الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٧١ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 152 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٧١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي ) أي : إن أظهرتموها فنعم شيء هي .
وقوله : ( وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها ; لأنه أبعد عن الرياء ، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة ، من اقتداء الناس به ، فيكون أفضل من هذه الحيثية ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة " .
والأصل أن الإسرار أفضل ، لهذه الآية ، ولما ثبت في الصحيحين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا العوام بن حوشب ، عن سليمان بن أبي سليمان ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " لما خلق الله الأرض جعلت تميد ، فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت ، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال ، فقالت : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الجبال ؟
قال : نعم ، الحديد .
قالت : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الحديد ؟
قال : نعم ، النار .
قالت : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من النار ؟
قال : نعم ، الماء .
قالت : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الماء ؟
قال : نعم ، الريح .
قالت : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الريح ؟
قال : نعم ، ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله " .
وقد ذكرنا في فضل آية الكرسي ، عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله ، أي الصدقة أفضل ؟
قال : " سر إلى فقير ، أو جهد من مقل " .
رواه أحمد .
ورواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، عن أبي ذر فذكره .
وزاد : ثم نزع بهذه الآية : ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) الآية .
وفي الحديث المروي : " صدقة السر تطفئ غضب الرب ، عز وجل " .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الحسين بن زياد المحاربي مؤدب محارب ، أخبرنا موسى بن عمير ، عن عامر الشعبي في قوله : ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) قال : أنزلت في أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، فأما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم : فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر ؟
" .
قال : خلفت لهم نصف مالي ، وأما أبو بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه ، حتى دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر ؟
" .
فقال : عدة الله وعدة رسوله .
فبكى عمر ، رضي الله عنه ، وقال : بأبي أنت يا أبا بكر ، والله ما استبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقا .
وهذا الحديث مروي من وجه آخر ، عن عمر ، رضي الله عنه .
وإنما أوردناه هاهنا لقول الشعبي : إن الآية نزلت في ذلك ، ثم إن الآية عامة في أن إخفاء الصدقة أفضل ، سواء كانت مفروضة أو مندوبة .
لكن روى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في تفسير هذه الآية ، قال : جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها ، فقال : بسبعين ضعفا .
وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها ، فقال : بخمسة وعشرين ضعفا .
وقوله : ( ويكفر عنكم من سيئاتكم ) أي : بدل الصدقات ، ولا سيما إذا كانت سرا يحصل لكم الخير في رفع الدرجات ويكفر عنكم السيئات ، وقد قرئ : " ويكفر عنكم " بالضم ، وقرئ : " ونكفر " بالجزم ، عطفا على جواب الشرط ، وهو قوله : ( فنعما هي ) كقوله : " فأصدق وأكون " ( وأكن ) .
وقوله ( والله بما تعملون خبير ) أي : لا يخفى عليه من ذلك شيء ، وسيجزيكم عليه [ سبحانه وبحمده ] .
القول في تأويل قوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " إن تبدوا الصدقات "، إن تعلنوا الصدقات فتعطوها من تصدقتم بها عليه=" فنعما هي"، يقول: فنعم الشيء هي=" وإن تخفوها "، يقول: وإن تستروها فلم تعلنوها= (6) " وتؤتوها الفقراء "، يعني: وتعطوها الفقراء في السر= (7) " فهو خير لكم "، يقول: فإخفاؤكم إياها خير لكم من إعلانها.
وذلك في صدقة التطوع، كما:- 6195 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم "، كل مقبول إذا كانت النية صادقة، وصدقة السر أفضل.
وذكر لنا أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
6196 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم "، قال: كل مقبول إذا كانت النية صادقة، &; 5-583 &; والصدقة في السر أفضل.
وكان يقول: إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
6197 - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم "، فجعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة: علانيتها أفضل من سرها، يقال بخمسة وعشرين ضعفا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها.
(8) .
6198 - حدثني عبد الله بن محمد الحنفي، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: سمعت سفيان يقول في قوله: " إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم "، قال: يقول: هو سوى الزكاة.
(9) .
* * * وقال آخرون: إنما عنى الله عز وجل بقوله: " إن تبدوا الصدقات فنعما هي"، إن تبدوا الصدقات على أهل الكتابين من اليهود والنصارى فنعما هي، وإن تخفوها وتؤتوها فقراءهم فهو خير لكم.
قالوا: وأما ما أعطى فقراء المسلمين من زكاة وصدقة تطوع، فإخفاؤه أفضل من علانيته.
* ذكر من قال ذلك: 6199 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عبد الرحمن بن شريح، أنه سمع يزيد بن أبي حبيب يقول: إنما نـزلت هذه الآية: (10) " إن تبدوا الصدقات فنعما هي"، في الصدقة على اليهود والنصارى.
(11) .
&; 5-584 &; 6200 - حدثني عبد الله بن محمد الحنفي، قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا ابن لهيعة، قال: كان يزيد بن أبي حبيب يأمر بقسم الزكاة في السر= قال عبد الله: أحب أن تعطى في العلانية= يعني الزكاة.
* * * قال أبو جعفر: ولم يخصص الله من قوله: " إن تبدوا الصدقات فنعما هي" [ شيئا دون شيء]، فذلك على العموم إلا ما كان من زكاة واجبة، (12) فإن الواجب من الفرائض قد أجمع الجميع على أن الفضل في إعلانه وإظهاره سوى الزكاة التي ذكرنا اختلاف المختلفين فيها مع إجماع جميعهم على أنها واجبة، فحكمها في أن الفضل في أدائها علانية، حكم سائر الفرائض غيرها.
* * * القول في تأويل قوله : وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ قال أبو جعفر: اختلف القراء في قراءة ذلك.
فروي عن ابن عباس أنه كان يقرؤه: ( وتكفر عنكم ) بالتاء.
ومن قرأه كذلك.
فإنه يعني به: وتكفر الصدقات عنكم من سيئاتكم.
* * * وقرأ آخرون: ( وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ ) بالياء، بمعنى: ويكفر الله عنكم بصدقاتكم، على ما ذكر في الآية من سيئاتكم.
* * * &; 5-585 &; وقرأ ذلك بعد عامة قراء أهل المدينة والكوفة والبصرة، ( ونكفر عنكم ) بالنون وجزم الحرف، يعني: وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء نكفر عنكم من سيئاتكم= بمعنى: مجازاة الله عز وجل مخفي الصدقة بتكفير بعض سيئاته بصدقته التي أخفاها.
* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأ: ( ونكفر عنكم ) بالنون وجزم الحرف، على معنى الخبر من الله عن نفسه أنه يجازي المخفي صدقته من التطوع ابتغاء وجهه من صدقته، بتكفير سيئاته.
وإذا قرئ كذلك، فهو مجزوم على موضع " الفاء " في قوله: " فهو خير لكم ".
لأن " الفاء " هنالك حلت محل جواب الجزاء.
* * * فإن قال لنا قائل: وكيف اخترت الجزم على النسق على موضع " الفاء "، وتركت اختيار نسقه على ما بعد الفاء، وقد علمت أن الأفصح من الكلام في النسق على جواب الجزاء الرفع، وإنما الجزم تجويزه ؟
(13) .
قيل: اخترنا ذلك ليؤذن بجزمه أن التكفير- أعني تكفير الله من سيئات المصدق= لا محالة داخل فيما وعد الله المصدق أن يجازيه به على صدقته.
لأن ذلك إذا جزم، مؤذن بما قلنا لا محالة، ولو رفع كان قد يحتمل أن يكون داخلا فيما وعده الله أن يجازيه به، وأن يكون خبرا مستأنفا أنه يكفر من سيئات عباده المؤمنين، على غير المجازاة لهم بذلك على صدقاتهم، لأن ما بعد " الفاء " في جواب الجزاء استئناف، فالمعطوف على الخبر المستأنف في حكم المعطوف عليه، في أنه غير داخل في الجزاء، ولذلك من العلة، اخترنا جزم " نكفر " عطفا به على موضع &; 5-586 &; الفاء من قوله: " فهو خير لكم " وقراءته بالنون.
(14) .
* * * فإن قال قائل: وما وجه دخول " من " في قوله: " ونكفر عنكم من سيئاتكم " قيل: وجه دخولها في ذلك بمعنى: ونكفر عنكم من سيئاتكم ما نشاء تكفيره منها دون جميعها، ليكون العباد على وجل من الله فلا يتكلوا على وعده ما وعد على الصدقات التي يخفيها المتصدق فيجترئوا على حدوده ومعاصيه.
* * * وقال بعض نحويي البصرة: معنى " من " الإسقاط من هذا الموضع، (15) ويتأول معنى ذلك: ونكفر عنكم سيئاتكم.
* * * القول في تأويل قوله : وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " والله بما تعملون " في صدقاتكم، من إخفائها، وإعلان وإسرار بها وجهار، (16) وفي غير ذلك من أعمالكم=" خبير " يعني بذلك ذو خبرة وعلم، (17) لا يخفى عليه شيء من ذلك، فهو بجميعه محيط، ولكله محص على أهله، حتى يوفيهم ثواب جميعه، وجزاء قليله وكثيره.
----------------- الهوامش : (6) في المخطوطة والمطبوعة : "فلن تعلنوها" ، وهو فاسد السياق ، والصواب ما أثبت, (7) انظر معنى"الإيتاء" ، في مادة "أتى" من فهارس اللغة فيما سلف .
(8) في المطبوعة : "في الأشياء كلها" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(9) الأثر 6198 -مضى رجال هذا الإسناد برقم : 5000 ، 5009 ، ويأتي برقم : 6200 .
(10) في المطبوعة : "هذه آية" وهو خطأ ، والصواب من المخطوطة .
(11) الأثر : 6199 -"عبد الرحمن بن شريح بن عبد الله بن محمود بن المعافري" ، أبو شريح الاسكندراني .
قال أحمد : ثقة : توفي بالإسكندرية سنة 167 ، وكانت له عبادة وفضل .
مترجم في التهذيب .
(12) هكذا جاءت الجملة في المخطوطة والمطبوعة ، فزدت ما بين القوسين لتستقيم العبارة بعض الاستقامة ، ولا أشك أنه كان في الكلام سقط من ناسخ ، فأتمته بأقل الألفاظ دلالة على المعنى .
وقد مضى كثير من سهو الناسخ في القسم من التفسير ، وسيأتي في هذا القسم من التفسير ، وسيأتي بعد قليل دليل على ذلك في رقم : 6209 .
(13) في المطبوعة : "تجويز" بغير إضافة ، وأثبت ما في المخطوطة .
(14) هذا من دقيق نظر أبي جعفر في معاني التأويل ، ووجوده اختيار القراءات .
ولو قد وصلنا كتابه في القراءات ، الذي ذكره في الجزء الأول : 148 ، وذكر فيه اختياره من القراءة ، والعلل الموجبة صحة ما اختاره - لجاءنا كتاب لطيف المداخل والمخارج ، فيما نستظهر .
(15) "الإسقاط" يعنى به : الزيادة ، والحذف ، وهو الذي يسمى أيضًا"صلة" ، كما مضى مرارا ، واطلبه في فهرس المصطلحات .
(16) في المطبوعة : "وإجهار" ، والصواب من المخطوطة .
(17) انظر تفسير"خبير"فيما سلف 1 : 496 /ثم 5 : 94 .
قوله تعالى : إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبيرذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع ؛ لأن الإخفاء فيها أفضل من الإظهار ، وكذلك سائر العبادات الإخفاء أفضل في تطوعها لانتفاء الرياء عنها ، وليس كذلك الواجبات .
قال الحسن : إظهار الزكاة أحسن ، وإخفاء التطوع أفضل ؛ لأنه أدل على أنه يراد الله عز وجل به وحده .
قال ابن عباس : جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها يقال بسبعين ضعفا ، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا .
قال : وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها .قلت : مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف ، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك .
وروى النسائي عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة .
وفي الحديث : صدقة السر تطفئ غضب الرب .قال ابن العربي : وليس في تفضيل صدقة العلانية على السر ، ولا تفضيل صدقة السر على العلانية حديث صحيح ولكنه الإجماع الثابت ، فأما صدقة النفل فالقرآن ورد مصرحا ، بأنها في السر أفضل منها في الجهر ، بيد أن علماءنا قالوا : إن هذا على الغالب مخرجه ، والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة تختلف بحال المعطي لها والمعطى إياها والناس الشاهدين لها .
أما المعطي فله فيها فائدة إظهار السنة وثواب القدوة .قلت : هذا لمن قويت حاله وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء ، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل .
[ ص: 303 ] وأما المعطى إياها فإن السر له أسلم من احتقار الناس له ، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف ، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم ، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطي لها بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء ، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة ، لكن هذا اليوم قليل .وقال يزيد بن أبي حبيب : إنما نزلت هذه الآية في الصدقة على اليهود والنصارى ، فكان يأمر بقسم الزكاة في السر .
قال ابن عطية : وهذا مردود ، لا سيما عند السلف الصالح ، فقد قال الطبري : أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل .قلت : ذكر الكيا الطبري أن في هذه الآية دلالة على قول إخفاء الصدقات مطلقا أولى ، وأنها حق الفقير وأنه يجوز لرب المال تفريقها بنفسه ، على ما هو أحد قولي الشافعي .
وعلى القول الآخر ذكروا أن المراد بالصدقات هاهنا التطوع دون الفرض الذي إظهاره أولى لئلا يلحقه تهمة ، ولأجل ذلك قيل : صلاة النفل فرادى أفضل ، والجماعة في الفرض أبعد عن التهمة .
وقال المهدوي : المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به ، فكان الإخفاء أفضل في مدة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك ، فاستحسن العلماء إظهار الفرائض لئلا يظن بأحد المنع .
قال ابن عطية : وهذا القول مخالف للآثار ، ويشبه في زماننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض ، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء .
وقال ابن خويزمنداد : وقد يجوز أن يراد بالآية الواجبات من الزكاة والتطوع ؛ لأنه ذكر الإخفاء ، ومدحه والإظهار ومدحه ، فيجوز أن يتوجه إليهما جميعا .
وقال النقاش : إن هذه الآية نسخها قوله تعالى : الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية الآية .قوله تعالى : فنعما هي ثناء على إبداء الصدقة ، ثم حكم على أن الإخفاء خير من ذلك .
ولذلك قال بعض الحكماء : إذا اصطنعت المعروف فاستره ، وإذا اصطنع إليك فانشره .
قال دعبل الخزاعي :إذا انتقموا أعلنوا أمرهم وإن أنعموا أنعموا باكتتاموقال سهل بن هارون :خل إذا جئته يوما لتسأله أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرايخفي صنائعه والله يظهرها إن الجميل إذا أخفيته ظهراوقال العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه : لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال : [ ص: 304 ] تعجيله وتصغيره وستره ، فإذا أعجلته هنيته ، وإذا صغرته عظمته ، وإذا سترته أتممته .
وقال بعض الشعراء فأحسن :زاد معروفك عندي عظما أنه عندك مستور حقيرتتناساه كأن لم تأته وهو عند الناس مشهور خطيرواختلف القراء في قوله فنعما هي فقرأ أبو عمرو ونافع في رواية ورش وعاصم في رواية حفص وابن كثير فنعما هي بكسر النون والعين .
وقرأ أبو عمرو أيضا ونافع في غير رواية ورش وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل " فنعما " بكسر النون وسكون العين .
وقرأ الأعمش وابن عامر وحمزة والكسائي " فنعما " بفتح النون وكسر العين ، وكلهم سكن الميم .
ويجوز في غير القرآن فنعم ما هي .
قال النحاس : ولكنه في السواد متصل فلزم الإدغام .
وحكى النحويون في " نعم " أربع لغات : نعم الرجل زيد ، هذا الأصل .
ونعم الرجل ، بكسر النون لكسر العين .
ونعم الرجل ، بفتح النون وسكون العين ، والأصل نعم حذفت الكسرة لأنها ثقيلة .
ونعم الرجل ، وهذا أفصح اللغات ، والأصل فيها نعم .
وهي تقع في كل مدح ، فخففت وقلبت كسرة العين على النون وأسكنت العين ، فمن قرأ فنعما هي فله تقديران : أحدهما أن يكون جاء به على لغة من يقول نعم .
والتقدير الآخر أن يكون على اللغة الجيدة ، فيكون الأصل نعم ، ثم كسرت العين لالتقاء الساكنين .
قال النحاس : فأما الذي حكي عن أبي عمرو ونافع من إسكان العين فمحال .
حكي عن محمد بن يزيد أنه قال : أما إسكان العين والميم مشددة فلا يقدر أحد أن ينطق به ، وإنما يروم الجمع بين ساكنين ويحرك ولا يأبه .
وقال أبو علي : من قرأ بسكون العين لم يستقم قوله ؛ لأنه جمع بين ساكنين الأول منهما ليس بحرف مد ولين وإنما يجوز ذلك عند النحويين إذا كان الأول حرف مد ، إذ المد يصير عوضا من الحركة ، وهذا نحو دابة وضوال ونحوه .
ولعل أبا عمرو أخفى الحركة واختلسها كأخذه بالإخفاء في بارئكم - و - يأمركم فظن السامع الإخفاء إسكانا للطف ذلك في السمع وخفائه .
قال أبو علي : وأما من قرأ " نعما " بفتح النون وكسر العين فإنما جاء بالكلمة على أصلها ومنه قول الشاعر :ما أقلت قدماي إنهم نعم الساعون في الأمر المبرقال أبو علي : و " ما " من قوله تعالى : نعما في موضع نصب ، وقوله ( هي ) تفسير للفاعل المضمر قبل الذكر ، والتقدير نعم شيئا إبداؤها ، والإبداء هو المخصوص بالمدح إلا أن [ ص: 305 ] المضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه .
ويدلك على هذا قوله ( فهو خير لكم ) أي الإخفاء خير .
فكما أن الضمير هنا للإخفاء لا للصدقات فكذلك ، أولا الفاعل هو الإبداء وهو الذي اتصل به الضمير ، فحذف الإبداء وأقيم ضمير الصدقات مثله .
( وإن تخفوها ) شرط ، فلذلك حذفت النون .
" وتؤتوها " عطف عليه .
والجواب " فهو خير لكم " ." ويكفر " اختلف القراء في قراءته ، فقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وقتادة وابن أبي إسحاق " ونكفر " بالنون ورفع الراء .
وقرأ نافع وحمزة والكسائي بالنون والجزم في الراء ، وروي مثل ذلك أيضا عن عاصم .
وروى الحسين بن علي الجعفي عن الأعمش " يكفر " بنصب الراء .
وقرأ ابن عامر بالياء ورفع الراء ، ورواه حفص عن عاصم ، وكذلك روي عن الحسن ، وروي عنه بالياء والجزم .
وقرأ ابن عباس " وتكفر " بالتاء وكسر الفاء وجزم الراء .
وقرأ ، عكرمة " وتكفر " بالتاء وفتح الفاء وجزم الراء .
وحكى المهدوي عن ابن هرمز أنه قرأ " وتكفر " بالتاء ورفع الراء .
وحكي عن عكرمة وشهر بن حوشب أنهما قرأا بتاء ونصب الراء .
فهذه تسع قراءات أبينها " ونكفر " بالنون والرفع .
هذا قول الخليل وسيبويه .
قال النحاس : قال سيبويه : والرفع هاهنا الوجه وهو الجيد ؛ لأن الكلام الذي بعد الفاء يجري مجراه في غير الجزاء .
وأجاز الجزم بحمله على المعنى ؛ لأن المعنى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن خيرا لكم ونكفر عنكم .
وقال أبو حاتم : قرأ الأعمش " يكفر " بالياء دون واو قبلها .
قال النحاس : والذي حكاه أبو حاتم عن الأعمش بغير واو جزما يكون على البدل كأنه في موضع الفاء .
والذي روي عن عاصم ( ويكفر ) بالياء والرفع يكون معناه ويكفر الله ، هذا قول أبي عبيد .
وقال أبو حاتم : معناه يكفر الإعطاء .
وقرأ ابن عباس " وتكفر " يكون معناه وتكفر الصدقات .
وبالجملة فما كان من هذه القراءات بالنون فهي نون العظمة ، وما كان منها بالتاء فهي الصدقة فاعلمه ، إلا ما روي عن عكرمة من فتح الفاء فإن التاء في تلك القراءة إنما هي للسيئات ، وما كان منها بالياء فالله تعالى هو المكفر ، والإعطاء في خفاء مكفر أيضا كما ذكرنا ، وحكاه مكي .
وأما رفع الراء فهو على وجهين : أحدهما أن يكون الفعل خبر ابتداء تقديره ونحن نكفر أو وهي تكفر ، أعني الصدقة ، أو والله يكفر .
والثاني القطع والاستئناف لا تكون الواو العاطفة للاشتراك لكن تعطف جملة كلام على جملة .
وقد ذكرنا معنى قراءة الجزم .
فأما نصب " ونكفر " فضعيف وهو على إضمار أن وجاز على بعد .
قال المهدوي : وهو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام ، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام .
والجزم في الراء أفصح هذه القراءات ؛ لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطا إن وقع الإخفاء .
وأما الرفع فليس فيه هذا المعنى .قلت : هذا خلاف ما اختاره الخليل وسيبويه .
و " من " في قوله من سيئاتكم [ ص: 306 ] للتبعيض المحض .
وحكى الطبري عن فرقة أنها زائدة .
قال ابن عطية : وذلك منهم خطأ .
( والله بما تعملون خبير ) وعد ووعيد .
أي: { إن تبدوا الصدقات } فتظهروها وتكون علانية حيث كان القصد بها وجه الله { فنعما هي } أي: فنعم الشيء { هي } لحصول المقصود بها { وإن تخفوها } أي: تسروها { وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } ففي هذا أن صدقة السر على الفقير أفضل من صدقة العلانية، وأما إذا لم تؤت الصدقات الفقراء فمفهوم الآية أن السر ليس خيرا من العلانية، فيرجع في ذلك إلى المصلحة، فإن كان في إظهارها إظهار شعائر الدين وحصول الاقتداء ونحوه، فهو أفضل من الإسرار، ودل قوله: { وتؤتوها الفقراء } على أنه ينبغي للمتصدق أن يتحرى بصدقته المحتاجين، ولا يعطي محتاجا وغيره أحوج منه، ولما ذكر تعالى أن الصدقة خير للمتصدق ويتضمن ذلك حصول الثواب قال: { ويكفر عنكم من سيئاتكم } ففيه دفع العقاب { والله بما تعملون خبير } من خير وشر، قليل وكثير والمقصود من ذلك المجازاة.
قوله تعالى : ( إن تبدوا الصدقات ) أي تظهروها ( فنعما هي ) أي : نعمت الخصلة هي و " ما " في محل الرفع " وهي " في محل النصب كما تقول : نعم الرجل رجلا فإذا عرفت رفعت فقلت : نعم الرجل زيد وأصله " نعم ما " فوصلت قرأ أهل المدينة غير ورش وأبو عمرو وأبو بكر : فنعما بكسر النون وسكون العين وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي : بفتح النون وكسر العين وقرأ ابن كثير ونافع برواية ورش ويعقوب وحفص بكسرهما وكلها لغات صحيحة وكذلك في سورة النساء .
( وإن تخفوها ) تسروها ( وتؤتوها الفقراء ) أي تؤتوها الفقراء في السر ( فهو خير لكم ) وأفضل وكل مقبول إذا كانت النية صادقة ولكن صدقة السر أفضل وفي الحديث " صدقة السر تطفئ غضب الرب .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد الخدري أو عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله تعالى ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " .
وقيل : الآية في صدقة التطوع أما الزكاة المفروضة فالإظهار فيها أفضل حتى يقتدي به الناس كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل والنافلة في البيت [ أفضل ] وقيل : الآية في الزكاة المفروضة كان الإخفاء فيها خيرا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أما في زماننا فالإظهار أفضل حتى لا يساء به الظن .
قوله تعالى : ( ويكفر عنكم من سيئاتكم ) قرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو بكر بالنون ورفع الراء أي ونحن نكفر وقرأ ابن عامر وحفص بالياء ورفع الراء أي ويكفر الله وقرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي بالنون والجزم نسقا على الفاء التي في قوله " فهو خير لكم " لأن موضعها جزم بالجزاء وقوله ومن سيئاتكم قيل " من " صلة تقديره : نكفر عنكم سيئاتكم وقيل : هو للتحقيق والتبعيض يعني : نكفر الصغائر من الذنوب ( والله بما تعملون خبير )
«إن تبدوا» تظهروا «الصدقات» أي النوافل «فَنعمَّا هي» أي نعم شيئاً إبداؤها «وإن تخفوها» تسروها «وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم» من إبدائها وإيتائها الأغنياء أما صدقة الفرض فالأفضل إظهارها ليقتدي به ولئلا يتهم، وإيتاؤها الفقراء متعين «ويكَفِّر» بالياء والنون مجزوما بالعطف على محل فهو ومرفوعا على الاستئناف «عنكم من» بعض «سيئاتكم والله بما تعملون خبير» عالم بباطنه كظاهره لا يخفى عليه شيء منه.
إن تظهروا ما تتصدقون به لله فنِعْمَ ما تصدقتم به، وإن تسرُّوا بها، وتعطوها الفقراء فهذا أفضل لكم؛ لأنه أبعد عن الرياء، وفي الصدقة -مع الإخلاص- محو لذنوبكم.
والله الذي يعلم دقائق الأمور، لا يخفى عليه شيء من أحوالكم، وسيجازي كلا بعمله.
ثم بين - سبحانه - أن الصدقة متى صدرت عن المسلم بالطريقة التي دعت إليها تعاليم الإِسلام فإنها تكون مرجوة القبول عند الله - تعالى - سواء أفعلها المسلم أم في العلن ، فقال - تعالى - : ( إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقرآء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) .الصدقات : جمع صدقة وهي ما يخرجه المسلم من ماله على جهة القربة ، وتشمل الفرض والتطوع ، وهي مأخوذة من الصدق بمعنى صدق النية وتخليصها من كل ما نهى الله عنه ، وسمى - سبحانه - ما يخرجه المسلم من ماله صدقة لأن المال بها يزكو وينمو ويطهر .والفاء في قوله : ( فَنِعِمَّا هِيَ ) واقعة في جواب الشرط ، و ( نعماً ) أصلها نعم ما ، فأدغمت إحدى الميمين في الأخرى ، ونعم فعل ماض ، وما نكرة تامة بمعنى شيء ، وهي منصوبة على أنها تمييز ، والفاعل ضمير مستتر في نعم .والمعنى : إن تبدوا صدقاتكم - أيها المؤمنون - وتظهروها فنعم شيئاً إبداؤها وإعلانها ، لأنه يرفع التهمة ويدعو أهل الخير إلى الاقتداء بهذا الفعل الحسن .وجاء التعبير بمدح المعلنين صدقتهم بقوله " فنعما هي " للإِشارة إلى أن المسلم متى دفع صدقته لمستحقيها بنية خالصة ، فإنه يكون ممدوحاً من الله - تعالى - وممدوحاً من الناس الذين شاهدوا عمله الصالح .هذه صدقة الجهر إذا خلصت من الرياء أما صدقة السر فقد أثنى الله على فاعلها بقوله : ( وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقرآء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) أي : وإن تخفوا الصدقات وتعطوها للفقراء سراً ، دون أن يراكم أحد من الناس ، فعملكم هذا خير لكم عند الله لأنكم بإخفائكم للصدقة ودفعها للفقير سراً تكونون قد ابتعدتم عن الرياء ، وسترتم حال هذا الفقير المحتاج .وقوله : ( وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ) أي أنه - سبحانه - يستر السيئات التي يرتكبها الشخص ، ويخفيها ولا يظهرها عند إثابته إياه على فعله الحسن لأن ما عفهل من حسنات مسح ما فعله من سيئات فهو كقوله - تعالى - : ( وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ الليل إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ذلك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ ) و ( مِّن ) في قوله : ( مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ) بيانية بمعنى أن الصدقات تكفر السيئات لأن المسلم إذا بذل ماله في سبيل الله بصدق وإخلاص ، كان أهلا لمثوبة الله ومغفرته ، ويجوز أن تكون للتبغيض أي يكفر عنكم بعض سيئاتكم بمقدار ما قدمتم من صدقات لأن الصدقات لا تكفر جميع السيئات .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) أي أن الله - تعالى - عليم علماً دقيقاً بكل ما تعملونه أيها المؤمنون ، فعليكم أن تخلصوا له أعمالكم ، وأن تراقبوه في سركم وجهركم ، وأن تسارعوا في عمل الخيرات التي ترفع درجاتكم عند خالقكم .وبذل كنرى أن الآية الكريمة قد مدحت صدقتي الجهر والسر متى كان المتصدق متبعاً آداب الإِسلام وتوجيهاته ، ومبتعداً عن كل ما يبطل الصدقات ، ويحبط الأعمال .
اعلم أنه تعالى بيّن أولاً: أن الانفاق منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يكون كذلك، وذكر حكم كل واحد من القسمين، ثم ذكر ثانياً: أن الانفاق قد يكون من جيد ومن رديء، وذكر حكم كل واحد من القسمين، وذكر في هذه الآية أن الانفاق قد يكون ظاهراً وقد يكون خفياً، وذكر كل واحد من القسمين، فقال: ﴿ إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِىَ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية» فنزلت هذه الآية.
المسألة الثانية: الصدقة تطلق على الفرض والنفل قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ ﴾ وقال: ﴿ إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: «نفقة المرء على عياله صدقة» والزكاة لا تطلق إلا على الفرض، قال أهل اللغة أصل الصدقة ص د ق على هذا الترتيب موضوع للصحة والكمال، ومنه قولهم: رجل صدق النظر، وصدق اللقاء، وصدقوهم القتال، وفلان صادق المودة، وهذا خل صادق الحموضة، وشيء صادق الحلاوة، وصدق فلان في خبره إذا أخبر به على الوجه الذي هو عليه صحيحاً كاملاً، والصديق يسمى صديقاً لصدقه في المودة، والصداق سمي صداقاً لأن عقد النكاح به يتم ويكمل، وسمى الله تعالى الزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويكمل، فهي سبب إما لكمال المال وبقائه، وإما لأنه يستدل بها على صدق العبد في إيمانه وكماله فيه.
المسألة الثالثة: الأصل في قوله: ﴿ فَنِعِمَّا ﴾ نعم ما، إلا أنه أدغم أحد الميمين في الآخر، ثم فيه ثلاثة أوجه من القراءة: قرأ أبو عمرو وقالون وأبو بكر عن عاصم ﴿ فَنِعِمَّا ﴾ بكسر النون وإسكان العين وهو اختيار أبي عبيد، قال: لأنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لعمرو بن العاص: «نعما بالمال الصالح للرجل الصالح» هكذا روي في الحديث بسكون العين، والنحويون قالوا: هذا يقتضي الجمع بين الساكنين، وهو غير جائز إلا فيما يكون الحرف الأول منهما حرف المد واللين، نحو: دابة وشابة، لأن ما في الحرف من المد يصير عوضاً عن الحركة، وأما الحديث فلأنه لما دل الحس على أنه لا يمكن الجمع بين هذين الساكنين علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تكلم به أوقع في العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس والقراءة الثانية قرأ ابن كثير ونافع برواية ورش وعاصم في رواية حفص ﴿ فَنِعِمَّا هِىَ ﴾ بكسر النون والعين وفي تقريره وجهان: أحدهما: أنهم لما احتاجوا إلى تحريك العين حركوها مثل حركة ما قبلها والثاني: أن هذا على لغة من يقول: ﴿ نِعْمَ ﴾ بكسر النون والعين، قال سيبويه: وهي لغة هذيل، القراء الثالثة وهي قراءة سائر القرّاء ﴿ فَنِعِمَّا هِىَ ﴾ بفتح النون وكسر العين، ومن قرأ بهذه القراءة، فقد أتى بهذه الكلمة على أصلها وهي ﴿ نِعْمَ ﴾ قال طرفة: نعم الساعون في الأمر المير *** المسألة الرابعة: قال الزجاج: ما في تأويل الشيء، أي نعم الشيء هو، قال أبو علي الجيد: في تمثيل هذا أن يقال: ما في تأويل شيء، لأن ما هاهنا نكرة، فتمثيله بالنكرة أبين، والدليل على أن ما نكرة هاهنا أنها لو كانت معرفة فلابد لها من الصلة، وليس هاهنا ما يوصل به، لأن الموجود بعد ما هو هي، وكلمة هي مفردة والمفرد لا يكون صلة لما وإذا بطل هذا القول فنقول: ما نصب على التمييز، والتقدير: نعم شيئاً هي إبداء الصدقات، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه.
المسألة الخامسة: اختلفوا في أن المراد بالصدقة المذكورة في هذه الآية: التطوع، أو الواجب، أو مجموعهما.
فالقول الأول: وهو قول الأكثرين: أن المراد منه صدقة التطوع، قالوا: لأن الإخفاء في صدقة التطوع أفضل، والإظهار في الزكاة أفضل، وفيه بحثان: البحث الأول: في أن الأفضل في إعطاء صدقة التطوع إخفاؤه، أو إظهاره، فلنذكر أولاً الوجوه الدالة على إخفاءه أفضل فالأول: أنها تكون أبعد عن الرياء والسمعة، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله مسمع ولا مراء ولا منان».
والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة والمعطى في ملأ من الناس يطلب الرياء، والإخفاء والسكوت هو المخلص منهما، وقد بالغ قوم في قصد الإخفاء، واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ، فكان بعضهم يلقيه في يد أعمى، وبعضهم يلقيه في طريق الفقير، وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطي، وبعضهم كان يشده في أثواب الفقير وهو نائم، وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره، والمقصود عن الكل الاحتراز عن الرياء والسمعة والمنة، لأن الفقير إذا عرف المعطي فقد حصل الرياء والمنة معاً وليس في معرفة المتوسط الرياء.
وثانيها: أنه إذا أخفى صدقته لم يحصل له بين الناس شهرة ومدح وتعظيم، فكان ذلك يشق على النفس، فوجب أن يكون ذلك أكثر ثواباً.
وثالثها: قوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة جهد المقل إلى الفقير في سر».
وقال أيضاً: «إن العبد ليعمل عملاً في السر يكتبه الله له سراً فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء».
وفي الحديث المشهور: «سبعة يظلهم الله تعالى يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله: أحدهم رجل تصدق بصدقة فلم تعلم شماله بما أعطاه يمينه» وقال صلى الله عليه وسلم: «صدقة السر تطفئ غضب الرب».
ورابعها: أن الإظهار يوجب إلحاق الضرر بالآخذ من وجوه، والإخفاء لا يتضمن ذلك، فوجب أن يكون الإخفاء أولى، وبيان تلك المضار من وجوه: الأول: أن في الإظهار هتك عرض الفقير وإظهار فقره، وربما لا يرضى الفقير بذلك.
والثاني: أن في الإظهار إخراج الفقير من هيئة التعفف وعدم السؤال، والله تعالى مدح ذلك في الآية التي تأتي بعد هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف تَعْرِفُهُم بسيماهم لاَ يَسْئَلُونَ الناس إِلْحَافًا ﴾ .
والثالث: أن الناس ربما أنكروا على الفقير أخذ تلك الصدقة، ويظنون أنه أخذها مع الاستغناء عنها، فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة.
والرابع: أن في إظهار الإعطاء إذلالاً للآخذ وإهانة له وإذلال المؤمن غير جائز.
والخامس: أن الصدقة جارية مجرى الهدية، وقال عليه الصلاة والسلام: «من أهدى إليه هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها» وربما لا يدفع الفقير من تلك الصدقة شيئاً إلى شركائه الحاضرين فيقع الفقير بسبب إظهار تلك الصدقة في فعل ما لا ينبغي فهذه جملة الوجوه الدالة على أن إخفاء صدقة التطوع أولى.
وأما الوجه في جواز إظهار الصدقة، فهو أن الإنسان إذا علم أنه إذا أظهرها، صار ذلك سبباً لاقتداء الخلق به في إعطاء الصدقات، فينتفع الفقراء بها فلا يمتنع، والحال هذه أن يكون الإظهار أفضل، وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السر أفضل من العلانية»، والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء به قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي: الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة فهاهنا الشيطان يورد عليه ذكر رؤية الخلق، والقلب ينكر ذلك ويدفعه، فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فضوعف العمل سبعين ضعفاً على العلانية، ثم إن لله عباداً راضوا أنفسهم حتى من الله عليهم بأنواع هدايته فتراكمت على قلوبهم أنوار المعرفة، وذهبت عنهم وساوس النفس، لأن الشهوات قد ماتت منهم ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله تعالى؛ فإذا عمل عملاً علانية لم يحتج أن يجاهد، لأن شهوة النفس قد بطلت، ومنازعة النفس قد اضمحلت، فإذا أعلن به فإنما يريد به أن يقتدي به غيره فهذا عبد كملت ذاته فسعى في تكميل غيره ليكون تاماً وفوق التمام، ألا ترى أن الله تعالى أثنى على قوم في تنزيله وسماهم عباد الرحمن، وأوجب لهم أعلى الدرجات في الجنة، فقال: ﴿ أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة ﴾ ثم ذكر من الخصال التي طلبوها بالدعاء أن قالوا: ﴿ واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾ ومدح أمة موسى عليه السلام فقال: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ومدح أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ﴾ ثم أبهم المنكر فقال: ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يهتدون في الذهاب إلى الله.
فإن قيل: إن كان الأمر على ما ذكرتم فلم رجح الإخفاء على الإظهار في قوله: ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .
والجواب: من وجهين: الأول: لا نسلم قوله: ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ يفيد الترجيح فإنه يحتمل أن يكون المعنى أن إعطاء الصدقة حال الاخفاء خير من الخيرات، وطاعة من جملة الطاعات، فيكون المراد منه بيان كونه في نفسه خيراً وطاعة، لا أن المقصود منه بيان الترجيح.
والوجه الثاني: سلمنا أن المراد منه الترجيح، لكن المراد من الآية أنه إذا كانت الحال واحدة في الإبداء والإخفاء، فالأفضل هو الإخفاء، فأما إذا حصل في الإبداء أمر آخر لم يبعد ترجيح الإبداء على الإخفاء.
البحث الثاني: أن الإظهار في إعطاء الزكاة الواجبة أفضل، ويدل عليه وجوه: الأول: أن الله تعالى أمر الأئمة بتوجيه السعاة لطلب الزكاة، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها.
وثانيها: أن في إظهارها نفي التهمة، روي أنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة فإذا اختلف حكم فرض الصلاة ونفلها في الإظهار والإخفاء لنفي التهمة، فكذا في الزكاة.
وثالثها: أن إظهارها يتضمن المسارعة إلى أمر الله تعالى وتكليفه، وإخفاءها يوهم ترك الالتفات إلى أداء الواجب فكان الإظهار أولى، هذا كله في بيان قول من قال المراد بالصدقات المذكورة في هذه الآية صدقة التطوع فقط.
القول الثاني: وهو قول الحسن البصري أن اللفظ متناول للواجب والمندوب، وأجاب عن قول من قال: الإظهار في الواجب أولى من وجوه: الأول: أن إظهار زكاة الأموال توجب إظهار قدر المال، وربما كان ذلك سبباً للضرر، بأن يطمع الظلمة في ماله، أو بكثرة حساده، وإذا كان الأفضل له إخفاء ماله لزم منه لا محالة أن يكون إخفاء الزكاة أولى والثاني: أن هذه الآية إنما نزلت في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ما كانوا متهمين في ترك الزكاة فلا جرم كان إخفاء الزكاة أولى لهم لأنه أبعد عن الرياء والسمعة أما الآن فلما حصلت التهمة كان الإظهار أولى بسبب حصول التهمة الثالث: أن لا نسلم دلالة قوله: ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ ﴾ على الترجيح وقد سبق بيانه.
أما قوله تعالى: ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ فالإخفاء نقيض الإظهار وقوله: ﴿ فَهُوَ ﴾ كناية عن الإخفاء، لأن الفعل يدل على المصدر، أي الإخفاء خير لكم، وقد ذكرنا أن قوله: ﴿ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه أنه في نفسه خير من الخيرات، كما يقال: الثريد خير وأن يكون المراد منه الترجيح، وإنما شرط تعالى في كون الإخفاء أفضل أن تؤتوها الفقراء لأن عند الإخفاء الأقرب أن يعدل بالزكاة عن الفقراء، إلى الأحباب والأصدقاء الذين لا يكونون مستحقين للزكاة، ولذلك شرط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء، والمقصود بعث المتصدق على أن يتحرى موضع الصدقة، فيصير عالماً بالفقراء، فيميزهم عن غيرهم، فإذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة.
أما قوله تعالى: ﴿ وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: التكفير في اللغة التغطية والستر، ورجل مكفر في السلاح مغطى فيه، ومنه يقال: كفر عن يمينه، أي ستر ذنب الحنث بما بذل من الصدقة، والكفارة ستارة لما حصل من الذنب.
المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ﴿ نَّكْفُرَ ﴾ بالنون ورفع الراء وفيه وجوه: أحدها: أن يكون عطفاً على محل ما بعد الفاء والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر والثالث: أنه جملة من فعل وفاعل مبتدأ بمستأنفة منقطعة عما قبلها، والقراءة الثانية قراءة حمزة ونافع والكسائي بالنون والجزم، ووجهه أن يحمل الكلام على موضع قوله: ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ فإن موضعه جزم، ألا ترى أنه لو قال: وإن تخفوها تكن أعظم لثوابكم، لجزم فيظهر أن قوله: ﴿ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ في موضع جزم، ومثله في الحمل على موضع الجزم قراءة من قرأ ﴿ مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ ﴾ بالجزم، والقراءة الثالثة قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم ﴿ يَكْفُرْ ﴾ بالياء وكسر الفاء ورفع الراء، والمعنى: يكفر الله أو يكفر الاخفاء، وحجتهم أن ما بعده على لفظ الافراد، وهو قوله: ﴿ والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ فقوله: ﴿ يَكْفُرْ ﴾ يكون أشبه بما بعده، والأولون أجابوا وقالوا لا بأس بأن يذكر لفظ الجمع أولاً ثم لفظ الأفراد ثانياً كما أتى بلفظ الأفراد أولاً والجمع ثانياً في قوله: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ﴾ ثم قال: ﴿ وَءاتَيْنَآ مُوسَى الكتاب ﴾ ونقل صاحب الكشاف قراءة رابعة ﴿ وتكفر ﴾ بالتاء مرفوعاً ومجزوماً والفاعل الصدقات، وقراءة خامسة وهي قراءة الحسن بالتاء والنصب بإضمار ﴿ إن ﴾ ومعناها إن تخفوها يكن خير لكم، وإن نكفر عنكم سيئاتكم فهو خير لكم.
المسألة الثالثة: في دخول ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ مّن سَيّئَاتِكُمْ ﴾ وجوه: أحدها: المراد: ونكفر عنكم بعض سيئاتكم لأن السيئات كلها لا تكفر بذلك، وإنما يكفر بعضها ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغواء بارتكابها إذا علم أنها مكفرة، بل الواجب أن يكون العبد في كل أحواله بين الخوف والرجاء وذلك إنما يكون مع الإبهام والثاني: أن يكون ﴿ مِنْ ﴾ بمعنى من أجل، والمعنى: ونكفر عنكم من أجل ذنوبكم، كما تقول: ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك والثالث: أنها صلة زائدة كقوله: ﴿ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات ﴾ والتقدير: ونكفر عنكم جميع سيئاتكم والأول أولى وهو الأصح.
ثم قال: ﴿ والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ وهو إشارة إلى تفضيل صدقة السر على العلانية، والمعنى أن الله عالم بالسر والعلانية وأنتم إنما تريدون بالصدقة طلب مرضاته، فقد حصل مقصودكم في السر، فما معنى الإبداء، فكأنهم ندبوا بهذا الكلام إلى الإخفاء ليكون أبعد من الرياء.
<div class="verse-tafsir"
(ما) في ﴿ نِعِمَّا ﴾ نكرة غير موصولة ولا موصوفة.
ومعنى ﴿ فَنِعِمَّا هِىَ ﴾ فنعم شيئاً إبداؤها.
وقريء بكسر النون وفتحها ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء ﴾ وتصيبوا بها مصارفها مع الإخفاء ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ فالإخفاء خير لكم.
والمراد الصدقات المتطوّع بها، فإنّ الأفضل في الفرائض أن يجاهر بها.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «صدقات السر في التطوّع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً» وإنما كانت المجاهرة بالفرائض أفضل، لنفي التهمة، حتى إذا كان المزكي ممن لا يعرف باليسار كان إخفاؤه أفضل، والمتطوّع إن أراد أن يقتدى به كان إظهاره أفضل ﴿ نُكَفِّر ﴾ وقرئ بالنون مرفوعاً عطفاً على محل ما بعد الفاء، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي ونحن نُكَفِّر.
أو على أنه جملة من فعل وفاعل مبتدأة، ومجزوماً عطفاً على محل الفاء وما بعده، لأنه جواب الشرط.
وقرئ: ﴿ ويكفّر ﴾ ، بالياء مرفوعاً، والفعل لله أو للاخفاء.
وتكفر بالتاء، مرفوعاً ومجزوماً، والفعل للصدقات.
وقرأ الحسن رضي الله عنه بالياء والنصب بإضمار أن ومعناه: إن تخفوها يكن خيراً لكم، وأن يكفر عنكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ ﴾ قَلِيلَةٍ أوْ كَثِيرَةٍ، سِرًّا أوْ عَلانِيَةً، في حَقٍّ أوْ باطِلٍ.
﴿ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ ﴾ بِشَرْطٍ أوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ، في طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.
﴿ وَما لِلظّالِمِينَ ﴾ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في المَعاصِي ويُنْذِرُونَ فِيها، أوْ يَمْنَعُونَ الصَّدَقاتِ ولا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ.
﴿ مِن أنْصارٍ ﴾ مَن يَنْصُرُهم مِنَ اللَّهِ ويَمْنَعُهم مِن عِقابِهِ.
﴿ إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ ﴾ فَنِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو وقالُونَ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ، ورُوِيَ عَنْهم بِكَسْرِ النُّونِ وإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وهو أقِيسُ.
﴿ وَإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ ﴾ أيْ تُعْطُوها مَعَ الإخْفاءِ.
﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ فالإخْفاءُ خَيْرٌ لَكُمْ، وهَذا في التَّطَوُّعِ ولِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ فَإنَّ إبْداءَ الفَرْضِ لِغَيْرِهِ أفْضَلُ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْهُ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما « (صَدَقَةُ السِّرِّ في التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلانِيَتَها سَبْعِينَ ضِعْفًا، وصَدَقَةُ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتُها أفْضَلُ مِن سِرِّها بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا) .» ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ بِالياءِ أيْ واللَّهُ يُكَفِّرُ أوِ الإخْفاءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ ويَعْقُوبَ بِالنُّونِ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ أوِ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ أيْ: ونَحْنُ نَكَفِّرُ.
وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِ مَجْزُومًا عَلى مَحَلِّ الفاءِ وما بَعْدَهُ.
وقُرِئَ بِالتّاءِ مَرْفُوعًا ومَجْزُومًا والفِعْلُ لِلصَّدَقاتِ.
﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ تَرْغِيبٌ في الإسْرارِ.
﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ﴾ لا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَ النّاسَ مَهْدِيِّينَ، وإنَّما عَلَيْكَ الإرْشادُ والحَثُّ عَلى المَحاسِنِ، والنَّهْيُ عَنِ المَقابِحِ كالمَنِّ والأذى وإنْفاقِ الخَبِيثِ.
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ صَرِيحٌ بِأنَّ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِمَشِيئَتِهِ، وإنَّها تُخَصُّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ.
﴿ وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ ﴾ مِن نَفَقَةٍ مَعْرُوفَةٍ.
﴿ فَلأنْفُسِكُمْ ﴾ فَهو لِأنْفُسِكم لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُكم فَلا تُمَنُّوا عَلَيْهِ ولا تُنْفِقُوا الخَبِيثَ.
﴿ وَما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ ﴾ حالٌ، وكَأنَّهُ قالَ وما تُنْفِقُونَ مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكم غَيْرَ مُنْفِقِينَ إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ وطَلَبِ ثَوابِهِ.
أوْ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ ولَيْسَتْ نَفَقَتُكم إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِهِ فَما بالُكم تَمُنُّونَ بِها وتُنْفِقُونَ الخَبِيثَ.
وقِيلَ: نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ.
﴿ وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ ﴾ ثَوابُهُ أضْعافًا مُضاعَفَةً، فَهو تَأْكِيدٌ لِلشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ، أوْ ما يُخْلَفُ لِلْمُنْفِقِ اسْتِجابَةً لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِمُنْفِقٍ خَلَفًا، ولِمُمْسِكٍ تَلَفًا» رُوِيَ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَتْ لَهم أصْهارٌ ورِضاعٌ في اليَهُودِ، وكانُوا يُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ، فَكَرِهُوا لَمّا أسْلَمُوا أنْ يَنْفَعُوهم فَنَزَلَتْ.
وهَذا في غَيْرِ الواجِبِ أمّا الواجِبُ فَلا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلى الكُفّارِ.
﴿ وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ﴾ أيْ لا تُنْقَصُونَ ثَوابَ نَفَقاتِكم.
<div class="verse-tafsir"
{إن تبدوا الصدقات فنعما هي} فنعم شيأ ابداؤها وما نكرة غير موصلة ولا موصوفة والمخصوص بالمدح هي فنعما هي بكسر النون وإسكان العين أبو عمرو ومدني غير ورش وبفتح النون وكسر العين شامي وحمزة وعلي وبكسر النون والعين غيرهم {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء} وتصيبوا بها مصارفها مع الإخفاء {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} فالإخفاء خير لكم قولوا المراد صدقات التطوع والجهر في الفرائض أفضل لنفى التهمة حتى إذا كان المزكى من لا يعرف باليسار كان إخفاؤه أفضل والمتطوع إن أراد أن يفتدى به كان إظهاره أفضل {ونكفر} بالنون وجزم الراء مدنى وحمزة وعلى وبالياء ورفع الراء شامي وحفص وبالنون والرفع غيرهم فمن جزم فقد عطف على محل الفاء وما بعده لأنه جواب الشرط ومن رفع فعلى الاستئناف والياء على معنى يكفر الله {عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ} والنون على معنى نحن نكفر {والله بِمَا تَعْمَلُونَ} من الإبداء والإخفاء {خبير} عالم
﴿ إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ ﴾ أيْ تُظْهِرُوا إعْطاءَها، قالَ الكَلْبِيُّ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ ﴾ الآيَةَ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أصَدَقَةُ السِّرِّ أفْضَلُ أمْ صَدَقَةُ العَلانِيَةِ؟
فَنَزَلَتْ،» فالجُمْلَةُ نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِبَعْضِ ما أجْمَلَ في الشَّرْطِيَّةِ وبَيانٌ لَهُ، ولِذَلِكَ تَرَكَ العَطْفَ بَيْنَهُما، والمُرادُ مِنَ الصَّدَقاتِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ صَدَقاتُ التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: الصَّدَقاتُ المَفْرُوضَةُ، وقِيلَ: العُمُومُ، ﴿ فَنِعِمّا هِيَ ﴾ الفاءُ جَوابٌ لِلشَّرْطِ، ونِعْمَ فِعْلُ ماضٍ، و(ما) كَما قالَ اِبْنُ جِنِّيٍّ: نَكِرَةٌ تامَّةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى أنَّها تَمْيِيزٌ وهي مُبْتَدَأٌ عائِدٌ لِلصَّدَقاتِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إبْداؤُها أوْ لا حَذْفَ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ (هِيَ)، والرّابِطُ العُمُومُ، وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ وحَفْصٌ بِكَسْرِ النُّونِ والعَيْنِ لِلِاتِّباعِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ سُكِّنَ ثُمَّ كُسِرَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ عَلى الأصْلِ كَعَلِمَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ وأبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ النُّونِ وإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ، ورُوِيَ عَنْهُمُ: الإسْكانُ أيْضًا، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وحَكاهُ لُغَةً، والجُمْهُورُ عَلى اِخْتِيارِ الِاخْتِلاسِ عَلى الإسْكانِ حَتّى جَعَلَهُ بَعْضُهم مِن وهْمِ الرُّواةِ، ومِمَّنْ أنْكَرَهُ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ والفارِسِيُّ لِأنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ ساكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ.
﴿ وإنْ تُخْفُوها ﴾ أيْ تُسِرُّوها والضَّمِيرُ المَنصُوبُ إمّا لِلصَّدَقاتِ مُطْلَقًا وإمّا إلَيْها لَفْظًا لا مَعْنى، بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّدَقاتِ المُبْداةِ المَفْرُوضَةِ وبِالمُخْفاةِ المُتَطَوَّعِ بِها فَيَكُونُ مِن بابِ عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ أيْ نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ، وفي جَمْعِ الإبْداءِ والإخْفاءِ مِن أنْواعِ البَدِيعِ الطِّباقُ اللَّفْظِيُّ كَما أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتُؤْتُوها الفُقَراءَ ﴾ الطِّباقُ المَعْنَوِيُّ لِأنَّهُ لا يُؤْتِي الصَّدَقاتِ إلّا الأغْنِياءُ، قِيلَ: ولَعَلَّ التَّصْرِيحَ بِإيتائِها الفُقَراءَ مَعَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ في الإبْداءِ أيْضًا لِما أنَّ الإخْفاءَ مَظِنَّةُ الِالتِباسِ والِاشْتِباهِ فَإنَّ الغَنِيَّ رُبَّما يَدَّعِي الفَقْرَ ويُقْدُمُ عَلى قَبُولِ الصَّدَقَةِ سِرًّا ولا يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ النّاسِ، وتَخْصِيصُ الفُقَراءِ بِالذِّكْرِ اِهْتِمامًا بِشَأْنِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ المُبْداةَ لَمّا كانَتِ الزَّكاةَ لَمْ يُذْكَرْ فِيها الفُقَراءُ لِأنَّ مَصْرِفَها غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِهِمْ، والمُخْفاةَ لَمّا كانَتِ التَّطَوُّعَ بُيِّنَ أنَّ مَصارِفَها الفُقَراءُ فَقَطْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ المُبْداةَ زَكاةٌ والمُخْفاةَ تَطَوُّعٌ لا نُسَلِّمُ أنَّ مَصارِفَ الثّانِيَةِ الفُقَراءُ فَقَطْ ودُونَ إثْباتِ ذَلِكَ المَوْتِ الأحْمَرِ وكَأنَّهُ لِهَذا فَسَّرَ بَعْضُهُمِ الفُقَراءَ بِالمَصارِفِ.
﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ أيْ فالإخْفاءُ ﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ مِنَ الإبْداءِ، وخَيْرٌ لَكم مِن جُمْلَةِ الخُيُورِ، والأوَّلُ هو الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثارُ والأحادِيثُ في أفْضَلِيَّةِ الإخْفاءِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى.
أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ «أنَّ أبا ذَرٍّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ؟
قالَ: «صَدَقَةُ سِرٍّ إلى فَقِيرٍ أوْ جَهْدٌ مِن مُقِلٍّ» ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ»، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ مَرْفُوعًا: «”إنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ“،» وأخْرَجَ البُخارِيُّ: «”سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعالى في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ إلى أنْ قالَ ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ“،» والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأفْضَلِيَّةَ فِيما إذا كانَ كُلٌّ مِن صَدَقَتَيِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ تَطَوُّعًا مِمَّنْ لَمْ يُعْرَفْ بِمالٍ وإلّا فَإبْداءُ الفَرْضِ لِغَيْرِهِ أفْضَلُ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ وكَذا الإظْهارُ أفْضَلُ لِمَن يُقْتَدى بِهِ وأمْنِ نَفْسِهِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «صَدَقَةُ السِّرِّ في التَّطَوُّعِ تَفَضُلُ عَلى عَلانِيَتِها سَبْعِينَ ضِعْفًا وصَدَقَةُ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتُها أفْضَلُ مِن سِرِّها بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا» وكَذَلِكَ جَمِيعُ الفَرائِضِ والنَّوافِلِ في الأشْياءِ كُلِّها.
﴿ ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ ﴾ أيْ واَللَّهُ يُكَفِّرُ أوِ الإخْفاءُ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ، ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّ الصَّدَقاتِ لا يُكَفَّرُ بِها جَمِيعُ السَّيِّئاتِ، وقِيلَ: مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ اِبْنِ عَيّاشٍ ويَعْقُوبَ (نُكَفِّرُ) بِالنُّونِ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ أوِ اِسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ أيْ ونَحْنُ نُكَفِّرُ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ، والفِعْلُ نَفْسُهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ (ما) بَعْدَ الفاءِ لِأنَّهُ وحْدَهُ مَرْفُوعٌ لِأنَّ الفاءَ الرّابِطَةَ مانِعَةٌ مِن جَزْمِهِ لِئَلّا يَتَعَدَّدَ الرّابِطُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (نُكَفِّرْ) بِالنُّونِ مَجْزُومًا بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ الفاءِ مَعَ ما بَعْدَها لِأنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ، قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، واسْتَشْكَلُهُ البَدْرُ الدَّمامِينِيُّ بِأنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ الفاءَ، و(ما) دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَحَلِّ جَزْمٍ، وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الجُمْلَةَ لا تَكُونُ ذاتَ مَحَلٍّ مِنَ الإعْرابِ إلّا إذا كانَتْ واقِعَةً مَوْقِعَ المُفْرَدِ ولَيْسَ هَذا مِن مَحالِّ المُفْرَدِ حَتّى تَكُونَ الجُمْلَةُ واقِعَةُ ذاتَ مَحَلٍّ مِنَ الإعْرابِ وذَلِكَ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ إنَّما يَكُونُ جُمْلَةً ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا فالمَوْضِعُ لِلْجُمْلَةِ بِالأصالَةِ وادَّعى أنَّ جَزْمَ الفِعْلِ لَيْسَ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ وإنَّما هو لِكَوْنِهِ مُضارِعًا وقَعَ صَدْرَ جُمْلَةٍ مَعْطُوفَةٍ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ الجازِمِ وهي لَوْ صُدِّرَتْ بِمُضارِعٍ كانَ مَجْزُومًا فَأُعْطِيَتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ حُكْمَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها وهو جَزَمَ صَدْرَها إذا كانَ فِعْلًا مُضارِعًا ويُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالعِنايَةِ فَتَدَبَّرْ.
وقُرِئَ (وتُكَفِّرُ) بِالتّاءِ مَرْفُوعًا ومَجْزُومًا عَلى حَسَبِ ما عَلِمَتْ والفِعْلُ لِلصَّدَقاتِ.
﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ في صَدَقاتِكم مِنَ الإبْداءِ والإخْفاءِ ﴿ خَبِيرٌ ﴾ عالِمٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ، فَفي الجُمْلَةِ تَرْغِيبٌ في الإعْلانِ والإسْرارِ وإنِ اِخْتَلَفا في الأفْضَلِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مُساقًا لِلتَّرْغِيبِ في الثّانِي لِقُرْبِهِ ولِكَوْنِ الخِبْرَةِ بِالإبْداءِ لَيْسَ فِيها كَثِيرُ مَدْحٍ.
<div class="verse-tafsir"
لقوله وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ يقول ما تصدقتم من صدقة.
أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فوفيتم بنذوركم فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ أي يحصيه ويقبله منكم، وهذا وعد من الله تعالى، فكأنه يقول: إنه لا ينسى بل يعطي ثوابكم.
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ يعني ليس للمشركين من مانع في الآخرة يمنعهم من العذاب إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ وذلك أن الله تعالى لما حثهم على الصدقة سألوا رسول الله : صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟
فنزل قوله: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ، يعني إن تعلنوا الصدقات المفروضة.
فَنِعِمَّا هِيَ قرأ حمزة والكسائي وابن عامر، فنعما هي بنصب النون وكسر العين، وقرأ عاصم في رواية حفص ونافع في رواية ورش، وابن كثير بكسر النون وكسر العين، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، فنعما بكسر النون وجزم العين، وكل ذلك جائز وفيه ثلاث لغات نِعِم نَعِم ونِعْم، وما زيدت فيها للصلة.
وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص، ويكفر بالياء وضم الراء.
وقرأ حمزة ونافع والكسائي ونكفر بالنون وجزم الراء.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ونكفر بالنون وضم الراء، فمن قرأ بالجزم، فهو جزاء الصدقة، ومن قرأ بالضم فهي على المستقبل، يعني إن تعلنوا الصدقات فحسن وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ من صدقة العلانية.
فأما صدقة التطوع فقد اتفقوا أن الصدقة في السر أفضل، وأما الزكاة المفروضة قال بعضهم: السر أفضل، لأنه أبعد من الرياء وقال بعضهم: العلانية أفضل، لأن الزكاة من شعائر الدين، فكل ما كان أظهر، كان أفضل كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين، ولأن في ذلك زيادة رغبة لغيره في أداء الزكاة ثم قال تعالى: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يعني فيما تصدقتم في السر والعلانية يتقبل منكم، ويكون في ذلك كفارة سيئاتكم، ويعطي ثوابكم في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
وقد وثَّق أبو حاتم أبا خالدٍ، وسُئِل أبو زُرْعَة «١» عن نُبَيْح، فقال: هو كوفيٌّ ثقة.
انتهى من «الإِلمام في أحاديثِ الأحْكَامِ» لابن دقيق العيد «٢» .
وواسِعٌ: لأنه وَسِعَ كلَّ شيء رحمةً وعلماً.
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ: أَيْ: يعطيها لِمَنْ يَشَاء من عباده، والحكمةُ مصدرٌ من الإِحكام، وهو الإِتقان في عملٍ أو قولٍ، وكتابُ اللَّهِ حكْمَةٌ، وسُنَّةُ نبيِّه- عليه السلام- حِكْمَةٌ، وكلُّ ما ذكره المتأوِّلون فيها، فهُوَ جُزْء من الحكْمة التي هي الجنْس، قال الإِمامُ الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنى: قال المحقِّقون: العلماءُ ثلاثةٌ: علماءُ بأحكامِ اللَّهِ فقط وهم العلماءُ أصحابُ الفتوى، وعلماءُ باللَّهِ فقَطْ وهم الحكماءُ، وعلماءُ بالقِسْمَيْن وهُمُ الكبراءُ، فالقسْم الأول كالسِّراجِ يحرقُ نَفْسَه، ويضيءُ لغَيْره، والقسم الثَّاني حالُهم أكْمَلُ من الأوَّل لأنه أَشْرَقَ قَلْبُهُ بمَعْرفة اللَّه، وسره بنُور جلالِ اللَّه، إِلاَّ أنه كالكَنْز تَحْت التُّرَابِ، لا يصلُ أَثَرُه إلى غيره، وأما القسمُ الثالثُ، فهم أشرفُ الأقسامِ، فهو كالشَّمْسِ تضيءُ العَالَمَ لأنه تامٌّ، وفوْقَ التامِّ.
انتهى.
وباقي الآية تذكرةٌ بيِّنة، وإقامة لِهِمَمِ الغفلة- والْأَلْبابِ: العقول، واحدها لبّ.
وقوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ ...
الآية: يقال: نَذَرَ الرَّجُلُ كَذَا، إِذا التزم فعله.
وقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ.
قال مجاهدٌ: معناه: يُحْصِيه، وفي الآيةِ وعْدٌ ووعيدٌ، أي: مَنْ كان خالص النيَّة، فهو مثابٌ، ومن أنْفَقَ رياءً أو لمعنًى آخَرَ ممَّا يكْشفه المَنُّ والأذى، ونحو ذلك، فهو ظالمٌ يذهب فعْلُه باطلاً، ولا يجد ناصراً فيه.
وقوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ...
الآية: ذهب جمهورُ المفسِّرين إِلى أنَّ هذه الآيةَ في صدَقَةِ التطوُّع، قال ابن عبَّاس: جعل اللَّه صدَقَةَ السِّرِّ في التطوُّع تفضُلُ علانيتها، يقال: بسبعين ضِعْفاً، وجعل صدَقَةَ الفريضَةِ علانيتَهَا أفْضَلَ من سرِّها، يقال: بخَمْسَةٍ وعشْرين ضِعْفاً، قال: وكذلك جميعُ الفرائضِ والنوافلِ في الأشياء كلِّها «١» .
ع «٢» : ويقوِّي ذلك قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ فِي المَسْجِدِ إِلاَّ المَكْتُوبَة» «٣» ، وذلك أن الفرائضَ لا يدْخُلُها رياءٌ، والنوافل عُرْضَةٌ لذلك، قال الطبريُّ «٤» : أجمعَ النَّاس على أن إِظهار الواجِبِ أفضلُ.
وقوله تعالى: فَنِعِمَّا هِيَ: ثناءٌ على إِبداء الصدقةِ، ثم حكم أنَّ الإِخفاء خيْرٌ من ذلك الإِبداءِ، والتقديرُ: نِعْمَ شيءٌ إِبداؤها، فالإبداء هو المخصوص بالمدح/ وخرّج أبو ٧١ أداود في «سننه» ، عن أبي أُمَامَةَ، قال: قَالَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «انطلق بِرَجُلٍ إلى بَابِ الجَنَّةِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا على بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوبٌ: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالقَرْضُ الوَاحِدُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ لأنَّ صاحب القرضِ لا يأتيك إِلاَّ وهو محتاجٌ، والصدقةُ ربما وُضِعَتْ في غنيٍّ، وخرَّجه ابن ماجة في «سننه» ، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ اللَّه بن عبد الكريمِ، حدَّثنا هشام بْنُ خالدٍ «٥» ، حدَّثنا خالدُ بن يَزِيدَ بْنِ أبي مالكٍ «٦» ، عن أبيه، عن أنس بن مالك، قال: قَالَ رسول
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، صَدَقَةُ السِّرِّ أفْضَلُ، أمِ العَلانِيَةُ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ» قالَ الزَّجّاجُ، يُقالُ: بَدا الشَّيْءُ يَبْدُو: إذا ظَهَرَ، وأبْدَيْتُهُ إبْداءً: إذا أظْهَرْتُهُ، وبَدا لِي بَداءً: إذا تَغَيَّرَ رَأْيِي عَمّا كانَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنِعِمّا هِيَ ﴾ في "نِعِمَّ" أرْبَعُ لُغاتٍ.
"نَعِمَّ" بِفَتْحِ النُّونِ، وكَسْرِ العَيْنِ، مِثْلُ: عَلِمَ.
و"نِعِمَّ" بِكَسْرِها، و"نَعْمَّ" بِفَتْحِ النُّونِ، وتَسْكِينِ العَيْنِ، و"نِعْمَ" بِكَسْرِ النُّونِ وتَسْكِينِ العَيْنِ.
وأمّا قَوْلُهُ (فَنِعِمّا هِيَ) فَقَرَأ نافِعٌ في غَيْرِ رِوايَةِ "وَرْشٍ" وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ: "فَنَعِمّا" بِكَسْرِ النُّونِ، والعَيْنِ ساكِنَةٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ "وَرَشٍ"، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ النُّونِ والعَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: "فَنَعِمّا" بِفَتْحِ النُّونِ، وكَسْرِ العَيْنِ، وكُلُّهم شَدَّدُوا المِيمَ.
وكَذَلِكَ خِلافُهم في سُورَةِ النِّساءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: "ما" في تَأْوِيلِ الشَّيْءِ، أيْ: فَنِعِمَّ الشَّيْءُ هي.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: نَعِمَّ الشَّيْءُ إبْداؤُها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي الإخْفاءَ.
واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ إخْفاءَ الصَّدَقَةِ النّافِلَةِ أفْضَلُ مِن إظْهارِها، وفي الفَرِيضَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ إظْهارَها أفْضَلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ.
واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ إخْفاءُ الزَّكاةِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ، أحْسَنَ فَأمّا اليَوْمُ، فالنّاسُ يُسِيؤُونَ الظَّنَّ، فَإظْهارُها أحْسَنُ.
والثّانِي: إخْفاؤُها أفْضَلُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ويَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ.
وقَدْ حَمَلَ أرْبابُ القَوْلِ الأوَّلِ الصَّدَقاتِ في الآَيَةِ عَلى الفَرِيضَةِ، وحَمَلُوا ﴿ وَإنْ تُخْفُوها ﴾ عَلى النّافِلَةِ، وهَذا قَوْلٌ عَجِيبٌ.
وإنَّما فُضِّلَتْ صَدَقَةُ السِّرِّ لِمَعْنَيَيْنِ.
أحَدُهُما: يَرْجِعُ إلى المُعْطِي، وهو بَعْدَهُ عَنِ الرِّياءِ، وقُرْبَهُ مِنَ الإخْلاصِ، والإعْراضِ عَمّا تُؤْثِرُ النَّفْسُ مِنَ العَلانِيَةِ.
والثّانِي: يَرْجِعُ إلى المُعْطى، وهو دَفْعُ الذُّلِّ عَنْهُ بِإخْفاءِ الحالِ، لِأنَّهُ في العَلانِيَةِ يَنْكَسِرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (وَنُكَفِّرُ عَنْكَ) بِالنُّونِ والرَّفْعِ، والمَعْنى: ونَحْنُ نُكَفِّرُ عَنْكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنِفًا.
وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَنُكَفِّرْ" بِالنُّونِ وجَزْمِ الرّاءِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا عَلى حَمْلِ الكَلامِ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) لِأنَّ قَوْلَهُ: (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) في مَوْضِعِ جَزْمٍ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: وإنْ تُخْفُوها يَكُونُ أعْظَمَ لِأجْرِكم لِجَزْمِ، ومِثْلُهُ ﴿ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ ﴾ .
حُمِلَ قَوْلُهُ.
"وَأكُنْ" عَلى مَوْضِعِ "فَأصَدَّقَ" .
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَيُكْفِّرُ" بِالياءِ والرَّفْعِ، وكَذَلِكَ عَنْ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ عَلى الكِنايَةِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ، "وَتُكَفِّرُ" بِالتّاءِ المَرْفُوعَةِ، وفَتَحِ الفاءِ مَعَ تَسْكِينِ الرّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن سَيِّئاتِكُمْ ﴾ في "مِن" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ.
والثّانِي: أنَّها داخِلَةٌ لِلتَّبْعِيضِ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ووَجْهُ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ العِبادُ عَلى خَوْفٍ ووَجَلٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أو نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ ﴾ ﴿ إنْ تُبْدُوا الصَدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكم ويُكَفِّرُ عنكم مِن سَيِّئاتِكم واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ كانَتِ النُذُورُ مِن سِيرَةِ العَرَبِ، تُكْثِرُ مِنها، فَذَكَرَ تَعالى النَوْعَيْنِ: ما يَفْعَلُهُ المَرْءُ تَبَرُّعًا، وما يَفْعَلُهُ بَعْدَ إلْزامِهِ لِنَفْسِهِ، ويُقالُ: نَذَرَ الرَجُلُ كَذا إذا التَزَمَ فِعْلَهُ يَنْذُرُ بِضَمِّ الذالِ ويَنْذِرُ بِكَسْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يُحْصِيهِ، وفي الآيَةِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، أيْ مَن كانَ خالِصَ النِيَّةِ فَهو مُثابٌ، ومَن أنْفَقَ رِياءً أو لِمَعْنىً آخَرَ مِمّا يَكْشِفُهُ المَنُّ والأذى ونَحْوُ ذَلِكَ فَهو ظالِمٌ، يَذْهَبُ فِعْلُهُ باطِلًا، ولا يَجِدُ ناصِرًا فِيهِ، ووَحَّدَ الضَمِيرَ في "يَعْلَمُهُ" وقَدْ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ مِن حَيْثُ أرادَ ما ذَكَرَ أو نَصَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تُبْدُوا الصَدَقاتِ ﴾ الآيَةُ.
ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي في صَدَقَةِ التَطَوُّعِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "جَعَلَ اللهُ صَدَقَةَ السِرِّ في التَطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلانِيَتَها، يُقالُ: بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وجَعَلَ صَدَقَةَ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتَها أفْضَلَ مِن سِرِّها يُقالُ: بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا، قالَ: وكَذَلِكَ جَمِيعُ الفَرائِضِ والنَوافِلِ في الأشْياءِ كُلِّها".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ « "صَلاةُ الرَجُلِ في بَيْتِهِ أفْضَلُ مِن صَلاتِهِ في المَسْجِدِ إلّا المَكْتُوبَةَ"،» وذَلِكَ أنَّ الفَرائِضَ لا يَدْخُلُها رِياءٌ والنَوافِلَ عُرْضَةٌ لِذَلِكَ.
وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ في التَطَوُّعِ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الصَدَقَةِ عَلى اليَهُودِ والنَصارى، وكانَ يُأْمَرُ بِقَسْمِ الزَكاةِ في السِرِّ - وهَذا مَرْدُودٌ لا سِيَّما عِنْدَ السَلَفِ الصالِحِ، فَقَدْ قالَ الطَبَرِيُّ: أجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ إظْهارَ الواجِبِ أفْضَلُ، قالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ فَرْضُ الزَكاةِ، وما تُطُوِّعَ بِهِ، فَكانَ الإخْفاءُ فِيهِما أفْضَلَ في مُدَّةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ ساءَتْ ظُنُونُ الناسِ بَعْدَ ذَلِكَ فاسْتَحْسَنَ العُلَماءُ إظْهارَ الفَرْضِ لِئَلّا يُظَنَّ بِأحَدٍ المَنعُ، وهَذا القَوْلُ مُخالِفٌ لِلْآثارِ، ويُشْبِهُهُ في زَمَنِنا أنْ يَحْسُنَ التَسَتُّرُ بِصَدَقَةِ الفَرْضِ فَقَدْ كَثُرَ المانِعُ لَها وصارَ إخْراجُها عُرْضَةً لِلرِّياءِ - وقالَ النَقّاشُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَيْلِ والنَهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً ﴾ الآيَةُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَنِعِمّا هِيَ ﴾ ثَناءٌ عَلى إبْداءِ الصَدَقَةِ، ثُمَّ حَكَمَ أنَّ الإخْفاءَ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ الإبْداءِ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَنِعِمّا هِيَ ﴾ ، فَقَرَأ نافِعٌ في غَيْرِ رِوايَةِ ورْشٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ: "فَنِعْما" بِكَسْرِ النُونِ وسُكُونِ العَيْنِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ: "فَنِعِما" بِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَنَعِمّا" بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ وكُلُّهم شَدَّدَ المِيمَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِسُكُونِ العَيْنِ لَمْ يَسْتَقِمْ قَوْلُهُ، لِأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، الأوَّلُ مِنهُما لَيْسَ بِحَرْفِ مَدٍّ ولِينٍ، وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ النَحْوِيِّينَ إذا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ، إذِ المَدُّ يَصِيرُ عِوَضًا مِنَ الحَرَكَةِ، وهَذا نَحْوُ: دابَّةٍ وضَوالَّ، وشَبَهِهِ، ولَعَلَّ أبا عَمْرٍو أخْفى الحَرَكَةَ واخْتَلَسَها، كَأخْذِهِ بِالإخْفاءِ في "بارِيكم ويَأْمُرُكُمْ" فَظَنَّ السامِعُ الإخْفاءَ إسْكانًا لِلُطْفِ ذَلِكَ في السَمْعِ وخَفائِهِ.
وأمّا مَن قَرَأ "نِعِمّا" بِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ فَحُجَّتُهُ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ نِعِمْ بِكَسْرِ الفاءِ مِن أجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَقُولُ: نِعْمَ، ألا تَرى أنَّ مَن يَقُولُ: "هَذا قَدَمُ مَلِكٍ"، فَيُدْغِمُ "هَؤُلاءِ قَوْمُ مَلِكٍ" و"جِسْمُ ماجِدٍ".
وقالَ سِيبَوَيْهِ: "نِعِمّا" بِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ لَيْسَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "نِعْمَ" فَأسْكَنَ العَيْنَ، ولَكِنْ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "نِعِمْ" فَحَرَّكَ العَيْنَ، وحَدَّثَنا أبُو الخَطّابِ أنَّها لُغَةُ هُذَيْلٍ، وكَسْرُها -كَما قالَ- لَعِبٌ ولَوْ كانَ الَّذِي قالَ: "نِعِمّا" مِمَّنْ يَقُولُ: نِعْمَ بِسُكُونِ العَيْنِ لَمْ يَجُزِ الإدْغامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُشْبِهُ أنَّ هَذا يَمْتَنِعُ لِأنَّهُ يَسُوقُ إلى اجْتِماعِ ساكِنَيْنِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأمّا مَن قَرَأ: "نَعِمّا" بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ فَإنَّما جاءَ بِالكَلِمَةِ عَلى أصْلِها وهو نَعِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ما أقَلَّتْ قَدَمايَ إنَّهم ∗∗∗ نَعِمَ الساعُونَ في الأمْرِ المُبِرْ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَقُولُ قَبْلَ الإدْغامِ: "نِعْمَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: وذَلِكَ جائِزٌ مُحْتَمَلٌ، وتُكْسَرُ العَيْنُ بَعْدَ الإدْغامِ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"ما" مِن قَوْلِهِ: نِعِمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقَوْلُهُ: "هِيَ" تَفْسِيرٌ لِلْفاعِلِ المُضْمَرِ قَبْلَ الذِكْرِ، والتَقْدِيرُ: نِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها، وقَوْلُهُ: والإبْداءُ هو المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ إلّا أنَّ المُضافَ حُذِفَ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ أيِ الإخْفاءُ خَيْرٌ، فَكَما أنَّ الضَمِيرَ هُنا لِلْإخْفاءِ لا لِلصَّدَقاتِ، فَكَذَلِكَ أوَّلًا الفاعِلُ هو الإبْداءُ وهو الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ الضَمِيرُ فَحُذِفَ الإبْداءُ، وأُقِيمَ ضَمِيرُ الصَدَقاتِ مَقامَهُ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُكَفِّرُ عنكُمْ ﴾ ، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "وَنُكَفِّرُ" بِالنُونِ ورَفْعِ الراءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَنُكَفِّرْ" بِالنُونِ والجَزْمِ في الراءِ، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ أيْضًا عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَيُكَفِّرُ" بِالياءِ ورَفْعِ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَتُكَفِّرْ" بِالتاءِ وكَسْرِ الفاءِ وجَزْمِ الراءِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَتُكَفَّرْ" بِالتاءِ وفَتْحِ الفاءِ وجَزْمِ الراءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَيُكَفِّرْ" بِالياءِ وجَزْمِ الراءِ، ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ و"يُكَفِّرَ" بِالياءِ ونَصْبِ الراءِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ الأعْمَشُ: "يُكَفِّرْ" بِالياءِ دُونَ واوٍ قَبْلَها وبِجَزْمِ الراءِ.
وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ أنَّهُ قَرَأ "وَتُكَفَّرُ" بِالتاءِ ورَفْعِ الراءِ، وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبَ أنَّهُما قَرَآ بِتاءٍ ونَصْبِ الراءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَما كانَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ بِالنُونِ فَهي نُونُ العَظَمَةِ، وما كانَ مِنها بِالتاءِ فَهي الصَدَقَةُ فاعِلَةٌ إلّا ما رُوِيَ عن عِكْرِمَةَ مِن فَتْحِ الفاءِ فَإنَّ التاءَ في تِلْكَ القِراءَةِ إنَّما هي لِلسَّيِّئاتِ.
وما كانَ مِنها بِالياءِ فاللهُ تَعالى هو المُكَفِّرُ - والإعْطاءُ في خَفاءٍ هو المُكَفِّرُ أيْضًا كَما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ، وأمّا رَفْعُ الراءِ فَهو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ الفِعْلُ خَبَرَ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: ونَحْنُ نُكَفِّرُ، أو: وهي تُكَفِّرُ، أعْنِي الصَدَقَةَ، أو واللهُ يُكَفِّرُ، والثانِي: القَطْعُ والِاسْتِئْنافُ، وألّا تَكُونَ الواوُ العاطِفَةُ لِلِاشْتِراكِ لَكِنْ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ.
وأمّا الجَزْمُ في الراءِ فَإنَّهُ حَمْلٌ لِلْكَلامِ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ ﴾ إذْ هو في مَوْضِعِ جَزْمٍ جَوابًا لِلشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: وإنْ تُخْفُوها يَكُنْ أعْظَمَ لِأجْرِكُمْ، ثُمَّ عَطَفَهُ عَلى هَذا المَوْضِعِ، كَما جاءَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ونَذَرْهُمْ" بِجَزْمِ الراءِ وأمْثِلَةُ هَذا كَثِيرَةٌ.
وأمّا نَصْبُ الراءِ فَعَلى تَقْدِيرِ "أنْ" وتَأمَّلْ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: هو مُشَبَّهٌ بِالنَصْبِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، إذِ الجَزاءُ يَجِبُ بِهِ الشَيْءُ لِوُجُوبِ غَيْرِهِ كالِاسْتِفْهامِ.
والجَزْمُ في الراءِ أفْصَحُ هَذِهِ القِراءاتِ، لِأنَّها تُؤْذِنُ بِدُخُولِ التَكْفِيرِ في الجَزاءِ، وكَوْنِهِ مَشْرُوطًا إنْ وقَعَ الإخْفاءُ، وأمّا رَفْعُ الراءِ فَلَيْسَ فِيهِ هَذا المَعْنى.
و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِن سَيِّئاتِكُمْ" لِلتَّبْعِيضِ المَحْضِ، والمَعْنى في ذَلِكَ مُتَمَكِّنٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: "مِن" زائِدَةٌ في هَذا المَوْضِعِ، وذَلِكَ مِنهم خَطَأٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف بياني ناشئ عن قوله: ﴿ وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه ﴾ [البقرة: 270]، إذ أشعر تعميمُ «مِن نفقة» بحال الصدقات الخفيّة فيتساءل السامع في نفسه هل إبداء الصدقات يُعد رِياءً وقد سمع قبل ذلك قوله: ﴿ كالذي ينفق ماله رئاء الناس ﴾ [البقرة: 264]، ولأنّ قوله: ﴿ فإن الله يعلمه ﴾ [البقرة: 270] قد كان قولاً فصلاً في اعتبار نيَّات المتصدّقين وأحوال ما يظهرونه منها وما يخفونه من صدقاتهم.
فهذا الاستئناف يدفع توهّماً من شأنه تعطيل الصدقات والنفقات، وهو أن يمسك المرء عنها إذا لم يجد بُدّاً من ظهورها فيخشى أن يصيبه الرياء.
والتعريف في قوله: ﴿ الصدقات ﴾ تعريف الجنس، ومحمله على العموم فيشمل كل الصدقات فرضِها ونفلها، وهو المناسب لموقع هذه الآية عقب ذكر أنواع النفقاتتِ.
وجاء الشرط بإنْ في الصدقتين لأنّها أصل أدوات الشرط، ولا مقتضى للعدول عن الأصل، إذ كلتا الصدقتين مُرض لله تعالى، وتفضيل صدقة السرّ قد وفى به صريح قوله: ﴿ فهو خير لكم ﴾ .
وقوله: ﴿ فنعما ﴾ أصله فنعمَ مَا، فأدغم المِثلان وكسرت عَيْن نِعْم لأجل التقاء الساكنين، وما في مثله نكرة تامة أي متوغّلة في الإبهام لا يقصد وصفها بما يخصّصها، فتمامُها من حيث عدم إتباعها بوصف لا من حيث إنّها واضحة المعنى، ولذلك تفسّر بشيء.
ولما كانت كذلك تعيّن أن تكون في موضع التمييز لضمير نعم المرفوع المستتر، فالقصد منه التنبيه على القصد إلى عدم التمييز حتى إنّ المتكلم إذا ميّز لا يميّز إلاّ بمثللِ المميَّز.
وقوله ﴿ هِي ﴾ مخصوص بالمدح، أي الصدقاتُ، وقد علم السامع أنّها الصدقات المُبْدَأة، بقرينة فعل الشرط، فلذلك كان تفسير المعنى فنعما إبداؤهما.
وقرأ ورش عن نافع وابنُ كثير وحفص ويعقوب فنِعِمَّا بكسر العين وتشديد الميم من نِعم مع ميم ما.
وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وكسر العين.
وقرأه قالون عن نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بكسر النون واختلاس حركة العين بين الكسر والسكون.
وقرأه أبو جعفر بكسر النون وسكون العين مع بقاء تشديد الميم، ورويت هذه أيضاً عن قالون وأبي عمرو وأبي بكر.
وقوله: ﴿ وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ﴾ تفضيل لصدقة السرّ لأنّ فيها إبْقاء على ماءِ وجه الفقير، حيث لم يطّلع عليه غير المعطي.
وفي الحديث الصحيح، عَد من السبعة الذين يظلّهم الله بظلّه "...
ورجلٌ تصدّقَ بصدقة فأخفاها حتى لا تَعلمَ شِماله ما أنْفَقَت يَمينه " (يعني مع شدّة القرب بين اليمين والشمال؛ لأنّ حساب الدراهم ومناولة الأشياء بتعاونهما، فلو كانت الشمال من ذوات العلم لما اطلعت على ما أنفقته اليمين).
وقد فضّل الله في هذه الآية صدقة السرّ على صدقة العلانية على الإطلاق، فإن حُملت الصدقات على العموم كما هو الظاهر إجراءً للفظ الصدقات مجرى لفظ الإنفاق في الآي السابقة واللاّحِقة كان إخفاء صدقة الفرض والنفل أفضل، وهو قول جمهور العلماء، وعن الكِيَا الطَّبَري أنّ هذا أحد قول الشافعي.
وعن المهدوي: كان الإخفاء أفضل فيهما في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ساءت ظنون الناس بالناس فاستحسن العلماءُ إظهار صدقة الفرض، قال ابن عطية: وهذا مخالف للآثار أنّ إخفاء الصدقة أفضل.
فيكون عموم الصدقات في الآية مخصوصاً بصدقة التطوّع، ومخصّص العموم الإجماعُ، وحكى ابن العربي الإجماع عليه.
وإن أريد بالصدقات في الآية غير الزكاة كان المراد بها أخصّ من الإنفاق المذكور في الآي قبلها وبعدها، وكان تفضيل الإخفاء مختصاً بالصدقات المندوبة.
وقال ابن عباس والحسن: إظهار الزكاة أفضل، وإخفاء صدقة التطوّع أفضل من إظهارها وهو قول الشافعي.
وقوله: ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ ، توقّف المفسّرون في حكمة ذكره، مع العلم بأنّ الصدقة لا تكون إلاّ للفقراء، وأنّ الصدقة المُبْدَاة أيضاً تعطي للفقراء.
فقال العصام: «كأنّ نكتة ذكره هنا أنّ الإبداء لا ينفكّ عن إيتاء الفقراء؛ لأنّ الفقير يظهر فيه ويمتاز عن غيره إذ يعلمه الناس بحاله، بخلاف الإخفاء، فاشترط معه إيتاؤها للفقير حثّاً على الفحص عن حال من يعطيه الصدقة» (أي لأنّ الحرِيصينَ من غير الفقراء يستحيون أن يتعرّضوا للصدقات الظاهرة ولا يصدّهم شيء عن التعرّض للصدقات الخفيّة).
وقال الخفاجي: «لم يذكر الفقراء مع المُبْدَاةِ لأنّه أريد بها الزكاة ومصارفها الفقراءُ وغيرهم، وأما الصدقة المخفَاةُ فهي صدقة التطوّع ومصارفها الفقراء فقط».
وهو ضعيف لوجهين: أحدهما أنّه لا وجه لقصر الصدقة المبدَاةِ على الفريضة ولا قائل به بل الخلاف في أنّ تفضيل الإخفاء هل يعمّ الفريضة أولاً، الثاني أنّ الصدقة المتطوّع بها لا يمتنع صرفها لغير الفقراء كتجهيز الجيوش.
وقال الشيخ ابن عاشور جدّي في تعليق له على حديث فضل إخفاء الصدقة من «صحيح مسلم»: " عطف إيتاء الفقراء على الإخفاء المجعول شرطاً للخيرية في الآية مع العلم بأنّ الصدقة للفقراء يؤذن بأنّ الخيرية لإخْفَاءِ حال الفقير وعدم إظهار اليد العليا عليه " أي فهو إيماء إلى العلة وأنّها الإبقاء على ماء وجه الفقير، وهو القول الفصل لانتفاء شائبة الرياء.
وقوله: ﴿ ويكفر عنكم من سيئاتكم ﴾ قرأه نافع والكسائي وأبو بكر وأبو جعفر وخلف بنون العظمة، وبجزم الراء عطفاءً على موضع جملة الجواب وهي جملة فهو خير لكم، فيكون التكفير معلّقاً على الإخفاء.
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بالنون أيضاً وبرفع الراء على أنّه وعد على إعطاء الصدقات ظاهرةَ أو خفية وقرأه ابن عامر وحفص بالتحتية على أنّ ضميره عائد إلى الله وبالرفع.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَيْسَ في إبْدائِها كَراهِيَةٌ.
﴿ وَإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَعُودُ إلى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، يَكُونُ إخْفاؤُها أفْضَلَ، لِأنَّهُ مِنَ الرِّياءِ أبْعَدُ، فَأمّا الزَّكاةُ فَإبْداؤُها أفْضَلُ، لِأنَّهُ مِنَ التُّهْمَةِ أبْعَدُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسُفْيانَ.
والثّانِي: أنَّ إخْفاءَ الصَّدَقَتَيْنِ فَرْضًا ونَفَلًا أفْضَلُ، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.
﴿ وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ (مِن) زائِدَةٌ تَقْدِيرُها: ويُكَفِّرُ عَنْكم سَيِّئاتِكم.
والثّانِي: أنَّها لَيْسَتْ زائِدَةً وإنَّما دَخَلَتْ لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ إنَّما يُكَفِّرُ بِالطّاعَةِ مِن غَيْرِ التَّوْبَةِ الصَّغائِرَ، وفي تَكْفِيرِها وجْهانِ: أحَدُهُما: يَسْتُرُها عَلَيْهِمْ.
والثّانِي: يَغْفِرُها لَهم.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ﴾ فجعل الله صدقة السر في التطوّع على علانيتها سبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها.
وأخرج البيهقي في الشعب بسند ضعيف عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عمل السر أفضل من العلانية أفضل لمن أراد الاقتداء به» .
وأخرج البيهقي عن معاوية بن قرة قال: كل شيء فرض الله عليك فالعلانية فيه أفضل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن تبدوا الصدقات....
﴾ الآية.
قال: كان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها انتهت الصدقات إليها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: كل مقبول إذا كانت النية صادقة، وصدقة السر أفضل.
وذكر لنا أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن تبدوا الصدقات فنعما هي ﴾ قال: هذا منسوخ وقوله: ﴿ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ﴾ [ الذاريات: 19] قال: منسوخ نسخ كل صدقة في القرآن الآية التي في التوبة ﴿ إنما الصدقات للفقراء ﴾ [ التوبة: 60] الآية.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال: «قلت يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟
قال: جهد مقل أو سر إلى فقير، ثم تلا هذه الآية ﴿ إن تبدوا الصدقات فنعما هي...
﴾ الآية» .
وأخرج الطيالسي وأحمد والبزار والطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أدلك عن كنز من كنوز الجنة قلت: بلى يا رسول الله.
قال: لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة.
قلت: فالصلاة يا رسول الله؟
قال: خير موضوع، فمن شاء أقل ومن شاء أكثر.
قلت: فالصوم يا رسول الله؟
قال: قرض مجزئ.
قلت: فالصدقة يا رسول الله؟
قال: أضعاف مضاعفة وعند الله مزيد.
قلت: فأيها أفضل؟
قال: جهد من مقل وسر إلى فقير» .
وأخرج أحمد والطبراني في الترغيب عن أبي أمامة.
«أن أبا ذر قال: يا رسول الله ما الصدقة؟
قال: أضعاف مضاعفة وعند الله المزيد، ثم قرأ ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ﴾ [ البقرة: 245] قيل: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟
قال: سر إلى فقير أو جهد من مقل، ثم قرأ ﴿ إن تبدوا الصدقات فنعما هي...
﴾ الآية» .
وأخرج أحمد والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لمَّا خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟
قال: نعم، الحديد.
قالت: فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟
قال: نعم، النار.
قالت: فهل من خلقك شيء أشد من النار؟
قال: نعم، الماء.
قالت: فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟
قال: نعم، الريح.
قالت: فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟
قال: نعم، ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله» .
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» .
وأخرج الطبراني عن معاوية بن حيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن صدقة السر تطفئ غضب الرب» .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خفيا تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة، وأول من يدخل الجنة أهل المعروف» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب قضاء الحوائج والبيهقي في الشعب والأصبهاني في الترغيب عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وفعل المعروف يقي مصارع السوء» .
وأخرج أحمد في الزهد عن سالم بن أبي الجعد قال: كان رجل في قوم صالح عليه السلام قد آذاهم، فقالوا: يا نبي الله ادع الله عليه.
فقال: اذهبوا فقد كفيتموه، وكان يخرج كل يوم فيحتطب، فخرج يومئذ ومعه رغيفان فأكل أحدهما وتصدق بالآخر، فاحتطب ثم جاء بحطبه سالماً، فجاؤوا إلى صالح فقالوا: قد جاء بحطبه سالماً لم يصبه شيء، فدعاه صالح فقال: أي شيء صنعت اليوم؟
فقال: خرجت ومعي قرصان تصدقت بإحدهما وأكلت الآخر.
فقال صالح: حل حطبك.
فحله فإذا فيه أسود مثل الجذع عاض على جذل من الحطب، فقال: بها دفع عنه.
يعني بالصدقة.
وأخرج أحمد عن سالم بن أبي الجعد قال: خرجت امرأة وكان معها صبي لها، فجاء الذئب فاختلسه منها، فخرجت في أثره وكان معها رغيف، فعرض لها سائل فأعطته الرغيف، فجاء الذئب بصبيها فرده عليها.
وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله، فأما الذين يحبهم الله فرجل أتى قوماً فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة فتخلف رجل من أعقابهم فأعطاه سراً لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم نزلوا فوضعوا رؤوسهم فقام رجل يتملقني ويتلو آياتي، ورجل كان في سرية فلقي العدو فهزموا فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له.
وثلاثة يبغضهم الله: الشيخ الزاني، والفقير المختال، والغني الظلوم» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قراءة القرآن في الصلاة أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة، وقراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من التسبيح والتكبير، والتسبيح أفضل من الصدقة، والصدقة أفضل من الصوم، والصوم جنة من النار» .
وأخرج ابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية، ترزقوا وتنصروا وتجبروا» .
وأخرج أبو يعلى عن جابر «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لكعب بن عجرة: يا كعب بن عجرة الصلاة قربان، والصيام جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
يا كعب بن عجرة الناس غاديان فبائع نفسه فموبق رقبته، ومبتاع نفسه في عتق رقبته» .
وأخرج ابن حبان عن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا على سحت النار أولى به، يا كعب بن عجرة الناس غاديان فغاد في فكاك نفسه فمعتقها، وغاد موبفها.
يا كعب بن عجرة الصلاة قربان.
والصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يذهب الجليد على الصفا» .
وأخرج أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عقبة بن عامر «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس» .
وأخرج ابن خزيمة والحاكم وصححه عن عمر قال: ذكر لي أن الأعمال تباهي فتقول الصدقة: أنا أفضلكم.
وأخرج أحمد والبزار وابن خزيمة والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يخرج رجل بشيء من الصدقة حتى يفك عنها لحيي سبعين شيطاناً» .
وأخرج الطبراني والبيهقي في الشعب عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدقة لتطفئ على أهلها حر القبور، وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته» .
وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطى الصدقة» .
وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا فإن الصدقة فكاككم من النار» .
وأخرج الطبراني عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها» .
وأخرج الطبراني عن ميمونة بنت سعد أنها قالت: يا رسول الله أفتنا عن الصدقة؟
قال: إنها فكاك من النار لمن احتسبها يبتغي بها وجه الله.
وأخرج الترمذي وحسنه وابن حبان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء» .
وأخرج الطبراني عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصدقة تسد سبعين باباً من السوء» .
وأخرج الطبراني عن عمرو بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن صدقة المسلم تزيد في العمر وتمنع ميتة السوء، ويذهب الله بها الكبر والفخر» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي ذر قال: ما خرجت صدقة حتى يفك عنها لحيا سبعين شيطاناً كلهم ينهى عنها.
وأخرج ابن المبارك في البر والأصبهاني في الترغيب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليدرأ بالصدقة سبعين ميتة من السوء» .
وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليدخل باللقمة الخبز وقبضة التمر ومثله مما ينتفع به المسكين ثلاثة الجنة: رب البيت الآمر به، والزوجة تصلحه، والخادم الذي يناول المسكين.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي لم ينس خدمنا» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة» .
وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليتق أحدكم وجهه من النار ولو بشق تمرة» .
وأخرج أحمد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة، اشتري نفسك من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان» .
وأخرج البزار وأبو يعلى عن أبي بكر الصديق قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعواد المنبر يقول: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإنها تقيم العوج، وتدفع ميتة السوء، وتقع من الجائع موقعها من الشبعان» .
وأخرج ابن حبان عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعبد عابد من بني إسرائيل فعبد الله في صومعة ستين عاماً، فأمطرت الأرض فأخضرت، فأشرف الراهب من صومعته فقال: لو نزلت فذكرت الله فازددت خيراً، فنزل ومعه رغيف أو رغيفان، فبينما هو في الأرض لقيته امرأة فلم يزل يكلمها وتكلمه حتى غشيها، ثم أغمي عليه، فنزل الغدير يستحم فجاء سائل فأوما إليه أن يأخذ الرغيفين ثم مات، فوزنت عبادة ستين سنة بتلك الزينة فرجحت الزينة بحسناته، ثم وضع الرغيف أو الرغيفان مع حسناته فرجحت حسناته فغفر له» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن مسعود.
أن راهباً عبد الله في صومعة ستين سنة، فجاءت امرأة فنزلت إلى جنبه، فنزل إليها فواقعها ست ليال، ثم سقط في يده فهرب، فأتى مسجداً فأوى فيه ثلاثاً لا يطعم شيئاً، فأتى برغيف فكسره فأعطى رجلاً عن يمينه نصفه، وأعطى آخر عن يساره نصفه، فبعث الله إليه ملك الموت فقبض روحه، فوضعت الستون في كفة ووضعت الستة في كفة فرجحت الستة، ثم وضع الرغيف فرجح.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى الأشعري.
نحوه.
وأخرج البيهقي عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له خصفة بن خصفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هل تدرون ما الشديد؟
قلنا: الرجل يصرع الرجل!
قال: إن الشديد كل الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، تدرون ما الرقوب؟
قلنا: الرجل لا يولد له!
قال: إن الرقوب الرجل الذي له الولد لم يقدم منهم شيئاً، ثم قال: تدرون ما الصعلوك؟
قلنا: الرجل لا مال له!
قال: الصعلوك كل الصعلوك الذي له المال لم يقدم منه شيئاً» .
وأخرج البزار والطبراني عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» .
وأخرج البزار والطبراني عن النعمان بن بشير «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة» .
وأخرج البزار والطبراني عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة» .
وأخرج البزار والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا عائشة، اشتري نفسك من الله، لا أغني عنك من الله شيئاً ولو بشق تمرة، يا عائشة، لا يرجعن من عندك سائل ولو بظلف محرق» .
وأخرج مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحه صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» .
وأخرج البزار وأبو يعلى عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على كل ميسم من الإِنسان صدقة كل يوم.
فقال بعض القوم: إن هذا لشديد يا رسول الله ومن يطيق هذا؟
قال: أمر بالمعروف ونهي عن المنكر صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وإن حملك على الضعيف صدقة، وإن كل خطوة يخطوها أحدكم إلى الصلاة صدقة» .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ابن آدم ستون وثلثمائة مفصل، عن كل واحد منها في كل يوم صدقة، فالكلمة يتكلم بها الرجل صدقة، وعون الرجل أخاه على الشيء صدقة، والشربة من الماء تسقي صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة» .
وأخرج البزار والطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن تبسمك في وجه أخيك يكتب لك به صدقة، وإن إفراغك من دلو أخيك يكتب لك به صدقة، وإماطتك الأذى عن الطريق يكتب لك به صدقة، وإرشادك للضال يكتب لك به صدقة» .
وأخرج البزار عن أبي جحيفة قال: «دهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناس من قيس مجتابي الثمار متقلدي السيوف، فساءه ما رأى من حالهم، فصلى ثم دخل بيته، ثم خرج فصلى وجلس في مجلسه، فأمر بالصدقة أو حض عليها فقال: تصدق رجل من ديناره، تصدق رجل من درهمه، تصدق رجل من صاع بره، تصدق رجل من صاع تمره.
فجاء رجل من الأنصار بصرة من ذهب فوضعها في يده، ثم تتابع الناس حتى رأى كومين من ثياب وطعام، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تهلل كأنه مذهبة» .
وأخرج البزار عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث يوماً على الصدقة، فقام علية بن زيد فقال: ما عندي إلا عرضي، وإني أشهدك يا رسول الله، أني تصدقت بعرضي على من ظلمني ثم جلس.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت المصدق بعرضك قد قبل الله منك» .
وأخرج البزار عن علية بن زيد قال: «حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فقام عليه فقال: يا رسول الله، حثثت على الصدقة وما عندي إلا عرضي فقد تصدقت به على من ظلمني فأعرض عني، فلما كان في اليوم الثاني قال: أين علية بن زيد، أو أين المتصدق بعرضه فإن الله تعالى قد قبل منه» .
وأخرج أحمد وأبو نعيم في فضل العلم والبيهقي عن أبي ذر «أنه قال: يا رسول الله، من أين نتصدق وليس لنا أموال؟
قال: أن من أبواب الصدقة التكبير، وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله واستغفر الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوك عن طريق الناس، والعظم والحجر، وتهدي الأعمى، وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ذراعيك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك، ولك في جماعك زوجتك أجر، قال أبو ذر: كيف يكون لي أجر في شهوتي؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو كان لك ولد فأدرك فرجوت أجره فمات أكنت تحتسب به؟
قلت: نعم.
قال: فأنت خلقته؟
قلت: بل الله خلقه.
قال: فأنت هديته؟
قلت: بل الله هداه.
قال: فأنت كنت ترزقه؟
قلت: بل الله كان يرزقه.
قال: فكذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه، فإن شاء الله أحياه وإن شاء أماته ولك أجر» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تصدقوا فإنه يوشك أن يخرج الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سلمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال قط فتصدقوا» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت «أهديت لنا شاة مشوية فقسمتها كلها إلا كتفها، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: كلها لكم إلا كتفها» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والأصبهاني في الترغيب وابن عساكر عن الشعبي قال: «نزلت هذه الآية ﴿ إن تبدوا الصدقات فنعما هي ﴾ إلى آخر الآية في أبي بكر وعمر، جاء عمر بنصف ماله يحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رؤوس الناس، وجاء أبو بكر بماله أجمع يكاد أن يخفيه من نفسه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم» ما تركت لأهلك؟
«قال: عدة الله وعدة رسوله.
فقال عمر لأبي بكر: ما سبقناك إلى باب خير قط إلا سبقتنا إليه» .
وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم وصححاه عن عمر قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم» ما أبقيت لأهلك؟
«قلت: مثله.
وأتى أبو بكر يحمل ما عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟
قال: أبقيت لهم الله ورسوله.
فقلت: لا أسابقك إلى شيء أبداً» .
وأخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب قال: إنما أنزلت هذه الآية ﴿ إن تبدوا الصدقات فنعما هي ﴾ في الصدقة على اليهود والنصارى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ وتكفر عنكم من سيئاتكم ﴾ وقال: الصدقة هي التي تكفر.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة ابن مسعود ﴿ خير لكم تكفر ﴾ بغير واو.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾ الآية.
فنعما نزلت لما سألوا رسول الله ، فقالوا: صدقة السِّر أفضل أم صدقة (١) (٢) قال الزجاجي: أصل (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه من القراءة (٥) أحدها: كسر النون وجزم العين، وهو قراعةُ أبي عمروٍ، واختيار أبي عبيد، قال: لأنها لغة النبي ، حين قال لعمرو بن العاص (٦) (٧) (٨) (٩) وأما ما ذكر أبو عبيد من أنها لغة النبي ، فقال الزجاج: لا أحسب أصحاب الحديث ضبطوا هذا، ولا هذه القراءة جائز عند النحويين البتة؛ لأن فيها الجمع بين ساكنين مع غير حرف من مد ولين (١٠) ومن احتج لأبي عمرو في هذه القراءة قال: لعله أخفى حركة العين، كأخْذِه بالإخفاء في نحو: بارئكم ويأمركم، فظن السامع الإخفاء إسكانًا، للطف ذلك في السمع وخفائه (١١) وسمعت أبا الحسن القهندري رحمه الله يحتج لقراءة أبي عمرو، يقول: إنه لم يُبال الجمع بين ساكنين؛ لقوة العين، وخفاء سكون الميم عند الإدغام إذ اللسان ينبو (١٢) (١٣) الوجه الثاني من القراءة في هذا الحرف: (فنِعِما هي) بكسر النون والعين، قالوا: كسر العين اتباعًا لكسرة الفاء، فرارًا من الجمع بين ساكنين، فأتبع العين الفاء في الكسرة، هذا قول أكثرهم، وقال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن تكون هذه القراءة ممن قال: نِعْم، فلما أدغم حرك العين، كما يقول ﴿ يَهْدِي ﴾ ، يتحرك الهاء إذا أدغمت التاء في الدال، وأنكر قول من قال: إن العين كسرت اتباعا للفاء (١٤) (١٥) (١٦) وفي (نعم) أربع لغات: أحدها: نَعِم بفتح النون وكسر العين، وهو الأصل.
والثاني: نِعِم بكسر النون والعين، أتبعوا الأول الثاني؛ لأن الكسرة أشبه بحروف الحلق.
والثالث: نَعْمَ بفتح الأول وإسكان (١٧) ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ﴾ بما فيه مقنع (١٨) قال سيبويه: أما قولُ بعضهم في القراءة ﴿ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾ فَحَرَّك العين، فليس على لغة من يقول: نِعْمَ ما، فأسكن العين، ولكن على لغة من قال: نِعِم فحرك العين.
وحدثنا أبو الخطاب (١٩) (٢٠) (٢١) الوجه الثالث من القراءة: (نَعِمّا هي) بفتح النون وكسر العين، ومن قرأ بهذه القراءة فقد جاء بالكلمة على أصلها، وهو نَعِمَ كما قال طرفة: نَعِمَ السَّاعُونَ في الأمْرِ المُبِرْ [[البيت في ديوان طرفة ص 58، وروايته: خالتي والنفس قُدما إنهم ...
نعِم الساعون في القوم الشطُر وذكره أبو علي في "الحجة" 2/ 398، وكذا التبريزي في "شرح الحماسة" 2/ 85 برواية: ما أقلت قدماي إنهم ...
نَعِم الساعون في الأمر المُبِر وعند سيبويه 4/ 440 برواية: ما أقلت قدم ناعلها ...
نعم الساعون في الحي الشطر وقد استوفى الكلام على الشاهد: البغدادي في "خزانة الأدب" 4/ 101، والمُبِر: الغالب، من أبره يبره، إذا قهره بفعال أو غيره.
ينظر: "اللسان" 1/ 252، 253 [برر].]] ولا يجوز أن يكون ممن يقول: نَعْم قبل الإدغام، كما أن من قرأ: ﴿ نِعِمَّا ﴾ لا يكون ممنْ قال قبل الإدغام نِعْمَ، ولكن قارئ الوجه الثالث ممن يقول: نَعِم، فجاء بالكلمة على أصلها (٢٢) فأما (ما) في قوله: ﴿ فَنِعِمَّا ﴾ قال أبو إسحاق: (ما) في تأويل الشيء، أي: نعم الشيء هي (٢٣) وقال أبو علي: الجيد في تمثيل هذا: أن يقال: (ما) في تأويل شيء؛ لأن (ما) هنا: نكرة فتمثيله بالنكرة أبين، والدليل على أن (ما) نكرة هنا: أنها لا تخلو من أن تكون معرفة أو نكرة، فإن كانت معرفة فلا بُدّ لها من صلة، وليس هنا (ما) توصَل به (ما) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) والمعنى في قوله: ﴿ فَنِعِمَّا هِىَ ﴾ أن في نعم ضميرُ الفاعل، و (ما) في موضع نصب، وهي تفسير الفاعل المضمر قبل الذكر، والمخصوص بالمدح بقوله: (نعم) هو.
(هي) في قوله: ﴿ فَنِعِمَّا هِىَ ﴾ والمعنى: إن تبدوا الصدقات فيكم (٢٨) ﴿ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ المعنى فيه: فالإخفاءُ خيرٌ لكم، كذلك قوله: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾ المعنى فيه: فنعم شيئًا إبداؤها، فالإبداء هو المخصوص بالمدح، إلا أن المضاف الذي هو الإبداء حُذِفَ، وأقيم المضاف إليه الذي هو ضمير الصدقات مقامه، فعلى هذا قوله: ﴿ هِيَ ﴾ في محل الرفع (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ الإخفاء: نقيض الإظهار، والخِفَاء: الغِطَاء، والخفيّة: عَرِينُ الأسد، لأنه يَخْتَفِي فيها.
والخوافي من الريش ما دون القوادم؛ لأنها تخفى بها (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ فَهُوَ ﴾ كناية عن الإخفاء، لأن الفعل يدل على المصدر، أي: الإخفاء خير لكم (٣١) (٣٢) فأما التفسير، فأكثر المفسرين على أن المراد بالصدقات في هذه الآية التطوّع لا الفرض؛ لأن القرض إظهاره أفضل من كتمانه، والتطوع كتمانه أفضل، لأنه أبعد من الرياء، كما تقول في الصلاة، فإن فرض الصلاة (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقال بعضهم: المراد بالصدقات، هاهنا، القرض، وكان كتمانه على عهد رسول الله أفضل، لأن المسلمين إذ ذاك لم تكن تسبق إليهم ظِنَّةٌ في منع الواجب، فأما اليوم والناس يسيئون الظن فإظهار الزكاة أحسن، أما التطوع فإخفاؤه أحسن، فإنه أدلّ على أنه يراد به الله وحده، وهذا اختيار الزجاج (٣٦) وقال بعضهم: هذه الآية عامة في الصدقات والزكاة، والإخفاء في كل صدقة من زكاة وغيرها أفضل.
وهذا قول الحسن (٣٧) (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ التكفير في اللغة: التغطية والستر، ورجل مُكَفَّرٌ في السلاح: مُغَطَّى فيه، ومنه، يقال: كفّر عن يمينه، أي: ستر ذَنْبَ الحِنْثِ بما بَذَلَ من الصدقة، والكَفَّارة الساترة لما حصل من الذنب (٣٩) والرفع (٤٠) أحدهما: أن يجعله خبرَ مبتدأ محذوف، تقديره: ونحن نكفر.
والآخر: أن تستأنف الكلام وتقطعه مما قبله، ولا تجعل العاطف للإشراك، ولكن لعطف جملةٍ على جملةٍ، ومن هذا القبيل قوله: ﴿ أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ﴾ هو عطف جملة مستأنفة على معنى: نحن نفعل ذلك.
ومن قرأ: (ونكفر) بالنون والجزم، فوجهه: أن يُحْمَلَ الكلام على موضع قوله: ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ وموضِعُه جَزْمٌ، ألا ترى أنه لو قال: وإن تخفوها تكن أعظم لأجركم، لجزم، فقد علمتَ أن قولَه: ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ في موضع جزم، ومثله في الحمل على الموضع: قراءة من قرأ: ﴿ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ ﴾ ، بالجزم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
ومن الحمل على المعنى قول أبي دؤادٍ: فَأَبْلُونِي بَلِيَّتَكُم لَعَلِّي ...
أُصَالِحْكُم وأَسْتَدْرِجْ نَوِيَّا (٤١) ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾ .
ثم قال: ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ﴾ (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ أدخل (من) للتبعيض؛ ليكون العباد فيها على وجل ولا يتكلوا (٤٣) وقال ابن الأنباري: (من) هاهنا توكيد للكلام، والتقدير: ويكفر عنكم سيئاتكم، فأكد (٤٤) ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾ .
وقال عطاء عن ابن عباس: (من) هاهنا صلة للكلام، يريد: جميع سيئاتكم (٤٥) (١) سقطت من (ي).
(٢) ذكره الثعلبي 2/ 1640، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 91، وابن== الجوزي في "زاد المسير" 1/ 325، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 323، والحافظ في "العجاب" 1/ 627 عن الكلبي، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 384.
عن ابن عباس.
(٣) ليست في (أ) و (م).
(٤) لم أجده فيما بين يدي من كتب الزجاجي، وينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1542، "المفردات" 280 - 282.
(٥) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بفتح النون وكسر العين، وقرأ ورش وابن كثير وحفص ويعقوب بكسر النون والعين، وقرأ أبو جعفر بكسر النون وإسكان العين، واختلف عن قالون والبصري وشعبة، فروي عنهم وجهان: الأول: كسر النون واختلاس كسرة العين، وهذا هو الذي ذكره الشاطبي.
والثاني: كسر النون وإسكان العين كقراءة أبي جعفر، واتفقوا على تشديد الميم.
ينظر "السبعة" 190، "النشر" 2/ 335 - 336، "البدور الزاهرة" 55 - 56.
(٦) هو: عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سُعَيد القرشي السهمي، كان في == الجاهلية من الأشداء على الإسلام، أسلم في هدنة الحديبية وأمَّرَه الرسولُ - على الجيش، كان من عظماء العربِ ودُهَاتهم، له فتوحاتٌ في الشام ومصر، توفي سنة 43 هـ.
انظر: "فضائل الصحابة" للإمام أحمد 2/ 911 "أسد الغابة" 3/ 244 - 248، "الأعلام" 5/ 79.
(٧) حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد 4/ 197 (17763)، (17764)، 4/ 202 (17802)، وأخرجه أبو عبيد في "غريب الحديث" 1/ 93 - 94، وابن أبي شيبة 7/ 17 - 18، وأبو يعلى (7336)، وابن حبان (3210)، (3211)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (6056)، (6057).
(٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 354، "علل القراءات" للأزهري 1/ 97، "تفسير الثعلبي" 2/ 1641 - 1642، "والنشر" 2/ 236.
(٩) من "الحجة" 2/ 396.
(١٠) "معاني القرآن" 1/ 354.
(١١) من "الحجة" 2/ 397.
(١٢) في (أ): (بنوا).
(١٣) قال في "النشر" 2/ 236: وحكى النحويون الكوفيون سماعا من العرب (شهر رمضان) مدغمًا، وحكى ذلك سيبويه في الشعر، وروى الوجهين جميعًا عنه الحافظ أبو عمرو الداني، ثم قال: والإسكان آثر، والإخفاء أقيس، قلت: والوجهان: صحيحان غير أن النص عنهم بالإسكان، ولا يعرف الاختلاس إلا من طريق المغاربة ومن تبعهم اهـ.
(١٤) في (ي): النون مراده بالنون نون نعم والمراد فيما أثبتا الفاء أي فاء الفعل.
(١٥) هكذا بالأصل مضبوطة، وفي "الحجة": (قدم) ولعله أصوب.
(١٦) "الحجة" 2/ 397 - 398.
(١٧) في (م): (سكون).
(١٨) لم يذكر في هذا الموضع اللغة الرابعة، وهي نِعْم، بكسر النون وإسكان العين، وينظر في لغاتها: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 354، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 141.
(١٩) هو الأخفش الأكبر.
(٢٠) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 439 - 440.
(٢١) من "الحجة" 2/ 398.
(٢٢) من "الحجة" 2/ 398 - 399.
(٢٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 354.
(٢٤) سقطت من (ي).
(٢٥) في "الإغفال" (لها) والمعنى واحد.
(٢٦) (هذا) ليست في (أ) و (م) و (ش).
(٢٧) من "الإغفال" ص 547 - 550 بتصرف واختصار.
(٢٨) ليست في (م) ولا (ش) وكأنها تبدو في (أ) مكشوطًا عليها.
(٢٩) من "الحجة" 2/ 399 بتصرف، وذكر الثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان" 2/ 1640 أن (هي) في محل النصب، كما تقول: نعم رجلًا، فإذا عرفت رفعت فعلت: نعم الرجل زيد.
(٣٠) ينظر في خفي: "تهذيب اللغة" 1/ 1070، "المفردات" 159، "اللسان" 2/ 1216، "القاموس" 1280.
(٣١) "الحجة" 2/ 399، "التبيان" ص163.
(٣٢) "الحجة" 2/ 399.
(٣٣) قوله: (فإن فرض الصلاة)، ساقطة من (أ) و (م).
(٣٤) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 93، "تفسير الثعلبي" 2/ 1650، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 236، "فتح الباري" 3/ 289.
(٣٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 92، وفي "زاد المسير" 1/ 325 - 326.
(٣٦) "معاني القرآن" 1/ 354.
(٣٧) ذكره في "زاد المسير" 1/ 326، وذكره في "النكت والعيون" 1/ 345.
(٣٨) ذكره في "زاد المسير" 1/ 326، والواحدي في "الوسيط" 1/ 385، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 537.
ورواه الطبري في "تفسيره" 3/ 92 بمعناه.
(٣٩) ينظر في (مادة: كفر): "تهذيب اللغة" 3160 - 3164، "المفردات" ص 435 - 438، "اللسان" 7/ 3897 - 3902.
(٤٠) قرأ نافع وحمزة والكسائي (ونكفر) بالنون وجزم الراء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة (ونكفر) بالنون ورفع الراء، وقرأ ابن عامر وحفص (ويكفر) بالياء والرفع.
ينظر: "السبعة" ص 191، "الحجة" 2/ 399 - 400.
(٤١) البيت من الوافر، وهو لأبي دؤاد الإيادي في "ديوانه" ص 350، "الحجة" 2/ 401، "الخصائص" 2/ 341، "سر صناعة الإعراب" 2/ 701، "شرح شواهد المغني" 2/ 839، "مغني اللبيب" 2/ 423 بلا نسبة.
ينظر: "المعجم المفصل" 8/ 365.
(٤٢) "الحجة" 2/ 400 - 402.
وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 355 - 356، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 338 - 339، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 141، "التبيان" ص163، "البحر المحيط" 2/ 325.
(٤٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 1649، "البحر المحيط" 2/ 326 قال: لأن الصدقة لا تكفر جميع السيئات.
(٤٤) في (م): (وأكد).
(٤٥) ينظر في إعراب الآية: "تفسير الطبري" 5/ 586، "تفسير الثعلبي" 2/ 1649، "المحرر الوجيز" 2/ 464، "التبيان" ص 163، "البحر المحيط" 1/ 326، وقد خطأ ابن عطية من قال إنها زائدة، وضعف قول من جعلها سببية وقدر (من أجل ذنوبكم).
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ ﴾ قيل: هي المعرفة بالقرآن، وقيل: النبوة، وقيل: الإصابة في القول والعمل ﴿ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ ﴾ الآية.
ذكر نوعين، وهما ما يفعله الإنسان تبرعاً، وما يفعله بعد إلزامه نفسه بالنذر، وفي قوله: ﴿ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ ﴾ وعد بالثواب، وقوله: ﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ وعيد لمن يمنع الزكاة أو ينفق لغير الله ﴿ إِن تُبْدُواْ الصدقات ﴾ هي التطوع عند الجمهور لأنها يحسُن إخفاؤها وإبداء الواجبة كالصلوات ﴿ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾ ثناء على الإظهار، ثم حكم أن الإخفاء خير من ذلك الإبداء وما من نعما في موضع نصب تفسير للمضمر؛ والتقدير: فنعم شيء إبداؤها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولا تيمموا ﴾ بتشديد التاء ومد الألف: البزي وابن فليح الباقون على الأصل ﴿ ومن يؤت الحكمة ﴾ بكسر التاء: يعقوب أي من يؤتيه الله.
الباقون بالفتح ﴿ فنعما هي ﴾ ساكنة العين: أبو عمرو والمفضل ويحيى وأبو جعفر ونافع غير ورش ﴿ فنعما هي ﴾ بفتح النون وكسر العين: ابن عامر وعلي وحمزة وخلف والخراز، الباقون ﴿ فنعما هي ﴾ بكسر النون والعين والميم مشددة في القراءات، ﴿ ونكفر ﴾ بالنون والراء ساكنة: أبو جعفر ونافع وحمزة وخلف وعلي ﴿ ويكفر ﴾ بالياء والراء مرفوعة: ابن عامر وحفص والمفضل.
الباقون ﴿ ونكفر ﴾ بالنون ورفع الراء ﴿ يحسبهم ﴾ وبابه بفتح السين: ابن عامر ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة.
﴿ بسيماهم ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وابن شاذان عن خلاد مخيراً.
وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وكذلك كل كلمة على ميزان "فعلى".
الوقوف: ﴿ من الأرض ﴾ "ز" لعطف المتفقتين ﴿ تغمضوا فيه ﴾ (ط)، ﴿ حميد ﴾ ه، ﴿ الفحشاء ﴾ ج، وإن اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق الصادق، ﴿ فضلاً ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، ﴿ من يشاء ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف.
ومن قرأ ﴿ ومن يؤت الحكمة ﴾ بالكسر فالوصل أجوز.
﴿ كثيراً ﴾ ط، ﴿ الألباب ﴾ ه، ﴿ يعلمه ﴾ ط، ﴿ أنصار ﴾ ه، ﴿ فنعما هي ﴾ ج، ﴿ خير لكم ﴾ ط، لمن قرأ ﴿ ونكفر ﴾ مرفوعاً بالنون أو الياء على الاستئناف.
ومن جزم بالعطف على موضع فهو خير لكم لم يقف ﴿ سيئاتكم ﴾ ط، ﴿ خبير ﴾ ه، ﴿ من يشاء ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ فلأنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي، ﴿ وجه الله ﴾ ط، ﴿ لا يظلمون ﴾ ه، ﴿ في الأرض ﴾ ز لأن ﴿ يحسبهم ﴾ وإن صلحت حالاً بعد حال نظماً، ولكن لا يليق بحال من أحصر.
﴿ التعفف ﴾ ز لأن ﴿ تعرفهم ﴾ تصلح استئنافاً والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء وأنت تعرفهم بحقيقة ما في بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف.
وقد يجعل ﴿ لا يسألون ﴾ استئنافاً فيجوز الوقف على ﴿ سيماهم ﴾ ﴿ إلحافاً ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ عند ربهم ﴾ ج ﴿ يحزنون ﴾ ه.
التفسير: لما رغب في الإنفاق وذكر أن منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يتبعه ذلك، وشرح ما يتعلق بكل من القسمين وضرب لكل واحد مثلاً، ذكر بعد ذلك أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف يجب أن يكون فقال ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما/ أخرجنا ﴾ أي من طيبات ما أخرجنا، فحذف لدلالة الأول عليه.
عن الحسن: أن المراد من هذا الإنفاق الفرض بناء على أن ظاهر الأمر للوجوب، والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة، وقيل: التطوع لما روي عن علي والحسن ومجاهد أن بعض الناس كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم فأنزل الله هذه الآية.
عن ابن عباس: "جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة لأهل الصفة على حبل بين أسطوانيتن في مسجد رسول الله فقال : بئسما صنع صاحب هذا" فنزلت.
وقيل: يشمل الفرض والنفل، لأن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على الترك فقط، ويتفرع على قول الوجوب وجوب الزكاة في كل مال يكسبه الإنسان، فيشمل زكاة التجارة وزكاة الذهب والفضة وزكاة النعم وزكاة كل ما ينبت من الأرض، إلا أن العلماء خصصوها بالأقوات لما روي أنه قال: " الصدقة في أربعة: في التمر والزبيب والحنطة والشعير وليس فيما سواها صدقة" فهذا الخبر ينفي الزكاة في غير الأربعة، لكن ثبت أخذ الزكاة من الذرة وغيرها بأمر فعلم وجوب الزكاة في الأقوات دون غيرها.
ولا يكفي في وجوب الزكاة كون الشيء مقتاتاً على الإطلاق، بل المعتبر حالة الاختيار لا وقت الضرورة ومثله الشافعي بالقت وحب الحنظل وسائر البذور البرية، وشبهها ببقرة الوحش لا زكاة فيها لأن الناس لا يتعهدونها.
وأيضاً لا تجب الزكاة في القوت ما لم يبلغ خمسة أوسق وبه قال مالك وأحمد لرواية أبي سعيد الخدري أن النبي قال: "ليس فيما دون خمسَة أوسق صدقة" وقال أبو حنيفة: يجب العشر في القليل والكثير استدلالاً بعموم الآية.
وتفصيل الكلام في الأموال الزكوية وكيفية إخراجها ونصاب كل منها مشهور مذكور في الفروع، فلذلك ولطولها لم نشرع فيها.
وما المراد بالطيب في الآية؟
قيل: الجيد فيكون المراد بالخبيث الرديء لما مر في سبب النزول أنهم كانوا يتصدقون برذالة أموالهم فنهوا عن ذلك، ولأن المحرم لا يجوز أخذه بالإغماض وبغيره، والآية دلت على جواز أخذ الخبيث بالإغماض، وعن ابن مسعود ومجاهد: أن الطيب هو الحلال والخبيث هو الحرام، والمراد من الإغماض هو المسامحة وترك الاستقصاء.
والمعنى ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال من حلاله أو من حرامه، ويحتمل أن يراد ما/ يكون طيباً من جميع الوجوه فيكون طيباً بمعنى الحلال وبمعنى الجودة أيضاً، لأن الاستطابة قد تكون شرعاً وقد تكون عقلاً.
واعلم أن المال الزكوي إن كان كله شريفاً وجب أن يكون المأخوذ منه كذلك، وإن كان الكل خسيساً فلا يكلف صاحبه فوق طاقته ولا يكون خلافاً للآية لأن المأخوذ في هذه الحال لا يكون خبيثاً من ذلك المال وإنما الكلام فيما لو كان في المالجيد ورديء فحينئذٍ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك، ولا تكلف أيضاً جيده لقوله لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: " اعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم " بل الواجب حينئذٍ هو الوسط.
ثم إن قلنا: المراد من الإنفاق في الآية التطوع أو هو والفرض جميعاً، فالمعنى أن الله ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه قضاء لحقوق التعظيم والإخلاص، ومعنى ﴿ لا تيمموا الخبيث ﴾ لا تقصدوه.
يقال: تيممته وتأممته كله بمعنى قصدته.
ومحل ﴿ تنفقون ﴾ نصب على الحال، وقدم ﴿ منه ﴾ عليه ليعلم أن المنهي عنه هو تخصيص الخبيث بالإنفاق منه أي إذا كان في المال طيب وخبيث.
ويحتمل أن يتم الكلام عند قوله: ﴿ ولا تيمموا الخبيث ﴾ ثم ابتدأ مستفهماً بطريق الإنكار فقال: ﴿ منه تنفقون ﴾ وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم إلا بالإغماض وهو غض البصر وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض وهو الخفاء.
يقال للبائع: أَغْمِضْ أي لا تستقص كأنك لا تبصر.
وأصله أن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه كيلا يرى ذلك، فكثر حتى جعل كل مساهلة إغماضاً أي لو أهدي لكم مثل هذه الأشياء أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم؟
ويحتمل أن يراد إلا إذا أغمضتم بصر البائع أي كلفتموه الحط من الثمن.
عن الحسن: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه.
﴿ واعلموا أن الله غني ﴾ عن صدقاتكم ﴿ حميد ﴾ محمود على ما أنعم من البيان والتكليف بما تحوزون به النعيم الأبدي، أو حامد شاكر على إنفاقكم كقوله: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً ﴾ ثم إن الله لما رغب في أجود ما يملكه الإنسان أن ينفق، حذر عن وسوسة الشيطان فقال: ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ أما الشيطان فيشمل إبليس وجنوده وشياطين الإنس والنفس الأمارة بالسوء.
والوعد يستعمل في الخير والشر.
قال : ﴿ النار وعدها الله الذين كفروا ﴾ ويمكن أن يكون استعماله في الشر محمولاً على التهكم مثل ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار وقرىء الفقر بضمتين، والفقر بفتحتين.
﴿ ويأمركم بالفحشاء ﴾ يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور.
والفاحش عند العرب البخيل.
والتحقيق أن لكل خلق طرفين ووسطاً، فالطرف الكامل للإنفاق هو أن يبذل كل ماله في سبيل الله، والطرف الأفحش أن لا ينفق شيئاً لا الجيد ولا الرديء، والوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء.
فالشيطان إذا أراد نقله من الأفضل إلى الأفحش، فمن خفي حيلته أن يجره إلى الوسط وهو وعده بالفقر، ثم إلى الطرف وهو أمره بالفحشاء.
وذلك أن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فلا يمكنه أن يجره ابتداء إليها إلا بتقديم مقدمة هي التخويف بالفقر إذا أنفق الجيد من ماله، فإذا أطاعه زاد فيمنعه من الإنفاق بالكلية.
وربما تدرج إلى أن يمنع الحقوق الواجبة فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة، فإذا صار هكذا ذهب وقع الذنوب عن قلبه ويتسع الخرق فيقدم على المعاصي كلها.
ثم لما ذكر درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمن فقال: ﴿ والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً ﴾ فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلف عن النبي " إن الملك ينادي كل ليلة: اللهم أعط منفقاً خلفاً وممسكاً تلفا " فالشيطان يعدكم الفقر في غد الدنيا، والرحمن يعدكم المغفرة في غد العقبى، ووعد الرحمن بالقبول أولى لأن الوصول إلى غد الدنيا مشكوك فيه، وغد العقبى مقطوع به.
وعلى تقدير وجدان غد الدنيا فقد لا يبقى المال بآفةأخرى، وعند وجدان العقبى لا بد من حصول المغفرة فإن الله لا يخلف الميعاد.
ولو فرض بقاء المال فقد لا يتمكن صاحبه من الانتفاع به لخوف أو مرض أومهم بخلاف الانتفاع بما في الآخرة فإنه لا مانع منه.
وبتقدير التمكن من الانتفاع بالمال فإن ذلك ينقطع ويزول بخلاف الموعود في الآخرة فإنه باق لا يزول.
وأيضاً لذات الدنيا مشوبة بالآلام والمضار ألبتة، فلا لذة إلا وفيها ألم من وجوه كثيرة بخلاف لذات الآخرة فإنه لا نغص فيها ولا نقص.
والمراد بالمغفرة تكفير الذنوب، والتنكير فيه للدلالة على الكمال والتعظيم لا سيما وقد قرن به لفظة "منه" فإن غاية كرمه ونهاية جوده مما يعجز عن إدراكها عقول الخلائق.
ويحتمل أن يكون نوعاً من المغفرة وهو المشار إليه في آية أخرى ﴿ فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات ﴾ أو أن يجعل شفيعاً في غفران ذنوب إخوانه المؤمنين.
وأما الفضل فيحتمل أن يراد به الفضيلة الحاصلة للنفس وهي ملكة الجود والسخاء، وذلك أن المال فضيلة خارجية وعدمه نقصان خارجي، وملكة الجود فضيلة نفسانية وملكة البخل رذيلة/ نفسانية، فمتى لم يحصل الإنفاق حصل الكمال الخارجي والنقصان الداخلي، وإذا حصل الإنفاق وجد الكمال الداخلي والنقصان الخارجي، فيكون الإنفاق أولى وأفضل.
وأيضاً متى حصلت ملكة الإنفاق زالت عن النفس هيئة الاشتغال بنعيم الدنيا والتهالك في طلبها فاستنارت بالأنوار القدسية وهذا هو الفضل.
وأيضاً مهما عرف من الإنسان أنه منفق كانت الهمم معقودة على أن يفتح الله عليه أبواب الرزق ولمثل ذلك من التأثير ما لا يخفى ﴿ والله واسع ﴾ كامل العطاء كافل للخلف قادر على إنجاز ما وعد ﴿ عليم ﴾ بحال من أنفق ثقة بوعده وبحال من لم ينفق طاعة للشيطان.
ثم نبه على الأمرالذي لأجله يحصل ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان وهو الحكمة والعقل، فإن وعد الشيطان إنما ترجحه الشهوة والنفس.
عن مقاتل: إن تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مواعظ القرآن ﴿ وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ﴾ وثانيها الحكمة بمعنى الفهم ﴿ وآتيناه الحكم صبياً ﴾ ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة ﴾ وثالثها الحكمة بمعنى النبوة ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة ﴾ ورابعها القرآن بما فيه من الأسرار ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم.
فتأمل يا مسكين شرف العلم فإن الله سماه الخير الكثير ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ والتنكير للتعظيم.
وسمى الدنيا بأسرها قليلاً ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ وذلك أن الدنيا متناهية العدد، متناهية المقدار، متناهية المدة والعلوم، لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها والسعادات الحاصلة منها.
واعلم أن كمال الإنسان في شيئين: أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.
فمرجع الأول إلى العلم والإدراك المطلق، ومرجع الثاني إلى فعل العدل والصواب، ولذلك سأل إبراهيم ﴿ رب هب لي حكماً ﴾ وهو الحكمة النظرية، ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ وهو الحكمة العملية.
ونودي موسى ﴿ إنى أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ وهو الحكمة النظرية ثم قال: ﴿ فاعبدني ﴾ وهو العملية.
وحكي عن عيسى أنه ﴿ قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت ﴾ وكلها النظرية ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً ﴾ وجميعها العملية.
وقال في حق محمد : ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴾ وهو النظرية ثم قال ﴿ واستغفر لذنبك ﴾ وهو العملية.
وقال في حق جميع الأنبياء ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا ﴾ وأنه الحكمة العلمية ثم قال ﴿ فاتقون ﴾ وهو الحكمة العملية./ فعلم من هذه الآيات وأمثالها أن كمال حال الإنسان في هاتين القوتين.
والحكمة فعلة من الحكم كالنحلة من النحل.
ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولب وإصابة رأي، فعيل بمعنى فاعل ويجيء بمعنى مفعول ﴿ فيه يفرق كل أمر حكيم ﴾ أي محكم.
وفي الآية دليل على أن جميع العلوم النظرية والأخلاق المرضية إنما هي بإيتاء الله .
والذين حملوا الإيتاء على التوفيق والإعانة كالمعتزلة ما زادوا إلا أن وسعوا الدائرة إذ لا بد من الانتهاء إليه أية سلكوا ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين إذا حصل لهم الحكم والمعارف لم يقفوا عند المسببات، فلم ينسبوا هذه الأحوال إلى أنفسهم بل يرقون إلى أسبابها حتى يصلوا إلى السبب الأول.
وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل قالوا: هذه الحكمة لا تفيد بنفسها وإنما ينتفع بها المرء إذا تدبر وتذكر فعرف ماله وما عليه، وعند ذلك يقدم أو يحجم.
ثم إنه نبه على أنه عالم بما في قلب العبد من نية الإخلاص أو الرياء، وأنه يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئاً منها فقال ﴿ وما أنفقتم من نفقة ﴾ لله أو للشيطان ﴿ أو نذرتم من نذر ﴾ في طاعة الله أو معصيته ﴿ فإن الله يعلمه ﴾ وتذكير الضمير إما لأنه عائد إلى "ما" وإما لأنه عائد إلى الأخير كقوله: ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً ﴾ وهذا قول الأخفش، والنذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه وأصله من الخوف كأنه يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده ومنه الإنذار إبلاغ مع تخويف.
واعلم أن النذر قسمان: نذر اللجاج والغضب ونذر التبرر.
أما الأول فهو أن يمنع نفسه من الفعل أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو الترك كقوله "إن كلمت فلاناً أو أكلت كذا أو دخلت الدار أو لم أخرج من البلد فللَّه علي صوم شهر أو صلاة أو حج أو إعتاق رقبة" ثم إنه إذا كلمه أو أكل أو دخل أو لم يخرج فللعماء ثلاثة أقوال: أحدها يلزمه الوفاء بما التزم، والثاني: وهو الأصح أن عليه كفارة يمين لما روي أنه : "كفارة النذر كفارة اليمين" ، والثالث: التخيير بين الوفاء وبين الكفارة.
وأما نذر التبرر فنوعان: نذر المجازاة وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع نقمة مثل "إن شفى الله مريضي أو رزقني ولدا فللَّه علي أن أعتق رقبة أو أصوم أو أصلي كذا" فإذا حصل المعلق عليه لزمه الوفاء بما التزم لقوله : " "من نذر أن يطيع الله فليطعه " .
ونذر التنجيز وهو أن يلتزم ابتداء غير معلق على شيء كقوله "لله علي/ أن أصوم أو أصلي أو أعتق" فالأصح أنه يصح ويلزم الوفاء به لمطلق الخبر.
وما يفرض التزامه بالنذر إما المعاصي وإما الطاعات وإما المباحات.
فالمعاصي كشرب الخمر والزنا ونذر المرأة صوم أيام الحيض ونذر قراءة القرآن في حال الجنابة لا يصح التزامها بالنذر لأنه لا نذر في معصية الله ، ومن هذا القبيل نذر ذبح الولد أو ذبح نفسه.
وإذا لم ينعقد نذر فعل المعصية فعليه أن يمتنع منه ولا يلزمه كفارة يمين، وما روي من أنه قال: " لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين " محمول على نذر اللجاج، وأما الطاعات فالواجبات ابتداء بالشرع كالصلوات الخمس وصوم رمضان لا معنى لالتزامها بالنذر معلقاً أو غير معلق، وكذا لو نذر أن لا يشرب الخمر ولا يزني، وإذا خالف ما ذكره فلا يلزمه الكفارة على الأصح، وأما غير الواجبات فالعبادات المقصودة وهي التي وضعت للتقرب بها وعرف من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق بإيقاعها عبادة فتلزم بالنذر وذلك كالصوم والصلاة والزكاة والصدقة والحج والاعتكاف والإعتاق وكذا فروض الكفايات التي يحتاج فيها إلى معاناة تعب وبذل مال كالجهاد وتجهيز الموتى، ذكره إمام الحرمين - وفي الصلاة على الجنازة والأمر بالمعروف، وما ليس فيه بذل مال وكثير مشقة الأظهر اللزوم أيضا، وكما يلزم أصل العبادات بالنذر يلزم رعاية الصفة المشروطة فيها إذا كانت من المحبوبات كالصلاة بشرط طول القراءة أو الركوع أو السجود أو الحج بشرط المشي إذا جعلناه أفضل من الركوب وهو الأصح ولو أفرد الصفة بالالتزام.
والأصل واجب كتطويل الركوع والسجود أو القراءة في الفرائض، فالأشبة اللزوم لأنها عبادات مندوب إليها.
وأما الأعمال والأخلاق المستحسنة كعيادة المريض وزيارة القادم وإفشاء السلام على المسلمين فالأظهر لزومها أيضاً بالنذر، وكذا تجديد الوضوء لأن كلها مما يتقرب بها إلى الله ، وقد رغب الشارع فيها.
وأما المباحات التي لم يرد فيها ترغيب كالأكل والنوم والقيام والقعود فلو نذر فعلها أو تركها لم ينعقد نذره، "روي أن النبي رأى رجلاً قائماً في الشمس فسأل عنه فقالوا: نذر أن لا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال : مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" .
ولو قال: "لله عليّ نذر" من غير تسمية لزمه كفارة يمين لقوله : " "من نذر نذراً وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين " ﴿ وما للظالمين ﴾ الذين يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو للرياء، أو لا يوفون بالنذور، أو ينذرون في/ المعاصي ﴿ من أنصار ﴾ ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه.
والأنصار جمع ناصر كأصحاب في صاحب، أو جمعٍ نصير كأشراف في شريف.
وقد يتمسك المعتزلة بهذا في نفي الشفاعة لأهل الكبائر، فإن الشفيع ناصر.
ورد بأن الشفيع في العرف لا يسمى ناصراً وإلا كان قوله ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ بعد قوله: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة ﴾ تكراراً.
وأيضاً إن هذا الدليل النافي عام في حق كل الظالمين وفي كل الأوقات، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات والخاص مقدم على العام.
وأيضا اللفظ لا يكون قاطعاً في الاستغراق بل ظاهراً على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنياً والمسألة ليست ظنية فكان التمسك بها ساقطاً.
"سألوا رسول الله أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية فنزلت: ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ " والتركيب موضوع للصحة والكمال ومنه "فلان صادق المودة" و"هذا خل صادق الحموضة" و"صدق فلان في خبر" إذا أخبر على وجه الصحة والكمال، ومنه "الصداق" لأن عقد الصداق به يتم ويكمل، والزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويبقى وبها يستدل على صدق العبد وكماله في إيمانه، ﴿ فنعما هي ﴾ من قرأ بسكون العين فمحمول على أنه أوقع على العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس وإلا لزم التقاء الساكنين على غير حدة، ومثله ما يروى في الحديث أنه قال لعمرو بن العاص: " "نعم المال الصالح للرجل الصالح " بسكون العين.
ومن قرأ بكسر النون والعين فلتحصيل المشاكلة، ومن قرأ بفتح النون وكسر العين فعلى الأصل.
قال طرفة: نعم الساعون في الأمر المبر *** قال سبيويه: "ما" في تأويل الشيء أي نعم الشيء هي.
وقال أبو علي: الجيد في مثله أن يقال: "ما" في تأويل شيء لأن "ما" ههنا نكرة إذ لو كانت معرفة بقيت بلا صلة.
فإن "هي" مخصوصة بالمدح.
فالتقدير: نعم شيئاً إبداء الصدقات.
فحذف المضاف للدلالة، أو نعم شيئاً تلك الصدقات، أو تلك الخصلة وهي الإبداء.
قال الأكثرون: المراد بها صدقة التطوع لقوله : ﴿ وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ﴾ والإخفاء في صدقة التطوع أفضل كما أن الإظهار في الزكاة أفضل أما الأول فلأن ذلك أشق على النفس فيكون أكثر ثواباً، ولأنه أبعد عن الرياء والسمعة قال : "لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان " والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة، والمعطي في ملأ من الناس يطلب الرياء، وقد بالغ قوم في الإخفاء واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ، فبعضهم كان يلقي الصدقة في يد/ الأعمى، وبعضهم يلقيها في طريق الفقير أو في موضع جلوسه بحيث يراها ولا يرى المعطي، وبعض يشدها في ثوب الفقير وهو نائم، وبعض يوصل إلى الفقير على يد غيره، وقال : " أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر " وقال أيضاً: " إن العبد ليعمل عملاً في السر فيكتبه الله سراً، فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء" وقال : " "صدقة السر تطفىء غضب الرب " وأيضاً في الإظهار هتك ستر الفقير وإخراجه من حيز التعفف، وربما أنكر الناس على الفقير أخذ تلك الصدقة لظن الاستغناء به فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة، ولأن في الإظهار إذلالاً للآخذ وإهانة له، وإذلال مؤمن غير جائزة ولأن الصدقة كالهدية، وقال : " "من أهدي إليه هدية وعنده قوم فهم شركاء فيها " وربما لا يدفع الفقير إليهم شيئاً فيقع في حيز اللوم والتعنيف.
نعم لو علم أنه إذا أظهرها اقتدى غيره به لم يبعد والحالة هذه أن يكون الإظهار أفضل.
وروى ابن عمر أنه قال: " السر أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء " واعلم أن الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة، فههنا الشيطان يردد عليه ذكر رؤية الخلق والقلب ينكره.
فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فيكون إخفاؤه يفضل علانيته سبعين ضعفاً كما روي عن ابن عباس: صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً.
ثم إن الله عباداً راضوا أنفسهم حتى من الله عليهم بأنوار هدايته، وذهبت عنهم وساوس النفس لأن الشهوات قد ماتت منهم ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله فلم يحتاجوا إلى المجاهدة.
فإذا أعلنوا بالعمل أرادوا أن يقتدي بهم غيرهم، فهم كاملون في أنفسهم ويسعون في تكميل غيرهم كما قال : ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ﴾ ﴿ واجعلنا للمتقين إماماً ﴾ فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يقتدى في الذهاب إلى الله.
وأما أن الإظهار في إعطاء الزكاة أفضل فلأن الله أمر الأئمة بتوجيه السعادة لطلب الزكوات، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها، ولأنه ينفي التهمة ولهذا روي أنه كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة.
وعن ابن عباس: صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً.
هذا إذا كان المزكي ممن لا يخفى يساره، فإن لم يعرف باليسار كان الإخفاء له أفضل ولا سيما إذا خاف الظلمة أن يطمعوا في ماله.
وعن بعضهم أن معنى قوله ﴿ خير لكم ﴾ أنه في نفسه خير من الخيرات كما يقال الثريد خير من الأطعمة./ وإنما قيل ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ لأن المقصود من بعث المتصدق أن يتحرى موضع الصدقة فيصير عالماً بالفقراء مميزاً لهم عن غيرهم، فإذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة فلهذا شرط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء.
وأما في الإبداء فقلما يخفى حال الفقير فلهذا لم يصرح بالشرط.
﴿ ونكفر عنكم ﴾ من قرأ بالنون مرفوعاً فهو عطف على محل ما بعد الفاء، لأن الأصل في الشرط والجزاء أن يكونا فعلين.
فإذا وقع الجزاء فعلاً مضارعاً مع الفاء كان خبر مبتدأ محذوف.
فقوله: ﴿ فهو ﴾ في تأويل.
فيكون خيراً لكم ﴿ ونكفر ﴾ بالرفع عطف عليه، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر، وأن يكون جملة من فعل وفاعل مستأنفة.
ومن قرأ مجزوماً فهو عطف على محل الفاء وما بعده لأنه جواب الشرط كأنه قيل: وإن تخفوها تكن أعظم أجراً.
وأما من قرأ ﴿ ويكفر ﴾ بياء الغيبة مرفوعاً فالإعراب كما مر في النون والضمير لله أو للإخفاء.
وقرىء ﴿ وتكفر ﴾ بالتاء مرفوعاً ومجزوماً والضمير للصدقات، وقرأ الحسن بالياء والنصب بإضمار "إن" ومعناه: وإن تخفوها تكن خيراً لكم وأن يكفر عنكم خير لكم.
والتكفير في اللغة الستر والتغطية ومنه "كفر عن يمينه" أي ستر ذنب الحنث.
وقوله: ﴿ من سيئاتكم ﴾ يحتمل أن يكون "من" للتبعيض لأن السيئات كلها لا تكفر وإنما يكفر بعضها، ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغراء على ارتكابها، وأحسن أحوال العبد أن يكون بين الخوف والرجاء.
ويحتمل أن يكون للتعليل أي من أجل سيئاتكم كما لو قلت: ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك.
وقيل: إنها زائدة.
﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ كأنه ندب بهذا الكلام إلى الإخفاء الذي هو أبعد من الرياء.
عن الكلبي أنه قال: "اعتمر رسول الله عمرة القضاء وكانت معه أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة وجدتها فسألتاها وهما مشركتان فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله فإنكما لستما على ديني.
فاستأمرته في ذلك فأنزل الله : ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فأمرها رسول الله بعد نزولها أن تتصدق عليهما فأعطتهما ووصلتهما" قال الكلبي: ولها وجه آخر، وذلك أن ناساً من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا.
فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وراودوهم أن يسلموا واستأمروا رسول الله فنزلت فأعطوهم بعد نزولها.
وعن سعيد بن جبير قال: "قال رسول الله : لا تصدقوا إلا على أهل دينكم فأنزل الله ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فقال رسول الله : تصدقوا على أهل الأديان" وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك.
والعلماء أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم فتكون/ الآية مخصوصة بالتطوع.
وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة وأباه غيره،ومعنى الآية ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام فتصدق عليهم لوجه الله ولا توقف ذلك على إسلامهم، وذلك أنه كان شديد الحرص على إيمانهم فأعلمهم الله أنه بعث بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله ومبيناً للدلائل فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك.
فالهدى ههنا بمعنى الاهتداء، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم.
وفيه وجه آخر ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة توقيف الصدقة على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به، بل الإيمان المطلوب منهم هو الإيمان طوعاً واختياراً ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ إثبات للهداية التي نفاها أولاً.
لكن المنفي أولاً هو الهداية أي الاهتداء على سبيل الاختيار فكذا الثاني.
ومنه يعلم أن الاهتداء الاختياري واقع بتقدير الله وتخليقه وتكوينه وهذا التفسير هو المناسب لسبب النزول.
وفي الكشاف: أن المعنى لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه.
ثم ظاهر قوله: ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ إنه خطاب مع النبي ولكن المراد به هو وأمته، لأن ما قبله عام ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ وما بعده عام ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ من مال ﴿ فلأنفسكم ﴾ ثوابه فليس يضركم كفرهم أو فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ﴿ وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ﴾ أي لستم في صدقتكم علىأقاربكم المشركون تقصدون إلا وجه الله من صلة رحم أو سد خلة مضطر، قد علم الله هذا من قلوبكم.
وقيل: خبر في معنى نهي أي لا تنفقوا إلا لله، وقيل: معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم المفيد للمدح حتى تبتغوا وجه الله، وقيل: ليست نفقتكم إلا لطلب ما عند الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله؟
وفائدة إقحام الوجه أنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أشرف من قولك فعلته له، لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقاً.
وأيضاً قول القائل: "فعلت هذا الفعل له" احتمل الشركة وأن يكون قد فعله لأجله ولغيره، أما إذا قال "فعلت لوجهه" فلا يحتمل الشركة عرفاً ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ جزاؤه في الآخرة أضعافاً مضاعفة، وإنما حسن قوله ﴿ إليكم ﴾ مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.
ثم لما بيّن أنه يجوز صرف الصدقة إلى أي فقير كان، أراد أن يبين أن اشد الناس/ استحقاقاً من هو فقال ﴿ للفقراء ﴾ أي ذلك الإنفاق لهؤلاء الفقراء كما لو تقدم ذكر رجل فتقول: عاقل لبيب أي ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب، وقيل: اعمدوا للفقراء أو أجلوا ما تنفقون للفقراء، أو المراد صدقاتكم للفقراء.
قيل: نزلت في فقراء المهاجرين وكانوا نحو أربعمائة رجل وهم أصحاب الصفة، لم يكن لهم سكن ولا عشائر بالمدينة، كانوا ملازمين للمسجد يتعلمون القرآن ويصومون ويخرجون في كل غزوة، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى.
وعن ابن عباس: "وقف رسول الله يوماً على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال: أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفقائي" .
ثم إنه وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفات: الأولى قوله ﴿ الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ أي حصروا أنفسهم ووقفوا على الجهاد في سبيل الله لأن سبيل الله مختص بالجهاد في عرف القرآن، ولأن وجوب الجهاد في ذلك الزمان كان آكد فكانت الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع رسول الله أشد، فموضع الصدق فيهم يكون أوقع سداً لخلتهم وتقوية لقلوبهم وإعلاء لمعالم الدين.
وعن سعيد بن المسيب واختاره الكسائي، أن هؤلاء قوم أصابتهم جراحات في الغزوات فأحصرهم المرض والزمانة، وعن ابن عباس: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد فعذرهم الله.
الثانية ﴿ لا يستطعيون ضرباً في الأرض ﴾ أي سيراً فيها وذلك إما لاشتغالهم بالعبادة أو بالجهاد فلا يفرغون للكسب والتجارة، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه.
الثالثة ﴿ يحسبهم ﴾ يظنهم ﴿ الجاهل ﴾ بحالهم ومن لم يخبر أمرهم ﴿ أغنياء من التعفف ﴾ من أجل تركهم المسألة وإظهارهم التجمل تكلفاً منهم.
والتعفف إظهاء العفة وهي ترك الشيء والكف عنه.
الرابعة ﴿ تعرفهم ﴾ أي أنت يا محمد أو كل راء ﴿ بسيماهم ﴾ والسيما والسيمياء العلامة التي يعرف بها الشيء من السمة العلامة فوزنه "عفلى" قال مجاهد: سيماهم التخشع والتواضع.
الربيع والسدي: أثر الجهد من الجوع والفقر.
الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع.
أبو زيد: رثاثة ثيابهم.
وقيل: المهابة في العيون.
وقيل: آثار الفكر.
روي أنه كان كثير الفكر.
الخامسة ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ أي إلحاحاً وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطى له.
والتركيب يدل على الستر كأنه لزم المسؤول لزوم الساتر للمستور.
عن النبي : " إن الله يحب الحيي الحليم المتعفف ويبغض البذيء السائل الملحف " قيل: معنى الآية أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا، وأورد عليه أنه ينافي التعفف الذي وصفوا به قبل.
فالوجه أن يراد نفي السؤال والإلحاف جميعاً كقوله: ولا ترى الضب بها يتجحر *** أي لا ضب ولا انجحار ليكون موافقاً لوصفهم بالتعفف.
وفائدة الكلام التنبيه على سوء طريقة الملحف كما/ إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور والآخر طياش خفيف وأردت أن تمدح أحدهما وتذم الآخر قلت: فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام ليس بخواض ولا مهذار.
لم يكن غرضك من قولك "ليس خواض ولا مهذار" وصفه بذلك لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عنه، بل غرضك التنبيه على سوء طريقة الثاني.
وقيل: معناه لا يتركون السؤال إلا بإلحاح شديد منهم على أنفسهم لشدة حاجتهم كقوله: ولي نفس أقول لها إذا ما *** تنازعني لعلي أو عساني وقيل: إن عدم السؤال بطريق الإلحاف يتضمن نفي السؤال عنهم رأساً لأن كل سائل فلا بد أن يلح في بعض الأوقات كأنه يقول: إذا أرقت ماء وجهي فلا أرجع بغير مقصود.
وقيل: لعل الساكت عن السؤال يطهر من نفسه أمارات الحاجة فيكون في حال سكوته أنطق ما يكون فترق القلوب له، فالمراد أنهم وإن سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السؤال من رثاثة الحال وآثار الانكسار ما يقوم مقام السؤال فإن ذلك نوع إلحاف، بل يتجملون للخلق بحيث لا يطلع على سرهم غير الخالق.
عن النبي : " لا يفتح أحد باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقر ومن يستغن يغنه الله ومن استعف يعفه الله" " "لأن يأخذ أحدكم حبلاً يحتطب به فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس " ﴿ وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ﴾ فيه أن ثواب هذا الإنفاق الذي هو أعظم المصارف لا يكتنه كنهه فلذلك وكل إلى علم الله بخلاف الآية المتقدمة فإنه لما رغب في التصدق على أهل الأديان قال في آخره ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ كما لو قال السلطان لعبده الذي حسن عنده موقع خدمته: إني بحسن خدمتك عالم ولحقك عارف.
كان أبلغ مما لو قال: إن أجرك واصل إليك.
ثم أرشد في خاتمة الآيات إلى أكمل وجوه الإنفاقات بقوله: ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ﴾ الآية.
وذلك أن الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة يكون ذلك منهم دليلاً على الحرص البالغ والاهتمام التام كلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه متعللين بوقت وحال.
والباء بمعنى "في" أي في الليل والنهار و ﴿ سراً وعلانية ﴾ منصوبان على الظرفية أيضاً أي في أوقات السر والعلن، أو على وصف المصدر أي إنفاقاً سراً وعلانية، أو على الحال لكونه بياناً عن كيفية الإنفاق، وقيل: لما نزل/ ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير إلى أصحاب الصفة وبعث عليّ بوسق من تمر ليلاً فنزلت الآية.
وفي تقديم ذكر الليل وتقديم السر على العلانية دليل على أن صدقة علي كانت أكمل.
وعن ابن عباس: "ما كان علي يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم نهاراً وبدرهم ليلاً وبدرهم سراً وبدرهم علانية فقال له النبي : ما حملك على هذا؟
فقال: أن استوجب ما وعد لي ربي.
فقال: ذلك لك" ونزلت الآية.
وقيل: نزلت في أبي بكر حين تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية.
وقيل: في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله.
وكان أبو هريرة إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية والله أعلم بحقيقة الحال.
التأويل: ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ فيه صلاح المتصدق من وجوه: أحدها لو فسر الطيب بالحلال فليقبل الله منه، ولو فسر بالجودة فليجز به بقدر جودته.
وثانيها ليثاب على التعظيم لأمر الله.
وثالثها ليثاب على الشفقة على خلق الله.
ورابعها ليثاب على الإيثار ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ وخامسها ليستحق البر ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ .
وسادسها ليثاب على زيادة الإيمان وأن المتصدق في صدقته كالزارع في زراعته.
فكما أن الزارع كلما ازداد إيقانه بحصول الثمرة اجتهد في جودة البذر فكذا المتصدق كلما ازداد إيمانه بالبعث والجزاء زاد في جودة صدقته لتحققه ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ وقدم ذكر الكسب على ذكر المخرج من الأرض لقوله " "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسب يده " وفي الآية معنى آخر لطيف ﴿ انفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ من تزكية النفوس وتصفية القلوب ﴿ ومما أخرجنا لكم ﴾ من أرض طينتكم من تحلية سرائركم بمكارم الأخلاق، ولتكن النفقة طيبة من خباثة الشبهات طيباً إنفاقها من خباثة الأغراض الدنيوية والأخروية، طيباً منفقها من خباثة الالتفات والنظر في الإنفاق إلى غير الله، فإذا كانت النفقة طيبة في نفسهافلله قبول طيب من الوسائط فيأخذها بيده ويربيها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت اليد طيبة في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيباً عن الالتفات إلى غير الله فلله قبول طيب عن الأغيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، وهذا/ تحقيق قوله " "إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب " ولستم بآخذي هذا الخبيث لا في أصل الفطرة ولا في عهد الخلقة لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة.
فالروح من أطيب الأطايب لأنه أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين، والجسد من التراب الطيب ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً ﴾ ثم أحياكم بالإيمان ﴿ فلنحيينه حياة طيبة ﴾ ثم يرزقكم من الطيبات ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن ﴿ إلا أن تغمضوا فيه ﴾ فتقبلوه تكلفاً وقسراً " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه " فلما لم تكن الخباثة ذاتية للإنسان بل كانت طارئة عليه عارية لديه أنزل الله كلمة طيبة هي " لا إله إلا الله" ليطيب بالمواظبة عليها أخلاقهم ويستحقوا يوم القيامة أن يقال لهم ﴿ سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ﴾ ﴿ واعلموا أن الله غني ﴾ فمن كمال غناه أراد أن يغنيكم بثواب الإنفاق ﴿ حميد ﴾ على ما أنعم بهذا التكليف ليتوسل به إلى الكمال الأبدي.
﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ ظاهراً فهو يأمركم بالفحشاء باطناً لأنها اسم جامع لكل سوء فيتضمن البخل والحرص واليأس من الحق والشك في مواعيد الحق بالخلف والتضعيف وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه ونسيان فضله وتعلق القلب بغيره ومتابعة الشهوات وترك العفة والقناعة والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية.
فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات وأضعافها، ومن فتح على نفسه باب عدة الحق أفاض عليه سجال غفرانه وبحار فضله وإحسانه.
فالمغفرة تكفير الذنوب والآثام، والفضل ما لا تدركه الأوهام ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ فمن ذلك أن يفتح على قلبه باب حكمته عاجلاً كما قال ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وليست الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار كما ظنه أهل الإنكار والذين لم يفرقوا بين المعقولات وبين الأسرار والحكم الإلهيات.
فالمعقولات ما تكتسب بالبرهان وهي مشتركة بين أهل الأديان، والأسرار الإلهية مواهب الحق لا ترد إلا على قلوب الأنبياء والأولياء ﴿ نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين لم يقفوا عند القشور وارتقوا إلى لب عالم النور.
ثم أخبر عن توفية الأجور للمنفق في المفروض والمنذور ﴿ وما للظالمين ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه فبدلوا بالإنفاق النفاق وبالإخلاص الرياء ﴿ من أنصار ﴾ ولا ناصر بالحقيقة إلا الله، ومن أذن له الله/ إبداء الصدقات ضد إخفائها، وإخفاؤها تخليتها عن شوب الحظوظ وإليه الإشارة في قوله : " "سبعة يظلهم الله في ظله " ثم قال: " ورجل تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله" " أي عن حظوظ نفسه لتكون خالصة لوجه الله.
فصاحبها يكون في ظل الله قال : " إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة " أي إن كانت صدقته لله كان في ظل الله، وإن كانت للجنة كان في ظل الجنة، وإن كانت للهوى كان في ظل الهاوية.
فمعنى قوله: ﴿ إن تبدو الصدقات ﴾ أي تظهروها لطمع ثواب الجنة فإن طمع الصواب شوب حظ ﴿ فنعما هي ﴾ فإنها مرتبة الأبرار ﴿ إن الأبرار لفي نعيم ﴾ ﴿ وإن تخفوها ﴾ عن كل حظ ونصيب ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ الذين تعطونها إياهم لوجه الله لا لحظ النفس ﴿ فهو خير لكم ﴾ لأن جزاءها لقاء الله.
ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها الولاية وأن الله فيها ولي الكفاية، يا محمد لك المقام المحمود واللواء المعقود ولك الوسيلة وعلى الأنبياء الفضيلة، وأنت سيد الأولين والآخرين وأنت أكرم الخلائق على رب العالمين ولكن ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ ولكن الهداية من خصائص شأننا ولوائح برهاننا، أنت تدعوهم ونحن نهديهم.
ثم نبه على أن أفضل وجوه الإنفاق هو الفقير الذي أحصرته المحبة في الله عن طلب المعاش لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الكفاف، أخذ عليه سلطان الحقيقة كل طريق فلا له في المشرق مذهب ولا له في المغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب.
كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها *** عليه فما تزداد طولاً ولا عرضاً ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ﴾ لأنهم مستورون تحت قباب الغيرة محجوبون عن معرفة أهل الغيرية "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد" ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ لأنك لست بك فلست غيري، ما رأيت إذ رأيت ولكن الله رأى ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ وإن سيماهم لا يرى بالبصر الإنساني بل يرى من نور رباني، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن أنهم ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ لا بقليل ولا بكثير.
لأن آثار أنوار غنى قلوبهم انعكست على ظواهرهم فتنورت بالتعفف نفوسهم، واضمحلت ظلمة فقرهم وفاقتهم ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ من المال أو الجاه أو خدمة بالنفس أو إكرام أو إرادة حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقاً وإجلالاً لا استخفافاً وإذلالاً ﴿ فإن/ الله به عليم ﴾ ومن سيماهم في الظاهر أنهم إذا وجدوا مالاً لم يبيعوا عزة الفقر به بل ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ﴿ فلهم أجرهم عند ربهم ﴾ عند مليك مقتدر ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ في الدنيا على ما يفوتهم لأنهم تركوها لله وهو لهم خلف عن كل تلف، ولا في الآخرة ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ .
فيه دليل وجوب الزكاة في أموال التجارة بقوله: ﴿ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ ؛ لأن أموال التجارة هي التي تكتسب، وليس في كتاب الله بيان وجوب الزكاة في أموال التجارة في غير هذا الموضع، وليس فيه سنة عن رسول الله ، ولكن ذكر عن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - القول به؛ فيحتمل أن يكون ما قالوا قالوا بهذه الآية.
وأما زكاة الفضة، والذهب، والمواشي فيما لها ذكر في الكتاب والسنة، فالزكاة تجب فيها لعينها، اكتسب فيها أو لم يكتسب.
وأما أموال التجارة فإن الزكاة تجب فيها بالاكتساب.
وفيه دليل أن النفقة المذكورة فيه لازمة واجبة؛ لأنه قال: ﴿ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ ، ذكر الإغماض، والإغماض لا يذكر في المعروف، إنما يذكر في اللازم والواجب الذي لا مخرج له عنه إلا بالأداء، إلا عن عفو وصفح والرضاء بدون الحق - ثبت أنه على اللزوم.
وفيه دليل وجوب الحق في الرطاب والخضروات؛ لأنه ذكر في الآية المخرج، والرطاب هي التي تخرج من الأرض.
وأما الحبوب إنما تخرج من الأصل الذي يخرج من الأرض؛ لذلك كان الرطاب والخضروات أولى بوجوب الحق من غيره بظاهر الآية.
قال الشيخ - رحمه الله -: والوجوب في الحبوب بما كانت تخرج من الحقوق، والحقوق بظاهر هذه الوجوه في التي تخرج من الأرض.
وأما أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - فإنهما قالا: يحتمل قوله: ﴿ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ ، يعني من الأصل الذي يخرج لكم من الأرض، كقوله : ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً ﴾ ، ولا ينزل من السماء اللباس كما هو، ولكن أراد الأصل الذي به يكون اللباس، وكذلك قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ ، وهو لم يخلقنا من التراب، وإنما خلق الأصل من التراب، وهو آدم - - فعلى ذلك الأول.
والله أعلم.
والوجه فيه: أنه منَّ الله علينا بما أخرج لنا من الأرض من أنواع ما أخرج بحبة تلقى في الأرض فتفسد فيها، فيخرج منها النبات بلطفه، لا صنع لأحد فيها.
وتلك المنة لا تكون على أربابها خاصة دون الفقراء أو بل هي على الفقراء كهي على أربابها؛ لأنه أخرجه رزقاً للكل، ففيه حق الفقراء والأغنياء جميعاً.
ومن ثم جاز وجوب العشر على الفقير؛ ألا ترى إلى قوله : ﴿ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ ﴾ وقوله: ﴿ فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا ﴾ ، قيل: ءأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون؟
وأما ما بعد النبات فيشترك العباد فيه بالسقي والحفظ وغيره؛ لذلك كان ما ذكرنا.
والله أعلم.
وفي قوله : ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ ، دلالة على ألا يتصدق بالرديء عن الجيد.
فإذا تصدق به يلزمه فضل ما بين الرديء إلى الجيد، على قول محمد - رحمه الله - بظاهر قوله: ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ .
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهما -: يجوز ولا يختار له ذلك؛ وذلك أن الله - - أطمع الناس قبول ذلك إذ تغامضوا، فهو أحق أن يطمع فيه القبول لكرمة ولطفه؛ ولأنه ليس لصفة ما يكال ويوزن من نوعه قيمة، فإذا لم تكن له قيمة لا يلزمه فضل الصفة.
وقوله : ﴿ ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
قوله: ﴿ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ ﴾ في الدنيا بالتصدق والإنفاق، ﴿ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ﴾ بترك الصدقة.
ويحتمل: ﴿ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ ﴾ ، في الدنيا بطول الأمل وفناء المال، ﴿ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ﴾ بسوء الظن بربه.
﴿ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ ﴾ بالصدقة، و ﴿ وَفَضْلاً ﴾ ذكراً في الدنيا.
ويحتمل قوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ ﴾ في الآخرة، و ﴿ وَفَضْلاً ﴾ في الدنيا، يعني خَلَفاً.
وقيل: ﴿ مَّغْفِرَةً ﴾ لفحشائكم، و ﴿ وَفَضْلاً ﴾ لفقركم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، أي: غني يقدر إخلاف ما أنفقتكم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بجزاء صدقاتكم.
ويحتمل: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ ما تنفقون من الصدقة والحسنة.
وفي قوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، و ﴿ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ ، ونحوه [دلالة أن الله - -] إنما رغب الناس على الصدقات والنفقات ابتلاء ومحنة منه، لا حاجة وفقراً.
وقوله : ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .
قيل: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ في هذا الموضع معرفة القرآن وتفسيره.
وهو قول ابن عباس - رضي الله عنه - وكذا روي مرفوعا.
وقيل: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ الفهم في القرآن.
وقيل: الفقه.
وقيل: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ النبوة.
وقيل: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ هي الإصابة.
وفيه دليل جواز الاجتهاد، وأنه مصيب في اجتهاده.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ﴾ : اختلف في تأويل ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ في هذا: قال قوم: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ هي القرآن، وهو على ما وصفه ﴿ نُوراً ﴾ و ﴿ وَهُدًى ﴾ ، و ﴿ رُوحاً ﴾ ، و ﴿ وَشِفَآءٌ ﴾ والنور: هو الذي يبصر به حقائق الأشياء، وبالهدى يدرك كل شيء ويتقي كل تلف، وبالروح يحيي كل ذي روح، وبالشفاء يبرأ كل سقيم ويزال كل آفة.
والذي هذا وصفه فهو الخير.
وبالله التوفيق.
وقال قوم: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ هي الإصابة لحقيقة كل شيء، وبها يتقي كل شر، وينال كل خير، وذلك هو الخير الكثير، وبالله العصمة.
وقال بعضهم: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ ، هي السنة، كأنه أكرم رسوله بالذي من سلكه نجا، ومن حاد عنه غوى.
وقيل: في الأصل الحكمة في التحقيق وضع كل شيء موضعه، ودفع كل حق إلى مستحقه [ولهذا قال بعض الفلاسفة في حد الحكمة: إنه العلم والعمل بالعلم في وضع الأشياء مواضعها، والعمل في إيصال كل ذي حق إلى مستحقه].
وقيل: هي من إحكام الأمور وإتقانها.
وذلك مقارب؛ لما يضاد الحكمة السفه، وهو التفاوت في العقل والاضطراب في الأمور.
والله أعلم.
وقال قوم: الحكمة في القرآن: هي فهم الحدود والسرائر، وهو الذي به يدرك الموافقة والمخالفة من طريق الحقائق، لا من طريق الظواهر.
وذلك عمل الحكماء ورعاة الدين.
ولا قوة إلا بالله.
وقال قوم: الحكمة: هي الفقه، والفقه: معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، وهو الذي به يوصل إلى معرفة الغائب بالشاهد، والغامض بالظاهر، والفرع بالأصل.
ولا قوة إلا بالله.
وأي هذه الوجوه كانت الحكمة فذلك الوجه يجمع خير الدارين، لو حفظ حقه، والذي هذا وصفه فهو الخير الكثير.
وبالله المعونة.
وفي الآية دلالة أن الله لا يؤتي كلاًّ الحكمة، وأن الحكمة وإن كانت فعلاً للحكيم فبعطاء الله نالها، وأنه لا يجوز أن يعطيها أحداً ثم لا ينالها المعطي.
وهذه الوجوه كلها تخالف رأي المعتزلة.
وقوله : ﴿ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾ ، من حفظ النفس في الدنيا عن جميع الآفات، وفي الآخرة عن دفع العقوبات.
وقوله : ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ يعني: وما يتعظ بما ذكر إلا ذو الفهم والعقل.
وفي الآية نقض على المعتزلة؛ لأنه قال: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾ ، ولا كل أحد يؤتي الحكمة، إنما يؤتي بعضاً دون بعض.
فلو كان على الله أن يعطي الأصلح في الدين لكان قد آتى الكل، وبطل التفضل.
ومن قال: يؤتي غيرها، فكان خلاف ما في الكتاب.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ .
يحتمل: نفقة المحارم.
ويحتمل: النفقات التي تجري بين الخلق.
ويحتمل: المفروض من الصدقات.
ويحتمل غيرها.
ثم روي عن ابن عباس - - عن رسول الله في قوله : ﴿ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ ﴾ قال: "من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً أطاقه فليوف به" فيه تنبيه وتذكير أن الله يعلم صدقهم ونذرهم؛ ليحتسبوا في النفقة ويخلصوا، وفي النذر يوفوا به.
وقوله : ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾ .
قيل: يقبله.
وقيل: يأمر بوفائه.
ويحتمل قوله: ﴿ يَعْلَمُهُ ﴾ أي: يعلم ما وفيتم منه؛ فيجزيكم على ذلك.
ويحتمل: ﴿ يَعْلَمُهُ ﴾ : ما أردتم بصدقاتكم ونذوركم؛ فيكون فيه ترغيب للناس في أداء الفرائض.
وقوله : ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ .
في الآخرة، يعني مجير يجيرهم من العذاب.
وقيل: ما للظالمين من شفيع يشفع لهم، ولا نصير ينصرهم؛ لأنه ما من ظالم إلا وله في الدنيا ظهير.
وقوله: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ .
قال بعضهم: هي الفريضة.
وقال آخرون: هي التطوع.
وهو أَوْجَه.
وقال غيرهم: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ ، هي الفريضة، ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ ﴾ هي التطوع.
قال الشيخ - رحمه الله -: لا يحتمل الإخفاء في التطوع، والإبداء في الفرض؛ لما أخبر في الإخفاء أنه خير، ولا يكون التطوع خيراً من الفريضة.
ومن حمله على الفريضة يستحب أن يظهروا الزكاة المفروضة ليقتدوا به ويرغبوا الناس عليها.
ومنهم من يستحب الإخفاء أيضاً، ويقولون: في الإبداء شيئان: الصدقة نفسها، والاقتداء، وفي الإخفاء وجوه: أحدها: الصدقة.
والآخر: ترك المراءاة وسلامتها.
والثالث: الكف عن المن والأذى.
ومنهم من حمل قوله: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ على الفريضة، و ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا ﴾ على التطوع، وذهب إلى أن الفريضة ليس فيها الرياء؛ لأنه لا شيء عليه، فسواء فيها الإبداء والإخفاء، وأما التطوع ففيه الرياء؛ لأنه معروف ليس عليه، والإخفاء له أسلم.
والله أعلم.
وقال ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ...
﴾ الآية، جعل الله - - صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها.
وفي بعض الأخبار عن النبي أنه قال: "صدقة السر تطفئ غضب الرب، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصلة الرحم تزيد من العمر" وعن الحسن، قال: الإبقاء على العمل أشد من العمل؛ وذلك أن العبد ليعمل العمل سرّاً فيكتب له عمل السر، فلا يزال به الشيطان حتى ينسخ من عمل السر إلى عمل العلانية، ثم لا يزال به الشيطان حتى يحب أن يحمد، حتى يكتب من عمل العلانية في الرياء.
وقوله : ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ : فيه دليل أن من السيئات ما يكفرها الصدقة، ومنها لا يكفر.
وقيل: إن "من" هاهنا صلة، ففيه إطماع تكفير السيئات كلها بالصدقة، كقوله : ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ .
وهو نقض على المعتزلة؛ لأنهم لا يرون تكفير الكبائر بغير التوبة عنها، ولا التعذيب على الضغائر.
فأما إن كانت الآية في الكبائر - فبطل قولهم: لا يكفر بغير التوبة، أو في الصغائر فيبطل قولهم: إنها مغفورة؛ إذ وعدت بالصدقة؛ لأنهم يخدلون صاحب الكبائر في النار، والله أطمع له تكفير السيئات كلها بالصدقة.
والله الموفق.
وقوله : ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ : فيه وعيد وتحذير، أنه يعلم ما تسرون وما تعلنون في الصدقة.
ويحتمل: ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ ، من جزائكم للصدقة.
<div class="verse-tafsir"
إن تُظْهِروا ما تبذلون من الصدقة بالمال فَنِعْم الصدقة صدقتكم، وإن تخفوها وتعطوها الفقراء فهو خير لكم من إظهارها؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص.
وفي صدقات المخلصين ستر لذنوبهم ومغفرة لها، والله بما تعملون خبير، فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.13Oza"
إن إبداء الفريضة إشهار لشعيرة من شعائر الإسلام لو أخفيت لتوهم منعها، وذلك يؤثر في المتوهم فيسهل عليه المنع، لما للقدوة وحال البيئة من التأثير، ولا محل للرياء في الفرائض والشعائر لأن من شأنها أن تكون عامة ولأن المرائي بها لا يكون مصدقًا بفرضيتها ومن كان كذلك فهو كافر.
<div class="verse-tafsir"