الآية ٦٠ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٦٠ من سورة البقرة

۞ وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًۭا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍۢ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ٦٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 125 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٠ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى ، عليه السلام ، حين استسقاني لكم ، وتيسيري لكم الماء ، وإخراجه لكم من حجر يحمل معكم ، وتفجيري الماء لكم منه من ثنتي عشرة عينا لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها ، فكلوا من المن والسلوى ، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعي منكم ولا كد ، واعبدوا الذي سخر لكم ذلك .

( ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها .

وقد بسطه المفسرون في كلامهم ، كما قال ابن عباس : وجعل بين ظهرانيهم حجر مربع وأمر موسى ، عليه السلام ، فضربه بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، في كل ناحية منه ثلاث عيون ، وأعلم كل سبط عينهم ، يشربون منها لا يرتحلون من منقلة إلا وجدوا ذلك معهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول .

وهذا قطعة من الحديث الذي رواه النسائي ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وهو حديث الفتون الطويل .

وقال عطية العوفي : وجعل لهم حجر مثل رأس الثور يحمل على ثور ، فإذا نزلوا منزلا وضعوه فضربه موسى بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، فإذا ساروا حملوه على ثور ، فاستمسك الماء .

وقال عثمان بن عطاء الخراساني ، عن أبيه : كان لبني إسرائيل حجر ، فكان يضعه هارون ويضربه موسى بالعصا .

وقال قتادة : كان حجرا طوريا ، من الطور ، يحملونه معهم حتى إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه .

[ وقال الزمخشري : وقيل : كان من رخام وكان ذراعا في ذراع ، وقيل : مثل رأس الإنسان ، وقيل : كان من أسس الجنة طوله عشرة أذرع على طول موسى .

وله شعبتان تتقدان في الظلمة وكان يحمل على حمار ، قال : وقيل : أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه ، حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا ، وقيل : هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل ، فقال له جبريل : ارفع هذا الحجر فإن فيه قدرة ولك فيه معجزة ، فحمله في مخلاته .

قال الزمخشري : ويحتمل أن تكون اللام للجنس لا للعهد ، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر ، وعن الحسن لم يأمره أن يضرب حجرا بعينه ، قال : وهذا أظهر في المعجزة وأبين في القدرة فكان يضرب الحجر بعصاه فينفجر ثم يضربه فييبس ، فقالوا : إن فقد موسى هذا الحجر عطشنا ، فأوحى الله إليه أن يكلم الحجارة فتنفجر ولا يمسها بالعصا لعلهم يقرون ] .

وقال يحيى بن النضر : قلت لجويبر : كيف علم كل أناس مشربهم ؟

قال : كان موسى يضع الحجر ، ويقوم من كل سبط رجل ، ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا فينضح من كل عين على رجل ، فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين .

وقال الضحاك : قال ابن عباس : لما كان بنو إسرائيل في التيه شق لهم من الحجر أنهارا .

وقال سفيان الثوري ، عن أبي سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : ذلك في التيه ، ضرب لهم موسى الحجر فصار فيه اثنتا عشرة عينا من ماء ، لكل سبط منهم عين يشربون منها .

وقال مجاهد نحو قول ابن عباس .

وهذه القصة شبيهة بالقصة المذكورة في سورة الأعراف ، ولكن تلك مكية ، فلذلك كان الإخبار عنهم بضمير الغائب ؛ لأن الله تعالى يقص ذلك على رسوله صلى الله عليه وسلم عما فعل بهم .

وأما في هذه السورة ، وهي البقرة فهي مدنية ؛ فلهذا كان الخطاب فيها متوجها إليهم .

وأخبر هناك بقوله : ( فانبجست منه اثنتا عشرة عينا ) [ الأعراف : 160 ] وهو أول الانفجار ، وأخبر هاهنا بما آل إليه الأمر آخرا وهو الانفجار فناسب ذكر الانفجار هاهنا ، وذاك هناك ، والله أعلم .

وبين السياقين تباين من عشرة أوجه لفظية ومعنوية قد سأل عنها الرازي في تفسيره وأجاب عنها بما عنده ، والأمر في ذلك قريب والله تبارك وتعالى أعلم بأسرار كتابه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ يعني بقوله: (وإذ استسقى موسى لقومه) ، وإذ استسقانا موسى لقومه، أي سألنا أن نسقي قومه ماء .

فترك ذكر المسئول ذلك , والمعنى الذي سأل موسى, (32) إذْ كان فيما ذكر من الكلام الظاهر دلالة على معنى ما ترك.

وكذلك قوله: (فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا)، مما استغني بدلالة الظاهر على المتروك منه .

وذلك أن معنى الكلام: فقلنا اضرب بعصاك الحجر , فضربه، فانفجرت .

فترك ذكر الخبر عن ضرب موسى الحجر , إذ كان فيما ذكر دلالة على المراد منه .

وكذلك قوله: (قد علم كل أناس مشربهم)، إنما معناه: قد علم كل أناس منهم مشربهم .

فترك ذكر " منهم " لدلالة الكلام عليه .

* * * وقد دللنا فيما مضى على أن " أناس " جمع لا واحد له من لفظه، (33) وأن " الإنسان " لو جمع على لفظه لقيل: أناسيّ وأناسية.

(34) * * * وقوم موسى هم بنو إسرائيل، الذين قص الله عز وجل قصصهم في هذه الآيات .

وإنما استسقى لهم ربه الماء في الحال التي تاهوا فيها في التيه , كما:- 1043 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع , عن سعيد بن أبي عروبة , عن قتادة قوله: (وإذ استسقى موسى لقومه) الآية قال، كان هذا إذْ هم في البرية اشتكوا إلى نبيهم الظمأ , فأمروا بحجر طوري - أي من الطور - أن يضربه موسى بعصاه .

فكانوا يحملونه معهم , فإذا نـزلوا ضربه موسى بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا , لكل سبط عين معلومة مستفيض ماؤها لهم .

1044 - حدثني تميم بن المنتصرقال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا أصبغ بن زيد , عن القاسم بن أبي أيوب , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس قال: ذلك في التيه؛ ظلل عليهم الغمام , وأنـزل عليهم المن والسلوى , وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ , وجُعل بين ظهرانيهم حجر مربع , وأمر موسى فضرب بعصاه الحجر , فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية منه ثلاث عيون , لكل سبط عين ؛ ولا يرتحلون منقلة إلا وجدوا ذلك الحجر معهم بالمكان الذي كان به معهم في المنـزل الأول .

(35) .

1045 - حدثني عبد الكريم قال، أخبرنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان , عن أبي سعيد , عن عكرمة عن ابن عباس قال: ذلك في التيه .

ضرب لهم موسى الحجر , فصار فيه اثنتا عشرة عينا من ماء , لكل سبط منهم عين يشربون منها .

1046 - وحدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) لكل سبط منهم عين .

كل ذلك كان في تيههم حين تاهوا .

1047 - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج &; 2-121 &; , عن ابن جريج , عن مجاهد قوله: (وإذ استسقى موسى لقومه)، قال: خافوا الظمأ في تيههم حين تاهوا , فانفجر لهم الحجر اثنتي عشرة عينا ، ضربه موسى .

قال ابن جريج: قال ابن عباس: " الأسباط" بنو يعقوب، كانوا اثني عشر رجلا كل واحد منهم ولد سبطا، أمة من الناس .

(36) 1048 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: استسقى لهم موسى في التيه , فسقوا في حجر مثل رأس الشاة، قال: يلقونه في جوانب الجوالَق إذا ارتحلوا , (37) ويقرعه موسى بالعصا إذا نـزل , فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا , لكل سبط منهم عين ، فكان بنو إسرائيل يشربون منه , حتى إذا كان الرحيل استمسكت العيون , وقيل به فألقى في جانب الجوالق (38) .

فإذا نـزل رمى به ، فقرعه بالعصا , فتفجرت عين من كل ناحية مثل البحر.

1049 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثني أسباط , عن السدي قال: كان ذلك في التيه .

* * * وأما قوله: (قد علم كل أناس مشربهم)، فإنما أخبر الله عنهم بذلك.

لأن معناهم -في الذي أخرج الله جل وعز لهم من الحجر، الذي وصف جل ذكره في هذه الآية صفته- (39) من الشرب كان مخالفا معاني سائر الخلق فيما أخرج الله لهم من المياه من الجبال والأرضين، التي لا مالك لها سوى الله عز وجل .

وذلك &; 2-122 &; أن الله كان جعل لكل سبط من الأسباط الاثني عشر، عينا من الحجر الذي وصف صفته في هذه الآية، يشرب منها دون سائر الأسباط غيره، لا يدخل سبط منهم في شرب سبط غيره.

وكان مع ذلك لكل عين من تلك العيون الاثنتي عشرة، موضع من الحجر قد عرفه السبط الذي منه شربه.

فلذلك خص جل ثناؤه هؤلاء بالخبر عنهم: أن كل أناس منهم كانوا عالمين بمشربهم دون غيرهم من الناس .

إذ كان غيرهم -في الماء الذي لا يملكه أحد- شركاء في منابعه ومسايله.

وكان كل سبط من هؤلاء مفردا بشرب منبع من منابع الحجر - دون سائر منابعه - خاص لهم دون سائر الأسباط غيرهم.

فلذلك خصوا بالخبر عنهم: أن كل أناس منهم قد علموا مشربهم.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وهذا أيضا مما استغني بذكر ما هو ظاهر منه، عن ذكره ما ترك ذكره .

وذلك أن تأويل الكلام: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ، فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا , قد علم كل أناس مشربهم , فقيل لهم: كلوا واشربوا من رزق الله.

أخبر الله جل ثناؤه أنه أمرهم بأكل ما رزقهم في التيه من المن والسلوى , وبشرب ما فجر لهم فيه من الماء من الحجر المتعاور، (40) الذي لا قرار له في الأرض , ولا سبيل إليه [إلا] لمالكيه، (41) يتدفق بعيون الماء، ويزخر بينابيع العذب الفرات، بقدرة ذي الجلال والإكرام .

ثم تقدم جل ذكره إليهم (42) - مع إباحتهم ما أباح، وإنعامه بما &; 2-123 &; أنعم به عليهم من العيش الهنيء - بالنهي عن السعي في الأرض فسادا , والعَثَا فيها استكبارا , فقال جل ثناؤه لهم: وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ .

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) يعني بقوله: (لا تعثوا) لا تطغوا , ولا تسعوا في الأرض مفسدين .

كما:- 1050 - حدثني به المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر , عن الربيع , عن أبي العالية: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين)، يقول: لا تسعوا في الأرض فسادا.

1051 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) لا تعث: لا تطغ .

1052 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد , عن قتادة: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين)، أي لا تسيروا في الأرض مفسدين .

1053 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر , عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين)، لا تسعوا في الأرض .

وأصل " العَثَا " شدة الإفساد , بل هو أشد الإفساد.

(43) يقال منه: " عَثِيَ فلان في الأرض " -إذا تجاوز في الإفساد إلى غايته-" يعثى عثا " مقصور , وللجماعة: هم يعثون .

وفيه لغتان أخريان، إحداهما: " عثا يعثو عُثُوّا " .

ومن قرأها بهذه اللغة , فإنه ينبغي له أن يضم الثاء من " يعثو " , ولا أعلم قارئا يقتدى بقراءته &; 2-124 &; قرأ به.

(44) ومن نطق بهذه اللغة مخبرا عن نفسه قال: " عثوت أعثو " , ومن نطق باللغة الأولى قال: " عَثِيت أَعْثَى ".

والأخرى منهما: " عاث يعيث عيثا وعيوثا وعيثانا " , كل ذلك بمعنى واحد .

ومن " العيث " قول رؤبة بن العجاج: وعــاث فينــا مســتحل عـائث: مُصَـــدِّق أو تـــاجر مقــاعث (45) يعني بقوله: " عاث فينا "، أفسد فينا.

----------------- الهوامش : (32) قوله" والمعنى الذي سأل موسى" ، يعني"والشيء" وهو الماء (33) في المطبوعة : "ان الناس جمع لا واحد له" ، وقد مضى ذلك ، ولكنه هنا أراد"أناس" ، المذكور في الآية ، وهو أيضًا جمع لا واحد له من لفظه ، وإن قال بعضهم إنه جمع إنس (34) انظر ما سلف 1 : 268 .

(35) المنقلة : المرحلة من مراحل السفر ، والجمع مناقل .

(36) في المطبوعة : "ولد سبطا وأمة من الناس" ، والصواب حذف واو العطف فإن قوله "أمة من الناس" تفسير قوله"سبطا" .

(37) الجوالق : وعاء كبير منسوج من صوف أو شعر ، تحمل فيه الأطعمة ، وهو الذي نسميه في بلادنا"الشوال" محرفة من"الجوالق" .

(38) "قيل به" مبني للمجهول من"قال به" .

وقال بالشيء : رفعه أو حمله .

والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام واللسان .

يقولون : قال برجله : إذا بدأ يتقدم ومشى ، أو إذا أشار بها للركل .

ويقولون : قال بالماء على يده أي قلبه وصبه .

وما أشبه ذلك .

وقد مضى مثل ذلك آنفًا ص 54 تعليق : 3 ، ص : 64 تعليق : 4 .

(39) سياق الجملة "لأن معناهم .

.

من الشرب ، كالذي مخالفا معاني" ، وفصل كعادته فيما بينا مرارا .

يعني لأن شربهم كان مخالفا شرب سائر الناس .

.

(40) الحجر المتعاور : الحجر المتبادل ، ينقل من يد إلى يد .

من تعاوروا الشيء : إذا تبادلوه ، ولا يتعاور شيء حتى يكون منقولا ، أما الثابت فلا يتعاوره الناس ولا يتبادلونه .

(41) في المطبوعة : "لا سبيل إليه لمالكيه" ، وهو كلام بلا معنى .

والصواب ما أثبتناه بزيادة"إلا" ويدل على صواب ذلك ما مضى منذ قليل في تفسير ما سبق من الآية .

(42) تقدم إليه بكذا : إذا أمره .

(43) العثا : مصدر : عثى يعثى ، كرضى يرضى ، وهي لغة الحجاز .

ولم أجد هذا المصدر إلا في تاج العروس .

ولست أعلم أهو بفتح العين ام بكسرها .

ولكني أستظهر أن يكون فتح العين هو الأرجح .

(44) "القراءة سنة ، ولا يقرأ بما قرأ به القراء" .

لسان العرب (عثى) .

(45) ديوانه" 30 .

مستحل : قد استحل أموالهم واستباحها .

والمصدق : هو العامل الذي يقبض زكاة أموال الناس ، وهو وكيل الفقراء في القبض ، وله أن يتصرف لهم بما يؤديه إليه اجتهاده ، فربما جار إذا لم يكن من أهل الورع .

قعث الشيء يقعثه : استأصله واستوعبه .

وقعثه فانقعث : إذا قلعه من أصله فانقلع .

ولم تذكر معاجم اللغة : " قاعث فهو مقاعث" ، ولكنه لما أراد أن التاجر يأتي بظلمه وجوره وإغلائه السعر ، فيستأصل أموال الناس ويقتلعها ، والناس يدافعونه عن أموالهم - اشتق له من المفاعلة التي تكون بين اثنين : "قاعث فهو مقاعث" ، أي يحاول استئصال أموال الناس ، والناس يدافعونه عن أموالهم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدينفيه ثماني مسائل : الأولى : قوله تعالى : وإذ استسقى موسى لقومه كسرت الذال لالتقاء الساكنين .

والسين سين السؤال مثل استعلم واستخبر واستنصر ونحو ذلك أي : طلب وسأل السقي لقومه والعرب تقول : سقيته وأسقيته لغتان بمعنى ، قال :سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلالوقيل : سقيته من سقي الشفة وأسقيته دللته على الماء .الثانية : الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر ، وإذا كان كذلك فالحكم حينئذ إظهار العبودية والفقر والمسكنة والذلة مع التوبة النصوح ، وقد استسقى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فخرج إلى المصلى متواضعا متذللا متخشعا مترسلا متضرعا وحسبك به ، فكيف بنا ولا توبة معنا إلا العناد ومخالفة رب العباد فأنى نسقى لكن قد قال صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر : ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا الحديث وسيأتي بكماله إن شاء الله .الثالثة : سنة الاستسقاء الخروج إلى المصلى على الصفة التي ذكرنا والخطبة والصلاة ، وبهذا قال جمهور العلماء ، وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من سنته صلاة ولا خروج ، وإنما هو دعاء لا غير ، واحتج بحديث أنس الصحيح ، أخرجه البخاري ومسلم ، ولا حجة له فيه ؛ فإن ذلك كان دعاء عجلت إجابته فاكتفي به عما سواه ولم يقصد بذلك بيان سنة ، ولما قصد البيان بين بفعله حسب ما رواه عبد الله بن يزيد المازني قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه ثم صلى ركعتين رواه مسلم ، وسيأتي من أحكام الاستسقاء زيادة في سورة " هود " إن شاء الله .الرابعة : قوله تعالى : فقلنا اضرب بعصاك الحجر العصا معروف ، وهو اسم مقصور مؤنث ، وألفه منقلبة عن واو ، قال :على عصويها سابري مشبرقوالجمع عصي وعصي ، وهو فعول ، وإنما كسرت العين لما بعدها من الكسرة ، وأعص أيضا مثله مثل زمن وأزمن ، وفي المثل " العصا من العصية " أي : بعض الأمر من بعض .

وقولهم : ألقى عصاه أي : أقام وترك الأسفار وهو مثل ، قال :فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافروفي التنزيل وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وهناك يأتي الكلام في منافعها إن شاء الله تعالى ، قال الفراء : أول لحن سمع بالعراق : هذه عصاتي ، وقد يعبر بالعصا عن الاجتماع والافتراق ، ومنه يقال في الخوارج : قد شقوا عصا المسلمين أي : اجتماعهم وائتلافهم ، وانشقت العصا أي : وقع الخلاف ، قال الشاعر :إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهندأي : يكفيك ويكفي الضحاك وقولهم : لا ترفع عصاك عن أهلك ، يراد به الأدب ، والله أعلم .[ ص: 393 ] والحجر معروف وقياس جمعه في أدنى العدد أحجار ، وفي الكثير حجار وحجارة والحجارة نادر ، وهو كقولنا جمل وجمالة ، وذكر وذكارة ، كذا قال ابن فارس والجوهري .قلت : وفي القرآن فهي كالحجارة وإن من الحجارة قل كونوا حجارة ترميهم بحجارة وأمطرنا عليهم حجارة فكيف يكون نادرا إلا أن يريدا أنه نادر في القياس كثير في الاستعمال فيصح ، والله أعلمقوله تعالى : فانفجرت في الكلام حذف تقديره فضرب فانفجرت وقد كان تعالى قادرا على تفجير الماء وفلق الحجر من غير ضرب لكن أراد أن يربط المسببات بالأسباب حكمة منه للعباد في وصولهم إلى المراد وليرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم في المعاد .

والانفجار الانشقاق ، ومنه انشق الفجر وانفجر الماء انفجارا ، انفتح والفجرة موضع تفجر الماء والانبجاس أضيق من الانفجار ؛ لأنه يكون انبجاسا ثم يصير انفجارا ، وقيل انبجس وتبجس وتفجر وتفتق بمعنى واحد حكاه الهروي وغيره .الخامسة : قوله تعالى : اثنتا عشرة عينا اثنتا في موضع رفع ب " انفجرت " وعلامة الرفع فيها الألف وأعربت دون نظائرها لأن التثنية معربة أبدا لصحة معناها .

" عينا " نصب على البيان ، وقرأ مجاهد وطلحة وعيسى " عشرة " بكسر الشين ، وهي لغة بني تميم وهذا من لغتهم نادر لأن سبيلهم التخفيف ولغة أهل الحجاز عشرة وسبيلهم التثقيل ، قال جميعه النحاس والعين من الأسماء المشتركة ، يقال : عين الماء وعين الإنسان وعين الركبة وعين الشمس ، والعين سحابة تقبل من ناحية القبلة ، والعين مطر يدوم خمسا أو ستا لا يقلع وبلد قليل العين أي : قليل الناس وما بها عين - محركة الياء ، والعين الثقب في المزادة ، والعين من الماء مشبهة بالعين من الحيوان لخروج الماء منها كخروج الدمع من عين الحيوان وقيل لما كان عين الحيوان أشرف ما فيه شبهت به عين الماء لأنها أشرف ما في الأرض .السادسة : لما استسقى موسى عليه السلام لقومه أمر أن يضرب عند استسقائه بعصاه حجرا قيل مربعا طوريا ( من الطور ) على قدر رأس الشاة يلقى في كسر جوالق ويرحل به فإذا نزلوا وضع في وسط محلتهم ، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحجر لكنهم كانوا يجدونه [ ص: 394 ] في كل مرحلة في منزلته من المرحلة الأولى ، وهذا أعظم في الآية والإعجاز ، وقيل : إنه أطلق له اسم الحجر ليضرب موسى أي حجر شاء ، وهذا أبلغ في الإعجاز ، وقيل : إن الله تعالى أمره أن يضرب حجرا بعينه بينه لموسى عليه السلام ، ولذلك ذكر بلفظ التعريف ، قال سعيد بن جبير : هو الحجر الذي وضع عليه موسى ثوبه لما اغتسل وفر بثوبه حتى برأه الله مما رماه به قومه ، قال ابن عطية ولا خلاف أنه كان حجرا منفصلا مربعا تطرد من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى ، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفت العيون .قلت : ما أوتي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من نبع الماء وانفجاره من يده وبين أصابعه أعظم في المعجزة ؛ فإنا نشاهد الماء يتفجر من الأحجار آناء الليل وآناء النهار ، ومعجزة نبينا عليه السلام لم تكن لنبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم ، يخرج الماء من بين لحم ودم ، روى الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات عن عبد الله قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم نجد ماء ، فأتي بتور فأدخل يده فيه فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه ويقول : ( حي على الطهور ) قال الأعمش فحدثني سالم بن أبي الجعد قال : قلت لجابر : كم كنتم يومئذ ؟

قال : ألفا وخمسمائة .

لفظ النسائيالسابعة : قوله تعالى : قد علم كل أناس مشربهم يعني أن لكل سبط منهم عينا قد عرفها لا يشرب من غيرها ، والمشرب موضع الشرب ، وقيل : المشروب والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب ، وهم ذرية الاثني عشر أولاد يعقوب عليه السلام وكان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها ، قال عطاء كان للحجر أربعة أوجه يخرج من كل وجه ثلاث أعين لكل سبط عين لا يخالطهم سواهم ، وبلغنا أنه كان في كل سبط خمسون ألف مقاتل سوى خيلهم ودوابهم ، قال عطاء : كان يظهر على كل موضع من ضربة موسى مثل ثدي المرأة على الحجر فيعرق أولا ثم يسيل .الثامنة : قوله تعالى : كلوا واشربوا في الكلام حذف تقديره ، وقلنا لهم : كلوا المن والسلوى ، واشربوا الماء المتفجر من الحجر المنفصل .ولا تعثوا أي : لا تفسدوا ، والعيث شدة الفساد ، نهاهم عن ذلك ، يقال : عثي يعثى عثيا وعثا يعثو عثوا وعاث يعيث عيثا وعيوثا ومعاثا ، والأول لغة القرآن ، ويقال : عث يعث - في المضاعف - أفسد ، ومنه العثة [ ص: 395 ] وهي السوسة التي تلحس الصوف" مفسدين " حال ، وتكرر المعنى تأكيدا لاختلاف اللفظ ، وفي هذه الكلمات إباحة النعم وتعدادها ، والتقدم في المعاصي والنهي عنها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

استسقى, أي: طلب لهم ماء يشربون منه.

{ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ } إما حجر مخصوص معلوم عنده, وإما اسم جنس، { فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا } وقبائل بني إسرائيل اثنتا عشرة قبيلة، { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } منهم { مَشْرَبَهُمْ } أي: محلهم الذي يشربون عليه من هذه الأعين, فلا يزاحم بعضهم بعضا, بل يشربونه متهنئين لا متكدرين, ولهذا قال: { كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ } أي: الذي آتاكم من غير سعي ولا تعب، { وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ } أي: تخربوا على وجه الإفساد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{وإذ استسقى موسى} طلب السقيا.

{لقومه} وذلك أنهم عطشوا في التيه فسألوا موسى أن يستسقي لهم ففعل فأوحى الله إليه كما قال: {فقلنا اضرب بعصاك} وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى عليه السلام ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نوراً، واسمها عليق، حملها آدم عليه السلام من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب عليه السلام فأعطاها موسى عليه السلام.

قال مقاتل: "اسم العصا بنعته".

قوله تعالى: {لحجر} اختلفوا فيه قال وهب: "لم يكن حجراً معيناً بل كان موسى يضرب أي حجر كان من عرض الحجارة فينفجر عيوناً لكل سبط عين، وكانوا اثنى عشر سبطاً ثم تسيل كل عين في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم".

وقال الآخرون: كان حجراً معيناً بدليل أنه عرف بالألف واللام.

قال ابن عباس: "كان حجراً خفيفاً مربعاً على قدر رأس الرجل كان يضعه في مخلاته فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه".

وقال عطاء: "كان للحجر أربعة وجوه لكل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين".

وقيل: كان الحجر رخاماً، وقيل: كان من الكذان فيه اثنتا عشرة حفرة، ينبع من كل حفرة عين ماء عذب، فإذا فرغوا وأراد موسى حمله ضربه بعصاه فيذهب الماء، وكان يسقي كل يوم ستمائة ألف.

وقال سعيد بن جبير: "هو الحجر الذي وضع موسى ثوبه عليه ليغتسل ففر بثوبه ومر به على ملأ من بني إسرائيل حين رموه بالأدرة فلما أتاه جبريل فقال: إن الله تعالى يقول: ارفع هذا الحجر فلي فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فرفعه ووضعه في مخلاته".

قال عطاء: "كان يضربه موسى اثنتي عشرة ضربة فيظهر على موضع كل ضربة مثل ثدي المرأة ثم يتفجر الأنهار، ثم تسيل".

وأكثر أهل التفسير يقولون: انبجست وانفجرت واحد، وقال أبو عمرو بن العلاء: "انبجست وانفجرت، أي: سالت" فذلك قوله تعالى: {فانفجرت} أي فضرب فانفجرت أي سالت منه.

{اثنتا عشرة عيناً} على عدد الأسباط.

{قد علم كل أناس مشربهم} موضع شربهم لا يدخل سبط على غيره في شربه.

{كلوا واشربوا من رزق الله} أي وقلنا لهم كلوا من المن والسلوى، واشربوا من الماء فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم بلا مشقة.

{ولا تعثوا في الأرض مفسدين} والعبث: أشد الفساد يقال عثى يعثي عيثاً، وعثا يعثو عثواً وعاث يعيث عيثاً.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اذكر «إذ استسقى موسى» أي طلب السقيا «لقومه» وقد عطشوا في التيه «فقلنا اضرب بعصاك الحجر» وهو الذي فر بثوبه خفيف مربع كرأس الرجل رخام أو كذان فضربه «فانفجرت» انشقت وسالت «منه اثنتا عشرة عيناً» بعدد الأسباط «قد علم كل أناس» سبط منهم «مشربهم» موضع شربهم فلا يشركهم فيه غيرهم وقلنا لهم «كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين» حال مؤكدة لعاملها من عثى بكسر المثلثة أفسد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكروا نعمتنا عليكم -وأنتم عطاش في التِّيْه- حين دعانا موسى -بضراعة- أن نسقي قومه، فقلنا: اضرب بعصاك الحجر، فضرب، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، بعدد القبائل، مع إعلام كل قبيلة بالعين الخاصة بها حتى لا يتنازعوا.

وقلنا لهم: كلوا واشربوا من رزق الله، ولا تسعوا في الأرض مفسدين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة من أجل نعمه عليهم ، وهي إغاثتهم في التيه بالماء بعد أن اشتد بهم العطش ، فقال تعالى :( وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضرب بِّعَصَاكَ .

.

.

)الاستسقاء : طلب السقيا عند عدم الماء أو حبس المطر ، وذلك عن طريق الدعاء لله - تعالى - في خشوع واستكانة ، وقد سأل موسى ربه أن يسقى بني إسرائيل الماء بعد أن استبد بهم العطش ، عندما كانوا في التيه ، فعن ابن عباس أنه قال : " كان ذلك في التيه ، ضرب له مموسى الحجر ، فصارت منه اثنتا عشرة عيناً من ماء ، لكل سبط منهم عين يشربون منها .وهذه النعمى كانت نافعة لهم في دنياهم؛ لأنها أزالت عنهم الحاجة الشيديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا ، وكانت نافعة لهم في دينهم؛ لأنها من أظهر الأدلة على وجود الله .

وعلى قدرته وعلمه ، ومن أقوى البراهين على صدق موسى - عليه السلام - في نبوته .ومعنى الآية الكريمة : واذكروا يا بني إسرائيل وقت أن أصاب آباءكم العطش الشديد وهم في صحراء مجدبة ، فتوسل إلينا نبيهم موسى - عليه السلام - في خشوع وتضرع أن أمدهم بالماء الذي يكفيهم ، فأجبناه إلى ما طلب ، إذ أوحينا إليه أن اضرب بعصاك الحجر .

ففعل ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً بمقدار عدد الأسباط ، وصار لكل سيط منهم مشرب يعرفه ولا يتعداه إلى غيره ، وقلنا لهم : تمتعوا بما من الله به عليكم من مأكول طيب ومشروب هنيء رزقكم الله إياه من غير تعب ولا مشقة ، ( وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ ) فتتحول النعم التي بين أيديكم إلى نقم وتصبحوا على ما فعلتم نادمين .وقوله تعالى : ( وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ ) يفيد أن الذي سأل ربه السقيا هو موسى - عليه السلام - وحده ، لتظهر كرامته عند ربه لدى قومه ، وليشاهدوا بأعينهم إكرام الله - تعالى - له ، حيث أجاب سؤاله ، وفجر الماء لهم ببركة دعائه .واللام في قوله تعالى - ( لِقَوْمِهِ ) للسببية ، أي لأجل قومه .والفاء في قوله - تعالى - ( فَقُلْنَا اضرب بِّعَصَاكَ الحجر ) عطفت الجملة بعدها على محذوف ، والتقدير : فأجبناه إلى ما طلب ، وقلنا اضرب بعصاك الحجر .وآل في ( الحجر ) لتعريف الجنس أي اضرب أي حجر شئت بدون تعيين ، وقيل للعهد ، ويكون المراد حجراً معيناً معروفاً لموسى - عليه السلام - بوحى من الله تعالى .

وقد أورد المفسرون في ذلك آثاراً حكم المحققون بضعفها ولذلك لم نعتد بها .والذي نرجحه أنها لتعريف الجنس ، لأن انفجار الماء من أي حجر بعد ضربه أظهر في إقامة البرهان على صدق موسى - عليه السلام - وأدعى لإِيمان بني إسرائيل وانصياعهم للحق بعد وضوحه ، وأبعد عن التشكيك في إكرام الله لنبيه موسى - عليه السلام - إذ لو كان انفجار الماء من حجر معين لأمكن أن يقولوا : إن تفجير الماء كان لمعنى خاص بالحجر لا لكرامة موسى عند ربه - تعالى - .والفاء في قوله تعالى : ( فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ ) كسابقتها للعطف على محذوف تقديره : فضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ، وقد حذفت هذه الجملة المقدرة لوضوح المعنى .وكانت العيوم اثنتي عشرة عيناً؛ لأن بني إسرائيل كانوا اثني عشر سبطاً ، والاسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب .

وهم ذرية أبناء يعقوب - عليه السلام - الاثني عشر ، ففي انفجار الماء من اثنتي عشرة عيناً إكمال للنعمة عليهم ، حتى لا يقع بينهم تنازع وتشاجر :وقال - سبحانه - : ( فانفجرت ) وقال في سورة الأعراف ( فانبجست ) والانبجاس خروج الماء بقلة .

والانفجار خروجه بكثرة ، ولا تنافي بينهما في الواقع؛ لأنه ابنجس أولا .

ثم افنجر ثانياً ، وكذا العيون يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه .وقوله تعالى : ( قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ) إرشاد وتنبيه إلى حكمة الانقسام إلى اثنتي عشرة عيناً أي : قد عرف كل سبط من أسباط بني إسرائيل مكان شربه ، فلا يتعداه إلى غيره ، وفي ذلك ما فيه من استقرار أمورهم ، واطمئنان نفوسهم ، وعدم تعدى بعضهم على بعض .وقوله تعالى : ( كُلُواْ واشربوا مِن رِّزْقِ الله ) مقول لقول محذوف تقديره : وقلنا لهم : كلوا واشربوا من رزق الله .وقد جمع - سبحانه - بين الأكل والشرب - وإن كان الحديث عن الشراب - لأنه قد تقدمه إنزال المن والسلوى ، وقد قيل هنالك : ( كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) فلما أتبع ذلك بنعمة تفجير الماء لهم اجتمعت المنتان .وقوله تعالى : ( وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ ) تحذير لهم من البطر والغرور واستعمال النعمى في غير ما وضعت له ، بعد أن أذن لهم في التمتع بالطيبات ، لأن النعممى عندما تكثر قد تنسى العبد حققو خالقه فيهجر الشريعة ، ويعيث في الأرض فساداً .

قال تعالى : ( كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى .

أَن رَّآهُ استغنى ) والمعنى : ولا تسعوا في الأرض مفسدين ، وتقابلوا النعم بالعصيان فتسلب عنكم قال ابن جرير - رحمه الله - : ( وأصل العثا شدة الإِفساد بل هو أشد الإِفساد ، يقال منه : عثى فلان في الأرض : إذا تجاوز الحد في الإِفساد إلى غايته ، يعثى ، عثاً مقصوراً ، ويقال للجماعة يعثون .

.

) .وبذلك تكون الآية الكريمة قد ذكرت بني إسرائيل بنعمة خليلة ، ونصحتهم بأن يعملوا على شكرها : وحذرتهم عاقبة الإِفساد في الأرض وجحودهم النعمى واستبدالهم الذيهو أدنى بالذي هو خير :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قراءة العامة اثنتا عشرة بسكون الشين على التخفيف وقراءة أبي جعفر بكسر الشين، وعن بعضهم بفتح الشين، والوجه هو الأول لأنه أخف وعليه أكثر القراء، واعلم أن هذا هو الإنعام التاسع من الإنعامات المعدودة على بني إسرائيل، وهو جامع لنعم الدنيا والدين، أما في الدنيا فلأنه تعالى أزال عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا في التيه، كما لولا إنزاله المن والسلوى لهلكوا، فقد قال تعالى: ﴿ وَمَا جعلناهم جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام  ﴾ وقال: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيء حَىّ  ﴾ بل الإنعام بالماء في التيه أعظم من الإنعام بالماء المعتاد لأن الإنسان إذا اشتدت حاجته إلى الماء في المفازة وقد انسدت عليه أبواب الرجاء لكونه في مكان لا ماء فيه ولا نبات، فإذا رزقه الله الماء من حجر ضرب بالعصا فانشق واستقى منه علم أن هذه النعمة لا يكاد يعدلها شيء من النعم، وأما كونه من نعم الدين فلأنه من أظهر الدلائل على وجود الصانع وقدرته وعلمه ومن أصدق الدلائل على صدق موسى عليه السلام، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: جمهور المفسرين أجمعوا على أن هذا الاستسقاء كان في التيه، لأن الله تعالى لما ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل ثيابهم بحيث لا تبلى ولا تتسخ خافوا العطش فأعطاهم الله الماء من ذلك الحجر، وأنكر أبو مسلم حمل هذه المعجزة على أيام مسيرهم إلى التيه فقال: بل هو كلام مفرد بذاته، ومعنى الاستسقاء طلب السقيا من المطر على عادة الناس إذا أقحطوا ويكون ما فعله الله من تفجير الحجر بالماء فوق الإجابة بالسقيا وإنزال الغيث والحق أنه ليس في الآية ما يدل على أن الحق هذا أو ذاك وإن كان الأقرب أن ذلك وقع في التيه، ويدل عليه وجهان.

أحدهما: أن المعتاد في البلاد الاستغناء عن طلب الماء إلا في النادر.

الثاني: ما روي أنهم كانوا يحملون الحجر مع أنفسهم لأنه صار معداً لذلك فكما كان المن والسلوى ينزلان عليهم في كل غداة فكذلك الماء ينفجر لهم في كل وقت وذلك لا يليق إلا بأيامهم في التيه.

المسألة الثانية: اختلفوا في العصا، فقال الحسن: كانت عصا أخذها من بعض الأشجار، وقيل كانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى ولها شعبتان تتقدان في الظلمة والذي يدل عليه القرآن أن مقدارها كان مقداراً يصح أن يتوكأ عليها وأن تنقلب حية عظيمة ولا تكون كذلك إلا ولها قدر من الطول والغلظ وما زاد على ذلك فلا دلالة عليه.

واعلم أن السكوت عن أمثال هذه المباحث واجب لأنه ليس فيها نص متواتر قاطع ولا يتعلق بها عمل حتى يكتفى فيها بالظن المستفاد من أخبار الآحاد فالأولى تركها.

المسألة الثالثة: اللام في الحجر إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم، فروي أنه حجر طوري حمله معه وكان مربعاً له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين تسيل في جدول إلى ذلك السبط، وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر اثنا عشر ميلاً، وقيل أهبط مع آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا، وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة ففر به، فقال له جبريل: يقول الله تعالى: ارفع هذا الحجر فإن لي فيه قدرة ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته، وإما للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، وعن الحسن: لم يأمروه أن يضرب حجراً بعينه.

قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة، وروي أنهم قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة فحمل حجراً في مخلاته فحينما نزلوا ألقاه وقيل: كان يضربه بعصاه فينفجر ويضربه بها فييبس، فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً.

فأوحى الله إليه لا تقرع الحجارة، وكلمها تطعك، واختلفوا في صفة الحجر فقيل: كان من رخام وكان ذراعاً في ذراع، وقيل: مثل رأس الإنسان.

والمختار عندنا تفويض علمه إلى الله تعالى.

المسألة الرابعة؛ الفاء في قوله: ﴿ فانفجرت ﴾ متعلقة بمحذوف أي فضرب فانفجرت أو فإن ضربت فقد انفجرت.

بقي هنا سؤالات: السؤال الأول: هل يجوز أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر فينفجر من غير ضرب حتى يستغني عن تقدير هذا المحذوف؟

الجواب: لا يمتنع في القدرة أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر ومن قبل أن يضرب ينفجر على قدر الحاجة لأن ذلك لو قيل إنه أبلغ في قيل: إنه أبلغ في الإعجاز لكان أقرب، لكن الصحيح أنه ضرب فانفجرت لأنه تعالى لو أمر رسوله بشيء، ثم إن الرسول لا يفعله لصار الرسول عاصياً، ولأنه إذا انفجر من غير ضرب صار الأمر بالضرب بالعصا عبثاً، كأنه لا معنى له ولأن المروي في الأخبار أن تقديره: فضرب فانفجرت كما في قوله تعالى: ﴿ فانفلق  ﴾ من أن المراد فضرب فانفلق.

السؤال الثاني: أنه تعالى ذكر هاهنا: ﴿ فانفجرت ﴾ وفي الأعراف: ﴿ فانبجست  ﴾ وبينهما تناقض لأن الانفجار خروج الماء بكثرة والانبجاس خروجه قليلاً.

الجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: الفجر الشق في الأصل، والانفجار الانشقاق، ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين بخروجه إلى الفسق، والانبجاس اسم للشق الضيق القليل، فهما مختلفان اختلاف العام والخاص، فلا يتناقضان.

وثانيها: لعله انبجس أولاً، ثم انفجر ثانياً، وكذا العيون: يظهر الماء منها قليلاً ثم يكثر لدوام خروجه.

وثالثها: لا يمتنع أن حاجتهم كانت تشتد إلى الماء فينفجر، أي يخرج الماء كثيراً ثم كانت تقل فكان الماء ينبجس أي يخرج قليلاً.

السؤال الثالث: كيف يعقل خروج المياه العظيمة من الحجر الصغير؟

الجواب: هذا السائل إما أن يسلم وجود الفاعل المختار أو ينكره، فإن سلم فقد زال السؤال، لأنه قادر على أن يخلق الجسم كيف شاء كما خلق البحار وغيرها، وإن نازع فلا فائدة له في البحث عن معنى القرآن والنظر في تفسيره، وهذا هو الجواب عن كل ما يستبعدونه من المعجزات التي حكاها الله تعالى في القرآن من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وأيضاً فالفلاسفة لا يمكنهم القطع بفساد ذلك لأن العناصر الأربعة لها هيولى مشتركة عندهم، وقالوا: إنه يصح الكون والفساد عليها، وإنه يصح انقلاب الهواء ماء وبالعكس وكذلك قالوا: (الهواء) إذا وضع في الكوز الفضة جمد فإنه يجتمع على أطراف الكوز قطرات الماء، فقالوا: تلك القطرات إنما حصلت لأن الهواء انقلب ماء فثبت أن ذلك ممكن في الجملة والحوادث السفلية مطيعة للاتصالات الفلكية، فلم يكن مستبعداً أن يحدث اتصال فلكي يقتضي وقوع هذا الأمر الغريب في هذا العالم.

فثبت أن الفلاسفة لا يمكنهم الجزم بفساد ذلك.

أما المعتزلة فإنهم لما اعتقدوا كون العبد موجداً لأفعاله لا جرم قلنا لهم: لم لا يجوز أن يقدر العبد على خلق الجسم؟

فذكروا في ذلك طريقين ضعيفين جداً سنذكرهما إن شاء الله تعالى في تفسير آية السحر، ونذكر وجه ضعفهما وسقوطهما.

وإذا كان كذلك فلا يمكنهم القطع بأن ذلك من فعل الله تعالى فتنسد عليهم أبواب المعجزات والنبوات، أما أصحابنا فإنهم لما اعتقدوا أنه لا موجد إلا الله تعالى لا جرم جزموا أن المحدث لهذه الأفعال الخارقة للعادات هو الله تعالى، فلا جرم أمكنهم الاستدلال بظهورها على يد المدعي على كونه صادقاً.

السؤال الرابع: أتقولون إن ذلك الماء كان مستكناً في الحجر ثم ظهر أو قلب الله الهواء ماء أو خلق الماء ابتداء؟

والجواب: أما الأول فباطل لأن الظرف الصغير لا يحوي الجسم العظيم إلا على سبيل التداخل وهو محال.

أما الوجهان الأخيران فكل واحد منهما محتمل، فإن كان على الوجه الأول فقد أزال الله تعالى اليبوسة عن أجزاء الهواء وخلق الرطوبة فيها وإن كان على الوجه الثاني فقد خلق تلك الأجزاء وخلق الرطوبة فيها.

واعلم أن الكلام في هذا الباب كالكلام فيما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات وقد ضاق بهم الماء فوضع يده في متوضئه ففار الماء من بين أصابعه حتى استكفوا.

السؤال الخامس: معجزة موسى في هذا المعنى أعظم أم معجزة محمد عليه السلام؟

الجواب: كل واحدة منهما معجزة باهرة قاهرة، لكن التي لمحمد صلى الله عليه وسلم أقوى لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة، أما نبوعه من بين الأصابع فغير معتاد ألبتة فكان ذلك أقوى.

السؤال السادس: ما الحكمة في جعل الماء اثنتي عشرة عيناً؟

والجواب: أنه كان في قوم موسى كثرة والكثير من الناس إذا اشتدت بهم الحاجة إلى الماء ثم وجدوه فإنه يقع بينهم تشاجر وتنازع وربما أفضى ذلك إلى الفتن العظيمة فأكمل الله تعالى هذه النعمة بأن عين لكل سبط منهم ماء معيناً لا يختلط بغيره والعادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع مثل ما يقع بين المختلفين.

السؤال السابع: من كم وجه يدل هذا الانفجار على الإعجاز؟

والجواب: من وجوه: أحدها: أن نفس ظهور الماء معجز.

وثانيها: خروج الماء العظيم من الحجر الصغير.

وثالثها: خروج الماء بقدر حاجتهم.

ورابعها: خروج الماء عند ضرب الحجر بالعصا.

وخامسها: انقطاع الماء عند الاستغناء عنه، فهذه الوجوه الخمسة لا يمكن تحصيلها إلا بقدرة تامة نافذة في كل الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات وحكمة عالية على الدهر والزمان، وما ذاك إلا للحق سبحانه وتعالى.

أما قوله تعالى: ﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ﴾ فنقول: إنما علموا ذلك لأنه أمر كل إنسان أن لايشرب إلا من جدول معين كيلا يختلفوا عند الحاجة إلى الماء، وأما إضافة المشرب إليهم فلأنه تعالى لما أباح لكل سبط من الأسباط ذلك الماء الذي ظهر من ذلك الشق الذي يليه صار ذلك كالملك لهم وجازت إضافته إليهم.

أما قوله تعالى: ﴿ كُلُواْ واشربوا مِن رّزْقِ الله ﴾ ففيه حذف، والمعنى: فقلنا لهم أو قال لهم موسى: كلوا واشربوا، وإنما قال: كلوا لوجهين، أحدهما: لما تقدم من ذكر المن والسلوى، فكأنه قال: كلوا من المن والسلوى الذي رزقكم الله بلا تعب ولا نصب واشربوا من هذا الماء.

والثاني: أن الأغذية لا تكون إلا بالماء، فلما أعطاهم الماء فكأنه تعالى أعطاهم المأكول والمشروب.

واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال، قالوا: لأن أقل درجات قوله: ﴿ كُلُواْ واشربوا ﴾ الإباحة، وهذا يقتضي كون الرزق مباحاً، فلو وجد رزق حرام لكان ذلك الرزق مباحاً وحراماً وإنه غير جائز.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ ﴾ فالعثي أشد الفساد، فقيل لهم: لا تتمادوا في الفساد في حالة إفسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه، والمقصود منه ما جرت العادة بين الناس من التشاجر والتنازع في الماء عند اشتداد الحاجة إليه، فكأنه تعالى قال: إن وقع التنازع بسبب ذلك الماء فلا تبالغوا في التنازع والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عطشوا في التيه، فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له: ﴿ اضرب بّعَصَاكَ الحجر ﴾ واللام إمّا للعهد والإشارة إلى حجر معلوم.

فقد روي: أنه حجر طوري حمله معه، وكان حجراً مربعاً له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاث أعين، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم، وكانوا ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثنا عشر ميلاً، وقيل: أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه، حتى وقع إلى شعيب، فدفعه إليه مع العصا.

وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة، ففرّ به، فقال له جبريل: يقول لك الله تعالى: ارفع هذا الحجر، فإنّ لي فيه قدرة ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته.

وإمّا للجنس، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر.

وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة.

وروى أنهم قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة، فحمل حجراً في مخلاته فحيثما نزلوا ألقاه.

وقيل: كان يضربه بعصاه فينفجر، ويضربه بها فييبس.

فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً، فأوحى إليه: لا تقرع الحجارة، وكلمها تطعك، لعلهم يعتبرون.

وقيل: كان من رخام وكان ذراعاً في ذراع.

وقيل: مثل رأس الإنسان.

وقيل: كان من أُسِّى الجنة طوله عشرة أذرع على طول موسى، وله شعبتان تتقدان في الظلمة، وكان يحمل على حمار: ﴿ فانفجرت ﴾ ، الفاء متعلقة بمحذوف، أي فضرب فانفجرت.

أو فإن ضربت فقد انفجرت، كما ذكرنا في قوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ.

وقرئ ﴿ عشرة ﴾ بكسر الشين وبفتحها وهما لغتان ﴿ كُلُّ أُنَاسٍ ﴾ كل سبط ﴿ مَّشْرَبَهُمْ ﴾ عينهم التي يشربون منها ﴿ كُلُواْ ﴾ على إرادة القول ﴿ مِن رّزْقِ الله ﴾ مما رزقكم من الطعام وهو المنّ والسلوى ومن ماء العيون.

وقيل: الماء ينبت منه الزروع والثمار، فهو رزق يؤكل منه ويشرب.

والعثيّ: أشدّ الفساد، فقيل لهم: لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ ﴾ لَمّا عَطِشُوا في التِّيهِ.

﴿ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ حَجَرًا طُورِيًّا.

مُكَعَّبًا حَمَلَهُ مَعَهُ، وكانَتْ تَنْبُعُ مِن كُلِّ وجْهٍ ثَلاثُ أعْيُنٍ، تَسِيلُ كُلُّ عَيْنٍ في جَدْوَلٍ إلى سِبْطٍ، وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وسَعَةُ المُعَسْكَرِ اثْنا عَشَرَ مِيلًا، أوْ حَجَرًا أهْبَطَهُ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ، ووَقَعَ إلى شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأعْطاهُ لِمُوسى مَعَ العَصا، أوِ الحَجَرَ الَّذِي فَرَّ بِثَوْبِهِ لَمّا وضَعَهُ عَلَيْهِ لِيَغْتَسِلَ وبَرَّأهُ اللَّهُ بِهِ عَمّا رَمَوْهُ بِهِ مِنَ الأُدْرَةِ، فَأشارَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَمْلِهِ، أوْ لِلْجِنْسِ وهَذا أظْهَرُ في الحُجَّةِ.

قِيلَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِأنْ يَضْرِبَ حَجَرًا بِعَيْنِهِ، ولَكِنْ لَمّا قالُوا: كَيْفَ بِنا لَوْ أفْضَيْنا إلى أرْضٍ لا حِجارَةَ بِها؟

حَمَلَ حَجَرًا في مِخْلاتِهِ، وكانَ يَضْرِبُهُ بِعَصاهُ إذا نَزَلَ فَيَنْفَجِرُ، ويَضْرِبُهُ بِها إذا ارْتَحَلَ فَيَيْبَسُ، فَقالُوا: إنْ فَقَدَ مُوسى عَصاهُ مُتْنا عَطَشًا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ لا تَقْرَعِ الحَجَرَ وكَلِّمْهُ يُطِعْكَ لَعَلَّهم يَعْتَبِرُونَ.

وقِيلَ كانَ الحَجَرُ مِن رُخامٍ وكانَ ذِراعًا في ذِراعٍ، والعَصا عَشَرَةَ أذْرُعٍ عَلى طُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن آسِ الجَنَّةِ ولَها شُعْبَتانِ تَتَّقِدانِ في الظُّلْمَةِ.

﴿ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَإنْ ضَرَبْتَ فَقَدِ انْفَجَرَتْ، أوْ فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتابَ عَلَيْكُمْ ﴾ .

وقُرِئَ « عَشَرَةَ» بِكَسْرِ الشِّينِ وفَتْحِها وهُما لُغَتانِ فِيهِ.

﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ ﴾ كُلُّ سِبْطٍ.

﴿ مَشْرَبَهُمْ ﴾ عَيْنَهُمُ الَّتِي يَشْرَبُونَ مِنها.

﴿ كُلُوا واشْرَبُوا ﴾ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: ﴿ مِن رِزْقِ اللَّهِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى وماءِ العُيُونِ.

وقِيلَ الماءُ وحْدَهُ لِأنَّهُ يُشْرَبُ ويُؤْكَلُ مِمّا يَنْبُتُ بِهِ.

﴿ وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ لا تَعْتَدُوا حالَ إفْسادِكُمْ، وإنَّما قَيَّدَهُ لِأنَّهُ وإنْ غَلَبَ في الفَسادِ قَدْ يَكُونُ مِنهُ ما لَيْسَ بِفَسادٍ، كَمُقابِلَةِ الظّالِمِ المُعْتَدِي بِفِعْلِهِ، ومِنهُ ما يَتَضَمَّنُ صَلاحًا راجِحًا كَقَتْلِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ الغُلامَ وخَرْقِهِ السَّفِينَةَ، ويَقْرُبُ مِنهُ العَيْثُ غَيْرَ أنَّهُ يَغْلِبُ فِيما يُدْرَكُ حَسًّا، ومَن أنْكَرَ أمْثالَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ فَلِغايَةِ جَهْلِهِ بِاللَّهِ وقِلَّةِ تَدَبُّرِهِ في عَجائِبِ صُنْعِهِ، فَإنَّهُ لَمّا أمْكَنَ أنْ يَكُونَ مِنَ الأحْجارِ ما يَحْلِقُ الشَّعَرَ ويَنْفِرُ عَنِ الخَلِّ ويَجْذِبُ الحَدِيدَ، لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ حَجَرًا يُسَخِّرُهُ لِجَذْبِ الماءِ مِن تَحْتِ الأرْضِ، أوْ لِجَذْبِ الهَواءِ مِنَ الجَوانِبِ ويُصَيِّرُهُ ماءً بِقُوَّةِ التَّبْرِيدِ ونَحْوِ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ} موضع إذ نصب كأنه قيل واذكروا إذا استسقى أي استدعي أن يسقي قومه {فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر} عطشوا في التيه فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له اضرب بعصاك الحجر واللام للعهد والإشارة إلى حجر معلوم فقد روي أنه حجر طوري حمله معه وكان مربعاً له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاث أعين لكل سبط عين وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر إثنا عشر ميلاً أو للجنس أى اضرب الشئ الذي يقال له الحجر وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة {فانفجرت} الفاء متعلقة بمحذوف أي فضرب فانفجرت أي سالت بكثرة أو فإن ضربت فقد انفرجت وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ {مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عينا} على عدد الأسباط وقرئ بكسر الشين وفتحها وهما لغتان وعيناً تمييز {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ} كل سبط {مَّشْرَبَهُمْ} عينهم التي

يشربون منها وقلنا لهم {كُلُواْ} من المن والسلوى {واشربوا} من ماء العيون {مِن رّزْقِ الله} أي الكل مما رزقكم الله {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض} لا تفسدوا فيها والعيث أشد الفساد {مُفْسِدِينَ} حال مؤكدة أي لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ ﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ كَفَرُوا بِها، وكانَ ذَلِكَ في التِّيهِ لَمّا عَطِشُوا، فَفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم قالُوا فِيهِ: مَن لَنا بِحَرِّ الشَّمْسِ؟

فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ، وقالُوا: مَن لَنا بِالطَّعامِ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وقالُوا: مَن لَنا بِالماءِ؟

فَأمَرَ مُوسى بِضَرْبِ الحَجَرِ، وتَغْيِيرُ التَّرْتِيبِ لِقَصْدِ إبْرازِ كُلٍّ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودِ في مَعْرِضِ أمْرٍ مُسْتَقِلٍّ واجِبِ التَّذْكِيرِ، والتَّذَكُّرِ، ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الوُقُوعِيُّ لَفُهِمَ أنَّ الكُلَّ أمَرٌ واحِدٌ، أمْرٌ بِذِكْرِهِ، والِاسْتِسْقاءُ طَلَبُ السُّقْيا عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، أوْ قِلَّتِهِ، قِيلَ: ومَفْعُولُ اسْتَسْقى مَحْذُوفٌ، أيْ رَبَّهُ، أوْ ماءً، وقَدْ تَعَدّى هَذا الفِعْلُ في الفَصِيحِ إلى المُسْتَسْقى مِنهُ تارَةً، وإلى المُسْتَسْقى أُخْرى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ ﴾ وقَوْلِهِ: وأبْيَضَ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ ثِمالُ اليَتامى عِصْمَةٌ لِلْأرامِلِ وتَعْدِيَتُهُ إلَيْهِما مِثْلُ أنْ تَقُولَ: اسْتَسْقى زَيْدٌ رَبَّهُ الماءَ، لَمْ نَجِدْها في شَيْءٍ مِن كَلامِ العَرَبِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ، وهي سَبَبِيَّةٌ، أيْ لِأجْلِ قَوْمِهِ، ﴿ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ ﴾ أيْ فَأجَبْناهُ، فَقُلْنا إلَخْ، والعَصا مُؤَنَّثٌ، والألِفُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، بِدَلِيلِ عَصَوانِ، وعَصَوْتُهُ أيْ ضَرَبْتُهُ بِالعَصا، ويُجْمَعُ عَلى أفْعُلٍ شُذُوذًا، وعَلى فُعُولٍ قِياسًا فَيُقالُ: أعْصٍ وعِصِيٍّ، وتَتْبَعُ حَرَكَةُ العَيْنِ حَرَكَةَ الصّادِ، والحَجَرُ هو هَذا الجِسْمُ المَعْرُوفُ، وجَمْعُهُ أحْجارٌ وحِجارٌ وقالُوا: حِجارَةٌ، واشْتَقُّوا مِنهُ فَقالُوا: اسْتَحْجَرَ الطِّينُ، والِاشْتِقاقُ مِنَ الأعْيانِ قَلِيلٌ جِدًّا، والمُرادُ بِهَذِهِ العَصا المَسْؤُولِ عَنْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ﴾ والمَشْهُورُ أنَّها مِن آسِ الجَنَّةِ، طُولُها عَشَرَةُ أذْرُعٍ طُولُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَها شُعْبَتانِ تَتَّقِدانِ في الظُّلْمَةِ، تَوارَثَها صاغِرٌ عَنْ كابِرٍ، حَتّى وصَلَتْ إلى شُعَيْبٍ، ومِنهُ إلى مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وقِيلَ: رَفَعَها لَهُ مَلَكٌ في طَرِيقِ مَدْيَنَ، وفي المُرادِ مِنَ الحَجَرِ خِلافٌ، فَقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ حَجَرًا مُعَيَّنًا، بَلْ أيَّ حَجَرٍ ضَرَبَهُ انْفَجَرَ مِنهُ الماءُ، وهَذا أبْلَغُ في الإعْجازِ، وأبْيَنُ في القُدْرَةِ، وقالَ وهْبٌ: كانَ يَقْرَعُ لَهم أقْرَبَ حَجَرٍ، فَتَنْفَجِرُ، وعَلى هَذا اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، وهو حَجَرٌ مُعَيَّنٌ حَمَلَهُ مَعَهُ مِنَ الطُّورِ مُكَعَّبٌ لَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، يَنْبُعُ مِن كُلِّ وجْهٍ ثَلاثَةُ أعْيُنٍ، لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ تَسِيلُ في جَدْوَلٍ إلى السِّبْطِ الَّذِي أُمِرَتْ أنْ تَسْقِيَهُمْ، وكانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ ما عَدا دَوابِّهُمْ، وسَعَةُ المُعَسْكَرِ اثْنا عَشَرَ مِيلًا، وقِيلَ: حَجَرٌ كانَ عِنْدَ آدَمَ وصَلَ مَعَ العَصا إلى شُعَيْبٍ، فَدُفِعَ إلى مُوسى، وقِيلَ: هو الحَجَرُ الَّذِي فَرَّ بِثَوْبِهِ، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وقِيلَ: حَجَرٌ أُخِذَ مِن قَعْرِ البَحْرِ خَفِيفٌ يُشْبِهُ رَأْسَ الآدَمِيِّ، كانَ يَضَعُهُ في مِخْلاتِهِ، فَإذا احْتاجَ لِلْماءِ ضَرَبَهُ، والرِّواياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وظاهِرُ أكْثَرِها التَّعارُضُ، ولا يَنْبَنِي عَلى تَعْيِينِ هَذا الحَجَرِ أمْرٌ دِينِيٌّ، والأسْلَمُ تَفْوِيضُ عِلْمِهِ إلى اللَّهِ تَعالى.

﴿ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ وُجُودُ الِانْفِجارِ، ولَوْ كانَ يَنْفَجِرُ دُونَ ضَرْبٍ لَما كانَ لِلْأمْرِ فائِدَةٌ، وبَعْضُهم يُسَمِّي هَذِهِ الفاءَ الفَصِيحَةَ، ويُقَدِّرُ شَرْطًا، أيْ فَإنْ ضَرَبْتَ فَقَدِ انْفَجَرَتْ، وفي المَعْنى أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الِانْفِجارَ عَلى الضَّرْبِ، إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ فَقَدْ حَكَمْنا بِتَرَتُّبِ الِانْفِجارِ عَلى ضَرْبِكَ، وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: لا حَذْفَ بَلِ الفاءُ لِلْعَطْفِ، وإنْ مُقَدَّرَةٌ بَعْدَ الفاءِ كَما هو القِياسُ بَعْدَ الأمْرِ عِنْدَ قَصْدِ السَّبَبِيَّةِ، والتَّرْكِيبُ مِن قَبِيلِ: زُرْنِي فَأُكْرِمَكَ، أيِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ، فَإنِ انْفَجَرَتْ فَلْيَكُنْ مِنكَ الضَّرْبُ، فالِانْفِجارُ، ولا يَخْفى ما في كُلٍّ حَتّى قالَ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ في الأوَّلِ: إنَّهُ غَيْرُ لائِقٍ بِجَلالَةِ شَأْنِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، والثّانِي أدْهى وأمَرُّ، والِانْفِجارُ انْصِداعُ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، ومِنهُ الفَجْرُ، والفُجُورُ، وجاءَ هُنا انْفَجَرَتْ، وفي الأعْرافِ انْبَجَسَتْ، فَقِيلَ: هُما سَواءٌ، وقِيلَ: بَيْنَهُما فَرْقٌ وهو أنَّ الِانْبِجاسَ أوَّلُ خُرُوجِ الماءِ، والِانْفِجارَ اتِّساعُهُ وكَثْرَتُهُ، أوْ الِانْبِجاسُ خُرُوجُهُ مِنَ الصُّلْبِ، والآخَرُ خُرُوجُهُ مِنَ اللِّينِ، والظّاهِرُ اسْتِعْمالُها بِمَعْنًى واحِدٍ، وعَلى فَرْضِ المُغايَرَةِ لا تَعارُضَ لِاخْتِلافِ الأحْوالِ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الحَجَرِ المَضْرُوبِ، وعَوْدُهُ إلى الضَّرْبِ ومِن سَبَبِيَّةٌ مِمّا لا يَنْبَغِي الإقْدامُ عَلَيْهِ، والتّاءُ في اثْنَتا لِلتَّأْنِيثِ، ويُقالُ: ثِنْتا، إلّا أنَّ التّاءَ فِيها عَلى ما في البَحْرِ لِلْإلْحاقِ، وهَذا نَظِيرُ أنْبَتَ، ونَبَتَ، ولامُها مَحْذُوفَةٌ، وهي ياءٌ، لِأنَّها مِن ثَنَيْتُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ، ورَواهُ السَّعْدِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو (عَشِرَةَ) بِكَسْرِ الشِّينِ، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، وقَرَأ الفَضْلُ الأنْصارِيُّ بِفَتْحِها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، ونَصَّ بَعْضُ النُّحاةِ عَلى الشُّذُوذِ، ويُفْهَمُ مِن بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ إنَّ هَذِهِ اللُّغاتِ في المُرَكَّبِ لا في عَشَرَةٍ وحْدَها، وعِباراتُ القَوْمِ لا تُساعِدُهُ، والعَيْنُ مَنبَعُ الماءِ، وجُمِعَ عَلى أعْيُنٍ شُذُوذًا، وعُيُونٍ قِياسًا، وقالُوا في أشْرافِ النّاسِ: أعْيانٌ، وجاءَ ذَلِكَ في الباصِرَةِ قَلِيلًا، كَما في قَوْلِهِ: أعْيانًا لَها ومَآقِيا وهُوَ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وإفْرادُهُ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لازِمٌ، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، وكانَ هَذا العَدَدُ دُونَ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِمْ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، وكانَ بَيْنَهم تَضاغُنٌ وتَنافُسٌ، فَأجْرى اللَّهُ تَعالى لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنًا يَرُدُّها لا يَشْرَكُهُ فِيها أحَدٌ مِنَ السِّبْطِ الآخَرِ دَفْعًا لِإثارَةِ الشَّحْناءِ، ويُشِيرُ إلى حِكْمَةِ الِانْقِسامِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ ﴾ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُفْهِمَةٌ عَلى أنَّ كُلَّ سِبْطٍ مِنهم قَدْ صارَ لَهُ مَشْرَبٌ يَعْرِفُهُ، فَلا يَتَعَدّى لِمَشْرَبِ غَيْرِهِ، وأُناسٌ جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وما ذُكِرَ مِن شُذُوذِ إثْباتِ هَمْزَتِهِ إنَّما هو مَعَ الألِفِ واللّامِ، وأمّا بِدُونِها فَشائِعٌ صَحِيحٌ، وعَلِمَ هُنا مُتَعَدِّيَةٌ لِواحِدٍ، أُجْرِيَتْ مَجْرى عَرَفَ ووَجَدَ، ذَلِكَ بِكَثْرَةٍ، والمَشْرَبُ إمّا اسْمُ مَكانٍ، أيْ مَحَلُّ الشُّرْبِ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الشُّرْبِ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى المَشْرُوبِ، وهو الماءُ، وحَمْلُهُ عَلى المَكانِ أوْلى عِنْدَ أبِي حَيّانَ، وإضافَةُ المَشْرَبِ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ لَمّا تَخَصَّصَ كُلُّ مَشْرَبٍ بِمَن تَخَصَّصَ بِهِ صارَ كَأنَّهُ مِلْكٌ لَهُمْ، وأعادَ الضَّمِيرَ في مَشْرَبِهِمْ عَلى مَعْنى (كُلٍّ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى لَفْظِها، لِأنَّ كُلًّا مَتى أُضِيفَ إلى نَكِرَةٍ وجَبَ مُراعاةُ المَعْنى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ ﴾ وقَوْلِهِ: وكُلُّ أُناسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهم ∗∗∗ دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ مِنها الأنامِلُ ونَصَّ عَلى المَشْرَبِ تَنْبِيهًا عَلى المَنفَعَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي هي سَبَبُ الحَياةِ، وإنْ كانَ سَرْدُ الكَلامِ يَقْتَضِي قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ عَيْنِهِمْ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ مِنها، لِأنَّ ﴿ قَدْ عَلِمَ ﴾ صِفَةٌ لِاثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، فَلا بُدَّ مِن رابِطٍ، وإنَّما وصَفَها بِهِ، لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ أُخْرى، حَيْثُ يَحْدُثُ مَعَ حُدُوثِ الماءِ جَداوِلُ يَتَمَيَّزُ بِها مَشْرَبُ كُلٍّ مِن مَشْرَبٍ آخَرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالِيَّةً لا صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: اثْنَتا عَشْرَةَ، لِئَلّا يَحْتاجَ إلى تَقْدِيرِ العائِدِ، ولِيُفِيدَ مُقارَنَةَ العِلْمِ بِالمَشارِبِ لِلِانْفِجارِ، والمَشْرَبُ حِينَئِذٍ العَيْنُ ﴿ كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، وبَدَأ بِالأكْلِ لِأنَّ قِوامَ الجَسَدِ بِهِ، والِاحْتِياجُ إلى الشُّرْبِ حاصِلٌ عَنْهُ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وفي ذِكْرِ الرِّزْقِ مُضافًا تَعْظِيمٌ لِلْمِنَّةِ، وإشارَةٌ إلى حُصُولِ ذَلِكَ لَهم مِن غَيْرِ تَعَبٍ ولا تَكَلُّفٍ، وفي هَذا التِفاتٌ، إذْ تَقَدَّمَ، ﴿ فَقُلْنا اضْرِبْ ﴾ ولَوْ جَرى عَلى نَظْمٍ واحِدٍ لَقالَ: مِن رِزْقِنا، ولَوْ جَعَلَ الإضْمارَ قَبْلَ كُلُوا، مُسْنَدًا إلى مُوسى، أيْ: وقالَ مُوسى كُلُوا واشْرَبُوا لا يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ، والرِّزْقُ هُنا بِمَعْنى المَرْزُوقِ، وهو الطَّعامُ المُتَقَدِّمُ مِنَ المَنِّ والسَّلْوى، والمَشْرُوبُ مِن ماءِ العُيُونِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الماءُ وحْدَهُ، لِأنَّهُ يُشْرَبُ، ويُؤْكَلُ مِمّا يَنْبُتُ مِنهُ، ويُضَعِّفُهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أكْلُهم في التِّيهِ مِن زُرُوعِ ذَلِكَ الماءِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ”يَخْرُجُ مِمّا تَنْبُتُ الأرْضُ“ و ﴿ لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ﴾ ويَلْزَمُ عَلَيْهِ أيْضًا الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، إذْ يَؤُولُ إلى كُلُوا، واشْرَبُوا مِنَ الماءِ، ويَكُونُ نِسْبَةُ الشُّرْبِ إلَيْهِ بِإرادَةِ ذاتِهِ، والأكْلِ بِإرادَةِ ما هو سَبَبٌ عَنْهُ، أوِ القَوْلُ بِحَذْفِ مُتَعَلِّقِ أحَدِ الفِعْلَيْنِ، أيْ كُلُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ، واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ، وقَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ: إنَّ رِزْقَ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ الماءِ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى إعْجازٍ آخَرَ، وهو أنَّ هَذا الماءَ كَما يَرْوِي العَطْشانَ يُشْبِعُ الجَوْعانَ، فَهو طَعامٌ وشَرابٌ بَعِيدٌ غايَةُ البُعْدِ، وأقْرَبُ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ ﴿ كُلُوا واشْرَبُوا ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ مِن تَتِمَّةِ ما يُحْكى عَنْهُمْ، بَلْ يُجْعَلُ أمْرًا مُرَتَّبًا عَلى ذِكْرِهِمْ ما وقَعَ وقْتَ الِاسْتِسْقاءِ عَلى وجْهِ الشُّكْرِ والتَّذْكِيرِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهو أمَرَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الحِكايَةِ بِأكْلِهِمْ وشُرْبِهِمْ، مِمّا يَرْزُقُهُمُ اللَّهُ تَعالى، وعَدَمِ الإفْسادِ بِإضْلالِ الخَلْقِ وجَمْعِ عَرَضِ الدُّنْيا، ويَكُونُ فَصْلُهُ عَمّا سَبَقَ، لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشُّكْرِ المَأْمُورِ أوْ نَتِيجَةٌ لِلْمَذْكُورِ، واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الرِّزْقَ هو الحَلالُ، لِأنَّ أقَلَّ دَرَجاتِ هَذا الأمْرِ أنْ يَكُونَ لِلْإباحَةِ، فاقْتَضى أنْ يَكُونَ الرِّزْقُ مُباحًا، فَلَوْ وُجِدَ رِزْقٌ حَرامٌ لَكانَ الرِّزْقُ مُباحًا وحَرامًا، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، والجَوابُ أنَّ الرِّزْقَ هُنا لَيْسَ بِعامٍّ، إذا أُرِيدَ المَنُّ والسَّلْوى، والماءُ المُنْفَجِرُ مِنَ الحَجَرِ، ولا يَلْزَمُ مِن حِلْيَةِ مُعَيَّنٍ ما مِن أنْواعِ الرِّزْقِ حِلْيَةُ جَمِيعِ الرِّزْقِ، وعَلى تَسْلِيمِ العُمُومِ يُلْتَزَمُ التَّبْعِيضُ، ﴿ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ لَمّا أُمِرُوا بِالأكْلِ والشُّرْبِ مِن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، ولا مِقْدارٍ، كانَ ذَلِكَ إنْعامًا وإحْسانًا جَزِيلًا إلَيْهِمْ، واسْتَدْعى ذَلِكَ التَّبَسُّطَ في المَأْكَلِ والمَشْرَبِ، نَهاهم عَمّا يُمْكِنُ أنْ يَنْشَأ عَنْ ذَلِكَ، وهو الفَسادُ حَتّى لا يُقابِلُوا تِلْكَ النِّعَمَ بِالكُفْرانِ، والعُثِيُّ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ مُجاوَزَةُ الحَدِّ مُطْلَقًا فَسادًا كانَ أوْ لا، فَهو كالِاعْتِداءِ، ثُمَّ غَلَبَ في الفَسادِ، (ومُفْسِدِينَ) عَلى هَذا حالٌ غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ، وهو الأصْلُ فِيها، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْرِيفُها، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ العُثِيُّ الفَسادُ، والحالُ مُؤَكِّدَةٌ، وفِيهِ أنَّ مَجِيءَ الحالِ المُؤَكِّدَةِ بَعْدَ الفِعْلِيَّةِ خِلافُ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ مَعْناهُ أشَدُّ الفَسادِ، والمَعْنى لا تَتَمادَوْا في الفَسادِ حالَ إفْسادِكُمْ، والمَقْصِدُ النَّهْيُ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّمادِي في الفَسادِ، وهو مِن أُسْلُوبِ: ﴿ لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ وإلّا فالفَسادُ أيْضًا مُنْكَرٌ مَنهِيٌّ عَنْهُ، وفِيهِ أنَّهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِما ذَكَرْنا، والمُرادُ مِنَ الأرْضِ عِنْدَ الجُمْهُورِ أرْضُ التِّيهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَها، وغَيْرَها مِمّا قَدَرُوا أنْ يَصِلُوا إلَيْها، فَيَنالُها فَسادُهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرِيدَ الأرَضِينَ كُلَّها، وألْ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، ويَكُونُ فَسادُهم فِيها مِن جِهَةِ أنَّ كَثْرَةَ العِصْيانِ، والإصْرارَ عَلى المُخالَفاتِ، والبَطَرَ، يُؤْذِنُ بِانْقِطاعِ الغَيْثِ، وقَحْطِ البِلادِ، ونَزْعِ البَرَكاتِ، وذَلِكَ انْتِقامٌ يَعُمُّ الأرَضِينَ، هَذا ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِ هَذا الِاسْتِسْقاءِ، ولا الضَّرْبِ، ولا الِانْفِجارِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَكَرِّرًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَرَّةً واحِدَةً، والواحِدَةُ هي المُتَحَقِّقَةُ، والحِكاياتُ في هَذا الأمْرِ كَثِيرَةٌ، وأكْثَرُها لا صِحَّةَ لَهُ، وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ الطَّبِيعِيِّينَ هَذِهِ الواقِعَةَ، وقالَ كَيْفَ يُعْقَلُ خُرُوجُ الماءِ العَظِيمِ الكَثِيرِ مِنَ الحَجَرِ الصَّغِيرِ؟

وهَذا المُنْكِرُ مَعَ أنَّهُ يَتَصَوَّرُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى في تَغْيِيرِ الطَّبائِعِ والِاسْتِحالاتِ فَقَدْ تَرَكَ النَّظَرَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهم أنَّ حَجَرَ المِغْناطِيسِ يَجْذِبُ الحَدِيدَ، والحَجَرَ الحَلّاقَ يَحْلِقُ الشَّعْرَ، والحَجَرَ الباغِضَ لِلْخَلِّ يُنْفَرُ مِنهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ مِن أسْرارِ الطَّبِيعَةِ، وإذا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ ذَلِكَ مُنْكَرًا عِنْدَهُمْ، فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَخْلُقَ في حَجَرٍ آخَرَ قُوَّةَ جَذْبِ الماءِ مِن تَحْتِ الأرْضِ، ويَكُونَ خَلْقُ تِلْكَ القُوَّةِ عِنْدَ ضَرْبِ العَصا، أوْ عِنْدَ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما ورَدَ أنَّهُ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَأْمُرُهُ فَيَنْفَجِرُ، ولا يُنافِيهِ انْفِصالُهُ عَنِ الأرْضِ، كَما وُهِمَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَقْلِبَ اللَّهُ تَعالى بِواسِطَةِ قُوَّةٍ أوْدَعَها في الحَجَرِ الهَواءَ ماءً بِإزالَةِ اليُبُوسَةِ عَنْ أجْزائِهِ، وخَلْقِ الرُّطُوبَةِ فِيها، واللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وحَظُّ العارِفِ مِنَ الآيَةِ أنْ يَعْرِفَ الرُّوحَ الإنْسانِيَّةَ وصِفاتِها في عالَمِ القَلْبِ، بِمَثابَةِ مُوسى وقَوْمِهِ وهو مُسْتَسْقٍ رَبَّهُ لِإرْوائِها بِماءِ الحِكْمَةِ والمَعْرِفَةِ، وهو مَأْمُورٌ بِضَرْبِ عَصا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولَها شُعْبَتانِ مِنَ النَّفْيِ والإثْباتِ تَتَّقِدانِ نُورًا عِنْدَ اسْتِيلاءِ ظُلُماتِ النَّفْسِ، وقَدْ حُمِلَتْ مِن حَضْرَةِ العِزَّةِ عَلى حَجَرِ القَلْبِ الَّذِي هو كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً، فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا مِن مِياهِ الحِكْمَةِ، لِأنَّ كَلِمَةَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ اثْنَتا عَشْرَةَ حَرْفًا، فانْفَجَرَ مِن كُلِّ حَرْفٍ عَيْنٌ، قَدْ عَلِمَ كُلُّ سِبْطٍ مِن أسْباطِ صِفاتِ الإنْسانِ، وهي اثْنا عَشَرَ سِبْطًا مِنَ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، واثْنانِ مِنَ القَلْبِ، والنَّفْسِ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مَشْرَبٌ مِن عَيْنٍ جَرَتْ مِن حَرْفٍ مِن حُرُوفِ الكَلِمَةِ، وقَدْ عَلِمَ مَشْرَبَهُ ومَشْرَبَ كُلِّ واحِدٍ، حَيْثُ ساقَهُ رائِدُهُ، وقادَهُ قائِدُهُ، فَمِن مَشْرَبٍ عَذْبٍ فُراتٍ، ومَشْرَبٍ مِلْحٍ أُجاجٍ، والنُّفُوسُ تَرِدُ مَناهِلَ التُّقى والطّاعاتِ، والأرْواحُ تَشْرَبُ مِن زُلالِ الكُشُوفِ والمُشاهَداتِ والأسْرارِ، تُرْوى مِن عُيُونِ الحَقائِقِ بِكَأْسِ تَجَلِّي الصِّفاتِ عَنْ ساقِي ﴿ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا ﴾ لِلِاضْمِحْلالِ في حَقِيقَةِ الذّاتِ ﴿ كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ ﴾ بِأمْرِهِ ورِضاهُ، ﴿ ولا تَعْثَوْا ﴾ في هَذا القالَبِ مُفْسِدِينَ بِتَرْكِ الأمْرِ، واخْتِيارِ الوِزْرِ وبَيْعِ الدِّينِ بِالدُّنْيا، وإيثارِ الأُولى عَلى العُقْبى، وتَقْدِيمِهِما عَلى المَوْلى، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فذلك قوله تعالى: وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً فإذا ساروا جملوه فاستمسك.

وقال بعضهم: كان يخرج عيناً واحدة ثم تتفرق على اثنتي عشرة فرقة، وتصير اثني عشر نهراً.

وقال بعضهم: كان للحجر اثنا عشر ثقباً، يخرج منها اثنتا عشرة عيناً لا يختلط بعضها ببعض.

قال مقاتل: كان الحجر مربَّعاً، وكان جبريل-  - أمر موسى بحمله معه يوم جاوز البحر ببني إسرائيل، وإنما انفجرت اثنتا عشرة عيناً، لأنه أخذ من مكان فيه اثنا عشر طريقاً.

ثم قال تعالى: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ، أي قد عرف كل سبط مشربهم، أي موردهم وموضع شربهم من العيون لا يخالطهم فيها غيرهم.

والحكمة في ذلك أن الأسباط كانت بينهم عصبية ومباهاة، وكل سبط منهم لا يتزوج من سبط آخر، وأراد كل سبط تكثير نفسه، فجعل لكل سبط منهم نهراً على حدة ليستقوا منها، ويسقوا دوابهم لكيلا يقع بينهم جدال ومخاصمة.

وقال بعضهم: كان الحجر من الجنة.

وقال بعضهم: رفعه موسى من أسفل البحر حيث مرّ فيه مع قومه.

وقال بعضهم: كان حجراً من أحجار الأرض.

قوله عز وجل: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ أي قيل لهم كلوا من المن والسلوى، واشربوا من ماء العيون، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، أي لا تعملوا فيها بالمعاصي، يقال: عثا يعثو عثواً، إذا أظهر الفساد وعَثِي، وعاث- لغتان- الذئب في الغنم أي أسرع بالفساد ثم أنهم أجمعوا من المن والسلوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لتغليظه لأنَّ إِجماع المفسِّرين لا يمنع من إِطلاقِهِ لغةً بمعنى آخر في غير الآية.

انتهى.

وقوله تعالى: كُلُوا ...

الآية: معناه: وقلنا: كلوا، فحذف اختصارا لدلالة الظاهر عليه، والطَّيِّبَاتُ، هنا جَمَعَتِ الحلال واللذيذ.

ص «١» : وقوله: وَما ظَلَمُونا: قدَّر ابن عطية قبل هذه الجملةِ محذوفًا، أي:

فَعَصوْا، وما ظَلَمُونا، وقدَّر غيره: فظَلَمُوا، ومَا ظَلَمُونَا، ولا حاجَة إِلى ذلك لأن ما تقدَّم عنهم من القبائِح يُغْنِي عنه.

انتهى.

ت: وقول أبي حَيَّان: «لا حاجة إلى هذا التقدير ...

» إِلى آخره: يُرَدُّ بأن المحذوفاتِ في الكلام الفصيحِ هذا شأنها لا بد من دليل في اللفظ يدلُّ عليها إلا أنه يختلف ذلك في الوضوحِ والخفاءِ، فأما حذف ما لا دليل عليه، فإنه لا يجوز.

وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ.

الْقَرْيَةَ: المدينةُ سمِّيت بذلك لأنها تَقَرَّتْ، أي: اجتمعت ومنه: قَرَيْتُ المَاءَ في الحَوْضِ، أي: جمعته، والإِشارة بهذه إِلى بيت المقدس في قول الجمهور.

وقيل: إلى أريحا، وهي قريبٌ من بيت المَقْدِس، قال عمر بن شبّة «٢» : كانت

قاعدةً، ومسْكنَ ملوكٍ، ولما خرج ذريةُ بني إِسرائيل من التِّيه، أُمِرُوا بدخول القرية المشار إِلَيْها، وأما الشيوخ، فماتوا فيه، وروي أن موسى وهارون عليهما السلام ماتا في التِّيه، وحكى الزجَّاج «١» عن بعضهم أنهما لم يكونا في التِّيه لأنه عَذَابٌ، والأول أكْثَرُ.

ت: لكن ظاهر قوله: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [المائدة: ٢٥] يقوِّي ما حكاهُ الزجَّاج، وهكذا قال الإمام الفخر»

.

انتهى.

وفَكُلُوا: إِباحة، وتقدَّم معنى الرَّغَد، وهي أرض مباركة عظيمة الغلّة، فلذلك قال: رَغَداً.

والْبابَ: قال مجاهد: هو باب في مدينة بَيْت المقدس يعرف إلى اليوم بباب حطّة «٣» ، وسُجَّداً: قال ابن عبَّاس: معناه: ركوعاً «٤» ، وقيل: متواضعين خضوعاً، والسجودُ يعم هذا كلَّه، وحِطَّة: فِعْلَةٌ من حَطَّ يَحُطُّ، ورفعه على خبر ابتداء «٥» كأنهم قالوا: سؤالُنَا حِطَّة لذنُوبِنَا، قال عكرمة و، غيره: أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا: «لا إِله إِلاَّ اللَّهُ» لتحطَّ بها ذنوبُهُمْ «٦» ، وقال ابن عَبَّاس: قيل/ لهم: استغفروا، وقولوا ما يحطُّ ذنوبكم «٧» .

ت: قال أحمد بن نصرٍ «٨» الدَّاوُودِيُّ في «تفسيره» : «وروي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم سار

مَعَ أَصْحَابِهِ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: قُولُوا: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ، إِنَّهَا للْحِطَّةُ الَّتِي عُرِضَتْ على بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يَقُولُوهَا» انتهى.

وحكي عن ابن مَسْعود وغيره أنهم أمروا بالسُّجود، وأن يقولوا: حِطَّةٌ، فَدَخَلُوا يزْحفُونَ على أَسْتَاهِهِمْ، ويَقُولُونَ: حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْرَاءُ فِي شَعْرَةٍ، ويروى غير هذا من الألفاظ.

وقوله تعالى: وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ عِدَةٌ: المعنى: إِذا غُفِرَتِ الخطايا بدخولكم وقولِكُمْ، زِيدَ بعد ذلك لمن أحسن، وكان من بني إسرائيل من دخل كما أُمِرَ، وقال: لا إله إلا اللَّه، فقيل: هم المراد ب الْمُحْسِنِينَ هنا.

وقوله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ...

الآية.

روي أنهم لما جاءوا الباب، دخلوا من قبل أدبارهم القهقرى، وفي الحديث: أنهم دَخَلوا يَزْحَفُونَ على أَسْتَاهِهِمْ، وبدَّلوا، فقالوا: حَبَّة في شَعْرَة، وقيل: قالوا: حِنْطَة حبَّة حمراء في شَعْرة، وقيل: شعيرة، وحكى الطبريُّ أنهم قالوا: «هَطِّي شَمْقَاثَا أَزْبَه» وتفسيره ما تقدَّم وفي اختصار الطبريِّ، وعن مجاهد قال: أمر موسى قومَهُ أنْ يدخلوا الباب سُجَّداً، ويقولُوا: حِطَّة، وطؤطئ لهم البابُ ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حِنْطَة «١» .

وذكر عزَّ وجلَّ فعل سلفهم تنبيها أنّ تكذيبهم لمحمّد صلّى الله عليه وسلم جَارٍ على طريق سلَفهم في خلافهم على أنبيائهم، واستخفافهم بهم، واستهزائهم بأمر ربِّهم.

انتهى.

والرِّجْز العَذَابُ، قال ابن زيد وغيره: فبعث اللَّه على الذينَ بدَّلوا الطاعونَ، فأذهب منهم سبْعِينَ أَلْفاً، وقال ابن عبَّاس «٢» : أمات اللَّه منهم في ساعةٍ واحدةٍ نيِّفاً على عشرينَ ألفا.

واسْتَسْقى: معناه: طلب السُّقْيَا، وَعُرْفُ «استفعل» طلَبُ الشيءِ، وقد جاء في غير ذلك كقوله تعالى: وَاسْتَغْنَى اللَّهُ [التغابن: ٦] ، وكان هذا الاستسقاءُ في فحْصِ التيه، فأمره اللَّه تعالى بضرب الحَجَر آيةً منه، وكان الحَجَرُ من جبل الطور على قدر رأس

الشاة، يلقى في كِسْر جُوَالِقَ «١» ، ويرحل به، فإذا نزلُوا وضع في وَسَط محلَّتهم، وضربه موسى، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحَجَر لكنَّهم كانوا يجدُونه في كلِّ مرحلة في منزلته من المرحَلَة الأولى، وهذا أعظم في الآية، ولا خلاف أنه كان حجراً مربَّعاً منْفَصِلاً تطَّرد من كلِّ جهة منه ثلاثُ عُيُونٍ، إِذا ضربه موسى، وإِذا استغنَوْا عن الماءِ، ورحَلُوا، جفَّت العيون، وفي الكلام حذفٌ تقديره: فضربه، فانفجرت، والانفجار: انصداع شيء عن شَيْء ومنه: الفَجْر، والانبجاس في الماء أقلُّ من الانفجار.

وأُناسٍ: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، ومعناه هنا: كلُّ سِبْطٍ لأن الأسباط في بني إِسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرِّية الاثْنَيْ عَشَرَ أولادُ يعقُوبَ عليه السلام.

وقوله سبحانه: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ ...

الآية.

ت: رُوِّينَا من طريق أنس، بن مالك عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ ليرضى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» رواه مُسْلِمٌ، والترمذيُّ، والنسائِيُّ «٢» .

انتهى.

والمَشْرَبُ: موضع الشُّرْب، وكان لكلِّ سبطٍ عَيْنٌ من تلك العيون، لا يتعداها.

وَلا تَعْثَوْا: معناه: ولا تُفْرِطُوا في الْفَسَادِ.

ص «٣» : مُفْسِدِينَ: حالٌ مؤكِّدة لأن: «لاَ تَعْثَوْا» : معناه: / لا تفسدوا.

٢٢ ب انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ .

اسْتَسْقى بِمَعْنى: اسْتَدْعى ذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: اسْتَنْصَرَ.

وَفِي الحَجَرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ حَجَرٌ مَعْرُوفٌ عَيْنٌ لِمُوسى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.

واخْتَلَفُوا في صِفَتِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ حَجَرًا مُرَبَّعًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كانَ مِثْلَ رَأْسِ الثَّوْرِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

والثّالِثُ: مِثْلُ رَأْسِ الشّاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو الَّذِي ذَهَبَ بِثِيابِ مُوسى، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَكَ: ارْفَعْ هَذا الحَجَرَ، فَلِي فِيهِ قُدْرَةٌ، ولَكَ فِيهِ مُعْجِزَةٌ، فَكانَ إذا احْتاجَ إلى الماءِ ضَرَبَهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ أمَرَ بِضَرْبِ أيِّ: حَجَرٍ كانَ، والأوَّلُ أثْبَتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْفَجَرَتْ مِنهُ ﴾ .

تَقْدِيرُ مَعْناهُ: فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ، فَلَمّا عَرَّفَ بِقَوْلِهِ: "فانْفَجَرَتْ" أنَّهُ قَدْ ضَرَبَ، اكْتَفى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ الضَّرْبِ.

ومِثْلُهُ: ﴿ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ ﴾ .

[ الشُّعَراءِ: ٦٣ ] قالَهُ الفَرّاءُ.

ولَمّا كانَ القَوْمُ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، أخْرَجَ اللَّهُ لَهُمُ اثْنَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا، ولِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ تَشاحَنٌ فَسَلِمُوا بِذَلِكَ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْثَوْا ﴾ .

العَثْوُ: أشَدُّ الفَسادِ، يُقالُ: عَثِيَ، وعَثا، وعاثَ.

قالَ ابْنُ الرِّقاعِ ؎ لَوْلا الحَياءُ وأنَّ رَأْسِيَ قَدْ عَثا فِيهِ المَشِيبُ لَزُرْتُ أُمَّ القاسِمِ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ ﴿ وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ رُوِيَ أنَّهم لَمّا جاؤُوا البابَ دَخَلُوا مِن قِبَلِ أدْبارِهِمُ القَهْقَرى، وفي الحَدِيثِ أنَّهم دَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ، وبَدَّلُوا، فَقالُوا حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ، وقِيلَ: قالُوا: حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْراءُ فِيها شَعْرَةٌ، وقِيلَ: شُعَيْرَةٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهم قالُوا: "حَطِّي شَمَقاثا أزِبَةَ"، وتَفْسِيرُهُ ما تَقَدَّمَ.

والرِجْزُ: العَذابُ.

وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ، وغَيْرُهُما: إنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ عَلى الَّذِينَ بَدَّلُوا ودَخَلُوا عَلى غَيْرِ ما أمَرُوا الطاعُونَ فَأذْهَبَ مِنهم سَبْعِينَ ألْفًا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أماتَ اللهُ مِنهم في ساعَةٍ واحِدَةٍ نَيِّفًا عَلى عِشْرِينَ ألْفًا، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "رِجْزًا" بَعْضُهُمُ الراءُ وهي لُغَةٌ في العَذابِ والرِجْزُ أيْضًا اسْمُ صَنَمٍ مَشْهُورٍ، والباءُ في قَوْلِهِ "بِما" مُتَعَلِّقَةٌ بـِ "فَأنْزَلْنا"، وهي باءُ السَبَبِ.

و"يَفْسُقُونَ" مَعْناهُ يَخْرُجُونَ عن طاعَةِ اللهِ.

وقَرَأ النَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، "يَفْسُقُونَ" بِكَسْرِ السِينِ، يُقالُ: فَسَقَ يَفْسُقُ ويَفْسِقُ بِضَمِّ السِينِ وكَسْرِها، و"إذْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ"، و"اسْتَسْقى" مَعْناهُ: طَلَبَ السُقْيا، وعَرَفَ اسْتَفْعَلَ طَلَبَ الشَيْءِ، وقَدْ جاءَ في غَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْتَغْنى اللهُ  ﴾ ، بِمَعْنى غَنِيٌّ، وقَوْلُهُمْ: اسْتَعْجَبَ بِمَعْنى عَجَبَ، ومَثَّلَ بَعْضُ الناسِ في هَذا بِقَوْلِهِمْ: "اسْتَنْسَرَ البُغاثُ"، و"اسْتَنْوَقَ الجُمَلُ"، إذْ هي بِمَعْنى انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ.

وكانَ هَذا الِاسْتِسْقاءُ في فَحْصِ التِيهِ فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى بِضَرْبِ الحَجَرِ آيَةً مِنهُ، وكانَ الحَجَرُ مِن جَبَلِ الطُورِ عَلى قَدْرِ رَأْسِ الشاةِ يُلْقى في كَسْرِ جَوالِقَ ويَرْحَلُ بِهِ، فَإذا نَزَلُوا وُضِعَ في وسَطِ مَحَلَّتِهِمْ، وضَرْبَهُ مُوسى.

وذَكَرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَحْمِلُونَ الحَجَرَ لَكِنَّهم كانُوا يَجِدُونَهُ في كُلِّ مَرْحَلَةٍ في مَنزِلَتِهِ مِنَ المَرْحَلَةِ الأُولى، وهَذا أعْظَمُ في الآيَةِ.

ولا خِلافَ أنَّهُ كانَ حَجَرًا مُنْفَصِلًا مُرَبَّعًا تَطْرُدُ مِن كُلِّ جِهَةٍ ثَلاثُ عُيُونٍ إذا ضَرَبَهُ مُوسى  ، وإذا اسْتَغْنَوْا عَنِ الماءِ ورَحَلُوا جَفَّتِ العُيُونُ.

وَفِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَضَرَبَهُ "فانْفَجَرَتْ"، والِانْفِجارُ: انْصِداعُ شَيْءٍ عن شَيْءٍ، ومِنهُ الفَجْرُ، والِانْبِجاسُ في الماءِ أقَلُّ مِنَ الِانْفِجارِ.

و"اثْنَتا" مُعْرَبَةٌ دُونَ أخَواتِها لِصِحَّةِ مَعْنى التَثْنِيَةِ، وإنَّما يُبْنى واحِدٌ مَعَ واحِدٍ، وهَذِهِ إنَّما هي اثْنانِ مَعَ واحِدٍ، فَلَوْ بُنِيَتْ لَرَدَّ ثَلاثَةٌ واحِدًا، وجازَ اجْتِماعُ عَلامَتَيِ التَأْنِيثِ في قَوْلِهِ: ﴿ اثْنَتا عَشْرَةَ ﴾ لِبُعْدِ العَلامَةِ مِنَ العَلامَةِ، ولِأنَّهُما في شَيْئَيْنِ، وإنَّما مُنِعَ ذَلِكَ في شَيْءٍ واحِدٍ نَحْوُ "مُسْلِماتٍ" وغَيْرُهُ.

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وغَيْرُهُما: "عَشْرَةَ" بِكَسْرِ الشِينِ، رُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي عَمْرٍو، والأشْهُرُ عنهُ الإسْكانُ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وهو نادِرٌ لِأنَّهم يُخَفِّفُونَ كَثِيرًا وثَقَّلُوا في هَذِهِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ "عَشَرَةَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، ورُوِيَ عنهُ كَسْرُها وتَسْكِينُها، والإسْكانُ لُغَةُ الحِجازِ.

و"عَيْنًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، والعَيْنُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ، وهي هُنا مَنبَعُ الماءِ.

و"أُناسٍ" اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومَعْناهُ هُنا: كُلُّ سِبْطٍ؛ لِأنَّ الأسْباطَ في بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبائِلِ في العَرَبِ، وهم ذُرِّيَّةُ الِاثْنَيْ عَشَرَ أولادُ يعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَشْرَبُ المَفْعَلُ مَوْضِعُ الشُرْبِ، كالمُشَرِّعِ مَوْضِعُ الشُرُوعِ في الماءِ، وكانَ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ مِن تِلْكَ العُيُونِ لا يَتَعَدّاها.

وفِي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وقُلْنا لَهُمْ: كُلُوا المَنَّ والسَلْوى واشْرَبُوا الماءَ المُنْفَجِرَ مِنَ الحَجَرِ المُنْفَصِلِ: وبِهَذِهِ الأحْوالِ حَسُنَتْ إضافَةُ الرِزْقِ إلى اللهِ وإلّا فالجَمِيعُ رُزِقَهُ، وإنْ كانَ فِيهِ تَكَسُّبٌ لِلْعَبْدِ.

"وَلا تَعْثَوْا" مَعْناهُ: ولا تُفَرِّطُوا في الفَسادِ، يُقالُ: عَثى الرَجُلُ يَعْثِي عَثْوًا وعَثِيَ يَعْثى عُثْيًا إذا أفْسَدَ أشَدَّ فَسادٍ، والأُولى هي لُغَةُ القُرْآنِ، والثانِيَةُ شاذَّةٌ.

وتَقُولُ العَرَبُ: عَثا يَعْثُو عَثْوًا، ولَمْ يَقْرَأْ بِهَذِهِ اللُغَةِ لِأنَّها تُوجِبُ ضَمَّ الثاءِ مَن "تَعْثَوْا، وتَقُولُ العَرَبُ: عاثَ يَعِيثُ إذا أفْسَدَ، وعَثَّ يَعِثُّ كَذَلِكَ، ومِنهُ عَثَّةُ الصُوفِ وهي السُوسَةُ الَّتِي تَلْحَسُهُ، و"مُفْسِدِينَ" حالٌ.

وتَكَرَّرَ المَعْنى لِاخْتِلافِ اللَفْظِ.

وفِي هَذِهِ الكَلِماتِ إباحَةُ النِعَمِ، وتَعْدادُها، والتَقَدُّمُ في المَعاصِي، والنَهْيِ عنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تذكير بنعمة أخرى جمعت ثلاث نعم وهي الري من العطش، وتلك نعمة كبرى أشد من نعمة إعطاء الطعام ولذلك شاع التمثيل بري الظمآن في حصول المطلوب.

وكون السقي في مظنة عدم تحصيله وتلك معجزة لموسى وكرامة لأمته لأن في ذلك فضلاً لهم.

وكون العيون اثنتي عشرة ليستقل كل سبط بمشرب فلا يتدافعوا.

وقوله: ﴿ وإذ ﴾ متعلق ب ﴿ اذكروا ﴾ وقد أشارت الآية إلى حادثة معروفة عند اليهود وذلك أنهم لما نزلوا في «رفيديم» قبل الوصول إلى برية سينا وبعد خروجهم من برية سين في حدود الشهر الثالث من الخروج عطشوا ولم يكن بالموضع ماء فتذمروا على موسى وقالوا أتصعدنا من مصر لنموت وأولادنا ومواشينا عطشاً فدعا موسى ربه فأمره الله أن يضرب بعصاه صخرة هناك في «حوريب» فضرب فانفجر منها الماء.

ولم تذكر التوراة أن العيون اثنتا عشرة عيناً وذلك التقسيم من الرفق بهم لئلا يتزاحموا مع كثرتهم فيهلكوا فهذا مما بينه الله في القرآن.

فقوله: ﴿ استسقى موسى ﴾ صريح في أن طالب السقي هو موسى وحده، سأله من الله تعالى ولم يشاركه قومه في الدعاء لتظهر كرامته وحده، كذلك كان استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر لما قال له الأعرابي «هلك الزرع والضرع فادع الله أن يسقينا» والحديث في «الصحيحين».

وقوله: ﴿ لقومه ﴾ مؤذن بأن موسى لم يصبه العطش وذلك لأنه خرج في تلك الرحلة موقناً أن الله حافظهم ومبلغهم إلى الأرض المقدسة فلذلك وقاه الله أن يصيبه جوع أو عطش وكلل وكذلك شأن الأنبياء فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث وصال الصوم: " إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " قال ابن عرفة في «تفسيره» أخذ المازري من هذه الآية جواز استسقاء المخصب للمجدب لأن موسى عليه السلام لم ينله ما نالهم من العطش ورده ابن عرفة بأنه رسولهم وهو معهم اه.

وهو رد متمكن إذ ليس المراد باستسقاء المخصب للمجدب الأشخاص وإنما المراد استسقاء أهل بلد لم ينلهم الجدب لأهل بلد مجدبين والمسألة التي أشار إليها المازري مختلف فيها عندنا واختار اللخمي جواز استسقاء المخصب للمجدب لأنه من التعاون على البر ولأن دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة وقال المازري فيه نظر لأن السلف لم يفعلوه.

وعصا موسى هي التي ألقاها في مجلس فرعون فتلقفت ثعابين السحرة وهي التي كانت في يد موسى حين كلمه الله في برية سينا قبل دخوله مصر وقد رويت في شأنها أخبار لا يصح منها شيء فقيل إنها كانت من شجر آس الجنة أهبطها آدم معه فورثها موسى ولو كان هذا صحيحاً لعده موسى في أوصافها حين قال: ﴿ هي عصاي ﴾ [طه: 18] إلخ فإنه أكبر أوصافها.

والعصا بالقصر أبداً ومن قال عصاه بالهاء فقد لحن، وعن الفراء أن أول لحن ظهر بالعراق قولهم عصاتي.

و (أل) في (الحجر) لتعريف الجنس أي اضرب أي حجر شئت، أو للعهد مشيراً إلى حجر عرفه موسى بوحي من الله وهوحجر صخر في جبل حوريب الذي كلم الله منه موسى كما ورد في سفر الخروج وقد وردت فيه أخبار ضعيفة.

والفاء في قوله: ﴿ فانفجرت ﴾ قالوا هي فاء الفصيحة ومعنى فاء الفصيحة أنها الفاء العاطفة إذ لم يصلح المذكور بعدها لأن يكون معطوفاً على المذكور قبلها فيتعين تقدير معطوف آخر بينهما يكون ما بعد الفاء معطوفاً عليه وهذه طريقة السكاكي فيها وهي المثلى.

وقيل: إنها التي تدل على محذوف قبلها فإن كان شرطاً فالفاء فاء الجواب وإن كان مفرداً فالفاء عاطفة ويشملها اسم فاء الفصيحة وهذه طريقة الجمهور على الوجهين فتسميتها بالفصيحة لأنها أفصحت عن محذوف، والتقدير في مثل هذا فضرب فانفجرت وفي مثل قول عباس بن الأحنف: قالوا خراسانُ أقصى ما يراد بنا *** ثم القفول فقد جئنا خراسانا أي إن كان القفول بعد الوصول إلى خراسان فقد جئنا خراسان أي فلنقفل فقد جئنا.

وعندي أن الفاء لا تعد فاء فصيحة إلا إذا لم يستقم عطف ما بعدها على ما قبلها فإذا استقام فهي الفاء العاطفة والحذف إيجاز وتقدير المحذوف لبيان المعنى وذلك لأن الانفجار مترتب على قوله تعالى لموسى: ﴿ اضرب بعصاك الحجر ﴾ لظهور أن موسى ليس ممن يشك في امتثاله بل ولظهور أن كل سائل أمراً إذا قيل له افعل كذا أن يعلم أن ما أمر به هو الذي فيه جوابه كما يقول لك التلميذ ما حكم كذا؟

فتقول افتح كتاب «الرسالة» في باب كذا، ومنه قوله تعالى الآتي: ﴿ اهبطوا مصراً ﴾ [البقرة: 61] وأماتقدير الشرط هنا أي فإن ضربت فقد انفجرت إلخ فغير بيّن، ومن العجب ذكره في «الكشاف».

وقوله: ﴿ قد علم كل أناس مشربهم ﴾ قال العكبري وأبو حيان: إنه استئناف، وهما يريدان الاستئناف البياني ولذلك فصل، كأن سائلاً سأل عن سبب انقسام الانفجار إلى اثنتي عشرة عيناً فقيل قد علم كل سبط مشربهم، والأظهر عندي أنه حال جردت عن الواو لأنه خطاب لمن يعقلون القصة فلا معنى لتقدير سؤال.

والمراد بالأناس كل ناس سبط من الأسباط.

وقوله: ﴿ كلوا واشربوا من رزق الله ﴾ مقول قول محذوف.

وقد جمع بين الأكل والشرب وإن كان الحديث على السقي لأنه قد تقدمه إنزال المن والسلوى، وقيل هنالك: ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ [البقرة: 57] فلما شفع ذلك بالماء اجتمع المنتان.

وقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ من جملة ما قيل لهم ووجه النهي عنه أن النعمة قد تنسي العبد حاجته إلى الخالق فيهجر الشريعة فيقع في الفساد قال تعالى: ﴿ كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ [العلق: 6، 7].

﴿ ولا تعثوا ﴾ مضارع عثي كرضي، وهذه لغة أهل الحجاز وهي الفصحى فقوله: ﴿ ولا تعثوا ﴾ بوزن لا ترضوا ومصدره عند أهل اللغة يقتضي أن يكون بوزن رضي ولم أر من صرح به وذكر له في «اللسان» مصادر العُثيّ والعِثيّ بضم العين وكسرها مع كسر الثاء فيهما وتشديد الياء فيهما، والعَثَيان بفتحتين وفي لغة غير أهل الحجاز عثا يعثو مثل سما يسمو ولم يقرأ أحد من القراء: ﴿ ولا تعثوا ﴾ بضم الثاء.

وهو أشد الفساد وقيل: هو الفساد مطلقاً وعلى الوجهين يكون ﴿ مفسدين ﴾ حالاً مؤكدة لعاملها.

وفي «الكشاف» جعل معنى ﴿ لا تعثوا ﴾ لا تتمادوا في فسادكم فجعل المنهي عنه هو الدوام على الفعل وكأنه يأبى صحة الحال المؤكدة للجملة الفعلية فحاول المغايرة بين ﴿ لا تعثوا ﴾ وبين ﴿ مفسدين ﴾ تجنباً للتأكيد وذلك هو مذهب الجمهور لكن كثيراً من المحققين خالف ذلك، واختار ابن مالك التفصيل فإن كان معنى الحال هومعنى العامل جعلها شبيهة بالمؤكدة لصاحبها كما هنا وخص المؤكدة لمضمون الجملة الواقعة بعد الاسمية نحو زيد أبوك عطوفاً وقول سالم بن دارة اليربوعي: أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي *** وهل بدارة يا للناس من عار <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ ﴾ تَقْدِيرُهُ: وإذِ اسْتَسْقانا مُوسى لِقَوْمِهِ، والِاسْتِسْقاءُ: طَلَبُ السَّقْيِ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَقَيْتُهُ، وأسْقَيْتُهُ، فَقِيلَ: إنَّهُما لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ، وقِيلَ: بَلْ سَقَيْتُهُ مِن سَقْيِ الشَّفَةِ، وأسْقَيْتُهُ: دَلَلْتُهُ عَلى الماءِ.

﴿ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا ﴾ : وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا.

والِانْفِجارُ: الِانْشِقاقُ، والِانْبِجاسُ أضْيَقُ مِنهُ، لِأنَّهُ يَكُونُ انْبِجاسًا ثُمَّ يَصِيرُ انْفِجارًا.

والعَيْنُ مِنَ الأسْماءِ المُشْتَرَكَةِ: فالعَيْنُ مِنَ الماءِ مُشَبَّهَةٌ بِالعَيْنِ مِنَ الحَيَوانِ، لِخُرُوجِ الماءِ مِنها، كَخُرُوجِ الدَّمْعِ مِن عَيْنِ الحَيَوانِ.

فَأُمِرَ مُوسى عِنْدَ اسْتِسْقائِهِ، أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ حَجَرًا مُرَبَّعًا طُورِيًّا (مِنَ الطُّورِ)، فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، مِن كُلِّ جانِبٍ ثَلاثَةُ أعْيُنٍ.

﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ ﴾ يَعْنِي أنَّ لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم عَيْنًا، قَدْ عَرَفَها لا يَشْرَبُ مِن غَيْرِها، فَإذا ارْتَحَلُوا انْقَطَعَ ماؤُهُ، وحُمِلَ في الجُوالِقِ، وكانَ بِقَدْرِ الرَّأْسِ.

﴿ وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا تَطْغَوْا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: مَعْناهُ لا تَسْعَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ.

والعَيْثُ: شِدَّةُ الفَسادِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: ؎ وعاثَ فِينا مُسْتَحِلٌّ عائِثُ مُصَدِّقٌ أوْ فاجِرٌ مُناكِثُ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ استسقى موسى لقومه...

﴾ الآية.

قال: ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر فصار فيه اثنتا عشرة عينا من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وإذ استسقى موسى لقومه...

﴾ الآية.

قال: كان هذا في البرية حيث خشوا الظمأ استسقى موسى فأمر بحجر أن يضربه، وكان حجرا طورانياً من الطور يحملونه معهم، حتى إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه ﴿ فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم ﴾ قال: لكل سبط مهم عين معلومة يستفيد ماءها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: انفجر لهم الحجر بضربة موسى اثنتي عشرة عينا، كل ذلك كان في تيههم حين تاهوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن جوبير أنه سئل في قوله: ﴿ قد علم كل أناس مشربهم ﴾ قال: كان موسى يضع الحجر ويقوم من كل سبط رجل، ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عيناً، فينتضح من كل عين على رجل، فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض ﴾ قال: لا تسعوا.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ قال: لا تسعوا في الأرض فساداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ ولا تعثوا ﴾ قال: يعني ولا تمشوا بالمعاصي.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ قال: لا تسيروا في الأرض مفسدين.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: استسقى موسى لقومه فقال: اشربوا يا حمير: فقال الله تعالى له: لا تسمّ عبادي حميراً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذِ اسْتَسْقَى ﴾ الآية قال المفسرون: عطش بنو إسرائيل في التيه، فقالوا: يا موسى، من أين لنا الشراب؟

فاستسقى لهم موسى فأوحى الله عز وجل إليه أن اضرب بعصاك الحجر (١) قال ابن عباس: كان حجرًا خفيفًا مربعًا مثل رأس الرجل، أمر أن يحمله، فكان يضعه في مِخْلاَته (٢) (٣) (٤) وقال وهب: كان موسى  يقرع لهم أقرب (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ فَانْفَجَرَتْ ﴾ معناه: فضرب فانفجرت، وعرف بقوله: ﴿ فَانْفَجَرَتْ ﴾ أنه قد ضرب، ومثله: ﴿ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ  ﴾ قال الفراء: ومثله في الكلام: أمرتك بالتجارة فاكتسبت الأموال، والمعنى: فاتجرت فاكتسبت (٨) ومعنى انفجرت: انشقت (٩) (١٠) (١١) قال الليث: والْمَفْجَر الموضع الذي يُفْجَر منه (١٢) ابن الأعرابي: تَفَجَّر الرجل بعطائه، ورجل ذو فَجَر، وأتيناه فأفجرناه، أي: وجدناه فاجرًا، أي: معطيا (١٣) إذَا الرِّفاقُ أَنَاخُوا حَوْلَ مَنْزِلِهِ ...

حَلُّوا بِذِي فَجَرَاتٍ زَنْدُهُ وَارِي (١٤) أي برجل كثير العطايا، كأنه يتشقق بما عنده فيجود ولا يمسك كتفجر الماء.

والفجور الذي هو المعصية من هذا، لأن الفاجر شقّ أمر الله أو شقّ العصا بخروجه إلى الفسق (١٥) وقوله تعالى: ﴿ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ﴾ قال الليث: اثنان (١٦) (١٧) (١٨) يقال في التأنيث: اثنتان ولا يفردان (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) إِذَا جَاوَزَ الإثْنَيْنِ سِرٌّ فإنَّهُ ...

بِنَثٍّ وَتَكْثِير الْوُشَاةِ قَمِينُ (٢٥) (٢٦) (٢٧) وأصل هذا الحرف في اللغة من الثني وهو ضم واحد إلى واحد، والثني الاسم.

ويقال: ثِنْيُ الثوب لما كف من أطرافه، وأصل الثَّني في جميع (٢٨) (٢٩) ﴿ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ  ﴾ أي يحنونها ويطوون (٣٠)  (٣١) (٣٢) ...........

وَثِنْيَاه بِالْيَدِ (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ عَشْرَةَ ﴾ العَشْر عدد المؤنث، والعَشَرَةُ عدد المذكر، تقول: عَشْرُ نسوة وعَشَرَةُ رجال، فإذا جاوزت ذلك قلت في المؤنث: إحدى عَشَرَة، ومن العرب من يكسر الشين فيقول: عَشِرة، ومنهم من يُسَكن الشين فيقول: إحدى عَشْرة.

وكذلك اثنتي (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) قال ابن الأنباري: تقول في المؤنث: إحدى عَشْرَة جارية، واثنتا عَشْرَة، قال: وبنو تميم يكسرون الشين (٤٤) قال: وأهل اللغة والنحو لا يعرفون عَشَرة بفتح مع النيف، قال: وروي عن الأعمش (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) والعشرة اسم موضوع (٤٩) (٥٠) قال أبو إسحاق: وذلك أن معنى قولك: اثنتا عشرة: اثنتان وعشرة، فلما حذفت الواو، وهي مرادة، تضمن الاسمان معنى الواو، وكل اسم تضمن معنى حرف بني كما تبنى (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) وأدخلت الهاء في (عشرة) مع النيف لما جعلا اسما واحدا في عدد المؤنث، وإن لم يدخل دون النيف، لأنهما لما صارا اسما واحدا ثبتت الهاء في (عشرة) علامة للتأنيث فإنك تقول: ثلاث عشرة، وأربع عشرة (٥٥) (٥٦) فإن قيل: قد قلتم: إن اثنتي عشرة، وإحدى عشرة اسمان جعلا اسما واحدا، والاسم الواحد لا يكون فيه علامتان للتأنيث.

قلنا: اثنتا (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) فإن قيل: لم حذفت نون التثنية من اثنتا (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) وقوله تعالى: ﴿ عَيْنًا ﴾ انتصب على التمييز، قال أبو إسحاق: جميع ما ينتصب على التمييز في العدد على معنى دخول التنوين (٦٩) (٧٠) (٧١) قال أبو إسحاق: وإنما وجب أن يكون التمييز بواحد، لأنك إذا ذكرت العدد فقد أثبت (٧٢) (٧٣) (٧٤) قال (٧٥) (٧٦) وإنما وجب أن يكون الأصل: عشرون من الدراهم، لأن العشرين (٧٧) (٧٨) وقوله تعالى: ﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ﴾ أراد كل أناس منهم، فحذف للعلم (٧٩) (٨٠) قال الفراء وأبو روق: كان في ذلك الحجر اثنتا عشرة حفرة، [فكانوا إذا نزلوا وضعوا الحجر وجاء كل سبط إلى حفرته] (٨١) ﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ﴾ (٨٢) وقوله تعالى: ﴿ كُلُوا ﴾ أي وقلنا لهم: ﴿ كُلُوا ﴾ من المن والسلوى.

﴿ وَاشْرَبُوا ﴾ من الماء فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم بلا مشقة ولا مؤونة (٨٣) ﴿ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ ﴾ (٨٤) (٨٥) (٨٦) (٨٧) وقال الفراء في كتاب "المصادر": قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعْثَوْا ﴾ مصدره عثًا مقصور، ومن قال عَثَوْتُ، قال: عُثُوًّا (٨٨) (٨٩) قال ابن الرقاع (٩٠) لَوْلاَ الْحَيَاءُ وَأَنَّ رَأْسيَ قَدْ عَثَا ...

فِيهِ الْمَشِيبُ لَزُرْتُ أَمَّ الْهَيْثَمِ (٩١) وقال كثير في اللغة الثالثة: وَذِفْرَى كَكَاهِلِ ذِيخِ الْخَلِيفِ ...

أَصاَبَ فَرِيقَةَ لَيْلٍ فَعَاثَا (٩٢) (١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 76 أ، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 364، وورد بهذا المعنى آثار عن السلف ساقها ابن جرير في "تفسيره" 1/ 306 - 307.

(٢) الْمِخْلاة: ما يوضع فيه الشيء، سميت بذلك لأنه يوضع بها الحشيش الذي يختلى من الربيع، أي: يحش.

"اللسان" (خلا) 2/ 1258.

(٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 76 أ، والبغوي 1/ 77، ونحوه عند الطبري في "تفسيره" عن ابن عباس 1/ 307، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 377، "تفسير أبي الليث" ولم يعزه، وانظر: "زاد المسير" 1/ 87، "تفسير ابن كثير" 1/ 107.

(٤) أي: أن (ال) للعهد، فهو حجر معهود لدى موسى.

انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 76 أ، "الكشاف" 1/ 284، "البحر المحيط" 1/ 277.

(٥) (أقرب) ساقط من (ج).

(٦) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 76 ب، والبغوي 1/ 77، وذكره الزمخشري عن الحسن، في "الكشاف" 1/ 284، وفي "البحر" عن وهب والحسن 1/ 227، وانظر "زاد المسير" 1/ 78.

(٧) في (ب): (الجنس).

ذكره الزمخشري، وقال.

وهذا أظهر في "الحجة" وأبين في القدرة، "الكشاف" 1/ 284، وانظر "البحر المحيط" 1/ 227، "تفسير ابن كثير" 1/ 107.

(٨) "معاني القرآن" للفراء 1/ 40، وقوله: (معناه) إلخ من كلام الفراء.

وانظر "تفسير الطبري" 1/ 306، "زاد المسير" 1/ 78، والبيان 1/ 85.

(٩) وقيل: سالت، وقيل: هي بمعنى انبجست فهما بمعنى واحد، وقيل: الانشقاق أوسع من الانبجاس.

انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 312، "القرطبي" 1/ 358، و"تفسير النسفي" 1/ 131، و"الخازن" 1/ 131، "البحر المحيط" 1/ 228.

(١٠) في (ب، ج): (شقه).

(السِّكْر): ما يُسد به النهر ونحوه، انظر: "اللسان" (سكر) 4/ 2047 - 2549.

(١١) في (ب): (ولشقه) بالواو.

(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" (فجر) 3/ 2743 - 2744، "الصحاح" (فجر) 2/ 778، "المحكم" (فجر) 7/ 275، "اللسان" (فجر) 6/ 3351 - 3353.

(١٣) "تهذيب اللغة" (فجر) 3/ 2743 - 2744، وانظر المراجع السابقة.

(١٤) ورد البيت في "ديوان ابن مقبل" ص 116، و"العمدة في صناعة الشعر" لابن رشيق 2/ 180.

قوله: (الرفاق): يريد الرفقة المسافرين معه، (ذو فجرات): أي ذو عطايا، يتفجر بالسخاء، (زنده واري): كناية عن الكرم والنجدة.

(١٥) انظر: "تهذيب اللغة" (فجر) 3/ 2743 - 2744، "المحكم" (فجر) 7/ 276.

(١٦) (اثنان) ساقط من (ب).

(١٧) في (ج): (ثلاثه).

(١٨) في (أ)، (ج): (يفرق) بالياء، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق، ومثله ورد في "تهذيب اللغة" (اثنى) 1/ 508.

(١٩) في "تهذيب اللغة" (ولا تفردان).

(٢٠) في (ب): (اثنتا)، وفي "تهذيب اللغة" (اثنين) و (اثنتين) 1/ 508.

(٢١) (فيها) كذا في جميع النسخ، وفي "تهذيب اللغة" (فيهما).

(٢٢) (ثنى) كذا ورد في "تهذيب اللغة" 1/ 508، وكذا في "اللسان" (ثنى) 1/ 515، وفي القاموس: (وأصله: (ثِنْيٌ) لجمعهم إياه على أثناء).

القاموس (ثني) ص 1267.

(٢٣) في (ب): (الثنيان).

(ثنتان) بحذف ألف الوصل، لأنها إنما اجتلبت لسكون الثاء، فلما تحركت، سقطت، وتاؤه مبدلة من ياء، لأنه من ثنيت.

انظر القاموس (ثنى) ص 1267.

(٢٤) في (أ)، (ج): (شعر) وما في (ب) موافق لما في "تهذيب اللغة"، وهو ما أثبته.

(٢٥) البيت لقيس بن الخطيم، ونسبه في "الكامل" إلى جميل بن معمر، والصحيح أنه لقيس.

ويروى البيت: إِذَا ضَيَّع الإثنَانِ سِرًّا فَإنَّهُ ...

بِنَشْر وَتَضْيِيع الْوُشَاةِ قَمِينُ وقوله: (بِنَثّ): (النَّثُ) بالنون والثاء: مصدر نَثَّ الحديث، أي: أفشاه و (قمين): حقيق، ورد البيت في "نوادر أبي زيد" ص 525، "الكامل" 2/ 313، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 195، و"حماسة البحتري" ص 147، "تهذيب اللغة" (قمن) 3/ 349، و (ثني) 1/ 508، "الصحاح" (ثنى) 6/ 2295، "اللسان" (نثث) 7/ 4339، و (قمن) 6/ 3745، و (ثنى) 1/ 512، "شرح المفصل" 9/ 19، 137، والهمع 6/ 224، وديوان قيس بن الخطيم ص 105.

والشاهد قطع همزة (الإثنين) وهذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر وبعضهم يرويه (إذا جاوز الخلين) ليتخلصوا من هذه الضرورة.

(٢٦) أي كلام الليث، والكلام الآتي بعده كذلك لليث كما سيأتي.

انظر "تهذيب اللغة" (ثنى) 15/ 142، "اللسان" (ثنى) 1/ 512، ونحوه في "الصحاح" 6/ 2295.

(٢٧) ذكره عند شرح (الاسم) في البسملة حيث قال: (واجتلبت ألف الوصل ليمكن الابتداء به) إلخ.

(٢٨) في (ب): (جمع).

(٢٩) بهذا انتهى كلام الليث كما في "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 508.

(٣٠) في (ب): (يطيون).

(٣١) انظر "معاني القرآن" للفراء 2/ 3، "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 504.

(٣٢) "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 505، وانظر "اللسان" (ثنى) 1/ 515.

(٣٣) جزء من بيت معلقة طرفة وتمامه: لَعَمْرُكَ إِنَّ الْمَوْتَ مَا أَخْطَأ الْفَتَى ...

لَكَالطِّوَلِ الْمُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِالْيَدِ وقوله (الطِّوَل): الحبل، ورد البيت في "شرح القصائد المشهورات" للنحاس ص 84، "المعاني الكبير" 3/ 1207، "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 505، و"المجمل" (طول) 2/ 590، (مهى) 3/ 817، "المخصص" 15/ 82، "مقاييس اللغة" (طول) 3/ 434، و (مهى) 5/ 279، "اللسان" (طول) 5/ 2727، و (ثنى) 1/ 516، و (مها) 7/ 4292.

(٣٤) في (ب): (خلف).

(٣٥) في (ب): (ليس فيها ثنوا ولا ثنيا).

(٣٦) "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 505، غير قوله: (وصرفه)، وكذا ورد في "اللسان" 1/ 516.

(٣٧) في (ب): (ثنتين).

(٣٨) انظر: "تهذيب اللغة" (ثنى) 1/ 505 "الصحاح" (ثنى) 6/ 2293، "مقاييس اللغة" 1/ 391، "اللسان" (ثنى) 1/ 516.

(٣٩) في (أ)، (ج): (اثنتا) في المواضع الثلاثة، وما في (ب) موافق لما في "تهذيب اللغة"، وهو الصواب.

(٤٠) انتهى ملخصًا من كلام الليث كما في "تهذيب اللغة" (عشر) 3/ 2445، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 112، "اللسان" (عشر) 5/ 2952، والكسر لغة تميم، والإسكان لغة أهل الحجاز، انظر "معاني القرآن" للأخفش 1/ 271، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 180.

(٤١) من قوله: (ومن العرب) إلى قوله: (والقراءة) فيه تقديم وتأخير وتكرار في (ج).

(٤٢) القراءة بالسكون قراءة جمهور القراء، وقرأ مجاهد، وطلحة، وعيسى، ويحيى بن وثاب، وابن أبي ليلى، ويزيد بكسر الشين، ورواية عن أبي عمرو والمشهور عنه الإسكان، وقرأ ابن الفضل الأنصاري والأعمش بفتح الشين.

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 180، "تفسير ابن عطية" 1/ 312 - 313، "تفسير القرطبي" 1/ 358، "البحر المحيط" 1/ 229.

(٤٣) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 76 ب، "المخصص" 17/ 102.

(٤٤) قوله: (وبنو تميم يكسرون الشين، أي مع المؤنث، أما مع المذكر فالشين مفتوحة، وقد تسكن عين (عشرة) لتوالي الحركات).

انظر "الأشموني مع الصبان" 4/ 76.

(٤٥) هو الإمام سليمان بن مهران، أبو محمد الأسدي الكاهلي بالولاء، أصله من أعمال الري، أقرأ الناس، ونشر العلم دهرا طويلا، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة.

انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 342، "تاريخ بغداد" 9/ 23، "معرفة القراء الكبار" 1/ 78، "غاية النهاية" 1/ 315.

(٤٦) في (ب): (ثنتى) تصحيف.

(٤٧) ذكر ابن الأنباري القراءة بسنده عن الأعمش وعن العباس بن الفضل الأنصاري.

المذكر والمؤنث ص 1/ 315.

(٤٨) انتهى كلام ابن الأنباري ملخصًا من "المذكر والمؤنث" ص 632، 633، انظر: == "المخصص" 17/ 102، "اللسان" 5/ 2952.

قال ابن عطية عن لغة الفتح: وهي لغة ضعيفة 1/ 313، وانظر: "الكشاف" 1/ 284.

و"الإملاء" 1/ 39، وقد مر كلام الليث قريبًا.

(٤٩) في (ج): (موضوع).

(٥٠) ظاهر كلام الواحدي أن (اثنتى) مبني.

قال أبو حيان: وفي محفوظي أن ابن درستويه ذهب إلى أن (اثنا) و (اثنتا) مع عشر مبنى، ولم يجعل الانقلاب دليل الإعراب.

"البحر" 1/ 229.

وما ذهب إليه الواحدي وابن درستويه مخالف لقول جمهور العلماء حيث قالوا: إن (اثنتي عشر) معرب من بين سائر الأعداد من أحد عشر إلى تسعة عشر، وأما (عشر) فهي مبنية، واختلفوا في علة بنائها.

انظر "المسائل الحلبيات" لأبي علي ص 308 - 323، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص631، "المخصص" 14/ 91، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 180، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 312.

قال الصبان في "حاشية الأشموني": وما ذكروه من إعراب صدر اثني عشر واثنتي عشرة هو الصحيح.

والقول ببنائه مردود باختلافه باختلاف العوامل، وذلك علامة إعرابه.

انظر: "حاشية الصبان على الأشموني" 4/ 68، 69.

(٥١) في (ج): (يبني).

(٥٢) في (ج): (لها).

(٥٣) في (ب): (مستقل).

(٥٤) وأخف الحركات الفتحة.

هذا الكلام لم أجده عن أبي إسحاق، وقد ذكر نحوه أبو علي الفارسي، وابن الأنباري، وابن سيده.

وكلامهم جميعا عن العدد من (أحد عشر إلى تسعة عشر غير اثني عشر، لأن صدرها معرب كما سبق، بينما نجد الواحدي جعل الكلام عليها.

انظر: "المسائل الحلبيات" ص 208 - 323، وانظر "المذكر والمؤنث" ص 632، "المخصص" 14/ 91، 17/ 100، 101.

(٥٥) في (ج): (عشر).

(٥٦) انظر "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 645، "المخصص" 17/ 101.

(٥٧) في (ب): (اثنتى).

(٥٨) في (ب): (وهو).

(٥٩) في (ب): (من).

(٦٠) في (ب): (لما كانا).

(٦١) في (ب): (فإذا).

(٦٢) وهذا يخالف ما ذكره فيما سبق أنه مبني.

(٦٣) انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 312، "حاشية الصبان على الأشموني" 4/ 68.

(٦٤) في (ب): (اثنتى) وهو أولى، لأنه مثنى مجرور.

(٦٥) في (ج): (جعلتموها).

(٦٦) في (ب): (أصل).

(٦٧) اختلف النحويون في ألف التثنية، فذهب سيبويه إلى أن الألف حرف إعراب، وأن الياء في الجر والنصب حرف إعراب كذلك، ولا تقدير إعراب فيها وإلى هذا ذهب جماعة، منهم أبو إسحاق وابن كيسان وأبو علي.

وقال أبو الحسن: إن الألف ليست حرف إعراب، ولا هي إعراب وانما هي دليل إعراب.

انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 695.

(٦٨) قال أبو علي الفارسي: (ومن الدليل على أن (عشرا) من (اثنى عشر) ليس كسائر هذه الأعداد، أنها عاقبت النون فلم تجتمع معه، فلما عاقبتها علم أنها بدل منها، إذ ليس هنا إضافة توجب حذف النون لها، فهذه النون إنما تحذف للإضافة) "المسائل الحلبيات" ص 308، وانظر: "المخصص" 14/ 91.

(٦٩) نص كلام الزجاج: (و (عينا) نصب على التمييز، وجميع ما نصب على التمييز في العدد على معنى دخول التنوين، وإن لم يذكر في (عشرة)، لأن التنوين حذف هاهنا مع الإعراب)، "معاني القرآن" 1/ 112.

(٧٠) في (ب): (فإذا).

(٧١) في (ب).

(فإحدى).

(٧٢) في (ب): (اتبت).

(٧٣) في (ب): (المعدوده).

(٧٤) لم أجده عند أبي إسحاق، وبمعناه عند ابن سيده في "المخصص" 17/ 101.

(٧٥) في معاني القرآن: (ومعنى قول الناس: عندي عشرون درهمًا، معناه: عندي عشرون من الدراهم ..

إلخ) 1/ 113، ذكر الواحدي كلامه بمعناه.

(٧٦) (عشرون) ساقط من (ب).

(٧٧) في (ج): (عشرين).

(٧٨) في (أ): (الحقه).

(٧٩) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 306.

(٨٠) إما أن يكون نفس المشروب فيكون مصدرًا واقعًا موقع المفعول به، أو موضع الشرب.

انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 76 ب، "تفسير ابن عطية" 1/ 313، "البحر المحيط" 1/ 229، "الدر المصون" 1/ 387.

(٨١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٨٢) انظر كلام الفراء في "معاني القرآن" 1/ 41، وكلام أبي روق فىِ "تفسير الثعلبي" 1/ 76 أ، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 307.

(٨٣) الثعلبي1/ 77 أ، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 308، و"تفسير أبي الليث" 1/ 367، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 313.

(٨٤) في (ب): ﴿ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ .

(٨٥) الكلام بنصه في "تهذيب اللغة" (عثا) 3/ 2325، وانظر "معاني القرآن" للأخفش 1/ 272، والطبري 1/ 308، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 113، "تفسير الثعلبي" 1/ 77 أ.

(٨٦) أي على لغة (عاث يعيث).

وفي "تهذيب اللغة" (..

وفيه لغتان أخريان لم يقرأ بواحدة منهما، عثا يعثو، مثل: سما يسمو، قال ذلك الأخفش وغيره، ولو جازت القراءة بهذه اللغة لقرئ (ولا تَعْثُوا) ولكن القراءة سنة، ولا يقرأ إلا بما قرأ به القراء.

واللغة الثالثة عَاثَ يَعِيث) "تهذيب اللغة" (عثا) 3/ 2325، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 308.

(٨٧) في (ج): (القيل).

(٨٨) عند الطبري: (عَثَوْت أَعْثُو) 1/ 308.

(٨٩) في (ب): (عيثاثا).

ذكر الطبري في "تفسيره" هذه المصادر 1/ 308، وانظر: "تهذيب اللغة" (عثا)، و (عاث) 3/ 2263، "المحكم" 2/ 165، 242، "تفسير الثعلبي" 1/ 77 أ، "اللسان" (عيث) 5/ 3184، و (عثا) 5/ 2811.

(٩٠) هو عدي بن الرقاع، من (عاملة) حي من قضاعة، كان شاعراً مجيداً مدح خلفاء بني أمية، انظر ترجمته في: "طبقات فحول الشعراء" للجمحي 2/ 699، "الشعر والشعراء" 410.

(٩١) يروى (أم القاسم) بدل (أم الهيثم) ورد البيت في "الشعر والشعراء" 2/ 411، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 41، "الكامل"، وفيه (عسا) بدل (عثا) فلا شاهد فيه، "تفسير الثعلبي" 1/ 77 أ، "تهذيب اللغة" (عثا) 3/ 2326، و"أمالي المرتضى" 1/ 511، "اللسان" (عثا) 5/ 2811، "زاد المسير" 1/ 87، "البحر المحيط" 1/ 219.

(٩٢) (الذِّفْرَى): العظم الشاخص خلف الأذن، (الذِّيخ): ذكر الضباع، (الْخَليف).

الطريق بين الجبلين، ويروى مكانه: (الرفيض): وهو قطعة من الجبل، (فريقة ليل): هي الغنم الضالة.

ورد البيت في "المعاني الكبير" 1/ 214، "تهذيب اللغة" (عاث) 3/ 2263، و (فرق) 3/ 2778، و"مجمل اللغة" (فرق) 3/ 718، "مقاييس اللغة" 4/ 494، "اللسان" (عيث) 5/ 3784، و (خلف) 2/ 1242، و (فرق) 6/ 3400، و"شعر كثير" ص 250.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ استسقى ﴾ طلب السقيا لما عطشوا في التيه ﴿ الحجر ﴾ كان مربعاً ذراعاً في ذراع: تفجر من كل جهة ثلاث عيون، وروي أنّ آدم كان أهبطه من الجنة، وقيل هو جنس غيرمعين، وذلك أبلغ في الإعجاز ﴿ فانفجرت ﴾ قبله محذوف تقديره: فضربه فانفجرت ﴿ مَّشْرَبَهُمْ ﴾ أي موضع شربهم، وكانوا اثني عشر سبطاً لكل سبط عين ﴿ كُلُواْ ﴾ أي من المنّ والسلوى، واشربوا من الماء المذكور ﴿ وَفُومِهَا ﴾ هي الثوم، وقيل: الحنطة ﴿ أدنى ﴾ من الدنيء الحقير، وقيل: أصله أدون، ثم قلب بتأخير عينه وتقديم لامه ﴿ مِصْراً ﴾ قيل البلد المعروف وصرف لسكون وسطه.

وقيل: هو غير معين فهم نكرة؛ لما روي أنهم نزلوا بالشام.

﴿ وَضُرِبَتْ ﴾ أي قضى عليهم بها، وألزموها.

وجعله الزمخشري استعارة من ضرب القبة لأنها تعلو الإنسان وتحيط به ﴿ والمسكنة ﴾ الفاقة، وقيل: الجزية ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾ الإشارة إلى ضرب الذلة والمسكنة والغضب، والباء للتعليل ﴿ بِآيَاتِ الله ﴾ الآيات المتلوات أو العلامات ﴿ بِغَيْرِ الحق ﴾ معلوم أنه لا يقتل نبي إلاّ بغير حق، وذلك أفصح- وقرأ نافع وحده: النبيئين-.

فائدة: قال هنا ﴿ بِغَيْرِ الحق ﴾ بالتعريف باللام للعهد، لأنه قد تقررت الموجبات لقتل النفس، وقال في الموضع الآخر من آل عمران ﴿ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ [آل عمران: 21] بالتنكير لاستغراق النفي، لأن تلك نزلت في المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم.

﴿ ذلك بِمَا عَصَواْ ﴾ يحتمل أن يكون تأكيداً للأول، وتكون الإشارة بذلك إلى القتل والكفر، والباء للتعليل.

أي اجترأوا على الكفر وقتل الأنبياء لما انهمكوا في العصيان والعدوان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: عامة القراء ﴿ اثنتا عشرة ﴾ بسكون الشين للتخفيف ﴿ عليهم الذلة ﴾ بضم الهاء والميم: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب، وكذلك كل ما كان قبل الهاء ياء ساكنة، وافق سهل إذا كانت قبل الياء فتحة فقط.

وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم، الباقون بكسر الهاء وضم الميم.

﴿ النبيين ﴾ وبابه بالهمزة: نافع إلا في موضعين في الأحزاب ﴿ إن وهبت نفسها للنبي  ﴾ و ﴿ بيوت النبي  ﴾ إلا فروي إسماعيل وقالون عنه بغير همزة.

الوقوف: ﴿ الحجر ﴾ (ط) الحق المحذوف أي فضرب فانفجرت ﴿ عيناً ﴾ (ط) ﴿ مشربهم ﴾ (ط) ﴿ مفسدين ﴾ (ه) ﴿ وبصلها ﴾ (ط) ﴿ هو خير ﴾ (ط) ﴿ سألتم ﴾ (ط) لأن قوله ﴿ وضربت ﴾ ابتداء إخبار عما يؤل إليه حالهم ﴿ من الله ﴾ (ط) ﴿ بغير الحق ﴾ (ط) ﴿ يعتدون ﴾ (ه).

التفسير: جمهور المفسرين سوى أبي مسلم، على أن هذا الاستسقاء كان في التيه، عطشوا فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له اضرب بعصاك الحجر، أما العصا فقال الحسن: كانت عصا أخذها من بعض الأشجار.

وقيل: كانت من الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى ولها شعبتان تتقدان في الظلمة.

وأما الحجر فاللام إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم، فقد روي أنه حجر طوري حمله معه وكان حجراً مربعاً له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاثة أعين، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم وكانوا ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثنا عشر ميلاً وقيل: أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا.

وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل ورماه بنو إسرائيل بالأدرة ففرّ به، فقال له جبريل: يقول الله  : ارفع هذا الحجر فإن لي فيه قدرة ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته.

وإما للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر.

وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة.

ثم إنهم قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة؟

فحمل حجراً في مخلاته فحيثما نزلوا ألقاه، وأما الصنف والشكل فقيل: كان من رخام وكان ذراعاً في ذراع.

وقيل: مثل رأس الإنسان.

وقيل: له أربعة أوجه كما مر، وهذا إذا لم يعتبر الفوقاني ومقابله.

وأما الضرب فقيل: كان يضربه بعصاه فينفجر ويضربه بها فييبس فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً، فأوحى الله  إليه: لا تقرع الحجارة وكلمها تطعك لعلهم يعتبرون.

والفاء في قوله ﴿ فانفجرت ﴾ فاء فصيحة كما سبق في ﴿ فتاب عليكم  ﴾ وفي هذا الحذف دلالة على أن موسى لم يتوقف عن اتباع الأمر، وأنه من انتفاء الشك عنه بحيث لا حاجة إلى الإفصاح به.

والانفجار والانبجاس واحد ومعناه خروج الماء بسعة وكثرة.

وأصل الفجر الشق ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين بمخالفتهم.

وقيل: الانبجاس خروج الماء قليلاً، ووجه بأن الفجر في الأصل هو الشق، والبجس الشق الضيق فلا يتناقضان كما لا يتناقض المطلق والمقيد والعام والخاص، أو لعله انبجس أوّلاً ثم انفجر ثانياً وكذا العيون تظهر الماء قليلاً ثم يكثر لدوام خروجه، أو لعل حاجتهم تشتد تارة فينفجر وتضعف أخرى فينبجس.

﴿ قد علم كل أناس ﴾ أي كل سبط ﴿ مشربهم ﴾ كأنه أمر كل سبط أن لا يشرب إلا من جدول معين حسماً لمادة التشاجر، فإن العادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع مثل ما يقع بين المختلفين.

وهذا أيضاً من تمام النعمة عليهم، وإنما فقد العاطف لأن قوله ﴿ قد علم ﴾ بيان وتفصيل لما أجمل في قوله ﴿ اثنتا عشرة ﴾ كأنه قيل: هذا المجموع مشاع بينهم أو مقسوم فقيل قد علم ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي وقلنا أي قال لهم موسى كلوا من المن والسلوى الذي رزقناكم بلا تعب ولا نصب، واشربوا من هذا الماء.

وقيل: إن الأغذية لا تنبت إلا بالماء، فلما أعطاهم الماء فكأنما أعطاهم المأكول والمشروب.

والعثو أشد الفساد، و ﴿ مفسدين ﴾ قيل: نصب على الحال المؤكدة وهو ضعيف، فإن من شرطها أن تكون مقررة لمضمون جملة اسمية.

وقيل: حال منتقلة ومعناه النهي عن التمادي في حالة الإفساد، إما مطلقاً أو مقيداً بأنه إن وقع التنازع بسبب ذلك الماء فلا تبالغوا في التنازع.

ويرد على هذا القول أن الإفساد منهي عنه مطلقاً، وهذا التفسير يقتضي أن يكون المنهي عنه هو التمادي في الإفساد لا نفس الإفساد.

والصحيح أن يقال: إن المنصوبات في نحو قوله عز من قائل ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ ﴿ ثم وليتم مدبرين  ﴾ وفي نحو قولهم "تعال جائياً وقم قائماً" من الصفات القائمة مقام المصدر نحو "أقاعداً وقد سار الركب" بقي في الآية بحث، وهو أنه كيف يعقل خروج المياه الكثيرة من الحجر الصغير؟

والجواب أما على القول بالفاعل المختار فظاهر فإن له أن يحدث أيّ فعل خارق شاء من غير أن يطلب له سبب وواسطة، وأما عند طالب الأسباب والوسائط فإن العناصر الأربعة لها هيولي مشتركة عندهم.

وجوّز وانقلاب صور بعضها إلى بعض، فجاز استمداد الماء الكامن في الحجر من الهواء المجاور له، ومثل هذا ما رواه أنس أنه أتى النبي  بإناء وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ القوم.

قال قتادة قلت لأنس: كم كنتم؟

قال: ثلثمائة أو زهاء ثلثمائة.

بل معجزة نبينا  أقوى لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة، أما نبوعه من بين الأصابع فغير معتاد، قال أهل الإشارة: الروح الإنساني وصفاته في عالم القالب بمثابة موسى وقومه، وإنه يستسقي ربه لإروائها من ماء الحكمة والمعرفة فيضرب بعصا لا إله إلا الله.

ولها شعبتان من النفي والإثبات تتقدان نوراً عند استيلاء ظلمات النفس على حجر القلب فيتفجر اثنتا عشرة عيناً من ماء الحكمة بعدد حروف لا إله إلا الله، قد علم كل سبط من أسباط الإنسان وهي خمس حواس ظاهرة، وخمس باطنة مع القلب والنفس مشربهم فيستوي في حظه بحسب مشربه.

قوله  ﴿ وإذ قلتم يا موسى ﴾ الآية.

زعم بعض المفسرين أن هذا السؤال منهم كان معصية، فإن اللائق بحال المكلف الصبر على ما ساقه الله  إليه خصوصاً إذا كان نعمة وعفواً وصفواً، ولا سيما إذا كان المسؤول أدون وأحقر.

ولهذا أنكره موسى عليهم ﴿ قال أتستبدلون ﴾ .

وقال الآخرون: إنه غير معصية لأن قوله ﴿ كلوا واشربوا ﴾ عند إنزال المن والسلوى، وانفجار الماء أمر إباحة لا إيجاب.

ثم إنهم كانوا أهل فلاحة فرغبوا إلى مألوفهم، ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان خسيساً فوق رغبته فيما لا يعتاد وإن كان شريفاً.

ولعلهم سئموا من التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم البلاد.

وأيضاً المواظبة على الطعام الواحد تميت الشهوة وتضعف الهضم، فيصح أن يكون التبديل مطلوباً للعقلاء، ولهذا أجابهم الله  إلى ما سألوا، ولو كان معصية لم يجبهم إلى ذلك، اللهم إلا أن يكون من قبيل ﴿ ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب  ﴾ وإنما صح إطلاق الطعام الواحد على المن والسلوى، لأنهم أرادوا بالوحدة نفي التبدل والاختلاف، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها ويأكلها كل يوم لا يبدلها.

قيل: لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً.

ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والترفه، ونحن أهل زراعة ما نريد إلا ما ألفناه.

ومعنى يخرج لنا يوجد ويظهر.

والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر كالنعناع والكرفس والكراث وغير ذلك من أطايب البقول التي يأكلها الناس عادة.

والقثاء الخيار، والفوم الثوم، ويدل عليه قراءة عبد الله ﴿ وثومها ﴾ وهو بالعدس والبصل أوفق.

وقال بعضهم: الفوم الحمص لغة شامية، ويقال: هو الحنطة.

ومنه قولهم "فوّموا لنا" أي اختبزوا.

قال الفراء: هي لغة قديمة ﴿ الذي هو أدنى ﴾ أي أقرب منزلة وأدون مقداراً كقولهم في ضده "هو بعيد المحل وبعيد الهمة" يعنون الرفعة والعلو ﴿ اهبطوا مصراً ﴾ أي انحدروا إليه من التيه.

يقال: هبط الوادي إذا نزل به، وهبط منه إذا خرج.

وبلاد التيه ما بين بيت المقدس إلى قنسرين اثنا عشر فرسخاً في ثمانية.

ومصر إما مصر فرعون، والتنوين فيه في القراءات المعتبرة مع أن فيه العلمية والتأنيث لسكون وسطه كما في نوح ولوط، وفيهما العلمية والعجمية.

وإما مصر من الأمصار كأنه قيل لهم: ادخلوا بلداً أيّ بلد كان لتحدوا فيه هذه الأشياء.

ولما ذكر الله  صنوف نعمه على بني إسرائيل إجمالاً ثم تفصيلاً، أراد أن يبين مآل حالهم ليكون عبرة للنظار وتبصرة لأولي الأبصار وتحذيراً للإنسان عن الجحود والكفران المستتبعين للخزي والهوان فقال ﴿ وضربت عليهم الذلة والمسكنة ﴾ أي جعلت محيطة بهم مشتملة عليهم كالقبة المضروبة على الشخص، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلصق به.

فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة، إما على الحقيقة وإما لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية.

وهذا من جملة الأخبار عن الغيب الدال على كون القرآن وحياً نازلاً من السماء على محمد  .

هذا حالهم في الدنيا، وأما حالهم في العقبى فذلك قوله ﴿ وباؤا بغضب من الله ﴾ من قولك "باء فلان بفلان" إذا كان حقيقاً بأن يقتل به لمساواته له ومكافأته، أي صاروا أحقاء بغضبه وهو إرادة انتقامه ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والخلافة بالغضب، بسبب كفرهم بآيات الله أي القرآن، بل وبالتوراة لأن الكفر به مستلزم للكفر بها، وقتلهم الأنبياء، وقد قتلت اليهود - لعنوا - شعيباً وزكريا ويحيى وغيرهم بغير الحق أي من غير ما شبهة عندهم توجب استحقاق القتل.

فإن الآتي بالباطل قد يكون اعتقده حقاً لشبهة عنت له، وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلاً.

ولا شك أن الثاني أقبح وأدخل في القحة، أو كرر للتأكيد نحو ﴿ ومن يدع مع الله الهاً آخر لا برهان له به ﴾ \[المؤمنون: 117\] ومحال أن يكون لمدعي الإله الثاني برهان.

والنبيء بالهمزة "فعيل" بمعنى فاعل من نبأ بالتخفيف أي أخبر لأنه نبأ عن الله  .

قال سيبويه: ليس أحد من العرب إلا ويقول تنبأ مسيلمة بالهمز، غير أنهم تركوا الهمز في النبي كما تركوه في الذرية والبرية والخابية إلا أهل مكة، فإنهم يهمزون هذه الأحرف ولا يهمزون غيرها ويخالفون العرب في ذلك.

وقيل: أصله من نبأت من أرض إلى أرض أي خرجت منها إلى أخرى.

وهذا المعنى أراد الأعرابي بقوله "يا نبيء الله" أي يا من خرج من مكة إلى المدينة.

فأنكر عليه  الهمزة.

وقيل: النبي بالإدغام من النبوة وهي ما ارتفع من الأرض، أي أنه  شرف على سائر الخلق "فعيل" بمعنى "مفعول"، والجمع أنبياء.

وعلى الأول إنما جمع على أنبياء لأن الهمز لما أبدل وألزم الإبدال جمع جمع ما أصل لامه حرف العلة ﴿ ذلك بما عصوا ﴾ تأكيد بتكرير الشيء بغير اللفظ الأول كقول السيد لعبده وقد احتمل منه ذنوباً سلفت منه فعاقبه عند آخرها "هذا بما عصيتني وخالفت أمري.

هذا بما تجرأت علي واغتررت بحلمي" ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر والقتل على معنى انهمكوا في العصيان والاعتداء حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتل الأنبياء، أو تكون الباء بمعنى "مع" أي ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا سائر أنواع المعاصي، واعتدوا حدود الله في كل شيء.

وقيل: هو اعتداؤهم في السبت.

واعلم أنه  لما ذكر إنزال العقوبة بهم بين سبب ذلك أولاً بما فعلوه في حق الله وهو جهلهم به وجحدهم لنعمه، ثم ثناه بما يتلوه في العظم وهو قتل الأنبياء، ثم ثلثه بما يكون منهم من المعاصي المتعدية إلى الغير مثل الاعتداء والظلم وذلك في نهاية الترتيب.

وقيل: الأول إشارة إلى متقدميهم، والثاني إشارة إلى من كان في عصر رسول الله  ، فكأنه  بيَّن سبب ما نزل بالفريقين من البلاء والمحنة ليظهر للخلائق أن ذلك على قانون العدالة وقضية الحكمة.

فإن قيل: لم قيل ههنا ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق ﴾ وفي "آل عمران" ﴿ ويقتلون الأَنبياءَ بغير حق  ﴾ منكراً؟

قلت: الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل ما في قوله  "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق" فالحق المعرف إشارة إلى هذا، وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم، أي لم يكن هناك حق لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره ألبتة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ﴾ .

يعني: طلب الماء لقومه عند حاجتهم إليه؛ فأَوحى الله -  - إليه: أَن اضرب بعصاك الحجر.

قد ذكرنا فيما تقدم: أَن الله - عز وجل - قد أَراهم منْ عَصَاهُ آيات عجيبة، من نحو الثعبان الذي كان يتلقف ما يأْفكون؛ كقوله: ﴿ فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ  ﴾ .

ومن ضربه البحر بها حتى انفلق؛ كقوله: ﴿ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ  ﴾ .

ومن ضربه الحجر بها، وانفجار العيون منه، وغير ذلك من الآيات مما يكثر، ذكرها عز وجل من آيات رسالته، وآيات نبُوته.

وفيما أرى منها، من عجيب آياته: دلالةُ حدوث العالم وإبداعه، لا من شيء؛ لأَنه - عز وجل - قد أَخرج بلطفه، من حجر يصغر في نفسه - مما يحمل من مكان إلى مكان - من الماءِ ما يكفي لخلق لا يحصى عددهم إلا الله، وفجر منه أَنهاراً، لكل فريق نهر على حدة.

ثم لا يحتمل: كون ذلك الماءِ بكليته فيه، لصغره وخفته، ولا كان ينبغي ذلك من أَسفله.

فإذا كان هذا كما ذكرنا ظهر أن الله - عز وجل - كان ينشىء ذلك الماء فيه، ويحدث من لا شيء؛ لأَن ذلك الحجر لم يكن من جوهر الماءِ، ولا من أَصله.

فإذا كان قادراً على هذا فإنه قادر على إنشاءِ العالم من لا شيء سبق، ولا أَصل تقدم.

وكذلك ما أَراهم - عز وجل - من العصا: الثعبان والحية، لم يكونا من جوهرها، ولا من أَصلها، ولا تولدها منها، بل أَنشأَ ذلك وأَبدع، بلطفه.

والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً ﴾ .

قيل: كانوا اثني عشر سبطاً؛ لقوله: ﴿ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً  ﴾ وهم بنو يعقوب؛ فجعل لكل سبط نهراً على حدة، فانظم كل فريق إلى أبيهم الذي كانوا منه، ولم ينضموا إلى أَعمامهم وبني أعمامهم.

ففيه دلالة: أَن المواريث لا تصرف إلى غير الآباءِ إلا بعد انقطاع أَهل الاتصال بالآباءِ.

وفيه دلالة: أَن القوم في الصحارى والبوادي ينزلون مجموعين غير متفرقين، ولا متباعدين بعضهم من بعض بحيث يكون بعضهم عوناً لبعض وظهيراً؛ لأَنهم نزلوا جميعاً في موضع واحد، مجموعين - مع كثرتهم وازدحامهم - غير متفرقين ولا متباعدين، وإن كان ذلك أنَفع لهم، وأَهون عليهم، من جهة الرعى والربع وسعة المنازل.

وفي الأَول: سبق المعنى الذي وصفنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ﴾ .

أي: موردهم.

وفيه دلالة قطع التنازع، ودفع الاختلاف من بينهم؛ لما بين لكل فريق منهم مورداً على حدة.

ولو كان مشتركاً لخيف وقوع التنازع والاختلاف بينهم، وفي وقوع ذلك بينهم قطع الأَنساب والأَرحام، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ كُلُواْ ﴾ .

يعني: المنَّ والسلوى.

وقوله: ﴿ وَٱشْرَبُواْ ﴾ من رزق الله، من الماءِ الذي أَخرج لهم من الحجر، وكلاهما رزق الله، الذي ساقه إليهم، من غير تكلف ولا مشقة.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ .

قيل: لا تسعوا في الأرض بالفساد.

ويحتمل: لا تعثوا، أَي: لا تفسدوا؛ لأن العُثُوَّ هو الفساد نفسه، كأَنه قال: لا تفسدوا في الأرض؛ فتكونوا مفسدين.

وقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: أَول ما أنزل المن، فعند ذلك قالوا: لن نصبر على طعام واحد، ثم أَنزل السلوى.

وقيل: كانوا يتخذون من المن القُرَص، فيأْكلون مع السلوى، فهو طعام واحد؛ فقالوا: لن نصبر عليه.

ويحتمل: أَن يكون طعامهم في اليوم مرة؛ فطلبوا الأَطعمة المختلفة.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ﴾ .

قال: يبين لنا معنى إضافة خصوصية الأشياءِ إلى الله - عز وجل - يخرج مخرج التعظيم لذلك الشيء المخصوص، من ذلك: بيت الله، ورسول الله، وناقة الله، هذا كله يخرج مخرج التعظيم لهذه الأَشياءِ.

وإضافة كلية الأشياءِ إلى الله  يخرج مخرج تعظيم الرب وإجلاله، نحو ما قال: ﴿ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ، و ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ، و ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، و ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ  ﴾ ونحوه.

هذا كله وصف تعظيم الرب وأجلاله.

وقد اختلف في "الفوم": قيل: الفوم هو الثوم، وكذلك رُوِى في قراءة عبد الله أَنه قرأَه: وثومها.

وقيل: الفوم البر.

وقوله: ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ﴾ .

قيل فى "أدنى" بوجوه: قيل: أَدنى في القيمة.

وقيل: أَدنى في الخطر والرغبة.

وقيل: أدنى في المنافع.

وقيل: أَدنى؛ لما لا يصل هذا إليهم إلا بالمؤنة والمشقة، وذلك لهم بلا مؤنة ولا مشقة؛ فهو خير.

وكل يرجع إلى واحد، والله أَعلم.

ويحتمل: أَدنى، أَي: أَدْوَن وأَقل، ولا شك أَن ما طلبوا، وسَأَلوا دون الذي كان لهم.

ويحتمل: ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ﴾ : قد أعطوا.

ولو كان ذلك أَصلح لهم في الدين، لم يكن موسى ليلومهم عليه.

ثبت أنه لم يكن، ثم أعطوا ذلك.

ثبت أَن الله  قد يجوز له - في الحكمة - فعل ما كان غيره أَصلح لهم في الدين، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ مِصْراً ﴾ .

قيل: المصر المعروف.

وقيل: مصر من الأَمصار؛ لأَن ما طلبوا لا يوجد إلا في الأَمصار، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ ﴾ .

من الأَطعمة المختلفة إن كان المراد منه المراد، وإن كان الأَطعمة المختلفة فَهو كما قال.

وقوله: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: الذلة: ذلة احتمال المؤنة والشدائد؛ لما سأَلوا من الأَطعمة المختلفة.

وقيل: الذلة: ذلة الجزية والصغار؛ بعصيانهم ربَّهم.

وقيل: ذلة الكسب والعمل؛ لأَن الأَول كان يأْتيهم من غير كسب ولا مؤنة.

وقوله: ﴿ وَٱلْمَسْكَنَةُ ﴾ .

قيل: هي الفقر والحاجة.

وقيل: قطعُ رجائهم من الآخرة، ؛ لم عصوا ربهم.

وقوله: ﴿ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: فيه بوجوه: قيل: باءُوا: رجعوا.

وقيل: استوجبوا.

وقيل: أَقَروا، وكله يرجع إلى واحد.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم: أَن الآيات، هي الحجج التي أَعطى الرسل، وأَجراها على أيديهم.

وقال الحسن: هي دين الله.

وقوله: ﴿ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾ .

يحتمل: أن يكون هذا في غيرهم؛ لأَنه لم يكن في زمن موسى نبي سوى هارون، وهم لم يقتلوه.

إلا أَن يقال: إن ذلك كان من أولادهم بعد موسى.

أو كان ذلك من غيرهم سوى هؤلاء وأَولادهم.

على أَن قتل الأَنبياء في بني إسرائيل كان ظاهراً، حتى قيل: قتل في يوم كذا كذا نبيّاً.

ولم يذكر قتل رسول من الرسل، وذلك - والله أعلم - لقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا  ﴾ ، ولقوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ  ﴾ أَخبر أَنه ينصرهم، وأَنهم منصورون ومن كان الله ناصره فهو المنصور أَبدا.

ولأَن الرسل هم الذين أُوتوا الآيات المعجزة؛ فلم يكن لهم استقبال الرسل بذلك للآيات التي كانت معهم.

وأما الأَنبياء، فلم يكن معهم تلك الآيات المعجزة، وإنما كانوا يدعون الخلق إلى دين الله بالآيات التي كانت للرسل، والحجج التي كانت معهم؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

قال قوم: لم يقتل أَحد من الرسل، وإنما قتل الأَنبياء، أَو رسل الرسل.

فإن كان كذلك فعلى ذلك يخرج ما ذكرنا من الآيات.

وإن لم يكن فالنصر كان بالحجج والآيات؛ فكانت تلك للكل.

وعلى ذلك: لا دلالة في كون الآيات مع الأَنبياء، وغير كونها، فإن لم يكن لهم ابتداء شرع، ولا نسخ، بل على الدعاء إلى ما سبق من الشرائع وكانت آياتهم كآيات الرسل، أَو دلالات العصمة، مع ما كان بهم حفظ الكتب السماوية بلا تبديل.

والله أَعلم بالحق في ذلك، ونعتصم بالله عن بسط اللسان في ذلك، بالتدبير، دون شيء ظهر على أَلسن الرسل، أَو القول فيهم بشيء إن كانت آية لكل، أَوْ لا.

لكن الله  قد أَقام حجته لكلٍّ على قدر الكفاية والتمام.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكروا من نعم الله عليكم لمّا كنتم في التِّيه، ونالكم العطش الشديد، فتضرّع موسى  إلى ربه وسأله أن يسقيكم؛ فأمرناه أن يضرب بعصاه الحجر؛ فلما ضربه تفجرت منه اثنتا عشرة عينًا بعدد قبائلكم، وانبعث منها الماء، وبيّنا لكل قبيلة مكان شربها الخاص بها، حتَّى لا يقع نزاع بينهم، وقلنا لكم: كلوا واشربوا من رزق الله الَّذي ساقه إليكم بغير جهد منكم ولا عمل، ولا تسعوا في الأرض مفسدين فيها.

<div class="verse-tafsir" id="91.MzaWe"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذا بيان لحال آخر من أحوال بني إسرائيل في هجرتهم وعناية الله تعالى بهم فيها.

أصابهم الظمأ فعادوا على موسى باللائمة أن أخرجهم من أرض مصر الخصبة المتدفقة بالأمواه، وكانوا عند كل ضيق يمنون عليه أن خرجوا معه من مصر ويجهرون بالندم، فاستغاث موسى بربه واستسقاه لقومه كما قصه الله علينا بقوله: ﴿ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ  ﴾ أي طلب السقيا لهم من الله تعالى ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ  ﴾ أمره أن يضرب بعصاه حجرًا من حجارة تلك الصحراء بتلك العصا التي ضرب بها البحر، فضربه ﴿ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا  ﴾ بعدد أسباطهم وذلك قوله  ﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ  ﴾ .

وكون هذا الحجر هو الذي روي أنه تدحرج بثوب موسى يوم كان يغتسل كما قال المفسر "الجلال" لا دليل عليه، وقصة الثوب ليست في القرآن فيحمل تعريف الحجر على أنه المعهود في القصة، وإنما يفهم التعريف أن الحجر الذي ضرب فتفجرت منه المياه حجر مخصوص له صفات تميزه عندهم ككونه صلبًا أو عظيمًا تتسع مساحته لتلك العيون ويصلح أن تكون منه موارد لتلك الأمم، أو كونه يقع تحت أعينهم منفردًا عن غيره ليس في محلتهم سواه، وقد يكون التعريف للدلالة على الجنس ليفيدنا بعد المرغوب عن التناول، وعظمة القدرة الإلهية وأثرها الجليل في تقريبه وتحصيله، وعبر عنه في سفر الخروج بالصخرة.

ولو علم الله تعالى أن لنا فائدة في أكثر مما دل عليه هذا الخطاب من التعيين لما تركه.

ثم أراد أن يصور حال بني إسرائيل في هذه النعمة واغتباطهم بما منحهم من العيش الرغد في مهاجرهم فقال ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ  ﴾ فعبر عن الحال الماضية بالأمر، ليستحضر سامع الخطاب أولئك القوم في ذهنه ويتصور اغتباطهم بما هم فيه حتى كأنهم حاضرون الآن والخطاب يوجه إليهم.

وهذا ضرب من ضروب إيجاز القرآن التي لا تجارى ولا تمارى ثم قال ﴿ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ  ﴾ أي لا تنشروا فسادكم في الأرض وتكونوا في الشرور قدوة سيئة للناس.

يقال عثا إذا نشر الشر والفساد وأثار الخبث فهو أخص من مطلق الإفساد، ولذلك مع كون ﴿ مُفْسِدِينَ  ﴾ حالًا من ضمير ﴿ تَعْثَوْا  ﴾ .

إن كثيرًا من أعداء القرآن يأخذون عليه عدم الترتيب في القصص ويقولون هنا إن الاستسقاء وضرب الحجر كان قبل التيه وقبل الأمر بدخول تلك القرية فذكر هنا بعد تلك الوقائع.

والجواب عن هذه الشبهة يفهم مما قلناه مرارًا في قصص الأنبياء والأمم الواردة في القرآن، وهو أنه لم يقصد بها التاريخ وسرد الوقائع مرتبة بحسب أزمنة وقوعها وإنما المراد بها الاعتبار والعظة ببيان النعم متصلة بأسبابها لتطلب بها، وبيان النقم بعللها لتتقى من جهتها.

ومتى كان هذا هو الغرض من السياق فالواجب أن يكون ترتيب الوقائع في الذكر على الوجه الذي يكون أبلغ في التذكير وأدعى إلى التأثير.

إن الباحثين في التاريخ لهذا العهد قد رجعوا إلى هذا الأسلوب في التقديم والتأخير وقالوا ستأتي أيام يستحيل فيها ترتيب الحوادث والقصص بحسب تواريخها لطول الزمن وكثرة النقل مع حاجة الناس إلى معرفة سير الماضين، وما كان لها من النتائج والآثار في حال الحاضرين.

وقالوا إن الطريق إلى ذلك هو أن ننظر في كل حادثة من حوادث الكون كالثورات والحروب وغيرها ونبين أسبابها ونتائجها من غير تفصيل ولا تحديد لجزئيات الوقائع بالتاريخ، فإن ترتيب الوقائع هو من الزينة في وضع التأليف فلا يتوقف عليها الاعتبار، بل ربما يصد عنه بما يكلف الذهن من ملاحظته وحفظه.

فهذا ضرب من ضروب الإصلاح العلمي جاء به القرآن وأيده سير الاجتماع في الإنسان.

هذا نقوله إذا سلمنا إلى الاستسقاء كان قبل التيه لا فيه، ولنا أن نقول إن أرض التيه هي الأرض الممتدة على ساحل البحر الأحمر من بيداء فلسطين مما يلي حدود مصر وفيها كان الاستسقاء بلا خوف، وفي سفر الخروج أنه كان في "رفيديم" التي انتقل إليها بنو إسرائيل من "سين" التي بين "إيليم" و "سيناء".

ويطلق التيه على ضلال بني إسرائيل أربعين سنة في الأرض والعبرة في القصة على ما يظهر من التوراة أن موسى كان يحاول نزع ما في قلوب قومه من الشرك الذي أشربوا عقائده في مصر، وما في نفوسهم من الذل الذي طبعه فيها استبداد المصريين وتعبيدهم إياهم، ليكونوا أعلياء أعزاء بعبادة الله تعالى وحده، وأن يدخل بهم أرض الميعاد وهي بلاد الشام التي وعد بها آباءهم.

وكانوا لطول الإقامة في مصر قد ألفوا الذل وأنسوا بالشعائر والعادات الوثنية، فكانوا لا يخطون خطوة إلا ويتبعونها بخطيئة، وكلما عرض لهم شيء من مشقات السفر يتبرمون بموسى ويتحسرون على مصر ويتمنون الرجوع إليها -كما سبق القول- ويستبطئون وعد الله، فتارة يطلبون منه أن يجعل لهم إلهًا غير الله، وتارة يصنعون عجلًا ويعبدونه، وتارة يفسقون عن أمر ربهم ويكفرون نعمه.

ولما أمرهم بدخول البلاد المقدسة التي وعدهم الله أبوا واعتذروا بالخوف من أهلها الجبارين لما استحوذ عليهم من الجبن الذي هو حليف الذل.

وكان موسى أرسل "كالبًا" و"يوشع بن نون" رائدين لينظرا حال البلاد في القوة والضعف وأرسل غيرهما عشرة من بقية أسباط بني إسرائيل فأخبر هؤلاء بأن في تلك الأرض قومًا جبارين فقال بنو إسرائيل: إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها.

وأخبر "يوشع" و "كالب" بأن الأرض كما وعد الله وأن دخولها سهل والظفر مضمون بالاعتماد على الله تعالى والتوكل عليه، فلم يسمعوا لهما بل "قالوا إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها" فضرب الله عليهم التيه أربعين سنة لحكمة بالغة وهي إرادة انقراض أولئك القوم الذين تأشبت في نفوسهم عقائد الوثنية، وزايلتها صفات الرجولية، حتى فسد مزاجها وتعذر علاجها، وخروج نشء جديد يتربى على العقائد الصحيحة، وأخلاق الشهامة والرجولية، فتاهوا حتى انقرض أولئك المصابون باعتلال الفطرة، وبقي النشء الجديد وبعض الذين كانوا عند الخروج من مصر صغارًا لا يقدرون على حمل السلاح، وقضى الله أمرًا كان مفعولًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله