تفسير سورة البقرة الآية ٦٢ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ٦٢

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

أحاط القضاء في الآية السابقة باليهود فلم يدع منهم حاضرًا ولا غائبًا فألزم الذل باطنهم، وكسا بالمسكنة ظاهرهم، وبوأهم منازل غضبه، وجعل أرواحهم مساقط نقمه، فذلك الله الذي يقول ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ  ﴾ سجلت الآية عليهم هذا العذاب الشديد بما كسبت أيديهم واستشعرت قلوبهم من كفر بآيات الله، وانصراف عن العبرة، واستعصاء على الموعظة.

وخروج عن حدود الشريعة، واعتداء على أحكامها.

اقترف ذلك سلفهم، وتبعهم عليه خلفهم فحقت عليهم كلمة ربك، فلو قر الخطاب عندها، ولم يتلها من رحمته ما بعدها، لحق على كل يهودي على وجه الأرض أن ييأس، وأن لا يبقى عنده للأمل في عفو الله متنفس، بل كان ذلك القنوط لازمًا لكل عاصٍ، قابضًا على نفس كل معتدٍ، لا فرق بين اليهود وغيرهم، فإن سبب ما نزل باليهود هو عصيانهم واعتداؤهم حدود ما شرع الله لهم، وسنن الله في خلقه لا تتغير، وأحكامه العادلة فيهم لا تتبدل، لهذا جاء قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ إلخ بمنزلة الاستثناء من حكم الآية السابقة وإنما ورد على هذا الأسلوب البديع متضمنًا لجميع من تمسك بهدى نبي سابق وانتسب إلى شريعة سماوية ماضية، ليدل على أن الجزاء السابق وإن حكي على أنه من خطأ اليهود خاصة -لم يصبهم إلا لجريمة قد تشمل الشعوب عامة، وهي الفسوق عن أوامر الله وانتهاك حرماته، فكل من أجرم كما أجرموا سقط عليه من غضب الله ما سقط عليهم، وعلى أن الله جل شأنه لم يأخذهم بما أخذهم لأمر يختص بهم على أنهم من شعب إسرائيل أو من ملة يهود بل ﴿ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ  ﴾ .

وأما أنساب الشعوب وما تدين به من دين وما تتخذه من ملة فكل ذلك لا أثر له في رضاء الله ولا غضبه، ولا يتعلق به رفعة شأن قوم ولا ضعتهم، بل عماد الفلاح ووسيلة الفوز بخيري الدنيا والآخرة إنما هو صدق الإيمان بالله تعالى، بأن يكون التصديق به سطوعًا على النفس من مشرق البرهان، أو جيشانًا في القلب من عين الوجدان، فيكون الاعتقاد بوجوده وصفاته خاليًا من شوب التشبيه والتمثيل، واليقين في نسبة الأفعال إليه خالصًا من وساوس الوهم والتخييل، ويكون المؤمن قد ارتقى بإيمانه مرتقى يشعر فيه بالجلال الإلهي.

فإذا رفع بصره إلى الجناب الارفع أغضى هيبة وأطرق إلى الأرض العبودية خشوعًا، وإذا أطلق نظره فيما بين يديه، مما سلطه الله عليه، شعر في نفسه عزة بالله، ووجد فيها قوة تصرفه بالحق فيما يقع تحت قواه، لا يعدو حدًا ضرب له، ولا يقف دون غاية قدر له أن يصل إليها، فيكون عبدًا لله وحده، سيدًا لكل شيء بعده.

أما مسألة أهل الفترة، والخلاف المشهور فيها فإن جمهور أهل السنة يقول أنهم ناجون لأنه لا تكليف إلا بشرع، وهؤلاء لم تبلغهم دعوة.

ومن قال إن بالعقل يدرك الواجب والمحرم والاعتقاد الصحيح والباطل عدهم غير ناجين وهذا رأي المعتزلة وجماعة من الحنفية.

وجمهور الأشاعرة على أنه لا يمكن إدراك ذلك إلا بالشرع، ثم إن محل النظر في أهل الفترة من كان منهم كالعرب الذين كانوا يعتقدون نبوة أنبياء ولا يجدون لديهم شيئًا من أحكام دينهم خالصًا من الشوائب سالمًا من النزعات الفاسدة.

وأما مثل اليهود فلا يصح أن يسموا أهل فترة فإنهم على نسيانهم حظًا مما ذكروا به وتحريفهم بعض ما حفظوا قد بقي جوهر دينهم معروفًا لم يغش أحكامه ما يمنع الاهتداء بها، والله تعالى يقول: ﴿ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ  ﴾ وكذلك المسيحيون لا يسمون أهل فترة لأن في التوراة ووصايا الأنبياء ما عند اليهود وزيادة مما حفظوا من وصايا المسيح وروح الدعوة موجود عندهم، ولكنهم لا يعملون بهذه الوصايا ولا يأخذون بتلك الأحكام، ولا عذر لهم يحول دون العقوبة، وأما الصابئون فإن كانوا فرقة من النصارى كما يظهر من الوفاق بينهما في كثير من التقاليد كالعمودية والاعتراف وتعظيم يوم الأحد فالأمر ظاهر أن حكمهم كحكمهم، وإن كان الخلط عندهم أكثر، والبعد عن الأصل أشد، حتى أنهم اعتقدوا تأثير الكواكب، وأحاطت بهم البدع من كل جانب، على أنهم أقرب إلى روح المسيحية من النصارى فإن عندهم الزهد والتواضع اللذين يفيضان من كل كلمة تؤثر عن المسيح  ، والنصارى صاروا أشد أمم الأرض عتوًا وطمعًا وإسرافًا في حظوظ الدنيا، ويقال إن الصابئة ملة مستقلة يؤمنون بكثير من الأنبياء المعروفين، ولكن قد اختلط عليهم الأمر كما اختلط على الحنفاء العرب، إلا أن عندهم من التقاليد والأحكام ما لم يكن عند العرب، فإن كانوا أقرب إليهم فلهم حكمهم وإلا فهم كاليهود والنصارى يسألون عن العمل بدينهم بعد فهمه كما يجب حتى يأتيهم هدى آخر كأن تبلعهم دعوة الإسلام فإن لم يفعلوا فهم مؤاخذون.

علمنا أن أهل الفترة هم الذين لم تبلغهم دعوة صحيحة تحرك إلى النظر، أو بلغهم أن بعض الأنبياء بعثوا ولكن لم يصل إليهم شيء صحيح من شرائعهم، فهم يؤمنون بهم إيمانًا إجماليًا كالحنفاء من العرب الذين كانوا يؤمنون بإبراهيم وإسماعيل ولا يعرفون من دينهما شيئًا خالصًا كما تقدم آنفًا.

وحجة الأشاعرة على معدم مؤاخذتهم آيات كقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا  ﴾ وقوله ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ  ﴾ وذهب كثير منهم إلى الاكتفاء ببلوغ دعوة أي نبي في ركني الدين الركينين وهما الإيمان بالله وباليوم الآخر، فمن بلغته وجب عليه الإيمان بهذين الأصلين، وإن لم يكن النبي مرسلًا إليه.

وذهب جمهور الحنفية وكذلك المعتزلة إلى أن أصول الاعتقاد تدرك بالعقل فلا تتوقف المؤاخذة عليها على بلوغ دعوة رسول، وإنما يجيء الرسل مؤكدين لما يفهم العقل موضحين له ومبينين أمورًا لا يستقل بإدراكها كأحوال الآخرة وكيفيات العبادة التي ترضي الله تعالى.

وأولوا آية ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا  ﴾ بأن المراد بالتعذيب هو الاستئصال في الدنيا بإفناء الأمة أو استذلالها، والذهاب باستقلالها، وينافيه ما يدل عليه استعمال ﴿ وَمَا كُنَّا  ﴾ من إرادة نفي الشأن الدال على عموم السلب، ولهم في كتبهم أدلة ومناقشات ليس هذا من مواضعها.

وعن الإمام الغزالي أن الناس في شأن بعثة النبي  أصناف ثلاثة -من لم يعلم بها بالمرة- أي كأهل أمريكا لذلك العهد- وهؤلاء ناجحون حتمًا" أي إن لم تكن بلغتهم دعوة أخرى صحيحة "ومن بلغته الدعوة على وجهها ولم ينظر في أدلتها إهمالًا أو عنادًا واستكبارًا، وهؤلاء مؤاخذون حتمًا.

ومن بلغته على غير وجهها أو مع فقد شرطها وهو أن تكون على وجه يحرك داعية النظر، وهؤلاء في معنى الصنف الأول.

هذا معنى عبارته المطابقة لأصول الكلام.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل