تفسير سورة البقرة الآيات ٢٨٥-٢٨٦ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ٢٨٥-٢٨٦

ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ ٢٨٥ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًۭا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٢٨٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

﴿ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ  ﴾ : أي كل منهم آمن بوجود الله ووحدانيته وتنزيهه وكمال صفاته وحكمته وسنته في خلقه، وبوجود الملائكة الذين هم السفراء بين الله وبين الرسل ينزلون بالوحي على قلوب الأنبياء.

والمراد بالإيمان بالكتب والرسل جنسها أي يؤمنون بذلك إيمانًا إجماليًا فيما أجمله القرآن وتفصيليًا فيما فصله لا يزيدون على ذلك شيئًا.

﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ  ﴾ : المعنى أن من شأن المؤمنين أن يقولوا هذا معتقدين أنهم في الرسالة والتشريع سواء، كثر قوم الرسول منهم أم قلوا وكثرت الأحكام المنزلة عليه أم قلت وتقدمت البعثة أم تأخرت، وهذا لا ينافي قوله تعالى ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ  ﴾ فإن التفضيل ليس في أصل الرسالة والوحي كما تقدم في تفسير الآية.

﴿ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا  ﴾ : وقد بينا لكم مرارًا أن فرقًا بين إيمان الإذعان وبين ما يسميه الإنسان إيمانًا واعتقادًا لأنه نشأ عليه وقلبه بالتقليد ولم يسمع له ناقضًا، فمثل هذا ليس اعتقادًا حقيقيًا وقلما ينشأ عنه عمل لأنه تقليد بقاؤه في الغفلة عن ناقضة.

والإذعان ينبه النفس دائمًا إلى ما تذعن له، ويبعثها دائمًا إلى العمل به إلا إذا عرض ما لا يسلم منه المرء من الموانع، ولهذا عطف أعطنا على سمعنا.

ولما كان العامل المذعن المخلص يراقق قلبه ويحاسب نفسه على التقصير الذي تأتي به العوارض الطارئة ويلومها على ما دون الكمال من الأعمال كان من شأن المؤمنين أن يقولوا مع السمع والطاعة.

﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ  ﴾ أي يسألونه تعالى أن يغفر لهم ما عساه يطرأ على أنفسهم فيعوقها عن الرقي في معارج الكمال الذي دعاها إليه الإيمان والغفران كالمغفرة: الستر، وستر الذنب يكون بعدم الفضيحة عليه في الدنيا وترك الجزاء عليه في الآخرة، وإنما يطلب هذا بالتوبة وإتباع السيئة الحسنة مع الدعاء الذي يزيد في الإيمان، وبذلك يمحي أثر الذنوب من النفس في الدنيا فيرجى أن تصير إليه تعالى في الآخرة نقية زكية، لأن هذا المصير إليه وحده هو الذي وراءه الجزاء بحسب درجات النفوس في معارج الكمال.

﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا  ﴾ ولا يحاسبها إلا على ما كلفها، والتكليف: هو الإلزام بما فيه كلفة، والوسع: ما تسعه قدرة الإنسان من غير حرج ولا عسر، وقال بعضهم: هو ما يسهل عليه من الأمور المقدور عليها، وهو ما دون مدى طاقته، والمعنى أن شأنه تعالى وسنته في شرع الدين ألا يكلف عباده ما لا يطيقون.

قال المفسرون: إن الآية تدل على عدم وقوع تكليف ما لا يطاق، لا على عدم جوازه، ولكن هذا لا يلتئم مع قولهم إن الكلام في شأنه وسنته تعالى في التكليف.

وسيأتي تتمة هذا البحث قريبًا.

وإذا كان هذا التكليف لم يقع، كما قالوا، امتنع أن تكون الآية ناسخة لما قبلها، لأنه لا يتضمن تكليف ما ليس في الوسع، كما تقدم، ولا لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ  ﴾ كما قيل.

وفي الجملة وجهان، قيل: هي ابتداء خبر من الله تعالى كأنه بشارة بغفران ما طلبوا غفرانه من التقصير وتيسير ما قد يشتم من الآية السابقة من التعسير، وقيل: إنها داخلة في قوله المؤمنين، فهم بعد السؤال الغفران قد أذنوا بأن يصغوا لله تعالى بهذا النوع من الرأفة بعباده، والحكمة في سياستهم.

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ  ﴾ قيل إن الكسب والاكتساب واحد في اللغة نقل عن الواحدي، وقيل إن الاكتساب أخص واختلفوا في توجيهه.

وما قاله الزمخشري هو الصواب وهو أن الفرق بينهما كالفرق بين عمل واعتمل فكل من عمل واكتسب يفيد الاختراع والتكليف، فالآية تشير أو تدل على أن فطرة الإنسان مجبولة على الخير وأنه يتعود الشر بالتأسي، والمعنى أن لها ثواب ما كسبت من الخير وعليها عقاب ما اكتسبت من الشر.

لا شك أن الميل إلى الخير مما أودع في طبع الإنسان، والخير كل ما فيه نفع نفسك ونفع الناس، وجماع ذلك كله أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك كما ورد في الحديث والإنسان يفعل الخير بطبعه، وتكون فيه لذته، ويميل إلى عبادة الله تعالى، لأن شكر المنعم مغروس في الطبع ويظهر أثره في كل إنسان وأقله البشاشة والارتياح للمنعم، ولا يحتاج الإنسان إلى تكلف في فعل الخير لأنه يعلم أن كل أحد يرتاح إليه ويراه بعين الرضى.

وأما الشر فإنه يعرض للنفس بأسباب ليست من طبيعتها ولا مقتضى فطرتها، ومهما كان الإنسان شريرًا فإنه لا يخفى عليه أن الشر ممقوت في نظر الناس وصاحبه مهين عندهم، فإن الطفل ينشأ على الصدق حتى يسمع الكذب من الناس وإذا رأى إعجاب الناس بكلام من يصف شيئًا يزيد فيه ويبالغ كاذبًا استحب الكذب وافتراه لينال الحظوة عند الناس ويحظى بإعجابهم، وهو مع ذلك لا ينفك يشعر بقبحه حتى إذا نبز أمامه أحد بقلب الكاذب أو الكذاب أحس بمهانة نفسه وخزيها.

وهكذا شأن الإنسان عند اقتراف كل شر يشعر في نفسه بقبحه ويجد من أعماق سريرته هاتفًا يقول له: لا تفعل، ويحاسبه بعد الفعل ويوبخه إلا في النادر ومن النادر أن يصير الإنسان شرًا محضًا.

إنه لا يوجد في المليون من الناس شرير واحد يفعل الشر وهو لا يشعر بأنه شر قبيح في نفسه، والذين ذهبوا إلى أن الإنسان شرير بالطبع أرادوا من الطبع ما يرون عليه غالب الناس، ولم يلاحظوا فيه معنى الغريزة ومناشئ العمل في الفطرة.

ذلك أن الإنسان ينشأ بين منازعات الكون وفواعل الطبيعة وأحيائها ومغالبة أبناء جنسه على المنافع والمرافق، وقد يدفعه هذا الجهاد إلى الأثرة وتوفير الخير لنفسه خاصة ويلجئه الظلم إلى الظلم فيأتيه متعلمًا إياه تعلمًا متكلفًا له تكلفًا وفي نفسه ذلك الهاتف الفطري يقول له لا تفعل، وهو النبراس الالهي الذي لا ينطفئ.

فإذا رجع الإنسان إلى أصل فطرته لا يرى إلا الخير ولا يميل إلا إليه، وإذا تأمل في الشر الذي يعرض له لم يَخْف عليه أنه ليس من أصل الفطرة وإنما هو من الطوارئ التي تعرض لها، لا سيما من ينشأ من قوم فسدت فطرتهم، وأشد ما يضر الإنسان في ذلك نظره إلى حال غيره، ولذلك أمرنا في الحديث أن ننظر في شؤون الدنيا إلى من دوننا، وهذا الأمر خاص بالأفراد بعضهم مع بعض، فإن نظر الواحد إلى من دونه يجعله راضيًا بما أوتيه من النعم بعيدًا عن الحسد الذي هو منبع الشرور، وأما الأمم فينبغي أن تنظر في حال من فوقها منها لأجل مباراتها ومساماتها.

﴿ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا  ﴾ : ومن الناس من قال إن الخطأ والنسيان لا مؤاخذة عليهما لأن الناسي والمخطئ لا إرادة لهما فيما فعلاه نسيانًا أو خطأ، ومثل هذا الكلام يوجد في كتب الأصول والكلام، ويتبعه من المناقشات ما يبعد به عن حدود الأفهام، وإذا رجع الإنسان إلى نفسه وتأمل الأمر في ذاته علم أن الناسي يصح أن يؤاخذ فيقال له لم نسيت؟

فإن النسيان قد يكون من عدم العناية بالشيء وترك إجالة الفكر فيه وترديده في النفس ليستقر في الذاكرة فتبرزه عند الحاجة إليه، ولذلك ينسى الإنسان ما لا يهمه ويحفظ ما يهمه، فإذا كان النسيان غير اختياري فسببه الذي بيناه آنفًا اختياري، ولذلك يؤاخذ الناس بعضهم بالنسيان، لا سيما نسيان الأدنى لما يأمره به الأعلى، فإذا عهدت إلى من لك سلطان أو فضل بأن يفعل كذا أو يجيئك في يوم كذا فنسي ولم يمتثل فإنك تسأله وتؤاخذه بما ترميه به من الإهمال وعدم العناية بأمرك.

﴿ رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ  ﴾ : مسألة تكليف ما لا يطاق من الكلام الذي نعوذ بالله منه، والخلاف فيها لا يترتب عليه أثر ما في الشريعة، وأصل المسألة هل يجوز على الله عقلًا أن يكلف الناس ما لا يطيقون أم لا؟

والمتقدمون على أن ذلك لم يقع.

وما لا يطاق هو ما لا يدخل في مكنة الإنسان وطوقه، وما يطاق هو ما يمكن أن يأتيه ولو مع المشقة.

وقد جعلوا ما لا يطاق بمعنى المتعذر الذي يعلو القدرة كالذي يستحيل فعله عقلًا أو عادة، والواجب علينا أن نفهم القرآن بلغته التي أنزل بها لا بعرف أفلاطون وفلسفة أرسطو وقد رأينا العرب تعبر بما لا يطاق عما فيه مشقة شديدة كقول الشاعر: وليس يبين فضل المرء إلا إذا كلفته ما لا يطيق ﴿ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  ﴾ : فسر (الجلال) النصر بالغلبة بالحجة وبالسيفوهو تفسير حسن والنصر بالحجة هو أعلى النصر وأفضله لأنه نصر على الروح والعقل والنصر بالسيف إنما هو نصر على الجسد.

إن الله تعالى ما علمنا هذا الدعاء لأجل أن نلوكه بألسنتنا ونحرك به شفاهنا فقط كما يفعل أهل الأوراد والأحزاب بل علمنا إياه لأجل أن ندعوه به مخلصين له لاجئين إليه بعد أخذ ما أنزله بقوة، والعمل به على قدر الطاقة، واستعمال ما يصل إليه كسبنا من الوسائل والذرائع التي هي وسائل الاستجابة في الحقيقة، فمن دعاه بلسان مقاله ولسان حاله معًا فإنه يستجيب له بلا شك، ومن لم يعرف من الدعاء إلا حركة اللسان مع مخالفة الأحكام وتنكب السنن فهو بدعائه كالساخر من ربه الذي لا يستحق إلا مقته وخذلانه.

(تم الجزء الرابع، ويليه الجزء الخامس وفيه تتمة تفسير الأستاذ الإمام لتفسير ما فسر من القرآن الكريم).

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل