الآية ٢٨٦ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٨٦ من سورة البقرة

لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًۭا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٢٨٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 250 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨٦ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) أي : لا يكلف أحدا فوق طاقته ، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم ، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة ، في قوله : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) أي : هو وإن حاسب وسأل لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه ، فأما ما لا يمكن دفعه من وسوسة النفس وحديثها ، فهذا لا يكلف به الإنسان ، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان .

وقوله : ( لها ما كسبت ) أي : من خير ، ( وعليها ما اكتسبت ) أي : من شر ، وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف ، ثم قال تعالى مرشدا عباده إلى سؤاله ، وقد تكفل لهم بالإجابة ، كما أرشدهم وعلمهم أن يقولوا : ( ربنا لا تؤاخذنا إن [ نسينا ] ) أي : إن تركنا فرضا على جهة النسيان ، أو فعلنا حراما كذلك ، ( أو أخطأنا ) أي : الصواب في العمل ، جهلا منا بوجهه الشرعي .

وقد تقدم في صحيح مسلم لحديث أبي هريرة : " قال الله : نعم " ولحديث ابن عباس قال الله : " قد فعلت " .

وروى ابن ماجه في سننه ، وابن حبان في صحيحه من حديث أبي عمرو الأوزاعي ، عن عطاء قال ابن ماجه في روايته : عن ابن عباس .

وقال الطبراني وابن حبان : عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه " .

وقد روي من طرق أخر وأعله أحمد وأبو حاتم والله أعلم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا أبو بكر الهذلي ، عن شهر ، عن أم الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث : عن الخطأ ، والنسيان ، والاستكراه " قال أبو بكر : فذكرت ذلك للحسن ، فقال : أجل ، أما تقرأ بذلك قرآنا : ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) .

وقوله : ( ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) أي : لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها ، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم ، التي بعثت نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به ، من الدين الحنيف السهل السمح .

وقد ثبت في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله : نعم " .

وعن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله : قد فعلت " .

وجاء الحديث من طرق ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " بعثت بالحنيفية السمحة " .

وقوله : ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) أي : من التكليف والمصائب والبلاء ، لا تبتلينا بما لا قبل لنا به .

وقد قال مكحول في قوله : ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) قال : الغربة والغلمة ، رواه ابن أبي حاتم ، " قال الله : نعم " وفي الحديث الآخر : " قال الله : قد فعلت " .

وقوله : ( واعف عنا ) أي : فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا ، ( واغفر لنا ) أي : فيما بيننا وبين عبادك ، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة ، ( وارحمنا ) أي : فيما يستقبل ، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر ، ولهذا قالوا : إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء : أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه ، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم ، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره .

وقد تقدم في الحديث أن الله قال : نعم .

وفي الحديث الآخر : " قال الله : قد فعلت " .

وقوله : ( أنت مولانا ) أي : أنت ولينا وناصرنا ، وعليك توكلنا ، وأنت المستعان ، وعليك التكلان ، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك ( فانصرنا على القوم الكافرين ) أي : الذين جحدوا دينك ، وأنكروا وحدانيتك ، ورسالة نبيك ، وعبدوا غيرك ، وأشركوا معك من عبادك ، فانصرنا عليهم ، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة ، قال الله : نعم .

وفي الحديث الذي رواه مسلم ، عن ابن عباس : " قال الله : قد فعلت " .

وقال ابن جرير : حدثني المثنى بن إبراهيم ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، أن معاذا ، رضي الله عنه ، كان إذا فرغ من هذه السورة ( فانصرنا على القوم الكافرين ) قال : آمين .

ورواه وكيع عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن رجل ، عن معاذ بن جبل : أنه كان إذا ختم البقرة قال : آمين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: لا يكلف الله نفسا فيتعبدها إلا بما يسعها، (65) فلا يضيق عليها ولا يجهدها.

* * * &; 6-130 &; وقد بينا فيما مضى قبل أن " الوسع " اسم من قول القائل: " وسعني هذا الأمر "، مثل " الجهد " و " الوجد " من: " جهدني هذا الأمر " و " وجدت منه "، (66) كما:- 6502 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاومة، عن علي، عن ابن عباس قوله: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " قال: هم المؤمنون، وسع الله عليهم أمر دينهم، فقال الله جل ثناؤه: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [سورة الحج: 78]، وقال: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [سورة البقرة: 185]، وقال: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (67) [سورة التغابن: 16].

6503 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عبد الله بن عباس قال: لما نـزلت، ضج المؤمنون منها ضجة وقالوا: يا رسول الله، هذا نتوب من عمل اليد والرجل واللسان!

(68) كيف نتوب من الوسوسة؟

كيف نمتنع منها؟

فجاء جبريل صلى الله عليه وسلم بهذه الآية،" لا يكلف الله نفسا إلا وسعها "، إنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة.

6504 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها "، وسعها، طاقتها.

وكان حديث النفس مما لم يطيقوا.

(69) * * * &; 6-131 &; القول في تأويل قوله تعالى : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " لها " للنفس التي أخبر أنه لا يكلفها إلا وسعها.

يقول: لكل نفس ما اجترحت وعملت من خير =" وعليها "، يعني: وعلى كل نفس =" ما اكتسبت "، ما عملت من شر، (70) كما:- 6505 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت "، أي: من خير =" وعليها ما اكتسبت "، أي: من شر - أو قال: من سوء.

6506 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط.

عن السدي." لها ما كسبت "، يقول: ما عملت من خير =" وعليها ما اكتسبت "، يقول: وعليها ما عملت من شر.

6507 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتاده، مثله.

6508 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عبد الله بن عباس: " لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت "، عمل اليد والرجل واللسان.

* * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذا: لا يكلف الله نفسا إلا ما يسعها فلا يجهدها، ولا يضيق عليها في أمر دينها، فيؤاخذها بهمة إن همت، ولا بوسوسة إن عرضت لها، ولا بخطرة إن خطرت بقلبها.

* * * &; 6-132 &; القول في تأويل قوله تعالى : رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قال أبو جعفر: وهذا تعليم من الله عز وجل عباده المؤمنين دعاءه كيف يدعونه، وما يقولونه في دعائهم إياه.

ومعناه: قولوا: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا " شيئا فرضت علينا عمله فلم نعمله=،" أو أخطأنا " في فعل شيء نهيتنا عن فعله ففعلناه، على غير قصد منا إلى معصيتك، ولكن على جهالة منا به وخطأ، كما:- 6509 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا "، إن نسينا شيئا مما افترضته علينا، أو أخطأنا، [فأصبنا] شيئا مما حرمته علينا.

(71) 6510 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا "، قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل تجاوز لهذه الأمة عن نسيانها وما حدثت به أنفسها.

(72) 6511 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط قال، زعم السدي أن هذه الآية حين نـزلت: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا "، قال له جبريل صلى الله عليه وسلم: فقل ذلك يا محمد.

* * * &; 6-133 &; قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وهل يحوز أن يؤاخذ الله عز وجل عباده بما نسوا أو أخطأوا، فيسألوه أن لا يؤاخذهم بذلك؟

قيل: إن " النسيان " على وجهين: أحدهما على وجه التضييع من العبد والتفريط، والآخر على وجه عجز الناسي عن حفظ ما استحفظ ووكل به، وضعف عقله عن احتماله.

= فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط، فهو ترك منه لما أمر بفعله.

فذلك الذي يرغب العبد إلى الله عز وجل في تركه مؤاخذته به، وهو " النسيان " الذي عاقب الله عز وجل به آدم صلوات الله عليه فأخرجه من الجنة، فقال في ذلك: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [سورة طه: 115]، وهو " النسيان " الذي قال جل ثناؤه: فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا [سورة الأعراف: 51].

فرغبة العبد إلى الله عز وجل بقوله: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا "، فيما كان من نسيان منه لما أمر بفعله على هذا الوجه الذي وصفنا، ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطا منه فيه وتضييعا، كفرا بالله عز وجل.

فإن ذلك إذا كان كفرا بالله، فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة به غير جائزة، لأن الله عز وجل قد أخبر عباده أنه لا يغفر لهم الشرك به، فمسألته فعل ما قد أعلمهم أنه لا يفعله، خطأ.

وإنما تكون مسألته المغفرة، فيما كان من مثل نسيانه القرآن بعد حفظه بتشاغله عنه وعن قراءته، ومثل نسيانه صلاة أو صياما، باشتغاله عنهما بغيرهما حتى ضيعهما.

= وأما الذي العبد به غير مؤاخذ، لعجز بنيته عن حفظه، وقلة احتمال عقله ما وكل بمراعاته، فإن ذلك من العبد غير معصية، وهو به غير آثم، فذلك الذي لا وجه لمسألة العبد ربه أن يغفره له، لأنه مسألة منه له أن يغفر له ما ليس له بذنب، وذلك مثل الأمر يغلب عليه وهو حريص على تذكره وحفظه، كالرجل &; 6-134 &; يحرص على حفظ القرآن بجد منه فيقرأه، ثم ينساه بغير تشاغل منه بغيره عنه، ولكن بعجز بنيته عن حفظه، وقلة احتمال عقله ذكر ما أودع قلبه منه، وما أشبه ذلك من النسيان، فإن ذلك مما لا تجوز مسألة الرب مغفرته، لأنه لا ذنب للعبد فيه فيغفر له باكتسابه.

* * * وكذلك " الخطأ " وجهان: = أحدهما: من وجه ما نهي عنه العبد فيأتيه بقصد منه وإرادة، فذلك خطأ منه، وهو به مأخوذ.

يقال منه: " خطئ فلان وأخطأ " فيما أتى من الفعل، و " أثم "، إذا أتى ما يأثم فيه وركبه، (73) ومنه قول الشاعر: (74) النــاس يلحــون الأمــير إذا هـم خـطئوا الصـواب ولا يـلام المرشد (75) يعني: أخطأوا الصواب = وهذا الوجه الذي يرغب العبد إلى ربه في صفح ما كان منه من إثم عنه، (76) إلا ما كان من ذلك كفرا.

= والآخر منهما: ما كان عنه على وجه الجهل به، والظن منه بأن له فعله، كالذي يأكل في شهر رمضان ليلا وهو يحسب أن الفجر لم يطلع = أو يؤخر &; 6-135 &; صلاة في يوم غيم وهو ينتظر بتأخيره إياها دخول وقتها، فيخرج وقتها وهو يرى أن وقتها لم يدخل.

فإن ذلك من الخطأ الموضوع عن العبد، الذي وضع الله عز وجل عن عباده الإثم فيه، فلا وجه لمسألة العبد ربه أن لا يؤاخذه به.

* * * وقد زعم قوم أن مسألة العبد ربه أن لا يؤاخذه بما نسي أو أخطأ، إنما هو فعل منه لما أمره به ربه تبارك وتعالى، أو لما ندبه إليه من التذلل له والخضوع بالمسألة، فأما على وجه مسألته الصفح، فما لا وجه له عندهم (77) وللبيان عن هؤلاء كتاب سنأتي فيه إن شاء الله على ما فيه الكفاية، لمن وفق لفهمه.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا قال أبو جعفر: ويعني بذلك جل ثناؤه: قولوا: " ربنا ولا تحمل علينا إصرا "، يعني ب " الإصر " العهد، كما قال جل ثناؤه: قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [سورة آل عمران: 81].

وإنما عنى بقوله: ( وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا ) ولا تحمل علينا عهدا فنعجز عن القيام به ولا نستطيعه =" كما حملته على الذين من قبلنا "، يعني: على اليهود والنصارى الذين كلفوا أعمالا وأخذت عهودهم ومواثيقهم على القيام بها، فلم يقوموا بها فعوجلوا بالعقوبة.

فعلم الله عز وجل أمة محمد صلى الله عليه وسلم - الرغبة إليه بمسألته أن لا يحملهم من عهوده ومواثيقه على أعمال - إن ضيعوها &; 6-136 &; أو أخطأوا فيها أو نسوها - مثل الذي حمل من قبلهم، فيحل بهم بخطئهم فيه وتضييعهم إياه، مثل الذي أحل بمن قبلهم.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 6512 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قي قوله: " لا تحمل علينا إصرا "، قال: لا تحمل علينا عهدا وميثاقا، كما حملته على الذين من قبلنا.

يقول: كما غلظ على من قبلنا.

6513 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن موسى بن قيس الحضرمي، عن مجاهد في قوله: " ولا تحمل علينا إصرا "، قال: عهدا (78) 6514 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " إصرا "، قال: عهدا.

6515 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: " إصرا "، يقول: عهدا.

6516 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا "، والإصر: العهد الذي كان على من قبلنا من اليهود.

6517 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " ولا تحمل علينا إصرا "، قال: عهدا لا نطيقه ولا نستطيع &; 6-137 &; القيام به =" كما حملته على الذين من قبلنا "، اليهود والنصارى فلم يقوموا به، فأهلكتهم.

6518 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك: " إصرا "، قال: المواثيق.

6519 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " الإصر "، العهد.

= وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [سورة آل عمران 81]، قال: عهدي.

6520 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي ، قال: عهدي.

وقال آخرون: " معنى ذلك: ولا تحمل علينا ذنوبًا وإثمًا، كما حملت ذلك على من قبلنا من الأمم، فتمسخنا قردةً وخنازير كما مسختهم ".

ذكر من قال ذلك: 6521 - حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية بن الوليد، عن علي بن هارون، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح في قوله: " ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا "، قال: لا تمسخنا قردة وخنازير.

(79) 6522 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: " ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا "، لا تحمل علينا ذنبًا ليس فيه توبةً ولا كفارة.

* * * وقال آخرون: " معنى " الإصر " بكسر الألف: الثِّقْل ".

&; 6-138 &; ذكر من قال ذلك: 6523 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا "، يقول: التشديد الذي شدّدته على من قبلنا من أهل الكتاب.

6524 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألته - يعنى مالكًا - عن قوله: " ولا تحمل علينا إصرًا "، قال: الإصر، الأمر الغليظ.

* * * قال أبو جعفر: فأما " الأصر "، بفتح الألف: فهو ما عَطف الرجلَ على غيره من رَحم أو قرابة، يقال: " أصَرتني رَحم بيني وبين فلانٌ عليه "، بمعنى: عطفتني عليه." وما يأصِرُني عليه "، أي: ما يعطفني عليه." وبيني وبينه آصرةُ رَحم تأصرني عليه أصرًا "، يعني به: عاطفة رَحم تعطفني عليه.

(80) * * * القول في تأويل قوله : رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وقولوا أيضًا: ربنا لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به، لثِقَل حمله علينا.

وكذلك كانت جماعة أهل التأويل يتأولونه.

ذكر من قال ذلك: 6525 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به "، تشديدٌ يشدِّد به، كما شدّد على من كان قبلكم.

&; 6-139 &; 6526 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قوله: " ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به "، قال: لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق.

6527 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به "، لا تفترض علينا من الدّين ما لا طاقة لنا به فنعجز عنه.

6528 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به "، مَسخُ القردة والخنازير.

6529 - حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا أبو حفص عمر بن سعيد التنوخي قال، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، عن سالم بن شابور في قوله: " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به "، قال: الغُلْمة.

(81) 6530 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به "، من التغليظ والأغلال التي كانت عليهم من التحريم.

* * * قال أبو جعفر: وإنما قلنا إن تأويل ذلك: ولا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به، على نحو الذي قلنا في ذلك، لأنه عَقيب مسألة المؤمنين ربَّهم أن لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطأوا، وأن لا يحمل عليهم إصرًا كما حمله على الذين من قبلهم، &; 6-140 &; فكان إلحاق ذلك بمعنى ما قبله من مسألتهم التيسيرَ في الدين، أولى مما خالف ذلك المعنى.

* * * القول في تأويل قوله : وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا قال أبو جعفر: وفي هذا أيضًا، من قول الله عز وجل، خبرًا عن المؤمنين من مسألتهم إياه ذلك = (82) الدلالةُ الواضحة أنهم سألوه تيسير فرائضه عليهم بقوله: وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ، لأنهم عقبوا ذلك بقولهم: " واعف عنا "، مسألةً منهم ربَّهم أن يعفوَ لهم عن تقصير إن كان منهم في بعض ما أمرهم به من فرائضه، فيصفح لهم عنه ولا يعاقبهم عليه.

وإن خفّ ما كلفهم من فرائضه على أبدانهم.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 6531 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " واعف عنا "، قال: اعفُ عنا إن قصرنا عن شيء من أمرك مما أمرتنا به.

* * * وكذلك قوله: " واغفر لنا "، يعني: واستر علينا زلَّة إن أتيناها فيما بيننا وبينك، فلا تكشفها ولا تفضحنا بإظهارها.

* * * وقد دللنا على معنى " المغفرة " فيما مضى قبل.

(83) * * * &; 6-141 &; 6532 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " واغفر لنا " إن انتهكنا شيئًا مما نهيتنا عنه.

* * * القول في تأويل قوله : وَارْحَمْنَا قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: تغمدنا منك برحمة تنجينا بها من عقابك، فإنه ليس بناج من عقابك أحد إلا برحمتك إياه دُون عمله، وليست أعمالنا منجيتنا إن أنت لم ترحمنا، فوفقنا لما يرضيك عنا، كما:- 6533 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد قوله: " وارحمنا "، قال يقول: لا ننال العمل بما أمرتنا به، ولا تركَ ما نهيتنا عنه إلا برحمتك.

(84) قال: ولم ينج أحدٌ إلا برحمتك.

* * * القول في تأويل قوله : أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " أنت مَوْلانا "، أنت وَليُّنا بنصرك، دون من عَاداك وكفر بك، لأنا مؤمنون بك، ومطيعوك فيما أمرتنا ونهيتنا، فأنت وليّ من أطاعك، وعدوّ من كفر بك فعصاك = ،" فانصرنا "، لأنا حزْبك = &; 6-142 &; " على القوم الكافرين "، الذين جحدوا وحدانيتك، وعبدوا الآلهة والأندادَ دونك، وأطاعوا في معصيتك الشيطان.

* * * و " المولى " في هذا الموضع " المفعَل "، من: " وَلى فلانٌ أمرَ فُلان، فهو يليه وَلاية، وهو وليُّه ومولاه ".

(85) وإنما صارت " الياء " من " ولى "" ألفًا "، لانفتاح " اللام " قبلها، التي هي عينُ الاسم.

* * * وقد ذكروا أن الله عز وجل لما أنـزل هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، استجاب الله له في ذلك كله.

ذكر الأخبار التي جاءت بذلك: 6534 - حدثني المثنى بن إبراهيم ومحمد بن خلف قالا حدثنا آدم قال، حدثنا ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نـزلت هذه الآية: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ، قال: قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انتهى إلى قوله: غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ، قال الله عز وجل: " قد غفرت لكم ".

فلما قرأ: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، قال الله عز وجل: لا أحملكم.

فلما قرأ: وَاغْفِرْ لَنَا ، قال الله تبارك وتعالى: قد غفرت لكم.

فلما قرأ: وَارْحَمْنَا ، قال الله عز وجل: " قد رحمتكم "، فلما قرأ: " وانصرنا على القوم الكافرين "، قال الله عز وجل: قد نصرتُكم عليهم.

(86) &; 6-143 &; 6535 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: أتى جبريل النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، قل: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، فقالها، فقال جبريل: قد فعل.

وقال له جبريل: قل: رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ، فقالها، فقال جبريل: قد فعل.

فقال: قل رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ، فقالها، فقال جبريل صلى الله عليه وسلم: قد فعل.

فقال: قل: " واعف عَنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين "، فقالها، فقال جبريل: قد فَعل.

&; 6-144 &; 6536 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط قال: زعم السدي أن هذه الآية حين نـزلت: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، فقال له جبريل: فعل ذلك يا محمد =" ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين "، فقال له جبريل في كل ذلك: فَعَل ذلك يا محمد.

6537 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا سفيان قال، حدثنا أبي = عن سفيان، عن آدم بن سليمان، مولى خالد قال، سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أنـزل الله عز وجل: "آمن الرسول بما أنـزل من ربه " إلى قوله: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، فقرأ: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، قال فقال: قد فعلت = رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ، فقال: قد فعلت = رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ، قال: قد فعلت =" واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين "، قال: قد فعلت.

(87) 6538 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن مصعب بن ثابت، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: أنـزل الله عز وجل: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، قال: أبي: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: نعم.

(88) 6539 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد، عن سفيان، عن آدم بن &; 6-145 &; سليمان، عن سعيد بن جبير: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، قال ويقول: قد فعلت = رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ، قال ويقول: قد فعلت.

فأعطيت هذه الأمة خواتيم " سورة البقرة "، ولم تعطها الأمم قبلها.

(89) 6540 - حدثنا علي بن حرب الموصلي قال، حدثنا ابن فضيل قال، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله عز وجل: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ إلى قوله: غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ، قال: قد غفرت لكم = لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا = إلى قوله: لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ، قال: لا أؤاخذكم = رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ، قال: لا أحمل عليكم = إلى قوله: " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا "، إلى آخر السورة، قال: قد عفوت عنكم وغفرت لكم، ورحمتكم، ونصرُتكم على القوم الكافرين.

(90) * * * &; 6-146 &; = وروى عن الضحاك بن مزاحم أن إجابةَ الله للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصّة: 6541 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا : كان جبريل عليه السلام يقول له: سلها!

(91) فسألها نبيّ الله رَبَّه جل ثناءه، فأعطاه إياها، (92) فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصةً.

6542 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق: أن مُعاذًا كان إذا فرغ من هذه السورة: " وانصرنا على القوم الكافرين "، قال: آمين.

(93) * * * آخر تفسير سورة البقرة * * * ---------------- الهوامش: (65) في المخطوطة والمطبوعة : "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فيتعبدها إلا بما يسعها" وبين أن الناسخ عجل فزاد"إلا وسعها" ، والسياق يقتضي تركها هنا ، فتركتها .

(66) انظر ما سلف 5 : 45 .

(67) في المخطوطة والمطبوعة : "اتقوا الله .

.

" وأثبت نص القراءة .

(68) قوله : "هذا نتوب .

.

.

" ، تعبير فصيح يكون مع التعجب ، وقد جاء في الشعر ، ولكن سقط عني موضعه الآن فلم أجده .

(69) في المطبوعة : "مما لا يطيقون" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(70) انظر تفسير"الكسب" و"الاكتساب" فيما سلف 2 : 273 ، 274 / ثم 3 : 100 ، 101 ، 128 ، 129 / ثم 4 : 449 .

(71) الزيادة بين القوسين ، توشك أن تكون زيادة لا يستقيم بغيرها الكلام .

(72) الأثر : 6510 - أخرجه مسلم في صحيحه (2 : 146 ، 147) من طرق ، عن قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن أبي هريرة ولفظه : "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ، ما لم يتكلموا أو يعملوا" .

(73) في المطبوعة : "ما يتأثم فيه" ، والصواب من المخطوطة .

وانظر معنى"خطئ" فيما سلف 2 : 110 .

(74) هو عبيد بن الأبرص الأسدي ، وفي حماسة البحتري ، 236"عبيد بن منصور الأسدي" ، وكأنه تحريف .

(75) ديوانه : 54 ، وحماسة البحتري 236 واللسان (أمر) ورواية ديوانه : والنــاس يلحـون الأمـير إذا غـوى خــطب الصــواب .

.

.

.

.

.

.

.

أما رواية اللسان ، فهي كما جاءت في الطبري .

ولحاه يلحاه : لامه وقرعه .

والأمير : صاحب الأمر فيهم ، يأمرهم فيطيعونه .

والمرشد (اسم مفعول بفتح الشين) : من هداه الله إلى الصواب .

وهو شبيه بقول القطامي : والنـاس مـن يلـق خـيرا قائلون له مــا يشـتهى, ولأم المخـطئ الهبـل (76) استعمل أبو جعفر"الصفح" هنا بمعنى : الرد والصرف ، ولو كان من قولهم"صفح عن ذنبه" لكان صواب العبارة"في صفحه عما كان منه من إثم" .

واستعمال أبي جعفر جيد صحيح .

(77) انظر أمالي الشريف المرتضى 2 : 131 ، 132 .

(78) الأثر : 6513-"موسى بن قيس الحضرمي" الفراء ، الكوفي ، لقبه : "عصفور الجنة" .

روى عن سلمة بن كهيل ، ومحمد بن عجلان ، ومسلم البطين وغيرهم .

روى عنه وكيع ، ويحيى بن آدم ، وأبو نعيم ، وغيرهم .

قال أحمد : "لا أعلم إلا خيرا" .

وقال ابن سعد : "كان قليل الحديث" .

ووثقه ابن معين .

وقال العقيلي : "كان من الغلاة في الرفض .

.

.

يحدث بأحاديث مناكير - أو : بواطيل" .

مترجم في التهذيب .

(79) الأثر : 6521-"سعيد بن عمرو السكوني" ، سلفت ترجمته في رقم : 5563 .

أما"علي بن هارون" فلم أجده ، وأظن صوابه"يزيد بن هارون" ، و"بقية بن الوليد" ، يروي عن"يزيد بن هارون" ومات قبله .

وهم جميعًا مترجمون في التهذيب .

(80) في المخطوطة والمطبوعة : "وبيني وبينه أصر رحم يأصرني عليه" ، وسياق شرحه يقتضي ما أثبتته كتب اللغة ، وهو الذي أثبته هنا .

(81) الأثر : 6529-"سلام بن سالم الخزاعي" ، سلفت ترجمته برقم : 252 .

وأما"أبو حفص عمر بن سعيد التنوخي" ، فهو"عمر بن سعيد بن سليمان ، أبو حفص القرشي الدمشقي" ، راوية سعيد بن عبد العزيز التنوخي ، فكأنه نسب إليه .

روى عن محمد بن شعيب ابن شابور .

مترجم في التهذيب ، وتاريخ بغداد (11 : 200) .

و"محمد بن شعيب بن شابور" الدمشقي ، أحد الكبار .

روى عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز التنوخي ، وغيرهما .

كان يسكن بيروت ، وذكره ابن حبان في الثقات .

مات سنة 200 .

والغلمة : غليان شهوة المواقعة من الرجل والمرأة .

(82) سياق العبارة : "وفي هذا أيضًا .

.

.

الدلالة الواضحة" خبر ومبتدأ .

(83) انظر ، ما سلف قريبًا : 127 ، 128 تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

وانظر فهارس اللغة (غفر) .

(84) في المطبوعة : "لا نترك" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب ، منصوبًا بقوله : "تنال" معطوفًا على قوله"العمل" .

(85) انظر تفسير"الولي" ، و"المولى" فيما سلف 2 : 489 ، 564 / ثم 5 : 424 .

(86) الحديث : 6534- محمد بن خلف بن عمار العسقلاني ، شيخ الطبري : ثقة ، من شيوخ النسائي ، وابن ماجه ، وابن خزيمة ، وقد مضت رواية أخرى للطبري عنه في : 126 .

آدم : هو ابن أبي إياس العسقلاني ، وهو ثقة مأمون .

وكان مكينًا عند شعبة .

وقد مضت ترجمته في : 187 .

ورقاء : هو ابن عمر اليشكري ، أبو بشر .

وهو كوفي ثقة ، أثنى عليه شعبة جدًا .

والراجح - عندي - أن ورقاء ممن سمع من عطاء قديمًا قبل تغيره ، لأنه من القدماء من طبقة شعبة ، ولأنه كوفي ، وعطاء تغير في مقدمه البصرة آخر حياته .

وهذا الحديث من هذا الوجه - من رواية عطاء بن سعيد بن المسيب - لم أجده في شيء من الدواوين ، غير تفسير الطبري .

فرواه هنا مرفوعًا ، ثم سيرويه بنحوه : 6540 موقوفًا على ابن عباس .

وذاك الموقوف في الحقيقة مرفوع حكمًا ، لأنه ليس مما يعرف بالرأي ولا القياس .

فهو مؤيد لصحة هذا المرفوع .

ثم رفع الحديث في هذا الإسناد زيادة في ثقة ، فهي مقبولة .

بل إن هذا الإسناد أرجح صحة من ذاك .

لأن ورقاء قديم ، رجحنا أنه سمع من عطاء قبل تغيره .

وأما ذاك الإسناد ، فإنه من رواية محمد بن فضيل عن عطاء .

وابن فضيل سمع من عطاء بأخرة ، بعد تغيره .

كما نص على ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه 3/ 334 .

ومعنى الحديث ثابت صحيح من وجه آخر ، كما مضى في : 6457 ، من رواية آدم بن سليمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .

وهناك الإجابة بعد كل دعاء : "قد فعلت" .

وهنا الإجابة من لفظ الدعاء .

والمعنى واحد .

والظاهر أن متن الحديث هنا سقط منه شيء ، سهوًا من الناسخين ، عند قوله : "فلما قرأ : (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) ، قال الله عز وجل : لا أحملكم" .

وفي الرواية الآتية : "قال : لا أؤاخذكم" ، ثم ذكر هناك ما بعدها من الدعاء : (ربنا ولا تحمل علينا إصرار كما حملته على الذين من قبلنا) -"قال : لا أحمل عليكم" .

وذاك هو السياق الصحيح الكامل ، الذي يدل على نقص من هذا السياق هنا .

واضطرب كاتب المخطوطة اضطرابًا أشد من هذا ، لأنه كرر في متن الحديث : "فلما انتهى إلى قوله (غفرانك ربنا) ، قال الله عز وجل : قد غفرت لكم" - مرتين .

ثم أسقط باقي الحديث فلم يذكره .

(87) الحديث : 6537 - هو مختصر من الحديث : 6457 ، بهذا الإسناد .

وقد ثبت الإسناد هنا على الصواب ، كما أشرنا هناك .

(88) الحديث : 6538 - هو مختصر من الحديث : 6456 ، بهذا الإسناد .

وقد أشرنا إليه هناك .

(89) الحديث : 6539 - هو حديث مرسل .

وهو بعض الحديث الماضي : 6464 ، بهذا الإسناد .

ولكن ثبت هنا في المخطوطة والمطبوعة"أبو حميد" ، بدل"أبو أحمد" .

وهو خطأ يقينًا ، فإنه"أبو أحمد الزبيري ، محمد بن عبد الله بن الزبير" ، كما بينا في : 6463 .

ووقع في المخطوطة هنا بياض بين قوله"أبو حميد" ، وبين"سفيان" .

وآخر بين قوله"عن سعيد بن جبير" ، وبين الآية .

ولعل كاتبها شك في قوله"عن سفيان" ، وظنه كالرواية الماضية"حدثنا سفيان" ، فترك مكان"حدثنا" بياضا .

ثم شك في ذكر الآية بعد اسم"سعيد بن جبير" ، دون تمهيد لها بقوله"فنزلت هذه الآية" ، كما في الرواية الماضية ، فترك لذلك بياضًا .

(90) الحديث : 6540- علي بن حرب بن محمد بن علي ، أبو الحسن الطائي الموصلي : ثقة ثبت ، وثقه الدارقطني وغيره .

وكان عالمًا بأخبار العرب ، أديبًا شاعرًا .

روى عنه النسائي ، وأبو حاتم ، وابنه ، وترجمه 3/1/183 .

وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد 11 : 418-240 .

وهذا الحديث تكرار للحديث : 6534 ، بنحوه .

وهذا موقوف لفظًا مرفوع معنى ، وذاك مرفوع لفظًا ومعنى .

وذاك أرجح إسنادًا وأصح ، كما بينا هناك .

وذكر ابن كثير 2 : 89 قطعة منه ، من رواية ابن أبي حاتم ، عن علي بن حرب الموصلي ، بهذا الإسناد .

فلا ندري : أرواه ابن أبي حاتم هكذا مختصرًا ، أم اختصره ابن كثير؟

(91) في المخطوطة : " .

.

.

أو أخطأنا كان جبريل صلى الله عليه فسألها نبي الله" وما بين الكلام بياض ، وأئمته المطبوعة كما ترى .

أما الدر المنثور 1 : 378 فقال : "أخرج ابن جرير عن الضحاك في هذه الآية قال : كان 3 عليه الصلاة والسلام فسألها نبي الله ربه .

.

.

" ورقم"3" دلالة على سقط في الكلام .

فالظاهر أن السقط قديم في بعض النسخ ، ولذلك ترك له السيوطي بياضًا في نسخته من الدر المنثور .

(92) في المخطوطة : "فأعطاها إياها" ، وأثبت ما في المطبوعة ، لأنه موافق لما في الدر المنثور .

(93) الأثر : 6542- في تفسير ابن كثير 2 : 91 ، والدر المنثور 1 : 378 وفيهما تخريجه .

وفي ختام الصورة من النسخة العتيقة ما نصه : "آخر تفسير سورة البقرة" "والحمد لله أولا وآخرًا ، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم" "يتلوه تفسير سورة آل عمران .

الحمد لله رب العالمين" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها التكليف هو الأمر بما يشق عليه وتكلفت الأمر تجشمته ، حكاه الجوهري .

والوسع : الطاقة والجدة .

وهذا خبر جزم .

نص الله تعالى على أنه لا يكلف العباد من وقت نزول الآية عبادة من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلف وفي مقتضى إدراكه وبنيته ، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر .

وفي معنى هذه الآية ما حكاه أبو هريرة رضي الله عنه قال : ما وددت أن أحدا ولدتني أمه إلا جعفر بن أبي طالب فإني تبعته يوما وأنا جائع فلما بلغ منزله لم يجد فيه سوى نحي سمن قد بقي فيه أثارة فشقه بين أيدينا ، فجعلنا نلعق ما فيه من السمن والرب وهو يقول :ما كلف الله نفسا فوق طاقتها ولا تجود يد إلا بما تجد- اختلف الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الأحكام التي هي في الدنيا ، بعد اتفاقهم على أنه ليس واقعا في الشرع ، وأن هذه الآية أذنت بعدمه ، قال أبو الحسن الأشعري وجماعة من المتكلمين : تكليف ما لا يطاق جائز عقلا ، ولا يخرم ذلك شيئا من عقائد الشرع ، ويكون ذلك أمارة على تعذيب المكلف وقطعا به ، وينظر إلى هذا تكليف المصور أن يعقد شعيرة .

واختلف القائلون بجوازه هل وقع في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو لا ؟

فقال فرقة : وقع في نازلة أبي لهب ؛ لأنه كلفه بالإيمان بجملة الشريعة ، ومن جملتها أنه لا يؤمن ؛ لأنه حكم عليه بتب اليدين وصلي النار وذلك مؤذن بأنه لا يؤمن ، فقد كلفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن .

وقالت فرقة : لم يقع قط .

وقد حكي الإجماع على ذلك .

وقوله تعالى : سيصلى نارا معناه إن وافى ، حكاه ابن عطية .

و ( يكلف ) يتعدى إلى مفعولين أحدهما محذوف ، تقديره عبادة أو شيئا .

فالله سبحانه بلطفه وإنعامه علينا - وإن كان قد كلفنا بما يشق ويثقل كثبوت الواحد للعشرة ، وهجرة الإنسان وخروجه من وطنه ومفارقة أهله ووطنه وعادته - لكنه لم يكلفنا بالمشقات المثقلة ولا بالأمور المؤلمة ، كما كلف من قبلنا بقتل أنفسهم وقرض موضع البول من ثيابهم وجلودهم ، بل سهل ورفق ووضع عنا الإصر والأغلال التي وضعها على من كان قبلنا .

فلله الحمد والمنة ، والفضل والنعمة .- قوله تعالى : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت يريد من الحسنات والسيئات قاله السدي .

وجماعة المفسرين لا خلاف بينهم في ذلك ، قاله ابن عطية .

وهو مثل قوله : ولا تزر وازرة وزر أخرى ولا تكسب كل نفس إلا عليها .

والخواطر ونحوها ليست من كسب الإنسان .

وجاءت العبارة في الحسنات ب " لها " من حيث هي مما يفرح المرء بكسبه ويسر بها ، فتضاف إلى ملكه وجاءت في السيئات ب " عليها " من حيث هي أثقال وأوزار ومتحملات صعبة ، وهذا كما تقول : لي مال وعلي دين .

وكرر فعل الكسب فخالف بين التصريف حسنا لنمط الكلام ، كما قال : فمهل الكافرين أمهلهم رويدا .

قال ابن عطية : ويظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما تكتسب دون تكلف ، إذ كاسبها على جادة أمر الله تعالى ورسم شرعه ، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة ، إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى ويتخطاه إليها ، فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا ، لهذا المعنى .- في هذه الآية دليل على صحة إطلاق أئمتنا على أفعال العباد كسبا واكتسابا ، ولذلك لم يطلقوا على ذلك لا خلق ولا خالق ، خلافا لمن أطلق ذلك من مجترئة المبتدعة .

ومن أطلق من أئمتنا ذلك على العبد ، وأنه فاعل فبالمجاز المحض .

وقال المهدوي وغيره : وقيل معنى الآية لا يؤاخذ أحد بذنب أحد .

قال ابن عطية : وهذا صحيح في نفسه ولكن من غير هذه الآية .- قال الكيا الطبري : قوله تعالى : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت يستدل به على أن من قتل غيره بمثقل أو بخنق أو تغريق فعليه ضمانه قصاصا أو دية ، فخلافا لمن جعل ديته على العاقلة ، وذلك يخالف الظاهر ، ويدل على أن سقوط القصاص عن الأب لا يقتضي سقوطه عن شريكه .

ويدل على وجوب الحد على العاقلة إذا مكنت مجنونا من نفسها .

وقال القاضي أبو بكر بن العربي : " ذكر علماؤنا هذه الآية في أن القود واجب على شريك الأب خلافا لأبي حنيفة ، وعلى شريك الخاطئ خلافا للشافعي وأبي حنيفة ؛ لأن كل واحد منهما قد اكتسب القتل .

وقالوا : إن اشتراك من لا يجب عليه القصاص مع من يجب عليه القصاص لا يكون شبهة في درء ما يدرأ بالشبهة " .- ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا المعنى : اعف عن إثم ما [ ص: 392 ] يقع منا على هذين الوجهين أو أحدهما ، كقوله عليه السلام : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه أي إثم ذلك .

وهذا لم يختلف فيه أن الإثم مرفوع ، وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام ، هل ذلك مرفوع لا يلزم منه شيء أو يلزم أحكام ذلك كله ؟

اختلف فيه .

والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع ، فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات والديات والصلوات المفروضات .

وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر .

وقسم ثالث يختلف فيه كمن أكل ناسيا في رمضان أو حنث ساهيا ، وما كان مثله مما يقع خطأ ونسيانا ، ويعرف ذلك في الفروع .- قوله تعالى : ربنا ولا تحمل علينا إصرا أي ثقلا قال مالك والربيع : الإصر الأمر الغليظ الصعب .

وقال سعيد بن جبير : الإصر شدة العمل .

وما غلظ على بني إسرائيل من البول ونحوه ، قال الضحاك : كانوا يحملون أمورا شدادا ، وهذا نحو قول مالك والربيع ، ومنه قول النابغة :يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم والحامل الإصر عنهم بعدما عرفواعطاء : الإصر : المسخ قردة وخنازير ، وقاله ابن زيد أيضا .

وعنه أيضا أنه الذنب الذي ليس فيه توبة ولا كفارة .

والإصر في اللغة : العهد ، ومنه قوله تعالى : وأخذتم على ذلكم إصري .

والإصر : الضيق والذنب والثقل .

والإصار : الحبل الذي تربط به الأحمال ونحوها ، يقال : أصر يأصر أصرا حبسه .

والإصر - بكسر الهمزة - من ذلك قال الجوهري : والموضع مأصر ومأصر والجمع مآصر ، والعامة تقول معاصر .

قال ابن خويزمنداد : ويمكن أن يستدل بهذا الظاهر في كل عبادة ادعى الخصم تثقيلها ، فهو نحو قوله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج ، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم : الدين يسر فيسروا ولا تعسروا .

اللهم شق على من شق على أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

قلت : ونحوه قال الكيا الطبري قال : يحتج به في نفي الحرج والضيق المنافي ظاهره للحنيفية السمحة ، وهذا بين .- قوله تعالى : ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به قال قتادة : معناه لا تشدد علينا كما شددت على من كان قبلنا .

الضحاك : لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق ، وقال نحوه [ ص: 393 ] ابن زيد .

ابن جريج : لا تمسخنا قردة ولا خنازير .

وقال سلام بن سابور : الذي لا طاقة لنا به : الغلمة وحكاه النقاش عن مجاهد وعطاء .

وروى أن أبا الدرداء كان يقول في دعائه : وأعوذ بك من غلمة ليس لها عدة .

وقال السدي : هو التغليظ والأغلال التي كانت على بني إسرائيل .قوله تعالى : " واعف عنا " أي عن ذنوبنا .

عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه .

" واغفر لنا " : أي استر على ذنوبنا .

والغفر : الستر .

وارحمنا ، أي تفضل برحمة مبتدئا منك علينا .

" أنت مولانا " : أي ولينا وناصرنا .

وخرج هذا مخرج التعليم للخلق كيف يدعون .

روي عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال : آمين .

قال ابن عطية : هذا يظن به أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن كان ذلك فكمال ، وإن كان بقياس على سورة الحمد من حيث هنالك دعاء وهنا دعاء فحسن .

وقال علي بن أبي طالب : ما أظن أن أحدا عقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما .قلت : قد روى مسلم في هذا المعنى عن أبي مسعود الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه .

قيل : من قيام الليل ؛ كما روي عن ابن عمر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أنزل الله علي آيتين من كنوز الجنة ختم بهما سورة البقرة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألف عام من قرأهما بعد العشاء مرتين أجزأتاه من قيام الليل آمن الرسول إلى آخر البقرة وقيل : كفتاه من شر الشيطان فلا يكون له عليه سلطان .

وأسند أبو عمرو الداني عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله جل وعز كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام فأنزل منه هذه الثلاث آيات التي ختم بهن البقرة من قرأهن في بيته لم يقرب الشيطان بيته ثلاث ليال وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت [ ص: 394 ] العرش لم يؤتهن نبي قبلي وقد تقدم في الفاتحة نزول الملك بها مع الفاتحة .

والحمد لله .تم الجزء الثالث من تفسير القرطبي يتلوه إن شاء الله الجزء الرابع وأوله سورة آل عمران

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وسئل سفيان بن عيينة عن قوله عز وجل ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) قال : إلا يسرها ولم يكلفها فوق طاقتها وهذا قول حسن لأن الوسع ما دون الطاقة .

قوله تعالى : ( لها ما كسبت ) أي للنفس ما عملت من الخير لها أجره وثوابه ( وعليها ما اكتسبت ) من الشر وعليها وزره ( ربنا لا تؤاخذنا ) أي لا تعاقبنا ( إن نسينا ) جعله بعضهم من النسيان الذي هو السهو قال الكلبي كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به أو أخطئوا عجلت لهم العقوبة فحرم عليهم من شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب فأمر الله المؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك ، وقيل هو من النسيان الذي هو الترك كقوله تعالى : " نسوا الله فنسيهم " ( 67 - التوبة ) .

قوله تعالى : ( أو أخطأنا ) قيل معناه القصد ، والعمد يقال : أخطأ فلان إذا تعمد قال الله تعالى : " إن قتلهم كان خطأ كبيرا " ( 31 - الإسراء ) قال عطاء : إن نسينا أو أخطأنا يعني : إن جهلنا أو تعمدنا وجعله الأكثرون من الخطإ الذي هو الجهل والسهو لأن ما كان عمدا من الذنب فغير معفو عنه بل هو في مشيئة الله والخطأ معفو عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه .

قوله تعالى : ( ربنا ولا تحمل علينا إصرا ) أي عهدا ثقيلا وميثاقا لا نستطيع القيام به فتعذبنا بنقضه وتركه ( كما حملته على الذين من قبلنا ) يعني اليهود فلم يقوموا به فعذبتهم هذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والسدي والكلبي وجماعة .

يدل عليه قوله تعالى : " وأخذتم على ذلكم إصري " ( 81 - آل عمران ) أي عهدي وقيل : معناه لا تشدد ولا تغلظ الأمر علينا كما شددت على من قبلنا من اليهود وذلك أن الله فرض عليهم خمسين صلاة وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها ومن أصاب ذنبا أصبح وذنبه مكتوب على بابه ونحوها من الأثقال والأغلال وهذا معنى قول عثمان وعطاء ومالك بن أنس وأبي عبيدة ، وجماعة .

يدل عليه قوله تعالى : " ويضع عنهم إصرهم ، والأغلال التي كانت عليهم " ( 157 - الأعراف ) وقيل : الإصر ذنب لا توبة له معناه اعصمنا من مثله والأصل فيه العقل والإحكام .

قوله تعالى : ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيقه وقيل هو حديث النفس والوسوسة حكي عن مكحول أنه قال : هو الغلمة قيل الغلمة شدة الشهوة وعن إبراهيم قال : هو الحب وعن محمد بن عبد الوهاب قال : العشق وقال ابن جريج : هو مسخ القردة والخنازير وقيل هو شماتة الأعداء وقيل : هو الفرقة والقطيعة نعوذ بالله منها .

قوله تعالى : ( واعف عنا ) أي تجاوز وامح عنا ذنوبنا ( واغفر لنا ) استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا ( وارحمنا ) فإننا لا ننال العمل إلا بطاعتك ولا نترك معصيتك إلا برحمتك ( أنت مولانا ) ناصرنا وحافظنا وولينا ( فانصرنا على القوم الكافرين ) .

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل ( غفرانك ربنا ) قال الله تعالى " قد غفرت لكم " وفي قوله لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال : " لا أوآخذكم ( ربنا ولا تحمل علينا إصرا ) قال : " لا أحمل عليكم إصرا ( ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) قال : " لا أحملكم ( واعف عنا ) إلى آخره قال " قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين " .

وكان معاذ بن جبل إذا ختم سورة البقرة قال : آمين .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أنا مسلم بن الحجاج ، أنا أبو بكر بن أبي شيبة أنا أبو أسامة حدثني مالك بن مغول عن الزبير بن عدي عن طلحة بن علي بن مصرف عن مرة عن عبد الله قال : لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به فوقها فيقبض منها قال : " إذ يغشى السدرة ما يغشى " ( 16 - النجم ) قال : فراش من ذهب قال : وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا : الصلوات الخمس وأعطي خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا من المقحمات " كبائر الذنوب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) أي ما تسعه قدرتها (لها ما كسبت) من الخير أي ثوابه (وعليها ما اكتسبت) من الشر أي وزره ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد ولا بما لم يكسبه مما وسوست به نفسه، قولوا (ربنا لا تؤاخذنا) بالعقاب (إن نسينا أو أخطأنا) تركنا الصواب لا عن عمد كما أخذت به من قبلنا وقد رفع الله ذلك عن هذه الأمة كما ورد في الحديث فسؤاله اعتراف بنعمة الله (ربنا ولا تحمل علينا إصراً) أمرا يثقل علينا حمله (كما حملته على الذين من قبلنا) أي بني إسرائيل من قتل النفس في التوبة وإخراج ربع المال في الزكاة وقرض موضع النجاسة (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة) قوة (لنا به) من التكاليف والبلاء (واعف عنا) امح ذنوبنا (واغفر لنا وارحمنا) في الرحمة زيادة على المغفرة (أنت مولانا) سيدنا ومتولي أمورنا (فانصرنا على القوم الكافرين) بإقامة الحجة والغلبة في قتالهم فإن من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء، وفي الحديث "" لما نزلت هذه الآية فقرأها صلى الله عليه وسلم قيل له عقب كل كلمة قد فعلت "".

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

دين الله يسر لا مشقة فيه، فلا يطلب الله مِن عباده ما لا يطيقونه، فمن فعل خيرًا نال خيرًا، ومن فعل شرّاً نال شرّاً.

ربنا لا تعاقبنا إن نسينا شيئًا مما افترضته علينا، أو أخطأنا في فِعْل شيء نهيتنا عن فعله، ربَّنا ولا تكلفنا من الأعمال الشاقة ما كلفته مَن قبلنا من العصاة عقوبة لهم، ربنا ولا تُحَمِّلْنَا ما لا نستطيعه من التكاليف والمصائب، وامح ذنوبنا، واستر عيوبنا، وأحسن إلينا، أنت مالك أمرنا ومدبره، فانصرنا على مَن جحدوا دينك وأنكروا وحدانيتك، وكذَّبوا نبيك محمدًا صلى الله عليه وسلم، واجعل العاقبة لنا عليهم في الدنيا والآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر رحمته بعباده فقال : ( لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ) والوسع - كما يقول الزمخشري - : ما يسع الإِنسان ، ولا يضيق عليه ، ولا يحرج فيه ، أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ، ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود .

وهذا إخبار عن عدله .

ورحمته كقوله - تعالى - : ( يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ) لأنه كان في إمكان الإِنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس ، ويصوم أكثر من الشهر ، ويجمع أكثر من حجة .فالجملة الكريمة تحكى لنا بعض مظاهر فضل الله علينا ورحمته بنا ، حيث كلفنا بما تسعه قدرتنا ، وتستطيعه نفوسنا ، وقد حكى القرآن هذا المعنى في آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ) وقوله - تعالى - : ( يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ) وإذا كانت بعض التكاليف التي كلفنا الله بها في مشقة ، فإن هذه المشقة محتملة وفي وسع الإِنسان وقدرته وطاقته ، وسثيبنا الله - تعالى - عليها ثوابا جزيلا ، فهو القائل : ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) ثم بين - سبحانه - أن كل نفس ستجازى بما عملت فقال : ( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ) أي لها وحدها ثواب ما كسبت من حسنات بسبب أعمالها الصالحة ، وعليها وحدها عقاب ما اكتسبت من سيئات بسبب أعمالها القبيحة .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم خص الخير بالكسب ، والشر بالاكتساب؟

قلت .

في الاكتساب اعتمال ، فلما ان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمارة به ، كانت في تحصيلة أعمل وأجد ، فجعلت لذلك مكتسبة فيه ، ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال .وقال الأستاذ الإِمام محمد عبده : " لا شك أن الميل إلى الخير مما أودع في نفس الإِنسان والإِنسان يفعل الخير بطبعه وتكون فيه لذته .

ولا يحتاج إلى تكلف في فعل الخير ، لأنه يعلم أن كل أحد يرتاح إليه ويراه بعين الرضا وأما الشر فإنه يعرض للنفس بأسباب ليست من طبيعتها ولا من مقتضى فطرتها ومهما كان الإِنسان شريراً فإنه لا يخفى عليه أن الشر ممقوت عند الناس وصاحبه مهين عندهم .

.

وهكذا شأن الإِنسان عند اقتراف كل شر يشعر في نفسه بقبحه ، ويجد من أعمال سريرته هاتفا يقول له : لا تفعل ، ويحاسبه بعد الفعل ويوبخه إلا في النادر .

.

" .وبعد بيان سنة الله - تعالى - في التكليف وفي الجزاء عليه ، ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتلك الدعوات الجامعات للسعادة حتى يكثر المؤمنون من التضرع بها فقال - تعالى - : ( رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ) أي : ربنا يا واسع العفو والمغفرة لا تؤاخذنا أي لا تعاقبنا ( نَّسِينَآ ) أمرك ونهيك ( أَوْ أَخْطَأْنَا ) ففعلنا خلاف الصواب جهلا منا بوجهه الشرعي .فأنت ترى أن هؤلاء الذين اتقوا ربهم ، فصفت نفوسهم ، وطهرت قلوبهم ، وخشعت جوارحهم ، يتضرعون إلى الله أن يغفر لهم ما فرط فمنهم نسياناً أو خطأ ، وذلك لأن المؤمن عندما يصل إلى هذه الدرجة من التقوى والصفاء يشعر بأن الله - تعالى - يحاسبه على ما لا حساب عليه ، ويشعر بأن حسناته - مهما كثرت - فهي قليلة بجانب هفواته وسيئاته ، فهو لشدة خشيته من الله يرجح جانب المؤاخذة على جانب العفو فيكثر من الضراعة والدعاء .وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله : فإن قلت : النسيان والخطأ متجاوز عنهما فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما؟

قلت : .

.

.

لأنهم كانوا متقين الله حق تقاته ، فما كانت تفرط منهم فرطة إلا على وجه النسيان والخطأ .

فكأن وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به .

كأنه قيل : إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذ به ، فما فيهم سبب مؤاخذة إلا الخطأ والنسيان .

ويجوز أن يدعو الإِنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله لاستدامته والاعتداد بالنعمة فيه .هذا هو الدعاء الأول الذي حكاه القرآن عن المؤمنين الصادقين .أما الدعاء الثاني فهو قوله - سبحانه - : ( رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا ) .والإِصر في اللغة : الثقل والشدة .

مأخوذ من أصر بمعنى حبس ، فكأنه يحبس صاحبه في مكانه فيمنعه من الحركة .والمعنى : أن أولئك يضرعون إلى الله - تعالى - ألا يلقى تكاليف وأعباء شديدة ، يثقل عليهم حملها ويعجزون عن أدائها ، كما كان الحال بالنسبة للذين سبقوهم؛ فقد كلف الله - تعالى - بني إسرائيل بتكاليف شاقة ثقيلة بسبب تعنتهم وفسوقهم عن أمره ، ومن ذلك تكليفهم بقتل أنفسهم إذا أرادوا أن يتوبوا توبة صادقة ، وتحريم بعض الطيبات عليهم بسبب ظلمهم قال - تعالى - : ( فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ .

.

.

) قال الرازي : والمؤمنون إنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير .

والتقصير موجب للعقوبة ، ولا طاقة لهم بعذاب الله - تعالى - فلا جرم التمسوا السهولة في التكاليف .أما الدعاء الثالث فهو قوله - تعالى - : ( وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) .الطاقة - كما يقول الراغب - : اسم لمقدار ما يمكن للإِنسان أن يفعله بمشقة ، وذلك تشبيه بالطوق المحيط ، فقوله - تعالى - : ( وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) أي ما يصعب علينا مزاولته ، وليس معناه لا تحملنا ما لا قدرة لنا به .فالطاقة على هذا تكون فيما فعله بأقصى القدرة والقوة .أي : ونسألك يا ربنا ألا تحلمنا ما هو فوق طاقتنا وقدرتنا من المصائب والعقوبات وغير ذلك من الأمور التي لا نستطيعها .وهذا الدعاء هو تدرج مترتب على الدعاء السابق ، فهم هنا يلتمسون منه - سبحانه - ألا ينزل بهم ما هو فوق قدرتهم وطاقتهم من بلايا ومحن ، بعد أن التمسوا منه ألا يكلفهم بتكاليف شاقة ثقيلة كما كلف الذين من قبلهم .ثم حكى القرآن دعاءهم الرابع والخامس والسادس فقال : ( واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنآ ) أي نسألك يا ربنا أن تعفو عنا بأن تمحو عنا ما ألممنا به من ذنوب وتتجاوز عنها ، وأن تغفر لنا سيئاتنا بأن تسترها ولا تفضحنا بإظهارها فأنت وحدك الغفار الستار .

وأن ترحمنا برحمتك السابغة التي شملت كل شيء ، فإننا مع تقصيرنا في طاعتك نأمل ألا تحرمنا من رحمتك فأنت تراهم قد تضرعوا إلى ربهم أن يعفو عنهم بأن يسقط عنهم العقاب وأن يغفر لهم بأن يستر عليهم ذنوبهم فلا يفضحهم بها ، وأن يشملهم بعطفه ورحمته .وهي دعوات تدل على رقة إحساسهم ، ونقاء نفوسهم ، وشدة خشيتهم من ربهم ، وشعورهم نحوه بالتقصير مهما قدموا من أعمال صالحة .ثم ختموا دعاءهم بقوله - تعالى - : ( أَنتَ مَوْلاَنَا فانصرنا عَلَى القوم الكافرين ) أي : أنت مولانا وناصرنا وحافظنا ومعيننا وممدنان بالخير والهدى فانصرنا يا ربنا على القوم الكافرين لكي تكون كلمتك هي العليا ، وكلمة الذين كفروا هي السفلى .وقولهك ( أَنتَ مَوْلاَنَا ) يدل على نهاية خضوعهم وتذللهم وطاعتهم لله رب العالمين لأنهم قد اعترفوا بأنه - سبحانه - هو المتولي لكل نعمة يصلو إليها .قال ابن كثير : وقد ورد في صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " أن الله - تعالى - قال عقب كل دعوة من هذه الدعوات : قد فعلت " .وروى البخاري والجماعة عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي " .وبعد فهذه هي سورة البقرة التي اشتملت على ما يشفي الصدور ، ويهدي القلوب ، ويصلح النفوس : من توجيهات سامية ، وآداب حميدة ، وعقائد ، سليمة ، وتشريعات حكيمة ، وأمثال هادبة ، وقصص من شأنه أن يغرس في النفوس الخلق القويم ، وأن يغريها بالاتعاظ والاعتبار حتى تكون ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه .ولقد سبق لنا أن تكلمنا قبل البدء في تفسيرها عن وقت نزولها ، وعن فضلها وعن مقاصدها الإِجمالية .

.

.والله نسأل أن ينفعنا بها وبكتابة الكريم ، وأن يجعل أقوالنا وأعمالنا خالصة لوجهه ، ونافعة لعباده .اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ، ونور أبصارنا وبصائرنا ، وجلاء همنا وحزنا ، وأعنا على إتمام ما قصدناه بفضلك ورعايتك يا أكرم الأكرمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن سار على طريقته إلى يوم الدين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعلى ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ يحتمل أن يكون ابتداء خبر من الله ويحتمل أن يكون حكاية عن الرسول والمؤمنين على نسق الكلام في قوله: ﴿ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير  ﴾ وقالوا: ﴿ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ويؤيد ذلك ما أردفه من قوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا ﴾ فكأنه تعالى حكى عنهم طريقتهم في التمسك بالإيمان والعمل الصالح وحكى عنهم في جملة ذلك أنهم وصفوا ربهم بأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها.

المسألة الثانية: في كيفية النظم: إن قلنا إن هذا من كلام المؤمنين فوجه النظم أنهم لما قالوا: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ فكأنهم قالوا: كيف لا نسمع ولا نطيع، وأنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا، فإذا كان هو تعالى بحكم الرحمة الإلهية لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهين، فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين، وإن قلنا: إن هذا من كلام الله تعالى فوجه النظم أنهم لما قالوا: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ ثم قالوا بعده ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ دل ذلك على أن قولهم: ﴿ غُفْرَانَكَ ﴾ طلباً للمغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد فلما كان قولهم: ﴿ غُفْرَانَكَ ﴾ طلباً للمغفرة في ذلك التقصير، لا جرم خفف الله تعالى عنهم ذلك وقال: ﴿ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ والمعنى أنكم إذا سمعتم وأطعتم، وما تعمدتم التقصير، فعند ذلك لو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه فإن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، وبالجملة فهذا إجابة لهم في دعائهم في قولهم: ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ .

المسألة الثالثة: يقال: كلفته الشيء فتكلف، والكلف اسم منه، والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، قال الفرّاء: هو اسم كالوجد والجهد، وقال بعضهم: الوسع دون المجهود في المشقة، وهو ما يتسع له قدرة الإنسان.

المسألة الرابعة: المعتزلة عولوا على هذه الآية في أنه تعالى لا يكلف العبد ما لا يطيقه ولا يقدر عليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ  ﴾ وقوله: ﴿ يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر  ﴾ وقالوا: هذه الآية صريحة في نفي تكليف ما لا يطاق، قالوا: وإذا ثبت هذا فهاهنا أصلان الأول: أن العبد موجد لأفعال نفسه، فإنه لو كان موجدها هو الله تعالى، لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق، فإن الله تعالى إذا خلق الفعل وقع لا محالة ولا قدرة ألبتة للعبد على ذلك الفعل ولا على تركه، أما إنه لا قدرة له على الفعل فلأن ذلك الفعل وجد بقدرة الله تعالى، والموجود لا يوجد ثانياً، وأما إنه لا قدر له على الدفع فلأن قدرته أضعف من قدرة الله تعالى، فكيف تقوى قدرته على دفع قدرة الله تعالى وإذا لم يخلق الله الفعل استحال أن يكون للعبد قدرة على التحصيل، فثبت أنه لو كان الموجد لفعل العبد هو الله تعالى لكان تكليف العبد بالفعل تكليفاً بما لا يطاق والثاني: أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان الكافر المأمور بالإيمان لم يكن قادراً على الإيمان، فكان ذلك التكليف بما لا يطاق هذا تمام استدلال المعتزلة في هذا الموضع.

أما الأصحاب فقالوا: دلّت الدلائل العقلية على وقوع التكليف على هذا الوجه، فوجب المصير إلى تأويل هذه الآية.

الحجة الأولى: أن من مات على الكفر ينبئ موته على الكفر أن الله تعالى كان عالماً في الأزل بأنه يموت على الكفر ولا يؤمن قط، فكان العلم بعدم الإيمان موجوداً، والعلم بعدم الإيمان ينافي وجود الإيمان على ما قررناه في مواضع، وهو أيضاً مقدم بينة بنفسها، فكان تكليفه بالإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان تكليفاً بالجمع بين النقيضين، وهذه الحجة كما أنها جارية في العلم، فهي أيضاً جارية في الجبر.

الحجة الثانية: أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداعي، وتلك الداعية مخلوقة لله تعالى ومتى كان الأمر كذلك كان تكليف ما لا يطاق لازماً، إنما قلنا: إن صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداعي، لأن قدرة العبد لما كانت صالحة للفعل والترك، فلو ترجح أحد الجانبين على الآخر من غير مرجح لزم وقوع الممكن من غير مرجح وهو نفي الصانع، وإنما قلنا: إن تلك الداعية من الله تعالى لأنها لو كانت من العبد لافتقر إيجادها إلى داعية أخرى ولزم التسلسل، وإنما قلنا: إنه متى كان الأمر كذلك لزم الجبر، لأن عند حصول الداعية المرجحة لأحد الطرفين صار الطرف الآخر مرجوحاً، والمرجوح ممتنع الوقوع، وإذا كان المرجوح ممتنعاً كان الراجح واجباً ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين، فإذن صدور الإيمان من الكافر يكون ممتنعاً وهو مكلف به، فكان التكليف تكليف ما لا يطاق.

الحجة الثالثة: أن التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء الداعيين، أو حال رجحان أحدهما، فإن كان الأول فهو تكليف ما لا يطاق، لأن الاستواء يناقض الرجحان، فإذا كلف حال حصول الاستواء بالرجحان، فقد كلف بالجمع بين النقيضين، وإن كان الثاني فالراجح واجب، والمرجوح ممتنع، وإن وقع التكليف بالراجح فقد وقع بالواجب، وإن وقع بالمرجوح فقد وقع بالممتنع.

الحجة الرابعة: أنه تعالى كلف أبا لهب الإيمان، والإيمان تصديق الله في كل ما أخبر عنه، وهو مما أخبر أنه لا يؤمن، فقد صار أبو لهب مكلفاً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وذلك تكليف ما لا يطاق.

الحجة الخامسة: العبد غير عالم بتفاصيل فعله، لأن من حرك أصبعه لم يعرف عدد الأحيان التي حرك أصبعه فيها، لأن الحركة البطيئة عبارة عند المتكلمين عن حركات مختلطة بسكنات، والعبد لم يخطر بباله أنه يتحرك في بعض الأحيان، ويسكن في بعضها، وأنه أين تحرك وأين سكن، وإذا لم يكن عالماً بتفاصيل فعله لم يكن موجداً لها، لأنه لم يقصد إيجاد ذلك العدد المخصوص من الأفعال، فلو فعل ذلك العدد دون الأزيد ودون الأنقص فقد ترجح الممكن لا لمرجح وهو محال، فثبت أن العبد غير موجد، فإذا لم يكن موجداً كان تكليف ما لا يطاق لازماً على ما ذكرتم، فهذه وجوه عقلية قطعية يقينية في هذا الباب، فعلمنا أنه لابد للآية من التأويل وفيه وجوه: الأول: وهو الأصوب: أنه قد ثبت أنه متى وقع التعارض من القاطع العقلي، والظاهر السمعي، فإما أن يصدقهما وهو محال، لأنه جمع بين النقيضين، وإما أن يكذبهما وهو محال، لأنه إبطال النقيضين، وإما أن يكذب القاطع العقلي، ويرجح الظاهر السمعي، وذلك يوجب تطرق الطعن في الدلائل العقلية، ومتى كان كذلك بطل التوحيد والنبوّة والقرآن، وترجيح الدليل السمعي يوجب القدح في الدليل العقلي والدليل السمعي معاً، فلم يبق إلا أن يقطع بصحة الدلائل العقلية، ويحمل الظاهر السمعي على التأويل، وهذا الكلام هو الذي تعول المعتزلة عليه أبداً في دفع الظواهر التي تمسك بها أهل التشبيه، فبهذا الطريق علمنا أن لهذه الآية تأويلاً في الجملة، سواء عرفناه أو لم نعرفه، وحينئذ لا يحتاج إلى الخوض فيه على سبيل التفصيل.

الوجه الثاني في الجواب: هو أنه لا معنى للتكليف في الأمر والنهي إلا الإعلام بأنه متى فعل كذا فإنه يثاب، ومتى لم يفعل فإنه يعاقب، فإذا وجد ظاهر الأمر فإن كان المأمور به ممكناً كان ذلك أمراً وتكليفاً في الحقيقة، وإلا لم يكن في الحقيقة تكليفاً، بل كان إعلاماً بنزول العقاب به في الدار الآخرة، وإشعاراً بأنه إنما خلق للنار.

والجواب الثالث: وهو أن الإنسان ما دام لم يمت، وأنا لا ندري أن الله تعالى علم منه أنه يموت على الكفر أو ليس كذلك، فنحن شاكون في قيام المانع، فلا جرم نأمره بالإيمان ونحثه عليه، فإذا مات على الكفر علمنا بعد موته أن المانع كان قائماً في حقه.

فتبين أن شرط التكليف كان زائلاً عنه حال حياته، وهذا قول طائفة من قدماء أهل الجبر.

الجواب الرابع: أنا بينا أن قوله: ﴿ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ليس قول الله تعالى، بل هو قول المؤمنين، فلا يكون حجة، إلا أن هذا ضعيف، وذلك لأن الله تعالى لما حكاه عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم، فبسبب هذا الكلام وجب أن يكونوا صادقين في هذا الكلام، إذ لو كانوا كاذبين فيه لما جاز تعظيمهم بسببه، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في هذا الموضع ونسأل الله العظيم أن يرحم عجزنا وقصور فهمنا، وأن يعفو عن خطايانا، فإنا لا نطلب إلا الحق، ولا نروم إلا الصدق.

أما قوله تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أنه هل في اللغة فرق بين الكسب والاكتساب، قال الواحدي رحمه الله: الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد لا فرق بينهما، قال ذو الرمة: ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب *** والقرآن أيضاً ناطق بذلك، قال الله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا  ﴾ وقال: ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خطيئته  ﴾ وقال: ﴿ والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات بِغَيْرِ مَا اكتسبوا  ﴾ فدل هذا على إقامة كل واحد من هذين اللفظين مقام الآخر، ومن الناس من سلم الفرق، ثم فيه قولان أحدهما: أن الاكتساب أخص من الكسب، لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره، والاكتساب لا يكون إلا ما يكتسب الإنسان لنفسه خاصة يقال فلان كاسب لأهله، ولا يقال مكتسب لأهله والثاني: قال صاحب الكشاف: إنما خص الخير بالكسب، والشر بالاكتساب، لأن الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي منجذبة إليه، وأمارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد، فجعلت لهذا المعنى مكتسبة فيه ولما لم يكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال والله أعلم.

المسألة الثانية: المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أن فعل العبد بإيجاده وتكوينه، قالوا لأن الآية صريحة في إضافة خيره وشره إليه ولو كان ذلك بتخليق الله تعالى لبطلت هذه الإضافة ويجري صدور أفعاله منه مجرى لونه وطوله وشكله وسائر الأمور التي لا قدرة له عليها ألبتة والكلام فيه معلوم وبالله التوفيق، قال القاضي: لو كان خالقاً أفعالهم فما الفائدة في التكليف، وأما الوجه في أن يسألوه أن لا يثقل عليهم والثقيل على قولهم كالخفيف في أنه تعالى يخلقه فيهم وليس يلحقهم به نصب ولا لغوب.

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على فساد القول بالمحابطة قالوا: لأنه تعالى أثبت كلا الأمرين على سبيل الجمع، فبيّن أن لها ثواب ما كسبت وعليها عقاب ما اكتسبت، وهذا صريح في أن هذين الاستحقاقين يجتمعان، وأنه لا يلزم من طريان أحدهما زوال الآخر، قال الجبائي: ظاهر الآية وإن دل على الإطلاق إلا أنه مشروط والتقدير: لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم تبطله، وعليها ما اكتسبت من العقاب إذا لم تكفره بالتوبة، وإنما صرنا إلى إضمار هذا الشرط لما بينا أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة وأن العقاب يجب أن يكون مضرة خالصة دائمة، والجمع بينهما محال في العقول، فكان الجمع بين استحقاقيهما أيضاً محالاً.

واعلم أن الكلام على هذه المسألة مرّ على الاستقصاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى  ﴾ فلا نعيده.

المسألة الرابعة: احتج كثير من المتكلمين بهذه الآية على أن الله تعالى لا يعذب الأطفال بذنوب آبائهم، ووجه الاستدلال ظاهر فيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى  ﴾ .

المسألة الخامسة: الفقهاء تمسكوا بهذه الآية في إثبات أن الأصل في الإمساك البقاء والاستمرار، لأن اللام في قوله: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ ﴾ يدل على ثبوت هذا الاختصاص، وتأكد ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «كل امرئ أحق بكسبه من والده وولده وسائر الناس أجمعين» وإذا تمهد هذا الأصل خرج عليه شيء كثير من مسائل الفقه.

منها أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم، وهو قوله: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ ﴾ والعارض الموجود، إما الغضب، وإما الضمان، وهما لا يوجبان زوال الملك بدليل أم الولد والمدبرة.

ومنها أنه إذا غصب ساحة وأدرجها في بنائه، أو غصب حنطة فطحنها لا يزول الملك لقوله: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ ﴾ .

ومنها أنه لا شفعة للجار، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم، وهو قوله: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ ﴾ والفرق بين الشريك والجار ظاهر بدليل أن الجار لا يقدم على الشريك، وذلك يمنع من حصول الاستواء ولأن التضرر بمخالطة الجار أقل ولأن في الشركة يحتاج إلى تحمل مؤنة القسمة وهذا المعنى مفقود في الجار.

ومنها أن القطع لا يمنع وجوب الضمان، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم، وهو قوله: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ ﴾ والقطع لا يوجب زوال الملك بدليل أن المسروق متى كان باقياً قائماً، فإنه يجب رده على المالك، ولا يكون القطع مقتضياً زوال ملكه عنه.

ومنها أن منكري وجوب الزكاة احتجوا به، وجوابه أن الدلائل الموجبة للزكاة أخص، والخاص مقدم على العام، وبالجملة فهذه الآية أصل كبير في فروع الفقه والله أعلم.

ثم إعلم أنه تعالى حكى عن المؤمنين دعاءهم، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاء مخ العبادة» لأن الداعي يشاهد نفسه في مقام الفقر والحاجة والذلة والمسكنة ويشاهد جلال الله تعالى وكرمه وعزته وعظمته بنعت الاستغناء والتعالي، وهو المقصود من جميع العبادات والطاعات فلهذا السبب ختم هذه السورة الشريفة المشتملة على هذه العلوم العظيمة بالدعاء والتضرع إلى الله والكلام في حقائق الدعاء ذكرناه في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ  ﴾ فقال: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ ، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: إعلم أنه تعالى حكى عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء، وذكر في مطلع كل واحد منها قوله: ﴿ رَبَّنَا ﴾ إلا في النوع الرابع من الدعاء فإنه حذف هذه الكلمة عنها وهو قوله: ﴿ واعف عَنَّا واغفر لَنَا ﴾ .

أما النوع الأول فهو قوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ ، وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا تؤاخذنا أي لا تعاقبنا، وإنما جاء بلفظ المفاعلة وهو فعل واحد، لأن الناسي قد أمكن من نفسه، وطرق السبيل إليها بفعله، فصار من يعاقبه بذنبه كالمعين لنفسه في إيذاء نفسه، وعندي فيه وجه آخر، وهو أن الله يأخذ المذنب بالعقوبة، فالمذنب كأنه يأخذ ربه بالمطالبة بالعفو والكرم، فإنه لا يجد من يخلصه من عذابه إلا هو، فلهذا يتمسك العبد عند الخوف منه به، فلما كان كل واحد منهما يأخذ الآخر عبر عنه بلفظ المؤاخذة.

المسألة الثانية: في النسيان وجهان الأول: أن المراد منه هو النسيان نفسه الذي هو ضد الذكر.

فإن قيل: أليس أن فعل الناسي في محل العفو بحكم دليل العقل حيث لا يجوز تكليف ما لا يطاق وبدليل السمع وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» فإذا كان النسيان في محل العفو قطعاً فما معنى طلب العفو عنه في الدعاء.

والجواب: عنه من وجوه: الأول: أن النسيان منه ما يعذر فيه صاحبه، ومنه ما لا يعذر ألا ترى أن من رأى في ثوبه دماً فأخر إزالته إلى أن نسي فصلّى وهو على ثوبه عد مقصراً، إذ كان يلزمه المبادر إلى إزالته وأما إذا لم يره في ثوبه فإنه يعذر فيه، ومن رمى صيداً في موضع فأصاب إنساناً فقد يكون بحيث لا يعلم الرامي أنه يصيب ذلك الصيد أو غيره فإذا رمى ولم يتحرز كان ملوماً أما إذا لم تكن أمارات الغلط ظاهرة ثم رمى وأصاب إنساناً كان هاهنا معذوراً، وكذلك الإنسان إذا تغافل عن الدرس والتكرار حتى نسي القرآن يكون ملوماً، وأما إذا واظب على القراءة، لكنه بعد ذلك نسي فهاهنا يكون معذوراً، فثبت أن النسيان على قسمين، منه ما يكون معذوراً، ومنه ما لا يكون معذوراً، وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يذكر حاجته شد خيطاً في أصبعه فثبت بما ذكرنا أن الناسي قد لا يكون معذوراً، وذلك ما إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر، وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء.

الوجه الثاني في الجواب: أن يكون هذا دعاء على سبيل التقدير وذلك لأن هؤلاء المؤمنين الذين ذكروا هذا الدعاء كانوا متقين لله حق تقاته، فما كان يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه النسيان والخطأ، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إشعاراً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به كأن قيل: إن كان النسيان مما تجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذنا به.

الوجه الثالث في الجواب: أن المقصود من الدعاء إظهار التضرع إلى الله تعالى، لا طلب الفعل، ولذلك فإن الداعي كثيراً ما يدعو بما يقطع بأن الله تعالى يفعله سواء دعا أو لم يدع، قال الله تعالى: ﴿ قَالَ رَبّ احكم بالحق  ﴾ وقال: ﴿ رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة  ﴾ وقالت الملائكة في دعائهم ﴿ فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ  ﴾ فكذا في هذه الآية العلم بأن النسيان مغفور لا يمنع من حسن طلبه في الدعاء.

الوجه الرابع في الجواب: أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلاً، وذلك لأن الإنسان إذا علم أنه بعد النسيان يكون مؤاخذاً فإنه بخوف المؤاخذة يستديم الذكر، فحينئذ لا يصدر عنه إلا أن استدامة ذلك التذكر فعل شاق على النفس، فلما كان ذلك جائزاً في العقول، لا جرم حسن طلب المغفرة منه بالدعاء.

الوجه الخامس: أن أصحابنا الذين يجوزون تكليف ما لا يطاق يتمسكون بهذه الآية فقالوا الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل، فلولا أنه جائز عقلاً من الله تعالى أن يعاقب عليه لما طلب بالدعاء ترك المؤاخذة عليه.

والقول الثاني: في تفسير النسيان، أن يحمل على الترك، قال الله تعالى: ﴿ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً  ﴾ وقال تعالى: ﴿ نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ  ﴾ أي تركوا العمل لله فتركهم، ويقول الرجل لصاحبه: لا تنسني من عطيتك، أي لا تتركني، فالمراد بهذا النسيان أن يترك الفعل لتأويل فاسد، والمراد بالخطأ، أن يفعل الفعل لتأويل فاسد.

المسألة الثالثة: علم أن النسيان والخطأ المذكورين في هذه الآية إما أن يكونا مفسرين بتفسير ينبغي فيه القصد إلى فعل ما لا ينبغي، أو يكون أحدهما كذلك دون الآخر، فأما الاحتمال الأول فإنه يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر، لأن العمد إلى المعصية لما كان حاصلاً في النسيان وفي الخطأ ثم إنه تعالى أمر المسلمين أن يدعوه بقولهم: ﴿ لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ فكان ذلك أمراً من الله تعالى لهم بأن يطلبوا من الله أن لا يعذبهم على المعاصي، ولما أمرهم بطلب ذلك، دلّ على أنه يعطيهم هذا المطلوب، وذلك يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر، وأما القسم الثاني والثالث فباطلان لأن المؤاخذة على ذلك قبيحة عند الخصم، وما يقبح فعله من الله يمتنع أن يطلب بالدعاء.

فإن قيل: الناسي قد يؤاخذ في ترك التحفظ قصداً وعمداً على ما قررتم في المسألة المتقدمة.

قلنا: فهو في الحقيقة مؤاخذ بترك التحفظ قصداً وعمداً، فالمؤاخذة إنما حصلت على ما تركه عمداً، وظاهر ما ذكرنا دلالة هذه الآية على رجاء العفو لأهل الكبائر.

قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا ﴾ .

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من الدعاء وفيه مسائل: المسألة الأولى: الإصر في اللغة: الثقل والشدة، قال النابغة: يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم *** والحامل الإصر عنهم بعد ما عرفوا ثم سمي العهد إصراً لأنه ثقيل، قال الله تعالى: ﴿ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى  ﴾ أي عهدي وميثاقي والإصر العطف، يقال: ما يأصرني عليه آصرة، أي رحم وقرابة، وإنما سمي العطف إصراً لأن عطفك عليه يثقل على قلبك كل ما يصل إليه من المكاره.

المسألة الثانية: ذكر أهل التفسير فيه وجهين: الأول: لا تشدد علينا في التكاليف كما شددت على من قبلنا من اليهود، قال المفسرون: إن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها، وكانوا إذا نسوا شيئاً عجلت لهم العقوبة في الدنيا، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليهم من الطعام بعض ما كان حلالاً لهم، قال الله تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دياركم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ  ﴾ وقد حرم على المسافرين من قوم طالوت الشرب من النهر، وكان عذابهم معجلاً في الدنيا، كما قال: ﴿ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً  ﴾ وكانوا يمسخون قرد وخنازير، قال القفال: ومن نظر في السفر الخامس من التوراة التي تدعيها هؤلاء اليهود وقف على ما أخذ عليهم من غلظ العهود والمواثيق، ورأى الأعاجيب الكثيرة، فالمؤمنون سألوا ربهم أن يصونهم عن أمثال هذه التغليظات، وهو بفضله ورحمته قد أزال ذلك عنهم، قال الله تعالى في صفة هذه الأمة ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ  ﴾ وقال عليه السلام: «رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق».

وقال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ  ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة».

والمؤمنون إنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير، والتقصير موجب للعقوبة، ولا طاقة لهم بعذاب الله تعالى، فلا جرم طلبوا السهولة في التكاليف.

والقول الثاني: لا تحمل علينا عهداً وميثاقاً يشبه ميثاق من قبلنا في الغلظ والشدة، وهذا القول يرجع إلى الأول في الحقيقة لكن بإضمار شيء زائد على الملفوظ، فيكون القول الأول أولى.

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: دلّت الدلائل العقلية والسمعية على أنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، فما السبب في أن شدد التكليف على اليهود حتى أدى ذلك إلى وقوعهم في المخالفات والتمرد، قالت المعتزلة: من الجائز أن يكون الشيء مصلحة في حق إنسان، مفسدة في حق غيره، فاليهود كانت الفظاظة والغلظة غالبة على طباعهم، فما كانوا ينصلحون إلا بالتكاليف الشاقة والشدة، وهذه الأمة كانت الرقة وكرم الخلق غالباً على طباعهم، فكانت مصلحتهم في التخفيف وترك التغليظ.

أجاب الأصحاب بأن السؤال الذي ذكرناه في المقام الأول ننقله إلى المقام الثاني فنقول: ولماذا خص اليهود بغلظة الطبع، وقسوة القلب ودناءة الهمة، حتى احتاجوا إلى التشديدات العظيمة في التكاليف ولماذا خص هذه الأمة بلطافة الطبع وكرم الخلق وعلو الهمة حتى صار يكفيهم التكاليف السهلة في حصول مصالحهم.

ومن تأمل وأنصف علم أن هذه التعليلات عليلة فجل جناب الجلال عن أن يوزن بميزان الاعتزال، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ﴿ لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ  ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ .

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من دعاء المؤمنين، وفيه مسائل: المسألة الأولى: الطاقة اسم من الإطاقة، كالطاعة من الإطاعة، والجابة من الإجابة وهي توضع موضع المصدر.

المسألة الثانية: من الأصحاب من تمسك به في أن تكليف ما لا يطاق جائز إذ لو لم يكن جائزاً لما حسن طلبه بالدعاء من الله تعالى.

أجاب المعتزلة عنه من وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ أي يشق فعله مشقة عظيمة وهو كما يقول الرجل: لا أستطيع أن أنظر إلى فلان إذا كان مستثقلاً له.

قال الشاعر: إنك إن كلفتني ما لم أطق *** ساءك ما سرك مني من خلق وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المملوك: له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل ما لا يطيق أي ما يشق عليه، وروى عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المريض يصلي جالساً، فإن لم يستطع فعلى جنب».

فقوله: «فإن لم يستطع» ليس معناه عدم القوة على الجلوس، بل كل الفقهاء يقولون: المراد منه إذا كان يلحقه في الجلوس مشقة عظيمة شديدة، وقال الله تعالى في وصف الكفار ﴿ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع  ﴾ أي كان يشق عليهم.

الوجه الثاني: أنه تعالى لم يقل: لا تكلفنا ما لا طاقة لنا به، بل قال: ﴿ لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ والتحميل هو أن يضع عليه ما لا طاقة له بتحمله فيكون المراد منه العذاب والمعنى لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله فلو حملنا الآية على ذلك كان قوله: ﴿ لا تُحَمّلْنَا ﴾ حقيقة فيه ولو حملناه على التكليف كان قوله: ﴿ لا تُحَمّلْنَا ﴾ مجازاً فيه، فكان الأول أولى.

الوجه الثالث: هب أنهم سألوا الله تعالى أن لا يكلفهم بما لا قدرة لهم عليه لكن ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلافه، لأنه لو دل على ذلك لدل قوله: ﴿ رَبّ احكم بالحق  ﴾ على جواز أن يحكم بباطل، وكذلك يدل قول إبراهيم عليه السلام ﴿ وَلاَ تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ  ﴾ على جواز أن يخزي الأنبياء، وقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين  ﴾ ولا يدل هذا على جواز أن يطيع الرسول الكافرين والمنافقين وكذا الكلام في قوله: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ  ﴾ هذا جملة أجوبة المعتزلة.

أجاب الأصحاب فقالوا: أما الوجه الأول: فمدفوع من وجهين: الأول: أنه لو كان قوله: ﴿ وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ محمولاً على أن لا يشدد عليهم في التكليف لكان معناه ومعنى الآية المتقدمة عليه وهو قوله: ﴿ وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا ﴾ واحداً فتكون هذه الآية تكراراً محضاً وذلك غير جائز الثاني: أنا بينا أن الطاقة هي الإطاقة والقدرة، فقوله: ﴿ لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ ظاهره لا تحملنا ما لا قدرة لنا عليه أقصى ما في الباب أنه جاء هذا اللفظ بمعنى الاستقبال في بعض وجوه الاستعمال على سبيل المجاز إلا أن الأصل حمل اللفظ على الحقيقة.

وأما الوجه الثاني: فجوابه أن التحمل مخصوص في عرف القرآن بالتكليف، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السموات  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَحَمَلَهَا الإنسان  ﴾ ثم هب أنه لم يوجد هذا العرف إلا أن قوله: ﴿ لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ عام في العذاب وفي التكليف فوجب إجراؤه على ظاهره أما التخصيص بغير حجة فإنه لا يجوز.

وأما الوجه الثالث: فجوابه أن فعل الشيء إذا كان ممتنعاً لم يجز طلب الامتناع منه على سبيل الدعاء والتضرع ويصير ذلك جارياً مجرى من يقول في دعائه وتضرعه: ربنا لا تجمع بين الضدين ولا تقلب القديم محدثاً، كما أن ذلك غير جائز، فكذا ما ذكرتم.

إذا ثبت هذا فنقول: هذا هو الأصل فإذا صار ذلك متروكاً في بعض الصور لدليل مفصل لم يجب تركه في سائر الصور بغير دليل وبالله التوفيق.

المسألة الثالثة: إعلم أنه بقي في الآية سؤالات: السؤال الأول: لم قال في الآية الأولى ﴿ لاَّ تَحْمِلُ عَلَيْنَا إِصْرًا ﴾ وقال في هذه الآية ﴿ لا تُحَمّلْنَا ﴾ خص ذلك بالحمل وهذا بالتحميل.

الجواب: أن الشاق يمكن حمله أما ما لا يكون مقدوراً لا يمكن حمله، فالحاصل فيما لا يطاق هو التحميل فقط أما الحمل فغير ممكن وأما الشاق فالحمل والتحميل يمكنان فيه، فلهذا السبب خص الآية الأخيرة بالتحميل.

السؤال الثاني: أنه لما طلب أن لا يكلفه بالفعل الشاق قوله: ﴿ لاَّ تَحْمِلُ عَلَيْنَا إِصْرًا ﴾ كان من لوازمه أن لا يكلفه ما لا يطاق، وعلى هذا التقدير كان عكس هذا الترتيب أولى.

والجواب: الذي أتخيله فيه والعلم عند الله تعالى أن للعبد مقامين أحدهما: قيامه بظاهر الشريعة والثاني: شروعه في بدء المكاشفات، وذلك هو أن يشتغل بمعرفة الله وخدمته وطاعته وشكر نعمته ففي المقام الأول طلب ترك التشديد، وفي المقام الثاني قال: لا تطلب مني حمداً يليق بجلالك، ولا شكراً يليق بآلائك ونعمائك، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك، فإن ذلك لا يليق بذكري وشكري وفكري ولا طاقة لي بذلك، ولما كانت الشريعة متقدمة على الحقيقة لا جرم كان قوله: ﴿ وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا ﴾ مقدماً في الذكر على قوله: ﴿ لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ .

السؤال الثالث: أنه تعالى حكى عن المؤمنين هذه الأدعية بصيغة الجمع بأنهم قالوا: ﴿ لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا * وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا * وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ فما الفائدة في هذه الجمعية وقت الدعاء؟

والجواب: المقصود منه ببيان أن قبول الدعاء عند الاجتماع أكمل وذلك لأن للهمم تأثيرات فإذا اجتمعت الأرواح والدواعي على شيء واحد كان حصوله أكمل.

قوله تعالى: ﴿ واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنا أَنتَ مولانا فانصرنا عَلَى القوم الكافرين ﴾ .

اعلم أن تلك الأنواع الثلاثة من الأدعية كان المطلوب فيها الترك وكانت مقرونة بلفظ ﴿ رَبَّنَا ﴾ وأما هذا الدعاء الرابع، فقد حذف منه لفظ ﴿ رَبَّنَا ﴾ وظاهره يدل على طلب الفعل ففيه سؤالان: السؤال الأول: لم لم يذكر هاهنا لفظ ربنا؟.

الجواب: النداء إنما يحتاج إليه عند البعد، أما عند القرب فلا وإنما حذف النداء إشعاراً بأن العبد إذا واظب على التضرع نال القرب من الله تعالى وهذا سر عظيم يطلع منه على أسرار أُخر.

السؤال الثاني: ما الفرق بين العفو والمغفرة والرحمة؟.

الجواب: أن العفو أن يسقط عنه العقاب، والمغفرة أن يستر عليه جرمه صوناً له من عذاب التخجيل والفضيحة، كأن العبد يقول: أطلب منك العفو وإذا عفوت عني فاستره علي فإن الخلاص من عذاب القبر إنما يطيب إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة، والأول: هو العذاب الجسماني، والثاني: هو العذاب الروحاني، فلما تخلص منهما أقبل على طلب الثواب، وهو أيضاً قسمان: ثواب جسماني وهو نعيم الجنة ولذاتها وطيباتها، وثواب روحاني وغايته أن يتجلى له نور جلال الله تعالى، وينكشف له بقدر الطاقة علو كبرياء الله وذلك بأن يصير غائباً عن كل ما سوى الله تعالى، مستغرقاً بالكلية في نور حضور جلال الله تعالى، فقوله: ﴿ وارحمنا ﴾ طلب للثواب الجسماني وقوله بعد ذلك ﴿ أَنتَ مولانا ﴾ طلب للثواب الروحاني، ولأن يصير العبد مقبلا بكليته على الله تعالى لأن قوله: ﴿ أَنتَ مولانا ﴾ خطاب الحاضرين، ولعلّ كثيراً من المتكلمين يستبعدون هذه الكلمات، ويقولون: إنها من باب الطاعات، ولقد صدقوا فيما يقولون، فذلك مبلغهم من العلم.

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتدى  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ أَنتَ مولانا ﴾ فائدة أخرى، وذلك أن هذه الكلمة تدل على نهاية الخضوع والتذلل والاعتراف بأنه سبحانه هو المتولي لكل نعمة يصلون إليها، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها فلا جرم أظهروا عند الدعاء أنهم في كونهم متكلمين على فضله وإحسانه بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه، فهو سبحانه قيوم السموات والأرض، والقائم بإصلاح مهمات الكل، وهو المتولي في الحقيقة للكل، على ما قال: ﴿ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير  ﴾ ونظير هذه الآية ﴿ الله وَلِيُّ الذين ءَامَنُواْ  ﴾ أي ناصرهم، وقوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه  ﴾ أي ناصره، وقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين ءَامَنُواْ وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُم  ﴾ .

ثم قال: ﴿ فانصرنا عَلَى القوم الكافرين ﴾ أي انصرنا عليهم في محاربتنا معهم، وفي مناظرتنا بالحجة معهم، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم على ما قال: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ  ﴾ ومن المحققين من قال: ﴿ فانصرنا عَلَى القوم الكافرين ﴾ المراد منه إعانة الله بالقوة الروحانية الملكية على قهر القوى الجسمانية الداعية إلى ما سوى الله، وهذا آخر السورة.

وروى الواحدي رحمه الله عن مقاتل بن سليمان أنه لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء أعطى خواتيم سورة البقرة، فقالت الملائكة: إن الله عزّ وجلّ قد أكرمك بحسن الثناء عليك بقوله: ﴿ آمن الرسول ﴾ فسله وارغب إليه، فعلمه جبريل عليهما الصلاة والسلام كيف يدعو، فقال محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير ﴾ فقال الله تعالى: قد غفرت لكم فقال: ﴿ لاَ تُؤَاخِذْنَا ﴾ فقال الله: (لا أؤاخذكم) فقال: ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا ﴾ فقال: لا أشدد عليكم فقال محمد ﴿ لا تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ فقال: لا أحملكم ذلك فقال محمد ﴿ واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنا ﴾ فقال الله تعالى: قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم وأنصركم على القوم الكافرين وفي بعض الروايات أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يذكر هذه الدعوات، والملائكة كانوا يقولون آمين.

وهذا المسكين البائس الفقير كاتب هذه الكلمات يقول: إلهي وسيدي كل ما طلبته وكتبته ما أردت به إلا وجهك ومرضاتك، فإن أصبت فبتوفيقك أصبت فاقبله من هذا المكدي بفضلك وإن أخطأت فتجاوز عني بفضلك ورحمتك يا من لا يبرمه إلحاح الملحين، ولا يشغله سؤال السائلين وهذا آخر الكلام في تفسير هذه والسورة الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وأصحابه وسلّم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الوسع: ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود.

وهذا إخبار عن عدله ورحمته كقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر ﴾ [البقرة: 185] لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة.

وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ وسعها ﴾ بالفتح ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ﴾ ينفعها ما كسبت من خير ويضرها ما اكتسبت من شر، لا يؤاخذ بذنبها غيرها ولا يثاب غيرها بطاعتها.

فإن قلت: لم خص الخير بالكسب، والشر بالاكتساب؟

قلت: في الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمّارة به، كانت في تحصيله أعمل وأجدّ، فجعلت لذلك مكتسبة فيه.

ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لادلالة فيه على الاعتمال.

أي لا تؤاخذنا بالنسيان أو الخطأ إن فرط منا.

فإن قلت: النسيان والخطأ متجاوز عنهما، فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما؟

قلت: ذكر النسيان والخطأ والمراد بهما ما هما مسببان عنه من التفريط والإغفال.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان ﴾ [الكهف: 63] والشيطان لا يقدر على فعل النسيان، وإنما يوسوس فتكون وسوسته سبباً للتفريط الذي منه النسيان، ولأنهم كانوا متقين الله حق تقاته، فما كانت تفرط منهم فرطة إلا على وجه النسيان والخطأ، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به، كأنه قيل: إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذ به، فما فيهم سبب مؤاخذة إلا الخطأ والنسيان، ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله لاستدامته والاعتداد بالنعمة فيه.

والإصر: العبء الذي يأصر حامله أي يحبسه مكانه لا يستقل به لثقله، استعير للتكليف الشاقّ، من نحو قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب وغير ذلك.

وقرئ: ﴿ آصاراً ﴾ على الجمع.

وفي قراءة أبيّ: ﴿ ولا تحمّل ﴾ علينا بالتشديد.

فإن قلت: أيّ فرق بين هذه التشديدة والتي في ﴿ وَلاَ تُحَمّلْنَا ﴾ ؟

قلت: هذه للمبالغة في حمل عليه، وتلك لنقل حمله من مفعول واحد إلى مفعولين ﴿ وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ من العقوبات النازلة بمن قبلنا، طلبوا الإعفاء عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم، ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها.

وقيل: المراد به الشاقّ الذي لا يكاد يستطاع من التكليف.

وهذا تكرير لقوله: ﴿ وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا ﴾ .

﴿ مولانا ﴾ سيدنا ونحن عبيدك.

أو ناصرنا.

أو متولي أمورنا ﴿ فانصرنا ﴾ فمن حق المولى أن ينصر عبيده.

أو فإنّ ذلك عادتك.

أو فإنّ ذلك من أمورنا التي عليك توليها.

وعن ابن عباس «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا بهذه الدعوات، قيل له عند كل كلمة: قد فعلت» وعنه عليه السلام: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» وعنه عليه السلام: «أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهنّ نبيٌّ قبلي» وعنه عليه السلام: «أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل» فإن قلت: هل يجوز أن يقال: قرأت سورة البقرة أو قرأت البقرة.

قلت: لا بأس بذلك.

وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم «من آخر سورة البقرة» و «خواتيم سورة البقرة» و «خواتيم البقرة» .

وعن عليّ رضي الله عنه «خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش» وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنه رمى الجمرة ثم قال «من هاهنا والذي لا إله غيره رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة» ولا فرق بين هذا وبين قولك سورة الزخرف وسورة الممتحنة وسورة المجادلة.

وإذا قيل: قرأت البقرة، لم يشكل أنّ المراد سورة البقرة كقوله: ﴿ واسئل القرية ﴾ [يوسف: 82] وعن بعضهم أنه كره ذلك وقال: يقال قرأت السورة التي تذكر فيه البقرة.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإنّ تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة.

قيل: وما البطلة؟

قال: السحرة» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ إلّا ما تَسَعُهُ قُدْرَتُها فَضْلًا ورَحْمَةً، أوْ ما دُونَ مَدى طاقَتِها بِحَيْثُ يَتَّسِعُ فِيهِ طَوْقُها ويَتَيَسَّرُ عَلَيْها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ﴾ وهو يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ ولا يَدُلُّ عَلى امْتِناعِهِ.

﴿ لَها ما كَسَبَتْ ﴾ مِن خَيْرٍ.

﴿ وَعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ ﴾ مِن شَرٍّ لا يَنْتَفِعُ بِطاعَتِها ولا يَتَضَرَّرُ بِمَعاصِيها غَيْرُها، وتَخْصِيصُ الكَسْبِ بِالخَيْرِ والِاكْتِسابِ بِالشَّرِّ لِأنَّ الِاكْتِسابَ فِيهِ احْتِمالٌ والشَّرَّ تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ وتَنْجَذِبُ إلَيْهِ فَكانَتْ أجَدَّ في تَحْصِيلِهِ وأعْمَلَ بِخِلافِ الخَيْرِ.

﴿ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا ﴾ أيْ لا تُؤاخِذْنا بِما أدّى بِنا إلى نِسْيانٍ أوْ خَطَأٍ مِن تَفْرِيطٍ وقِلَّةِ مُبالاةٍ، أوْ بِأنْفُسِهِما إذْ لا تَمْتَنِعُ المُؤاخَذَةُ بِهِما عَقْلًا فَإنَّ الذُّنُوبَ كالسُّمُومِ فَكَما أنَّ تَناوُلَها يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ.

وإنْ كانَ خَطَأً.

فَتَعاطِي الذُّنُوبِ لا يَبْعُدُ أنْ يُفْضِيَ إلى العِقابِ وإنْ لَمْ تَكُنْ عَزِيمَةً، لَكِنَّهُ تَعالى وعَدَ التَّجاوُزَ عَنْهُ رَحْمَةً وفَضْلًا فَيَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ الإنْسانُ بِهِ اسْتِدامَةً واعْتِدادًا بِالنِّعْمَةِ فِيهِ.

ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ» .

﴿ رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا ﴾ عِبْأً ثَقِيلًا يَأْصِرُ صاحِبَهُ، أيْ يَحْبِسُهُ في مَكانِهِ.

يُرِيدُ بِهِ التَّكالِيفَ الشّاقَّةَ.

وقُرِئَ « ولا تُحِمِّلْ» بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا ﴾ حَمْلًا مِثْلَ حَمْلِكَ إيّاهُ عَلى مَن قَبْلَنا، أوْ مِثْلَ الَّذِي حَمَلَتْهُ إيّاهم فَيَكُونُ صِفَةً لِإصْرًا، والمُرادُ بِهِ ما كُلِّفَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ مِن قَتْلِ الأنْفُسِ، وقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ، وخَمْسِينَ صَلاةً في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، وصَرْفِ رُبْعِ المالِ لِلزَّكاةِ.

أوْ ما أصابَهم مِنَ الشَّدائِدِ والمِحَنِ.

﴿ رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ﴾ مِنَ البَلاءِ والعُقُوبَةِ، أوْ مِنَ التَّكالِيفِ الَّتِي لا تَفِي بِها الطّاقَةُ البَشَرِيَّةُ وهو يَدُلُّ عَلى جَوازِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ وإلّا لَما سُئِلَ التَّخَلُّصَ مِنهُ، والتَّشْدِيدُ هاهُنا لِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ الثّانِي.

﴿ واعْفُ عَنّا ﴾ وامْحُ ذُنُوبَنا.

﴿ واغْفِرْ لَنا ﴾ واسْتُرْ عُيُوبَنا ولا تَفْضَحْنا بِالمُؤاخَذَةِ.

﴿ وارْحَمْنا ﴾ وتَعَطَّفْ بِنا وتَفَضَّلْ عَلَيْنا.

﴿ أنْتَ مَوْلانا ﴾ سَيِّدُنا.

﴿ فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ فَإنَّ مِن حَقِّ المَوْلى أنْ يَنْصُرَ مَوالِيَهُ عَلى الأعْداءِ، أوِ المُرادُ بِهِ عامَّةُ الكَفَرَةِ.

«رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا دَعا بِهَذِهِ الدَّعَواتِ قِيلَ لَهُ عِنْدَ كُلِّ كَلِمَةٍ: فَعَلْتُ.» وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ «أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى آيَتَيْنِ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ.

كَتَبَها الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ بِألْفَيْ سَنَةٍ، مَن قَرَأهُما بَعْدَ العِشاءِ الأخِيرَةِ أجْزَأتاهُ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ» .

وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن قَرَأ الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ» .

وهو يَرُدُّ قَوْلَ مَنِ اسْتَكْرَهَ أنْ يُقالَ سُورَةُ البَقَرَةِ، وقالَ: يَنْبَغِي أنْ يُقالَ السُّورَةُ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةُ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «السُّورَةُ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةُ فُسْطاطُ القُرْآنِ فَتَعَلَّمُوها، فَإنَّ تَعَلُّمَها بَرَكَةٌ وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولَنْ يَسْتَطِيعَها البَطَلَةُ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما البَطَلَةُ؟

قالَ: السَّحَرَةُ» .

تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ وحُسْنِ تَوْفِيقِهِ طَبْعُ المُجَلَّدِ الأوَّلِ مِن تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ في مَطابِعِ دارِ إحْياءِ التُّراثِ العَرَبِيِّ - بَيْرُوتَ الزّاهِرَةِ أدامَها اللَّهُ لِطَبْعِ المَزِيدِ مِنَ الكُتُبِ النّافِعَةِ.

وَآخِرُ دَعْوانا أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)

{لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا} محكي عنهم أو مستأنف {إِلاَّ وُسْعَهَا} إلا طاقتها وقدرتها لأن التكليف لا يرد إلا بفعل يقدر عليه المكلف كذا في شرح التأويلات وقال صاحب الكشاف الوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى غاية الطاقة والمجهود فقد كان في طاقة الإنسان أن يصلي أكثر من الخمس ويصوم أكثر من الشهر ويحج أكثر من حجة {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت} ينفعها ما كسبت من خير ويضرها ما اكتسبت من شر وخص الخير بالكسب والشر بالاكتساب لأن الافتعال للانكماش والنفس تنكمش في الشر وتتكلف للخير {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا} تركنا أمراً من أوامرك سهواً {أَوْ أَخْطَأْنَا} ودل هذا على جواز المؤاخذة فى النسيان والخطأ خلافا للمعتزلة لا مكان التحرز عنهما في الجملة ولولا جواز المؤاخذة بهما لم يكن للسؤال معنى {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} عبأ يأصر حامله أي يحبسه مكانه لثقله استعير للتكليف الشاق من نحو قتل الأنفس وقطع

موضع النجاسة من الجلد والثوب وغير ذلك {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا} كاليهود {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} من العقوبات النازلة بمن قبلنا {واعف عنا} امح سيآتنا {واغفر لنا} واسترد ذنوبنا وليس بتكرار فالأول للكبائر والثاني للصغائر {وارحمنا} بتثقيل ميزاننا مع افلاسنا أو الأول من المسخ والثاني من الخسف والثالث من الغرق {أَنتَ مولانا} سيدنا ونحن عبيدك أو ناصرنا أو متولي أمورنا {فانصرنا عَلَى القوم الكافرين} فمن حق المولى أن ينصر عبيده في الحديث من قرأ آمن الرسول إلى آخره في ليلة كفتاه وفيه من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل ويجوز أن يقال قرأت سورة البقرة أو قرأت البقرة لما روى عن على رضى الله عنه خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش وقال بعضهم يكره ذلك بل يقال قرأت السورة التي تذكر فيها البقرة والله أعلم

آل عمران (١ _ ٦)

سورة آل عمران نزلت بالمدينة وهى مائتا آية

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ إخْبارًا مِنهُ تَعالى بَعْدَ تَلَقِّيهِمْ لِتَكالِيفِهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ والقَبُولِ بِما لَهُ عَلَيْهِمْ في ضِمْنِ التَّكْلِيفِ مِن مَحاسِنِ آثارِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ اِبْتِداءً لا بَعْدَ السُّؤالِ كَما سَيَجِيئُ والتَّكْلِيفُ إلْزامُ ما فِيهِ كُلْفَةٌ ومَشَقَّةٌ، والوُسْعُ ما تَسَعُهُ قُدْرَةُ الإنْسانِ أوْ ما يَسْهُلُ عَلَيْهِ مِنَ المَقْدُورِ وهو ما دُونُ مَدى طاقَتِهِ أيْ سُنَّتِهِ تَعالى أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا مِنَ النُّفُوسِ إلّا ما تُطِيقُ وإلّا ما هو دُونَ ذَلِكَ كَما في سائِرِ ما كَلَّفَنا بِهِ مِنَ الصَّلاةِ والصِّيامِ مَثَلًا فَإنَّهُ كَلَّفَنا خَمْسَ صَلَواتٍ والطّاقَةُ تَسَعُ سِتًّا وزِيادَةً، وكَلَّفَنا صَوْمَ رَمَضانَ والطّاقَةُ تَسَعُ شَعْبانَ مَعَهُ وفَعَلَ ذَلِكَ فَضْلًا مِنهُ ورَحْمَةً بِالعِبادِ أوْ كَرامَةً ومِنَّةً عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ خاصَّةً.

وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ (وُسَعَها) بِفَتْحِ السِّينِ، والآيَةُ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ لا عَلى اِمْتِناعِهِ، أمّا عَلى الأوَّلِ: فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الثّانِي: فَبِطَرِيقِ الأوْلى، وقِيلَ: إنَّها عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ الخِطابَ حِينَئِذٍ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الأُمَّةِ وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا دَلِيلَ فِيها عَلى اِمْتِناعِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ كَما وُهِمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ بَعْضُ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ ورُبَّما يَأْتِيكَ ما يَنْفَعُكَ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

﴿ لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ ﴾ جُمْلَةٌ أُخْرى مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِلتَّرْغِيبِ والمُحافَظَةِ عَلى مَواجِبِ التَّكْلِيفِ والتَّحْذِيرِ عَنِ الإخْلالِ بِها بِبَيانِ أنَّ تَكْلِيفَ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ مُقارَنَتِهِ لِنِعْمَةِ التَّخْفِيفِ والتَّيْسِيرِ يَتَضَمَّنُ مُراعاتَهُ مَنفَعَةً زائِدَةً وأنَّها تَعُودُ إلَيْها لا إلى غَيْرِها ويَسْتَتْبِعُ الإخْلالَ بِها مَضَرَّةٌ تَحِيقُ بِها لا بِغَيْرِها فَإنَّ اِخْتِصاصَ مَنفَعَةِ الفِعْلِ بِفاعِلِهِ مَن أقْوى الدَّواعِي إلى تَحْصِيلِهِ، واقْتِصارُ مَضَرَّتِهِ عَلَيْهِ مِن أشَدِّ الزَّواجِرِ عَنْ مُباشَرَتِهِ، قالَهُ المَوْلى مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ قُدِّسَ سِرُّهُ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الجُمْلَتانِ في حَيِّزِ القَوْلِ ويَكُونُ ذَلِكَ حِكايَةً لِلْأقْوالِ المُتَفَرِّقَةِ غَيْرِ المَعْطُوفَةِ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ويَكُونُ مَدْحًا لَهم بِأنَّهم شَكَرُوا اللَّهَ تَعالى في تَكْلِيفِهِ حَيْثُ يَرَوْنَهُ بِأنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ وُسْعِهِمْ وبِأنَّهم يَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْتَفِعُ بِعَمَلِهِمُ الخَيْرَ بَلْ هو لَهم ولا يَتَضَرَّرُ بِعَمَلِهِمُ الشَّرَّ بَلْ هو عَلَيْهِمْ ولا يَخْفى أنَّهُ بَعِيدٌ مِن جِهَةٍ قَرِيبٌ مِن أُخْرى، والضَّمِيرُ في (لَها) لِلنَّفْسِ العامَّةِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو ثَوابٌ في الأوَّلِ وعِقابٌ في الآخِرِ، ومُبَيِّنُ (ما) الأُولى: الخَيْرُ لِدَلالَةِ اللّامِ الدّالَّةِ عَلى النَّفْعِ عَلَيْهِ، ومُبَيِّنُ (ما) الثّانِيَةِ: الشَّرُّ لِدَلالَةِ عَلى الدّالَّةِ عَلى الضُّرِّ عَلَيْهِ، وإيرادُ الِاكْتِسابِ في جانِبِ الأخِيرِ لِما فِيهِ مِن زِيادَةِ المَعْنى وهو الِاعْتِمالُ، والشَّرُّ تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ وتَنْجَذِبُ إلَيْهِ فَكانَتْ أجَدَّ في تَحْصِيلِهِ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ ذَلِكَ في الخَيْرِ اِسْتَعْمِلِ الصِّيغَةَ المُجَرَّدَةَ عَنِ الِاعْتِمالِ.

﴿ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ بَقِيَّةِ دَعَواتِهِمْ إثْرَ بَيانِ سِرِّ التَّكْلِيفِ، وقِيلَ: اِسْتِيفاءٌ لِحِكايَةِ الأقْوالِ، وفي «اَلْبَحْرِ» وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ الأمْرِ، أيْ قُولُوا في دُعائِكم ذَلِكَ فَهو تَعْلِيمٌ مِنهُ تَعالى لِعِبادِهِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ والطَّلَبِ مِنهُ وهَذا مِن غايَةِ الكَرَمِ ونِهايَةِ الإحْسانِ يُعَلِّمُهُمُ الطَّلَبَ لِيُعْطِيَهم ويُرْشِدَهم لِلسُّؤالِ لِيُثِيبَهُمْ، ولِذَلِكَ قِيلَ، وقَدْ تَقَدَّمَ: لَوْ لَمْ تُرِدْ نَيْلَ ما أرْجُو وأطْلُبُهُ مِن فَيْضِ جُودِكَ ما عَلَّمْتَنِي الطَّلَبا والمُؤاخَذَةُ المُعاقَبَةُ، وفاعَلَ هُنا بِمَعْنى فَعَلَ، وقِيلَ: المُفاعَلَةُ عَلى بابِها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُؤاخِذُ المُذْنِبَ بِالعُقُوبَةِ، والمُذْنِبُ كَأنَّهُ يُؤاخِذُ رَبَّهُ بِالمُطالَبَةِ بِالعَفْوِ إذْ لا يَجِدُ مَن يُخَلِّصُهُ مِن عَذابِهِ سِواهُ فَلِذَلِكَ يَتَمَسَّكُ العَبْدُ عِنْدَ الخَوْفِ مِنهُ بِهِ فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ بِلَفْظِ المُؤاخَذَةِ ولا يَخْفى فَسادُ هَذا إلّا بِتَكَلُّفٍ.

واخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنَ النِّسْيانِ والخَطَأِ عَلى وُجُوهٍ، الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الأوَّلِ التُّرْكُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ولَمْ أكُ عِنْدَ الجُودِ لِلْجُودِ قالِيا ∗∗∗ ولا كُنْتُ يَوْمَ الرَّوْعِ لِلطَّعْنِ ناسِيا والمُرادُ مِنَ الثّانِي العِصْيانُ لِأنَّ المَعاصِيَ تُوصَفُ بِالخَطَأِ الَّذِي هو ضِدُّ الصَّوابِ وإنْ كانَ فاعِلُها (مُتَعَمِّدًا) كَأنَّهُ قِيلَ: رَبَّنا لا تُعاقِبْنا عَلى تَرْكِ الواجِباتِ وفِعْلِ المَنهِيّاتِ، الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُما ما هُما مُسَبَّبانِ عَنْهُ مِنَ التَّفْرِيطِ والإغْفالِ إذْ قَلَّما يَتَّفِقانِ إلّا عَنْ تَقْصِيرٍ سابِقٍ، فالمَعْنى لا تُؤاخِذْنا بِذَلِكَ التَّقْصِيرِ.

الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِهِما أنْفُسَهُما مِن حَيْثُ تَرَتُّبُهُما عَلى ما ذَكَرَ، أوْ مُطْلَقًا إذْ لا اِمْتِناعَ في المُؤاخَذَةِ بِهِما عَقْلًا فَإنَّ المَعاصِيَ كالسُّمُومِ فَكَما أنَّ تَناوُلَها ولَوْ سَهْوًا أوْ خَطَأً مُؤَدٍّ إلى الهَلاكِ فَتَعاطِي المَعاصِي أيْضًا لا يَبْعُدُ أنْ يُفْضِيَ إلى العِقابِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَزِيمَةٍ ولَكِنَّهُ تَعالى وعَدَ التَّجاوُزَ عَنْهُ رَحْمَةً مِنهُ وفَضْلًا، فَيَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ الإنْسانُ بِهِ اِسْتِدامَةً واعْتِدادًا بِالنِّعْمَةِ فِيهِ‘ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ  فِيما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ، وقالَ النَّوَوِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما أُكْرِهُوا عَلَيْهِ ”،» وأوْرَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ لا يُتِمُّ عَلى مَذْهَبِ المُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ مِن أنَّ التَّكْلِيفَ بِغَيْرِ المَقْدُورِ غَيْرُ جائِزٍ عَقْلًا مِنهُ تَعالى إذْ لا يَكُونُ تَرْكُ المُؤاخَذَةِ عَلى الخَطَأِ والنِّسْيانِ حِينَئِذٍ فَضْلًا يُسْتَدامُ ونِعْمَةً يُعْتَدُّ بِها.

﴿ رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا ﴾ أيْ عِبْئًا ثَقِيلًا يَأْصِرُ صاحِبَهُ، أيْ يَحْبِسُهُ مَكانَهُ، والمُرادُ بِهِ التَّكالِيفُ الشّاقَّةُ، وقِيلَ: الإصْرُ الذَّنْبُ الَّذِي لا تَوْبَةَ لَهُ فالمَعْنى اِعْصِمْنا مِنَ اِقْتِرافِهِ، وقُرِئَ (آصارًا) عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ أُبَيٌّ (ولا تُحَمِّلْ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ ﴿ كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ حَمْلًا مِثْلَ حَمْلِكَ إيّاهُ عَلى مَن قَبْلَنا، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ (إصْرًا) أيْ إصْرًا مِثْلَ الإصْرِ الَّذِي حَمَلْتَهُ عَلى مَن قَبْلَنا وهو ما كُلَّفَهُ بَنُو إسْرائِيلَ مِن قَتْلِ النَّفْسِ في التَّوْبَةِ أوْ في القِصاصِ لِأنَّهُ كانَ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ في شَرِيعَتِهِمْ، وقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ مِنَ الثِّيابِ ونَحْوِها وقِيلَ: مِنَ البَدَنِ، وصَرْفِ رُبْعِ المالِ في الزَّكاةِ.

﴿ رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ﴾ اِسْتِعْفاءٌ عَنِ العُقُوباتِ الَّتِي لا تُطاقُ بَعْدَ الِاسْتِعْفاءِ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْها، والتَّعْبِيرُ عَنْ إنْزالِ ذَلِكَ بِالتَّحْمِيلِ مَجازٌ بِاعْتِبارِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ طَلَبًا لِما هو أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ لِتَخْصِيصِهِ بِالتَّشْبِيهِ إلّا أنَّهُ صَوَّرَ فِيهِ الإصْرَ بِصُورَةٍ ما لا يُسْتَطاعُ مُبالَغَةً، وقِيلَ: هو اِسْتِعْفاءٌ عَنِ التَّكْلِيفِ بِما لا تَفِي بِهِ القُدْرَةُ البَشَرِيَّةُ حَقِيقَةً فَتَكُونُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى جَوازِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ وإلّا لَما سُئِلَ التَّخَلُّصَ عَنْهُ ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، والتَّشْدِيدُ هَهُنا لِمُجَرَّدِ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ لِمَفْعُولٍ ثانٍ دُونَ التَّكْثِيرِ.

﴿ واعْفُ عَنّا ﴾ أيِ اُمْحُ آثارَ ذُنُوبِنا بِتَرْكِ العُقُوبَةِ ﴿ واغْفِرْ لَنا ﴾ بِسَتْرِ القَبِيحِ وإظْهارِ الجَمِيلِ ﴿ وارْحَمْنا ﴾ وتَعَطَّفْ عَلَيْنا بِما يُوجِبُ المَزِيدَ، وقِيلَ: ﴿ واعْفُ عَنّا ﴾ مِنَ الأفْعالِ ﴿ واغْفِرْ لَنا ﴾ مِنَ الأقْوالِ ﴿ وارْحَمْنا ﴾ بِثِقَلِ المِيزانِ، وقِيلَ: ﴿ واعْفُ عَنّا ﴾ في سَكَراتِ المَوْتِ ﴿ واغْفِرْ لَنا ﴾ في ظُلْمَةِ القُبُورِ ﴿ وارْحَمْنا ﴾ في أهْوالِ يَوْمِ النُّشُورِ، قالَ أبُو حَيّانَ: ولَمْ يَأْتِ في هَذِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ بِلَفْظِ رَبَّنا لِأنَّها نَتائِجُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الجُمَلِ الَّتِي اُفْتُتِحَتْ بِذَلِكَ فَجاءَ (فاعْفُ عَنّا) مُقابِلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تُؤاخِذْنا ﴾ ، ﴿ واغْفِرْ لَنا ﴾ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا ﴾ ، ﴿ وارْحَمْنا ﴾ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ﴾ لِأنَّ مِن آثارِ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِالنِّسْيانِ والخَطَأِ العَفْوَ، ومِن آثارِ عَدَمِ حَمْلِ الإصْرِ عَلَيْهِمُ المَغْفِرَةَ، ومِن آثارِ عَدَمِ تَحْمِيلِ ما لا يُطاقُ الرَّحْمَةَ، ولا يَخْفى حَسَنُ التَّرْتِيبِ.

﴿ أنْتَ مَوْلانا ﴾ أيْ مالِكُنا وسَيِّدُنا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُتَوَلِّي الأمْرِ، وأصْلُهُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ الفاعِلُ، وإذا ذُكِرَ المَوْلى والسَّيِّدُ وجَبَ في الِاسْتِعْمالِ تَقْدِيمُ المَوْلى فَيُقالُ: مَوْلانا وسَيِّدُنا كَما في قَوْلِ الخَنْساءِ: وإنَّ صَخْرًا لَمَوْلانا وسَيِّدُنا ∗∗∗ وإنَّ صَخْرًا إذا أشْتَوْا لَنَحّارُ وخَطَّئُوا مَن قالَ: سَيِّدُنا ومَوْلانا بِتَقْدِيمِ السَّيِّدِ عَلى المَوْلى كَما قالَهُ اِبْنُ أيْبَكَ، ولِي فِيهِ تَرَدُّدٌ، قِيلَ: والجُمْلَةُ عَلى مَعْنى القَوْلِ أيْ قُولُوا أنْتَ مَوْلانا ﴿ فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ  ﴾ أيِ الأعْداءِ في الدِّينِ المُحارِبِينَ لَنا أوْ مُطْلَقِ الكَفَرَةِ، وأتى بِالفاءِ إيذانًا بِالسَّبَبِيَّةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كانَ مَوْلاهم ومالِكَهم ومُدَبِّرَ أُمُورِهِمْ تَسَبَّبَ عَنْهُ أنْ دَعَوْهُ بِأنْ يَنْصُرَهم عَلى أعْدائِهِمْ فَهو كَقَوْلِكَ أنْتَ الجَوادُ فَتَكَرَّمْ عَلَيَّ وأنْتَ البَطَلُ فاحْمِ الجارَ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في هَذِهِ الآياتِ: ﴿ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ ﴾ أيِ العَوالِمِ الرُّوحانِيَّةِ كُلِّها وما اِسْتَتَرَ في أسْتارِ غِيُوبِهِ وخَزائِنِ عِلْمِهِ ﴿ وما في الأرْضِ ﴾ أيِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ والظَّواهِرِ المُشاهَدَةِ الَّتِي هي مَظاهِرُ الأسْماءِ والأفْعالِ.

﴿ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ ﴾ يَشْهَدْهُ بِأسْمائِهِ وظَواهِرِهِ فَيُحاسِبْكم بِهِ وإنْ تُخْفُوهُ يَشْهَدْهُ بِصِفاتِهِ وبَواطِنِهِ ويُحاسِبْكم بِهِ، ﴿ فَيَغْفِرُ ﴾ لَكم ﴿ لِمَن يَشاءُ ﴾ لِتَوْحِيدِهِ وقُوَّةِ يَقِينِهِ وعُرُوضِ سَيِّئاتِهِ وعَدَمِ رُسُوخِها في ذاتِهِ ﴿ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ لِفَسادِ اِعْتِقادِهِ ووُجُودِ شَكِّهِ، أوْ رُسُوخِ سَيِّئاتِهِ في نَفْسِهِ ﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ لِأنَّ بِهِ ظُهُورَ كُلِّ ظاهِرٍ وبُطُونَ كُلِّ باطِنٍ فَيَقْدِرُ عَلى المَغْفِرَةِ والتَّعْذِيبِ ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ ﴾ الكامِلُ الأكْمَلُ ﴿ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ ﴾ أيْ صَدَّقَهُ بِقَبُولِهِ والتَّخَلُّقِ بِهِ فَقَدْ كانَ خُلُقُهُ  القُرْآنَ والتَّرَقِّيَ بِمَعانِيهِ والتَّحَقُّقَ بِهِ ﴿ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ وحْدَهُ مُشاهَدَةً حِينَ لَمْ يَرَوْا في الوُجُودِ سِواهُ ﴿ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ ﴾ حِينَ رُجُوعِهِمْ إلى مُشاهَدَتِهِمْ، تِلْكَ الكَثْرَةُ مَظاهِرُ لِلْوَحْدَةِ، يَقُولُونَ ﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ ﴾ بِرَدِّ بَعْضٍ وقَبُولِ بَعْضٍ لِمُشاهَدَةِ الحَقِّ فِيهِمْ بِالحَقِّ ﴿ وقالُوا سَمِعْنا ﴾ أجَبْنا رَبَّنا في كُتُبِهِ ورُسُلِهِ ونُزُولِ مَلائِكَتِهِ واسْتَقَمْنا في سَيْرِنا ﴿ غُفْرانَكَ رَبَّنا ﴾ أيِ اِغْفِرْ وُجُوداتِنا وصِفاتِنا واسْتُرْ ذَلِكَ بِوُجُودِكَ وصِفاتِكَ فَمِنكَ المَبْدَأُ ﴿ وإلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ بِالفَناءِ فِيكَ ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ إلّا ما يَسَعُها ولا يَضِيقُ بِهِ طَوْقُها واسْتِعْدادُها مِنَ التَّجَلِّياتِ ﴿ لَها ما كَسَبَتْ ﴾ مِنَ الخَيْرِ والكِمالاتِ والكُشُوفِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِاعْتِمالٍ أوْ بِغَيْرِ اِعْتِمالٍ ﴿ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ ﴾ وتَوَجَّهَتْ إلَيْهِ بِالقَصْدِ مِنَ السُّوءِ.

﴿ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا ﴾ عَهْدَكَ بِمَيْلِنا إلى ظُلْمَةِ الطَّبِيعَةِ ﴿ أوْ أخْطَأْنا ﴾ بِالعَمَلِ عَلى غَيْرِ الوَجْهِ اللّائِقِ لِحَضْرَتِكَ ﴿ رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا ﴾ وهو عِبْءُ الصِّفاتِ والأفْعالِ الحابِسَةِ لِلْقُلُوبِ مِن مُعايَنَةِ الغُيُوبِ ﴿ كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا ﴾ مِنَ المُحْتَجِبِينَ بِظَواهِرِ الأفْعالِ أوْ بَواطِنِ الصِّفاتِ.

﴿ رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ﴾ مِن ثِقَلِ الهِجْرانِ والحِرْمانِ عَنْ وِصالِكَ ومُشاهَدَةِ جَمالِكِ بِحَجْبِ جَلالِكَ ﴿ واعْفُ عَنّا ﴾ سَيِّئاتِ أفْعالِنا وصِفاتِنا فَإنَّها سَيِّئاتٌ حَجَبَتْنا عَنْكَ وحَرَمَتْنا بَرَدَ وِصالِكَ ولَذَّةَ رِضْوانِكَ ﴿ واغْفِرْ لَنا ﴾ ذُنُوبَ وجُودِنا فَإنَّهُ أكْبَرُ الكَبائِرِ ﴿ وارْحَمْنا ﴾ بِالوُجُودِ المَوْهُوبِ بَعْدَ الفَناءِ ﴿ أنْتَ مَوْلانا ﴾ أيْ سَيِّدُنا ومُتَوَلِّي أُمُورِنا لِأنّا مَظاهِرُكَ وآثارُ قُدْرَتِكَ ﴿ فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ مِن قُوى نُفُوسِنا الأمّارَةِ وصِفاتِها وجُنُودِ شَياطِينِ أوْهامِنا المَحْجُوبِينَ عَنْكَ الحاجِبِينَ إيّانا لِكَفْرِهِمْ وظُلْمَتِهِمْ.

هَذا وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ واَلتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ اِبْنِ عَبّاسٍ: «“لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَقَرَأها  قِيلَ لَهُ عَقِيبَ كُلِّ كَلِمَةٍ (قَدْ فَعَلْتُ)”،» وأخْرَجَ أبُو سَعِيدٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ: «“أنَّ جِبْرِيلَ لَمّا جاءَ بِهَذِهِ الآيَةِ ومَعَهُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ وقَرَأها رَسُولُ اللَّهِ  قالَ لَهُ بَعْدَ كُلِّ كَلِمَةٍ (لَكَ ذَلِكَ) حَتّى فَرَغَ مِنها”،» وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ: «“أنَّ جِبْرِيلَ لَقَّنَ رَسُولَ اللَّهِ  عِنْدَ خاتِمَةِ البَقَرَةِ (آمِينَ)»، وأخْرَجَ الأئِمَّةُ السِّتَّةُ في «كُتُبِهِمْ» عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: «مَن قَرَأ الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ ”،» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «“ إنِ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ كِتابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِألْفَيْ عامٍ فَأنْزَلَ مِنهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِما سُورَةَ البَقَرَةِ ولا يُقْرَآنِ في دارٍ ثَلاثَ لَيالٍ فَيَقْرَبُها شَيْطانٌ ”،» وأخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  ، قالَ: «“ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى آيَتَيْنِ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ كَتَبَهُما الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ بِألْفَيْ عامٍ مَن قَرَأهُما بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ أجْزَأتاهُ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ،» وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «اَلشُّعَبِ» عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: «”إنَّ اللَّهَ خَتَمَ سُورَةَ البَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أعْطانِيهِما مِن كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ العَرْشِ فَتَعَلَّمُوهُما وعَلِّمُوهُما نِساءَكم وأبْناءَكم فَإنَّهُما صَلاةٌ وقُرْآنٌ ودُعاءٌ“،» وفي رِوايَةِ أبِي عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ ”أنَّهُنَّ قُرْآنٌ وأنَّهُنَّ دُعاءٌ وأنَّهُنَّ يُدْخِلْنَ الجَنَّةَ وأنَّهُنَّ يُرْضِينَ الرَّحْمَنَ“، وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والدّارِمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كِلاهُما قالَ: ”ما كُنْتُ أرى أحَدًا يَعْقِلُ يَنامُ حَتّى يَقْرَأ هَؤُلاءِ الآياتِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ“، والآثارُ في فَضْلِها كَثِيرَةٌ وفِيما ذَكَرْنا كِفايَةٌ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ تَعالى.

اللَّهُمَّ اِجْعَلْ لَنا مِن إجابَةِ هَذِهِ الدَّعَواتِ أوْفَرَ نَصِيبٍ، ووُفِّقْنا لِلْعَمَلِ الصّالِحِ والقَوْلِ المُصِيبِ، واجْعَلِ القُرْآنَ رَبِيعَ قُلُوبِنا وجَلاءَ أسْماعِنا ونُزْهَةَ أرْواحِنا، ويَسِّرْ لَنا إتْمامَ ما قَصَدْناهُ، ولا تَجْعَلُ لَنا مانِعًا عَمّا بِتَوْفِيقِكَ أرَدْناهُ، وصَلِّ وسَلِّمْ عَلى خَلِيفَتِكَ الأعْظَمِ وكَنْزِكَ المُطَلْسِمِ، وعَلى آلِهِ الواقِفِينَ عَلى أسْرارِ كِتابِكَ، وأصْحابِهِ الفائِزِينَ بِحُكْمِ خِطابِكَ ما اِرْتاحَتْ رُوحٌ وحَصَلَ لَقارِعٍ بابَ جُودِكَ فُتُوحٌ.

سُورَةُ آلِ عِمْرانَ وهِي مِائَتا آيَةٍ، أخْرَجَ اِبْنُ الضَّرِيسِ والنَّحّاسُ والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رِضى اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، واسْمُها في التَّوْراةِ كَما رَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ طِيبَةُ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَسْمِيَتُها، والبَقَرَةِ الزَّهْراوانِ وتُسَمّى الأمانَ والكَنْزَ والمَعْنِيَّةَ والمُجادَلَةَ وسُورَةَ الِاسْتِغْفارِ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِتِلْكَ السُّورَةِ أنَّ كَثِيرًا مِن مُجْمِلاتِها تَشْرَحُ بِما في هَذِهِ السُّورَةِ، وأنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ بِمَنزِلَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ وهَذِهِ بِمَنزِلَةِ الشُّبْهَةِ ولِهَذا تَكَرَّرَ فِيها ما يَتَعَلَّقُ بِالمَقْصُودِ الَّذِي هو بَيانُ حَقِّيَّةِ الكِتابِ مِن إنْزالِ الكِتابِ وتَصْدِيقِهِ لِلْكُتُبِ قَبْلَهُ والهُدى إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وتَكَرَّرَتْ آيَةُ ﴿ قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ ﴾ بِكَمالِها ولِذَلِكَ ذَكَرَ في هَذِهِ ما هو تالٍ لِما ذَكَرَ في تِلْكَ أوْ لازِمٌ لَهُ، فَذَكَرَ هُناكَ خَلْقَ النّاسِ وذَكَرَ هُنا تَصْوِيرَهم في الأرْحامِ، وذَكَرَ هُناكَ مَبْدَأ خَلْقِ آدَمَ وذَكَرَ هُنا مَبْدَأ أوْلادِهِ، وألْطَفُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ اِفْتَتَحَ البَقَرَةَ بِقِصَّةِ آدَمَ وخَلْقِهِ مِن تُرابٍ ولا أُمَّ وذَكَرَ في هَذِهِ نَظِيرَهُ في الخَلْقِ مِن غَيْرِ أبٍ وهو عِيسى ولِذَلِكَ ضَرَبَ لَهُ المَثَلَ بِآدَمَ، واخْتُصَّتِ البَقَرَةُ بِآدَمَ لِأنَّها أوَّلُ السُّوَرِ وهو أوَّلُ في الوُجُودِ وسابِقٌ ولِأنَّها الأصْلُ وهَذِهِ كالفَرْعِ والتَّتِمَّةِ لَها فاخْتُصَّتْ بِالأغْرَبِ ولِأنَّها خِطابٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ قالُوا في مَرْيَمَ ما قالُوا وأنْكَرُوا وُجُودَ ولَدٍ بِلا أبٍ فَفُوتِحُوا بِقِصَّةِ آدَمَ لِتَثْبُتَ في أذْهانِهِمْ فَلا تَأْتِي قِصَّةُ عِيسى إلّا وقَدْ ذُكِرَ عِنْدَهم ما يَشْهَدُ لَها مِن جِنْسِها، ولِأنَّ قِصَّةَ عِيسى قِيسَتْ عَلى قِصَّةِ آدَمَ والمَقِيسُ عَلَيْهِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِتَتِمَّ الحُجَّةَ بِالقِياسِ فَكانَتْ قِصَّةُ آدَمَ والسُّورَةُ الَّتِي هي فِيها جَدِيرَةً بِالتَّقْدِيمِ.

وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن وُجُوهِ التَّلازُمِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أنَّهُ قالَ في البَقَرَةِ في صِفَةِ النّارِ: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ مَعَ اِفْتِتاحِها بِذِكْرِ المُتَّقِينَ والكافِرِينَ مَعًا، وقالَ في آخِرِ هَذِهِ: ﴿ وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ فَكَأنَّ السُّورَتَيْنِ بِمَنزِلَةِ سُورَةٍ واحِدَةٍ ومِمّا يُقَوِّي المُناسِبَةَ والتَّلازُمَ بَيْنَهُما أنَّ خاتِمَةَ هَذِهِ مُناسَبَةٌ لِفاتِحَةِ تِلْكَ لِأنَّ الأُولى اُفْتُتِحَتْ بِذِكْرِ المُتَّقِينَ وأنَّهُمُ المُفْلِحُونَ وخُتِمَتْ هَذِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ وافْتُتِحَتِ الأُولى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ وخُتِمَتْ آلِ عِمْرانَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ﴾ وقَدْ ورَدَ «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لَمّا نَزَّلَ ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴾ الآيَةَ: يا مُحَمَّدُ اِفْتَقَرَ رَبُّكَ يَسْألُ عِبادَهُ القَرْضَ فَنَزَّلَ ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ ﴾ » وهَذا مِمّا يُقَوِّي التَّلازُمَ أيْضًا، ومِثْلُهُ أنَّهُ وقَعَ في البَقَرَةِ حِكايَةُ قَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿ رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ ﴾ الآيَةَ، وهُنا ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مَنَّ أنْفُسِهِمْ ﴾ الآيَةَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ روي عن الحسن وعن مجاهد: أن هذه الآية نزلت في قصة المعراج، وهكذا روي في بعض الروايات عن عبد الله بن عباس.

وقال بعضهم جميع القرآن نزل به جبريل على محمد  إلا هذه الآية، فإن النبيّ  سمعها ليلة المعراج.

وقال بعضهم: لم يكن ذلك في قصة المعراج، لأن ليلة المعراج كانت بمكة، وهذه السورة كلها مدنية، فأما من قال: إنها كانت في ليلة المعراج.

قال: لما صعد النبي  ، وبلغ فوق السموات في مكان مرتفع، ومعه جبريل حتى جاوز سدرة المنتهى.

فقال له جبريل: إني لم أجاوز هذا الموضع، ولم يؤمر أحد بالمجاوزة عن هذا الموضع غيرك، فجاوز النبيّ  حتى بلغ الموضع الذي شاء الله، فأشار إليه جبريل بأن يسلم على ربه.

فقال النبيّ  : «التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ» .

فقال الله تعالى: السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، فأراد النبي  أن يكون لأمته حظ في السلام فقال: «السَّلامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ» .

فقال جبريل: وأهل السموات كلهم، أَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

قال الله تعالى على معنى الشكر آمن الرسول، أي: صدق النبي  بما أنزل إليه من ربه، فأراد النبيّ  أن يشارك أمته في الفضيلة فقال: وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ يعني: يقولون آمنا بجميع الرسل، ولا نكفر بواحد منهم، ولا نفرق بينهم، كما فرقت اليهود والنصارى.

فقال له ربه عز وجل: كيف قبولهم للآي التي أنزلتها؟

وهي قوله: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ [البقرة: 284] ، فقال: رسول الله: وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا أي أطعنا مغفرتك يا ربنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ أي: المرجع قال الله تعالى عند ذلك: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي طاقتها.

ويقال: إلا دون طاقتها ويقال لا يكلف الصلاة قائماً لمن لا يقدر عليها لَها مَا كَسَبَتْ من الخير وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ من الشر فقال له جبريل عند ذلك: سل تعط فقال النبي  : «ربنا لا تؤاخذنآ إن نَّسِينَا» يعني: إن جهلنا أَوْ أَخْطَأْنا يعني: إن تعمدنا، ويقال إن عملنا بالنسيان، أو أخطأنا يعني عملنا بالخطأ، فقال له جبريل: قد أعطيت ذلك قد رفع عن أمتك الخطأ والنسيان شيئاً آخر، فقال عند ذلك: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً يعني ثقلاً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا وهو أنه حرم عليهم الطيبات بظلمهم، وكانوا إذا أذنبوا بالليل، وجدوه مكتوباً على بابهم، وكانت الصلوات عليهم خمسين، فخففت عن هذه الأمة، وحطّ عنهم بعد ما فرض عليهم إلى خمس صلوات ثم قال: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ يقول: لا تكلفنا من العمل ما لا نطيق، فتعذبنا.

ويقال: ما يشق ذلك علينا، لأنه لو أمر بخمسين صلاة، لكانوا يطيقون ذلك، ولكنه يشقّ عليهم، ولا يطيقون الإدامة على ذلك وَاعْفُ عَنَّا من ذلك كله وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أي: تجاوز عنا ويقال: واعف عنا من المسخ، واغفر لنا من الخسف، وارحمنا من القذف، لأن الأمم الماضية بعضهم أصابهم المسخ، وبعضهم أصابهم الخسف، وبعضهم القذف ثم قال: أَنْتَ مَوْلانا أي: أنت ولينا وحافظنا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ فاستجيب دعاؤه.

وروي عن النبي  أنه قال: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» .

ويقال: إن الغزاة إذا خرجوا من بلادهم بالنية الخالصة، وضربوا الطبل، وقع الرعب والهيبة في قلوب الكفار مسيرة شهر، علموا بخروجهم أو لم يعلموا، ثم إن النبيّ  لما رجع، أوحى الله تعالى إليه هذه الآيات، ليعلم أمته بذلك.

ولهذه الآية تفسير آخر قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى فرض الصلاة والزكاة في هذه السورة، وبيّن أحكام الحج، وحكم الحيض، والطلاق والإيلاء، وأقاصيص الأنبياء، وبيّن حكم الربا والدين، ثم ذكر تعظيمه بقوله تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [لقمان: 26] الآية.

ثم ذكر تصديق جميع ذلك حيث قال: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، أي صدق الرسل بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها، وكذلك المؤمنون.

كلهم صدقوا بالله وملائكته وكتبه ورسله.

قرأ حمزة والكسائي وكتابه على معنى الوحدان.

وقرأ الباقون وكتبه على معنى الجمع.

ثم قال: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، فأخبر عن المؤمنين بأنهم يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله.

قرأ الحضرمي لا يفرق بالياء، ومعنا كل آمن بالله، وكل لا يفرق.

وقرأ ابن مسعود لا يفرقون بين أحد من رسله.

وَقالُوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا، أي قبلنا ما سمعنا، لأن من سمع ولم يقبل قيل له: أصم، لأنه لم ينتفع بسماعه.

وقرأ أبو عمرو من رسله، برفع السين، وكذلك في جميع القرآن غير هذه الحروف الأربعة، مثل رسلنا ورسلهم يقرأ بالسكون، وقرأ الباقون برفع السين في جميع القرآن.

ومعنى قوله: غُفْرانَكَ رَبَّنا، أي اغفر غفرانك، وهو من أسماء المصادر كالكفران والشكران وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

يعني نحن مقرون بالبعث.

ثم قال: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها يعني: طاقتها قال الفقيه: حدّثنا أبو الحسين قال: حدثنا محمد بن يوسف قال: حدثنا محمد بن عبد الله قال: حدّثنا مروان عن عطاء بن عجلان عن زرارة بن أبي أوفى عن أبي هريرة عن النبيّ  أنه قال: «إن الله تَجَاوَزَ عَنْ هذه الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها، أَوْ هَمَّتْ بِهِ مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ، أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ» ثم قال لَها مَا كَسَبَتْ، وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ، رَبَّنا لاَ تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا، أي لا تؤاخذ أحداً بذنوب غيره، كما قال في آية أخرى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: 164] وقوله: إن نسينا أي إن تركنا أو أخطأنا، يعني إن كسبنا خطيئة، فأخبر الله تعالى بهذا عن النبيّ  ، وعن المؤمنين، وجعله في كتابه ليكون دعاء النبي  لهم دعوة يدعون بها من بعده، لأن هذا الدعاء قد استجيب له، فينبغي أن يحفظ، ويدعى به كثيراً.

قال الفقيه: حدثنا القاضي الخليل قال: حدثنا السراج قال: حدثنا أحمد بن سعيد الرازي قال: حدثنا سهل بن بكار قال: حدثنا أبو عوانة عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال: قال رسول الله  : «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلاثِ خِصَالٍ: جُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِداً، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُوراً، وَجُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ المَلاَئِكَةِ، وَأُوتِيتُ هذه الآياتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ قَبْلِي، ولا تُعْطَى أَحَداً بَعْدِي» .

وروى أبو أمامة الباهلي عن النبيّ  أنه قال: «تَعَلَّمُوا البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فإنَّهُمَا تَجِيئَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَالغَمَامَتَيْنِ- أوْ كَالغَيَايَتَيْنِ، أوْ كَفِرْقَتَيْنِ- مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، وَيُحَاجَّانَ عَنْ صَاحِبِهِمَا» .

ثم قال: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فإنَّ أخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلا يَسْتَطِيعُهَا البَطَلَةُ» ، يعني السَّحَرَةَ.

وروي عن النبيّ  أنه نزل عليه ملك فقال له: إن الله يبشرك بنورين، لم يعطهما نبياً قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لا يقرأ بحرف منهما إلا أعطيته نوراً.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «لَوْ بَلَغَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ ثلاثمائةِ آيةٍ، لَتَكَلَّمَتْ» يعني: لصارت بحال تتكلم، لأنه لا يبقى شيء، إلا اجتمع فيها من كثرة ما فيها من العجائب.

والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لاَ تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)

وقوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ...

الآية: خبرُ جزمٍ نصَّ على أنَّه لا يكلِّف اللَّه العبادَ مِنْ وقْتِ نزولِ الآيةِ عبادةً مِنْ أَعمالِ القَلْب والجوارحِ إِلاَّ وهِيَ في وُسْعِ المكلَّف، وفي مقتضى إِدراكه وبنيته، وبهذا انكشفت الكُرْبَةُ عن المسلِمِينَ في تأوُّلهم أمْر الخواطِرِ، وهذا المعنَى الذي ذكَرْناه في هذه الآية يَجْرِي مع معنى قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] وقوله تعالى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨] وقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦] ، قال العراقيُّ:

وُسْعَها، أي: طاقتها.

اهـ.

قال ع «١» : واختلف النَّاسُ في جوازِ تكليفِ ما لا يُطَاقُ في الأحكامِ الَّتي هي في الدُّنْيا بعد اتفاقهم على أنَّه ليس واقعًا الآنَ في الشَّرْعِ، وأنَّ هذه الآية آذَنَتْ بعدمه، واختلف القائلُونَ بجوازِهِ، هل وَقَعَ في رسالةِ سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلم أمْ لاَ؟

فقالَتْ فرقة: وقَعَ في نازلةِ أبِي لَهَبٍ لأنه حَكَم علَيْه بتَبِّ اليدَيْنِ، وصَلْيِ النَّارِ وذلك مُؤْذِنٌ أنه لا يؤْمِنُ، وتكليفُ الشرْعِ له الإِيمان راتب، فكأنه كُلِّف أنْ يؤمِنَ، وأنْ يكون في إيمانه أنَّه لا يؤمن لأنه إِذا آمَن، فلا محالة أنْ يُدَيَّنَ بسورة: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ.

وقالتْ فرقةٌ: لم يقَعْ قطُّ، وقوله تعالى: سَيَصْلى نَاراً [المسد: ٣] إِنما معناه: إِن وافى على كفره.

ع «٢» : وما لا يطاقُ على أقسامٍ:

منه المُحَالُ عقْلاً كالجمْعِ بين الضِّدَّيْن، ومنْه المُحَالُ عادَةً كرفع إِنسانٍ جبلاً، ومنْه ما لا يطاقُ مِنْ حيث هو مُهْلِكٌ كالاِحتراقِ بالنارِ، ونحوه، ومنه ما لا يطاقُ للاشتغال ٧٦ ب بغَيْره، وهذا/ إِنما يقال فيه مَا لاَ يطاقُ على تجوُّزٍ كثيرٍ.

وقوله تعالى: لَها مَا كَسَبَتْ، يريدُ: من الحسناتِ، وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ، يريد:

من السِّيِّئاتِ قاله جماعة المفسِّرين لا خلاف في ذلك، والخواطُر ونحوها ليس من كَسْب الإنسان، وجاءت العَبَارةُ في الحَسَنَاتِ ب «لَهَا» من حيثُ هي مما يفرح الإِنسان بكسبه، ويسر المرء بها، فتضاف إِلى ملكه، وجاءَتْ في السيئة ب «عَلَيْهَا» من حيث هي أوزارٌ، وأثقال، ومتحَملاَتٌ صعْبَةٌ وهذا كما تقول: لي مالٌ، وعليَّ دَيْنٌ، وكرَّر فعْلَ الكَسْب، فخالف بين التصريفَيْن حسنًا لنمط الكلامِ كما قال: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق: ١٧] هذا وجه.

ع «١» : والذي يظهر لِي في هذا أنَّ الحسناتِ ممَّا يكسب دُونَ تكلُّف إِذ كاسبُها على جادَّة أمر اللَّه، ورسْمِ شرعه، والسيِّئَاتُ تُكْتَسَبُ ببناءِ المبالغة إِذ كاسبها يتكلَّف في أمرها خَرْقَ حجابِ نَهْيِ اللَّه تعالى، ويتخطَّاه إِلَيْها، فيحسن في الآية مجيءُ التصريفَيْن لهذا المعنى.

وقال المهدويُّ وغيره: معنى الآيةِ: لاَ يُؤَاخَذُ أحدٌ بذَنْبِ أحدٍ «٢» قال ع «٣» :

وهذا صحيحٌ في نفسه، لكن من غير هذه الآية.

وقوله تعالى: رَبَّنا لاَ تُؤاخِذْنا: معناه: قُولُوا، واختلف الناسُ في معنى قوله سبحانه: إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، فذهب كثير من العلماء إلى أَنَّ هذا الدعاءَ في النسيانِ الغالبِ، والخَطَإ غَيْر المقصودِ، وهو الصحيحُ عندي، قال قتادةُ في تفسير الآيةِ: بلغَنِي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ اللَّهِ تعالى تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَنْ نِسْيَانِهَا وَخَطَئِهَا» ، وقال السُّدِّيُّ: لما نزلَتْ هذه الآية، فقالوها، قال جبريل للنّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «قَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ، يَا مُحَمَّدُ» ، قال ع «٤» : فظاهر قولَيْهما ما صحَّحته وذلك أن المؤمنين، لما كُشِفَ عنهم ما خافوه في قوله تعالى: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٤] ، أمروا بالدعاء في ذلك النوْعِ الذي لَيْسَ من طاقة الإِنسان دفْعُهُ، وذلك في النسيانِ، والخطأ، والإِصر الثقيلِ، وما لا يطاقُ على أتمِّ أنواعه، وهذه الآية على هذا القولِ تقضِي بجوازِ تكليفِ ما لا يطاقُ ولذلك أمر المؤمنون بالدعاءِ في ألاَّ يقع هذا الجائزُ الصَّعْبُ.

ومذهب أبي الحَسَنِ الأشعريِّ «٥» وجماعةٍ من

المتكلِّمين أنَّ تكليف ما لا يطاق جائزٌ عقلاً، ولا يخرم ذلك شيئاً من عقائِد الشَّرْع.

وذهب الطبريُّ «١» وغيره إِلى أنَّ تكليفَ ما لا يطاقُ غيْر جائزٍ، وأنَّ النسيان في الآية بمعنى التَّرْك أيْ: إِن تركنا شيئاً من طاعتك، والخَطَأ هو المقصودُ من العَصْيَان، والإِصْر هي العباداتُ الثقيلةُ كتكاليف بني إِسرائيل، وما لا طاقة للمرءِ به هو عندهم على تجوُّز كما تقولُ: لا طاقة لي على خصومة فُلاَنٍ، أو: لا طاقَةَ لَنَا به من حيث هو مهلكٌ كعذاب جهنَّم وغيره، ثُمَّ قال تعالى فيما أمر المؤمنين بقوله: وَاعْفُ عَنَّا، أي: فيما واقعناه، وَاغْفِرْ لَنا، أيْ: استر علينا ما عَلِمْتَ منا وَارْحَمْنا، أيْ: تَفضَّلْ مبتدئاً برَحْمَةٍ منك لنا، فهذه مناح من الدعاء متباينة، وأَنْتَ مَوْلانا: مدح في ضمنه تقرّب ٧٧ ب إِلَيْه، وشُكْر على نعمه، ومولى: هو من وَلِيَ، وفي الحديث/: أنَّ جبريلَ- عليه السلام- قال للنبيّ صلّى الله عليه وسلم: «قُلْ: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا» فقالَهَا، فَقَالَ جِبْرِيلُ: قَدْ فَعَلَ، قَالَ: قُلْ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُهَا فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: قَدْ فَعَلَ إلى آخِرِ السُّورةِ» «٢» .

وتظاهرتْ بهذا المعنى أحاديثُ، وروى أبو مسعودٍ عُقْبَةُ بن عمرٍو «٣» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ» «٤» يَعْنِي مِنْ قيام الليل، قال

صاحب «سلاح المؤمن» : هذا الحديثُ رواه الجماعةُ، يعني: الستةَ، ومعنى: «كَفَتَاهُ» أجزتَاهُ عنْ قيامِ الليل، وقيل: كَفَتَاهُ مِنْ كلِّ شيطانٍ، فلا يقربه ليلَتَهُ، وقيل: كفتاه ما يكُونُ مِنَ الآفاتِ تلك الليلةَ، وقيل: معناه حَسْبُهُ بهما فضلاً وأجراً، ويحتمل الجميع، واللَّه أعلم.

اهـ من «سلاح المؤمن» .

وقال عليٌّ- رضي اللَّه عنه-: «ما أظنُّ أَحَداً عَقَلَ، وأدْرَكَ الإِسْلاَمَ يَنَامُ، حتى يَقْرَأَهُمَا» «١» وفي الحديثِ أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلم، قَالَ: «أُوتِيتُ هَؤُلاَءِ الآياتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ يُؤْتَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي» «٢» .

كمل تفسير سورة البقرة، والحمد لله

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ الوُسْعُ: الطّاقَةُ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

ومَعْناهُ: لا يُكَلِّفُها ما لا قُدْرَةَ لَها عَلَيْهِ لِاسْتِحالَتِهِ، كَتَكْلِيفِ الزَّمِنِ السَّعْيِ، والأعْمى النَّظَرِ.

فَأمّا تَكْلِيفُ ما يَسْتَحِيلُ مِنَ المُكَلَّفِ، لِفَقْدِ الآَلاتِ، فَيَجُوزُ كَتَكْلِيفِ الكافِرِ الَّذِي سَبَقَ في العِلْمِ القَدِيمِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ الإيمانَ، فالآَيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى ما قُلْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: في سِياقِ الآَيَةِ ﴿ رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ﴾ فَلَوْ كانَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ مُمْتَنِعًا، كانَ السُّؤالُ عَبَثًا، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِدُعاءِ قَوْمٍ قالَ فِيهِمْ: ﴿ وَإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا  ﴾ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: لا تُحَمِّلْنا ما يَثْقُلُ عَلَيْنا أداؤُهُ، وإنْ كُنّا مُطِيقِينَ لَهُ عَلى تَجَشُّمٍ، وتَحَمُّلِ مَكْرُوهٍ، فَخاطَبَ العَرَبَ عَلى حَسْبِ ما تَعْقِلُ، فَإنَّ الرَّجُلَ مِنهم يَقُولُ لِلرَّجُلِ يُبْغِضُهُ: ما أُطِيقُ النَّظَرَ إلَيْكَ، وهو مُطِيقٌ لِذَلِكَ، لَكِنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَها ما كَسَبَتْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَها ما كَسَبَتْ مِن طاعَةٍ ﴿ وَعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ ﴾ مِن مَعْصِيَةٍ.

قالَ أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ: فَقَوْلُهُ: "لَها" دَلِيلٌ عَلى الخَيْرِ، و"عَلَيْها" دَلِيلٌ عَلى الشَّرِّ.

وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنْ "كَسَبَتْ" لِمَرَّةٍ ومَرّاتٍ، و"اكْتَسَبَتْ" لا يَكُونُ إلّا لِشَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ، وهُما عِنْدَ آَخَرِينَ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا ﴾ هَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِلْخَلْقِ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمُرادُ بِالنِّسْيانِ هاهُنا: التَّرْكُ مَعَ العَمْدِ، لِأنَّ النِّسْيانَ الَّذِي هو بِمَعْنى الغَفْلَةِ قَدْ أُمِنَتِ الآَثامُ مِن جِهَتِهِ.

والخَطَأُ أيْضًا هاهُنا مِن جِهَةِ العَمْدِ، لا مِن جِهَةِ السَّهْوِ، يُقالُ: أخْطَأ الرَّجُلُ: إذا تَعَمَّدَ، كَما يُقالُ: أخْطَأ إذا غَفَلَ.

وفي "الإصْرِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العَهْدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: الثِّقَلُ، أيْ: لا تُثْقِلْ عَلَيْنا مِنَ الفُرُوضِ ما ثَقَّلْتَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ما يَصْعُبُ ويَشُقُّ مِنَ الأعْمالِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، والجُمْهُورُ، والثّانِي: أنَّهُ المَحَبَّةُ، رَواهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ إبْراهِيمَ.

والثّالِثُ: الغُلْمَةُ قالَهُ مَكْحُولٌ.

والرّابِعُ: حَدِيثُ النَّفْسِ ووَساوِسُها.

والخامِسُ: عَذابُ النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْتَ مَوْلانا ﴾ أيْ: أنْتَ ولِيُّنا ﴿ فانْصُرْنا ﴾ أيْ: أعِنّا.

وكانَ مُعاذٌ إذا فَرَغَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ قالَ: آَمِينَ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أو أخْطَأْنا رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ﴾ خَبَرُ جَزْمٍ نَصَّ عَلى أنَّهُ لا يُكَلِّفُ العِبادَ مِن وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ عِبادَةً مِن أعْمالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ إلّا وهي في وُسْعِ المُكَلَّفِ، ومُقْتَضى إدْراكِهِ وبِنْيَتِهِ، وبِهَذا انْكَشَفَتِ الكُرْبَةُ عَنِ المُسْلِمِينَ في تَأوُّلِهِمْ أمْرَ الخَواطِرِ، وتَأوَّلَ مَن يُنْكِرُ جَوازَ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْنى أنَّهُ لا يُكَلِّفُ ولا كَلَّفَ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِنَصٍّ في الآيَةِ، ولا أيْضًا يَدْفَعُهُ اللَفْظُ، ولِذَلِكَ ساغَ الخِلافُ.

وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ يَجْرِي مَعَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ  ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِينِ مِن حَرَجٍ  ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ  ﴾ .

واخْتَلَفَ الناسُ في جَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ في الأحْكامِ الَّتِي هي في الدُنْيا بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّهُ لَيْسَ واقِعًا الآنَ في الشَرْعِ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ آذَنَتْ بِعَدَمِهِ، فَقالَ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ، وجَماعَةٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ جائِزٌ عَقْلًا، ولا يُحَرِّمُ ذَلِكَ شَيْئًا مِن عَقائِدِ الشَرْعِ، ويَكُونُ ذَلِكَ أمارَةً عَلى تَعْذِيبِ المُكَلَّفِ، وقَطْعًا بِهِ، ويُنْظَرُ إلى هَذا تَكْلِيفَ المُصَوِّرِ أنْ يَعْقِدَ شُعَيْرَةً حَسَبَ الحَدِيثِ.

واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِجَوازِهِ، هَلْ وقَعَ في رِسالَةِ مُحَمَّدٍ  أمْ لا؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: وَقَعَ في نازِلَةِ أبِي لَهَبٍ، لِأنَّهُ حُكِمَ عَلَيْهِ بِتَبِّ اليَدَيْنِ، وصَلْيِ النارِ، وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، وتَكْلِيفُ الشَرْعِ لَهُ الإيمانَ راتِبٌ، فَكَأنَّهُ كُلِّفَ أنْ يُؤْمِنَ، وأنْ يَكُونَ في إيمانِهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ لِأنَّهُ إذا آمَنَ فَلا مَحالَةَ أنَّهُ يُؤْمِنُ بِسُورَةِ: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ  ﴾ .

وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَقَعْ قَطُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَصْلى نارًا  ﴾ إنَّما مَعْناهُ إنْ وافى عَلى كُفْرِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما لا يُطاقُ يَنْقَسِمُ أقْسامًا، فَمِنهُ المُحالُ عَقْلًا كالجَمْعِ بَيْنَ الضِدَّيْنِ، ومِنهُ المُحالُ عادَةً كَرَفْعِ الإنْسانِ جَبَلًا، ومِنهُ ما لا يُطاقُ مِن حَيْثُ هو مُهْلِكٌ كالِاحْتِراقِ بِالنارِ ونَحْوِهِ.

ومِنهُ ما لا يُطاقُ لِلِاشْتِغالِ بِغَيْرِهِ، وهَذا إنَّما يُقالُ فِيهِ: ما لا يُطاقُ عَلى تَجَوُّزٍ كَثِيرٍ.

وَ"يُكَلِّفُ" يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أحَدُهُما مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عِبادَةً أو شَيْئًا.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إلّا وسِعَها" بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ السِينِ، وهَذا فِيهِ تَجَوُّزٌ، لِأنَّهُ مَقْلُوبٌ، وكانَ وجْهُ اللَفْظِ "إلّا وسِعَتْهُ"، كَما قالَ: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَماواتِ والأرْضَ  ﴾ وكَما قالَ: ﴿ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا  ﴾ ولَكِنْ يَجِيءُ هَذا مِن بابِ أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وفَمِي في الحَجَرِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَها ما كَسَبَتْ ﴾ يُرِيدُ مِنَ الحَسَناتِ، ﴿ وَعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ ﴾ يُرِيدُ مِنَ السَيِّئاتِ، قالَهُ السُدِّيُّ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

لا خِلافَ في ذَلِكَ، والخَواطِرُ ونَحْوُها لَيْسَ مِن كَسْبِ الإنْسانِ، وجاءَتِ العِبارَةُ في الحَسَناتِ بِـ"لَها" مِن حَيْثُ هي مِمّا يَفْرَحُ الإنْسانُ بِكَسْبِهِ ويُسَرُّ بِهِ، فَتُضافُ إلى مِلْكِهِ، وجاءَتْ في السَيِّئاتِ بِـ"عَلَيْها" مِن حَيْثُ هي أوزارٌ وأثْقالٌ ومُتَحَمَّلاتٌ صَعْبَةٌ، وهَذا كَما تَقُولُ: لِي مالٌ، وعَلَيَّ دَيْنٌ، وكَما قالَ المُتَصَدِّقُ بِاللُقَطَةِ: اللهُمَّ عن فُلانٍ فَإنْ أبى فَلِي وعَلَيَّ، وكَرَّرَ فِعْلَ الكَسْبِ فَخالَفَ بَيْنَ التَصْرِيفِ حَسَنًا لِنَمَطِ الكَلامِ كَما قالَ: ﴿ فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا  ﴾ هَذا وجْهٌ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي في هَذا أنَّ الحَسَناتِ هي ما يُكْسَبُ دُونَ تَكَلُّفٍ، إذْ كاسِبُها عَلى جادَّةِ أمْرِ اللهِ ورَسْمِ شَرْعِهِ، والسَيِّئاتُ تُكْتَسَبُ بِبِناءِ المُبالَغَةِ، إذْ كاسِبُها يَتَكَلَّفُ في أمْرِها خَرْقَ حِجابِ نَهْيِ اللهِ تَعالى، ويَتَخَطّاهُ إلَيْها، فَيَحْسُنُ في الآيَةِ مَجِيءُ التَصْرِيفَيْنِ إحْرازًا لِهَذا المَعْنى.

وقالَ المَهْدَوِيُّ، وغَيْرُهُ: وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: لا يُؤْخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ أحَدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا صَحِيحٌ في نَفْسِهِ، لَكِنْ مِن غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا ﴾ مَعْناهُ: قُولُوا في دُعائِكم.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ نَسِينا أو أخْطَأْنا ﴾ - فَذَهَبَ الطَبَرِيُّ، وغَيْرُهُ إلى أنَّهُ النِسْيانُ بِمَعْنى التَرْكِ، أيْ إنْ تَرَكْنا شَيْئًا مِن طاعَتِكَ، وأنَّهُ الخَطَأُ المَقْصُودُ - قالُوا: وَأمّا النِسْيانُ الَّذِي يَغْلِبُ المَرْءَ، والخَطَأُ الَّذِي هو عَنِ اجْتِهادٍ فَهو مَوْضُوعٌ عَنِ المَرْءِ، فَلَيْسَ بِمَأْمُورٍ في الدُعاءِ في ألّا يُؤاخَذَ بِهِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الدُعاءَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو في النِسْيانِ الغالِبِ، والخَطَإ غَيْرِ المَقْصُودِ، وهَذا هو الصَحِيحُ عِنْدِي.

قالَ قَتادَةُ في - تَفْسِيرِ الآيَةِ: - بَلَغَنِي أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "إنَّ اللهَ تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عن نِسْيانِها وخَطَئِها"،» وقالَ السُدِّيُّ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَقالُوها، قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ  : "قَدْ فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ يا مُحَمَّدُ".» فَظاهِرُ قَوْلَيْهِما ما صَحَّحْتُهُ، وذَلِكَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا كُشِفَ عنهم ما خافُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُحاسِبْكم بِهِ اللهُ  ﴾ أُمِرُوا بِالدُعاءِ في دَفْعِ ذَلِكَ النَوْعِ الَّذِي لَيْسَ مِن طاقَةِ الإنْسانِ دَفْعُهُ، وذَلِكَ في النِسْيانِ والخَطَإ.

والإصْرُ: الثِقَلُ، وما لا يُطاقُ عَلى أتَمِّ أنْواعِهِ.

وهَذِهِ الآيَةُ - عَلى هَذا القَوْلِ - تَقْضِي بِجَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، ولِذَلِكَ أُمِرَ المُؤْمِنُونَ بِالدُعاءِ في أنْ لا يَقَعَ هَذا الجائِزُ الصَعْبُ.

ومَذْهَبُ الطَبَرِيِّ والزَجّاجِ أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ غَيْرُ جائِزٍ، فالنِسْيانُ عِنْدَهُمُ: المَتْرُوكُ مِنَ الطاعاتِ، والخَطَأُ هو المَقْصُودُ مِنَ العِصْيانِ.

والإصْرُ: هو العِباداتُ الثَقِيلَةُ كَتَكالِيفِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، وقَرْضِ أبْدانِهِمْ، ومُعاقَباتِهِمْ عَلى مَعاصِيهِمْ في أبْدانِهِمْ حَسْبَما كانَ يُكْتَبُ عَلى أبْوابِهِمْ، وتَحْمِيلِهِمُ العُهُودَ الصَعْبَةَ.

وما لا طاقَةَ لِلْمَرْءِ بِهِ: هو عِنْدَهم عَلى تَجَوُّزٍ، كَما تَقُولُ لا طاقَةَ لِي عَلى خُصُومَةِ فُلانٍ، ولِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْرِ تَسْتَصْعِبُهُ وإنْ كُنْتَ في الحَقِيقَةِ تُطِيقُهُ، أو يَكُونُ ذَلِكَ ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ مِن حَيْثُ هو مُهْلِكٌ لَنا كَعَذابِ جَهَنَّمَ وغَيْرِهِ.

وأمّا لَفْظَةُ "أخْطَأ" فَقَدْ تَجِيءُ في القَصْدِ ومَعَ الِاجْتِهادِ.

قالَ قَتادَةُ: الإصْرُ: العَهْدُ والمِيثاقُ الغَلِيظُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والرَبِيعُ، وابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ عَطاءٌ: الإصْرُ: المَسْخُ قِرَدَةً وخَنازِيرَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: الإصْرُ: الذَنْبُ لا كَفّارَةَ فِيهِ ولا تَوْبَةَ مِنهُ.

وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: الإصْرُ: الأمْرُ الغَلِيظُ الصَعْبُ، والآصِرَةُ - في اللُغَةِ -: الأمْرُ الرابِطُ مِن ذِمامٍ أو قَرابَةٍ أو عَهْدٍ ونَحْوِهِ، فَهَذِهِ العِباراتُ كُلُّها تَنْحُو نَحْوَهُ، والإصارُ: الحَبْلُ الَّذِي تُرْبَطُ بِهِ الأحْمالُ ونَحْوُها، والقِدُّ يَضُمُّ عَضُدَيِ الرَجُلِ، يُقالُ: أصَرَ يَأْصِرُ أصْرًا،والإصْرُ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ: مِن ذَلِكَ، وفي هَذا نَظَرٌ.

ورُوِيَ عن عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: أُصْرًا بِضَمِّ الهَمْزَةِ.

ولا خِلافَ أنَّ "الَّذِينَ مِن قَبْلِنا" يُرادُ بِهِ اليَهُودُ.

قالَ الضَحّاكُ: والنَصارى.

وأمّا عِباراتُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ﴾ فَقالَ قَتادَةُ: لا تُشَدِّدْ عَلَيْنا كَما شَدَدْتَ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا.

وقالَ الضَحّاكُ: لا تُحَمِّلْنا مِنَ الأعْمالِ ما لا نُطِيقُ.

وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا تَمْسَخْنا قِرَدَةً وخَنازِيرَ.

وقالَ سَلامُ بْنُ سابُورَ: الَّذِي لا طاقَةَ لَنا بِهِ الغُلْمَةُ، وحَكاهُ النَقّاشُ عن مُجاهِدٍ وَعَطاءٍ ومَكْحُولٍ.

ورُوِيَ أنَّ أبا الدَرْداءِ كانَ يَقُولُ في دُعائِهِ: وأعُوذُ بِكَ مِن غُلْمَةٍ لَيْسَ لَها عِدَّةٌ.

وقالَ السُدِّيُّ: هو التَغْلِيظُ والأغْلالُ الَّتِي كانَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التَحْرِيمِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى فِيما أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: "واعْفُ عَنّا" أيْ: فِيما واقَعْناهُ وانْكَشَفَ، "واغْفِرْ لَنا"، أيِ: اسْتُرْ عَلَيْنا ما عَلِمْتَ مِنّا، "وارْحَمْنا"، أيْ: تَفَضَّلْ مُبْتَدِئًا بِرَحْمَةٍ مِنكَ لَنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهِيَ مَناحٍ لِلدُّعاءِ مُتَبايِنَةٌ، وإنْ كانَ الغَرَضُ المُرادُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها واحِدًا وهو دُخُولُ الجَنَّةِ.

و"أنْتَ مَوْلانا" مَدْحٌ في ضِمْنِهِ تَقَرُّبٌ إلَيْهِ، وشُكْرٌ عَلى نِعَمِهِ، ومَوْلى: هو مِن ولِيَ فَهو مَفْعِلٌ أيْ: مَوْضِعُ الوِلايَةِ، ثُمَّ خُتِمَتِ الدَعْوَةُ بِطَلَبِ النَصْرِ عَلى الكافِرِينَ الَّذِي هو مِلاكُ قِيامِ الشَرْعِ، وعُلُوِّ الكَلِمَةِ، ووُجُودِ السَبِيلِ إلى أنْواعِ الطاعاتِ.

ورُوِيَ «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ أتى مُحَمَّدًا  فَقالَ: قُلْ: ﴿ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أو أخْطَأْنا ﴾ ، فَقالَها فَقالَ جِبْرِيلُ: قَدْ فَعَلَ، فَقالَ: قُلْ كَذا وكَذا، فَيَقُولُها، فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: قَدْ فَعَلَ إلى آخِرِ السُورَةِ،» وتَظاهَرَتْ بِهَذا المَعْنى أحادِيثُ.

ورُوِيَ عن مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّهُ كانَ إذا فَرَغَ مِن قِراءَةِ هَذِهِ السُورَةِ قالَ: آمِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا يَظُنُّ بِهِ أنَّهُ رَواهُ عَنِ النَبِيِّ  ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ فَكَمالٌ، وإنْ كانَ بِقِياسٍ عَلى سُورَةِ الحَمْدِ مِن حَيْثُ هُناكَ دُعاءٌ، وهُنا دُعاءٌ فَحَسَنٌ.

ورَوى أبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "مَن قَرَأ الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ"،» يَعْنِي مِن قِيامِ اللَيْلِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما أظُنُّ أحَدًا عَقَلَ وأدْرَكَ الإسْلامَ يَنامُ حَتّى يَقْرَأهُما".

ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "أُوتِيتُ هَؤُلاءِ الآياتِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ، لَمْ يُؤْتَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي".» كَمُلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَبِيِّينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأظهر أنّه من كلام الله تعالى، لا من حكاية كلام الرسول والمؤمنين، فيكون اعتراضاً ين الجمل المحكية بالقول، وفائدته إظهار ثمرة الإيمان، والتسليم، والطاعة، فأعلمهم الله بأنّه لم يجعل عليهم في هذا الدين التكليف بما فيه مشقة، وهو مع ذلك تبشير باستجابة دعوتهم الملقنة، أو التي ألهموها: وهي ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ } إلى قوله ﴿ ما لا طاقة لنا به ﴾ قبل أن يحكي دعواتهم تلك.

ويجوز أن يكون من كلام الرسول والمؤمنين، كأنّه تعليل لقولهم سمعنا وأطعنا أي علمنا تأويل قول ربنا: ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ﴾ [البقرة: 284] بأنّه يدخلها المؤاخذة بما في الوسع، ممَّا أبدى وما أخفى، وهو ما يظهر له أثر في الخارج اختياراً، أو يعقد عليه القلب، ويطمئنّ به، إلاّ أنّ قوله: ﴿ لها ما كسبت ﴾ إلخ يبعد هذا؛ إذ لا قبل لهم بإثبات ذلك.

فعلى أنّه من كلام الله فهو نسخ لقوله: ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ﴾ وهذا مروي في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة وابن عباس أنّه قال: لما نزلت ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ [البقرة: 284] اشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله فأتوه وقالوا: لا نطيقها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا: " سمعنا وأطعنا وسلمنا " فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فلمّا فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ ، وإطلاق النسخ على هذا اصطلاح للمتقدّمين، والمراد البيانُ والتخصيص لأنّ الذي تطمئنّ له النفس: أنّ هذه الآيات متتابعة النظم، ومع ذلك يجوز أن تكون نزلت منجّمة، فحدَث بين فترة نزولها ما ظنّه بعض المسلمين حرجاً.

والوسع في القراءة بضم الواو، في كلام العرب مثلّث الواو وهو الطاقة والاستطاعة، والمراد به هنا ما يطاق ويستطاع، فهو من إطلاق المصدر وإرادة المفعول.

والمستطاع هو ما اعتادَ الناسُ قدرتَهم على أن يفعلوه إن توجّهت إرادتهم لفعله مع السلامة وانتفاء الموانع.

وهذا دليل على عدم وقوع التكليف بما فوق الطاقة في أديان الله تعالى لعموم (نفساً) في سياق النفي، لأنّ الله تعالى ما شرع التكليف إلاّ للعمل واستقامة أحوال الخلق، فلا يكلّفهم ما لا يطيقون فعله، وما ورد من ذلك فهو في سياق العقوبات، هذا حكم عام في الشرائع كلّها.

وامتازت شريعة الإسلام باليسر والرفق، بشهادة قوله تعالى: ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ [الحج: 78] وقوله: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ ، ولذلك كان من قواعد الفقه العامة «المشقّةُ تجلب التيسير».

وكانت المشقة مظنّة الرخصة، وضبط المشاقّ المسقطة للعبادة مذكور في الأصول، وقد أشبعت القول فيه في كتابي المسمّى «مقاصد الشريعة» وما ورد من التكاليف الشاقّة فأمر نادر، في أوقات الضرورة، كتكليف الواحد من المسلمين بالثباتتِ للعشرة من المشركين، في أول الإسلام، وقلّة المسلمين.

وهذه المسألة هي المعنونة في كتب الأصلين بمسألة التكليف بالمحَال، والتكليف بما لا يطاق، وهي مسألة أرنَّت بها كتب الأشاعرة والمعتزلة، واختلفوا فيها اختلافاً شهيراً، دعا إليه التزام الفريقين للوازم أصولهم وقواعدهم فقالت الأشاعرة: يجوز على الله تكليف ما لا يطاق بناء على قاعدتهم في نفي وجوب الصلاح على الله، وأنّ ما يصدر منه تعالى كلّه عدل لأنّه مالك العباد، وقاعدتهم في أنّه تعالى يخلق ما يشاء، وعلى قاعدتهم في أنّ ثمرة التكليف لا تختص بقصد الامتثال بل قد تكون لقصد التعجيز والابتلاء وجعل الامتثال علامة على السعادة، وانتفائه علامة على الشقاوة، وترتّب الإثم لأنّ لله تعالى إثابَة العاصي، وتعذيبَ المطيع، فبالأوْلى تعذيب من يأمره بفعل مستحيل، أو متعذّر، واستدلّوا على ذلك بحديث تكليف المصوّر بنفخ الروححِ في الصورة وما هو بنافخ، وتكليف الكاذب في الرؤيا بالعقد بين شعيرتين وما هو بفاعل.

ولا دليل فيه لأنّ هذا في أمور الآخرة، ولأنّهما خبرَا آحاد لا تثبت بمثلها أصول الدين.

وقالت المعتزلة: يمتنع التكليف بما لا يطاق بناء على قاعدتهم في أنّه يجب الله فعل الصلاح ونفي الظلم عنه، وقاعدتهم في أنّه تعالى لا يخلق المنكرات من الأفعال، وقاعدتهم في أنّ ثمرة التكليف هو الامتثال وإلاّ لصار عبثاً وهو مستحيل على الله، وأنّ الله يستحيل عليه تعذيب المطيع وإثابة العاصي.

واستدلّوا بهذه الآية، وبالآيات الدالة على أصولِها: مثل ﴿ ولا يظلم ربك أحداً ﴾ [الكهف: 49] ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ [الإسراء: 15] ﴿ قل إنّ الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ [الأعراف: 28] إلخ.

والتحقيق أنّ الذي جرّ إلى الخوض في المسألة هو المناظرة في خلق أفعال العباد،؛ فإنّ الأشعري لما نفى قدرة العبد، وقال بالكسب، وفسّره بمقارنة قدرة العبد لحصول المقدورِ دون أن تكون قدرته مؤثرّة فيه، ألزمهم المعتزلة القول بأنّ الله كلّف العباد بما ليس في مقدورهم، وذلك تكليف بما لا يطاق، فالتزم الأشعري ذلك، وخالف إمام الحرمين والغزالي الأشعريّ في جواز تكليف ما لا يطاق والآية لا تنهض حجة على كلا الفريقين في حكم إمكان ذلك.

ثم اختلف المجوّزون: هل هو واقع، وقد حكى القرطبي الإجماع على عدم الوقوع وهو الصواب في الحكاية، وقال إمام الحرمين في «البرهان»: «والتكاليف كلّها عند الأشعري من التكليف بما لا يطاق، لأنّ المأمورات كلّها متعلّقة بأفعال هي عند الأشعري غير مقدورة للمكلّف، فهو مأمور بالصلاة وهو لا يقدر عليها، وإنّما يُقْدِره الله تعالى عند إرادة الفعل مع سلامة الأسباب والآلات» وما ألزمُه إمام الحرمين الأشعريّ إلزام باطل؛ لأنّ المراد بما لا يطاق ما لا تتعلّق به قدرة العبد الظاهرة، المعبّر عنها بالكسب، للفرق البيِّن بين الأحوال الظاهرة، وبين الحقائق المستورة في نفس الأمر، وكذلك لا معنى لإدخال ما عَلِمَ الله عدمَ وقوعه، كأمر أبي جهل بالإيمان مع عِلم الله بأنّه لا يؤمن، في مسألة التكليف بما لا يطاق، أو بالمحال؛ لأنّ علم الله ذلك لم يطّلع عليه أحد.

وأورد عليه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا لهب إلى الإسلام وقد علم الله أنّه لا يسلم لقوله تعالى: ﴿ تبت يدا أبي لهب وتب إلى قوله سيصلى ناراً ذات لهب ﴾ [المسد: 1، 3] فقد يقال: إنّه بعد نزول هذه الآية لم يخاطَب بطلب الإيمان وإنّما خوطب قبل ذلك، وبذلك نسلم من أن نقول: إنّه خارج عن الدعوة، ومن أن نقول: إنّه مخاطب بعد نزول الآية.

وهذه الآية تقتضي عدم وقوع التكليف بما لا يطاق في الشريعة، بحسب المتعارف في إرادة البشر وقُدَرِهم، دون ما هو بحسب سرّ القَدَر، والبحث عن حقيقة القدرة الحادثة، نعم يؤخذ منها الرد على الجبرية.

وقوله: ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ حال من «نَفَسا» لبيان كيفية الوسع الذي كلفت به النفس: وهو أنّه إن جاءت بخير كان نفعه لها وإن جاءت بشرّ كان ضُرّه عليها.

وهذا التقسيم حاصل من التعليق بواسطة «اللاّم» مرة وبواسطة (علَى) أخرى.

وأما كسبت واكتسبت فبمعنى واحد في كلام العرب؛ لأنّ المطاوعة في اكتسب ليست على بابها، وإنّما عبّر هنا مرة بكَسَبت وأخرى باكتسبت تفنّناً وكراهيةَ إعادة الكلمة بعينها، كما فعل ذو الرمة في قوله: ومُطعَممِ الصيد هَبَّال لبُغيته *** ألفَى أباه بذاك الكَسْب مُكتسِبا وقول النابغة: فحملت بَرّةَ واحتَمَلْتَ فجارِ *** وابتدُئ أولاً بالمشهور الكثير، ثم أعيد بمطاوعه، وقد تَكون، في اختيار الفعل الذي أصله دَالٌ على المطاوعة، إشارةٌ إلى أنّ الشرور يأمر بها الشيطان، فتأتمر النفس وتطاوعه وذلك تبْغيض من الله للناس في الذنوب.

واختير الفعل الدال على اختيار النفس للحسنات، إشارة إلى أنّ الله يسوق إليها الناس بالفطرة، ووقع في «الكشاف» أنْ فعل المطاوعة لدلالته على الاعتمال، وكان الشرّ مشتهًى للنفس، فهي تَجِدُّ تحصيله، فعبّر عن فعلها ذلك بالاكتساب.

والمراد بما اكتسبت الشرور، فمن أجل ذلك ظنّ بعض المفسرين أنّ الكسب هو اجتناء الخير، والاكتساب هو اجتناء الشر، وهو خلاف التحقيق؛ ففي القرآن ﴿ ولا تكسب كلّ نفس إلاّ عليها ﴾ [الأنعام: 164] ثم قيل للذين ظلموا ﴿ ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلاّ بما كنتم تكسبون ﴾ [يونس: 52] وقد قيل: إنّ اكتسب إذا اجتمع مع كسب خُصّ بالعمل الذي فيه تكلّف.

لكن لم يرد التعبير باكتسبت في جانب فعل الخير.

وفي هذه الآية مأخذ حسن لأبي الحسن الأشعري في تسميته استطاعة العبد كسبا واكتساباً؛ فإنّ الله وصف نفسه بالقدرة.

ولم يصف العباد بالقدرة، ولا أسند إليهم فعل قَدَر وَإنّما أسند إليهم الكسب، وهو قول يجمع بين المتعارضات ويفي بتحقيق إضافة الأفعال إلى العباد، مع الأدب في عدم إثبات صفة القدرة للعباد، وقد قيل: إنّ أول من استعمل كلمة الكسب هو الحسين بن محمد النجار، رأس الفرقة النجارية من الجبرية، كان معاصِراً للنظام في القرن الثالث، ولكن اشتهر بها أبو الحسن الأشعري حتى قال الطلبة في وصف الأمر الخفي: «أدقُّ مِن كَسْب الأشعريّ».

وتعريف الكسب، عند الأشعري: هو حالة للعبد يقارنها خَلْقُ الله فعلاً متعلَّقاً بها.

وعرّفه الإمام الرازي بأنّه صفة تَحصلُ بقدرة العبد لفعله الحاصل بقدرة الله.

وللكسب تعاريف أخر.

وحاصل معنى الكسب، وما دعا إلى إثباته: هو أنّه لما تقرر أنّ الله قادر على جميع الكائنات الخارجة عن اختيار العبد، وجب أن يقرّر عموم قدرته على كلّ شيء لئلاّ تكون قدرة الله غير متسلّطة على بعض الكائنات، إعمالاً للأدلة الدالة على أنّ الله على كلّ شيء قدير، وأنّه خالق كلّ شيء، وليس لعموم هذه الأدلة دليل يخصّصه، فوجب إعمال هذا العموم.

ثم إنّه لما لم يجز أن يُدّعى كون العبد مجبوراً على أفعاله، للفرق الضروري بين الأفعال الاضطرارية، كحركة المرتعش، والأفعاللِ الاختيارية، كحركة الماشي والقاتِل، ورعيا لحقيّة التكاليف الشرعية للعباد لئلاّ يكون التكليف عبثاً، ولحقيّة الوعد والوعيد لئلاّ يكون باطلاً، تعيّن أن تكون للعبد حالة تمكِّنه من فعل ما يريد فعله، وترككِ ما يريد تركه، وهي ميله إلى الفعل أو الترك، فهذه الحالة سمّاها الأشعري الاستطاعة، وسمّاها كسباً.

وقال: إنّها تتعلّق بالفعل فإذا تعلّقت به خلق الله الفعل الذي مال إليه على الصورة التي استحضرها ومال إليها.

وتقديم المجروريْن في الآية: لقصد الاختصاص، أي لا يلحق غيرها شيء ولا يلحقها شيء من فعل غيرها، وكأنّ هذا إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية: من اعتقاد شفاعة الآلهة لهم عند الله.

وتمسّك بهذه الآية من رأى أنّ الأعمال لا تقبل النيابة في الثواب والعقاب، إلاّ إذا كان للفاعل أثر في عمل غيره؛ ففي الحديث: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية وعلم بثّه في صدور الرجال، وولد صالح يدعو له " وفي الحديث: " ما من نفس تُقتل ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأول كِفل من دمها ذلك لأنّه أول من سنّ القتل " وفي الحديث: " من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سنّ سنة سيِّئَة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ".

رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنآ أَنتَ مولانا فانصرنا عَلَى القوم الكافرين}.

يجوز أن يكون هذا الدعاء محكيّاً من قول المؤمنين: الذين قالوا: ﴿ سمعنا وأطعنا ﴾ [البقرة: 285]، بأن اتّبعوا القبول والرضا، فتوجّهوا إلى طلب الجزاء ومناجاة الله تعالى.

واختيارُ حكاية هذا عنهم في آخر السورة تكملة للإيذان بانتهائها.

ويجوز أن يكون تلقينا من جانب الله تعالى إياهم: بأن يقولوا هذا الدعاء، مثل ما لقّنوا التحميد في سورة الفاتحة فيكون التقدير، قولوا: ﴿ ربنا لا تؤاخذنا ﴾ إلى آخر السورة؛ إنّ الله بعد أن قرر لهم أنّه لا يكلّف نفساً إلاّ وسعها، لقّنهم مناجاة بدعوات هي من آثار انتفاء التكليف بما ليس في الوسع.

والمراد من الدعاء به طلب الدوام على ذلك لئلا يُنسخ ذلك من جراء غضب الله كما غضب على الذين قال فيهم: ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ﴾ [النساء: 160].

والمؤاخذة مشتقّة من الأخذ بمعنى العقوبة، كقوله: ﴿ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ﴾ [هود: 102] والمفاعلة فيه للمبالغة أي لا تأخذنا بالنسيان والخطأ.

والمراد ما يترتّب على النسيان والخطأ من فِعل أو ترك لا يرضيان الله تعالى.

فهذه دعوة من المؤمنين دعوها قبل أن يعلموا أنّ الله رفع عنهم ذلك بقوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وفي رواية: " وضع " رواه ابن ماجه وتكلم العلماء في صحته، وقد حسّنه النووي، وأنكره أحمد، ومعناه صحيح في غير ما يرجع إلى الخطاب الوضع.

فالمعنى رفع الله عنهم المؤاخذة فبقيت المؤاخذة بالإتلاف والغرامات ولذلك جاء في هذه الدعوة «لا تؤاخذنا» أي لا تؤاخذنا بالعقاب على فعلٍ: نسياننٍ أو خطأ، فلا يرد إشكال الدعاء بما عُلم حصوله، حتى نحتاج إلى تأويل الآية بأنّ المراد بالنسيان والخطأ سببهما وهو التفريط والإغفال كما في «الكشاف».

وقوله: ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً ﴾ إلخ فصلّ بين الجملتين المتعاطفتين، بإعادة النداء، مع أنّه مستغنى عنه: لأنّ مخاطبة المنادى مغنِيَة عن إعادَة النداء لكن قصد من إعادته إظهار التذلّل.

والحمل مجاز في التكليف بأمر شديد يثقل على النفس، وهو مناسب لاستعارة الإصر.

وأصل معنى الإصر ما يُؤصَر به أي يُربط، وتعقد به الأشياء، ويقال له: الإصار بكسر الهمزة ثم استعمل مجازاً في العهد والميثاق المؤكّد فيما يصعب الوفاء به، ومنه قوله في آل عمران (81): ﴿ قال آقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ﴾ وأطلق أيضاً على ما يثقل عمله، والامتثالُ فيه، وبذلك فسّره الزجاج والزمخشري هنا وفي قوله، في سورة الأعراف (157): ﴿ ويضع عنهم إصرهم ﴾ وهو المقصود هنا، ومن ثم حسنت استعارة الحَمْل للتكليف، لأنّ الحمل يناسب الثِقَل فيكون قوله: ولا تحمِلْ } ترشيحاً مستعاراً لملائم المشبّه به وعن ابن عباس: ﴿ ولا تحمل علينا إصراً ﴾ عهداً لا نفي به، ونعذّب بتركه ونقضه».

وقوله: ﴿ كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ صفة ل ﴿ إصراً ﴾ أي عهداً من الدين، كالعهد الذي كلّف به من قبلنا في المشقة، مثل ما كلّف به بعض الأمم الماضية من الأحكام الشاقّة مثل أمر بني إسرائيل بتيه أربعين سنة، وبصفات في البقرة التي أمروا بذبحها نادرة ونحو ذلك، وكل ذلك تأديب لهم على مخالفات، وعلى قلة اهتبال بأوامر الله ورسوله إليهم، قال تعالى في صفة محمد صلى الله عليه وسلم " ويضع عنهم إصرهم ".

وقوله: ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ أي ما لا نستطيع حمله من العقوبات.

والتضعيف فيه للتعدية.

وقيل: هذا دعاء بمعافاتهم من التكاليف الشديدة، والذي قبله دعاء بمعافاتهم من العقوبات التي عوقبت بها الأمم.

والطاقة في الأصل الإطاقة خفّفت بحذف الهمزة كما قالوا: جابة وإجابة وطاعة وإطاعة.

والقول في هذين الدعاءين كالقول في قوله: ﴿ ربنا لا تؤاخذنا ﴾ .

وقوله: ﴿ واعف عنا واغفر لنا ﴾ لم يؤت مع هذه الدعوات بقوله ربّنا، إمّا لأنّه تكرّر ثلاث مرات، والعرب تكره تكرير اللفظ أكثر من ثلاث مرات إلاّ في مقام التهويل، وإمّا لأنّ تلك الدعوات المقترنة بقوله: ﴿ ربنا ﴾ فروع لهذه الدعوات الثلاث، فإذا استجيب تلك حصلت إجابة هذه بالأوْلى؛ فإنّ العفو أصل لعدم المؤاخذة، والمغفرةَ أصل لرفع المشقة والرحمة أصل لعدم العقوبة الدنيوية والأخروية، فلمّا كان تعميماً بعد تخصيص، كان كأنّه دعاء واحد.

وقوله: ﴿ أنت مولانا ﴾ فصله لأنّه كالعلّة للدعوات الماضية: أي دعوناك ورجونا منك ذلك لأنّك مولانا، ومن شأن المولى الرفقُ بالمملوك، وليكون هذا أيضاً كالمقدمة للدعوة الآتية.

وقوله: ﴿ فانصرنا على القوم الكافرين ﴾ جيء فيه بالفاء للتفريع عن كونه مولى، لأنّ شأن المولى أن ينصر مولاه، ومن هنا يظهر موقع التعجيب والتحسير في قول مرة بن عداء الفقعسي: رأيتُ مَوَالِيّ الألَى يخذلونني *** على حدثَاننِ الدّهْرِ إذْ يَتَقلّب وفي التفريع بالفاء إيذان بتأكيد طلب إجابة الدعاء بالنصر، لأنّهم جعلوه مرتّباً على وصف محقّق، وهو ولاية الله تعالى المؤمنين، قال تعالى: ﴿ اللَّه ولي الذين آمنوا ﴾ [البقرة: 257] وفي حديث يوم أحد لَمَّا قال أبو سفيان: «لَنا العُزّى ولا عُزَّى لكم» قال النبي صلى الله عليه وسلم أجيبوه " الله مولانا ولا مولَى لكم ".

ووجه الاهتمام بهذه الدعوة أنّها جامعة لخيري الدنيا والآخرة؛ لأنّهم إذا نصروا على العدوّ، فقد طاب عيشهم وظهر دينهم، وسلموا من الفتنة، ودخل الناس فيه أفواجاً.

وفي «الصحيح»، عن أبي مسعود الأنصاري البدري: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة، في ليلة، كفتاه " وهما من قوله تعالى: ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ﴾ إلى آخر السورة.

قيل معناه كفتاه عن قيام الليل، فيكون معنى من قرأ من صلَى بهما، وقيل معناه كفتاه بركة وتعوّذا من الشياطين والمضارّ، ولعلّ كلا الاحتمالين مراد.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ يَعْنِي طاقَتَها، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وعْدٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّفَضُّلِ عَلى عِبادِهِ ألّا يُكَلِّفَ نَفْسًا إلّا وُسْعَها.

والثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ النَّبِيِّ  ومِنَ المُؤْمِنِينَ عَنِ اللَّهِ، عَلى وجْهِ الثَّناءِ عَلَيْهِ، بِأنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها.

ثُمَّ قالَ: ﴿ لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ ﴾ يَعْنِي لَها ما كَسَبَتْ مِنَ الحَسَناتِ، وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ يَعْنِي مِنَ المَعاصِي.

وَفي كَسَبَتْ واكْتَسَبَتْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَهُما مُخْتَلِفٌ ومَعْناهُما واحِدٌ.

والثّانِي: أنَّ كَسَبَتْ مُسْتَعْمَلٌ في الخَيْرِ خاصَّةً، واكْتَسَبَتْ مُسْتَعْمَلٌ في الشَّرِّ خاصَّةً.

﴿ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا ﴾ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: قُولُوا رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا.

﴿ إنْ نَسِينا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي إنْ تَناسَيْنا أمْرَكَ.

والثّانِي: تَرَكْنا، والنِّسْيانُ: بِمَعْنى التَّرْكِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ  ﴾ ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

﴿ أوْ أخْطَأْنا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما تَأوَّلُوهُ مِنَ المَعاصِي بِالشُّبُهاتِ.

والثّانِي: ما عَمَدُوهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي هي خَطَأٌ تُخالِفُ الصَّوابَ.

وَقَدْ فَرَّقَ أهْلُ اللِّسانِ بَيْنَ " أخْطَأ " وخَطِئَ، فَقالُوا: " أخْطَأ " يَكُونُ عَلى جِهَةِ الإثْمِ وغَيْرِ الإثْمِ، وخَطِئَ: لا يَكُونُ إلّا عَلى جِهَةِ الإثْمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: والنّاسُ يَلْحُونَ الأمِيرَ إذا هُمُ خَطَّئُوا الصَّوابَ ولا يُلامُ المُرْشِدُ ﴿ رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إصْرًا أيْ عَهْدًا نَعْجِزُ عَنِ القِيامِ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

الثّانِي: أيْ لا تَمْسَخْنا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الذَّنْبُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَوْبَةٌ ولا كَفّارَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: الإصْرُ: الثِّقَلُ العَظِيمُ، قالَهُ مالِكٌ، والرَّبِيعُ، قالَ النّابِغَةُ: يا مانِعَ الضَّيْمِ أنْ يُغْشى سَراتُهُمُ ∗∗∗ والحامِلَ الإصْرِ عَنْهم بَعْدَما عَرَضُوا ﴿ كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ فِيما حَمَلُوهُ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ.

﴿ وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ مِمّا كُلِّفَهُ بَنُو إسْرائِيلَ.

الثّانِي: ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ مِنَ العَذابِ.

﴿ واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مالِكُنا.

الثّانِي: ولِيُّنا وناصِرُنا.

﴿ فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ رَوى عَطاءُ بْنُ السّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ ﴾ فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ غُفْرانَكَ رَبَّنا ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، فَلَمّا قَرَأ: ﴿ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: لا أُؤَخِذُكم.

فَلَمّا قَرَأ: ﴿ رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: لا أحْمِلُ عَلَيْكم.

فَلَمّا قَرَأ: ﴿ رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: لا أُحَمِّلُكم.

فَلَمّا قَرَأ: ﴿ واعْفُ عَنّا ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: قَدْ عَفَوْتُ عَنْكم.

فَلَمّا قَرَأ: ﴿ واغْفِرْ لَنا ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: قَدْ غَفَرْتُ لَكم.

فَلَمّا قَرَأ: ﴿ وارْحَمْنا ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: قَدْ رَحِمْتُكم.

فَلَمّا قَرَأ: ﴿ فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ قالَ اللَّهُ تَعالى: قَدْ نَصَرْتُكم.

» ورَوى مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: " «اقْرَؤُوا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن خاتِمَةِ البَقَرَةِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطانِيها مِن تَحْتِ العَرْشِ» ".

ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «السُّورَةُ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها البَقَرَةُ فُسْطاطُ القُرْآنِ، فَتَعَلَّمُوها فَإنَّ تَعْلِيمَها بَرَكَةٌ وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا يَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ قِيلَ: ومَنِ البَطَلَةُ؟

قالَ: السَّحَرَةُ» ".

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وعبد حميد عن مجاهد قال: «لما نزلت ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم...

﴾ [ البقرة: 284] الآية.

شق ذلك عليهم قالوا: يا رسول الله إنا لنحدث أنفسنا بشيء ما يسرنا أن يطلع عليه أحد من الخلائق، وإن لنا كذا وكذا.

قال: أو قد لقيتم هذا؟

ذلك صريح الإِيمان، فأنزل الله: ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه...

﴾ الآيتين» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من طريق يحيى بن أبي كثير عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم «وحق له أن يؤمن» .

قال: الذهبي منقطع بين يحيى وأنس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا نزلت هذه الآية قال «وحق له أن يؤمن» .

قلت هذا شاهد لحديث أنس.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن علي بن أبي طالب.

أنه قرأ ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه وآمن المؤمنون ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس.

أنه كان يقرأ ﴿ كل آمن بالله وملائكته وكتابه ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الآية قال المؤمنون: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان لا نفرق بين أحد من رسله، لا نكفر بما جاءت به الرسل، ولا نفرق بين أحد منهم، ولا نكذب به ﴿ وقالوا سمعنا ﴾ للقرآن الذي جاء من الله ﴿ وأطعنا ﴾ اقروا الله أن يطيعوه في أمره ونهيه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحيى بن عمير.

أنه كان يقرأ ﴿ لا يفرق بين أحد من رسله ﴾ يقول: كل آمن، وكل لا يفرق.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ غفرانك ربنا ﴾ قال: قد غفرت لكم ﴿ وإليك المصير ﴾ قال: إليك المرجع والمآب يوم يقوم الحساب.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن حكيم بن جابر قال: لما نزلت ﴿ آمن الرسول ﴾ قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه.

فسأل ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ حتى ختم السورة بمسألة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ قال: هم المؤمنون، وسع الله عليهم أمر دينهم فقال: ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ [ الحج: 78] وقال: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ [ البقرة: 185] وقال: ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ [ التغابن: 19] .

وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن عمران بن حصين قال: كانت لي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ قال: من العمل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق الزهري عن ابن عباس قال: لما نزلت ضج المؤمنون منها ضجة، وقالوا: يا رسول الله: هذا نتوب من عمل اليد والرجل واللسان كيف نتوب من الوسوسة؟

كيف نمتنع منها؟

فجاء جبريل بهذه الآية ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ إنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إلا وسعها ﴾ قال: إلا طاقتها.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ إلا وسعها ﴾ قال: إلا ما تطيق.

وأخرج سفيان والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلم به» .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي بكر الهذلي عن شهر عن أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ، والنسيان، والاستكراه.

قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن فقال: أجل، اما تقرأ بذلك قرآنا ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ » .

وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن حبان والطبراني والدارقطني والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» .

وأخرج ابن ماجة عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» .

وأخرج الطبراني عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» .

وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وضع الله عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» .

وأخرج ابن عدي في الكامل وأبو نعيم في التاريخ عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رفع الله عن هذه الأمة الخطأ، والنسيان، والأمر يكرهون عليه» .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تجوّز لهذه الأمة الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» .

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ، والنسيان، والإِكراه» .

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تجاوز الله لابن آدم عما أخطأ، وعما نسي، وعما أكره وعما غلب عليه» .

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: إن هذه الآية حين نزلت ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ قال له جبريل: إن الله قد فعل ذلك يا محمد.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إصراً ﴾ قال: عهداً.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ ولا تحمل علينا إصراً ﴾ قال: عهداً.

وأخرج الطستي عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ قال: عهداً كما حملته على اليهود، فمسختهم قردة وخنازير.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أبا طالب وهو يقول: أفي كل عام واحد وصحيفة ** يشد بها أمر وثيق وأيصره وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ ولا تحمل علينا إصراً ﴾ قال: عهداً لا نطيقه ولا نستطيع القيام به ﴿ كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ اليهود والنصارى فلم يقوموا به فأهلكتهم ﴿ ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ قال: مسخ القردة والخنازير.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ قال: كم من تشديد كان على من كان قبلنا ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ قال: كم من تخفيف ويسر وعافية في هذه الأمة.

وأخرج ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح ﴿ ولا تحمل علينا إصراً ﴾ قال: لا تمسخنا قردة وخنازير.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ ولا تحمل علينا إصراً ﴾ يقول: التشديد الذي شدد به على من كان من أهل الكتاب.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عبد الرحمن بن حسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم البول يتبعه بالمقراضين.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت «دخلت على امرأة من اليهود فقالت: إن عذاب القبر من البول.

قلت: كذبت.

قالت: بلى.

قالت: إنه ليقرض منه الجلد والثوب، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت» .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: لا تحمل علينا ذنباً ليس فيه توبة ولا كفارة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الفضيل في قوله: ﴿ ولا تحمل علينا إصراً ﴾ قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب قيل له: توبتك أن تقتل نفسك فيقتل نفسه، فوضعت الاصار عن هذه الأمة.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ قال: لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ ما لا طاقة لنا به ﴾ من التغليظ والأغلال التي كانت عليهم من التحريم.

وأخرج ابن جرير عن سلام بن سابور ﴿ ما لا طاقة لنا به ﴾ قال: الغلمة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول ﴿ ما لا طاقة لنا به ﴾ قال: الغربة والغلمة والانعاظ.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ﴿ واعف عنا ﴾ إن قصرنا عن شيء مما أمرتنا به ﴿ واغفر لنا ﴾ إن انتهكنا شيئاً مما نهيتنا عنه ﴿ وارحمنا ﴾ يقول: لا ننال العمل بما أمرتنا به، ولا ترك ما نهيتنا عنه إلا برحمتك.

قال: ولم ينج أحد إلا برحمته.

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإِيمان عن الضحاك قال: جاء بها جبريل ومعه من الملائكة ما شاء الله ﴿ آمن الرسول ﴾ إلى قوله: ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا ﴾ قال: ذلك لك، وهكذا عقب كل كلمة.

وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد عن الضحاك قال: «أقرأ جبريل النبي آخر سورة البقرة، فلما حفظها قال: اقرأها.

فقرأها، فجعل كلما مر بحرف قال: ذلك لك حتى فرغ منها» .

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: «لما نزلت هذه الآيات ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ فكلما قالها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: آمين رب العالمين» .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي ذر قال: هي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في هذه الآية قال: كان عليه الصلاة والسلام فسألها نبي الله ربه، فاعطاه اياها، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة.

وأخرج أبو عبيد عن أبي ميسرة «أن جبريل لقن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خاتمة البقرة: آمين» .

وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر عن معاذ بن جبل.

أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ قال: آمين.

وأخرج أبو عبيد عن جبير بن نغير.

أنه كان إذا قرأ خاتمة البقرة يقول: آمين، آمين.

وأخرج ابن السني والبيهقي في الشعب عن حذيفة قال: «صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ سورة البقرة، فلما ختمها قال: اللهم ربنا ولك الحمد عشراً أو سبع مرات» .

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وأحمد والدارمي والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن الضريس والبيهقي في سننه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» .

وأخرج أبو عبيد والدارمي والترمذي والنسائي وابن الضريس ومحمد بن نصر وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان» .

وأخرج أحمد وأبو عبيد ومحمد بن نصر عن عقبة بن عامر «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اقرأوا هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة، فإن ربي أعطانيهما من تحت العرش» .

وأخرج الطبراني عن عقبة بن عامر قال: ترددوا في الآيتين من آخر سورة البقرة ﴿ آمن الرسول ﴾ إلى خاتمتها، فإن الله اصطفى بها محمداً.

وأخرج أحمد والنسائي والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن حذيفة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطها نبي قبلي» .

أخرج إسحاق بن راهويه وأحمد والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي» .

وأخرج مسلم عن ابن مسعود قال: «لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى، فأعطي ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً من أمته المقحمات» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلموهما وعلموهما نساءكم وأبناءكم، فإنهما صلاة وقرآن ودعاء» .

وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وجعفر الفريابي في الذكر عن محمد بن المنكدر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخر سورة البقرة «إنهن قرآن، وإنهن دعاء، وإنهن يدخلن الجنة، وإنهن يرضين الرحمن» .

وأخرج الديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آيتان هما قرآن، وهما يشفيان، وهما مما يحبهما الله، الآيتان من آخر البقرة» .

وأخرج الطبراني بسند جيد عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، لا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان» .

وأخرج مسدد عن عمر قال: ما كنت أرى أحداً يعقل ينام حتى يقرأ الآيات الأواخر من سورة البقرة، فإنهن من كنز تحت العرش.

وأخرج الدارمي ومحمد بن نصر وابن الضريس وابن مردويه عن علي قال: ما كنت أرى أن أحداً يعقل ينام حتى يقرأ هؤلاء الآيات الثلاث من آخر سورة البقرة، وإنهن لمن كنز تحت العرش.

وأخرج الفريابي وأبو عبيد والطبراني ومحمد بن نصر عن ابن مسعود قال: أنزلت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: من قرأ في ليلة آخر سورة البقرة فقد أكثر وأطاب.

وأخرج الخطيب في تلخيص المتشابه عن ابن مسعود قال: من قرأ الثلاث الأواخر من سورة البقرة فقد أكثر وأطاب.

وأخرج ابن عدي عن ابن مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل» .

وأخرج ابن الضريس عن ابن مسعود البدري قال: من قرأ خاتمة سورة البقرة في ليلة أجزأت عنه قيام ليلة، وقال: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش.

وأخرج أبو يعلى عن ابن عباس قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر، في الركعة الأولى ﴿ آمن الرسول ﴾ حتى ختمها، وفي الثانية من آل عمران ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء..

﴾ [ آل عمران: 64] الآية» .

وأخرج أبو عبيد عن كعب أن محمداً صلى الله عليه وسلم أعطي أربع آيات لم يعطهن موسى، وإن موسى أعطي آية لم يعطها محمد صلى الله عليه وسلم.

قال: والآيات التي أعطيهن محمد ﴿ لله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ حتى ختم البقرة، فتلك ثلاث آيات، وآية الكرسي حتى تنقضي، والآية التي أعطيها موسى اللهم لا تولج الشيطان في قلوبنا وخلصنا منه، من أجل أن لك الملكوت والأيد والسلطان والملك والحمد والأرض والسماء والدهر الداهر أبداً أبداً، آمين آمين.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن، أنه كان إذا قرأ آخر البقرة قال: يا لك نعمة، يا لك نعمة.

وأخرج ابن جرير في تهذيب الآثار عن أيوب.

إن أبا قلابة كتب إليه بدعاء الكرب وأمره أن يعلمه ابنه.

لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم، سبحانك يا رحمن ما شئت أن يكون كان وما لم تشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله، أعوذ بالذي يمسك السموات السبع ومن فيهن أن يقعن على الأرض من شر ما خلق ومن شر ما برأ، وأعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر السامة، والهامة، ومن الشر كله في الدنيا والآخرة، ثم يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ الآية.

يقال: كَلَّفْتُه الشيءَ فَتَكَلَّفَ، والكُلْفَة الاسم منه (١) والوُسْعُ، قال الفَرّاء: هو اسم، كالوُجد والجُهد (٢) (٣) (٤) ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ الآية (٥) وروي عنه من طريق آخر، أنه قال: معناه: أنه كلف المؤمنين ما هم له مستطيعون، لأنه قال: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ  ﴾ وقال: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ  ﴾ (٦) وهذا أحسن ما قيل في (٧) (٨) (٩) ﴿ إلَّا وُسْعَهَا ﴾ أي: إلَّا يُسْرَها لا عُسْرها، ولم يكلفها طاقتها، ولو كلفها طاقتها لبلغ المجهود (١٠) وتقول القدرية: إن الله تعالى أخبر أنه لا يكلف العبد إلا ما يسعه، وإذا كلفه الإيمان وقضى عليه الكفرَ فقد كَلَّفَهُ ما لا يسعه، فيقال لهم: يلزمكم مثلُ هذا في العِلْم، لأنكم توافقوننا على أن الله تعالى إذا سبق في مَعْلُومه أن فلانًا يموت كافرًا فلا سبيل له إلى تبديل معلومه، فإذا كلفه الإيمان فقد كلفه ما لا يطيق، وهذا معنى قول الشافعي،  : إذا سلمت لنا القدرية العلم خُصموا [[قول الشافعي، ذكره العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" 2/ 76 [ط.

دار الكتب العلمية].

وابن تيمية في "مجموع الفتاوى" 23/ 342، وروايته: ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أنكروه كفروا وإن أثبتوه خصموا.]].

وقوله تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا أكْتَسَبَت ﴾ الصحيح عند أهل اللغة: أن الكسب والاكتساب واحد، لا فرق بينهما، قال ذو الرمة: أَلَفَى أَبَاه بذاكَ الكَسْبِ يَكْتَسِبُ (١١) (١٢) أَلْقَيْتَ كَاسِبَهُمْ في قَعْرِ مُظلِمَةٍ ...

فاغْفَر هَداكَ مَلِيكُ الناسِ يا عُمَرُ (١٣) ومعنى ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ أي: لا يؤاخَذ أحد بذنب غيره (١٤) وقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا ﴾ قال الحسن: معناه: قولوا: ربنا (١٥) ومعنى ﴿ لَا تُؤَاخِذْنَا ﴾ : لا تُعاقبنا (١٦) وإنما جاء بلفظ المفاعلة وهو فعل واحد؛ لأن المسيء قد أمكن من نفسه، وطَرّقَ السبيلَ إليها بفعله، وكأنه أعان (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ نَسِينَا ﴾ يجوز أن يكون هذا من النسيان الذي هو ضد الذكر (١٩)  والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك (٢٠) والثاني: أن النسيان وإن كان معفوًا عنه في الشرع، فيجوز أن نتعبد (٢١) ﴿ قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ  ﴾ والله سبحانه لا يحكم إلا بالحق، وكما قال: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ  ﴾ وما وُعدوا به على ألسن الرسل يُؤْتَونه، وكذلك قول الملائكة في دعائهم: ﴿ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ  ﴾ .

ويجوز أن يكون النسيان، هاهنا (٢٢) ﴿ إِنْ نَسِينَا ﴾ أي: تركنا شيئًا (٢٣) ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ  ﴾ أي: تركوا العمل لله فترك أن يثيبهم (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ الصحيح في اللغة: أن يقال: خَطِئ الرجلُ: إذا أَثِم، فهو خَاطئٌ آثِمٌ.

وأخطأ: إذا لم يُصِبِ الصَّوابَ (٢٥) قال أبو الهيثم: يقال: خطئ: ما صنعه عمدًا، وهو الذنب، وأخطأ: ما صنعه غير عمد (٢٦) ﴿ أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ معناه: مثل معنى ﴿ نَسِينَا ﴾ إذا كان بمعنى السهو (٢٧) (٢٨) وقال أبو عبيدة: يقال: أخطأ وخطئ لغتان (٢٩) (٣٠) يالَهْفَ هِنْدٍ إذ خَطِئْنَ كَاهلًا (٣١) أي: أخطأن، ويقال في المثل: مع الخَوَاطِئِ سهمٌ صائبٌ (٣٢) فعلى هذا معنى (أخطأنا): خطئنا، أي: أثمنا وتَعَمَّدْنا الإثم (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا ﴾ أصل الإِصْر في اللغة: الثِّقْلُ والشِّدَّةُ، قال النابغة: يا مانعَ الضَّيْمِ أَنْ يَغْشَى سَرَاتَهُم ...

والحَامِل الإصْرَ عَنْهمُ بعدَ ما غَرِقُوا (٣٤) ثم يُسَمَّى (٣٥) (٣٦) ﴿ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي  ﴾ أي: عهدي وميثاقي، والأَصْر: العَطْف، يقال: ما يَأصِرُني عليه آصرة، أي: رَحِمٌ وقرابة، قال الحطيئة: عَطَفُوا (٣٧) (٣٨) أي: عطفوا عليّ بغير عهدِ قرابةٍ (٣٩) (٤٠) فأما التفسير.

فقال ابن عباس في رواية الوالبي وعطاء وعطية (٤١) يعنى: عهدًا وميثاقًا لا نطيقه (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) يدل على هذا التفسير قوله لليهود: ﴿ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي  ﴾ .

وقال كثير من أهل المعاني: الإصر: الثقل، أي: لا تَشُقّ علينا، ولا تشدد ولا تغلِّظ الأمرَ علينا، كما شددت على من قبلنا من اليهود (٤٩) (٥٠) ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ  ﴾ (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) قال الزجاج: المعنى لا تحمل علينا أمرًا يَثْقُلُ كما حملته على الذين من قبلنا، نحو ما أمُر به بنو إسرائيل من قتل أنفسِهم، أي: لا (٥٧) (٥٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ الطاقة: اسم من الإطاقة، كالطاعة (٥٩) قيل في معنى ﴿ مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ ، أي: من العذاب، كأنهم سألوا الله تعالى أن لا يعذبهم بالنار، فإنه لا طاقة لأحد مع عذاب الله، وقيل: أىِ: ما يثقل علينا أداؤه، وإن كنا مطيقين له بعد التجشم وتحمل (٦٠) ﴿ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ  ﴾ معناه: كانوا يستطيعون ذلك على تأذٍّ وتَكَرُهٍ، فكانوا بمنزلة من لا يستطيع (٦١) وقوله تعالى: ﴿ أَنْتَ مَوْلَانَا ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: أي: ناصرنا (٦٢) ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ أي: نَاصِرُهُم وقوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ  ﴾ أي: ناصره، وكذلك قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ  ﴾ (٦٣) ومعنى المولى: من النصرة، من ولي عليه، وولي منه: إذا اتَّصَلَ به ولم يَنْفَصِلْ عنه، وعلى هذا قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا  ﴾ أي: ناصِرُنا، وعلى هذا المعنى قولهم (٦٤)  : "من كنتُ مَولاهُ فَعَلِي مولاه" (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) الحَمْدُ لله الذي أعْطَى الظَّفَرْ ...

مَوَالي الحَقِّ إن المَوْلَى شَكَرْ (٦٩) أي: أولياءُ الحَقِّ، وكلُّ مَنْ انَضَم إليكَ فَعَزَّ بِعِزِّكَ وامتنع بِمَنَعَتِكَ (٧٠) ﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي  ﴾ أي: العصبة، وعلى هذا ينشد: مَوَالي حِلْفٍ لا مَوَالي قَرَابةٍ ...

ولكن قَطِينًا يَسْأَلونَ الأَتَاويَا (٧١) (٧٢) (٧٣) فمعنى قوله: أنت مولانا أي: أنت ولينا بنصرك إيانا، وأنت الذي تلي علينا أمورنا، وذلك أنه (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) قال مقاتل بن سليمان: لما أسري بالنبي  إلى السماء، أعطي خواتيم سورة البقرة ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ ﴾ فقالت له (٧٨) ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ ﴾ فَسَلْه وارغب إليه، وعلمه جبريل كيف يدعو، فجعل رسول الله  يقول: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا ﴾ إلى آخر السورة، وجبريل  يقول في كل فصل: قد فعل الله تبارك وتعالى ذلك (٧٩) وحدثنا أحمد بن أبي منصور الحافظ (٨٠) (٨١) (٨٢) (٨٣) (٨٤) (٨٥) ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ قال: قد غفرت لكم لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها إلى قوله: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ قال: لا أوآخذكم، ﴿ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا ﴾ قال: لا أحمل عليكم، ﴿ وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ قال: لا أحملكم، ﴿ وَاعْفُ عَنَّا ﴾ إلى آخر السورة، قال: قد عفوت عنكم (٨٦) (٨٧) وقال أبو إسحاق: هذا الدعاء أخبر الله عز وجل به عن النبي  والمؤمنين، وجعله في كتابه ليكون دعاء من يأتي بعد النبي  والصحابة (٨٨) وقال في قوله: ﴿ فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ أي: انصرنا عليهم في إقامة الحجة، وفي غلبتنا إياهم في حربهم وسائر أمورهم، حتى (٨٩) (٩٠) (٩١) (١) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3175 (مادة: كلف)، "المفردات" ص 441.

(٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 188 قال: ومن قال في مثل الوُجد: الوَجد، وفي مثل الجُهد: الجَهد، قال في مثله من الكلام ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ ولو قيل: وَسْعَها لكان جائزًا، ولم نسمعه.

اهـ ووَسعها بالفتح قراءة ابن أبي عبلة.

(٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 1866.

(٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 154 بمعناه، وابن أبي حاتم 2/ 574.

(٥) رواه الطبري في "تفسيره" عن ابن عباس 3/ 154، وعزاه في "الدر" 1/ 665 إلى ابن المنذر، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1867، "تفسير البغوي" 1/ 357.

وقد ذكر المؤلف أن التحقيق عدم القول بالنسخ فلينظر عند قوله: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ  ﴾ .

(٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 6/ 130 بمعناه، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 577، وعزاه في "الدر" 2/ 133 إلى ابن المنذر، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1867.

(٧) في (ش): (من).

(٨) "تفسير الثعلبي" 2/ 1869، وينظر: "تفسير السمعاني" 2/ 481، "الكشاف" 1/ 332.

(٩) في (ي): (تفصيلًا).

(١٠) في "تفسير الثعلبي": المجهود منها، وقول سفيان رواه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1868، وذكره الحيري في "الكفاية في التفسير" 1/ 248، والبغوي في "تفسيره" 1/ 357.

(١١) شطره الأول: ومطعم الصيد هبال لبغيته وهو في "ديوانه" شرح أبي نصر الباهلي 1/ 99، و"جمهرة أشعار العرب" ص 346، و"الحيوان" 4/ 47، و"الأمثال" للميداني 3/ 300، و"تاريخ دمشق" 48/ 177.

(١٢) قال الراغب في "المفردات" ص 433: والكسب يقال فيما أخذه لنفسه ولغيره، ولهذا قد تعدى إلى مفعولين، فيقال: كسبت فلانًا كذا، والاكتساب لا يقال إلا فيما استفدته لنفسك، فكل اكتساب كسب، وليس كل كسب اكتسابا، ثم ذكر الأقوال في المراد بقوله: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ فقد قيل: خص الكسب هاهنا بالصالح، والاكتساب بالسيء، وقيل: عُنِي بالكسب ما يتحراه من المكاسب الأخروية، وبالاكتساب: ما يتحراه من المكاسب الدنيوية، وقيل: عُني بالكسب: ما يفعله الإنسان من فعل خير وجلب نفع إلى غيره، من حيثما يجوز، وبالاكتساب ما يحصله لنفسه من نفع يجوز تناوله، فنبه على أن ما يفعله الإنسان لغيره من نفع يوصله إليه فله الثواب، وأن ما يحصله لنفسه وإن كان متناولا من حيثما يجوز على الوجه فقلما ينفك من أن يكون عليه.

(١٣) البيت للحطيئة في "ديوانه" ص208، وفي "الأغاني" 2/ 178، و"العقد الفريد" 5/ 259، و"الكامل في الأدب" 3/ 193، "خزانة الأدب" 3/ 254، "لسان العرب" 5/ 2686 (مادة: طلح)، "الوافي بالوفيات" 11/ 55.

وأغلب رواياته: فاغفر سلام الله عليك.

(١٤) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 369.

(١٥) ذكره في "الوسيط" 1/ 410.

(١٦) "تفسيرالثعلبى" 2/ 1870.

(١٧) في (ي): (أعدل).

(١٨) من "تفسير الثعلبي" 2/ 1870، وينظر: "تفسير الرازي" 7/ 125، "الدر المصون" 2/ 701.

(١٩) وهذا اختيار الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1871.

(٢٠) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1870، والبغوي في "تفسيره" 1/ 357، والحافظ في "العجاب" 1/ 655.

(٢١) في (ي) و (ش): (يتعبد).

(٢٢) سقطت من (ي).

(٢٣) سقطت من (ي).

(٢٤) ينظر: "الأشباه والنظائر" لمقاتل ص 239، الطبري في "تفسيره" 3/ 155 - 156، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 1/ 370، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 332، "تفسير الثعلبي" 2/ 1871، وقد بين الطبري في "تفسيره" 3/ 155 - 156: أن النسيان على وجهين: أحدهما: على وجه التضييع من العبد والتفريط، فهو ترك منه لما أمر بفعله، فذلك الذي يرغب العبد إلى الله تعالى في تركه مؤاخذته، وهو النسيان الذي عاقب الله آدم به فأخرجه من الجنة، ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك كفرًا، فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة به غير جائزة وأما النسيان الذي يكون بسبب قلة احتمال العقل ما وكل بمراعاته، فلا وجه للدعاء بطلب المغفرة منه.

قال: وكذلك الخطأ على وجهين.

(٢٥) ينظر في خطئ: "تهذيب اللغة" 7/ 495 - 500، "المفردات" ص 156، "اللسان" 1/ 65 - 68.

(٢٦) نقله في "تهذيب اللغة" 7/ 498.

(٢٧) ينظر: "تفسير الطبري" 6/ 134، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 370، قال الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1871: وهو الأصح، لأن ما كان عمدًا من الذنب فهو غير معفو عنه، بل هو في مشيئة الله عز وجل ما لم يكن كفرًا.

وقال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 545: وذهب كثير من العلماء إلى أن الدعاء في هذه الآية إنما هو في النسيان الغالب، والخطأ غير المقصود، وهذا هو الصحيح عندي.

(٢٨) سبق تخريجه.

(٢٩) سقطت من (ي).

(٣٠) "مجاز القرآن" 1/ 376، ونقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 1060 (مادة: خطئ)، وتعقبه الحافظ ابن حجر في "الفتح" لعله في سورة الإسراء.

(٣١) البيت لامرئ القيس، وبعده كما في "تهذيب اللغة" 1/ 1060 (مادة: خطئ)، و"الشعر والشعراء" 1/ 55، و"أساس البلاغة": القاتلَيْنِ الملِك الحُلاحلا ورواية ديوان امرئ القيس ص 136 (ط.

السندوبي).

يالهف هند إذ خطئن كاهلا ...

تالله لا يذهب شيخي باطلا حتى أبيرمالكا وكاهلا ...

القاتلين الملك الحلاحلا وفي طبعة المعارف رواية أخرى.

ينظر التعليق على"تهذيب اللغة" 1/ 1060 (مادة: خطئ)، وكاهل: حي من بني أسد، وهذا الشعر عنى به الخيل وإن لم يجر لها ذكر.

ينظر: "اللسان" 2/ 1149 (مادة: خطأ).

(٣٢) ينظر "تهذيب اللغة" 1/ 1060 (مادة: خطئ): ضرب للذي يكثر الخطأ ويأتي الأحيان بالصواب، وفي "مجمع الأمثال" للميداني 2/ 280: الخواطئ سهم صائب، وفسر الخواطئ بأنها السهام التي تخطئ القرطاس.

(٣٣) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 155، "تفسير الثعلبي" 2/ 1872، "تفسير البغوي" 1/ 357، "البحر المحيط" 2/ 343.

(٣٤) في "ديوانه" ص 129، و"الزاهر" 2/ 59، و"البحر المحيط" 2/ 343، و"الدر المصون" 2/ 59.

(٣٥) في (أ) و (ي): (سمي).

(٣٦) في (ي): (الإصر عهدًا).

(٣٧) في (م): (هم عطفوا).

(٣٨) البيت في "ديوانه" ص 37، "تهذيب اللغة" 1/ 166، "لسان العرب" 1/ 87 (مادة: أصر).

(٣٩) في "تهذيب اللغة" 1/ 166: أو قرابة.

(٤٠) ينظر في الإصر: "تفسير الطبري" 3/ 157 - 158، "تهذيب اللغة" 1/ 166، "المفردات" ص 28، "اللسان" 1/ 87.

(٤١) أخرجها الطبري في "تفسيره" 3/ 157، وروى ابن أبي حاتم 2/ 580 نحوه من طريق الضحاك عن ابن عباس، وذكر ذلك عنهم الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1875.

(٤٢) في (ي): (لا نطيق ذلك)، وفي (ش): (لا نطيقه ذلك).

(٤٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 156، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 580، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1875، والبغوي في "تفسيره" 1/ 358.

(٤٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 112، والطبري في "تفسيره" 3/ 157.

(٤٥) "تفسير مقاتل" 1/ 232.

(٤٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 157، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 580.

(٤٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1875، والحيري في "الكفاية" 1/ 249، والبغوي في "تفسيره" 1/ 358.

(٤٨) "معاني القرآن" للفراء 1/ 189.

(٤٩) سقطت من (ي).

(٥٠) في (ي): (أصابت).

(٥١) من "تفسيرالثعلبي" 2/ 1876 - 1877.

(٥٢) "مجاز القرآن" 1/ 84.

(٥٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 1877.

(٥٤) "تفسير غريب القرآن" ص 89.

(٥٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 371.

(٥٦) "تفسير الثعلبي" 2/ 1877، وذكر الثعلبي في "تفسيره" أنه قول عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني، ومالك بن أنس.

(٥٧) في (ش): (لأن لا).

(٥٨) "معاني القرآن" 1/ 371.

(٥٩) في (م): (اسم من الإطاعة).

(٦٠) في (ي): (وحمل).

(٦١) "تفسير الطبري" 3/ 158، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 581، "تفسير الثعلبي" 2/ 1878.

(٦٢) ينظر التفاسير المتقدمة، والرواية عن ابن عباس قد تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.

(٦٣) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 159، "تفسير الثعلبي" 2/ 1890.

(٦٤) في (ش): (قوله).

(٦٥) رواه أحمد 4/ 368، والترمذي (3713) كتاب: المناقب، باب: مناقب علي.

وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم 3/ 109.

(٦٦) قال يونس سقطت من (ي).

(٦٧) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 15/ 450.

(٦٨) رواه البخاري (3512) كتاب: الأنبياء، باب ذكر وأسلم وغفار، ومسلم (2520) كتاب: فضائل الصحابة، باب: دعاء النبي  لغفار وأسلم.

من حديث أبي هريرة.

ومزينة: بطن من مضر من القبائل العدنانية، مساكنهم بين المدينة ووادي القرى.

ينظر: "معجم القبائل العربية" 3/ 1083.

وجهينة: حي عظيم من قضاعة، من القحطانية، وهم: بنو جهينة بن زيد بن ليث، منازلهم ما بين ينبع ويثرب.

ينظر: "معجم القبائل العربية" 1/ 216.

وأسلم: بطن من خزاعة، وهم: بنو أسلم بن أفصى بن حارثة، من القبائل القحطانية، ومن قراهم: وبرة: وهي قرية ذات نخيل من أعراض المدينة.

ينظر: "معجم القبائل العربية" 1/ 26.

وغفار: بطن من كنانة، من العدنانية، وهم: بنو غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناف، كانوا حول مكة ومن مياههم: بدر.

ينظر: "معجم القبائل العربية" 3/ 890.

(٦٩) البيت في ديوان العجاج رواية الأصمعي 1/ 4، وروايته: فالحمد لله الذي أعطى الحبر ...

موالي الحق إن الحق شكر وينظر: "تهذيب إصلاح المنطق" 1/ 169، و"مجالس ثعلب" ص 253، و"أمالي القالي" 1/ 134، و"خزانة الأدب" 4/ 40.

(٧٠) في (ي) و (ش): (لأنه).

(٧١) البيت للجعدي، نسبه إليه في "اللسان" 8/ 4922 مادة: (ولى)، 2/ 957 (مادة: حلب)، 1/ 24 (مادة: أتى)، وفي الموضع الأخير ذكره بلفظ: يحلبون الأتاويا.

(٧٢) قوله: (حلفاء لا أبناء عم)، سقطت من (ي).

(٧٣) ينظر في ولي "تفسير الطبري" 3/ 159، "تهذيب اللغة" 4/ 3955 - 3958، "المفردات" ص 547، "اللسان" 8/ 4920.

(٧٤) في (ي) و (ش): (لأنه).

(٧٥) في (ي): (أمر).

(٧٦) سقطت من (ي).

(٧٧) قال الراغب: الولاء والتوالي: أن يحصل شيئان فصاعدان حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد.

والوِلاية: النصرة، والوَلاية: تولي الأمر، وقيل: الوِلاية والوَلاية نحو الدِّلالة والدَّلالة، وحقيقته: تولي الأمر، والوَلي والمولى يستعملان في ذلك، كل واحد منهما يقال في الفاعل، أي الموالي، وفي معنى المفعول، أي: الموالَى، يقال للمؤمن: هو ولي الله عز وجل، ولم يرد مولاه، وقد يقال: الله تعالى ولي المؤمنين ومولاهم.

(٧٨) سقطت من (ي).

(٧٩) لم أجد عند مقاتل في "تفسيره" 1/ 232 الشق الأول من الحديث، ولكنه ذكر قوله:== ثم علم جبريل النبي  أن يقول ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ قال الله عز وجل: ذلك لك.

إلى آخر الآيات، وفي كل دعاء يقول الله: ذلك لك، فاستجاب الله عز وجل له ذلك فيما سأل، وشفعه في أمته، وتجاوز لها عن الخطايا والنسيان وما استكرهوا عليه، فلما نزلت قرأهن النبي  على أمته، وأعطاه الله عز وجل هذه الخصال كلها في الآخرة، ولم يعطها أحدًا من الأمم الخالية.

(٨٠) يعني شيخه الثعلبي في "تفسيره".

(٨١) في (ش): (أخبرنا)، وفي (أ): (انبا).

(٨٢) هو: الإمام المحدث أبو بكر محمد بن جعفر بن أحمد بن يزيد المطيري، ثم البغدادي الصيرفي، نزل بغداد، وحدث عن خلق منهم علي بن حرب، وروى عنه الدارقطني وغيرهم، قال فيه هو ثقة مأمون، توفي سنة 335 هـ.

ينظر "السير" 15/ 301، "تاريخ بغداد" 2/ 145 - 146.

(٨٣) في (ي) و (أ) (ثنا).

(٨٤) هو: علي بن حرب الموصلي الطائي، أبو الحسن، روى عن يحي بن اليمان، ومحمد بن الفضيل وغيرهم، قال ابن حجر: صدوق فاضل، وروى عنه النسائي وأبو عوانة ومحمد بن جعفر المطيري، توفي سنة 265 هـ انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 183، "التقريب" ص 399 (4701)، "السير" 12/ 251 - 253.

(٨٥) هو: محمد بن فضيل بن غزوان أبو عبد الرحمن الضبي الكوفي، قال ابن المدني: كان ثقة ثبتًا في الحديث، وقال ابن معين والعجلي ويعقوب بن سفيان، وابن سعد: ثقة، وقال الإمام أحمد: يتشيع، وكان حسن الحديث توفي سنة 194، وقيل: 195.

ينظر: "الجرح والتعديل" 7/ 57، "تهذيب التهذيب" 3/ 676، "السير" 9/ 173.

(٨٦) من قوله: (غفرت لكم)، ساقط من (ي).

(٨٧) الحديث، رواه بهذا السند واللفظ: في "تفسيره" 2/ 1890، ورواه الطبري في "تفسيره" 3/ 160، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 577 - 582 كلاهما عن علي بن حرب بهذا الإسناد، والحديث أصله رواه مسلم (126) كتاب: الإيمان، باب.

بيان أنه سبحانه لا يكلف إلا ما يطاق، والترمذي (2992) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة البقرة، وأحمد 1/ 233 وغيرهم بلفظ: "قد فعلت" بعد كل دعاء.

(٨٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 370.

(٨٩) سقطت من (ي).

(٩٠) في (ش) (يظهر).

(٩١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 371.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ آمَنَ الرسول ﴾ الآية سببها ما تقدّم في حديث أبي هريرة: لما قالوا سمعنا وأطعنا مدحهم الله بهذه الآية، وقدّم ذلك قبل كشف ما شق عليهم ﴿ والمؤمنون ﴾ عطف على الرسول أو مبتدأ، فعلى الأوّل يوقف على المؤمنون وعلى الثاني يوقف على من ربّه والأوّل أحسن ﴿ كُلٌّ آمَنَ بالله ﴾ إن كان المؤمنون معطوفاً فكل عموم في الرسول والمؤمنون، وإن كان مبتدأ فكل عموم في المؤمنين ووحد الضمير في آمن على معنى أن كل واحد منهم آمن ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ قرئ بالجمع أي كل كتاب أنزله الله، وقرئ بالتوحيد يريد القرآن أو الجنس ﴿ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ التقدير يقولون: لا نفرّق، والمعنى: لا نفرق بين أحد من الرسل وبين غيره في الإيمان بل نؤمن بجميعهم، ولسنا كاليهود والنصارى الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ﴿ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ حكاية عن قول المؤمنين على وجه المدح لهم ﴿ غُفْرَانَكَ ﴾ مصدر، والعامل فيه مضمر ونصبه على المصدرية تقديره اغفر غفرانك، وقيل على المفعولية تقديره: نطلب غفرانك ﴿ وَإِلَيْكَ المصير ﴾ إقرار بالبعث مع تذلل وانقياد، وهنا تمت حكاية كلام المؤمنين ﴿ لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ إخبار من الله تعالى برفع تكليف ما لا يطاق، وهو جائز عقلاّ عند الأشعرية ومحال عقلاً عند المعتزلة، واتفقوا على أنه لم يقع في الشريعة ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ ﴾ أي من الحسنات ﴿ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ﴾ أي من السيئات، وجاءت العبارة بلها في الحسنات لأنها مما ينتفع بالعبد به، وجاءت بعليها في السيئات لأنها مما يضر العبد، وإنما قال في الحسنات كسبت وفي الشرّ اكتسبت، لأنّ في الاكتساب ضرب من الاعتمال والمعالجة، حسبما تقتضيه صيغة افتعل فالسيئات فاعلها يتكلف مخافة أمر الله، ويتعدّاه بخلاف الحسنات، فإنه فيها على الجادّة من غير تكلف أو لأنّ السيئات يجدّ في فعلها لميل النفس إليها، فجعلت لذلك مكتسبة، ولا لم يكن الإنسان في الحسنات كذلك: وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ أي قولوا ذلك في دعائكم ويحتمل أن يكون ذلك من بقية حكاية قولهم كما حكى عنهم قولهم: سمعنا وأطعنا، والنسيان هنا هو ذهول القلب على الإنسان، والخطأ غير العمد فذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان» وقد كان يجوز أن يأخذ به لولا أنّ الله رفعه ﴿ وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً ﴾ التكاليف الصعبة، وقد كانت لمن تقدّم من الأمم كقتل أنفسهم، وقرض أبدانهم، ورفعت عن هذه الأمة.

قال تعالى ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ﴾ [الأعراف: 157] وقيل الإصر المسخ قردة وخنازير ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ هذا الدعاء دليل على جواز تكليف ما لا يطاق لأنه لا يدعى برفع ما لا يجوز أن يقع.

ثم إنّ الشرع دفع وقوعه.

وتحقيق ذلك أنّ ما لا يطاق.

أربعة أنواع: الأول: عقلي محض: كتكليف الإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن.

فهذا جائز وواقع بالاتفاق.

والثاني: عاديّ كالطيران في الهواء.

والثالث: عقلي وعادي: كالجمع بين الضدّين، فهذان وقع الخلاف في جواز التكليف بهما، والاتفاق على عدم وقوعه، والرابع تكليف ما يشق ويصعب، فهذا جائز اتفاقاً، فقد كلفه الله من تقدّم من الأمم، ورفعه عن هذه الأمّة ﴿ واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنآ ﴾ ألفاظ متقاربة المعنى وبينها من الفرق أنّ العفو ترك المؤاخذة بالذنب، والمغفرة تقتضي مع ذلك الستر، والرحمة تجمع ذلك مع التفضيل بالإنعام ﴿ مولانا ﴾ ولينا وسيدنا.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فيغفر لمن يشاء ﴾ بإدغام الراء في اللام: أبو عمرو.

وجملة أهل العلم على الإخفاء لا على الإدغام التام ﴿ فيغفر ﴾ و ﴿ يعذب ﴾ برفع الراء والباء: يزيد وابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب.

وقرأ حمزة غير أبي عمرو والحلواني عن قالون وابن مجاهد وأبو عون وأبو ربيعة عن البزي وخلف لنفسه يعذب من بالإظهار، أبو عمرو يدغم ﴿ ويعذب من يشاء ﴾ كل القرآن.

﴿ وكتابه ﴾ حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ وكتبه ﴾ جمعاً لا يفرق بياء الغيبة يعقوب.

الباقون بالنون ﴿ أخطأنا ﴾ مثل ﴿ فادارأتم  ﴾ .

الوقوف: ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ به الله ﴾ ط لمن قرأ ﴿ فيغفر ﴾ بالرفع على الاستئناف/ أي فهو يغفر، ومن جزم العطف لم يقف.

﴿ من يشاء ﴾ ط.

﴿ قدير ﴾ ه ﴿ والمؤمنون ﴾ ه، لمن لم يقف على من ربه.

﴿ المصير ﴾ ه، ﴿ وسعها ﴾ ط ﴿ ما اكتسبت ﴾ ط ﴿ أو أخطأنا ﴾ ج ﴿ من قبلنا ﴾ ج لأن النداء للابتداء ولكن الواو لعطف السؤال على السؤال ﴿ لنا به ﴾ ج ﴿ واعف عنه ﴾ وقفة ﴿ واغفر لنا ﴾ كذلك ﴿ واحمنا ﴾ كذلك للتفصيل بين أنواع المقاصد والاعتراف بأن أطماعنا غير واحد ﴿ الكافرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول وهي دلائل التوحيد والنبوة والمعاد وأشياء كثيرة من بيان الشرائع والتكاليف كالصلاة والزكاة والقصاص والصوم والحج والجهاد والحيض والطلاق والعدة والصداق والخلع والإيلاء والإرضاع والبيع والربا والمداينة، ختم السورة بكلام دل على كماله ملكه وهو قوله: ﴿ لله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وعلى كمال علمه وهو قوله ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ وعلى كمال قدرته وهو قوله ﴿ فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ﴾ وفي ذلك غاية الوعد للمطيعين ونهاية الوعيد للمذنبين.

وعن أبي مسلم أنه لما قال: والله بما تعملون عليم.

ذكر عليه دليلاً عقلياً فإن من كان فاعلاً لهذه الأفعال المحكمة المتقنة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع الفاخرة لا بد أن يكون محيطاً بأجزائها وجزئياتها.

وقيل: لما أمر بالوثائق من الكتبة والأشهاد والرهن، ذكر ما علم منه أن المقصود يرجع إلى الخلق وأنه منزه على الانتفاع به.

وقال الشعبي وعكرمة ومجاهد: إنه لما أوعد على كتمان الشهادة ذكر أن له ما في السموات وما في الأرض فيجازي على الكتمان والإظهار.

عن ابن عباس وأبي هريرة واللفظ له: "لما نزل ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله  .

فأتوا رسول الله  ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والصدقة.

وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها.

قال رسول الله  : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟

بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.

فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله عزّوجل: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ قال: نعم ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ قال: نعم، ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ قال نعم ﴿ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ﴾ قال نعم.

" واعلم أن العلماء اتفقوا على أن الأمور التي تخطر بالبال مما يكرهها الإنسان ولا يمكنه إزالتها عن النفس، لا يؤاخذ بها لأنها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق، وأما الخواطر التي يوطن الإنسان نفسه عليها ويعزم على إدخالها في الوجود فقد قيل: إنه يؤاخذ بها لقوله تعالى: ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم  ﴾ وكما يؤاخذ باعتقاد الكفر والبدع وأنه من أفعال القلوب، ثم قال بعضهم: إنما يؤاخذ بها الدنيا لما روى الضحاك عن عائشة أنها قالت: ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه.

نعم يبتليه في الدنيا أو حزن أو أذى، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب.

وروت أنها سألت النبي  عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه.

وقيل: إن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل فإنه في محل العفو لما روي أنه  قال بعد نزول قوله ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ " "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا " وقيل: معنى قوله ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ﴾ أن يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهراً وإما على سبيل الخفية، وعلى هذا فلا حاجة الى التزام النسخ.

وكذا لو قيل: إن معنى كونه حسيباً ومحاسباً كونه عالماً بما في الضمائر والسرائر فيغفر لمن يشاء وإن كان من أصحاب الكبائر لعموم اللفظ.

وعند المعتزلة لمن استوجب المغفرة بالتوبة وهو تخصيص من غير دليل ﴿ ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ﴾ مستولِ على كل الممكنات بالقهر والغلبة والإيجاد والإعدام.

فعلى كل عاقل أن يكون له عبداً منقاداً خاضعاً لأوامره ومراضيه، محترزاً عن مساخطه ومناهيه ليستحق المدح والثناء بقوله ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ﴾ فإن كمال الربوبية في الواجب يستلزم كمال العبودية في الممكن، وكمال العبودية في الممكن يستتبع كمال الرحمة عليه وذلك قوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ إلى آخر السورة.

أو نقول: إنه بدأ السورة بذكر المتقين الذين يؤمنون بالغيب، فبيّن في آخرها أن الذين مدحتهم في أول السورة هم أمة محمد ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله ﴾ ثم قال ههنا ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ كما قال هناك ﴿ ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون  ﴾ وقال ههنا ﴿ غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ كما قال هنالك ﴿ وبالآخرة هم يوقنون  ﴾ ثم حكى عنهم كيفية تضرعهم إلى ربهم بقوله: ﴿ ربنا لا تؤاخذنا ﴾ إلى آخر السورة كما قال هناك ﴿ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ﴾ \[البقرة:/ 5\] أو نقول: إنه  لما ذكر في هذه السورة أنواع الشرائع والأحكام، بيّن أن الرسول اعترف لمعجزة دلت على صدق الملك أن ذلك وحي من الله وصل إليه، وأن الذي أخبره بذلك ملك مبعوث من قبل الله معصوم من التحريف وليس بشيطان مضل.

ثم ذكر عقيبه إيمان المؤمنين بذلك لمعجزات أظهرها الله  على يد الرسول حتى استدلت الأمة بها على أنه صادق في دعواه وهو المرتبة المتأخرة.

ومن تأمل في نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بسبب فصاحة ألفاظه وبلاغة معانيه، فهو أيضا معجز بحسب ترتيبه ونظم مبانيه.

ولعل الذين قالوا إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك.

ثم ههنا احتمالان: أحدهما أن يكون تمام الكلام عند قوله: ﴿ المؤمنون ﴾ فيكون المعنى ﴿ آمن الرسول...والمؤمنون...

بما أنزل إليه من ربه ﴾ ثم ابتدأ بقول ﴿ كل آمن ﴾ فيكون الضمير الذي التنوين نائب عنه في كل عائداً إلى الرسول والمؤمنين أي كلهم آمن بل كل واحد ممن تقدم ذكره من الرسول والمؤمنين آمن، ولهذا وحد.

ومثل هذا الضمير يجوز أن يفرد بمعنى كل واحد، ويجوز أن يجمع كقوله ﴿ وكل أتوه داخرين  ﴾ وهذا الاحتمال يشعر بأنه  ما كان مؤمناً بربه ثم آمن، فيحمل عدم الإيمان على وقت الاستدلال وذلك أنه عرف بما ظهر من المعجزات على يد جبريل  أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام منزل من عند الله  وليس من باب إلقاء الشياطين ولا من نوع السحر والكهانة والشعبذة.

والاحتمال الثاني أن يتم الكلام عند قوله ﴿ من ربه ﴾ ثم ابتدأ من قوله ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله ﴾ وفي هذا الاحتمال إشعار بأن الذي حدث هو إيمانه بالشرائع التي نزلت عليه كما قال ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان  ﴾ أما الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على الإجمال فقد كان حاصلاً منذ خلق من أول الأمر بل كان نبياً وآدم بين الماء والطين، كما أن عيسى خلق كامل العقل حتى قال في المهد ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً  ﴾ وعلى هذا فإنما خص الرسول بذلك لأن الذي أنزل إليه من ربه قد يكون متلواً يسمعه الغير ويعرفه فيمكنه أن يؤمن به، وقد يكون وحياً لا يعلمه سواه.

فيكون هو  مختصاً بالإيمان به ولا يتمكن الغير من الإيمان به.

واعلم أن الآية دلت على أن معرفة هذه المراتب الأربع من ضروريات الإيمان: المرتبة الأولى هي الإيمان بالله  فإن صدق المبلغ والرسول يتوقف على وجود المبلغ والمرسل.

والثانية الإيمان بالملائكة فإنهم وسائط بين الله وبين البشر.

﴿ ينزل الملائكة بالروح/ من أمره على من يشاء من عباده  ﴾ ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ .

والثالثة الكتب فإنه الوحي الذي يتلقفه الملك ويوصله إلى النبي  .

فمثال الملك في عالم الصورة جرم القمر، ومثال الوحي نور القمر.

فكما أن القمر يستفيد من نور الشمس ويوصله إلينا فكذا الملك يأخذ الوحي من الله  ويلقيه على الأنبياء فلا جرم وقع الرسل في المرتبة الرابعة.

وهذا الترتيب مما تقتضيه حكمة عالم التكليف والوسائط وإلا فمقام لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل معلوم لنبينا  ، وهذا سر تطلع منه على أسرار أخرى إن كنت من أهلها، ثم الإيمان بالله عبارة عن الإيمان بوجوده وبصفاته وبأفعاله بأحكامه وبأسمائه.

أما الإيمان بوجوده فهو أن تعلم أن وراء المتحيزات موجوداً خالقاً لها، وعلى هذا التقدير فالمجسم لا يكون مقراً بوجود الإله  فيكون الخلاف معهم في ذات الله  .

وأما الفلاسفة والمعتزلة فالخلاف معهم في الصفات لا في الذات، لأنهم مقرون بوجود موجود غير متحيز ولا حال في المتحيز، وأما الإيمان بصفاته فالصفات إما ثبوتية أو سلبية أو إضافية.

وقد عرفت في تفسير البسملة ما يصح وصفه  بها وما لا يصح، وكذا في تفسير آية الكرسي.

وأما الإيمان بأفعاله فأن تعلم أن كل ما سواه فإنما حصل بتخليقه وتكوينه حتى الأفعال التي تسمى اختيارية للحيوانات، وذلك أن مشيئة الإنسان محدثة منتهية إلى الله  فهو مضطر في صورة مختار.

وقد حققنا هذه المسألة في تفسير قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ وأما الإيمان بأحكامه فإن تعلم أنها غير معللة بغرض وإن كان يترتب عليها الفوائد، وأن تعلم أن المقصود من شرعها منافع عائدة إلى العباد لا إلى الله فإنه منزه عن جلب المنافع ودفع المضار، وأن تعلم أن له الإلزام والحكم في الدنيا كيف شاء وأراد، وأن تعلم أنه لا يجب على الحق بسبب الأعمال شيء، وأنه في الآخرة يغفر لمن يشاء بفضله ويعذب من يشاء بعدله ولا يقبح منه شيء، لأن الكل ملكه وملكه.

وأما الإيمان بأسمائه فهي الأسماء الواردة في كتب الله المنزلة وفي كلمات أنيبائه المرسلة، وقد مر في تفسير البسملة فهذا هو الإشارة إلى معاقد الإيمان بالله.

وأما الايمان بالملائكة فهو الإيمان بوجودها.

فأما البحث عن أنها روحانية محضة، أو جسمانية محضة، أو مركبة من القسمين، وبتقدير كونها جسمانية فلطيفة أو كثيفة، وإن كانت لطيفة فنورانية أو هوائية فذاك مقام العلماء الراسخين في العلوم القرآنية والبُرهانية ويدخل في الإيمان بالملائكة اعتقاد أنهم معصومون، وأن لذتهم بذكر الله، وحياتهم بمعرفته وطاعته، وأنهم وسائط بين الله وبين البشر، وبهم وصلت الكتب إلى الأنبياء، ولكل طائفة منهم مقام معلوم وجزء مقسوم من أقسام هذا العالم.

وأما الإيمان بالكتب/ فإن تعلم أن كلها وحي من عند الله وليس لأحد من المخلوقات أن يلقي فيها شيئاً من ضلالاتهم ولا سيما في القرآن العظيم.

وإن من قال: إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان، فقد أخرج القرآن عن كونه حجة وطرق إليه التغيير والتحريف.

وأن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه، ومحكمه يكشف عن متشابهه.

وأما الإيمان بالرسل فإن تعلم كونهم معصومين عن الذنوب في باب الاعتقاد في أمر التبيلغ وفي الفتيا وفي الأخلاق وفي الأفعال كما مر في قصة آدم، وأن تعلم أن النبي  أفضل ممن ليس بني خلافاً لبعض الصوفية، وأن بعض الأنبياء أفضل من بعض كما قال  : ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض  ﴾ وأما فضلهم على الملائكة فقد قال بعضهم: إن الأنبياء أفضل من الملائكة.

وقال كثير من العلماء: إن الملائكة السماوية أفضل منهم وإنهم أفضل من الملائكة الأرضية.

وقد مر تحقيق ذلك في قصة آدم أيضاً.

وأن تعلم أن شرعهم وإن صار منسوخاً إلا أن نبوتهم لم تصر منسوخة.

وإنهم الآن أنبياء ورسل كما كانوا، وناقش بعض المتكلمين في ذلك.

فهذه إشارة إلى أصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.

وأما من قرأ ﴿ وكتابه ﴾ على الوحدة فإما أن يراد به القرآن، ثم الإيمان به يتضمن الإيمان بمجموع الكتب والرسل.

وإما أن يراد به جنس الكتب السماوية فإن اسم الجنس المضاف قد يفيد العموم كقوله: ﴿ وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها  ﴾ وقال ﴿ احل لكم ليلة الصيام الرفث  ﴾ وهذا الإحلال شائع في جميع الصيام.

قال العلماء: قراءة الجمع أولى لمشاكلة ما قبله وما بعده.

وقيل: قراءة الإفراد أولى لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع.

ومن هنا قال ابن عباس: الكتاب أكثر من الكتب.

ومن قرأ ﴿ لا نفرق ﴾ بالنون فلا بد من إضمار أي يقولون لا نفرق.

ومن قرأ بالياء على أن الفعل لكل فلا حاجة إلى الإضمار، ثم إن الجملة خبر أو حال واحد في معنى الجمع.

أي بين كل منهم وبين آخر منهم، فإن النكرة في سياق النفي تعم ولذلك صلحت لدخول "بين" عليها.

وليس المراد بعدم التفريق عدم التفضيل لقوله  : ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض  ﴾ بل المراد عدم التفريق في الإيمان بهم وفي اعتقاد بنوتهم لظهور المعجزات على أيديهم حسب دعاويهم.

والغرض منه تزييف معتقد اليهود والنصارى الذين يقرون بنبوة موسى وعيسى دون نبوة محمد  .

وعن أبي مسلم: لا نفرق ما جمعوا كقوله ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا  ﴾ واعلم أن قوله ﴿ آمن الرسول ﴾ إلى قوله ﴿ بين أحد من رسله ﴾ إشارة إلى استكمال القوة النظرية بهذه المعارف الشريفة ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ إشارة إلى استكمال القوة العملية بالأعمال/ الفاضلة الكاملة.

أو نقول: إن للإنسان إياماً ثلاثة الأمس والبحث عنه يسمى معرفة المبدأ، واليوم والبحث عنه يسمى بالوسط، والغد والفحص عنه يسمى بعلم المعاد.

فقوله: ﴿ آمن الرسول ﴾ إلى قوله ﴿ من رسله ﴾ إشارة إلى معرفة المبدأ ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ إشارة إلى الوسط و ﴿ غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ علم المعاد ومثله في آخر سورة هود ﴿ ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله  ﴾ وهو معرفة المبدأ لأن الكمالاتالحقيقية ليست إلا العلم والقدرة.

وقوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض  ﴾ فيه بيان كمال العلم، وقوله ﴿ وإليه يرجع الأمر ﴾ فيه كمال القدرة.

وأما علم الوسط وهو علم ما يجب أن يشتغل به اليوم فبدايته الاشتغال بالعبودية وهو قوله: ﴿ فاعبده  ﴾ ونهايته قطع النظر عن الأسباب، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب وهو قوله ﴿ وتوكل عليه  ﴾ وأما علم المعاد فقوله: ﴿ وما ربك بغافل عما تعملون  ﴾ أي ليومك غد سيصل إليك فيه نتائج أعمالك ومثله ﴿ سبحان ربك رب العزة عما يصفون  ﴾ وهو معرفة المبدأ ﴿ وسلام على المرسلين  ﴾ وفيه إشارة إلى عالم الوسط ﴿ والحمد لله رب العالمين  ﴾ إشارة إلى علم المعاد كقوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ والوقوف على هذه الأسرار إنما يكون بجذبة من ضيق عالم الأسرار إلى فسحة عالم الأنوار.

أو نقول ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله ﴾ إشارة إلى الأحكام العقليات ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ إشارة إلى الأحكام السمعيات.

قال الواحدي: أي سمعنا قوله وأطعنا أمره.

وقيل: حذف المفعول صورة.

ومعنى ههنا أولى ليفيد أنه ليس في الوجود قول يجب سمعه إلا قوله، ولا أمر تجب إطاعته إلا أمره.

والسماع ههنا بمعنى القبول أي سمعناه بآذان عقولنا وعرفنا صحته وتيقنا أن كل تكليف ورد على لسان الملائكة والأنبياء عليهم السلام، فهو حق صحيح واجب قبوله، ثم قال ﴿ وأطعنا ﴾ فدل هذا على أنه كما صح اعتقادهم في هذه التكاليف فهم ما أخلوا بشيء منها، فجمع الله  بهذين اللفظين كل ما يتعلق بأبواب التكاليف علماً وعملاً.

﴿ غفرانك ﴾ مصدر منصوب بإضمار فعله أي اغفر.

ويقال: غفرانك اللهم لا كفرانك.

من قوله ﴿ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه  ﴾ أي لن تعدموا جزاءه.

وفي الكشاف: أي نستغفرك ولا نكفرك.

وقيل: معناه نسألك غفرانك فيكون مفعولاً به.

والأشهر أنه مصدر حذف فعله وجوباً لكثرة الاستعمال وللاستغناء به عن فعله نحو: سقياً ورعياً.

وههنا سؤال وهو أن القوم لما قبلوا التكليف وعملوا به فأي حاجة بهم إلى طلب المغفرة؟

والجواب لعلهم خافوا أن يكون قد فرط منهم تقصير فيما يأتون/ ويذرون، أو لعلهم كانوا يرتقون في درجات العبودية فيستغفرون مما قد خلفوها، ومن ههنا قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وقد حمل قوله  : " وإني لأستغفر الله في اليوم سعبين مرة " على مثل هذا.

ولأن جميع الطاعات في جنب مواجب حقوق الإلهية جنايات وتقصير وقصور، ولهذا حكى عن أهل الجنة ﴿ دعواهم فيها سبحانك اللهم ﴾ } [يونس: 10] أي أنت منزه عن تسبيحنا وتقديسنا ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ أي كل الحمد له، وإن كنا لا نقدر على فهم ذلك الحمد بعقولنا ولا على ذكره بألسنتنا.

ثم إن طلب هذا الغفران مقرون بأمرين: أحدهما بالإضافة إليه، والثاني بقوله: ﴿ ربنا ﴾ أما القيد الأول فمعناه أطلب المغفرة منك وأنت الكامل في هذه الصفة والمطموع من الكامل في صفة أن يعطي عطية كاملة، وما ذاك إلا بأن يغفر جميع الذنوب ويبدّلها حسنات.

أو تكون الإضافة إشارة إلى ما ورد في الحديث: " "إن لله  مائة جزء من الرحمة قسم جزءاً منها على الملائكة والجن والإنس وجميع الحيوانات فبها يتراحمون ويتعاطفون.

وأخر تسعة وتسعين جزءاً ليوم القيامة " أو لعل العبد يقول: كل صفة من صفاتك فإنما يظهر أثرها في محل معين.

فلولا الوجود بعد العدم لما ظهرت آثار قدرتك، ولولا الترتيب العجيب والتأليف الأنيق لما ظهرت آثار علمك، ولولا جرم العبد وجنايته وعجزه وحاجته لم يظهر آثار مغفرتك ورأفتك.

فأنا أطلب الغفران الذي لا يمكن ظهوره إلا في حقي وفي حق أمثالي من المذنبين.

وأما القيد الثاني فمعناه ربيتني إذ أوجدتني مع أنك لو لم تربني في ذلك الوقت لم أتضرر به لأني كنت أبقى في العدم، والآن لو لم تربني أتضرر به فأسألك أن لا تهملني.

أو ربيتني حين لم أذكرك بالتوحيد فكيف يليق بكرمك أن لا تربيني وقد أفنيت عمري في توحيدك؟

أو ربيتني في الماضي فاجعل تربيتك لي في الماضي شفيعاً إليك في أن تربيني في المستقبل، أو ربيتني فيما مضى فأتمم هذه التربية فيما يستقبل فإن إتمام المعروف خير من ابتدائه، ﴿ وإليك المصير ﴾ حيث لا حكم إلا حكمك ولا يشفع أحد إلا بإذنك.

وفيه اعتراف بأنه  عالم بالجزئيات قادر على كل الممكنات، له المحيا وله الممات.

قوله  ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ إن قلنا إنه من تمام كلام المؤمنين فوجه النظم أنهم قالوا: كيف لا نسمع ولا نطيع وإنه  لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا.

وإن قلنا إنه من كلام الله  مستأنفاً فالوجه أنهم لما قالوا سمعنا وأطعنا ثم طلبوا المغفرة، دل ذلك على أنه لا يصدر عنهم زلة إلا على سبيل السهو والنسيان، فلا جرم خفف الله  عنهم إجابة لدعائهم.

والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه كالصلوات الخمس وصوم رمضان والحج، فإنه كان من إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة.

ولكنه  ما جعل في الدين من حرج لكمال رحمته وشمول رأفته.

واعلم أن المعتزلة عولوا في نفي تكليف ما لا يطاق على هذه الآية، ثم استنبطوا منها أصلين: الأول أن العبد موجد لأفعال نفسه إذ لو كان بتخليق الله  لم يكن للعبد قدرة على دفعها لضعف قدرته، ولا على فعلها إذ الموجود لا يوجد.

ثانياً، فتكليف العبد بالفعل يكون تكليف ما لا يطاق.

الثاني أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان المأمور بالإيمان غير قادر عليه، فيلزم تكليف ما لا يطاق.

أما الأشاعرة فقالوا: تكليف من مات على الكفر كأبي لهب مع العلم بعدم إيمانه تكليف بالجمع بين النقيضين.

والجواب أن العلم بعدم الإيمان ليس تكليفاً بعدم الإيمان حتى يلزم التكليف بالنقيضين، والتكليف بأمر ممكن لذاته ممتنع لغيره غير التكليف بأمر مستحيل لذاته الذي هو محل النزاع.

لكن الأشعري لما كانت حجته قوية عنده خصص الآية بأنها إنما وردت في التكاليف الممكنة، إذ التكليف بالممتنع ليس تكليفاً بالحقيقة وإنما هو إعلام وإشعار بأنه خلق من أهل النار.

على أنه لو جعلت من قول المؤمنين لم يبق فيها حجة، ويحتمل أن يقال: لما حكاه عنهم في معرض المدح وجب أن يكونوا صادقين فيه ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ قال الواحدي: إن الكسب والاكتساب واحد.

قال  : ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها  ﴾ وقيل: الاكتساب أخص لأن الكسب لنفسه ولغيره، والاكتساب ما يكتسب لنفسه خاصة.

وقيل: في الاكتساب مزيد اعتمال وتصرف لهذا خص بجانب الشر دلالة على أن العبد لا يؤاخذ من السيئات إلا بما عقد الهمة عليه وربط القلب به بخلاف الخير فإنه يثاب عليه كيفما صدر عنه.

قالت المعتزلة: في الآية دليل على أن الخير والشر كلاهما مضاف إلى العبد، ولو كانا بتخليق الله  لبطلت هذه الإضافة وجرى صدور أفعاله منه مجرى لونه وطوله وشكله مما لا قدرة له عليه ألبتة، ولانتفت فائدة التكليف وقد سبق تحقيق المسألة مراراً، وكذا تفسير الكسب وبيان المذاهب فيه في تفسير وبيان المذاهب فيه في تفسير قوله ﴿ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم  ﴾ .

واحتج الأصحاب بالآية على فساد القول بالمخاطبة لأنه  بيّن أن لها/ ثواب ما كسبت وعليها عقاب ما اكتسبت، وهذا صريح في أن الاستحقاقين يجتمعان، وأنه لا يلزم من طرّو أحدهما زوال الآخر.

وقال الجبائي: تقدير الآية لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم يبطله، وعليها ما اكتسبت إذا لم يكفر بالتوبة وإنما أضمرنا هذا الشرط لأن الثواب منفعة دائمة والعقاب مضرة دائمة، والجمع بينهما محال.

واحتج كثير من المتكلمين بالآية في أن الله  لا يعذب الأطفال بذنوب آبائهم، والفقهاء تمسكوا بها في إثبات أن الأصل في الأملاك البقاء والاستمرار.

وفرعوا عليه مسائل منها: أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان، لأن المقتضى لبقاء الملك قائم وهو قوله ﴿ لها ما كسبت ﴾ والعارض الموجود إما الغصب وإما الضمان وهما لا يوجبان زوال الملك بدليل أم الولد والمدبر.

ومنها أنه لا شفعة للجار لأن المقتضي لبقاء الملك قائم وهو قوله ﴿ لها ما كسبت ﴾ عدلنا عن الدليل في الشريك لكثرة تضرره بالشركة فيبقى في الجار على الأصل.

ومنها أن القطع لا يسقط الضمان لوجود المقتضي، والقطع لا يوجب زوال الملك بدليل أن المسروق متى كان باقياً وجب رده على المالك.

ومنها أن منكري وجوب الزكاة احتجوا به، والجواب أن دلائل وجوب الزكاة أخص والخاص مقدم على العام.

ثم إنه  حكى عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء: الأول ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ ومعنى لا تؤاخذنا لا تعاقبنا.

وقد يكون فاعل بمعنى فعل نحو: سافرت وعاقبت اللص.

وقيل: معنى المشاركة ههنا أن الناسي قد أمكن من نفسه وطرّق السبيل إليها بفعله فصار من يعاقبه بذنبه كالمعين لنفسه في إيذاء نفسه.

وفي التفسير الكبير: إن الله يأخذ المذنب بالذنب والمذنب يأخذ ربه بالعفو والكرم أي يتمسك عند الخوف من عذابه برحمته، وهذا معنى المؤاخذة بين العبد والرب.

والمراد بالنسيان إما الترك وهو أن يترك الفعل لتأويل فاسد كما أن الخطأ هو أنه يفعل الفعل لتأويل فاسد ومنه قوله  : ﴿ نسوا الله فنسيهم  ﴾ أي تركوا العمل لله فترك أن يثيبهم، وإما ضد الذكر.

وأورد عليه أن النسيان والخطأ متجاوز عنهما في قوله  : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " فما معنى الدعاء؟

والجواب من وجوه: الأول أن النسيان منه ما يعذر صاحبه فيه ومنه ما لا يعذر.

فمن رأى دماً في ثوبه وأخر إزالته إلى أن نسي فصلى وهو على ثوبه عد مقصراً إذا كان يلزمه المبادرة إلى إزالته.

وكذا إذا تغافل عن تعاهد القرآن حتى نسي فإنه يكون ملوماً بخلاف ما لو واظب على القراة ومع/ ذلك نسي فإنه يكون معذوراً.

وروي "أنه  كان إذا أراد أن يذكر حاجته شد خيطاً في أصبعه" فثبت أن الناسي قد لا يكون معذوراً وذلك إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر، وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء.

والحاصل أنه ذكر النسيان والخطأ والمراد بهما ما هما مسببان عنهما من التفريط والإغفال.

الثاني أن هذا على سبيل الفرض والتقدير وذلك أنهم كانوا متقين لله حق تقاته، فما كان يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه الخطأ والنسيان، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به فكأنه قيل: إن كان النسيان مما يجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذنا به.

الثالث أن العلم بأن النسيان مغفور لا يمنع من حسن طلبه بالدعاء، فربما يدعو الإنسان بما يعلم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله إما لاستدامته وإما لاعتداد تلك النعمة أو لغير ذلك كقوله ﴿ قل رب احكم بالحق  ﴾ ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك  ﴾ وقالت الملائكة: ﴿ فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك  ﴾ .

الرابع أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلاً وإنما عرف عدم المؤاخذة بالآية والحديث، فلما كان ذلك جائزاً في العقل حسن طلب المغفرة منه بالدعاء.

وقد يتمسك به من يجوّز تكليف ما لا يطاق فيقول الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل، فلولا أنه جائز من الله  عقلاً لما أرشد الله  إلى طلب ترك المؤاخذة عليه.

وقد يستدل به على حصول العفو لأهل الكبائر قالوا: إن النسيان والخطأ لا بد أن يفسرا بما فيه العمد والقصد إلى فعل ما لا ينبغي.

إذ لو فسرا بما لا عمد فيه فالمؤاخذة على ذلك قبيحة عند الخصم، وما يقبح من الله فعله يمتنع طلب تركه بالدعاء.وإذا فسرا بما ذكرنا وقد أمر الله المسلمين أن أن يدعوه بترك المؤاخذة عل تعمد المعصية دل ذلك على أنه يعطيهم هذا المطلوب فيكون العفو لصاحب الكبيرة مرجواً.

النوع الثاني: من الدعاء ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ الإصر الثقل والشدة ثم يسمى العهد إصراً لأنه ثقيل.

والإصر العطف لأن من عطفت عليه ثقل على قلبك ما يصل إليه من المكاره.

يقال: ما تأصرني على فلان آصرة أي ما تعطفني عليه قرابة ولا منة، والمعنى لا تشدد علينا في التكاليف كما شدّدت على من قبلنا من الهيود، قال المفسرون: إن الله  فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها، وكان عذابهم معجلاً في الدنيا.

فأجاب الله  دعاءهم كما قال: ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم  ﴾ وقال  " رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق" " وإنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير والتقصير موجب العقوبة.

وقيل: معناه لا تحمل علينا عهداً أو ميثاقاً يشبه ميثاق من قبلنا في الغلظ والشدة وهو قريب من الأول.

قال بعض العلماء: اليهود لما كانت الفظاظة/ وغلظ القلب غالبة عليهم كانت مصالحهم في التكاليف الشديدة الشاقة، وهذه الأمة الرقة وكرم الخلق غالبة عليهم فكانت مصلحتهم في التخفيف وترك التغليظ.

وأما أن اليهود لما خصت بغلظ الطبع وهذه الأمة باللطافة والكرم فليس إلينا أن نعلم تفاصيل جميع الكائنات وما لا يدرك كله لا يترك كله.

النوع الثالث: الدعاء ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ ومن الأصحاب من تمسك به في جواز تكليف ما لا يطاق إذ لو لم يكن جائزاً لما حسن طلب تركه بالدعاء.

وأجاب المعتزلة عنه بأن معنى قوله: ﴿ لا طاقة لنا ﴾ أي ما يشق فعله لا الذي لا قدرة لنا عليه.

وفي الحديث أن النبي  قال في المملوك: " له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق " أي لا يشق عليه.

وزيف بأن معناه ومعنى الآية المتقدمة يكون حينئذٍ واحداً فعدلوا عن ذلك وقالوا: المراد منه العذاب أي لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله.

سلمنا أنهم سألوا الله  أن لا يكلفهم ما لا قدرة لهم عليه، لكن ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلاف ذلك كما أن قوله ﴿ رب احكم بالحق ﴾ لا يدل على جواز أن يحكم بباطل.

وكذا قول إبراهيم  ﴿ ولا تخزني يوم يبعثون  ﴾ لا يدل على أن خزي الأنبياء جائز.

قيل: لم خص التكليف الشاق بالحمل والتكليف الذي لا قدرة عليه بالتحميل؟

وأجيب بأن الحاصل فيما لا يطاق هو التحميل دون الحمل.

قيل: لما طلب أن لا يكلفه بالفعل الشاق كان من لوازمه أن لا يكلفه بما لا يطاق فكان المناسب طرح هذا الدعاء لا أقل من عكس الترتيب.

والجواب على تفسير المعتزلة ظاهر أي لا تحملنا عذابك فإنهم طلبوا الإعفاء عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم، ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها.

وأما على تفسير الأشاعرة فهو أنهم سألوا أن لا يكلفهم تكليفاً شاقاً مقيداً وهو التكليف بما كلف من قبلهم.

ثم سألوا أن لا يكلفهم التكليف الشاق الذي لا قدرة لهم عليه مطلقاً سواء كلف بذلك من قبلهم أم لا.

وقيل: الأول طلب ترك التشديد في مقام القيامبظاهر الشريعة، والثاني طلب ذلك في مقام الحقيقة وهو مقام الاشتغال بمعرفة الله وخدمته وطاعته وشكر نعمه أي لا تطلب مني حمداً يليق بجلالك ولا شكراً يليق بآلائك ونعمائك، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك وكمالك.

وأما الفائدة في حكاية هذه الأدعية بصيغة الجمع في ﴿ لا تؤاخذنا ﴾ ﴿ ولا تحمل علينا ﴾ فذلك أنه إذا اجتمعت النفوس والهمم على كل شيء كان حصوله أرجى.

النوع الرابع من الدعاء ﴿ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ﴾ وإنما حذف النداء وهو قوله "ربنا" ههنا لأن النداء يشعر بالبعد.

فترك النداء يؤذن بأن العبد إذا واظب على التضرع والدعاء نال مقام القربة والزلفى من الله.

والفرق بين العفو والمغفرة والرحمة أن العفو إسقاط العذاب، والمغفرة أن يستر عليه بعد ذلك جرمه صوناً له عن عذاب التخجيل والفضيحة فإن الخلاص من عذاب النار إنما يطيب إذا حصل عقيبة الخلاص من عذاب الفضيحة.

فالأول هو العذاب الجسماني والثاني هو العذاب الروحاني.

وبعد التخلص منهماأقبل على طلب الثواب وهو أيضاً قسمان: جسماني هو نعيم الجنة وطيباتها وهو قوله ﴿ وارحمنا ﴾ وروحاني هو إقبال العبد بكليته على مولاه وهو قوله ﴿ أنت مولانا ﴾ ففيه الاعتراف بأنه  هو المتولي لكل نعمة ينالونها، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها، وأنهم بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه.

وبهذا الاعتراف يحق الوصول إلى الحق "من عرف نفسه" أي بالإمكان والنقصان "عرف ربه" أي بالوجوب والتمام.

ثم إذا وصل إلى الحق أعرض بالكلية عما سواه وهو قوله ﴿ فانصرنا على القوم الكافرين ﴾ أعنا على قهر كل من خالفك وناواك وعلى غلبة القوى الجسمانية الداعية إلى ما سواك.

عن رسول الله  " السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإن تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة قيل: وما البطلة؟

قال: السحرة " وعنه  " "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " وعنه  " "أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبي قبلي " وعنه  " "أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل " وروى الواحدي عن مقاتل بن سليمان "أنه لما أسري بالنبي  إلى السماء أعطي خواتيم سورة البقرة فقالت الملائكة له: إن الله عز وجل أكرمك بحسن الثناء بقوله ﴿ آمن الرسول ﴾ فاسأله وارغب إليه.

فعلّمه جبريل  كيف يدعو فقال النبي  ﴿ غفرانك ربنا ﴾ فقال الله: قد غفرت لكم.

فقال: ﴿ لا تؤاخذنا ﴾ فقال الله: لا أؤاخذكم.

فقال: لا تحمل علينا إصراً.

فقال: لا أشدد عليكم.

فقال: لا تحملنا ما لا طاقة لنا به.

فقال: لا أحملكم ذلك.

فقال: ﴿ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ﴾ فقال الله: قد عفوت عنكم/ وغفرت لكم وانصركم على القوم الكافرين" .

وفي بعض الروايات أن محمداً  كان يذكر هذه الدعوات والملائكة كانوا يقولون آمين.

التأويل: الإنسان مركب من عالمي الأمر والخلق.

له روح نوراني من عالم الأمر والملكوت، وله نفس ظلمانية من عالم الخلق والملك، ولكل منهما نزاع وشوق إلى عالمه.

فغاية بعثة الأنبياء تزكية النفوس عن ظلمة أوصافها وتحليتها بأنوار الأرواح، وحاصل تسويل الشيطان عكس هذه القضية وإليه الإشارة في قوله ﴿ إن تبدوا ما في أنفسكم ﴾ مودع من أنوار الأخلاق الروحانية في الظاهر بأعمال الشريعة في الباطن بأحوال الحقيقة ﴿ أو تخفوه ﴾ بإبراز ظلمات الأوصاف النفسية في الظاهر بمخالفات الشريعة، وفي الباطن بموافقات الطبيعة ﴿ يحاسبكم به الله ﴾ بطهارة النفس لقبول أنوار الروح أو بتلوث الروح لقبول ظلمات النفس ﴿ فيغفر لمن يشاء ﴾ فينور نفسه بأنوار الروح وروحه بأنوار الحق ﴿ ويعذب من يشاء ﴾ فيعاقب نفسه بنار دركات السعير وروحه بنار فرقة العلي الكبير ﴿ والله على كل شيء ﴾ من إظهار اللطف والقهر على تركيب عالمي الأمر والخلق ﴿ قدير ﴾ لما عرج بالنبي  إلى سدرة المنتهى وبلغ المقصد الأعلى ﴿ ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى  ﴾ أكرم بالسلام قبل الكلام فقيل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

فأجاب  بقوله: " " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" .

فقيل له ﴿ آمن الرسول ﴾ عياناً ﴿ بما أنزل إليه من ربه ﴾ فقال من كمال رأفته بأمته ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله ﴾ إلى قوله ﴿ سمعنا وأطعنا ﴾ فقال الله  : ما يطلبون مني في جزاء السمع والطاعة؟

فقال النبي  ﴿ غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ ما يطلبون إلا أن تسترهم بسربال فضلك ويكون مصيرهم إليك لا إلى غيرك كما كان مصيري إليك لا إلى من سواك.

قال الله في جوابه ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ إنك في مقام لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولهذا قال لك جبريل: لو دنوت أنملة لاحترقت.

وإن الأنبياء والمرسلين الذين اصطفيناهم على العالمين وكل طائفة منهم في سماء واقفون حبستهم رحمتي كيلا تحرقهم سبحات وجهي وسطوات قهري، فكيف أكلف أمتك المذنبة المرحومة بهذا المصير وأنا بضعف حالهم بصير؟

وإنما بلغت هذا المقام حتى جاوزت الرسل الكرام أن اتخذتك حبيباً قبل أن أخلقك وخلقت الكائنات لمحبتك ولأن أمتك أكرم الأمم، ولهم بسبب شفاعتك اختصاص بمحبتي إياهم ما داموا في متابعتك فقل لهم ﴿ إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ فبقدر ما كسبت أمتك من أنوار متابعتك تستحق المصير إلى حضرة جلالنا وشواهد جمالنا، وعلى قدر ما اكتسبت بالتواني عن ظل متابعتك تستأهل المصير إلى دركات السعير.

فتارة/ أسكره لذة هذا الخطاب وأخرى أقحمته سطوة هذا العتاب.

فقال ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ أي لا تعاقب أمتي إن نسيت عهدك الذي عاهدتهم أن يحبوك ولا يحبوا غيرك، أو أخطأت طريق طلبك ولكن ما أخطأت طريق عبوديتك فلم يعبدوا غيرك وأنت قلت: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً ﴾ بأن تجعلنا أسرى النفس الأمارة فنعبد عجل الهوى ونار الشهوات كما عبد الذين من قبلنا ﴿ ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ﴾ بالصبر عن شهود جمالك ﴿ واعف عنا ﴾ حجب أنانيتنا ﴿ واغفر لنا ﴾ بشواهد هويتك ﴿ وارحمنا ﴾ برفع البينونة من بيننا ﴿ أنت مولانا ﴾ وولينا في رفعوجودنا وناصرنا في نيل مقصودنا ﴿ فانصرنا على القوم الكافرين ﴾ بجذبات عنايتك وأعنا في المصير إليك على قمع كفار الأثنينية التي تمنعنا من وحدتك.

بيني وبينك إنيَّ يزاحمني *** فارفع بجودك إنّي من البين

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

هو ظاهر، إذ ما في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه، ردّاً على قولهم: ﴿ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ  ﴾ ، و ﴿ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ  ﴾ ، و"الملائكة بنات الله".

وقد ذكرنا الوجه فيما تقدم في غير موضع.

وقوله  : ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ ﴾ .

ومن الناس من استدل على نسخها بقوله: ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ ، لكنه لا يحتمل؛ لأن الآية وعد وخبر بالمحاسبة، والوعد لا يحتمل النسخ؛ لأنه خلف وبداء، وذلك ممن يجهل بالعواقب،  الله عز وجل عن ذلك علوا كبيراً.

ثم اختلف فيه: قال الحسن: هو على ما عزم ولا على ما خطر بالنفس.

وكذا قوله: "من هم".

ويحتمل أن يكون على التقديم والتأخير: إن تخفوا ما في أنفسكم أو تبدوه يحاسبكم به الله.

ويحتمل أيضاً: إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه وعزمتم عليه وعقدتم، لا على الخطر فيه أو حديث النفس، على ما روي: "من هم بحسنة فله كذا، ومن هم بسيئة فكذا"، ليس على ما يخطر فيه أو حديث النفس، على ما روي، وتحدث النفس به، ولكن على العزم عليه والاعتقاد.

وكذلك قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ  ﴾ ، همت هي به هم عزم، وهو هم بها هم خطر.

والمرء غير مؤاخذ بما يخطر في القلب وتحدث النفس به، إنما يؤاخذ على ما عزم واعتقد عليه.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

فيه دليل ما قلنا: إنه على العزم والاعتقاد عليه؛ لما ذكرنا من العفو والعقوبة عليه.

وقوله  : ﴿ ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ .

قوله: ﴿ ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ ، يحتمل وجهين: يحتمل: آمن بنفس المنزل ﴿ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ﴾ ، أنه من عند الله وكذلك ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ أيضاً آمنوا بما أنزل إليه أنه من عند الله  .

ويحتمل: ﴿ ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ﴾ ، أي: آمن الرسول بما في المنزل إليه، وكان فيه ما ذكر: ﴿ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ ، إلى قوله: ﴿ وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، وكذلك "المؤمنون" آمنوا بجميع ما في المنزل، وهو ما ذكرنا.

وفيه دليل أن الإيمان بالمنزل على رسول الله  إيمان بجميع الرسل والكتب كلها والملائكة والبعث والجنة والنار.

وفيه دلالة نقض قول من يشك في إيمانه ويستثني؛ لأنه عز وجل شهد لهم بالإيمان، فلا يخلوا الاستثناء: إما أن يكون لشكهم في إتيان ما أمروا، أو في الذي أخبر الله عنه بما كان، ففيه الويل لهم.

وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه شهد لهم بالإيمان، وهم نفوا عنهم الاسم الذي شهد الله لهم بالإيمان به، وبالذي ذكر، وكل صاحب كبيرة مؤمن بجميع ما ذكر، وقد سماهم الله به مؤمنين، وشهد لهم به.

والله الموفق.

فإن قيل: فقد ذكر الطاعة في آخرها.

قيل: ذكر الطاعة في الإجابة، وبتلك الإجابة شهد لهم؛ فيلزمهم ما شهد الله لهم جل وعلا بما أجابوا.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ .

ويحتمل: أن يكون هنا خبرا أخبر الله عز وجل عن المؤمنين أنهم قالوا: ﴿ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ كما فرق اليهود والنصارى.

وقوله  : ﴿ ...وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ .

يحتمل: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ قولك ودعاءك، و ﴿ وَأَطَعْنَا ﴾ ، أي: أطعناك في الإجابة.

ويحتمل: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ القرآن، و ﴿ وَأَطَعْنَا ﴾ ، أي: أطعنا ما فيه.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ ...غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ .

أي: اغفر لنا ربنا.

﴿ وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

أي: المرجع.

وهذه الآية جمع جميع شرائط الإيمان؛ لذلك قلنا: إن الإيمان بالقرآن إيمان بجميع الكتب والأنبياء والبعث وغيره.

وبالله العصمة والنجاة.

وقوله  : ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ .

اختلف فيه: قال الحسن: قوله  : ﴿ إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ، إلا ما يحل ويسع، لكن بعض الناس يقولون: هذا بعيد، لا يحتمل الآية، إذا كلف حل ووسع.

فإذا كان كذلك لم يكن لقوله معنى.

قيل: له: هو كقوله  : ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ  ﴾ ، إذا أحل طَيِّب وإذا طيب أحل.

فكذا الأول.

وكذا ذكرنا الأمرين جميعاً.

وتأويل ثان ﴿ إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ : إلا طاقتها وكذلك قول المعتزلة: [غير أنا اختلفنا في تقدم استطاعة الأفعال فمنعنا نحن تقدمها وقلنا لا تكون إلا مع الفعل، وقالت المعتزلة] بتقدم الفعل، وأما عندنا: فإنها على وجهين: استطاعة الأحوال والأسباب، واستطاعة الأفعال.

أما استطاعة الأحوال والأسباب: فإنها يتقدمها، وعلى ذلك يقع الخطاب، دليله: قوله عز وجل: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً  ﴾ .

قيل: يا رسول الله ما الاستطاعة؟

قال: "الزاد والراحلة".

ثم كل يجمع أن من كان بأقصى بلاد المسلمين قد يلزمه فرض الحج، على علم كل منهم أن تلك الاستطاعة لو صرفت إلى استطاعة الأفعال لم يبق إلى وقت وجود الأفعال، ثم قد لزمه ذلك؛ فبان أن الكلفة إنما تقع على استطاعة الأحوال والأسباب، وكذلك الكلفة في جميع الطاعات.

فإن قيل: قد يقع هذا على الخروج، فيوجد الفعل عقيب قوة الخروج، قيل: لو كان كذا لكان لا يلزم فرض الحج إلا بالخروج، وله ترك الخروج، إذ باكتساب الخروج يلزمه فرض الحج، فلا يلزم عليه فرض الحج؛ فثبت أنه لا يحتمله، بل هو على ما قاله أصحابنا - رحمهم الله -: إنها استطاعة الأحوال [والأسباب]، وتلك تتقدم، لما ذكرنا.

والله أعلم.

وأما استطاعة الأفعال: فإنها تحدث بحدوث الأفعال وتتلو كالأوقات التي لا تبقى في وقت ثاني، فهي كالوقت الذي لا يبقى في وقت ثان.

والله أعلم.

فإن سئلنا عن التكليف: أيكون فيما لا يطاق؟

فجوابنا: أنه فيما منعنا عنه فلا.

وفيما لم نمنع، وصنيعنا يشغلنا بغيره، فبلي.

ثم الكافر بما أعطي من القوة والاستطاعة، شغل نفسه بغير وضيع ما أعطي من القوة.

فإذا ضيع لم يكن تكليف ما لا يطيق ثم ننظر إينا أحق بالقول بتكليف ما لا يطاق.

فمن قول المعتزلة: إن القوة على الفعل ليوجده في الوقت الثاني.

ثم في الوقت الثاني جعلوه غير قادر عليه بقدرة توجد، ثم جعلوه أيضاً غير قادر على الترك للفعل.

والمتعارف من الأمر في الظاهر بشيء يفعله في وقت ألا يقع الأمر به وقت ما يسمعه ويقرع الخطاب السمع، بل في ثان من الوقت.

فحصل عندهم الأمر على الوقت الذي هو غير قادر فيه.

فأي تكليف على فقد الطوق والوسع أبين مما قالوا؟!

وبالله التوفيق.

ثم أفحش من هذا ما قالوا: إن القدرة تتقدم الفعل، والفعل هو الذي يدل على وجود الولاية، وهو في وقت إيجاد الفعل، إن كان كفرا يعادي، وإن كان إيماناً يوالي.

فحصل القول: على أن الموالاة والمعاداة أبدا تقع في غير وقت الانتهاء والائتمار.

ثم قولهم في قوله  : ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً  ﴾ ، أنه على الجبر.

ولا يحتمل ذلك؛ لأنه قد أوجب لكل ذلك مرة بالجبر في الخلقة، وهو قوله: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ  ﴾ ، فقد ألزمهم الإسلام بالخلقة، بان أن الثاني على الاختيار.

ثم قولهم: في استطاعة واحدة لفعلين خطأ؛ لأن من قولهم: إن الاستطاعة لا تبقى، ثم وجود الفعلين معاً في وقت باستطاعة واحدة محال، ووجود تلك الاستطاعة لأحد الفعلين بعدم الآخر مستحيل لعدم البقاء، ووجوده عندهم على البدل محال، إذ جعلوا عين ما هو الأصل لأحدهما للآخر؛ فثبت أنه خطأ.

وقوله  : ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ﴾ .

فيه دلالة: أن الله  إنما يأمر عبيده وينهى، وإنما يأمر وينهى؛ لمنافع لهم ولضرر يلحقهم، لا لمنافع تكون له بالأمر فيأمر، أو بضر يلحقه فينهى عن ذلك.

فيكون الأمر جارّاً منفعة، وفي النهي دافعا مضرة.

كما يكون في الشاهد أن من أمر آخر بشيء إنما يأمر لمنفعة تتأمل فيه، وينهى عن شيء لدفع ضرر يخافه.

وتعالى الله عن ذلك.

وقوله  : ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ إِن نَّسِينَآ ﴾ ، يعني: تركنا، كقوله  : ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ  ﴾ .

وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ  ﴾ ، أي: ترك.

وقوله: ﴿ أَخْطَأْنَا ﴾ ، يعني: ارتكبنا ما نهيتنا.

وقيل: إنه على حقيقة النسيان والخطأ، كأنه على الإضمار أن قولوا ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا...

﴾ الآية.

ثم اختلف بعد هذا: قالت المعتزلة: أمر بالدعاء بهذا تعبدا أو تقرباً إليه.

وكذلك قوله  : ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ  ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ  ﴾ ، ونحوه، خرج الدعاء به مخرج التعبد والتقرب؛ لأن رسول الله  أخبر أن لا يؤاخذنا بالنسيان والخطأ، وأخبر أنه لا يخلف المعياد، وكذلك معلوم أنه لا يحكم إلا بالحق.

وكذلك قوله  : ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ  ﴾ وقد أخبر أنه  قد غفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولكنه على ما ذكرنا، وإلى هذا يذهب المعتزلة.

وأما الأصل عندنا في هذا: أنه جائز في الحكمة أن يعاقب على النسيان والخطأ، ليجتهدوا في حفظ حقوقه وحدوده وحرماته لئلا ينسوا.

ألا ترى أن الله  أوجب على قاتل الخطأ الكفارة، ثم قال: ﴿ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فلو لم يجز أن يعاقب على النسيان والخطأ، لم يكن لوجوب الكفارة عليه والتوبة معنى؛ دل أنه جائز في الحكمة المؤاخذة به.

والثاني: قوله عز وجل: ﴿ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ  ﴾ ، وفعل الشيطان مما يتقي ويحذر؛ لذلك كان ما ذكرنا - والله أعلم - لأنه لو اجتهد عن فعل السهو والنسيان سلم عنه، فجائز أن يسأل السلامة عنهما، إذ بالجهد يسلم عنه، وبالغفلة يقع فيه.

والثالث: ما ذكرنا: أن النسيان هو الترك، والخطأ هو ارتكاب المهني، والتارك لأمر الله، والمرتكب لنهيه يستوجب العقاب عليه.

والله أعلم.

فيصبح الدعاء على ذلك؛ لئلا يلحقهم العذاب بترك ذلك الأمر وارتكابه المنهي.

فإن قيل: ما معنى قوله  : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ؟

قيل: إنما جاء هذا في الكفر خاصة، لا في غيره؛ وذلك أن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام، يجري على ألسنتهم الكفر على النسيان والخطأ، وكذلك كانوا يكرهون على الكفر فيجرون على ألسنتهم الكفر مخافة القتل، فأخبرهم النبي  أن ذلك مرفوعاً عنهم.

قال الشيخ - رحمه الله  -: وبعد فإن في الخبر العفو، فيكون في ذلك دليل جواز الأخذ، والعل الوعد بالعفو مقرونا بشرط الدعاء؛ فلذلك يدعون.

وذكر أن رسول الله  دعا بهذا، فأجيبا لا أن يؤمر أحد أن يدعو ابتداء.

والله أعلم.

وأما قوله  : ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ  ﴾ ، ففيه وجهان: أحدهما: أنه وعد الرسل والمؤمنين جملة الجنة.

فسؤال كل منهم أن يجعله من تلك الجملة التي وعدهم الجنة.

والثاني: يسأل الختم على ما به يستوجب الموعود.

وأما الأمر بالاستغفار: فهو يخرج على وجهين: أحدهما: ما روي: "المؤذن يغفر له مد صوته"، فهو على استيجاب أولئك المغفرة به؛ فعلى ذلك استغفاره، ليغفر به بعض أمته.

والثاني: أن المغفرة في اللغة هي التغطية والستر؛ فكأنه يسأل الستر عليه بعد التجاوز عنه.

قال الشيخ - رحمه الله  -: ثم الأصل أن الاستغفار هو طلب المغفرة، فلو كان لا يجوز له التعذيب، فيكون التعذيب [جوراً]، فيصير السؤال في التحقيق سؤال ألا يجور، وذلك مما لا يسع المحنة.

وكذلك لو كان مغفورا له، كان الحق فيه الشكر لما أنعم عليه، وفي ذلك كتمان النعمة، والمحنة بكتمان نعم الله وكفرانها محال؛ لذلك لا بد أن يكون في الآيات ما يتمكن معه المحنة من المعنى.

والله أعلم.

وأما قوله عز وجل: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ  ﴾ ، قيل: الحق هاهنا هو العذاب، كأنه أمره أن يسأل بإنزال العذاب عليهم.

وقيل: ﴿ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ  ﴾ ، أي احكم بحكمك الذي هو الحق.

فإذا كان ما ذكر محتملا، دل أنه ليس على ما ذهب إليه أولئك.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ﴾ .

قيل: "الإصر"، هو العهد، ويقول: لا تحمل علينا عهدا تعذبنا بتركه ونقضه ما حملته على الذين من قبلنا.

وكان من قبلهم إذا خُطِّئُوا خطيئة حرم الله عليهم على نحوها مما أحل لهم الطيبات، كقوله  : ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ  ﴾ ، وكأصحاب الأخدود، وغيرهم.

فخاف المسلمون ذلك فقالوا: ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً ﴾ ، في جرم أجرمناه فتحرم علينا الطيبات.

وأصل "الإصر"، الثقل والتشديد الذي كان عليهم من نحو ما كان توبتهم الأمر بقتل بعضهم بعضاً، كقوله  : ﴿ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: أن ﴿ وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ من القتل والهلاك، إذ في ذلك إفناؤهم، وفي الفناء ذهاب طاقتهم.

قال الشيخ - رحمه الله  -: أي مما نشتغل عما أمرتنا، فيكون كالدعاء بالعصمة.

والله أعلم.

ويحتمل: أن يراد به طاقة الفعل، وهي لا تتقدم عندنا الفعل.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَٱعْفُ عَنَّا ﴾ .

قيل: اتركنا على ما نحن عليه، ولا تعذبنا.

وقوله  : ﴿ وَٱغْفِرْ لَنَا ﴾ .

أي: استر لنا.

و"الغفر"، هو الستر؛ ولذلك يسمى المغفر "مغفراً"؛ لأنه يستر.

وستر الذنب هو أعظم النعم.

[وقوله  : ﴿ وَٱرْحَمْنَآ ﴾ .

أي: تغمدنا برحمتك، لأنه لم ينج أحد إلا برحتمك].

وقوله  : ﴿ أَنتَ مَوْلَٰـنَا ﴾ .

قيل: إنت أولى بنا.

وقيل: أنت حافظنا.

وقيل: أنت ولينا وناصرنا.

وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله  : ﴿ فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

يحتمل: الكفار المعروفين.

ويحتمل: الشياطين، أي: انصرنا عليهم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا يكلف الله نفسًا إلا ما تطيق من الأعمال؛ لأن دين الله مبني على اليسر فلا مشقة فيه، فمن كسب خيرًا فله ثواب ما عمل لا يُنْقَصُ منه شيء، ومن كسب شرًّا فعليه جزاء ما اكتسب من ذنب لا يحمله عنه غيره.

وقال الرسول والمؤمنون: ربنا لا تعاقبنا إن نسينا أو أخطانا في فعل أو قول بلا قصد منا، ربنا ولا تكلِّفنا ما يشق علينا ولا نطيقه، كما كلَّفت من قبلنا ممن عاقبتهم على ظلمهم كاليهود، ولا تحمِّلنا ما يشق علينا ولا نطيقه من الأوامر والنواهي، وتجاوز عن ذنوبنا، واغفر لنا، وارحمنا بفضلك، أنت ولينا وناصرنا فانصرنا على القوم الكافرين.

من فوائد الآيات جواز أخذ الرهن لضمان الحقوق في حال عدم القدرة على توثيق الحق، إلا إذا وَثِقَ المتعاملون بعضهم ببعض.

حرمة كتمان الشهادة وإثم من يكتمها ولا يؤديها.

كمال علم الله تعالى واطلاعه على خلقه، وقدرته التامة على حسابهم على ما اكتسبوا من أعمال.

في الآية تقرير لأركان الإيمان وبيان لأصوله.

قام هذا الدين على اليسر ورفع الحرج والمشقة عن العباد، فلا يكلفهم الله إلا ما يطيقون، ولا يحاسبهم على ما لا يستطيعون.

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ  ﴾ : أي كل منهم آمن بوجود الله ووحدانيته وتنزيهه وكمال صفاته وحكمته وسنته في خلقه، وبوجود الملائكة الذين هم السفراء بين الله وبين الرسل ينزلون بالوحي على قلوب الأنبياء.

والمراد بالإيمان بالكتب والرسل جنسها أي يؤمنون بذلك إيمانًا إجماليًا فيما أجمله القرآن وتفصيليًا فيما فصله لا يزيدون على ذلك شيئًا.

﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ  ﴾ : المعنى أن من شأن المؤمنين أن يقولوا هذا معتقدين أنهم في الرسالة والتشريع سواء، كثر قوم الرسول منهم أم قلوا وكثرت الأحكام المنزلة عليه أم قلت وتقدمت البعثة أم تأخرت، وهذا لا ينافي قوله تعالى ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ  ﴾ فإن التفضيل ليس في أصل الرسالة والوحي كما تقدم في تفسير الآية.

﴿ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا  ﴾ : وقد بينا لكم مرارًا أن فرقًا بين إيمان الإذعان وبين ما يسميه الإنسان إيمانًا واعتقادًا لأنه نشأ عليه وقلبه بالتقليد ولم يسمع له ناقضًا، فمثل هذا ليس اعتقادًا حقيقيًا وقلما ينشأ عنه عمل لأنه تقليد بقاؤه في الغفلة عن ناقضة.

والإذعان ينبه النفس دائمًا إلى ما تذعن له، ويبعثها دائمًا إلى العمل به إلا إذا عرض ما لا يسلم منه المرء من الموانع، ولهذا عطف أعطنا على سمعنا.

ولما كان العامل المذعن المخلص يراقق قلبه ويحاسب نفسه على التقصير الذي تأتي به العوارض الطارئة ويلومها على ما دون الكمال من الأعمال كان من شأن المؤمنين أن يقولوا مع السمع والطاعة.

﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ  ﴾ أي يسألونه تعالى أن يغفر لهم ما عساه يطرأ على أنفسهم فيعوقها عن الرقي في معارج الكمال الذي دعاها إليه الإيمان والغفران كالمغفرة: الستر، وستر الذنب يكون بعدم الفضيحة عليه في الدنيا وترك الجزاء عليه في الآخرة، وإنما يطلب هذا بالتوبة وإتباع السيئة الحسنة مع الدعاء الذي يزيد في الإيمان، وبذلك يمحي أثر الذنوب من النفس في الدنيا فيرجى أن تصير إليه تعالى في الآخرة نقية زكية، لأن هذا المصير إليه وحده هو الذي وراءه الجزاء بحسب درجات النفوس في معارج الكمال.

﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا  ﴾ ولا يحاسبها إلا على ما كلفها، والتكليف: هو الإلزام بما فيه كلفة، والوسع: ما تسعه قدرة الإنسان من غير حرج ولا عسر، وقال بعضهم: هو ما يسهل عليه من الأمور المقدور عليها، وهو ما دون مدى طاقته، والمعنى أن شأنه تعالى وسنته في شرع الدين ألا يكلف عباده ما لا يطيقون.

قال المفسرون: إن الآية تدل على عدم وقوع تكليف ما لا يطاق، لا على عدم جوازه، ولكن هذا لا يلتئم مع قولهم إن الكلام في شأنه وسنته تعالى في التكليف.

وسيأتي تتمة هذا البحث قريبًا.

وإذا كان هذا التكليف لم يقع، كما قالوا، امتنع أن تكون الآية ناسخة لما قبلها، لأنه لا يتضمن تكليف ما ليس في الوسع، كما تقدم، ولا لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ  ﴾ كما قيل.

وفي الجملة وجهان، قيل: هي ابتداء خبر من الله تعالى كأنه بشارة بغفران ما طلبوا غفرانه من التقصير وتيسير ما قد يشتم من الآية السابقة من التعسير، وقيل: إنها داخلة في قوله المؤمنين، فهم بعد السؤال الغفران قد أذنوا بأن يصغوا لله تعالى بهذا النوع من الرأفة بعباده، والحكمة في سياستهم.

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ  ﴾ قيل إن الكسب والاكتساب واحد في اللغة نقل عن الواحدي، وقيل إن الاكتساب أخص واختلفوا في توجيهه.

وما قاله الزمخشري هو الصواب وهو أن الفرق بينهما كالفرق بين عمل واعتمل فكل من عمل واكتسب يفيد الاختراع والتكليف، فالآية تشير أو تدل على أن فطرة الإنسان مجبولة على الخير وأنه يتعود الشر بالتأسي، والمعنى أن لها ثواب ما كسبت من الخير وعليها عقاب ما اكتسبت من الشر.

لا شك أن الميل إلى الخير مما أودع في طبع الإنسان، والخير كل ما فيه نفع نفسك ونفع الناس، وجماع ذلك كله أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك كما ورد في الحديث والإنسان يفعل الخير بطبعه، وتكون فيه لذته، ويميل إلى عبادة الله تعالى، لأن شكر المنعم مغروس في الطبع ويظهر أثره في كل إنسان وأقله البشاشة والارتياح للمنعم، ولا يحتاج الإنسان إلى تكلف في فعل الخير لأنه يعلم أن كل أحد يرتاح إليه ويراه بعين الرضى.

وأما الشر فإنه يعرض للنفس بأسباب ليست من طبيعتها ولا مقتضى فطرتها، ومهما كان الإنسان شريرًا فإنه لا يخفى عليه أن الشر ممقوت في نظر الناس وصاحبه مهين عندهم، فإن الطفل ينشأ على الصدق حتى يسمع الكذب من الناس وإذا رأى إعجاب الناس بكلام من يصف شيئًا يزيد فيه ويبالغ كاذبًا استحب الكذب وافتراه لينال الحظوة عند الناس ويحظى بإعجابهم، وهو مع ذلك لا ينفك يشعر بقبحه حتى إذا نبز أمامه أحد بقلب الكاذب أو الكذاب أحس بمهانة نفسه وخزيها.

وهكذا شأن الإنسان عند اقتراف كل شر يشعر في نفسه بقبحه ويجد من أعماق سريرته هاتفًا يقول له: لا تفعل، ويحاسبه بعد الفعل ويوبخه إلا في النادر ومن النادر أن يصير الإنسان شرًا محضًا.

إنه لا يوجد في المليون من الناس شرير واحد يفعل الشر وهو لا يشعر بأنه شر قبيح في نفسه، والذين ذهبوا إلى أن الإنسان شرير بالطبع أرادوا من الطبع ما يرون عليه غالب الناس، ولم يلاحظوا فيه معنى الغريزة ومناشئ العمل في الفطرة.

ذلك أن الإنسان ينشأ بين منازعات الكون وفواعل الطبيعة وأحيائها ومغالبة أبناء جنسه على المنافع والمرافق، وقد يدفعه هذا الجهاد إلى الأثرة وتوفير الخير لنفسه خاصة ويلجئه الظلم إلى الظلم فيأتيه متعلمًا إياه تعلمًا متكلفًا له تكلفًا وفي نفسه ذلك الهاتف الفطري يقول له لا تفعل، وهو النبراس الالهي الذي لا ينطفئ.

فإذا رجع الإنسان إلى أصل فطرته لا يرى إلا الخير ولا يميل إلا إليه، وإذا تأمل في الشر الذي يعرض له لم يَخْف عليه أنه ليس من أصل الفطرة وإنما هو من الطوارئ التي تعرض لها، لا سيما من ينشأ من قوم فسدت فطرتهم، وأشد ما يضر الإنسان في ذلك نظره إلى حال غيره، ولذلك أمرنا في الحديث أن ننظر في شؤون الدنيا إلى من دوننا، وهذا الأمر خاص بالأفراد بعضهم مع بعض، فإن نظر الواحد إلى من دونه يجعله راضيًا بما أوتيه من النعم بعيدًا عن الحسد الذي هو منبع الشرور، وأما الأمم فينبغي أن تنظر في حال من فوقها منها لأجل مباراتها ومساماتها.

﴿ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا  ﴾ : ومن الناس من قال إن الخطأ والنسيان لا مؤاخذة عليهما لأن الناسي والمخطئ لا إرادة لهما فيما فعلاه نسيانًا أو خطأ، ومثل هذا الكلام يوجد في كتب الأصول والكلام، ويتبعه من المناقشات ما يبعد به عن حدود الأفهام، وإذا رجع الإنسان إلى نفسه وتأمل الأمر في ذاته علم أن الناسي يصح أن يؤاخذ فيقال له لم نسيت؟

فإن النسيان قد يكون من عدم العناية بالشيء وترك إجالة الفكر فيه وترديده في النفس ليستقر في الذاكرة فتبرزه عند الحاجة إليه، ولذلك ينسى الإنسان ما لا يهمه ويحفظ ما يهمه، فإذا كان النسيان غير اختياري فسببه الذي بيناه آنفًا اختياري، ولذلك يؤاخذ الناس بعضهم بالنسيان، لا سيما نسيان الأدنى لما يأمره به الأعلى، فإذا عهدت إلى من لك سلطان أو فضل بأن يفعل كذا أو يجيئك في يوم كذا فنسي ولم يمتثل فإنك تسأله وتؤاخذه بما ترميه به من الإهمال وعدم العناية بأمرك.

﴿ رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ  ﴾ : مسألة تكليف ما لا يطاق من الكلام الذي نعوذ بالله منه، والخلاف فيها لا يترتب عليه أثر ما في الشريعة، وأصل المسألة هل يجوز على الله عقلًا أن يكلف الناس ما لا يطيقون أم لا؟

والمتقدمون على أن ذلك لم يقع.

وما لا يطاق هو ما لا يدخل في مكنة الإنسان وطوقه، وما يطاق هو ما يمكن أن يأتيه ولو مع المشقة.

وقد جعلوا ما لا يطاق بمعنى المتعذر الذي يعلو القدرة كالذي يستحيل فعله عقلًا أو عادة، والواجب علينا أن نفهم القرآن بلغته التي أنزل بها لا بعرف أفلاطون وفلسفة أرسطو وقد رأينا العرب تعبر بما لا يطاق عما فيه مشقة شديدة كقول الشاعر: وليس يبين فضل المرء إلا إذا كلفته ما لا يطيق ﴿ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  ﴾ : فسر (الجلال) النصر بالغلبة بالحجة وبالسيفوهو تفسير حسن والنصر بالحجة هو أعلى النصر وأفضله لأنه نصر على الروح والعقل والنصر بالسيف إنما هو نصر على الجسد.

إن الله تعالى ما علمنا هذا الدعاء لأجل أن نلوكه بألسنتنا ونحرك به شفاهنا فقط كما يفعل أهل الأوراد والأحزاب بل علمنا إياه لأجل أن ندعوه به مخلصين له لاجئين إليه بعد أخذ ما أنزله بقوة، والعمل به على قدر الطاقة، واستعمال ما يصل إليه كسبنا من الوسائل والذرائع التي هي وسائل الاستجابة في الحقيقة، فمن دعاه بلسان مقاله ولسان حاله معًا فإنه يستجيب له بلا شك، ومن لم يعرف من الدعاء إلا حركة اللسان مع مخالفة الأحكام وتنكب السنن فهو بدعائه كالساخر من ربه الذي لا يستحق إلا مقته وخذلانه.

(تم الجزء الرابع، ويليه الجزء الخامس وفيه تتمة تفسير الأستاذ الإمام لتفسير ما فسر من القرآن الكريم).

مزيد من التفاسير لسورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله