تفسير سورة البقرة الآيات ٢٥٦-٢٥٧ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ٢٥٦-٢٥٧

لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦ ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٢٥٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

كان معهودًا عند بعض الملل لا سيما النصارى حمل الناس على الدخول في دينهم بالإكراه.

وهذه المسألة ألصق بالسياسة منه بالدين، لأن الإيمان، وهو أصل الدين وجوهره، عبارة عن إذعان النفس، ويستحيل أن يكون الإذعان بالإلزام والإكراه، وإنما يكون بالبيان والبرهان، ولذلك قال تعالى بعد نفي الإكراه ﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ  ﴾ أي قد ظهر أن في هذا الدين الرشد والهدى والفلاح والسير في الجادة على نور، وأن ما خالفه من الملل والنحل على غي وضلال.

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ  ﴾ وهو كل ما تكون عبادته والإيمان به سببًا للطغيان والخروج عن الحق من مخلوق بعيد، ورئيس يقلد، وهوى يتبع، ﴿ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ  ﴾ فلا يعبد إلا إياه، ولا يرجو غيره ولا يخشى سواه، يرجوه ويخشاه لذاته، وبما سنه من الأسباب والسنن في عباده ﴿ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا  ﴾ .

الاستمساك بالعروة الوثقى هو الاستقامة على طريق الحق القويم الذي لا يضل سالكه كما أن المتعلق بعروة هي أوثق العرى وأحكمها فتلًا لا يقع ولا يتفلت.

وقد حذف لفظ التي وذلك معروف عن العرب في مثل هذا الكلام.

﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ تذكر للترغيب والتهديد أي فهي تفسر بحسب المقام كما قلنا فهي جامعة هنا بين الأمرين.

وإنما تكف الفتن بأحد أمرين: الأول- إظهار المعاندين الإسلام ولو باللسّان، لأن من فعل ذلك لا يكون من خصومنا ولا يبارزنا بالعداء، وبذلك تكون كلمتنا بالنسبة إليه هي العليا ويكون الدين لله ولا يفتن صاحبه فيه ولا يمنع من الدعوة إليه.

والثاني- وهو أدل على عدم الإكراه قبول الجزية وهي شيء من المال يعطوننا إياه جزاء حمايتنا لهم بعد خضوعهم لنا وبهذا الخضوع نكتفي شرهم وتكون كلمة الله هي العليا فقوله تعالى ﴿ لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ  ﴾ قاعدة كبرى من قواعد دين الإسلام وركن عظيم من أركان سياسته، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، ولا يسمح لأحد أن يكره أحدًا من أهله على الخروج منه.

وإنما نكون متمكنين من إقامة هذا الركن وحفظ هذه القاعدة إذا كنا أصحاب قوة ومنعة نحمي بها ديننا وأنفسنا ممن يحاول فتنتنا في ديننا اعتداء علينا بما هو آمن أن نعتدي بمثله عليه إذ أُمرنا أن ندعو إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة وأن نجادل المخالفين بالتي هي أحسن متعمدين على أن نبين الرشد من الغي بالبرهان، هو الصراط المستقيم إلى الإيمان، مع حرية الدعوة، وأمن الفتنة، فالجهاد من الدين بهذا الاعتبار، أي أنه ليس من جوهره ومقاصده وإنما هو سياج له وجنة، فهو أمر سياسي لازم له للضرورة.

ولا التفات لما يهذي به العوام، ومعلموهم الطغام، إذ يزعمون أن الدين قام بالسيف وأن الجهاد مطلوب لذاته، فالقرآن في جملته وتفصيله حجة عليهم.

وتأمل مع ما ذكرناك به من الآيات قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ  ﴾ ، ذهب كثير من المفسرين في معنى الآية إلى أن الله تعالى هو متولي أمور المؤمنين يوفقهم إلى الخروج من الظلمات ويمدهم في الهداية بمحض القدرة كما أن الطاغوت يمدون الكافرين في الغواية، ويخرجونهم بالإغواء من نور الحق إلى ظلمات الضلالة، وهذا تفسير العوام الذين لا يفهمون أساليب اللغة العالية أو تفسير الأعاجم الذين هم أجدر بعدم الفهم.

ومعنى الآية الذي يلتئم مع معنى سابقتها ظاهر أتم الظهور وهو أن المؤمن لا ولي له ولا سلطان لأحد على اعتقاده إلا الله تعالى ومتى كان كذلك فإنه يهتدي إلى استعمال الهدايات التي وهبها الله له على وجهها وهي الحواس والعقل والدين.

فهؤلاء المؤمنون كلما عرضت لهم شبهة لاح لهم بسلطان الولاية الإلهية على قلوبهم شعاع من نور الحق يطرد ظلمتها فيخرجون منها بسهولة ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ  ﴾ جولان الحواس في رياض الأكوان وإدراكها ما فيها من بديع الصنع والإتقان يعطيهم نورًا، ونظر العقل في فنون المعقولان يعطيهم نورًا، وما جاء به الدين من الآيات البينات يتم لهم نورهم ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ  ﴾ أي لا سلطان على نفوسهم إلا لتلك المعبودات الباطلة السائقة إلى الطغيان، فإذا كان الطاغوت من الأحياء الناطقة ورأى أن عابديه قد لاح لهم شعاع من نور الحق الذي ينبههم إلى فساد ما هم فيه بادر إلى إطفائه بل إلى صرفهم عنه بما يلقيه دونه من حجب الشبهات وأستار زخارف الأقوال التي تقبل منه لأجل الاعتقاد أو بنفس الاعتقاد.

وإذا كان الطاغوت من غير الأحياء فإن سدنة هيكله وزعماء حزبه لا يقصرون في تنميق هذه الشبهات، وتزيين تلك الشهوات.

الظلمات هي الضلالات التي تعرض على الإنسان في كل طور من أطوار حياته كالكفر والشبهات التي تعرض دون الدين فتصد عن النظر الصحيح فيه أو تحول دون فهمه والإذعان له وكالبدع والأهواء التي تحمل على تأويله وصرفه عن وجهه وكالشهوات والحظوظ التي تشغل عنه وتستحوذ على النفس حتى تقذفها في الكفر.

لا توجد مرآة يرى فيها عبدة الطاغوت أنفسهم كما هي أجلى من القرآن..

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده