اعتصم بها لا انفصال بها عنه ولا زوال.

ثم فيه نقض على المعتزلة؛ لأنه أخبر عز وجل أن من آمن بالله فقد استمسك بكذا.

والمعتزلة يقولون: صاحب الكبيرة يخلد في النار، وهو مؤمن بالله، فأية عروة أوهى من هذا على قولهم؟

وأن له زوالاً وانقطاعاً من ثوابه الذي وعد له عز وجل بإيمانه وتصديقه به.

وبالله العصمة.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لقولهم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بثوابهم.

أو ﴿ سَمِيعٌ ﴾ ، بإيمانهم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ ، بجزاء إيمانهم.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

قيل: الولي: الحافظ.

وقيل: الولي: الناصر، وهو ناصر المؤمنين وحافظهم.

وقيل: سمي وليّاً لأنه يلي أمور الخلق من النصر والحفظ والرزق وغيره.

وعلى ذلك يسم الولي وليّاً لما يلي أمور الناس.

وقيل: قوله: ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، أي: الله أولى بهم إليه رجاؤهم أطعمهم، وهو الذي يكرمهم، وأن الطاغوت أولى بالكافرين، كما قال: ﴿ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ  ﴾ ، أي أولى بهم.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ ﴾ .

وقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ ﴾ ، بمعنى: أخرجهم.

وجائز هذا في اللغة (يفعل) بمعنى (فعل)، و(فعل) بمعنى (يفعل)، جاز فيها، غير ممتنع عنه.

وقوله  : ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ، و ﴿ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ ﴾ ، هو ابتداء نشوئهم عليه، ليس أن كانوا فيه ثم أخرجهم، كقوله  : ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ  ﴾ ، رفعها ابتداء، ليس أن كانت موضوعة ثم رفعها.

فعلى ذلك الأول.

والآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ إذ من قولهم: إن جميع ما أعطى مؤمن من الإخراج من الكفر، أعطى مثله الكافر؛ فكأنهم يقولون: أخرجهم جميعاً من الظلمة، وعليه إخراج الكفار أيضاً من الظلمات، إذ ذلك هو الأصلح له، وعليه أن يعطي ما هو الأصلح لهم في الدين.

فإذا كان هذا قولهم، فهو ولي الكفرة والمؤمنين جميعاً على قولهم؛ إذ هو بالسبب الذي ذكر الولاية للمؤمنين فيعطي أيضاً للكفرة.

فإن قالوا: إنه أضاف (الكفر) إلى الطاغوت، وأنتم تضيفونه إلى الله عز وجل؟

قل: هو ظاهر الكذب؛ لأنا لا نضيف ذلك إليه (الكفر).

إنما نقول: إنه خلق فعل الكفر من الكافر كفراً، وخلق فعل النور من المؤمن نورا.

على أنه إن كان هذا في الكفرة فما القول في [الأول] من قولكم: إنه منعم على المؤمن، ثم لا نعمة فيه على المؤمن إلا بالأمر والأقدار، والأقدار منه موجود للكافر في كفره على قولكم، ثم لا نعمة تقع في الأمر والدعاء للمؤمن إلا ويقع مثله للكافر، إذ هو في الأمر والدعاء كالمؤمن سواء.

ولا قوة إلا بالله.

وليس في القول: إنه خالق، بأنه خالق فعل كل أحد على ما عليه إضافة الكفر إليه، بل إنما يضيف الخير إليه بما منه فيه من الإفضال على الشكر له.

فدل أن له عز وجل في المؤمن فضل صنع، ليس ذلك له في الكافر.

و(الكفر) في اللغة الستر، وكذلك (الظلمة): هي الستر.

يقال: (كفرت الشيء) أي سترته، وكذلك يقال: (ليل مظلم)؛ لأنه يستر ضوء النهار ونوره، فيستر الأشياء عن أبصار الخلق.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ...

﴾ الآية: دلت هذه الآية على أن كان من الله إلى الذين آمنوا معنى لم يكن منه إلى الذين كفروا به كان إيمانهم، ولو لم يكن إلا الأمر والأقدار أو البيان، على ما قالت المعتزلة، لكان كل ذلك عندهم إلى الكفرة، فلا وجه لتخصيص المؤمنين بما ذكر، وجعل الطاغوت أولى بالكافرين، وصنع الله إلى كل واحد، ولم تكن من الله تلك الزيادة، فإذا كان الذي ذكر لهم في أنفسهم فلا وجه للامتنان بذلك.

ومن البعيد ذكر الامتنان فيما به الإلزام والأمر.

وما ذكرت المعتزلة إنما هي أسباب الإلزام، ولولا ذلك كان أيسر عليهم وأقل لائمة.

فكيف بمن بها ثابت أن كان منه فضل، ليس ذلك في أعدائه فيه استوجب الحمد منهم؛ ولهذا يضاف إليه الخيرات على الشكر له، وتوجيه الحمد إليه، ولا يضاف إليه الشر بما ليس في ذلك تشكر، إنما منه الخذلان بما علم من إيثار الكافر عداوته واختياره الكفر به؛ فلذلك لم يجز الإضافة إليه، والإضافة إلى الله جل ثناؤه لا باسم الخلق يخرج مخرج التعظيم له والخضوع من العبد بالحمد له والشكر.

ولا يجوز مثله فيما ليس فيه ذلك على ما لا يضاف إليه الأنجاس والخبائث والجواهر القبيحة، وإن كان من طريق الخلقة جرى عليها تدبيره وخرجت على تقديره.

فعلى ذلك أفعال الخلق، وعلى ذلك القول بأنه رب كل شيء، وإله كل شيء.

ثم على الإشارة لا يوصف بذلك في الأشياء الخاملة المستخف بها.

فمثله الأول.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ ، ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ ، ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ  ﴾ ، ونحو ذلك يخرج على وجوه: أحدهما: أنه لا يهديهم وقت اختيارهم ذلك، ويكون على ألا يخلق منهم فعل الهداية، وهم يختارون فعل الضلال.

ويحتمل: من في علمه أنه لا يهتدي، فيرجع المراد به إلى الخاص.

ويحتمل: لا يهدي طريق الجنة في الآخرة من كفر بالله في الدنيا.

ويحتمل: لا يجعلهم في حكمهم، كقوله  : ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

ذكر أن الكفرة هم أصحاب النار، وذكر في آية أخرى أن الملائكة أصحاب النار بقوله  : ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً  ﴾ ، لكنه ذكر الملائكة أصحاب النار؛ لما يتولون تعذيب الكفرة فيها، فسماهم بذلك، وذكر الكفرة أصحاب النار؛ لأنهم هم المعذبون فيها، والملائكة هم معذبوهم بها.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا إكراه لأحد على الدخول في دين الإسلام؛ لأنه الدين الحق البيِّن فلا حاجة به إلى إكراه أحد عليه، قد تميز الرُّشد من الضلال، فمن يكفر بكل ما يعبد من دون الله ويتبرأ منها، ويؤمن بالله وحده؛ فقد استمسك من الدين بأقوى سبب لا ينقطع للنجاة يوم القيامة، والله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم، وسيجازيهم عليها.

من فوائد الآيات أن الله تعالى قد فاضل بين رسله وأنبيائه، بعلمه وحكمته سبحانه.

إثبات صفة الكلام لله تعال على ما يليق بجلاله، وأنه قد كلَّم بعض رسله كموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.

الإيمان والهدى والكفر والضلال كلها بمشيئة الله وتقديره، فله الحكمة البالغة، ولو شاء لهدى الخلق جميعًا.

آية الكرسي هي أعظم آية في كتاب الله، لما تضمنته من ربوبية الله وألوهيته وبيان أوصافه عز وجل.

اتباع الإسلام والدخول فيه يجب أن يكون عن رضًا وقَبول، فلا إكراه في دين الله تعالى.

الاستمساك بكتاب الله وسُنَّة رسوله أعظم وسيلة للسعادة في الدنيا، والفوز في الآخرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.Am2Bo"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان معهودًا عند بعض الملل لا سيما النصارى حمل الناس على الدخول في دينهم بالإكراه.

وهذه المسألة ألصق بالسياسة منه بالدين، لأن الإيمان، وهو أصل الدين وجوهره، عبارة عن إذعان النفس، ويستحيل أن يكون الإذعان بالإلزام والإكراه، وإنما يكون بالبيان والبرهان، ولذلك قال تعالى بعد نفي الإكراه ﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ  ﴾ أي قد ظهر أن في هذا الدين الرشد والهدى والفلاح والسير في الجادة على نور، وأن ما خالفه من الملل والنحل على غي وضلال.

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ  ﴾ وهو كل ما تكون عبادته والإيمان به سببًا للطغيان والخروج عن الحق من مخلوق بعيد، ورئيس يقلد، وهوى يتبع، ﴿ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ  ﴾ فلا يعبد إلا إياه، ولا يرجو غيره ولا يخشى سواه، يرجوه ويخشاه لذاته، وبما سنه من الأسباب والسنن في عباده ﴿ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا  ﴾ .

الاستمساك بالعروة الوثقى هو الاستقامة على طريق الحق القويم الذي لا يضل سالكه كما أن المتعلق بعروة هي أوثق العرى وأحكمها فتلًا لا يقع ولا يتفلت.

وقد حذف لفظ التي وذلك معروف عن العرب في مثل هذا الكلام.

﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ تذكر للترغيب والتهديد أي فهي تفسر بحسب المقام كما قلنا فهي جامعة هنا بين الأمرين.

وإنما تكف الفتن بأحد أمرين: الأول- إظهار المعاندين الإسلام ولو باللسّان، لأن من فعل ذلك لا يكون من خصومنا ولا يبارزنا بالعداء، وبذلك تكون كلمتنا بالنسبة إليه هي العليا ويكون الدين لله ولا يفتن صاحبه فيه ولا يمنع من الدعوة إليه.

والثاني- وهو أدل على عدم الإكراه قبول الجزية وهي شيء من المال يعطوننا إياه جزاء حمايتنا لهم بعد خضوعهم لنا وبهذا الخضوع نكتفي شرهم وتكون كلمة الله هي العليا فقوله تعالى ﴿ لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ  ﴾ قاعدة كبرى من قواعد دين الإسلام وركن عظيم من أركان سياسته، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، ولا يسمح لأحد أن يكره أحدًا من أهله على الخروج منه.

وإنما نكون متمكنين من إقامة هذا الركن وحفظ هذه القاعدة إذا كنا أصحاب قوة ومنعة نحمي بها ديننا وأنفسنا ممن يحاول فتنتنا في ديننا اعتداء علينا بما هو آمن أن نعتدي بمثله عليه إذ أُمرنا أن ندعو إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة وأن نجادل المخالفين بالتي هي أحسن متعمدين على أن نبين الرشد من الغي بالبرهان، هو الصراط المستقيم إلى الإيمان، مع حرية الدعوة، وأمن الفتنة، فالجهاد من الدين بهذا الاعتبار، أي أنه ليس من جوهره ومقاصده وإنما هو سياج له وجنة، فهو أمر سياسي لازم له للضرورة.

ولا التفات لما يهذي به العوام، ومعلموهم الطغام، إذ يزعمون أن الدين قام بالسيف وأن الجهاد مطلوب لذاته، فالقرآن في جملته وتفصيله حجة عليهم.

وتأمل مع ما ذكرناك به من الآيات قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ  ﴾ ، ذهب كثير من المفسرين في معنى الآية إلى أن الله تعالى هو متولي أمور المؤمنين يوفقهم إلى الخروج من الظلمات ويمدهم في الهداية بمحض القدرة كما أن الطاغوت يمدون الكافرين في الغواية، ويخرجونهم بالإغواء من نور الحق إلى ظلمات الضلالة، وهذا تفسير العوام الذين لا يفهمون أساليب اللغة العالية أو تفسير الأعاجم الذين هم أجدر بعدم الفهم.

ومعنى الآية الذي يلتئم مع معنى سابقتها ظاهر أتم الظهور وهو أن المؤمن لا ولي له ولا سلطان لأحد على اعتقاده إلا الله تعالى ومتى كان كذلك فإنه يهتدي إلى استعمال الهدايات التي وهبها الله له على وجهها وهي الحواس والعقل والدين.

فهؤلاء المؤمنون كلما عرضت لهم شبهة لاح لهم بسلطان الولاية الإلهية على قلوبهم شعاع من نور الحق يطرد ظلمتها فيخرجون منها بسهولة ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ  ﴾ جولان الحواس في رياض الأكوان وإدراكها ما فيها من بديع الصنع والإتقان يعطيهم نورًا، ونظر العقل في فنون المعقولان يعطيهم نورًا، وما جاء به الدين من الآيات البينات يتم لهم نورهم ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ  ﴾ أي لا سلطان على نفوسهم إلا لتلك المعبودات الباطلة السائقة إلى الطغيان، فإذا كان الطاغوت من الأحياء الناطقة ورأى أن عابديه قد لاح لهم شعاع من نور الحق الذي ينبههم إلى فساد ما هم فيه بادر إلى إطفائه بل إلى صرفهم عنه بما يلقيه دونه من حجب الشبهات وأستار زخارف الأقوال التي تقبل منه لأجل الاعتقاد أو بنفس الاعتقاد.

وإذا كان الطاغوت من غير الأحياء فإن سدنة هيكله وزعماء حزبه لا يقصرون في تنميق هذه الشبهات، وتزيين تلك الشهوات.

الظلمات هي الضلالات التي تعرض على الإنسان في كل طور من أطوار حياته كالكفر والشبهات التي تعرض دون الدين فتصد عن النظر الصحيح فيه أو تحول دون فهمه والإذعان له وكالبدع والأهواء التي تحمل على تأويله وصرفه عن وجهه وكالشهوات والحظوظ التي تشغل عنه وتستحوذ على النفس حتى تقذفها في الكفر.

لا توجد مرآة يرى فيها عبدة الطاغوت أنفسهم كما هي أجلى من القرآن..

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله