تفسير سورة البقرة الآيات ٢٧٢-٢٧٣ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ٢٧٢-٢٧٣

۞ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ٢٧٢ لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًۭا فِى ٱلْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًۭا ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ٢٧٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 4 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

إن الآية السابقة قد أطلقت إيتاء الفقراء وجعلته على عمومه الشامل للمؤمن والكافر وقد أرشد الله المسلمين في هذه الآية إلى عدم التحرج من الإنفاق على المشركين لأنهم غير مهديين، فإن الرحمة بالفقير وسد خلته لا ينبغي أن يتوقف على إيمانه، بل من شأن المؤمن أن يكون خيره عامًا وأن يكون سابقًا لسائر الناس بالكرم والفضل.

﴿ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ  ﴾ أي لأن نفعه عائد عليكم في الدنيا والآخرة.

وقوله تعالى ﴿ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ  ﴾ قد يكون خبرًا على ظاهره أي لا تنفقون لأجل جاه أو مكانة عند المنفق عليه وإنما تنفقون لوجه الله فلا فرق بين مُعْطَى ومُعْطَى إذا كان الفقير مستحقًا يتقرب بإزالة ضرورته إلى الرازق الرحيم الذي لم يحرم أحدًا من رزقه لاعتقاده.

وفي كون الإنفاق لا يكون إلا لوجه الله إشارة إلى أن الإنفاق على الكافرين إذا كان إعانة لهم على إيذاء المسلمين لا يكون جائزًا، لأنه لا يكون مرضيًا لله تعالى يبتغى به وجهه وأكثر المفسرين على أنه خبر بمعنى النهي، أي لا تنفقوا إلا لوجهه وابتغاء مرضاته  .

﴿ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ  ﴾ أي في الآخرة لا ينقصكم منه شيء.

وعد أولًا بأن خير الإنفاق عائد على المنفقين في الدنيا بقوله ﴿ فَلأَنفُسِكُمْ  ﴾ ، ثم وعد بالجزاء عليه في الآخرة موفى تامًا.

وقال ﴿ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ  ﴾ أي لا تنقصون من الجزاء عليه شيئًا ولو نقيرًا أو فتيلًا.

﴿ لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ الآية...

بعد ما أمر الله تعالى بالإنفاق في سبيله وبإيتاء الفقراء عامة نبه إلى أمرين: أحدهما- عدم التحرج من الصدقة على غير المسلم وهو ما بينته الآية السابقة: وثانيهما- بيان أحق الناس بالصدقة وهم الفقراء الذي ذكرت صفاتهم في هذه الآية وهي خمس صفات من أفضل الصفات وأعلاها.

وقد ورد بأنها نزلت في أهل الصفة وهم أربعمائة أرصدوا أنفسهم لحفظ القرآن والخروج مع السرايا.

أولئك الذين نزلت فيهم الآية كانوا من الذين هاجروا بدينهم وتركوا أموالهم فحيل بينهم وبينها، فهم محصرون في سبيل الله بهذه الهجرة، ومحصرون بحبس أنفسهم على حفظ القرآن، وقد كان حفظه أفضل العبادات على الإطلاق لأنه حفظ للدين كله، وأنتم تعرفون أنهم ما كانوا يحفظونه لأجل تلاوته أمام الجنائز ولا في الأعراس والمآتم ولا لاستجداء الناس به ولا لمجرد التعبد بتلاوة ألفاظه، وإنما كانوا يحفظونه للفهم والاهتداء والعمل به ولحفظ أصل الدين بحفظه.

وكانوا أيضًا يحفظون ما يبينه به النبي  من سنته.

ويحتج بأهل الصفة أكلة أموال الناس بالباطل من أهل التكايا الذين ينقطعون إليها تاركين الأعمال النافعة فلا يتعلمون العلم ولا يجاهدون في سبيل الله وليس فيهم صفة من الصفات الخمس التي وصف الله بها أهل الصفة.

وإنما قصارى أمرهم أنهم يأكلون بدينهم، يأكلون الصدقات والأوقاف لأجل أن يعبدوا الله تعالى في هذه المواضع خاصة، فهي لهم كالأديار للنصارى وهم فيها كالرهبان وإن كان بعضهم يتزوج وقد يخرج الذي يتزوج من التكية لأنه قد يكون من شروط المقيم فيها أن لا يتزوج - ومنهم من لا يلتزم الإقامة في التكية وإنما يجمعه بأصحابها اسم الطريقة كأصحاب "السيارات" الذين ينزل شيخ الطريقة منهم بزعنفة من جماعته بلدًا بعد آخر فيكلفون من يستضيفونه الذبائح والطعام الكثير، ثم لا يخرجون إلا مثقلين يسألون فيلحفون، بل يسلبون وينهبون، فإذا منعوا ما أرادوا انتقموا لأنفسهم بكل ما قدروا عليه من أنواع الانتقام.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله