تفسير سورة البقرة الآية ١٢٤ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ١٢٤

۞ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَـٰتٍۢ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًۭا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٢٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 10 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

كان الكلام من أول السورة إلى هذه الآية بأسلوب واحد في سياق واحد: ذكر حقية الكتاب وكونه من نصوع البرهان بحيث يدفع ريب المرتابين أن يدنو منه أو يتسامى إليه، ثم ذكر أصناف الناس في أمر الإيمان به، وأطال الحجج والمناظرة في خطاب أهل الكتاب خاصة لما تقدم من أنهم كانوا موضع الرجاء في المبادرة إلى الإيمان بالنبي وما جاء به لأنه وافقهم في أصل الدين وصدق أنبياءهم وكتبهم، وذكرهم بما نسوا، وعلمهم ما جهلوا، وأصلح لهم ما حرفوا، وزادهم معرفة بأسرار الدين وحكمته، كما أنهم كانوا في موضع الشبهة عند المشركين، والمنافقين بما كفروا، وفي موضع الحجة عليهم بما آمنوا، قال تعالى في الاحتجاج على المشركين ﴿ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ ؟

وقد جاءت محاجة أهل الكتاب على طريقة الإطناب لما كانوا عليه من جمود القرائح والبعد عن البلاغة كما حكى عنهم أنهم قالوا ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ  ﴾ ومن فساد الإذغان بالتعود على التأويل والتحريف، فكان يبدأ لهم المعنى ويعاد، ويساق إليهم القول بطرق بينة، ويؤكد بضروب من التأكيد، تبعد به عن قبول التأويل والتحويل، وكان مما حجوا به التذكير بحال سلفهم الأنبياء وبحالهم معهم من عصيانهم وإيذائهم بل قتلهم على عهدهم، والغرور بانتظار شفاعتهم والاستغناء بها من بعدهم.

ثم إن الكلام في هذه الآية ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ  ﴾ وما بعدها موجه إلى مشركي العرب، ووجه الاتصال بينها وبين ما قبلها أن ذلك كان يتضمن الاحتجاج على أهل الكتاب بسلفهم الصالح، وهذا يتضمن الاحتجاج على مشركي قريش وأمثالهم بسلفهم الصالح، فإنهم ينتسبون إلى إسماعيل وإبراهيم ويفتخرون بأنهما بنيا لهم الكعبة معبدهم الأكبر، وكانوا في عهد التنزيل قد اختلطوا بالأمم المجاورة التي تعرف لهم هذا النسب.

وإنك لترى الكلام هنا جاريًا على طريقة الإيجاز والإشارة لما كان عليه العرب من حدة الفكر وصفاء الأذهان، ودقة الفهم ورقة الوجدان على أن هذه الآيات تصلح حجة على الفريقين، لأن أهل الكتاب كافة يجلون إبراهيم  ويعتقدون نبوته، والإسرائيليون منهم ينتسبون إليه، ولكن الخطاب في قصته موجه إلى العرب أولًا وبالذات، فتلك حجج القرآن على أهل الكتاب الذي جاء لإصلاح دينهم وترقيتهم فيه ودين الله واحد في جوهره، وهذه حججه على أهل الشرك والوثنية الخالصة التي جاء لمحوها من الأرض وإثبات نقيضها وهو التوحيد والتنزيه وإثبات البعث والنشور، وقد أقام الحجج على هذين الأصلين من الطرق العقلية والكونية في مواضع كثيرة ولا سيما في السور المكية.

قال تبارك اسمه ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ  ﴾ أقول أشهر الأقوال وأظهرها في متعلق ﴿ إِذ  ﴾ هنا قولان: أنه مقدر معلوم من السياق ومن أمثاله وهو "اذكر" وإذا جعل الخطاب للرسول  أي "واذكر" لأهل الكتاب ولقومك وغيرهم ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّه  ﴾ إلخ وإذا جعل الخطاب للمكلفين ﴿ وَاذْكُرُوا  ﴾ وتقدم نظيره في خطاب بني إسرائيل.

أنه متعلق ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا  ﴾ والكلمات جمع كلمة وتطلق على اللفظ المفرد وعلى الجمل المفيدة من الكلام.

والمراد منها هنا مضمونها من أمر ونهي، روى عكرمة عن ابن عباس قال: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم ابتلاه الله بثلاثين خصلة من خصال الإسلام، واستنبطها ابن عباس بالعدد من أربع سور ليس فيها خطاب له  .

جعل التكليف بالكلمات لأنها تدل عليها وتعرف بها عادة ولم يذكر الكلمات ما هي ولا الإتمام كيف كان لأن العرب تفهم المراد بهذا الإبهام والإجمال، وإن المقام مقام إثبات أن الله تعالى عامل إبراهيم معاملة المبتلي أي المختبر له لتظهر حقيقة حاله ويترتب عليها ما هو أثر لها، فظهر بهذا الابتلاء والاختبار فضله بإتمامه ما كلفه الله تعالى إياه وإتيانه به على وجه الكمال.

هذا هو المبادر ولكن المفسرين لم يألوا في تفسير الكلمات والخبط في تعيينها فقال بعضهم إنها مناسك الحج، وقال آخرون إنها خصال الإيمان واستخرجوها من آيات من القرآن، وذهب بعضهم إلى أن الإشارة بالكلمات إلى الكواكب والقمر والشمس التي رآها واستدل بأفولها على وحدانية الله تعالى، وكأن قائل هذا يعتقد أن إبراهيم  كان يظن أن هذه الكواكب أرباب، وحاش الله ما كان منه إلا أن قال (هذا ربي) تمهيدًا للحجة والبرهان، ولذلك قال تعالى بعد حكاية ذلك عنه ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ  ﴾ وذهب قوم إلى أن المراد بها جعل الله إياه إمامًا وتكليفه بإقامة البيت وتطهيره وأن بقية الآية مفسر للإبهام فيها.

وادعى بعضهم أن المراد أمره في المنام بذبح ولده وإنما هذا الأمر كلمة واحدة فكيف جعلوها عشرًا؟

وزعم آخرون أن الكلمات هي الخصال العشر التي تسمى خصال الفطرة وهي قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وتقليم الأظافر وحلق العانة والختان ونتف الإبط والاستنجاء.

وقيل غير ذلك.

ومن الذين قالوا الخصال العشر المفسر (الجلال)، وهذا من الجراءة الغريبة على القرآن، ولا شك عندي في أن هذا مما أدخله اليهود على المسلمين ليتخذوا دينهم هزوًا، وأي سخافة أشد من سخافة من يقول إن الله تعالى ابتلى نبيًا من أَجَل الأنبياء بمثل هذه الأمور، وأثنى عليه بإتمامها، وجعل ذلك كالتمهيد لجعله إمامًا للناس وأصلًا لشجرة النبوة؟!

وإن هذه الخصال لو كلف بها صبي مميز لسهل عليه إتمامها ولم يُعَد ذلك منه أمرًا عظيمًا؟!

والحق أن مثل هذا يؤخذ كما أخبر الله تعالى به ولا ينبغي تعيين المراد به إلا بنص عن المعصوم.

ذكر تعالى أن إبراهيم أتم الكلمات وأنه تعالى قال له ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا  ﴾ ، وقد فصلت الجملة عما قبلها لأنها جواب عن سؤال مقدر تدل عليه القرينة، ولم يقل: فقال إني جاعلك، للإشعار بأن هذه الإمامة بمحض فضل الله تعالى واصطفائه لا بسبب إتمام الكلمات فإن الإمامة هنا عبارة عن الرسالة وهي لا تنال بكسب الكاسب.

وليس في الكلام دليل على أن الابتلاء كان قبل النبوة.

وأما فائدة الابتلاء فهي تعريف إبراهيم  بنفسه وأنه جدير بما اختصه الله به، وتقوية له على القيام بما يوجه إليه، وقد تحققت إمامته للناس بدعوته إياهم إلى التوحيد الخالص - وكانت الوثنية قد عمتهم وأحاطت بهم- فقام على عهده بالحنيفية وهي الإيمان بتوحيد الله والبراءة من الشرك وإثبات الرسالة، وتسلسل ذلك في ذريته خاصة فلم ينقطع منها دين التوحيد، ولذلك وصف الله الإسلام بأنه ملة إبراهيم.

وماذا قال إبراهيم لما بشره الله تعالى بجعله إمامًا للناس ﴿ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي  ﴾ أي قال واجعل من ذريتي أئمة للناس، وهو إيجاز في الحكاية عنه لا يعهد مثله إلا في القرآن.

وقد جرى إبراهيم  على سنة الفطرة في دعائه هذا فإن الإنسان لما يعلم من أن بقاء ولده بقاء له يحب أن تكون ذريته على أحسن حال يكون هو عليها ليكون له حظ من البقاء جسدًا وروحًا.

ومن دعاء إبراهيم الذي حكاه الله عنه في السورة المسماة باسمه ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي  ﴾ وقد راعى الأدب في طلبه فلم يطلب الإمامة لجميع ذريته بل لبعضها لأنه الممكن وفي هذا مراعاة لسنن الفطرة أيضًا وذلك من شروط الدعاء وآدابه فمن خالف في دعائه سنن الله في خليقته أو في شريعته فهو غير جدير بالإجابة بل هو سيء الأدب مع الله تعالى لأنه يدعوه لأن يبطل لأجله سنته التي لا تتبدل ولا تتحول أو ينسخ شريعته بعد ختم النبوة وإتمام الدين.

وبماذا أجاب الله إبراهيم حين دعاه هذا الدعاء؟

﴿ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ  ﴾ أي أنني أعطيك ما طلبت وسأجعل من ذريتك أئمة للناس ولكن عهدي بالإمامة لا ينال الظالمين لأنهم ليسوا بأهل لأن يقتدي بهم، ففي العبارة من الإيجاز ما يناسب ما قبلها.

وإنما اكتفى في الجواب بذكر المانع من منصب الإمامة مطلقًا وهو الظلم لتنفير ذرية إبراهيم من الظلم وتبغيضه إليهم ليتحاموه وينشئوا أولادهم على كراهته، ويربوهم على التباعد عنه لكيلا يقعوا فيه فيحرموا من هذا المنصب العظيم الذي هو أعلى المناصب وأشرفها، ولتنفير سائر الناس من الظالمين وترغيبهم عن الاقتداء بهم، فإن الناس قد اعتادوا الاقتداء بالرؤساء والملوك الظالمين لأنفسهم ولغيرهم بالخروج عن الشريعة إلا ما يوافق أهواءهم، ويحرفون أو يؤولون الأحكام لتطابق شهواتهم، وقد درجوا على ذلك في كل عصر ما عدا عصر النبوة وما قاربه كعصر خلافة النبوة كما يعلم من شهادة التاريخ التي لا ترد.

والإمامة الصحيحة والأسوة الحسنة هي فيما تكون عليه الأرواح من الصفات الفاضلة والملكات العلمية التي تملك على صاحبها طرق العمل فتسوقه إلى خيرها وتنزعه عن شرها، ولا حظ للظالمين في شيء منها، وإنما هم أصحاب الرسم وأهل الخداع والانخداع بالظاهر، ولذلك يصفون أعمالهم وأحكامهم بالرسمية.

وقد جعل الله إبراهيم إمامًا للناس وذكر لنا في كتابه كثيرًا من صفاته الجليلة كقوله تعالى ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا  ﴾ الآيات وقوله ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ  ﴾ ولم يذكر لنا شيئًا من زيه وصفة ثيابه، ولا وصف أنواع طعامه وشرابه، بل أرشدنا إلى أن دعوته الصالحة لا يدخل فيها ولا ينتفع بها أحد من ذريته إلا من اجتنب الظلم لنفسه وللناس.

وقد أخذوا من هذه الآية حكمًا أصوليًا وهو أن الظالم لا يجوز أن يولي منصب الإمامة العظمى، واشترطوا لصحة الخلافة فيما اشترطوا العلم والعدل، ونقل أن أبا حنيفة رحمه الله كان يفتي سرًا بجواز الخروج على المنصور ويساعد عليًا بن الحسن على ما كان ينزع إليه من الخروج عليه.

ولكن الناس لم يرعووا عن الاقتداء بالظالمين حتى بعد هذا التحذير الذي أوحاه الله إلى إبراهيم ثم أعلم به محمدًا عليهما الصلاة والسلام، فإنهم ظلوا على دين ملوكهم، وهم اليوم وقبل اليوم يدعون الاقتداء بالأئمة الأربعة  وهم كاذبون في هذه الدعوى فإنهم ليسوا على شيء من سيرتهم في التخلق بأخلاق القرآن، وتحري إتباع الكتاب والسنة في جميع الأعمال.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل