الآية ٢٧٢ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٧٢ من سورة البقرة

۞ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ٢٧٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 120 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧٢ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال أبو عبد الرحمن النسائي : أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ، أخبرنا الفريابي ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين فسألوا ، فرخص لهم ، فنزلت هذه الآية : ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) .

وكذا رواه أبو حذيفة ، وابن المبارك ، وأبو أحمد الزبيري ، وأبو داود الحفري ، عن سفيان وهو الثوري به .

وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا أحمد بن القاسم بن عطية ، حدثني أحمد بن عبد الرحمن يعني الدشتكي حدثني أبي ، عن أبيه ، حدثنا أشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان يأمر بألا يتصدق إلا على أهل الإسلام ، حتى نزلت هذه الآية : ( ليس عليك هداهم ) إلى آخرها ، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين .

وسيأتي عند قوله تعالى : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ) الآية [ الممتحنة : 8 ] حديث أسماء بنت الصديق في ذلك [ إن شاء الله تعالى ] .

وقوله : ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ) كقوله ( من عمل صالحا فلنفسه ) [ فصلت : 46 ، الجاثية : 15 ] ونظائرها في القرآن كثيرة .

وقوله : ( وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ) قال الحسن البصري : نفقة المؤمن لنفسه ، ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلا ابتغاء وجه الله .

وقال عطاء الخراساني : يعني إذا أعطيت لوجه الله ، فلا عليك ما كان عمله ، وهذا معنى حسن ، وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجره على الله ، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب : ألبر أو فاجر أو مستحق أو غيره ، هو مثاب على قصده ، ومستند هذا تمام الآية : ( وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) والحديث المخرج في الصحيحين ، من طريق أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال رجل : لأتصدقن الليلة بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية ، فأصبح الناس يتحدثون : تصدق على زانية !

فقال : اللهم لك الحمد على زانية ، لأتصدقن الليلة بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني ، فأصبحوا يتحدثون : تصدق الليلة على غني !

فقال : اللهم لك الحمد على غني ، لأتصدقن الليلة بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق ، فأصبحوا يتحدثون : تصدق الليلة على سارق !

فقال : اللهم لك الحمد على زانية ، وعلى غني ، وعلى سارق ، فأتي فقيل له : أما صدقتك فقد قبلت ; وأما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زناها ، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله ، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز وجل : لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ليس عليك يا محمد هدى المشركين إلى الإسلام، فتمنعهم صدقة التطوع، ولا تعطيهم منها ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها، ولكن الله هو يهدي من يشاء من خلقه إلى الإسلام فيوفقهم له، فلا تمنعهم الصدقة، كما:- 6201 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن شعبة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتصدق على المشركين، فنـزلت: " وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله "، فتصدق عليهم.

6202 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو داود، عن سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانوا لا يرضخون لقراباتهم من المشركين، فنـزلت: " ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ".

(18) .

6203 - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، &; 5-588 &; عن سعيد بن جبير، قال: كانوا يتقون أن يرضخوا لقراباتهم من المشركين، حتى نـزلت: " ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ".

6204 - حدثنا محمد بن بشار وأحمد بن إسحاق، قالا حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانوا لا يرضخون لأنسبائهم من المشركين، فنـزلت: " ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء " فرخص لهم.

6205 - حدثنا المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان أناس من الأنصار لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، ويريدونهم أن يسلموا، فنـزلت: " ليس عليك هداهم..." الآية.

6206 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، وذكر لنا أن رجالا من أصحاب نبي الله قالوا: أنتصدق على من ليس من أهل ديننا؟

فأنـزل الله في ذلك القرآن: " ليس عليك هداهم ".

6207 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء "، قال: كان الرجل من المسلمين إذا كان بينه وبين الرجل من المشركين قرابة وهو محتاج، فلا يتصدق عليه، يقول: ليس من أهل ديني!!

فأنـزل الله عز وجل: " ليس عليك هداهم " الآية.

6208 - حدثني موسى ، قال: (19) حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن &; 5-589 &; السدي قوله: " ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء، وما تنفقوا من خير فلأنفسكم "، أما " ليس عليك هداهم "، فيعني المشركين، وأما " النفقة " فبين أهلها.

6209 - حدثني المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: كانوا يتصدقون [ على فقراء أهل الذمة ، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم .

فنـزلت : هذه الآية ، مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام ].

(20) .

* * * .............................................................................

.............................................................................

* * * كما:- 6210 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " يوف إليكم وأنتم لا تظلمون "، قال: هو مردود عليك، فمالك ولهذا تؤذيه وتمن عليه؟

إنما نفقتك لنفسك وابتغاء وجه الله، والله يجزيك.

(21) .

--------------------- الهوامش : (18) الأثر : 6202 -"جعفر بن إياس" ، هو ابن أبي وحشية اليشكري ، أبو بشر الواسطي .

ثقة ، وهو من أثبت الناس في سعيد بن جبير .

واختلف في سنة وفاته بين سنة 123 وسنة : 131 .

مترجم في التهذيب .

وروي الأثر ابن كثير في تفسيره 2 : 49 عن أبي عبدالرحمن النسائي بإسناده ، وقال : وكذا رواه أبو حذيفة ، وابن المبارك ، وأبو أحمد الزبيري ، وأبو داود الحضرمي ، عن سفيان -وهو الثوري - به" .

ولم ينسبه لأبي جعفر ، وهذا دليل على ما قدمته في تصدير الأجزاء السالفة أن ابن كثير وغيره ، قد أقلوا النقل عن أبي جعفر بعد الجزء الأول من تفسيره .

"رضخ له من ماله يرضخ رضخا ، ورضخ له من ماله رضيخة" : أعطاه عطية مقاربة ، بين القليل والكثير .

(19) الأثر : 6208 -في المطبوعة والمخطوطة : "حدثنا محمد ، قال حدثنا عمرو..." ، والصواب"موسى" وهو موسى بن هارون ، عن عمرو بن حماد" وهو إسناد دائر من أول التفسير .

وسيأتي هذا الأثر نفسه ، وتتمته برقم : 6211 ، وبإسناده على صوابه .

وقد مضى بيان أخي السيد أحمد عن هذا الإسناد في الأثر رقم : 168 .

(20) الأثر : 6209 -كان الكلام مبتورا في الموضع من المخطوطة والمطبوعة ، ولكن الناسخ ساقه سياقا واحدا هكذا : "كانوا يتصدقون ، كما حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب..." وقد أشرت في ص : 584 ، التعليق : وغيره من تعليقاتي السالفة ، إلى ما وقع فيه الناسخ من الغفلة والسهو .

وقد زدت ما بين القوسين مما رواه القرطبي في تفسيره 3 : 337 ، قال روي سعيد بن جبير مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم في سبب نزول هذه الآية : "أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة .

.

.

" إلى آخر ما نقلت .

فرجحت أن هذا الأثر الساقط من هذا الموضع ، فأثبته بنصه من القرطبي ، ولكن بقى صدر الكلام الآتي مبتورا ، فوضعت نقطا مكان هذا البتر .

(21) الأثر : 6210 -ما قبل هذا الأثر بتر لا أستطيع أن أقدر مبلغه .

وأخرج الأثر السيوطي في الدر المنثور 1 : 357 -358 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمونقوله تعالى : ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : ليس عليك هداهم هذا الكلام متصل بذكر الصدقات ، فكأنه بين فيه جواز الصدقة على المشركين .

روى سعيد بن جبير مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة ، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم .

فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام .

وذكر النقاش أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصدقات فجاءه يهودي فقال : أعطني .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ليس لك من صدقة المسلمين شيء .

فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت : ليس عليك هداهم فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه ، ثم نسخ الله ذلك بآية الصدقات .

وروى ابن عباس أنه قال : كان ناس من الأنصار لهم قرابات من بني قريظة والنضير ، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا ، فنزلت الآية بسبب أولئك .

وحكى بعض المفسرين أن أسماء ابنة أبي بكر الصديق أرادت أن تصل جدها أبا قحافة ثم امتنعت من ذلك لكونه كافرا فنزلت الآية في ذلك .

وحكى الطبري أن مقصد النبي صلى الله عليه وسلم بمنع الصدقة إنما كان ليسلموا ويدخلوا في الدين ، فقال الله تعالى : ليس عليك هداهم .

وقيل : " ليس عليك هداهم " ليس متصلا بما قبل ، فيكون ظاهرا في الصدقات وصرفها إلى الكفار ، بل يحتمل أن يكون معناه ابتداء كلام .[ ص: 307 ] الثانية : قال علماؤنا : هذه الصدقة التي أبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار هي صدقة التطوع .

وأما المفروضة فلا يجزئ دفعها لكافر ، لقوله عليه السلام : أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم .

قال ابن المنذر : أجمع كل من أحفظ عنه ، من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئا ، ثم ذكر جماعة ممن نص على ذلك ولم يذكر خلافا .

وقال المهدوي : رخص للمسلمين أن يعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة لهذه الآية .

قال ابن عطية : وهذا مردود بالإجماع .

والله أعلم .

وقال أبو حنيفة : تصرف إليهم زكاة الفطر .

ابن العربي : وهذا ضعيف لا أصل له .

ودليلنا أنها صدقة طهرة واجبة فلا تصرف إلى الكافر كصدقة الماشية والعين ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : أغنوهم عن سؤال هذا اليوم يعني يوم الفطر .قلت : وذلك لتشاغلهم بالعيد وصلاة العيد وهذا لا يتحقق في المشركين .

وقد يجوز صرفها إلى غير المسلم في قول من جعلها سنة ، وهو أحد القولين عندنا ، وهو قول أبي حنيفة على ما ذكرنا ، نظرا إلى عموم الآية في البر وإطعام الطعام وإطلاق الصدقات .

قال ابن عطية : وهذا الحكم متصور للمسلمين مع أهل ذمتهم ومع المسترقين من الحربيين .قلت : وفي التنزيل ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركا .

وقال تعالى : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم .

فظواهر هذه الآيات تقتضي جواز صرف الصدقات إليهم جملة ، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم خص منها الزكاة المفروضة ، لقوله عليه السلام لمعاذ : خذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم واتفق العلماء على ذلك على ما [ ص: 308 ] تقدم .

فيدفع إليهم من صدقة التطوع إذا احتاجوا ، والله أعلم .

قال ابن العربي : فأما المسلم العاصي فلا خلاف أن صدقة الفطر تصرف إليه إلا إذا كان يترك أركان الإسلام من الصلاة والصيام فلا تدفع إليه الصدقة حتى يتوب .

وسائر أهل المعاصي تصرف الصدقة إلى مرتكبيها لدخولهم في اسم المسلمين .

وفي صحيح مسلم أن رجلا تصدق على غني وسارق وزانية وتقبلت صدقته ، على ما يأتي بيانه في آية " الصدقات " .الثالثة : قوله تعالى : ولكن الله يهدي من يشاء أي يرشد من يشاء .

وفي هذا رد على القدرية وطوائف من المعتزلة ، كما تقدم .قوله تعالى : وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله شرط وجوابه .

والخير في هذه الآية المال ؛ لأنه قد اقترن بذكر الإنفاق فهذه القرينة تدل على أنه المال ، ومتى لم تقترن بما يدل على أنه المال فلا يلزم أن يكون بمعنى المال ، نحو قوله تعالى : خير مستقرا ، وقوله مثقال ذرة خيرا يره .

إلى غير ذلك .

وهذا تحرز من قول عكرمة : كل خير في كتاب الله تعالى فهو المال .

وحكي أن بعض العلماء كان يصنع كثيرا من المعروف ثم يحلف أنه ما فعل مع أحد خيرا ، فقيل له في ذلك فيقول : إنما فعلت مع نفسي ، ويتلو وما تنفقوا من خير فلأنفسكم .

ثم بين تعالى أن النفقة المعتد بقبولها إنما هي ما كان ابتغاء وجهه .

و ( ابتغاء ) هو على المفعول له .

وقيل : إنه شهادة من الله تعالى للصحابة رضي الله عنهم أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجهه ، فهذا خرج مخرج التفضيل والثناء عليهم .

وعلى التأويل الأول هو اشتراط عليهم ، ويتناول الاشتراط غيرهم من الأمة .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص : إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك .قوله تعالى : وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون يوف إليكم تأكيد وبيان لقوله : وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وأن ثواب الإنفاق يوفى إلى المنفقين ولا يبخسون منه شيئا فيكون ذلك البخس ظلما لهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ليس عليك هدي الخلق، وإنما عليك البلاغ المبين، والهداية بيد الله تعالى، ففيها دلالة على أن النفقة كما تكون على المسلم تكون على الكافر ولو لم يهتد، فلهذا قال: { وما تنفقوا من خير } أي: قليل أو كثير على أي شخص كان من مسلم وكافر { فلأنفسكم } أي: نفعه راجع إليكم { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } هذا إخبار عن نفقات المؤمنين الصادرة عن إيمانهم أنها لا تكون إلا لوجه الله تعالى، لأن إيمانهم يمنعهم عن المقاصد الردية ويوجب لهم الإخلاص { وما تنفقوا من خير يوف إليكم } يوم القيامة تستوفون أجوركم { وأنتم لا تظلمون } أي: تنقصون من أعمالكم شيئا ولا مثقال ذرة، كما لا يزاد في سيئاتكم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ليس عليك هداهم ) قال الكلبي سبب نزول هذه الآية أن ناسا من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار في اليهود وكانوا ينفقون عليهم قبل أن يسلموا فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوا عليهم وأرادوهم على أن يسلموا وقال سعيد بن جبير كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة فلما كثر فقراء المسلمين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التصدق على المشركين كي تحملهم الحاجة على الدخول في الإسلام فنزل قوله ( ليس عليك هداهم ) فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها ( ولكن الله يهدي من يشاء ) وأراد به هداية التوفيق أما هدى البيان والدعوة فكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطوهم بعد نزول الآية .

( وما تنفقوا من خير ) أي مال ( فلأنفسكم ) أي تعملونه لأنفسكم ( وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ) وما جحد لفظه نفي ومعناه نهي أي لا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله ( وما تنفقوا من خير ) شرط كالأول ولذلك حذف النون منهما ( يوف إليكم ) أي يوفر لكم جزاؤه ومعناه : يؤدي إليكم ولذلك دخل فيه إلا ( وأنتم لا تظلمون ) لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا وهذا في صدقة التطوع أباح الله تعالى أن توضع في أهل الإسلام وأهل الذمة فأما الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها إلا في المسلمين وهم أهل السهمان المذكورون في سورة التوبة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ولما منع صلى الله عليه وسلم من التصدق على المشركين ليسلموا نزل: «ليس عليك هداهم» أي الناس إلى الدخول في الإسلام إنما عليك البلاغ «ولكن الله يهدي من يشاء» هدايته إلى الدخول فيه «وما تنفقوا من خير» مال «فلأنفسكم» لأن ثوابه لها «وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله» أي ثوابه لاغيره من أعراض الدنيا خبر بمعنى النهي «وما تنفقوا من خير يوفَّ إليكم» جزاؤه «وأنتم لا تُظلمون» تنقصون منه شيئاً والجملتان تأكيد للأولى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لست -أيها الرسول- مسئولا عن توفيق الكافرين للهداية، ولكن الله يشرح صدور مَن يشاء لدينه، ويوفقه له.

وما تبذلوا من مال يَعُدْ عليكم نَفْعُه من الله، والمؤمنون لا ينفقون إلا طلبًا لمرضاة الله.

وما تنفقوا من مال -مخلصين لله- توفوا ثوابه، ولا تُنْقَصُوا شيئا من ذلك.

وفي الآية إثبات صفة الوجه لله تعالى على ما يليق به سبحانه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم السورة حديثها عن النفقة والمنفقين ببيان حسن عاقبة من يبذل ماله في سبيل الله ، وبيان صفات بعض المستحقين للصدقة ، وببيان أن هداية البشر إنما هي بيد الله - تعالى - وحده ، فقال - تعالى - :( لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن .

.

.

)قال القرطبي ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ) هذا الكلام متصل بذكر الصدقات ، فكأنه بين فيه جواز الصدقة على المشركين .

روى سعيد بن جبير مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة ، فلما أكثر فقراء المسلمين على من ليس من دين الإِسلام .

وروى عن ابن عباس أنه قال : كان ناس من الأنصار لهم قرابات من بني قريظة والنضير كانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا فنزلت الآية بسبب أولئك .

ثم قال : قال علماؤنا : هذه الصدقة التي أبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار هي صدقة التطوع ، وأما المفروضة فلا يجزئ دفعها لكافر ، لقوله صلى الله عليه وسلم ، " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم " .والمعنى : ليس عليك يا محمد هداية من خالفك في دينك .

ولكن الله - تعالى - يهدي من يشاء هداينه إلى نور الإِيمان ، وطريق الحق .

وما دام الأمر كذلك فعليك وعلى أتباعك أن تعاملوا غيركم بما يوجبه عليكم إيمانكم من سماحة في الخلق ، وعطف على المحتاجين حتى ولو كانوا من المخالفين لكم في الدين .وعلى هذا المعنى الذي يؤيده سبب النزول يكون الضمير في قوله : ( هُدَاهُمْ ) يعود على غير المسلمين .ومن المفسرين من يرى أن الضمير في قوله : ( هُدَاهُمْ ) يعود إلى المسلمين المخاطبين في الآيات السابقة ، فيكون المعنى : لا يجب عليك أيها الرسول الكريم أن تجعل المسلمين جميعاً مهديين إلى الإِتيان بما أمروا به ومنتهين عما نهوا عنه من ترك المن والأذى والرياء في صدقتهم ، ولكن الله وحده هو الذي يهدي من يشاء هدايته إلى الاستجابة لتوجيهات هذا الدين الحنيف .قال الآلوسي : وعلى هذا الرأي تكون الجملة معترضة جيء بها على طريق تلوين الخطاب وتوجيهه إلى سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم مع الالتفات إلى الغيبة فيما بين الخطابات المتعلقة بأولئك المكلفين مبالغة في حملهم على الامتثال .

.

ثم قال : " والذي يستدعيه سبب النزول رجوع ضمير ( هُدَاهُمْ ) إلى الكفار ، وحينئذ لا التفات ، وإنما هناك تلوين الخطاب فقط .

.

.

"ثم حض - سبحانه - المؤمنين على الإِنفاق في وجوه الخير فقال : ( وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ ) أي : ما تقدمونه من مال في وجوه البر - أيها المؤمنون - فإن نفعه سيعود عليكم بالسعادة في الدنيا ، وبالثواب الجزيل في الآخرة ، فكونوا أسخياء في الإِحسان إلى الفقراء ، وابتعدوا عن وسوسة الشيطان الذي ( يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء ) و " ما " شرطية جازمة لتنفقوا ، وهي منتصبة به على المفعولية ، و " من " للتبعيض وهي متعلقة بمحذوف وقع صفة لفعل الشرط والتقدير : أي شيء تنفقوا كائنا من المال فهو لأنفسكم لا ينتفع به في الآخرة غيرها .قال الفخر الرازي ما ملخصه : وقوله - تعالى - : ( وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ الله ) يحتمل وجوها .الأول : أن يكون المعنى : ولستم في صدقتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله ، فقد علم الله هذا من قلوبكم ، فأنفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبغون بذلك وجه الله في صلة رحم وسد خلة مضطر ، وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإِنفاق عليهم .الثاني : أن هذا وإن كان ظاهره خبراً إلا أن معناه نهى أي : ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله .الثالث : أن قوله : ( وَمَا تُنْفِقُونَ ) أي ولا تكونوا منفقين مستحقين الاسم الذي يفيد المدح حتى تبتغوا بذلك وجه الله .

وفي ذكر الوجه تشريف عظيم لأنك إذا قلت : فعلت هذا الشيء لوجه زيد فهو أشرف في الذكر من قولك : فعلته له لأن وجه الشيء أشرف ما فيه ، ثم كثر حتى صار يعبر عن الشرف بهذا اللفظ ، وأيضاً فإن قولك : فعلت هذا الفعل لوجهه يدل على أنك فعلت الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركة .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ) أي : أن ما تنفقونه من خير - أيها المؤمنون ستعود عليكم ثماره ومنافعه في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فإنكم بسبب هذا الانفاق تزكو أموالكم ، وتحسن سيرتكم بين الناس ، وأما في الآخرة فإنكم تنالون من خالقكم ورازقكم أجزل الثواب ، وأفضل الدرجات .وقوله : ( وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ) أي لا تنقصون شيئاً مما وعدكم الله به على نفقتكم في سبيله .قال الجمل : وهاتان الجملتان أي قوله - تعالى - ( وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ) وقوله : ( وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ) تأكيد للجملة الشرطية الأولى وهي قوله : ( وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ ) وقوله : ( وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ) جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من الضمير في ( إِلَيْكُمْ ) فالعامل فيها ( يُوَفَّ ) وهي تشبه الحال المؤكدة لأن معناها مفهوم من قوله : ( يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ) لأنهم إذا وفقوا حقوقهم لم يظلموا .

ويجوز أن تكون مستأنفة لا محل لها من الإعراب أخبرهم فيها أنه لا يقع لهم ظلم فيندرج فيه توفية أجورهم بسبب إنفاقهم في طاعة الله - تعالى - اندراجاً أولياً .هذا ، والذي يتدبر هذه الآية الكريمة يراها من أجمع الآيات التي وردت في الحض على بذل المال في وجوه الخير ، فقدر كرر فيها فعل ( تُنْفِقُواْ ) ثلاث مرات لمزيد الاهتمام بمدلوله ، وجيء به مرتين بصيغة الشرط عند قصد بيان الملازمة بين الإِنفاق والثواب ، وجاءت كل جملة منها مستقلة ببعض الأحكام لكي يسهل حفظها وتأملها فتجري على الألسنة مجرى الأمثال وتتناقلها الأمم والأجيال .ثم بعد هذا التحريض الحكيم على بذل الأموال في وجوه الخير ، خص - سبحانه - بالذكر طائفة من المؤمنين هي أولى الناس بالعون والمساعدة ، ووصف هذه الطائفة بست صفات من شأنها أن تحمل العقلاء على المسارعة في إكرام أفرادها وسد حاجتهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

هذا هو الحكم الرابع من أحكام الإنفاق، وهو بيان أن الذي يجوز الإنفاق عليه من هو ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: في بيان سبب النزول وجوه: أحدها: أن هذه الآية نزلت حين جاءت نتيلة أم أسماء بنت أبي بكر إليها تسألها، وكذلك جدتها وهما مشركتان، أتيا أسماء يسألانها شيئاً فقالت لا أعطيكما حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكما لستما على ديني، فاستأمرته في ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتصدق عليهما.

والرواية الثانية: كان أناس من الأنصار لهم قرابة من قريظة والنضير وكانوا لا يتصدقون عليهم، ويقولون ما لم تسلموا لا نعطيكم شيئاً فنزلت هذه الآية.

والرواية الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يتصدق على المشركين، حتى نزلت هذه الآية فتصدق علهيم والمعنى على جميع الروايات: ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام، فتصدق عليهم لوجه الله، ولا توقف ذلك على إسلامهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ  ﴾ فرخص في صلة هذا الضرب من المشركين.

المسألة الثانية: أنه صلى الله عليه وسلم كان شديد الحرص على إيمانهم كما قال تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً  ﴾ ﴿ لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ وقال: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ وقال: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ فأعلمه الله تعالى أنه بعثه بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ومبيناً للدلائل، فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك، فالهدى هاهنا بمعنى الإهتداء، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم، وفيه وجه آخر: ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة أن توقف صدقتك عنهم على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به، بل الإيمان المطلوب منهم الإيمان على سبيل التطوع والاختيار.

المسألة الثالثة: ظاهر قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد به هو وأمته، ألا تراه قال: ﴿ إِن تُبْدُواْ الصدقات  ﴾ وهذا خطاب عام، ثم قال: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ وهو في الظاهر خاص، ثم قال بعده ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ ﴾ وهذا عام فيفهم من عموم ما قبل الآية وعموم ما بعدها عمومها أيضاً.

أما قوله تعالى: ﴿ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء ﴾ فقد احتج به الأصحاب على أن هداية الله تعالى غير عامة، بل هي مخصوصة بالمؤمنين قالوا: لأن قوله: ﴿ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء ﴾ إثبات للهداية التي نفاها بقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ لكن المنفي بقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ هو حصول الاهتداء على سبيل الاختيار، فكان قوله: ﴿ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء ﴾ عبارة عن حصول الاهتداء على سبيل الاختيار وهذا يقتضي أن يكون الاهتداء الحاصل بالاختيار واقعاً بتقدير الله تعالى وتخليقه وتكوينه وذلك هو المطلوب.

قالت المعتزلة ﴿ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء ﴾ يحتمل وجوهاً أحدها: أنه يهدي بالإثابة والمجازاة من يشاء ممن استحق ذلك.

وثانيها: يهدي بالألطاف وزيادات الهدى من يشاء.

وثالثها: ولكن الله يهدي بالإكراه من يشاء على معنى أنه قادر على ذلك وإن لم يفعله.

ورابعها: أنه يهدي بالاسم والحكم من يشاء، فمن اهتدى استحق أن يمدح بذلك.

أجاب الأصحاب عن هذه الوجوه بأسرها أن المثبت في قوله: ﴿ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء ﴾ هو المنفي أولاً بقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ لكن المراد بذلك المنفي بقوله أولاً: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ هو الاهتداء على سبيل الاختيار، فالمثبت بقوله: ﴿ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء ﴾ يجب أن يكون هو الاهتداء على سبيل الاختيار، وعلى هذا التقدير يسقط كل الوجوه.

ثم قال: ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ ﴾ فالمعنى: وكل نفقة تنفقونها من نفقات الخير فإنما هو لأنفسكم أي ليحصل لأنفسكم ثوابه فليس يضركم كفرهم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية وجوه الأول أن يكون المعنى: ولستم في صدقتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله، فقد علم الله هذا من قلوبكم، فانفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه الله في صلة رحم وسد خلة مضطر؛ وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم الثاني: أن هذا وإن كان ظاهره خبراً إلا أن معناه نهي، أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله، وورد الخبر بمعنى الأمر والنهي كثيراً قال تعالى: ﴿ الوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن  ﴾ ﴿ والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ  ﴾ الثالث: أن قوله: ﴿ وَمَا تُنفِقُونَ ﴾ أي ولا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم الذي يفيد المدح حتى تبتغوا بذلك وجه الله.

المسألة الثانية: ذكر في الوجه في قوله: ﴿ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ الله ﴾ قولان أحدهما: أنك إذا قلت: فعلته لوجه زيد فهو أشرف في الذكر من قولك: فعلته له لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى صار يعبر عن الشرف بهذا اللفظ والثاني: أنك إذا قلت: فعلت هذا الفعل له فهاهنا يحتمل أن يقال: فعلته له ولغيره أيضاً، أما إذا قلت فعلت هذا الفعل لوجهه، فهذا يدل على أنك فعلت الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركة.

المسألة الثالثة: أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم، فتكون هذه الآية مختصة بصدقة التطوع، وجوّز أبو حنيفة رضي الله عنه صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة، وأباه غيره، وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ أي يوف إليكم جزاؤه في الآخرة، وإنما حسن قوله: ﴿ إِلَيْكُمْ ﴾ مع التوفيه لأنها تضمنت معنى التأدية.

ثم قال: ﴿ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ أي لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً لقوله تعالى: ﴿ اتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم وَمِنْهُ شَيْئاً  ﴾ يريد لم تنقص.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المنّ والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب ﴿ ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء ﴾ يلطف بمن يعلم أنّ اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ من مال ﴿ فَلاِنفُسِكُمْ ﴾ فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ﴿ وَمَا تُنفِقُونَ ﴾ وليست نفقتكم إلا لابتغاء وجه الله ولطلب ما عنده، فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله؟

﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ ثوابه أضعافاً مضاعفة، فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه، وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها.

وقيل: حجت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما فأتتها أمها تسألها وهي مشركة، فأبت أن تعطيها، فنزلت، وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه: كانوا يتقون أن يرضخوا لقراباتهم من المشركين.

وروي: أنّ ناساً من المسلمين كانت لهم أصهار في اليهود ورضاع وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام، فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوهم.

وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله، لكان لك ثواب نفقتك.

واختلف في الواجب، فجوز أبو حنيفة رضي الله عنه صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة، وأباه غيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ ﴾ قَلِيلَةٍ أوْ كَثِيرَةٍ، سِرًّا أوْ عَلانِيَةً، في حَقٍّ أوْ باطِلٍ.

﴿ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ ﴾ بِشَرْطٍ أوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ، في طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

﴿ وَما لِلظّالِمِينَ ﴾ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في المَعاصِي ويُنْذِرُونَ فِيها، أوْ يَمْنَعُونَ الصَّدَقاتِ ولا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ.

﴿ مِن أنْصارٍ ﴾ مَن يَنْصُرُهم مِنَ اللَّهِ ويَمْنَعُهم مِن عِقابِهِ.

﴿ إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ ﴾ فَنِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ عَلى الأصْلِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو وقالُونَ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ، ورُوِيَ عَنْهم بِكَسْرِ النُّونِ وإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وهو أقِيسُ.

﴿ وَإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ ﴾ أيْ تُعْطُوها مَعَ الإخْفاءِ.

﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ فالإخْفاءُ خَيْرٌ لَكُمْ، وهَذا في التَّطَوُّعِ ولِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ فَإنَّ إبْداءَ الفَرْضِ لِغَيْرِهِ أفْضَلُ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْهُ.

عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما « (صَدَقَةُ السِّرِّ في التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلانِيَتَها سَبْعِينَ ضِعْفًا، وصَدَقَةُ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتُها أفْضَلُ مِن سِرِّها بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا) .» ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ بِالياءِ أيْ واللَّهُ يُكَفِّرُ أوِ الإخْفاءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ ويَعْقُوبَ بِالنُّونِ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ أوِ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ أيْ: ونَحْنُ نَكَفِّرُ.

وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِ مَجْزُومًا عَلى مَحَلِّ الفاءِ وما بَعْدَهُ.

وقُرِئَ بِالتّاءِ مَرْفُوعًا ومَجْزُومًا والفِعْلُ لِلصَّدَقاتِ.

﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ تَرْغِيبٌ في الإسْرارِ.

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ﴾ لا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَ النّاسَ مَهْدِيِّينَ، وإنَّما عَلَيْكَ الإرْشادُ والحَثُّ عَلى المَحاسِنِ، والنَّهْيُ عَنِ المَقابِحِ كالمَنِّ والأذى وإنْفاقِ الخَبِيثِ.

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ صَرِيحٌ بِأنَّ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِمَشِيئَتِهِ، وإنَّها تُخَصُّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ.

﴿ وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ ﴾ مِن نَفَقَةٍ مَعْرُوفَةٍ.

﴿ فَلأنْفُسِكُمْ ﴾ فَهو لِأنْفُسِكم لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُكم فَلا تُمَنُّوا عَلَيْهِ ولا تُنْفِقُوا الخَبِيثَ.

﴿ وَما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ ﴾ حالٌ، وكَأنَّهُ قالَ وما تُنْفِقُونَ مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكم غَيْرَ مُنْفِقِينَ إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ وطَلَبِ ثَوابِهِ.

أوْ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ ولَيْسَتْ نَفَقَتُكم إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِهِ فَما بالُكم تَمُنُّونَ بِها وتُنْفِقُونَ الخَبِيثَ.

وقِيلَ: نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ.

﴿ وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ ﴾ ثَوابُهُ أضْعافًا مُضاعَفَةً، فَهو تَأْكِيدٌ لِلشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ، أوْ ما يُخْلَفُ لِلْمُنْفِقِ اسْتِجابَةً لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِمُنْفِقٍ خَلَفًا، ولِمُمْسِكٍ تَلَفًا» رُوِيَ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَتْ لَهم أصْهارٌ ورِضاعٌ في اليَهُودِ، وكانُوا يُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ، فَكَرِهُوا لَمّا أسْلَمُوا أنْ يَنْفَعُوهم فَنَزَلَتْ.

وهَذا في غَيْرِ الواجِبِ أمّا الواجِبُ فَلا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلى الكُفّارِ.

﴿ وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ﴾ أيْ لا تُنْقَصُونَ ثَوابَ نَفَقاتِكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)

{لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب {ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء} أو ليس عليك التوفيق على الهدى أو خلق الهدى وإنما ذلك إلى الله {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} من مال {فَلأَِنفُسِكُمْ} فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ الله} وليست نفقتكم إلا ابتغاء وجه الله أي رضا الله ولطلب ما عنده فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله أو هذا نفي معناه النهي أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} ثوابه أضعافاً مضاعفة فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}

ولا تنقصون كقوله ولم تظلم منه شيأ أي لم تنقص

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ﴾ أيْ لا يَجِبُ عَلَيْكَ أيُّها الرَّسُولُ أنْ تَجْعَلَ هَؤُلاءِ المَأْمُورِينَ بِتِلْكَ المَحاسِنِ المَنهِيِّينَ عَنْ هاتِيكَ الرَّذائِلِ مَهْدِيِّينَ إلى الِائْتِمارِ والِانْتِهاءِ إنْ أنْتَ إلّا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ ما عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي ﴾ بِهِدايَتِهِ الخاصَّةِ المُوصِلَةِ إلى المَطْلُوبِ قَطْعًا ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ هِدايَتَهُ مِنهُمْ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ جِيءَ بِها عَلى طَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ وتَوْجِيهِهِ إلى سَيِّدِ المُخاطَبِينَ  مَعَ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ فِيما بَيْنَ الخِطاباتِ المُتَعَلِّقَةِ بِأُولَئِكَ المُكُلَّفِينَ مُبالَغَةً في حَمْلِهِمْ عَلى الِامْتِثالِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الحَسَنُ وأبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى رُجُوعِ ضَمِيرِ ﴿ هُداهُمْ ﴾ إلى المُخاطَبِينَ في تِلْكَ الآياتِ السّابِقَةِ، واَلَّذِي يَسْتَدْعِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ رُجُوعُهُ إلى الكُفّارِ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ««أنَّ النَّبِيَّ  كانَ يَأْمُرُنا أنْ لا نَتَصَدَّقَ إلّا عَلى أهْلِ الإسْلامِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»» وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: كانَ أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ لَهم أنْسِباءُ وقَرابَةٌ وكانُوا يَتَّقُونَ أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ ويُرِيدُونَهم أنْ يُسَلِّمُوا فَنَزَلَتْ.

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «لا تَصَدَّقُوا إلّا عَلى أهْلِ دِينِكم ”فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ﴾ » أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدى مَن خالَفَكَ حَتّى تَمْنَعَهُمُ الصَّدَقَةَ لِأجْلِ دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ وحِينَئِذٍ لا اِلْتِفاتَ، وإنَّما هُناكَ تَلْوِينُ الخِطابِ فَقَطْ، والآيَةُ حَثٌّ عَلى الصَّدَقَةِ أيْضًا ولَكِنْ بِوَجْهٍ آخَرَ، والِارْتِباطُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ ظاهِرٌ، وجَعْلُها مُرْتَبِطَةً بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ﴾ إشارَةً إلى قِسْمٍ آخَرَ مِنَ النّاسِ لَمْ يُؤْتَها لَيْسَ بِشَيْءٍ.

﴿ وما تُنْفِقُوا ﴾ في وُجُوهِ البِرِّ ﴿ مِن خَيْرٍ ﴾ أيْ مالٍ ﴿ فَلأنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ فَهو لِأنْفُسِكم لا يَنْتَفِعُ بِهِ في الآخِرَةِ غَيْرُكم فَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ ولا تُبْطِلُوهُ بِالمَنِّ والأذى ورِئاءِ النّاسِ، أوْ فَلا تَمْنَعُوهُ عَنِ الفُقَراءِ كَيْفَ كانُوا فَإنَّ نَفْعَكم بِهِ دِينِيٌّ ونَفْعُ الكافِرِ مِنهم دُنْيَوِيٌّ، و(ما) شَرْطِيَّةٌ جازِمَةٌ لِتُنْفِقُوا مُنْتَصِبَةٌ بِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِاسْمِ الشَّرْطِ مُبَيِّنَةٌ ومُخَصِّصَةٌ لَهُ.

﴿ وما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ ﴾ اِسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ وأعَمِّ الأحْوالِ أيْ ما تُنْفِقُونَ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا لِهَذا السَّبَبِ، أوْ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في هَذِهِ الحالِ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها عَلى مَعْنى: وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّما يَكُونُ لَكم لا عَلَيْكم إذا كانَ حالُكم أنْ لا تُنْفِقُوا إلّا لِأجْلِ طَلَبِ وجْهِ اللَّهِ تَعالى، أوْ إلّا طالِبِينَ وجْهَهُ سُبْحانَهُ لا مُؤْذِينَ ولا مانِّينَ ولا مُرائِينَ ولا مُتَيَمِّمِينَ الخَبِيثَ، أوْ عَلى مَعْنى: لَيْسَتْ نَفَقَتُكم إلّا لِكَذا أوْ حالَ كَذا فَما بالُكم تَمُنُّونَ بِها وتُنْفِقُونَ الخَبِيثَ أوْ تَمْنَعُونَها فُقَراءَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ نَفْيٌ بِمَعْنى النَّهْيِ أيْ لا تُنْفِقُوا إلّا كَذا، وإقْحامُ الوَجْهِ لِلتَّعْظِيمِ ودَفْعِ الشَّرِكَةِ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ فَعَلْتُهُ لِوَجْهِ زَيْدٍ كانَ أجَلَّ مِن قَوْلِكَ: فَعَلْتُهُ لَهُ لِأنَّ وجْهَ الشَّيْءِ أشْرَفُ ما فِيهِ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى عَبَّرَ بِهِ عَنِ الشَّرَفِ مُطْلَقًا، وأيْضًا قَوْلُ القائِلِ: فَعَلْتُ هَذا الفِعْلَ لِفُلانٍ يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ وأنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ لَهُ ولِغَيْرِهِ، ومَتى قالَ: فَعَلْتُهُ لِوَجْهِهِ اِنْقَطَعَ عِرْقُ الشَّرِكَةِ عُرْفًا، وجَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ الخُلُقِ بِمَعْنى الذّاتِ وبَعْضُهم حَمَلَهُ هُنا عَلى الرِّضا وجَعَلَ الآيَةَ عَلى حَدِّ اِبْتِغاءَ مَرْضات اللَّهِ تَعالى، والسَّلَفُ بَعْدَ أنْ نَزَّهُوا فَوَّضُوا كَعادَتِهِمْ في المُتَشابِهِ.

﴿ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ ﴾ أيْ تُعْطُونَ جَزاءَهُ وافِرًا وافِيًا كَما تُشْعِرُ بِهِ صِيغَةُ التَّفْعِيلِ في الآخِرَةِ حَسْبَما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ مِن قَبْلُ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم عُذْرٌ في مُخالَفَةِ الأمْرِ المُشارِ إلَيْهِ في الإنْفاقِ، فالجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلشُّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ ولَيْسَ بِتَأْكِيدٍ صِرْفٍ وإلّا لَفُصِلَتْ ولَكِنَّها تَضَمَّنَتْ ذَلِكَ مِن كَوْنِ سِياقِها لِلِاسْتِدْلالِ عَلى قُبْحِ تَرْكِ ذَلِكَ الأمْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَمُنُّ أوْ يُقَصِّرُ فِيما يَرْجِعُ إلَيْهِ نَفْعُهُ، أوْ كَيْفَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِيما لَهُ عَوَضٌ وزِيادَةٌ، وهي بِهَذا الِاعْتِبارِ أمْرٌ مُسْتَقِلٌّ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى يُوَفِّرُ عَلَيْكم خَلَفَهُ في الدُّنْيا ولا يُنْقِصُ بِهِ مِن مالِكم شَيْءٌ اِسْتِجابَةَ لِقَوْلِهِ  : «“ اللَّهُمَّ اِجْعَلْ لِمُنْفِقٍ خَلَفًا ولِمُمْسِكٍ تَلَفًا» والتَّوْفِيَةُ إكْمالُ الشَّيْءِ وإنَّما حَسُنَ مَعَها (إلَيْكُمْ) لِتَضَمُّنِها مَعْنى التَّأْدِيَةِ، وإسْنادُها إلى (ما) مَجازِيٌّ وحَقِيقَتُهُ ما سَمِعْتَ.

والآيَةُ -بِناءً عَلى سَبَبِ النُّزُولِ- دَلِيلٌ عَلى جَوازِ دَفْعِ الصَّدَقَةِ لِلْكافِرِ وهو في غَيْرِ الواجِبَةِ أمْرٌ مُقَرَّرٌ، وأمّا الواجِبَةُ الَّتِي لِلْإمامِ أخْذُها كالزَّكاةِ فَلا يَجُوزُ، وأمّا غَيْرُها كَصَدَقَةِ الفِطْرِ والنَّذْرِ والكَفّارَةِ فَفِيهِ اِخْتِلافٌ، والإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يُجَوِّزُهُ، وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا ﴾ يُؤَيِّدُهُ إذِ الأسِيرُ في دارِ الإسْلامِ لا يَكُونُ إلّا مُشْرِكًا.

﴿ وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ  ﴾ أيْ لا تَنْقُصُونَ شَيْئًا مِمّا وعَدْتُمْ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ إلَيْكُمْ ﴾ والعامِلُ (يُوَفَّ).

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وذلك أن النبيّ  لما قدم مكة لعمرة القضاء، وخرجت معه أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة، وجدها أبو قحافة، فسألا منها حاجة فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله  ، فإنكما لستما على ديني، فاستأمرت رسول الله  ، فنزلت هذه الآية لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، أي يوفق من يشاء لدينه.

فإن قيل قد قال في آية أخرى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52] وقال هاهنا: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي يوفق.

قيل ما يشاء إنما أراد به هناك الدعوة.

وهاهنا أراد به الهدى خاصة، وهو التوفيق إلى الهدى.

ثم قال تعالى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ يعني ما تنفقوا من مال، فثوابه لأنفسكم إذا تصدقتم على الكفار، أو على المسلمين.

وروي عن عمر بن الخطاب أنه رأى رجلاً من أهل الذمة، يسأل على أبواب المسلمين فقال: ما أنصفناك أخذنا منك الجزية ما دمت شابا، ثم ضيعناك بعد ما كبرت وضعفت، فأمر بأن يجري عليه قوته من بيت المال.

ثم قال تعالى: وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ يعني لا تنفقوا إلا ابتغاء ثواب الله وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أي يوف ثوابه إليكم.

وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ أي لا تنقصون من ثواب أعمالكم وصدقاتكم، فيكون ما الأولى بمعنى الشرط، وما الثانية للجحود وما الثالثة للخير.

ثم بيّن موضع الصدقة فقال تعالى: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني النفقة والصدقة للفقراء الذين حبسوا أنفسهم في طاعة الله، وهم أصحاب الصفة كانوا نحواً من أربعمائة رجل، جعلوا أنفسهم للطاعة، وتركوا الكسب والتجارة.

قوله: لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ أي لا يستطيعون الخروج إلى السفر في التجارة.

قوله: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ قرأ حمزة وعاصم وابن عامر: يحسبهم بنصب السين في جميع القرآن، وقرأ الباقون: بالكسر وتفسير القراءتين واحد، يعني يظن الجاهل بأمرهم وشأنهم أنهم أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ لأنهم يظهرون أنفسهم للناس باللباس وغيره، كأنهم أغنياء ويتعففون عن المسألة.

قوله تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ أي بصفرة الوجوه من قيام الليل وصوم النهار لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً يعني إلحاحاً قال ابن عباس  : لا يسألون الناس إلحاحاً ولا غير إلحاح، ويقال: أصله من اللحاف، لأن السائل إذا كان ملحاً، فكأنه يلصق بالمسؤول فيصير كاللحاف يلتصق، وجعل ذلك كناية عنه.

ثم قال تعالى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ يعني عليم بما أنفقتم ويقال هذا على معنى التحريض، فكأنه يقول عليكم بالفقراء الذين أحصروا في سبيل الله.

وقال بعضهم: هذا على معنى التعجب، فكأنه يقول عجباً للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله ويقال: إنه رد إلى أول الآية وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا ثم قال تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ قال مقاتل والكلبي: نزلت هذه الآية في شأن علي بن أبي طالب، كانت له أربعة دراهم لم يملك غيرها، فلما نزل التحريض على الصدقة تصدق بدرهم بالليل، وبدرهم بالنهار، وبدرهم في السر، وبدرهم في العلانية، فنزلت هذه الآية الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ.

سِرًّا وَعَلانِيَةً يعني خفية وظاهراً.

ويقال: هذا حثّ لجميع الناس على الصدقة يتصدقون في الأحوال كلها وفي الأوقات كلها فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الله صلّى الله عليه وسلم: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي على بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوبٌ: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَا بَالُ القَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟

قَالَ: إِنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالمُسْتَقْرِضُ لاَ يَسْتَقْرِضُ إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ» «١» .

انتهى من «التذكرة» .

وقرأ ابن كثير وغيره: «ونُكَفِّرُ» بالنون، ورفع الراء، وقرأ ابن عامر: «وَيُكَفِّرُ» ، بالياء، ورفع الراء، وقرأ نافع وغيره: «وَنُكَفِّرْ» ، بالنون، والجزمِ، فأما رفْع الراء، فهو على وجهين:

أحدهما: أن يكون الفعْلُ خبر ابتداءٍ، تقديره: ونحن نكفِّر، أو: واللَّه يكفر.

والثَّاني: القطع، والاستِئْناف، والواو لعطْفِ جملةٍ على جملةٍ، والجزمُ في الراءِ أفصحُ هذه القراءات لأنها تؤذن بدُخُول التكفير في الجزاء، وكونه مشروطاً إِن وقع الإِخفاء، وأمَّا رفع الراءِ، فليس فيه هذا المعنى، و «مِنْ» في قوله: مِنْ سَيِّئاتِكُمْ للتبعيضِ المحْضِ، لا أنها زائدةٌ كما زعم قومٌ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: وعدٌ ووعيد.

لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)

وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ...

الآية: وَرَدَتْ آثار أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم مَنَعَ فُقَرَاء أهْلِ الذمَّة من الصَّدَقَة، فنزلَتِ الآية مبيحةً لهم، وذكر الطبريُّ «٢» أن مَقْصِدَ النبيّ صلّى الله عليه وسلم بمنع

الصدَقة، إِنَّما كان ليُسْلِمُوا، ولِيَدْخُلُوا في الدِّين، فقال اللَّه سبحانه: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، قال ع «١» : وهذه الصدقةُ التي أبيحَتْ لهم حسبَمَا تضمَّنته هذه الآثار، إِنما هي صدقة التطوُّع، وأما المفروضة، فلا يجزىء دفعها لكَافِرٍ، قال ابن المُنْذِرِ «٢» : إِجماعاً فيما عَلِمْتُ، وقول المَهْدَوِيِّ: إباحتها هذه الآية مردودٌ، قال ابن العَرَبِيِّ «٣» ، وإِذا كان المُسْلِمُ يترك أركان الإِسْلاَم من الصَّلاة، والصيام، فلا تُصْرَفُ إِلَيْه الصدقة حتى يتُوبَ، وسائرُ المعاصِي تُصْرَف الصدَقَةُ إلى مرتكبيها لدخولِهِمْ في اسم المسلمين.

انتهى من «الإِحكام» ، ويعني بالصدقةِ المفروضةَ، والهدى الَّذي ليس على نبيّنا صلّى الله عليه وسلم هو خَلْق الإِيمان في قلوبهم، وأما الهُدَى الذي هو الدعاء فهو عليه صلّى الله عليه وسلم، وليس بمراد في هذه الآية.

ثم أخبرَ سُبْحَانه أنه يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وفي الآية ردٌّ على القدريَّة وطوائفِ المعتزلةِ، ثم بيَّن تعالى أنَّ النفقة المقبولَةَ ما كان ابتغاءَ وَجْهِ اللَّهِ.

وفي الآية تأويلٌ آخرُ، وهو أنها شهادة مِنَ اللَّهِ تعالى للصحابةِ أنهم إِنما ينفقون ابتغاءَ وَجُه اللَّه سبحانه، فهو خَبَر منه لهم فيه تفضيلٌ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ، أي: في الآخرة، وهذا هو بيانُ قوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ، والخير هنا:

المالُ/ بقرينة الإِنفاق، ومتى لم يقترن بما يدلُّ على أنَّه المال، فلا يلزم أن يكون بمعنى ٧١ أالمال، وهذا الذي قلْناه تحرُّزاً من قول عِكْرِمَةَ: كُلَّ خَيْرٍ في كتابِ اللَّهِ، فهو المالُ «٤» .

وقوله تعالى: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...

الآية: التقديرُ: الإِنفاق أو الصدقةُ للفقراءِ، قال مجاهد وغيره: المرادُ بهؤلاءِ الفقراءِ فقراءُ المهاجرين من قريش وغيرهم «٥» .

ع «١» : ثم تتناول الآيةُ كلَّ مَنْ دخل تحْتَ صفة الفَقْر غابِرَ الدَّهْر، ثم بيَّن اللَّه سبحانه من أحْوَالِ أولئك الفقراءِ المهاجِرِينَ ما يُوجِبُ الحُنُوَّ عليهم بقوله: الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، والمعنى: حُبِسُوا، ومُنِعُوا، وتأوَّل الطبريّ «٢» في هذه الآية أنهم هم حاسبوا أَنُفُسِهِمْ بِرِبْقَة الدِّيْن، وقصد الجهاد، وخَوْفِ العَدُوِّ، إِذ أحاط بهم الكُفْر، فصار خوف العدو عذْراً أحْصِروا به.

ع «٣» : كأنَّ هذه الأعذار أحصرتْهم، فالعدُوُّ وكلُّ محيطٍ يحصر، وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ يحتملُ الجهادَ، ويحتمل الدخولَ في الإِسلام، والضَّرْبُ في الأرض: هو التصرُّف في التجارة، وكانُوا لا يستطيعونَ ضَرْباً في الأرض لكون البلادِ كلِّها كفْراً مطبقاً، وهذا في صدْر الهجْرة، وكانوا- رضي اللَّه عنهم- من الانقباض، وترْكِ المسألةِ، والتوكُّلِ على اللَّه تعالى بحيث يحسبهم الجاهلُ بباطنِ أحوالهم أغنياءَ.

ت: واعلم أنَّ المواساة واجبةٌ، وقد خرَّج مسلمٌ وأبو داود عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: «بينما نحن في سفر، مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ رَجُلٌ على راحِلَةٍ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بصره يمينا وشمالا، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ زَادَ لَهُ» ، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ حتى رُئِينَا أنَّهُ لاَ حقّ لأحد منّا في فضل «٤» انتهى.

والتَّعَفُّفِ: تفعُّلٌ، وهو بناءُ مبالغةٍ من: عَفَّ عن الشيْءِ، إِذا أمْسَك عنْه، وتنزَّه عن طَلَبه، وبهذا المعنى فسره قتادةُ وغيره.

ت: مَدَح اللَّه سبحانه هؤُلاءِ السَّادَةَ على ما أعطاهم من غنى النفْسِ، وفي الحديثِ الصحيحِ: «لَيْسَ الغنى عَنْ كَثْرَةِ المَالِ، وَإِنَّمَا الغنى غِنَى النّفس» «٥» وقد صحّ

عنه صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ، اجعل قُوتَ آلُ مُحَمَّدٍ كَفَافاً» أخرجه مسلم، وغيره «١» ، وعنْدِي أن المراد بالآل هنا متّبعوه صلّى الله عليه وسلم.

وفي سنن ابْن مَاجَة، عن أنسٍ، قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ غَنِيٍّ، وَلاَ فَقِيرٍ إِلاَّ وَدَّ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيَا قُوتاً» «٢» ، وروى مسلم والترمذيُّ عن أبي أُمَامة، قال: قال رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلم: «يا ابن آدَمَ، إِنَّكَ إِنْ تَبْذُلْ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ تُمْسك شَرٌّ لَكَ، وَلاَ تُلاَمُ على كَفَافٍ، وابدأ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ من اليد السّفلى» «٣» ، قال أبو عيسى،

واللفظ له: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

انتهى.

وقوله سبحانه: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ: السِّيَما مقصورة: العلامةُ، واختلف المفسِّرون في تعيينها، فقال مجاهد: هي التخشُّع والتواضُع «١» ، وقال الربيعُ، والسُّدِّيُّ:

هي جهد الحاجة، وقَضَفُ الفقر في وجوههم، وقلَّة النعمة «٢» ، وقال ابن زَيْد: هي رِثَّة الثياب «٣» ، وقال قوم، وحكاه مكِّيٌّ: هي أثر السجود «٤» ، قال ع «٥» : وهذا حسنٌ، وذلك لأنهم كانوا متفرِّغين متوكِّلين، لا شُغْل لهم في الأغلب إِلاَّ الصَّلاة، فكان أثَرُ السُّجود علَيْهم أبداً، والإِلحافُ، والإلحاح بمعنى، قال ع «٦» : والآية تحتمل ٧٢ أمعنيين/.

أحدهما: نفْي السؤال جملة، وهذا هو الذي عليه الجمهورُ أنهم لا يسألون البَتَّة.

والثاني: نَفْي الإِلحاف فقَطْ، أي: لا يظهر لهم سؤال، بل هو قليل وبإِجمال.

ت: وهذا الثاني بعيدٌ من ألفاظ الآية، فتأمَّله.

ت: وينبغى للفقيرِ أنْ يتعفّف في فَقْره، ويكتفي بعلْمِ ربِّه، قال الشيخُ ابن أبي جَمْرة: وقد قال أهْلُ التوفيق: مَنْ لَمْ يَرْضَ باليسير، فهو أسير.

انتهى، وذكر

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ، أعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ مُرادَهم ما عِنْدَهُ، وإذا أعْلَمَهم بِصِحَّةِ قَصْدِهِمْ، فَقَدْ أعْلَمَهم بِالجَزاءِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُوَفَّ إلَيْكُمْ ﴾ أيْ: تُوَفُّونَ أجْرَهُ ومَعْنى الآَيَةِ: لَيْسَ عَلَيْكَ أنْ يَهْتَدُوا، فَتَمْنَعُهُمُ الصَّدَقَةَ لِيَدْخُلُوا في الإسْلامِ، فَإنْ تَصَدَّقْتُمْ عَلَيْهِمْ أُثِبْتُمْ، والآَيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُعْطى الكافِرُ مِنَ الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ شَيْئًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وما تُنْفِقُوا مَن خَيْرٍ فَلأنْفُسِكم وما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللهَ وما تُنْفِقُوا مَن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ﴾ رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَصَدَّقُونَ عَلى فُقَراءِ أهْلِ الذِمَّةِ، فَلَمّا كَثُرَ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ قالَ رَسُولُ اللهِ  : "لا تَتَصَدَّقُوا إلّا عَلى أهْلِ دِينِكُمْ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» مُبِيحَةً لِلصَّدَقَةِ عَلى مَن لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِ الإسْلامِ.

وذَكَرَ النَقّاشُ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أتى بِصَدَقاتٍ فَجاءَهُ يَهُودِيٌّ فَقالَ: أعْطِنِي، فَقالَ النَبِيُّ  : "لَيْسَ لَكَ مِن صَدَقَةِ المُسْلِمِينَ شَيْءٌ" فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ﴾ فَدَعاهُ رَسُولُ اللهِ  فَأعْطاهُ، ثُمَّ نَسَخَ اللهُ ذَلِكَ بِآيَةِ الصَدَقاتِ.» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ لَهم قَراباتٌ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَضِيرِ، وكانُوا لا يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِمْ رَغْبَةً مِنهم في أنْ يُسْلِمُوا إذا احْتاجُوا فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

وحَكى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُما أرادَتْ أنْ تَصِلَ جَدَّها أبا قُحافَةَ، ثُمَّ امْتَنَعَتْ مِن ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كافِرًا فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مَقْصِدَ النَبِيِّ  بِمَنعِ الصَدَقَةِ إنَّما كانَ لِيُسْلِمُوا ويَدْخُلُوا في الدِينِ، فَقالَ اللهُ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ﴾ .

وهَذِهِ الصَدَقَةُ الَّتِي أُبِيحَتْ عَلَيْهِمْ حَسْبَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآثارُ إنَّما هي صَدَقَةُ التَطَوُّعِ، وأمّا المَفْرُوضَةُ فَلا يَجْزِي دَفْعُها لِكافِرٍ، وهَذا الحُكْمُ مُتَصَوَّرٌ لِلْمُسْلِمِينَ اليَوْمَ مَعَ أهْلِ ذِمَّتِهِمْ ومَعَ المُسْتَرَقِّينَ مِنَ الحَرْبِيِّينَ.

قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ مَن أحْفَظُ عنهُ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ الذِمِّيَّ لا يُعْطى مِن زَكاةِ الأمْوالِ شَيْئًا، ثُمَّ ذَكَرَ جَماعَةً مِمَّنْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَذْكُرْ خِلافًا، وقالَ المَهْدَوِيُّ: ورُخِّصَ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يُعْطُوا المُشْرِكِينَ مِن قَراباتِهِمْ مِن صَدَقَةِ الفَرِيضَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهَذا مَرْدُودٌ عِنْدِي.

والهُدى الَّذِي لَيْسَ عَلى مُحَمَّدٍ  هو خَلْقُ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، وأمّا الهُدى الَّذِي هو الدُعاءُ فَهو عَلَيْهِ، ولَيْسَ بِمُرادٍ في هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ هُوَ: يَهْدِي مَن يَشاءُ أيْ يُرْشِدُهُ، وفي هَذا رَدٌّ عَلى القَدَرِيَّةِ وطَوائِفِ المُعْتَزِلَةِ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ نَفَقَةَ المَرْءِ تَأجُّرًا إنَّما هي لِنَفْسِهِ، فَلا يُراعِي حَيْثُ وقَعَتْ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ النَفَقَةَ المُعْتَدَّ بِها المَقْبُولَةَ إنَّما هي ما كانَ ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ، هَذا أحَدُ التَأْوِيلاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللهِ ﴾ ، وفِيهِ تَأْوِيلٌ آخَرُ، وهو أنَّها شَهادَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِلصَّحابَةِ أنَّهم إنَّما يُنْفِقُونَ ابْتِغاءَ وجْهِهِ، فَهو خَبَرٌ مِنهُ لَهم فِيهِ تَفْضِيلٌ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ هو اشْتِراطٌ عَلَيْهِمْ، ويَتَناوَلُ الِاشْتِراطُ غَيْرَهم مِنَ الأُمَّةِ.

ونَصْبُ قَوْلِهِ: "ابْتِغاءَ" هو عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ ثَوابَ الإنْفاقِ يُوَفّى إلى المُنْفِقِينَ، والمَعْنى في الآخِرَةِ ولا يُبْخَسُونَ مِنهُ شَيْئًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ البَخْسُ ظُلْمًا لَهُمْ، وهَذا هو بَيانُ قَوْلِهِ: ﴿ وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ ﴾ .

والخَيْرُ في هَذِهِ الآيَةِ المالُ، لِأنَّهُ اقْتَرَنَ بِذِكْرِ الإنْفاقِ، فَهَذِهِ القَرِينَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ المالُ، ومَتى لَمْ يَقْتَرِنْ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المالُ فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المالِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا  ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وهَذا الَّذِي قُلْناهُ تَحَرُّزٌ مِن قَوْلِ عِكْرِمَةَ: "كُلُّ خَيْرٍ في كِتابِ اللهِ فَهو المالُ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف معترض به بين قوله ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ [البقرة: 271] وبين قوله: ﴿ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ﴾ ، ومناسبته هنا أنّ الآيات المتقدمة يلوح من خلالها أصناف من الناس: منهم الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ومنهم الذين يبطلون صدقاتهم بالمَنّ والأذى، ومنهم الذين يتيمّمون الخبيث منه ينفقون، ومنهم من يعَدهم الشيطان الفقرَ ويأمرهم بالفحشاء.

وكان وجود هذه الفرق مما يَثقل على النبي صلى الله عليه وسلم فعقّب الله ذلك بتسكين نفس رسوله والتهوين عليه بأن ليس عليه هُداهم ولكن عليه البلاغ.

فالهُدى هنا بمعنى الإلجاء لحصول الهدي في قلوبهم، وأما الهدى بمعنى التبليغ والإرشاد فهو على النَّبِيء، ونظائر هذا في القرآن كثيرة.

فالضمير رَاجع إلى جميع من بقي فيهم شيء من عدم الهدى وأشدّهم المشركون والمنافقون، وقيل الضمير راجع إلى ناس معروفين، روي أنّه كان لأسماء ابنةِ أبي بكر أمٌّ كافرة وجَدٌّ كافر فأرادت أسماء عام عمرة القضية أن تواسيهما بمال، وأنّه أراد بعض الأنصار الصدقة على قرابتهم وأصهارهم في بني النضير وقريظة، فنهَى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين عن الصدقة على الكفّار، إلجاء لأولئك الكفّار على الدّخول في الإسلام، فأنزل الله تعالى: ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ الآيات، أي هدى الكفّار إلى الإسلام، أي فرخّص للمسلمين الصدقة على أولئك الكفرة.

فالضمير عائد إلى معلوم للمخاطب.

فيكون نزول الآية لذلك السبب ناشئاً عن نزول آيات الأمر بالإنفاق والصدقة، فتكون الآيات المتقدمة سببَ السبب لنزول هذه الآية.

والمعنى أنْ ليس عليك أن تهديهم بأكثر من الدعوة والإرشاد، دون هداهم بالفعل أو الإلجاء؛ إذ لا هادي لمن يضلل الله، وليس مثل هذا بميسّر للهُدى.

والخطاب في ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ ظاهره أنّه خطاب للرسول على الوجه الأول الذي ذكرناه في معاد ضمير هداهم.

ويجوز أن يكون خطاباً لمن يسمع على الوجه الآتي في الضمير إذا اعتبرنا ما ذكروه في سبب النزول، أي ليس عليك أيها المتردّد في إعطاء قريبك.

و (على) في قوله ﴿ عليك ﴾ للاستعلاء المجازي، أي طلب فعل على وجه الوجوب.

والمعنى ليس ذلك بواجب على الرسول، فلا يحزن على عدم حصول هداهم لأنّه أدّى واجب التبليغ، أو المعنى ليس ذلك بواجب عليكم أيّها المعالجين لإسلامهم بالحرمان من الإنفاق حتى تسعوا إلى هداهم بطرق الإلجاء.

وتقديم الظرف وهو ﴿ عليك ﴾ على المسند إليه وهو ﴿ هُداهم ﴾ إذا أجرى على ما تقرّر في علم المعاني من أنّ تقديم المسند الذي حقّه التأخير يفيد قصر المسند إليه إلى المسند، وكان ذلك في الإثبات بيّناً لا غبار عليه نحو ﴿ لكم دينكم ولي ديني ﴾ [الكافرون: 6] وقولِه: ﴿ لها ما كسبت عليها ما اكتسبت ﴾ [البقرة: 286]، فهو إذا وقع في سياق النفي غير بيّن لأنّه إذا كان التقديم في صورة الإثبات مفيداً للحصر اقتضى أنّه إذا نفي فقد نفي ذلك الانحصار؛ لأنّ الجملة المكيّفة بالقصر في حالة الإثبات هي جملة مقيَّدة نسبتُها بقيد الانحصار أي بقيد انحصار موضوعها في معنى محمولها.

فإذا دخل عليها النفي كان مقتضياً نفي النسبة المقيّدة، أي نفي ذلك الانحصارِ، لأنّ شأن النفي إذا توجّه إلى كلام مقيَّد أن ينْصَبّ على ذلك القيد.

لكنّ أئمة الفن حين ذكروا أمثلة تقديم المسند على المسند إليه سَوّوا فيها بين الإثبات كما ذكرنا وبين النفي نحْو ﴿ لا فيها غَوْل ﴾ [الصافات: 47]، فقد مثل به في «الكشاف» عند قوله تعالى: ﴿ لا ريب فيه ﴾ [البقرة: 2] فقال: «قصد تفضيل خمر الجنّة على خمور الدنيا»، وقال السيد في شرحه هنالك «عُدّ قصراً للموصوف على الصفة، أي الغول مقصور على عدم الحصول في خمور الجنة لا يتعدّاه إلى عدم الحصول فيما يقابلها، أو عَدمُ الغول مقصور على الحصول فيها لا يتجاوزه إلى الحصول في هذه الخمور».

وقد أحلتُ عند قوله تعالى: ﴿ لا ريب فيه ﴾ [البقرة: 2] على هذه الآية هنا، فبِنَا أن نبيِّن طريقة القصر بالتقديم في النفي، وهي أنّ القصر لما كان كيفية عارضة للتركيب ولم يكن قيداً لفظياً بحيث يتوجّه النفي إليه كانت تلك الكيفية مستصحبة مع النفي، فنحو ﴿ لا فيها غول ﴾ يفيد قصر الغَول على الانتفاء عن خمور الدنيا ولا يفيد نفي قصر الغول على الكون في خمور الجنة.

وإلى هذا أشار السيّد في شرح «الكشاف» عند قوله ﴿ لا ريب فيه ﴾ إذ قال «وبالجملة يجعل حرف النفي جزءاً أو حرفاً من حروف المسند أو المسند إليه».

/ وعلى هذا بنى صاحب «الكشاف» فجعل وجه أن لم يقدّمْ الظرفُ في قوله: ﴿ لا ريب فيه ﴾ كما قدم الظرف في قوله: ﴿ لا فيها غول ﴾ لأنّهُ لو أوّل لقُصد أنّ كتاباً آخر فيه الريب، لا في القرآن، وليس ذلك بمراد.

فإذا تقرر هذا فقوله: ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ إذا أجرى على هذا المنوال كان مفاده هداهم مقصور على انتفاء كونه عليك، فيلزم منه استفادة إبطال انتفاء كونه على غير المخاطب، أي إبطال انتفاء كونه على الله، وكلا المفادين غير مراد إذ لا يُعتقد الأول ولا الثاني.

فالوجه: إما أن يكون التقديم هنا لِمجرد الاهتمام كتقديم يوم الندى في قول الحريري: ما فيه من عيب سوى أنّه *** يوم النَّدى قِسمته ضيزى بنفي كون هداهم حقاً على الرسول تهوينا للأمر عليه، فأما الدلالة على كون ذلك مفوّضاً إلى الله فمن قوله: ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ .

وإما أن يكون جرى على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل السامعين منزلة من يعتقد أنّ إيجاد الإيمان في الكفّار يكون بتكوين الله وبالإلجاء من المخلوق، فقُصر هداهم على عدم الكون في إلجاء المخلوقين إياهم لا على عدم الكون في أنّه على الله، فيلزم من ذلك أنّه على الله، أي مفوّض إليه.

وقوله: ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ جيء فيه بحرف الاستدراك لما في الكلام المنفي من توهمّ إمكان هديهم بالحرص أو بالإلجاء، فمصَبُّ الاستدراك هو الصلة، أعْني ﴿ من يشاء ﴾ ؛ أي فلا فائدة في إلجاء من لم يشأ الله هديه.

والتقدير: ولكن هداهم بيد الله، وهو يهدي من يشاء، فإذا شاء أن يهديهم هداهم.

﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلاَِنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ الله وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ .

عطف على جملة ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ [البقرة: 271]؛ وموقعها زيادة بيان فضل الصدقات كلّها، وأنّها لما كانت منفعتها لنفس المتصدّق فليختر لنفسه ما هو خير، وعليه أن يُكثر منها بنبذ كل ما يدعو لترك بعضها.

وقوله: ﴿ وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ﴾ جملة حالية، وهو خبر مستعمل في معنى الأمر، أي إنّما تكون منفعة الصدقات لأنفسكم إن كنتم ما تنفقون إلاّ ابتغاء وجه الله لا للرياء ولا لمراعاة حال مسلممٍ وكافر، وهذا المعنى صالح لكلا المعنيين المحتمَلين في الآية التي قبلها.

ويجوز كونها معطوفة عليها إذا كان الخبر بمعنى النهي، أي لا تنفقوا إلاّ ابتغاء وجه الله.

وهذا الكلام خبر مستعمل في الطلب لقصد التحقيق والتأكيد، ولذلك خولف فيه أسلوب ما حفّ به من جملة ﴿ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وجملة وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ .

وقوله: ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ﴾ عطف على التي قبلها لبيان أنّ جزاء النفقات بمقدارها وأنّ مَن نُقِص له من الأجر فهو الساعي في نقصه.

وكُرّر فعل تنفقون ثلاث مرات في الآية لمزيد الاهتمام بمدلوله وجيء به مرتين بصيغة الشرط عند قصد بيان الملازمة بين الإنفاق والثواب، وجيء به مرة في صيغة النفي والاستثناء لأنّه قصد الخبر بمعنى الإنشاء، أي النهي عن أن ينفقوا إلاّ لابتغاء وجه الله.

وتقديم ﴿ وأنتم ﴾ على الخَبَر الفعلي لمجرد التقوّي وزيادة التنبيه على أنّهم لا يُظلَمون، وإنّما يَظْلمون أنفسهم.

وإنما جعلت هاته الأحكام جملاً مستقلاً بعضُها عن بعض ولم تجعل جملة واحدة مقيَّدة فائدتها بقيود جميع الجمل وأعيد لفظ الإنفاق في جميعها بصيغ مختلفة تكريراً للاهتمام بشأنه، لتكون كل جملة مستقلة بمعناها قصيرة الألفاظ كثيرة المعاني، فتجري مجرى الأمثال، وتتناقلها الأجيال.

وقد أخذ من الآيات الأخيرة على أحد التفسيرين جواز الصدقة على الكفّار، والمراد الكفّار الذي يختلطون بالمسلمين غير مؤذين لهم وهم أهل العهد وأهل الذمّة والجيران.

واتفق فقهاء الإسلام على جواز إعطاء صدقة التطوع للكافرين، وحكمة ذلك أنّ الصدقة من إغاثة الملهوف والكافر من عباد الله، ونحن قد أمرنا بالإحسان إلى الحيوان، ففي الحديث الصحيح: قالوا يا رسول الله وإنّ لنا في البهائم لأجراً.

فقال: «في كل ذي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجرٌ».

واتفق الفقهاء على أنّ الصدقة المفروضة أعني الزكاة لا تعطى للكفّار، وحكمة ذلك أنّها إنّما فرضت لإقامة أوَد المسلمين ومواساتهم، فهي مال الجامعة الإسلامية يؤخذ بمقادير معيّنة، ففيه غنَى المسلمين، بخلاف ما يعطيه المرء عن طيب نفس لأجل الرأفة والشفقة.

واختلفوا في صدقة الفطر، فالجمهور ألحقوها بالصدقات المفروضة، وأبو حنيفة ألحقها بصدقة التطوّع فأجاز إعطاءها إلى الكافر.

ولو قيل ذلك في غير زكاة الفطر كان أشْبَه، فإنّ العيد عيد المسلمين، ولعله رآها صدقةَ شكر على القدرة على الصيام، فكان المنظور فيها حال المتصدِّق لا حال المتصدَّق عليه.

وقوله الجمهور أصح لأنّ مشروعيتها لكفاية فقراء المسلمين عن المسألة في يوم عيدهم وليكونوا في ذلك اليوم أوسع حالاً منهم في سائر المدة، وهذا القدر لا تظهر حكمته في فقراء الكافرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قِيلَ: هم فُقَراءُ المُهاجِرِينَ، وفي (أُحْصِرُوا) أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم مَنَعُوا أنْفُسَهم مِنَ التَّصَرُّفِ لِلْمَعاشِ خَوْفَ العَدُوِّ مِنَ الكُفّارِ، قالَهُقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: مَنَعَهُمُ الكُفّارُ بِالخَوْفِ مِنهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: مَنَعَهُمُ الفَقْرُ مِنَ الجِهادِ.

والرّابِعُ: مَنَعَهُمُ التَّشاغُلُ بِالجِهادِ عَنْ طَلَبِ المَعاشِ.

﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَصَرُّفًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: يَعْنِي تِجارَةً، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

﴿ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾ يَعْنِي مِن قِلَّةِ خِبْرَتِهِ بِهِمْ، ومِنَ التَّعَفُّفِ: يَعْنِي مِنَ التَّقَنُّعِ والعِفَّةِ والقَناعَةِ.

﴿ تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ ﴾ السِّمَةُ: العَلامَةُ، وفي المُرادِ بِها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: الخُشُوعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: الفَقْرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَسْألَ ولَهُ كِفايَةٌ.

والثّانِي: أنَّهُ الِاشْتِمالُ بِالمَسْألَةِ، ومِنهُ اشْتُقَّ اسْمُ اللِّحافِ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ كانُوا يَسْألُونَ غَيْرَ إلْحافٍ؟

قِيلَ: لا; لِأنَّهم كانُوا أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، وإنَّما تَقْدِيرُ الكَلامِ لا يَسْألُونَ فَيَكُونُ سُؤالُهم إلْحافًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ المُهاجِرِينَ: لَمْ يَكُنْ لَهم بِالمَدِينَةِ مَنازِلُ ولا عَشائِرُ وكانُوا نَحْوَ أرْبَعِمِائَةٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، كانَتْ مَعَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ فَأنْفَقَها عَلى أهْلِ الصُّفَّةِ، أنْفَقَ في سَوادِ اللَّيْلِ دِرْهَمًا، وفي وضَحِ النَّهارِ دِرْهَمًا، وسِرًّا دِرْهَمًا، وعَلانِيَةً دِرْهَمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في النَّفَقَةِ عَلى الخَيْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ لِأنَّهم يُنْفِقُونَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً، قالَهُ أبُو ذَرٍّ، والأوْزاعِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في كُلِّ مَن أنْفَقَ مالَهُ في طاعَةِ اللَّهِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها خاصَّةٌ في إباحَةِ الِارْتِفاقِ بِالزُّرُوعِ والثِّمارِ، لِأنَّهُ يَرْتَفِقُ بِها كُلُّ مارٍّ في لَيْلٍ أوْ نَهارٍ، في سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، فَكانَتْ أعَمَّ لِأنَّها تُؤْخَذُ عَنِ الإرادَةِ وتُوافِقُ قَدْرَ الحاجَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين، فسألوا فنزلت هذه الآية ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ إلى قوله: ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ فرخص لهم.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن لا نتصدق إلا على أهل الإِسلام حتى نزلت هذه الآية ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ إلى آخرها.

فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتصدق على المشركين، فنزلت ﴿ وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ﴾ فتصدق عليهم» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَصَدَّقُوا إلا على أهل دينكم.

فأنزل الله: ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ إلى قوله: ﴿ وما تفعلوا من خير يوف إليكم ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدقوا على أهل الأديان» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الحنفية قال: كره الناس أن يتصدقوا على المشركين، فأنزل الله: ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فتصدق الناس عليهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان أناس من الأنصار لهم أنساب وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم ويريدونهم أن يسلموا فنزلت ﴿ ليس عليك هداهم...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجالاً من الصحابة قالوا: أنتصدق على من ليس من أهل ديننا؟

فنزلت ﴿ ليس عليك هداهم..

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: كان الرجل من المسلمين إذا كان بينه وبين الرجل من المشركين قرابة وهو محتاج لا يتصدق عليه، يقول: ليس من أهل ديني.

فنزلت ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: سأله رجل ليس على دينه فأراد أن يعطيه، ثم قال: ليس على ديني.

فنزلت ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ .

وأخرج سفيان وابن المنذر عن عمرو الهلالي قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أنتصدق على فقراء أهل الكتاب؟

فأنزل الله: ﴿ ليس عليك هداهم...

﴾ الآية.

ثم دلوا على الذي هو خير وأفضل، فقيل ﴿ للفقراء الذين أحصروا...

﴾ [ البقرة: 273] الآية.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كانوا يعطون فقراء أهل الذمة صدقاتهم، فلما كثر فقراء المسلمين قالوا: لا نتصدق إلا على فقراء المسلمين، فنزلت ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: أما ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فيعني المشركين، وأما النفقة فبين أهلها فقال: ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ [ البقرة: 273] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله: ﴿ وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ﴾ قال: إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلا ابتغاء وجه الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ﴾ قال: هو مردود عليك فما لك ولهذا تؤذيه وتمن عليه، إنما نفقتك لنفسك وابتغاء وجه الله والله يجزيك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي حبيب في قوله: ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ قال: إنما نزلت هذه الآية في النفقة على اليهود والنصارى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ الآية.

نزلت هذه الآية حين جاءت قُتيلة (١) (٢) (٣)  ، وإنكما لستما على ديني، فاستأمرته في ذلك، فأنزل الله في هذه الآية، وأمرها رسول الله  أن تتصدق عليهما (٤) والمعنى: ليس عليك هدى من خالفك فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها.

وأراد بالهدى هاهنا: هدى التوفيق وخلق الهداية؛ لأنه كان على رسول الله  هدى البيان والدعوة لجميع الخلق (٥) ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ قال ابن عباس: يريد: أولياءه (٦) ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾ أي: من مالٍ (٧) ﴿ فَلِأَنْفُسِكُمْ ﴾ (٨) ﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴾ ظاهره خبر، وتأويله نهي، أي: ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله، فلما لم يجئ بلا وجاء بما صرفه عن وجه الجزم؛ لأن (ما) لا ينهى بها وإن كان جحدًا، وعادتهم في النهي أن يكون بـ لا، والخبرُ في النفي يأتي والمراد به النهي، كقوله: ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ  ﴾ .

﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا  ﴾ وفي الإثبات يأتي والمراد به الأمر، كقوله: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ  ﴾ .

وكقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ  ﴾ (٩) وأجرى كثير من أهل المعاني هذا على ظاهر الخبر (١٠) (١١) وقال غيره: المراد بهذا نفي المنّ، يقول: {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} فلا تَمُنُّوا به، إذ كان (١٢) وقال صاحب النظم: قوله تعالى: ﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴾ حالٌ متوسط بين الجزاءِ والشرط، تأويله: وما تنفقوا من خير، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله، أي: إذا أنفقتم على هذه الحال فلأنفسكم، كما تقول في الكلام: ما تفعل من خير، ولا تفعله إلا لله، فهو مقبولٌ منك.

وقال بعضهم: القصد بقوله (١٣) ﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴾ أن يُعَلِّمَهُم التعميمَ بالإنفاق والصِّلَة، يقول: أنتم ما تنفقون (١٤) (١٥) (١٦) قال أهل العلم: وهذا في صدقة التطوع، أباح أن يتصدق على المليّ والذمي، فأما صدقة القرض فلا تجوز إلا للمسلمين (١٧) وفي ذكر الوجه في قوله: ﴿ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴾ قولان: أحدهما: أن المراد منه تحقيق الإضافة؛ لأن ذكر الوجه يرفع الإبهام أنه له ولغيره، وذلك أنكَ لمَّا ذكرتَ الوجه ومعناه النفس، دل على أنك تصرِف الوهم عن الإشراك إلى تحقيق الاختصاص، فكنت بذلك محققًا للإضافة ومزيلًا لإبهام الشركة.

القول الثاني: أنك إذا قلت: فعلته لوجه زيد، كان أشرفَ في الذكر من: فعلتُه له، لأن وجه الشيء في الأصل أشرف ما فيه، ثم كثر حتى صارَ يدل على شرف الذكر في الصفة فقط من غير تحقيق وجه، ألا ترى أنك تقول: وجه الدليل كذا، وهذا وجه الرأي، ووجه الأمر، فلا تريد تحقيق الوجه، وإنما تريد أشرف ما فيه، من جهة شدةِ ظهورِهِ وحسن بيانه.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ أي: يوفِّر لكم جزاءه، قال ابن عباس: يريد: يجازيكم في الآخرة (١٨) وإنما حسن ﴿ إِلَيْكُمْ ﴾ مع التوفية؛ لأنها تضمنت معنى التأدية (١٩) ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئًا، كقوله تعالى: ﴿ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا  ﴾ ، يريد: لم تنقص (٢٠) (٢١) (١) قتيلة بنت عبد العزى بن سعد الحامرية القرشية، والدة أسماء بنت أبي بكر، ذكرها بعضهم في الصحابيات اللواتي تأخر إسلامهن، وقال أبو موسى: ليس في شيء من الروايات ذكر إسلامها، وقولها: راغبة، أي: في الصلة، وقال الحافظ ابن حجر: إن كانت عاشت إلى الفتح فالظاهر أنها أسلمت.

ينظر "تجريد أسماء الصحابة" 2/ 297، "الإصابة" 8/ 169.

(٢) أسماء بنت أبي بكر الصديق، عبد الله بن عثمان التيمية القرشية، ذات النطاقين، أسلمت بعد سبعة عشر إنسانا، توفيت سنة 73 أو 74 بعد مقتل ابنها عبد الله بأيام، وقد عاشت مائة عام.

ينظر: "معرفة الصحابة" لأبي نعيم 6/ 3253، "الاستيعاب" 4/ 344.

(٣) في (ي) و (م): (مشتركان).

(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1655، والواحدي في "أسباب النزول" ص 90، والحافظ في "العجاب" 1/ 632 عن الكلبي، وذكره أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 233، ونحوه عند مقاتل في "تفسيره" 1/ 144، والقصة في الصحيحين، لكن دون ذكر لسبب النزول، رواها البخاري (2620) كتاب: الهبة، باب: الهدية للمشركين، ومسلم (1003) كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج.

(٥) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1658.

(٦) ذكره في "الوسيط" 1/ 387.

(٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 1659.

(٨) "تفسير الثعلبي" 2/ 1659.

(٩) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1659 - 1660، "البحر المحيط" 327/ 2، "غرائب التفسير" 1/ 233.

(١٠) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 327.

(١١) "معاني القرآن" 1/ 355.

(١٢) في (ي): (ما إذا كان).

(١٣) في (ش): (تقوله).

(١٤) من قوله: (وما تنفقون)، ساقط من (ش).

(١٥) في (ي) و (ش): (لا).

(١٦) في (ش): (نصحته).

(١٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 1660.

(١٨) ذكره في "الوسيط" 1/ 388.

وهذه الرواية تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.

(١٩) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1660.

(٢٠) في (ي): (ولم تنقص)، وهي ساقطة من (م).

(٢١) "تفسير الثعلبي" 2/ 1660.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ قيل: إنّ المسلمين كانوا لا يتصدقون على أهل الذمة، فنزلت الآية مبيحة للصدقة على من ليس على دين الإسلام، وذلك في التطوع، وأما الزكاة فلا تدفع لكافر أصلاً، فالضمير في هداهم على هذا القول للكافر، وقيل: ليس عليك أن تهديهم لما أمروا به من الإنفاق، وترك المن والأذى والرياء، والإنفاق من الخبيث، إنما عليك أن تبلغهم والهدى بيد الله فالضمير على هذا للمسلمين ﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ أي إن منفعته لكم لقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ ﴾ [فصلت: 46] ﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ الله ﴾ قيل: إنه خبر عن الصحابة أنهم لا ينفقون إلاّ ابتغاء وجه الله، ففي ذلك حض على الإخلاص.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تيمموا ﴾ بتشديد التاء ومد الألف: البزي وابن فليح الباقون على الأصل ﴿ ومن يؤت الحكمة ﴾ بكسر التاء: يعقوب أي من يؤتيه الله.

الباقون بالفتح ﴿ فنعما هي ﴾ ساكنة العين: أبو عمرو والمفضل ويحيى وأبو جعفر ونافع غير ورش ﴿ فنعما هي ﴾ بفتح النون وكسر العين: ابن عامر وعلي وحمزة وخلف والخراز، الباقون ﴿ فنعما هي ﴾ بكسر النون والعين والميم مشددة في القراءات، ﴿ ونكفر ﴾ بالنون والراء ساكنة: أبو جعفر ونافع وحمزة وخلف وعلي ﴿ ويكفر ﴾ بالياء والراء مرفوعة: ابن عامر وحفص والمفضل.

الباقون ﴿ ونكفر ﴾ بالنون ورفع الراء ﴿ يحسبهم ﴾ وبابه بفتح السين: ابن عامر ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة.

﴿ بسيماهم ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وابن شاذان عن خلاد مخيراً.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وكذلك كل كلمة على ميزان "فعلى".

الوقوف: ﴿ من الأرض ﴾ "ز" لعطف المتفقتين ﴿ تغمضوا فيه ﴾ (ط)، ﴿ حميد ﴾ ه، ﴿ الفحشاء ﴾ ج، وإن اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق الصادق، ﴿ فضلاً ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، ﴿ من يشاء ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف.

ومن قرأ ﴿ ومن يؤت الحكمة ﴾ بالكسر فالوصل أجوز.

﴿ كثيراً ﴾ ط، ﴿ الألباب ﴾ ه، ﴿ يعلمه ﴾ ط، ﴿ أنصار ﴾ ه، ﴿ فنعما هي ﴾ ج، ﴿ خير لكم ﴾ ط، لمن قرأ ﴿ ونكفر ﴾ مرفوعاً بالنون أو الياء على الاستئناف.

ومن جزم بالعطف على موضع فهو خير لكم لم يقف ﴿ سيئاتكم ﴾ ط، ﴿ خبير ﴾ ه، ﴿ من يشاء ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ فلأنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي، ﴿ وجه الله ﴾ ط، ﴿ لا يظلمون ﴾ ه، ﴿ في الأرض ﴾ ز لأن ﴿ يحسبهم ﴾ وإن صلحت حالاً بعد حال نظماً، ولكن لا يليق بحال من أحصر.

﴿ التعفف ﴾ ز لأن ﴿ تعرفهم ﴾ تصلح استئنافاً والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء وأنت تعرفهم بحقيقة ما في بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف.

وقد يجعل ﴿ لا يسألون ﴾ استئنافاً فيجوز الوقف على ﴿ سيماهم ﴾ ﴿ إلحافاً ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ عند ربهم ﴾ ج ﴿ يحزنون ﴾ ه.

التفسير: لما رغب في الإنفاق وذكر أن منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يتبعه ذلك، وشرح ما يتعلق بكل من القسمين وضرب لكل واحد مثلاً، ذكر بعد ذلك أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف يجب أن يكون فقال ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما/ أخرجنا ﴾ أي من طيبات ما أخرجنا، فحذف لدلالة الأول عليه.

عن الحسن: أن المراد من هذا الإنفاق الفرض بناء على أن ظاهر الأمر للوجوب، والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة، وقيل: التطوع لما روي عن علي والحسن ومجاهد أن بعض الناس كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم فأنزل الله هذه الآية.

عن ابن عباس: "جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة لأهل الصفة على حبل بين أسطوانيتن في مسجد رسول الله  فقال  : بئسما صنع صاحب هذا" فنزلت.

وقيل: يشمل الفرض والنفل، لأن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على الترك فقط، ويتفرع على قول الوجوب وجوب الزكاة في كل مال يكسبه الإنسان، فيشمل زكاة التجارة وزكاة الذهب والفضة وزكاة النعم وزكاة كل ما ينبت من الأرض، إلا أن العلماء خصصوها بالأقوات لما روي أنه  قال: " الصدقة في أربعة: في التمر والزبيب والحنطة والشعير وليس فيما سواها صدقة" فهذا الخبر ينفي الزكاة في غير الأربعة، لكن ثبت أخذ الزكاة من الذرة وغيرها بأمر  فعلم وجوب الزكاة في الأقوات دون غيرها.

ولا يكفي في وجوب الزكاة كون الشيء مقتاتاً على الإطلاق، بل المعتبر حالة الاختيار لا وقت الضرورة ومثله الشافعي بالقت وحب الحنظل وسائر البذور البرية، وشبهها ببقرة الوحش لا زكاة فيها لأن الناس لا يتعهدونها.

وأيضاً لا تجب الزكاة في القوت ما لم يبلغ خمسة أوسق وبه قال مالك وأحمد لرواية أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "ليس فيما دون خمسَة أوسق صدقة" وقال أبو حنيفة: يجب العشر في القليل والكثير استدلالاً بعموم الآية.

وتفصيل الكلام في الأموال الزكوية وكيفية إخراجها ونصاب كل منها مشهور مذكور في الفروع، فلذلك ولطولها لم نشرع فيها.

وما المراد بالطيب في الآية؟

قيل: الجيد فيكون المراد بالخبيث الرديء لما مر في سبب النزول أنهم كانوا يتصدقون برذالة أموالهم فنهوا عن ذلك، ولأن المحرم لا يجوز أخذه بالإغماض وبغيره، والآية دلت على جواز أخذ الخبيث بالإغماض، وعن ابن مسعود ومجاهد: أن الطيب هو الحلال والخبيث هو الحرام، والمراد من الإغماض هو المسامحة وترك الاستقصاء.

والمعنى ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال من حلاله أو من حرامه، ويحتمل أن يراد ما/ يكون طيباً من جميع الوجوه فيكون طيباً بمعنى الحلال وبمعنى الجودة أيضاً، لأن الاستطابة قد تكون شرعاً وقد تكون عقلاً.

واعلم أن المال الزكوي إن كان كله شريفاً وجب أن يكون المأخوذ منه كذلك، وإن كان الكل خسيساً فلا يكلف صاحبه فوق طاقته ولا يكون خلافاً للآية لأن المأخوذ في هذه الحال لا يكون خبيثاً من ذلك المال وإنما الكلام فيما لو كان في المالجيد ورديء فحينئذٍ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك، ولا تكلف أيضاً جيده لقوله  لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: " اعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم " بل الواجب حينئذٍ هو الوسط.

ثم إن قلنا: المراد من الإنفاق في الآية التطوع أو هو والفرض جميعاً، فالمعنى أن الله  ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه قضاء لحقوق التعظيم والإخلاص، ومعنى ﴿ لا تيمموا الخبيث ﴾ لا تقصدوه.

يقال: تيممته وتأممته كله بمعنى قصدته.

ومحل ﴿ تنفقون ﴾ نصب على الحال، وقدم ﴿ منه ﴾ عليه ليعلم أن المنهي عنه هو تخصيص الخبيث بالإنفاق منه أي إذا كان في المال طيب وخبيث.

ويحتمل أن يتم الكلام عند قوله: ﴿ ولا تيمموا الخبيث ﴾ ثم ابتدأ مستفهماً بطريق الإنكار فقال: ﴿ منه تنفقون ﴾ وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم إلا بالإغماض وهو غض البصر وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض وهو الخفاء.

يقال للبائع: أَغْمِضْ أي لا تستقص كأنك لا تبصر.

وأصله أن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه كيلا يرى ذلك، فكثر حتى جعل كل مساهلة إغماضاً أي لو أهدي لكم مثل هذه الأشياء أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم؟

ويحتمل أن يراد إلا إذا أغمضتم بصر البائع أي كلفتموه الحط من الثمن.

عن الحسن: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه.

﴿ واعلموا أن الله غني ﴾ عن صدقاتكم ﴿ حميد ﴾ محمود على ما أنعم من البيان والتكليف بما تحوزون به النعيم الأبدي، أو حامد شاكر على إنفاقكم كقوله: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ ثم إن الله  لما رغب في أجود ما يملكه الإنسان أن ينفق، حذر عن وسوسة الشيطان فقال: ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ أما الشيطان فيشمل إبليس وجنوده وشياطين الإنس والنفس الأمارة بالسوء.

والوعد يستعمل في الخير والشر.

قال  : ﴿ النار وعدها الله الذين كفروا  ﴾ ويمكن أن يكون استعماله في الشر محمولاً على التهكم مثل ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار وقرىء الفقر بضمتين، والفقر بفتحتين.

﴿ ويأمركم بالفحشاء ﴾ يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور.

والفاحش عند العرب البخيل.

والتحقيق أن لكل خلق طرفين ووسطاً، فالطرف الكامل للإنفاق هو أن يبذل كل ماله في سبيل الله، والطرف الأفحش أن لا ينفق شيئاً لا الجيد ولا الرديء، والوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء.

فالشيطان إذا أراد نقله من الأفضل إلى الأفحش، فمن خفي حيلته أن يجره إلى الوسط وهو وعده بالفقر، ثم إلى الطرف وهو أمره بالفحشاء.

وذلك أن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فلا يمكنه أن يجره ابتداء إليها إلا بتقديم مقدمة هي التخويف بالفقر إذا أنفق الجيد من ماله، فإذا أطاعه زاد فيمنعه من الإنفاق بالكلية.

وربما تدرج إلى أن يمنع الحقوق الواجبة فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة، فإذا صار هكذا ذهب وقع الذنوب عن قلبه ويتسع الخرق فيقدم على المعاصي كلها.

ثم لما ذكر درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمن فقال: ﴿ والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً ﴾ فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلف عن النبي  " إن الملك ينادي كل ليلة: اللهم أعط منفقاً خلفاً وممسكاً تلفا " فالشيطان يعدكم الفقر في غد الدنيا، والرحمن يعدكم المغفرة في غد العقبى، ووعد الرحمن بالقبول أولى لأن الوصول إلى غد الدنيا مشكوك فيه، وغد العقبى مقطوع به.

وعلى تقدير وجدان غد الدنيا فقد لا يبقى المال بآفةأخرى، وعند وجدان العقبى لا بد من حصول المغفرة فإن الله  لا يخلف الميعاد.

ولو فرض بقاء المال فقد لا يتمكن صاحبه من الانتفاع به لخوف أو مرض أومهم بخلاف الانتفاع بما في الآخرة فإنه لا مانع منه.

وبتقدير التمكن من الانتفاع بالمال فإن ذلك ينقطع ويزول بخلاف الموعود في الآخرة فإنه باق لا يزول.

وأيضاً لذات الدنيا مشوبة بالآلام والمضار ألبتة، فلا لذة إلا وفيها ألم من وجوه كثيرة بخلاف لذات الآخرة فإنه لا نغص فيها ولا نقص.

والمراد بالمغفرة تكفير الذنوب، والتنكير فيه للدلالة على الكمال والتعظيم لا سيما وقد قرن به لفظة "منه" فإن غاية كرمه ونهاية جوده مما يعجز عن إدراكها عقول الخلائق.

ويحتمل أن يكون نوعاً من المغفرة وهو المشار إليه في آية أخرى ﴿ فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات  ﴾ أو أن يجعل شفيعاً في غفران ذنوب إخوانه المؤمنين.

وأما الفضل فيحتمل أن يراد به الفضيلة الحاصلة للنفس وهي ملكة الجود والسخاء، وذلك أن المال فضيلة خارجية وعدمه نقصان خارجي، وملكة الجود فضيلة نفسانية وملكة البخل رذيلة/ نفسانية، فمتى لم يحصل الإنفاق حصل الكمال الخارجي والنقصان الداخلي، وإذا حصل الإنفاق وجد الكمال الداخلي والنقصان الخارجي، فيكون الإنفاق أولى وأفضل.

وأيضاً متى حصلت ملكة الإنفاق زالت عن النفس هيئة الاشتغال بنعيم الدنيا والتهالك في طلبها فاستنارت بالأنوار القدسية وهذا هو الفضل.

وأيضاً مهما عرف من الإنسان أنه منفق كانت الهمم معقودة على أن يفتح الله عليه أبواب الرزق ولمثل ذلك من التأثير ما لا يخفى ﴿ والله واسع ﴾ كامل العطاء كافل للخلف قادر على إنجاز ما وعد ﴿ عليم ﴾ بحال من أنفق ثقة بوعده وبحال من لم ينفق طاعة للشيطان.

ثم نبه على الأمرالذي لأجله يحصل ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان وهو الحكمة والعقل، فإن وعد الشيطان إنما ترجحه الشهوة والنفس.

عن مقاتل: إن تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مواعظ القرآن ﴿ وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به  ﴾ وثانيها الحكمة بمعنى الفهم ﴿ وآتيناه الحكم صبياً  ﴾ ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة  ﴾ وثالثها الحكمة بمعنى النبوة ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة  ﴾ ورابعها القرآن بما فيه من الأسرار ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم.

فتأمل يا مسكين شرف العلم فإن الله  سماه الخير الكثير ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ والتنكير للتعظيم.

وسمى الدنيا بأسرها قليلاً ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ وذلك أن الدنيا متناهية العدد، متناهية المقدار، متناهية المدة والعلوم، لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها والسعادات الحاصلة منها.

واعلم أن كمال الإنسان في شيئين: أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

فمرجع الأول إلى العلم والإدراك المطلق، ومرجع الثاني إلى فعل العدل والصواب، ولذلك سأل إبراهيم  ﴿ رب هب لي حكماً  ﴾ وهو الحكمة النظرية، ﴿ وألحقني بالصالحين  ﴾ وهو الحكمة العملية.

ونودي موسى  ﴿ إنى أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ وهو الحكمة النظرية ثم قال: ﴿ فاعبدني  ﴾ وهو العملية.

وحكي عن عيسى  أنه ﴿ قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت  ﴾ وكلها النظرية ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً  ﴾ وجميعها العملية.

وقال في حق محمد  : ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله  ﴾ وهو النظرية ثم قال ﴿ واستغفر لذنبك  ﴾ وهو العملية.

وقال في حق جميع الأنبياء ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا  ﴾ وأنه الحكمة العلمية ثم قال ﴿ فاتقون  ﴾ وهو الحكمة العملية./ فعلم من هذه الآيات وأمثالها أن كمال حال الإنسان في هاتين القوتين.

والحكمة فعلة من الحكم كالنحلة من النحل.

ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولب وإصابة رأي، فعيل بمعنى فاعل ويجيء بمعنى مفعول ﴿ فيه يفرق كل أمر حكيم  ﴾ أي محكم.

وفي الآية دليل على أن جميع العلوم النظرية والأخلاق المرضية إنما هي بإيتاء الله  .

والذين حملوا الإيتاء على التوفيق والإعانة كالمعتزلة ما زادوا إلا أن وسعوا الدائرة إذ لا بد من الانتهاء إليه أية سلكوا ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين إذا حصل لهم الحكم والمعارف لم يقفوا عند المسببات، فلم ينسبوا هذه الأحوال إلى أنفسهم بل يرقون إلى أسبابها حتى يصلوا إلى السبب الأول.

وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل قالوا: هذه الحكمة لا تفيد بنفسها وإنما ينتفع بها المرء إذا تدبر وتذكر فعرف ماله وما عليه، وعند ذلك يقدم أو يحجم.

ثم إنه  نبه على أنه عالم بما في قلب العبد من نية الإخلاص أو الرياء، وأنه يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئاً منها فقال ﴿ وما أنفقتم من نفقة ﴾ لله أو للشيطان ﴿ أو نذرتم من نذر ﴾ في طاعة الله أو معصيته ﴿ فإن الله يعلمه ﴾ وتذكير الضمير إما لأنه عائد إلى "ما" وإما لأنه عائد إلى الأخير كقوله: ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً  ﴾ وهذا قول الأخفش، والنذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه وأصله من الخوف كأنه يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده ومنه الإنذار إبلاغ مع تخويف.

واعلم أن النذر قسمان: نذر اللجاج والغضب ونذر التبرر.

أما الأول فهو أن يمنع نفسه من الفعل أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو الترك كقوله "إن كلمت فلاناً أو أكلت كذا أو دخلت الدار أو لم أخرج من البلد فللَّه علي صوم شهر أو صلاة أو حج أو إعتاق رقبة" ثم إنه إذا كلمه أو أكل أو دخل أو لم يخرج فللعماء ثلاثة أقوال: أحدها يلزمه الوفاء بما التزم، والثاني: وهو الأصح أن عليه كفارة يمين لما روي أنه  : "كفارة النذر كفارة اليمين" ، والثالث: التخيير بين الوفاء وبين الكفارة.

وأما نذر التبرر فنوعان: نذر المجازاة وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع نقمة مثل "إن شفى الله مريضي أو رزقني ولدا فللَّه علي أن أعتق رقبة أو أصوم أو أصلي كذا" فإذا حصل المعلق عليه لزمه الوفاء بما التزم لقوله  : " "من نذر أن يطيع الله فليطعه " .

ونذر التنجيز وهو أن يلتزم ابتداء غير معلق على شيء كقوله "لله علي/ أن أصوم أو أصلي أو أعتق" فالأصح أنه يصح ويلزم الوفاء به لمطلق الخبر.

وما يفرض التزامه بالنذر إما المعاصي وإما الطاعات وإما المباحات.

فالمعاصي كشرب الخمر والزنا ونذر المرأة صوم أيام الحيض ونذر قراءة القرآن في حال الجنابة لا يصح التزامها بالنذر لأنه لا نذر في معصية الله  ، ومن هذا القبيل نذر ذبح الولد أو ذبح نفسه.

وإذا لم ينعقد نذر فعل المعصية فعليه أن يمتنع منه ولا يلزمه كفارة يمين، وما روي من أنه  قال: " لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين " محمول على نذر اللجاج، وأما الطاعات فالواجبات ابتداء بالشرع كالصلوات الخمس وصوم رمضان لا معنى لالتزامها بالنذر معلقاً أو غير معلق، وكذا لو نذر أن لا يشرب الخمر ولا يزني، وإذا خالف ما ذكره فلا يلزمه الكفارة على الأصح، وأما غير الواجبات فالعبادات المقصودة وهي التي وضعت للتقرب بها وعرف من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق بإيقاعها عبادة فتلزم بالنذر وذلك كالصوم والصلاة والزكاة والصدقة والحج والاعتكاف والإعتاق وكذا فروض الكفايات التي يحتاج فيها إلى معاناة تعب وبذل مال كالجهاد وتجهيز الموتى، ذكره إمام الحرمين - وفي الصلاة على الجنازة والأمر بالمعروف، وما ليس فيه بذل مال وكثير مشقة الأظهر اللزوم أيضا، وكما يلزم أصل العبادات بالنذر يلزم رعاية الصفة المشروطة فيها إذا كانت من المحبوبات كالصلاة بشرط طول القراءة أو الركوع أو السجود أو الحج بشرط المشي إذا جعلناه أفضل من الركوب وهو الأصح ولو أفرد الصفة بالالتزام.

والأصل واجب كتطويل الركوع والسجود أو القراءة في الفرائض، فالأشبة اللزوم لأنها عبادات مندوب إليها.

وأما الأعمال والأخلاق المستحسنة كعيادة المريض وزيارة القادم وإفشاء السلام على المسلمين فالأظهر لزومها أيضاً بالنذر، وكذا تجديد الوضوء لأن كلها مما يتقرب بها إلى الله  ، وقد رغب الشارع فيها.

وأما المباحات التي لم يرد فيها ترغيب كالأكل والنوم والقيام والقعود فلو نذر فعلها أو تركها لم ينعقد نذره، "روي أن النبي  رأى رجلاً قائماً في الشمس فسأل عنه فقالوا: نذر أن لا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال  : مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" .

ولو قال: "لله عليّ نذر" من غير تسمية لزمه كفارة يمين لقوله  : " "من نذر نذراً وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين " ﴿ وما للظالمين ﴾ الذين يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو للرياء، أو لا يوفون بالنذور، أو ينذرون في/ المعاصي ﴿ من أنصار ﴾ ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه.

والأنصار جمع ناصر كأصحاب في صاحب، أو جمعٍ نصير كأشراف في شريف.

وقد يتمسك المعتزلة بهذا في نفي الشفاعة لأهل الكبائر، فإن الشفيع ناصر.

ورد بأن الشفيع في العرف لا يسمى ناصراً وإلا كان قوله ﴿ ولا هم ينصرون  ﴾ بعد قوله: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة  ﴾ تكراراً.

وأيضاً إن هذا الدليل النافي عام في حق كل الظالمين وفي كل الأوقات، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات والخاص مقدم على العام.

وأيضا اللفظ لا يكون قاطعاً في الاستغراق بل ظاهراً على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنياً والمسألة ليست ظنية فكان التمسك بها ساقطاً.

"سألوا رسول الله  أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية فنزلت: ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ " والتركيب موضوع للصحة والكمال ومنه "فلان صادق المودة" و"هذا خل صادق الحموضة" و"صدق فلان في خبر" إذا أخبر على وجه الصحة والكمال، ومنه "الصداق" لأن عقد الصداق به يتم ويكمل، والزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويبقى وبها يستدل على صدق العبد وكماله في إيمانه، ﴿ فنعما هي ﴾ من قرأ بسكون العين فمحمول على أنه أوقع على العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس وإلا لزم التقاء الساكنين على غير حدة، ومثله ما يروى في الحديث أنه  قال لعمرو بن العاص: " "نعم المال الصالح للرجل الصالح " بسكون العين.

ومن قرأ بكسر النون والعين فلتحصيل المشاكلة، ومن قرأ بفتح النون وكسر العين فعلى الأصل.

قال طرفة: نعم الساعون في الأمر المبر *** قال سبيويه: "ما" في تأويل الشيء أي نعم الشيء هي.

وقال أبو علي: الجيد في مثله أن يقال: "ما" في تأويل شيء لأن "ما" ههنا نكرة إذ لو كانت معرفة بقيت بلا صلة.

فإن "هي" مخصوصة بالمدح.

فالتقدير: نعم شيئاً إبداء الصدقات.

فحذف المضاف للدلالة، أو نعم شيئاً تلك الصدقات، أو تلك الخصلة وهي الإبداء.

قال الأكثرون: المراد بها صدقة التطوع لقوله  : ﴿ وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ﴾ والإخفاء في صدقة التطوع أفضل كما أن الإظهار في الزكاة أفضل أما الأول فلأن ذلك أشق على النفس فيكون أكثر ثواباً، ولأنه أبعد عن الرياء والسمعة قال  : "لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان " والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة، والمعطي في ملأ من الناس يطلب الرياء، وقد بالغ قوم في الإخفاء واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ، فبعضهم كان يلقي الصدقة في يد/ الأعمى، وبعضهم يلقيها في طريق الفقير أو في موضع جلوسه بحيث يراها ولا يرى المعطي، وبعض يشدها في ثوب الفقير وهو نائم، وبعض يوصل إلى الفقير على يد غيره، وقال  : " أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر " وقال أيضاً: " إن العبد ليعمل عملاً في السر فيكتبه الله سراً، فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء" وقال  : " "صدقة السر تطفىء غضب الرب " وأيضاً في الإظهار هتك ستر الفقير وإخراجه من حيز التعفف، وربما أنكر الناس على الفقير أخذ تلك الصدقة لظن الاستغناء به فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة، ولأن في الإظهار إذلالاً للآخذ وإهانة له، وإذلال مؤمن غير جائزة ولأن الصدقة كالهدية، وقال  : " "من أهدي إليه هدية وعنده قوم فهم شركاء فيها " وربما لا يدفع الفقير إليهم شيئاً فيقع في حيز اللوم والتعنيف.

نعم لو علم أنه إذا أظهرها اقتدى غيره به لم يبعد والحالة هذه أن يكون الإظهار أفضل.

وروى ابن عمر أنه  قال: " السر أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء " واعلم أن الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة، فههنا الشيطان يردد عليه ذكر رؤية الخلق والقلب ينكره.

فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فيكون إخفاؤه يفضل علانيته سبعين ضعفاً كما روي عن ابن عباس: صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً.

ثم إن الله  عباداً راضوا أنفسهم حتى من الله عليهم بأنوار هدايته، وذهبت عنهم وساوس النفس لأن الشهوات قد ماتت منهم ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله فلم يحتاجوا إلى المجاهدة.

فإذا أعلنوا بالعمل أرادوا أن يقتدي بهم غيرهم، فهم كاملون في أنفسهم ويسعون في تكميل غيرهم كما قال  : ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق  ﴾ ﴿ واجعلنا للمتقين إماماً  ﴾ فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يقتدى في الذهاب إلى الله.

وأما أن الإظهار في إعطاء الزكاة أفضل فلأن الله أمر الأئمة بتوجيه السعادة لطلب الزكوات، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها، ولأنه ينفي التهمة ولهذا روي أنه  كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة.

وعن ابن عباس: صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً.

هذا إذا كان المزكي ممن لا يخفى يساره، فإن لم يعرف باليسار كان الإخفاء له أفضل ولا سيما إذا خاف الظلمة أن يطمعوا في ماله.

وعن بعضهم أن معنى قوله ﴿ خير لكم ﴾ أنه في نفسه خير من الخيرات كما يقال الثريد خير من الأطعمة./ وإنما قيل ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ لأن المقصود من بعث المتصدق أن يتحرى موضع الصدقة فيصير عالماً بالفقراء مميزاً لهم عن غيرهم، فإذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة فلهذا شرط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء.

وأما في الإبداء فقلما يخفى حال الفقير فلهذا لم يصرح بالشرط.

﴿ ونكفر عنكم ﴾ من قرأ بالنون مرفوعاً فهو عطف على محل ما بعد الفاء، لأن الأصل في الشرط والجزاء أن يكونا فعلين.

فإذا وقع الجزاء فعلاً مضارعاً مع الفاء كان خبر مبتدأ محذوف.

فقوله: ﴿ فهو ﴾ في تأويل.

فيكون خيراً لكم ﴿ ونكفر ﴾ بالرفع عطف عليه، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر، وأن يكون جملة من فعل وفاعل مستأنفة.

ومن قرأ مجزوماً فهو عطف على محل الفاء وما بعده لأنه جواب الشرط كأنه قيل: وإن تخفوها تكن أعظم أجراً.

وأما من قرأ ﴿ ويكفر ﴾ بياء الغيبة مرفوعاً فالإعراب كما مر في النون والضمير لله أو للإخفاء.

وقرىء ﴿ وتكفر ﴾ بالتاء مرفوعاً ومجزوماً والضمير للصدقات، وقرأ الحسن بالياء والنصب بإضمار "إن" ومعناه: وإن تخفوها تكن خيراً لكم وأن يكفر عنكم خير لكم.

والتكفير في اللغة الستر والتغطية ومنه "كفر عن يمينه" أي ستر ذنب الحنث.

وقوله: ﴿ من سيئاتكم ﴾ يحتمل أن يكون "من" للتبعيض لأن السيئات كلها لا تكفر وإنما يكفر بعضها، ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغراء على ارتكابها، وأحسن أحوال العبد أن يكون بين الخوف والرجاء.

ويحتمل أن يكون للتعليل أي من أجل سيئاتكم كما لو قلت: ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك.

وقيل: إنها زائدة.

﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ كأنه ندب بهذا الكلام إلى الإخفاء الذي هو أبعد من الرياء.

عن الكلبي أنه قال: "اعتمر رسول الله  عمرة القضاء وكانت معه أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة وجدتها فسألتاها وهما مشركتان فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله  فإنكما لستما على ديني.

فاستأمرته في ذلك فأنزل الله  : ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فأمرها رسول الله  بعد نزولها أن تتصدق عليهما فأعطتهما ووصلتهما" قال الكلبي: ولها وجه آخر، وذلك أن ناساً من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا.

فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وراودوهم أن يسلموا واستأمروا رسول الله  فنزلت فأعطوهم بعد نزولها.

وعن سعيد بن جبير قال: "قال رسول الله  : لا تصدقوا إلا على أهل دينكم فأنزل الله ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فقال رسول الله  : تصدقوا على أهل الأديان" وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك.

والعلماء أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم فتكون/ الآية مخصوصة بالتطوع.

وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة وأباه غيره،ومعنى الآية ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام فتصدق عليهم لوجه الله ولا توقف ذلك على إسلامهم، وذلك أنه  كان شديد الحرص على إيمانهم فأعلمهم الله  أنه بعث بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله ومبيناً للدلائل فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك.

فالهدى ههنا بمعنى الاهتداء، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم.

وفيه وجه آخر ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة توقيف الصدقة على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به، بل الإيمان المطلوب منهم هو الإيمان طوعاً واختياراً ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ إثبات للهداية التي نفاها أولاً.

لكن المنفي أولاً هو الهداية أي الاهتداء على سبيل الاختيار فكذا الثاني.

ومنه يعلم أن الاهتداء الاختياري واقع بتقدير الله  وتخليقه وتكوينه وهذا التفسير هو المناسب لسبب النزول.

وفي الكشاف: أن المعنى لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه.

ثم ظاهر قوله: ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ إنه خطاب مع النبي  ولكن المراد به هو وأمته، لأن ما قبله عام ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ وما بعده عام ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ من مال ﴿ فلأنفسكم ﴾ ثوابه فليس يضركم كفرهم أو فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ﴿ وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ﴾ أي لستم في صدقتكم علىأقاربكم المشركون تقصدون إلا وجه الله من صلة رحم أو سد خلة مضطر، قد علم الله هذا من قلوبكم.

وقيل: خبر في معنى نهي أي لا تنفقوا إلا لله، وقيل: معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم المفيد للمدح حتى تبتغوا وجه الله، وقيل: ليست نفقتكم إلا لطلب ما عند الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله؟

وفائدة إقحام الوجه أنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أشرف من قولك فعلته له، لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقاً.

وأيضاً قول القائل: "فعلت هذا الفعل له" احتمل الشركة وأن يكون قد فعله لأجله ولغيره، أما إذا قال "فعلت لوجهه" فلا يحتمل الشركة عرفاً ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ جزاؤه في الآخرة أضعافاً مضاعفة، وإنما حسن قوله ﴿ إليكم ﴾ مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.

ثم لما بيّن أنه يجوز صرف الصدقة إلى أي فقير كان، أراد أن يبين أن اشد الناس/ استحقاقاً من هو فقال ﴿ للفقراء ﴾ أي ذلك الإنفاق لهؤلاء الفقراء كما لو تقدم ذكر رجل فتقول: عاقل لبيب أي ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب، وقيل: اعمدوا للفقراء أو أجلوا ما تنفقون للفقراء، أو المراد صدقاتكم للفقراء.

قيل: نزلت في فقراء المهاجرين وكانوا نحو أربعمائة رجل وهم أصحاب الصفة، لم يكن لهم سكن ولا عشائر بالمدينة، كانوا ملازمين للمسجد يتعلمون القرآن ويصومون ويخرجون في كل غزوة، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى.

وعن ابن عباس: "وقف رسول الله  يوماً على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال: أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفقائي" .

ثم إنه  وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفات: الأولى قوله ﴿ الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ أي حصروا أنفسهم ووقفوا على الجهاد في سبيل الله لأن سبيل الله مختص بالجهاد في عرف القرآن، ولأن وجوب الجهاد في ذلك الزمان كان آكد فكانت الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع رسول الله  أشد، فموضع الصدق فيهم يكون أوقع سداً لخلتهم وتقوية لقلوبهم وإعلاء لمعالم الدين.

وعن سعيد بن المسيب واختاره الكسائي، أن هؤلاء قوم أصابتهم جراحات في الغزوات فأحصرهم المرض والزمانة، وعن ابن عباس: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد فعذرهم الله.

الثانية ﴿ لا يستطعيون ضرباً في الأرض ﴾ أي سيراً فيها وذلك إما لاشتغالهم بالعبادة أو بالجهاد فلا يفرغون للكسب والتجارة، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه.

الثالثة ﴿ يحسبهم ﴾ يظنهم ﴿ الجاهل ﴾ بحالهم ومن لم يخبر أمرهم ﴿ أغنياء من التعفف ﴾ من أجل تركهم المسألة وإظهارهم التجمل تكلفاً منهم.

والتعفف إظهاء العفة وهي ترك الشيء والكف عنه.

الرابعة ﴿ تعرفهم ﴾ أي أنت يا محمد أو كل راء ﴿ بسيماهم ﴾ والسيما والسيمياء العلامة التي يعرف بها الشيء من السمة العلامة فوزنه "عفلى" قال مجاهد: سيماهم التخشع والتواضع.

الربيع والسدي: أثر الجهد من الجوع والفقر.

الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع.

أبو زيد: رثاثة ثيابهم.

وقيل: المهابة في العيون.

وقيل: آثار الفكر.

روي أنه  كان كثير الفكر.

الخامسة ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ أي إلحاحاً وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطى له.

والتركيب يدل على الستر كأنه لزم المسؤول لزوم الساتر للمستور.

عن النبي  : " إن الله يحب الحيي الحليم المتعفف ويبغض البذيء السائل الملحف " قيل: معنى الآية أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا، وأورد عليه أنه ينافي التعفف الذي وصفوا به قبل.

فالوجه أن يراد نفي السؤال والإلحاف جميعاً كقوله: ولا ترى الضب بها يتجحر *** أي لا ضب ولا انجحار ليكون موافقاً لوصفهم بالتعفف.

وفائدة الكلام التنبيه على سوء طريقة الملحف كما/ إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور والآخر طياش خفيف وأردت أن تمدح أحدهما وتذم الآخر قلت: فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام ليس بخواض ولا مهذار.

لم يكن غرضك من قولك "ليس خواض ولا مهذار" وصفه بذلك لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عنه، بل غرضك التنبيه على سوء طريقة الثاني.

وقيل: معناه لا يتركون السؤال إلا بإلحاح شديد منهم على أنفسهم لشدة حاجتهم كقوله: ولي نفس أقول لها إذا ما *** تنازعني لعلي أو عساني وقيل: إن عدم السؤال بطريق الإلحاف يتضمن نفي السؤال عنهم رأساً لأن كل سائل فلا بد أن يلح في بعض الأوقات كأنه يقول: إذا أرقت ماء وجهي فلا أرجع بغير مقصود.

وقيل: لعل الساكت عن السؤال يطهر من نفسه أمارات الحاجة فيكون في حال سكوته أنطق ما يكون فترق القلوب له، فالمراد أنهم وإن سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السؤال من رثاثة الحال وآثار الانكسار ما يقوم مقام السؤال فإن ذلك نوع إلحاف، بل يتجملون للخلق بحيث لا يطلع على سرهم غير الخالق.

عن النبي  : " لا يفتح أحد باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقر ومن يستغن يغنه الله ومن استعف يعفه الله" " "لأن يأخذ أحدكم حبلاً يحتطب به فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس " ﴿ وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ﴾ فيه أن ثواب هذا الإنفاق الذي هو أعظم المصارف لا يكتنه كنهه فلذلك وكل إلى علم الله  بخلاف الآية المتقدمة فإنه لما رغب في التصدق على أهل الأديان قال في آخره ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ كما لو قال السلطان لعبده الذي حسن عنده موقع خدمته: إني بحسن خدمتك عالم ولحقك عارف.

كان أبلغ مما لو قال: إن أجرك واصل إليك.

ثم أرشد في خاتمة الآيات إلى أكمل وجوه الإنفاقات بقوله: ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ﴾ الآية.

وذلك أن الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة يكون ذلك منهم دليلاً على الحرص البالغ والاهتمام التام كلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه متعللين بوقت وحال.

والباء بمعنى "في" أي في الليل والنهار و ﴿ سراً وعلانية ﴾ منصوبان على الظرفية أيضاً أي في أوقات السر والعلن، أو على وصف المصدر أي إنفاقاً سراً وعلانية، أو على الحال لكونه بياناً عن كيفية الإنفاق، وقيل: لما نزل/ ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير إلى أصحاب الصفة وبعث عليّ بوسق من تمر ليلاً فنزلت الآية.

وفي تقديم ذكر الليل وتقديم السر على العلانية دليل على أن صدقة علي  كانت أكمل.

وعن ابن عباس: "ما كان علي  يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم نهاراً وبدرهم ليلاً وبدرهم سراً وبدرهم علانية فقال له النبي  : ما حملك على هذا؟

فقال: أن استوجب ما وعد لي ربي.

فقال: ذلك لك" ونزلت الآية.

وقيل: نزلت في أبي بكر حين تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية.

وقيل: في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله.

وكان أبو هريرة إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية والله  أعلم بحقيقة الحال.

التأويل: ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ فيه صلاح المتصدق من وجوه: أحدها لو فسر الطيب بالحلال فليقبل الله منه، ولو فسر بالجودة فليجز به بقدر جودته.

وثانيها ليثاب على التعظيم لأمر الله.

وثالثها ليثاب على الشفقة على خلق الله.

ورابعها ليثاب على الإيثار ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ وخامسها ليستحق البر ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  ﴾ .

وسادسها ليثاب على زيادة الإيمان وأن المتصدق في صدقته كالزارع في زراعته.

فكما أن الزارع كلما ازداد إيقانه بحصول الثمرة اجتهد في جودة البذر فكذا المتصدق كلما ازداد إيمانه بالبعث والجزاء زاد في جودة صدقته لتحققه ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها  ﴾ وقدم ذكر الكسب على ذكر المخرج من الأرض لقوله  " "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسب يده " وفي الآية معنى آخر لطيف ﴿ انفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ من تزكية النفوس وتصفية القلوب ﴿ ومما أخرجنا لكم ﴾ من أرض طينتكم من تحلية سرائركم بمكارم الأخلاق، ولتكن النفقة طيبة من خباثة الشبهات طيباً إنفاقها من خباثة الأغراض الدنيوية والأخروية، طيباً منفقها من خباثة الالتفات والنظر في الإنفاق إلى غير الله، فإذا كانت النفقة طيبة في نفسهافلله قبول طيب من الوسائط فيأخذها بيده ويربيها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت اليد طيبة في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيباً عن الالتفات إلى غير الله فلله قبول طيب عن الأغيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، وهذا/ تحقيق قوله  " "إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب " ولستم بآخذي هذا الخبيث لا في أصل الفطرة ولا في عهد الخلقة لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة.

فالروح من أطيب الأطايب لأنه أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين، والجسد من التراب الطيب ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً  ﴾ ثم أحياكم بالإيمان ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ثم يرزقكم من الطيبات ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم  ﴾ فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن ﴿ إلا أن تغمضوا فيه ﴾ فتقبلوه تكلفاً وقسراً " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه " فلما لم تكن الخباثة ذاتية للإنسان بل كانت طارئة عليه عارية لديه أنزل الله  كلمة طيبة هي " لا إله إلا الله" ليطيب بالمواظبة عليها أخلاقهم ويستحقوا يوم القيامة أن يقال لهم ﴿ سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين  ﴾ ﴿ واعلموا أن الله غني ﴾ فمن كمال غناه أراد أن يغنيكم بثواب الإنفاق ﴿ حميد ﴾ على ما أنعم بهذا التكليف ليتوسل به إلى الكمال الأبدي.

﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ ظاهراً فهو يأمركم بالفحشاء باطناً لأنها اسم جامع لكل سوء فيتضمن البخل والحرص واليأس من الحق والشك في مواعيد الحق بالخلف والتضعيف وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه ونسيان فضله وتعلق القلب بغيره ومتابعة الشهوات وترك العفة والقناعة والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية.

فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات وأضعافها، ومن فتح على نفسه باب عدة الحق أفاض عليه سجال غفرانه وبحار فضله وإحسانه.

فالمغفرة تكفير الذنوب والآثام، والفضل ما لا تدركه الأوهام ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ فمن ذلك أن يفتح على قلبه باب حكمته عاجلاً كما قال ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وليست الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار كما ظنه أهل الإنكار والذين لم يفرقوا بين المعقولات وبين الأسرار والحكم الإلهيات.

فالمعقولات ما تكتسب بالبرهان وهي مشتركة بين أهل الأديان، والأسرار الإلهية مواهب الحق لا ترد إلا على قلوب الأنبياء والأولياء ﴿ نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء  ﴾ ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين لم يقفوا عند القشور وارتقوا إلى لب عالم النور.

ثم أخبر عن توفية الأجور للمنفق في المفروض والمنذور ﴿ وما للظالمين ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه فبدلوا بالإنفاق النفاق وبالإخلاص الرياء ﴿ من أنصار ﴾ ولا ناصر بالحقيقة إلا الله، ومن أذن له الله/ إبداء الصدقات ضد إخفائها، وإخفاؤها تخليتها عن شوب الحظوظ وإليه الإشارة في قوله  : " "سبعة يظلهم الله في ظله " ثم قال: " ورجل تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله" " أي عن حظوظ نفسه لتكون خالصة لوجه الله.

فصاحبها يكون في ظل الله قال  : " إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة " أي إن كانت صدقته لله كان في ظل الله، وإن كانت للجنة كان في ظل الجنة، وإن كانت للهوى كان في ظل الهاوية.

فمعنى قوله: ﴿ إن تبدو الصدقات ﴾ أي تظهروها لطمع ثواب الجنة فإن طمع الصواب شوب حظ ﴿ فنعما هي ﴾ فإنها مرتبة الأبرار ﴿ إن الأبرار لفي نعيم  ﴾ ﴿ وإن تخفوها ﴾ عن كل حظ ونصيب ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ الذين تعطونها إياهم لوجه الله لا لحظ النفس ﴿ فهو خير لكم ﴾ لأن جزاءها لقاء الله.

ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها الولاية وأن الله فيها ولي الكفاية، يا محمد لك المقام المحمود واللواء المعقود ولك الوسيلة وعلى الأنبياء الفضيلة، وأنت سيد الأولين والآخرين وأنت أكرم الخلائق على رب العالمين ولكن ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ ولكن الهداية من خصائص شأننا ولوائح برهاننا، أنت تدعوهم ونحن نهديهم.

ثم نبه على أن أفضل وجوه الإنفاق هو الفقير الذي أحصرته المحبة في الله عن طلب المعاش لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الكفاف، أخذ عليه سلطان الحقيقة كل طريق فلا له في المشرق مذهب ولا له في المغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب.

كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها *** عليه فما تزداد طولاً ولا عرضاً ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ﴾ لأنهم مستورون تحت قباب الغيرة محجوبون عن معرفة أهل الغيرية "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد" ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ لأنك لست بك فلست غيري، ما رأيت إذ رأيت ولكن الله رأى ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى  ﴾ وإن سيماهم لا يرى بالبصر الإنساني بل يرى من نور رباني، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن أنهم ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ لا بقليل ولا بكثير.

لأن آثار أنوار غنى قلوبهم انعكست على ظواهرهم فتنورت بالتعفف نفوسهم، واضمحلت ظلمة فقرهم وفاقتهم ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ من المال أو الجاه أو خدمة بالنفس أو إكرام أو إرادة حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقاً وإجلالاً لا استخفافاً وإذلالاً ﴿ فإن/ الله به عليم ﴾ ومن سيماهم في الظاهر أنهم إذا وجدوا مالاً لم يبيعوا عزة الفقر به بل ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ﴿ فلهم أجرهم عند ربهم ﴾ عند مليك مقتدر ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ في الدنيا على ما يفوتهم لأنهم تركوها لله وهو لهم خلف عن كل تلف، ولا في الآخرة ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ .

أخبر أنه ليس عليه هداهم، وعليه البيان والتبليغ؛ فدل أن هناك فضل هدى، لا يملك هو ذلك، وهو التوفيق على الهدى والتحقيق له.

وهذا يرد على المعتزلة ويكذبهم أن كل الهدى: البيان؛ إذ لو كان كل الهدى بياناً لكان رسول الله  يملك ذلك، إذ عليه البيان، فدل أنه لا يملك الهدى المراد في الآية؛ فهو على ما ذكرنا من التوفيق.

ويحتمل قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ أي: حساب ترك اهتدائهم، كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، و ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ : ﴿ مِنْ خَيْرٍ ﴾ ، أي: مال، ﴿ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ ، يعني: فلأنفسكم الثواب.

[و] قيل قوله: ﴿ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ ، يعني: منفعته لكم.

وفي قوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ دلالة على أنهم كانوا يتحرجون بالتصدق على أقربائهم من الكفار خشية ما يقع من التعاون على ما اعتمدوا من الدين؛ إذ المكاسب لكل أهل دين إنما تقع من العقلاء مكان ما ينفقون به لأجل الدين؛ فبين جل وعلا: أن ذلك يقع لكم ولأنفسكم، وتكفير ما ارتكبتم.

ثم في الآية دلالة جواز الصدقة على الكفار، ودليل جواز دفع الكفارات إليهم بقوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ ؛ فهو دليل لأصحابنا؛ لأنه جعل هذه الصدقة مكفرة.

وقوله  : ﴿ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ ، يعني: يوفر عليكم ثواب صدقاتكم، وإن كان التصدق على الكفرة.

وقوله  : ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ ، في حرمان الثواب والجزاء.

وقوله  : ﴿ لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ .

قيل: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ قيل: ﴿ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ أي: من سبيل الله، يعني: حبسوا بالفقر عن الجهاد، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ  ﴾ .

والعرب تستعمل حروف الخفض بعضها في موضع بعض.

ويحتمل قوله  : ﴿ لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: حبسوا أنفسهم في طاعة الله، لا يجدون ما يتجرون، ولا ما يحترفون، ولا ما يكتسبون.

وقوله  : ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : للتجارة.

وقوله  : ﴿ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ ، يحتمل وجهين: يحتمل: لا يظهرون السؤال، أي: لا يسألون؛ كقوله  : ﴿ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ  ﴾ ، أي: لا يشفع لهم.

ويحتمل: فإن كان على السؤال فإنهم إذا سألوا لم يلحفوا، دليله قوله  : "من فتح على نفسه باباً من المسألة، فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر" .

ثم ذكر في الخبر: "من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله" .

وإن كان على التعريض، ففيه إباحة التعريض بين يدي أهل الجود والسخاء.

وقوله  : ﴿ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ : قيل: ﴿ بِسِيمَاهُمْ ﴾ ، يعني: سيما التخشع.

وقيل: ﴿ بِسِيمَاهُمْ ﴾ : بسيما الفقر عليهم، ﴿ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ يعني: إلحاحا.

وقيل: ﴿ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ ﴾ ، أي: بتجملهم، ﴿ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ ، أي: إلحاحاً، ولا غير إلحاح.

وقوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : قيل: هي النفقة على الخيل المحتبسة للجهاد، ينفقون ليلاً ونهاراً، سرّاً وعلانية، لا رياء فيها، ولا إضمار.

وعن علي وأبي أمامة الباهلي - رضي الله  عنهما -: هي النفقة على الخيل في سبيل الله.

وعن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: هي في علف الخيل والنفقة عليها.

وقيل:نزلت هذه الآية في نفقة عبد الرحمن بن عوف في جيش العسرة.

وقيل: "نزلت في علي بن أبي طالب - رضي الله  عنه - أنه لم يكن يملك من المال غير أربعة دراهم، وتصدق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سرّاً، وبدرهم علانية، فقال رسول الله  : ما الذي حملك على هذا؟

قال: حملني أن أستوجب على الله الذي وعدني؛ فنزلت فيه هذه الآية" .

وقيل: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري.

فلا ندري فيمن نزلت، وليس لنا إلا معرفة المنزل [في] شأنه حاجة سوى أن وصفهم بالجود والسخاء، ونفقتهم على الناس ليلاً ونهاراً سرّاً وعلانية، لا رياء فيها، ولا مَنَّ، ولا أذى.

وفيه نفي الرياء عن نفقتهم؛ لأن من عود نفسه الفعل في جميع الأوقات لم يراء.

وقوله  : ﴿ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ؛ لأن نعيم الدنيا مشوب بالحزن والخوف، فأخبر عز وجل أن نعيم الآخرة لا يشوبه حزن ولا خوف؛ لذلك كان ما ذكر.

والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ليس عليك -أيها النبي- هدايتهم لقبول الحق والانقياد له وحملهم عليه، وإنما تجب عليك دلالتهم إلى الحق وتعريفهم به، فإن التوفيق للحق والهداية إليه بيد الله، وهو يهدي من يشاء.

وما تنفقوا من خير فنفعه عائد إليكم؛ لأن الله غني عنه، ولتكن نفقتكم خالصة لله، فالمؤمنون حقًّا لا ينفقون إلا طلبًا لمرضاة الله، وما تنفقوا من خير قليلًا كان أو كثيرًا فإنكم تُعْطَونَ ثوابه تامًا غير منقوص، فإن الله لا يظلم أحدًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.8ak2D"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إن الآية السابقة قد أطلقت إيتاء الفقراء وجعلته على عمومه الشامل للمؤمن والكافر وقد أرشد الله المسلمين في هذه الآية إلى عدم التحرج من الإنفاق على المشركين لأنهم غير مهديين، فإن الرحمة بالفقير وسد خلته لا ينبغي أن يتوقف على إيمانه، بل من شأن المؤمن أن يكون خيره عامًا وأن يكون سابقًا لسائر الناس بالكرم والفضل.

﴿ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ  ﴾ أي لأن نفعه عائد عليكم في الدنيا والآخرة.

وقوله تعالى ﴿ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ  ﴾ قد يكون خبرًا على ظاهره أي لا تنفقون لأجل جاه أو مكانة عند المنفق عليه وإنما تنفقون لوجه الله فلا فرق بين مُعْطَى ومُعْطَى إذا كان الفقير مستحقًا يتقرب بإزالة ضرورته إلى الرازق الرحيم الذي لم يحرم أحدًا من رزقه لاعتقاده.

وفي كون الإنفاق لا يكون إلا لوجه الله إشارة إلى أن الإنفاق على الكافرين إذا كان إعانة لهم على إيذاء المسلمين لا يكون جائزًا، لأنه لا يكون مرضيًا لله تعالى يبتغى به وجهه وأكثر المفسرين على أنه خبر بمعنى النهي، أي لا تنفقوا إلا لوجهه وابتغاء مرضاته  .

﴿ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ  ﴾ أي في الآخرة لا ينقصكم منه شيء.

وعد أولًا بأن خير الإنفاق عائد على المنفقين في الدنيا بقوله ﴿ فَلأَنفُسِكُمْ  ﴾ ، ثم وعد بالجزاء عليه في الآخرة موفى تامًا.

وقال ﴿ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ  ﴾ أي لا تنقصون من الجزاء عليه شيئًا ولو نقيرًا أو فتيلًا.

﴿ لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ الآية...

بعد ما أمر الله تعالى بالإنفاق في سبيله وبإيتاء الفقراء عامة نبه إلى أمرين: أحدهما- عدم التحرج من الصدقة على غير المسلم وهو ما بينته الآية السابقة: وثانيهما- بيان أحق الناس بالصدقة وهم الفقراء الذي ذكرت صفاتهم في هذه الآية وهي خمس صفات من أفضل الصفات وأعلاها.

وقد ورد بأنها نزلت في أهل الصفة وهم أربعمائة أرصدوا أنفسهم لحفظ القرآن والخروج مع السرايا.

أولئك الذين نزلت فيهم الآية كانوا من الذين هاجروا بدينهم وتركوا أموالهم فحيل بينهم وبينها، فهم محصرون في سبيل الله بهذه الهجرة، ومحصرون بحبس أنفسهم على حفظ القرآن، وقد كان حفظه أفضل العبادات على الإطلاق لأنه حفظ للدين كله، وأنتم تعرفون أنهم ما كانوا يحفظونه لأجل تلاوته أمام الجنائز ولا في الأعراس والمآتم ولا لاستجداء الناس به ولا لمجرد التعبد بتلاوة ألفاظه، وإنما كانوا يحفظونه للفهم والاهتداء والعمل به ولحفظ أصل الدين بحفظه.

وكانوا أيضًا يحفظون ما يبينه به النبي  من سنته.

ويحتج بأهل الصفة أكلة أموال الناس بالباطل من أهل التكايا الذين ينقطعون إليها تاركين الأعمال النافعة فلا يتعلمون العلم ولا يجاهدون في سبيل الله وليس فيهم صفة من الصفات الخمس التي وصف الله بها أهل الصفة.

وإنما قصارى أمرهم أنهم يأكلون بدينهم، يأكلون الصدقات والأوقاف لأجل أن يعبدوا الله تعالى في هذه المواضع خاصة، فهي لهم كالأديار للنصارى وهم فيها كالرهبان وإن كان بعضهم يتزوج وقد يخرج الذي يتزوج من التكية لأنه قد يكون من شروط المقيم فيها أن لا يتزوج - ومنهم من لا يلتزم الإقامة في التكية وإنما يجمعه بأصحابها اسم الطريقة كأصحاب "السيارات" الذين ينزل شيخ الطريقة منهم بزعنفة من جماعته بلدًا بعد آخر فيكلفون من يستضيفونه الذبائح والطعام الكثير، ثم لا يخرجون إلا مثقلين يسألون فيلحفون، بل يسلبون وينهبون، فإذا منعوا ما أرادوا انتقموا لأنفسهم بكل ما قدروا عليه من أنواع الانتقام.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله