تفسير سورة البقرة الآيات ٢٣٦-٢٣٧ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ٢٣٦-٢٣٧

لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا۟ لَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَـٰعًۢا بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ ٢٣٦ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةًۭ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّآ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوٓا۟ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٣٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 11 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قالوا المراد بالجناح المنفي هنا هو التبعة من المهر ونحوه، لا الإثم والوزر، وأوردوا هذا وجهًا ضعيفًا وجهوه بأن النبي  كان كثيرًا ما ينهى عن الطلاق فظن الناس أن فيه جناحًا فنفته الآية، وهو كما ترى يتبرأ منه السياق، فالمراد بنفي الجناح نفي المنع، وهو مقيد بقيدين: عدم المسيس، وعدم تسمية مهر.

والمسيس اسم مصدر لمسه مسًا.

"من باب تعب ونصر" إذا لمسه بيده من غير حائل، هكذا قيدوه كما في المصباح.

ويعبر عن إصابة كل شيء للإنسان من خير وشر ونفع وضر.

ويكنى به وبالمماسة والملامسة كالمباشرة عن الغشيان المعلوم بين الزوجين.

قرأ الجمهور ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ  ﴾ بالفعل الثلاثي، وقرأ حمزة والكسائي "تماسوهن" بالصيغة الدالة على المشاركة هنا وفي سورة الأحزاب، لأن كلًا منهما يشترك فيه بحسب حاله، فهذه القراءة بيان للواقع، وتلك بيان لفعل الرجل الذي يجب به ما يجب من المهر والعدة.

وآية الأحزاب التي فيها القراءتان هي: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا  ﴾ وأجمعوا على قراءة واحدة في قوله تعالى من سورة مريم حكاية عنها: ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ  ﴾ لأنه نفي لسبب الولد من قبل الرجال لا معنى للمشاركة فيه.

والمراد بفرض الفريضة تسمية المهر، والآية تدل على أن عقد النكاح يصح بغير مهر، قالوا ويجب حينئذ مهر المثل.

والفرض هنا يصدق بما يكون بعد العقد كأن يقول: أمهرتك ألفًا، مثلًا.

يقول الله تعالى ﴿ لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ  ﴾ أي لا يلزمكم شيء من المال تأثمون بتركه في حال طلاقكم النساء ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً  ﴾ أي مدة عدم مسكم إياهن وتسمية المهر لهن، "فأو" هنا بمعني الواو، أو المعنى: إلى أن تفرضوا لهن، أو إلا أن تفرضوا لهن، أي فحينئذٍ يجب عليكم شيء وهو ما يذكر في الآية التالية لهذه.

والمعنى إذا تحقق الشرطان أو الفقيدان فلا تدفعوا لهن مهرًا ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ  ﴾ أي اعطوهن شيئًا يتمتعن به ولتكن هذه المتعة على حسب حالكم في الثروة ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ  ﴾ الموسع وصف من أوسع الرجل إذا صار ذا سعة وهي البسطة والغنى، والمقتر من أقتر الرجل إذا قل ماله وافتقر، وقتر على عياله.

"من بابي قعد وضرب"..

وأقتر ضيق عليهم في النفقة.

ولعله من القتار بالضم وهو دخان الشواء والطبيخ وبخاره ورائحته، والقتر من النفقة الرمقة من العيش، ويقال أقتر أيضًا إذا قتر عمدًا فعاش عيشة الفقير، وقرأ حمزة والكسائي وحفص وابن ذكوان "قدره" بفتح الدال والباقون بسكونها وهما لغتان بمعنى، وقيل القدر بالتسكين الطاقة وبالتحريك المقدار، والمراد لا يختلف، وهو أن المتعة تختلف باختلاف ثروة الرجل وبسطته ولذلك لم تحدد بل تركت لاجتهاد المكلف لأنه أعرف بثروة نفسه، وقد علم أن الله فرضها عليه وأكدها بقوله ﴿ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ  ﴾ فأما المعروف فهو ما يتعارف الناس بينهم ويليق بهم بحسب اختلاف أصنافهم وأحوال معايشهم وشرفهم، وأما كونه حقًا على المحسنين فمعناه أنها واجبة حاقة على أنها إحسان في التعامل لا عقوبة، فإن الحكمة فيها كما قالوا جبر إيحاش الطلاق، كأن المعنى: إن كنتم مؤمنين بالله محسنين في طاعته فعليكم أن تجعلوا هذا المتاع لائقًا مؤديًا إلى الغرض منه.

إن في هذا الطلاق غضاضة وإيهامًا للناس أن الزوج ما طلقها إلا وقد رابه منها شيء، فإذا هو متعها متاعًا حسنًا تزول هذه الغضاضة ويكون هذا المتاع الحسن بمنزلة الشهادة بنزاهتها والاعتراف بأن الطلاق كان من قبله أي لعذر يختص به، لا من قبلها، أي لا لعلة فيها، لأن الله تعالى أمرنا أن نحافظ على الأعراض بقدر الطاقة.

فجعل هذا التمتيع كالمرهم لجرح القلب لكي يتسامع به الناس فيقال: إن فلانًا أعطى فلانة كذا وكذا، فهو لم يطلقها إلا لعذر، وهو آسف عليها معترف بفضلها، لا أنه رأى عيبًا فيها أو رابه شيء من أمرها، ويقال إن سيدنا الحسن السبط متع إحدى زوجاته بعشرة آلاف درهم وقال: "متاع قليل من حبيب مفارق".

لهذا وكّل الله تعالى الأمر في ذلك إلى أريحية المؤمن فلم يحدده بل وصفه بالمعروف، وذكر المطلق عند إيجابه بالإحسان هنا وبالتقوى في الآية الآتية.

هذا هو المتبادر من الآية ولكن من الفقهاء من قال إن المتعة تستحب ولا تجب لأنها جعلت حقًا على المحسنين، كأن القيام بالواجب لا يوصف بالإحسان، ويكفي في إثبات الوجوب قوله تعالى ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ  ﴾ وقوله ﴿ حَقًّا عَلَى  ﴾ وإنما حسن ذكر الإحسان هنا لأن المفروض غير محدود، والشارع يحب بسط الكف فيه، فذكر بالإحسان لأجل ذلك، وليبيّن أن المتعة ليست من قبيل الغرامة، إذ لو كانت غرامة لا اختيار في قدرها كما أنه لا اختيار في أصلها لما تحققت بها الحكمة التي تقدم شرحها، وآية الأحزاب المتقدمة آمرة بالتمتيع أمرًا لم يذكر معه لفظ المحسنين، على أن الله تعالى ذكر الإحسان والمحسنين في مقام الأعمال الواجبة كقوله في سورة التوبة ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ  ﴾ والنصح لله ورسوله واجب حتم، وقوله في هذه السورة أيضًا ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إلى قوله إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ  ﴾ وذكر هذا اللفظ كثيرًا بعد ذكر الصبر في مواضع اليأس وهو واجب، وبعد ذكر محاولة إبراهيم ذبح ولده وكان واجبًا عليه لولا افتداه الله تعالى.

وقال تعالى في سورة الزمر عند ذكر الجزاء: ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ  ﴾ وهل يصح أن يقال إن النفس تعذب على ترك النوافل المستحبة فتتمنى الرجعة لتؤديها؟

ومن تتبع الآيات التي ذكر فيها الإحسان يرى أن منها ما يراد به الأعمال المفروضة أولًا وبالذات، ومنها ما يراد به ما زاد عن الفرض من العمل الصالح، ومنها ما يراد به إحسان العمل وإتقانه مطلقا، وممن صرح بوجوب المتعة من علماء السلف علي وابن عمر والحسن البصري وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك وغيرهم، واختلفوا أيضًا في مقدارها وقد علمت المختار فيه، واختلفوا أيضًا هل تشرع لغير هذه المطلقة قبل المسيس والفرض أم لا؟

وسيأتي ذلك في تفسير ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ  ﴾ .

ثم قال تعالى ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ  ﴾ الآية الماضية في حكم غير الممسوسة إذا لم يفرض لها، وهذه في حكمها وقد فرض لها المهر، وهو أن لها نصف المهر المفروض.

قال (الجلال):"فنصف ما فرضتم يجب لهن ويرجع لكم النصف"، وهذا جري على أن الذي كان عليه العمل هو سوق المهر كله للمرأة عند العقد، خلافًا لما استحدثه الناس بعد من تأخير ثلث المهر أي في الغالب، وقد يؤخرون أكثر من الثلث أو أقل حتى كأن ذلك من سنن الدين، وما هو إلا عادة من العادات، والظاهر أن سببها حب الظهور بكثرة المهر والفخر به، مع اجتناب الإرهاق بدفعه كله.

وقدر غير (الجلال) فالواجب نصف ما فرضتهم -أو- فادفعوا نصف ما فرضتم والمعنى ظاهر على كل تقدير ﴿ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ  ﴾ أي النساء المطلقات عن أخذ النصف كله أو بعضه، وهو حق البالغة الرشيدة ﴿ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ  ﴾ قيل هو الولي مطلقًا وعليه جماعة من المفسرين أو الولي المجبر وهو الأب أو الجد فيعفو له عن النصف الواجب كله أو بعضه، والشيعة لا تبيح له العفو عن كله وقال كثير منهم إن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج الذي بيده حلها.

عبر عنه بهذا للتنبيه على أن الذي ربط المرأة وأمسك العقدة بيده لا يليق به أن يحلها ويدعها بدون شيء، بل يستحب له العفو والسماح بكل ما كان قد أعطى وإن كان الواجب المحتم نصفه، فذلك تمهيد لقوله ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى  ﴾ والخطاب على هذا خاص بالرجال، وفيه وجه آخر أنه عام للنساء والرجال، أي من عفا فهو المتقي، ويروى عن جبير بن مطعم أنه تزوج بنتًا لسعد بن أبي وقاص ثم طلقها قبل الدخول وأعطاها جميع المهر، فسئل عن هذا فقال أما التزوج فلأنه عرضها علي فما رأيت أن أرده، وأما العفو فأنا أحق بالفضل.

هكذا قال من روى القصة بالمعنى، وفي التفسير الكبير أن جبيرًا قال: أنا أحق بالعفو، وإذا كان هذا لفظه فهو دليل على أن الخطاب عام على سبيل التغليب، ويرجحه اختلاف الأحوال، ففي بعض الأحوال تكون المصلحة في عفو الرجل عن النصف الآخر وفي بعضها تكون في عفو المرأة عن النصف الواجب لها، ذلك لأن الطلاق قد يكون من قبله بلا علة منها وقد يكون بالعكس، والذي تراه في عامة كتب التفسير أن المراد بالتقوى هنا تقوى الله تعالى المطلوبة في كل شيء، وذلك أن العفو أكثر ثوابًا وأجرًا، وعندي أن التقوى في هذا المقام اتقاء الريبة وما يترتب على الطلاق من التباغض وآثار التباغض، ولا يخفى ما في السماح بالمال، من التأثير في تغيير الحال، ولذلك قال بعد ذلك ﴿ وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ  ﴾ فسروا الفضل بالتفضيل والإحسان وجعلوه للترغيب في العفو.

والمراد به المودة والصلة، أي ينبغي لمن تزوج من بيت ثم طلق أن لا ينسى مودة أهل ذلك البيت وصلتهم.

فأين هذا مما نحن عليه اليوم من التباغض والضرار؟

وقد ختمت الآية بقوله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  ﴾ جريًا على السنة الإلهية بالتذكير والتحذير بعد تقرير الأحكام، لتكون مقرونة بالموعظة التي تغذي الإيمان وتبعث على الامتثال.

وفي التذكير باطلاع الله تعالى وإحاطة بصره بما يعامل به الأزواج بعضهم بعضًا، ترغيب في المحاسنة والفضل وترهيب لأهل المخاشنة والجهل.

من تدبر هذه الآيات وفهم هذه الأحكام يتجلى له نسبة مسلمي هذا العصر إلى القرآن، ومبلغ حظهم من الإسلام.

وأخص المصريين بالذكر، فإن الروابط الطبيعية في النكاح والصهر وسائر أنواع القرابة صارت في مصر أرَثّ وأضعف منها في سائر البلاد، فمن نظر أحوالهم وتبين ما يجري بين الأزواج من المخاصمات والمنازعات والمضارات، وما يكيد بعضهم لبعض، يخيل إليه أنهم ليسوا من أهل القرآن، بل يجدهم كلهم لا شريعة لهم ولا دين بل آلهتهم أهواؤهم، وشريعتهم شهواتهم، وأن حال المماكسة بين التجار في السلع هي أحفظ وأضبط من حال الزواج، وأقوى في الصلة من روابط الأزواج.

إن رجلًا هجر زوجته -وهي ابنة عمه وله منها بنت- بغير ذنب غير الطمع في المال، فكان كلما كلموه في شأنها قال: لتشتر عصمتها مني!!

وهناك ما هو أدهى من ذلك وأمرّ كالذين يتركون نساءهم بغير نفقات حتى قد يضطروهن إلى بيع أعراضهن، وكالمطلقات المعتدات بالقروء يزعمن أن حيضهن حبس فتمر السنون ولا تنقضي بزعمهن، وما الغرض إلا إلزام المطلق النفقة طول هذه المدة انتقامًا منه، وكالذين يذرون أزواجهم كالمعلقات، لا يمسكونهن بمعروف ولا يسرحونهن بإحسان، أو يفتدين منهم بالمال، فأين الله وأين كتاب الله وشرعه من هؤلاء وأين هم منه؟

إنهم ليسوا من كتاب الله في شيء، ولكن المسرفين أهواءهم يتبعون...

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله