الآية ٦١ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٦١ من سورة البقرة

وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍۢ وَٰحِدٍۢ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ۚ ٱهْبِطُوا۟ مِصْرًۭا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ٦١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 255 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦١ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى ، طعاما طيبا نافعا هنيئا سهلا واذكروا دبركم وضجركم مما رزقتكم وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنية من البقول ونحوها مما سألتم .

وقال الحسن البصري رحمه الله : فبطروا ذلك ولم يصبروا عليه ، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه ، وكانوا قوما أهل أعداس وبصل وبقل وفوم ، فقالوا : ( يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها ) [ وهم يأكلون المن والسلوى ، لأنه لا يتبدل ولا يتغير كل يوم فهو كأكل واحد ] .

فالبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معروفة .

وأما الفوم فقد اختلف السلف في معناه فوقع في قراءة ابن مسعود وثومها بالثاء ، وكذلك فسره مجاهد في رواية ليث بن أبي سليم ، عنه ، بالثوم .

وكذا الربيع بن أنس ، وسعيد بن جبير .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عمرو بن رافع ، حدثنا أبو عمارة يعقوب بن إسحاق البصري ، عن يونس ، عن الحسن ، في قوله : ( وفومها ) قال : قال ابن عباس : الثوم .

قالوا : وفي اللغة القديمة : فوموا لنا بمعنى : اختبزوا .

وقال ابن جرير : فإن كان ذلك صحيحا ، فإنه من الحروف المبدلة كقولهم : وقعوا في عاثور شر ، وعافور شر ، وأثافي وأثاثي ، ومغافير ومغاثير .

وأشباه ذلك مما تقلب الفاء ثاء والثاء فاء لتقارب مخرجيهما ، والله أعلم .

وقال آخرون : الفوم الحنطة ، وهو البر الذي يعمل منه الخبز .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة ، أنبأنا ابن وهب قراءة ، حدثني نافع بن أبي نعيم : أن ابن عباس سئل عن قول الله : ( وفومها ) ما فومها ؟

قال : الحنطة .

قال ابن عباس : أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح وهو يقول : قد كنت أغنى الناس شخصا واحدا ورد المدينة عن زراعة فوم وقال ابن جرير : حدثنا علي بن الحسن ، حدثنا مسلم الجرمي ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن رشدين بن كريب ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، في قول الله تعالى : ( وفومها ) قال : الفوم الحنطة بلسان بني هاشم .

وكذا قال علي بن أبي طلحة ، والضحاك وعكرمة عن ابن عباس أن الفوم : الحنطة .

وقال سفيان الثوري ، عن ابن جريج ، عن مجاهد وعطاء : ( وفومها ) قالا وخبزها .

وقال هشيم عن يونس ، عن الحسن ، وحصين ، عن أبي مالك : ( وفومها ) قال : الحنطة .

وهو قول عكرمة ، والسدي ، والحسن البصري ، وقتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيرهم ، والله أعلم .

[ وقال الجوهري : الفوم : الحنطة .

وقال ابن دريد : الفوم : السنبلة ، وحكى القرطبي عن عطاء وقتادة أن الفوم كل حب يختبز .

قال : وقال بعضهم : هو الحمص لغة شامية ، ومنه يقال لبائعه : فامي مغير عن فومي ] .

وقال البخاري : وقال بعضهم : الحبوب التي تؤكل كلها فوم .

وقوله تعالى : ( قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنية مع ما هم فيه من العيش الرغيد ، والطعام الهنيء الطيب النافع .

وقوله : ( اهبطوا مصرا ) هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية ، وهو قراءة الجمهور بالصرف .

قال ابن جرير : ولا أستجيز القراءة بغير ذلك ؛ لإجماع المصاحف على ذلك .

وقال ابن عباس : ( اهبطوا مصرا ) قال : مصرا من الأمصار ، رواه ابن أبي حاتم ، من حديث أبي سعيد البقال سعيد بن المرزبان ، عن عكرمة ، عنه .

قال : وروي عن السدي ، وقتادة ، والربيع بن أنس نحو ذلك .

وقال ابن جرير : وقع في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود : اهبطوا مصر من غير إجراء يعني من غير صرف .

ثم روى عن أبي العالية ، والربيع بن أنس أنهما فسرا ذلك بمصر فرعون .

وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية ، وعن الأعمش أيضا .

وقال ابن جرير : ويحتمل أن يكون المراد مصر فرعون على قراءة الإجراء أيضا .

ويكون ذلك من باب الاتباع لكتابة المصحف ، كما في قوله تعالى : ( قواريرا قواريرا ) [ الإنسان : 15 ، 16 ] .

ثم توقف في المراد ما هو ؟

أمصر فرعون أم مصر من الأمصار ؟

وهذا الذي قاله فيه نظر ، والحق أن المراد مصر من الأمصار كما روي عن ابن عباس وغيره ، والمعنى على ذلك لأن موسى ، عليه السلام يقول لهم : هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز ، بل هو كثير في أي بلد دخلتموه وجدتموه ، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه ؛ ولهذا قال : ( أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ) أي : ما طلبتم ، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه ، لم يجابوا إليه ، والله أعلم يقول تعالى : ( وضربت عليهم الذلة والمسكنة ) أي : وضعت عليهم وألزموا بها شرعا وقدرا ، أي : لا يزالون مستذلين ، من وجدهم استذلهم وأهانهم ، وضرب عليهم الصغار ، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون .

قال الضحاك عن ابن عباس في قوله : ( وضربت عليهم الذلة والمسكنة ) قال : هم أصحاب النيالات يعني أصحاب الجزية .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الحسن وقتادة ، في قوله تعالى : ( وضربت عليهم ) قال : يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون ، وقال الضحاك : ( وضربت عليهم الذلة ) قال : الذل .

وقال الحسن : أذلهم الله فلا منعة لهم ، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين .

ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية .

وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي : المسكنة : الفاقة .

وقال عطية العوفي : الخراج .

وقال الضحاك : الجزية .

وقوله تعالى : ( وباءوا بغضب من الله ) قال الضحاك : استحقوا الغضب من الله ، وقال الربيع بن أنس : فحدث عليهم غضب من الله .

وقال سعيد بن جبير : ( وباءوا بغضب من الله ) يقول : استوجبوا سخطا ، وقال ابن جرير : يعني بقوله : ( وباءوا بغضب من الله ) انصرفوا ورجعوا ، ولا يقال : باءوا إلا موصولا إما بخير وإما بشر ، يقال منه : باء فلان بذنبه يبوء به بوءا وبواء .

ومنه قوله تعالى : ( إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ) [ المائدة : 29 ] يعني : تنصرف متحملهما وترجع بهما ، قد صارا عليك دوني .

فمعنى الكلام إذا : فرجعوا منصرفين متحملين غضب الله ، قد صار عليهم من الله غضب ، ووجب عليهم من الله سخط .

وقوله تعالى : ( ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ) يقول تعالى : هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة ، وإحلال الغضب بهم بسبب استكبارهم عن اتباع الحق ، وكفرهم بآيات الله ، وإهانتهم حملة الشرع وهم الأنبياء وأتباعهم ، فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم ، فلا كبر أعظم من هذا ، إنهم كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياء الله بغير الحق ؛ ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الكبر بطر الحق ، وغمط الناس .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، عن ابن عون ، عن عمرو بن سعيد ، عن حميد بن عبد الرحمن ، قال : قال ابن مسعود : كنت لا أحجب عن النجوى ، ولا عن كذا ولا عن كذا قال : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده مالك بن مرارة الرهاوي ، فأدركته من آخر حديثه ، وهو يقول : يا رسول الله ، قد قسم لي من الجمال ما ترى ، فما أحب أن أحدا من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما أفليس ذلك هو البغي ؟

فقال : لا ليس ذلك من البغي ، ولكن البغي من بطر - أو قال : سفه الحق - وغمط الناس .

يعني : رد الحق وانتقاص الناس ، والازدراء بهم والتعاظم عليهم .

ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله وقتل أنبيائهم ، أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد ، وكساهم ذلا في الدنيا موصولا بذل الآخرة جزاء وفاقا .

قال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي ، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا أبان ، حدثنا عاصم ، عن أبي وائل ، عن عبد الله - يعني ابن مسعود - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتله نبي ، أو قتل نبيا ، وإمام ضلالة وممثل من الممثلين .

وقوله تعالى : ( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) وهذه علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به ، أنهم كانوا يعصون ويعتدون ، فالعصيان فعل المناهي ، والاعتداء المجاوزة في حد المأذون فيه أو المأمور به .

والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قد دللنا -فيما مضى قبل- على معنى " الصبر " وأنه كف النفس وحبسها عن الشيء.

(46) فإذ كان ذلك كذلك , فمعنى الآية إذا: واذكروا إذا قلتم -يا معشر بني إسرائيل-: لن نطيق حبس أنفسنا على طعام واحد - وذلك " الطعام الواحد "، هو ما أخبر الله جل ثناؤه أنه أطعمهموه في تيههم، وهو " السلوى " &; 2-125 &; في قول بعض أهل التأويل , وفي قول وهب بن منبه هو " الخبز النقي مع اللحم " - فاسأل لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من البقل والقثاء ، وما سمى الله مع ذلك، وذكر أنهم سألوه موسى .

* * * وكان سبب مسألتهم موسى ذلك فيما بلغنا , ما: - 1054 - حدثنا به بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد , عن قتادة قوله: (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد) قال: كان القوم في البرية قد ظلل عليهم الغمام , وأنـزل عليهم المن والسلوى , فملوا ذلك , وذكروا عيشا كان لهم بمصر , فسألوه موسى .

فقال الله تعالى: اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ .

1055 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله: (لن نصبر على طعام واحد)، قال: ملوا طعامهم , وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه قبل ذلك , قالوا: (ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها) الآية .

1056 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر , عن الربيع , عن أبي العالية في قوله: (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد)، قال: كان طعامهم السلوى , وشرابهم المن , فسألوا ما ذكر , فقيل لهم: اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ .

* * * قال أبو جعفر: وقال قتادة: إنهم لما قدموا الشام فقدوا أطعمتهم التي كانوا يأكلونها , فقالوا: (ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها)، وكانوا قد ظلل عليهم الغمام، وأنـزل عليهم المن والسلوى , فملوا ذلك , وذكروا عيشا كانوا فيه بمصر .

1057 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى &; 2-126 &; قال، سمعت ابن أبي نجيح في قوله عز وجل: (لن نصبر على طعام واحد)، المن والسلوى , فاستبدلوا به البقل وما ذكر معه .

1058 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد بمثله سواء .

1059 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد بمثله .

1060 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط , عن السدي: أُعطوا في التيه ما أُعطوا , فملوا ذلك وقالوا: (يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها) .

1061 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أنبأنا ابن زيد قال: كان طعام بني إسرائيل في التيه واحدا , وشرابهم واحدا.

كان شرابهم عسلا ينـزل لهم من السماء يقال له المن , وطعامهم طير يقال له السلوى , يأكلون الطير ويشربون العسل , لم يكونوا يعرفون خبزا ولا غيره .

فقالوا: " يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا "، فقرأ حتى بلغ: اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ .

* * * وإنما قال جل ذكره: (يخرج لنا مما تنبت الأرض) - ولم يذكر الذي سألوه أن يدعو ربه ليخرج لهم من الأرض , فيقول: قالوا ادع لنا ربك يخرج لنا كذا وكذا مما تنبته الأرض من بقلها وقثائها - لأن " من " تأتي بمعنى التبعيض لما بعدها , فاكتفي بها عن ذكر التبعيض , إذ كان معلوما بدخولها معنى ما أريد بالكلام الذي هي فيه.

كقول القائل: أصبح اليوم عند فلان من الطعام " يريد شيئا منه.

وقد قال بعضهم: " من " ههنا بمعنى الإلغاء والإسقاط .

كأن معنى الكلام &; 2-127 &; عنده: يخرج لنا ما تنبت الأرض من بقلها .

واستشهد على ذلك بقول العرب: " ما رأيت من أحد " بمعنى: ما رأيت أحدا , وبقول الله: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [ البقرة: 271]، وبقولهم: " قد كان من حديث , فخل عني حتى أذهب , يريدون: قد كان حديث .

وقد أنكر من أهل العربية جماعة أن تكون " من " بمعنى الإلغاء في شيء من الكلام , وادعوا أن دخولها في كل موضع دخلت فيه، مؤذن أن المتكلم مريد لبعض ما أدخلت فيه لا جميعه , وأنها لا تدخل في موضع إلا لمعنى مفهوم .

فتأويل الكلام إذا - على ما وصفنا من أمر " من " (47) -: فادع لنا ربك يخرج لنا بعض ما تنبت الأرض من بقلها وقثائها .

* * * و " البقل " و " القثاء " و " العدس " و " البصل " , هو ما قد عرفه الناس بينهم من نبات الأرض وحبها .

* * * وأما " الفوم " , فإن أهل التأويل اختلفوا فيه .

فقال بعضهم: هو الحنطة والخبز.

* ذكر من قال ذلك: 1062 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد ومؤمل قالا حدثنا سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن عطاء قال: الفوم:، الخبز .

1063 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان , عن ابن جريج , عن عطاء ومجاهد قوله: (وفومها) قالا خبزها .

1064 - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ومحمد بن عمرو قالا حدثنا أبو عاصم , عن عيسى بن ميمون , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (وفومها)، قال: الخبز .

1065 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد , عن سعيد , عن قتادة والحسن: الفوم، هو الحب الذي يختبزه الناس .

1066 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر , عن قتادة والحسن بمثله .

1067 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين , عن أبي مالك في قوله: (وفومها) قال: الحنطة .

1068 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط بن نصر عن السدي: (وفومها)، الحنطة.

1069 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم , عن يونس , عن الحسن وحصين , عن أبي مالك في قوله: (وفومها)، الحنطة.

1070 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر الرازي , عن قتادة قال: الفوم، الحب الذي يختبز الناس منه .

1071 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج قال، قال لى عطاء بن أبي رياح قوله: (وفومها)، قال: خبزها، قالها مجاهد .

1072 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال لي ابن زيد: الفوم، الخبز.

1073 - حدثني يحيى بن عثمان السهمي قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس في قوله: (وفومها) يقول: الحنطة والخبز .

1074 - حُدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر , عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس في قوله: (وفومها) قال: هو البر بعينه، الحنطة.

1075 - حدثنا علي بن الحسن قال، حدثنا مسلم الجرمي قال، حدثنا عيسى بن يونس , عن رشدين بن كريب , عن أبيه , عن ابن عباس في قول الله عز وجل: (وفومها) قال: الفوم، الحنطة بلسان بني هاشم .

(48) 1076 - حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا عبد العزيز بن منصور , عن نافع بن أبي نعيم، أن عبد الله بن عباس سئل عن قول الله: (وفومها)، قال: الحنطة، أما سمعت قول أُحَيْحة بن الجُلاح وهو يقول: قـد كـنت أغنـى الناس شخصا واحدا وَرَد المدينــة عــن زراعـة فـوم (49) * * * وقال آخرون: هو الثوم .

* ذكر من قال ذلك: 1077 - حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك , عن ليث , عن مجاهد قال: هو هذا الثوم .

1078 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قال: الفوم، الثوم .

* * * وهو في بعض القراءات " وثومها " .

* * * وقد ذكر أن تسمية الحنطة والخبز جميعا " فوما " من اللغة القديمة .

حكي سماعا من أهل هذه اللغة: " فوموا لنا " , بمعنى اختبزوا لنا .

* * * وذكر أن ذلك قراءة عبد الله بن مسعود: " وثومها " بالثاء .

(50) فإن كان ذلك صحيحا، فإنه من الحروف المبدلة كقولهم: " وقعوا في عاثور شر: وعافور شر " وكقولهم "" للأثافي، أثاثي؛ وللمغافير، مغاثير وما أشبه ذلك مما تقلب الثاء فاء والفاء ثاء، لتقارب مخرج الفاء من مخرج الثاء.

و " المغافير " شبيه بالشيء الحلو، يشبه بالعسل، ينـزل من السماء حلوا، يقع على الشجر ونحوها.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ يعني بقوله: (قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير)، قال: لهم موسى: أتأخذون الذي هو أخس خطرا وقيمة وقدرا من العيش , بدلا بالذي هو خير منه خطرا وقيمة وقدرا؟

وذلك كان استبدالهم .

* * * وأصل " الاستبدال ": هو ترك شيء لآخر غيره مكان المتروك .

* * * ومعنى قوله: (أدنى) أخس وأوضع وأصغر قدرا وخطرا .

وأصله من قولهم: " هذا رجل دني بين الدناءة " و " إنه ليدنِّي في الأمور " بغير همز، إذا كان يتتبع خسيسها .

وقد ذكر الهمز عن بعض العرب في ذلك، سماعا منهم .

يقولون: ما كنتَ دانئا، ولقد دنأتَ ، (51) وأنشدني بعض أصحابنا عن غيره، أنه سمع بعض بني كلاب ينشد بيت الأعشى (52) &; 2-131 &; باســــلةُ الـــوقعِ ســـرابيلها بيــض إلــى دانِئِهــا الظــاهر (53) بهمز الدانئ , وأنه سمعهم يقولون: " إنه لدانئ خبيث " بالهمز .

(54) فإن كان ذلك عنهم صحيحا , فالهمز فيه لغة، وتركه أخرى .

* * * ولا شك أن من استبدل بالمن والسلوى البقل والقثاء والعدس والبصل والثوم , فقد استبدل الوضيع من العيش بالرفيع منه .

* * * وقد تأول بعضهم قوله: (الذي هو أدنى) بمعنى: الذي هو أقرب , ووجه قوله: (أدنى)، إلى أنه أفعل من " الدنو " الذي هو بمعنى القرب .

* * * وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: (الذي هو أدنى) قاله عدد من أهل التأويل في تأويله .

* ذكر من قال ذلك: 1079 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع , عن سعيد , عن قتادة قال: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير)، يقول: أتستبدلون الذي هو شر بالذي هو خير منه .

1080 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج &; 2-132 &; عن ابن جريج , عن مجاهد قوله: (الذي هو أدنى) قال: أردأ.

* * * القول في تأويل قوله تعالى ذكره اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وتأويل ذلك: فدعا موسى، فاستجبنا له , فقلنا لهم: " اهبطوا مصرا " ، وهو من المحذوف الذي اجتزئ بدلالة ظاهره على ذكر ما حذف وترك منه .

* * * وقد دللنا -فيما مضى- على أن معنى " الهبوط" إلى المكان، إنما هو النـزول إليه والحلول به .

(55) * * * فتأويل الآية إذا: وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد، فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها.

قال لهم موسى: أتستبدلون الذي هو أخس وأردأ من العيش، بالذي هو خير منه.

فدعا لهم موسى ربه أن يعطيهم ما سألوه , فاستجاب الله له دعاءه , فأعطاهم ما طلبوا , وقال الله لهم: (اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم) .

* * * ثم اختلف القَرَأَة في قراءة قوله (56) (مصرا) فقرأه عامة القَرَأَة: " مصرا " بتنوين " المصر " وإجرائه.

وقرأه بعضهم بترك التنوين وحذف الألف منه .

فأما الذين نونوه وأجروه , فإنهم عنوا به مصرا من الأمصار، لا مصرا بعينه .

فتأويله -على قراءتهم-: اهبطوا مصرا من الأمصار , لأنكم في البدو , والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي , وإنما يكون في القرى والأمصار , فإن لكم -إذا هبطتموه- ما سألتم من العيش .

وقد يجوز أن يكون بعض من قرأ ذلك &; 2-133 &; بالإجراء والتنوين , كان تأويل الكلام عنده: " اهبطوا مصرا " البلدة التي تعرف بهذا الاسم، وهي" مصر " التي خرجوا عنها .

غير أنه أجراها ونونها اتباعا منه خط المصحف , لأن في المصحف ألفا ثابتة في" مصر " , فيكون سبيل قراءته ذلك بالإجراء والتنوين، سبيل من قرأ: قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ [ الإنسان: 15-16] منونة اتباعا منه خط المصحف .

وأما الذي لم ينون مصر فإنه لا شك أنه عنى " مصر " التي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها.

(57) * * * وقد اختلف أهل التأويل في ذلك، نظير اختلاف القَرَأَة في قراءته .

1081 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع , عن سعيد , عن قتادة: (اهبطوا مصرا)، أي مصرا من الأمصار، فإن لكم ما سألتم.

1082 - وحدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط , عن السدي: (اهبطوا مصرا) من الأمصار , فإن لكم ما سألتم.

فلما خرجوا من التيه، رفع المن والسلوى وأكلوا البقول .

1083 - وحدثني المثنى قال، حدثني آدم قال، حدثنا أبو جعفر , عن قتادة في قوله: (اهبطوا مصرا) قال: يعني مصرا من الأمصار .

1084 - وحدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد: (اهبطوا مصرا) قال: مصرا من الأمصار .

زعموا أنهم لم يرجعوا إلى مصر.

1085- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (اهبطوا مصرا)، قال: مصرا من الأمصار .

و " مصر " لا تُجْرَى في الكلام.

فقيل: أي مصر.

فقال: الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، وقرأ قول الله جل ثناؤه: ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة: 21].

* * * &; 2-134 &; وقال آخرون: هي مصر التي كان فيها فرعون.

* ذكر من قال ذلك: 1086 - حدثني المثنى، حدثنا آدم , حدثنا أبو جعفر , عن الربيع , عن أبي العالية في قوله: (اهبطوا مصرا) قال: يعني به مصر فرعون .

1087 - حدثنا عن عمار بن الحسن , عن ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع مثله .

* * * ومن حجة من قال إن الله جل ثناؤه إنما عنى بقوله: (اهبطوا مصرا)، مصرا من الأمصار دون " مصر " فرعون بعينها -: أن الله جعل أرض الشام لبني إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر .

وإنما ابتلاهم بالتيه بامتناعهم على موسى في حرب الجبابرة، إذ قال لهم: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة: 21-24]، فحرم الله جل وعز على قائلي ذلك -فيما ذكر لنا- دخولها حتى هلكوا في التيه.

وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة , ثم أهبط ذريتهم الشأم , فأسكنهم الأرض المقدسة , وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع يوشع بن نون - بعد وفاة موسى بن عمران .

فرأينا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض المقدسة، ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها , فيجوز لنا أن نقرأ: " اهبطوا مصر " , ونتأوله أنه ردهم إليها .

قالوا: فإن احتج محتج بقول الله جل ثناؤه: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [ الشعراء: 57-59] قيل لهم: (58) فإن الله جل ثناؤه إنما أورثهم ذلك، فملكهم إياها ولم يردهم إليها , وجعل مساكنهم الشأم .

* * * وأما الذين قالوا: إن الله إنما عنى بقوله جل وعز: (اهبطوا مصرَ) مصرَ ؛ فإن من حجتهم التي احتجوا بها الآية التي قال فيها: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [ الشعراء: 57-59] وقوله: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ [ الدخان: 25-28]، قالوا: فأخبر الله جل ثناؤه أنه قد ورثهم ذلك وجعلها لهم , فلم يكونوا يرثونها ثم لا ينتفعون بها .

قالوا: ولا يكونون منتفعين بها إلا بمصير بعضهم إليها , وإلا فلا وجه للانتفاع بها، إن لم يصيروا، أو يصر بعضهم إليها .

قالوا: (59) وأخرى، أنها في قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود: " اهبطوا مصر " بغير ألف .

قالوا: ففي ذلك الدلالة البينة أنها " مصر " بعينها .

* * * قال أبوجعفر: والذي نقول به في ذلك أنه لا دلالة في كتاب الله على الصواب من هذين التأويلين , ولا خبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع مجيئه العذر.

وأهل التأويل متنازعون تأويله ، فأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: (60) إن موسى سأل ربه أن يعطي قومه ما سألوه من نبات الأرض - على ما بينه الله جل وعز في كتابه - وهم في الأرض تائهون , فاستجاب الله لموسى دعاءه , وأمره أن يهبط بمن معه من قومه &; 2-136 &; قرارا من الأرض التي تنبت لهم ما سأل لهم من ذلك , إذ كان الذي سألوه لا تنبته إلا القرى والأمصار، وأنه قد أعطاهم ذلك إذ صاروا إليه.

وجائز أن يكون ذلك القرار " مصر "، وجائز أن يكون " الشأم " .

فأما القراءة فإنها بالألف والتنوين: (اهبطوا مصرا) وهي القراءة التي لا يجوز عندي غيرها، لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين , واتفاق قراءة القَرَأَة على ذلك .

ولم يقرأ بترك التنوين فيه وإسقاط الألف منه، إلا من لا يجوز الاعتراض به على الحجة، (61) فيما جاءت به من القراءة مستفيضا بينهما.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ قال أبو جعفر: يعنى بقوله: (وضربت) أي فرضت .

ووضعت عليهم الذلة وألزموها .

من قول القائل: " ضرب الإمام الجزية على أهل الذمة " و " ضرب الرجل على عبده الخراج " يعني بذلك وضعه فألزمه إياه , ومن قولهم: " ضرب الأمير على الجيش البعث " , يراد به: ألزمهموه .

(62) * * * وأما " الذلة " فهي" الفعلة " من قول القائل: ذل فلان يذل ذلا وذلة ، كـ " الصغرة " من " صغُر الأمر " , و " القِعدة " من " قعد ".

(63) و " الذلة " هي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عباده المؤمنين أن لا يعطوهم أمانا على القرار على ما هم عليه من كفرهم به وبرسوله - إلا أن يبذلوا الجزية عليه لهم , فقال عز وجل: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ &; 2-137 &; [ التوبة: 29] كما:- 1088 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر , عن الحسن وقتادة في قوله: (وضربت عليهم الذلة)، قالا يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون .

* * * وأما " المسكنة " فإنها مصدر " المسكين " .

يقال: " ما فيهم أسكن من فلان " (64) و " ما كان مسكينا " و " لقد تمسكن مسكنة ".

ومن العرب من يقول: " تمسكن تمسكنا ".

و " المسكنة " في هذا الموضع مسكنة الفاقة والحاجة , وهي خشوعها وذلها ، كما:- 1089 - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر , عن الربيع , عن أبي العالية في قوله: (والمسكنة) قال: الفاقة.

1090 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط , عن السدي قوله: (وضربت عليهم الذلة والمسكنة)، قال: الفقر.

1091 - وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وضربت عليهم الذلة والمسكنة)، قال: هؤلاء يهود بني إسرائيل .

قلت له: هم قبط مصر؟

قال: وما لقبط مصر وهذا، لا والله ما هم هم , ولكنهم اليهود، يهود بني إسرائيل.

* * * فأخبرهم الله جل ثناؤه أنه يبدلهم بالعز ذلا وبالنعمة بؤسا , وبالرضا عنهم غضبا , جزاء منه لهم على كفرهم بآياته، وقتلهم أنبياءه ورسله، اعتداء وظلما منهم بغير حق , وعصيانهم له , وخلافا عليه .

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ قال أبو جعفر: يعني بقوله: (وباءوا بغضب من الله)، انصرفوا ورجعوا .

ولا يقال " باؤوا " إلا موصولا إما بخير، وإما بشر .

يقال منه: " باء فلان بذنبه يبوء به بوءا وبواء " .

ومنه قول الله عز وجل إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [ المائدة : 29] يعني: تنصرف متحملهما وترجع بهما، قد صارا عليك دوني .

* * * فمعنى الكلام إذا: ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله , قد صار عليهم من الله غضب , ووجب عليهم منه سخط .

كما:- 1092 - حُدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله: (وباؤوا بغضب من الله) فحدث عليهم غضب من الله .

1093 - حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله: (وباؤوا بغضب من الله) قال: استحقوا الغضب من الله .

* * * وقدمنا معنى غضب الله على عبده فيما مضى من كتابنا هذا , فأغنى عن إعادته في هذا الموضع .

(65) * * * &; 2-139 &; القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ذلك " ضرب الذلة والمسكنة عليهم , وإحلاله غضبه بهم .

فدل بقوله: " ذلك " - وهي يعني به ما وصفنا - على أن قول القائل: " ذلك " يشمل المعاني الكثيرة إذا أشير به إليها.

* * * ويعني بقوله: (بأنهم كانوا يكفرون) ، من أجل أنهم كانوا يكفرون .

يقول: فعلنا بهم -من إحلال الذل والمسكنة والسخط بهم- من أجل أنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق , كما قال أعشى بني ثعلبة: مليكيـــةٌ جَـــاوَرَتْ بالحجـــا ز قومـــا عـــداة وأرضــا شــطيرا (66) بمــا قــد تَــرَبَّع روض القطـا وروض التنــاضِب حــتى تصــــيرا (67) يعني بذلك: جاورت بهذا المكان، هذه المرأة، قوما عداة وأرضا بعيدة من أهله - لمكان قربها كان منه ومن قومه وبلده - (68) من تربعها روض القطا وروض التناضب .

فكذلك قوله: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) يقول: كان ذلك منا بكفرهم بآياتنا , وجزاء لهم بقتلهم أنبياءنا .

* * * وقد بينا فيما مضى من كتابنا أن معنى " الكفر ": تغطية الشيء وستره، (69) وأن "آيات الله " حججه وأعلامه وأدلته على توحيده وصدق رسله .

(70) فمعنى الكلام إذا: فعلنا بهم ذلك، من أجل أنهم كانوا يجحدون حجج الله على توحيده وتصديق رسله، ويدفعون حقيتها , ويكذبون بها.

* * * ويعني بقوله: (ويقتلون النبيين بغير الحق) : ويقتلون رسل الله الذين ابتعثهم -لإنباء ما أرسلهم به عنه- لمن أرسلوا إليه.

* * * وهم جماع، وأحدهم " نبي" , غير مهموز , وأصله الهمز , لأنه من " أنبأ عن الله فهو ينبئ عنه إنباء "، وإنما الاسم منه،" منبئ" ولكنه صرف وهو " مفعل " إلى " فعيل " , كما صرف " سميع " إلى " فعيل " من " مسمع " , و " بصير " من " مبصر " , وأشباه ذلك , (71) وأبدل مكان الهمزة من " النبيء " الياء , فقيل: " نبي" .

هذا ويجمع " النبي" أيضا على " أنبياء " , وإنما جمعوه كذلك، لإلحاقهم " النبيء "، بإبدال الهمزة منه ياء، بالنعوت التي تأتي على تقدير " فعيل " من ذوات الياء والواو .

وذلك أنهم إذا جمعوا ما كان من النعوت على تقدير " فعيل " من ذوات الياء والواو، جمعوه على " أفعلاء " كقولهم: " ولي وأولياء " ، و " وصي وأوصياء " &; 2-141 &; ، و " دعى وأدعياء " .

ولو جمعوه على أصله الذي هو أصله ، وعلى أن الواحد " نبيء " مهموز، لجمعوه على " فعلاء " , فقيل لهم " النبآء " , على مثال " النبهاء " , (72) لأن ذلك جمع ما كان على فعيل من غير ذوات الياء والواو من النعوت، كجمعهم الشريك شركاء , والعليم علماء ، والحكيم حكماء , وما أشبه ذلك .

وقد حكي سماعا من العرب في جمع " النبي"" النبآء " , وذلك من لغة الذين يهمزون " النبيء " , ثم يجمعونه على " النبآء " - على ما قد بينت .

ومن ذلك قول عباس بن مرداس في مدح النبي صلى الله عليه وسلم .

يــا خــاتم النبـآء إنـك مرسـل بـــالخير كـــلُّ هــدى الســبيل هداكــا (73) فقال : " يا خاتم النبآء " , على أن واحدهم " نبيء " مهموز .

وقد قال بعضهم: (74) " النبي" و " النبوة " غير مهموز ، لأنهما مأخوذان من " النَّبْوَة " , وهي مثل " النَّجْوَة " , وهو المكان المرتفع ، وكان يقول: إن أصل " النبي" الطريق , ويستشهد على ذلك ببيت القطامي: لمــا وردن نَبِيَّــا واســتَتَبّ بهـا مُسْــحَنْفِر كخـطوط السَّـيْح مُنْسَـحِل (75) &; 2-142 &; يقول: إنما سمى الطريق " نبيا " , لأنه ظاهر مستبين، من " النَّبوة " .

ويقول: لم أسمع أحدا يهمز " النبي" .

قال .

وقد ذكرنا ما في ذلك، وبينا ما فيه الكفاية إن شاء الله.

* * * ويعني بقوله: (ويقتلون النبيين بغير الحق ) ، أنهم كانوا يقتلون رسل الله، بغير إذن الله لهم بقتلهم، منكرين رسالتهم، جاحدين نبوتهم.

* * * القول في تأويل قوله تعالى ذكره ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) وقوله: (ذلك)، رد على ذَلِكَ الأولى.

ومعنى الكلام: وضربت عليهم الذلة والمسكنة, وباؤوا بغضب من الله من أجل كفرهم بآيات الله, وقتلهم النبيين بغير الحق, من أجل عصيانهم ربهم , واعتدائهم حدوده، فقال جل ثناؤه.(ذلك بما عصوا)، والمعنى: ذلك بعصيانهم وكفرهم معتدين.

* * * و " الاعتداء "، تجاوز الحد الذي حده الله لعباده إلى غيره.

وكل متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه.

ومعنى الكلام: فعلت بهم ما فعلت من ذلك، بما عصوا أمري, وتجاوزوا حدي إلى ما نهيتهم عنه.

* * * --------------------------- الهوامش : (46) انظر ما مضى في هذا الجزء 2 : 11 (47) في المطبوعة : "على ما وصفنا من أمر من ذكرنا" ، و"ذكرنا" زائدة ولا شك ، كما تبين من سياق كلامه السالف والآتي .

(48) الحديث : 1075 - مسلم الجرمي : سبق أن رجحنا في : 154 ، 649 ، 846 أنه"الجرمي" بالجيم .

وقد ثبت هنا في المطبوعة بالجيم على ما رجحنا .

رشدين - بكسر الراء وسكون الشين المعجمعة وكسر الدال المهملة - بن كريب : ضعيف ، بينا القول في ضعفه في شرح المسند : 2571 .

وأبوه ، كريب بن أبي مسلم : تابعي ثقة .

(49) الحديث: 1076 - عبد الرحمن بن عبد الحكم المصري: ثقة، كان من أهل الحديث عالما بالتواريخ، صنف تاريخ مصر وغيره، كما في التهذيب، مات سنة 257.

وهو مؤلف كتاب (فتوح مصر) المطبوع في أوربة.

شيخه عبد العزيز بن منصور: لم أجد له ذكرا فيما بين يدي من المراجع، إلا في فتوح مصر، ص 40 س 7 - 8 قال ابن عبد الحكم هناك:"حدثنا عبد العزيز بن منصور اليحصبى، عن عاصم بن حكيم.." وشيخه، نافع: هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني، أحد القراء السبعة المعروفين وهو لم يدرك ابن عباس، إنما يروي عن التابعين، وله ترجمة في التهذيب، والكبير للبخاري 4 / 2 / 8، وابن أبي حاتم 4 / 1 /456 - 457، وتاريخ إصبهان لأبي نعيم 2: 326 - 327.

والبيت في اللسان (فوم)، ونسبه لأبي محجن الثقفي، أنشده الأخفش له، وروايته: قـد كـنت أحسـبني كـأغنى واحـد نــــــزل المدينـــــة .

.

.

وفي الروض الأنف 2 : 45 نسبه لأحيحة ، أو لأبي محجن ، ورواه"سكن المدينة" .

(50) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 41 (51) هذا كله من قول الفراء في معاني القرآن 1 : 42 .

وكان في المطبوعة"ما كنت دنيا" ، والصواب ما أثبته من كتاب الفراء .

(52) الذي سمع هذا هو الفراء .

انظر معاني القرآن له 1 : 42 ، والطبري يجهله دائما (53) ديوانه : 108 ، وروايته"إلى جانبه الظاهر" .

يصف حصنا .

قال قبل : فـــي مجـــدل شــيد بنيانــه يـــزل عنــه ظفــر الطــائر يجــمع خــضراء لهــا ســورة تعصـــف بــالدارع والحاســر باســــلة الــــوقع .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

والضمير في قوله:"سرابيلها" راجع إلى"خضراء" يقال: كتيبة خضراء، وهي التي غلب عليها لبس الحديد وعلاها سواده، والخضرة سواد عندهم.

والسرابيل هنا: الدروع، جمع سربال: وهو كل ما لبس كالدرع وغيره.

وقال الفراء:"يعني الدروع على خاصتها - يعني الكتيبة - إلى الخسيس منها".

كأنه أراد: يلبسون الدروع من شريف إلى خسيس.

وأما رواية الديوان: فالضمير في"جانبه"، راجع إلى"المجدل" وهي أبين الروايتين معنى وأصحهما.

(54) في معاني الفراء زيادة بين قوسين من بعض النسخ : [إذا كان ماجنا] (55) انظر ما مضى 1 : 534 .

(56) في المطبوعة : "الفراء" ، ورددناها إلى الذي جرى عليه لفظ الطبري فيما سلف ، في كل المواضع التي جروا على تبديلها من"قرأة" ، إلى"قراء" .

(57) انظر ما قاله الفراء في معاني القرآن 1 : 42 - 43 .

(58) في المطبوعة : "قيل لهم" ، وهو خطأ .

والضمير في"له" راجع إلى قوله : "فإن احتج محتج" .

(59) قوله : "وأخرى" ، أي وحجة أخرى .

وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 43 (60) في المطبوعة : "عندنا والصواب" ، وهو سهو ناسخ .

(61) الحجة هنا : الذين يحتج بهم .

(62) البعث : بعث الجند إلى الغزو .

(63) لم أجد فيما بين يدي من الكتب من نص على صِغرة فرة" و"قعدة" مصدر على فعلة مثل : نشد الدابة نِشدة ، ليس للهيئة ، وإن وافقها في الوزن .

(64) قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن : 42 ، وفسره فقال : "أي أفقر منه" .

(65) انظر ما سلف 1 : 188 - 189 .

(66) ديوانه : 67 .

مليكية ، منسوبة إلى"المليك" : وهو الملك ، يعني من نبات الملوك .

العداة ، جمع عاد ، وهو العدو .

الشطير : البعيد ، والغريب ، أراد أنها في أرض مجهولة .

وذكره الأرض في هذا البيت .

يعني أنها نزلت ديار قوم نشبت العداوة بيننا وبينهم ، في غربة بعيدة .

فصرت لا أقدر عليها .

(67) قوله"بما" بمعنى بسبب تربعها وتربع القوم المكان وارتبعوه : أقاموا فيه في زمن الربيع .

وروض القطا ، من أشهر رياض العرب ، في أرض الحجاز .

وروض التناضب أيضًا بالحجاز عند سرف .

وقوله : "حتى تصيرا" ، من قولهم صار الرجل يصير فهو صائر : إذا حضر الماء ، والقوم الذين يحضرون الماء يقال لهم : الصائرة .

والصير (بكسر الصاد) الماء الذي يحضره الناس .

يقول : اغتربت في غير قومها ، لما دفعها إلى ذلك طلب الربيع والخصب ومساقط الماء في البلاد .

(68) كانت هذه الجملة في المخطوطات والمطبوعة هكذا : "وأرضا بعيدة من أهله بمكان قربها كان منه ومن قومه وبدلا من تربعها .

.

" ، وهو كلام لا معنى له .

وقد جعلت"بمكان" ، "لمكان" و"بدلا" ، "بلده" .

فصار لها معنى تطمئن إليه النفس والجملة بين الخطين اعتراض ، وتفسير لقوله : " أرضا بعيدة من أهله" .

(69) انظر ما سلف 1 : 255 .

(70) انظر ما سلف 1 : 552 .

(71) كان في المطبوعة : "مفعل" مكان"مسمع" .

وليس يعني بقوله"سميع" ، صفة الله عز وجل ، بل يعني ما جاء في شعر عمرو بن معد يكرب .

أَمِــنْ رَيْحَانَــةَ الـدَّاعِي السَّـمِيعُ ? يُـــؤَرِّقُنِي وَأَصْحَــابِي هُجُــوعُ أي: الداعي المسمع.

وانظر ما سلف 1: 283 .

(72) في المطبعة : "النبعاء" وفي المخطوطات"النبآء" .

(73) من أبيات له في سيرة ابن هشام 4 : 103 وغيرها .

والضمير الفاعل في قول"هداكا" ، لله سبحانه وتعالى ، دل عليه ما في قوله"إنك مرسل بالخير" ، فإن الله هو الذي أرسله .

وهو مضبوط في أكثر الكتب"كل" بالرفع ، و"هدى" ، و"هداكا" بضم الهاء .

(74) كأنه يريد الكسائي (البحر المحيط 1 : 220) .

ووجدت في معجم البلدان 8 : 249"وقال أبو بكر بن الأنباري في"الزاهر" في قول القطامي .

.

إن النبي في هذا البيت هو الطريق" ، وليس يعنيه أبو جعفر ، فإن أبا بكر قد ولد سنة 271 وتوفى 328 .

وقد رد هذا القول أبو القاسم الزجاج - فيما نقل ياقوت - فقال : "كيف يكون ذلك من أسماء الطريق ، وهو يقول : "لما وردن نبيا" ، وقد كانت قبل وروده على الطريق؟

فكأنه قال : "لما وردن طريقا" ، وهذا لا معنى له ، إلا أن يكون أراد طريقا بعينه في مكان مخصوص ، فيرجع إلى أنه اسم مكان بعينه ، قيل : هو رمل بعينه ، وقيل : هو اسم جبل" .

وانظر تحقيق ذلك في معجم البلدان ، ومعجم ما استعجم ، وغيرهما .

(75) ديوان : 4 ، في قصيدته الجيدة المشهورة ، والضمير في"وردن" للإبل ذكرها قبل .

وروايته"واستتب بنا" .

نبي كثيب رمل مرتفع في ديار بني تغلب ، ذكره القطامي في كثير من شعره .

واستتب الأمر والطريق : استوى واستقام وتبين واطراد وامتد .

مسحنفر ، صفة للطريق : واسع ممتد ذاهب بين .

والسبح : ضرب من البرود أو العباء مخطط ، يلبس ، أو يستتر به ويفرش .

شبه آثار السير عليها بخطوط البرد .

وسجلت الريح الأرض فانسحلت : كشطت ما عليها .

ووصف الطريق بذلك ، لأنه قد استتب بالسير وصار لاحبا واضحا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدونقوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد كان هذا القول منهم في التيه حين ملوا المن والسلوى وتذكروا عيشهم الأول بمصر ، قال الحسن : كانوا نتانى أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى عكرهم عكر السوء واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم ، فقالوا : لن نصبر على طعام واحد ، وكنوا عن المن والسلوى بطعام واحد وهما اثنان ؛ لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر ، فلذلك قالوا : طعام واحد ، وقيل : لتكرارهما في كل يوم غذاء كما تقول لمن يداوم على الصوم والصلاة والقراءة هو على أمر واحد لملازمته لذلك ، وقيل : المعنى لن نصبر على الغنى فيكون جميعنا أغنياء فلا يقدر بعضنا على الاستعانة ببعض لاستغناء كل واحد منا بنفسه ، وكذلك كانوا ، فهم أول من اتخذ العبيد والخدم .قوله تعالى : على طعام الطعام يطلق على ما يطعم ويشرب ، قال الله تعالى : ومن لم يطعمه فإنه مني وقال : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا أي : ما شربوه من الخمر على - ما يأتي بيانه - وإن كان السلوى العسل كما حكى المؤرج فهو مشروب أيضا وربما خص بالطعام البر والتمر كما في حديث أبي سعيد الخدري قال : كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من شعير [ ص: 396 ] الحديث .

والعرف جار بأن القائل : ذهبت إلى سوق الطعام ، فليس يفهم منه إلا موضع بيعه دون غيره مما يؤكل أو يشرب ، والطعم ( بالفتح ) هو ما يؤديه الذوق ، يقال : طعمه مر والطعم أيضا ما يشتهى منه ، يقال : ليس له طعم ، وما فلان بذي طعم إذا كان غثا والطعم ( بالضم ) الطعام ، قال أبو خراش :أرد شجاع البطن لو تعلمينه وأوثر غيري من عيالك بالطعم وأغتبق الماء القراح فأنتهيإذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعمأراد بالأول الطعام وبالثاني ما يشتهى منه ، وقد طعم يطعم فهو طاعم إذا أكل وذاق ، ومنه قوله تعالى : ومن لم يطعمه فإنه مني أي : من لم يذقه ، وقال : فإذا طعمتم فانتشروا أي : أكلتم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمزم : إنها طعام طعم وشفاء سقم واستطعمني فلان الحديث إذا أراد أن تحدثه ، وفي الحديث : إذا استطعمكم الإمام فأطعموه يقول إذا استفتح فافتحوا عليه ، وفلان ما يطعم النوم إلا قائما ، وقال الشاعر :نعاما بوجرة صفر الخدو د ما تطعم النوم إلا صياماقوله تعالى : واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض لغة بني عامر " فادع " بكسر العين لالتقاء الساكنين يجرون المعتل مجرى الصحيح ولا يراعون المحذوف ، و " يخرج " مجزوم على معنى : سله وقل له أخرج يخرج ، وقيل : هو على معنى الدعاء على تقدير حذف اللام وضعفه الزجاج و " من " في قوله : " مما " زائدة في قول الأخفش وغير زائدة في قول سيبويه ؛ لأن الكلام موجب ، قال النحاس : وإنما دعا الأخفش إلى هذا ؛ لأنه لم يجد مفعولا ل " يخرج " فأراد أن يجعل " ما " مفعولا ، والأولى أن يكون المفعول محذوفا دل عليه سائر الكلام ، التقدير : يخرج لنا مما تنبت الأرض مأكولا ، ف " من " الأولى على هذا للتبعيض ، والثانية للتخصيص ." من بقلها " بدل من " ما " بإعادة الحرف .

و " قثائها " عطف عليه ، وكذا ما بعده فاعلمه ، والقثاء أيضا معروف وقد تضم قافه وهي قراءة يحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف ، لغتان ، والكسر أكثر ، وقيل في جمع قثاء : قثائي مثل علباء وعلابي إلا أن قثاء من ذوات الواو ، تقول : أقثأت القوم أي : أطعمتهم ذلك .[ ص: 397 ] وفثأت القدر سكنت غليانها بالماء ، قال الجعدي :تفور علينا قدرهم فنديمها ونفثؤها عنا إذا حميها غلاوفثأت الرجل إذا كسرته عنك بقول أو غيره وسكنت غضبه ، وعدا حتى أفثأ أي : أعيا وانبهر وأفثأ الحر أي : سكن وفتر ومن أمثالهم في اليسير من البر قولهم إن الرثيئة تفثأ في الغضب ، وأصله أن رجلا كان غضب على قوم ، وكان مع غضبه جائعا فسقوه رثيئة فسكن غضبه وكف عنهم .

الرثيئة اللبن المحلوب على الحامض ليخثر ، رثأت اللبن رثأ إذا حلبته على حامض فخثر ، والاسم الرثيئة وارتثأ اللبن خثر .وروى ابن ماجه ، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا يونس بن بكير ، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كانت أمي تعالجني للسمنة تريد أن تدخلني على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما استقام لها ذلك حتى أكلت القثاء بالرطب فسمنت كأحسن سمنة وهذا إسناد صحيحقوله تعالى : " وفومها " اختلف في الفوم ، فقيل : هو الثوم ؛ لأنه المشاكل للبصل ، رواه جويبر عن الضحاك والثاء تبدل من الفاء كما قالوا : مغافير ومغاثير ، وجدث وجدف للقبر ، وقرأ ابن مسعود " ثومها " بالثاء المثلثة ، وروي ذلك عن ابن عباس وقال أمية بن أبي الصلت :كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة فيها الفراديس والفومان والبصلالفراديس واحدها فرديس وكرم مفردس أي : معرش .وقال حسان :وأنتم أناس لئام الأصول طعامكم الفوم والحوقليعني الثوم والبصل وهو قول الكسائي والنضر بن شميل وقيل : الفوم الحنطة روي عن ابن عباس - أيضا - وأكثر المفسرين ، واختاره النحاس قال : وهو أولى ، ومن قال به أعلى وأسانيده صحاح ، وليس جويبر بنظير لروايته وإن كان الكسائي والفراء قد اختارا القول الأول لإبدال العرب الفاء من الثاء ، والإبدال لا يقاس عليه وليس ذلك بكثير في كلام العرب ، وأنشد ابن عباس - لمن سأله عن الفوم وأنه الحنطة - قول أحيحة بن الجلاح : [ ص: 398 ]قد كنت أغنى الناس شخصا واجدا ورد المدينة عن زراعة فوموقال أبو إسحاق الزجاج : وكيف يطلب القوم طعاما لا بر فيه والبر أصل الغذاء ، وقال الجوهري أبو نصر : الفوم الحنطة وأنشد الأخفش :قد كنت أحسبني كأغنى واجد نزل المدينة عن زراعة فوموقال ابن دريد الفومة السنبلة وأنشد :وقال ربيئهم لما أتانا بكفه فومة أو فومتانوالهاء في " كفه " غير مشبعة ، وقال بعضهم : الفوم الحمص - لغة شامية - وبائعه فامي مغير عن فومي ؛ لأنهم قد يغيرون في النسب ، كما قالوا : سهلي ودهري .

ويقال : فوموا لنا أي : اختبزوا .

قال الفراء : هي لغة قديمة .

وقال عطاء وقتادة : الفوم كل حب يختبز .مسألة : اختلف العلماء في أكل البصل والثوم وما له رائحة كريهة من سائر البقول ، فذهب جمهور العلماء إلى إباحة ذلك ، للأحاديث الثابتة في ذلك وذهبت طائفة من أهل الظاهر القائلين بوجوب الصلاة في الجماعة فرضا إلى المنع ، وقالوا : كل ما منع من إتيان الفرض والقيام به فحرام عمله والتشاغل به .

واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها خبيثة ، والله عز وجل قد وصف نبيه عليه السلام بأنه يحرم الخبائث .

ومن الحجة للجمهور ما ثبت عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي ببدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحا ، قال : فأخبر بما فيها من البقول ، فقال ( قربوها ) إلى بعض أصحابه كان معه ، فلما رآه كره أكلها ، قال : كل فإني أناجي من لا تناجي .

أخرجه مسلم وأبو داود .

فهذا بين في الخصوص له والإباحة لغيره .

وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل على أبي أيوب ، فصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما فيه [ ص: 399 ] ثوم ، فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل له : لم يأكل ففزع وصعد إليه فقال : أحرام هو ؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ولكني أكرهه ) .

قال فإني أكره ما تكره أو ما كرهت ، قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى ( يعني يأتيه الوحي ) فهذا نص على عدم التحريم .

وكذلك ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أكلوا الثوم زمن خيبر وفتحها : أيها الناس ، إنه ليس لي تحريم ما أحل الله ولكنها شجرة أكره ريحها فهذه الأحاديث تشعر بأن الحكم خاص به ، إذ هو المخصوص بمناجاة الملك .

لكن قد علمنا هذا الحكم في حديثجابر بما يقتضي التسوية بينه وبين غيره في هذا الحكم حيث قال : من أكل من هذه البقلة الثوم ، وقال مرة من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا ؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث فيه طول : إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين ، هذا البصل والثوم .

ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع ، فمن أكلهما فليمتهما طبخا .

خرجه مسلم .قوله تعالى : وعدسها وبصلها العدس معروف .

والعدسة : بثرة تخرج بالإنسان ، وربما قتلت وعدس : زجر للبغال ، قال [ يزيد بن مفرغ ] :عدس ما لعباد عليك إمارة نجوت وهذا تحملين طليقوالعدس : شدة الوطء ، والكدح أيضا ، يقال : عدسه .

وعدس في الأرض : ذهب فيها .

وعدست إليه المنية أي : سارت ، قال الكميت :أكلفها هول الظلام ولم أزل أخا الليل معدوسا إلي وعادساأي : يسار إلي بالليل .

وعدس : لغة في حدس ، قاله الجوهري .

ويؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث علي أنه قال : عليكم بالعدس فإنه مبارك مقدس ، وإنه يرق القلب ويكثر الدمعة ، فإنه بارك فيه سبعون نبيا آخرهم عيسى ابن مريم ، ذكره الثعلبي وغيره .

وكان عمر بن عبد العزيز يأكل يوما خبزا بزيت ، ويوما بلحم ، ويوما بعدس .

قال الحليمي : والعدس والزيت طعام الصالحين ، [ ص: 400 ] ولو لم يكن له فضيلة إلا أنه ضيافة إبراهيم عليه السلام في مدينته لا تخلو منه لكان فيه كفاية .

وهو مما يخفف البدن فيخف للعبادة ، لا تثور منه الشهوات كما تثور من اللحم .

والحنطة من جملة الحبوب ، وهي الفوم على الصحيح ، والشعير قريب منها وكان طعام أهل المدينة ، كما كان العدس من طعام قرية إبراهيم عليه السلام ، فصار لكل واحد من الحبتين بأحد النبيين عليهما السلام فضيلة ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشبع هو وأهله من خبز بر ثلاثة أيام متتابعة منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله عز وجلقوله تعالى : قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير الاستبدال : وضع الشيء موضع الآخر ، ومنه البدل ، وقد تقدم .

وأدنى مأخوذ عند الزجاج من الدنو أي : القرب في القيمة ، من قولهم : ثوب مقارب ، أي : قليل الثمن .

وقال علي بن سليمان : هو مهموز من الدنيء البين الدناءة بمعنى الأخس ، إلا أنه خفف همزته .

وقيل : هو مأخوذ من الدون أي : الأحط ، فأصله أدون ، أفعل ، قلب فجاء أفلع ، وحولت الواو ألفا لتطرفها .

وقرئ في الشواذ أدنى .

ومعنى الآية : أتستبدلون البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل الذي هو أدنى بالمن والسلوى الذي هو خير .واختلف في الوجوه التي توجب فضل المن والسلوى على الشيء الذي طلبوه وهي خمسة :الأول : أن البقول لما كانت لا خطر لها بالنسبة إلى المن والسلوى كانا أفضل ، قاله الزجاج .الثاني : لما كان المن والسلوى طعاما من الله به عليهم وأمرهم بأكله وكان في استدامة أمر الله وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة ، والذي طلبوه عار من هذه الخصائل - كان أدنى في هذا الوجه .الثالث : لما كان ما من الله به عليهم أطيب وألذ من الذي سألوه ، كان ما سألوه أدنى من هذا الوجه لا محالة .الرابع : لما كان ما أعطوا لا كلفة فيه ولا تعب ، والذي طلبوه لا يجيء إلا بالحرث والزراعة والتعب - كان أدنى .[ ص: 401 ] الخامس : لما كان ما ينزل عليهم لا مرية في حله وخلوصه لنزوله من عند الله ، والحبوب والأرض يتخللها البيوع والغصوب وتدخلها الشبه ، كانت أدنى من هذا الوجه .مسألة : في هذه الآية دليل على جواز أكل الطيبات والمطاعم المستلذات ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل ، ويشرب الماء البارد العذب ، وسيأتي هذا المعنى في " المائدة " و " النحل " إن شاء الله مستوفى .قوله تعالى : اهبطوا مصرا تقدم معنى الهبوط ، وهذا أمر معناه التعجيز ، كقوله تعالى : قل كونوا حجارة أو حديدا لأنهم كانوا في التيه وهذا عقوبة لهم .

وقيل : إنهم أعطوا ما طلبوه .

و " مصرا " - بالتنوين منكرا - قراءة الجمهور ، وهو خط المصحف ، قال مجاهد وغيره : فمن صرفها أراد مصرا من الأمصار غير معين .

وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله : اهبطوا مصرا قال : مصرا من هذه الأمصار .

وقالت طائفة ممن صرفها أيضا : أراد مصر فرعون بعينها .

استدل الأولون بما اقتضاه ظاهر القرآن من أمرهم دخول القرية ، وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه .

واستدل الآخرون بما في القرآن من أن الله أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون وآثارهم ، وأجازوا صرفها .

قال الأخفش والكسائي : لخفتها وشبهها بهند ودعد ، وأنشد :لم تتلفع بفضل مئزرها دعد ولم تسق دعد في العلبفجمع بين اللغتين .

وسيبويه والخليل والفراء لا يجيزون هذا ؛ لأنك لو سميت امرأة بزيد لم تصرف .

وقال غير الأخفش : أراد المكان فصرف .

وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وطلحة : " مصر " بترك الصرف .

وكذلك هي في مصحف أبي بن كعب وقراءة ابن مسعود .

وقالوا : هي مصر فرعون .

قال أشهب قال لي مالك : هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون ، ذكره ابن عطية والمصر أصله في اللغة الحد .

ومصر الدار : حدودها .

قال ابن فارس ويقال : [ ص: 402 ] إن أهل هجر يكتبون في شروطهم " اشترى فلان الدار بمصورها " أي : حدودها ، قال عدي :وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به بين النهار وبين الليل قد فصلاقوله تعالى : فإن لكم ما سألتم " ما " نصب بإن ، وقرأ ابن وثاب والنخعي سألتم بكسر السين ، يقال : سألت وسلت بغير همز .

وهو من ذوات الواو ، بدليل قولهم : يتساولان .ومعنى وضربت عليهم الذلة والمسكنة أي : ألزموهما وقضي عليهم بهما ، مأخوذ من ضرب القباب ، قال الفرزدق في جرير :ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزلوضرب الحاكم على اليد ، أي : حمل وألزم .

والذلة : الذل والصغار .

والمسكنة : الفقر .

فلا يوجد يهودي ، وإن كان غنيا خاليا من زي الفقر وخضوعه ومهانته .

وقيل : الذلة فرض الجزية عن الحسن وقتادة .

والمسكنة الخضوع ، وهي مأخوذة من السكون ، أي : قلل الفقر حركته ، قاله الزجاج .

وقال أبو عبيدة : الذلة الصغار .

والمسكنة مصدر المسكين .

وروى الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس : وضربت عليهم الذلة والمسكنة قال : هم أصحاب القبالات .قوله تعالى : وباءوا أي : انقلبوا ورجعوا ، أي : لزمهم ذلك .

ومنه قوله عليه السلام في دعائه ومناجاته : ( أبوء بنعمتك علي ) أي : أقر بها وألزمها نفسي .

وأصله في اللغة : الرجوع ، يقال : باء بكذا ، أي : رجع به ، وباء إلى المباءة وهي المنزل أي : رجع .

والبواء : الرجوع بالقود .

وهم في هذا الأمر بواء ، أي : سواء ، يرجعون فيه إلى معنى واحد .

وقال الشاعر :ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي محارمنا لا يبؤؤ الدم بالدمأي : لا يرجع الدم بالدم في القود .

وقال :فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأبنا بالملوك مصفديناأي : رجعوا ورجعنا .

وقد تقدم معنى الغضب في الفاتحة .قوله تعالى : ذلك ( ذلك ) تعليل .

بأنهم كانوا يكفرون أي : يكذبون بآيات الله أي : بكتابه ومعجزات أنبيائه ، كعيسى ويحيى وزكريا ومحمد عليهم السلام .

ويقتلون النبيين معطوف على يكفرون .

وروي عن الحسن " يقتلون " وعنه أيضا كالجماعة .

وقرأ نافع " النبيئين " بالهمز حيث وقع في القرآن إلا في موضعين : في سورة الأحزاب : [ ص: 403 ] إن وهبت نفسها للنبي إن أراد .

و لا تدخلوا بيوت النبي إلا فإنه قرأ بلا مد ولا همز .

وإنما ترك همز هذين لاجتماع همزتين مكسورتين .

وترك الهمز في جميع ذلك الباقون .

فأما من همز فهو عنده من أنبأ إذا أخبر ، واسم فاعله منبئ .

ويجمع نبيء أنبياء ، وقد جاء في جمع نبي نبآء ، قال العباس بن مرداس السلمي يمدح النبي صلى الله عليه وسلم :يا خاتم النبآء إنك مرسل بالحق كل هدى السبيل هداكاهذا معنى قراءة الهمز .

واختلف القائلون بترك الهمز ، فمنهم من اشتق اشتقاق من همز ، ثم سهل الهمز .

ومنهم من قال : هو مشتق من نبا ينبو إذا ظهر .

فالنبي من النبوة وهو الارتفاع ، فمنزلة النبي رفيعة .

والنبي بترك الهمز أيضا الطريق ، فسمي الرسول نبيا لاهتداء الخلق به كالطريق ، قال الشاعر [ أوس بن حجر ] :لأصبح رتما دقاق الحصى مكان النبي من الكاثبرتمت الشيء : كسرته ، يقال : رتم أنفه ورثمه ، بالتاء والثاء جميعا .

والرتم أيضا المرتوم أي : المكسور .

والكاثب اسم جبل .

فالأنبياء لنا كالسبل في الأرض .

ويروى أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : السلام عليك يا نبيء الله ، وهمز .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لست بنبيء الله - وهمز - ولكني نبي الله ولم يهمز .

قال أبو علي : ضعف سند هذا الحديث ، ومما يقوي ضعفه أنه عليه السلام قد أنشده المادح : يا خاتم النبآء .

.

.

ولم يؤثر في ذلك إنكار .قوله تعالى : بغير الحق تعظيم للشنعة والذنب الذي أتوه .فإن قيل : هذا دليل على أنه قد يصح أن يقتلوا بالحق ، ومعلوم أن الأنبياء معصومون من أن يصدر منهم ما يقتلون به .

قيل له : ليس كذلك ، وإنما خرج هذا مخرج الصفة لقتلهم أنه ظلم وليس بحق ، فكان هذا تعظيما للشنعة عليهم ، ومعلوم أنه لا يقتل نبي بحق ، ولكن يقتل على الحق ، فصرح قوله : بغير الحق عن شنعة الذنب ووضوحه ، ولم يأت نبي قط بشيء يوجب قتله .فإن قيل : كيف جاز أن يخلي بين الكافرين وقتل الأنبياء ؟

قيل : ذلك كرامة لهم وزيادة في منازلهم ، كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين ، وليس ذلك بخذلان لهم .

قال ابن عباس والحسن : لم يقتل نبي قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال ، وكل من أمر بقتال نصر .قوله تعالى : ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ذلك رد على الأول وتأكيد للإشارة إليه .

والباء في " بما " باء السبب .

قال الأخفش : أي : بعصيانهم .

والعصيان : خلاف الطاعة .

واعتصت النواة إذا اشتدت .

والاعتداء : تجاوز الحد في كل شيء ، وعرف في الظلم والمعاصي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: واذكروا, إذ قلتم لموسى, على وجه التملل لنعم الله والاحتقار لها، { لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ } أي: جنس من الطعام, وإن كان كما تقدم أنواعا, لكنها لا تتغير، { فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا } أي: نباتها الذي ليس بشجر يقوم على ساقه، { وَقِثَّائِهَا } وهو الخيار { وَفُومِهَا } أي: ثومها، والعدس والبصل معروف، قال لهم موسي { أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى } وهو الأطعمة المذكورة، { بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ } وهو المن والسلوى, فهذا غير لائق بكم، فإن هذه الأطعمة التي طلبتم, أي مصر هبطتموه وجدتموها، وأما طعامكم الذي من الله به عليكم, فهو خير الأطعمة وأشرفها, فكيف تطلبون به بدلا؟

ولما كان الذي جرى منهم فيه أكبر دليل على قلة صبرهم واحتقارهم لأوامر الله ونعمه, جازاهم من جنس عملهم فقال: { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ } التي تشاهد على ظاهر أبدانهم { وَالْمَسْكَنَةُ } بقلوبهم، فلم تكن أنفسهم عزيزة, ولا لهم همم عالية, بل أنفسهم أنفس مهينة, وهممهم أردأ الهمم، { وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ } أي: لم تكن غنيمتهم التي رجعوا بها وفازوا, إلا أن رجعوا بسخطه عليهم, فبئست الغنيمة غنيمتهم, وبئست الحالة حالتهم.

{ ذَلِكَ } الذي استحقوا به غضبه { بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } الدالات على الحق الموضحة لهم, فلما كفروا بها عاقبهم بغضبه عليهم, وبما كانوا { يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ } وقوله: { بِغَيْرِ الْحَقِّ } زيادة شناعة, وإلا فمن المعلوم أن قتل النبي لا يكون بحق, لكن لئلا يظن جهلهم وعدم علمهم.

{ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا } بأن ارتكبوا معاصي الله { وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } على عباد الله, فإن المعاصي يجر بعضها بعضا، فالغفلة ينشأ عنها الذنب الصغير, ثم ينشأ عنه الذنب الكبير, ثم ينشأ عنها أنواع البدع والكفر وغير ذلك, فنسأل الله العافية من كل بلاء.

واعلم أن الخطاب في هذه الآيات لأمة بني إسرائيل الذين كانوا موجودين وقت نزول القرآن, وهذه الأفعال المذكورة خوطبوا بها وهي فعل أسلافهم, ونسبت لهم لفوائد عديدة، منها: أنهم كانوا يتمدحون ويزكون أنفسهم, ويزعمون فضلهم على محمد ومن آمن به، فبين الله من أحوال سلفهم التي قد تقررت عندهم, ما يبين به لكل أحد [منهم] أنهم ليسوا من أهل الصبر ومكارم الأخلاق, ومعالي الأعمال، فإذا كانت هذه حالة سلفهم، مع أن المظنة أنهم أولى وأرفع حالة ممن بعدهم فكيف الظن بالمخاطبين؟\".

ومنها: أن نعمة الله على المتقدمين منهم, نعمة واصلة إلى المتأخرين, والنعمة على الآباء, نعمة على الأبناء، فخوطبوا بها, لأنها نعم تشملهم وتعمهم.

ومنها: أن الخطاب لهم بأفعال غيرهم, مما يدل على أن الأمة المجتمعة على دين تتكافل وتتساعد على مصالحها, حتى كان متقدمهم ومتأخرهم في وقت واحد, وكان الحادث من بعضهم حادثا من الجميع.

لأن ما يعمله بعضهم من الخير يعود بمصلحة الجميع, وما يعمله من الشر يعود بضرر الجميع.

ومنها: أن أفعالهم أكثرها لم ينكروها, والراضي بالمعصية شريك للعاصي، إلى غير ذلك من الحِكَم التي لا يعلمها إلا الله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد} وذلك أنهم أجمعوا وسئموا من أكل المن والسلوى، وإنما قال: {على طعام واحد} وهما اثنان لأن العرب تعبر عن الاثنين بلفظ الواحد كما تعبر عن الواحد بلفظ الاثنين، كقوله تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [22-الرحمن] وإنما يخرج من المالح دون العذب.

وقيل: كانوا يأكلون أحدهما بالآخر فكانا كطعام واحد.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "كانوا يعجنون المن بالسلوى فيصيران واحداً".

{فادع لنا} فاسأل لأجلنا.

{ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها} قال ابن عباس: "والفوم الخبز".

وقال عطاء: "الحنطة"، وقال القتيبي رحمه الله تعالى: "الحبوب التي تؤكل كلها".

وقال الكلبي: "وعدسها وبصلها".

{قال} لهم موسى عليه السلام.

{أتستبدلون الذي هو أدنى} أخس وأردى.

{بالذي هو خير} أشرف وأفضل, وجعل الحنطة أدنى في القيمة وإن كان هو خيراً من المن والسلوى، أو أراد أنها أسهل وجوداً على العادة، ويجوز أن يكون الخير راجعاً إلى اختيار الله لهم واختيارهم لأنفسهم.

{اهبطوا مصراً} يعنى: فإن أبيتم إلا ذلك فانزلوا مصراً من الأمصار، وقال الضحاك: "هو مصر موسى وفرعون".

والأول أصح، لأنه لو أراده لم يصرفه.

{فإن لكم ما سألتم} من نبات الأرض.

{وضربت عليهم} جعلت عليهم وألزموا.

{الذلة} الذل والهوان؛ قيل: بالجزية، وقال عطاء بن السائب: "هو الكستيج والزنار وزي اليهودية".

{والمسكنة} الفقر، سمي الفقير مسكيناً لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة؛ فترى اليهود وإن كانوا مياسير كأنهم فقراء.

وقيل: الذلة هي فقر القلب فلا ترى في أهل الملل أذل وأحرص على المال من اليهود.

{وباءوا بغضب من الله} رجعوا ولا يقال: (( باؤوا إلا بشر )) وقال أبو عبيدة:" احتملوا وأقروا به"، ومنه الدعاء: أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، أُقِر {ذلك} أي الغضب.

{بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة ويكفرون بالإنجيل والقرآن.

{ويقتلون النبيين} تفرد نافع بهمز النبي وبابه، فيكون معناه المخبر من أنبأ ينبىء ونبأ ينبئ، والقراءة المعروفة ترك الهمزة، وله وجهان: أحدهما هو أيضاً من الإنباء، تركت الهمزة فيه تخفيفاً لكثرة الاستعمال، والثاني: هو بمعنى الرفيع مأخوذ من النبوة وهي المكان المرتفع، فعلى هذا يكون النبيين على الأصل.

{بغير الحق} أي بلا جُرْم، فإن قيل: فلِمَ قال: بغير الحق وقتل النبيين لا يكون إلا بغير الحق؟

قيل: ذكره وصفاً للقتل، والقتل تارة يوصف بغير الحق وهو مثل قوله تعالى: {قال رب احكم بالحق} [112-الأنبياء] ذكر الحق وصفاً للحكم لا أن حكمه ينقسم إلى الجور والحق.

ويروى أن اليهود قتلت سبعين نبياً في أول النهار وقامت سوق بقتلهم في آخر النهار.

{ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا قلتم يا موسى لن نصبر على طعام» أي نوع منه «واحد» وهو المن والسلوى «فادع لنا ربَّك يُخرج لنا» شيئاً «مما تنبت الأرض من» للبيان «بقلها وقثائها وفومها» حنطتها «وعدسها وبصلها قال» لهم موسى «أتستبدلون الذي هو أدنى» أخس «بالذي هو خير» أشرف أي أتأخذونه بدله، والهمزة للإنكار فأبوا أن يرجعوا فدعا الله تعالى فقال تعالى «اهبطوا» انزلوا «مصراً» من الأمصار «فإن لكم» فيه «ما سألتم» من النبات «وضُربت» جعلت «عليهم الذلة» الذل والهوان «والمسكنة» أي أثر الفقر من السكون والخزي فهي لازمة لهم، وإن كانوا أغنياء لزوم الدرهم المضروب لسكته «وباءُوا» رجعوا «بغضب من الله ذلك» أي الضرب والغضب «بأنهم» أي بسبب أنهم «كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين» كزكريا ويحيى «بغير الحق» أي ظلماً «ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» يتجاوزون الحد في المعاصي وكرره للتأكيد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكروا حين أنزلنا عليكم الطعام الحلو، والطير الشهي، فبطِرتم النعمة كعادتكم، وأصابكم الضيق والملل، فقلتم: يا موسى لن نصبر على طعام ثابت لا يتغير مع الأيام، فادع لنا ربك يخرج لنا من نبات الأرض طعامًا من البقول والخُضَر، والقثاء والحبوب التي تؤكل، والعدس، والبصل.

قال موسى -مستنكرًا عليهم-: أتطلبون هذه الأطعمة التي هي أقل قدرًا، وتتركون هذا الرزق النافع الذي اختاره الله لكم؟

اهبطوا من هذه البادية إلى أي مدينة، تجدوا ما اشتهيتم كثيرًا في الحقول والأسواق.

ولما هبطوا تبيَّن لهم أنهم يُقَدِّمون اختيارهم -في كل موطن- على اختيار الله، ويُؤْثِرون شهواتهم على ما اختاره الله لهم؛ لذلك لزمتهم صِفَةُ الذل وفقر النفوس، وانصرفوا ورجعوا بغضب من الله؛ لإعراضهم عن دين الله، ولأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ظلمًا وعدوانًا؛ وذلك بسبب عصيانهم وتجاوزهم حدود ربهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان منهم من جحود النعمة واستخفافهم بها وإيثارهم - بسوء اختيارهم - ما هو أدنى على ما هو خير ، فقال تعالى :( وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ .

.

.

)الصبر : حبس النفس على الشيء ، بمعنى إلزامها إياه ، ومنه الصبر على الطاعات ، أو يطلق على حبسها بمعنى كفها .

ومنه الصبر عن المعاصي .

والطعام : ما رزقوه في التيه من المن والسولى : والبقل : ما تنبته الأرض من الخضر مما يأكله الناس والأنعام من نحو النعناع والكراث وغيرهما .

والقوم : قيل هو الثوم ، وقيل هو الحنطة .

والقثاء : نوع من المأكولات أكبر حجماً من ( الخيار ) .قال ابن جرير : ( وكان سبب مسألتهم موسى - عليه السلام - ذلك فيما بلغنا عن قتادة أنه قال : كان القوم في البرية قد ظلل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم المن والسلوى : فملوا ذلك وذكروا عيشاً كان لهم بمصر ، فسألوه موسى ، فقال الله تعالى : ( اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ ) .ثم ساق ابن جرير رواية ، فيها تصريح بأن سؤالهم لم يكن في البرية بل كان في التيه فقال : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : أنبأنا .

ابن زيد قال :" كان طعام بني إسرائيل في التيه واحداً ، وشرابهم واحداً .

كان شرابهم عسلاً ينزل لهم من السماء يقال له المن ، وطعامهم طير يقال له السلوى ، يأكلون الطير ويشربون العسل ، لم يكونوا يعرفون خبزاً ولا غيره ، فقالوا يا موسى : ( وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ ) : " لما سئموا من الإِقامة في التيه .

والمواظبة على مأكول واحد لبعدهم عن الأرض التي ألفوها ، وعن العوائد التي عهدوها ، أخبروا عما وجدوه من عدم الصبر على ذلك ، وتشوقهم إلى ما كانوا يألفون ، وسألوا موسى أن يسأل الله لهم " .وقال صاحب الكشاف : " كانوا أهل فلاحة فنزعوا إلى عكرهم - فأجموا - أي ملوا وكرهوا - ما كانوا فيه من النعمى وطلبت أنفسهم عدم البقاء ( على طَعَامٍ وَاحِدٍ ) أرادوا ما رزقوه في التيه من المن والسلوى " .ومعنى الآية الكريمة إجمالاً : وذاكروا يا بني إسرائيل بعد أن أسبغنا عليكم نعمنا ما كان من سوء اختيار أسلافكم ، وفساد أذواقكم ، وإعناتكم لنبيهم موسى - عليه السلام - حيث قالوا له ببطر وسوء أدب : لن نصبر على طعام المن والسلوى في كل وقت ، فسل ربك أن يخرج لنا مما تنبته الأرض من خضرها وفاكهتها وحنطتها وعدسها وبصلها ، لأن نفوسنا قد عافت المن والسلوى ، فوبخهم نبيهم موسى - عليه السلام - بقوله : أتختارون الذي هو أقل فائدة وأدنى لذة ، وتتركون المن والسلوى وهو خير مما تطلبون لذة وفائدة؟

انزلوا إلى مصر من الأمصار فإنكم تجدون به ما طلبتموه من البقول وأشباهها .وأحاطت ببني إسرائيل المهانة والاستكانة كما تحيط القبة بمن ضربت عليه ، وحق عليهم غضب الله .ثم بين الله - تعالى - السبب في جحودهم للنعم وفي أنه ضرب عليهم الذلة والمسكنة وأنزل عليهم غضبه بقوله :( ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ ) إلخ أي : إن الكفر بآيات الله قد تأصل فيهم ، وقتل أنبيائهم بغير الحق قد تكرر منهم حتى صار كالطبيعة الثانية والسجية الثابتة ، فليس غريباً على هؤلاء أن يقولوا لن نصبر على المن والسلوى وأن ينزل بهم غضب الله ونقمته من أجل جحودهم وكفرهم .وقوله تعالى : ( وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ ) تذكير لهم برغبة من رغباتهم الناشئة عن ذوق سقيم .

لا يقدر النعمى قدرها ، وفيه انتقال من تعداد النعم عليهم إلى بيان موفقهم الجحودي منها ، وانسياقهم وراء شهواتهم وأهوائهم وحماقاتهم ، وفيه إشعار بسوء أدبهم في مخاطبتهم لنبيهم موسى - عليه السلام - إذ عبروا عن عدم رغبتهم في تناول المن والسلوى بحرف ( لَن ) المفيد تأكيد النفي فقالوا : ( لَن نَّصْبِرَ ) .

.

إلخ فكأنهم يقولن له مهددين ، ليلجئوه إلى دعاء ربه سريعاً : إننا ابتداء من هذا الوقت الذي نخاطبك فيه إلى أن نموت ، لن نحبس أنفسنا عن كراهية على تناول طعام واحد ، لأننا قد سئمناه ومللناه ، ولن نعود إليه : فالتعبير " بلن " يشعر بشدة ضجرهم ، وبلوغ الكراهية لهذا الطعام منهم منتهاها .قال الحسن البصري - رضي الله عنه - : " بطروا طعم المن والسلوى فلم يصبروا عليه ، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه ، وكانوا قوماً أهل أعداس وبصل وبقل وثوم " .ووصفوه بالوحدة مع أن المن والسلوى نوعان ، لأنهم أرادوا من الوحدة أنه طعام متكرر في كل يوم لا يختلف بحسب الأوقات ، والعرب تقول لمن يفعل على مائدته في كل يوم من الطعام أنواعاً لا تتغير ، إنه يأكل من طعام واحد .وسألوا موسى - عليه السلام - أن يدعو لهم ، لأن دعاء الأنبياء أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم ، وكذلك دعاء الصالحين ، حيث يصدر من قلوب عامرة بتقوى الله وجلاله ، فيلاقى من الإِجابة ما لا يلاقيه دعاء نفوس تستهويها الشهوات ، وتستولي عليها السيئات .وقولهم : ( فادع لَنَا رَبَّكَ ) ولم يقولوا ربنا ، لعدم رسوخ الإِيمان في قلوبهم ، ولأنه سبحانه - قد اختصه بما لم يعط مثله من مناجاته وتكميله وإيتائه التوراة .وقولهم : ( يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ) هو مضمون ما طلبوه من موسى - عليه السلام - وهو في معنى مقول قول محذوف والتقدير : أي قل لربك يخرج لنا .وجاء التعبير بالفعل ( يُخْرِجْ ) مجزوماً - مع أن مقتضى الظاهر أن يقال : " أن يخرج - للإِيماء إلى أنهم واثقون بأنه إن دعا ربه أجابه ، حتى لكأن إخراج ما تنبت الأرض متوقف على مجرد دعاء موسى ربه ، وأنه لو لم يدع لهم ، لكان شحيحاً عليهم بما فيه نفعهم .والجملة الكريمة : ( أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ ) من مقول موسى - عليه السلام - لهم ، وفيها توبيخ شديد لهم على سوء اختيارهم ، وضعف عقولهم .

لإِيثارهم الأدنى وهو البقل وما عطف عليه ، على ما هور خير منه وهو المن والسلوى .قال ابن جرير عند تفسيره للآية الكريمة : " أي قال لهم موسى : أتاخذون الذي هو أخس خطراً وقيمة وقدراً من العيش ، بدلا بالذي هو خير منه خطراًٍ وقيمة وقدراً ، وذلك كان استبدالهم ، وأصل الاستبدال : هو ترك شيء لآخر غيره مكان المتروك ، ومعنى قوله : ( أدنى ) أخس وأضع وأصغر قدراً وخطراً ، وأصله من قولهم : هذا رجل دنى بين الدناءة ، وإنه ليدنى في الأمور - بغير همز - إذ كان يتتبع خسيسها .

ثم قال : ولا شك أن من استبدل بالمن والسلوى : البقول والقثاء والعدس والبصل والثوم ، فقد استبدل الوضيع من العيش بالرفيع منه " .ثم أضاف موسى - عليه السلام - إلى توبيخهم السابق على بطرهم وجحودهم توبيخاً آخر فقال لهم : ( اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ ) أي إذا كان هذا هو مرغوبكم ، فاتركوا هذا المكان ، وأنزلوا إلى مصر من الأمصار ، لكي تجدوا ما سألتموني إياه من البقل والثوم وأشباههما ، لأن ما اخترتموه لا يوجد في المكان الذي حللتم به ، وإنما يوجد في الأمصار والقرى .وقوله تعالى : ( مِصْراً ) .قال ابن كثير : " هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية وهو قراءة الجمهور بالصرف " .وقال ابن جرير : " فأما القراءة فإنها بالألف والتنوين ( اهبطوا مِصْراً ) وهي القراءة التي لا يجوز عندي غيرها ، لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين واتفاق قراءة القراء على ذلك .

.

" اه .وقال أبو حيان في البحر : " وقرأ الحسن وطلحة والأعمش وأبان ابن تغلب ( مصر ) بغير تنوين ، وقد وردت كذلك في مصحف أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ، وبعض مصاحف عثمان - رضي الله عنه " اه .والمعنى على القراءة الأولى : اهبطوا مصر من الأمصار لأنكم في البدو ، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي وإنما يكون في القرى والأمصار ، فإن لكم إذا هبطتموه ما سألتم من العيش .والمعنى على القراءة الثانية : اتركوا المكان الذي أنتم فيه ، واهبطوا مصر التي كنتم تسامون فيها سوء العذاب فإنكم تجدون فيها ما تبغونه ، لأنكم قوم لا تقدرون نعمة الحرية ، ولا ترتاحوا للفضائل النفسية ، بل شأنكم - دائماً - أن تستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير .ومن حجة الذين قالوا إن الله أراد بالمصر في الآية الكريمة ، مصر فرعون ، قوله تعالى في سورة الشعراء ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ .

وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ .

كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بني إِسْرَائِيلَ ) وقوله تعالى في سورة الدخان :( كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ .

وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ .

وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ .

كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ ) قالوا : فأخبر الله - تعالى - أنه قد ورثهم ذلك ، وجعلها لهم ، فلم يكونوا يرثونها ، ثم لا ينتفعون بها ، ولا يكونون منتفعين إلا بمصر بعضهم إليها .قال ابن جرير : " ومن حجة من قال إن الله - إنما عني بقوله : ( اهبطوا مِصْراً ) أي : مصراً من الأمصار دون مصر فرعون بعينها ، أن الله - تعالى - جعل أرض الشام لبني إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر ، وإنما ابتلاهم بالتيه .

فامتناعهم عن موسى في حرب الجبابرة ، إذ قال لهم ( يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ) إلى قوله تعالى : ( فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) فحرم الله - تعالى - على قائل ذلك - فيما ذكر لنا - دخولها حتى هلكوا في التيه وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة .

ثم أهبط ذريتهم الشام ، فأسكنهم الأرض المقدسة ، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع " يوشع بن نون " بعد وفاة موسى بن عمران .

فرأينا أن الله - تعالى - قد اخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض المقدسة ، ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها ، فيجوز لنا أن نقرأ ( اهبطوا مِصْراً ) ونتأوله أنه ردهم إليها .

قالوا : فإن احتج محتج بقوله تعالى : ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ .

وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ .

كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بني إِسْرَائِيلَ ) قيل لهم : فإن الله - تعالى - إنما أورثهم ذلك فملكهم إياها .

ولم يردهم إليها وجعل مساكنهم الشام " اه .قال أبو حيان في البحر : ( ولم يصرح أحد من المفسرين والمؤرخين أنهم هبطوا من التيه إلى مصر ) اه .ومع أن ابن جرير - رحمه الله - قد رد على من قال ، إن المراد بالمصر مصر فرعون : استناداً إلى قراءة غير الجمهور ، إلا أنه لم يرجح أحد الرأيين فقد قال : ( والذي نقول به في ذلك ، أنه لا دلالة في كتاب الله - تعالى - على الصواب من هذين التأويلين ، ولا خبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع مجيئه العذر ، وأهلا لتأويل متنازعون تأويله ، فأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال : إن موسى سأل ربه أن يعطي قومه ما سألوه من نبات الأرض على ما بينه الله - تعالى - في كتابه وهم في الأرض تائهون فاستجاب الله لموسى دعاءه وأمره أن يهبط بمن معه من قومه قراراً من الأرض التي تنبت ما سأل لهم من ذلك ، إذا صاروا إليه ، وجائز أن يكون ذلك القرار مصر ، وجائز أن يكون الشام .

.

.

"ومن هذا النص الذي نقلناه عن ابن جرير ، نرى أنه لم يقطع برأى في المكان الذي أمر بنو إسرائيل بالهبوط فيه وأنه يرى أن الله - تعالى - قد استجاب لموسى - عليه السلام - دعاءه ، وأن موسى وقومه قد هبطوا - فعلا - إلى قرار من الأرض التي تنبت البقول وأشباهها .وقد عارض الإِمام ابن كثير في تفسيره رأى ابن جرير فقال :وهذا الذي قاله - أي ابنُ جرير - فيه نظر ، والحق أن المراد مصر من الأمصار ، كما روى عن ابن عباس وغيره والمعنى على ذلك ، لأن موسى - عليه السلام - يقول لهم : هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز ، بل هو كثير في أي بلد دخلتموها ، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه ، ولهذا قال : ( أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ ) أي ما طلبتم ، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه لم يجابوا إليه والله أعلم .وبذلك يظهر لنا أن ابن كثير - رحمه الله - يرى أن المراد بالمصر مكان غير معين وأن موسى - عليه السلام - لم يسأل ربه إجابة طلبهم لأنهم كانوا متعنتين .

بطرين ، والله - تعالى - يكره من كان كذلك ، وأن قول موسى - عليه السلام - لهم " اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم " من باب التوبيخ والتجهيل لهم ، إذ ليس حينئذ بلد قريب يستطيعون الوصول إليه .هذا ، والذي نرجحه في هذا المقام هو ما ذهب إليه الإِمام ابن كثير لما يأتي :أولا : أن القراءة بالتنوين متواترة ، وابن جرير نفسه لم يجاوز القراءة بغيرها ، وهذه القراءة المتواترة ، نص في أن المراد من مصر ، أي بلد كان ، لا مصر فرعون ، ثم إذا كان المراد به ذلك فليس لنا أن نقول إنه يصدق على مصر فرعون ، وذلك لأن الأمصار التي تنبت ما طلبوا من البقول والخضر أقرب إليهم من مصر ، فليس من المعقول أن يؤمروا بالذهاب إلى مصر فرعون وهي بعيدة عن مكانهم بعداً شاسعاً ، ويتركوا الأمصار الأقرب إليهم وفيها ما يريدون .ثانياً : لم ينقل أحد من المؤرخين أنهم رجعوا إلى مصر بعد خروجهم منها كما قال أبو حيان وغيره ، بل الثابت أن بني إسرائيل خرجوا من مصر ، وأمروا بعد خروجهم بدخول الأرض المقدسة لقتال الجبارين ، ولعصيانهم أمر نبيهم وماتوا جميعاً في التيه ، وبقي أبناؤهم فامتثلوا أمر الله - تعالى - وهبطوا إلى الشام .

وقاتلوا الجبارين ودخلوا الأرض المقدسة بقيادة يوشع بن نون .ثالثاً : ليس في الآية ما يشعر بأن موسى - عليه السلام - طلب من ربه أن يجيبهم إلى رغبتهم فكيف نقول بما لم يدل عليه القرآن الكريم ولو من طريق الإِشارة؟رأبعاً : دخولهم في التيه كان عقوبة لهم على نكوصهم عن قتال الجبارين ، ليدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم .فالتيه والحالة هذه كان بمثابة سجن لهم يعاقبون فيه ، كما يشعر بذلك قوله تعالى : ( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرض ) فكيف يخرج السجين من سجنه تلبية لبعض رغباته المنكرة .

وبناء على ذلك يكون الأمر في قول موسى لهم : ( اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ ) للتهديد والتوبيخ والتجهيل .ثم بين - سبحانه - العقوبات التي حلت بهم جزاء ظلمهم وفجورهم فقال تعالى :( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله ) :ضرب الذلة والمسكنة عليهم كنية عن لزومهما لهم ، وإحاطتهما بهم ، كما يحيط السرادق بمن بداخله .قال صاحب الكشاف : ( جعلت الذلة محيطة بهم ، مشتملة عليهم ، فهم فيها كمن يكون في القبة من ضربت عليهم ، أو ألصقت به حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه ، فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة ) .وأصل الضرب في كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم ، بظاهر جسم آخر بشدة ، يقال : ضرب بيده الأرض إذا ألصقها بها ، وتفرعت عن هذا معان مجازية ترجع إلى شدة اللصوق .والذلة : على وزن فعلة من قول القائل : ذل فلان يذل ذلة وذلة ، والمراد بها الصغار والهوان والحقارة .والمسكنة ، مفعلة من السكون ، ومنها أخذ لفظ المسكين ، لأن الهم قد أثقلة فجعله قليل الحركة والنهوض ، لما به من الفاقه والفقر ، والمراد بها في الآية : الضعف النفسي ، والفقر القلبي الذي يستولي على الشخص ، فيجعله يحس بالهوان ، مهما يكن لديه من أسباب القوة .والفرق بينها وبين الذلة .

أن الذلة هوان تجيء أسبابه من الخارج ، كأن يغلب المرء على أمره نتيجة انتصار عدوه عليه فيذل لهذا العدو .أما المسكنة فهي هوان ينشأ من داخل النفس نتيجة بعدها عن الحق واستيلاء المطامع والشهوات عليها ، وتوارث الذلة قروناً طويلة يورث هذه المسكنة ، ويجعلها كالطبيعة الثابتة في الشخص المستذل .

ولقد عاش اليهود قروناً وأحقاباً مستعبدين لمختلف الأمم ، فأكسبهم هذا الاستعباد ضعفاً نفسياً جعلهم لا يفرقون بين الحياة الذليلة والكريمة ، بل إنهم ليفضلوا الأولى على الثانية ما دامت تجلب لهم غرضاً من أغراض الدنيا ، ومهما كثر المال في أيديهم ، فإنهم لا يتحولون عن فقرهم النفسي وظهورهم أمام الناس بمظهر البائس الفقير .وقوله تعالى : ( وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله ) بيان لسوء عاقبتهم في الآخرة ومبالغة في إهانتهم وتحقيرهم ، فهم في الدنيا أذلاء حقراء ، وفي الآخرة سيرجعون بغضب من الله بسبب أفعالهم القبيحة .قال ابن جرير - رحمه الله - يعني بقوله تعالى ( وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله ) : انصرفوا ورجعوا ، ولا يقال باءوا إلا موصولا إما بخير وإما بشر يقال منه باء فلان بذنبه يبوء بوأ وبواء ، ومنه قوله تعالى :( إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ) يعني تنصرف متحملهما ، وترجع بهما قد صارا عليك دوني ، فمعنى الكلام إذا .

ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله ، قد صار عليهم من الله غضب ، ووجب عليهم منه سخط .وقال صاحب الكشاف : ( وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله ) من قولك باء فلان بفلان ، إذا كان حقيقاً بأن يقتل به لمساواته له ومكافأته ، أي صاروا أحقاء بغضبه .ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك بسبب ما أحاط بهم من الذلة والمسكنة واستحقاقهم غضب الله وسخطه ، فقال تعالى : ( ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ) .

والجملة الكريمة استئناف بيان جواب عن سؤال تقديره : لم فعل بهم كل ذلك؟

فكان الجواب ، فعلنا بهم بسبب جحودهم لآيات الله ، وبسبب قتلهم لأنبيائه ، وخروجهم عن طاعته؛ ومجاوزتهم حدودهم والآيات تطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على وحدانية الله تعالى وربوبيته ، وتطلق ويراد بها النصوص التي تشتمل عليها الكتب السماوية ، وتطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على صدق الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فيما يبلغون عن الله - تعالى - وهي التي يسميها علماء التوحيد المعجزات ، وقد كفر اليهود بكل هذه الضروب من الآيات ، ومردوا على ذلك كما يفيده التعبير بالفعل المضارع ( يَكْفُرُونَ ) .وقوله تعالى : ( وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق ) أي ويقتلون أنبياء الله الذين بعثهم مبشرين ومنذرين ، ولقد قتل اليهود - فيمن قتلوا من الأنبياء - زكريا وابنه يحيى - عليهما السلام - لأنهما أبيا الانقياد وراء شهواتهم وأهوائهم .وقال - سبحانه - ( بِغَيْرِ الحق ) مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبداً ، لإِفادة أن قتلهم لهم كان بغير وجه معتبر في شريعتهم لأنها تحرمه ، ( أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) فهذا القيد المقصود به الاحتجاج عليهم بأصول دينهم وتخليد مذمتهم ، وتقبيح إجرامهم ، حيث إنهم قتلوا أنبياءهم بدون خطأ في الفهم ، أو تأول في الحكم ، أو شبهة في الأمر ، وإنما فعلوا ما فعلوا وهم عالمون بقبح ما ارتكبوا ، وخالفوا شرع الله عن تعمد وإصرار .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟قلت : معناه أنهم قتلوهم بغيرا لحق عندهم ، لأنهم لم يتقلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا ، وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم ، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجهاً يستحقون به للقتل عندهم " .وقال الإِمام الرازي : " فإن قيل : قال هنا ( وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق ) وقال في آل عمران ( وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق ) فما الفرق؟

قلت .

إن الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل يتجلى في حديث : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : " كفر بعد إيمان ، وزناً بعد إحصان ، وقتل نفس بغير حق " فالحق المذكور هنا بحرف التعريف إشارة إلى هذا وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم ، أي لم يكن هناك أي حق يستندون إليه ، لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره البتة " .ثم قال تعالى : ( ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ) .العصيان : الخروج عن طاعة الله .

والاعتداء : تجاوز الحد الذي حده الله - تعالى - لعباده إلى غيره وكل متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه .

وللمفسرين في مرجع الإِشارة " ذلك " رأيان :أحدهما : أنه يعود إلى كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء ، وعليه يكون المعنى :إن هؤلاء اليهود قد مروا على عصيانهم لخالقهم ، وتعديهم حدوده بجرأة وعدم مبالاة فنشأ عن هذا التمرد والطغيان أن كفروا بآيات الله - تعالى - وامتدت أيديهم الأثيمة إلى قتل الأنبياء بقلوب كالحجارة أو أشد قسوة .والجملة الكريمة على هذا الرأي تفيد أن التردي في المعاصي وارتكاب المناهي ، وتجاوز الحدود المشروعة ، يؤدي إلى الانتقال من غصير الذنوب إلى كبيرها ، ومن حقيرها إلى عظيمها ، لأن هؤلاء اليهود لما استمروا المعاصي وداوموا على تعدي الحدود ، هانت على نفوسهم الفضائل ، وانكسرت أمام شهواتهم كل المثل العليا ، فكذبوا بآيات الله تكذيباً وقتلوا من جاءهم بالهدى ودين الحق .والثاني : يرى أصحابه أن اسم الإشارة الثاني يعود إلى نفس المشار إليه باسم الإِشارة الأول ، وتكون الحكمة في تكرار الإِشارة هو تمييز المشار إليه حرصاً على معرفته ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة عليهم ، واستحقاقهم لغضب الله - تعالى - كما بينا ، والإِشارة حينئذ من قبيل التكرير المغنى عن العطف كما في قوله تعالى : ( أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولئك هُمُ الغافلون ) والمعنى أن هؤلاء اليهود قد لزمتهم الذلة والمسكنة ، وصاروا أحقاء بسخط الله بسبب كفرهم بآياتنا .

وقتلهم أنبياءنا ، وخروجهم عن طاعتنا وتعديهم لحدودنا .وعلى هذا الرأي يكون ذكر أسباب العقوبة التي حلت بهم في الدرجة العليا من حسن الترتيب ، فقد بدأ - سبحانه - بما فعلوه في حقه وهو كفرهم بآياته ، ثم ثنى بما يتلوه في العظم وهو قتلهم لأنبيائهم ، ثم وصمهم بعد ذلك بالعصيان والخروج عن طاعته ثم ختم أسباب العقوبة بدمغهم بالاعتداء ، وتخطى الحدود ، وعدم المبالاة بالعهود ، وهذا الترتيب من لطائف أسلوب القرآن الكريم في سوق الأحكام ، مشفوعة بعللها وأسبابها .وبهذا تكون الآية الكريمة قد وصفت بني إسرائيل بجحود النعم ، وسوء الأدب وحمق التفكير ، وهوان النفس ، وبلادة الطبع ، وبطر الحق ، والبغي على أنفسهم وعلى غيرهم ، وما وصفتهم به أيدته الأيام وصدقته الأحداث في كل زمان ومكان .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن القراءة المعروفة يخرج لنا بضم الياء وكسر الراء، تنبت بضم التاء وكسر التاء، وقرأ زيد بن علي بفتح الياء وضم الراء، تنبت بفتح التاء وضم الباء، ثم اعلم أن أكثر الظاهريين من المفسرين زعموا أن ذلك السؤال كان معصية، وعندنا أنه ليس الأمر كذلك، والدليل عليه أن قوله تعالى: ﴿ كُلُواْ واشربوا ﴾ من قبل هذه الآية عند إنزال المن والسلوى ليس بإيجاب بل هو إباحة، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم: ﴿ لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد فادع لَنَا رَبَّكَ ﴾ معصية لأن من أبيح له ضرب من الطعام يحسن منه أن يسأل غير ذلك إما بنفسه أو على لسان الرسول، فلما كان عندهم أنهم إذا سألوا موسى أن يسأل ذلك من ربه كان الدعاء أقرب إلى الإجابة جاز لهم ذلك ولم يكن فيه معصية.

واعلم أن سؤال النوع الآخر من الطعام يحتمل أن يكون لأغراض: الأول: أنهم لما تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنة ملوه فاشتهوا غيره.

الثاني: لعلهم في أصل الخلقة ما تعودوا ذلك النوع وإنما تعودوا سائر الأنواع ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان خسيساً فوق رغبته فيما لم يعتده وإن كان شريفاً.

الثالث: لعلهم ملوا من البقاء في التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم الوصول إلى البلاد لا نفس تلك الأطعمة.

الرابع: أن المواظبة على الطعام الواحد سبب لنقصان الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة والاستكثار من الأنواع يعين على تقوية الشهوة وكثرة الالتذاذ، فثبت أن تبديل النوع بالنوع يصلح أن يكون مقصود العقلاء، وثبت أنه ليس في القرآن ما يدل على أنهم كانوا ممنوعين عنه، فثبت أن هذا القدر لا يجوز أن يكون معصية، ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى: ﴿ اهبطوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ﴾ كالإجابة لما طلبوا ولو كانوا عاصين في ذلك السؤال لكانت الإجابة إليه معصية وهي غير جائزة على الأنبياء، لا يقال: إنهم لما أبوا شيئاً اختاره الله لهم أعطاهم عاجل ما سألوه كما قال: ﴿ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا  ﴾ لأنا نقول هذا خلاف الظاهر، واحتجوا على أن ذلك السؤال كان معصية بوجوه: الأول: أن قولهم: ﴿ لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد ﴾ دلالة على أنهم كرهوا إنزال المن والسلوى وتلك الكراهة معصية.

الثاني: أن قول موسى عليه السلام: ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذى هُوَ خَيْرٌ ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، وذلك يدل على كونه معصية.

الثالث: أن موسى عليه السلام وصف ما سألوه بأنه أدنى وما كانوا عليه بأنه خير وذلك يدل على ما قلناه، والجواب عن الأول: أنه ليس تحت قولهم: ﴿ لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد ﴾ دلالة على أنهم ما كانوا راضين به فقط، بل اشتهوا شيئاً آخر، ولأن قولهم: ﴿ لَن نَّصْبِرَ ﴾ إشارة إلى المستقبل لأن كلمة لن للنفي في المستقبل فلا يدل على أنهم سخطوا الواقع، وعن الثاني: أن الاستفهام على سبيل الإنكار قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الدنيا وقد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الآخرة، وعن الثالث: بقريب من ذلك، فإن الشيء قد يوصف بأنه خير من حيث كان الانتفاع به حاضراً متيقناً ومن حيث إنه يحصل عفواً بلا كد كما يقال ذلك في الحاضر، فقد يقال في الغائب المشكوك فيه: إنه أدنى من حيث لا يتيقن ومن حيث لا يوصل إليه إلا بالكد، فلا يمتنع أن يكون مراده: ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذى هُوَ خَيْرٌ ﴾ هذا المعنى أو بعضه فثبت بما ذكرنا أن ذلك السؤال ما كان معصية بل كان سؤالاً مباحاً، وإذا كان كذلك فقوله تعالى: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة وَبَاءو بِغَضَبٍ مّنَ الله ﴾ ، لا يجوز أن يكون لما تقدم بل لما ذكره الله تعالى بعد ذلك وهو قوله تعالى: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق ﴾ فبين أنه إنما ضرب الذلة والمسكنة عليهم وجعلهم محل الغضب والعقاب من حيث كانوا يكفرون لا لأنهم سألوا ذلك.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد ﴾ ليس المراد أنه واحد في النوع بل أنه واحد في النهج وهو كما يقال: إن طعام فلان على مائدته طعام واحد إذا كان لا يتغير عن نهجه.

المسألة الثالثة: القراءة المعروفة: ﴿ وَقِثَّائِهَا ﴾ بكسر القاف، وقرأ الأعمش وطلحة وقثائها بضم القاف والقراءة المعروفة: ﴿ وَفُومِهَا ﴾ بالفاء وعن علقمة عن ابن مسعود وثومها وهي قراءة ابن عباس قالوا: وهذا أوفق لذكر البصل واختلفوا في الفوم فعن ابن عباس أنه الحنطة، وعنه أيضاً أن الفوم هو الخبز وهو أيضاً المروي عن مجاهد وعطاء وابن زيد وحكي عن بعض العرب: فوموا لنا أي اخبزوا لنا وقيل هو الثوم وهو مروي أيضاً عن ابن عباس ومجاهد واختيار الكسائي واحتجوا عليه بوجوه: الأول: أنه في حرف عبد الله بن مسعود وثومها.

الثاني: أن المراد لو كان هو الحنطة لما جاز أن يقال: ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذى هُوَ خَيْرٌ ﴾ لأن الحنطة أشرف الأطعمة.

الثالث: أن الثوم أوفق للعدس والبصل من الحنطة.

المسألة الرابعة: القراءة المعروفة: ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ ﴾ وفي حرف أبي بن كعب: (أتبدلون) بإسكان الباء وعن زهير الفرقبي: (أدنأ) بالهمزة من الدناءة.

واختلفوا في المراد بالأدنى وضبط القول فيه أن المراد إما أن يكون أدنى في المصلحة في الدين أو في المنفعة في الدنيا، والأول غير مراد لأن الذي كانوا عليه لو كان أنفع في باب الدين من الذي طلبوه لما جاز أن يجيبهم إليه، لكنه قد أجابهم إليه بقوله: ﴿ اهبطوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ﴾ ، فبقي أن يكون المراد منه المنفعة في الدنيا ثم لا يجوز أن يكون المراد أن هذا النوع الذي أنتم عليه أفضل من الذي تطلبونه لما بينا أن الطعام الذي يكون ألذ الأطعمة عند قوم قد يكون أخسها عند آخرين، بل المراد ما بينا أن المن والسلوى متيقن الحصول وما يطلبونه مشكوك الحصول والمتيقين خير من المشكوك أو لأن هذا يحصل من غير كد ولا تعب، وذلك لا يحصل إلا مع الكد والتعب، فيكون الأول أولى.

فإن قيل: كان لهم أن يقولوا هذا الذي يحصل عفواً صفواً لما كرهناه بطباعنا كان تناوله أشق من الذي لا يحصل إلا مع الكد إذا اشتهته طباعنا.

قلنا: هب أنه وقع التعارض من هذه الجهة لكنه وقع الترجيح بما أن الحاضر المتيقن راجع على الغائب المشكوك.

المسألة الخامسة: القراءة المعروفة: ﴿ اهبطوا ﴾ بكسر الباء وقرئ بضم الباء، القراءة المشهورة: ﴿ مِصْرًا ﴾ بالتنوين وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث لسكون وسطه كقوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ  وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ  وَإِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ  ﴾ وفيهما العجمة والتعريف وإن أريد به البلد، فما فيه إلا سبب واحد، وفي مصحف عبد الله وقرأ به الأعمش: ﴿ اهبطوا مِصْرًا ﴾ بغير تنوين كقوله: ﴿ أَدْخِلُواْ مِصْرًا ﴾ واختلف المفسرون في قوله: ﴿ اهبطوا مِصْرًا ﴾ روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب ترك التنوين، وقال الحسن: الألف في مصراً زيادة من الكاتب فحينئذ تكون معرفة فيجب أن تحمل على ما هو المختص بهذا الاسم وهو البلد الذي كان فيه فرعون وهو مروي عن أبي العالية والربيع، وأما الذين قرؤوا بالتنوين وهي القراءة المشهورة فقد اختلفوا، فمنهم من قال: المراد البلد الذي كان فيه فرعون ودخول التنوين فيه كدخوله في نوح ولوط، وقال آخرون: المراد الأمر بدخول أي بلد كان كأنه قيل لهم ادخلوا بلداً أي بلد كان لتجدوا فيه هذه الأشياء، وبالجملة فالمفسرون قد اختلفوا في أن المراد من مصر هو البلد الذي كانوا فيه أولاً أو بلد آخر، فقال كثير من المفسرين: لا يجوز أن يكون هو البلد الذي كانوا فيه مع فرعون واحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم  ﴾ والاستدلال بهذه الآية من ثلاثة أوجه.

الأول: أن قوله تعالى: ﴿ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ إيجاب لدخول تلك الأرض، وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى.

والثاني: أن قوله: ﴿ كتاب الله ﴾ يقتضي دوام كونهم فيه.

والثالث: أن قوله: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم ﴾ صريح في المنع من الرجوع عن بيت المقدس.

الرابع: أنه تعالى بعد أن أمر بدخول الأرض المقدسة قال: ﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الارض  ﴾ فإذا تقدم هذا الأمر ثم بين تعالى أنهم ممنوعون من دخولها هذه المدة فعند زوال العذر وجب أن يلزمهم دخولها، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المراد من مصر سواها.

فإن قيل: هذه الوجوه ضعيفة.

أما الأول: فلأن قوله: ﴿ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ أمر والأمر للندب فلعلهم ندبوا إلى دخول الأرض المقدسة مع أنهم ما منعوا من دخول مصر، أما الثاني: فهو كقوله: ﴿ كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ فذلك يدل على دوام تلك الندبية.

وأما الثالث: وهو قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم ﴾ فلا نسلم أن معناه ولا ترجعوا إلى مصر بل فيه وجهان آخران.

الأول: المراد لا تعصوا فيما أمرتم به إذ العرب تقول لمن عصى فيما يؤمر به: ارتد على عقبه.

والمراد من هذا العصيان أن ينكر أن يكون دخول الأرض المقدسة أولى.

الثاني: أن يخصص ذلك النهي بوقت معين فقط.

قلنا: ثبت في أصول الفقه أن ظاهر الأمر للوجوب فيتم دليلنا بناء على هذا الأصل، وأيضاً فهب أنه للندب ولكن الإذن في تركه يكون إذناً في ترك المندوب، وذلك لا يليق بالأنبياء.

قوله: لا نسلم أن المراد من قوله: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا ﴾ لا ترجعوا.

قلنا: الدليل عليه أنه لما أمر بدخول الأرض المقدسة، ثم قال بعده: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم ﴾ تبادر إلى الفهم أن هذا النهي يرجع إلى ما تعلق به ذلك الأمر.

قوله: أن يخصص ذلك النهي بوقت معين، قلنا: التخصيص خلاف الظاهر، أما أبو مسلم الأصفهاني فإنه جوز أن يكون المراد مصر فرعون واحتج عليه بوجهين: الأول: أنا إن قرأنا: ﴿ اهبطوا مِصْرًا ﴾ بغير تنوين كان لا محالة علماً لبلد معين وليس في العالم بلدة ملقبة بهذا اللقب سوى هذه البلدة المعينة فوجب حمل اللفظ عليه ولأن اللفظ إذا دار بين كونه علماً وبين كونه صفة فحمله على العلم أولى من حمله على الصفة مثل ظالم وحادث، فإنهما لما جاءا علمين كان حملهما على العلمية أولى.

أما إن قرأناه بالتنوين فإما أن نجعله مع ذلك اسم علم ونقول: إنه إنما دخل فيه التنوين لسكون وسطه كما في نوح ولوط فيكون التقرير أيضاً ما تقدم بعينه، وأما إن جعلناه اسم جنس فقوله تعالى: ﴿ اهبطوا مِصْرًا ﴾ يقتضي التخيير كما إذ قال: أعتق رقبة فإنه يقتضي التخيير بين جميع رقاب الدنيا.

الوجه الثاني: أن الله تعالى ورث بني إسرائيل أرض مصر وإذا كانت موروثة لهم امتنع أن يحرم عليهم دخولها بيان أنها موروثة لهم، قوله تعالى: ﴿ فأخرجناهم مّن جنات وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَٰهُم مِّن جَنَّٰتٍ وَعُيُونٍ  وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ  كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَٰهَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ  ﴾ ولما ثبت أنها موروثة لهم وجب أن لا يكونوا ممنوعين من دخولها لأن الإرث يفيد الملك والملك مطلق للتصرف.

فإن قيل: الرجل قد يكون مالكاً للدار وإن كان ممنوعاً عن دخولها بوجه آخر، كحال من أوجب على نفسه اعتكاف أيام في المسجد، فإن داره وإن كانت مملوكة له لكنه يحرم عليه دخولها، فلم لا يجوز أن يقال: إن الله ورثهم مصر بمعنى الولاية والتصرف فيها، ثم إنه تعالى حرم عليهم دخولها من حيث أوجب عليهم أن يسكنوا الأرض المقدسة بقوله: ﴿ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ قلنا الأصل أن الملك مطلق للتصرف والمنع من التصرف خلاف الدليل، أجاب الفريق الأول عن هاتين الحجتين اللتين ذكرهما أبو مسلم فقالوا: أما الوجه الأول فالجواب عنه أنا نتمسك بالقراءة المشهورة وهي التي فيها التنوين.

قوله: هذه القراءة تقتضي التخيير، قلنا: نعم لكنا نخصص العموم في حق هذه البلدة المعينة بما ذكرناه من الدليل.

أما الوجه الثاني: فالجواب عنه أنا لا ننازع في أن الملك مطلق للتصرف ولكن قد يترك هذا الأصل لعارض كالمرهون والمستأجر، فنحن تركنا هذا الأصل لما قدمناه من الدلالة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة ﴾ فالمعنى جعلت الذلة محيطة بهم حتى مشتملة عليهم فهم فيها كمن يكون في القبة المضروبة أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازم كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه والأقرب في الذلة أن يكون المراد منها ما يجري مجرى الاستحقاق كقوله تعالى فيمن يحارب ويفسد: ﴿ ذلك لَهُمْ خِزْىٌ فِي الدنيا ﴾ فأما من يقول المراد به الجزية خاصة على ما قال تعالى: ﴿ حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صاغرون  ﴾ فقوله بعيد لأن الجزية ما كانت مضروبة عليهم من أول الأمر.

أما قوله تعالى: ﴿ والمسكنة ﴾ فالمراد به الفقر والفاقة وتشديد المحنة، فهذا الجنس يجوز أن يكون كالعقوبة، ومن العلماء من عد هذا من باب المعجزات لأنه عليه السلام أخبر عن ضرب الذلة والمسكنة عليهم ووقع الأمر كذلك فكان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً.

أما قوله تعالى: ﴿ وَبَاءو ﴾ ففيه وجوه: أحدها: البوء الرجوع، فقوله: ﴿ باءو ﴾ أي رجعوا وانصرفوا بذلك ولا يقال باء إلا بشر.

وثانيها: البوء التسوية.

فقوله: ﴿ باءو ﴾ أي استوى عليهم غضب الله.

قال الزجاج.

وثالثها: باؤ أي استحقوا، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ  ﴾ أي تستحق الإثمين جميعاً.

وأما غضب الله فهو إرادة الانتقام.

أما قوله تعالى: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله ﴾ فهو علة لما تقدم ذكره من ضرب الذلة والمسكنة عليهم وإلحاق الغضب بهم.

قالت المعتزلة: لو كان الكفر حصل فيهم بخلق الله تعالى كما حصلت الذلة والمسكنة فيهم بخلقه لما كان جعل أحدهما جزاء الثاني أولى من العكس، وجوابه المعارضة بالعلم والداعي، وأما حقيقة الكفر فقد تقدم القول فيها.

أما قوله تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق ﴾ فالمعنى أنهم يستحقون ما تقدم لأجل هذه الأفعال أيضاً وفيه سؤالات.

السؤال الأول: أن قوله تعالى: ﴿ يَكْفُرُونَ ﴾ دخل تحته قتل الأنبياء فلم أعاد ذكره مرة أخرى؟

الجواب: المذكور هاهنا الكفر بآيات الله، وذلك هو الجهل والجحد بآياته فلا يدخل تحته قتل الأنبياء.

السؤال الثاني: لم قال: ﴿ بِغَيْرِ الحق ﴾ وقتل الأنبياء لا يكون إلا على هذا الوجه؟

الجواب من وجهين: الأول: أن الإتيان بالباطل قد يكون حقاً لأن الآتي به اعتقده حقاً لشبهة وقعت في قلبه وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلاً، ولا شك أن الثاني أقبح فقوله: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق ﴾ أي أنهم قتلوهم من غير أن كان ذلك القتل حقاً في اعتقادهم وخيالهم بل كانوا عالمين بقبحه ومع ذلك فقد فعلوه.

وثانيها: أن هذا التكرير لأجل التأكيد كقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا ءاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ  ﴾ ويستحيل أن يكون لمدعي الإله الثاني برهان.

وثالثها: أن الله تعالى لو ذمهم على مجرد القتل لقالوا: أليس أن الله يقتلهم ولكنه تعالى قال: القتل الصادر من الله قتل بحق ومن غير الله قتل بغير حق.

وأما قوله تعالى: ﴿ ذلك بِمَا عَصَواْ ﴾ فهو تأكيد بتكرير الشيء بغير اللفظ الأول وهو بمنزلة أن يقول الرجل لعبده وقد احتمل منه ذنوباً سلفت منه فعاقبه عند آخرها: هذا بما عصيتني وخالفت أمري، هذا بما تجرأت علي واغتررت بحلمي، هذا بكذا فيعد عليه ذنوبه بألفاظ مختلفة تبكيتاً.

أما قوله تعالى: ﴿ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾ فالمراد منه الظلم: أي تجاوزوا الحق إلى الباطل.

واعلم أنه تعالى لما ذكر إنزال العقوبة بهم بين علة ذلك فبدأ أولاً بما فعلوه في حق الله تعالى وهو جهلهم به وجحدهم لنعمه ثم ثناه بما يتلوه في العظم وهو قتل الأنبياء ثم ثلثه بما يكون منهم من المعاصي التي تخصهم ثم ربع بما يكون منهم من المعاصي المتعدية إلى الغير مثل الاعتداء والظلم، وذلك في نهاية حسن الترتيب.

فإن قيل: قال هاهنا: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق ﴾ ذكر الحق بالألف واللام معرفة، وقال في آل عمران: ﴿ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقّ  ﴾ نكرة، وكذلك في هذه السورة: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ  لَيْسُوا سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ  ﴾ فما الفرق؟

الجواب: الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل، قال عليه السلام، «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى معانٍ ثلاث، كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق» فالحق المذكور بحرف التعريف إشارة إلى هذا وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم أي لم يكن هناك حق لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره ألبتة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كانوا فلاحة فنزعوا إلى عَكَرِهم فأَجَموا ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم الشقاء ﴿ على طَعَامٍ واحد ﴾ أرادوا ما رزقوا في التيه من المنّ والسلوى.

فإن قلت: هما طعامان فما لهم قالوا على طعام واحد؟

قلت: أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدّل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها، قيل: لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً يراد بالوحدة نفي التبدّل والاختلاف.

ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد، لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والتترف، ونحن قوم فِلاَحَةٍ أهل زراعات، فما نريد إلا ما ألفناه وضرينا به من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول ونحو ذلك.

ومعنى ﴿ يُخْرِجْ لَنَا ﴾ يظهر لنا ويوجد.

والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر.

والمراد به أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها.

وقرئ ﴿ وقُثائها ﴾ بالضم.

والفوم: الحنطة.

ومنه فوّموا لنا، أي: اخبزوا.

وقيل: الثوم.

ويدل عليه قراءة ابن مسعود: ﴿ وثومها ﴾ وهو للعدس والبصل أوفق ﴿ الذى هُوَ أدنى ﴾ الذي هو أقرب منزلة وأدون مقداراً.

والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار فيقال: هو داني المحل وقريب المنزلة، كما يعبر بالبعد عن عكس ذلك فيقال: هو بعيد المحل وبعيد الهمة يريدون الرفعة والعلو.

وقرأ زهير الفرقبي: (أدنأ) بالهمزة من الدناءة ﴿ اهبطوا مِصْرًا ﴾ وقرئ ﴿ اهبُطوا ﴾ بالضم: أي انحدروا إليه من التيه.

يقال: هبط الوادي إذا نزل به، وهبط منه، إذا خرج.

وبلاد التيه: ما بين بيت المقدس إلى قنسرين، وهي اثنا عشر فرسخاً في ثمانية فراسخ.

ويحتمل أن يريد العلم وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث، لسكون وسطه كقوله: ﴿ وَنُوحاً وَلُوطاً ﴾ .

وفيهما العجمة والتعريف، وإن أريد به البلد فما فيه إلا سبب واحد، وأن يريد مصراً من الأمصار وفي مصحف عبد الله وقرأ به الأعمش: ﴿ اهبطوا مصرَ ﴾ بغير تنوين كقوله: ﴿ ادخلوا مِصْرَ ﴾ .

وقيل: هو مصرائيم فعرّب ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة ﴾ جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم، فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه.

أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب، كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه، فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة، إما على الحقيقة وإما لتصاغرهم وتفاقرهم، خيفة أن تضاعف عليهم الجزية ﴿ وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله ﴾ من قولك: باء فلان بفلان، إذا كان حقيقاً بأن يقتل به، لمساواته له ومكافأته، أي صاروا أحقاء بغضبه ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدّم من ضرب الذلة والمسكنة والخلاقة بالغضب، أي ذلك بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء وقد قتلت اليهود لعنوا شعيا وزكريا ويحيى وغيرهم، فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟

قلت: معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا.

وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، فلو سئلو وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجهاً يستحقون به القتل عندهم.

وقرأ عليّ رضي الله عنه ﴿ ويقتِّلون ﴾ بالتشديد ﴿ ذلك ﴾ تكرار للإشارة ﴿ بِمَا عَصَواْ ﴾ بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود الله في كل شيء، مع كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء.

وقيل: هو اعتداؤهم في السبت.

ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر وقتل الأنبياء على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم؛ لأنهم انهمكوا فيهما وغلوا حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتل الأنبياء، أو ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ﴾ يُرِيدُونَ بِهِ ما رُزِقُوا في التِّيهِ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى.

وَبِوَحْدَتِهِ أنَّهُ لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَبَدَّلُ، كَقَوْلِهِمْ طَعامُ مائِدَةٍ الأمِيرُ واحِدٌ يُرِيدُونَ أنَّهُ لا تَتَغَيَّرُ ألْوانُهُ وبِذَلِكَ أجْمَعُوا أوْ ضَرْبٌ واحِدٌ، لِأنَّهُما طَعامُ أهْلِ التَّلَذُّذِ وهم كانُوا فَلاحَةً فَنَزَعُوا إلى عَكَرِهِمْ واشْتَهَوْا ما ألِفُوهُ.

﴿ فادْعُ لَنا رَبَّكَ ﴾ سَلْهُ لَنا بِدُعائِكَ إيّاهُ ﴿ يُخْرِجْ لَنا ﴾ يُظْهِرْ ويُوجِدْ، وجَزْمُهُ بِأنَّهُ جَوابُ فادْعُ فَإنَّ دَعْوَتَهُ سَبَبُ الإجابَةِ.

﴿ مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ﴾ مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ، وإقامَةِ القابِلِ مَقامَ الفاعِلِ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ.

﴿ مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها ﴾ تَفْسِيرٌ وبَيانٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ، وقِيلَ بَدَلٌ بِإعادَةِ الجارِّ.

والبَقْلُ ما أنْبَتَتْهُ الأرْضُ مِنَ الخُضَرِ والمُرادُ بِهِ أطايِبُهُ الَّتِي تُؤْكَلُ، والفُومُ الحِنْطَةُ ويُقالُ لِلْخُبْزِ ومِنهُ فَوِّمُوا لَنا، وقِيلَ الثُّومُ وقُرِئَ « قُثّائِها» بِالضَّمِّ، وهو لُغَةٌ فِيهِ.

(قالَ) أيِ اللَّهُ، أوْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى ﴾ أقْرَبُ مَنزِلَةً وأدْوَنُ قَدْرًا.

وأصْلُ الدُّنُوِّ القُرْبُ في المَكانِ فاسْتُعِيرَ لِلْخِسَّةِ كَما اسْتُعِيرَ البُعْدُ لِلشَّرَفِ والرِّفْعَةِ، فَقِيلَ بَعِيدُ المَحَلِّ بَعِيدُ الهِمَّةِ، وقُرِئَ « أدْنَأُ» مِنَ الدَّناءَةِ.

بِالَّذِي هو خَيْرٌ يُرِيدُ بِهِ المَنَّ والسَّلْوى فَإنَّهُ خَيْرٌ في اللَّذَّةِ والنَّفْعِ وعَدَمِ الحاجَةِ إلى السَّعْيِ.

﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا ﴾ انْحَدِرُوا إلَيْهِ مِنَ التِّيهِ، يُقالُ هَبَطَ الوادِيَ إذا نَزَلَ بِهِ، وهَبَطَ مِنهُ إذا خَرَجَ مِنهُ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ والمِصْرُ البَلَدُ العَظِيمُ وأصْلُهُ الحَدُّ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وقِيلَ أرادَ بِهِ العَلَمَ، وإنَّما صَرَفَهُ لِسُكُونِ وسَطِهِ أوْ عَلى تَأْوِيلِ البَلَدِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ غَيْرُ مُنَوَّنٍ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وقِيلَ أصْلُهُ مِصْرائِيمُ فَعُرِّبَ.

﴿ فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ ﴾ أُحِيطَتْ بِهِمْ إحاطَةَ القُبَّةِ بِمَن ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، أوْ أُلْصِقَتْ بِهِمْ، مِن ضَرْبِ الطِّينِ عَلى الحائِطِ، مُجازاةً لَهم عَلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ.

واليَهُودُ في غالِبِ الأمْرِ أذِلّاءُ مَساكِينُ، إمّا عَلى الحَقِيقَةِ أوْ عَلى التَّكَلُّفِ مَخافَةَ أنْ تُضاعَفَ جِزْيَتُهم.

﴿ وَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ رَجَعُوا بِهِ، أوْ صارُوا أحِقّاءَ بِغَضَبِهِ، مِن باءَ فَلانٌ بِفُلانٍ إذا كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُقْتَلَ بِهِ، وأصْلُ البَوْءِ المُساواةُ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِن ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والبَوْءِ بِالغَضَبِ.

﴿ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِالمُعْجِزاتِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما عُدَّ عَلَيْهِمْ مِن فَلْقِ البَحْرِ، وإظْلالِ الغَمامِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ.

أوْ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ: كالإنْجِيلِ، والفُرْقانِ، وآيَةِ الرَّجْمِ والَّتِي فِيها نُعِتَ مُحَمَّدٌ  مِنَ التَّوْراةِ، وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ فَإنَّهم قَتَلُوا شَعْياءَ وزَكَرِيّا ويَحْيى وغَيْرَهم بِغَيْرِ الحَقِّ عِنْدَهُمْ، إذْ لَمْ يَرَوْا مِنهم ما يَعْتَقِدُونَ بِهِ جَوازَ قَتْلِهِمْ، وإنَّما حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ اتِّباعُ الهَوى وحُبُّ الدُّنْيا كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ أيْ: جَرَّهُمُ العِصْيانُ والتَّمادِي والِاعْتِداءُ فِيهِ إلى الكُفْرِ بِالآياتِ، وقَتْلِ النَّبِيِّينَ.

فَإنَّ صِغارَ الذُّنُوبِ سَبَبٌ يُؤَدِّي إلى ارْتِكابِ كِبارِها، كَما أنَّ صِغارَ الطّاعاتِ أسْبابٌ مُؤَدِّيَةٌ إلى تَحَرِّي كِبارِها.

وقِيلَ كَرَّرَ الإشارَةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما لَحِقَهم كَما هو بِسَبَبِ الكُفْرِ والقَتْلِ فَهو بِسَبَبِ ارْتِكابِهِمُ المَعاصِيَ واعْتِدائِهِمْ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى.

وقِيلَ الإشارَةُ إلى الكُفْرِ والقَتْلِ، والباءُ بِمَعْنى مَعَ وإنَّما جُوِّزَتِ الإشارَةُ بِالمُفْرَدِ إلى شَيْئَيْنِ فَصاعِدًا عَلى تَأْوِيلِ ما ذُكِرَ أوْ تَقَدَّمَ لِلِاخْتِصارِ، ونَظِيرُهُ في الضَّمِيرِ قَوْلُ رُؤْبَةَ يَصِفُ بَقَرَةً: فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ...

كَأنَّهُ في الجِلِدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ والَّذِي حَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ تَثْنِيَةَ المُضْمَراتِ والمُبْهَماتِ وجَمْعَها وتَأْنِيثَها لَيْسَتْ عَلى الحَقِيقَةِ، ولِذَلِكَ جاءَ الَّذِي بِمَعْنى الجَمْعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)

{وإذ قلتم يا موسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد} هو ما رزقوا في التيه من المن والسلوى وإنما قالوا على طعام واحد وهما طعامان لأنهم أرادوا بالواحد ما لا يتبدل ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها يقال لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً ويراد بالوحدة نفي التبدل والاختلاف أو أرادوا أنهما ضرب واحد لأنهما معا من طعام أهل التلذد والتترف وكانوا من أهل الزراعات فأرادوا ما ألفوا من البقول والحبوب وغير ذلك {فادع لَنَا ربك} سله

البقرة (٦٠)

وقل له أخرج لنا {يُخْرِجْ لَنَا} يظهر لنا ويوجد {مِمَّا تُنبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا} هو ما أنبتته الأرض من الخضر والمراد به أطايب البقول كالنعناع والكرفس والكراث ونحوهما مما يأكل الناس {وَقِثَّآئِهَا} يعني الخيار {وَفُومِهَا} هو الحنطة أو الثوم لقراءة ابن مسعود وثومها {وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى} أقرب منزلة وأدون مقداراً والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار {بالذي هُوَ خَيْرٌ} أرفع وأجل {اهبطوا مِصْرًا} من الأمصار أي انحدروا إليه من التيه وبلاد التيه ما بين بيت المقدس إلى قنّسرين وهي اثنا عشر فرسخاً في ثمانية فراسخ أو مصر فرعون وإنما صرفه مع وجود السببين وهما التأنيث والتعريف لإرادة البلد أو لسكون وسطه كنوح ولوط وفيهما العجمة والتعريف {فَإِنَّ لَكُم} فيها {مَّا سَأَلْتُمْ} أي فإن الذي سألتم يكون في الأمصار لا في التيه {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة} أي الهوان والفقر يعني جعلت الذلة محيطة بهم

مشتملة عليهم فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة وفقر إما على الحقيقة وإما لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية عليهم الذلة حمزة وعلي وكذا كل ما كان قبل الهاء ياء ساكنة وبكسر الهاء والميم أبو عمرو وبكسر الهاء وضم الميم غيرهم {وباؤوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله} من قولك باء فلان بفلان إذا كان حقيقيا بأن يقتل به لمساواته له أي صاروا أحقاء بغضبه وعن الكسائي حفوا {ذلك} إشارة إلى ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة والخلاقة بالغضب {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين} بالهمزة نافع وكذا بابه أي ذلك بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء وقد قتلت اليهود شعياء وزكريا ويحيا صلوات الله عليهم والنبي من النبإ لأنه يخبر عن الله تعالى فعيل بمعنى مفِعل أو بمعنى مفعَل أو من نبا أي ارتفع والنبوة المكان المرتفع {بِغَيْرِ الحق} عندهم أيضا فإنهم لو أنصفوا لم يذكورا شيئاً يستحقون به القتل عندهم في التوراة وهو في محل النصب على الحال من الضمير في يقتلون أي يقتلونهم مبطلين {ذلك} تكرار للإشارة {بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود الله في كل شيء مع كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء وقيل هو اعتداؤهم

في السبت ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر وقتل الأنبياء على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم لأنهم انهمكوا فهما وغلوا حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود

البقرة (٦١ _ ٦٥)

الآيات وقتلهم الأنبياء أو ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ داخِلٌ في تَعْدادِ النِّعَمِ وتَفْصِيلِها، وهو إجابَةُ سُؤالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اهْبِطُوا ﴾ إلَخْ، مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ كَمالَ السُّخْطِ، لِأنَّهم كَفَرُوا نِعْمَةَ إنْزالِ الطَّعامِ اللَّذِيذِ عَلَيْهِمْ، وهم في التِّيهِ مِن غَيْرِ كَدٍّ وتَعَبٍ، حَيْثُ سَألُوا (بِلَنْ نَصْبِرَ)، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى كَراهِيَّتِمْ إيّاهُ، إذِ الصَّبْرُ حَبْسُ النَّفْسِ في المَضِيقِ، ولِذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتَسْتَبْدِلُونَ ﴾ إلَخْ، فالآيَةُ في الأُسْلُوبِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ﴾ إلَخْ، حَيْثُ عانَدُوا بَعْدَ سَماعِ الكَلامِ، وأُهْلِكُوا، ثُمَّ أفاضَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةَ الحَياةِ، قالَ مَوْلانا السّالِيكُوتِيُّ: ومِن هَذا ظَهَرَ ضَعْفُ ما قالَ الإمامُ الرّازِيُّ، لَوْ كانَ سُؤالُهم مَعْصِيَةً لَما أجابَهُمْ، لِأنَّ الإجابَةَ إلى المَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ، وهي غَيْرُ جائِزَةٍ عَلى الأنْبِياءِ، وإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كُلُوا واشْرَبُوا ﴾ أمْرُ إباحَةٍ لا إيجابٍ، فَلا يَكُونُ سُؤالُهم غَيْرَ ذَلِكَ الطَّعامِ مَعْصِيَةً، ووَصْفُ الطَّعامِ بِواحِدٍ، وإنْ كانا طَعامَيْنِ المَنَّ والسَّلْوى اللَّذَيْنِ رُزِقُوهُما في التِّيهِ إمّا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ عَلى نَهْجٍ واحِدٍ كَما يُقالُ: طَعامُ مائِدَةِ الأمِيرِ واحِدٌ، ولَوْ كانَ ألْوانًا شَتّى، بِمَعْنى أنَّهُ لا يَتَبَدَّلُ ولا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الأوْقاتِ، أوْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ ضَرْبًا واحِدًا، لِأنَّ المَنَّ والسَّلْوى مِن طَعامِ أهْلِ التَّلَذُّذِ والسَّرَفِ، وكَأنَّ القَوْمَ كانُوا فَلّاحَةً، فَما أرادُوا إلّا ما ألِفُوهُ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَطْبُخُونَهُما مَعًا، فَيَصِيرُ طَعامًا واحِدًا، والقَوْلُ بِأنَّ هَذا القَوْلَ كانَ قَبْلَ نُزُولِ السَّلْوى نازِلٌ مِنَ القَوْلِ، وأهْوَنُ مِنهُ القَوْلُ بِأنَّهم أرادُوا بِالطَّعامِ الواحِدِ السَّلْوى، لِأنَّ المَنَّ كانَ شَرابًا أوْ شَيْئًا يَتَحَلَّوْنَ بِهِ، فَلَمْ يَعُدُّوهُ طَعامًا آخَرَ، وإلّا نَزَلَ القَوْلُ بِأنَّهُ عَبَّرَ بِالواحِدِ عَنِ الِاثْنَيْنِ، كَما عَبَّرَ بِالِاثْنَيْنِ عَنِ الواحِدِ، في نَحْوِ ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ وإنَّما يَخْرُجُ مِن أحَدِهِما، وهو المِلْحُ دُونَ العَذْبِ، ﴿ فادْعُ لَنا رَبَّكَ ﴾ أيْ سَلْهُ لِأجْلِنا بِدُعائِكَ إيّاهُ بِأنْ يُخْرِجَ لَنا كَذا وكَذا، والفاءُ لِسَبَبِيَّةِ عَدَمِ الصَّبْرِ لِلدُّعاءِ، ولُغَةُ بَنِي عامِرٍ (فادْعِ) بِكَسْرِ العَيْنِ، جَعَلُوا دَعا مِن ذَواتِ الياءِ كَرَمى، وإنَّما سَألُوا مِن مُوسى أنْ يَدْعُوَ لَهم لِأنَّ دُعاءَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أقْرَبُ لِلْإجابَةِ مِن دُعاءِ غَيْرِهِمْ، عَلى أنَّ دُعاءَ الغَيْرِ لِلْغَيْرِ مُطْلَقًا أقْرَبُ إلَيْها، فَما ظَنُّكَ بِدُعاءِ الأنْبِياءِ لِأُمَمِهِمْ، ولِهَذا «قالَ  لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (أشْرِكْنا في دُعائِكَ)،» وفي الأثَرِ: «(ادْعُونِي بِألْسِنَةٍ لَمْ تَعْصُونِي فِيها)،» وحُمِلَتْ عَلى ألْسِنَةِ الغَيْرِ، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِتَمْهِيدِ مَبادِي الإجابَةِ، وقالُوا: (رَبَّكَ) ولَمْ يَقُولُوا: رَبَّنا، لِأنَّ في ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِصاصِ بِهِ ما لَيْسَ فِيهِمْ مِن مُناجاتِهِ وتَكْلِيمِهِ وإيتائِهِ التَّوْراةَ، فَكَأنَّهم قالُوا: ادْعُ لَنا المُحْسِنَ إلَيْكَ بِما لَمْ يُحْسِنْ بِهِ إلَيْنا، فَكَما أحْسَنَ إلَيْكَ مِن قَبْلُ نَرْجُو أنْ يُحْسِنَ إلَيْكَ في إجابَةِ دُعائِكَ.

﴿ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها ﴾ المُرادُ بِالإخْراجِ المَعْنى المَجازِيَّ اللّازِمَ لِلْمَعْنى الحَقِيقِيِّ، وهو الإظْهارُ بِطَرِيقِ الإيجادِ لا بِطَرِيقِ إزالَةِ الخَفاءِ، والحَمْلُ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ يَقْتَضِي مَخْرَجًا عَنْهُ، وما يَصْلُحُ لَهُ ها هُنا هو الأرْضُ، وبِتَقْدِيرِهِ يَصِيرُ الكَلامُ سَخِيفًا، (ويُخْرِجْ) مَجْزُومٌ، لِأنَّهُ جَوابُ الأمْرِ، وجَزْمُهُ بِلامِ الطَّلَبِ مَحْذُوفَةً لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، (ومِنَ) الأوْلى تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ مَأْكُولًا بَعْضُ ما تُنْبِتُ، وادَّعى الأخْفَشُ زِيادَتَها، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، (وما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ تُنْبِتُهُ، وجَعْلُها مَصْدَرِيَّةً لَمْ يُجَوِّزْهُ أبُو البَقاءِ لِأنَّ المُقَدَّرَ جَوْهَرٌ، ونِسْبَةُ الإنْباتِ إلى الأرْضِ مَجازٌ مِن بابِ النِّسْبَةِ إلى القابِلِ، وقَدْ أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى في الطَّبَقَةِ الطِّينِيَّةِ مِنَ الأرْضِ أوْ فِيها قُوَّةً قابِلَةً لِذَلِكَ، وكَوْنُ القُوَّةِ القابِلَةِ مُودَعَةً في الحَبِّ دُونَ التُّرابِ، رُبَّما يُفْضِي إلى القَوْلِ بِقِدَمِ الحَبِّ بِالنَّوْعِ، (ومِنَ) الثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ، فالظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ، أيْ كائِنًا مِن بَقْلِها، وقالَ أبُو حَيّانَ: تَبْعِيضِيَّةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ البَدَلِ مِن كَلِمَةِ (ما) فالظَّرْفُ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ (بِيُخْرِجْ)، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، كَما قالَ السّالِيكُوتِيُّ يُفِيدُ أنَّ المَطْلُوبَ إخْراجُ بَعْضِ هَؤُلاءِ، ولَوْ جُعِلَ بَيانًا لَما أفادَهُ (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةُ، كَما قالَهُ المَوْلى عِصامُ الدِّينِ: لَخَلا الكَلامُ عَنِ الإفادَةِ المَذْكُورَةِ، وأوْهَمَ أنَّ المَطْلُوبَ إخْراجُ جَمِيعِ هَؤُلاءِ لِعَدَمِ العَهْدِ، والبَقْلُ جِنْسٌ يَنْدَرِجُ فِيهِ النَّباتُ الرَّطْبُ مِمّا يَأْكُلُهُ النّاسُ والأنْعامُ، والمُرادُ بِهِ هُنا أطايِبُ البُقُولِ الَّتِي يَأْكُلُها النّاسُ، والقِثّاءُ هو هَذا المَعْرُوفُ، وقالَ الخَلِيلُ: هو الخِيارُ، وقَرَأ يَحْيى ابْنُ وثّابٍ وغَيْرُهُ بِضَمِّ القافِ، وهو لُغَةٌ، والفُومُ الحِنْطَةُ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ النّاسِ، حَتّى قالَ الزَّجّاجُ: لا خِلافَ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الفُومَ الحِنْطَةُ، وسائِرُ الحُبُوبِ الَّتِي تُخْتَبَزُ يَلْحَقُها اسْمُ الفُومِ، وقالَ الكِسائِيُّ وجَماعَةٌ: هو الثُّومُ، وقَدْ أُبْدِلَتْ ثاؤُهُ فاءً، كَما في جَدَثٍ وجَدَفٍ، وهو بِالبَصَلِ، والعَدَسِ، أوْفَقُ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ونَفْسُ شَيْخِنا عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ إلَيْهِ تَمِيلُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ الخُبْزُ يُبْعِدُهُ الإنْباتُ مِنَ الأرْضِ، وذِكْرُهُ مَعَ البَقْلِ وغَيْرِهِ، وما في المَعالِمِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ الفُومَ الخُبْزُ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأنَّ مَعْناهُ إنَّهُ يُقالُ عَلَيْهِ، ووَجْهُ تَرْتِيبِ النَّظْمِ أنَّهُ ذُكِرَ أوَّلًا ما هو جامِعٌ لِلْحَرارَةِ، والبُرُودَةِ، والرُّطُوبَةِ، واليُبُوسَةِ، وهو البَقْلُ، إذْ مِنهُ ما هو بارِدٌ رَطْبٌ، كالهِنْدَبا، ومِنهُ ما هو حارٌّ يابِسٌ كالكَرَفْسِ والسَّذابِ، ومِنهُ ما هو حارٌّ وفِيهِ رُطُوبَةٌ كالنَّعْناعِ، وثانِيًا ما هو بارِدٌ رَطْبٌ، وهو القِثّاءُ، وثالِثًا ما هو حارٌّ يابِسٌ، وهو الثُّومُ، ورابِعًا ما هو بارِدٌ يابِسٌ، وهو العَدَسُ، وخامِسًا ما هو حارٌّ رَطْبٌ، وهو البَصَلُ، وإذا طُبِخَ صارَ بارِدًا رَطْبًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ ذُكِرَ أوَّلًا ما يُؤْكَلُ مِن غَيْرِ عِلاجِ نارٍ، وذُكِرَ بَعْدَهُ ما يُعالَجُ بِهِ مَعَ ما يَنْبَغِي فِيهِ ذَلِكَ ويَقْبَلُهُ.

﴿ قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُمْ؟

فَقِيلَ: قالَ ﴿ أتَسْتَبْدِلُونَ ﴾ إلَخْ، والقائِلُ إمّا اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُرَجِّحُهُ كَوْنُ المَقامِ مَقامُ تَعْدادِ النِّعَمِ، أوْ مُوسى نَفْسُهُ، وهو الأنْسَبُ بِسِياقِ النَّظْمِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والِاسْتِبْدالُ الِاعْتِياضُ، فَإنْ قُلْتَ: كَوْنُهم لا يَصْبِرُونَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ، أفْهَمَ طَلَبَ ضَمِّ ذَلِكَ إلَيْهِ لا اسْتِبْدالَهُ بِهِ، أُجِيبَ بِأنَّ قَوْلَهم: ﴿ لَنْ نَصْبِرَ ﴾ يَدُلُّ عَلى كَراهَتِمْ ذَلِكَ الطَّعامَ، وعَدَمُ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ دَلِيلُ الزَّوالِ، فَكَأنَّهم طَلَبُوا زَوالَها، ومَجِيءَ غَيْرِها، وقِيلَ: إنَّهم طَلَبُوا ذَلِكَ، وخِطابُهم بِهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى إذا أعْطاهم ما سَألُوا مَنَعَ عَنْهُمُ المَنَّ والسَّلْوى، فَلا يَجْتَمِعانِ، وقِيلَ: الِاسْتِبْدالُ في المَعِدَةِ، وهو كَما تَرى، وقَرَأ أُبَيٌّ (أتُبَدِّلُونَ)، وهو مَجازٌ، لِأنَّ التَّبْدِيلَ لَيْسَ لَهُمْ، إنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى، لَكِنَّهم لَمّا كانُوا يَحْصُلُ التَّبْدِيلُ بِسُؤالِهِمْ جُعِلُوا مُبَدِّلِينَ، وكانَ المَعْنى: أتَسْألُونَ تَبْدِيلَ الَّذِي إلَخْ، والَّذِي مَفْعُولُ تَسْتَبْدِلُونَ، وهو الحاصِلُ، والَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ هو الزّائِلُ، وهو (أدْنى) صِلَةُ (الَّذِي)، وهو هُنا واجِبُ الإثْباتِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، إذْ لا طُولَ، (وأدْنى) إمّا مِنَ الدُّنُوِّ، أوْ مَقْلُوبٌ مِنَ الدُّونِ، وهو عَلى الثّانِي ظاهِرٌ، وعَلى الأوَّلِ مَجازٌ اسْتُعِيرَ فِيهِ الدُّنُوُّ بِمَعْنى القُرْبِ المَكانِيِّ لِلْخِسَّةِ، كَما اسْتُعِيرَ البُعْدُ لِلشَّرَفِ، فَقِيلَ: بَعِيدُ المَحَلِّ بَعِيدُ الهِمَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَهْمُوزًا مِنَ الدَّناءَةِ، وأُبْدِلَتْ فِيهِ الهَمْزَةُ ألِفًا، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ زُهَيْرٍ والكِسائِيِّ (أدْنَأُ) بِالهَمْزَةِ، وأُرِيدَ بِالَّذِي هو خَيْرٌ المَنُّ والسَّلْوى، ومَعْنى خَيْرِيَّةِ هَذا المَأْكُولِ بِالنِّسْبَةِ إلى ذَلِكَ غَلاءُ قِيمَتِهِ، وطِيبُ لَذَّتِهِ، والنَّفْعُ الجَلِيلُ في تَناوُلِهِ، وعَدَمُ الكُلْفَةِ في تَحْصِيلِهِ، وخُلُوُّهُ عَنِ الشُّبْهَةِ في حِلِّهِ، ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا ﴾ جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ كالأُولى، وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى في المَحْكِيِّ لِأنَّ الأُولى خَبَرٌ مَعْنًى، وهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، ولِكَوْنِها كالمُبَيِّنَةِ لَها، فَإنَّ الإهْباطَ طَرِيقُ الِاسْتِبْدالِ، هَذا إذا جُعِلَ الجُمْلَتانِ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أوْ كَلامِ مُوسى، وإنْ جُعِلَ إحْداهُما مِن مُوسى، والأُخْرى مِنَ اللَّهِ تَعالى فَوَجْهُ الفَصْلِ ظاهِرٌ، والوَقْفُ عَلى خَبَرٍ كافٍ عَلى الأوَّلِ، وتامٌّ عَلى الثّانِي، والهُبُوطُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَكانِيًّا بِأنْ يَكُونَ التِّيهُ أرْفَعَ مِنَ المِصْرِ، وأنْ يَكُونَ رُتَبِيًّا، وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ، وقُرِئَ (اهْبُطُوا) بِضَمِّ الهَمْزَةِ والباءِ، والمِصْرُ البَلَدُ العَظِيمُ، وأصْلُهُ الحَدُّ والحاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، قالَ: وجاعِلُ الشَّمْسِ مِصْرًا لا خَفاءَ بِهِ بَيْنَ النَّهارِ وبَيْنَ اللَّيْلِ قَدْ فَصَلا وإطْلاقُهُ عَلى البَلَدِ، لِأنَّهُ مَمْصُورٌ، أيْ مَحْدُودٌ، وأخْذُهُ مِن مَصَرْتُ الشّاةَ أمْصُرُها إذا حَلَبْتَ كُلَّ شَيْءٍ في ضَرْعِها بَعِيدٌ، وحُكِيَ عَنْ أشْهَبَ أنَّهُ قالَ: قالَ لِي مالِكٌ: هي مِصْرُ قَرْيَتُكَ مَسْكَنُ فِرْعَوْنَ، فَهو إذًا عَلَمٌ، وأسْماءُ المَواضِعِ قَدْ تُعْتَبَرُ مِن حَيْثُ المَكانِيَّةُ فَتُذَكَّرُ، وقَدْ تُعْتَبَرُ مِن حَيْثُ الأرْضِيَّةُ فَتُؤَنَّثُ، فَهو إنْ جُعِلَ عَلَمًا فَإمّا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بَلْدَةً، فالصَّرْفُ مَعَ العَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ لِسُكُونِ الوَسَطِ، وإمّا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بَلَدًا، فالصَّرْفُ عَلى بابِهِ، إذِ الفَرْعِيَّةُ الواحِدَةُ لا تَكْفِي في مَنعِهِ، ويُؤَيِّدُ ما قالَهُ الإمامُ مالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( مِصْرَ ) بِلا ألِفٍ بَعْدِ الرّاءِ، ويُبْعِدُهُ أنَّ الظّاهِرَ مِنَ التَّنْوِينِ التَّنْكِيرُ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ يَعْنِي الشّامَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَكم لِلْوُجُوبِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ النَّهْيِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المَنعَ مِن دُخُولِ أرْضٍ أُخْرى، وأنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالهُبُوطِ مَقْصُورًا عَلى بِلادِ التِّيهِ، وهو ما بَيْنَ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى قِنَّسْرِينَ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ مِصْرَ مُعَرَّبَ مِصْرائِيمَ، كَإسْرائِيلَ، اسْمٌ لِأحَدِ أوْلادِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو أوَّلُ مَنِ اخْتَطَّها، فَسُمِّيَتْ بِاسْمِهِ، وإنَّما جازَ الصَّرْفُ حِينَئِذٍ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالعُجْمَةِ لِوُجُودِ التَّعْرِيبِ والتَّصَرُّفِ فِيهِ، فافْهَمْ وتَدَبَّرْ.

﴿ فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ، وفي البَحْرِ أنَّها جَوابٌ لِلْأمْرِ، وكَما يُجابُ بِالفِعْلِ يُجابُ بِالجُمْلَةِ، وفي ذَلِكَ مَحْذُوفانِ ما يَرْبِطُ الجُمْلَةَ بِما قَبْلَها، والضَّمِيرُ العائِدُ عَلى ما، والتَّقْدِيرُ فَإنَّ لَكم فِيها ما سَألْتُمُوهُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ الأشْياءِ المَسْؤُولَةِ (بِـما) لِلِاسْتِهْجانِ بِذِكْرِها، وقَرَأ النَّخَعِيُّ ويَحْيى (سِألْتُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ.

﴿ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ ﴾ أيْ جُعِلَ ذَلِكَ مُحِيطًا بِهِمْ إحاطَةَ القُبَّةِ بِمَن ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، أوْ أُلْصِقَ بِهِمْ مِن ضَرْبِ الطِّينِ عَلى الحائِطِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ حَيْثُ شَبَّهَ ذَلِكَ بِالقُبَّةِ، أوْ بِالطِّينِ، (وضُرِبَتِ) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ لِمَعْنى الإحاطَةِ والشُّمُولِ أوِ اللُّزُومِ واللُّصُوقِ بِهِمْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ، فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ أذِلّاءَ مُتَصاغِرِينَ، وذَلِكَ بِما ضُرِبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجِزْيَةِ الَّتِي يُؤَدُّونَها عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ، وبِما أُلْزِمُوهُ مِن إظْهارِ الزِّيِّ لِيُعْلَمَ أنَّهم يَهُودُ، ولا يَلْتَبِسُوا بِالمُسْلِمِينَ، وبِما طُبِعُوا عَلَيْهِ مِن فَقْرِ النَّفْسِ وشُحِّها، فَلا تَرى مِلَّةً مِنَ المِلَلِ أحْرَصَ مِنهُمْ، وبِما تَعَوَّدُوا عَلَيْهِ مِن إظْهارِ سُوءِ الحالِ مَخافَةَ أنْ تُضاعَفَ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَراهُ في اليَهُودِ اليَوْمَ، وهَذا الضَّرْبُ مُجازاةٌ لَهم عَلى كُفْرانِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، وبِهَذا ارْتَبَطَتِ الآيَةُ بِما قَبْلَها، وإنَّما أوْرَدَ ضَمِيرَ الغائِبِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى جَمِيعِ اليَهُودِ، وشامِلٌ لِلْمُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ ﴾ ولِمَن يَأْتِي بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلَيْسَ مِن قَبِيلِ الِالتِفاتِ عَلى ما وُهِمَ، ﴿ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ نَزَلُوا وتَمَكَّنُوا بِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ البَلاءِ والنِّقَمِ في الدُّنْيا، أوْ بِما تَحَقَّقَ لَهم مِنَ العَذابِ في العُقْبى، أوْ بِما كُتِبَ عَلَيْهِمْ مِنَ المَكارِهِ فِيهِما، أوْ رَجَعُوا بِغَضَبٍ، أيْ صارَ عَلَيْهِمْ، ولِذا لَمْ يُحْتَجْ إلى اعْتِبارِ المَرْجُوعِ إلَيْهِ، أوْ صارُوا أحِقّاءَ بِهِ، أوِ اسْتَحَقُّوا العَذابَ بِسَبَبِهِ، وهو بَعِيدٌ، وأصْلُ البَواءِ بِالفَتْحِ، والضَّمِّ، مُساواةُ الأجْزاءِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُساواةٍ، فَيُقالُ: هو بَواءُ فُلانٍ أيْ كَفْؤُهُ، ومِنهُ بُؤْ، لِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ، وحَدِيثُ (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ)، وفي وصْفِ الغَضَبِ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ بَعْدَ تَعْظِيمٍ، وتَفْخِيمٌ بَعْدَ تَفْخِيمٍ.

﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ أشارَ بِذَلِكَ إلى ما سَبَقَ مِن ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، والبَوْءِ بِالغَضَبِ العَظِيمِ، وإنَّما بَعَّدَهُ لِبُعْدِ بَعْضِهِ حَتّى لَوْ كانَ إشارَةً إلى البَوْءِ لَمْ يَكُنْ عَلى لَفْظِ البَعِيدِ أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم أدْرَكَتْهم هَذِهِ الأُمُورُ مَعَ بُعْدِهِمْ عَنْها لِكَوْنِهِمْ أهْلَ الكِتابِ، أوْ لِلْإيماءِ إلى بُعْدِها في الفَظاعَةِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي داخِلَةٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ، ولَمْ يُعَبِّرْ بِهِ، وعَبَّرَ بِما عَبَّرَ تَنْبِيهًا عَلى تَجَدُّدِ الكُفْرِ، والقَتْلِ مِنهم حِينًا بَعْدَ حِينٍ، واسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْهِما فِيما مَضى، أوْ لِاسْتِحْضارِ قَبِيحِ صُنْعِهِمْ، والآياتُ إمّا المُعْجِزاتُ مُطْلَقًا، أوِ التِّسْعُ الَّتِي أتى بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ ما جاءَ بِهِ مِنَ التِّسْعِ وغَيْرِها، أوْ آياتُ الكُتُبِ المَتْلُوَّةِ مُطْلَقًا، أوِ التَّوْراةُ، أوْ آياتٌ مِنها كالآياتِ الَّتِي فِيها صِفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوِ الَّتِي فِيها الرَّجْمُ، أوِ القُرْآنُ، وفي إضافَةِ الآياتِ إلى اسْمِهِ تَعالى زِيادَةُ تَشْنِيعٍ عَلَيْهِمْ، وبَدَأ سُبْحانَهُ بِكُفْرِهِمْ بِآياتِهِ لِأنَّهُ أعْظَمُ كُلِّ عَظِيمٍ، وأرْدَفَهُ بِقَتْلِهِمُ النَّبِيِّينَ لِأنَّهُ كالمُنْشَإ لَهُ، وأتى بِالنَّبِيِّينَ الظّاهِرِ في القِلَّةِ دُونَ الأنْبِياءِ الظّاهِرِ في الكَثْرَةِ إذْ فَرَّقَ بَيْنَ الجَمْعَيْنِ إذا كانا نَكِرَتَيْنِ، وأمّا إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِما (ألْ) فَيَتَساوَيانِ، كَما في البَحْرِ، فَلا يَرُدُّ أنَّهم قَتَلُوا ثَلاَثَمِائَةِ نَبِيٍّ في أوَّلِ النَّهارِ، وأقامُوا سُوقَهم في آخِرِهِ، وقَيَّدَ القَتْلَ بِغَيْرِ الحَقِّ مَعَ أنَّ قَتْلَ الأنْبِياءِ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ الحَقِّ عِنْدَهُمْ، إذْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مُعْتَقِدًا حَقِّيَّةَ قَتْلِ أحَدٍ مِنهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإنَّما حَمَلَهم عَلَيْهِ حُبُّ الدُّنْيا واتِّباعُ الهَوى، والغُلُوُّ في العِصْيانِ، والِاعْتِداءِ، فاللّامُ في الحَقِّ عَلى هَذا لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنَّها لِلْجِنْسِ، والمُرادُ بِغَيْرِ حَقٍّ أصْلًا إذْ لامُ الجِنْسِ المُبْهَمِ كالنَّكِرَةِ، ويُؤَيِّدُهُ ما في آلِ عِمْرانَ (بِغَيْرِ الحَقِّ)، فَيُفِيدُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَقًّا بِاعْتِقادِهِمْ أيْضًا، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فائِدَةُ التَّقْيِيدِ إظْهارَ مَعايِبِ صَنِيعِهِمْ، فَإنَّهُ قُتِلَ النَّبِيُّ، ثُمَّ جَماعَةٌ مِنهُمْ، ثُمَّ كَوْنُهُ بِغَيْرِ الحَقِّ، وهَذا أوْفَقُ بِما هو الظّاهِرُ مِن كَوْنِ المَنهِيِّ القَتْلَ بِغَيْرِ الحَقِّ في نَفْسِ الأمْرِ سَواءٌ كانَ حَقًّا عِنْدَ القاتِلِ، أوْ لا، إلّا أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى القَتْلِ بِغَيْرِ الحَقِّ عِنْدَهم أنْسَبُ لِلتَّعْرِيضِ بِما هم فِيهِ عَلى ما قِيلَ، والقَوْلُ: بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَوْ لَمْ يُقَيِّدْ بِغَيْرِ الحَقِّ، لَأفادَ أنَّ مِن خَواصِّ النُّبُوَّةِ أنَّهُ لَوْ قَتَلَ أحَدًا بِغَيْرِ الحَقِّ لا يَقْتَصُّ، فَفائِدَةُ التَّقْيِيدِ أنْ يَكُونَ النَّظْمُ مُفِيدًا لِما هو الحُكْمُ الشَّرْعِيُّ بَعِيدٌ كَما لا يَخْفى، قالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: هَذا كُلُّهُ إذا كانَ الغَيْرُ بِمَعْنى النَّفْيِ، أيْ بِلا حَقٍّ، أمّا إذا كانَ مَعْناهُ أيْ بِسَبَبِ أمْرٍ مُغايِرٍ لِلْحَقِّ، أيِ الباطِلِ، فالتَّقْيِيدُ مُفِيدٌ لِأنَّ قَتْلَهُمُ النَّبِيِّينَ بِسَبَبِ الباطِلِ، وحِمايَتِهِ، وقَرِيبٌ مِن هَذا ما قالَهُ القَفّالُ: مِن إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهم كاذِبُونَ، وأنَّ مُعْجِزاتِهِمْ تَمْوِيهاتٌ، ويَقْتُلُونَهم بِهَذا السَّبَبِ، وبِأنَّهم يُرِيدُونَ إبْطالَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ بِزَعْمِهِمْ، ولَعَلَّ ذَلِكَ غالِبُ أحْوالِهِمْ، وإلّا فَإشْعِياءُ، ويَحْيى وزَكَرِيّا عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمْ يُقْتَلُوا لِذَلِكَ، وإنَّما قُتِلَ إشْعِياءُ لِأنَّ مَلِكًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا ماتَ مَرَجَ أمَرُ بَنِي إسْرائِيلَ، وتَنافَسُوا المُلْكَ، وقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَنَهاهم عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَغَوْا عَلَيْهِ، وقَتَلُوهُ، ويَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما قُتِلَ لِقِصَّةِ تِلْكَ الِامْرَأةِ لَعَنَها اللَّهُ تَعالى، وكَذَلِكَ زَكَرِيّا، لِأنَّهُ لَمّا قُتِلَ ابْنُهُ انْطَلَقَ هارِبًا، فَأرْسَلَ المَلِكُ في طَلَبِهِ غَضَبًا لِما حَصَلَ لِامْرَأتِهِ مِن قَتْلِ ابْنِهِ، فَوُجِدَ في جَوْفِ شَجَرَةٍ، فَفَلَقُوا الشَّجَرَةَ مَعَهُ فِلْقَتَيْنِ طُولًا بِمِنشارٍ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مِمّا تَنازَعَ فِيهِ الكُفْرُ والقَتْلُ، وفي البَحْرِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وزَعَمَ بَعْضُ المُلْحِدِينَ أنَّ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، وما أشْبَهَها، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا ﴾ تَناقُضًا، وأُجِيبَ بِأنَّ المَقْتُولِينَ مِنَ الأنْبِياءِ، والمَوْعُودَ بِنَصْرِهِمُ الرُّسُلُ، ورُدَّ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْتُولَ رُسُلٌ أيْضًا، وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ المُرادَ النُّصْرَةُ بِغَلَبَةِ الحُجَّةِ، أوِ الأخْذِ بِالثَّأْرِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّرَ أنْ يَقْتُلَ بِكُلِّ نَبِيٍّ سَبْعِينَ ألْفًا، وبِكُلِّ خَلِيفَةٍ خَمْسًا وثَلاثِينَ ألْفًا، ولا يَخْفى ما فِيهِ، فالأحْسَنُ أنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ المَأْمُورُونَ بِالقِتالِ كَما أجابَ بِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، لِأنَّ أمْرَهم بِالقِتالِ وعَدَمَ عِصْمَتِهِمْ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، وقَرَأ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (يُقَتِّلُونَ) بِالتَّشْدِيدِ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ عَنْهُ (وتَقْتُلُونَ) بِالتّاءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الِالتِفاتِ، وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزِ النَّبِيِّينَ، وكَذا النَّبِيُّ والنُّبُوَّةُ، واسْتُشْكِلَ بِما رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ  : (يا نَبِيءَ اللَّهِ)، بِالهَمْزِ، فَقالَ: (لَسْتُ بِنَبِيءِ اللَّهِ) يَعْنِي مَهْمُوزًا، (ولَكِنْ نَبِيُّ اللَّهِ)، بِغَيْرِ هَمْزَةٍ،» فَأنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولِهَذا مَنَعَ بَعْضُهم مِن إطْلاقِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، عَلى أنَّهُ اسْتُشْكِلَ أيْضًا جَمْعُ النَّبِيِّ عَلى نَبِيِّينَ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ لا يُجْمَعُ جَمْعَ مُذَكَّرٍ سالِمٍ، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ أبا زَيْدٍ حَكى نَبَأْتُ مِنَ الأرْضِ إذا خَرَجْتَ مِنها، فَمُنِعَ لِوَهْمِ أنَّ مَعْناهُ يا طَرِيدَ اللَّهِ تَعالى، فَنَهاهُ عَنْ ذَلِكَ لِإيهامِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن صِحَّةِ اسْتِعْمالِ اللَّهِ تَعالى لَهُ في حَقِّ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِي بَرَّأهُ مِن كُلِّ نَقْصٍ جَوازُهُ مِنَ البَشَرِ، وقِيلَ: إنَّ النَّهْيَ كانَ خاصًّا في صَدْرِ الإسْلامِ، حَيْثُ دَسائِسُ اليَهُودِ كانَتْ فاشِيَةً، وهَذا كَما نُهِيَ عَنْ قَوْلِ (راعِنا) إلى قَوْلِ (انْظُرْنا)، وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ لَيْسَ بِمُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، إذْ قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى فاعِلٍ، ولَوْ سُلِّمَ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مَعْناهُ الأصْلِيِّ، ولَمْ يُلاحَظْ فِيهِ هَذا، إذْ يُطْلِقُهُ عَلَيْهِ مَن لا يَعْرِفُ ذَلِكَ، فَصَحَّ جَمْعُهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى الغالِبِ عَلَيْهِ، فَتَدَبَّرْ.

﴿ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ إشارَةٌ إلى الكُفْرِ والقَتْلِ الواقِعَيْنِ سَبَبًا لِما تَقَدَّمَ، وجازَتِ الإشارَةُ بِالمُفْرَدِ إلى مُتَعَدِّدٍ لِلتَّأْوِيلِ بِالمَذْكُورِ، ونَحْوِهِ مِمّا هو مُفْرَدٌ لَفْظًا مُتَعَدِّدٌ مَعْنًى، وقَدْ يَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ في الضَّمِيرِ حَمْلًا عَلَيْهِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وما بَعْدَها سَبَبٌ لِلسَّبَبِ، والمَعْنى: إنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ إنَّما هو تَقَدُّمُ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ ومُجاوَزَتِهِمُ الحُدُودَ، والذَّنْبُ يَجُرُّ الذَّنْبَ، وأكَّدَ الأوَّلَ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الِاسْتِبْعادِ بِخِلافِ مُطْلَقِ العِصْيانِ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى مَعَ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِالأوَّلِ، وتُرِكَ العاطِفُ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُسْتَقِلٌّ في اسْتِحْقاقِ الضَّرْبِ، فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا، وضُعِّفَ هَذا الوَجْهُ بِأنَّ التَّكْرارَ خِلافُ الأصْلِ مَعَ فَواتِ مَعْنًى لَطِيفٍ حَصَلَ بِالأوَّلِ، وسابِقِهِ، بِأنَّهُ لا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ لِإيرادِ كَلِمَةِ ذَلِكَ فائِدَةٌ، إذِ الظّاهِرُ بِما عَصَوْا إلَخْ، ويَفُوتُ أيْضًا ما يَفُوتُ، وحَظُّ العارِفِ مِن هَذِهِ الآياتِ الِاعْتِبارُ بِحالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَرْضَوْا بِالقَضاءِ، ولَمْ يَشْكُرُوا عَلى النَّعْماءِ، ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى البَلْواءِ، كَيْفَ ضَرَبَ عَلَيْهِمْ ذُلَّ الطُّغْيانِ قَبْلَ وُجُودِ الأكْوانِ، وقَهَرَهم بِلَطْمَةِ المَسْكَنَةِ في بَيْداءِ الخِذْلانِ، وألْبَسَ قُلُوبَهم حُبَّ الدُّنْيا، وأهْبَطَهم مِنَ الدَّرَجَةِ العُلْيا.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ الطَّعامُ الواحِدُ هو الغِذاءُ الرُّوحانِيُّ مِنَ الحِكْمَةِ والمَعْرِفَةِ، وما تُنْبِتُهُ الأرْضُ هو الشَّهَواتُ الخَبِيثَةُ، واللَّذّاتُ الخَسِيسَةُ، والتَّفَكُّهاتُ البارِدَةُ النّاشِئَةُ مِن أرْضِ النُّفُوسِ المُبْتَذَلَةِ في مِصْرَ البَدَنِ، المُوجِبَةُ لِلذِّلَّةِ لِمَن ذاقَها، والمَسْكَنَةِ لِمَن لاكَها، والهَلاكِ لِمَنِ ابْتَلَعَها وسَبَبُ طَلَبِ ذَلِكَ الِاحْتِجابِ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى وتَجَلِّياتِهِ، وتَسْوِيدِ القُلُوبِ بِدَرَنِ الذُّنُوبِ، وقَطْعِ ورِيدِها بِقَطْعِ وارِدِها، والَّذِي يَجُرُّ إلى هَذا الغَفْلَةُ عَنِ المَحْبُوبِ، والِاعْتِياضُ بِالأغْيارِ عَنْ ذَلِكَ المَطْلُوبِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى لَنا ولَكُمُ العافِيَةَ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ، أي من جنس واحد فَادْعُ لَنا رَبَّكَ، أي سل لنا ربك يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ، أي مما تخرج الأرض مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها.

وقوله بَقْلِها أراد به البقول كلها، وقوله وَقِثَّائِها أراد به جميع ما يخرج من الفاكهة مثل القثاء والبطيخ ونحو ذلك، وقوله: وَفُومِها، أي طعامها وهي الحبوب كلها، ويقال: هي الحنطة خاصة.

وقال مجاهد: الفوم الخبز.

وقال الفراء: فومي لنا يا جارية، يعني اخبزي لنا.

ويقال: الفوم هو الثوم، والعرب تبدل الفاء بالثاء لقرب مخرجهما.

وفي قراءة عبد الله بن مسعود وثومها وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا.

فغضب عليهم موسى-  - قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، يعني أتستبدلون الرديء من الطعام بالذي هو خير أي بالشريف الأعلى؟

ويقال: معناه تسألون الدنيء من الطعام وقد أعطاكم الله الشريف منه وهو المن والسلوى؟

ويقال: أتختارون الدنيء الخسيس وهو الثوم والبصل على الذي هو أعلى وأشرف وهو المن والسلوى؟

فقال الله تعالى لهم: اهْبِطُوا مِصْراً قرأ بعضهم بلا تنوين أي المصر الذي خرجتم منه، وهو مصر فرعون، ومن قرأ مصراً بالتنوين يعني: ادخلوا مصراً من الأمصار، فَإِنَّ لَكُمْ فيه مَّا سَأَلْتُمْ تزرعون وتحصدون، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ.

قال الحسن وقتادة: جعلت عليهم الجزية يعني على ذريتهم.

ويقال: جعل عليهم كدّ العمل، يعني أولئك القوم حتى كانوا ينقلون السرقين.

وَالْمَسْكَنَةُ يعني زي الفقراء.

وقال الكلبي: يعني الرجل من اليهود وإن كان غنياً، يكون عليه زي الفقراء.

وقوله تعالى: وَباؤُ بِغَضَبٍ، يعني استوجبوا الغضب مِنَ اللَّهِ.

قال بعضهم: أصله من الرجوع، يعني رجعوا باللعنة في أثر اللعنة.

ويقال: باؤوا أي احتملوا كما يقال: بوِّئت بهذا الذنب أي احتملته.

ثم قال: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، أي ما أصابهم من الذلة والمسكنة- وهم اليهود- بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، يعني كذَّبوا عيسى وزكريا ويحيى ومحمداً- عليهم وعلى جميع الأنبياء أفضل الصلاة والسلام- وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، أي بغير جرم منهم، وهم زكريا ويحيى.

قرأ نافع النَّبِيِّينَ بالهمزة وكذلك جميع ما في القرآن إلا في سورة الأحزاب: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ، وقرأ الباقون: بغير همز.

وروي عن النبي  إن رجلاً قال له: يا نبيء الله، فقال: «لست بنبيء الله ولكن نبي الله» .

(والنبيين) جماعة النبي.

وأما من قرأ بالهمز، قال أصله من النبأ وهو الخبر لأنه أنبأ عن الله تعالى، وأما من قرأ بغير همز فأصله مهموز، ولكن قريشاً لا تهمز.

وقال بعضهم: هو مأخوذ من النبأة وهو الارتفاع، لأنه شرف على جميع خلقه.

وقال بعضهم: النبيء هو الطريق الواضح، سمي بذلك لأنه طريق الخلق إلى الله تعالى.

قوله: ذلِكَ بِما عَصَوْا، أي ذلك الغضب على اليهود بما عصوا أي بسبب عصيانهم أمر الله تعالى، فخذلهم الله تعالى حين كفروا، فلو أنهم لم يعصوا الله تعالى كانوا معصومين من ذلك.

وَكانُوا يَعْتَدُونَ يعني بقتلهم الأنبياء وركوبهم المعاصي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤)

وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ...

الآيةَ: كان هذا القول منهم في التيه حينَ ملُّوا المَنَّ والسلوى، وتذكَّروا عيشهم الأول بمصْرَ، قال ابنُ عَبَّاس وأكثر المفسِّرين: الفُومُ: الحِنْطَة «١» ، وقال قتادة، وعطاء: الفوم: جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز «٢» ، وقال الضحَّاك: الفوم: الثُّوم، وهي قراءة عبد اللَّه بن مسعود، وروي ذلك عن ابن عبَّاس «٣» ، والثاء تُبْدَلُ من الفاءِ كما قالوا: مَغَاثِيرُ ومَغَافِير «٤» .

ت: قال أحمد بن نصر الدَّاوُوديُّ: وهذا القولُ أشبه لما ذكر معه، أي: من العَدَسِ والبَصَلِ.

انتهى.

وأَدْنى: قال عليُّ بن سليمان الأخْفَشُ «٥» .

مأخوذٌ من الدّنيء البيّن الدناءة بمعنى:

الأَخَسِّ، إلا أنه خُفِّفَت همزته، وقال غيره: هو مأخوذ من الدُّون، أي: الأحط فأصله أَدْوَن، ومعنى الآية: أَتَسْتَبْدِلُونَ البَقْلَ، والْقِثَّاءَ، والفُومَ، وَالعَدَسَ، والبَصَلَ الَّتي هى أدنى بالمَنِّ والسلْوَى الذي هو خيرٌ.

وجمهور النَّاس يقرءون «مِصْراً» بالتنوين «١» ، قال مجاهدٌ وغيره: أراد مِصْراً من الأمصار غير معيَّن «٢» ، واستدلُّوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهَرَتْ به الرواياتُ أنهم سكنوا الشَّام بعد التيه، وقالت طائفة: أراد مِصْرَ فِرْعَونَ بعينها، واستدلوا بما في القرآن من أنَّ اللَّه أورَثَ بني إسْرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، قال في «مختصر الطبريِّ» : وعلى أن المراد مصْر التي خرجُوا منها، فالمعنى: إنَّ الذي تطلُبُونَ كان في البَلَد الَّذي كان فيه عذابُكُم، واستعبادكم، وأسْركم، ثمَّ قال: والأظهر أنهم مُذْ خرجوا من مصْر، لم يرجعوا إليها، واللَّه أعلم.

انتهى.

وقوله تعالى: فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ يقتضي أنه وكلهم إلى أنفسهم، ووَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ «٣» معناه: الزموها كما قالت العرب: ضربة لازب، وَباؤُ بِغَضَبٍ: معناه: مروا متحمِّلين له، قال الطبري: باءوا به، أي: رجعوا به، واحتملوه، ولا بد أن يوصل بَاءَ بخير أو بشرٍّ.

انتهى.

وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ الأشارة ب ذلِكَ إلى ضرب الذلَّة وما بعدهُ، وقوله تعالى: بِغَيْرِ الْحَقِّ تعظيم

للشنعة «١» ، والذَّنْب، ولم يجرم نبيٌّ قطُّ ما يوجبُ قتله، وإنما التسليطُ عليهم بالقَتْل كرامةٌ لهم، وزيادةٌ لهم في منازلهم صلى اللَّه عليهمْ كَمَثَلِ مَنْ يُقْتَلُ في سبيلِ اللَّهِ من المؤمنين، والباء في «بِمَا» باء السبب.

ويَعْتَدُونَ: معناه: يتجاوزون الحُدُود، والاعتداء هو تجاوُزُ الحدِّ.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ ...

الآية.

اختلف في المراد ب الَّذِينَ آمَنُوا في هذه الآية.

فقالت فرقة: الذين آمنوا هم المؤمنون حقّا بنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم، وقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يكون فيهم بمعنى مَنْ ثَبَتَ ودَامَ، وفي سائر الفرق: بمعنى: مَنْ دخَلَ فيه، وقال السُّدِّيُّ: هم أهل الحنيفيَّة ممَّن لم يلحق محمّدا صلّى الله عليه وسلم، والذين هَادُوا، ومن عطف عليهم كذلك ممَّن لم يلحق محمّدا صلّى الله عليه وسلم، وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهودُ، وسُمُّوا بذلك لقولهم:

هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦] ، أي: تبنا، وَالنَّصارى لفظةٌ مشتقَّة من/ النَّصْرِ.

قال ص «٢» : وَالصَّابِئِينَ: قرأ الأكثر بالهمز صَبَأَ النَّجْمُ، والسِّنُّ، إِذا خرج، أي: خَرَجُوا من دينٍ مشهورٍ إِلى غيره، وقرأ نافع «٣» بغير همز، فيحتمل أن يكون من المهموز المُسَهَّل، فيكون بمعنى الأول، ويحتمل أن يكون مِنْ صَبَا غيْرَ مهموزٍ، أي: مَالَ ومنه: [الهزج]

إلى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي ...

وهند مثلها يصبي «٤»

انتهى.

قال ع «٥» : والصّابئ في اللغة: من خرج من دين إلى دين.

وأما المشار إليهم في قوله تعالى: وَالصَّابِئِينَ فقال السديُّ: هم فرقة من أهل

الكتاب «١» ، وقال مجاهد: هم قوم لا دِينَ لهم «٢» ، وقال ابنُ جْرَيْج «٣» : هم قوم تركب دينهم بين اليهوديَّة والمجوسيَّة «٤» ، وقال ابنُ زَيْد: هم قومٌ يقولون لا إله إلا اللَّه، وليس لهم عمل ولا كتابٌ كانوا بجزيرةِ المَوْصِلِ «٥» ، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن، وقتادة: هم قوم يعبدون الملائكةَ، ويصلُّون الخمْسَ إلى القبلة، ويقرءون الزَّبُور رَآهُمْ زيادُ بن أبي سفيان «٦» ، فأراد وضع الجزْيَة عنْهم حتَّى عُرِّفَ أنهم يعبدون الملائكَةَ «٧» .

وقوله تعالى: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ...

الآية: الطُّورَ: اسم الجبلِ الَّذي نُوجِيَ موسى عليه السلام عليه.

قاله ابنُ عبَّاس «٨» ، وقال مجاهدٌ وغيره: الطُّورَ: اسمٌ لكلِّ جبلٍ «٩» ، وقصص هذه الآية أنَّ موسى عليه السلام، لما جاء إلى بني إسرائيل من عنْد اللَّه تعالى بالألواح، فيها التوراة، قال لهم: خُذُوهَا، والتزموها، فقَالُوا: لا، إِلاَّ أنْ يكلَّمنا اللَّهُ بهَا كما كلَّمك، فصُعِقُوا، ثم أُحْيُوا، فقال لهم: خُذُوها، فقالوا: لاَ، فأمر اللَّه الملائكَةَ، فاقتلعت جَبَلاً من جبالِ فِلَسْطِينَ «١٠» طولُه فَرْسَخٌ في مثله، وكذلك كان

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِن اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ .

هَذا قَوْلُهم في التِّيهِ.

وعَنَوْا بِالطَّعامِ الواحِدِ: المَنُّ والسَّلْوى.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: كانَ المَنُّ يُؤْكَلُ بِالسَّلْوى، والسَّلْوى بِالمَنِّ، فَلِذَلِكَ كانا طَعامًا واحِدًا.

والبَقْلُ هاهُنا: اسْمُ جِنْسٍ، وعَنَوْا بِهِ: البُقُولُ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: تَذْهَبُ العامَّةُ إلى أنَّ البَقْلَ: ما يَأْكُلُهُ النّاسُ خاصَّةً دُونَ البَهائِمِ مِنَ النَّباتِ النّاجِمِ الَّذِي يَحْتاجُ في أكْلِهِ إلى طَبْخٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما البَقْلُ: العُشْبُ، وما يَنْبُتُ الرَّبِيعُ مِمّا يَأْكُلُهُ النّاسُ والبَهائِمُ، يُقالُ: بَقَلَتِ الأرْضُ، وأبْقَلَتْ، لُغَتانِ فَصِيحَتانِ: إذا أنْبَتَ البَقْلُ.

وابْتَقَلَتِ الإبِلُ: إذا رَعَتْ.

قالَ أبُو النَّجْمِ يَصِفُ الإبِلَ: تَبَقَّلَتْ في أوَّلِ التَّبَقُّلِ وبَيْنَ رِماحَيْ مالِكٍ ونَهْشَلِ وَفِي "القِثّاءِ" لُغَتانِ: كَسْرُ القافِ وضَمُّها، والكَسْرُ أجْوَدُ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: بِضَمِّ القافِ.

قالَ الفَرّاءُ: الكَسْرُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والضَّمُّ لُغَةُ تَمِيمٍ، وبَعْضُ بَنِي أسَدٍ.

وَفِي "الفُومِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الحِنْطَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، عَنْ أشْياخِهِ، والحَسَنُ، وأبُو مالِكٍ، قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ قَدِيمَةٌ، يَقُولُ أهْلُها: فَوَمُوا لَنا، أيِ: اخْتَبِزُوا لَنا.

.

والثّانِي: أنَّهُ الثَّوْمُ، وهو قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ: "وَثَوْمِها" واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وعَلَّلَ بِأنَّهُ ذَكَرَ مَعَ ما يُشاكِلُهُ، والفاءُ تُبْدَلُ مِنَ الثّاءِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: الجَدَثُ، والجَدَفُ: لِلْقَبْرِ، والأثافِيِّ والأثاثِي: لِلْحِجارَةِ الَّتِي تُوضَعُ تَحْتَ القِدْرِ.

ومَغافِيرُ، والمَغاثِيرُ: لِضَرْبٍ مِنَ الصَّمْغِ.

وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، ومُقاتِلٌ، والكِسائِيُّ، والنَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الحُبُوبُ، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى ﴾ : أيْ: أرادَ ﴿ بِالَّذِي هو خَيْرٌ ﴾ أيْ: أعْلى، يُرِيدُ: أنَّ المَنَّ والسَّلْوى أعْلى ما طَلَبْتُمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِمِصْرٍ مِنَ الأمْصارِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وإنَّما أمَرُوا بِالمِصْرِ، لِأنَّ الَّذِي طَلَبُوهُ في الأمْصارِ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ البَلَدَ المُسَمّى بِمِصْرَ.

وُفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنِ وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ والأعْمَشِ "مِصْرَ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أرادَ مِصْرَ فِرْعَوْنَ، وهَذا قَوْلُ أبُو العالِيَةِ والضَّحّاكُ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، واحْتَجَّ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ.

قالَ: وسُئِلَ عَنْها الأعْمَشُ، فَقالَ: هي مِصْرُ الَّتِي عَلَيْها صالِحُ بْنُ عَلِيٍّ.

وقالَ مُفَضَّلُ الضَّبِّيُّ: سُمِّيَتْ مِصْرًا، لِأنَّها آَخِرُ حُدُودِ المَشْرِقِ، وأوَّلُ حُدُودِ المَغْرِبِ، فَهي حَدٌّ بَيْنَهُما.

والمِصْرُ: الحَدُّ.

وأهْلُ هَجَرَ يَكْتُبُونَ في عَهْدِهِمُ: اشْتَرى فَلانٌ الدّارَ بِمُصَوِّرِها، أيْ: بِحُدُودِها.

وقالَ عَدِيُّ: وجاعِلُ الشَّمْسِ مِصْرًا لا خَفاءَ بِهِ ∗∗∗ بَيْنَ النَّهارِ وبَيْنَ اللَّيْلِ قَدْ فَصَلا وَحَكى ابْنُ فارِسٍ أنَّ قَوْمًا قالُوا: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقَصْدِ النّاسِ إيّاها، كَقَوْلِهِمْ: مَصَرَتِ الشّاةُ، إذا حَلَبْتَها، فالنّاسُ يَقْصِدُونَها، ولا يَكادُونَ يَرْغَبُونَ عَنْها إذا نَزَلُوها.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾ .

أيِ: الزَمُوها، قالَ الفَرّاءُ: الذِّلَّةُ والذُّلُّ: بِمَعْنًى واحِدٍ وقالَ الحَسَنُ: هي الجِزْيَةُ.

وفي المَسْكَنَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الفَقْرُ والفاقَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والسُّدِّيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هي فَقْرُ النَّفْسِ.

والثّانِي: الخُضُوعُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَباءُوا ﴾ أيْ: رَجَعُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الغَضَبِ.

وَقِيلَ إلى جَمِيعِ ما ألْزَمُوهُ مِنَ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ وغَيْرِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ ﴾ .

كانَ نافِعٌ يَهْمِزُ "النَّبِيِّينَ" و"الأنْبِياءَ" و"النُّبُوَّةَ" وما جاءَ مِن ذَلِكَ، إلّا في مَوْضِعَيْنِ في الأحْزابِ: ﴿ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ﴾ ٥٣ ﴿ إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﴾ ٥٠ .

وإنَّما تَرَكَ الهَمْزَ في هَذَيْنَ المَوْضِعَيْنِ لِاجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وباقِي القُرّاءِ لا يَهْمِزُونَ جَمِيعَ المَواضِعِ.

قالَ الزَّجّاجَ: الأجْوَدُ تَرْكُ الهَمْزِ.

واشْتِقاقُ النَّبِيِّ مِن: نَبَّأ، وأنْبَأ، أيْ: أخْبَرَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن: نَبا يَنْبُو: إذا ارْتَفَعَ، فَيَكُونُ بِغَيْرِ هَمْزٍ: فَعِيلًا، مِنَ الرِّفْعَةِ.

قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَقْتُلُ في اليَوْمِ ثَلاثَمِائَةَ نَبِيٍّ، ثُمَّ يُقِيمُونَ سُوقَ بَقْلِهِمْ في آَخِرِ النَّهارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: بِغَيْرِ جُرْمٍ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ تَوْكِيدٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ ﴾ .

والثّالِثُ: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الصِّفَةِ لِقَتْلِهِمْ أنَّهُ ظُلْمٌ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ﴾ فَوَصَفَ حُكْمَهُ بِالحَقِّ، ولَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّهُ يَحْكُمُ بِغَيْرِ الحَقِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ العُدْوانُ: أشَدُّ الظُّلْمِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الِاعْتِداءُ: مُجاوَزَةُ القَدْرِ في كُلٍّ شَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِن اللهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ النَبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهم في التِيهِ، حِينَ مَلُّوا المَنَّ والسَلْوى، وتَذَكَّرُوا عَيْشَهُمُ الأوَّلَ بِمِصْرَ، وكَنّى عَنِ المَنِّ والسَلْوى بـِ "طَعامٍ" واحِدٍ، وهُما طَعامانِ لِأنَّهُما كانا يُؤْكَلانِ في وقْتٍ واحِدٍ، ولِتَكْرارِهِما سَواءٌ أبَدًا، قِيلَ لَهُما طَعامٌ "واحِدٌ"، ولُغَةُ بَنِي عامِرٍ "فادْعُ" بِكَسْرِ العَيْنِ، و"يُخْرِجْ" جُزِمَ بِما تَضَمَّنَهُ الأمْرُ مِن مَعْنى الجَزاءِ، وبِنَفْسِ الأمْرِ عَلى مَذْهَبِ أبِي عُمَرَ الجَرْمِيِّ.

والمَفْعُولُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: مَأْكُولًا مِمّا تَنْبُتُ الأرْضُ، وقالَ الأخْفَشُ "مِن" في قَوْلِهِ: "مِمّا" زائِدَةٌ و"ما" مَفْعُولَةٌ، وأبى سِيبَوَيْهِ أنْ تَكُونَ "مِن" مُلْغاةٍ في غَيْرِ النَفْيِ، كَقَوْلِهِمْ: "ما رَأيْتُ مِن أحَدٍ".

ومِن في قَوْلِهِ: ﴿ مِن بَقْلِها ﴾ ، لِبَيانِ الجِنْسِ، و"بَقْلِها" بَدَلٌ بِإعادَةِ الحَرْفِ.

والبَقْلُ كُلُّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ مِنَ النَجْمِ.

والقِثّاءُ جَمْعُ قَثَأةَ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ "قِثّائِها" بِضَمِّ القافِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الفُومُ الحِنْطَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الفُومُ الخُبْزُ، وقالَ عَطاءٌ وقَتادَةُ، الفُومُ جَمِيعُ الحُبُوبِ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ تُخْبَزَ كالحِنْطَةِ والفُولِ والعَدْسِ ونَحْوِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: الفُومُ الثَوْمُ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِالثاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والثاءُ تُبُدَلُ مِنَ الفاءِ كَما قالُوا: مَغاثِيرُ ومَغافِيرُ وجَدَثٌ وجَدَفٌ، ووَقَعُوا في عاثُورِ شَرٍّ وعافُورِ شَرٍّ عَلى أنَّ البَدَلَ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، والأوَّلُ أصَحُّ أنَّها الحِنْطَةُ، وأنْشَدَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلَ أُحَيْحَةَ بْنِ الجَلّاحِ: قَدْ كُنْتُ أغْنى الناسِ شَخْصًا واجِدًا ورَدَ المَدِينَةَ عن زِراعَةِ فُومِ يَعْنِي حِنْطَةً، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الفُومُ الزَرْعُ أوِ الحِنْطَةُ.

وأزِدِ السَراةَ يُسَمَّوْنَ السُنْبُلَ فُومًا.

والِاسْتِبْدالُ طَلَبُ وضْعِ الشَيْءِ مَوْضِعَ الآخَرِ و"أدْنى" مَأْخُوذٌ عِنْدَ أبِي إسْحاقَ الزَجّاجَ مِنَ الدُنُوِّ أيِ: القُرْبِ في القِيمَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَهْمُوزٌ مِنَ الدَنِيءِ البَيِّنِ الدَناءَةِ، بِمَعْنى الأخَسِّ إلّا أنَّهُ خُفِّفَتْ هَمْزَتُهُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُونِ أيِ الأحَطِّ، فَأصْلُهُ أدْوَنُ أفْعَلُ، قُلِبَ فَجاءَ أفَلْعُ، وقُلِبَتِ الواوُ ألْفًا لِتَطَرُّفِها.

وقَرَأ زُهَيْرٌ لِلْكِسائِيِّ "أدْنَأ".

ومَعْنى الآيَةِ: أتُسْتَبْدَلُونَ البَقْلَ والقِثّاءَ والفُومَ والعَدَسَ والبَصَلَ الَّتِي هي أدْنى بِالمَنِّ والسَلْوى الَّذِي هو خَيْرٌ.؟

والوَجْهُ الَّذِي يُوجِبُ فَضْلَ المَنِّ والسَلْوى عَلى الشَيْءِ الَّذِي طَلَبُوهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفاضُلَها في القِيمَةِ، لِأنَّ هَذِهِ البُقُولَ لا خَطَرَ لَها، وهَذا قَوْلُ الزَجّاجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُفَضِّلَ المَنَّ والسَلْوى لِأنَّهُ الطَعامُ الَّذِي مِنَ اللهِ بِهِ، وأمَرَهم بِأكْلِهِ، وفي اسْتِدامَةِ أمْرِ اللهِ تَعالى وشُكْرِ نِعْمَتِهِ أجْرٌ وذُخْرٌ في الآخِرَةِ، والَّذِي طَلَبُوا عارٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ، فَكَأنَّ أدْنى مِن هَذا الوَجْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُفَضَّلَ في الطِيبِ واللَذَّةِ بِهِ، فالبُقُولُ لا مَحالَةَ أدْنى مِن هَذا الوَجْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُفَضَّلَ في حُسْنِ الغِذاءِ ونَفْعِهِ، فالمَنُّ والسَلْوى خَيْرٌ لا مَحالَةَ في هَذا الوَجْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُفَضَّلَ مِن جِهَةِ أنَّهُ لا كُلْفَةَ فِيهِ ولا تَعَبَ، والَّذِي طَلَبُوا لا يَجِيءُ إلّا بِالحَرْثِ والزِراعَةِ والتَعَبِ، فَهو "أدْنى" في هَذا الوَجْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُفَضَّلَ في أنَّهُ لا مِرْيَةَ في حَلِّهِ وخُلُوصِهِ، لِنُزُولِهِ مِن عِنْدِ اللهِ، والحُبُوبِ والأرْضِ يَتَخَلَّلُها البُيُوعُ والغُصُوبُ، وتَدْخُلُها الشُبَهُ فَهي "أدْنى" في هَذا الوَجْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَرَتَّبُ الفَضْلُ لِلْمَنِّ والسَلْوى بِهَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها.

وفِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَدَعا مُوسى رَبَّهُ فَأجابَهُ فَقالَ لَهُمُ: "اهْبِطُوا" وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَعْنى الهُبُوطِ، وكَأنَّ القادِمَ عَلى قُطْرٍ مُنْصَبٍّ عَلَيْهِ، فَهو مِن نَحْوِ الهُبُوطِ.

وجُمْهُورُ الناسِ يَقْرَؤُونَ "مِصْرًا" بِالتَنْوِينِ، وهو خَطُّ المُصْحَفِ إلّا ما حُكِيَ عن بَعْضِ مَصاحِفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: مِمَّنْ صَرَفَها أرادَ مِصْرًا مِنَ الأمْصارِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، واسْتَدَلُّوا بِما اقْتَضاهُ القُرْآنُ مِن أمْرِهِمْ بِدُخُولِ القَرْيَةِ، وبِما تَظاهَرَتْ بِهِ الرِوايَةُ أنَّهم سَكَنُوا الشامَ بَعْدَ التِيهِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: مَن صَرَفَها أرادَ / مِصْرَ فِرْعَوْنَ بِعَيْنِها، واسْتَدَلُّوا بِما في القُرْآنِ مِن أنَّ اللهَ أورَثَ بَنِي إسْرائِيلَ دِيارَ آلِ فِرْعَوْنَ وآثارَهُمْ، وأجازُوا صَرْفَها قالَ الأخْفَشُ: لِخِفَّتِها وشَبَّهَها بِهِنْدَ ودَعْدَ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُ هَذا، وقالَ غَيْرُ الأخْفَشِ: أرادَ المَكانَ فَصَرَفَ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ، وغَيْرُهُما: "اهْبِطُوا مِصْرَ" بِتَرْكِ الصَرْفِ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وقالُوا: هي مِصْرُ فِرْعَوْنَ.

قالَ الأعْمَشُ: هي مِصْرُ الَّتِي عَلَيْها صالِحُ بْنُ عَلِيٍّ، وقالَ أشْهَبُ: قالَ لِي مالِكٌ: هي عِنْدِي مِصْر، قَرْيَتُكَ، مَسْكَنُ فِرْعَوْنَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ وكَلَهم إلى أنْفُسِهِمْ.

وقَرَأ النَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: "سَألْتُمْ" بِكَسْرِ السِينِ وهي لُغَةٌ.

﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ والمَسْكَنَةُ ﴾ مَعْناهُ: الزَمُوها، وقُضِيَ عَلَيْهِمْ بِها، كَما يُقالُ: ضَرَبَ الأمِيرُ البَعْثَ، وكَما قالَتِ العَرَبُ: ضَرْبَةُ لازِبٍ، أيْ إلْزامُ مَلْزُومٍ أو لازِمٍ، فَيَنْضافُ المَصْدَرُ إلى المَفْعُولِ بِالمَعْنى، وكَما يُقالُ: ضَرَبَ الحاكِمُ عَلى اليَدِ، أيْ حَجَرَ وألْزَمَ، ومِنهُ: ضَرَبَ الدَهْرُ ضَرَباتِهِ، أيْ ألْزَمَ إلْزاماتِهِ.

و"الذِلَّةُ" فِعْلَةٌ مِنَ الذُلِّ، كَأنَّها الهَيْئَةُ والحالُ.

"والمَسْكَنَةُ" مِنَ المِسْكِينِ، قالَ الزَجّاجُ: هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُكُونِ، وهي هُنا زِيُّ الفَقْرِ وخُضُوعُهُ، وإنْ وُجِدَ يَهُودِيٌّ غَنِيٌّ فَلا يَخْلُو مِن زِيِّ الفَقْرِ ومَهانَتِهِ.

قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: المَسْكَنَةُ الخَراجُ، أيِ الجِزْيَةُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: المَسْكَنَةُ الفاقَةُ والحاجَةُ.

﴿ وَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: مَرُّوا مُتَحَمِّلِينَ لَهُ، تَقُولُ: بُؤْتُ بِكَذا إذا تَحَمَّلْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ لِيَحْيى بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبّادٍ: "بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ ".

والغَضَبُ بِمَعْنى الإرادَةِ صِفَةُ ذاتٍ، وبِمَعْنى إظْهارِهِ عَلى العَبْدِ بِالمُعاقَبَةِ صِفَةُ فِعْلٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ضَرْبِ الذِلَّةِ وما بَعْدَهُ.

والباءُ في "بِأنَّهُمْ" باءُ السَبَبِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى اللامِ، والمَعْنى: لِأنَّهُمْ، والآياتُ هُنا تَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها التِسْعُ وغَيْرُها مِمّا يَخْرُقُ العادَةَ، وهو عَلامَةٌ لِصِدْقِ الآتِي بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ آياتُ التَوْراةِ الَّتِي هي كَآياتِ القُرْآنِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَتَقْتُلُونَ" بِالتاءِ عَلى الرُجُوعِ إلى خِطابِهِمْ ورُوِيَ عنهُ أيْضًا بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزِ "النَبِيئِينَ" وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ إلّا في مَوْضِعَيْنِ: في سُورَةِ الأحْزابِ ﴿ إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَبِيُّ  ﴾ بِلا مَدٍّ ولا هَمْزٍ، و ﴿ لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ  ﴾ وإنَّما تَرَكَ هَمْزَ هَذَيْنِ لِاجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ.

وتَرَكَ الهَمْزُ في جَمِيعِ ذَلِكَ الباقُونَ، فَأمّا مَن هَمَزَ فَهو عِنْدُهُ مِن "أنْبَأ" إذا أخْبَرَ، واسْمُ فاعِلِهِ مُنْبِئٌ فَقِيلَ: نُبِّئَ، بِمَعْنى مُنْبِئٍ كَما قِيلَ: سَمِيعٌ بِمَعْنى مُسْمِعٍ، واسْتَدَلُّوا بِما جاءَ مِن جَمْعِهِ عَلى نِباءٍ، قالَ الشاعِرُ: يا خاتَمُ النُبَآءِ إنَّكَ مُرْسَلٌ ∗∗∗ بِالحَقِّ، كُلُّ هُدى الإلَهِ هُداكا فَهَذا كَما يُجْمَعُ فَعِيلٌ في الصَحِيحِ كَظَرِيفٍ وظُرَفاءَ وشَبْهِهِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّهم يَقُولُونَ في تَحْقِيرِ النُبُوَّةِ: "كانَ مُسَيْلِمَةُ نُبُوَّتُهُ نَبِيئَةُ سُوءٍ".

وكُلُّهم يَقُولُونَ: تَنَبَّأ مُسَيْلِمَةٌ، فاتِّفاقُهم عَلى ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللامَ هَمْزَةٌ.

واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِتَرْكِ الهَمْزِ في نَبِيءٍ، فَمِنهم مَنِ اشْتَقَّ اشْتِقاقَ مَن هَمَزَ، ثُمَّ سَهَّلَ الهَمْزَ، ومِنهم مَن قالَ: هو مُشْتَقٌّ مَن نَبا يَنْبُو إذا ظَهَرَ، فالنَبِيُّ الطَرِيقُ الظاهِرُ، وكَأنَّ النَبِيَّ مِن عِنْدِ اللهِ طَرِيقُ الهُدى والنَجاةِ، وقالَ الشاعِرُ: لَمّا ورَدْنا نَبِيًّا واسْتَتَبَّ بِنا ∗∗∗ مُسْحَنْفَرٌ كَخُطُوطِ السَيْحِ مُنْسَحِلُ واسْتَدَلُّوا بِأنَّ الأغْلَبَ في جَمْعِ أنْبِياءَ، كَفَعِيلٍ في المُعْتَلِّ، نَحْوُ ولِيٌّ وأولِياءُ وصَفِيٌّ وَأصْفِياءُ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهُ يُقالُ: نَبُوءُ إذا ظَهَرَ فَهو نَبِيءٌ، والطَرِيقُ الظاهِرُ نَبِيءٌ بِالهَمْزِ، ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ  : السَلامُ عَلَيْكَ يا نَبِيءَ اللهِ، وهَمَزَ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ  : لَسْتُ بِنَبِيءِ اللهِ وهَمَزَ-، ولَكِنِّي نَبِيُّ اللهِ» -وَلَمْ يَهْمِزْ-: قالَ أبُو عَلِيٍّ: ضَعُفَ سَنَدُ هَذا الحَدِيثِ.

ومِمّا يُقَوِّي ضَعْفَهُ أنَّهُ  قَدْ أنْشَدَهُ المادِحُ: يا خاتَمَ النُبَآءِ.

ولَمْ يُؤْثَرْ في ذَلِكَ إنْكارٌ، والجَمْعُ كالواحِدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ تَعْظِيمٌ لِلشُّنْعَةِ والذَنْبِ الَّذِي أتَوْهُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يُقْتَلُ نَبِيٌّ بِحَقٍّ، ولَكِنْ مِن حَيْثُ قَدْ يَتَخَيَّلُ مُتَخَيِّلٌ لِذَلِكَ وجْهًا، فَصَرَّحَ قَوْلُهُ ﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ عن شَنْعَةِ الذَنْبِ ووُضُوحِهِ، ولَمْ يَجْتَرِمْ قَطُّ نَبِيٌّ ما يُوجِبُ قَتْلَهُ.

وإنَّما أتاحَ اللهُ تَعالى مَن أباحَ مِنهُمْ، وسَلَّطَ عَلَيْهِمْ، كَرامَةً لَهُمْ، وزِيادَةً في مَنازِلِهِمْ، كَمَثَلِ مَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: لَمْ يُقْتَلْ قَطُّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا مَن لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالٍ، وكُلُّ مَن أُمِرَ بِقِتالِ نَصْر، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" رَدٌّ عَلى الأوَّلِ وتَأْكِيدٌ لِلْإشارَةِ إلَيْهِ، والباءُ في "بِما" باءُ السَبَبِ، و"يَعْتَدُونَ" مَعْناهُ يَتَجاوَزُونَ الحُدُودَ، والِاعْتِداءُ: تَجاوُزُ الحَدِّ في كُلِّ شَيْءٍ، وعُرْفُهُ في الظُلْمِ والمَعاصِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذى هُوَ أدنى بالذى هُوَ خَيْرٌ اهبطوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ﴾ هي معطوفة على الجمل قبلها بأسلوب واحد، وإسناد القول إلى ضمير المخاطبين جار على ما تقدم في نظائره وما تضمنته الجمل قبلها هو من تعداد النعم عليهم محضة أو مخلوطة بسوء شكرهم وبترتب النعمة على ذلك الصنيع بالعفو ونحوه كما تقدم، فالظاهر أن يكون مضمون هذه الجملة نعمة أيضاً.

وللمفسرين حيرة في الإشارة إليها فيؤخذ من كلام الفخر أن قوله تعالى: ﴿ اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم ﴾ هو كالإجابة لما طلبوه يعني والإجابة إنعام ولو كان معلقاً على دخول قرية من القرى، ولا يخفى أنه بعيدجداً لأن إعطاءهم ما سألوه لم يثبت وقوعه.

ويؤخذ من كلام المفسرين الذي صدر الفخر بنقله ووجهه عبد الحكيم أن سؤالهم تعويض المن والسلوى بالبقل ونحوه معصية لما فيه من كراهة النعمة التي أنعم الله بها عليهم إذ عبروا عن تناولها بالصبر والصبر هو حمل النفس على الأمر المكروه ويدل لذلك أنه أنكر عليهم بقوله: ﴿ أتستبدلون الذي هو أدنى ﴾ فيكون محل النعمة هو الصفح عن هذا الذنب والتنازع معهم إلى الإجابة بقوله: ﴿ اهبطوا ﴾ ولا يخفى أن هذا بعيد إذ ليس في قوله ﴿ اهبطوا ﴾ إنعام عليهم ولا في سؤالهم ما يدل على أنهم عصوا لأن طلب الانتقال من نعمة لغيرها لغرض معروف لا يعد معصية كما بينه الفخر.

فالذي عندي في تفسير الآية أنها انتقال من تعداد النعم المعقبة بنعم أخرى إلى بيان سوى اختيارهم في شهواتهم والاختيار دليل عقل اللبيب، وإن كان يختار مباحاً، مع ما في صيغة طلبهم من الجفاء وقلة الأدب مع الرسول ومع المنعم إذ قالوا: ﴿ لن نصبر ﴾ فعبروا عن تناول المن والسلوى بالصبر المستلزم الكراهية وأتوا بما دل عليه (لن) في حكاية كلامهم من أنهم لا يتناولون المن والسلوى من الآن فإن (لن) تدل على استغراق النفي لأزمنة فعل ﴿ نصبر ﴾ من أولها إلى آخرها وهو معنى التأبيد وفي ذلك إلجاء لموسى أن يبادر بالسؤال يظنون أنهم أيأسوه من قبول المن والسلوى بعد ذلك الحين فكان جواب الله لهم في هذه الطلبة أن قطع عنايته بهم وأهملهم ووكلهم إلى نفوسهم ولم يُرهم ما عودهم من إنزال الطعام وتفجير العيون بعد فلق البحر وتظليل الغمام بل قال لهم: ﴿ اهبطوا مصراً ﴾ فأمرهم بالسعي لأنفسهم وكفى بذلك تأديباً وتوبيخاً.

قال الشيخ ابن عطاء الله رحمه الله: من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه فيقول لو كان في هذا إساءة لعوقبت فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ولو لم يكن إلا منع المزيد، وقد يقام مقام البعد من حيث لا يدري، ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد، والمقصد من هذا أن ينتقل من تعداد النعم إلى بيان تلقيهم لها بالاستخفاف لينتقل من ذلك إلى ذكر انقلاب أحوالهم وأسباب خذلانهم وليس شيء من ذلك بمقتضى كون السؤال معصية فإن العقوبات الدنيوية وحرمان الفضائل ليست من آثار خطاب التكليف ولكنها من أشباه خطاب الوضع ترجع إلى ترتب المسببات على أسبابها وذلك من نواميس نظام العالم وإنما الذي يدل على كون المجزي عليه معصية هو العقاب الأخروي وبهذا زالت الحيرة واندفع كل إشكال وانتظم سلك الكلام.

وقد أشارت الآية إلى قصة ذكرتها التوراة مجملة منتثرة وهي أنهم لما ارتحلوا من برية سينا من «حوريب» ونزلوا في برية «فاران» في آخر الشهر الثاني من السنة الثانية من الخروج سائرين إلى جهات «حبرون» فقالوا: تذكرنا السمك الذي كنا نأكله في مصرمجاناً (أي يصطادونه بأنفسهم) والقثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم وقد يبست نفوسنا فلا ترى إلا هذا المن فبكَوا فغضب الله عليهم وسأله موسى العفو فعفا عنهم وأرسل عليهم السلوى فادخروا منها طعام شهر كامل.

والتعبير بلن المفيدة لتأبيد النفي في اللغة العربية لأداء معنى كلامهم المحكي هنا في شدة الضجر وبلوغ الكراهية منهم حدها الذي لا طاقة عنده، فإن التأبيد يفيد استغراق النفي في جميع أجزاء الأبد أولها وآخرها فلن في نفي الأفعال مثل لا التبرئة في نفي النكرات.

ووصفوا الطعام بواحد وإن كان هو شيئين المن والسلوى لأن المراد أنه متكرر كل يوم.

وجملة ﴿ يخرج لنا ﴾ إلى آخرها هي مضمون ما طلبوا منه أن يدعو به فهي في معنى مقول قول محذوف كأنه قيل قل لربك يخرج لنا ومقتضى الظاهر أن يقال أن يخرج لنا فعدل عن ذلك إلى الإتيان بفعل مجزوم في صورة جواب طلبهم إيماء إلى أنهم واثقون بأنه إن دعا ربه أجابه حتى كأنَّ إخراج ما تنبت الأرض يحصل بمجرد دعاء موسى ربه، وهذا أسلوب تكرر في القرآن مثل قوله: ﴿ قل لعباديَ الذين آمنوا يقيموا الصلاة ﴾ [إبراهيم: 31].

و ﴿ قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ﴾ [الإسراء: 53] وهوكثير فهو بمنزلة شرط وجزاء كأن قيل إن تدعُ ربك بأن يخرجَ لنا يخرجْ لنا، وهذا بتنزيل سبب السبب منزلة السبب فجزم الفعل المطلوب في جواب الأمر بطلبه لله للدلالة على تحقق وقوعه لثقتهم بإجابة الله تعالى دعوة موسى، وفيه تحريض على إيجاد ما علق عليه الجواب كأنه أمر في مكنته فإذا لم يفعل فقد شح عليهم بما فيه نفعهم.

والإخراج: الإبراز من الأرض، و(من) الأولى تبعيضية والثانية بيانية أو الثانية أيضاً تبعيضية لأنهم لا يطلبون جميع البقل بل بعضه، وفيه تسهيل على المسؤول ويكون قوله: ﴿ من بقلها ﴾ حالاً من (ما) أو هو بدل من (ما تنبت) بإعادة حرف الجر، وعن الحسن: كانوا قوماً فلاَّحة فنزعوا إلى عكرهم.

وقد اختلف في الفُوم فقيل: هو الثُوم بالمثلثة وإبدال الثاء فاءً شائع في كلام العرب كما قالوا: جدث وجدف وثَلَغ وفَلغ، وهذا هو الأظهر والموافق لما عد معه ولما في التوراة.

وقيل الفوم الحنطة وأنشد الزجاج لأحيحة بن الجلاح: قد كنتُ أغنى الناس شخصاً واحداً *** وردَ المدينَة من مزارع فوم (يريد مزارع الحنطة) وقيل الفوم الحِمَّص بلغة أهل الشام.

وقوله: ﴿ قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴾ هو من كلام موسى وقيل من كلام الله وهو توبيخ شديد لأنه جرده عن المقنعات وعن الزجر، واقتصر على الاستفهام المقصود منه التعجب فالتوبيخُ.

وفي الاستبدال للخير بالأدنى النداء بنهاية حماقتهم وسوء اختيارهم.

وقوله: ﴿ أتستبدلون ﴾ السين والتاء فيه لتأكيد الحدث وليس للطلب فهو كقوله: ﴿ واستغنى الله ﴾ [التغابن: 6] وقولهم استجاب بمعنى أجاب، واستكبر بمعنى تكبر، ومنه قوله تعالى: ﴿ كان شره مستطيراً ﴾ في سورة الإنسان (7).

وفعل استبدل مشتق من البدل بالتحريك مثل شبَه، ويقال بكسر الباء وسكون الدال مثل شِبْه ويقال بَدِيل مثل شَبيه وقد سمع في مشتقاته استبدل وأبْدَل وبَدَّل وتَبَدَّل وكلها أفعال مزيدة ولم يسمع منه فعل مجرد وكأنهم استغنوا بهذه المزيدة عن المجرد، وظاهر كلام صاحب الكشاف } في سورة النساء (2) عند قوله تعالى: ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ أن استبدل هو أصلها وأكثرها وأن تبدل محمول عليه لقوله والتفعل بمعنى الاستفعال غزير ومنه التعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار.

وجميع أفعال مادة البدل تدل على جعل شيء مكان شيء آخر من الذوات أو الصفات أوعن تعويض شيء بشيء آخر من الذوات أو الصفات.

ولما كان هذا معنى الحدث المصوغ منه الفعل اقتضت هذه الأفعال تعدية إلى متعلقين إما على وجه المفعولية فيهما معاً مثل تعلق فعل الجَعل، وإما على وجه المفعولية في أحدهما والجر للآخر مثل متعلقي أفعال التعويض كاشترى وهذا هو الاستعمال الكثير، فإذا تعدى الفعل إلى مفعولين نحو ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ [إبراهيم: 48] كان المفعول الأول هو المزال والثاني هو الذي يخلُفه نحو قوله تعالى: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسناتٍ ﴾ [الفرقان: 70] ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ وقولهم أبدلت الحَلْقة خاتَما، وإذ تعدت إلى مفعول واحد وتعدت إلى الآخر بالباء وهو الأكثر فالمنصوب هو المأخوذ والمجرور هو المبذول نحو قوله هنا: ﴿ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير وقوله ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ﴾ [البقرة: 108] وقوله في سورة النساء ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ ، وقد يجر المعمول الثاني بِمن التي هي بمعنى باء البدلية كقول أبي الشيص: بُدِّلْتُ من مُرد الشباب ملاءة *** خَلَقا وبئس مثُوبة المقتاض وقد يعدل عن تعدية الفعل إلى الشيء المعوض ويعدى إلى آخذ العوض فيصير من باب أعطى فينصب مفعولين وينبه على المتروك بما يدل على ذلك من نحو مِن كذا، وبعد كذا، كقوله تعالى: ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً ﴾ [النور: 55] التقدير ليبدلن خوفهم أمناً هذا تحرير طريق استعمال هذه الأفعال.

ووقع في «الكشاف» عند قوله تعالى: ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ ما يقتضي أن فعل بدل له استعمال غير استعمال فعل استبدل وتبدل بأنه إذا عدي إلى المعمول الثاني بالباء كان مدخول الباء هو المأخوذ وكان المنصوب هو المتروك والمعطى فقرره القطب في «شرحه» بما ظاهره أن بَدَّل لا يكون في معنى تعديته إلا مخالفاً لتبدل واستبدل، وقرره التفتزاني بأن فيه استعمالين إذا تعدى إلى المعمول الثاني بالباء أحدهما يوافق استعمال تبدل والآخر بعكسه، والأظهر عندي أن لا فرق بين بدل وتبدل واستبدل وأن كلام «الكشاف» مُشكل وحسبك أنه لا يوجد في كلام أئمة اللغة ولا في كلامه نفسه في كتاب «الأساس».

فالأمر في قوله: ﴿ اهبطوا ﴾ للإباحة المشوبة بالتوبيخ أي إن كان هذا همكم فاهبطوا بقرينة قوله: ﴿ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴾ فالمعنى اهبطوا مصراً من الأمصار يعني وفيه إعراض عن طلبهم إذ ليس حولهم يومئذ بلد قريب يستطيعون وصوله.

وقيل: أراد اهبطوا مصرَ أي بلدَ مصرَ بلدَ القبطِ أي ارجعوا إلى مصر التي خرجتم منها والأمر لمجرد التوبيخ إذ لا يمكنهم الرجوع إلى مصر.

واعلم أن مصر على هذا المعنى يجوز منعه من الصرف على تأويله بالبقعة فيكون فيه العلمية والتأنيث، ويجوز صرفه على تأويله بالمكان أو لأنه مؤنث ثلاثي ساكن الوسط مثل هِنْد فهو في قراءة ابن مسعود بدون تنوين وأنه في مصحف أبيّ بن كعب بدون ألف وأنه ثبت بدون ألف في بعض مصاحف عثمان قاله ابن عطية، وذكَر أن أشهب قال قال لي مالك: هي عندي مصر قريتُك مسكنُ فرعون اه.

ويكون قول موسى لهم: ﴿ اهبطوا مصراً ﴾ أمراً قصد منه التهديد على تذكُّرهم أيام ذلهم وعنائهم وتمنيهم الرجوع لتلك المعيشة، كأنه يقول لهم ارجعوا إلى ما كنتم فيه إذ لم تقدُروا قدر الفضائل النفسية ونعمة الحرية والاستقلال.

وربما كان قوله: ﴿ اهبطوا ﴾ دون لنهبط مؤذناً بذلك لأنه لا يريد إدخال نفسه في هذا الأمر وهذا يذكر بقول أبي الطيب: فإن كان أعجبكم عامُكم *** فعودوا إلى حِمْص في القابل وقوله: ﴿ فإن لكم ما سألتم ﴾ الظاهر أن الفاء للتعقيب عطفت جملة ﴿ إن لكم ما سألتم ﴾ على جملة ﴿ اهبطوا ﴾ للدلالة على حصول سؤلهم بمجرد هبوطهم مصر أو ليست مفيدة للتعليل إذ ليس الأمر بالهبوط بمحتاج إلى التعليل بمثل مضمون هذه الجملة لظهور المقصود من قوله: ﴿ اهبطوا مصراً ﴾ ولأنه ليس بمقام ترغيب في هذا الهبوط حتى يشجع المأمور بتعليل الأمر والظاهر أن عدم إرادة التعليل هو الداعي إلى ذكر فاء التعقيب لأنه لو أريد التعليل لكانت إن مغنية غناء الفاء على ما صرح به الشيخ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» في الفصل الخامس والفصل الحادي عشر من فصول شتى في النظم إذ يقول: واعلم أن من شأن إن إذا جاءت على هذا الوجه أي الذي في قول بشار: بكرا صاحبيَّ قبل الهجير *** إن ذاك النجاحَ في التبكير أن تغني غناء الفاء العاطفة مثلاً وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمراً عجيباً فأنت ترى الكلام بها مستأنفاً غير مستأنف مقطوعاً موصولاً معاً وقال إنك ترى الجملة إذا دخلت إن ترتبط بما قبلها وتأتلف معه حتى كأن الكلامين أفرغا إفراغاً واحداً حتى إذا أسقطت إن رأيت الثاني منهما قد نبا عن الأول وتجافى معناه عن معناه حتى تجيء بالفاء فتقول مثلاً: بكرا صاحبيَّ قبل الهجير *** إن ذاك النجاحَ في التبكير ثم لا ترى الفاء تعيد الجملتين إلى ما كانتا عليه من الألفة وهذا الضرب كثير في التنزيل جداً من ذلك قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ﴾ [الحج: 1] وقوله: ﴿ يا بني أقم الصلاة ﴾ إلى قوله: ﴿ إن ذلك من عزم الأمور ﴾ [لقمان: 17] وقال: ﴿ وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم ﴾ (التوبة 103) إلخ.

فظاهر كلام الشيخ أن وجود إن في الجملة المقصود منها التعليل والربط مغن عن الإتيان بالفاء، وأن الإتيان بالفاء حينئذ لا يناسب الكلام البليغ إذ هو كالجمع بين العوض والمعوض عنه فإذا وجدنا الفاء مع إن علمنا أن الفاء لمجرد العطف وإن لإرادة التعليل والربط بين الجملتين المتعاطفتين بأكثر من معنى التعقيب.

ويستخلص من ذلك أن مواقع التعليل هي التي يكون فيها معناه بين مضمون الجملتين كالأمثلة التي ذكرها.

وجعل أبو حيان في «البحر المحيط» جملة ﴿ فإن لكم ما سألتم ﴾ جواباً للأمر زعم أن الأمر كما يجاب بالفعل يجاب بالجملة الاسمية ولا يخفى أن كلا المعنيين ضعيف ههنا لعدم قصد الترغيب في هذا الهبوط حتى يعلل أو يعلق، وإنما هو كلام غضب كما تقدم.

واقتران الجملة بإن المؤكدة لتنزيلهم منزلة من يشك لبعد عهدهم بما سألوه حتى يشكون هل يجدونه من شدة شوقهم، والمحب بسوء الظن مُغرى.

﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله ﴾ .

عطف على الجمل المتقدمة بالواو وبدون إعادة إذ، فأما عطفه فلأن هاته الجملة لها مزيد الارتباط بالجمل قبلها إذ كانت في معنى النتيجة والأثر لمدلول الجمل قبلها من قوله: ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون ﴾ [البقرة: 49] فإن مضمون تلك الجمل ذكر ما منَّ الله تعالى به عليهم من نعمة تحريرهم من استعباد القبط إياهم وسوقهم إلى الأرض التي وعدهم فتضمن ذلك نعمتي التحرير والتمكين في الأرض وهو جعل الشجاعة طوع يدهم لو فعلوا فلم يقدروا قدر ذلك وتمنوا العود إلى المعيشة في مصر إذ قالوا ﴿ لن نصبر على طعام واحد ﴾ كما فصلناه لكم هنالك مما حكته التوراة وتقاعسوا عن دخول القرية وجبنوا عن لقاء العدو كما أشارت له الآية الماضية وفصلته آية المائدة فلا جرم إذ لم يشكروا النعمة ولم يقدروها أن تنتزع منهم ويسلبوها ويعوضوا عنها بضدها وهو الذلة المقابلة للشجاعة إذ لم يثقوا بنصر الله إياهم والمسكنة وهي العبودية فتكون الآية مسوقة مساق المجازاة للكلام السابق فهذا وجه العطف.

وأما كونه بالواو دون الفاء فليكون خبراً مقصوداً بذاته وليس متفرعاً على قول موسى لهم: ﴿ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴾ لأنهم لم يشكروا النعمة فإن شكر النعمة هو إظهار آثارها المقصودة منها كإظهار النصر للحق بنعمة الشجاعة وإغاثة الملهوفين بنعمة الكرم وتثقيف الأذهان بنعمة العلم فكل من لم يشكر النعمة فهو جدير بأن تسلب عنه ويعوض بضدها قال تعالى: ﴿ فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل ﴾ [سبأ: 16] الآية، ولو عطف بغير الواو لكان ذكره تبعاً لذكر سببه فلم يكن له من الاستقلال ما ينبه البال.

فالضمير في قوله: ﴿ وضربت عليهم...

وباءوا ﴾ إلخ عائدة إلى جميع بني إسرائيل لا إلى خصوص الذين أبوا دخول القرية والذين قالوا: ﴿ لن نصبر على طعام واحد ﴾ بدليل قوله ﴿ ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير الحق ﴾ فإن الذين قتلوا النبيئين هم أبناء الذين أبوا دخول القرية وقالوا: ﴿ لن نصبر ﴾ فالإتيان بضمير الغيبة هنا جار على مقتضى الظاهر لأنهم غير المخاطبين فليس هو من الالتفات إذ ليس قوله: ﴿ وضربت عليهم الذلة ﴾ إلخ من بقية جواب موسى إياهم لما علمت من شموله للمتحدث عنهم الآبين دخول القرية ولغيرهم ممن أتى بعدهم فقد جاء ضمير الغيبة على أصله، أما شموله للمخاطبين فإنما هو بطريقة التعريض وهو لزوم توارث الأبناء أخلاق الآباء وشمائلهم كما قررناه في وجه الخطابات الماضية من قوله: ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر ﴾ [البقرة: 50] الآيات ويؤيده التعليل الآتي بقوله: ﴿ ذلك بأنهم كانوا يكفرون ﴾ المشعر بأن كل من اتصف بذلك فهو جدير بأن يثبت له من الحكم مثل ما ثبت للآخر.

والضرب في كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم بظاهر جسم آخر بشدة، يقال ضرب بعصا وبيده وبالسيف وضرب بيده الأرض إذا ألصقها بها، وتفرعت عن هذا معان مجازية ترجع إلى شدة اللصوق.

فمنه ضرب في الأرض: سار طويلاً، وضرب قبة وبيتاً في موضع كذا بمعنى شدها ووثقها من الأرض.

قال عبدة بن الطبيب: إن التي ضربتْ بيتاً مُهاجرة *** وقال زياد الأعجم: في قبة ضربت على ابن الحشرج...

وضربَ الطين على الحائط ألصقه، وقد تقدم ما لجميع هذه المعاني عند قوله تعالى: ﴿ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها ﴾ [البقرة: 26].

فقوله: ﴿ وضربت عليهم الذلة والمسكنة ﴾ استعارة مكنية إذ شبهت الذلة والمسكنة في الإحاطة بهم واللزوم بالبيت أو القبة يضربها الساكن ليلزمها وذكر الضرب تخييل لأنه ليس له شبيه في علائق المشبه.

ويجوز أن يكون ضربت استعارة تبعية وليس ثمة مكنية بأن شبه لزوم الذلة لهم ولصوقها بلصوق الطين بالحائط، ومعنى التبعية أن المنظور إليه في التشبيه هو الحدث والوصف لا الذات بمعنى أن جريان الاستعارة في الفعل ليس بعنوان كونه تابعاً لفاعل كما في التخييلية بل بعنوان كونه حدثاً وهو معنى قولهم أجريت في الفعل تبعاً لجريانها في المصدر وبه يظهر الفرق بين جعل ضربت تخييلاً وجعله تبعية وهي طريقة في الآية سلكها الطيبي في ﴿ شرح الكشاف ﴾ وخالفه التفتزاني وجعل الضرب استعارة تبعية بمعنى الإحاطة والشمول سواء كان المشبه به القبة أو الطين، وهما احتمالان مقصودان في هذا المقام يشعر بهما البلغاء.

ثم إن قوله تعالى: ﴿ وضربت عليهم الذلة ﴾ ليس هو من باب قول زياد الأعجم: إن السماحة والمروءة والندى *** في قبة ضربت على ابن الحشرج لأن القبة في الآية مشبه بها وليست بموجودة والقبة في البيت يمكن أن تكون حقيقة فالآية استعارة وتصريح والبيت حقيقة وكناية كما نبه عليه الطيبي وجعل التفتزاني الآية على الاحتمالين في الاستعارة كناية عن كون اليهود أذلاء متصاغرين وهي نكت لا تتزاحم.

والذلة الصغار وهي بكسر الذال لا غير وهي ضد العزة ولذلك قابل بينهما السموأل أو الحارثي في قوله: وما ضَرَّنا أنا قَليل وجارُنا *** عَزِيز وجارُ الأكثرين ذَليل والمسكنة الفقر مشتقة من السكون لأن الفقر يقلل حركة صاحبه.

وتطلق على الضعف ومنه المسكين للفقير.

ومعنى لزوم الذلة والمسكنة لليهود أنهم فقدوا البأس والشجاعة وبدا عليهم سيما الفقر والحاجة مع وفرة ما أنعم الله عليهم فإنهم لما سئموها صارت لديهم كالعدم ولذلك صار الحرص لهم سجية باقية في أعقابهم.

والبوء الرجوع وهو هنا مستعار لانقلاب الحالة مما يرضى الله إلى غضبه.

﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾ .

استئناف بياني أثاره ما شنع به حالهم من لزوم الذلة والمسكنة لهم والإشارة إلى ما تقدم من قوله: ﴿ وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب ﴾ .

وأفرد اسم الإشارة لتأويل المشار إليه بالمذكور وهو أولى بجواز الإفراد من إفراد الضمير في قول رؤبة: فِيها خطوط من سَواد وَبَلقْ *** كأنَّه في الجِلْدِ توليع البَهَق قال أبو عبيدة لرؤبة: إن أردت الخطوط فقل كأنها وإن أردت السواد والبياض فقل كأنهما فقال رؤبة: «أردت كأن ذلك ويلك» وإنما كان ما في الآية أولى بالإفراد لأن الذلة والمسكنة والغضب مما لا يشاهد فلا يشار إلى ذاتها ولكن يشار إلى مضمون الكلام وهو شيء واحد أي مذكور ومقول ومن هذا قوله تعالى: ﴿ ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ﴾ [آل عمران: 58] أي ذلك القصص السابق.

ومنه قوله تعالى: ﴿ عوان بين ذلك ﴾ [البقرة: 68] وسيأتي.

وقال صاحب «الكشاف» «والذي حسن ذلك أن أسماء الإشارة ليست تثنيتها وجمعها وتأنيثها على الحقيقة وكذلك الموصولات ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع» اه قيل أراد به أن جمع أسماء الإشارة وتثنيتها لم يكن بزيادة علامات بل كان بألفاظ خاصة بتلك الأحوال فلذلك كان استعمال بعضها في معنى بعض أسهل إذا كان على تأويل، وهو قليل الجدوى لأن المدار على التأويل والمجاز سواء كان في استعمال لفظ في معنى آخر أو في استعمال صيغة في معنى أخرى فلا حسن يخص هذه الألفاظ فيما يظهر فلعله أراد أن ذا موضوع لجنس ما يشار إليه.

والذي موضوع لجنس ما عرف بصلة فهو صالح للإطلاق على الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث وإن ما يقع من أسماء الإشارة والموصولات للمثنى نحو ذان وللجمع نحو أولئك، إنما هو اسم بمعنى المثنى والمجموع لا أنه تثنية مفرد، وجمع مفرد، فذا يشار به للمثنى والمجموع ولا عكس فلذلك حسن استعمال المفرد منها للدلالة على المتعدد.

والباء في قوله: ﴿ بأنهم كانوا يكفرون ﴾ سببية أي إن كفرهم وما معه كان سبباً لعقابهم في الدنيا بالذلة والمسكنة وفي الآخرة بغضب الله وفيه تحذير من الوقوع في مثل ما وقعوا فيه.

وقوله: ﴿ ويقتلون النبيئين بغير الحق ﴾ خاص بأجيال اليهود الذين اجترموا هذه الجريمة العظيمة سواء في ذلك من باشر القتل وأمر به ومن سكت عنه ولم ينصر الأنبياء.

وقد قتل اليهود من الأنبياء أشعياء بن أموص الذي كان حياً في منتصف القرن الثامن قبل المسيح، قتله الملك منسى ملك اليهود سنة 700 قبل المسيح نشر نشراً على جذع شجرة.

وأرمياء النبيء الذي كان حياً في أواسط القرن السابع قبل المسيح وذلك لأنه أكثر التوبيخات والنصائح لليهود فرجموه بالحجارة حتى قتلوه وفي ذلك خلاف.

وزكرياء الأخير أبا يحيى قتله هيرودس العبراني ملك اليهود من قبل الرومان لأن زكرياء حاول تخليص ابنه يحيى من القتل وذلك في مدة نبوءة عيسى، ويحيى بن زكرياء قتله هيرودس لغضب ابنة أخت هيرودس على يحيى.

وقوله: ﴿ بغير الحق ﴾ أي بدون وجه معتبر في شريعتهم فإن فيها: ﴿ أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ [المائدة: 32] فهذا القيد من الاحتجاج على اليهود بأصول دينهم لتخليد مذمتهم، وإلا فإن قتل الأنبياء لا يكون بحق في حال من الأحوال، وإنما قال (الأنبياء) لأن الرسل لا تسلط عليهم أعداؤهم لأنه مناف لحكمة الرسالة التي هي التبليغ قال تعالى: ﴿ إنا لننصر رسلنا ﴾ [غافر: 51] وقال: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ [المائدة: 67] ومن ثم كان ادعاء النصارى أن عيسى قتله اليهود ادعاء منافياً لحكمة الإرسال ولكن الله أنهى مدة رسالته بحصول المقصد مما أرسل إليه.

وقوله: ﴿ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ﴾ يحتمل أن تكون الإشارة فيه إلى نفس المشار إليه بذلك الأولى فيكون تكريراً للإشارة لزيادة تمييز المشار إليه حرصاً على معرفته، ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين لضرب الذلة والمسكنة ولغضب الله تعالى عليهم، والآية حينئذ من قبيل التكرير وهو مغن عن العطف مثل قوله تعالى: ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ﴾ [الأعراف: 179].

ويجوز أن يكون المشار إليه بذلك الثاني هو الكفر بآيات الله وقتلهم النبيئين فيكون (ذلك) إشارة إلى سبب ضرب الذلة إلخ فما بعد كلمة (ذلك) هو سبب السبب تنبيهاً على أن إدمان العاصي يفضي إلى التغلغل فيها والتنقل من أصغرها إلى أكبرها.

والباء على الوجهين سببية على أصل معناها.

ولا حاجة إلى جعل إحدى الباءين بمعنى مع على تقدير جعل اسم الإشارة الثاني تكريراً للأول أخذاً من كلام «الكشاف» الذي احتفل به الطيبي فأطال في تقريره وتفنين توجيهه فإن فيه من التكلف ما ينبو عنه نظم القرآن.

وكان الذي دعا إلى فرض هذا الوجه هوخلو الكلام عن عاطف يعطف ﴿ بما عصوا ﴾ على ﴿ بأنهم كانوا يكفرون ﴾ إذا كانت الإشارة لمجرد التكرير.

ولقد نبهناك آنفاً إلى دفع هذا بأن التكرير يغني غناء العطف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفُومِها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحِنْطَةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وأنْشَدَ ابْنُ عَبّاسٍ مَن سَألَهُ عَنِ الفُومِ، وأنَّهُ الحِنْطَةُ قَوْلَ أُحَيْحَةَ بْنِ الجُلاحِ: قَدْ كُنْتُ أغْنى النّاسِ شَخْصًا واحِدًا ورَدَ المَدِينَةَ عَنْ زِراعَةِ فُومِ والثّانِي: أنَّهُ الخُبْزُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وعَطاءٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الثُّومُ بِالثّاءِ، وذَلِكَ صَرِيحٌ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ والكِسائِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا ﴾ : قَرَأ عامَّةُ القُرّاءِ بِالتَّنْوِينِ، وقَرَأ بَعْضُهم بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وهي كَذَلِكَ، وقِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ بِغَيْرِ ألِفٍ.

وَفي المِصْرِ الَّذِي عَناهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ أيَّ مِصْرٍ، أرادُوا مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ; لِأنَّ ما سَألُوا مِنَ البَقْلِ والقِثّاءِ والفُومِ، لا يَكُونُ إلّا في الأمْصارِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ مِصْرَ فِرْعَوْنَ، الَّذِي خَرَجُوا مِنهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وأبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ.

واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِ المِصْرِ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القَطْعِ، لِانْقِطاعِهِ بِالعِمارَةِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: وجاعِلُ الشَّمْسِ مِصْرًا لا خَفاءَ بِهِ ∗∗∗ بَيْنَ النَّهارِ وبَيْنَ اللَّيْلِ قَدْ فَصَلا ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الذِّلَّةِ والصَّغارِ.

والثّانِي: أنَّهُ فَرَضَ الجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.

وَفي (المَسْكَنَةِ) تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الفاقَةُ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ الفَقْرُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وهو قَوْلُ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ: أنَّ أصْلَ ذَلِكَ: المَنزِلَةُ، ومَعْناهُ أنَّهم نُزِّلُوا بِمَنزِلَةِ غَضَبِ اللَّهِ، ورُوِيَ: «أنَّ رَجُلًا جاءَ بِرَجُلٍ إلى النَّبِيِّ  ، فَقالَ: هَذا قاتِلُ أخِي، قالَ (فَهُوَ بَواءٌ بِهِ)» أيْ أنَّهُ مَقْتُولٌ، فَيَصِيرُ في مَنزِلَتِهِ، وتَقُولُ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ: فَإنْ يَكُنِ القَتْلى بَواءً فَإنَّكم ∗∗∗ فَتًى ما قَتَلْتُمْ آلَ عَوْفِ بْنِ عامِرِ والثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ: أنَّ أصْلَ ذَلِكَ التَّسْوِيَةُ، ومَعْناهُ: أنَّهم تَساوَوْا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، ومِنهُ ما يُرْوى عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: « (جَعَلَ اللَّهُ الأنْفالَ إلى نَبِيِّهِ  ، فَقَسَمَها بَيْنَهم عَلى بَواءٍ)،» أيْ عَلى سَواءٍ بَيْنَهم في القَسْمِ.

والثّالِثُ: وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ، أنَّ مَعْناهُ أنَّهم رَجَعُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، قالَ: البَواءُ: الرُّجُوعُ، إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ رُجُوعًا إلّا بِشَيْءٍ: إمّا بِشَرٍّ، وإمّا بِخَيْرٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ; إنَّما جازَ أنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ الكُفّارِ وقَتْلِ الأنْبِياءِ، لِيَنالُوا مِن رَفِيعِ المَنازِلِ ما لا يَنالُونَهُ بِغَيْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِخِذْلانٍ لَهُمْ، كَما يَفْعَلُ بِالمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ طاعَتِهِ.

والثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ، أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ما أمَرَ نَبِيًّا بِالحَرْبِ إلّا نَصَرَهُ فَلَمْ يُقْتَلْ، وإنَّما خَلّى بَيْنَ الكُفّارِ وبَيْنَ قَتْلِ مَن لَمْ يُؤْمَرْ بِالقِتالِ مِنَ الأنْبِياءِ.

وَ(الأنْبِياءُ) جَمْعُ (نَبِيٍّ) وقَدْ جاءَ في جَمْعِ (نَبِيٍّ): (نُبَآءُ)، قالَ العَبّاسُ ابْنُ مِرْداسٍ السُّلَمِيُّ، يَمْدَحُ النَّبِيَّ  : يا خاتَمَ النُّبَآءِ إنَّكَ مُرْسَلٌ ∗∗∗ بِالحَقِّ حَيْثُ هُدى الإلَهِ هَداكا وَهُوَ غَيْرُ مَهْمُوزٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ إلّا نافِعًا، فَإنَّهُ قَرَأ الأنْبِياءَ، والنَّبِيئِينَ بِالهَمْزِ.

وَفِيما أُخِذَ مِنهُ اسْمُ النَّبِيِّ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّبَإ، وهو الخَبَرُ، لِأنَّهُ يُنْبِئُ عَنِ اللَّهِ، أيْ يُخْبِرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى  ﴾ .

والثّانِي: أنَّ أصْلَ النَّبِيِّ هو الطَّرِيقُ، قالَ القُطامِيُّ لَمّا ورَدْنا نَبِيًّا واسْتَتَبَّ لَنا ∗∗∗ مُسْتَحْفَرٌ بِخُطُوطِ النَّسْجِ مُنْسَجِلُ فَسُمِّيَ رَسُولُ اللَّهِ  نَبِيًّا، لِأنَّهُ الطَّرِيقُ إلَيْهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النُّبُوَّةِ; لِأنَّ مَنزِلَةَ الأنْبِياءِ رَفِيعَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ﴾ قال: المن والسلوى، استبدلوا به البقل وما ذكر معه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قالوا: ملوا طعامهم في البرية وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه قبل ذلك، فقالوا ﴿ ادع لنا ربك...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وفومها ﴾ قال: الخبز.

وفي لفظ: البر.

وفي لفظ: الحنطة بلسان بني هاشم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير من طرق عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ وفومها ﴾ قال: الحنطة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أحيحة بن الجلاح وهو يقول: قد كنت أغنى الناس شخصاً واحداً ** ورد المدينة عن زراعة فوم وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وعطاء في قوله: ﴿ وفومها ﴾ قالا: الخبز.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن وأبي مالك في قوله: ﴿ وفومها ﴾ قالا: الخبز.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن وأبي مالك في قوله: ﴿ وفومها ﴾ قالا: الحنطة.

وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس قال: الفوم الثوم.

وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال: الفوم الثوم- وفي بعض القراءة وثومها.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر عن ابن مسعود: أنه قرأ وثومها.

وأخرج ابن أبي داود عن ابن عباس قال: قراءتي قراءة زيد، وأنا آخذ ببضعة عشر حرفاً من قراءة ابن مسعود هذا أحدها ﴿ من بقلها وقثائها وثومها ﴾ .

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ وفومها ﴾ قال: الفوم الحنطة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا محجن الثقفي وهو يقول: قد كنت أحسبني كأغنى واحد ** قدم المدينة عن زراعة فوم قال: يا ابن الأزرق ومن قرأها على قراءة ابن مسعود فهو هذا المنتن قال أمية ابن أبي الصلت: كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ** فيها الفراديس والفومات والبصل وقال أمية ابن أبي الصلت أيضاً: أنفي الدياس من القوم الصحيح كما ** أنفي من الأرض صوب الوابل البرد وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ أتسبدلون الذي هو أدنى ﴾ قال: أردأ.

وأخرج سفيان بن عيينة وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ اهبطوا مصراً ﴾ قال: مصراً من الأمصار.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ اهبطوا مصراً ﴾ يقول: مصراً من الأمصار.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ اهبطوا مصراً ﴾ قال: يعني به مصر فرعون.

وأخرج ابن أبي داود وابن الأنباري في المصاحف عن الأعمش أنه كان يقرأ ﴿ اهبطوا مصر ﴾ بلا تنوين، ويقول: هي مصر التي عليها صالح بن علي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وضربت عليهم الذلة والمسكنة ﴾ قال: هم أصحاب الجزية.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة والحسن ﴿ وضربت عليهم الذلة والمسكنة ﴾ قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ والمسكنة ﴾ قال: الفاقة.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ وباؤوا بغضب من الله ﴾ قال: استحقوا الغضب من الله.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وباؤوا ﴾ قال: انقلبوا.

وأما قوله تعالى: ﴿ ويقتلون النبيين ﴾ .

أخرج أبو داود الطاليسي وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار.

وأخرج أحمد عن ابن مسعود.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي، وإمام ضلالة وممثل من الممثلين» .

وأخرج الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن أبي ذر قال: «جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبيء الله.

قال: لست بنبيء الله ولكنني نبي الله قال الذهبي: منكر لم يصح» .

وأخرج ابن عدي عن حمران بن أعين «أن رجلا من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا نبيء الله.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لست بنبيء الله ولكنني نبي الله» .

وأخرج الحاكم عن ابن عمر قال: ما همز رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا الخلفاء، وإنما الهمز بدعة من بعدهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ ﴾ قال سعيد بن المسيب: ملّوا عيشهم (١) وقال قتادة: ذكر القوم عيشًا كان لهم بمصر، فقالوا لموسى: ﴿ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ ﴾ الآية (٢) (٣) (٤) قال ابن زيد: كان (٥) (٦) وقال أصحاب المعاني: لما كان غذاؤهم في كل يوم لا يتغير، قيل: طعام واحد، كما يقال لمن يدوم على الصوم والصلاة: هو على أمر واحد، لملازمته لذلك لا يتغير عنه (٧) وقوله تعالى: ﴿ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ ﴾ معنى الدعاء: الطلب (٨) (٩) وجاء الدعاء بلفظ الماضي تفاؤلا (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ يُخْرِجْ لَنَا ﴾ المعنى سَلْه وقل له: أَخرِجْ (١٣) ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ ، المعنى لهم: قولوا (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَقْلِهَا ﴾ البقل: كل نبات لا يبقى له ساق إذا رعته الماشية (١٧) وأما (الفوم): فقد اختلف أهل اللغة فيه، فقال الفراء: الفوم فيما يذكرون لغة قديمة، وهي الحنطة والخبز جميعا قد ذكرا، قال: وقال بعضهم: سمحت العرب من أهل اللغة يقولون: فَوَّموا لنا بالتشديد يريدون: اختبزوا.

وقال أُحَيْحَة بن الجُلاح (١٨) قَدْ كُنْتُ أَحْسِبُنِي كَأَغْنَى وَاحِدٍ ...

قَدِمَ (١٩) (٢٠) قال الفراء: وهي في قراءة عبد الله: (وثومها) بالثاء، وكأنه أشبه المعنيين بالصواب؛ لأنه مع ما (٢١) (٢٢) (٢٣) فذكر الفراء قولين في الفوم، واختار الثاني، وهو أنه بمعنى الثوم (٢٤) (٢٥) وقال الزجاج: الفوم: الحنطة، ويقال: الحبوب، لا اختلاف بين أهل اللغة أن الفوم: الحنطة.

قال: وسائر الحبوب التي تختبز يلحقها اسم الفوم.

قال: ومن قال: الفوم هاهنا: الثوم (٢٦) (٢٧) وقال اللحياني: هو الفوم والثوم (٢٨) (٢٩) [الأزهري: وقراءة ابن مسعود إن صح بالثاء، فمعنى الفوم وهو الحنطة.] (٣٠) وقال ابن دريد: أزد السراة يسمون السنبل فُومًا (٣١) (٣٢) ومثله مما حذف (٣٣) ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ  ﴾ ، أي: ناسًا أو فريقًا.

وقوله تعالى: ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى  ﴾ يحتمل أن يكون ﴿ أَدْنَى ﴾ أفعل من الدنو، ومعناه: أتستبدلون الذي هو أقرب وأسهل متناولا، يشارككم في وجدانه (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) والأول (٤٣) (٤٤) وقال بعض النحويين: (أدنى) هاهنا بمعنى أدون، أي: أوضع وأخس، فقدمت النون وحولت الواو ألفا (٤٥) (٤٦) قوله تعالى: ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا ﴾ جائز أن يكون هذا من كلام موسى لهم (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) قال الزجاج: صرف؛ لأنه مذكر سمي به مذكر (٥١) (٥٢) والفراء يختار ترك الإجراء، ويفرق بين هذا وبين أسماء النساء، قال: إنها (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) ويختار قراءة من قرأ مصر بغير تنوين (٥٩) (٦٠) (٦١) وقال الكسائي: العرب الفصحاء (٦٢) (٦٣) والمصر في اللغة: الحاجز بين الشيئين (٦٤) قال عدي بن زيد (٦٥) وَجَعَلَ الشَمْسَ مِصْرًا لاَخَفَاءَ بِهِ ...

بَيْنَ النَّهَارِ وَبَيْنَ اللَّيْل قَدْ فَصَلاَ (٦٦) (٦٧) وقوله تعالى: ﴿ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾ أي: ألزموها إلزامًا لا تبرح عنهم، يقال: ضرب عليه (٦٨) (٦٩) (٧٠) (٧١) ويقال للشيء الدائم: ضربة لازم ولازب (٧٢) ومنه قول النابغة: و (٧٣) (٧٤) والذلة: الذل.

أبو عبيد عن الكسائي: فرس ذلول بيّن (٧٥) (٧٦) والمسكنة مفعلة من السكون، قال الليث: المسكنة مصدر فِعْل المِسْكين، وإذا اشتقوا منه فعلا قالوا: تَمَسْكَن إذا صار مِسْكِينًا (٧٧) قال ابن الأنباري: المسكنة الأمور التي تسكن صاحبها وتمنعه من الحركة ومن هذا أخذ المسكين، توهمًا أن الميم من أصل الكلمة، كما قالوا: تمكن من المكان، وهو مفعل من الكون، ويقال: تسكن الرجل وتمسكن إذا ظهرت (٧٨) (٧٩) فأما معنى الآية، فإن جماعة من المفسرين قالوا: في هذا ما دل على أن قوله: ﴿ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾ (٨٠) (٨١)  .

قال كثير من المفسرين: ضربت عليهم يومئذ الذلة والمسكنة، وهو أثر البؤس وزي الفقر، وذلك لعلم الله فيهم أنهم سيقتلون النبيين ويفعلون ويفعلون، ثم أعقابهم يتوارثون ذلك الذل والمسكنة، وهذا قول الكلبي (٨٢) ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾ (٨٣) ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾ يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون (٨٤) وقال عطاء بن السائب (٨٥) (٨٦) (٨٧) (٨٨) (٨٩) فإن قيل: نحن نرى اليهودي يملك المال الواسع، والفاخر من الثياب، والرفيع من العقار، ومن ملك بعض هذا لم يكن مسكينا.

قيل: الذلة الجزية، والمسكنة فقر القلب والنفس، وغير ظاهر آثارهما، ولا يوجد يهودي غني النفس (٩٠) وقوله تعالى: ﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ أي: رجعوا (٩١) (٩٢) وقال الكسائي: انصرفوا به (٩٣) (٩٤) (٩٥) قال ابن الأنباري: وجاء في الحديث: "باء طلحة بالجنة" (٩٦) (٩٧) ﴿ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ  ﴾ .

قال: باؤوا في اللغة: احتملوا، يقال: قد بؤت بهذا الذنب أي: احتملته (٩٨) ﴿ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ  ﴾ .

واختلف أصحاب الاشتقاق في أصل هذا الحرف: فمذهب أبي العباس أنه من الباءة والمباءة، وهو منزل القوم حيث (٩٩) (١٠٠) فمعنى باء بالذنب: أي نزل منزلة المذنبين، وباؤوا بغضب أي نزلوا منزلة من يلحقهم الغضب، ومن هذا يقال: أبأت فلانًا بفلان، إذا قبلته به، كأنك جعلته (١٠١) (١٠٢) قال الفرزدق لمعاوية: فَلَو كَانَ هَذَا الْأَمْرُ فِي جَاهِليَّةٍ ...

لَبُؤْتَ بِهِ أَوغَصَّ بِالْمَاءِ شَارِبُه (١٠٣) (١٠٤) (١٠٥) أَنْكَرْتُ بَاطِلَهَا وبُؤْتُ بِحَقِّهَا ...

عِنْدِي وَلم تَفْخَرْ عَلىَّ كِرَامُهَا (١٠٦) وقوله تعالى: ﴿ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ  ﴾ .

تأويله: تحل محل من اجتمعت عليه العقوبتان بأن لم يتقبل قربانك وقتلتني (١٠٧) وعند الزجاج أن أصل هذا الحرف من التسوية (١٠٨) (١٠٩) (١١٠) وفي حديث عبادة بن الصامت قال: (جعل الله الأنفال إلى نبيه  فقسمها بينهم عن بواء) (١١١) (١١٢) فمعنى ﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ كأنهم استوى عليهم الغضب من الله (١١٣) (١١٤) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾ (ذلك) إشارة إلى ضرب الذلة (١١٥) (١١٦) ﴿ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: يريد الحكمة التي أنزلت على محمد  (١١٧) وقال غيره: أي بصفة محمد  وآية الرجم (١١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ قال الفراء: إنما ألزمهم الله القتل ولم يقتلوا، لأن الذين كانوا في زمن النبي  من اليهود تولوا أولئك الذين قتلوا، فسماهم الله قتلة (١١٩) ﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ  ﴾ فألزمهم الكفر بتوليهم الكفار.

ويعني بالنبيين من قتلهم اليهود مثل: زكريا ويحيى وشعيا، وسائر من قتلوا من الأنبياء (١٢٠) وقوله تعالى: ﴿ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ هو صفة للقتل، كأنه قيل: قتلًا بغير حق، يعني بالظلم (١٢١) قال ابن الأنباري: معناه: ويقتلون النبيين من غير جرم وذنوب أتوها توجب دماءهم، وتلزمهم أن يمحوا من ديوان النبوة لأجلها، ولا يجوز أن يقتل نبي بحقٍّ أبدًا (١٢٢) وقيل: قوله: ﴿ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ تأكيد، لأن قتل النبي لا يكون إلا بغير حق، فهو كقوله: ﴿ الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ  ﴾ ، ﴿ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْه ﴾ وأمثاله (١٢٣) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا ﴾ قال الأخفش: ما والفعل بمنزلة المصدر، أي: ذلك الكفر والقتل بعصيانهم (١٢٤) (١٢٥) (١٢٦) وعلى هذا التأويل يتوجه قول من خص العصيان والاعتداء بعصيانهم الله في السبت، واعتدائهم فيه، فإن كثيرا من المفسرين ذهبوا إلى هذا (١٢٧) (١٢٨) (١٢٩) قلت: وهذه (١٣٠) (١٣١)  بل بعضهم انقرضوا قبل هذه الأحداث، وبعضهم اتصف ببعض هذه الأوصاف دون بعض، وبعضهم رضي بما أتى به الآخرون من هذه الجرائم فكانوا (١٣٢) (١٣٣) ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ  ﴾ ، وكلهم لم يقل ذلك.

فأما (النبي) فأكثر العرب على ترك همزه (١٣٤) (١٣٥) (١٣٦) (١٣٧) وأما اشتقاقه فقال الزجاج وعدة معه: اشتقاقه (١٣٨) ويجوز أن يكون من نَبَا يَنْبُو، إذا ارتفع، فيكون فعيلا من الرفعة (١٣٩) وقال ابن السكيت: النبي هو من أنبأ عن الله، فترك همزه، قال: وإن أخذته من النَّبْوَةَ والنَّبَاوَةِ، وهي الارتفاع من الأرض، أي أنه شرف (١٤٠) (١٤١) (١٤٢) (١٤٣) قال: النبي: المكان المرتفع.

قال أبو علي فيما استدرك على أبي إسحاق (١٤٤) (١٤٥) ولا يجوز أن يكون مشتقا من النبأ الذي هو الخبر والنجاوة التي هي الرفعة بأن يحتمل الأمرين (١٤٦) (١٤٧) (١٤٨) فإن قيل (١٤٩) مَحْضَ الضَّرِيبَة فَي الْبَيْتِ الَّذِي وُضِعَتْ ...

فِيهِ النَّبَاوَةُ حُلْوًا غَيْرَ مَمْذُوقِ (١٥٠) قيل: أراد: في البيت الذي وضعت فيه الرفعة، وليس كل رفعة [نبوءة] (١٥١) (١٥٢) (١٥٣) (١٥٤) (١٥٥) (١٥٦) فإن (١٥٧) (١٥٨) (١٥٩) (١٦٠) (١٦١) (١٦٢) (١٦٣) قيل: ما ذكرته لا يدل على تجويز الأمرين، لأن (أنبياء) إنما جاء لأن البدل من الهمز لزم في (نبي) فصار في لزوم البدل له كقولهم: عيد وأعياد فكما أن أعيادا لا يدل على أن عيدا من الياء، لكونه من عود الشيء، كذلك لا يدل (أنبياء) على أنه من النباوة، ولكن لما لزم البدل جعل بمنزلة: تقي وأتقياء وصفي وأصفياء ونحو ذلك، وصار (١٦٤) (١٦٥) وقد جمعوه أيضا نُبَآء (١٦٦) (١٦٧) قال العباس بن مرداس (١٦٨) يَا خَاتَمَ النُّبَآءِ (١٦٩) (١٧٠) وكأنه جمعه على أصل اللغة، ولما لزم البدل في نبي صار قول من حقق الهمز كرد الشيء إلى الأصل المرفوض استعماله نحو: وَذَرَ ووَدَعَ فمن ثم كان الأكثر فيه التخفيف.

واستردأ سيبويه تحقيق: النبيء والبرية (١٧١) (١٧٢) فأما حجة من همز (النبي) أن يقول: هو أصل الكلمة، وليس مثل (عيد) الذي قد ألزم البدل، ألا ترى أن ناسًا من أهل الحجاز قد حققوا الهمز في الكلام، ولم يبدلوه، فإذا كان الهمز أصل الكلمة وأتى به قوم في كلامهم على أصله لم يكن مثل: وَذَرَ ووَدع ونحوهما مما رفض في استعمالهم (١٧٣) وأما ما روي في الحديث من أن بعضهم قال: يا نبيء الله، فقال: لست بنبيء الله، ولكن نبيّ الله، فإن أهل النقل ضعفوا إسناد الحديث (١٧٤) ومما يقوي (١٧٥) (١٧٦)  بقوله (١٧٧) (١٧٨) لم يؤثَر فيه إنكار عليه، ولو كان في واحده نكير لكان الجمع كالواحد، وأيضا فلم نعلم (١٧٩)  أنكر على الناس أن يتكلموا بلغاتهم.

وأما من أبدل ولم يحقق فإنه يقول: مجيء الجمع في التنزيل على أنبياء يدل على أن الواحد قد ألزم فيه البدل (١٨٠) (١٨١) وقال الكسائي: النبي بغير همز، معناه في اللغة: الطريق، والأنبياء طرق الهدى (١٨٢) (١٨٣) (١٨٤) وأنشد للقُطامي (١٨٥) لَمَّا وَرَدْنَ نَبِيًّا وَاسْتَتَبَّ بِنَا ...

مُسْحَنْفِرٌ كَخُطُوطِ السَّيْح مُنْسحِلُ (١٨٦) (١) لم أجده عن سعيد فيما اطلعت عليه، وأخرج الطبري نحوه عن قتادة "تفسير الطبري" 1/ 309، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 381.

(٢) أخرجه الطبري 1/ 309، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 381، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير 1/ 289.

(٣) في (ب): (والسلوى).

(٤) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 77 أ، "تفسير ابن عطية" 1/ 314، و"البغوي" 1/ 78، "زاد المسير" 1/ 88، "القرطبي" 1/ 360، "البحر المحيط" 1/ 232.

(٥) (كان) ساقط من (ب).

(٦) أخرجه ابن جرير 1/ 310، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 77 أ، والبغوي في "تفسيره" 1/ 78، وأبو حيان في "البحر" 1/ 232.

والقول بأن السلوى شراب يخالف ما عليه جمهور المفسرين.

(٧) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 314، "الكشاف" 1/ 284، "تفسير الرازي" 3/ 99، "القرطبي" 1/ 360، "ابن كثير" 1/ 107، "البحر المحيط" 1/ 232.

(٨) (الطلب) ساقط من (ب).

(٩) انظر: "تهذيب اللغة" (دعاء) 1/ 1188، "اللسان" (دعا) 3/ 1385.

(١٠) في (ب): (مقالا) وفي (ج): (نقالا).

(١١) في (ج): (باذن).

(١٢) في (ج): (جزاء).

(١٣) في (أ)، (ج): (ويخرج) زيادة (واو) والأصوب حذفها كما في (ب)، ومثله في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 113.

(١٤) في (ج): (يقولوا).

(١٥) (الذين آمنوا) سقط من (أ)، (ج).

(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 114، وقوله (يخرج) مجزوم.

قال بعضهم: بما تضمنه الأمر من معنى الجزاء، وقيل: بنفس الأمر، وقيل مجزوم بلام الطلب المضمره أي: ليخرج.

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 180، "تفسير ابن عطية" 1/ 314، "تفسير القرطبي" 1/ 361، "البحر المحيط" 1/ 232.

(١٧) ذكر الأزهري عن الليث (بقل) 9/ 171، وقال ابن عطية: البقل كل ما تنبته الأرض من النجم 1/ 315، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 361.

(١٨) في (ب): (الحلاج).

هو أُحَيْحَة بن الجلاح بن الحُرَيْش بن الأوس، كان سيد الأوس في الجاهلية وكان شاعرا.

انظر: "الاشتقاق" لابن دريد ص 441، "الخزانة" 3/ 357.

(١٩) في (ج): (قد قدم).

(٢٠) نسب البيت بعضهم إلى أبي محجن الثقفي، والبيت برواية الثعلبي والطبري: قَدْ كُنْتُ أَغْنَى النَّاسِ شَخْصًا واحدًا ...

وَرَدَ الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومِ انظر: "تفسير الطبري" 1/ 311، "تفسير الثعلبي" 1/ 77 أ، "تفسير ابن عطية" 1/ 315، و"الهمع" 2/ 240، "اللسان" (فوم) 6/ 3491، "تفسير القرطبي" 1/ 362، "تفسير ابن كثير" 1/ 108، "البحر المحيط" 1/ 219، "فتح القدير" 1/ 144.

(٢١) (ما) ساقط من (ب).

(٢٢) المغافير شيء حلو يشبه العسل.

انظر: "اللسان" (غفر) 6/ 3276.

(٢٣) انتهى كلام الفراء، ولم يرد عنده بيت ابن الْجُلَّاح، معاني القرآن 1/ 41، وانظر == "تفسير الطبري" 10/ 312، وقد نقل كلام الفراء، ولم يعزه له، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 315، "تفسير ابن كثير" 1/ 107.

(٢٤) قال ابن قتيبة: وهذا أعجب الأقاويل إليّ.

"تفسير غريب القرآن" ص 1/ 44.

(٢٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 77 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 89.

(٢٦) وهذا اختيار الفراء والكسائي كما سبق.

(٢٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 115، والنص من "تهذيب اللغة" (فام) 3/ 2727، وذكره الطبري في "تفسيره" عن بعض السلف 3108، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 77 أ، "تفسير ابن عطية" 1/ 315، "زاد المسير" 1/ 88.

(٢٨) في (ب): (الفوم).

(٢٩) في (ب): (الحنطة).

كلام اللحياني في "تهذيب اللغة" (فام) 3/ 272.

(٣٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

ونص كلام الأزهري في "تهذيب اللغة": وإن كان يقرأ ابن مسعود بالثاء فمعناه: الفوم، وهو الحنطة "التهذيب" (فام) 1/ 2727.

(٣١) "جمهرة أمثال العرب" 3/ 160، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 41، وفى "اللسان" (أزد الشراة) (فوم) 60/ 3491.

(٣٢) أي أن مفعول يخرج محذوف، تقديره: (شيئا) وهذا قول الطبري في "تفسيره" 1/ 310، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 180، وغيرهما.

وذهب الأخفش ومكي إلى أن (من) زائدة، والمفعول (ما) انظر "معاني القرآن" للأخفش 1/ 282، و"المشكل" 1/ 49، وقولهما مردود عند كثير من المفسرين؛ لأنه يخالف مذهب سيبويه.

أن (من) لا تزاد في الموجب، أي المثبت.

انظر: "الكتاب"1/ 38، "تفسير ابن عطية" 1/ 316، و"البيان" 1/ 85، 86، "البحر المحيط" 1/ 232.

(٣٣) في (ب): (ومنه مما يحذف).

(٣٤) في (ب): (وجدنه).

(٣٥) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 312، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 115، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 181.

(٣٦) في (ب): (القيامة).

(٣٧) في (ب): (القيامة).

(٣٨) وهذا القول راجع لمعنى القول السابق فجمع بين المعنيين الزجاج حيث قال: فمعناه أقرب وأقل قيمة 1/ 115.

والخلاصة في معنى (أدنى) قولان: أحدهما: == أنه من الدنو بغير همز، وهذا الدنو يدخل فيه عدة معان، فهو دنو في القيمة، واللذة، والكلفة، والحل، وامتثال الأمر، وغير ذلك مما ذكره المفسرون.

انظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 181، "تفسير الثعلبي" 1/ 77 ب، "تفسير ابن عطية" 1/ 316 "الكشاف" 1/ 285، "البحر المحيط" 1/ 234، والقول الثاني: أنه من الدناءة بالهمزة، وهو ما سيأتي ذكره.

(٣٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 42، والكلام قبله كله عن الفراء وذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 312، ولم يعزه له، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 77 ب، "الكشاف" 1/ 285، "البحر" 1/ 233.

(٤٠) في (ب): (الفريقي).

زهير الفرقبي أحد القراء، نحوي، ويعرف بالكسائي، له اختيار في القراءة يروى عنه، عاش في زمن عاصم.

انظر: "غاية النهاية" 1/ 295.

(٤١) في (ب): (بالهمزة).

وهذه القراءة من الشواذ.

(٤٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 42، وهو قول الطبري في "تفسيره" 1/ 312، وذكره الزجاج في "المعاني" 1/ 115، وذكره النحاس واختار غيره 1/ 181، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 316، "تفسير القرطبي" 1/ 364، "البحر المحيط" 1/ 234.

(٤٣) (الواو) ساقطة من (ب).

(٤٤) اختيار الزجاج: أن (أدنى) غير مهموز بمعنى الذي هو أقرب وأقل قيمة.

"المعاني" 1/ 115.

(٤٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 77 ب، وانظر: "المشكل" لمكي 1/ 50، "تفسير ابن عطية" 1/ 237، و"البيان" 1/ 86، و"الإملاء" ص 39، "تفسير القرطبي" == 1/ 364، "البحر المحيط" 1/ 234، "الدر المصون" 1/ 395، و"الفتوحات الإلهية" 1/ 60.

وقوله: (وحولت الواو ألفًا) أي لما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا.

(٤٦) (فعل) هكذا في جميع النسخ، ولعلها (أفعل) قال أبو البركات ابن الأنباري: (ولا يجوز أن يكون (أدنى) أفعل من الدناءة؛ لأن ذلك يوجب أن يكون مهموزاً) "البيان" 1/ 87.

(٤٧) انظر: "تفسير البيضاوي" 1/ 27، و"الخازن" 1/ 133.

(٤٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب) والنص فيها: (..

اهبطوا مصرًا أي انزلوا مصرا لأنه لم يرد ..).

(٤٩) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 314 - 315، "معاني القرآن" للفراء 1/ 43، وللأخفش 1/ 273، وللزجاج 1/ 115، "تفسير أبي الليث" 1/ 369، "تفسير الثعلبي" 1/ 77 ب، "تفسير ابن عطية" 1/ 238، "البحر المحيط" 1/ 234.

(٥٠) انظر المراجع السابقة.

(٥١) قوله: (سمى به مذكر) ساقط من (ب).

وبهذا انتهى ما نقله عن الزجاج.

"معاني القرآن" 1/ 116.

(٥٢) الإجراء: هو الصرف في اصطلاح الكوفيين، فالجاري: المنصرف، وغير الجاري: الممنوع من الصرف.

وقوله: (جُمّل ودعد وهند) صرفت لأنها على ثلاثة أحرف أوسطها ساكن.

فصرفت لخفتها وإلا فهي مؤنثة.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 42، و"البيان" 1/ 87.

(٥٣) أي: أسماء النساء، كما هي عبارة الفراء في "المعاني" 1/ 42.

(٥٤) (على) ساقط من (ج).

(٥٥) في المعاني للفراء: (..

فإن شئت جعلت الألف التي في (مصرا) ألفًا يوقف عليها ...) وإن شئت جعلت (مصر) غير المصر التي تعرف ..) 1/ 43.

(٥٦) من (ب)، وفي غيرها: (سلاسل)، آية: 4 من سورة الإنسان.

(٥٧) في (أ): (قرارير)، آية: 15، 16 من سورة الإنسان.

(٥٨) في المعاني: (فيهما) أي: (سلاسلا) و (قواريرا).

أما (سلاسلا) فقرأ نافع والكسائي وأبو بكر وهشام ورويس في رواية بالتنوين، ووقفوا بالألف عوضا منها، والباقون بغير تنوين.

وأما (قواريرا) فقرأ نافع والكسائي وأبو بكر، بالتنوين ووقفوا عليها بالألف في الموضعين، ووافقهم ابن كثير في الأول، والباقون بغير تنوين مع إختلاف في الوقف.

انظر "التيسير" ص 217، انظر "النشر" 4/ 395.

(٥٩) حيث قال: (والوجه الأول أحب إليّ) لأنها في قراءة عبد الله اهبطوا مصر (بغير ألف ..) "معاني القرآن" للفراء 1/ 234.

(٦٠) قال الطبري: ولم يقرأ بترك التنوين فيه وإسقاط الألف منه، إلا من لا يجوز == الاعتراض به على "الحجة" 2/ 136، والقراءة بغير تنوين قراءة الحسن، وطلحة، والأعمش، وأبان بن تغلب، وهي كذلك في مصحف أبي، وعبد الله، وبعض مصاحف عثمان، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 318 - 319، "تفسير القرطبي" 1/ 365، "البحر المحيط" 1/ 234.

(٦١) قال النحاس: وهذا خطأ على قول الخليل وسيبويه والفراء، "إعراب القرآن" 1/ 182، وكذا رده أبو حيان.

انظر: "البحر المحيط" 1/ 235، وقد ذكر ابن جرير الطبري الحجج لمن رأى أن المراد مصر من الأمصار، ولمن قال: إنها مصر المعروفة، وتوقف في ترجيح قول على الآخر، 1/ 314.

أما ابن كثير فرجح أن المراد مصر من الأمصار، 1/ 109، وانظر: "البحر المحيط" 1/ 235.

(٦٢) بياض في (ب).

(٦٣) (في) ساقط من (ب).

وكلام الكسائي أورده النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 182.

(٦٤) ذكر الأزهري عن الليث.

"تهذيب اللغة" (مصر) 4/ 3406، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 78 أ، "تفسير القرطبي" 1/ 366.

(٦٥) نسبه بعضهم لأمية بن أبي الصلت، وبعضهم لعدى.

(٦٦) يروي البيت (جاعل) ورد في "تهذيب اللغة" (مصر) 4/ 3406، "الصحاح" (مصر) 2/ 817، "المخصص" 13/ 164، "اللسان" (مصر) 7/ 5/ 42، "تفسير الثعلبي" == 1/ 78 أ، "مفردات الراغب" ص 469، "زاد المسير" 1/ 89، "تفسير القرطبي"، "البحر المحيط" 1/ 220، "الدر المصون" 1/ 396.

(٦٧) (البرية) ساقط من (أ)، (ج).

انظر: "تهذيب اللغة" (مصر) 4/ 3405 - 3406، "تفسير الثعلبي" 1/ 78 أ، "القرطبي" 1/ 366، "اللسان" (مصر) 7/ 4215.

(٦٨) في (ب): (عليهم).

(٦٩) في (ب): (أن يقال).

(٧٠) في (ب): (التجارة).

(٧١) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 315، "تفسير الثعلبي" 1/ 78 أ، "تفسير ابن عطية" 1/ 319، "تفسير القرطبى" 1/ 366.

(٧٢) قال ابن الأنباري: ما هذا بضربة لازب، أي ما هو بضربة سيف لازب، واللازب: اللازم.

انظر: "الزاهر" 1/ 609، "تهذيب اللغة" (لزب) 4/ 3258، "اللسان" (لزب) 7/ 4025 - 4026.

(٧٣) (الواو) ساقطة من (ب).

(٧٤) شطره الأول: == وَلاَ يَحْسِبُونَ الْخَيْرَ لاَ شَرَّ بَعْدَهُ ورد البيت في "الزاهر" 1/ 609، "تهذيب اللغة" (لزب) 7/ 4026، "المخصص" 12/ 68، "مقاييس اللغة" (لزب) 5/ 245، "اللسان" (لزب) 7/ 4026، و"ديوان النابغة الذيباني" ص 33.

(٧٥) في "تهذيب اللغة" (من) وليس فيه قوله: (وهو ضد الصعوبة).

(٧٦) "تهذيب اللغة" (ذل) 2/ 1290، وانظر: "اللسان" (ذلل) 3/ 1513 - 1514.

(٧٧) "تهذيب اللغة" (سكن) 2/ 1724 - 1725، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 315، "اللسان" (سكن) 2054 - 2057.

(٧٨) في (ب): (ظهر).

(٧٩) انظر: "الزاهر" 1/ 224، و"تهذيب اللغة" (سكن) 2/ 1723 - 1725، و"الصحاح" (سكن) 5/ 2137، و"اللسان" (سكن) 4/ 2054 - 2057.

(٨٠) في (ج): (والمسكنة).

(٨١) في (ب): (كان).

(٨٢) ذكر أبو الليث عن الكلبي: يعني الرجل من اليهود وإن كان غنيا، يكون عليه زي الفقراء.

"تفسير أبي الليث" 1/ 370، وانظر: "تفسير الرازي" 3/ 102، "البحر المحيط" 1/ 236.

والكلبي هو محمد بن السائب، ضعفوه، واتهمه بعضهم بالكذب، توفي سنة ست وأربعين ومائة، انظر: "تهذيب التهذيب" 3/ 569، "طبقات المفسرين" للداودي 2/ 149.

(٨٣) في (ج): (والمسكنة).

(٨٤) ذكره الطبري بسنده عنهما 1/ 315، وكذا "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 385، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 369، "تفسير ابن عطية" 1/ 319، "تفسير القرطبي" 1/ 366، "تفسير ابن كثير" 1/ 109.

(٨٥) هو الإمام الحافظ، أبو السائب، كان من كبار العلماء، ولكنه ساء حفظه قليلاً آخر عمره، مات سنة ثلاثين مائة "طبقات ابن سعد" 6/ 338، و"طبقات خليفة" ص 164، "سير أعلام النبلاء" 6/ 110.

(٨٦) في (أ)، (ج): (الكستينح) وفي (ب): (الكستينج)، وما أثبته هو الصواب وهو الوارد عند الواحدي في "الوسيط" 1/ 118، والبغوي 1/ 78، وفي غيرهما.

== قال في "القاموس": الْكُسْتِيج بالضم: خيط غليظ يشده الذميّ فوق ثيابه دون الزنار، مُعَرَّبُ: كُسْتِي.

القاموس ص 1328.

(٨٧) ذكره الثعلبي1/ 78 أ، والبغوي 1/ 78، وانظر: "البحر المحيط" 1/ 236.

(٨٨) في (ب): (يرسموا).

(٨٩) ذكره الرازي 2/ 102، وقال أبو حيان: المضروب عليهم الذلة والمسكنة اليهود المعاصرون لرسول الله  قاله الجمهور، "البحر" 1/ 236.

وقيل: لا يلزم هذا فإنهم أذلوا قبل المسلمين، فقد ذكر ابن كثير عن الحسن قال: أذلهم الله فلا منعة لهم وجعلهم تحت أقدام المسلمين، ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية.

انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 109.

(٩٠) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 78 أ، "تفسير البغوي" 1/ 78/، "تفسير ابن عطية" 1/ 319، "تفسير القرطبي" 1/ 366، "البحر المحيط" 1/ 236.

(٩١) في (ب): (ارجعوا).

(٩٢) لم أجده للفراء، وبه قال الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 973، وابن قتيبة في "الغريب" ص 51 وهو قول الكسائي كما سيأتي.

(٩٣) في تفسير الثعلبي: (رجعوا في قول الكسائي وغيره) 1/ 78 أ، ونحوه في الماوردي 1/ 346، وكذا في البحر 1/ 220.

قال النحاس في "شرح القصائد المشهورات": (والكسائي يذهب إلى أن (بؤت) من باء يبوء إذا رجع) ص170.

(٩٤) في (أ)، (ج): (بووا وبَوْا) وفي (ب): (بَاء يبؤا بوءا وبؤا) وفي "معاني القرآن" للفراء (بَاء بإثم يَبُوءُ بَوْءًا) 1/ 60، وفي الطبري: (بَاءَ فلان بذنبه يَبُوءُ به بَوْأً وَبَواءً) 1/ 316، ونحو ذلك في "معاني القرآن" للأخفش 1/ 273، "تهذيب اللغة" (باء) 1/ 246 - 248.

(٩٥) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 306.

(٩٦) لم أجده بهذا اللفظ، وفي "مسند أحمد" وغيره: (عن الزبير قال: سمعت رسول الله  يقول يومئذٍ "أوجب طلحة"، حين صنع برسول الله  ما صنع ..

الحديث)، قال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وقال: الحديث في "سيرة ابن هشام" عن ابن إسحاق، ورواه ابن سعد مختصرًا، والترمذي مطولًا.

"مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر" 3/ 1417.

وانظر: "الترمذي مع عارضة الأحوذي" 13/ 178، وانظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 35، "طبقات ابن سعد" 3/ 218.

(٩٧) "مجاز القرآن" 1/ 42.

(٩٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 148.

(٩٩) في (ج): (حين).

(١٠٠) ذكر الأزهري عن الليث نحوه، وكذا عن الأصمعي وأبي زيد وغيرهم، "تهذيب اللغة" (باء) 1/ 246 - 248.

وذكر الماوردي عن أبي العباس المبرد: أن أصل ذلك المنزلة.

ومعناه: أنهم نزلوا منزلة غضب من الله.

"تفسير الماوردي" 1/ 344 انظر: "الصحاح" (بوأ) 1/ 37، "اللسان" (بوأ) 1/ 380 - 382.

(١٠١) في (ج): (وجعلته).

(١٠٢) ذكر ابن فارس في "مقاييس اللغة": أن (بَوَأ) الباء والواو والهمزة أصلان: أحدهما: الرجوع إلى الشيء، والثاني: تساوي الشيئين 1/ 312.

وانظر.

"تفسير الطبري" 1/ 316، "الماوردي" 1/ 344، "تهذيب اللغة" (باء) 15/ 594 - 596.

(١٠٣) يروي هذا البيت بروايات مختلفة منها (شَنِئْتَ) بدل (لبؤت) وعليها فلا شاهد فيه هنا، ورواية الديوان: == وَلَوْ كَانَ هَذَا الْأمْرُ فِي غَيْرِ مُلْكِكُمُ ...

لَأَدَّيْتَهُ أَوْ غَصَّ بَالْمَاءِ شَارِبُه انظر: "الكامل" 2/ 232، "التهذيب" (شنأ) 2/ 1941، و"مجمل اللغة" (شنو) 2/ 513، "اللسان" (شنأ) 4/ 2336، "ديوان الفرزدق" 1/ 53.

(١٠٤) (به) ساقط من (ب).

(١٠٥) انظر: "الكامل" 2/ 232.

(١٠٦) البيت متعلق ببيت قبله، وقوله: (أنكرت باطلها) أي: رددته و (بؤت بحقها): رجعت، أو اعترفت وأقررت.

انظر: "شرح ديوان لبيد" ص 318، و"شرح القصائد المشهورات" ص 170، "الصحاح" (بوأ) 1/ 38، "اللسان" (بوأ) 1/ 37، "الخزانة" 5/ 518، 9/ 16، "الدر المصون" 1/ 398.

(١٠٧) قال الزجاج: ترجع إلى الله بإثمي وإثمك ..

"معاني القرآن" 2/ 182، وانظر.

"تفسير الطبري" 6/ 192 - 193.

(١٠٨) لم أجده عن الزجاج فيما اطلعت عليه، والله أعلم، والذي قاله الزجاج في "المعاني" عند تفسير قوله تعالى: ﴿ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ  ﴾ .

قال: (معنى باءوا في اللغة: احتملوا، يقال: قد بؤت بهذا الذنب: أي تحملته، "معاني القرآن" 1/ 148، وعند تفسير قوله تعالى ﴿ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ  ﴾ ، قال.

أي ترجع إلى الله بإثمي وإثمك.

"معاني القرآن" 1/ 182 و (بواء) بمعنى: سواء ذكره الماوردي 1/ 345، وذكره الأزهري عن أبي العباس وأبي عبيدة والأخفش.

انظر: "تهذيب اللغة" (باء) 1/ 246 - 248، وانظر: "البحر المحيط" 1/ 220.

(١٠٩) في (ب): (منزل).

(١١٠) في الصحاح: (بَوَّأْت للرجل منزلا، وبَوَّاتُه منزلا بمعنى، أي: هيأته ومكنت له فيه "الصحاح" (بوأ) 1/ 37، وانظر: "تهذيب اللغة" (باء) 1/ 247.

(١١١) الحديث أخرجه أحمد 5/ 322، وابن ماجه (2852)، وذكره الماوردي في "تفسيره" 1/ 345.

(١١٢) (أي) ساقط من (ب).

(١١٣) انظر: "تفسير الماوردي" 1/ 345، "البحر المحيط" 1/ 220، 236.

(١١٤) هذا تأويل لصفة الغضب التي أثبتها الله لنفسه، فيجب أن نثبتها له كما أثبتها لنفسه، ولا يلزم لها أي لازم باطل كأن تكون كالعارض الذي يحل بالمخلوقين.

(١١٥) في (ج): (الذل).

(١١٦) انظر "تفسير الطبري" 1/ 316، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 320.

(١١٧) ذكر المؤلف في "الوسيط" 1/ 119، ولم أجده عند غيره فيما اطلعت عليه، والله أعلم.

(١١٨) ذكره الثعلبي 1/ 78 أ، والبغوي 1/ 78، وأبو حيان في البحر 1/ 236.

والأولى عموم الآية لأن كفر اليهود إنما جاء من كفرهم بالتوراة وتحريفها، ومن ثم كفرهم بمحمد وما جاء به فهو عام.

انظر "تفسير الطبري" 1/ 316 - 317، "تفسير أبي الليث" 1/ 370، "البحر المحيط"1/ 236، "تفسير ابن كثير" 1/ 109.

(١١٩) انتهى ما نقله من كلام الفراء انظر: "المعاني" 1/ 16.

(١٢٠) انظر: الثعلبي في "تفسيره" 1/ 78 ب.

(١٢١) انظر: "تفسير الماوردي" 1/ 347، و"تفسير البغوي" 1/ 78، "زاد المسير" 1/ 90، "البحر المحيط" 1/ 237.

(١٢٢) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 322، و"تفسير البغوي"1/ 78، و"زاد المسير" 1/ 90، و"الكشاف" 1/ 285، و"تفسير القرطبي" 1/ 368، و"البحر المحيط" 1/ 237، و"روح المعاني" 1/ 276.

(١٢٣) انظر: "زاد المسير" 1/ 90، "البحر المحيط" 1/ 237.

(١٢٤) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 276، نقل قوله بمعناه.

وانظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 182، "تفسير القرطبي" 1/ 368.

(١٢٥) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 317.

(١٢٦) أو يكون العصيان والتمادي فيه جرهم إلى القتل والكفر، فإن صغار الذنوب سبب يؤدي للكبائر، ذكره البيضاوي في "تفسيره" 1/ 27.

والنسفي في "تفسيره" 1/ 134، وأبو حيان في "البحر" 1/ 237.

(١٢٧) بل هو قول بعضهم.

انظر: الكشاف 1/ 285، والنسفي في "تفسيره" 1/ 134، "البحر المحيط" 1/ 237.

(١٢٨) (ذلك) ساقط من (ب).

(١٢٩) وعليه أكثر المفسرين، انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 78 ب، و"تفسير الطبري" 1/ 317، و"تفسير أبي الليث" 1/ 372، و"الكشاف" 1/ 285، و"تفسير البغوي" 1/ 78، و"تفسير ابن كثير" 1/ 109.

(١٣٠) في (أ)، (ج): (وهذا) وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق.

(١٣١) في (ب): (أخبر الله به).

(١٣٢) في (ب): (وكانوا).

(١٣٣) في (ب): (شركاؤهم).

(١٣٤) أكثر علماء اللغة على أن أصل (النبي) مهموز من أنبأ عن الله، فتركت العرب همزه على طريق البدل لا على طريق التخفيف.

ومنهم من يرى أنه غير مهموز الأصل، وإنما هو من النباوة، وهي الرفعة، الأول قول سيبويه.

انظر: "الكتاب" 3/ 555، و"إصلاح المنطق" ص 158، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 274، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 117، و"الحجة" لأبي علي1/ 88، و"الإغفال" ص204، و"اشتقاق أسماء الله" ص 293، "تهذيب اللغة" (نبا) 4/ 3490، "تفسير الطبري" 1/ 316 - 317، "الزاهر" 2/ 119، وفيه اختار ابن الأنباري أن أصله غير مهموز.

(١٣٥) في (ب): (وقال).

(١٣٦) في (ب): (أصلها) بحذف الواو.

(١٣٧) في (ج): (الهمز).

وكلام أبي عبيدة أورده ابن السكيت في "إصلاح المنطق" عنه عن يونس "إصلاح المنطق" ص 159، وانظر: "اشتقاق أسماء الله" ص 295.

(١٣٨) في (ب): (مشتق).

(١٣٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 117، وانظر: "تهذيب اللغة" (نبا) 4/ 3490، قال أبو القاسم الزجاجي: (اعلم أن للعلماء في اشتقاق (النبي) قولين: أما سيبويه في حكايته عن الخليل فيذهب إلى أنه مهموز الأصل من أنبأ عن الله، أي: أخبر، وهو مذهب أكثر أهل اللغة، فتركت العرب همزه لا على طريق التخفيف، لكن على طريق الإبدال ...) ثم ذكر الفرق بين التخفيف والإبدال وبَيَّن أن ما ترك عن طريق الإبدال لا يجوز همزه إلا عند من لا يرى البدل.

قال: (والقول الآخر مذهب جماعة من أهل اللغة، وهو رأى أبي عمرو بن العلاء قالوا: ليس بمهموز الأصل وإنما هو من النباوة وهي الرفعة.

"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 293، 294.

(١٤٠) في "إصلاح المنطق": (أي شرف على سائر الخلق) ص 158، وانظر: تهذيب اللغة 4/ 3490.

(١٤١) الكلام بهذا النص في "تهذيب اللغة" (نبا) 3490، وورد في "إصلاح المنطق" عن الفراء، وقال ابن السكيت بعده: وأنشد هو أي الفراء وأبو عمرو ثم ذكر بيتًا غير بيت أوس.

"إصلاح المنطق" ص 158.

(١٤٢) في (أ)، (ج): (رقما)، وما في (ب) موافق للمصادر التي ورد بها البيت.

(١٤٣) في جميع النسخ (الكاتب) بالتاء وهذا مخالف لجميع المصادر.

و (الرتم): الدق والكسر، (دُقَاقَ الحصى): دقيق الحصى، و (النبي) المكان المرتفع و (الكاثب): الرمل المجتمع.

ورد البيت في "إصلاح المنطق" ص 58، "جمهرة أمثال العرب" 2/ 13، "الزاهر" 2/ 119/ "تهذيب اللغة" (كثب) 4/ 3103، و (رتم) 2/ 1358، و (ثرم) 2/ 1360، و (نبا) 4/ 3490، "الصحاح" (نبا) 6/ 2501، و"مجمل اللغة" (رتم) 2/ 498، (كثب) 7/ 3826، "مقاييس اللغة" (كثب) 5/ 163، و (نبو) 5/ 385، "اللسان" (كثب) 7/ 3826، و (رتم) 3/ 1578، و (نبا) 15/ 302، "تفسير القرطبي" 1/ 367، "الدر المصون" 1/ 402.

(١٤٤) وذلك في كتاب (الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني) ص 205، نقل عنه الواحدي بتصرف، وداخل بين كلام أبي علي في "الإغفال" وكلامه في "الحجة".

وكلام أبي علي بنصه في "المخصص" 12/ 321.

(١٤٥) نص كلام أبي علي في "الإغفال": (لا يخلو قولهم: (النبي) من أن يكون مأخوذا من (النبأ) أو من النبوة التي هي ارتفاع أو يكون مأخوذا منهما.

فحمل (اللام) مرة على أنه ياء منقلبة عن الواو، ومرة على أنها همزة كسنة وعضا، فلا يجوز أن يكون مأخوذًا من النبوة، لأن س يبويه حكى أن جميع العرب يقولون.

تنبأ مسيلمة ..) "الإغفال" ص 205.

وانظر كلام سيبويه في "الكتاب" 3/ 460، 555.

(١٤٦) قال أبو علي: (..

ولا يجوز أيضا أن تكون لامه على وجهين: مرة ياء منقلبة عن == الواو، ومرة همزة ..) "الإغفال" ص 206.

(١٤٧) (يقولون) ساقط من (ب).

(١٤٨) السياق أقرب إلى كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 89، وانظر: "الإغفال" ص206،209، "الخصائص" 12/ 322، و"الكتاب" 3/ 460.

(١٤٩) قوله: (فإن قيل فإن المازني ...

إلخ) لم يرد في "الإغفال"، وإنما ورد في "الحجة" 2/ 88.

(١٥٠) ورد البيت في "الحجة" لأبي علي بدون نسبة 2/ 88، وأورده ابن سيده في "المخصص" ونسبه لابن همام 12/ 323.

وقوله: (محض الضريبة) المحض من كل شيء: الخالص.

و (الضريبة): الطبيعة والسجية.

انظر: "الصحاح" (ضرب) 1/ 169، "اللسان" (محض) 6/ 414.

(١٥١) في (أ)، (ب): (نبوة) وفي ج: (نبوه)، والتصحيح من "الحجة" 2/ 90.

(١٥٢) في (ب): (ليس).

(١٥٣) في (أ)، (ب): (بنبوة) وفي ج: (بنبوة)، والتصحيح من "الحجة" 2/ 90.

(١٥٤) في جميع النسخ (النبا) بدون همز، والتصحيح من "الحجة" 2/ 90.

(١٥٥) (به) ساقط من (ب).

(١٥٦) من قوله: (ولأن النبوة ...) إلى قوله: (كما يمدح بالرفعة) ليس في "الحجة" ولا في "الإغفال".

(١٥٧) في (ب): (قال قلت).

(١٥٨) أي: بالجمع.

انظر: "الإغفال" ص 207، و"الحجة" 2/ 90.

(١٥٩) الأمران هما: كون اللام همزة، أو حرف لين.

انظر "الإغفال" ص 207.

(١٦٠) أي أن أفعلاء جمع في أكثر الأمر لمعتل اللام.

انظر "الإغفال" ص 207.

(١٦١) في (ب): (فيحمل).

(١٦٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(١٦٣) قوله (ويحتمل ...) إلى (فترك همزه وجمع)، مكرر في (ب) بعد قوله: (بما أصله غير الهمز).

(١٦٤) في (ب): (فصار).

(١٦٥) في "الحجة": (لم يعترض فيه شيء) وبعده: (فصار قول من حقق الهمزة في النبي كرد الشيء إلى الأصل المرفوض استعماله ..) 2/ 90.

(١٦٦) في (أ)، (ج): (نبآا) وفي (ب): (نبا)، وما أثبته يوافق ما في "الحجة" 2/ 90.

(١٦٧) في (ج): (أفعلاء).

(١٦٨) هو العباس بن مرداس بن أبي عامر بن سليم، وأمه الخنساء، الصحابية الشاعرة المشهورة، أسلم العباس قبل فتح مكة بيسير، وكان من المؤلفة قلوبهم.

انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص أ 50، "الخزانة" 1/ 152.

(١٦٩) في (أ)، (ج) (النبآا) وفي (ب) (البنا).

(١٧٠) رواية شطره الثاني في أكثر المصادر: بِالخَيْر كُلُّ هُدَى السَّبِيلِ هُدَاكَا ورد البيت في "الكتاب" 3/ 460، "سيرة ابن هشام" 4/ 95، "المقتضب" 1/ 162، 2/ 210، و"جمهرة اللغة" 3/ 212، "الصحاح" (نبأ) 1/ 75، و"الحجة" لابن زنجله ص 99، و"الحجة" لأبي علي 2/ 90، "تفسير الطبري" 1/ 317، "اللسان" (نبأ) 4/ 4315، "تفسير القرطبي" 1/ 367.

(١٧١) انظر: "الكتاب" 3/ 555، وقوله (البريه) هكذا في جميع النسخ، ولو قال (البريئة) كان أولى.

انظر "الحجة" 2/ 91.

(١٧٢) (البرا): التراب، انظر "الحجة" 2/ 91.

(١٧٣) في "الحجة": (لم يكن كماضي "يدع" ونحوه مما رفض استعماله واطرح) 2/ 91.

(١٧٤) في "الحجة": (فأظن أن من أهل النقل من ضعف إسناد الحديث ..)، 2/ 92.

والحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" عن أبي ذر، وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: بل منكر لم يصح.

قال النسائي: حمران ليس بثقة، وقال أبو داود: رافضي، روى عن موسى بن عبيدة، وهو واه، ولم يثبت أيضا عنه عن نافع، عن ابن عمر قال: ما همز رسول الله  ولا أبو بكر ولا عمر ولا الخلفاء، وإنما الهمز بدعة ابتدعوها من بعدهم.

"المستدرك"، كتاب (التفسير) 2/ 231، وذكره ابن الأنباري في "الزاهر" 2/ 120، وأبو القاسم الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص 294، وأعله بالإرسال، وانظر: "البيان" 1/ 88، و"النهاية" 5/ 3.

(١٧٥) في (ج): (ومما يقوى هذا الحديث تضعيفه).

(١٧٦) في (ب): (من أن).

(١٧٧) (بقوله) ساقط من (ب).

(١٧٨) البيت للعباس بن مرداس وقد مرَّ قريبًا.

(١٧٩) في (ب): (يعلم).

(١٨٠) (البدل) ساقط من (ب).

(١٨١) انتهى ما نقله عن "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 88 - 92، وانظر: "الإغفال" ص 204، 210، و"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 294، 295، "المخصص" 12/ 321 - 323.

(١٨٢) "تهذيب اللغة" (نبا) 4/ 1489، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 78 ب، و"تفسير الطبري" 1/ 317، "البحر المحيط" 1/ 220.

(١٨٣) "الزاهر" 2/ 119، وظاهر كلامه أنه يرجع غيره حيث قال: النبي معناه في كلام العرب الرفيع الشأن ..

ثم قال: ويجوز أن يكون النبي سمي نبيا لبيان أمره ....

إلخ).

(١٨٤) رد أبو القاسم الزجاجي على ابن الأنباري قوله: إن النبي من أسماء الطريق، كما نقل ذلك ياقوت في (معجم البلدان)، قال ياقوت: (وقال أبو بكر بن الأنباري في "الزاهر" في قول القطامي: لَمَّا وَرَدن نَبِيَّا ...

البيت == إن النبي في هذا البيت هو الطريق، وقد رد عليه ذلك أبو القاسم الزجاجي فقال: (كيف يكون ذلك من أسماء الطريق وهو يقول: لما وردن نبيًا، وقد كانت قبل وروده على طريق، فكأنه قال: لما وردن طريقا، وهذا لا معنى له إلا أن يكون أراد طريقًا بعينه في مكان مخصوص، فيرجع إلى أنه اسم مكان بعينه ..) "معجم البلدان" 5/ 259.

(١٨٥) القطامي: هو عمير بن شييم التغلبي، كان نصرانيًّا فأسلم، فأسلم، وعده الجمحي في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام، انظر: "طبقات الشعراء" للجمحي ص 179، "الشعر والشعراء" 483، "الخزانة" 2/ 370.

(١٨٦) قوله: (استتب): استقام وتبين واطرد، و (نبي): مكان معين في ديار تغلب، (مُسْحَنْفِر): صفة لطريق واسع ممتد (السيح): ضرب من البرود أو العباء مخطط.

(مُنْسَحل): مكشوط، وصف الطريق بذلك وأنه لكثرة المرور به صار واضحا.

ورد البيت في "الزاهر" 2/ 119، "تفسير الطبري" 2/ 141، "تفسير ابن عطية" 1/ 241، و"معجم البلدان" 5/ 259، "اللسان" (نبا) 7/ 4333، "البحر المحيط" 1/ 220، "الدر المصون" 1/ 402.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ استسقى ﴾ طلب السقيا لما عطشوا في التيه ﴿ الحجر ﴾ كان مربعاً ذراعاً في ذراع: تفجر من كل جهة ثلاث عيون، وروي أنّ آدم كان أهبطه من الجنة، وقيل هو جنس غيرمعين، وذلك أبلغ في الإعجاز ﴿ فانفجرت ﴾ قبله محذوف تقديره: فضربه فانفجرت ﴿ مَّشْرَبَهُمْ ﴾ أي موضع شربهم، وكانوا اثني عشر سبطاً لكل سبط عين ﴿ كُلُواْ ﴾ أي من المنّ والسلوى، واشربوا من الماء المذكور ﴿ وَفُومِهَا ﴾ هي الثوم، وقيل: الحنطة ﴿ أدنى ﴾ من الدنيء الحقير، وقيل: أصله أدون، ثم قلب بتأخير عينه وتقديم لامه ﴿ مِصْراً ﴾ قيل البلد المعروف وصرف لسكون وسطه.

وقيل: هو غير معين فهم نكرة؛ لما روي أنهم نزلوا بالشام.

﴿ وَضُرِبَتْ ﴾ أي قضى عليهم بها، وألزموها.

وجعله الزمخشري استعارة من ضرب القبة لأنها تعلو الإنسان وتحيط به ﴿ والمسكنة ﴾ الفاقة، وقيل: الجزية ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾ الإشارة إلى ضرب الذلة والمسكنة والغضب، والباء للتعليل ﴿ بِآيَاتِ الله ﴾ الآيات المتلوات أو العلامات ﴿ بِغَيْرِ الحق ﴾ معلوم أنه لا يقتل نبي إلاّ بغير حق، وذلك أفصح- وقرأ نافع وحده: النبيئين-.

فائدة: قال هنا ﴿ بِغَيْرِ الحق ﴾ بالتعريف باللام للعهد، لأنه قد تقررت الموجبات لقتل النفس، وقال في الموضع الآخر من آل عمران ﴿ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ [آل عمران: 21] بالتنكير لاستغراق النفي، لأن تلك نزلت في المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم.

﴿ ذلك بِمَا عَصَواْ ﴾ يحتمل أن يكون تأكيداً للأول، وتكون الإشارة بذلك إلى القتل والكفر، والباء للتعليل.

أي اجترأوا على الكفر وقتل الأنبياء لما انهمكوا في العصيان والعدوان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: عامة القراء ﴿ اثنتا عشرة ﴾ بسكون الشين للتخفيف ﴿ عليهم الذلة ﴾ بضم الهاء والميم: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب، وكذلك كل ما كان قبل الهاء ياء ساكنة، وافق سهل إذا كانت قبل الياء فتحة فقط.

وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم، الباقون بكسر الهاء وضم الميم.

﴿ النبيين ﴾ وبابه بالهمزة: نافع إلا في موضعين في الأحزاب ﴿ إن وهبت نفسها للنبي  ﴾ و ﴿ بيوت النبي  ﴾ إلا فروي إسماعيل وقالون عنه بغير همزة.

الوقوف: ﴿ الحجر ﴾ (ط) الحق المحذوف أي فضرب فانفجرت ﴿ عيناً ﴾ (ط) ﴿ مشربهم ﴾ (ط) ﴿ مفسدين ﴾ (ه) ﴿ وبصلها ﴾ (ط) ﴿ هو خير ﴾ (ط) ﴿ سألتم ﴾ (ط) لأن قوله ﴿ وضربت ﴾ ابتداء إخبار عما يؤل إليه حالهم ﴿ من الله ﴾ (ط) ﴿ بغير الحق ﴾ (ط) ﴿ يعتدون ﴾ (ه).

التفسير: جمهور المفسرين سوى أبي مسلم، على أن هذا الاستسقاء كان في التيه، عطشوا فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له اضرب بعصاك الحجر، أما العصا فقال الحسن: كانت عصا أخذها من بعض الأشجار.

وقيل: كانت من الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى ولها شعبتان تتقدان في الظلمة.

وأما الحجر فاللام إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم، فقد روي أنه حجر طوري حمله معه وكان حجراً مربعاً له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاثة أعين، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم وكانوا ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثنا عشر ميلاً وقيل: أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا.

وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل ورماه بنو إسرائيل بالأدرة ففرّ به، فقال له جبريل: يقول الله  : ارفع هذا الحجر فإن لي فيه قدرة ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته.

وإما للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر.

وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة.

ثم إنهم قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة؟

فحمل حجراً في مخلاته فحيثما نزلوا ألقاه، وأما الصنف والشكل فقيل: كان من رخام وكان ذراعاً في ذراع.

وقيل: مثل رأس الإنسان.

وقيل: له أربعة أوجه كما مر، وهذا إذا لم يعتبر الفوقاني ومقابله.

وأما الضرب فقيل: كان يضربه بعصاه فينفجر ويضربه بها فييبس فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً، فأوحى الله  إليه: لا تقرع الحجارة وكلمها تطعك لعلهم يعتبرون.

والفاء في قوله ﴿ فانفجرت ﴾ فاء فصيحة كما سبق في ﴿ فتاب عليكم  ﴾ وفي هذا الحذف دلالة على أن موسى لم يتوقف عن اتباع الأمر، وأنه من انتفاء الشك عنه بحيث لا حاجة إلى الإفصاح به.

والانفجار والانبجاس واحد ومعناه خروج الماء بسعة وكثرة.

وأصل الفجر الشق ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين بمخالفتهم.

وقيل: الانبجاس خروج الماء قليلاً، ووجه بأن الفجر في الأصل هو الشق، والبجس الشق الضيق فلا يتناقضان كما لا يتناقض المطلق والمقيد والعام والخاص، أو لعله انبجس أوّلاً ثم انفجر ثانياً وكذا العيون تظهر الماء قليلاً ثم يكثر لدوام خروجه، أو لعل حاجتهم تشتد تارة فينفجر وتضعف أخرى فينبجس.

﴿ قد علم كل أناس ﴾ أي كل سبط ﴿ مشربهم ﴾ كأنه أمر كل سبط أن لا يشرب إلا من جدول معين حسماً لمادة التشاجر، فإن العادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع مثل ما يقع بين المختلفين.

وهذا أيضاً من تمام النعمة عليهم، وإنما فقد العاطف لأن قوله ﴿ قد علم ﴾ بيان وتفصيل لما أجمل في قوله ﴿ اثنتا عشرة ﴾ كأنه قيل: هذا المجموع مشاع بينهم أو مقسوم فقيل قد علم ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي وقلنا أي قال لهم موسى كلوا من المن والسلوى الذي رزقناكم بلا تعب ولا نصب، واشربوا من هذا الماء.

وقيل: إن الأغذية لا تنبت إلا بالماء، فلما أعطاهم الماء فكأنما أعطاهم المأكول والمشروب.

والعثو أشد الفساد، و ﴿ مفسدين ﴾ قيل: نصب على الحال المؤكدة وهو ضعيف، فإن من شرطها أن تكون مقررة لمضمون جملة اسمية.

وقيل: حال منتقلة ومعناه النهي عن التمادي في حالة الإفساد، إما مطلقاً أو مقيداً بأنه إن وقع التنازع بسبب ذلك الماء فلا تبالغوا في التنازع.

ويرد على هذا القول أن الإفساد منهي عنه مطلقاً، وهذا التفسير يقتضي أن يكون المنهي عنه هو التمادي في الإفساد لا نفس الإفساد.

والصحيح أن يقال: إن المنصوبات في نحو قوله عز من قائل ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ ﴿ ثم وليتم مدبرين  ﴾ وفي نحو قولهم "تعال جائياً وقم قائماً" من الصفات القائمة مقام المصدر نحو "أقاعداً وقد سار الركب" بقي في الآية بحث، وهو أنه كيف يعقل خروج المياه الكثيرة من الحجر الصغير؟

والجواب أما على القول بالفاعل المختار فظاهر فإن له أن يحدث أيّ فعل خارق شاء من غير أن يطلب له سبب وواسطة، وأما عند طالب الأسباب والوسائط فإن العناصر الأربعة لها هيولي مشتركة عندهم.

وجوّز وانقلاب صور بعضها إلى بعض، فجاز استمداد الماء الكامن في الحجر من الهواء المجاور له، ومثل هذا ما رواه أنس أنه أتى النبي  بإناء وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ القوم.

قال قتادة قلت لأنس: كم كنتم؟

قال: ثلثمائة أو زهاء ثلثمائة.

بل معجزة نبينا  أقوى لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة، أما نبوعه من بين الأصابع فغير معتاد، قال أهل الإشارة: الروح الإنساني وصفاته في عالم القالب بمثابة موسى وقومه، وإنه يستسقي ربه لإروائها من ماء الحكمة والمعرفة فيضرب بعصا لا إله إلا الله.

ولها شعبتان من النفي والإثبات تتقدان نوراً عند استيلاء ظلمات النفس على حجر القلب فيتفجر اثنتا عشرة عيناً من ماء الحكمة بعدد حروف لا إله إلا الله، قد علم كل سبط من أسباط الإنسان وهي خمس حواس ظاهرة، وخمس باطنة مع القلب والنفس مشربهم فيستوي في حظه بحسب مشربه.

قوله  ﴿ وإذ قلتم يا موسى ﴾ الآية.

زعم بعض المفسرين أن هذا السؤال منهم كان معصية، فإن اللائق بحال المكلف الصبر على ما ساقه الله  إليه خصوصاً إذا كان نعمة وعفواً وصفواً، ولا سيما إذا كان المسؤول أدون وأحقر.

ولهذا أنكره موسى عليهم ﴿ قال أتستبدلون ﴾ .

وقال الآخرون: إنه غير معصية لأن قوله ﴿ كلوا واشربوا ﴾ عند إنزال المن والسلوى، وانفجار الماء أمر إباحة لا إيجاب.

ثم إنهم كانوا أهل فلاحة فرغبوا إلى مألوفهم، ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان خسيساً فوق رغبته فيما لا يعتاد وإن كان شريفاً.

ولعلهم سئموا من التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم البلاد.

وأيضاً المواظبة على الطعام الواحد تميت الشهوة وتضعف الهضم، فيصح أن يكون التبديل مطلوباً للعقلاء، ولهذا أجابهم الله  إلى ما سألوا، ولو كان معصية لم يجبهم إلى ذلك، اللهم إلا أن يكون من قبيل ﴿ ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب  ﴾ وإنما صح إطلاق الطعام الواحد على المن والسلوى، لأنهم أرادوا بالوحدة نفي التبدل والاختلاف، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها ويأكلها كل يوم لا يبدلها.

قيل: لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً.

ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والترفه، ونحن أهل زراعة ما نريد إلا ما ألفناه.

ومعنى يخرج لنا يوجد ويظهر.

والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر كالنعناع والكرفس والكراث وغير ذلك من أطايب البقول التي يأكلها الناس عادة.

والقثاء الخيار، والفوم الثوم، ويدل عليه قراءة عبد الله ﴿ وثومها ﴾ وهو بالعدس والبصل أوفق.

وقال بعضهم: الفوم الحمص لغة شامية، ويقال: هو الحنطة.

ومنه قولهم "فوّموا لنا" أي اختبزوا.

قال الفراء: هي لغة قديمة ﴿ الذي هو أدنى ﴾ أي أقرب منزلة وأدون مقداراً كقولهم في ضده "هو بعيد المحل وبعيد الهمة" يعنون الرفعة والعلو ﴿ اهبطوا مصراً ﴾ أي انحدروا إليه من التيه.

يقال: هبط الوادي إذا نزل به، وهبط منه إذا خرج.

وبلاد التيه ما بين بيت المقدس إلى قنسرين اثنا عشر فرسخاً في ثمانية.

ومصر إما مصر فرعون، والتنوين فيه في القراءات المعتبرة مع أن فيه العلمية والتأنيث لسكون وسطه كما في نوح ولوط، وفيهما العلمية والعجمية.

وإما مصر من الأمصار كأنه قيل لهم: ادخلوا بلداً أيّ بلد كان لتحدوا فيه هذه الأشياء.

ولما ذكر الله  صنوف نعمه على بني إسرائيل إجمالاً ثم تفصيلاً، أراد أن يبين مآل حالهم ليكون عبرة للنظار وتبصرة لأولي الأبصار وتحذيراً للإنسان عن الجحود والكفران المستتبعين للخزي والهوان فقال ﴿ وضربت عليهم الذلة والمسكنة ﴾ أي جعلت محيطة بهم مشتملة عليهم كالقبة المضروبة على الشخص، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلصق به.

فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة، إما على الحقيقة وإما لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية.

وهذا من جملة الأخبار عن الغيب الدال على كون القرآن وحياً نازلاً من السماء على محمد  .

هذا حالهم في الدنيا، وأما حالهم في العقبى فذلك قوله ﴿ وباؤا بغضب من الله ﴾ من قولك "باء فلان بفلان" إذا كان حقيقاً بأن يقتل به لمساواته له ومكافأته، أي صاروا أحقاء بغضبه وهو إرادة انتقامه ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والخلافة بالغضب، بسبب كفرهم بآيات الله أي القرآن، بل وبالتوراة لأن الكفر به مستلزم للكفر بها، وقتلهم الأنبياء، وقد قتلت اليهود - لعنوا - شعيباً وزكريا ويحيى وغيرهم بغير الحق أي من غير ما شبهة عندهم توجب استحقاق القتل.

فإن الآتي بالباطل قد يكون اعتقده حقاً لشبهة عنت له، وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلاً.

ولا شك أن الثاني أقبح وأدخل في القحة، أو كرر للتأكيد نحو ﴿ ومن يدع مع الله الهاً آخر لا برهان له به ﴾ \[المؤمنون: 117\] ومحال أن يكون لمدعي الإله الثاني برهان.

والنبيء بالهمزة "فعيل" بمعنى فاعل من نبأ بالتخفيف أي أخبر لأنه نبأ عن الله  .

قال سيبويه: ليس أحد من العرب إلا ويقول تنبأ مسيلمة بالهمز، غير أنهم تركوا الهمز في النبي كما تركوه في الذرية والبرية والخابية إلا أهل مكة، فإنهم يهمزون هذه الأحرف ولا يهمزون غيرها ويخالفون العرب في ذلك.

وقيل: أصله من نبأت من أرض إلى أرض أي خرجت منها إلى أخرى.

وهذا المعنى أراد الأعرابي بقوله "يا نبيء الله" أي يا من خرج من مكة إلى المدينة.

فأنكر عليه  الهمزة.

وقيل: النبي بالإدغام من النبوة وهي ما ارتفع من الأرض، أي أنه  شرف على سائر الخلق "فعيل" بمعنى "مفعول"، والجمع أنبياء.

وعلى الأول إنما جمع على أنبياء لأن الهمز لما أبدل وألزم الإبدال جمع جمع ما أصل لامه حرف العلة ﴿ ذلك بما عصوا ﴾ تأكيد بتكرير الشيء بغير اللفظ الأول كقول السيد لعبده وقد احتمل منه ذنوباً سلفت منه فعاقبه عند آخرها "هذا بما عصيتني وخالفت أمري.

هذا بما تجرأت علي واغتررت بحلمي" ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر والقتل على معنى انهمكوا في العصيان والاعتداء حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتل الأنبياء، أو تكون الباء بمعنى "مع" أي ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا سائر أنواع المعاصي، واعتدوا حدود الله في كل شيء.

وقيل: هو اعتداؤهم في السبت.

واعلم أنه  لما ذكر إنزال العقوبة بهم بين سبب ذلك أولاً بما فعلوه في حق الله وهو جهلهم به وجحدهم لنعمه، ثم ثناه بما يتلوه في العظم وهو قتل الأنبياء، ثم ثلثه بما يكون منهم من المعاصي المتعدية إلى الغير مثل الاعتداء والظلم وذلك في نهاية الترتيب.

وقيل: الأول إشارة إلى متقدميهم، والثاني إشارة إلى من كان في عصر رسول الله  ، فكأنه  بيَّن سبب ما نزل بالفريقين من البلاء والمحنة ليظهر للخلائق أن ذلك على قانون العدالة وقضية الحكمة.

فإن قيل: لم قيل ههنا ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق ﴾ وفي "آل عمران" ﴿ ويقتلون الأَنبياءَ بغير حق  ﴾ منكراً؟

قلت: الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل ما في قوله  "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق" فالحق المعرف إشارة إلى هذا، وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم، أي لم يكن هناك حق لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره ألبتة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ﴾ .

يعني: طلب الماء لقومه عند حاجتهم إليه؛ فأَوحى الله -  - إليه: أَن اضرب بعصاك الحجر.

قد ذكرنا فيما تقدم: أَن الله - عز وجل - قد أَراهم منْ عَصَاهُ آيات عجيبة، من نحو الثعبان الذي كان يتلقف ما يأْفكون؛ كقوله: ﴿ فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ  ﴾ .

ومن ضربه البحر بها حتى انفلق؛ كقوله: ﴿ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ  ﴾ .

ومن ضربه الحجر بها، وانفجار العيون منه، وغير ذلك من الآيات مما يكثر، ذكرها عز وجل من آيات رسالته، وآيات نبُوته.

وفيما أرى منها، من عجيب آياته: دلالةُ حدوث العالم وإبداعه، لا من شيء؛ لأَنه - عز وجل - قد أَخرج بلطفه، من حجر يصغر في نفسه - مما يحمل من مكان إلى مكان - من الماءِ ما يكفي لخلق لا يحصى عددهم إلا الله، وفجر منه أَنهاراً، لكل فريق نهر على حدة.

ثم لا يحتمل: كون ذلك الماءِ بكليته فيه، لصغره وخفته، ولا كان ينبغي ذلك من أَسفله.

فإذا كان هذا كما ذكرنا ظهر أن الله - عز وجل - كان ينشىء ذلك الماء فيه، ويحدث من لا شيء؛ لأَن ذلك الحجر لم يكن من جوهر الماءِ، ولا من أَصله.

فإذا كان قادراً على هذا فإنه قادر على إنشاءِ العالم من لا شيء سبق، ولا أَصل تقدم.

وكذلك ما أَراهم - عز وجل - من العصا: الثعبان والحية، لم يكونا من جوهرها، ولا من أَصلها، ولا تولدها منها، بل أَنشأَ ذلك وأَبدع، بلطفه.

والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً ﴾ .

قيل: كانوا اثني عشر سبطاً؛ لقوله: ﴿ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً  ﴾ وهم بنو يعقوب؛ فجعل لكل سبط نهراً على حدة، فانظم كل فريق إلى أبيهم الذي كانوا منه، ولم ينضموا إلى أَعمامهم وبني أعمامهم.

ففيه دلالة: أَن المواريث لا تصرف إلى غير الآباءِ إلا بعد انقطاع أَهل الاتصال بالآباءِ.

وفيه دلالة: أَن القوم في الصحارى والبوادي ينزلون مجموعين غير متفرقين، ولا متباعدين بعضهم من بعض بحيث يكون بعضهم عوناً لبعض وظهيراً؛ لأَنهم نزلوا جميعاً في موضع واحد، مجموعين - مع كثرتهم وازدحامهم - غير متفرقين ولا متباعدين، وإن كان ذلك أنَفع لهم، وأَهون عليهم، من جهة الرعى والربع وسعة المنازل.

وفي الأَول: سبق المعنى الذي وصفنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ﴾ .

أي: موردهم.

وفيه دلالة قطع التنازع، ودفع الاختلاف من بينهم؛ لما بين لكل فريق منهم مورداً على حدة.

ولو كان مشتركاً لخيف وقوع التنازع والاختلاف بينهم، وفي وقوع ذلك بينهم قطع الأَنساب والأَرحام، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ كُلُواْ ﴾ .

يعني: المنَّ والسلوى.

وقوله: ﴿ وَٱشْرَبُواْ ﴾ من رزق الله، من الماءِ الذي أَخرج لهم من الحجر، وكلاهما رزق الله، الذي ساقه إليهم، من غير تكلف ولا مشقة.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ .

قيل: لا تسعوا في الأرض بالفساد.

ويحتمل: لا تعثوا، أَي: لا تفسدوا؛ لأن العُثُوَّ هو الفساد نفسه، كأَنه قال: لا تفسدوا في الأرض؛ فتكونوا مفسدين.

وقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: أَول ما أنزل المن، فعند ذلك قالوا: لن نصبر على طعام واحد، ثم أَنزل السلوى.

وقيل: كانوا يتخذون من المن القُرَص، فيأْكلون مع السلوى، فهو طعام واحد؛ فقالوا: لن نصبر عليه.

ويحتمل: أَن يكون طعامهم في اليوم مرة؛ فطلبوا الأَطعمة المختلفة.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ﴾ .

قال: يبين لنا معنى إضافة خصوصية الأشياءِ إلى الله - عز وجل - يخرج مخرج التعظيم لذلك الشيء المخصوص، من ذلك: بيت الله، ورسول الله، وناقة الله، هذا كله يخرج مخرج التعظيم لهذه الأَشياءِ.

وإضافة كلية الأشياءِ إلى الله  يخرج مخرج تعظيم الرب وإجلاله، نحو ما قال: ﴿ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ، و ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ، و ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، و ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ  ﴾ ونحوه.

هذا كله وصف تعظيم الرب وأجلاله.

وقد اختلف في "الفوم": قيل: الفوم هو الثوم، وكذلك رُوِى في قراءة عبد الله أَنه قرأَه: وثومها.

وقيل: الفوم البر.

وقوله: ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ﴾ .

قيل فى "أدنى" بوجوه: قيل: أَدنى في القيمة.

وقيل: أَدنى في الخطر والرغبة.

وقيل: أدنى في المنافع.

وقيل: أَدنى؛ لما لا يصل هذا إليهم إلا بالمؤنة والمشقة، وذلك لهم بلا مؤنة ولا مشقة؛ فهو خير.

وكل يرجع إلى واحد، والله أَعلم.

ويحتمل: أَدنى، أَي: أَدْوَن وأَقل، ولا شك أَن ما طلبوا، وسَأَلوا دون الذي كان لهم.

ويحتمل: ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ﴾ : قد أعطوا.

ولو كان ذلك أَصلح لهم في الدين، لم يكن موسى ليلومهم عليه.

ثبت أنه لم يكن، ثم أعطوا ذلك.

ثبت أَن الله  قد يجوز له - في الحكمة - فعل ما كان غيره أَصلح لهم في الدين، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ مِصْراً ﴾ .

قيل: المصر المعروف.

وقيل: مصر من الأَمصار؛ لأَن ما طلبوا لا يوجد إلا في الأَمصار، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ ﴾ .

من الأَطعمة المختلفة إن كان المراد منه المراد، وإن كان الأَطعمة المختلفة فَهو كما قال.

وقوله: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: الذلة: ذلة احتمال المؤنة والشدائد؛ لما سأَلوا من الأَطعمة المختلفة.

وقيل: الذلة: ذلة الجزية والصغار؛ بعصيانهم ربَّهم.

وقيل: ذلة الكسب والعمل؛ لأَن الأَول كان يأْتيهم من غير كسب ولا مؤنة.

وقوله: ﴿ وَٱلْمَسْكَنَةُ ﴾ .

قيل: هي الفقر والحاجة.

وقيل: قطعُ رجائهم من الآخرة، ؛ لم عصوا ربهم.

وقوله: ﴿ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: فيه بوجوه: قيل: باءُوا: رجعوا.

وقيل: استوجبوا.

وقيل: أَقَروا، وكله يرجع إلى واحد.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم: أَن الآيات، هي الحجج التي أَعطى الرسل، وأَجراها على أيديهم.

وقال الحسن: هي دين الله.

وقوله: ﴿ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾ .

يحتمل: أن يكون هذا في غيرهم؛ لأَنه لم يكن في زمن موسى نبي سوى هارون، وهم لم يقتلوه.

إلا أَن يقال: إن ذلك كان من أولادهم بعد موسى.

أو كان ذلك من غيرهم سوى هؤلاء وأَولادهم.

على أَن قتل الأَنبياء في بني إسرائيل كان ظاهراً، حتى قيل: قتل في يوم كذا كذا نبيّاً.

ولم يذكر قتل رسول من الرسل، وذلك - والله أعلم - لقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا  ﴾ ، ولقوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ  ﴾ أَخبر أَنه ينصرهم، وأَنهم منصورون ومن كان الله ناصره فهو المنصور أَبدا.

ولأَن الرسل هم الذين أُوتوا الآيات المعجزة؛ فلم يكن لهم استقبال الرسل بذلك للآيات التي كانت معهم.

وأما الأَنبياء، فلم يكن معهم تلك الآيات المعجزة، وإنما كانوا يدعون الخلق إلى دين الله بالآيات التي كانت للرسل، والحجج التي كانت معهم؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

قال قوم: لم يقتل أَحد من الرسل، وإنما قتل الأَنبياء، أَو رسل الرسل.

فإن كان كذلك فعلى ذلك يخرج ما ذكرنا من الآيات.

وإن لم يكن فالنصر كان بالحجج والآيات؛ فكانت تلك للكل.

وعلى ذلك: لا دلالة في كون الآيات مع الأَنبياء، وغير كونها، فإن لم يكن لهم ابتداء شرع، ولا نسخ، بل على الدعاء إلى ما سبق من الشرائع وكانت آياتهم كآيات الرسل، أَو دلالات العصمة، مع ما كان بهم حفظ الكتب السماوية بلا تبديل.

والله أَعلم بالحق في ذلك، ونعتصم بالله عن بسط اللسان في ذلك، بالتدبير، دون شيء ظهر على أَلسن الرسل، أَو القول فيهم بشيء إن كانت آية لكل، أَوْ لا.

لكن الله  قد أَقام حجته لكلٍّ على قدر الكفاية والتمام.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكروا حين كفرتم نعمة ربكم فمَلِلْتُم من أكل ما أنزل الله عليكم من المَنِّ والسَّلْوى، وقلتم: لن نصبر على طعام واحد لا يتغير، فطلبتم من موسى  أن يدعو الله أن يخرج لكم من نبات الأرض من بقولها وخُضَرها وقِثَّائها (يشبه الخيار لكنه أكبر) وحبوبها وعدسها وبصلها؛ طعامًا؛ فقال موسى  - مستنكرًا طلبكم أن تستبدلوا الَّذي طلبتم وهو أقل وأدنى، بالمَنِّ والسَّلْوى وهو خير وأكرم، وقد كان يأتيكم دون عناء وتعب-: انزلوا من هذه الأرض إلى أي قرية، فستجدون ما سألتم في حقولها وأسواقها.

وباتباعهم لأهوائهم وإعراضهم المتكرر عما اختاره الله لهم؛ لازمهم الهوان والفقر والبؤس، ورجعوا بغضب من الله؛ لإعراضهم عن دينه، وكفرهم بآياته، وقتلهم أنبياءه ظلمًا وعدوانًا؛ كل ذلك بسبب أنهم عصوا الله وكانوا يتجاوزون حدوده.

من فوائد الآيات كل من يتلاعب بنصوص الشرع ويحرّفها فيه شَبَهٌ من اليهود، وهو مُتوعَّد بعقوبة الله تعالى.

عِظَمُ فضل الله تعالى على بني إسرائيل، وفي مقابل ذلك شدة جحودهم وعنادهم وإعراضهم عن الله وشرعه.

أن من شؤم المعاصي وتجاوز حدود الله تعالى ما ينزل بالمرء من الذل والهوان، وتسلط الأعداء عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.aDjo4"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذا ضرب آخر مما ذكر الله تعالى به بني إسرائيل في سياق دعوتهم إلى الإسلام.

قال صاحب الكشاف: "كانوا قومًا فلاحة فنزعوا إلى عكرهم فأجموا ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم الشقاء"ا هـ.

وفلاحة بتشديد اللام جمع فلاح بمعنى الزراع، وعكرهم بكسر العين أصلهم، وأجم الطعام من باب ضرب وعلم كرهه من المداومة عليه وهو بيان لما بعثهم على أن يسألوا موسى أن يدعو ربه ليخرج لهم تلك الأشياء التي طلبوها والسبب في جهرهم بذلك وثورتهم عليه كأنه يقول: إن الحامل على ذلك هو تمكن العادة من نفوسهم فلما خرجوا منها وجاءهم ما لم يكونوا يألفون نزعوا إلى ما كانوا قد عودوه من قبل.

ولو كان الأمر كما قال "الزمخشري" لكان في ذلك التماس عذر لهم، ولما وعد الله هذا القول في خطاياهم، بل إن السآمة من تناول طعام واحد قد تكون من لوازم الطباع البشرية، إلا ما شذ منها لعادة أو ضرورة، ولا يعد ما هو من منازع الطباع جرمًا إذا لم يسقط ذلك في محظور.

وسياق الآيات قبلها وما يلحق بعد ذلك من قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ  ﴾ إلخ كل ذلك يدل على أن ما عدد من أفاعيلهم مع تضافر الآيات بين أيديهم وتوارد نعم الله عليهم كله من خطاياهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا  ﴾ ويؤكد ذلك إيراد تلك العقوبة الشديدة من ضرب الذلة والمسكنة واستحقاق غضب الله تعالى عقب مقالهم هذا.

ولكن الذي يقع عليه الفهم من الآية: أن النزق قد استولى على طباعهم وملك البطر أهواءهم حتى كانوا يستخفون بذلك الأمر العظيم الذي هيأهم الله له من التمكن في الأرض الموعودة والخروج من الخسف الذي كانوا فيه.

ومع كثرة ما شاهدوا من آيات الله القائمة على صدق وعده لهم لم تستيقنه أنفسهم، بل كانوا على ريب منه، وكانوا يظنون أن موسى  خدعهم بإخراجهم من مصر وجاء بهم في البرية ليهلكهم، فلذلك دأبوا على إعناته والإكثار من الطلب فيما يستطاع وما لا يستطاع، حتى ييأس منهم فيرتد بهم إلى مصر حيث ألفوا الذلة، ولهم مطمع في العيش وأمل في الخلاص من الهلكة، فما ذكره الله عنهم في هذه الآية على حد قولهم: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ ، ويرشد إلى ما فيه من الإعنات قولهم: لن نصبر على طعام واحد.

فقد عبر عن مسألتهم بما فيه حرف النفي الذي يأتي لسلب الفعل في مستقبل الزمان مع تأكيده فكأنهم قالوا: اعلم أنه لم يبق لك أمل في بقائنا معك على هذه الحالة من التزام طعام واحد، فإن كانت لك منزلة عند الله كما تزعم فادعه يخرج لنا ما يمكن معه أن نبقى معك إلى أن يتم الوعد الذي وعدك ووعدتنا.

وهم يعلمون أنهم كانوا في برية غير منبتة، وربما لم يكن قولهم هذا عن سآمة ولا أجم من وحدة الطعام، ولكنه نزق وبطر، كما بينا، وطلب للخلاص مما يخشون على أنفسهم.

ويؤيد ذلك ما هو معروف في أخبارهم.

ووصفوا الطعام بالواحد مع أنه نوعان: المن والسلوى.

لأنهما طعام كل يوم، والعرب تقول لمن يأكل كل يوم عدة ألوان لا تتغير: إنه يأكل من طعام واحد.

كأنهم ينظرون إلى أن مجموع الألوان هي غذاؤه الذي لا يتغير فهي غذاء واحد فإذا تغيرت الألوان تغير نوع الغذاء فكان طعامًا متعددًا.

والبقل من النبات ما ليس بشجر دِقٍّ ولا جِلٍّ كما ذكره "ابن سيده".

وقال أبو حنيفة ما ينبت في بزرة ولا ينبت في أورمة ثابتة.

وفرق ما بين البقل ودق الشجر أن البقل إذا رعي لم يبق له ساق، والشجر تبقى له سوق وإن دقت.

وأرادوا من البقل ما يطعمه الإنسان من أطايب الخضر كالكرفس والنعناع ونحوهما مما يغري بالقضم، ويعين على الهضم، والقثاء هي أخت الخيار تسميها العامة "القثة" والعدس والبصل معروفان، والفوم هو الحنطة.

وقال الكسائي وجماعة: هو الثوم أبدلت الثاء فاء كما في جدث وجدف.

وطلبهم للحنطة هو طلبهم للخبز الذي يصنع منها.

ولقد قال موسى  تقريعًا لهم على أشرهم وإنكارًا لتبرمهم ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ  ﴾ ؟

أي أتطلبون هذه الأنواع الخسيسة بدل ما هو خير منها وهو المن والسلوى؟

والمن فيه الحلاوة التي تألفها أغلب الطباع البشرية والسلوى من أطيب لحوم الطير وفي مجموعها غذاء تقوم به البنية وليس فيما طلبوه ما يساويهما لذة وتغذية.

ثم قال: ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا  ﴾ من الأمصار ﴿ فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ  ﴾ أي فإنكم إن هبطتموه ونزلتموه وجدتم فيه ما سألتم.

أما هذه الأرض التي قضى الله أن تقيموا فيها إلى أجل محدود فليس من شأنها أن تنبت هذه البقول وإن الله جل شأنه لم يقض عليكم بالتيه في هذه البرية إلا لجبنكم وضعف عزائمكم عن مغالبة من دونكم من أهل الأمصار، فلو صح ما تزعمون من كراهتكم للطعام الواحد فأنتم الذين قضيتم به على أنفسكم بما فرط منكم، فإن أردتم الخلاص مما كرهتم فأقدموا على محاربة من يليكم من سكان الأرض الموعودة، فإن الله كافل لكم النصر عليهم، وعند ذلك تجدون طلبتكم فالتمسوا الخير في أنفسكم وفي أفعالكم فإن الله لا يضيع أجر العاملين.

قال تعالى ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ  ﴾ الذلة والذل خلق خبيث من أخلاق نفس الإنسان يضاد الإباء والعزة، وأصل المادة فيه معنى اللين فالذل بالكسر اللين وبالضم والكسر ضد الصعوبة، وإذا تتبعت المادة وجدتها لا تخلو من هذا المعنى.

صاحب هذا الخلق ليِّن ينفعل لكل فاعل، ولا يأبى ضيم ضائم، غير أن هذا الخلق الذي يهوِّن على النفس قبول كل شيء لا يظهر أثره غالبًا على البدن وفي القول إلا عند الاستذلال والقهر، وكثيرًا ما ترى الأذلاء تحسبهم أعزاء، يختالون في مشيتهم من الكبرياء، ويباهون بما لهم من سلف وآباء، وربما فاخروا من لا يخشون سطوته من الكبراء.

وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا ولكن متى شعر الذليل بنية من نفس القاهر، أو طاف بذهنه خيال يد تمتد إليه استخذى واستكان، وظهر السكون على بدنه، واشتمل الخشوع على قوله وفعله، وهذا الأثر الذي يسطع من النفس على البدن هو الذي يسمى المسكنة، وإنما سمي الفقر مسكنة لأن العائل المحتاج تضعف حركته ويذهب نشاطه فهو بعدم ما يسد عوزه كأنه يقرب من عالم الجماد، فلا تظهر فيه حاجة الأحياء فيسكن.

والمشاهدة ترشدنا إلى تحقيق ما عليه أهل المسكنة في أوضاع أعضائهم وما يبدو على وجوههم، وما طبع في أقوالهم وأعمالهم.

فضرب الذلة والمسكنة على اليهود هو جعل الذل وضعف العزيمة محيطين بهم كما تحيط القبة المضروبة بمن فيها، أو إلصاقها بطباعهم كما تطبع الطُّغْرَى على السَّكة ﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ الَّلهِ  ﴾ أي رجعوا به كما يقال رجع أو عاد بصفقة المغبون، إذا كان ذلك آخر شوطه ومنتهى سعيه.

وكذلك كان آخر أطوار اليهود في بغيهم أيام ملكهم، والمراد به فقد الملك وما يتبعه.

لقد استحقوا غضبه ومن استحقه فقد أصابه، فقد غضب الله عليهم، وتنكير الغضب دلالة على أنه نوع عظيم من سخطه جل شأنه ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ  ﴾ .

فإنهم بإحراجهم لموسى وإعناتهم المطالب مع كثرة ما شاهدوا من العجائب وما أظهر الله لهم من الغرائب قد دلوا على أن لا أثر للآيات في نفوسهم، فهم كافرون في الحقيقة.

ونسيان الآيات وعدها كأن لم تكن يعده الكتاب العزيز كفرًا.

ثم توالي العقوبات عليهم ثم تواتر إحسان الله إليهم ثم عدم اعتبارهم بجميع ذلك وجرأتهم على الأنبياء يقتلونهم.

﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ  ﴾ مع أن الكتاب يحرم عليهم قتل غير الأنبياء فضلًا عنهم إلا بحقه المبين فيه، كل ذلك دل فيهم على طباع بعيدة عن الكرم، وقلوب غلف دون الفهم، ومن كان هذا شأنه فالأجدر به أن يكون ذليلًا مقهورًا، ثم هو مهبط غضب الله ومحط نقمه، لأنه أشد الناس كفرًا لنعمه، وقوله ﴿ بِغَيْرِ الْحَقِّ  ﴾ مع أن قتل النبيين لا يكون إلا كذلك يزيد في شناعة حالهم، ويصرح بأنهم لم يكونوا مخطئين في الفهم، ولا متأولين للحكم، بل ارتكبوا هذا الجرم العظيم عامدين، وهم يعلمون أنهم بارتكابه مخالفون لما شرع الله تعالى لهم في دينهم ﴿ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ  ﴾ ذلك الذل وتلك الخلافة بالغضب إنما لزماهم لأنهم عصوا الله فيما أمرهم أن يأخذوا به من الأحكام، ولأنهم اعتدوا تلك الحدود التي حدها الله لهم في شرائع أنبيائهم، وقد كانت تلك الأحكام والحدود هي الوسيلة لإخراجهم من الذل وتمكين العز والسلطان لهم في الأرض الموعودة لأنها كانت الكافلة بنظامهم، الحافظة لبناء جماعتهم، فإذا أهملوها فسدت ألفتهم، وانهدم بناؤهم، وأسرعت إليهم الذلة التي لم تكن فارقتهم، إلا منهزمة من يدي سلطان الشريعة، ولم يكن يصدها عنهم إلا معاقل النظام تحت رعايته ولزمتهم الذلة والمسكنة بعد هذا لزوم الطابع للمطبوع.

ويمكن أن ترجع الإشارة في "ذلك" إلى الثاني، أي إلى الكفر بآيات الله وقتل النبيين، أي أن كفرهم وجرأتهم على النبيين بالقتل إنما منشأهما عصيانهم واعتداؤهم حدود دينهم، لأن المعتقد بدين وشريعة أيًا كانت يتهيب لأول الأمر مخالفتها، فإذا خالفها لأول مرة تركت المخالفة أثرًا في نفسه وضعفت هيبة الشريعة في نظره، فإذا عاد زاد ضعف سلطة الشريعة على إرادته، ولا يزال كذلك حتى تصير المخالفة طبعًا ودينًا وينسى ما قام على الشريعة من دليل وما كان لها من سيطرة، وضَرِي بالعدوان كما يضرى بالافتراس، وكل عمل يسترسل فيه العامل تقوى ملكته فيه، خصوصًا ما اتبع فيه الهوى.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد