الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٦٢ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 168 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
لما بين [ الله ] تعالى حال من خالف أوامره وارتكب زواجره ، وتعدى في فعل ما لا إذن فيه وانتهك المحارم ، وما أحل بهم من النكال ، نبه تعالى على أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع ، فإن له جزاء الحسنى ، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة ؛ كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية ، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه ، ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه ، كما قال تعالى : ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) [ يونس : 62 ] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) [ فصلت : 30 ] .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر العدني ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : قال سلمان : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم ، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم ، فنزلت : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر ) إلى آخر الآية .
وقال السدي : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ) الآية : نزلت في أصحاب سلمان الفارسي ، بينا هو يحدث النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذكر أصحابه ، فأخبره خبرهم ، فقال : كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك ، ويشهدون أنك ستبعث نبيا ، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم ، قال له نبي الله صلى الله عليه وسلم : يا سلمان ، هم من أهل النار .
فاشتد ذلك على سلمان ، فأنزل الله هذه الآية ، فكان إيمان اليهود : أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى ، عليه السلام ؛ حتى جاء عيسى .
فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى ، فلم يدعها ولم يتبع عيسى ، كان هالكا .
وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن لم يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل - كان هالكا .
وقال ابن أبي حاتم : وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا .
قلت : وهذا لا ينافي ما روى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر ) الآية فأنزل الله بعد ذلك : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) [ آل عمران : 85 ] .
فإن هذا الذي قاله [ ابن عباس ] إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا إلا ما كان موافقا لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن بعثه [ الله ] بما بعثه به ، فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة ، فاليهود أتباع موسى ، عليه السلام ، الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم .
واليهود من الهوادة وهي المودة أو التهود وهي التوبة ؛ كقول موسى ، عليه السلام : ( إنا هدنا إليك ) [ الأعراف : 156 ] أي : تبنا ، فكأنهم سموا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض .
[ وقيل : لنسبتهم إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب عليه السلام ، وقال أبو عمرو بن العلاء : لأنهم يتهودون ، أي : يتحركون عند قراءة التوراة ] .
فلما بعث عيسى صلى الله عليه وسلم وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له ، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى ، وسموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم ، وقد يقال لهم : أنصار أيضا ، كما قال عيسى ، عليه السلام : ( من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ) [ آل عمران : 52 ] وقيل : إنهم إنما سموا بذلك من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها ناصرة ، قاله قتادة وابن جريج ، وروي عن ابن عباس أيضا ، والله أعلم .
والنصارى : جمع نصران كنشاوى جمع نشوان ، وسكارى جمع سكران ، ويقال للمرأة : نصرانة ، قال الشاعر : نصرانة لم تحنف فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتما للنبيين ، ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق ، وجب عليهم تصديقه فيما أخبر ، وطاعته فيما أمر ، والانكفاف عما عنه زجر .
وهؤلاء هم المؤمنون [ حقا ] .
وسميت أمة محمد صلى الله عليه وسلم مؤمنين لكثرة إيمانهم وشدة إيقانهم ، ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية .
وأما الصابئون فقد اختلف فيهم ؛ فقال سفيان الثوري ، عن ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد ، قال : الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى ، ليس لهم دين .
وكذا رواه ابن أبي نجيح ، عنه وروي عن عطاء وسعيد بن جبير نحو ذلك .
وقال أبو العالية والربيع بن أنس ، والسدي ، وأبو الشعثاء جابر بن زيد ، والضحاك [ وإسحاق بن راهويه ] الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور .
[ ولهذا قال أبو حنيفة وإسحاق : لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم ] .
وقال هشيم عن مطرف : كنا عند الحكم بن عتيبة فحدثه رجل من أهل البصرة عن الحسن أنه كان يقول في الصابئين : إنهم كالمجوس ، فقال الحكم : ألم أخبركم بذلك .
وقال عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية بن عبد الكريم : سمعت الحسن ذكر الصابئين ، فقال : هم قوم يعبدون الملائكة .
[ وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه ، عن الحسن قال : أخبر زياد أن الصابئين يصلون إلى القبلة ويصلون الخمس .
قال : فأراد أن يضع عنهم الجزية .
قال : فخبر بعد أنهم يعبدون الملائكة ] .
وقال أبو جعفر الرازي : بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة ، ويقرؤون الزبور ، ويصلون إلى القبلة .
وكذا قال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، قال : الصابئون قوم مما يلي العراق ، وهم بكوثى ، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم ، ويصومون من كل سنة ثلاثين يوما ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات .
وسئل وهب بن منبه عن الصابئين ، فقال : الذي يعرف الله وحده ، وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرا .
وقال عبد الله بن وهب : قال عبد الرحمن بن زيد : الصابئون أهل دين من الأديان ، كانوا بجزيرة الموصل يقولون : لا إله إلا الله ، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول : لا إله إلا الله ، قال : ولم يؤمنوا برسول ، فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : هؤلاء الصابئون ، يشبهونهم بهم ، يعني في قول : لا إله إلا الله .
وقال الخليل هم قوم يشبه دينهم دين النصارى ، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب ، يزعمون أنهم على دين نوح ، عليه السلام .
وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن وابن أبي نجيح : أنهم قوم تركب دينهم بين اليهود والمجوس ، ولا تؤكل ذبائحهم ، قال ابن عباس : ولا تنكح نساؤهم .
قال القرطبي : والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكره بعض العلماء أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم ، وأنها فاعلة ؛ ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم ، واختار فخر الدين الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب ؛ بمعنى أن الله جعلها قبلة للعبادة والدعاء ، أو بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها ، قال : وهذا القول هو المنسوب إلى الكشرانيين الذين جاءهم إبراهيم الخليل ، عليه السلام ، رادا عليهم ومبطلا لقولهم .
وأظهر الأقوال ، والله أعلم ، قول مجاهد ومتابعيه ، ووهب بن منبه : أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين ، وإنما هم قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه ؛ ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئي ، أي : أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك .
وقال بعض العلماء : الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا قال أبو جعفر: أما " الذين آمنوا "، فهم المصدقون رسول الله فيما أتاهم به من الحق من عند الله, وإيمانهم بذلك، تصديقهم به - على ما قد بيناه فيما مضى من كتابنا هذا.
(1) * * * وأما " الذين هادوا ", فهم اليهود.
ومعنى: " هادوا "، تابوا.
يقال منه: " هاد القوم يهودون هودا وهادة " .
(2) وقيل: إنما سميت اليهود " يهود "، من أجل قولهم: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ .
[سورة الأعراف: 156].
1094 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: إنما سميت اليهود من أجل أنهم قالوا: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ .
* * * القول في تأويل قوله عز وجل : وَالنَّصَارَى قال أبو جعفر: و " النصارى " جمع, واحدهم نصران, كما واحد السكارى سكران, وواحد النشاوى نشوان.
وكذلك جمع كل نعت كان واحده على " فعلان " فإن جمعه على " فعالى ".
إلا أن المستفيض من كلام العرب في واحد " النصارى "" نصراني".
وقد حكى عنهم سماعا " نصران " بطرح الياء, ومنه قول الشاعر: تـــراه إذا زار العشــي مُحَنِّفًــا ويضحـي لديـه وهـو نصران شامس (3) وسمع منهم في الأنثى : " نصرانة ", قال الشاعر : (4) فَكِلْتَـاهُمَا خَـرَّتْ وَأَسْجَــدَ رَأْسُهَـا كَمَـا سَجَـدَتْ نَصْــرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ (5) يقال: أسجد، إذا مال.
(6) وقد سمع في جمعهم " أنصار "، بمعنى النصارى.
قال الشاعر: لَمَّـــا رَأَيْــتُ نَبَطًــا أَنْصَــارَا شَـــمَّرْتُ عَــنْ رُكْــبَتِيَ الإِزَارَا كُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى جَارَا (7) وهذه الأبيات التي ذكرتها، تدل على أنهم سموا " نصارى " لنصرة بعضهم بعضا، وتناصرهم بينهم.
وقد قيل إنهم سموا " نصارى "، من أجل أنهم نـزلوا أرضا يقال لها " ناصرة ".
&; 2-145 &; 1095 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " النصارى " إنما سموا نصارى من أجل أنهم نـزلوا أرضا يقال لها " ناصرة ".
* * * ويقول آخرون: لقوله: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [سورة الصف: 14].
* * * وقد ذكر عن ابن عباس من طريق غير مرتضًى أنه كان يقول: إنما سميت النصارى نصارى, لأن قرية عيسى ابن مريم كانت تسمى " ناصرة ", وكان أصحابه يسمون الناصريين, وكان يقال لعيسى: " الناصري".
1096 - حدثت بذلك عن هشام بن محمد, عن أبيه, عن أبي صالح, عن ابن عباس.
1096 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: إنما سموا نصارى، لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة ينـزلها عيسى ابن مريم, فهو اسم تسموا به، ولم يؤمروا به.
1098 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [ المائدة: 14] قال: تسموا بقرية يقال لها " ناصرة ", كان عيسى ابن مريم ينـزلها.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَالصَّابِئِينَ قال أبو جعفر: و " الصابئون " جمع " صابئ", وهو المستحدث سوى دينه دينا, كالمرتد من أهل الإسلام عن دينه.
وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره، تسميه العرب: " صابئا ".
يقال منه: " صبأ فلان يصبأ صبْأ ".
ويقال: " صبأت النجوم ": إذا طلعت." وصبأ علينا فلان موضع كذا وكذا ", يعني به: طلع.
* * * واختلف أهل التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم من أهل الملل.
فقال بعضهم: يلزم ذلك كل من خرج من دين إلى غير دين.
وقالوا: الذين عنى الله بهذا الاسم، قوم لا دين لهم * ذكر من قال ذلك: 1099 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي.
1100 - وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق جميعا, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد قال: الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى، ولا دين لهم.
1101 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن الحجاج بن أرطاة, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد مثله.
1102 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن الحجاج, عن مجاهد قال: الصابئون بين المجوس واليهود، لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم.
1103 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن حجاج, عن قتادة, عن الحسن مثل ذلك.
1104 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح: " الصابئين " بين اليهود والمجوس لا دين لهم.
1105 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
1106 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: قال مجاهد: " الصابئين " بين المجوس واليهود, لا دين لهم.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: " الصابئين " زعموا أنها قبيلة من نحو السواد، (8) ليسوا بمجوس ولا يهود ولا نصارى.
قال: قد سمعنا ذلك, وقد قال المشركون للنبي: قد صبأ.
&; 2-147 &; 1107 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " والصابئين " قال: الصابئون، [أهل] دين من الأديان كانوا بجزيرة الموصل (9) يقولون: لا إله إلا الله, وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي، إلا قول لا إله إلا الله.
قال: ولم يؤمنوا برسول الله, فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: " هؤلاء الصابئون "، يشبهونهم بهم.
* * * وقال آخرون: هم قوم يعيدون الملائكة ويصلون إلى القبلة * ذكر من قال ذلك: 1108 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه, عن الحسن قال: حدثني زياد (10) أن الصابئين يصلون إلى القبلة، ويصلون الخمس.
قال: فأراد أن يضع عنهم الجزية.
قال: فخبر بعد أنهم يعبدون الملائكة.
1109 - وحدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (والصابئين) قال: الصابئون قوم يعبدون الملائكة, يصلون إلى القبلة, ويقرءون الزبور.
1110 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم, حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قال: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور.
قال أبو جعفر الرازي: وبلغني أيضا أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة, ويقرءون الزبور, ويصلون إلى القبلة.
* * * وقال آخرون: بل هم طائفة من أهل الكتاب * ذكر من قال ذلك: 1111 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي ، عن سفيان قال: سئل السدي عن الصابئين، فقال: هم طائفة من أهل الكتاب.
* * * القول في تأويل قوله تعالى ذكره مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ قال أبو جعفر: يعني بقوله: (من آمن بالله واليوم الآخر)، من صدق وأقر بالبعث بعد الممات يوم القيامة، وعمل صالحا فأطاع الله, فلهم أجرهم عند ربهم.
يعني بقوله: (فلهم أجرهم عند ربهم)، فلهم ثواب عملهم الصالح عند ربهم.
* * * فإن قال لنا قائل: فأين تمام قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ؟
قيل: تمامه جملة قوله: (من آمن بالله واليوم الآخر).
لأن معناه: من آمن منهم بالله واليوم الآخر، فترك ذكر " منهم " لدلالة الكلام عليه، استغناء بما ذكر عما ترك ذكره.
فإن قال: وما معنى هذا الكلام؟
قيل: إن معناه: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، من يؤمن بالله واليوم الآخر، فلهم أجرهم عند ربهم.
فإن قال: وكيف يؤمن المؤمن؟
قيل: ليس المعنى في المؤمن المعنى الذي ظننته، من انتقال من دين إلى دين، كانتقال اليهودي والنصراني إلى الإيمان = وإن كان قد قيل إن الذين عنوا بذلك، من كان من أهل الكتاب على إيمانه بعيسى وبما جاء به, حتى أدرك محمدا صلى الله عليه وسلم فآمن به وصدقه, فقيل لأولئك الذين كانوا مؤمنين بعيسى وبما جاء به، إذ أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم: آمنوا بمحمد وبما جاء به = ولكن معنى إيمان المؤمن في هذا الموضع، ثباته على إيمانه وتركه تبديله.
وأما إيمان اليهود والنصارى والصابئين, فالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به, فمن يؤمن منهم بمحمد, وبما جاء به واليوم الآخر, ويعمل صالحا, فلم يبدل ولم يغير حتى توفي على ذلك, فله ثواب عمله وأجره عند ربه, كما وصف جل ثناؤه.
فإن قال قائل: وكيف قال: " فلهم أجرهم عند ربهم "، وإنما لفظه " من " لفظ واحد, والفعل معه موحد؟
قيل: " من "، وإن كان الذي يليه من الفعل موحدا, فإن معنى الواحد والاثنين والجمع، والتذكير والتأنيث, لأنه في كل هذه الأحوال على هيئة واحدة وصورة واحدة لا يتغير.
فالعرب توحد معه الفعل - وإن كان في معنى جمع - للفظه ، وتجمع أخرى معه الفعل لمعناه, كما قال جل ثناؤه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ [ يونس: 42-43].
فجمع مرة مع " من " الفعل لمعناه, ووحد أخرى معه الفعل لأنه في لفظ الواحد, كما قال الشاعر: ألمـا بسـلمى عنكمـا إن عرضتمـا, وقـولا لهـا: عوجـي على من تخلفوا (11) فقال: " تخلفوا ", وجعل " من " بمنـزلة " الذين "، وقال الفرزدق: تعــال فـإن عـاهدتني لا تخـونني نكـن مثـل مـن يـا ذئب يصطحبان (12) فثنى " يصطحبان " لمعنى " من ".
فكذلك قوله: (من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم)، وحد "آمن وعمل صالحا " للفظ " من ", وجمع ذكرهم في قوله: (فلهم أجرهم)، لمعناه, لأنه في معنى جمع.
* * * وأما قوله : وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) فإنه يعني به جل ذكره: ولا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة, ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، عند معاينتهم ما أعد الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده.
* * * * ذكر من قال عُني بقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ، مؤمنو أهل الكتاب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: 1112 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط بن نصر, عن السدي: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا الآية, قال: نـزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي.
وكان سلمان من جُنْدَيسابور, وكان من أشرافهم, وكان ابن الملك صديقا له مؤاخيا, لا يقضي واحد منهم أمرا دون صاحبه, وكانا يركبان إلى الصيد جميعا.
فبينما هما في الصيد، إذ رفع لهما بيت من عباء, (13) فأتياه فإذا هما فيه برجل بين يديه مصحف يقرأ فيه &; 2-151 &; وهو يبكي.
فسألاه: ما هذا؟
فقال: الذي يريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما, فإن كنتما تريدان أن تعلما ما فيه فانـزلا حتى أعلمكما.
فنـزلا إليه, فقال لهما: هذا كتاب جاء من عند الله, أمر فيه بطاعته ونهى عن معصيته, فيه: أن لا تزني, ولا تسرق, ولا تأخذ أموال الناس بالباطل.
فقص عليهما ما فيه, وهو الإنجيل الذي أنـزله الله على عيسى.
فوقع في قلوبهما، وتابعاه فأسلما.
وقال لهما: إن ذبيحة قومكما عليكما حرام.
فلم يزالا معه كذلك يتعلمان منه, حتى كان عيد للملك, فجعل طعاما, (14) ثم جمع الناس والأشراف, وأرسل إلى ابن الملك فدعاه إلى صنيعه ليأكل مع الناس.
فأبى الفتى، وقال: إني عنك مشغول, فكل أنت وأصحابك.
فلما أكثر عليه من الرسل, أخبرهم أنه لا يأكل من طعامهم.
فبعث الملك إلى ابنه فدعاه.
وقال: ما أمرك هذا؟
قال: إنا لا نأكل من ذبائحكم, إنكم كفار، ليس تحل ذبائحكم.
فقال له الملك: من أمرك بهذا؟
فأخبره أن الراهب أمره بذلك.
فدعا الراهب فقال: ماذا يقول ابني؟
قال: صدق ابنك.
قال له: لولا أن الدم فينا عظيم لقتلتك, ولكن اخرج من أرضنا.
فأجله أجلا.
فقال سلمان: فقمنا نبكي عليه, فقال لهما: إن كنتما صادقين, فإنا في بِيعة بالموصل مع ستين رجلا نعبد الله فيها, فأتونا فيها.
فخرج الراهب, وبقي سلمان وابن الملك: فجعل يقول لابن الملك: انطلق بنا!
وابن الملك يقول: نعم.
وجعل ابن الملك يبيع متاعه يريد الجهاز.
فلما أبطأ على سلمان, خرج سلمان حتى أتاهم, فنـزل على صاحبه، وهو رب البيعة.
&; 2-152 &; وكان أهل تلك البيعة من أفضل الرهبان, (15) فكان سلمان: معهم يجتهد في العبادة ويتعب نفسه, فقال له الشيخ: إنك غلام حدث تتكلف من العبادة ما لا تطيق, وأنا خائف أن تفتر وتعجز, فارفق بنفسك وخفف عليها.
فقال له سلمان: أرأيت الذي تأمرني به، أهو أفضل أو الذي أصنع؟
قال: بل الذي تصنع.
قال: فخل عني.
ثم إن صاحب البيعة دعاه فقال: أتعلم أن هذه البيعة لي, وأنا أحق الناس بها, ولو شئت أن أخرج هؤلاء منها لفعلت!
ولكني رجل أضعُف عن عبادة هؤلاء, وأنا أريد أن أتحول من هذه البيعة إلى بيعة أخرى هم أهون عبادة من هؤلاء, فإن شئت أن تقيم ههنا فأقم, وإن شئت أن تنطلق معي فانطلق.
قال له سلمان: أي البيعتين أفضل أهلا؟
قال: هذه.
قال سلمان: فأنا أكون في هذه.
فأقام سلمان بها وأوصى صاحب البيعة عالم البيعة بسلمان, فكان سلمان يتعبد معهم.
ثم إن الشيخ العالم أراد أن يأتي بيت المقدس, فقال لسلمان: إن أردت أن تنطلق معي فانطلق, وإن شئت أن تقيم فأقم.
فقال له سلمان: أيهما أفضل، أنطلق معك أم أقيم؟
قال: لا بل تنطلق معي.
فانطلق معه.
فمروا بمقعد على ظهر الطريق ملقى, فلما رآهما نادى: يا سيد الرهبان، ارحمني يرحمك الله!
فلم يكلمه ولم ينظر إليه.
وانطلقا حتى أتيا بيت المقدس, فقال الشيخ لسلمان: اخرج فاطلب العلم، فإنه يحضر هذا المسجد علماء أهل الأرض.
فخرج سلمان يسمع منهم, فرجع يوما حزينا, فقال له الشيخ: ما لك يا سلمان؟
قال: أرى الخير كله قد ذهب به من كان قبلنا من الأنبياء وأتباعهم!
فقال له الشيخ: يا سلمان لا تحزن, فإنه قد بقي نبي ليس من نبي بأفضل تبعا منه، وهذا زمانه الذي يخرج فيه, ولا أراني أدركه, وأما أنت فشاب لعلك أن تدركه, وهو &; 2-153 &; يخرج في أرض العرب فإن أدركته فآمن به واتبعه.
فقال له سلمان: فأخبرني عن علامته بشيء.
قال: نعم, هو مختوم في ظهره بخاتم النبوة, وهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة.
ثم رجعا حتى بلغا مكان المقعد, فناداهما فقال: يا سيد الرهبان، ارحمني يرحمك الله!
فعطف إليه حماره, فأخذ بيده فرفعه, فضرب به الأرض ودعا له وقال: قم بإذن الله!
فقام صحيحا يشتد, (16) فجعل سلمان يتعجب وهو ينظر إليه يشتد.
وسار الراهب فتغيب عن سلمان، ولا يعلم سلمان.
ثم إن سلمان فزع فطلب الراهب.
فلقيه رجلان من العرب من كلب، فسألهما: هل رأيتما الراهب؟
فأناخ أحدهما راحلته, قال: نعم راعي الصرمة هذا!
(17) فحمله فانطلق به إلى المدينة.
قال سلمان: فأصابني من الحزن شيء لم يصبني مثله قط.
فاشترته امرأة من جهينة فكان يرعى عليها هو وغلام لها يتراوحان الغنم هذا يوما وهذا يوما, فكان سلمان يجمع الدراهم ينتظر خروج محمد صلى الله عليه وسلم.
فبينا هو يوما يرعى, إذ أتاه صاحبه الذي يعقبه, (18) فقال: أشعرت أنه قد قدم اليوم المدينة رجل يزعم أنه نبي؟
(19) فقال له سلمان: أقم في الغنم حتى آتيك .
فهبط سلمان إلى المدينة, فنطر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودار حوله.
فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم عرف ما يريد, فأرسل ثوبه حتى خرج خاتمه, فلما رآه أتاه وكلمه.
ثم انطلق فاشترى بدينار، ببعضه شاة وببعضه خبزا, ثم أتاه به.
فقال: " ما هذا "؟
قال سلمان: هذه صدقة قال: " لا حاجة لي بها، &; 2-154 &; فأخرجها فليأكلها المسلمون ".
ثم انطلق فاشترى بدينار آخر خبزا ولحما, فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟
قال: هذه هدية.
قال: فاقعد [فكل] (20) فقعد فأكلا جميعا منها.
فبينا هو يحدثه إذ ذكر أصحابه فأخبره خبرهم فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك, ويشهدون أنك ستبعث نبيا.
فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: يا سلمان، هم من أهل النار.
فاشتد ذلك على سلمان, وقد كان قال له سلمان: لو أدركوك صدقوك واتبعوك, فأنـزل الله هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .
(21) فكان إيمان اليهود: أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى، حتى جاء عيسى.
فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى - فلم يدعها ولم يتبع عيسى - كان هالكا.
وإيمان النصارى: أنه من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه, حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم, فمن لم يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل - كان هالكا.
* * * 1113 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا الآية.
قال &; 2-155 &; سأل (22) سلمان الفارسي النبي صلى الله عليه وسلم عن أولئك النصارى وما رأى من أعمالهم, قال: لم يموتوا على الإسلام.
قال سلمان: فأظلمت عليّ الأرض، وذكرت اجتهادهم, (23) فنـزلت هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا .
(24) فدعا سلمان فقال: " نـزلت هذه الآية في أصحابك ".
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم " من مات على دين عيسى ومات على الإسلام قبل أن يسمع بي، فهو على خير؛ ومن سمع بي اليوم ولم يؤمن بي فقد هلك ".
(25) * * * وقال ابن عباس بما:- 1114 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن ابن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ إلى قوله: (ولا هم يحزنون).
فأنـزل الله تعالى بعد هذا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ آل عمران: 85] وهذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحا - من اليهود والنصارى والصابئين - على عمله، في الآخرة الجنة, ثم نسخ ذلك بقوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ .
* * * فتأويل الآية إذًا على ما ذكرنا عن مجاهد والسدي: إن الذين آمنوا من هذه الأمة, والذين هادوا، والنصارى، والصابئين - من آمن من اليهود والنصارى والصابئين بالله واليوم الآخر - فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
* * * والذي قلنا من التأويل الأول، أشبه بظاهر التنـزيل, لأن الله جل ثناؤه لم يخصص - بالأجر على العمل الصالح مع الإيمان - بعض خلقه دون بعض منهم, والخبر بقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، عن جميع ما ذكر في أول الآية.
-------------- الهوامش : (1) انظر ما سلف 1 : 234 - 235 .
(2) قوله"هادة" ، مصدر لم أجده في كتب اللغة .
(3) لم أعرف قائله .
الأضداد لابن الأنباري : 155 ، ورواه : "تراه ويضحى وهو .
.
" ونقله أبو حيان في البحر المحيط 1 : 238 عن الطبري ، وفيهما"إذا دار العشى" وأخطأ القرطبي (تفسيره 1 : 369) فقال : و"أنشد سيبويه" وذكر البيت ، ولم ينشده سيبويه .
وروى صدره .
(تراه إذا دار العشا متحنفا) والبيت في صفة الحرباء .
و"محنفا" : قد تحنف ، أو صار إلى الحنيفية .
ويعني أنه مستقبل القبلة .
وقوله : "لديه" ، أي لدى العشى ، ويريد قبل أن يستوى العشى أو لدى الضحى ، ويكون قد ذكره في بيت قبله .
وقوله : "شامس" ، يريد مستقبل الشمس ، قبل المشرق .
يقول يستقبل الشمس كأنه نصراني ، وهو كقول ذي الرمة في صفة الحرباء أيضًا : إذا حــول الظــل العشـى رأيتـه حنيفـا, وفـي قـرن الضحـى ينتصر (4) هو أبو الأخزر الحماني.
(5) سيبويه 2 : 29 ، 104 ، واللسان (حنف)، يصف ناقتين، طأطأتا رؤوسهما من الإعياء، فشبه رأس الناقة في طأطأتها، برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها.
وأسجد الرجل: طأطأ رأسه وخفضه وانحنى.
قال حميد بن ثور، يصف نوقا:فلمـــا لــوين عــلى معصــم وكـــف خـــضيب وأســوارها فضـــول أزمتهـــا أســـجدت ســـجود النصــاري لأحبارهــا (6) بيان الطبري عن معنى"أسجد" ليس بجيد .
(7) لم أعرف صاحب الرجز .
والأبيات ، في معاني القرآن للفراء 1 : 44 أمالي ابن الشجرى 1 : 79 ، 371 .
أنشده شاهدا على حذف واو العطف : أي"وكنت لهم من النصارى جارا" ، ثم أنشده في الموضع الآخر شاهدا على حذف الفاء العاطفة أي"فكنت لهم .
.
" .
(8) يعني سواد العراق .
(9) في المطبوعة"الصابئون دين من الأديان" ، والزيادة بين القوسين لا بد منها .
(10) زياد ، هو زياد بن أبيه ، والى العراق في زمن معاوية رضي الله عنه .
(11) في ديوان لامرىء القيس ، منسوب إليه من قصيدة عدتها 23 بيتا ، وفيه : "ويقال إنها لرجل من كندة" وأولها : ديـار بهـا الظلمـان والعِيـن تعكف وقفـت بهـا تبكـي ودمعـك يـذرف والأضداد لابن الأنباري : 288 قال أنشده الفراء ، وروايته صدره : (ألما بســلمى لمــة إذ وقفتمــا) والذي في رواية الطبري من قوله : "عنكما" زائدة في الكلام ، والعرب تقول : "سر عنك" ، و"أنفذ عنك" أي امض ، وجز - لا معنى ل"عنك" وفي حديث عمر رضي الله عنه : أنه طاف بالبيت مع يعلى بن أمية ، فلما انتهى إلى الركن الغربي الذي يلي الأسود قال له : ألا تستلم؟
فقال : انفذ عنك ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلمه .
وفي الحديث تفسيره : أي دعه وتجاوزه .
وقوله"عرضتما" من قولهم : عرض الرجل : إذا أتى العروض (بفتح العين) ، وهي مكة والمدينة وما حولهما .
(12) ديوانه : 870 ، وسيبويه 1 : 404 ، والكامل 1 : 216 ، وطبقات فحول الشعراء : 310 ، والأضداد : 288 ، وأمالي ابن الشجري 2 : 311 .
ورواية ديوانه"تعش فإن واثقتني" .
وهو بيت من قصيدته الجيدة التي قالها حين نزل به ذئب فأضافه .
(13) رفع له الشيء (بالبناء للمجهول) : أبصره من بعد .
وفي المطبوعة : " بيت من خباء" والخباء بيت من وبر أو صوف .
فهو كلام لا معنى له .
وفي الدر المنثور 1 : 73 وروى الخبر بطوله : "من عباءة" .
والصواب ما أثبته .
والعباء ضرب من الأكسية فيه خطوط سود كبار ، وهو هنا مفرد ، وجمعه أعبية .
والعباء أيضًا جمع عباءة .
(14) في الدر المنثور : "فجمع طعاما" ، وأظن أن الصواب : فصنع طعاما" ، ويدل على صواب ذلك قوله بعد : "فدعاه إلى صنيعه" .
يقال : صنع لهم طعاما ، وكنت في صنيع فلان : أي مأدبته ومدعاته .
(15) في الدر المنثور : "فكان أهل تلك البيعة ، أفضل مرتبة من الرهبان" .
(16) اشتد : عدا وأسرع .
(17) الصرمة : القطيع من الإبل والغنم .
(18) عقبه يعقبه : جاء بعده في نوبته ، ومنه التعاقب : أن يأتب هذا ويذهب ذاك .
(19) أشعرت : علمت .
(20) الزيادة من الدر المنثور 1 : 74 .
(21) الحديث : 1112 - هذا حديث منقطع ، في شأن إسلام"سلمان الفارسي" .
وقال الحافظ في الإصابة 3 : 113 : "ورويت قصته من طرق كثيرة ، من أصحها ما أخرجه أحمد من حديثه نفسه .
وأخرجها الحاكم من وجه آخر عنه أيضًا .
وأخرجه الحاكم من حديث بريدة .
وعلق البخاري طرفا منها .
وفي سياق قصته في إسلامه اختلاف يتعسر الجمع فيه" .
وإشارته إلى رواية أحمد ، هي في المسند هـ : 441 - 444 (حلبي) ، وهي بالإسناد نفسه في ابن سعد 4 : 53 - 57 .
وانظر المستدرك للحاكم 3 : 599 - 604 .
وتاريخ إصبهان لأبي نعيم 1 : 48 - 57 ، والحلية لأبي نعيم 1 : 190 - 195 .
(22) في المطبوعة : "قال سلمان الفارسي للنبي صلى الله عليه وسلم" ، بحذف"سأل" .
والصواب من الدر المنثور 1 : 74 .
(23) في المطبوعة : "وذكر اجتهادهم" ، والصواب من الدر المنثور (24) الآية لم ترد في المطبوعة ، ووردت في نص المدر المنثور .
(25) الحديث : 1113 - وهذا منقطع أيضًا .
قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنونفيه ثماني مسائل : الأولى : قوله تعالى : إن الذين آمنوا أي : صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم .
وقال سفيان : المراد المنافقون .
كأنه قال : الذين آمنوا في ظاهر أمرهم ، فلذلك قرنهم باليهود والنصارى والصابئين ، ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم .الثانية : قوله تعالى : والذين هادوا معناه صاروا يهودا ، نسبوا إلى يهوذا وهو أكبر ولد يعقوب عليه السلام ، فقلبت العرب الذال دالا ؛ لأن الأعجمية إذا عربت غيرت عن لفظها .
وقيل : سموا بذلك لتوبتهم عن عبادة العجل .
هاد : تاب .
والهائد : التائب ، قال الشاعر :إني امرؤ من حبه هائدأي : تائب .
وفي التنزيل : إنا هدنا إليك أي : تبنا .
وهاد القوم يهودون هودا وهيادة إذا تابوا .
وقال ابن عرفة : هدنا إليك أي : سكنا إلى أمرك .
والهوادة السكون والموادعة .
قال : ومنه قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا .
وقرأ أبو السمال : " هادوا " بفتح الدال .الثالثة : قوله تعالى : والنصارى جمع واحده نصراني .
وقيل : نصران بإسقاط الياء ، وهذا قول سيبويه .
والأنثى نصرانة ، كندمان وندمانة .
وهو نكرة يعرف بالألف واللام ، قال الشاعر :صدت كما صد عما لا يحل له ساقي نصارى قبيل الفصح صوام[ ص: 405 ] فوصفه بالنكرة .
وقال الخليل : واحد النصارى نصري ، كمهري ومهارى .
وأنشد سيبويه شاهدا على قوله :تراه إذا دار العشا متحنفا ويضحي لديه وهو نصران شامسوأنشد :فكلتاهما خرت وأسجد رأسها كما أسجدت نصرانة لم تحنفيقال : أسجد إذا مال .
ولكن لا يستعمل نصران ونصرانة إلا بياءي النسب ؛ لأنهم قالوا : رجل نصراني وامرأة نصرانية .
ونصره : جعله نصرانيا .
وفي الحديث : ( فأبواه يهودانه أو ينصرانه ) .
وقال عليه السلام : ( لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ) .
وقد جاءت جموع على غير ما يستعمل واحدها ، وقياسه النصرانيون .
ثم قيل : سموا بذلك لقرية تسمى " ناصرة " كان ينزلها عيسى عليه السلام فنسب إليها فقيل : عيسى الناصري ، فلما نسب أصحابه إليه قيل النصارى ، قاله ابن عباس وقتادة .
وقال الجوهري : ونصران قرية بالشام ينسب إليها النصارى ، ويقال ناصرة .
وقيل : سموا بذلك لنصرة بعضهم بعضا ، قال الشاعر :لما رأيت نبطا أنصارا شمرت عن ركبتي الإزاراكنت لهم من النصارى جاراوقيل : سموا بذلك لقوله : من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله .الرابعة : قوله تعالى : والصابئين جماع صابئ ، وقيل : صاب ، ولذلك اختلفوا في همزه ، وهمزه الجمهور إلا نافعا .
فمن همزه جعله من صبأت النجوم إذا طلعت ، وصبأت ثنية الغلام إذا خرجت .
ومن لم يهمز جعله من صبا يصبو إذا مال .
فالصابئ في اللغة : من خرج [ ص: 406 ] ومال من دين إلى دين ، ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبأ .
فالصابئون قد خرجوا من دين أهل الكتاب .الخامسة : لا خلاف في أن اليهود والنصارى أهل كتاب ولأجل كتابهم جاز نكاح نسائهم وأكل طعامهم على ما يأتي بيانه في المائدة وضرب الجزية عليهم ، على ما يأتي في سورة " براءة " إن شاء الله .
واختلف في الصابئين ، فقال السدي : هم فرقة من أهل الكتاب ، وقاله إسحاق ابن راهويه .
قال ابن المنذر وقال إسحاق : لا بأس بذبائح الصابئين لأنهم طائفة من أهل الكتاب .
وقال أبو حنيفة : لا بأس بذبائحهم ومناكحة نسائهم .
وقال الخليل : هم قوم يشبه دينهم دين النصارى ، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب ، يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام .
وقال مجاهد والحسن وابن أبي نجيح : هم قوم تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية ، لا تؤكل ذبائحهم .
ابن عباس : ولا تنكح نساؤهم .
وقال الحسن أيضا وقتادة هم قوم يعبدون الملائكة ، ويصلون إلى القبلة ، ويقرءون الزبور ، ويصلون الخمس ، رآهم زياد بن أبي سفيان فأراد وضع الجزية عنهم حين عرف أنهم يعبدون الملائكة .
والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكره بعض علمائنا أنهم موحدون معتقدون تأثير النجوم ، وأنها فعالة ، ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري القادر بالله بكفرهم حين سأله عنهم .السادسة : قوله تعالى : من آمن أي : صدق .
و " من " في قوله : " من آمن " في موضع نصب بدل من " الذين " .
والفاء في قوله : " فلهم " داخلة بسبب الإبهام الذي في " من " .
و " لهم أجرهم " ابتداء وخبر في موضع خبر " إن " .
ويحسن أن يكون " من " في موضع رفع بالابتداء ، ومعناها الشرط .
و " آمن " في موضع جزم بالشرط ، والفاء الجواب .
و " لهم أجرهم " خبر " من " ، والجملة كلها خبر " إن " ، والعائد على الذين محذوف ، تقديره من آمن منهم بالله .
وفي الإيمان بالله واليوم الآخر اندراج الإيمان بالرسل والكتب والبعث .السابعة : إن قال قائل : لم جمع الضمير في قوله تعالى : لهم أجرهم و آمن لفظ مفرد ليس بجمع ، وإنما كان يستقيم لو قال : له أجره .
فالجواب أن " من " يقع على الواحد والتثنية والجمع ، فجائز أن يرجع الضمير مفردا ومثنى ومجموعا ، قال الله تعالى : ومنهم من يستمعون إليك على المعنى .
وقال : ومنهم من يستمع إليك على اللفظ .
وقال الشاعر :ألما بسلمى عنكما إن عرضتما وقولا لها عوجي على من تخلفواوقال الفرزدق :تعس فإن واثقتني لا تخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحبان[ ص: 407 ] فحمل على المعنى ولو حمل على اللفظ لقال : يصطحب وتخلف .
قال تعالى : ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات فحمل على اللفظ .
ثم قال : خالدين فحمل على المعنى ، ولو راعى اللفظ لقال : خالدا فيها .
وإذا جرى ما بعد " من " على اللفظ فجائز أن يخالف به بعد على المعنى كما في هذه الآية .
وإذا جرى ما بعدها على المعنى لم يجز أن يخالف به بعد على اللفظ ؛ لأن الإلباس يدخل في الكلام .وقد مضى الكلام في قوله تعالى : فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والحمد لله .الثامنة : روي عن ابن عباس أن قوله : إن الذين آمنوا والذين هادوا الآية منسوخ بقوله تعالى : ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه الآية .
وقال غيره : ليست بمنسوخة .
وهي فيمن ثبت على إيمانه من المؤمنين بالنبي عليه السلام .
ثم قال تعالى حاكما بين الفرق الكتابية: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } وهذا الحكم على أهل الكتاب خاصة, لأن الصابئين, الصحيح أنهم من جملة فرق النصارى، فأخبر الله أن المؤمنين من هذه الأمة, واليهود والنصارى, والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر, وصدقوا رسلهم, فإن لهم الأجر العظيم والأمن, ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأما من كفر منهم بالله ورسله واليوم الآخر, فهو بضد هذه الحال, فعليه الخوف والحزن.
والصحيح أن هذا الحكم بين هذه الطوائف, من حيث هم, لا بالنسبة إلى الإيمان بمحمد, فإن هذا إخبار عنهم قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وأن هذا مضمون أحوالهم، وهذه طريقة القرآن إذا وقع في بعض النفوس عند سياق الآيات بعض الأوهام, فلا بد أن تجد ما يزيل ذلك الوهم, لأنه تنزيل مَنْ يعلم الأشياء قبل وجودها, ومَنْ رحمته وسعت كل شيء.
وذلك والله أعلم - أنه لما ذكر بني إسرائيل وذمهم, وذكر معاصيهم وقبائحهم, ربما وقع في بعض النفوس أنهم كلهم يشملهم الذم، فأراد الباري تعالى أن يبين من لم يلحقه الذم منهم بوصفه، ولما كان أيضا ذكر بني إسرائيل خاصة يوهم الاختصاص بهم.
ذكر تعالى حكما عاما يشمل الطوائف كلها, ليتضح الحق, ويزول التوهم والإشكال، فسبحان من أودع في كتابه ما يبهر عقول العالمين.
( إن الذين آمنوا والذين هادوا ) يعني اليهود سموا به لقولهم إنا هدنا إليك أي ملنا إليك وقيل لأنهم هادوا أي تابوا عن عبادة العجل وقيل لأنهم مالوا عن دين الإسلام وعن دين موسى عليه السلام وقال أبو عمرو بن العلاء : لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة ويقولون : إن السماوات والأرض تحركت حين آتى الله موسى التوراة ( والنصارى ) سموا به لقول الحواريين : نحن أنصار الله ، وقال مقاتل : لأنهم نزلوا قرية يقال لها ناصرة وقيل لاعتزائهم إلى نصرة وهي قرية كان ينزلها عيسى عليه السلام ( والصابئين ) قرأ أهل المدينة : والصابين والصابون بترك الهمزة والباقون بالهمزة وأصله الخروج ، يقال صبأ فلان أي خرج من دين إلى دين آخر وصبأت النجوم إذا خرجت من مطالعها وصبأ ناب البعير إذا خرج فهؤلاء سموا به لخروجهم من دين إلى دين قال عمر وابن عباس : هم قوم من أهل الكتاب قال عمر رضي الله عنه ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب وقال ابن عباس : لا تحل ذبائحهم ولا مناكحتهم وقال مجاهد : هم قبيلة نحو الشام بين اليهود والمجوس وقال الكلبي : هم قوم بين اليهود والنصارى يحلقون أوساط رءوسهم ويجبون مذاكيرهم وقال قتادة : قوم يقرءون الزبور ويعبدون الملائكة ويصلون إلى الكعبة ويقرون بالله تعالى أخذوا من كل دين شيئا قال عبد العزيز بن يحيى : انقرضوا .
( من آمن بالله واليوم الآخر ) فإن قيل كيف يستقيم قوله ( من آمن بالله ) وقد ذكر في ابتداء الآية ( إن الذين آمنوا ) ؟
قيل اختلفوا في حكم الآية فقال بعضهم أراد بقوله ( إن الذين آمنوا ) على التحقيق ثم اختلفوا في هؤلاء المؤمنين فقال قوم هم الذين آمنوا قبل المبعث وهم طلاب الدين مثل حبيب النجار وقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل والبراء السني وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي وبحيرا الراهب ووفد النجاشي فمنهم من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ( وبايعه ) ، ومنهم من لم يدركه .
وقيل هم المؤمنون من الأمم الماضية وقيل هم المؤمنون من هذه الأمة ( والذين هادوا ) الذين كانوا على دين موسى عليه السلام ولم يبدلوا ، والنصارى الذين كانوا على دين عيسى عليه السلام ولم يغيروا وماتوا على ذلك ، قالوا وهذان الاسمان لزماهم زمن موسى وعيسى عليهما السلام حيث كانوا على الحق كالإسلام لأمة محمد صلى الله عليه وسلم والصابئون زمن استقامة أمرهم ( من آمن ) أي من مات منهم وهو مؤمن لأن حقيقة الإيمان بالموافاة ويجوز أن يكون الواو مضمرا أي ومن آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة وقال بعضهم إن المذكورين بالإيمان في أول الآية على طريق المجاز دون الحقيقة ثم اختلفوا فيهم فقال بعضهم الذين آمنوا بالأنبياء الماضين ولم يؤمنوا بك وقيل أراد بهم المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم واليهود والنصارى الذين اعتقدوا اليهودية والنصرانية بعد التبديل والصابئون بعض أصناف الكفار ( من آمن بالله واليوم الآخر ) هذه الأصناف بالقلب واللسان ( وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ) وإنما ذكر بلفظ الجمع لأن ( من ) يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث ( ولا خوف عليهم ) في الدنيا ( ولا هم يحزنون ) في الآخرة.
«إن الذين آمنوا» بالأنبياء من قبل «والذين هادوا» هم اليهود «والنصارى والصابئين» طائفة من اليهود أو النصارى «من آمن» منهم «بالله واليوم الآخر» في زمن نبينا «وعمل صالحاً» بشريعته «فلهم أجرهم» أي ثواب أعمالهم «عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» رُوعي في ضمير آمن وعمل لفظ من وفيما بعده معناها.
إن المؤمنين من هذه الأمة، الذين صدَّقوا بالله ورسله، وعملوا بشرعه، والذين كانوا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من الأمم السالفة من اليهود، والنصارى، والصابئين- وهم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه- هؤلاء جميعًا إذا صدَّقوا بالله تصديقًا صحيحًا خالصًا، وبيوم البعث والجزاء، وعملوا عملا مرضيًا عند الله، فثوابهم ثابت لهم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا.
وأما بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم خاتمًا للنبيين والمرسلين إلى الناس كافة، فلا يقبل الله من أحد دينًا غير ما جاء به، وهو الإسلام.
وبعد أن بين القرآن الكريم ما حل باليهود من عقوبات بسبب جحودهم لنعم الله ، وكفرهم بآياته - أردف بذلك ما وعد الله به المؤمنين من جزيل الثواب فقال - تعالى :( إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والنصارى والصابئين .
.
.
) .في هذه الآية الكريمة حدثنا القرآن عن أربع فرق من الناس :أما الفرقة الأولى : فهي فرقة الذين آمنوا ، والمراد بهم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وصدقوه .وابتدأ القرآن بهم للإِشعار بأن دين الإِسلام دين قائم على أساس أن الفوز برضا الله لا ينال إلا بالإِيمان الصادق والعمل الصالح ، ولا فضل لأمة على أمة إلا بذلك ، كما قال - تعالى - : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ ) وأما الفرقة الثانية : فهي فرقة الذين هادوا ، أي : صاروا يهوداً ، يقال : هاد وتهود ، أي دخل في اليهودية ، وسمواً يهوداً نسبة إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب - بقلب الذال دالا في التعريب - أو سمواً يهودا حين تابوا من عبادة العجل ، من هاد يهود هودا بمعنى تاب .
ومنه ( إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ) أي : تينا .والفرقة الثالثة : هي فرقة النصارى ، جمع نصران بمعنى نصراني ، كندامي وندمان والياء في نصراني للمبالغة ، وهم قوم عيسى - عليه السلام - قيل سمواً بذلك لأنهم كانوا أنصاراً له ، وقيل إن هذا الاسم مأخوذ من الناصرة وهي القرية التي كان عيسى - عليه السلام - قد نزلها .وأما الفرقة الرابعة : فهي فرقة الصابئين جمع صابئ ، وهو الخارج من دين إلى دين ، يقال : صباً الظلف والناب والنجم - كمنع وكرم - إذا طلع .
والمراد بهم الخارجون من الدين الحق إلى الدين الباطل ، وهم قوم يعبدون الكواكب أو الملائكة ، ويزعمون أنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم .وذكر القرآن الصائبة في هذا المقام وهم من أبعد الأمم ضلالا .
لينبه على أن الإِيمان منهم على النحو الذي قرره الدين الحق ، فمن لم تبلغه منهم دعوة الإِسلام ، وكان ينتمى إلى دين صحيح في أصله بحيث يؤمن بالله واليوم الآخر ويقدم العمل الصالح على الوجه الذي يرشده إليه دينه ، فله أجره على ذلك عند ربه .أما الذين بلغتهم الذين بلغتهم دعوة الإِسلام من تلك الفرق ولكنهم لم يقبلوها؛ فإنهم لا يكونون ناجين من عذاب الله مهما ادعوا بأنهم يؤمنون بغيرها ، لأن الشريعة الإِسلامية قد نسخت ما قبلها والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي " .ويفسرونه - أي الإِيمان - بالنسبة للمؤمنين المشار إليهم بقوله تعالى : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ .
.
.
) على أنه بمعنى الثبات والدوام والإِذعان ، وبذلك ينتظم عطف قوله - تعالى - : ( وَعَمِلَ صَالِحاً ) على قوله ( آمَنَ ) مع مشاركة هؤلاء المؤمنين لتلك الفرق الثلاث فيما يترتب على الإِيمان والعمل الصالح من ثواب جزيل ، وعاقبة حميدة .وبعض العلماء يرى أن معنى ( مَنْ آمَنَ ) أي : من أجدث من هذه الفرق إيماناً بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء من عند ربه ، قالوا : لأن مقتضى المقام هو الترغيب في دين الإِسلام ، وأما بيان من مضى على دين آخر قبل نسخه فلا ملابسة له بالمقام ، فضلا عن أن الصابئين ليس لهم دين تجوز رعايته في وقت من الأوقات .ثم بين - سبحانه - عاقبتهم فقال : ( فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) .الأجر : الجزاء على العمل ، وسمى الله ما يعطيه للمؤمن العامل أجراً على سبيل التفضل منه .وقال : ( عِندَ رَبِّهِمْ ) ليدل على عظم الثواب ، لأن ما يكون عند الله من الجزاء على العمل لا يكون عظيماًً ، ولأن المجازي لهم هو ربهم المنعوت بصفات الكرم والرحمة وسعة العطاء .والمعنى : إن هؤلاء الذين لهم أجرهم العظيم عند ربهم ، ولا يفزعون من هول يوم القيامة كما يفزع الكافرون ، ولا يفوتهم نعيم ، فيحزنون عليه كما يحزن المقصرون .
اعلم أن القراءة المشهورة: ﴿ هَادُواْ ﴾ بضم الدال وعن الضحاك ومجاهد بفتح الدال وإسكان الواو والقراءة المعروفة الصابئين والصابئون بالهمزة فيهما حيث كانا وعن نافع وشيبة والزهري والصابين بياء ساكنة من غير همز، والصابون بباء مضمومة وحذف الهمزة، وعن العمري يجعل الهمزة فيهما، وعن أبي جعفر بياءين خالصتين فهما بدل الهمزة، فأما ترك الهمزة فيحتمل وجهين.
أحدهما: أن يكون من صبا يصبو إذا مال إلى الشيء فأحبه، والآخر: قلب الهمزة فنقول: الصابيين والصابيون والاختيار الهمز لأنه قراءة الأكثر وإلى معنى التفسير أقرب لأن أهل العلم قالوا: هو الخارج من دين إلى دين، واعلم أن عادة الله إذا ذكر وعداً أو وعيداً عقبه بما يضاده ليكون الكلام تاماً فهاهنا لما ذكر حكم الكفرة من أهل الكتاب وما حل بهم من العقوبة أخبر بما للمؤمنين من الأجر العظيم والثواب الكريم دالاً على أنه سبحانه وتعالى يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته كما قال: ﴿ لِيَجْزِىَ الذين أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى ﴾ فقال: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ ﴾ واختلف المفسرون في المراد منه، وسبب هذا الاختلاف قوله تعالى في آخر الآية: ﴿ مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الاخر ﴾ فإن ذلك يقتضي أن يكون المراد من الإيمان في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ ﴾ غير المراد منه في قوله تعالى: ﴿ مَنْ ءامَنَ بالله ﴾ ونظيره في الإشكال قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ءامِنُواْ ﴾ فلأجل هذا الإشكال ذكروا وجوهاً، أحدها: وهو قول ابن عباس.
المراد الذين آمنوا قبل مبعث محمد بعيسى عليهما السلام مع البراءة عن أباطيل اليهود والنصارى مثل قس بن ساعدة، وبحيرى الراهب وحبيب النجار وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري ووفد النجاشي فكأنه تعالى قال: إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد والذين كانوا على الدين الباطل الذي لليهود والذين كانوا على الدين الباطل الذي للنصارى كل من آمن منهم بعد مبعث محمد عليه السلام بالله واليوم الآخر وبمحمد فلهم أجرهم عند ربهم.
وثانيها: أنه تعالى ذكر في أول هذه السورة طريقة المنافقين ثم طريقة اليهود، فالمراد من قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ ﴾ هم الذين يؤمنون باللسان دون القلب وهم المنافقون، فذكر المنافقين ثم اليهود والنصارى والصابئين فكأنه تعالى قال: هؤلاء المبطلون كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي صار من المؤمنين عند الله وهو قول سفيان الثوري.
وثالثها: المراد من قوله: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ ﴾ هم المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام في الحقيقة وهو عائد إلى الماضي، ثم قوله تعالى: ﴿ مَنْ ءامَنَ بالله ﴾ يقتضي المستقبل فالمراد الذين آمنوا في الماضي وثبتوا على ذلك واستمروا عليه في المستقبل وهو قول المتكلمين.
أما قوله تعالى: ﴿ والذين هَادُواْ ﴾ فقد اختلفوا في اشتقاقه على وجوه: أحدها: إنما سموا به حين تابوا من عبادة العجل وقالوا: ﴿ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ﴾ أي تبنا ورجعنا، وهو عن ابن عباس.
وثانيها: سموا به لأنهم نسبوا إلى يهوذا أكبر ولد يعقوب وإنما قالت العرب بالدال للتعريب، فإن العرب إذا نقلوا أسماء من العجمية إلى لغتهم غيروا بعض حروفها.
وثالثها: قال أبو عمرو بن العلاء: سموا بذلك لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة، وأما النصارى ففي اشتقاق هذا الاسم وجوه: أحدها: أن القرية التي كان ينزلها عيسى عليه السلام تسمى ناصرة فنسبوا إليها وهو قول ابن عباس وقتادة وابن جريج.
وثانيها: لتناصرهم فيما بينهم أي لنصرة بعضهم بعضاً.
وثالثها: لأن عيسى عليه السلام قال للحواريين من أنصاري إلى الله، قال صاحب الكشاف: النصارى جمع نصران يقال رجل نصران، وامرأة نصرانة والياء في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري لأنهم نصروا المسيح.
أما قوله تعالى: ﴿ والصابئين ﴾ فهو من صبأ إذا خرج من دينه إلى دين آخر، وكذلك كانت العرب يسمون النبي عليه السلام صابئاً لأنه أظهر ديناً بخلاف أديانهم وصبأت النجوم إذا أخرجت من مطلعها.
وصبأنا به إذا خرجنا به، وللمفسرين في تفسير مذهبهم أقوال، أحدها: قال مجاهد والحسن: هم طائفة من المجوس واليهود لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.
وثانيها: قال قتاد: هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات.
وقال أيضاً: الأديان خمسة منها للشيطان أربعة وواحد للرحمن: الصابئون وهم يعبدون الملائكة، والمجوس وهم يعبدون النار، والذين أشركوا يعبدون الأوثان، واليهود والنصارى.
وثالثها: وهو الأقرب أنهم قوم يعبدون الكواكب، ثم لهم قولان.
الأول: أن خالق العالم هو الله سبحانه، إلا أنه سبحانه أمربتعظيم هذه الكواكب واتخاذها قبلة للصلاة والدعاء والتعظيم.
والثاني: أن الله سبحانه خلق الأفلاك والكواكب، ثم إن الكواكب هي المدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر والصحة والمرض، والخالقة لها فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم ثم إنها تعبد الله سبحانه، وهذا المذهب هو القول المنسوب إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم عليه السلام راداً عليهم ومبطلاً لقولهم، ثم إنه سبحانه بين في هذه الفرق الأربعة أنهم إذا آمنوا بالله فلهم الثواب في الآخرة ليعرف أن جميع أرباب الضلال إذا رجعوا عن ضلالهم وآمنوا بالدين الحق فإن الله سبحانه وتعالى يقبل إيمانهم وطاعتهم ولا يردهم عن حضرته ألبتة، واعلم أنه قد دخل في الإيمان بالله الإيمان بما أوجبه، أعني الإيمان برسله ودخل في الإيمان باليوم الآخر جميع أحكام الآخرة، فهذان القولان قد جمعا كل ما يتصل بالأديان في حال التكليف وفي حال الآخرة من ثواب وعقاب.
أما قوله تعالى: ﴿ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ فليس المراد العندية المكانية، فإن ذلك محال في حق الله تعالى ولا الحفظ كالودائع بل المراد أن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند ربهم.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ فقيل: أراد زوال الخوف والحزن عنهم في الدنيا ومنهم من قال في الآخرة في حال الثواب، وهذا أصح لأن قوله: ﴿ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ عام في النفي، وكذلك: ﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ وهذه الصفة لا تحصل في الدنيا وخصوصاً في المكلفين لأنهم في كل وقت لا ينفكون من خوف وحزن، إما في أسباب الدنيا وإما في أمور الآخرة، فكأنه سبحانه وعدهم في الآخرة بالأجر، ثم بين أن من صفة ذلك الأجر أن يكون خالياً عن الخوف والحزن، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائماً لأنهم لو جوزوا كونه منقطعاً لاعتراهم الحزن العظيم.
فإن قال قائل: إن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة المائدة هكذا: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون والنصارى مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الآخر وعَمِلَ صالحا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يحزنون ﴾ وفي سورة الحج: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أَشْرَكُواْ إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة إِنَّ الله على كل شئ شهيد ﴾ فهل في اختلاف هذه الآيات بتقديم الصنوف وتأخيرها ورفع الصابئين في آية ونصبها في أخرى فائدة تقتضي ذلك؟
والجواب: لما كان المتكلم أحكم الحاكمين فلابد لهذه التغييرات من حكم وفوائد، فإن أدركنا تلك الحكم فقد فزنا بالكمال وإن عجزنا أحلنا القصور على عقولنا لا على كلام الحكيم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إن الذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون ﴿ والذين هَادُواْ ﴾ والذين تهوّدوا.
يقال: هاد يهود.
وتهوّد إذا دخل في اليهودية، وهو هائد، والجمع هود.
﴿ والنصارى ﴾ وهو جمع نصران.
يقال: رجل نصران، وامرأة نصرانة، قال: نصرانة لم تحنف.
والياء في نصرانيّ للمبالغة كالتي في أحمريّ.
سموا لأنهم نصروا المسيح.
﴿ والصابئين ﴾ وهو من صبأ: إذا خرج من الدين وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة ﴿ مَنْ ءامَنَ ﴾ من هؤلاء الكفرة إيماناً خالصاً ودخل في ملة الإسلام دخولاً أصيلاً ﴿ وَعَمِلَ صالحا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ الذي يستوجبونه بإيمانهم وعملهم.
فإن قلت: ما محل من آمن؟
قلت: الرفع إن جعلته مبتدأ خبره ﴿ فلهم أجرهم ﴾ والنصب إن جعلته بدلاً من اسم إنّ المعطوف عليه.
فخبر إنّ في الوجه الأول الجملة كما هي وفي الثاني فلهم أجرهم.
والفاء لتضمن ﴿ مَنْ ﴾ معنى الشرط.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ، يُرِيدُ بِهِ المُتَدَيِّنِينَ بِدِينِ مُحَمَّدٍ المُخْلِصِينَ مِنهم والمُنافِقِينَ، وقِيلَ المُنافِقِينَ لِانْخِراطِهِمْ في سَلَكِ الكَفَرَةِ ﴿ والَّذِينَ هادُوا ﴾ تَهَوَّدُوا، يُقالُ هادَ وتَهَوَّدَ إذا دَخَلَ في اليَهُودِيَّةِ، ويَهُودٌ: إمّا عَرَبِيٌّ مَن هادَ إذا تابَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لَمّا تابُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ، وإمّا مُعَرَّبُ يَهُوذا وكَأنَّهم سُمُّوا باسِمِ أكْبَرِ أوْلادِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والنَّصارى جَمْعُ نَصْرانٍ كَنَدامى ونَدْمانَ، والياءُ في نَصْرانِيٍّ لِلْمُبالَغَةِ كَما في أحَمِرَيٍّ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم نَصَرُوا المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ لِأنَّهم كانُوا مَعَهُ في قَرْيَةٍ يُقالُ لَها نَصْرانُ أوْ ناصِرَةُ فَسُمُّوا بِاسْمِها، أوْ مِنِ اسْمِها.
﴿ والصّابِئِينَ ﴾ قَوْمٌ بَيْنَ النَّصارى والمَجُوسِ.
وقِيلَ أصْلُ دِينِهِمْ دِينُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقِيلَ هم عَبَدَةَ المَلائِكَةِ.
وقِيلَ عَبَدَةُ الكَواكِبِ، وهو إنْ كانَ عَرَبِيًّا فَمِن صَبَأ إذا خَرَجَ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ بِالياءِ إمّا لِأنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ وأبْدَلَها ياءً، أوْ لِأنَّهُ مِن صَبَأ إذا مالَ لِأنَّهم مالُوا عَنْ سائِرِ الأدْيانِ إلى دِينِهِمْ أوْ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ.
﴿ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ مَن كانَ مِنهم في دِينِهِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ.
مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، عامِلًا بِمُقْتَضى شَرْعِهِ.
وقِيلَ مَن آمَنَ مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ إيمانًا خالِصًا، ودَخَلَ في الإسْلامِ دُخُولًا صادِقًا: فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمُ الَّذِي وعَدَ لَهم عَلى إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمْ.
﴿ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ حِينَ يَخافُ الكُفّارُ مِنَ العِقابِ، ويَحْزَنُ المُقَصِّرُونَ عَلى تَضْيِيعِ العُمْرِ وتَفْوِيتِ الثَّوابِ.
و ﴿ مَن ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ فَلَهم أجْرُهُمْ ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، أوْ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ وخَبَرُها ﴿ فَلَهم أجْرُهُمْ ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَعْنى الشَّرْطِ، وقَدْ مَنَعَ سِيبَوَيْهِ دُخُولَها في خَبَرِ إنَّ مِن حَيْثُ إنَّها لا تَدْخُلُ الشَّرْطِيَّةَ، ورَدَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{إن الذين آمنوا} بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون {والذين هادوا} تهودا يقال هاد يهود وتهود إذا دخل في اليهودية وهو
هائد والجمع هود {والنصارى} جمع نصران كندمان وندامى يقال رجل نصران وامرأة نصرانة والياء في نصراني للمبالغة كالتي في احمرى سموا نصارى لأنهم نصورا المسيح {والصابئين} الخارجين من دين مشهور إلى غيره من صبأ إذا خرج من الدين وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة وقيل هم يقرءون الزبور {من آمن بالله واليوم الآخر} من هؤلاء الكفرة إيماناً خالصاً {وَعَمِلَ صالحا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} ثوابهم {عِندَ رَبِّهِمْ} في الآخرة {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} ومحل من آمن الرفع إن جعلته مبتدأ خبره فلهم أجرهم والنصب إن جعلته بدلاً من اسم إن والمعطوف عليه فخبر إن في الوجه الأول الجملة كما هي وفي الثاني فلهم والفاء لتضمن من معنى الشرط
﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لَمّا انْجَرَّ الكَلامُ إلى ذِكْرِ وعِيدِ أهْلِ الكِتابِ قَرَنَ بِهِ ما يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ جَرْيًا عَلى عادَتِهِ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وبِهَذا يَتَّضِحُ وجْهُ تَوْسِيطِ هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها بَيْنَ تَعْدادِ النِّعَمِ، وفي المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا هُنا أقْوالٌ، والمَرْوِيُّ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ بِدَلِيلِ انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ الكَفَرَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ دُونَ عُنْوانِ النِّفاقِ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ المَرْتَبَةَ، وإنْ عَبَّرَ عَنْها بِالإيمانِ لا تُجِدِيهِمْ نَفْعًا ولا تُنْقِذُهم مِن ورْطَةِ الكُفْرِ قَطْعًا، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُمُ الحَنِيفِيُّونَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقِ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقَسِّ بْنِ ساعِدَةَ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، ومَن لَحِقَهُ كَأبِي ذَرٍّ وبَحِيرى، ووَفْدِ النَّجاشِيِّ الَّذِينَ كانُوا يَنْتَظِرُونَ البَعْثَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِعِيسى قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِمُوسى إلى أنْ جاءَ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ فَآمَنُوا بِهِ، وقِيلَ: إنَّهم أصْحابُ سَلْمانَ الَّذِينَ قَصَّ حَدِيثَهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ لَهُ: «(هم في النّارِ)،» فَأظْلَمَتِ الأرْضُ عَلَيْهِ كَما رَوى مُجاهِدٌ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الآيَةُ إلى (يَحْزَنُونَ)، قالَ سَلْمانُ: فَكَأنَّما كُشِفَ عَنِّي جَبَلٌ، وقِيلَ: إنَّهُمُ المُتَدَيِّنُونَ بِدِينِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُخْلِصِينَ، أوْ مُنافِقِينَ، واخْتارَهُ القاضِي، وكانَ سَبَبُ الِاخْتِلافِ قَوْلَهُ تَعالى فِيما بَعْدُ: ﴿ مَن آمَنَ ﴾ إلَخْ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن أحَدِهِما غَيْرَ المُرادِ مِنَ الآخَرِ، وأقَلُّ الأقْوالِ مُؤْنَةً أوَّلُها، ”الَّذِينَ هادَوْا“ أيْ تَهَوَّدُوا، يُقالُ هادَ وتَهَوَّدَ إذا دَخَلَ في اليَهُودِيَّةِ، ويَهُودُ إمّا عَرَبِيٌّ مِن هادَ إذا تابَ سُمُّوا بِذَلِكَ لَمّا تابُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ، ووَجْهُ التَّخْصِيصِ كَوْنُ تَوْبَتِهِمْ أشَقَّ الأعْمالِ كَما مَرَّ، وإمّا مُعَرَّبُ يَهُوذا بِذالٍ مُعْجَمَةٍ وألِفٍ مَقْصُورَةٍ، كَأنَّهم سُمُّوا بِأكْبَرِ أوْلادِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقُرِئَ (هادَوْا) بِفَتْحِ الدّالِ أيْ مالَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، والنَّصارى جَمْعُ نَصْرانٍ بِمَعْنى نَصْرانِيٍّ، ووَرَدَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وإنْ أنْكَرَهُ البَعْضُ كَقَوْلِهِ: تَراهُ إذا دارَ العَشِيَّ مُحَنِّفًا ويَضْحى لَدَيْهِ وهو نَصْرانٌ شامِسُ ويُقالُ في المُؤَنَّثِ نَصْرانٌ، كَنَدْمانٍ ونَدْمانَةٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، وأُنْشِدَ: كَما سَجَدَتْ نْصَرانَةٌ لَمْ تُحَنِّفِ والياءُ في نَصْرانِيٍّ عِنْدَهُ لِلْمُبالَغَةِ كَما يُقالُ لِلْأحْمَرِ أحْمَرِيٌّ إشارَةً إلى أنَّهُ عَرِيقٌ في وصْفِهِ، وقِيلَ: إنَّها لِلْفَرْقِ بَيْنَ الواحِدِ والجَمْعِ، كَزِنْجٍ وزِنْجِيٍّ، ورُومٍ ورُومِيٍّ، وقِيلَ: النَّصارى جَمْعُ نَصْرى كَمَهْرى ومَهارى حُذِفَتْ إحْدى ياءَيْهِ، وقُلِبَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً لِلتَّخْفِيفِ، فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الخَلِيلُ، وهو اسْمٌ لِأصْحابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم نَصَرُوهُ، أوْ لِنَصْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وُلِدَ في بَيْتِ لَحْمٍ بِالقُدْسِ، ثُمَّ سارَتْ بِهِ أُمُّهُ إلى مِصْرَ، ولَمّا بَلَغَ اثْنَيْ عَشَرَ سَنَةً عادَتْ بِهِ إلى الشّامِ، وأقامَتْ بِقَرْيَةِ ناصِرَةَ، وقِيلَ: نَصْرايا، وقِيلَ: نَصْرى، وقِيلَ: نَصْرانَةَ، وقِيلَ: نَصْرانَ، وعَلَيْهِ الجَوْهَرِيُّ، فَسُمِّيَ مَن مَعَهُ بِاسْمِها، أوْ أُخِذَ لَهُمُ اسْمٌ مِنها، والصّابِئِينَ هم قَوْمٌ مَدارُ مَذاهِبِهِمْ عَلى التَّعَصُّبِ لِلرُّوحانِيِّينَ، واتِّخاذِهِمْ وسائِطَ، ولَمّا لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُمُ التَّقَرُّبُ إلَيْها بِأعْيانِها، والتَّلَقِّي مِنها بِذَواتِها، فَزِعَتْ جَماعَةٌ مِنهم إلى هَياكِلِها، فَصابِئَةُ الرُّومِ مَفْزَعُها السَّيّاراتُ، وصابِئَةُ الهِنْدِ مَفْزَعُها الثَّوابِتُ، وجَماعَةٌ نَزَلُوا عَنِ الهَياكِلِ إلى الأشْخاصِ الَّتِي لا تَسْمَعُ، ولا تُبْصِرُ، ولا تُغْنِي عَنْ أحَدٍ شَيْئًا، فالفِرْقَةُ الأُولى هم عَبَدَةُ الكَواكِبِ، والثّانِيَةُ هم عَبَدَةُ الأصْنامِ، وكُلٌّ مِن هاتَيْنِ الفِرْقَتَيْنِ أصْنافٌ شَتّى مُخْتَلِفُونَ في الِاعْتِقاداتِ والتَّعَبُّداتِ، والإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: إنَّهم لَيْسُوا بِعَبَدَةِ أوْثانٍ، وإنَّما يُعَظِّمُونَ النُّجُومَ كَما تُعَظَّمُ الكَعْبَةُ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مُوَحِّدُونَ يَعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ ويُقِرُّونَ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ كَيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّهم يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعالى، ويَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ، ويَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ ويُصَلُّونَ إلى الكَعْبَةِ، وقِيلَ: إلى مَهَبِّ الجَنُوبِ، وقَدْ أخَذُوا مِن كُلِّ دِينٍ شَيْئًا، وفي جَوازِ مُناكَحَتِهِمْ وأكْلِ ذَبائِحِهِمْ كَلامٌ لِلْفُقَهاءِ يُطْلَبُ في مَحَلِّهِ، واخْتُلِفَ في اللَّفْظِ، فَقِيلَ: غَيْرُ عَرَبِيٍّ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ مِن صَبَأ بِالهَمْزِ إذا خَرَجَ، أوْ مِن صَبا مُعْتَلًّا بِمَعْنى مالَ لِخُرُوجِهِمْ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ ومَيْلِهِمْ إلى الباطِلِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ بِالياءِ، وذَلِكَ إمّا عَلى الأصْلِ، أوِ الإبْدالِ لِلتَّخْفِيفِ.
﴿ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ أيْ أحْدَثَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ إيمانًا بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ والنُّبُوّاتِ وبِالنَّشْأةِ الثّانِيَةِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وأتى بِعَمَلٍ صالِحٍ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ بِما ذُكِرَ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أوَّلِ الأقْوالِ، والقائِلُونَ بِآخِرِها مِنهم مَن فَسَّرَ الآيَةَ بِمَنِ اتَّصَفَ مِن أُولَئِكَ بِالإيمانِ الخالِصِ بِالمَبْدَإ والمَعادِ عَلى الإطْلاقِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الثَّباتِ والدَّوامِ عَلَيْهِ، كَإيمانِ المُخْلِصِينَ، أوْ بِطَرِيقِ إحْداثِهِ وإنْشائِهِ كَإيمانِ مَن عَداهم مِنَ المُنافِقِينَ، وسائِرِ الطَّوائِفِ، وفائِدَةُ التَّعْمِيمِ لِلْمُخْلِصِينَ مَزِيدُ تَرْغِيبِ الباقِينَ في الإيمانِ بِبَيانِ أنَّ تَأخُّرَهم في الِاتِّصافِ بِهِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِكَوْنِهِمْ أُسْوَةً لِأُولَئِكَ الأقْدَمِينَ، ومِنهم مَن فَسَّرَها بِمَن كانَ مِنهم في دِينِهِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ بِالمَبْدَإ والمَعادِ عامِلًا بِمُقْتَضى شَرْعِهِ، فَيَعُمُّ الحُكْمُ المُخْلِصِينَ مِن أُمَّةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ تابُوا واليَهُودَ والنَّصارى الَّذِينَ ماتُوا قَبْلَ التَّحْرِيفِ والنَّسْخِ والصّابِئِينَ الَّذِينَ ماتُوا زَمَنَ اسْتِقامَةِ أمْرِهِمْ إنْ قِيلَ: إنَّ لَهم دِينًا، وكَذا يَعُمُّ اليَهُودَ والصّابِئِينَ، الَّذِينَ آمَنُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وماتُوا في زَمَنِهِ، وكَذا مَن آمَنَ مِن هَؤُلاءِ الفِرَقِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفائِدَةُ ذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى هَذا مَعَ أنَّ الوَعِيدَ السّابِقَ كانَ في اليَهُودِ لِتَسْكِينِ حَمِيَّةِ اليَهُودِ بِتَسْوِيَةِ المُؤْمِنِينَ بِهِمْ في أنَّ كَوْنَ كُلٍّ في دِينِهِ قَبْلَ النَّسْخِ يُوجِبُ الأجْرَ، وبَعْدَهُ يُوجِبُ الحِرْمانَ، كَما أنَّ ذِكْرَ الصّابِئِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ أبْيَنَ المَذْكُورِينَ ضَلالًا يُتابُ عَلَيْهِمْ إذا صَحَّ مِنهُمُ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، فَغَيْرُهم بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وانْفِهامُ قَبْلَ النَّسْخِ مِن ﴿ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ إذْ لا صَلاحَ في العَمَلِ بَعْدَهُ، وهَذا هو المُوافِقُ لِسَبَبِ النُّزُولِ، لا سِيَّما عَلى رِوايَةِ أنَّ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حُسْنَ حالِ الرُّهْبانِ الَّذِينَ صَحِبَهُمْ، فَقالَ: «(ماتُوا وهم في النّارِ)،» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «(مَن ماتَ عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ بِي فَهو عَلى خَيْرٍ، ومَن سَمِعَ ولَمْ يُؤْمِن بِي فَقَدْ هَلَكَ)».
والمُناسِبُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ وعَدَمِ صَرْفِهِ إلى تَخْصِيصِ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى ﴾ بِالكَفَرَةِ مِنهم وتَخْصِيصِ ﴿ مَن آمَنَ ﴾ إلَخْ، بِالدُّخُولِ في مِلَّةِ الإسْلامِ، إلّا أنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ أنْ يَكُونَ لِلصّابِئِينَ دِينٌ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لَيْسَ لَهم دِينٌ تَجُوزُ رِعايَتُهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، فَفي (المِلَلِ والنِّحَلِ) أنَّ الصَّبْوَةَ في مُقابَلَةِ الحَنِيفِيَّةِ، ولِمَيْلِ هَؤُلاءِ عَنْ سُنَنِ الحَقِّ وزَيْغِهِمْ عَنْ نَهْجِ الأنْبِياءِ، قِيلَ لَهُمُ: الصّابِئَةُ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّهُ كانَ لَهم دِينٌ سَماوِيٌّ، ثُمَّ خَرَجُوا عَنْهُ فَمَن مَضى مِن أهْلِ ذَلِكَ الدِّينِ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِنهُ لَيْسُوا مِنَ الصّابِئِينَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ الرّابِطِ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها إلَيْهِمْ، عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ، وارْتِكابُ إرْجاعِهِ إلى المَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ قَصْدًا إلى إدْراجِ الفَرِيقِ المَذْكُورِ فِيهِمْ ضَرُورَةَ أنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ عامِلًا بِمُقْتَضى شَرْعِهِ قَبْلَ نَسْخِهِ مِن مَجْمُوعِ أُولَئِكَ الطَّوائِفِ بِحُكْمِ اشْتِمالِهِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الصّابِئِينَ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْهُ !
عَلى أنَّ فِيهِ بَعْدُ ما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ، (ومَن) مُبْتَدَأٌ، وجَوَّزُوا فِيها أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والخَبَرُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ ودَخَلَتِ الفاءُ لِتُضَمِّنَ المُبْتَدَأ مَعْنى الشَّرْطِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا ﴾ الآيَةَ، وأنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وفي خَبَرِها خِلافٌ، هَلِ الشَّرْطُ أوِ الجَزاءُ أوْ هُما، وجُمْلَةُ ﴿ مَن آمَنَ ﴾ إلَخْ، خَبَرُ (إنَّ)؟
فَإنْ كانَتْ (مَن) مَوْصُولَةً وهو الشّائِعُ هُنا احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مِنهم عائِدًا، وإنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً لَمْ يُحْتَجْ إلى تَقْدِيرِهِ، إذِ العُمُومُ يُغْنِي عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ وغَيْرُهم إذا آمَنُوا فَلَهم إلَخْ، عَلى ما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ (مَن) بَدَلًا مِنِ اسْمِ (إنَّ) وخَبَرُها ﴿ فَلَهم أجْرُهُمْ ﴾ واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّها بَدَلٌ مِنَ المَعاطِيفِ الَّتِي بَعْدَ اسْمِ (إنَّ) فَيَصِحُّ إذْ ذاكَ المَعْنى، وكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مِن غَيْرِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، ومَن آمَنَ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ فَلَهُمْ، إلَخْ، وقَدْ حُمِلَتِ الضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ بِاعْتِبارِ مَعْنى المَوْصُولِ، كَما أنَّ إفْرادَ ما في الصِّلَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وفي البَحْرِ: إنَّ هَذَيْنِ الحَمْلَيْنِ لا يَتِمّانِ إلّا بِإعْرابٍ (مَن) مُبْتَدَأً، وأمّا عَلى إعْرابِها بَدَلًا، فَلَيْسَ فِيها إلّا حَمْلٌ عَلى اللَّفْظِ فَقَطْ، فافْهَمْ.
ثُمَّ المُرادُ مِنَ الأجْرِ الثَّوابُ الَّذِي وُعِدُوهُ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَإضافَتُهُ إلَيْهِمْ واخْتِصاصُهُ بِهِمْ بِمُجَرَّدِ الوَعْدِ، لا بِالِاسْتِيجابِ كَما زَعَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ رِعايَةً لِلِاعْتِزالِ، لَكِنَّ تَسْمِيَتَهُ أجْرًا لِعَدَمِ التَّخَلُّفِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ المُشِيرُ إلى أنَّهُ لا يَضِيعُ، لِأنَّهُ عِنْدَ لَطِيفٍ حَفِيظٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَهُمْ)، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (أجْرِهِمْ).
﴿ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ ﴿ فَلَهم أجْرُهُمْ ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِها في آخِرِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأغْنى عَنِ الإعادَةِ هُنا، <div class="verse-tafsir"
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ، قال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن الذين آمنوا وهم قوم كانوا مؤمنين بموسى والتوراة ولم يتهودوا ولم يتنصروا.
والنصارى: الذين تركوا دين عيسى وَتسَمَّوْا بالنصرانية.
واليهود الذين تركوا دين موسى وتسمَّوا باليهودية.
والصابئين: هم قوم من النصارى ألين قولا منهم.
مَنْ آمَنَ من هؤلاء بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي ثوابهم.
قال مقاتل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، أي صدقوا بتوحيد الله، ومن آمن من الذين هادوا ومن النصارى والصابئين فلهم أجرهم عند ربهم.
وقال القتبي: قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا هم قوم آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم، فكأنه قال: إن المنافقين والذين هادوا والنصارى والصابئين.
ويقال: اليهود سموا يهوداً بقول موسى- - إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف: 156] .
ويقال: اشتقاقه من الميل من هاد يهود، إذا مال عن الطريق.
وأما النصارى قال بعضهم: سموا أنفسهم نصارى بقول عيسى- - مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: 152] ويقال: لأنهم نزلوا إلى قرية ويقال لها ناصرة، فتواثقوا على دينهم فسموا نصارى.
وأما الصابي فهو من صبا يصبو إذا مال.
ويقال: من صبأ يصبأ، إذا رفع رأسه إلى السماء لأنهم يعبدون الملائكة.
قرأ نافع والصَّابِئِينَ بغير همز من صبا يصبو، إذا خرج من دين إلى دين.
وقرأ الباقون بالهمز من صبأ يصبأ، إذا رفع رأسه إلى السماء.
واختلف العلماء في حكم الصابئين، فقال بعضهم: حكمهم كحكم أهل الكتاب في أكل ذبائحهم ومناكحة نسائهم، وهو قول أبي حنيفة، لأنهم قوم بين النصرانية واليهودية يقرءون الزبور وقال بعضهم: هم بمنزلة المجوس لا يجوز أكل ذبائحهم ولا مناكحة نسائهم، وهو قول أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- لأنهم يعبدون الملائكة فصار حكمهم حكم عبدة النيران.
ولم يذكر في الآية الإيمان بمحمد ، لأنه لما ذكر الإيمان بالله تعالى فقد دخل فيه الإيمان بالنبي محمد ، لأنه لا يكون مؤمناً بالله تعالى ما لم يؤمن بجميع ما أنزل الله تعالى على محمد وعلى جميع الأنبياء- عليهم الصلاة السلام- فكأنه قال: من آمن بالله وبما أنزل على جميع أنبيائه وصدق باليوم الآخر وَعَمِلَ صالِحاً أي أدى الفرائض، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، يعني لهم ثواب أعمالهم في الآخرة وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلهم من العذاب وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوا من الدنيا.
ويقال: ليس عليهم خوف النار ولا حزن الفزع الأكبر.
فإن قيل: فيه ذكر من آمن بالله بلفظ الوحدان، ثم قال فلهم أجرهم ولم يقل: فله أجره، قيل له: لأنه انصرف إلى ما سبق ذكره وهو الجماعة فمرة يذكر بلفظ الوحدان لاعتبار اللفظ ومرة بلفظ الجمع لاعتبار المعنى.
<div class="verse-tafsir"
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤)
وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ...
الآيةَ: كان هذا القول منهم في التيه حينَ ملُّوا المَنَّ والسلوى، وتذكَّروا عيشهم الأول بمصْرَ، قال ابنُ عَبَّاس وأكثر المفسِّرين: الفُومُ: الحِنْطَة «١» ، وقال قتادة، وعطاء: الفوم: جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز «٢» ، وقال الضحَّاك: الفوم: الثُّوم، وهي قراءة عبد اللَّه بن مسعود، وروي ذلك عن ابن عبَّاس «٣» ، والثاء تُبْدَلُ من الفاءِ كما قالوا: مَغَاثِيرُ ومَغَافِير «٤» .
ت: قال أحمد بن نصر الدَّاوُوديُّ: وهذا القولُ أشبه لما ذكر معه، أي: من العَدَسِ والبَصَلِ.
انتهى.
وأَدْنى: قال عليُّ بن سليمان الأخْفَشُ «٥» .
مأخوذٌ من الدّنيء البيّن الدناءة بمعنى:
الأَخَسِّ، إلا أنه خُفِّفَت همزته، وقال غيره: هو مأخوذ من الدُّون، أي: الأحط فأصله أَدْوَن، ومعنى الآية: أَتَسْتَبْدِلُونَ البَقْلَ، والْقِثَّاءَ، والفُومَ، وَالعَدَسَ، والبَصَلَ الَّتي هى أدنى بالمَنِّ والسلْوَى الذي هو خيرٌ.
وجمهور النَّاس يقرءون «مِصْراً» بالتنوين «١» ، قال مجاهدٌ وغيره: أراد مِصْراً من الأمصار غير معيَّن «٢» ، واستدلُّوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهَرَتْ به الرواياتُ أنهم سكنوا الشَّام بعد التيه، وقالت طائفة: أراد مِصْرَ فِرْعَونَ بعينها، واستدلوا بما في القرآن من أنَّ اللَّه أورَثَ بني إسْرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، قال في «مختصر الطبريِّ» : وعلى أن المراد مصْر التي خرجُوا منها، فالمعنى: إنَّ الذي تطلُبُونَ كان في البَلَد الَّذي كان فيه عذابُكُم، واستعبادكم، وأسْركم، ثمَّ قال: والأظهر أنهم مُذْ خرجوا من مصْر، لم يرجعوا إليها، واللَّه أعلم.
انتهى.
وقوله تعالى: فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ يقتضي أنه وكلهم إلى أنفسهم، ووَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ «٣» معناه: الزموها كما قالت العرب: ضربة لازب، وَباؤُ بِغَضَبٍ: معناه: مروا متحمِّلين له، قال الطبري: باءوا به، أي: رجعوا به، واحتملوه، ولا بد أن يوصل بَاءَ بخير أو بشرٍّ.
انتهى.
وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ الأشارة ب ذلِكَ إلى ضرب الذلَّة وما بعدهُ، وقوله تعالى: بِغَيْرِ الْحَقِّ تعظيم
للشنعة «١» ، والذَّنْب، ولم يجرم نبيٌّ قطُّ ما يوجبُ قتله، وإنما التسليطُ عليهم بالقَتْل كرامةٌ لهم، وزيادةٌ لهم في منازلهم صلى اللَّه عليهمْ كَمَثَلِ مَنْ يُقْتَلُ في سبيلِ اللَّهِ من المؤمنين، والباء في «بِمَا» باء السبب.
ويَعْتَدُونَ: معناه: يتجاوزون الحُدُود، والاعتداء هو تجاوُزُ الحدِّ.
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ ...
الآية.
اختلف في المراد ب الَّذِينَ آمَنُوا في هذه الآية.
فقالت فرقة: الذين آمنوا هم المؤمنون حقّا بنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم، وقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يكون فيهم بمعنى مَنْ ثَبَتَ ودَامَ، وفي سائر الفرق: بمعنى: مَنْ دخَلَ فيه، وقال السُّدِّيُّ: هم أهل الحنيفيَّة ممَّن لم يلحق محمّدا صلّى الله عليه وسلم، والذين هَادُوا، ومن عطف عليهم كذلك ممَّن لم يلحق محمّدا صلّى الله عليه وسلم، وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهودُ، وسُمُّوا بذلك لقولهم:
هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦] ، أي: تبنا، وَالنَّصارى لفظةٌ مشتقَّة من/ النَّصْرِ.
قال ص «٢» : وَالصَّابِئِينَ: قرأ الأكثر بالهمز صَبَأَ النَّجْمُ، والسِّنُّ، إِذا خرج، أي: خَرَجُوا من دينٍ مشهورٍ إِلى غيره، وقرأ نافع «٣» بغير همز، فيحتمل أن يكون من المهموز المُسَهَّل، فيكون بمعنى الأول، ويحتمل أن يكون مِنْ صَبَا غيْرَ مهموزٍ، أي: مَالَ ومنه: [الهزج]
إلى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي ...
وهند مثلها يصبي «٤»
انتهى.
قال ع «٥» : والصّابئ في اللغة: من خرج من دين إلى دين.
وأما المشار إليهم في قوله تعالى: وَالصَّابِئِينَ فقال السديُّ: هم فرقة من أهل
الكتاب «١» ، وقال مجاهد: هم قوم لا دِينَ لهم «٢» ، وقال ابنُ جْرَيْج «٣» : هم قوم تركب دينهم بين اليهوديَّة والمجوسيَّة «٤» ، وقال ابنُ زَيْد: هم قومٌ يقولون لا إله إلا اللَّه، وليس لهم عمل ولا كتابٌ كانوا بجزيرةِ المَوْصِلِ «٥» ، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن، وقتادة: هم قوم يعبدون الملائكةَ، ويصلُّون الخمْسَ إلى القبلة، ويقرءون الزَّبُور رَآهُمْ زيادُ بن أبي سفيان «٦» ، فأراد وضع الجزْيَة عنْهم حتَّى عُرِّفَ أنهم يعبدون الملائكَةَ «٧» .
وقوله تعالى: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ...
الآية: الطُّورَ: اسم الجبلِ الَّذي نُوجِيَ موسى عليه السلام عليه.
قاله ابنُ عبَّاس «٨» ، وقال مجاهدٌ وغيره: الطُّورَ: اسمٌ لكلِّ جبلٍ «٩» ، وقصص هذه الآية أنَّ موسى عليه السلام، لما جاء إلى بني إسرائيل من عنْد اللَّه تعالى بالألواح، فيها التوراة، قال لهم: خُذُوهَا، والتزموها، فقَالُوا: لا، إِلاَّ أنْ يكلَّمنا اللَّهُ بهَا كما كلَّمك، فصُعِقُوا، ثم أُحْيُوا، فقال لهم: خُذُوها، فقالوا: لاَ، فأمر اللَّه الملائكَةَ، فاقتلعت جَبَلاً من جبالِ فِلَسْطِينَ «١٠» طولُه فَرْسَخٌ في مثله، وكذلك كان
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِعِيسى قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِمُوسى، وعَمِلُوا بِشَرِيعَتِهِ إلى أنْ جاءَ عِيسى، فَآَمَنُوا بِهِ وعَمِلُوا بِشَرِيعَتِهِ إلى أنْ جاءَ مُحَمَّدٌ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا يَطْلُبُونَ الإسْلامَ، كَقِسِّ بْنِ ساعِدَةَ، وبُحَيْرا، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وسَلْمانَ.
والخامِسُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ هادُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ هادَوْا في اللُّغَةِ: تابُوا.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ اليَهُودَ سُمُّوا بِذَلِكَ، لِقَوْلِ مُوسى: ﴿ هُدْنا إلَيْكَ ﴾ ، والنَّصارى لِقَوْلِ عِيسى: ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ ﴾ .
وقِيلَ سُمُّوا النَّصارى لِقَرْيَةٍ، نَزَلَها المَسِيحُ، اسْمُها: ناصِرَةُ، وقِيلَ: لِتَناصُرِهِمْ.
فَأمّا "الصّابِئُونَ" فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِالهَمْزِ في جَمِيعِ القُرْآَنِ.
وكانَ نافِعٌ يَهْمِزُ كُلَّ المَواضِعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الصّابِئِينَ: الخارِجُونَ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، يُقالُ: صَبَأ فَلانٌ: إذا خَرَجَ مِن دِينِهِ.
وصَبَأتِ النُّجُومُ: إذا طَلَعَتْ [وَصَبَأ نابُهُ: إذا خَرَجَ ] .
وَفِي الصّابِئِينَ سَبْعَةُ أقْوالٍ أحَدُها: أنَّهُ صِنْفٌ مِنَ النَّصارى ألْيَنُ قَوْلًا مِنهم، وهُمُ السّائِحُونَ المُحَلِّقَةُ أوْساطُ رُؤُوسِهِمْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ بَيْنَ النَّصارى والمَجُوسِ، لَيْسَ لَهم دِينٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: قَوْمٌ كالمَجُوسِ، قالَهُ الحَسَنُ والحَكَمُ.
والخامِسُ: فِرْقَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والسّادِسُ: قَوْمٌ يُصَلُّونَ إلى القِبْلَةِ، ويَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّابِعُ: قَوْمٌ يَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقَطْ، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ وكِتابٌ ونَبِيٌّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن آمَنَ ﴾ في إعادَةِ ذِكْرِ الإيمانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَعَ المُؤْمِنِينَ طَوائِفَ مِنَ الكُفّارِ رَجَعَ قَوْلُهُ: ﴿ مَن آمَنَ ﴾ إلَيْهِمْ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى مَن أقامَ عَلى إيمانِهِ.
والثّالِثُ: أنَّ الإيمانَ الأوَّلَ نُطْقُ المُنافِقِينَ بِالإسْلامِ.
والثّانِي: اعْتِقادُ القُلُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أقامَ الفَرائِضَ.
* فَصْلٌ وَهَلْ هَذِهِ الآَيَةُ مُحْكَمَةٌ أمْ مَنسُوخَةٌ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مُحْكَمَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ في آَخَرِينَ، وقَدَّرُوا فِيها: إنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا، ومَن آَمَنَ مِنَ الَّذِينَ هادُوا.
والثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ ﴾ ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَصارى والصابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِن الخاسِرِينَ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بـِ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: هُمُ المُنافِقُونَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وقَرَنَهم بِاليَهُودِ والنَصارى والصابِئِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمُ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن جَمِيعِهِمْ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مَن آمَنَ ﴾ -فِي المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ- مَن حَقَّقَ وأخْلَصَ، وفي سائِرِ الفِرَقِ المَذْكُورَةِ مَن دَخَلَ في الإيمانِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مَن آمَنَ بِاللهِ ﴾ يَكُونُ فِيهِمْ، بِمَعْنى: مَن ثَبَتَ ودامَ، وفي سائِرِ الفِرَقِ بِمَعْنى مَن دَخَلَ فِيهِ.
وقالَ السُدِّيُّ: هم أهْلُ الحَنِيفِيَّةِ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا كَزَيْدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقَسِّ بْنِ ساعِدَةَ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلَ، ﴿ والَّذِينَ هادُوا ﴾ كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا ، إلّا مَن كَفَرَ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، "والنَصارى" كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا ، "والصابِئِينَ" كَذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أصْحابِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وذَكَرَ لَهُ الطَبَرِيُّ قِصَّةً طَوِيلَةً، وحَكاها أيْضًا ابْنُ إسْحاقَ، مُقْتَضاها: أنَّهُ صَحِبَ عُبّادًا مِنَ النَصارى فَقالَ لَهُ آخِرُهُمْ: إنَّ زَمانَ نَبِيٍّ قَدْ أظَلَّ، فَإنْ لَحِقَتْهُ فَآمَنَ بِهِ، ورَأى مِنهم عِبادَةً عَظِيمَةً، فَلَمّا جاءَ إلى النَبِيِّ وأسْلَمَ، ذَكَرَ لَهُ خَبَرَهُمْ، وسَألَهُ عنهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ، وقَرَّرَ اللهُ بِها أنَّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ، ومَن بَقِيَ عَلى يَهُودِيَّتِهِ ونَصْرانِيَّتِهِ وصابِئِيَّتِهِ، وهو يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلَهُ أجْرُهُ، ثُمَّ نَسَخَ ما قَرَّرَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ ﴾ ورُدَّتِ الشَرائِعُ كُلُّها إلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ .
﴿ والَّذِينَ هادُوا ﴾ هُمُ اليَهُودُ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ إنّا هُدْنا إلَيْكَ ﴾ أيْ: تُبْنا، فاسْمُهم عَلى هَذا مِن هادَ، يَهُودُ.
وقالَ الشاعِرُ: إنِّي امْرُؤٌ مِن مِدْحَتِي هائِدٌ أيْ تائِبٌ، وقِيلَ: نُسِبُوا إلى يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، فَلَمّا عُرِّبَ الِاسْمُ لَحِقَهُ التَغْيِيرُ كَما تُغَيِّرُ العَرَبُ في بَعْضِ ما عَرَّبَتْ مِن لُغَةِ غَيْرِها، وحَكى الزَهْراوِيُّ: أنَّ التَهْوِيدَ النُطْقُ في سُكُونٍ ووَقارٍ ولِينٍ، وأنْشَدَ: وخُودٌ مِنَ اللائِي تَسَمَّعْنَ بِالضُحى ∗∗∗ قَرِيضُ الرُدافى بِالغِناءِ المُهَوَّدِ قالَ: ومِن هَذا سُمِّيَتِ اليَهُودُ.
وقَرَأ أبُو السَمالِ "هادُوا" بِفَتْحِ الدالِ.
"والنَصارى" لَفْظَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَصْرِ، إمّا لِأنَّ قَرْيَتَهم تُسَمّى ناصِرَةً، ويُقالُ: نَصَرْيا، ويُقالُ: نَصَرْتا، وإمّا لِأنَّهم تَناصَرُوا، وإمّا لِقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللهِ ﴾ : قالَ سِيبَوَيْهِ: واحِدُهم نَصْرانُ، ونَصْرانَةُ كَنَدْمانُ ونَدْمانَةُ ونَدامى، وأنْشَدَ: فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسَها ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: يَظَلُّ إذا دارَ العَشِيُّ مُحَنَّفًا ∗∗∗ ويُضَحِّي لَدَيْها وهو نَصْرانُ شامِسُ قالَ سِيبَوَيْهِ: إلّا أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ في الكَلامِ إلّا بِياءِ نَسَبٍ، قالَ الخَلِيلُ: واحِدُ النَصارى نَصْرِيُّ كَمُهْرِيُّ ومَهارى.
والصابِئُ في اللُغَةِ" مَن خَرَجَ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَقُولُ لِمَن أسْلَمَ: قَدْ صَبَأ، وقِيلَ: إنَّها سَمَّتْهم بِذاكَ لَمّا أنْكَرُوا الآلِهَةَ، تَشْبِيهًا بِالصابِئِينَ في المُوصِلِ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهم بِرٌّ إلّا قَوْلُهُمْ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ".
وطائِفَةٌ هَمَزَتْهُ وجَعَلَتْهُ مِن صَبَأتِ النُجُومُ إذا طَلَعَتْ وصَبَأتْ ثَنْيَةُ الغُلامِ إذا خَرَجَتْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ: صَبَأتْ عَلى القَوْمِ بِمَعْنى طَرَأتْ، فالصابِئُ التارِكُ لِدِينِهِ الَّذِي شَرَعَ لَهُ، إلى دِينِ غَيْرِهِ، كَما أنَّ الصابِئَ عَلى القَوْمِ تارِكٌ لِأرْضِهِ ومُنْتَقِلٌ إلى سِواها، وبِالهَمْزِ قَرَأ القُرّاءُ غَيْرُ نافِعٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَهْمِزْهُ، ومَن لَمْ يَهْمِزْ جَعَلَهُ مِن صَبا يَصْبُو إذا مالَ، أو يَجْعَلُهُ عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُهُ إلّا في الشِعْرِ.
وأمّا المُشارُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: "والصابِئِينَ" فَقالَ السُدِّيُّ: هم فِرْقَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ لا دِينَ لَهُمْ، لَيْسُوا بِيَهُودٍ ولا نَصارى، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: هم قَوْمٌ تَرَكَّبَ دِينُهم بَيْنَ اليَهُودِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمٌ يَقُولُونَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا كِتابٌ، كانُوا بِجَزِيرَةِ المَوْصِلِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ إلى القِبْلَةِ، ويُصَلُّونَ الخَمْسَ، ويَقْرَؤُونَ الزَبُورَ، رَآهم زِيادُ بْنُ أبِي سُفْيانَ فَأرادَ وضْعَ الجِزْيَةِ عنهم حَتّى عَرَفَ أنَّهم يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ.
و"مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن آمَنَ بِاللهِ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ" والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَلَهُمْ" داخِلَةٌ بِسَبَبِ الإبْهامِ الَّذِي في "مَن"، و( لِهَمِّ أجْرِهِمْ ) ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، في مَوْضِعِ خَبَرِ "إنَّ"، ويُحْتَمَلُ ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ "مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، ومَعْناها الشَرْطُ، والفاءُ في قَوْلِهِ "فَلَهُمْ" مُوطِئَةٌ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَها، و( لِهَمِّ أجْرِهِمْ ) خَبَرُ "مَن"، والجُمْلَةُ كُلُّها خَبَرُ "إنَّ"، والعائِدُ عَلى "الَّذِينَ" مَحْذُوفٌ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ وتَقْدِيرُهُ: ﴿ مَن آمَنَ مِنهم بِاللهِ ﴾ .
وفي الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ انْدَرَجَ الإيمانُ بِالرُسُلِ والكُتُبِ، ومِنهُ يَتَفَهَّمُ -لِأنَّ البَعْثَ لَمْ يُعْلَمْ إلّا بِإخْبارِ رُسُلِ اللهِ عنهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وجَمَعَ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( لِهَمِّ أجْرِهِمْ )، بَعْدَ أنْ وحَّدَ في ﴿ مَن آمَنَ ﴾ لِأنَّ "مَن" تَقَعُ عَلى الواحِدِ والتَثْنِيَةِ والجَمْعِ، فَجائِزٌ أنْ يَخْرُجَ ما بَعْدَها مُفْرَدًا عَلى لَفْظِها، أو مُثَنًّى أو مَجْمُوعًا عَلى مَعْناهُ، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ ﴾ ، فَجَمَعَ عَلى المَعْنى، وكَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ ، فَجَمَعَ عَلى المَعْنى.
وقالَ الفَرَزْدَقُ: تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ فَثَنّى عَلى المَعْنى.
وإذا جَرى ما بَعْدُ مَن عَلى اللَفْظِ فَجائِزٌ أنْ يُخالِفَ بِهِ بَعْدُ عَلى المَعْنى، وإذا جَرى ما بَعْدَها عَلى المَعْنى فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ أنْ يُخالِفَ بِهِ بَعْدُ عَلى اللَفْظِ، لِأنَّ الإلْباسَ يَدْخُلُ في الكَلامِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلا خَوْفَ" نُصِبَ عَلى التَبْرِئَةِ، وأمّا الرَفْعُ فَعَلى الِابْتِداءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ ﴾ ، "إذْ" مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والمِيثاقُ مِفْعالٌ مِن وثَقَ يَثِقُ مِثْلُ مِيزانٍ مِن وزَنَ يَزِنُ.
/ و"الطُورَ" اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي نُوجِيَ مُوسى عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمُ: "الطُورَ" اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، ويُسْتَدَلُّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ العَجّاجِ: دانى جَناحَيْهِ مِنَ الطُورِ فَمَرَّ ∗∗∗ تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الطُورُ كُلُّ جَبَلٍ يَنْبُتُ، وكُلُّ جَبَلٍ لا يَنْبُتُ فَلَيْسَ بِطُورٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ اللَفْظَةَ عَرَبِيَّةٌ، وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ: هي سُرْيانِيَّةٌ، اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ.
وقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا جاءَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى بِالألْواحِ فِيها التَوْراةُ قالَ لَهُمْ: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، إلّا أنْ يُكَلِّمَنا اللهُ بِها كَما كَلَّمَكَ، فَصُعِقُوا، ثُمَّ أُحْيُوا، فَقالَ لَهُمْ: خُذُوها، فَقالُوا: لا، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ فاقْتَلَعَتْ جَبَلًا مِن جِبالِ فِلَسْطِينَ طُولُهُ فَرْسَخٌ في مِثْلِهِ، وكَذَلِكَ كانَ عَسْكَرُهُمْ، فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الظُلَّةِ، وأخْرَجَ اللهُ تَعالى البَحْرَ مِن ورائِهِمْ وأضْرَمَ نارًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأحاطَ بِهِمْ غَضَبُهُ، وقِيلَ لَهُمْ: خُذُوها وعَلَيْكُمُ المِيثاقُ ألّا تُضَيِّعُوها وإلّا سَقَطَ عَلَيْكُمُالجَبَلُ، وغَرَّقَكُمُ البَحْرُ، وأحْرَقَتْكُمُ النارُ، فَسَجَدُوا تَوْبَةً لِلَّهِ، وأخَذُوا التَوْراةَ بِالمِيثاقِ وقالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عن بَعْضِ العُلَماءِ: لَوْ أخَذُوها أوَّلَ مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِيثاقٌ، وكانَتْ سَجْدَتُهم عَلى شِقٍّ لِأنَّهم كانُوا يَرْقُبُونَ الجَبَلَ خَوْفًا، فَلَمّا رَحِمَهُمُ اللهُ قالُوا: لا سَجْدَةَ أفْضَلُ مِن سَجْدَةٍ تَقَبَّلَها اللهُ ورَحِمَ بِها، فَأمَرُّوا سُجُودَهم عَلى شِقٍّ واحِدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي لا يَصِحُّ سِواهُ، أنَّ اللهَ تَعالى اخْتَرَعَ -وَقْتَ سُجُودِهِمُ- الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم آمَنُوا كُرْهًا وقُلُوبُهم غَيْرُ مُطَمْئِنَّةٍ، وقَدْ اخْتَصَرْتُ ما سَرَدَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَصَدْتُ أصَحَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ، وخَلَطَ بَعْضُ الناسِ صَعْقَةَ هَذِهِ القِصَّةِ بِصَعْقَةِ السَبْعِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وقُلْنا: خُذُوا.
و"آتَيْناكُمْ" مَعْناهُ: أعْطَيْناكُمْ، و"بِقُوَّةٍ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ مَعْناهُ: بِجِدٍّ واجْتِهادٍ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ دَرْسٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ بِتَصْدِيقٍ وتَحْقِيقٍ.
وقالَ الرَبِيعُ: مَعْناهُ بِطاعَةِ اللهِ.
﴿ واذْكُرُوا ما فِيهِ ﴾ ، أيْ تَدَبَّرُوهُ واحْفَظُوا أوامِرَهُ ووَعِيدَهُ ولا تَنْسَوْهُ وتُضَيِّعُوهُ.
والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى ﴿ ما آتَيْناكُمْ ﴾ ، ويَعْنِي التَوْراةَ، وتَقْدِيرُ صِلَةِ "ما" واذْكُرُوا ما اسْتَقَرَّ فِيهِ، و ﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ، تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ الآيَةُ، تَوَلّى تَفَعَّلَ، وأصْلُهُ الإعْراضُ والإدْبارُ عَنِ الشَيْءِ بِالجِسْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ عَنِ الأُمُورِ والأدْيانِ والمُعْتَقَداتِ اتِّساعًا ومَجازًا.
و ﴿ فَضْلُ اللهِ ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مُضْمَرٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إظْهارُهُ لِلِاسْتِغْناءِ عنهُ، تَقْدِيرُهُ: فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم تَدارَكَكُمْ، "وَرَحْمَتُهُ" عَطْفٌ عَلى "فَضْلٍ".
قالَ قَتادَةُ فَضْلُ اللهِ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّ المُخاطَبَ بِقَوْلِهِ "عَلَيْكُمْ" لَفْظًا ومَعْنًى مَن كانَ في مُدَّةِ مُحَمَّدٍ ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَعْنى مَن سَلَفَ، و"لَكُنْتُمْ" جَوابُ "لَوْلا"، و ﴿ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ خَبَرُ "كانَ"، والخُسْرانُ، النُقْصانُ.
وتَوَلِّيهِمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ: إمّا بِالمَعاصِي، فَكانَ فَضْلُ اللهِ بِالتَوْبَةِ والإمْهالِ إلَيْها، وإمّا أنْ يَكُونَ تَوَلِّيهِمْ بِالكُفْرِ، فَكانَ فَضْلُ اللهِ بِأنَّ لَمْ يُعاجِلْهم بِالإهْلاكِ؛ لِيَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ مَن يُؤْمِنُ، أو يَكُونُ المُرادُ مَن لَحِقَ مُحَمَّدًا ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ، وعَلَيْهِ يَتَّجِهُ قَوْلُ قَتادَةَ: إنَّ الفَضْلَ الإسْلامُ، والرَحْمَةَ القُرْآنُ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالفَضْلِ والرَحْمَةِ إدْراكُهم مُدَّةَ مُحَمَّدٍ .
<div class="verse-tafsir"
توسطت هاته الآية بين آيات ذكر بني إسرائيل بما أنعم الله عليهم وبما قابلوا به تلك النعم من الكفران وقلة الاكتراث فجاءت معترضة بينها لمناسبة يدركها كل بليغ وهي أن ما تقدم من حكاية سوء مقابلتهم لنعم الله تعالى قد جرت عليهم ضرب الذلة والمسكنة ورجوعهم بغضب من الله تعالى عليهم، ولما كان الإنحاء عليهم بذلك من شأنه أن يفزعهم إلى طلب الخلاص من غضب الله تعالى لم يترك الله تعالى عادته مع خلقه من الرحمة بهم وإرادته صلاح حالهم فبين لهم في هاته الآية أن باب الله مفتوح لهم وأن اللجأ إليه أمر هين عليهم وذلك بأن يؤمنوا ويعملوا الصالحات، ومن بديع البلاغة أن قرن معهم في ذلك ذكر بقية من الأمم ليكون ذلك تأنيساً لوحشة اليهود من القوارع السابقة في الآيات الماضية وإنصافاً للصالحين منهم، واعترافاً بفضلهم، وتبشيراً لصالحي الأمم من اليهود وغيرهم الذين مضوا مثل الذين كانوا قبل عيسى وامتثلوا لأنبيائهم، ومثل الحواريين، والموجودين في زمن نزول الآية مثل عبد الله بن سَلاَم وصهيب، فقد وفَّت الآية حق الفريقين من الترغيب والبشارة، وراعت المناسبتيْن للآيات المتقدمة مناسبةَ اقتران الترغيب بالترهيب، ومناسبةَ ذكر الضد بعد الكلام على ضده.
فمجيء (إنَّ) هنا لمجرد الاهتمام بالخبر وتحقيقِه لدفع توهم أن ما سبق من المذمات شامل لجميع اليهود، فإن كثيراً من الناس يتوهم أن سلف الأمم التي ضَلَّت كانوا مثلهم في الضلال، ولقد عجب بعض الأصحاب لما ذكرت لهم أني حين حللت في رومة تبركت بزيارة قبر القديس بطرس توهماً منهم بكون قبره في كنيسة رومة فبيّنت لهم أنه أحد الحواريين أصحاب المسيح عيسى عليه السلام.
وابتُدئ بذكر المؤمنين للاهتمام بشأنهم ليكونوا في مقدمة ذكر الفاضلين فلا يذكر أهلُ الخير إلا ويذكرون معهم، ومن مراعاة هذا المقصد قوله تعالى في سورة النساء (162) ﴿ لكن الراسخون في العلم منهم ﴾ أي الذين هادوا والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك الآية، ولأنهم القدوة لغيرهم كما قال تعالى: ﴿ فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ﴾ [البقرة: 137] فالمراد من الذين آمنوا في هذه الآية هم المسلمون الذين صدقوا بالنبيء محمد صلى الله عليه وسلم وهذا لقب للأمة الإسلامية في عرف القرآن.
و ﴿ الذين هادوا ﴾ هم بنو إسرائيل وقد مضى الكلام عليهم وإنما نذكر هنا وجه وصفهم بالذين هادوا، ومعنى (هادوا) كانوا يهوداً أو دانوا بدين اليهود.
وأصل اسم يهود منقول في العربية من العبرانية وهو في العبرانية بذال معجمة في آخره وهو علم أحد أسباط إسرائيل، وهذا الاسم أطلق على بني إسرائيل بعد موت سليمان سنة 975 قبل المسيح فإن مملكة إسرائيل انقسمت بعد موته إلى مملكتين مملكة رحبعام بننِ سليمان ولم يتبعه إلا سِبط يهوذا وسبط بِنْيَامِين وتُلقب بمملكة يهوذا لأن معظم أتباعه من سبط يهوذا وجعل مقر مملكته هو مقر أبيه (أورشليم)، ومملكة مَلِكُها يورْبعام بن بناط غلام سليمان وكان شجاعاً نجيباً فملَّكَتْه بقية الأسباط العشرة عليهم وجَعل مقر مملكته السامرة وتلقب بمَلِككِ إسرائيل إلا أنه وقومه أفسدوا الديانة الموسوية وعبدوا الأوثان فلأجل ذلك انفصلوا عن الجامعة الإسرائيلية ولم يدم ملكهم في السامرة إلا مائتين ونيفاً وخمسين سنة ثم انقرض على يد ملوك الآشوريين فاستأصلوا الإسرائيليين الذين بالسامرة وخربوها ونقلوا بني إسرائيل إلى بلاد آشور عبيداً لهم وأسكنوا بلاد السامرة فريقاً من الآشوريين فمن يومئذ لم يبق لبني إسرائيل مُلك إلا مُلك يهوذا بأورشليم يتداوله أبناءُ سليمان عليه السلام فمنذ ذلك غلب على بني إسرائيل اسم يَهود أي يَهوذا ودام ملكهم هذا إلى حد سنة 120 قبل المسيح مسيحية في زمن الأمبراطور أدريان الروماني الذي أجلى اليهود الجلاءَ الأخير فتفرقوا في الأقطار باسم اليهود هم ومن التحق بهم من فلول بقية الأسباط.
ولعل هذا وجه اختيار لفظ ﴿ الذين هادوا ﴾ في الآية دون اليهود للإشارة إلى أنهم الذين انتسبوا إلى اليهود ولو لم يكونوا من سبط يهوذا.
ثم صار اسم اليهود مطلقاً على المتدينين بدين التوراة قال تعالى: ﴿ وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ﴾ [البقرة: 113] الآية ويقال تَهوّد إذا اتبع شريعة التوراة وفي الحديث: «يولد الولد على الفطرة ثم يكون أبواه هما اللذان يهوِّدانِه أو ينصِّرانه أو يمَجِّسانه» ويقال هاد إذا دان باليهودية قال تعالى: ﴿ وعلى الذين هادوا حرَّمنا كل ذي ظفر ﴾ [الأنعام: 146].
وأما ما في سورة الأعراف (156) من قول موسى: ﴿ إنَّا هدنا إليك ﴾ فذلك بمعنى المتاب.
وأما النصارى فهو اسم جمع نَصْرى (فتح فسكون) أو ناصري نسبة إلى الناصرة وهي قرية نشأت منها مريم أم المسيح عليهما السلام وقد خرجت مريم من الناصرة قاصدة بيت المقدس فولدت المسيح في بيت لحم ولذلك كان بنو إسرائيل يدعونه يشوع الناصري أو النَّصْرى فهذا وجه تسمية أتباعه بالنصارى.
وأما قوله: والصابين} فقرأه الجمهور بهمزة بعدَ الموحدة على صيغة جمع صَابئ بهمزة في آخره، وقرأه نافع وحده بياء ساكنة بعد الموحدة المكسورة على أنه جمع صَاببٍ منقوصاً فأما على قراءة الجمهور فالصابئون لعله جمع صابئ وصابئ لعله اسم فاعل صَبَأ مهموزاً أي ظهر وطلع، يقال صَبَأ النجم أي طلع وليس هو من صبَا يصبو إذا مال لأن قراءة الهمز تدل على أن ترك تخفيف الهمز في غيرها تخفيف لأن الأصل توافق القراءات في المعنى.
وزعم بعض علماء الأفرنج أنهم سموا صابئة لأن دينهم أتى به قوم من سبأ.
وأما على قراءة نافع فجعلوها جمع صاب مثل رام على أنه اسم فاعل من صبا يصبو إذا مال قالوا: لأن أهل هذا الدين مالوا عن كل دين إلى دين عبادة النجوم (ولو قيل لأنهم مالوا عن أديان كثيرة إذ اتخذوا منها دينهم كما ستعرفه لكان أحسن).
وقيل إنما خَفَّف نافع همزة (الصابين) فجعلها ياء مثل قراءَته ﴿ سَالَ سائل ﴾ [المعارج: 1]، ومثل هذا التخفيف سماعي لأنه لا موجب لتخفيف الهمز المتحرك بعد حرف متحرك.
والأظهر عندي أن أصل كلمة الصابي أو الصابئة أوما تفرع منها هو لفظ قديم من لغة عربية أو سامية قديمة هي لغة عرب ما بين النهرين من العراق وفي «دائرة المعارف الإسلامية» أن اسم الصابئة مأخوذ من أصل عبري هو (ص ب ع) أي غطس عرفت به طائفة (المنديا) وهي طائفة يهودية نصرانية في العراق يقومون بالتعميد كالنصارى.
ويقال الصابئون بصيغة جمع صابئ والصابئة على أنه وصف لمقدر أي الأمة الصابئة وهم المتدينون بدين الصابئة ولا يعرف لهذا الدّين إلا اسم الصابئة على تقدير مضاف أي دين الصابئة إضافةً إلى وصف أتباعه ويقال دين الصابئة.
وهذا الدين دين قديم ظهر في بلاد الكلدان في العراق وانتشر معظم أتباعه فيما بين الخابور ودجلة وفيما بين الخابور والفرات فكانوا في البطائح وكَسْكَر في سواد واسط وفي حَرَّان من بلاد الجزيرة.
وكان أهل هذا الدين نَبَطاً في بلاد العراق فلما ظهر الفرس على إقليم العراق أزالوا مملكة الصابئين ومنعوهم من عبادة الأصنام فلم يجسروا بعد على عبادة أوثانهم.
وكذلك منع الروم أهلَ الشام والجزيرة من الصابئين فلما تنصر قسطنطين حملهم بالسيف على التنصر فبطلت عبادة الأوثان منهم من ذلك الوقت وتظاهروا بالنصرانية فلما ظهر الإسلام على بلادهم اعتبروا في جملة النصارى وقد كانت صابئة بلاد كَسْكَر والبَطَائح معتبرين صنفاً من النصارى ينتمون إلى النبيء يحيى بن زكرياء ومع ذلك لهم كتب يزعمون أن الله أنزلها على شيث بن آدم ويسمونه (أغاثاديمون)، والنصارى يسمونهم يُوحَنَّاسِية (نسبة إلى يوحنا وهو يحيى).
وجامع أصل هذا الدين هو عبادة الكواكب السيارة والقمر وبعض النجوم مثل نجم القطب الشمالي وهم يؤمنون بخالق العالم وأنه واحد حكيم مقدس عن سمات الحوادث غير أنهم قالوا: إن البشر عاجزون عن الوصول إلى جلال الخالق فلزم التقرب إليه بواسطة مخلوقات مقربين لديه وهي الأرواح المجردات الطاهرة المقدسة وزعموا أن هذه الأرواح ساكنة في الكواكب وأنها تنزل إلى النفوس الإنسانية وتتصل بها بمقدار ما تقترب نفوس البشر من طبيعة الروحانيات فعبدوا الكواكب بقصد الاتجاه إلى رُوحانياتها ولأجل نزول تلك الروحانيات على النفوس البشرية يتعين تزكية النفس بتطهيرها من آثار القوى الشهوانية والغضبية بقدر الإمكان والإقبال على العبادة بالتضرع إلى الأرواح وبتطهير الجسم والصيام والصدقة والطيب وألزموا أنفسهم فضائل النفس الأربع الأصلية (وهي العفة والعدالة والحكمة والشجاعة) والأخذَ بالفضائل الجزئية (المتشعبة عن الفضائل الأربع وهي الأعمال الصالحة) وتجنب الرذائل الجزئية (وهي أضداد الفضائل وهي الأعمال السيئة).
ومن العلماء من يقول إنهم يقولون بعدم الحاجة إلى بعثة الرسل وأنهم يعللون ذلك بأن مدعي الرسالة من البشر فلا يمكن لهم أن يكونوا واسطة بين الناس والخالق.
ومن العلماء من ينقل عنهم أنهم يدعون أنهم على دين نوح.
وهم يقولون إن المعلِّمَيْن الأولَيْن لدين الصابئة هما أغَاثَاد يمون وهُرمس وهما شيث بن آدم وإدريس، وهم يأخذون من كلام الحكماء ما فيه عون على الكمال فلذلك يكثر في كلامهم المماثلة لأقوال حكماء اليونان وخاصة سولون وأفلاطون وأرسطاطاليس، ولا يبعد عندي أن يكون أولئك الحكماء اقتبسوا بعض الآراء من قدماء الصابئة في العراق فإن ثمة تشابهاً بينهم في عبادة الكواكب وجعلها آلهة وفي إثبات إلاه الآلهة.
وقد بنوا هياكل للكواكب لتكون مهابط لأرواح الكواكب وحرصوا على تطهيرها وتطييبها لكي تألفها الروحانيات وقد يجعلون للكواكب تماثيل من الصور يتوخون فيها محاكاة صور الروحانيات بحسب ظنهم.
ومن دينهم صلوات ثلاث في كل يوم، وقبلتهم نحو مهب ريح الشمال ويتطهرون قبل الصلاة وقراآتهم ودعواتهم تسمى الزمزمة بزايين كما ورد في ترجمة أبي إسحاق الصابئ.
ولهم صيام ثلاثين يوماً في السنة، موزعة على ثلاثة مواقيت من العام.
ويجب غسل الجنابة وغسل المرأة الحائض.
وتحرم العزوبة، ويجوز للرجل تزوج ما شاء من النساء ولا يتزوج إلا امرأة صابئة على دينه فإذا تزوج غير صابئة أو تزوجت الصابئة غير صابئ خرجا من الدين ولا تقبل منهما توبة.
ويغسلون موتاهم ويكفنونهم ويدفنونهم في الأرض.
ولهم رئيس للدين يسمونه الكمر بكاف وميم وراء.
وقد اشتهر هذا الدين في حران من بلاد الجزيرة، ولذلك تعرف الصابئة في كتب العقائد الإسلامية بالحَرْنَانية (بنونين نسبة إلى حرَّان على غير قياس كما في «القاموس»).
قال ابن حزم في كتاب «الفِصَل»: كان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر والغالب على الدنيا إلى أن أحدثوا فيه الحوادث فبعث الله إبراهيم عليه السلام بالحنيفية اه.
ودين الصابئة كان معروفاً للعرب في الجاهلية، بسبب جوار بلاد الصابئة في العراق والشام لمنازل بعض قبائل العرب مثل ديار بكر وبلاد الأنباط المجاورة لبلاد تغلب وقضاعة.
ألا ترى أنه لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم وصفه المشركون بالصابئ، وربما دَعوه بابن أبي كبشة الذي هو أحد أجداد آمنة الزهرية أمِّ النبيء صلى الله عليه وسلم كان أظهر عبادة الكواكب في قومه فزعموا أن النبيء ورث ذلك منه وكَذَبُوا.
وفي حديث عمران بن حصين أنهم كانوا في سفر مع النبيء صلى الله عليه وسلم ونفد دماؤهم فابتغوا الماء فلقوا امرأة بين مزادتين على بعير فقالوا لها: انطلقي إلى رسول الله فقالت: الذي يقال له الصابئ قالوا: هو الذين تَعنين.
وساق حديث تكثير الماء.
وكانوا يُسمُّون المسلمين الصُّبَاةَ كما ورد في خبر سعد بن معاذ أنه كان صديقاً لأمية بن خلف وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية فلما هاجر النبيء صلى الله عليه وسلم إلى المدينة انطلق سعد ذات يوم معتمراً فنزل على أمية بمكة وقال لأمية: انظُر لي ساعة خلوة لعلي أطوف بالبيت فخرج به فلقيهما أبو جهل فقال لأمية يا أبا صفوان من هذا معك قال: سعد، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمناً وقد أوَيْتم الصُّباةَ.
وفي حديث غزوة خالد بن الوليد إلى جذيمة أنه عرض عليهم الإسلام أو السيف فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فقالوا: صبأنا، الحديث.
وقد قيل إن قوماً من تميم عبدوا نجم الدَّبَران، وأن قوماً من لخم وخزاعة عبدوا الشِّعْرى العَبَورَ، وهو من كواكب برج الجوزاء في دائرة السرطان، وأن قوماً من كنانة عبدوا القمر فظن البعض أن هؤلاء كانوا صابئة وأَحسب أنهم تلقفوا عبادة هذه الكواكب عن سوء تحقيق في حقائق دين الصابئة ولم يجزم الزمخشري بأن في العرب صابئة فإنه قال في «الكشاف» في تفسير سورة (37) فصلت في قوله تعالى: ﴿ لا تسجُدُوا للشمس ولا للقمر ﴾ قال: لعل ناساً منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين فنُهوا عن ذلك.
وقد اختلف علماء الإسلام في إجراء الأحكام على الصابئة، فعن مجاهد والحسن أنهم طائفة بين اليهود والمجوس، وقال البيضاوي: هم قوم بين النصارى والمجوس فمن العلماء من ألحقهم بأهل الكتاب، ومن العلماء من ألحقهم بالمجوس، وسبب هذا الاضطراب هو اشتباه أحوالهم وتكتمهم في دينهم، وما دخل عليه من التخليط بسبب قهر الأمم التي تغلبت على بلادهم، فالقسم الذي تغلَّب عليهم الفرس اختلط دينهم بالمجوسية، والذين غَلَب عليهم الروم اختل دينهم بالنصرانية.
قال ابن شاس في كتاب الجواهر الثمينة}: قال الشيخ أبو الطاهر (يعني ابن بشير التنوخي القيرواني) مَنَعوا ذبائح الصابئة لأنهم بين النصرانية والمجوسية (ولا شك أنه يعني صابئة العراق، الذين كانوا قبل ظهور الإسلام على بلادهم على دين المجوسية).
وفي «التوضيح على مختصر ابن الحاجب الفرعي» في باب الذبائح «قال الطرطوشي: لا تؤكل ذبيحة الصابيء وليست بحرام كذبيحة المجوسي» وفيه في باب الصيد «قال مالك لا يؤكل صيد الصابيء ولا ذبيحته».
وفي «شرح عبد الباقي على خليل»: «إنَّ أخذ الصابئ بالنصرانية ليس بقوي كما ذكره أبو إسحاق التونسي، وعن مالك لا يتزوج المسلمُ المرأةَ الصائبة».
قال الجصاص في تفسير سورة العقود وسورة براءة: روي عن أبي حنيفة أن الصابئة أهل كتاب، وقال أبو يوسف ومحمد ليسوا أهل كتاب.
وكان أبوالحسن الكَرخي يقول الصابئة الذين هم بناحية حَرَّانَ يعبدون الكواكب، فليسوا أهل كتاب عندهم جميعاً.
قال الجصاص: الصابئة الذين يعرفون بهذا الاسم في هذا الوقت ليس فيهم أهل كتاب وانتحالهم في الأصل واحد أعني الذين هم بناحية حران، والذين هم بناحية البطائح وكَسْكَر في سواد واسط، وإنما الخلاف بين الذين بناحية حران والذين بناحية البطائح في شيء من شرائعهم وليس فيهم أهل كتاب فالذي يغلب على ظني في قول أبي حنيفة أنه شاهدَ قوماً منهم يظهرون أنهم نصارى تقيةً، وهم الذين كانوا بناحية البطائح وكسْكر ويسميهم النصارى يُوحنَّا سِيَّة وهم ينتمون إلى يحيى بن زكرياء، وينتحلون كتباً يزعمون أنها التي أنزلها الله على شيث ويحيى.
ومن كان اعتقاده من الصابئين على ما وصفنا وهم الحرانيون الذين بناحية حران وهم عبدة أوثان لا ينتمون إلى أحد من الأنبياء ولا ينتحلون شيئاً من كتب الله فلا خلاف بين الفقهاء في أنهم ليسوا أهل كتاب، وأنه لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم وأبو يوسف ومحمد قالا: إن الصابئين ليسوا أهل كتاب ولم يفصلوا بين الفريقين وكذا قول الأوزاعي ومالك بن أنس اه.
كلامه.
ووجه الاقتصار في الآية على ذكر هذه الأديان الثلاثة مع الإسلام دون غيرها من نحو المجوسية والدهريين والزنادقة أن هذا مقام دعوتهم للدخول في الإسلام والمتاب عن أديانهم التي أبطلت لأنهم أرجى لقبول الإسلام من المجوس والدهريين لأنهم يثبتون الإله المتفرد بخلق العالم ويتبعون الفضائل على تفاوت بينهم في ذلك، فلذلك اقتصر عليهم تقريباً لهم من الدخول في الإسلام.
ألا ترى أنه ذكر المجوس معهم في قوله تعالى: ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ﴾ [الحج: 17] لأن ذلك مقام تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين.
وقوله تعالى: ﴿ من آمن ﴾ يجوز أن تكون (من) شرطاً في موضع المبتدأ ويكون فلهم أجرهم جواب الشرط، والشرط مع الجواب خبر ﴿ إن ﴾ ، فيكون المعنى إن الذين آمنوا من يؤمن بالله منهم فله أجره وحذف الرابط بين الجملة وبين اسم (إن) لأن (من) الشرطية عامة فكان الرابط العموم الذي شمل المبتدأ أعني اسم (إن) ويكون معنى الكلام على الاستقبال لوقوع الفعل الماضي في حيز الشرط أي من يؤمن منهم بالله ويعمل صالحاً فله أجره ويكون المقصود منه فتح باب الإنابة لهم بعد أن قُرِّعوا بالقوارع السالفة وذكر معهم من الأمم من لم يذكر عنهم كفر لمناسبة ما اقتضته العلة في قوله: ﴿ ذلك بأنهم كانوا يكفرون ﴾ [البقرة: 61] وتذكيراً لليهود بأنهم لا مزية لهم على غيرهم من الأمم حتى لا يتكلوا على الأوهام أنهم أحباء الله وأن ذنوبهم مغفورة.
وفي ذلك أيضاً إشارة إلى أن المؤمنين الخالصين من اليهود وغيرهم ممن سلف مثل النقباء الذين كانوا في المناجاة مع موسى ومثل يوشع بن نوع كالب بن يفنه لهم هذا الحكم وهو أن لهم أجراً عند ربهم لأن إناطة الجزاء بالشرط المشتق مؤذن بالتعليل بل السابقون بفعل ذلك قبل التقييد بهذا الشرط أولى بالحكم فقد قضت الآية حق الفريقين.
ويجوز أن تكون (من) موصولة بدلاً من اسم (إن) والفعل الماضي حينئذ باق على المضي لأنه ليس ثمة ما يخلصه للاستقبال ودخلت الفاء في ﴿ فلهم أجرهم ﴾ إما على أنها تدخل في الخبر نحو قول الشاعر وهو من شواهد «كتاب سيبويه».
وقائلة خوْلان فانكح فتاتهم *** ونحو: ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ﴾ [البروج: 10] عند غير سيبويه.
وإما على أن الموصول عومل معاملة الشرط للإيذان بالتعليل فأدخلت الفاء قرينة على ذلك.
ويكون المفاد من الآية حينئذ استثناء صالحي بني إسرائيل من الحكم، بضرب الذلة والمسكنة والغضب من الله ويكون ذكر بقية صالحي الأمم معهم على هذا إشارة إلى أن هذه سنة الله في معاملته خلقه ومجازاته كلاً على فعله.
وقد استشكل ذكر ﴿ الذين آمنوا ﴾ في عداد هؤلاء، وإجراء قوله: ﴿ من آمن بالله ﴾ عليهم مع أنهم مؤمنون فذكرهم تحصيل للحاصل، فقيل أريد به خصوص المؤمنين بألسنتهم فقط وهم المنافقون.
وقيل أراد به الجميع وأراد بمن آمن من دام بالنسبة للمخلصين ومن أخلص بالنسبة للمنافقين.
وهما جوابان في غاية البعد.
وقيل: يرجع قوله: ﴿ من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ لخصوص الذين هادوا والنصارى والصابين دون المؤمنين بقرينة المقام لأنهم وصفوا بالذين آمنوا وهو حسن.
وعندي أنه لا حاجة إلى شيء من ذلك، لأن الشرط والصلة تركبت من شيئين الإيمان والعمل الصالح.
والمخلصون وإن كان إيمانهم حاصلاً فقد بقي عليهم العمل الصالح فلما تركب الشرط أو الصلة من أمرين فقد علم كل أناس مشربهم وترجع كل صفة لمن يفتقر إليها كلاً أو بعضاً.
ومعنى ﴿ من آمن بالله ﴾ .
الإيمان الكامل وهو الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم بقرينة المقام وقرينة قوله: ﴿ وعمل صالحاً ﴾ إذ شرط قبول الأعمال الإيمان الشرعي لقوله تعالى: ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ [البلد: 17].
وقد عد عدم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم بمنزلة عدم الإيمان بالله لأن مكابرة المعجزات، القائمة مقام تصديق الله تعالى للرسول المتحدي بها يؤول إلى تكذيب الله تعالى في ذلك التصديق فذلك المكابر غير مؤمن بالله الإيمان الحق.
وبهذا يعلم أن لا وجه لدعوى كون هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ﴾ [آل عمران: 85] إذ لا استقامة في دعوى نسخ الخبر إلا أن يقال إن الله أخبر به عن مؤمني أهل الكتاب والصابئين الذين آمنوا بما جاءت به رسل الله دون تحريف ولا تبديل ولا عصيان وماتوا على ذلك قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فيكون معنى الآية كمعنى قوله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر من يؤتى أجره مرتين: ﴿ ورجل من أهل الكتاب آمن برسوله ثم آمن بي فله أجران ﴾ وأما القائلون بأنها منسوخة، فأحسب أن تأويلها عندهم أن الله أمهلهم في أول تلقي دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن ينظروا فلما عَاندُوا نسخها بقوله: ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه ﴾ لئلا يفضي قولهم إلى دعوى نسخ الخبر.
وقوله تعالى: ﴿ فلهم أجرهم عند ربهم ﴾ أطلق الأجر على الثواب مجازاً لأنه في مقابلة العمل الصالح والمرادبه نعيم الآخرة، وليس أجراً دنيويَّاً بقرينة المقام وقوله: ﴿ عند ربهم ﴾ عندية مجازية مستعملة في تحقيق الوعد كما تستعمل في تحقيق الإقرار في قولهم لك عندي كذا.
ووجه دلالة عند في نحو هذا على التحقق أن عند دالة على المكان فإذا أطلقت في غير ما من شأنه أن يحل في مكان كانت مستعملة في لازم المكان، وهو وجود ما من شأنه أن يكون في مكان على أن إضافة عند لاسم الرب تعالى مما يزيد الأجر تحققاً لأن المضاف إليه أكرم الكرماء فلا يفوت الأجر الكائن عنده.
وإنما جُمع الضمير في قوله: ﴿ أجرهم عند ربهم ﴾ مراعاة لما صدق (مَنْ)، وأُفرد شرطها أوصلتها مراعاةً للفظها.
ومما حسَّن ذلك هنا وجَعَله في الموقع الأعلى من البلاغة أن هذين الوجهين الجائزين عربيةً في معاد الموصولات وأسماء الشروط قد جمع بينهما على وجه أَنْبَأَ على قصد العموم في الموصول أو الشرط فلذلك أتى بالضمير الذي في صلته أو فعله مناسباً للفظه لقصد العموم ثم لما جيء بالضمير مع الخبر أو الجواب جُمِع ليكون عوداً على بدء فيرتبط باسم (إِنَّ) الذي جيء بالموصول أو الشرط بدلاً منه أو خبراً عنه حتى يعلم أن هذا الحكم العام مراد منه ذلك الخاص أوَّلاً، كأنه قيل إن الذين آمنوا إلخ كل من آمن بالله وعمل إلخ فلِأُولئك الذين آمنوا أجرُهم فعُلم أنهم مما شمله العموم على نحوما يذكره المناطقة في طي بعض المقدمات للعلم به، فهو من العام الوارد على سبب خاص.
وقوله: ﴿ ولا خوف عليهم ﴾ قراءة الجميع بالرفع لأن المنفي خوف مخصوص وهو خوف الآخرة.
والتعبير في نفي الخوف بالخبر الاسمي وهو ﴿ لا خوف عليهم ﴾ لإفادة نفي جنس الخوف نفياً قاراً، لدلالة الجملة الاسمية على الدوام والثبات، والتعبير في نفي خوف بالخبر الفعلي وهو ﴿ يحزنون ﴾ لإفاد تخصيصهم بنفي الحزن في الآخرة أي بخلاف غير المؤمنين.
ولما كان الخوف والحزن متلازمين كانت خصوصية كل منهما سارية في الآخر.
واعلم أن قوله: ﴿ فلهم أجرهم ﴾ مقابل لقوله: ﴿ وباءوا بغضب من الله ﴾ [البقرة: 61] ولذلك قرن بعند الدالة على العناية والرضى.
وقوله: ﴿ ولا خوف عليهم ﴾ مقابل ﴿ وضربت عليهم الذلة ﴾ [البقرة: 61] لأن الذلة ضد العزة فالذليل خائف لأنه يخشى العدوان والقتل والغزو، وأما العزيز فهو شجاع لأنه لا يخشى ضراً ويعلم أن ما قدره له فهو كائن قال تعالى: ﴿ ولله العزة ولرسوله للمؤمنين ﴾ [المنافقون: 8] وقوله: ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ مقابل قوله: ﴿ والمسكنة ﴾ لأن المسكنة تقضي على صاحبها بالحزن وتمني حسن العيش قال تعالى: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ﴾ [النحل: 97] فالخوف المنفي هو الخوف الناشئ عن الذلة والحزن المنفي هو الناشئ عن المسكنة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يَعْنِي: صَدَّقُوا بِمُحَمَّدٍ .
﴿ والَّذِينَ هادُوا ﴾ هُمُ اليَهُودُ، وفي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نُسِبُوا إلى يَهُوذا أكْبَرِ ولَدِ يَعْقُوبَ، فَقَلَبَتِ العَرَبُ الذّالَ دالًا، لِأنَّ الأعْجَمِيَّةَ إذا عُرِّبَتْ، غَيَّرَتْ مِن لَفْظِها.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: هادَ القَوْمُ يَهُودُونَ هَوْدَةً وهِيادَةً، إذا تابُوا، قالَ زُهَيْرٌ: سِوى مَرْبَعٍ لَمْ تَأْتِ فِيهِ مَخافَةً ولا رَهَقًا مِن عابِدٍ مُتَهَوِّدِ يَعْنِي مِن عابِدٍ تائِبٍ، فَسُمُّوا يَهُودًا لِتَوْبَتِهِمْ مِن عِبادَةِ العِجْلِ.
والثّالِثُ: أنَّهم سُمُّوا يَهُودًا، مِن أجْلِ قَوْلِهِمْ: إنّا هُدْنا إلَيْكَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.
وَ ﴿ والنَّصارى ﴾ ، جَمْعٌ وواحِدُهُ (نَصْرانِيٌّ)، وقِيلَ: (نَصْرانُ) بِإسْقاطِ الياءِ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وقالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: واحِدُهُ نَصْرِيٌّ، والأوَّلُ هو المُسْتَعْمَلُ.
وَفي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ، لِقَرْيَةٍ تُسَمّى (ناصِرَةَ)، كانَ يَنْزِلُها عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَنُسِبَ إلَيْها، فَقِيلَ: عِيسى النّاصِرِيُّ، ثُمَّ نُسِبَ أصْحابُهُ إلَيْهِ فَقِيلَ: النَّصارى، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ، لِنُصْرَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، قالَ الشّاعِرُ: لَمّا رَأيْتُ نَبَطًا أنْصارا ∗∗∗ شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإزارا كُنْتُ لَهم مِنَ النَّصارى جارا والثّالِثُ: أنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ، لِقَوْلِهِ: ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ ﴾ ﴿ والصّابِئِينَ ﴾ ، جَمْعٌ، واحِدُهُ: صابِئٌ، واخْتُلِفَ في هَمْزِهِ، فَهَمَزَهُ الجُمْهُورُ إلّا نافِعًا.
واخْتُلِفَ في المَأْخُوذِ مِنهُ هَذا الِاسْمُ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الطُّلُوعِ والظُّهُورِ، مِن قَوْلِهِمْ: صَبَأ نابُ البَعِيرِ، إذا طَلَعَ، وهَذا قَوْلُ الخَلِيلِ.
والثّانِي: أنَّ الصّابِئَ: الخارِجُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، فَسُمِّيَ الصّابِئُونَ بِهَذا الِاسْمِ، لِخُرُوجِهِمْ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: صَبا يَصْبُو، إذا مالَ إلى الشَّيْءِ وأحَبَّهُ، وهَذا قَوْلُ نافِعٍ; ولِذَلِكَ لَمْ يُهْمَزْ.
واخْتُلِفَ فِيهِمْ: فَقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي نَجِيحٍ: الصّابِئُونَ بَيْنَ اليَهُودِ والمَجُوسِ، وقالَ قَتادَةُ: الصّابِئُونَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ إلى القِبْلَةِ، [وَيَقْرَأُونَ الزَّبُورَ ويُصَلُّونَ الخَمِيسَ] وقالَ السُّدِّيُّ: هم طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقالَ الخَلِيلُ: هم قَوْمٌ شَبِيهٌ دِينُهم بِدِينِ النَّصارى، إلّا أنَّ قِبْلَتَهم نَحْوَ مَهَبِّ الجَنُوبِ حِيالَ مُنْتَصَفِ النَّهارِ، يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى دِينِ نُوحٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في سَلْمانَ الفارِسِيِّ وأصْحابِهِ النَّصارى الَّذِينَ كانَ قَدْ تَنَصَّرَ عَلى أيْدِيهِمْ، قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ، وكانُوا قَدْ أخْبَرُوهُ بِأنَّهُ سَيُبْعَثُ، وأنَّهم مُؤْمِنُونَ بِهِ إنْ أدْرَكُوهُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ ﴾ ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: ﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ عَلى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ عَلى الجَمْعِ؟
قِيلَ: لِأنَّ اللَّفْظَ (مَن) لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناهُ الجَمْعُ، فَمَرَّةً يُجْمَعُ عَلى اللَّفْظِ، ومَرَّةً يُجْمَعُ عَلى المَعْنى، قالَ الشّاعِرُ: ؎ ألِمّا بِسَلْمى عَنْكُما إنْ عَرَضْتُما ∗∗∗ وقُولا لَها عُوجِي عَلى مَن تَخَلَّفُوا <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي عمر العدني في سنده وابن أبي حاتم عن سلمان قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم، فذكر من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت ﴿ وإن الذين آمنوا والذين هادوا...
﴾ الآية.
وأخرج الواحدي عن مجاهد قال: لما قص سلمان على رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة أصحابه قال: هم في النار.
قال سلمان: فأظلمت علي الأرض، فنزلت ﴿ وإن الذين آمنوا والذين هادوا ﴾ إلى قوله: ﴿ يحزنون ﴾ قال: فكأنما كشف عني جبل.
وأخرج ابن جرير واللفظ له وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وإن الذين آمنوا والذين هادوا...
﴾ الآية.
قال: نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي، وكان سلمان رجلاً من جند نيسابور، وكان من أشرافهم، وكان ابن الملك صديقا له مؤاخياً لا يقضي واحد منهما أمر دون صاحبه، وكانا يركبان إلى الصيد جميعاً، فبينما هما في الصيد إذ رفع لهما بيت من عباءة، فأتياه فإذا هما فيه برجل بين يديه مصحف يقرأ فيه وهو يبكي فسألاه ما هذا؟
فقال: الذي يريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما، فإن كنتما تريدان أن تعلما ما فيه فانزلا حتى أعلمكما، فنزلا إليه فقال لهما: هذا كتاب جاء من عند الله، أمر فيه بطاعته ونهى عن معصيته، فيه أن لا تسرق ولا تزني ولا تأخذ أموال الناس بالباطل، فقص عليهما ما فيه وهو الإِنجيل الذي أنزل الله على عيسى، فوقع في قلوبهما وتابا فاسلما، وقال لهما: إن ذبيحة قومكما عليكما حرام.
فلم يزالا معه وكذلك يتعلمان منه حتى كان عيد للملك، فجمع طعاماً ثم جمع الناس والأشراف، وأرسل إلى ابن الملك رسولاً فدعاه إلى ضيعته ليأكل مع الناس، فأبى الفتى وقال: إني عنك مشغول فكل أنت وأصحابك، فلما أكثر عليه من الرسل أخبرهم أنه لا يأكل من طعامهم، فبعث الملك إلى ابنه ودعاه وقال: ما أمرك هذا؟
قال: إنا لا نأكل من ذبائحكم، إنكم كفار ليس تحل ذبائحكم.
فقال له الملك: من أمرك بهذا؟
فأخبره أن الراهب أمره بذلك، فدعا الراهب فقال: ماذا يقول ابني؟
قال: صدق ابنك.
قال له: لولا الدم فينا عظيم لقتلتك ولكن اخرج من أرضنا، فأجله أجلاً فقال سلمان: فقمنا نبكي عليه.
فقال لهما: إن كنتما صادقين فإنا في بيعة في الموصل، ستين رجلا نعبد الله فأتونا فيها، فخرج الراهب وبقي سلمان وابن الملك، فجعل سلمان يقول لابن الملك: انطلق بنا.
وابن الملك يقول: نعم.
وجعل ابن الملك يبيع متاعه يريد الجهاز، فلما أبطأ على سلمان خرج سلمان حتى أتاهم، فنزل على صاحبه وهو رب البيعة، فكان أهل تلك البيعة أفضل مرتبة من الرهبان، فكان سلمان معه يجتهد في العبادة ويتعب نفسه، فقال له سلمان: أرأيت الذي تأمرني به هو أفضل أو الذي أصنع؟
قال: بل الذي تصنع.
قال: فخلّ عني.
ثم إن صاحب البيعة دعاه فقال أتعلم أن هذه البيعة لي وأنا أحق الناس بها، ولو شئت أن أخرج منها هؤلاء لفعلت ولكني رجل أضعف عن عبادة هؤلاء، وأنا أريد أن أتحول من هذه البيعة إلى بيعة أخرى هم أهون عبادة من ههنا، فإن شئت أن تقيم هنا فأقم وإن شئت أن تنطلق معي فانطلق.
فقال له سلمان: أي البيعتين أفضل أهلاً؟
قال: هذه.
قال سلمان: فأنا أكون في هذه فأقام سلمان بها وأوصى صاحب البيعة بسلمان يتعبد معهم.
ثم إن الشيخ العالم أراد أن يأتي بيت المقدس فدعا سلمان فقال: إني أريد أن آتي بيت المقدس، فإن شئت أن تنطلق معي فانطلق، وإن شئت أن تقيم فاقم.
قال له سلمان: أيهما أفضل، أنطلق معك أو أقيم؟
قال: لا بل تنطلق.
فانطلق معه فمروا بمقعد على ظهر الطريق ملقى، فلما رآهما نادى يا سيد الرهبان ارحمني رحمك الله، فلم يكلمه ولم ينظر إليه، وانطلقا حتى أتيا بيت المقدس، وقال الشيخ لسلمان: أخرج فاطلب العلم، فإنه يحضر هذا المسجد علماء الأرض.
فخرج سلمان يسمع منهم، فرجع يوماً حزيناً فقال له الشيخ ما لك يا سلمان قال: إن الخير كله قد ذهب به من كان قبلنا من الأنبياء والأتباع.
فقال له الشيخ: لا تحزن فإنه قد بقي نبي ليس من نبي بأفضل تبعاً منه، وهذا الزمان الذي يخرج فيه ولا أراني أدركه، وأما أنت فشاب فلعلك أن تدركه، وهو يخرج في أرض العرب فإن أدركته فآمن به واتبعه.
قال له سلمان: فأخبرني عن علامته بشيء.
قال: نعم، وهو مختوم في ظهره بخاتم النبوة وهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، ثم رجعا حتى بلغا مكان المقعد فناداهما فقال: يا سيد الرهبان ارحمني رحمك الله فعطف إليه حماره فأخذ بيده فرفعه فضرب به الأرض ودعا له، وقال: قم بإذن الله.
فقام صحيحاً يشتد.
فجعل سلمان يتعجب وهو ينظر إليه، وسار الراهب فغيب عن سلمان ولا يعلم سلمان.
ثم إن سلمان فزع بطلب الراهب، فلقيه رجلان من العرب من كلب، فسألهما هل رأيتما الراهب؟
فأناخ أحدهما راحلته قال: نعم راعي الصرمة هذا، فحمله فانطلق به إلى المدينة قال سلمان: فأصابني من الحزن شيء لم يصبني مثله قط، فاشترته امرأة من جهينة فكان يرعى عليها هو وغلام لها يتراوحان الغنم، هذا يوماً وهذا يوماً، وكان سلمان يجمع الدراهم ينتظر خروج محمد صلى الله عليه وسلم.
فبينما هو يوماً يرعى إذ أتاه صاحبه بعقبة فقال له: أشعرت أنه قد قدم المدينة اليوم رجل يزعم أنه نبي؟!
فقال له سلمان: أقم في الغنم حتى آتيك.
فهبط سلمان إلى المدينة فنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودار حوله، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم عرف ما يريد، فأرسل ثوبه حتى خرج خاتمه، فلما رآه أتاه وكلمه، ثم انطلق فاشترى بدينار ببعضه شاة فشواها وببعضه خبزاً، ثم أتاه به فقال: ماهذه؟
قال سلمان: هذه صدقة.
قال: لا حاجة لي بها فأخرجها فليأكلها المسلمون.
ثم انطلق فاشترى بدينار آخر خبزاً ولحماً، ثم أتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟
قال: هذه هدية.
قال: فاقعد فكل.
فقعد فأكلا منها جميعا.
فبينما هو يحدثه إذ ذكر أصحابه فأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصلون ويصومون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبياً، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: «يا سلمان هم من أهل النار» فاشتد ذلك على سلمان وقد كان قال له سلمان: لو أدركوك صدقوك واتبعوك.
فأنزل الله هذه الآية ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: «سأل سلمان الفارسي النبي صلى الله عليه وسلم عن أولئك النصارى، وما رأى من أعمالهم، قال: لم يموتوا على الإسلام.
قال سلمان: فأظلمت عليَّ الأرض وذكرت اجتهادهم، فنزلت هذه الآية ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا ﴾ فدعا سلمان فقال: نزلت هذه الآية في أصحابك، ثم قال: من مات على دين عيسى قبل أن يسمع بي فهو على خير، ومن سمع بي ولم يؤمن فقد هلك» .
وأخرج أبو داود في الناسخ والمنسوخ وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا...
﴾ الآية.
قال: فأنزل الله بعد هذا ﴿ ومن يبتغ غير الإِسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن نجي عن علي قال: إنما سميت اليهود لأنهم قالوا: إنا هدنا إليك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: نحن أعلم الناس من أين تسمت اليهود باليهودية، بكلمة موسى عليه السلام إنا هدنا إليك، ولم تسمت النصارى بالنصرانية، من كلمة عيسى عليه السلام كونوا أنصار الله.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود قال: نحن أعلم الناس من أين تسمت اليهود باليهودية، والنصارى بالنصرانية، إنما تسمت اليهود باليهودية بكلمة قالها موسى إنا هدنا إليك، فلما مات قالوا هذه الكلمة كانت تعجبه فتسموا اليهود، وإنما تسمت النصارى بالنصرانية لكلمة قالها عيسى من أنصاري إلى الله؟
قال الحواريون: نحن أنصار الله فتسموا بالنصرانية.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: إنما سموا نصارى بقرية يقال لها ناصرة ينزلها عيسى بن مريم، فهو اسم تسموا به ولم يؤمروا به.
وأخرج ابن سعد في طبقاته وابن جرير عن ابن عباس قال: إنما سميت النصارى لأن قرية عيسى كانت تسمى ناصرة.
وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الصابئون قوم بين اليهود والمجوس والنصارى ليس لهم دين.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى، هم قوم من المشركين لا كتاب لهم.
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال: سئل ابن عباس عن الصابئين؟
فقال: هم قوم بين اليهود والنصارى والمجوس، لا تحل ذبائحهم ولا مناكحهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: الصابئون منزله بين النصرانية والمجوسية.
لفظ ابن أبي حاتم: منزلة بين اليهود والنصارى.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: ذهبت الصابئون إلى اليهود فقالوا: ما أمركم؟
قالوا: نبينا موسى جاءنا بكذا وكذا ونهانا عن كذا وكذا، وهذه التوراة فمن تابعنا دخل الجنة، ثم أتوا النصارى فقالوا في عيسى ما قالت اليهود في موسى، وقالوا هذا الإِنجيل فمن تابعنا دخل الجنة، فقالت الصابئون هؤلاء يقولون نحن ومن اتبعنا في الجنة، واليهود يقولون نحن ومن اتبعنا في الجنة، فنحن به لا ندين، فسماهم الله الصابئين.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرأون الزبور.
وأخرج وكيع عن السدي قال: الصابئون من أهل الكتاب.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: الصابئون قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى غير القبلة، ويقرأون الزبور.
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: الصابئ: الذي يعرف الله وحده، وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفراً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الزناد قال: الصابئون قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى يؤمنون بالنبيين كلهم.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: يقولون الصابئون: وما الصابئون الصابئون ويقولون: الخاطئون وما الخاطئون الخاطئون.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا ﴾ الآية (١) ﴿ إِنَّا هُدْنَا ﴾ أي: تُبْنا (٢) (٣) قال امرؤ القيس.
قدْ عَلِمتْ سلْمَى وَجَارَاتُهَا ...
أَنِّي مِنَ النَّاسِ لَهَا هَائِدُ (٤) أي: إليها مائل.
وقال المبرد في قوله: ﴿ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ﴾ أي ملنا إليك، ويقال لمن تاب: هاد، لأن من تاب عن شيء مال عنه.
فأما اليهود، فقال الليث: سُمّوا يهودًا شتقاقًا من هادوا، أي تابو امن (٥) (٦) (٧) وقال ابن الأعرابي: يقال: هاد إذا رجع من خير إلى شر أو (٨) (٩) وحكي عن أبي (١٠) (١١) وعلى هذا، التهود (١٢) (١٣) في المسجد: يا رسول الله: هِدْه، فقال: " عرش كعرش موسى" (١٤) (١٥) وقيل: اليهود (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا ﴾ (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) قوله تعالى: ﴿ النَّصَارَى ﴾ اختلفوا في تسميتهم بهذا الاسم، فقال الزهري (٢٤) (٢٥) ﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ﴾ (٢٦) ﴿ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ﴾ ، واختار ابن الأنباري هذا القول، وقال: إنهم كانوا نُصَّار عيسى (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقال آخر (٣٠) كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ (٣١) ثم زيدت ياء النسبة فقيل: نصراني.
وقد جاء في كلام العرب النصارى، وأرادوا به الأنصار، لا هؤلاء الذين يعرفون بهذا الاسم (٣٢) كُنْتُ لَهَا (٣٣) (٣٤) فجمع بين الأنصار والنصارى على التوفيق بين معنييهم.
وقال الزجاج: ويجوز أن يكون واحد النصارى نَصْرِيٌّ، مثل بَعِيرٌ مَهْرِي وإبل مَهَارى (٣٥) (٣٦) (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ وَالصَّابِئِينَ ﴾ قال أبو زيد: صبأ الرجل فى دينه يَصْبَأ صُبُوءًا.
[إذا كان صابئا (٣٨) وهو الخارج من دين إلى دين، ومنه صبا النجم وأصبأ] (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) وَصبَأَ نابه إذا خرج، يَصْبَأُ صُبُوءًا (٤٣) وقال (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿ وَالصَّابِئِينَ ﴾ معناه: الخارجين من دين إلى (٥٠) (٥١) قال الليث: وكان يقال للرجل إذا أسلم في زمن النبي قد صبأ، عنوا: أنه خرج من دين إلى دين (٥٢) وفي قوله: ﴿ وَالصَّابِئِينَ ﴾ قراءتان (٥٣) (٥٤) (٥٥) صَبَوْتَ أَبَا ذِئْبٍ (٥٦) (٥٧) وقال آخر: إِلىَ هِنْدٍ صبَا قَلْبِي ...
وَهِنْدٌ مِثْلُهَا يُصْبِي (٥٨) أو (٥٩) (٦٠) قال أبو علي: فلا يسهل أن يأخذه (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) حُبَّ بِهَا (٦٨) و ...........
حُسْن ذَا أَدَبَا (٦٩) فنقلوا الحركة من العين إلى الفاء، وحذفوا الحركة التي كانت للفاء في الأصل وحركوها بالحركة المنقولة، هذا في الصابون (٧٠) فأما (الصابين) (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) (٧٨) ﴿ يَهِدِّي ﴾ فحرك الهاء بالكسرة لالتقاء الساكنين، ولم ينقلها كما نقلها من قال: ﴿ يَهِدِّي ﴾ .
ومثل ذلك في أنك تنقل الحركة مرة ولا تنقلها أخرى قولك: وَحَبَّ بِهَا مَقْتُولَةً وَحُبَّ بِهَا مَقْتُولَةً (٧٩) و: حَسْنَ ذَا أَدَبًا و: حُسْنَ ذَا أَدَبًا (٨٠) فأما مذهب الصابئين (٨١) (٨٢) (٨٣) (٨٤) وقال الليث: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى إلا أن (٨٥) (٨٦) قال عبد العزيز بن يحيى: هم قوم درجوا وانقرضوا (٨٧) واختلف المفسرون في معنى هذه الآية على طريقين (٨٨) أحدهما: أن الذين آمنوا، أي (٨٩) (٩٠) (٩١) .
فإذا آمنوا بالله ورسوله محمد، فلهم أجرهم عند ربهم، والدليل على أنه أراد مع (٩٢) ﴿ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾ وقد قام الدليل على أن من لا يؤمن بالنبي لا يكون عمله صالحًا.
وقال ابن جرير: في قوله: ﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ إضمار واختصار، تقديره (٩٣) (٩٤) ﴿ مَنْ آمَنَ ﴾ في موضع خبر إن (٩٥) (٩٦) (٩٧) الطريقة الثانية: أن المراد بقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أصحاب النبي ومؤمنو هذه الأمة، ﴿ وَالَّذِينَ هَادُوا ﴾ ، أي: الذين آمنوا بموسى والتوراة ولم (٩٨) ﴿ وَالنَّصَارَى ﴾ يعني نصار (٩٩) ﴿ وَالصَّابِئِينَ ﴾ يعني الخارجين من الكفر إلى الإسلام، ﴿ مَنْ آمَنَ ﴾ أي من مات منهم على دين الإسلام، لأن حقيقة الإيمان تكون (١٠٠) (١٠١) ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ .
وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (١٠٢) قالوا: ويجوز أن يقدر فيه "واو" أي: ومن آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة (١٠٣) (١٠٤) ﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ لأن من تصلح للواحد والجميع (١٠٥) (١٠٦) ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ يَستَمِعُونَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ ﴾ ، ثم قال: ﴿ خَالِدِينَ ﴾ فجمع، وقال: ﴿ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ ﴾ ، وأنشد الكسائي: أَلِمَّا بِسَلْمَى أَنْتُمَا إنْ عَرضْتُما ...
وَقُولَا لَها عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفُوا (١٠٧) فجعل (مَنْ) بمنزلة (الذين).
وقال الفرزدق: تَعَالَ فِإنْ عَاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ...
نكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ (١٠٨) وإنما جاز ذلك في (من)؛ لأنه مبهم جامد لا يتصرف ولا يتبين فيه الإعراب ولا العدد، وكذلك (ما) إلا أن (من) لبني آدم والموصوفين بالعقل، و (ما) لغيرهم.
وعلى هذا (١٠٩) يَا حَبَّذَا جَبَلُ الرَّيانِ مِنْ جِبَلٍ ...
وَحَبَّذَا ساكِنُ الرَّيانِ مَنْ كَانَا (١١٠) فقيل له: وإن كان ساكنه (١١١) ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾ ، على تأويل: ومن بناها (١١٢) ﴿ لَنَسْفَعًا ﴾ ، قول الشاعر: ..
والله فاعبدا (١١٣) وقد جاء في (من) بعض التصريف في بعض اللغات، كقوله: أَتَوْا نَارِي فَقُلْتُ مَنُونَ أَنْتُم ...
فَقَالُوا (١١٤) (١١٥) وقد يلزمها الإعراب في مثل قولهم: رأيت فلانًا، فتقول على الحكاية: منا بالنصب (١١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ يقال: كيف قال هذا مع (١١٧) (١١٨) ﴿ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ﴾ ، وهو كما تقول (١١٩) (١٢٠) ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ ﴾ الآية [الحج: 2].
وكذلك ما ورد من الأخبار في هذا (١٢١) (١) في هامش نسخة (أ) تعليق صدره الكاتب برمز (ش ك) أي شرح من الكاتب، والكلام بنصه منقول عن "الكشاف" 1/ 285، وأثبته هنا للفائدة: (ش ك ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ : بألسنتهم من غير مواطأة القلوب، وهم المنافقون، ﴿ وَالَّذِينَ هَادُوا ﴾ : والذين تهودوا، يقال: هاد يهود، وتهود إذا دخل في اليهودية وهو هائد، والجمع هود، ﴿ وَالنَّصَارَى ﴾ : وهم جمع نصران، يقال: رجل نصران وامرأة نصرانة، قال: كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ.
و (الياء) في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري، سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح .
﴿ وَالصَّابِئِينَ ﴾ : وهو من صبأ، إذا خرج من الدين، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة ﴿ مَنْ آمَنَ ﴾ : من هؤلاء الكفرة إيمانا خالصا ودخل في ملة الإسلام دخولا أصيلا ﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ : الذي يستوجبونه بإيمانهم وعملهم.
(٢) "تهذيب اللغة" (هاد) 4/ 3689.
(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 78 ب، وليس فيه (هيادة) ونحوه عند الماوردي وفيه (هيادا) "تفسير الماوردى" 1/ 373، 1/ 349، وانظر.
"تفسير أبي الليث" 1/ 373، و"تفسير البغوي" 1/ 79.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 78 ب، ولم أجده في ديوانه.
(٥) في (ب): (عن).
(٦) انظر: "تهذيب اللغة" (هاد) 4/ 3689، وذكر هذا المعنى أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 42، والطبري في "تفسيره" 1/ 317، و"معاني الزجاج" 1/ 118، "تفسير الثعلبي" 1/ 78 ب.
(٧) ذكر هذا المعنى الثعلبي في "تفسيره" 1/ 78 ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 89، ونحوه عند أبي الليث 1/ 373.
(٨) في (ب): (ومن) بالواو.
(٩) ذكره الأزهري عن ثعلب عن ابن الأعرابي، "تهذيب اللغة" (هاد) 4/ 3690، وانظر: "اللسان" (هود) 8/ 4718.
(١٠) في (ج): (ابن).
(١١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 79 أ، والبغوي في "تفسيره" 1/ 79.
(١٢) في (ب): (اليهود).
(١٣) ذكره الأزهري عن الليث، "تهذيب اللغة" (هاد) 4/ 3689، انظر "الصحاح" (هيد) 2/ 558، "مقاييس اللغة" (هيد) 6/ 23، "اللسان" (هيد) 8/ 4734.
(١٤) بهذا النص ذكره أبو عبيد في "غريب الحديث" 3/ 171، 4/ 452، وكذا الأزهري في "تهذيب اللغة" (هاد) 4/ 3691.
وقد أخرج البيهقي بسنده عن سالم بن عطية، قال: قال رسول الله "عرش الناس كعرش موسى".
يعني أنه يكره الطاق حوالي المسجد.
"السنن الكبرى" كتاب (الصلاة) باب (كيفية بناء المسجد) 2/ 439، وقد أورده صاحب "كنز العمال" عن البيهقي.
وقال: مرسل.
"كنز العمال" 3/ 393، وأورده السيوطي في "الجامع الصغير" بلفظ: "ليس بي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى" ورمز له بالتضعيف.
"فيض القدير شرح الجامع الصغير" 5/ 365.
وهو في "الفائق" 4/ 122، "اللسان" (هيد) 8/ 4834.
(١٥) قال أبو عبيد: (كان سفيان بن عيينة فيما بلغني عنه يقول: معنى هده: أصلحه، == وهذا معنى الحديث الآخر كما قال سفيان، ولكنه إصلاح بعد هدم الأول ..) "غريب الحديث" 4/ 452.
(١٦) في (ج): (يهود).
(١٧) انظر: "العين" 4/ 76، "تفسير الماوردي" 1/ 349، و"معرفة أسماء نطق بها القرآن" لابن السجستاني وقال: ليس بشيء 1/ 385، "المحكم" 4/ 297، وقال: ليس هذا بقوي.
(١٨) انظر: "الصحاح" (هود) 2/ 557.
(١٩) (حرمنا) ساقط من (ب).
(٢٠) انظر: "تهذيب اللغة" (هاد) 4/ 3689.
(٢١) في (ب): (ادعا).
(٢٢) في "المحكم": (هَوَّد الرجل) حوله إلى ملة اليهودية 4/ 297.
وفي "تهذيب اللغة": ذكر الحديث.
"فأبواه يهودانه ..
" وقال: معناه: أنهما يعلمانه دين اليهودية ويدخلانه فيه، (هاد) 4/ 3689.
(٢٣) الحديث في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ولفظه: (..
فأبواه يهودانه ..
الحديث)، أخرجه البخاري (1358)، (1359) كتاب (الجنائز) باب (إذا أسلم == الصبي فمات هل يصلي عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام؟) الفتح (1385)، وباب (ما قيل في أولاد المشركين)، (4775) كتاب (التفسير) تفسير سورة (الروم)، باب ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ لدين الله (6599) وفي كتاب (القدر) باب (الله أعلم بما كانوا عاملين)، ومسلم (2658) كتاب (القدر) كل مولود يولد على الفطرة، "مسلم بشرح النووي" وأبو داود (24141) في كتاب: السنة، باب (في ذراري المشركين) ح (2138) والترمذي كتاب (أبواب القدر) باب (ما جاء كل مولود يولد على الفطرة) وأحمد في مواضع من "المسند" منها 2/ 233.
(٢٤) هو أبو بكر محمد بن مسلم الزهري، أحد أعلام التابعين، فقيه محدث، رأى عشرة من الصحابة، وروى عنه جمع من الأئمة، توفي سنة أربع وعشرين ومائة.
انظر ترجمته في "حلية الأولياء" 3/ 360، "وفيات الأعيان" 4/ 177، "تهذيب التهذيب" 3/ 696.
(٢٥) في (ب): (الحواريون).
(٢٦) قول الزهري ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 79 أ، وانظر.
"تفسير الطبري" 1/ 318، و"تفسير أبي الليث"1/ 373، "تفسير الماوردي" 1/ 351، انظر.
"تفسير ابن عطية" 1/ 327، "الكشاف" 1/ 285.
(٢٧) "الزاهر" 2/ 225.
(٢٨) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 317، "الزاهر" 2/ 225، "تفسير الثعلبي" 1/ 79 أ، "تفسير الماوردي" 1/ 350، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 327، "الكشاف" 1/ 285.
(٢٩) لم أعثر على قائله، ويروى: (زار) بدل (دار) وفي "الزاهر" (تراه ويضحي وهو ...).
قوله: (مُحنَّفا).
تحنف: صار إلى الحنيفية، والمراد أنه مستقبل القبلة، (شامس) مستقبل الشمس كما يستقبلها نصراني، فحذف الياء.
ورد البيت في الطبري في "تفسيره" 1/ 318، "الزاهر" 2/ 225، "الأضداد" لابن الأنباري ص 181، "تفسير الثعلبي" 1/ 79 أ، "تفسير الماوردي" 1/ 350، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 327، "تفسير القرطبي" 1/ 369، "البحر المحيط" 1/ 238، "الدر المصون" 1/ 406، "فتح القدير" 1/ 148.
(٣٠) هو أبو الأخزر الحماني.
(٣١) عجز بيت وصدره: فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأَسُهَا يصف ناقتين أصابهما الإعياء، وانحنتا فطأطأتا رأسيهما، فشبه إسجادهما بسجود النصرانية فحذف الياء.
البيت من شواهد سيبويه 3/ 256، 411، وانظر: شرح شواهده للنحاس ص 178، و"تفسير الطبري" 1/ 318، "الزاهر" 1/ 141، 2/ 225، "الإنصاف" ص 357، "المخصص" 17/ 44، "تهذيب اللغة" (نصر) 4/ 3584، "اللسان" (نصر) 5/ 211، "تفسير ابن عطية" 1/ 245، "تفسير القرطبي" 1/ 433، "البحر المحيط" 1/ 238، "الدر المصون" 1/ 406، "فتح القدير" 1/ 148.
(٣٢) انظر: "الزاهر" 2/ 225، و"تفسير الطبري" 1/ 318.
(٣٣) يروى (لهم).
(٣٤) سبق تخريج الأبيات ص 324.
(٣٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 119، وانظر: "الزاهر" 2/ 225، و"تفسير الماوردي" 1/ 350، "تفسير الثعلبي" 1/ 79 أ، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 245.
(٣٦) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 79 أ.
(٣٧) في الطبري وغيره (ناصرة)، وأخرجه عن ابن عباس وقتادة، 1/ 318، وانظر "الزاهر" 2/ 225، "تفسير أبي الليث" 1/ 373، "تفسير الماوردي" 1/ 351.
قال ياقوت: (النَّاصِرة) فاعلة من النصر قرية بينها وبين طبرية ثلاثة عشر ميلًا، فيها كان مولد المسيح ومنها اشتق اسم النصارى معجم البلدان 5/ 251.
(٣٨) ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" (صبا) 2/ 1966، وأبو علي في "الحجة" 2/ 94.
(٣٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٤٠) "إصلاح المنطق" ص 157، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 119، "تهذيب اللغة" (صبا) 2/ 1966، و"الحجة" 2/ 94.
(٤١) في (ب)، (ج): (ياسر) وكذا في (أ) وصحح في الهامش.
(٤٢) ورد البيت في "إصلاح المنطق" ص 157، "المخصص" 9/ 34، "اللسان" (صبأ) 4/ 2385.
وقوله (غبراء) الغبراء: الأرض و (مجتاب أخلاق) لابس ثياب خلقة بالية.
(٤٣) "معاني القرآن" للزجاج1/ 119، "تهذيب اللغة" (صبا) 2/ 1966.
(٤٤) (الواو) ساقط من (ج).
(٤٥) في (ب): (ابن).
(٤٦) "الحجة" 2/ 94.
(٤٧) في جميع النسخ (وكان) والتصحيح من "الحجة" 2/ 94.
(٤٨) في (ب): (وهو).
(٤٩) "الحجة" 2/ 94.
(٥٠) (إلى دين) ساقط من (ب).
(٥١) "معاني القرآن" للزجاج1/ 119، "تهذيب اللغة" (صبا) 2/ 1966، والنص منه.
(٥٢) "تهذيب اللغة" (صبا) 2/ 2966.
(٥٣) (قراءتان) ساقط من (ج).
(٥٤) قرأ نافع بغير همز، وبقية السبعة بالهمز.
انظر "السبعة" ص 158، و"الحجة" لأبي علي2/ 94، و"التيسير" ص 74.
(٥٥) انظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 95، وعلى هذا تكون لام الكلمة همزة من (صبأ) إذا خرج عن دينه.
انظر: "الحجة" لابن زنجلة ص 100، ولابن خالويه ص 81، "تفسير الثعلبي" 1/ 79 أ.
(٥٦) في (ب): (تأديب).
(٥٧) عجز بيت لأبي ذؤيب الهذلي، وصدره: دِيَارُ التِي قَالَتْ غَدَاةَ لَقِيتُهَا ورد في "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 65، و"الحجة" لأبي علي 2/ 69.
(٥٨) ورد في "العقد الفريد" 5/ 484، "اللسان" (صبا) 4/ 2385، ونسبه لزيد بن ضبة.
(٥٩) في (ب): (إذا).
(٦٠) أي: أن أصله الهمز فترك الهمز، "الحجة" لأبي علي 2/ 95، 96، و"الحجة" لابن زنجلة ص 100، "الحجة" لابن خالويه ص 81.
(٦١) قال أبو علي: (..
أو تجعله على قلب الهمزة، فلا يسهل أن تأخذه من صبا إلى كذا ..) 2/ 96.
(٦٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٦٣) في (ب): (الصابيون)، وفي (ج): (الصابون).
(٦٤) في "الحجة": (..
فيكون (الصابون) إذا على قلب الهمزة، وقلب الهمز على هذا الحد لا يجيزه سيبويه ..) 2/ 96.
(٦٥) نسب الواحدي الكلام لأبي زيد وظاهر كلام أبي علي في "الحجة" غير ذلك، حيث قال في "الحجة": (..
وممن أجازه أبو زيد ....) ثم ذكر كلامًا لأبي زيد، ولسيبويه والخليل ولأبي الحسن، ثم قال: (..
ومن قلب الهمزة التي هي (لاَمٌ، يَاءً)، فقال: (الصابون) نقل الضمة التي كانت تلزم ..) فالكلام لأبي علي، والله أعلم.
انظر: "الحجة" 2/ 96، 97.
(٦٦) في (ب): (المنقول).
(٦٧) في (أ): (خفت) ثم طمست وكتب فوقها (حسب) وفي (ب): (حفت) وفي (ج): (حسب حفت وحسب ..) وما أثبت هنا موافق للحجة 2/ 97 والكلام عنه بنصه.
(٦٨) جزء من بيت للأخطل في وصف الخمرة وتمامه: فّقُلْتُ اقْتُلُوهَا عَنْكُم بِمِزَاجِهَا ...
وَحُبَّ بِهَا مَقْتُولةَ حين تُقْتَلُ قتل الخمر: مزجها بالماء حتى تذهب حدتها.
ورد البيت في "إصلاح المنطق" == ص 35، و"الحجة" لأبي علي2/ 97، 98، و"المشوف المعلم" 2/ 743، "شرح المفصل" 7/ 129، 141، "الخزانة" 9/ 429، 430، "اللسان" (قتل) 6/ 3530.
والشاهد (حب بها) يروي بالفتح والضم، فإذا نقلت حركة العين إلى الفاء بعد حرف حركتها صار (حب) بالضم، وإن حذفت حركة العين صار بالفتح.
(٦٩) جزء من بيت لسهم بن حنظلة الغنوي وتمامه: لَمْ يَمْنَع النَّاسُ مِنِّي مَا أَردْتُ وَمَا ...
أُعْطِيهِمُ مَا أَرَادُوا حُسْنَ ذَا أَدَبَا يقول.
إنه يمنع الناس مما يريدون منه ويقهرهم، ويأخذ هو ما أراد منهم وجعله أدبًا حسنًا، وقيل: ينكر على نفسه أن يعطيه الناس وهو يمنعهم.
ورد البيت في "إصلاح المنطق" ص 35، و"الحجة" 2/ 97، 98، "الخصائص" 3/ 40، و"الأصمعيات" ص 56، و"التكملة" ص 251، و"المشوف المعلم" 2/ 742، "اللسان" (حسن) 2/ 877، "الخزانة" 9/ 431، والشاهد (حُسْن) فإنه منقول من (حَسُن).
(٧٠) في (ب) (الصابيون).
وهي جزء من آية: 96 المائدة، على قراءة نافع.
(٧١) كلام أبي علي في "الحجة": (....
وحركها بالحركة المنقولة، كما حرك العين من فاعل بالحركة المنقولة، وقياس نقل الحركة التي هي ضمة إلى العين أن تحذف كسرة عين فاعل ..) 2/ 97.
(٧٢) في (ج): (يحذف).
(٧٣) في (ج): (قدرت) وفي (أ) محتملة، وما في (ب) موافق لما في "الحجة" 2/ 97.
(٧٤) كذا في جميع النسخ، وفي "الحجة" في الموضعين (أبقيت) 2/ 97 وهو الصواب.
(٧٥) (الحركة) ساقط من (ب).
(٧٦) في (ج): (للام).
(٧٧) في (ب): (أدغمها).
(٧٨) في "الحجة" (أبقيت) وانظر التعليق السابق على (ألقيت).
(٧٩) جزء من بيت للأخطل، يروي بفتح الحاء وضمها، مرَّ تخريجه قريبًا.
(٨٠) جزء من بيت لسهم بن حنظلة، مر تخريجه قريبًا.
وبهذا انتهى ما نقله عن "الحجة" لأبي علي 2/ 95، 98.
(٨١) في (ب) (الصابين).
(٨٢) أخرجه الطبري ونصه: (الصابئون قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويقرؤون الزبور) 1/ 319، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 97 ب، "تفسير الماوردي" 1/ 352.
(٨٣) في (ب) (من).
(٨٤) أخرجه الطبري عن مجاهد من طرق 1/ 319، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 391.
وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 97 أ، "تفسير الماوردي" 1/ 352.
(٨٥) في (ب): (أنهم).
(٨٦) "تهذيب اللغة" (صبا) 2/ 1966.
(٨٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 97 ب، "البحر المحيط" 1/ 239.
(٨٨) سلك الواحدي طريقة الثعلبي في إيضاح الآية، وخلاصة ما ذكره الثعلبي أن في الآية طريقين: الأول: أن الإيمان في قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ على طريق المجاز، ثم اختلفوا فيهم فقيل: من آمن بالأنبياء الماضين ولم يؤمن بك، وقيل: المنافقون.
الثاني: أن الإيمان على الحقيقة، فقيل: المراد المؤمنون من هذه الأمة، وقيل: الذين آمنوا بالنبي قبل المبعث، وقيل: المؤمنون من الأمم الماضية.
وسبب هذا الخلاف هو كيف يتم الجمع بين قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ثم قال: ﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 97 ب، و"تفسير البغوي" 1/ 97، وأما ابن جرير فقال: (فإن قال: وكيف يؤمن المؤمن؟
قيل: ليس المعنى في المؤمن المعنى الذي ظننته، من انتقال من دين إلى دين كانتقال اليهودي والنصراني إلى الإيمان -وإن كان قد قيل إن الذين عنوا بذلك، من كان من أهل الكتاب على إيمانه بعيسى وبما جاء به، حتى أدرك محمدًا فآمن به وصدق فقيل لأولئك ...
آمنوا بمحمد وبما جاء به- ولكن معنى إيمان المؤمن في هذا الموضع، ثباته على إيمانه وتركه تبديله.
وأما إيمان اليهود والنصارى والصابئين فالتصديق بمحمد وبما جاء به ..) "الطبري" 1/ 320، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 111.
(٨٩) (أي) ساقط من (ب).
(٩٠) في (أ): (الماضيين) وما في (ب)، (ج) موافق لما في الثعلبي.
(٩١) في (ب): (وحقيقًا).
وقوله: (حقيقيًّا) يفيد أن الإيمان المذكور في أول الآية مجازي كما مر في كلام الثعلبي.
(٩٢) (مع) ساقط من (ب).
(٩٣) في (ب): (وتقديره).
(٩٤) "تفسير الطبري" 1/ 320، ذكر كلامه بمعناه، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 80 أ.
(٩٥) (أن) ساقط من (ب).
وفي نسخة (أ) تعليق من الكاتب صدره بقوله: ش.
ك، ونصه: (محل (من آمن) الرفع إن جعلته مبتدأ، خبره (فلهم أجرهم).
والنصب إن جعلته بدلا من اسم (إن) والمعطوف عليه، فخبر (إن) في الوجه الأول الجملة كما هي، وفي الثاني: (فلهم) و (الفاء) لتضمن (من) معنى الشرط) وهو منقول من "الكشاف" بنصه 1/ 286.
(٩٦) هذا على إعراب (من) في محل رفع مبتدأ، وقيل: في محل نصب بدل من اللذين، ويكون الخبر: (فلهم) والأول أحسن.
انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 182، و"المشكل" لمكي 1/ 51، و"البيان" 1/ 88، "تفسير القرطبي" 1/ 370، وذكر أبو حيان: أن هذين الوجهين لا يصحان إلا على تغاير الإيمانين، الإيمان الذي هو صلة (الذين)، والإيمان الذي هو صلة (من).
"البحر" 1/ 241.
(٩٧) ورد هذا في التفسير المنسوب لابن عباس من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والمسمى "تنوير المقباس" 1/ 28، "على هامش الدر".
(٩٨) (ولم يبدلوا) ساقط من (ب).
(٩٩) في (ب): (نصارى).
(١٠٠) في (أ)، (ج) (يكون) وأثبت ما في (ب) لمناسبته للسياق.
(١٠١) "تفسير الثعلبي" 1/ 79 ب.
وفيه (لأن حقيقة الإيمان بالموافاة) وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 79.
(١٠٢) لم أجده عن ابن عباس من طريق عطاء، وهذا المعنى ذكره الطبري عن مجاهد والسدي، وأخرج عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .
فأنزل الله تعالى بعد هذا: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ .
قال الطبري: وهذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحا من اليهود والنصارى والصابئين على عمله، في == الآخرة الجنة، ثم نسخ ذلك ..) الطبري 1/ 323، وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 379.
(١٠٣) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 79 ب، وانظر: "تفسير البغوي" 1/ 79.
(١٠٤) (أمن) مكرر في (ب).
(١٠٥) في (ب): (والجمع).
(١٠٦) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 321، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 118، "تفسير الثعلبي" 1/ 80 أ، "تفسير الماوردي" 1/ 352، "تفسير ابن عطية" 1/ 329.
(١٠٧) البيت لامرئ القيس، وقيل: لرجل من كندة، وقوله: (ألما): أي زوراها (إن عرضتما): بلغتما إليها (عوجي): أعطفي وقفي، والرواية للبيت (عنكما) بدل (أنتما) ورد في "تفسير الطبري" 1/ 321، "تفسير الماوردي" 1/ 353، "تفسير القرطبي" 1/ 371، "الدر المصون" 1/ 408، "ديوان امرئ القيس" ص 324)، وفي "أضداد" ابن الأنباري ورواية شطره: ألما بسلمى لمَّة إذ وقفتما ص 330.
(١٠٨) البيت من الشواهد النحوية المشهورة، ورد في "الكتاب" 2/ 416، "المقتضب" 2/ 494، 3/ 253، و"الأصول" في النحو 2/ 297، و"شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 2/ 84، "مغني اللبيب" 2/ 404، "الكامل" 1/ 368، و"طبقات فحول الشعار" 1/ 366، "الأضداد" لابن الأنباري ص 330)، "المخصص" 17/ 55، والطبري 1/ 371، "تفسير الثعلبي" 1/ 80 أ، "تفسير ابن عطية" 1/ 329، "تفسير القرطبي" 1/ 371، والهمع 1/ 300، و"ديوان الفرزدق" 2/ 329، وفي بعض المصادر (تعش) بدل (تعال).
والشاهد: أنه ثنى (يصطحبان) لمعنى (من).
(١٠٩) (على هذا) ساقط من (ب).
(١١٠) قوله: (الريان): اسم جبل أسود عظيم في بلاد طيئ، انظر: "معجم ما استعجم" 2/ 690، "معجم البلدان" 2/ 111، وقد ورد البيت أيضًا في "جمل الزجاجي" ص 110، و"شرح الجمل" لابن عصفور 1/ 611، و"اللسان" (حبب) 1/ 744، و"شرح المفصل" 7/ 140، و"الهمع" 5/ 45، و"ديوان جرير" ص 490.
(١١١) (ساكنه) ساقط من (ب).
(١١٢) انظر: "تفسير الطبري" 30/ 209.
(ط/ الحلبي).
(١١٣) في (ب): (فاعبدوا).
جزء من بيت للأعشى من قصيدة قالها لما قدم مكة يريد الإسلام، ثم صدته قريش عن ذلك، وقد روى سيبويه البيت: فَإيَّاكَ والمَيْتَاتِ لا تَقْرَبَنَّهَا ...
وَلا تَعْبُدِ الشيطانَ واللهَ فاعْبُدَا وتبعه على ذلك جمهور النحاة، وقال بعض المحققين: إنه بهذه الرواية ملفق من بيتين كما في "ديوان الأعشى": فَإيَّاكَ والمَيْتَاتِ لا تأكُلَنَّهَا ...
ولا تَأخُذَنْ سَهْمًا حَدِيدًا لِتَفْصدَا وذَا النُّصبَ المَنْصُوبَ لا تَنْسُكَنَّهُ ...
ولا تَعْبُدِ الأوْثَانَ واللهَ فاعْبُدَا انظر: "ديوان الأعشى" ص 137، و"الكتاب" 3/ 510، و"شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 2/ 244، "المخصص" 13/ 104، "تهذيب اللغة" (نصب) 4/ 3581، "اللسان" (سبح) 4/ 1916، و (نون) 8/ 4587، و"الأزهرية" ص 275، و"شرح الكافية" لابن مالك 3/ 1400، و"مغني اللبيب" 2/ 372، و"الهمع" 4/ 397، "المقتضب" 528، "الإنصاف" 2/ 157، "شرح المفصل" 9/ 39، 88، 10/ 20.
(١١٤) في (أ)، (ج): (قالوا).
(١١٥) البيت لشمير بن الحارث، وروي البيت في قصيدة حائية (عما صباحًا) منسوبًا لجذع بن سنان.
يخاطب الجن، وقوله: (عموا ظلامًا) خاطب به الجن، كما كانوا يقولون لبني آدم: عموا صباحًا.
ورد في "الكتاب" 2/ 411، و"شرح أبياته لابن السيرافي" 2/ 183، "المقتضب" 2/ 360، "نوادر أبي زيد" ص 380، "الخصائص" 1/ 129، "الصحاح" (منن) 6/ 2208، و"الهمع" 5/ 346، 6/ 221، و"شرح ابن عقيل" 3/ 88، و"الجمل" للزجاجي ص 336)، و"الخزانة"6/ 167، 7/ 105، "شرح المفصل" 4/ 16، "اللسان" (حسد) 2/ 868، وفي عدة مواضع.
والشاهد فيه (منون أنتم) حيث جمع (من) مع الوصل وهذا من الضرورة.
قال سيبويه: وهذا بعيد، وإنما يجوز هذا على قول شاعر قاله مرة في شعر ثم لم يسمع بعد 2/ 410.
(١١٦) هذه الحروف التي تلحق (من) ليست للإعراب إنما هي من باب الحكاية إذا كانت مستفهمًا بـ (من) عن نكرة، فذا قال.
رأيت رجلا، فالجواب أن تقول: منا؟
، وإذا قال جاءني رجل، تقول: منو؟، أو مني إذا قال مررت برجل، وليست الواو والياء والألف التي لحقت (من) إعرابًا، إنما يلحقن في الوقف فقط، فهن دليل ولسن بإعراب، ومثله في التثنية والجمع فإذا قال: جاءتني امرأتان.
تقول: منتان؟
وإذا قال جاءني رجال.
قلت.
منون؟.
فإذا وصلت: قلت: من يا فتى في كل ما سبق لأن هذا هو الأصل.
وجعل سيبويه والمبرد وغيرهما من النحاة البيت الذى استشهد به الواحدي من ضرورة الشعر، ولا يقاس عليه، خلافا ليونس.
انظر: "الكتاب" 2/ 409، "المقتضب" 2/ 306، "الصحاح" (منن) 6/ 2208، و"أوضح المسالك" ص 255.
(١١٧) في (ج): (معما يجبر بهم).
(١١٨) في (ب): (يسير).
(١١٩) في (ب): (يقول).
(١٢٠) في (ب): (ينال).
(١٢١) قال ابن جرير: (لا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة).2/ 150.
وقال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .
قال: (قيل: ليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين، لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة، إلا أنه يخفف عن المطيعين، وإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا) 1/ 329.
وذكر أبو حيان في تفسير هذه الآية أقوالا كثيرة ثم قال: (وظاهر الآية عموم نفي الخوف والحزن عنهم، لكن يخص بما بعد الدنيا ..) "البحر" 1/ 170.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ ﴾ الآية.
قال ابن عباس: نسختها ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [آل عمران: 85] وقيل معناها: لأن هؤلاء الطوائف من آمن منهم إيماناً صحيحاً فله أجره فيكون في حق المؤمنين الثبات إلى الموت، وفي حق غيرهم الدخول في الإسلام، فلا نسخ، وقيل: إنها فيمن كان قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم فلا نسخ ﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ مبتدأ، خبر أن.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ النصارى ﴾ بالإمالة: أو عمرو وحمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري، والخراز عن هبيرة، وكذلك كل راء بعدها ياء.
وروى قتيبة بكسر الصاد والراء، وكذلك قوله ﴿ سكارى ﴾ و ﴿ أسارى ﴾ و ﴿ يوارى ﴾ و ﴿ أوارى ﴾ كلها بإمالة ما قبل الألف ﴿ والصابئين ﴾ بغير همزة: أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.
الوقوف: ﴿ عند ربهم ﴾ (ز) لنوع عدول عن إثبات إلى نفي مع اتفاق الجملتين.
و ﴿ يحزنون ﴾ (ه) ﴿ الطور ﴾ (ط) لأن التقدير: قلنا لكم خذوا ﴿ تتقون ﴾ (ه) ﴿ من بعد ذلك ﴾ (ج) لأن "لولا" للابتداء وقد دخل الفاء فيه ﴿ الخاسرين ﴾ (ه) ﴿ خاسئين ﴾ (ه) (ج) للآية والعطف بالفاء ﴿ المتقين ﴾ (ه).
التفسير: قد انجرّ الكلام في الآي المتقدمة إلى وعيد أهل الكتاب ومن يقفو آثارهم، فقرن به ما يتضمن الوعد جرياً على عادته من ذكر الترغيب مع الترهيب فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ .
واختلف المفسرون ههنا لأن قوله في آخر الآية ﴿ من آمن ﴾ .
يدل على أن المراد من قوله ﴿ آمنوا ﴾ شيء آخر، كقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمِنوا ﴾ .
فعن ابن عباس: المراد أن الذين آمنوا قبل مبعث محمد بعيسى مع البراءة من أباطيل اليهود والنصارى كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري.
كأنه قيل: إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد ، والذين كانوا على الدين الباطل لليهود، والذين كانوا على الدين الباطل للنصارى، كل من آمن بعد مبعث محمد بالله واليوم الآخر وبمحمد فلهم أجرهم.
وعن سفيان الثوري: إن الذين آمنوا باللسان دون القلب وهم المنافقون، والذين تهوّدوا يقال هاد يهود وتهود إذا دخل في اليهودية، والنصارى، والصابئين، كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي، فلهم كذا.
وقيل: الذين آمنوا هم المؤمنون بمحمد في الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي.
وكأنه قيل: إن الذين آمنوا في الماضي، واليهود والنصارى والصابئين، كل من آمن منهم وثبت على ذلك في المستقبل واستمر.
واشتقاق اليهود قيل من قولهم ﴿ إنا هدنا إليك ﴾ أي تبنا ورجعنا.
عن ابن عباس: وقيل نسبوا إلى يهودا أكبر ولد يعقوب.
وقيل: إنهم يتهودون أي يتحرّكون عند قراءة التوراة.
واشتقاق النصارى قبل من ناصرة قرية كان ينزلها عيسى قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج.
وقيل: لتناصرهم فيما بينهم أي لنصرة بعضهم بعضاً.
وقيل: لأن عيسى قال للحواريين من أنصاري إلى الله.
واحد النصارى نصران، ومؤنثه نصرانة: والياء في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري، والصابئين بالهمزة اشتقاقه من صبأ الرجل يصبأ صبواً إذا خرج من دينه إلى دين آخر.
وكانت العرب يسمون النبي صابئاً لأنه أظهر ديناً على خلاف أديانهم.
عن مجاهد والحسن: هم طائفة من اليهود والمجوس لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.
وعن قتادة: قوم يعبدون الملائكة ويصلون للشمس كل يوم خمس مرات.
وقيل: وهو الأقرب - إنهم قوم يعبدون الكواكب ثم فيهم قولان:الأوّل أن خالق العالم هو الله إلا أنه أمر بتعظيم هذه الأجرام واتخاذها قبلة للصلاة والدعاء.
والثاني أنه خلق الأفلاك والكواكب وفوّض التدبير إليها، فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم، ثم إنها تعبد الله .
وينسب هذا المذهب إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم ، فبين الله أن هذه الفرق الأربع إذا آمنوا بالله ويدخل فيه الإيمان بكل ما أوجبه كالإيمان برسله وآمنوا باليوم الآخر وبما وعد فيه، فإن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند الله .
ومحل ﴿ من آمن ﴾ رفع على أنه مبتدأ خبره ﴿ فلهم أجرهم ﴾ والجملة خبر "إن"، أو نصب على أنه بدل من اسم "أن".
والمعطوفات عليه.
وخبر "أن" ﴿ فلهم أجرهم ﴾ والفاء لتضمن من أو الذين معنى الشرط.
قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين لأنهم أهل كتاب، وعكس الترتيب في الحج لأن الصابئين مقدمة على النصارى بالزمان، وراعى في المائدة المعنيين فقدمهم في اللفظ وأخرهم في التقدير، لأن تقديره: والصابئون كذلك.
وقوله ﴿ وإذا أخذنا ميثاقكم ﴾ مخاطبة فيها معاتبة لاستمالها على تذكير النعم وتقدير المنعم.
وللمفسرين في هذا الميثاق أقوال: أحدها: أنه ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وقدرته وحكمته وعلى صدق أنبيائه ورسله وهو أقوى المواثيق والعهود، لأنه لا يحتمل الخلف والكذب والتبدل بوجه من الوجوه وهو قول الأصم، وثانيها ما روي عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم أن موسى لما رجع من عند ربه بالألواح، قرأوا ما فيها من الأخبار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وأبوا قبولها، أمر جبرائيل بقلع الطور من أصله ورفعه فظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا ألقي عليكم فحينئذ قبلوا وأعطوا الميثاق.
وعن ابن عباس: إن لله ميثاقين الأول، حين أخرجهم من صلب آدم على أنفسهم، والثاني أنه ألزم الناس متابعة الأنبياء.
والمراد ههنا هو هذا العهد.
وإنما قال ﴿ ميثاقكم ﴾ ولم يقل "مواثيقكم" للعلم بذلك كقوله ﴿ يخرجكم طفلاً ﴾ أي كل واحد منكم، أو لأن الميثاق بشيء واحد أخذه من كل واحد منهم.
ولو قال مواثيقكم لأشبه أن يكون لكل منهم ميثاق آخر.
والواو في ﴿ ورفعنا ﴾ إما واو عطف إن جعل الميثاق مقدماً على رفع الجبل كما في قول الأصم وابن عباس، وإما واو الحال إن جعل مقارناً للرفع، كأنه قال: وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم والطور.
قيل: الجبل مطلقاً.
وعن ابن عباس: أنه جبل من جبال فلسطين.
وقيل: جبل معهود، والأقرب أنه الجبل الذي وقعت المناجاة عليه، وقد يجوز أن ينقله الله إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيداً منهم، فإن القادر على أن يسكن الجبل في الهواء قادر على أن ينقله إليهم من المكان البعيد.
﴿ خذوا ﴾ على إرادة القول أي وقلنا خذوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بقوّة ﴾ بجد وعزيمة غير متكاسلين ولا متثاقلين وقيل: بقوة ربانية ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه، وإنما لم يحمل على نفس الذكر لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله فكيف يجوز الأمر به؟
﴿ لعلكم تتقون ﴾ رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا إرادة أن تتقوا ﴿ ثم توليتم ﴾ معطوف على محذوف أي فقبلتم والتزمتم ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به.
ويمكن أن يقال أخذ الميثاق عبارة عن قبولهم فلا حاجة إلى تقدير ﴿ من بعد ذلك ﴾ أي من بعد القبول والالتزام.
قال القفال: قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا التوراة وتركوا العمل به وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم.
ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض، ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى، ويجاهرون بالمعاصي في عسكره، حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون، وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرأونها، ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس، وكفروا بالمسيح وهموا بقتله، فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد من الكتاب، وجحودهم لحقه وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر ﴿ فلولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ بإمهالكم وتأخير العذاب عنكم ﴿ لكنتم من الخاسرين ﴾ أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم، ولكنكم خرجتم من هذا الخسران لأن الله تفضل عليكم بالإمهال حتى تبتم.
فإن كلمة "لولا" تدل على امتناع الثاني لوجود الأول، فامتنع الخسران لوجود فضل الله.
ويحتمل أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله ﴿ ثم توليتم من بعد ذلك ﴾ ويكون قوله ﴿ فلولا فضل الله ﴾ رجوعاً بالكلام إلى أوّله، أي لولا لطف الله بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم للكتاب، ولكنه تفضل عليكم ورحمكم ولطف بكم بذلك حتى تبتم.
قوله عز من قائل ﴿ ولقد علمتم ﴾ اللام للابتداء، ولا تكاد تدخل الماضي بدون قد لأنها ولتأكيد مضمون الجملة الاسمية نحو: لزيد قائم، أو لتأكيد المضارع نحو: ليضرب زيد.
لكن قد تقرب الماضي من الحال فيصير الماضي كالمضارع مع تناسب معنى "قد".
ومعنى "اللام" في التحقيق، وعند الكوفيين يقدر القسم قبله.
عن ابن عباس: إن هؤلاء القوم كانوا في زمن داود بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشأم، وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أوب في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة، فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول، وكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد.
فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة، فلما طال العهد استنت الأبناء سنة الآباء واتخذوا الأموال، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد في السبت فنهوهم فلم ينتهوا وقالوا: نحن في هذا العمل منذ زمان فما زادنا الله به إلا خيراً.
فقيل لهم: لا تغتروا بذلك فربما ينزل بكم العذاب والهلاك.
فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا ثلاثة أيام ثم ماتوا.
قال بعضهم: وفي الكلام حذف أي ولقد علمتم اعتداء الذين اعتدوا ليكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك.
والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت والاعتداء فيه، إما نفس الاصطياد لأنهم أمروا فيه بالتجرد للعبادة فجاوزوا ما حد لهم واشتغلوا بالصيد، وإما الاصطياد مع استحلاله.
وقوله ﴿ كونوا ﴾ المراد منه سرعة الإيجاد وإظهار القدرة وإن لم يكن هناك قول ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ﴾ ﴿ وقردة خاسئين ﴾ خبر "إن" أي كونوا جامعين بين القردة، والخسوء وهو الصغار والطرد.
عن مجاهد أنه مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله ﴿ كمثل الحمار يحمل أسفاراً ﴾ ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجع فيه تعليمه: كن حماراً.
واحتج بأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، فإذا أبطله وخلق مكانه تركيب القرد رجع حاصل المسخ إلى إعدام الأعراض التي باعتبارها كان ذلك الجسم إنساناً، وإيجاد أعراض أخر باعتبارها صار قرداً.
وأيضاً لو جوزنا ذلك لم نأمن في كل ما نراه قرداً وكلباً أنه كان إنساناً عاقلاً وذلك شك في المشاهدات.
وأجيب بأن الإنسان ليس هذا الهيكل لتبدله بالسمن والهزال فهو أمر وراء ذلك، إما جسماني سار في جميع البدن، أو جزء في جانب من البدن كقلب أو دماغ، أو مجرد كما يقوله الفلاسفة.
وعلى التقادير فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ، وبهذا التأويل يجوز في الملك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول ، ولأنه لم يتغير منهم إلا الخلقة والصورة والعقل، والفهم باقٍ فإنهم يعرفون ما نالهم بشؤم المعصية من تغير الخلقة وتشوّه الصورة وعدم القدرة على النطق وسائر الخواص الإنسانية، فيتألمون بذلك ويتعذبون، ثم أولئك القرود بقوا أو أفناهم الله، وإن بقوا فهذه القرود التي في زماننا من نسلهم أم لا، الكل جائز عقلاً إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا ﴿ فجعلناها ﴾ أي المسخة أو القردة أو قرية أصحاب السبت أو هذه الأمة ﴿ نكالاً ﴾ عقوبة شديدة رادعة عن الإقدام على المعصية.
والنكول عن اليمين الامتناع عنها.
ولم يقصد بذلك ما يقصده الناس من التشفي وإطفاء نائرة الغيظ، وإنما جعلناها عبرة لما قبلها ومعها وبعدها من الأمم والقرون، لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها وسيبلغ خبرها إلى الآخرين فيعتبرون، أو أريد بما بين يديها ما بحضرتها من القرى والأمم، أو جعلناها عقوبة لجميع ما ارتكبوه قبل هذا الفعل وبعده، هكذا قال بعضهم، والأولى عندي أن يقال: جعلناها عقوبة لأجل ذنوب تقدمت المسخة، ولأجل ذنوب تأخرت عنها، لأنهم إن لم يكونوا ممسوخين لم ينتهوا عنها فهم في حكم المرتكبين لها.
ولا يلزم من ذلك تجويز العقاب على الذنب المفروض الموهوم لأنه أمر اعتباري، والعقوبة في نفسها واحدة ثابتة على حالها لم تزدد لأجل الذنب المتأخر شيئاً، فليس الأمر فيه كمن ضرب عبده لأجل الإباق المتقدم مائة جلدة، ولأجل الإباق المتأخر المترقب مائة أخرى، ولكنه كمن قيد عبده أو حبسه لأجل الإباق المتقدم والإباق المترقب والله أعلم ﴿ وموعظة للمتقين ﴾ لأن منفعة الاتعاظ تعود إليهم لا إلى غيرهم مثل ﴿ هدى للمتقين ﴾ أو ليعظ المتقون بعضهم بعضاً.
وقيل: للمتقين الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم.
<div class="verse-tafsir"
قيل: إن اليهود والنصارى وهؤلاء جائز أَن يكون لهم تعلق بظاهر هذه الآية؛ لأنهم كانوا يقولون: إن آمنا بالله، وآمنا باليوم الآخر، فليس علينا خوف ولا حزن.
لكن الجواب لهذا وجوه: أَحدها: أَنَّه ذكر المؤمنين بقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، وإيمانهم ما ذكر في آية أخرى وهو قوله: ﴿ ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ .
وهم قد فرقوا بين الرسل، بقولهم: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ .
وفرقوا بين الكتب أيضاً: آمنوا ببعض، وكفروا ببعض.
فهؤلاء الذين ذكرهم - عز وجل - في هذه الآية، هم الذين آمنوا بجميع الرسل، وآمنوا بجميع الكتب أيضاً.
فإذا كان هذا إيمانهم لم يكن عليهم خوف ولا حزن.
والثاني: ذَكَر الإيمان بالله.
والإيمان بالله هو الإيمانُ بجميع الرسل، وبجميع الكتب.
ولكنهم لا يؤمنون بالله، ولا يعرفونه في الحقيقة.
أَو أَن يقال: ذكَر عملَ الصالحات، والكفرُ ببعض الرسل ليس من عمل الصالحات؛ لذلك بطل تعلقهم بهذا، والله أعلم.
وقيل: ذلك على التقديم والتأْخير؛ كأَنه قال: إن الذين هادوا والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر، والذين آمنوا...
الآية.
وللمعتزلة تعلق أيضاً بظاهر قوله: ﴿ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .
وصاحب الكبيرة عليه خوف وحزن، فلو كان مؤمناً لكان لا خوف عليه ولا حزن؛ لأَنه أَخبر أَن المؤمن لا خوف عليه ولا حزن؛ فدل: أَنه يخرج من إيمانه إذا ارتكب كبيرة.
فيقال لهم: لم ينف عنهم الخوف، والحزن في كل الوقت.
فيحتمل: أَن يكون عليه خوف في وقت، ولا يكون عليه خوف في وقت آخر؛ لأَن لكل مؤمن خوفَ البعث وفزعه حتى الرسل، بقوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ ﴾ ؛ لشدة فزعهم من هول ذلك اليوم.
فإذا دخلوا الجنَّة، ونزلوا منازلهم، ذهب ذلك الخَوف والفزع عنهم.
فعلى ذلك المؤمن: يكون له خوف في وقت، ولا يكون عليه خوف في وقت آخر، والله أعلم.
واختلف في الصابئين: قيل: الصابئون: قوم يعبدون الملائكة، ويقرءُون الزبور.
وقيل: إنهم قوم يعبدون الكواكب.
وقيل: هم قوم بين المجوس والنصارى.
وقيل: هم قوم بين اليهود والمجوس.
وقيل: هم قوم يذهبون مذهب الزنادقة؛ يقولون باثنين لا كتاب لهم، ولا علم لنا بهم.
<div class="verse-tafsir"
إن مَن آمن مِن هذه الأمة، وكذلك من آمن من الأمم الماضية قبل بعثة محمد من يهود ونصارى وصابئة -وهم طائفة من أتباع بعض الأنبياء من تحقق فيهم الإيمان بالله وباليوم الآخر- فلهم ثوابهم عند ربهم، ولا خوف عليهم مما يستقبلونه في الآخرة، ولا يحزنون على ما فاتهم من الدنيا.
<div class="verse-tafsir" id="91.g1dRD"
أحاط القضاء في الآية السابقة باليهود فلم يدع منهم حاضرًا ولا غائبًا فألزم الذل باطنهم، وكسا بالمسكنة ظاهرهم، وبوأهم منازل غضبه، وجعل أرواحهم مساقط نقمه، فذلك الله الذي يقول ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ سجلت الآية عليهم هذا العذاب الشديد بما كسبت أيديهم واستشعرت قلوبهم من كفر بآيات الله، وانصراف عن العبرة، واستعصاء على الموعظة.
وخروج عن حدود الشريعة، واعتداء على أحكامها.
اقترف ذلك سلفهم، وتبعهم عليه خلفهم فحقت عليهم كلمة ربك، فلو قر الخطاب عندها، ولم يتلها من رحمته ما بعدها، لحق على كل يهودي على وجه الأرض أن ييأس، وأن لا يبقى عنده للأمل في عفو الله متنفس، بل كان ذلك القنوط لازمًا لكل عاصٍ، قابضًا على نفس كل معتدٍ، لا فرق بين اليهود وغيرهم، فإن سبب ما نزل باليهود هو عصيانهم واعتداؤهم حدود ما شرع الله لهم، وسنن الله في خلقه لا تتغير، وأحكامه العادلة فيهم لا تتبدل، لهذا جاء قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ إلخ بمنزلة الاستثناء من حكم الآية السابقة وإنما ورد على هذا الأسلوب البديع متضمنًا لجميع من تمسك بهدى نبي سابق وانتسب إلى شريعة سماوية ماضية، ليدل على أن الجزاء السابق وإن حكي على أنه من خطأ اليهود خاصة -لم يصبهم إلا لجريمة قد تشمل الشعوب عامة، وهي الفسوق عن أوامر الله وانتهاك حرماته، فكل من أجرم كما أجرموا سقط عليه من غضب الله ما سقط عليهم، وعلى أن الله جل شأنه لم يأخذهم بما أخذهم لأمر يختص بهم على أنهم من شعب إسرائيل أو من ملة يهود بل ﴿ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ .
وأما أنساب الشعوب وما تدين به من دين وما تتخذه من ملة فكل ذلك لا أثر له في رضاء الله ولا غضبه، ولا يتعلق به رفعة شأن قوم ولا ضعتهم، بل عماد الفلاح ووسيلة الفوز بخيري الدنيا والآخرة إنما هو صدق الإيمان بالله تعالى، بأن يكون التصديق به سطوعًا على النفس من مشرق البرهان، أو جيشانًا في القلب من عين الوجدان، فيكون الاعتقاد بوجوده وصفاته خاليًا من شوب التشبيه والتمثيل، واليقين في نسبة الأفعال إليه خالصًا من وساوس الوهم والتخييل، ويكون المؤمن قد ارتقى بإيمانه مرتقى يشعر فيه بالجلال الإلهي.
فإذا رفع بصره إلى الجناب الارفع أغضى هيبة وأطرق إلى الأرض العبودية خشوعًا، وإذا أطلق نظره فيما بين يديه، مما سلطه الله عليه، شعر في نفسه عزة بالله، ووجد فيها قوة تصرفه بالحق فيما يقع تحت قواه، لا يعدو حدًا ضرب له، ولا يقف دون غاية قدر له أن يصل إليها، فيكون عبدًا لله وحده، سيدًا لكل شيء بعده.
أما مسألة أهل الفترة، والخلاف المشهور فيها فإن جمهور أهل السنة يقول أنهم ناجون لأنه لا تكليف إلا بشرع، وهؤلاء لم تبلغهم دعوة.
ومن قال إن بالعقل يدرك الواجب والمحرم والاعتقاد الصحيح والباطل عدهم غير ناجين وهذا رأي المعتزلة وجماعة من الحنفية.
وجمهور الأشاعرة على أنه لا يمكن إدراك ذلك إلا بالشرع، ثم إن محل النظر في أهل الفترة من كان منهم كالعرب الذين كانوا يعتقدون نبوة أنبياء ولا يجدون لديهم شيئًا من أحكام دينهم خالصًا من الشوائب سالمًا من النزعات الفاسدة.
وأما مثل اليهود فلا يصح أن يسموا أهل فترة فإنهم على نسيانهم حظًا مما ذكروا به وتحريفهم بعض ما حفظوا قد بقي جوهر دينهم معروفًا لم يغش أحكامه ما يمنع الاهتداء بها، والله تعالى يقول: ﴿ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ﴾ وكذلك المسيحيون لا يسمون أهل فترة لأن في التوراة ووصايا الأنبياء ما عند اليهود وزيادة مما حفظوا من وصايا المسيح وروح الدعوة موجود عندهم، ولكنهم لا يعملون بهذه الوصايا ولا يأخذون بتلك الأحكام، ولا عذر لهم يحول دون العقوبة، وأما الصابئون فإن كانوا فرقة من النصارى كما يظهر من الوفاق بينهما في كثير من التقاليد كالعمودية والاعتراف وتعظيم يوم الأحد فالأمر ظاهر أن حكمهم كحكمهم، وإن كان الخلط عندهم أكثر، والبعد عن الأصل أشد، حتى أنهم اعتقدوا تأثير الكواكب، وأحاطت بهم البدع من كل جانب، على أنهم أقرب إلى روح المسيحية من النصارى فإن عندهم الزهد والتواضع اللذين يفيضان من كل كلمة تؤثر عن المسيح ، والنصارى صاروا أشد أمم الأرض عتوًا وطمعًا وإسرافًا في حظوظ الدنيا، ويقال إن الصابئة ملة مستقلة يؤمنون بكثير من الأنبياء المعروفين، ولكن قد اختلط عليهم الأمر كما اختلط على الحنفاء العرب، إلا أن عندهم من التقاليد والأحكام ما لم يكن عند العرب، فإن كانوا أقرب إليهم فلهم حكمهم وإلا فهم كاليهود والنصارى يسألون عن العمل بدينهم بعد فهمه كما يجب حتى يأتيهم هدى آخر كأن تبلعهم دعوة الإسلام فإن لم يفعلوا فهم مؤاخذون.
علمنا أن أهل الفترة هم الذين لم تبلغهم دعوة صحيحة تحرك إلى النظر، أو بلغهم أن بعض الأنبياء بعثوا ولكن لم يصل إليهم شيء صحيح من شرائعهم، فهم يؤمنون بهم إيمانًا إجماليًا كالحنفاء من العرب الذين كانوا يؤمنون بإبراهيم وإسماعيل ولا يعرفون من دينهما شيئًا خالصًا كما تقدم آنفًا.
وحجة الأشاعرة على معدم مؤاخذتهم آيات كقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ وقوله ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ وذهب كثير منهم إلى الاكتفاء ببلوغ دعوة أي نبي في ركني الدين الركينين وهما الإيمان بالله وباليوم الآخر، فمن بلغته وجب عليه الإيمان بهذين الأصلين، وإن لم يكن النبي مرسلًا إليه.
وذهب جمهور الحنفية وكذلك المعتزلة إلى أن أصول الاعتقاد تدرك بالعقل فلا تتوقف المؤاخذة عليها على بلوغ دعوة رسول، وإنما يجيء الرسل مؤكدين لما يفهم العقل موضحين له ومبينين أمورًا لا يستقل بإدراكها كأحوال الآخرة وكيفيات العبادة التي ترضي الله تعالى.
وأولوا آية ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ بأن المراد بالتعذيب هو الاستئصال في الدنيا بإفناء الأمة أو استذلالها، والذهاب باستقلالها، وينافيه ما يدل عليه استعمال ﴿ وَمَا كُنَّا ﴾ من إرادة نفي الشأن الدال على عموم السلب، ولهم في كتبهم أدلة ومناقشات ليس هذا من مواضعها.
وعن الإمام الغزالي أن الناس في شأن بعثة النبي أصناف ثلاثة -من لم يعلم بها بالمرة- أي كأهل أمريكا لذلك العهد- وهؤلاء ناجحون حتمًا" أي إن لم تكن بلغتهم دعوة أخرى صحيحة "ومن بلغته الدعوة على وجهها ولم ينظر في أدلتها إهمالًا أو عنادًا واستكبارًا، وهؤلاء مؤاخذون حتمًا.
ومن بلغته على غير وجهها أو مع فقد شرطها وهو أن تكون على وجه يحرك داعية النظر، وهؤلاء في معنى الصنف الأول.
هذا معنى عبارته المطابقة لأصول الكلام.
<div class="verse-tafsir"