تفسير سورة البقرة الآيات ٦٣-٦٤ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ٦٣-٦٤

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٦٣ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٦٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

أطمع الله تعالى بالآية السابقة بني إسرائيل في رحمته بعد ما قرعهم بالنذر التي تكاد توقع اليأس في قلوبهم، وبين لهم ولسائر الناس أن المنفذ إلى هذا الطمع، بل الباب الذي يؤدي إلى هذا الرجاء، هو الجمع بين الأمرين اللذين بعث لتقريرهما الأنبياء عليهم السلام وهما الإيمان الصحيح اليقيني والعمل الصالح.

وإشراك غير بني إسرائيل في هذا الحكم لا يقضي بانتهاء السياق، بل لا يزال الكلام في بني إسرائيل، ولذلك عقب ذلك الإطماع بالتذكير ببعض الوقائع التي استحقوا فيها العقوبة فحالت دون وقوعها الرحمة فقال: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ  ﴾ وهو العهد الذي أخذه عليهم وتقدم الكلام فيه.

وأما قوله ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ  ﴾ فقد ذكر المفسرون فيه قصة وهي أن الله تعالى ظلل بني إسرائيل بالطور وهو الجبل المعروف وخوفهم برفعه فوقهم ليذعنوا ويؤمنوا.

ثم اعترض عليه بعضهم بأنه إكراه على الإيمان وإلجاء إليه وذلك ينافي التكليف، وأجيب بأجوبة منها أن ما يفعل بالإكراه يعود اختياريًا بعد زوال ما به الإكراه، ومنها أن مثل هذا الإلجاء والإكراه كان جائزًا في الأمم السابقة، ويزيد من قال هذا أن نفي الإكراه في الدين خاص بالإسلام لقوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ  ﴾ وقوله ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  ﴾ .

ولا حاجة لنا في فهم كتاب الله إلى غير ما يدل عليه بأسلوبه الفصيح، فهو لا يحتاج في فهمه إلى إضافات ولا ملحقات، وقد ذكر لنا مسألة رفع الطور فوق بني إسرائيل ولم يقل إنه أراد بذلك الإكراه على الإيمان، وإنما حكي عنهم في آية أخرى أنهم ظنوا أنه واقع بهم فقد قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ﴾ والنتق الزعزعة والهز والجذب والنقض ونتق الشيء ينتقه وينتقه -من بأبي ضرب ونصر- نتقًا جذبه واقتلعه وقد يكون ذلك في الآية بضرب من الزلزال كما يدل عليه التعبير بالنتق وهو في الأصل بمعنى الزعزعة والنقض، والمفهوم من أخذ الميثاق أنهم قبلوا الإيمان وعاهدوا موسى عليه.

فرفع الطور وظنهم أنه واقع بهم من الآيات التي رأوها بعد أخذ الميثاق كل لأجل أخذ ما أوتوه من الكتاب بقوة واجتهاد لأن رؤية الآيات تقوي الإيمان، وتحرك الشعور والوجدان، ولذلك خاطبهم عند رؤية تلك الآية بقوله ﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ  ﴾ أي تمسكوا به واعملوا بجد ونشاط، لا يلابس نفوسكم فيه ضعف، ولا يصحبها وهن ولا هم، ثم قال ﴿ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ  ﴾ أي بالمحافظة على العمل به، فإن العمل هو الذي يجعل العلم راسخًا في النفس مستقرًا عندها، ويؤثر عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أنه قال: يهتف العلم بالعمل.

فإن أجابه وإلا ارتحل.

وذلك أن العلم إنما يحضر في النفس مجملًا غير سالم من إبهام وغموض، فإذا برز للوجود بالعمل صار تفصيليًا جليًا، ثم ينقلب النظري منه بالتكرار والمواظبة بديهيًا ضروريًا، وبذلك يثبت فلا ينسى.

وأما النسيان فإنه حليف الكفر وإنه ليصل بالإنسان إلى حد يساوي فيه من لم تسبق له معرفة بالشيء قط لأنه لا أثر له في النفس ولا في الظاهر.

ولا فرق بين من بلغته دعوة الهداية فسلم بها وقبلها ثم ترك العمل بها حتى نسيها، وبين من لم تبلغه البتة ومن بلغته على وجه غير مقنع فلم يؤمن، إلا بما تكون الحجة به على الأول أظهر، وكونه بالمؤاخذة أجدر، والثاني معذور عند الجماهير، وكذلك الثالث إذا استمر على النظر من غير تقصير، فعلى هذا تكون منزلة الناسي هي التي تلي منزلة الجاحد المعاند، وهو خليق بأن يحشر يوم القيامة أعمى عن طريق النجاة والسعادة، حتى إذا لقي ربه قال (رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا؟

قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى).

إن في هذا لعبرة لقراء القرآن الذين ليس لهم منه إلا التغني بألفاظه وأفئدتهم هواء لا أثر فيه للقرآن وأعمالهم لا تنطبق على ما جاء به القرآن وهذا شر نوعي النسيان.

وقد ضرب له الإمام الغزالي مثل عبيد قطعهم سيدهم بستانًا وكلفهم بإصلاحه وعمارته وكتب لهم كتابًا يبين لهم كيف يسيرون في هذا الإصلاح وكيف تكون حياتهم فيه ووعدهم بمكافأة أجر فوق ما يستفيدونه من ثمرات البستان وغلاته وتوعدهم على الإساءة في العمل بالعقوبة الشديدة وراء ما يفوتهم من خيرات البستان وما يذوقون من مرارة سوء المعاملة فيما بينهم، فكان حظهم من الكتاب تعظيم رقه وورقه والتغني بلفظه وتكرار تلاوته بدون مبالاة بالأمر والنهي ولا اعتبار بالوعد والوعيد، بل عاثوا في أرض البستان مفسدين فأهلكوا الحرث والنسل.

فهل يكون حظ هؤلاء من الكتاب غير أنه حجة عليهم وقاطع لألسنة العند منهم؟؟

أمرهم بالذكر الذي يثبت بالعمل، ووصله بذكر فائدته وهي إعداده النفس لتقوى الله  ، فقال ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ﴾ فإن المواظبة على العمل بما يرشد إليه الكتاب تطبع في النفس ملكة مراقبة الله تعالى فتكون بها تقية نقية، راضية مرضية ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى  ﴾ .

وبعد أن ذكر لهم تلك الآية، وما اتصل بها من هداية، ذكرهم بما كان منهم من التولي عن الطاعة والإعراض عن القبول، ثم امتن عليهم بما عاملهم به من الفضل والرحمة والصفح عما يستحقونه من المؤاخذة والعقوبة، فقال ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ  ﴾ أي ثم أعرضتم وانصرفتم عن الطاعة من بعد أخذ الميثاق ومشاهدة الآيات التي تؤثر في القلوب وتستكين لها النفوس ﴿ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ  ﴾ أي إنكم بتوليكم استحققتم العقاب، ولكن حال دون نزوله بكم فضل الله عليكم ورحمته بكم، ولولا ذلك لخسرتم سعادة الدنيا وهي التمكن في الأرض المقدسة التي تفيض لبنًا وعسلًا، ثم خسرتم سعادة الآخرة وهي خير ثوابًا وخير أملًا، فمن فضله وإحسانه أن وفقكم للعمل بالميثاق بعد ذلك.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد