تفسير سورة البقرة الآيات ٣١-٣٣ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ٣١-٣٣

وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَـٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٣١ قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ٣٢ قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ٣٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

تقدم في بيان الخليفة أن علم الملائكة وعملهم محدودان، وأن علم الإنسان وعمله غير محدودين، وبهذه الخاصة التي فطر الله الناس عليها كان الإنسان أجدر بالخلافة من الملائكة، وهذه هي حجة الله البالغة على الملائكة التي بينها لهم بعدما نبههم إلى علمه المحيط بما لا يعلمون فقال ﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا  ﴾ أي أودع في نفسه علم جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين، فالمراد بالأسماء المسميات عبر عن المدلول بالدليل لشدة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له وسرعة الانتقال من أحدهما إلى الآخر.

والعلم الحقيقي إنما هو إدراك المعلومات أنفسها والألفاظ الدالة عليها تختلف باختلاف اللغات التي تجري بالمواضعة والاصطلاح، فهي تتغير وتختلف والمعنى لا تغيير فيه ولا اختلاف.

ثم إن الاسم قد يطلق إطلاقًا صحيحًا على ما يصل إلى الذهن من المعلوم أي صورة المعلوم في الذهن، وبعبارة أخرى ما به يعلم الشيء عند العالم، فاسم الله مثلًا هو ما به عرفناه في أذهاننا بحيث يقال إننا نؤمن بوجوده ، نسند إليه صفاته، فالأسماء هي ما به نعلم الأشياء وهي العلوم المطابقة للحقائق.

والاسم بهذا الإطلاق هو الذي جرى الخلاف في أنه عين المسمى أو غيره، وقد كان اليونانيون يطلقون على ما في الذهن من المعلوم لفظ الاسم، والخلاف في أن ما في الذهن من الحقائق هو عينها أو صورتها مشهور كالخلاف في أن العلم عين المعلوم أو غير المعلوم، وأما الخلاف في أن الاسم الذي هو اللفظ عين المسمى أو غيره فهو ما أخطأ فيه الناظرون لعدم الدقة في التمييز بين الاطلاقات لبداهة أن اللفظ غير معناه بالضرورة، والاسم بذلك الاطلاق الذي ذكرناه يتقدس ويتبارك ويتعالى ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى  ﴾ ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ  ﴾ فاسمه جل شأنه ما يمكننا أن نعلم منه ما نعلم من صفاته، وما يشرق في أنفسنا من بهائه وجلاله، ولا مانع من أن نريد من الأسماء هذا المعنى وهو لا يختلف في التأويل عما قالوه من إرادة المسميات ولكنه على ما نقول أطهر وأبين.

علَّم الله آدم كل شيء ولا فرق في ذلك بين أن يكون له هذا العلم في آن واحد أو في آنات متعددة، والله قادر على كل شيء، ثم إن هذه القوة العلمية عامة للنوع الآدمي كله، ولا يلزم من ذلك أن يعرف أبناؤه الأسماء من أول يوم فيكفي في ثبوت هذه القوة لهم معرفة الأشياء بالبحث والاستدلال، علم الله آدم الأسماء على نحو ما بينا ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ  ﴾ أي أطلعهم اطلاعًا إجماليًا بالإلهام الذي يليق بحالهم على مجموع تلك الأشياء، ولو عرضت على نفوسهم عرضًا تفصيليًا لعلموها ولم يكن علمهم محدودًا، والحال أنه عرضهم عليهم وسألهم عنها سؤال تعجيز ﴿ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ  ﴾ المسميات، والغرض من الإنباء بأسمائها الإبانة عن معرفتها ومعنى ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ أي إن كان هناك موقع للدهشة والاستغراب من جعل الخليفة في الأرض من البشر، وكان ما طرق نفوسكم وطرأ على أذهانكم أولًا حالًا محله، ومصيبًا غرضه، ولمّا تعرفوا حقيقة ما يمتاز به الخليفة، فأنبئوني بأسماء ما عرضته عليكم ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ  ﴾ أي تنزيهًا لك، فلفظ سبحان مصدر قلما يستعمل إلا مضافًا كمعاذ الله، وهو منصوب بفعل مقدر، والمعنى نقدسك وننزهك أن يكون علمك قاصرًا فتخلق الخليفة عبثًا، أو تسألنا شيئًا نفيده وأنت تعلم أننا لا تحيط بعلمه، ولا نقدر على الإنباء به، وكلمة ﴿ سُبْحَانَكَ  ﴾ تهدي إلى هذا فكأنها جملة وحدها، وهذه هي البلاغة مضروب سرادقها، مثمرة حدائقها، متجلية حقائقها، على أن القصة وردت مورد التمثيل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وبعد تنزيه الباري تبرؤا من علمهم إلى علمه تعالى وحكمته، فقالوا ﴿ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا  ﴾ وهو محدود لا يتناول جميع الأسماء ولا يحيط بكل المسميات، ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ  ﴾ بخلقك ﴿ الْحَكِيمُ  ﴾ في صنعك.

..

إن هذه التأكيدات تشعر بأن سؤال الاستغراب الأول كان يتنسم منه شيء وكذلك الجواب عن ﴿ أَنْبِئُونِي  ﴾ بقولهم ﴿ لَا عِلْمَ لَنَا  ﴾ ولذلك ختموا الجواب بالتبرؤ من كل شيء، والثناء على الله تعالى بالعلم الثابت الواجب لذاته العلية، و الحكمة البالغة اللازمة له، فقد تقدم في تفسير الفاتحة أن صيغة "فعيل" تدل غالبًا على الصفات الراسخة اللازمة، فكان جواب الملائكة بهذا مؤذنًا بأنهم رجعوا إلى ما كان يجب أن لا يغفل مثلهم عنه، وهو التسليم لسعة علم الله و حكمته حتی بلغ الكتاب أجله.

﴿ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ  ﴾ فكان الإنباء كما أراد الله تعالى وذكره لأجل ترتيب الحكم عليه بقوله ﴿ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ  ﴾ تعالى للملائكة ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ  ﴾ ومن كان هذا شأنه فلا يخلق شيئًا سدى، ولا يجعل الخليفة في الأرض عبثًا ﴿ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ  ﴾ والذي يبدونه هو ما يظهر أثره في نفوسهم، وأما ما يكتمون فهو ما يوجد في غرائزهم وتنطوي عليه طبائعهم.

وقد علم مما تقدم أن كل هذه الأقوال والمراجعات والمناظرات يفوض السلف الأمر إلى الله تعالى في معرفة حقيقتها، ويكتفون بمعرفة فائدتها وحكمتها، وقد تقدم بيان ذلك.

وأما الخلف فيلجأون إلى التأويل، وأمثل طرقه في هذا المقام التمثيل، وقد مضت سنة الله في كتابه بأن يبرز لنا الأشياء المعنوية، في قوالب العبارة اللفظية، ويجلي لنا المعارف المعقولة، بالصور المحسوسة، تقريبًا للأفهام، وتسهيلًا للإعلام، ومن ذلك أنه عرفنا بهذه القصة قيمة أنفسنا، وما أودعته فطرتنا، مما نمتاز به على غيرنا من المخلوقات، فعلينا أن نجتهد في تكميل أنفسنا بالعلوم التي خلقنا مستعدين لها من دون الملائكة وسائر الخلق لتظهر حكمة الله فينا، ولعلنا نشرف على معنى إعلام الله الملائكة بفضلنا، ومعنى سجودهم لأصلنا ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله