تفسير محمد عبده سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة آل عمران

تفسيرُ سورةِ آل عمران كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 331 دقيقة قراءة

تفسير سورة آل عمران كاملةً (محمد عبده)

الٓمٓ ١ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ٢ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ٣ مِن قَبْلُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ ٤ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ٥ هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٦ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌۭ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌۭ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ ٧ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ ٨ رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ٩

﴿ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ  مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ  ﴾ المتبادر من كلمة "أنزل" أن التوراة نزلت على موسى مرة واحدة وإن كانت مرتبة في الأسفار المنسوبة إليه فإنها مع ترتيبها مكررة والقرآن لا يعرف هذه الأسفار ولم ينص عليها.

وكذلك الإنجيل نزل مرة واحدة وليس هو هذه الكتب التي يسمونها الأناجيل، لأنه لو أرادها لما أفْرَدَ الإنجيل دائمًا مع أنها كانت متعددة عند النصارى حينئذ.

وحاول بعض المفسرين بيان اشتقاق التوراة والإنجيل من أصل عربي وماهما بعربيين، ومعنى التوراة، وهي عبرية، الشريعة، ومعنى الإنجيل، وهي يونانية، البشارة، وإنما المسيح مبشر بالنبي الخاتم الذي يكمل الشريعة للبشر.

وأما كونها هدى للناس فهو ظاهر.

﴿ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ  ﴾ إن الفرقان هو العقل الذي به تكون التفرقة بين الحق والباطل، وإنزاله من قبيل إنزال الحديد لأن كل ما كان عن الحضرة العلية الإلهية يسمى إعطاؤه إنزالًا.

إن المفسرين قالوا -كما أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر- إنها نزلت وما بعدها إلى نحو ثمانين آية في نصارى نجران إذ وفدوا على رسول الله  وكانوا ستين راكبًا فذكروا عقائدهم واحتجوا على التثليث وألوهية المسيح بكونه خلق على غير السنة التي عرفت في توالد البشر وبما جرى على يديه من الآيات وبالقرآن نفسه فأنزل الله هذه الآيات.

بدأ بذكر توحيد الله لينفي عقيدتهم من أول الأمر، ثم وصفه بما يؤكد هذا النفي كقوله الحي القيّوم أي الذي قامت به السماوات والأرض وهي قد وجدت قبل عيسى فكيف تقوم به قبل وجوده.

ثم قال إنه نزل الكتاب وأنزل التوراة لبيان أن الله تعالى قد أنزل الوحي وشرع الشريعة قبل وجود عيسى كما أنزل عليه وأنزل على من بعده فلم يكن هو المنزل للكتب على الأنبياء وإنما كان نبيًا مثلهم وقوله ﴿ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ  ﴾ لبيان أنه هو الذي وهب العقل للبشر ليفرقوا به بين الحق والباطل، وعيسى لم يكن واهبًا للعقول وفيه تعريض بأن السائلين تجاوزوا حدود العقل.

ثم قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ  ﴾ ، وهذا رد لاستدلالهم ببعض آيات القرآن على تمييز عيسى على غيره من البشر إذ ورد فيه أنه روح الله وكلمته، فهو يقول: إن هذه الآيات من المتشابهات التي اشتبه عليكم معناها حتى حاولتم جعلها ناقضة للآيات المحكمة في توحيد الله وتنزيهه.

المتشابه إنما يكون بين شيئين فأكثر، وهو لا يفيد عدم فهم المعنى مطلقًا كما قال المفسر (الجلال) ووصف التشابه في هذه الآية هو للآيات باعتبار معانيها أي إنك إذا تأملت هذه الآيات تجد معاني متشابهة في فهمها من اللفظ لا يجد الذهن مرجحًا لبعضها على بعض.

وقالوا أيضًا إن المتشابه ما كان إثبات المعنى فيه للفظ الدال عليه ونفيه عنه متساويان فقد تشابه فيه النفي والإثبات، أو ما دل فيه اللفظ على شيء والعقل على خلافه فتشابهت الدلالة ولا يمكن الترجيح كالاستواء على العرش وكون عيسى روح الله وكلمته فهذا هو المتشابه الذي يقابله المحكم الذي لا ينفي العقل شيئًا من ظاهر معناه.

أما كون المحكمات هن أم الكتاب فمعناه أنهن أصله وعماده أو معظمه وهذا ظاهر لكنه لا ينطبق إلا على بعض الأقوال.

إن معنى ذلك أنها هي الأصل الذي دعا الناس إليه، ويمكنهم أن يفهموها ويهتدوا بها، وعنها يتفرع غيرها وإليها يرجع، فإن اشتبه علينا شيء نرده إليها، وليس المراد بالرد أن نؤوله بل أن نؤمن بأنه من عند الله وأنه لا ينافي الأصل المحكم الذي هو أم الكتاب وأساس الدين الذي أمرنا أن نأخذ به على ظاهره الذي لا يحتمل غيره إلا احتمالًا مرجوحًا.

مثال هذه المتشابهات قوله تعالى ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  ﴾ وقوله ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  ﴾ وقوله ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ  ﴾ .

وهذا رأي جمهور المفسرين، وذهب جمهور عظيم منهم إلى أنه لا متشابه في القرآن إلا أخبار الغيب كصفة الآخرة وأحوالها من نعيم وعذاب.

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ  ﴾ معنى اتباعه ابتغاء الفتنة أنهم يتبعونه بالإنكار والتنفير استعانة بما في أنفس الناس من إنكار ما لم يصل إليه علمهم ولا يناله حسهم كالإحياء بعد الموت وشؤون تلك الحياة الأخرى.

وابتغاء الفتنة بالنسبة إلى الوجه الأول في معنى المتشابه هو أن يتبع أهل الزيغ من المشركين والمجسمة مثل قوله تعالى ﴿ وَرُوحٍ مِنْهُ  ﴾ فيأخذونه على ظاهره من غير نظر إلى الأصل المحكم ليفتنوا الناس بدعوتهم إلى أهوائهم ويختلبوهم بشبهتهم فيقولون: إن الله روح والمسيح روح منه فهو من جنسه وجنسه لا يتبعض فهو هو: فالتأويل هنا بمعنى الإرجاع أي أنهم يرجعونه إلى أهوائهم وتقاليدهم لا إلى الأصل المحكم الذي بني عليه الاعتقاد، وأما ابتغاء تأويله فهو أنهم يطبقونه على أحوال الناس في الدنيا فيحولون خبر الإحياء بعد الموت وأخبار الحساب والجنة والنار عن معانيها ويصرفونها إلى معان من أحوال الناس في الدنيا ليخرجوا الناس عن الدين بالمرة، والقرآن مملوء بالرد عليهم كقوله ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ .

﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا  ﴾ قال بعض السلف إن قوله والراسخون في العلم كلام مستأنف وبعضهم إنه معطوف على لفظ الجلالة.

واستدل الذين قالوا بالوقف عند لفظ الجلالة وبكون ما بعده استئنافًا بأدلة: (منها) أن الله تعالى ذم الذين يتبعون تأويله (ومنها) قوله: ﴿ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا  ﴾ فإن ظاهر الآية التسليم المحض لله تعالى ومن عرف الشيء وفهمه لا يعبر عنه بما يدل على التسليم المحض، وهذا رأي كثير من الصحابة  كأبي بن كعب وعائشة وذهب ابن عباس وجمهور من الصحابة إلى القول الثاني وكان ابن عباس يقول: أنا من الراسخين في العلم أنا أعلم تأويله.

وقالوا في استدلال أولئك إن الله تعالى إنما ذم الذين يبتغون التأويل بذهابهم فيه إلى ما يخالف المحكمات يبتغون بذلك الفتنة، والراسخون في العلم ليسوا كذلك فإنهم أهل اليقين الثابت الذي لا زلزال فيه ولا اضطراب فهؤلاء يفيض الله تعالى عليهم فهم المتشابه بما يتفق مع المحكم.

وأما دلالة قولهم ﴿ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا  ﴾ على التسليم المحض فهو لا ينافي العلم فإنهم سلموا بالمتشابه في ظاهره أو بالنسبة إلى غيرهم لعلمهم باتفاقه مع المحكم فهم لرسوخهم في العلم ووقوفهم على حق اليقين لا يضطربون ولا يتزعزعون بل يؤمنون بهذا وبذاك على حد سواء لأن كلًا منهما من عند الله ربنا، ولا غرو فالجاهل في اضطراب دائم والراسخ في ثبات لازم، ومن اطلع على ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجاري فهو يعرف الحق بذاته ويرجع كل قول إليه قائلًا: آمنا به كل من عند ربنا.

بينَّا أن المتشابه ما استأثر الله بعلمه من أحوال الآخرة أو ما خالف ظاهر لفظه المراد منه، وورود المتشابه بالمعنى الأول في القرآن ضروري، لأن من أركان الدين ومقاصد الوحي الإخبار بأحوال الآخرة، فيجب الإيمان بما جاء به الرسول من ذلك على أنه من الغيب، كما نؤمن بالملائكة والجن، ونقول أنه لا يعلم تأويل ذلك، أي حقيقة ما تؤول غليه هذه الألفاظ، إلا الله، والراسخون في العلم وغيرهم في هذا سواء، وإنما يعرف الراسخون ما يقع تحت حكم الحس والعقل فيقفون عند حدهم لا يتطاولون إلى معرفة حقيقة ما يخبر به الرسل عن عالم الغيب لأنهم يعلمون أنه لا مجال لحسهم ولا لعقلهم فيه وإنما سبيله التسليم، فيقولون آمنا به كل من عند ربنا.

فعلى هذا يكون الوقف على لفظ الجلالة لازمًا، وإنما خص الراسخين بما ذكر لأنهم هم الذين يفرقون بين المرتبتين: ما يجول فيه علمهم وما لا يجول فيه، ومن المحال أن يخلو الكتاب من هذا النوع فيكون كله محكمًا بالمعنى الذي يقابل المتشابه، ومن الشواهد على أن التأويل هنا بمعنى ما يؤول إليه الشيء وينطلق عليه لا بمعنى ما يفسر به قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ  ﴾ .

فتبين مما قررناه أنه لا يقال على هذا لماذا كان القرآن منه محكم ومنه متشابه لأن المتشابه بهذا المعنى من مقاصد الدين فلا يلتمس له سبب لأنه جاء على أصله.

وأما التفسير الثاني للمتشابه وهو كونه ليس قاصرًا على أحوال الآخرة بل يتناول غيرها من صفات الله التي لا يجوز في العقل أخذها على ظاهرها وصفات الأنبياء التي من هذا القبيل نحو قوله تعالى: ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ  ﴾ فإن هذا مما يمنع الدليل العقلي والدليل السمعي من حمله على ظاهره، فهذا هو الذي يأتي الخلاف في علم الراسخين بتأويله كما تقدم، فالذين قالوا بالنفي جعلوا حكمة تخصيص الراسخين بالتسليم والتفويض هي تمييزهم بين الأمرين وإعطاء كل حكمة كما تقدم آنفًا، وأما القائلون بالإثبات الذين يردون ما تشابه ظاهره من صفات الله وأنبيائه إلى أم الكتاب الذي هو المحكم ويأخذون من مجموع المحكم ما يمكنهم من فهم المتشابه فهؤلاء يقولون إنه ما خص الراسخين بهذا العلم إلا لبيان منع غيرهم من الخوض فيه.

فهذا خاص بالراسخين لا يجوز تقليدهم فيه وليس لغيرهم التهجم عليه.

وهذا خاص بما لا يتعلق بعالم الغيب.

وههنا يأتي السؤال: لم كان في القرآن متشابه لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم؟

ولم لم يكن كله محكمًا يستوي في فهمه جميع الناس وهو قد نزل هاديًا والتشابه يحول دون الهداية بما يوقع اللبس في العقائد ويفتح باب الفتنة لأهل التأويل؟

أجوبة العلماء ثلاثة: أن الله أنزل المتشابه ليمتحن قلوبنا في التصديق به، فإنه لو كان كل ما ورد في الكتاب معقولًا واضحًا لا شبهة فيه عند أحد من الأذكياء ولا من البلداء لما كان في الإيمان شيء من معنى الخضوع لأمر الله تعالى والتسليم لرسله.

جعل الله المتشابه في القرآن حافزًا لعقل المؤمن إلى النظر كيلا يضعف فيموت، فإن السهل الجلي جدًا لا عمل للعقل فيه.

والدين أعز شيء على الإنسان فإذا لم يجد فيع مجالًا للبحث يموت فيه، وإذا مات فيه لا يكون حيًا بغيره، فالعقل شيء واحد إذا قوي في شيء قوي في كل شيء، وإذا ضعف، ضعف في كل شيء، ولذلك قال: ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ  ﴾ ولم يقل والراسخون في الدين لأن العلم أعم وأشمل، فمن رحمته أن جعل في الدين مجالًا لبحث العقل بما أودع فيه من المتشابه، فهو يبحث أولًا في تمييز المتشابه من غيره، وذلك يستلزم البحث في الأدلة الكونية والبراهين العقلية وطرق الخطاب ووجوه الدلالة ليصل إلى فهمه ويهتدي إلى تأويله، وهذا الوجه لا يأتي إلا على قول من عطف (والراسخون) على لفظ الجلالة وليكن كذلك.

أن الأنبياء بعثوا إلى جميع الأصناف من عامة الناس وخاصتهم سواء كانت بعثتهم لأقوامهم خاصة كالأنبياء السالفين عليهم السلام أو لجميع البشر كنبينا  ، فإذا كانت الدعوة إلى الدين موجهة إلى العالم والجاهل والذكي والبليد والمرأة والخادم وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه كل مخاطب عاميًا كان أو خاصيًا ألا يكون في ذلك من المعاني العالية والحكم الدقيقة ما يفهمه الخاصة ولو بطريق الكناية والتعريض ويؤمر العامة بتفويض الأمر فيه إلى الله تعالى والوقوف عند حكم المحكم فيكون لكل نصيبه على قدر استعداده، مثال ذلك إطلاق لفظ كلمة الله وروح من الله على عيسى فالخاصة يفهمون من هذا ما لا تفهمه العامة ولذلك فتن النصارى بمثل هذا التعبير إذ لم يقفوا عند المحكم وهو التنزيه واستحالة أن يكون لله جنس أو أم أو ولد والمحكم عندنا في هذا قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ  ﴾ وسيأتي في هذه السورة.

ومن المتشابه ما يحتمل معاني متعددة وينطبق على حالات مختلفة لو أخذ منها أي معنى وحمل على أية حالة لصح، ويوجد هذا النوع في كلام جميع الأنبياء وهو على حد قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ  ﴾ ومنه إبهام القرآن لمواقيت الصلاة لحكمة، وقد بيّن النبي  ذلك في بلاد العرب المعتدلة بالأوقات الخمسة للصلوات الخمس، وما كانت العرب تعلم أن في الدنيا بلادًا لا يمكن تحديد المواقيت فيها كالبلاد التي تشرق فيها الشمس نحو ساعتين لا يزيد نهار أهلها على ذلك.

أشار القرآن إلى مواقيت الصلاة بقوله: ﴿ فَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ  ﴾ وسبب هذا الإبهام أن القرآن دين عام لا خاص ببلاد العرب ونحوها فوجب أن يسهل الاهتداء به حيثما بلغ، ومثل هذا الإجمال والإبهام في مواقيت الصلاة يجعل لعقول الراسخين في العلم وسيلة للمراوحة فيه واستخراج الأحكام منه في كل مكان بحسبه، فأينما ظهرت الحقيقة وجدت لها حكمًا في القرآن، وهذا النوع من المتشابه من أجلّ نعم الله تعالى، ولا سبيل إلا الاعتراض على اشتمال الكتاب عليه.

﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ  ﴾ أي وما يعقل ذلك ويفقه حكمته إلا أرباب القلوب النيرة والعقول الكبيرة، وإنما وصف الراسخون بذلك لأنهم لم يكونوا راسخين إلا بالتعقل والتدبر لجميع الآيات المحكمة التي هي الأصول والقواعد، حتى إذا عرض المتشابه بعد ذلك يتسنى لهم أن يتذكروا القواعد المحكمة وينظروا ما يناسب المتشابه منها فيردونه إليه.

﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ  ﴾ : فالرحمة في هذا المقام هي الثبات والاستقامة.

﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ  ﴾ : إن مناسبة هذا الدعاء للإيمان بالمتشابه ظاهرة على القول بأن المتشابه هو الإخبار عن الآخرة، أي أنهم كما يؤمنون بالمتشابه يؤمنون بمضمونه والمراد منه ما يؤول إليه.

وأما على القول بأنه لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم فوجهه أنهم يذكرون يوم الجمع ليستشعروا أنفسهم الخوف من تسرب الزيغ الذي يبسلهم في ذلك اليوم، فهذا الخوف هو مبعث الحذر والتوقي من الزيغ.

أعاذنا الله منه بمنه وكرمه.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ ١٠ كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ١١ قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ١٢ قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌۭ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌۭ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌۭ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ ۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ ١٣

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا  ﴾ يقال أن هذه الآية وما قبلها في تقرير التوحيد سواء كان ردًا على نصارى نجران أو كان كلامًا مستقلًا، فإن التوحيد لما كان أهم ركن للإسلام كان مما تعرف البلاغة أن يبدأ بتقرير الحق في نفسه ثم يؤتى ببيان حال أهل المناكرة والجحود ومناشئ اغترارهم بالباطل وأسباب استغنائهم عن ذلك الحق أو اشتغالهم عنه، وأهمها الأموال والأولاد، فهي تنبئهم هنا بأنها لا تغني عنهم في ذلك اليوم الذي لا ريب فيه إذ يجمع الله فيه الناس ويحاسبهم بما عملوا، بل ولا في أيام الدنيا لأن أهل الحق لا بد أن يغلبوهم على أمرهم، وما أحوج الكافرين إلى هذا التذكير.

إن الجحود إنما يقع من الناس للغرور بأنفسهم وتوهمهم الاستغناء عن الحق فإن صاحب القوة والجاه إذا وعظ بالدين عند هضم حق من الحقوق لا يؤثر فيه الوعظ ولكنه إذا رأى أن الحق له واحتاج إلى الاحتجاج عليه بالدين فإنه ينقلب واعظًا بعد أن كان جاحدًا، فهم لظلمة بصيرتهم وغرورهم بما أوتوا من مال وولد وجاه يتبعون الهوى في الدين في كل حال.

فسر مفسرنا (الجلال) تغني بتدفع، وهو خلاف ما عليه جمهور المفسرين وإنما تغني هنا كيغني في قوله  ﴿ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا  ﴾ ولا أراك تقول أن معناها لن يدفع من الحق شيئًا وإنما معنى "من" هنا البدلية، أي أن أموالهم وأولادهم لن تكون بدلًا لهم من الله تعالى تغنيهم عنه، فإنهم إذا تمادوا على باطلهم يغلبون على أمرهم في الدنيا ويعذبون في الآخرين.

بل توعدهم أيضًا بقوله: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ  ﴾ الوقود بالفتح (كصبور) ما توقد به النار من حطب ونحوه، أي أنهم سبب وجود نار الآخرة كما أن الوقود سبب وجود النار في الدنيا، أو أنهم مما توقد به.

ولا نبحث عن كيفية ذلك فإنه من أمور الغيب التي تؤخذ بالتسليم.

ثم ذكر تعالى مثلًا لهؤلاء الكافرين الذين استغنوا بما أوتوا في الدنيا عن الحق فعارضوه وناهضوه حتى ظفر بهم فقال ﴿ كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ  ﴾ بأن أهلكهم ونصر موسى على آل فرعون ومن قبله من الرسل على أممهم المكذبين، ذلك بأنهم كانوا بكفرهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون فما أخذوا إلا بذنوبهم وما نصر الرسل ومن آمن معهم إلا بصلاحهم وإصلاحهم فالله تعالى لا يحابي ولا يظلم ﴿ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ  ﴾ على مستحقه إذ قضت سنته بأن يكون العقاب أثرًا طبيعيًا للذنوب والسيئات وأشدها الكفر وما تفرع عنه، فليعتبر المخذولون إن كانوا يعقلون.

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ  ﴾ : كان الكافرون يعتزون بأموالهم وأولادهم فتوعدهم الله تعالى وبيّن لهم أن الأمر ليس بالكثرة والثروة وإنما هو بيده  .

﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ  ﴾ : لا يبعد أن تكون الآية تشير إلى واقعة بدر كما قال المفسر (الجلال)، ويحتمل أن تكون إشارة إلى وقائع أخرى قبل الإسلام، ويرجح هذا إذا كان الخطاب لليهود فإن في كتبهم مثل هذه العبرة كقصة طالوت وجالوت في سورة البقرة.

ويرجح الأول إذا كان الخطاب لمشركي العرب وثبت أن نزول الآية كان بعد وقعة بدر.

وقد كانت الفئة الكافرة في بدر ثلاثة أضعاف المسلمة، ويصح أن يكونوا مع ذلك رأوهم مثليهم فقط لأن الله قللهم في أعينهم كما ورد في سورة الأنفال.

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ  ﴾ : وجه العبرة أن هناك قوة فوق جميع القوى قد تؤيد الفئة القليلة فتغلب الكثيرة بإذن الله.

وقد ورد في القرآن ما يمكن أن نفهم به سنته تعالى في مثل هذا التأييد، لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا ويجب أخذه بجملته، بل هذه الآية نفسها تهدي إلى السر في هذا النصر، فإنه قال: ﴿ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ ومتى كان القتال في سبيل الله أي سبيل حماية الحق والدفاع عن الدين وأهله فإن النفس تتوجه إليه بكل ما فيها من قوة وشعور ووجدان وما يمكنها من تدبير واستعداد مع الثقة بأن وراء قوتها معونة الله وتأييده.

ومما يوضح ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ ، ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ  ﴾ : ولا شك أن المؤمنين قد امتثلوا أمر الله تعالى في كل ما أوصاهم به بقدر طاقتهم فاجتمع لهم الاستعداد والاعتقاد فكان المؤمن يقاتل ثابتًا واثقًا والكافر متزلزلًا مائقًا ونصروا الله فنصرهم وفاء بوعده في قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ فالمؤمن من يشهد له بإيمانه وإيتاؤه ما وعد الله المؤمنين لا من يدعي الإيمان بلسانه وأخلاقه وأعماله وحرمانه ما وعد الله المؤمنين تكذب دعواه.

وغزوات الرسول وأصحابه شارحة لما ورد من الآيات في ذلك، وناهيك بغزوة أُحد فإنهم لما خالفوا ما أمروا به نزل بهم ما نزل وهذا أكبر عبرة لمن بعدهم لو كانوا يعتبرون بالقرآن ولكنهم أعرضوا عنه ونبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما اختاروا لأنفسهم.

ولو عادوا إليه واتحدوا فيه واعتصموا بحبله لفازوا بالعز الدائم والسعادة الكبرى والسيادة العليا في الدنيا والأخرى.

<div class="verse-tafsir"

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ ١٤

إن رئيس وفد نجران ذكر في حديثه مع النبي  أنه يمنعه من الاعتراف بأنه هو النبي المبشر به وبصدقه أن هرقل ملك الروم أكرم مثواه ومتعه وأنه يسلبه ما أعطاه من مال وجاه إذا هو آمن.

فَبَيَّنَ تعالى أن ما زين للناس من حب الشهوات حتى صرفهم عن الحق لا خير فيه.

والمختار عندي أنه لما كان الكلام السابق يتضمن وعيد الكافرين جاء بعده بوعد المتقين، وجعل له مقدمة بيَّن فيها جميع أصول اللذات التي يتمتع بها الناس بحسب غرائزهم تمهيدًا لتعظيم شأن ما بعدها من أمر الآخرة.

ولمحبة الولد طوران: طور الصغير، وهو حب ذاتي لهم لا علة ولا فكر فيه ولا عقل ولا رأي، بل هو جنون فطري ورحمة ربانية عامة لجميع الحيوانات لا فرق بين الإنسان والهرة.

والطور الثاني حب معلول معه فكر، وهو المراد بالآية، وهو حب الأمل والرجاء بالولد ولذلك كان خاصًا بالبنين وإنما الحب على قدر الأمل فإذا خاب يضعف الحب ويرث وربما انقلب إلى عداوة تستتبع التقاضي وطلب العقاب أو الغرامة كما يقع كثيرًا.

<div class="verse-tafsir"

۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍۢ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ١٥ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٦ ٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ ١٧

تقدم تفسير التقوى والجنات والأزواج المطهرة في سورة البقرة.....

وأكبر من هذه الذات كلها رضوان الله تعالى، وهذا يدلنا على أن أهل الجنة طبقات ومراتب كما نراهم في الدنيا، فمن الناس من لا يفهم معنى رضوان الله تعالى ولا يكون باعثًا له على ترك الشر ولا على فعل الخير، وإنما يفهمون معنى اللذات الحسية التي جربوها فكانت أحسن الأشياء موقعًا من نفوسهم، فهم فيها يرغبون ولأجلها يعملون، ولكن جميع المتقين يعرفون في الآخرة هذه اللذة التي لم يكونوا يعقلون لها معنى في الدنيا.

﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ  ﴾ ختم الآية بهذه الجملة للإشعار بأنه ليس كل من ادعى التقوى في نفسه أو بلسانه يكون متقيًا، وإنما المتقي عند الله هو من يعلم الله منه التقوى، وفي هذا تنبيه للناس وإيقاظ لمحاسبة نفوسهم على التقوى لئلا يغشهم العجب بأنفسهم فيحسبوها متقية وما هي بمتقية.

﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا  ﴾ وصف أهل التقوى بشأن من شؤونهم وهو أنهم لتأثر قلوبهم بالتقوى التي هي ثمرة الإيمان تفيض ألسنتهم بالاعتراف بهذا الإيمان في مقام الابتهال والدعاء.

﴿ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ  ﴾ : وصف الله المتقين بهذه الصفات التي استحقوا بها تلك الدرجات.

ومجموع الآيات الواردة في الصبر تدلنا على أن الصبر هو حبس النفس عند كل مكروه يشق على النفس احتماله، وأكمل أنواعه الصبر على ملازمة الشريعة في المنشط والمكره، فعندما تهب زوابع الشهوات فتزلزل الاعتقاد بقبح المعاصي وسوء عاقبتها يكون الصبر هو الذي يثبت الإيمان ويقف بالنفس عند الحدود المشروعة لذلك قرن الأمر بالتواصي بالحق بالأمر بالتواصي بالصبر في سورة العصر، والحق هو المقصود الأول من الدين وهو لا يقوم إلا بالصبر.

وكما يحفظ النفس عند حدود الشرع يحفظ شرف الإنسان في الدنيا عند المكاره ويحفظ حقوق الناس أن تغتالها أيدي المطامع.

والصدق يكون في القول والعمل والوصف، يقال فلان صادق في عمله، صادق في جهاده وصادق في حبه كما يقال صادق في قوله.

وفسروا القانتين بالمطيعين وبالمداومين على الطاعة والعبادة.

والمنفقون معروفون..

إلخ.

ومن مباحث اللفظ النكتة في نسق هذه الأوصاف بالعطف مع أن الأوصاف المعدودة تسرد غير معطوفة، وعن الزمخشري أن العطف يفيد كمال الموصوفين بهذه الأوصاف، وقال غيره من المفسرين إننا لا نعهد من معاني الواو الكمال في معطوفاتها، ومن عنده ذوق في اللسان يجد في نفسه فرقًا بين لمعطوف وغيره، ومن الأمثلة على ذلك قوله الشاعر: ولوكان رمحًا واحدًا لاتقيته ولكنه رمح وثان وثالث وإن بيان الفرق ربما لا تفي به العبارة إلا مع الاستعانة بالسليقة، ويمكن تقريب ذلك بأن يقال إن الأوصاف المسرودة بغير عطف كالوصف الواحد وأما عطفها فيفيد أن كل واحد منها وصف مستقل.

<div class="verse-tafsir"

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١٨ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ ۗ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ١٩ فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ٢٠

﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ  ﴾ : كأنه يقول إن من يقصد إلى الحجاج بعد تأييد الحق وتفنيد الباطل لا يقصد إلا إلى المجادلة والمشاغبة لمحض العناد والمشاكسة وذلك شأن المبطلين، وأما طالب الحق فإنه يبخل بالوقت أن يضيع سدى ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ  ﴾ .

الاستفهام للتقريع والمراد بالإسلام روح الدين الذي نزل به الكتاب ومقصده يعني أنه ليس لهم إلا الرسوم منه ﴿ فَإِنْ أَسْلَمُوا  ﴾ هذا الإسلام ﴿ فَقَدِ اهْتَدَوْا  ﴾ لأن هذا هو روح الدين فمن أصابه فهو على هداية من هذا الوجه، فإن غشيه مع ذلك شيء من الباطل الصوري فهو لا يلبث أن يزول متى ظهر له الدليل على بطلانه، ولذلك كان إسلامهم هذا لا بد أن يستتبع اتباعك في ما جئت به لأن من كان كذلك فهو نير القلب متوجه دائمًا إلى طلب الحق، فهو أقرب الناس إلى قبوله متى جاءه وظهر له ﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا  ﴾ معرضين عن لاعتراف بما سألت عنه، لعلمهم أنهم ليسوا على شيء منه، ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ  ﴾ لحقيقة الإسلام، وما أمرت به من الأحكام، ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ  ﴾ فهو أعلم بمن طمس قلبه فارتكس في شقائه، ووقع اليأس من اهتدائه، ومن يرجى له بتوفيق الله من بعد ما لا يرجى له اليوم.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ٢٢

قيل إن الآية في اليهود، وعندي أن القول على أنها عامة هو الأولى، وهي تتحدث عن مشركي العرب الذين حاولوا قتل نبي واحد، على حد كون قتل النفس الواحدة كقتل جميع الناس.

﴿ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ  ﴾ : إن مرتبة هؤلاء تلي مرتبة الأنبياء.

وقوله تعالى: ﴿ مِنَ النَّاسِ  ﴾ يشعر بقلتهم.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ٢٣ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۖ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٢٤ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٢٥

إنه مبين لقوله تعالى ﴿ أُوْتُوا الكِتَابَ  ﴾ وهو بمعنى ﴿ لَا يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَ  ﴾ فالنصيب عبارة عن تمسكهم بالألفاظ بتعظيمها وتعظيم ما تكتب فيه مع عدم العناية بالمعاني بفقهها والعمل بها.

ولك أن تقول إن ما يحفظونه من الكتاب هو جزء من الكتب التي أوحاها الله إليهم.

وقد فقدوا سائرها وهم مع ذلك لا يقيمونها بحسن الفهم لها والتزام العمل بها.

ولا غرابة في فقد بعض الكتاب فالكتب الخمسة المنسوبة إلى موسى  التي يسمونها التوراة لا دليل على أنه هو الذي كتبها، ولا هي محفوظة عنه، بل قام الدليل عند الباحثين من الأوربيين على أنها كتبت بعده بمئات من السنين.

وكذلك يقال في سائر الكتب المنسوبة إلى الأنبياء في المجموع الذي يسمونه (الكتاب المقدس).

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ  ﴾ فللتراخي فيه وجهان: (أولهما) استبعاد توليهم، لأنه خلاف الأصل الذي يكون عليه المؤمن (ثانيهما) أنهم إذا دعوا إلى حكم الكتاب يتولى ذلك الفريق بعد تردد وترو في القبول وعدمه وكان من مقتضى الإيمان أن لا يتردد المؤمن في إجابة الدعوة إلى حكم كتابه الذي هو أصل دينه.

على أنهم لم يكتفوا بالتردد حتى تولوا بالفعل، ولم يكن التولي عرضًا حدث لهم بعد أن كانوا مقبلين على الكتاب خاضعين لحكمه في كل حال وآن بل هو وصف لهم لازم، بل اللازم لهم ما هو شر منه وهو الإعراض عن كتاب الله في عامة أحوالهم.

فجملة ﴿ وَهُمْ مُعْرِضُونَ  ﴾ ليست مؤكدة للتولي، كما قيل، بل هو مؤسسة لوصف الإعراض الذي هو أبلغ منه وإنما قال ﴿ فَرِيقٌ مِنْهُمْ  ﴾ لأن هذا الوصف ليس عامًا لكل فرد منهم بل كان منهم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ومنهم الذين آمنوا بالنبي  .

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ  ﴾ : إنه لم يثبت في عدد هذه الأيام شيء، وليس في كتب اليهود التي في أيديهم وعد بالآخرة ولا وعيد، فكل ما وعدت به على العمل بالكتاب هو الخير والخصب والسلطة في الأرض وما أوعدت به هو سلب هذه النعم وتسليط الأمم عليهم، ولكن الإسلام بين لنا أن كل نبي أمر بالإيمان باليوم الآخر ووعد وأوعد، فهذا هو الحق سواء أوجد في كتبهم أم لم يوجد.

والجملة عبارة عن استسهال العقوبة والاستخفاف بها اتكالًا على اتصال نسبهم بالأنبياء واعتمادًا على مجرد الانتساب إلى الدين وكانوا يعتقدون أن ذلك كاف في نجاتهم، ومن استخف بوعيد الدين زاعمًا أنه خفيف في نفسه أو أنه غير واقع بمن يستحقه حتمًا تزول حرمة الأوامر والنواهي من نفسه فيقدم على ارتكاب المحارم بلا مبالاة ويتهاون في الطاعات المحتمة وهكذا شأن الأمم عندما تفسق عن دينها وتنتهك حرماته، ظهر في اليهود ثم في النصارى ثم في المسلمين.

<div class="verse-tafsir"

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٦ تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ٢٧

روي عن قتادة أن النبي  سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته فنزل قوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ  ﴾ وإن الكلام متصل بما قبله صح ما قيل في سبب النزول أم لم يصح، والكلام في حال النبي  مع من خوطبوا بالدعوة من المشركين وأهل الكتاب، فالمشركون كانوا ينكرون النبوة لرجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق كما أنكر أمثالهم على الأنبياء قبله.

وأهل الكتاب كانوا ينكرون أن يكون نبي من غير آل إسرائيل، وقد عهد في غير موضع من القرآن تسلية النبي  في مقام بيان عناد المنكرين ومكابرة الجاحدين وتذكيره بقدرته تعالى على نصره وإعلاء كلمة دينه، فهذه الآية من هذا القبيل.

كأنه يقول له: إذا تولى هؤلاء الجاحدون عن بيانك، ولم ينظروا في برهانك، وظل المشركون منهم على جهلهم، وأهل الكتاب في غرورهم، فعليك أن تلجأ إلى الله تعالى وترجع إليه بالدعاء والثناء، وتتذكر أنه بيده الأمر يفعل ما يشاء، وهذا يناسب ما تقدم في الرد على نصارى نجران من أمره بالالتجاء إليه سبحانه بقوله: ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ  ﴾ .

وعلى هذا التفسير يصح أن يكون الملك بمعنى النبوة أو لازمها.

ولا شك أن النبوة ملك كبير لأن سلطانها على الأجساد والأرواح، على الظاهر والباطن، قال تعالى: ﴿ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا  ﴾ فإن لم يكن هذا الملك عين النبوة فهو لازمها، ونزع الملك على هذا القول عبارة عن نزعه من الأمة التي كان يبعث فيها الأنبياء كأمة إسرائيل فقد نزعت منها النبوة ببعثة النبي  ، ويمكن أن يفسر النزع هنا بالحرمان فإنه تعالى يعطي النبوة من يشاء ويحرم منها من يشاء، فإن قيل: إن النزع إنما يكون لشيء قد وجد صح أن يجاب عنه بأن هذا على حد قوله تعالى حكاية على لسان الرسل: ﴿ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا  ﴾ فإنهم لم يكونوا في ملتهم إذ يستحيل الكفر على الأنبياء.

﴿ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ  ﴾ العز والذل معروفان من آثار الأول حماية الحقيقة ونفاذ الكلمة ومن أسبابه كثرة الأعوان وملك القلوب بالجاه والعلم النافع للناس وسعة الرزق مع التوفيق للإحسان، ومن آثار الثاني الضعف عن الحماية، والرضى بالضيم والمهانة.

﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ  ﴾ قدر المفسر (الجلال) هنا كلمة "والشر"، هربًا من المعتزلة، على أنه ليس في العبارة نفي لكون الشر بيده كما أنه ليس فيها إثبات له فلا معنى لتصادم المذاهب فيها وحسبنا قوله: ﴿ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ .

﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ  ﴾ أي تدخل طائفة من الليل في النهار فيقصر الليل من حيث يطول النهار، وتدخل طائفة من النهار في الليل فيطول هذا من حيث يقصر ذاك.

﴿ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ  ﴾ كالعالم من الجاهل والصالح من الطالح والمؤمن من الكافر ﴿ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ  ﴾ كالكافر من المؤمن والجاهل من العالم والشرير من الخير.

<div class="verse-tafsir"

لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةًۭ ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ٢٨ قُلْ إِن تُخْفُوا۟ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٩ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍۢ مُّحْضَرًۭا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍۢ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًۭا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ ٣٠

جاء قوله تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ بعد تلك الآية التي نبه الله فيها النبي والمؤمنين إلى الالتجاء إليه معترفين أن بيده الملك والعز ومجامع الخير والسلطان المطلق في تصريف الكون يعطي من يشاء ويمنع من يشاء فإذا كانت العزة والقوة له عز شأنه فمن الجهل والغرور أن يعتز بغيره من دونه، وأن يلتجأ إلى غير جنابه، أو يذل المؤمن في غير بابه، وقد نطقت السير بأن بعض الذين كانوا يدخلون في الإسلام كان يقع منهم قبل الاطمئنان بالإيمان اغتراره بعزة الكافرين وقوتهم وشوكتهم فيوالونهم ويركنون إليهم وهذا أمر طبيعي في البشر.

وذكروا في سبب نزول الآية أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وقصته معروفة وقيل إنها نزلت في ابن أبي سلول (زعيم المنافقين) وقيل في جماعة من الصحابة كانوا يوالون بعض اليهود، ومهما كان السبب في نزولها فإنا نعلم أن من طبيعة الاجتماع في كل دعوة أن يوجد في المستجيبين لها القوي والضعيف، على أن مظاهر القوة والعزة تغر بعض الصادقين وتؤثر في نفوس بعض المخلصين فما بالك بغيرهم، ولذلك نهى الله تعالى المؤمنين عن اتخاذ الأولياء من الكافرين.

وقد ورد بمعنى هذه الآية آيات أخرى فلا بد من تفسيرها تفسيرًا تتفق به معانيها.

الأولياء: الأنصار، والاتخاذ يفيد معنى الاصطناع، وهم عبارة عن مكاشفتهم بالأسرار الخاصة بمصلحة الدين، وقوله: ﴿ مِنْ دُوْنَ المُؤْمِنِينَ  ﴾ قيد في الاتخاذ، أي لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء وأنصارًا في شيء تقدم فيه مصلحتهم على مصلحة المؤمنين أي كما فعل حاطب بن أبي بلتعة، لأن في هذا اختيارًا لهم وتفضيلًا على المؤمنين، بل فيه إعانة للكفر على الإيمان ولو بطريق اللزوم، ومن شأن هذا أن لا يصدر من مؤمن ولو كان فيه مصلحة خاصة له، ولذلك هم عمر  بقتل حاطب وسماه منافقًا لولا أن نهاه  عن ذلك وذكره بأنه من أهل بدر.

وقال تعالى في آية أخرى: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ  ﴾ الآية فالموادة مشاركة في الأعمال، فإن كانت في شأن من شؤون المؤمنين من حيث هم مؤمنون والكافرين من حيث هم كافرون فالممنوع منها ما يكون فيه خذلان لدينك وإيذاء لأهله أو إضاعة لمصالحهم، وأما ما عدا ذلك كالتجارة وغيرها من ضروب المعاملات الدنيوية فلا تدخل في ذلك النفي لأنها ليست معاملة في محادة الله ورسوله أي في معاداتهما ومقاومة دينهما.

﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ  ﴾ : معنى العبارة أنه يكون بينه وبين الله غاية البعد أي تنقطع صلة الإيمان بينه وبين الله تعالى أي فيكون من الكافرين كما قال في آية أخرى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ  ﴾ أو معناه فيكون عدو الله وقوله ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً  ﴾ استثناء من أعم الأحوال أي إن ترك موالاة الكافرين على المؤمنين حتم في كل حال إلا في حال الخوف من شيء تتقونه منهم فلكم حينئذ أن توالوهم بقدر ما يتقى به ذلك الشيء، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه الموالاة تكون صورية لأنها للمؤمنين لا عليهم، والظاهر أن الاستثناء منقطع والمعنى ليس لكم أن توالوهم على المؤمنين ولكن لكم أن تتقوا ضررهم بموالاتهم.

وإذا جازت موالاتهم لاتقاء الضرر فجوازه لأجل منفعة المسلمين يكون أولى، وعلى هذا يجوز لحكام المسلمين أن يحالفوا الدول غير المسلمة لأجل فائدة المؤمنين بدفع الضرر أو جلب المنفعة وليس لهم أن يتولوهم في شيء يضر بالمسلمين وإن لم يكونوا من رعيتهم.

وهذه الموالاة لا تختص بوقت الضعف بل هي جائزة في كل وقت.

﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا  ﴾ الكلام تتمة لوعيد من يوالي الكافرين ناصرًا إياهم على المؤمنين والمعنى اتقوا واحذروا، أو ليحذروا يوم تجد كل نفس عملها من الخير مهما قل محضرًا.

ولا يجوز تقدير "اذكر" متعلقًا لقوله "يوم تجد" كما فعل (الجلال).

ومعنى كونه محضرًا أن فائدته ومنفعته تكون حاضرة لديه.

وأما عمل السوء فتود كل نفس اقترفته ولو بعد عنها ولم تره وتؤخذ بجزائه.

وهذا يدل على أن عمل الشر يكون محضرًا أيضًا ولكنه عبر عنه بما ذكر ليدل على أن إحضاره مؤذ لصاحبه يود لو لم يكن، ومنه يعلم أن إحضار عمل الخير يكون غبطة لصاحبه وسرورًا.

وهذا التعبير ضرب من التمثيل كالآيات التي فيها ذكر كتب الأعمال وأخذها بالأيمان والشمائل فإن الغرض من التعبير بأخذها باليمين أخذها بالقبول الحسن ومن أخذها بالشمال أو من وراء الظهر أخذها مع الكراهية والامتعاض.

ومن مباحث اللفظ في الآية دخول الحرف المصدري على مثله في قوله ﴿ لَوْ أَنَّ  ﴾ وهو معروف في الكلام العربي الفصيح فلا حاجة إلى جعل الأصل فيه المنع وتأويل ما سمع منه.

<div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًۭا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ٣٣ ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍۢ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤ إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًۭا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٣٥ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٣٦ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍۢ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًۭا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَـٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ٣٧

﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ  ﴾ : يقال إن لفظ الذرية قد يطلق على الوالدين والأولاد خلافًا لعرف الفقهاء، وهو قليل، والمشهور ما جرى عليه الفقهاء وهو أن الذرية الأولاد فقط فقوله ﴿ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ  ﴾ ظاهر على الأول.

ويخص على الثاني بآل إبراهيم وآل عمران.

ويصح أن يكون بمعنى إنهم أشباه وأمثال في الخيرية والفضيلة التي هي أصل اصطفائهم على حد قوله تعالى: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ  ﴾ وهو استعمال معروف.

ورد ذكر عمران في الآيات مرتين، فبعضهم يقول إنهما واحد وهو أبو مريم ويستدل على ذلك بورودهما في سياق واحد، وأكثرهم يقول إن الأول أبو موسى والثاني أبو مريم وبينهما نحو ألف وثمانمائة سنة تقريبًا، وتفصيل ذلك معروف عند اليهود.

والمسيحيون لا يعترفون بأن أبا مريم يدعى عمران، ولا ضير في ذلك، فإنه لا يلزم أن تكون كل حقيقة معروفة عندهم وليس لهم سند لنسب المسيح يحتج به فهو كسلسلة الطريق عند المتصوفة يزعمون أنها متصلة بعلي أو بالصديق وليس لهم في ذلك سند متصل يحتج بمثله.

﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ  ﴾ : في حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما واللفظ هنا لمسلم: "كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها".

وإذا صح الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة.

إن القرآن نزل سائغًا يسهل على كل أحد فهمه من غير حاجة إلى عناء ولا ذهاب في الدفاع عن شيء خلاف الظاهر فعلينا أن لا نخرج عنه سنّته ولا نضيف إليه حكايات إسرائيلية أو غير إسرائيلية لجعل هذه القصة من خوارق العادات، والبحث عن ذلك الرزق ما هو ومن أين جاء فضول لا يحتاج إليه لفهم المعنى ولا لمزيد العبرة، ولو علم الله أن في بيانه خيرًا لبينه.

أما ما سيقت القصة لأجله، وهو الذي يجب أن نبحث فيه، ونستخرج العبر من قوادمه وخوافيه، فهو تقرير نبوة النبي  ودحض شبه أهل الكتاب الذين احتكروا فضل الله وجعلوا خاصًا بشعب إسرائيل وشبهة المشركين الذين كانوا ينكرون نبوته لأنه بشر.

وبيان ذلك أن المقصد الأول من مقاصد الوحي هو تقرير عقيدة الألوهية وأهم مسائلها مسألة الوحدانية وتقرير عقيدة البعث والجزاء وعقيدة الوحي والأنبياء وقد افتتحت السورة بذكر التوحيد وإنزال الكتاب ثم كانت الآيات من أولها إلى هذه القصة أو قبيل هذه القصة في الألوهية والجزاء بعد البعث بالتفصيل وإزالة الشبهات والأوهام في ذلك، ثم بيّن أن الإيمان بالله وادعاء حبه ورجاء النجاة في الآخرة والفوز بالسعادة فيها إنما تكون باتباع رسوله وقفى على ذلك بهذه القصة التي تزيل شبه المشركين وأهل الكتاب في رسالته وتردها على وجودهم.

رد عليهم بما يعرفونه من أن أبو البشر، وأن الله اصطفاه بجعله أفضل من كل أنواع الحيوان، وتمكينه هو وذريته من تسخيرها، وهذا متفق عليه بين المشركين وأهل الكتاب، ومن اصطفاء نوح وجعله أبا البشر الثاني وجعل ذريته هم الباقين، ومن اصطفاء إبراهيم وآله على البشر فإن العرب وأهل الكتاب كانوا يعرفون ذلك، فالأولون يفخرون بأنهم ولد إسماعيل وعلى ملة إبراهيم كما يفخر الآخرون باصطفاء آل عمران من بني إسرائيل حفيد إبراهيم.

فالله  يرشد هؤلاء وأولئك وجميع البشر إلى أنه هو الذي اصطفى هؤلاء بغير مزية سبقت منهم ذلك وتوجبه عليه، فإذا كان الأمر له في اصطفاء من يشاء من عباده وبذلك اصطفى هؤلاء على عالمي زمانهم فما المانع له من اصطفاء محمد  بعد ذلك على العالمين كما اصطفى أولئك؟

لا مانع يمنع ذلك عند من يعقل.

فإن قيل: إنه لم يعهد أن بعث نبيًا من غير بني إسرائيل بعد وجودهم، قلنا: ولم اصطفى بني إسرائيل عند وجودهم؟

أليس ذلك بمحض مشيئته؟

بلى، وبمحض مشيئته اصطفى محمدًا  .

فهذه المثل مسوقة لبيان أنه تعالى يصطفي من خلقه من يشاء، أما الدليل على كونه شاء اصطفاءه فاصطفاه بالفعل فهو أنه اصطفاه بالفعل إذ جعله هاديًا للناس مخرجًا لهم من ظلمات الشرك والجهل والفساد إلى نور الحق الجامع للتوحيد والعلم والصلاح، ولم يكن أثر غيره من آل إبراهيم وآل عمران في الهداية بأظهر من أثره.

بل أثره أظهر، ونوره أسطع، صلى الله عليه وعلى كل عبد مصطفى.

وهذا بيان لوجه اتصال القصة بما قبلها من أول السورة.

ومن هذه المثل قصة مريم فإن أمها إذا كانت قد ولدتها وهي عاقر على خلاف المعهود كما نقل، أو يقال إذا كان قبول الأنثى محررة لخدمة بيت الله على خلاف المعهود عندهم وقد تقبله الله فلماذا لا يجوز أن يرسل الله محمدًا من غير بني إسرائيل على خلاف المعهود عندهم؟

ومثل هذا يقال في قصة زكريا  الآتية ومن ذلك كله يعلم أن أعماله لا تأتي دائمًا على ما يعهد الناس ويألفون.

<div class="verse-tafsir"

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةًۭ طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٨ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌۭ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًۭا وَحَصُورًۭا وَنَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٣٩ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌۭ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠ قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةًۭ ۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًۭا ۗ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًۭا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ ٤١

فسر بعضهم "هنالك" بالزمان وهو ضعيف والاستعمال الفصيح فيها أنها للمكان أي في ذلك المكان الذي خاطبته فيه مريم بما ذكر دعا ربه ورؤية الأولاد النجباء تشوق نفس القارئ وتهيج تمنيه لو يكون له مثلهم.

وذهب المفسر (الجلال) إلى أن الذي بعث زكريا إلى الدعاء هو رؤيته فاكهة الصيف في الشتاء وعكسه فإن ذلك من قبيل مجيء الولد من الشيخ الكبير والمرأة العاقر وليس في الآية ما يدل عليه، وقد يعترض عليه بأن فيه إشعارًا بأن زكريا لم يكن قبل ذلك عالمًا بإمكان الخوارق، ولا يقول بهذا مؤمن بنبوته.

فإن قيل: إن تعجبه بعد قوله ﴿ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ  ﴾ قد يشعر بشيء من ذلك، فالجواب: إن هذا يؤيد امتناع أن تكون رواية الخوارق هي التي أثارت في نفسه هذا الدعاء.

إن زكريا لما رأى ما رآه من نعمة الله على مريم في كمال إيمانها وحسن حالها ولا سيما اختراق شعاع بصيرتها لحجب الأسباب، ورؤيتها أن المسخر لها هو الذي يرزق من يشاء بغير حساب، أُخذ عن نفسه، وغاب عن حسه، وانصرف عن العالم وما فيه، واستغرق قلبه في ملاحظة فضل الله ورحمته، فنطق بهذا الدعاء في حال غيبته، وإنما يكون الدعاء جديرًا بأن يستجاب إذ جرى به اللسان بتلقين القلب في حال استغراقه في الشعور بكمال الرب، ولما عاد من سفره في عالم الوحدة، إلى عالم الأسباب ومقام التفرقة، وقد أوذن بسماع ندائه، واستجابة دعائه سأل ربه عن كيفية تلك الاستجابة، وهي على غير السنة الكونية فأجابه بما أجابه، وذلك قوله  ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ  ﴾ ..

إن زكريا أحب بمقتضى الطبيعة البشرية أن يتعين لديه الزمن الذي ينال به تلك المنحة الإلهية ليطمئن قلبه، ويبشر أهله، فسأل عن الكيفية، ولما أجيب بما أُجيب به سأل ربه أن يخصه بعبادة يتعجل بها شكره ويكون إتمامه إياها آية وعلامة على حصول المقصود، فأمره بأن لا يكلم الناس ثلاثة أيام بل ينقطع للذكر والتسبيح مساء صباح مدة ثلاثة أيام فإذا احتيج إلى خطاب الناس أومأ إليهم إيماء، وعلى هذا تكون بشارته لأهله بعد مضي الثلاث ليال.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَـٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٤٢ يَـٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣

قال الجلال إنه التطهير من مسيس الرجال.

والمختار عندي حمله على ما هو أعم من هذا وذاك.

أي طهَّرك مما يستقبح كسفساف الأخلاق وذميم الصفات وغير ذلك.

والاصطفاء الثاني ..

هو جعلها تلد نبيًا من غير أن يمسها رجل، فهو على هذا اصطفاء لم يكن قد تحقق بالفعل، بل بالإعداد والتهيئة.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ٤٤

أعقب هذه القصة بهذه الآية الناطقة بأنها من أنباء الغيب، وأخر خبر إلقاء الأقلام لكفالة مريم، وذكره في سياق نفي حضور النبي  مجلس القوم وشهود ما جرى منهم.

ولا بد لهذه العناية من نكتة وقد قالوا في بيانها إن كونه  لم يقرأ أخبار القوم ولم يروها سماعًا عن أحد معلوم عند منكري نبوته فلم يبق له طريق للعلم بها إلا مشاهدتها فنفاها تهكمًا بهم وبذلك تعين أنه لم يبق له طريق إلا وحي الله تعالى إليه بها.

وهذا الجواب منقوض، وإن اتفق عليه من نعرف من المفسرين، وذلك أن القرآن نطق بأنهم قالوا: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ  ﴾ ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا  ﴾ فالصواب أن النكتة في النص على نفي حضور النبي القوم إذ يلقون أقلامهم، بعد النص على كون القصة من أنباء الغيب، هي أن هذه المسألة لم تكن معلومة عند أهل الكتاب فيكون للمنكرين شبهة على أنه أخذها عنهم.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَـٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍۢ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ٤٥ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٤٦ قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌۭ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٧ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ٤٨ وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٤٩ وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۗ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ ٥١

قد عرف بكلمة الله أي بوحيه لأنبيائه.

والكلمة تطلق على الكلام كقوله: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ  ﴾ .

إن الناس إنما يولون الملك عليهم لأجل تقرير العدل فيهم ورفع أثقال الظلم عنهم، وقد فعل المسيح ذلك، فإن اليهود كانوا عند بعثته فيهم متمسكين بظواهر ألفاظ الكتاب، وخاضعين لأفهام الكتبة والفريسيين وأوهامهم، حتى أرهقهم ذلك عسرًا، وتركهم يئنون من الظلم وأثقال التكاليف، فرفع المسيح ذلك عنهم بإرجاعهم إلى مقاصد الدين وحملهم على الأخوة الرافعة للظلم.

﴿ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ  ﴾ : إن كون المسيح ذا جاه ومكانة في الآخرة ظاهر، وجاهته في الدنيا فهي قد تكون موضع إشكال لما عرف من امتهان اليهود له ومطاردتهم إياه على فقره وضعف عصبيته...

والجواب عن ذلك سهل وهو أن الوجيه في الحقيقة من كانت له مكانة في القلوب واحترام ثابت في النفوس، ولا يكون أحد كذلك حتى يكون له أثر حقيقي ثابت من شأنه أن يدوم بعده زمنًا طويلًا أو غير طويل، ولا ينكر أحد أن منزلة المسيح في نفوس المؤمنين به كانت عظيمة جدًا، وأن ما جاء به من الإصلاح هو من الحق الثابت، وقد بقي أثره بعده، فهذه الوجاهة أعلى وأرفع من وجاهة الأمراء والملوك الذين يحترمون في الظاهر لظلمهم واتقاء شرهم ولدهائهم والتزلف إليهم رجاء الانتفاع بشيء مما في أيديهم من عرض الحياة الدنيا، لأن هذه وجاهة صورية لا أثر لها في النفوس إلا الكراهة والبغض والانتقاض، وتلك وجاهة حقيقية مستحوذة على القلوب.

وحقيقة الوجاهة في الآخرة هي أن يكون الوجيه في مكان عليّ ومنزلة رفيعة يراه الناس فيها فيجلّونه ويعلمون أنه مقرب من الله تعالى، ولا يمكننا أن نحددها ونعرف بماذا تكون.

فإن قال قائل: إن هذه الوجاهة تكون بالشفاعة.

فالجواب: إن الآية لم تبين ذلك.

على أنكم تقولون إن هذه الشفاعة عامة لكل نبي وعالم صالح فما هي مزية المسيح إذن؟.

﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا  ﴾ الجملة معطوفة على ما قبلها ولا يضر عطف الفعل على الاسم، والكهل الرجل التام السوي من غير تقييد بسن معينة، والكلام في المهد يصدق بما يكون في سن الكلام وهي سنة فأكثر وما يكون قبل ذلك وهو آية على كل تقدير، لأن تعديته إلى الناس تفيد أنه يكلمهم كلام التفاهم، وكلام الأطفال في المهد لا يكون كذلك عادة.

وفي قوله: ﴿ وَكَهْلًا  ﴾ بشارة بأنه يعيش على أن يكون رجلًا سويًا كاملًا ﴿ وَمِنْ الصَّالِحِينَ  ﴾ الذين أنعم الله عليهم وأصلح حالهم وهم الأنبياء الذين تعرف مريم سيرتهم.

﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ  ﴾ أي كيف يكون لي ولد والحال أنني لم أتزوج فألمس؟

كناية ظاهرة، والاستفهام على حقيقته في وجه، ومعناه هل يكون بزواج يطرأ أم بمحض القدرة؟

وفي وجه آخر للتعجب من قدرة الله والاستعظام لشأنه ﴿ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ  ﴾ أي كمثل هذا الخلق البديع يخلق الله ما يشاء فإن من شأنه الاختراع والإبداع.

﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ : إن الرسول هنا بمعنى الرسالة والتقدير ويعلمه الرسالة إلى بني إسرائيل، واستعمال لفظ الرسول بمعنى الرسالة شائع قال كُثَيّر: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول وفي رواية "برسيل" وبعض المفسرين يجعل الرسول بمعنى الناطق، أي ناطقًا إلى بني إسرائيل ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ : الخلق والتقدير والترتيب لا الإنشاء والاختراع، ويقرب أن يكون هذا إجماعًا من المفسرين، وفسره (الجلال) هنا بالتصوير، لأنه من التقدير، ولقد ذكر -كغيره- أنه كان يتخذ من الطين صورة خفاش فينفخ فيها فتحلها الحياة وتتحرك في يده.

وقال بعضهم بل تطير قليلًا ثم تسقط.

ولا حاجة إلى هذه التفصيلات بل نقف عند لفظ الآية وغاية ما يفهم منها أن الله تعالى جعل فيه هذا السر ولكن لم يقل إنه خلق بالفعل، ولم يرد عن المعصوم أن شيئًا من ذلك وقع، وقد جرت سنة الله تعالى أن تجري الآيات على أيدي الأنبياء عند طلب قومهم لها وجعل الإيمان موقوفًا عليها، فإن كانوا سألوه شيئًا من ذلك فقد جاء به، وكذلك يقال في قوله: ﴿ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ  ﴾ فإن قصارى ما تدل عليه العبارة أنه خص بذلك وأمر بأن يحتج به، والحكمة في إخبار النبي  بذلك إقامة الحجة على منكري نبوته كما تقدم، وأما وقوع ذلك كله أو بعضه بالفعل فهو يتوقف على نقل يحتج به في مثل ذلك.

﴿ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ  ﴾ أعاد ذكر الآية للتفرقة بين ما قبلها وما بعدها.

<div class="verse-tafsir"

۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٥٢ رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ٥٣ وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ ٥٤ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٥٥

انتقل من البشارة بعيسى إلى ذكر خبره مع قومه، وطوى ما بينهما من خبر ولادته ونشأته وبعثته مؤيدًا بتلك الآيات، وهذا من إيجاز القرآن الذي انفرد به، فقد انطوى تحت قوله: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ  ﴾ جميع ما دلت عليه البشارة، وعلم أنه ولد وبعث ودعا وأيد دعوته كما سبقت البشارة فأحس وشعر من قومه وهم بنو إسرائيل الكفر والعناد والمقاومة والقصد بالإيذاء، وفي هذا من العبرة والتسلية للنبي  ما فيه، وإن أكبر ما فيه الإعلام بأن الآيات الكونية وإن كثرت وعظمت وليست ملزمة بالإيمان ولا مفضية إليه حتمًا، وإنما يكون الإيمان باستعداد المدعو إليه وحسن بيان الداعي، ولذلك كان من أمر عيسى  أنه لما أحس من قومه الكفر ﴿ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ  ﴾ أي توجه إلى البحث عن أهل الاستعداد الذين ينصرونه في دعوته تاركين لأجلها كل ما يشغل عنها منخلعين عما كانوا فيه متحيزين ومنزوين إلى الله منصرفين إلى تأييد رسوله ونصره على خاذليه والكافرين بما جاء به ﴿ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ  ﴾ أي أنصار دينه، وهذا القول يفيد الانخلاع والانفصال من التقاليد السابقة والأخذ بالتعليم الجديد وبذل منتهى الاستطاعة في تأييده، فإن نصر الله لا يكون إلا بذلك.

والحواريون أنصار المسيح، والنصر لا يستلزم القتال، فالعمل بالدين والدعوة إليه نصر له، ولا نتكلم في عددهم لأن القرآن لم يعينه.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن الجار في "إلى الله" متعلق بلفظ "أنصاري" وإن لم يعرف أن مادة نصر تعدى بإلى، ذلك بأن مجموع الكلام هنا قد أشرب الكلمة معنى اللجأ والانضمام لأن النصر يحصل بذلك.

﴿ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ  ﴾ : ذكر الاتباع بعد الإيمان لأن العلم الصحيح يستلزم العمل والعلم الذي لا أثر له في العمل يشبه أن يكون مجملًا وناقصًا لا يقينًا وإيمانًا، وكثيرًا ما يظن الإنسان أنه عالم بشيء حتى إذا حاول العمل به لم يحسنه فتبين له أنه مخطئًا في دعوى العلم.

إن العلم بالشيء يظل مجملًا مبهمًا في النفس حتى يعمل به صاحبه فيكون بالعمل تفصيليًا، فذكر الحواريين الاتباع بعد الإيمان يفيد أن إيمانهم كان في مرتبة اليقين التفصيلي الحاكم على النفس المصرف لها في العمل ﴿ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ  ﴾ للرسول بالتبليغ للدعوة، وعلى قومه بما كان منهم من الكفر والجحود، فحذف معمول الشاهدين ليعم المشهود له والمشهود عليهم، أو يقال: الشاهدين على هذه الحالة أي حالة الرسول مع قومه وهو الذي اختاره.

ومن المعروف في الفقه أن الشاهدين بمنزلة الحاكم، لأن الفصل بين الخصمين يكون بشهادتهما، ولا تصح الشهادة إلا من العارف بالمشهود به معرفة صحيحة، وقد كان الحواريون كذلك كما علم من إقرارهم بالإيمان والاتباع.

﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ  ﴾ أي ومكر أولئك الذين أحس عيسى منهم الكفر به فحاولوا قتله وأبطل الله مكرهم فلم ينجحوا فيه وعبّر عن ذلك بالمكر على طريق المشاكلة كذا قال الجمهور وهو حق.

﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ  ﴾ ، أي إن كان في الخير مكر فمكره  موجه إلى الخير ومكرهم هو الموجه إلى الشر.

﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ : يقول بعض المفسرين: "إني متوفيك" أي منومك، وبعضهم: إني قابضك من الأرض بروحك وجسدك "ورافعك إلي" بيان لهذا التوفي، وبعضهم: إني أنجيك من هؤلاء المعتدين فلا يتمكنون من قتلك وأميتك حتف أنفك ثم أرفعك إلي.

وهذا قول الجمهور وللعلماء ههنا طريقتان: إحداهما: وهي المشهورة، أنه رفع حيًا بجسمه وروحه، وأنه سينزل في آخر الزمان فيحكم بين الناس بشريعتنا ثم يتوفاه الله تعالى، ولهم في حياته الثانية على الأرض كلام طويل معروف، وأجاب هؤلاء عما يرد عليهم من مخالفة القرآن في تقديم الرفع على التوفي بأن الواو لا تفيد ترتيبًا.

والطريقة الثانية أن الآية على ظاهرها وأن التوفي على معناه الظاهر المتبادر وهو الإماتة العادية، وأن الرفع يكون بعده وهو رفع الروح، ولا بدع في إطلاق الخطاب على شخص وإرادة روحه فإن الروح هي حقيقة الإنسان والجسد كالثوب المستعار فإنه يزيد وينقص ويتغير والإنسان إنسان لأن روحه هي هي: ولصاحب هذه الطريقة في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان أحدهما: أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي لأنه من أمور الغيب، والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي، لأن المطلوب فيها هو اليقين وليس في الباب حديث متواتر.

وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه وسر رسالته على الناس وهو ما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم والأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها والتمسك بقشورها دون لبابها وهو حكمتها وما شرعت لأجله، فالمسيح  لم يأت لليهود بشريعة جديدة ولكنه جاءهم بما يزحزحهم عن الجمود على ظواهر ألفاظ شريعة موسى  ويوقفهم على فقهها والمراد منها ويأمرهم بمراعاته وبما يجذبهم إلى عالم الأرواح بتحري كمال الآداب.

فإذا سأل سائل عن المسيح الدجال وقتل عيسى له؟

فالجواب أن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها وحكمها، وإن القرآن أعظم هاد إلى هذه الحكم والأسرار وسنة الرسول  مبينة لذلك فلا حاجة للبشر إلى إصلاح وراء الرجوع إلى ذلك.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٥٩ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ٦٠ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ ٦١ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٦٢ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُفْسِدِينَ ٦٣

قلنا إن هذه الآيات سيقت في معرض إثبات نبوة محمد  ببيان أن لله تعالى أن يصطفي من عباده من يشاء لرسالته، وأنه مستقل في أفعاله، فلا وجه لإنكار اصطفائه محمدًا، وقد اصطفى قبله آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران.

ثم جاء في السياق ذكر قصة عيسى وأمه وما جاء به وما كان من كفر بعض قومه به ورمي أمه بالزنا، وإيمان بعض، وهناك قسم ثالث لم يكفر بعيسى ولم يؤمن به إيمانًا صحيحًا بل افتتن به افتنانًا لكونه ولد من غير أب، وزعموا أن معنى كونه ولد بكلمة من الله وكونه من روح الله أن الله تعالى حل في أمه وأن كلمة الله تجسدت فيه فصار إلهًا وإنسانًا، فضرب للكافرين والمفتونين مثل خلق آدم من تراب، وهو حجة على الفريقين من اليهود والنصارى، ولا شك أن خلق آدم أعجب من خلق عيسى لأن هذا خلق من حيوان من نوعه وذاك قد خلق من تراب.

وفي الكلام إرشاد إلى أن أمر الخلقة يشبه بعضه بعضًا فكله غريب بالنسبة إلينا إذا تفكرنا في حقيقتها وعللها، ولا شيء منه بغريب عند الموجد المبدع، أما القوانين المعروفة في علم الخليقة فهي قد استخرجت مما نعهده ونشاهده، وليست قوانين عقلية قامت البراهين على استحالة ما عداها كيف وأننا نرى كل يوم ما يخالفها كالحيوانات التي لها أعضاء زائدة والتي تولد من غير جنسها وترون ذكر ذلك في الجرائد ويعبرون عنه بفلتات الطبيعة، وهو إنما خالف ما نعرف لا ما يعلم الله تعالى، وما يدرينا أن لكل هذه الشواذ والفلتات سننًا مطردة محكمة لم تظهر لنا، وكذلك شأن خلق عيسى، فكونه على غير المعهود ليس مزية تقتضي تفضيله عليهم فكيف تقتضي أن يكون إلهًا؟.

وإذا كان عيسى قد خلق من بعض جنسه فآدم قد خلق من غير جنسه فهو أولى بالمزية لو كانت، وبالإنكار إن صح.

على أن ما نعرف من أمر الخلقة ليس لنا منه إلا الظاهر، نصفه ونقول به وإن لم نعقله، وماذا نعقل من الرابطة بين الحس والنطق في الانسان مثلًا؟

بل ماذا نعقل من أمر حبة الحنطة في نبتها واستوائها على سوقها وتناسب أوراقها وغير ذلك؟!

﴿ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ  ﴾ .

الروايات متفقة على أن النبي  اختار للمباهلة عليًا وفاطمة وولديهما ويحملون كلمة نساءنا على فاطمة وكلمة أنفسنا على علي فقط، ومصادر هذه الروايات الشيعة، ومقصدهم منها معروف، وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتى راجت على كثير من أهل السنة، ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية فإن كلمة "نساءنا" لا يقولها العربي ويريد بها بنته لا سيما إذا كان له أزواج، ولا يفهم هذا من لغتهم، وأبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا علي عليه الرضوان.

ثم إن وفد نجران الذين قالوا إن الآية نزلت فيهم لم تكن معهم نساؤهم وأولادهم.

وكل ما يفهم من الآية أمر النبي  أن يدعو المحاجين والمجادلين في عيسى من أهل الكتاب إلى الاجتماع رجالًا ونساء وأطفالًا ويجمع هو المؤمنين رجالًا ونساء وأطفالًا ويبتهلون إلى الله تعالى بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى، وهذا الطلب يدل على قوة يقين صاحبه وثقته بما يقول كما يدل على امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب سواء كانوا نصارى نجران أو غيرهم على امترائهم في حجاجهم ومماراتهم فيما يقولون وزلزالهم فيما يعتقدون وكونهم على غير بينة ولا يقين.

وأنَّى لمن يؤمن بالله أن يرضى بأن يجتمع مثل هذا الجمع من الناس المحقين والمبطلين في صعيد واحد متوجهين إلى الله تعالى في طلب لعنه وإبعاده من رحمته؟

وأي جراءة على الله واستهزاء بقدرته وعظمته أقوى من هذا.

أما كون النبي  والمؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى  فحسبنا في بيانه قوله تعالى ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ  ﴾ فالعلم في هذه المسائل الاعتقادية لا يراد به إلا اليقين.

وفي قوله: ﴿ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ  ﴾ إلخ وجهان: أحدهما: أن كل فريق يدعو الآخر فأنتم تدعون أبناءنا ونحن ندعو أبناءكم وهكذا الباقي.

وثانيهما: أن كل فريق يدعو أهله فنحن المسلمين ندعو أبناءنا ونساءنا وأنفسنا وأنتم كذلك ولا إشكال في وجه من وجهي التوزيع في دعوة الأنفس وإنما الإشكال فيه على قول الشيعة ومن شايعهم على القول بالتخصيص.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًۭٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٦٤

الكلام من أول السورة في إثبات نبوة النبي  والرد على المنكرين وقد ظهر بالدعوة إلى المباهلة انقطاع حجاج المكابرين ودل نكولهم عنها على أنهم ليسوا على يقين من اعتقادهم ألوهية المسيح، وفاقد اليقين يتزلزل عندما يدعى إلى شيء يخاف عاقبته، فلما نكلوا دعاهم إلى أمر آخر هو أصل الدين وروحه الذي اتفقت عليه دعوة الأنبياء وهو سواء بين الفريقين أي عدل ووسط لا يرجح فيه طرف على آخر، وقد فسره بقوله: ﴿ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ .

المعنى أننا نحن وإياكم على اعتقاد أن العالم من صنع إله واحد، والتصرف فيه لإله واحد هو خالقه ومدبره، وهو الذي يعرفنا على ألسنة أنبيائه ما يرضيه من العمل وما لا يرضيه، فتعالوا بنا نتفق على إقامة هذه الأصول المتفق عليها ورفض الشبهات التي تعرض لها حتى إذا سلمنا أن فيما جاءكم من نبأ المسيح شيئًا فيه لفظ ابن الله خرجناه جميعًا على وجه لا ينقض الأصل الثابت العام الذي اتفق عليه الأنبياء، فإن سلمنا أن المسيح قال إنه ابن الله قلنا هل فسر هذا القول بأنه إله يعبد؟

وهل دعا إلى عبادته وعبادة أمه؟

أم كان يدعو إلى عبادة الله وحده؟

لا شك أنكم متفقون معنا على أنه كان يدعو إلى عبادة الله وحده والإخلاص له بالتصريح الذي لا يقبل التأويل.

كان اليهود موحدين ولكن كان عندهم شيء هو منبع شقائهم في كل حين وهو اتباع رؤساء الدين فيما يقررونه وجعله بمنزلة الأحكام المنزلة من الله تعالى، وجرى النصارى على ذلك، وزادوا مسألة غفران الخطايا وهي مسألة تفاقم أمرها في بعض الأزمان حتى ابتلعت بها الكنائس أكثر أملاك الناس، ومن الغلو فيها ولدت مسألة "البروتستانت" إذ قاموا فقالوا هلم بنا نترك هؤلاء الأرباب من دون الله ونأخذ الدين من كتابه لا نشرك معه في ذلك قول أحد.

قال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ  ﴾ : الآية حجة على أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول أحد ما لم يسنده إلى المعصوم.

<div class="verse-tafsir"

وَدَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ٦٩ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ٧٠ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ٧١ وَقَالَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٧٢ وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌۭ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ٧٣ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ٧٤

﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ معناه إنهم بتوجههم إلى الإضلال واشتغالهم به ينصرفون عن النظر في طرق الهداية وما أوتيه النبي  من الآيات البينات على كونه نبيًا هاديًا، فهم يعبثون بعقولهم ويفسدون فطرتهم باختيارهم.

ولا وجه لمن قال: إن معنى إضلال أنفسهم هو كون عاقبته شرًا عليهم ووبالًا في الآخرة لأنهم يعذبون عليه.

فإن الكلام في المحاجة وبيان اعوجاج طريقة المضلين، وأما العقاب في الآخرة على الإضلال فهو مبين في مواضع من الكتاب وليس هذا محله وهو لا يفيد هنا في الاحتجاج لأنه إنذار لغير مؤمن بالنذير، ولكل مقام مقال.

﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  ﴾ : هذا النوع الذي تحكيه الآية من صد اليهود عن الإسلام مبني على قاعدة طبيعية في البشر وهي أن من علامة الحق أن لا يرجع عنه من يعرفه، وقد فقه هذا "هرقل" صاحب الروم فكان مما سأل عنه أبا سفيان من شؤون النبي  عندما دعاه إلى الإسلام هل يرجع عنه من دخل في دينه؟

فقال أبو سفيان: لا.

وقد أرادت هذه الطائفة أن تغش الناس من هذه الناحية ليقولوا لولا أن ظهر لهؤلاء بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه، واطلعوا على باطنه وخوافيه، إذ لا يعقل أن يترك الانسان الحق بعد معرفته، ويرغب عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب.

فإن قيل إن بعض الناس قد ارتدوا عن الإسلام بعد الدخول فيه رغبة لا حيلة ومكيدة كما كاد هؤلاء فماذا تقول في هؤلاء؟

والجواب عن هذا يرجع إلى قاعدة أخرى وهي أن بعض الناس قد يدخل في الشيء رغبة فيه لاعتقاده أن فيه منفعة له لا لاعتقاده أنه حق في نفسه فإذا بدا له في ذلك ما لم يكن يحتسب وخاب ظنه في المنفعة فإنه يترك ذلك الشيء.

ويظهر لي أن النبي  ما أمر بقتل المرتد إلا لتخويف أولئك الذين كانوا يدبرون المكايد لإرجاع الناس عن الإسلام بالتشكيك فيه لأن مثل هذه المكايد إذا لم يكن لها أثر في نفوس الأقوياء من الصحابة الذين عرفوا الحق ووصلوا فيه إلى عين اليقين فإنها قد تخدع الضعفاء الذين يدخلون في الإسلام لتفضيله على الوثنية في الجملة قبل أن تطمئن قلوبهم بالإيمان كالذين كانوا يعرفون بالمؤلفة قلوبهم.

وبهذا يتفق الحديث الآمر بذلك مع الآيات النافية للإكراه في الدين والمنكرة فيما رأى، وقد أفتيت بذلك كما ظهر لي.

والله أعلم.

﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ  ﴾ هذا من قول الكائدين من أهل الكتاب.

وآمن له صدقه وسلم له ما يقول قال تعالى: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ  ﴾ وقال حكاية عن إخوة يوسف: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا  ﴾ .

الإيمان يتعدى باللام إذا أريد بالتصديق الثقة والركون كقوله: ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أي فيكون تصديقًا خاصًا تضمن معنى زائدًا، وذلك أن اليهود حصروا الثقة بأنفسهم لزعمهم أن النبوة لا تكون إلا فيهم، بل غلوا في التعصب والغرور حتى حقروا جميع الناس، فجعلوا كل ما يكون من أنفسهم حسنًا وما يكون من غيرهم قبيحًا، وهذا من الانتكاس الذي يحول بين أهله وبين كل خير، وإننا نرى من الناس اليوم من يحاول تغرير قومه بحملهم على أن يكونوا كذلك يحقرون كل ما لم يأت منهم وإن كان حسنًا، فنعوذ بالله من الخذلان، وعسى أن يعتبر هؤلاء بما رد الله به على أهل الكتاب إذ قال لنبيه: ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ  ﴾ لا هدى شعب معين هو لازم من لوازم ذاته فهو سبحانه يبين هداه على لسان من شاء من عباده لا تتقيد مشيئته بأحد ولا بشعب.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍۢ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍۢ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًۭا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٌۭ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٧٥ بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ٧٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًۭا قَلِيلًا أُو۟لَـٰٓئِكَ لَا خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٧٧

﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ  ﴾ إلخ هذه الآية جاءت ببعض التفصيل لما أجمل في الآيات السابقة من غرور أهل الكتاب وزعمهم أنهم شعب الله الخاص، وأن الدين والحق من خصائصهم.

وابتداؤها بالعطف يشعر بمعطوف محذوف حذف إيجازًا لأن السياق لا يقتضي ذكره وهو مبين في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ  ﴾ إلخ فكأنه ههنا يعطف على ما هنالك أي منهم كذا ومنهم كذا.

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ  ﴾ : كأنهم يقولون إن كل من ليس من شعب الله الخاص وليس من أهل دينه فهو ساقط من نظر الله ومبغوض عنده فلا حقوق له ولا حرمة لماله فيحل أكله متى أمكن.

وقد رد الله عليهم هذه المزاعم بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ﴾ أن ذلك كذب عليه لأن ما كان منه فهو ما جاء في كتابه وليس في التوراة التي عندهم إباحة خيانة الأميين وأكل أموالهم بالباطل وهم يعلمون أن ذلك ليس فيها ولكنهم لا يأخذون الدين من الكتاب وإنما لجأوا إلى التقليد فعدوا كلام أحبارهم دينًا ينسبونه إلى الله وهؤلاء يقولون في الدين بآرائهم ويحرفون الكلام عن مواضعه ليؤيدوا بذلك أقوالهم، فكل هذه الدواهي جاءتهم من هذه الناحية، ناحية التقليد والأخذ بكلام العلماء في الحلال والحرام، وهو مما لا يؤخذ فيه إلا بكتاب الله ووحيه.

وانظر كيف أنصفهم الكتاب فبيّن أن منهم الوفي والخائن ولا يكون أفراد جميع الأمة خائنين وناهيك بأمة منها السموءل.

﴿ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ  ﴾ : إن ورود الجواب بهذه العبارة أفادنا قاعدة عامة من قواعد الدين وهي أن الوفاء بالعهود واتقاء الإخلاف وسائر المعاصي والخطايا هو الذي يقرب العبد من ربه ويجعله أهلًا لمحبته لا كونه من شعب كذا.

ومن هذه القاعدة يعلم خطأ اليهود في زعمهم أنه ليس عليهم في الأميين سبيل، وفيه التعريض بأن أصحاب هذا الرأي ليسوا من أهل التقوى التي هي الركن الركين لكل دين قويم.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًۭا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٧٨

هذا اللَّيّ هو أن يعطي الناطق للفظ معنى آخر غير المعنى الذي يظهر منه، مثال ذلك الألفاظ التي جاءت على لسان سيدنا عيسىّ  ككلمة ابن الله وتسمية الله أبًا له وأبًا للناس، فقد كان ذلك استعمالًا مجازيًا، ولواه بعضهم فنقله إلى الحقيقة بالنسبة إلى المسيح وحده، أي فهم يفسرون لفظًا بغير معناه المراد في الكتاب يوهمون الناس أن الكتاب جاء بذلك، كما قال: ﴿ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ﴾ أنهم كاذبون.

أكد الخبر بتعمدهم التحريف وسجل الكذب الصريح عليهم كأنه يقول إنهم لا يُعَرِّضون ولا يورون وإنما يصرحون بالكذب تصريحًا لفرط جراءتهم وعدم خوفهم من الله تعالى لأن الدين عندهم رسم ظاهر وجنسية هي مصدر الغرور إذ يعتقدون أنهم يغفر لهم جميع ما يجترمون لأنهم من أهل هذا الدين، ومن سلالة أولئك النبيين، وهكذا حال الذين اتبعوا سننهم من المسلمين، يقولون إن المسلم من أهل الجنة حتمًا مهما كانت سيرته سيئة وعمله قبيحًا فإن لم تدركه الشفاعات أدركته المغفرة، ويعنون بالمسلم من اتخذ الإسلام جنسًا له وإن لم يصدق عليه ما جاء في الكتاب والأحاديث من صفات المؤمنين الصادقين، بل صدق عليه ما جاء في وصف الكافرين والمنافقين.

<div class="verse-tafsir"

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًۭا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُوا۟ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ٧٩ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ٨٠

إن ما روي من أن بعض الصحابة طلب أن يسجدوا للرسول هو من الروايات التي لم يق الله المسلمين شرها، ولا حاجة إليها في القرآن، فإن الآية متصلة بما قبلها فهي في سياق الرد على أهل الكتاب إبطال لما ادعاه بعضهم من أن لله تعالى ابنًا أو أبناء حقيقة وأن بعض الأنبياء أثبت ذلك لنفسه.

وصرح بأن هذه الدعوى مما يدخل في ليِّ اللسان بالكتاب وتحريفه بالتأويل.

ويصح أن تكون ردًا على أصحاب هذه الدعوى ابتداء مستأنفًا استئنافًا بيانيًا كأن النفس تتشوف بعد بيان حال فرق اليهود إلى بيان حال النصارى وما يدعون في المسيح فجاءت الآيتان في ذلك.

إن عبارات الكتاب ربما تذهب النفس فيها مذاهب التأويل، فالعمل هو الذي يقرر الحق فيها.

وقد تقدم تفسير الحكمة بفقه الكتاب ومعرفة أسراره وأن ذلك يستلزم العمل به.

﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ  ﴾ : أفادت الآية أن الإنسان يكون ربانيًا بعلم الكتاب ودرسه وبتعليمه للناس ونشره، ومن المقرر أن التقرب إلى الله تعالى لا يكون إلا بالعمل بالعلم والعلم الذي لا يبعث إلى العمل لا يعد علمًا صحيحًا لأن العلم الصحيح ما كان صفة للعالم وملكة راسخة في نفسه وإنما الأعمال آثار الصفات والملكات، والمعلم يعبر عما رسخ في نفسه ومن لم يحصل من علم الكتاب إلا صورًا وتخيلات تلوح في الذهن ولا تستقر في النفس لا يمكنه أن يكون معلمًا له يفيض على غيره كما أنه لا يكون عاملًا به على وجهه كما ثبت بالمشاهدة والاختبار.

﴿ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ﴾ : معناه أنه ما كان للمسيح أن يأمر أهل الكتاب الذين بعث فيهم بعبادته بعد إذ كانوا موحدين بمقتضى ما جاءهم به موسى.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـٰبٍۢ وَحِكْمَةٍۢ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مُّصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ ۚ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى ۖ قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَٱشْهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ٨١ فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ٨٢ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُۥٓ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًۭا وَكَرْهًۭا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ٨٣

هذا رجوع إلى أصل الموضوع الذي افتتحت السورة بتقريره وهو التنزيل وكون الدين عند الله واحدًا وهو ما كان عليه إبراهيم وسائر النبيين وكون الله تعالى مختارًا فيما يختص به بعض خلقه من مزية أو نبوة.

وقد سيقت تلك المسائل لإثبات نبوة محمد  وإزالة شبهات من أنكر من أهل الكتاب بعثة نبي من العرب واستتبع ذلك محاجتهم وبيان خطئهم في ذلك وفي غيره من أمر دينهم.

وهذه المسألة التي تقررها هذه الآية من الحجج الموجهة إليهم لدحض مزاعمهم وهي أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع النبيين وعلى أتباعهم بالتبع لهم بأن ما يعطونه من كتاب وحكمة وإن عظم أمره فالواجب عليهم أن يؤمنوا بمن يرسل من بعدهم مصدقًا لما معهم منه وأن ينصروه.

أما أخذ الميثاق من المرء وهو العهد الموثق المؤكد فهو عبارة عن كون المأخوذ منه وهو المعاهد (بكسر الهاء) يلتزم للآخذ وهو المعاهد (بفتح الهاء) أن يفعل كذا مؤكدًا ذلك باليمين أو بلفظ من المعاهدة أو المواثقة.

وفي قوله "ميثاق النبيين" وجهان: أحدهما: أن معناه الميثاق من النبيين فالنبيون هم المأخوذ عليهم.

وعلى هذا يكون حكمه ساريًا على أتباعهم بالأولى.

وثانيهما: أن إضافة ميثاق إلى النبيين على أنهم أصحابه فهو مضاف إلى الموثق لا إلى الموثق عليه كما تقول عهد الله وميثاق الله.

وحينئذ يكون المأخوذ عليه مسكوتًا عنه للعلم به وتقديره: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على أممهم أو الخطاب لأهل الكتاب والمعنى وإذ أخذ الله عليكم ميثاق النبيين الذين أرسلوا إلى قومكم، أو التقدير ميثاق أمم النبيين.

وكل من القولين مروي عن السلف وممن قال بالثاني من آل البيت جعفر الصادق وهو على حد: ﴿ يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ  ﴾ فالخطاب فيه للنبي والمراد أمته عامة.

فإذا سأل سائل عن إيمان نبي بنبي آخر يبعث في عصره هل يستلزم ذلك نسخ الثاني لشريعة الأول؟

فالجواب لا يستلزم ذلك ولا ينافيه، وإنما المقصود تصديق دعوته ونصره على من يؤذيه ويناوئه، فإن تضمنت شريعة الثاني نسخ شيء مما جاء به الأول وجب التسليم له وإلا صدقه بالأصول التي هي واحدة في كل دين ويؤدي كل واحد مع أمته أعمال عبادتها التفصيلية، ولا يعد ذلك اختلافًا وتفرقًا في الدين فإن مثله يأتي في الشريعة الواحدة كأن يؤدي شخصان كفارة اليمين أو غيرها بغير ما يكفر به الآخر هذا بالصيام وذلك بإطعام المساكين، وسبب ذلك اختلاف حال الشخصين فأدى كل واحد ما سهل عليه.

﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ  ﴾ إن هذا الأمر بالشهادة دليل على ترجيح قول جعفر الصادق أن العهد مأخوذ من الأنبياء على أممهم، والمعنى أن الله تعالى أمر الأنبياء بأن يشهدوا على أممهم بذلك وهو سبحانه معهم شهيد.

والعبارة ليست نصًا في أن هذه المحاورة وقعت وهذه الأقوال قيلت، والمختار أن المراد بها تقرير المعنى وتوكيده على طريق التمثيل.

﴿ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ  ﴾ أي أن مقتضى ذلك الميثاق أن دين الله واحد، وأن دعاته متفقون متحدون، فمن تولى بعد الميثاق على ذلك عن هذه الوحدة واتخذ الدين آلة للتفريق والعدوان ولم يؤمن بالنبي المتأخر المصدق لمن تقدمه، ولم ينصره، كأولئك الذين يجحدون نبوة محمد  ويؤذونه فأولئك هم الفاسقون أي الخارجون من ميثاق الله الناقضون لعهده، وليسوا من دين الحق في شيء.

﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهًا  ﴾ : إن الذين أسلموا طوعًا هم الذين لهم اختيار في الإسلام وأما الذين أسلموا كرهًا فهم الذين فطروا على معرفة الله كالأنبياء والملائكة وإن كان لفظ الكره يطلق في الغالب على ما يخالف الاختيار ويقهره فإن الله تعالى قد استعمله في غير ذلك كقوله بعد ذكر خلق السماء في الكلام على التكوين ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا  ﴾ فأطلق الكره وأراد به لازمه وهو عدم الاختيار.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ ٨٤ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَـٰمِ دِينًۭا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٨٥

قدم الإيمان بما أنزل علينا على الإيمان بما أنزل على من قبلنا مع كونه أنزل قبله في الزمن لأن ما أنزل علينا هو الأصل في معرفة ما أنزل عليهم والمثبت له ولا طريق لإثباته سواه لانقطاع سند تلك وفقد بعضها ووقوع الشك فيما بقي منها، فما أثبته كتابنا من نبوة كثير من الأنبياء نؤمن به إجمالًا فيما أجمل وتفصيلًا فيما فصل وما أثبته لهم من الكتب كذلك، ونؤمن بأن أصول ما جاؤوا به واحدة وهي الإيمان بالله وإسلام القلوب له والإيمان بالآخرة والعمل الصالح مع الإخلاص.

فكما أن الإيمان بالله أصل للإيمان بما أنزل علينا، كذلك ما أنزل علينا أصل للإيمان بما أنزل عليهم، فقدم عليه.

<div class="verse-tafsir"

كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًۭا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ وَشَهِدُوٓا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٨٦ أُو۟لَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ٨٧ خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ٨٨ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ٨٩

نزلت في أهل الكتاب..

والكلام من أول السورة معهم..

وفي تفسير الآية طريقتان: إحداهما: شهادتهم بأن الرسول حق، هي أنهم كانوا يعرفون بشارات الأنبياء بمحمد  وكانوا عازمين على اتباعه إذا جاء في زمنهم وانطبقت عليه العلامات وظهرت فيه البشارات ثم إنهم كفروا به وعاندوا بعد مجيئه بالبينات لهم وظهور الآيات على يديه، والله لا يهدي أمثال هؤلاء الظالمين لأنفسهم والجانين عليها.

ووضع الوصف "الظالمين" مكان الضمير لبيان سبب الحرمان من الهداية، فإن الظلم هو العدول عن الطريق الذي يجب سلوكه لأجل الوصول إلى الحق في كل شيء بحسبه، فذكره من قبيل ذكر الدليل على الشيء بعد ادعائه وما كان من تنكب هؤلاء باختيارهم لطريق الحق وهو العقل وهدي النبوة بعدما عرفوه بالبينات هو نهاية الظلم.

والهداية هنا هي التي أمرنا بطلبها في سورة الفاتحة وهي الايصال إلى الحق، لأن سائر معاني الهداية عام لهم ولغيرهم.

والطريقة الثانية: هي أنهم كفروا بعدما سبق لهم من الايمان بالرسل -فالرسول على هذا القول للجنس- وجاءهم البينات على ألسنتهم وذلك بتركهم ما اتفق عليه أولئك الرسل من التوحيد الخالص وإسلام الوجه لله وإخلاصه له بالبراءة من حظوظ النفس وأهوائها في الدين واستبدالهم بهذه الهداية ما وضعوا لأنفسهم من التقاليد والبدع.

وحاصل المعنى على هذه الطريقة: كيف ترجو يا محمد هداية هؤلاء المعاندين لك ظنًا أن معرفتهم بالكتاب والإيمان جعلتهم أقرب الناس إلى معرفة حقيقة ما جئت به بعد ما علمت من كفرهم بحقيقة ما كانوا عليه من الإسلام بنقضهم الميثاق وتحريفهم الكلم.

﴿ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ لعنة الله عبارة عن سخطه ولعنة الملائكة والناس إما سخطهم وهو الظاهر هنا وإما الدعاء عليهم باللعنة أي أنهم متى عرفوا حالهم فإنهم يلعنونهم.

وقد استشكلوا قوله تعالى ﴿ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ مع العلم بأن من على عقيدتهم لا يعلنونهم...

والجواب: أن كل الناس يلعنونهم متى عرفوا حقيقة حالهم فالمعنى أن هذه الحالة التي هم عليها مجلبة للعنة بطبعها من كل من عرفها.

﴿ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ : عطف الإصلاح على التوبة لأن التوبة التي لا أثر لها في العمل لا شأن لها ولا قيمة في نظر الدين ولذلك جرى القرآن على عطف العمل الصالح عليها عند ذكرها أو وصفها بالنصوح.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ ٩٠ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌۭ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًۭا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ٩١

إن أولئك الكافرين الذين ازدادوا كفرًا قد يحدث لهم في أنفسهم ألم من مقاومة الحق، وقد يحملهم ذلك الألم على ترك بعض الذنوب والشرور.

فهذا النوع من التوبة لا يقبل منهم ما لم يصلحوا أمرهم ويخلصوا لله في اتباع الحق ونصرته، فالتوبة التي يزعمونها على ما هم عليه من مقاومة المحقين لا يقبلها الله تعالى.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوْ افْتَدَى بِهِ  ﴾ : الكلام في هذا الجزاء من التمثيل لأنه ليس هناك حاجة إلى ذهب ولا إلى إنفاقه لأن الأشقياء لا نصير لهم فينفق عليه والأولياء في غنى بفضل الله ورحمته عمن ينفق عليهم والمراد أنه لا طريق للافتداء لو أريد.

<div class="verse-tafsir"

لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ ٩٢

إن الخطاب لا يزال لأهل الكتاب.

وإن المتبادر من الإنفاق هنا هو إنفاق المال لأن شأنه عند النفوس عظيم حتى أن الإنسان كثيرًا ما يخاطر بنفسه ويستسهل بذل روحه لأجل الدفاع عن ماله أو المحافظة عليه.

<div class="verse-tafsir"

۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٩٣ فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٩٤ قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ ۗ فَٱتَّبِعُوا۟ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٩٥ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍۢ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًۭا وَهُدًۭى لِّلْعَـٰلَمِينَ ٩٦ فِيهِ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌۭ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًۭا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٩٧

قالوا: إذا كنت يا محمد على ملة إبراهيم والنبيين من بعده، كما تدعي، فكيف تستحل ما كان محرمًا عليه وعليهم كلحم الإبل؟

أما وقد استبحت ما كان محرمًا عليهم فلا ينبغي لك أن تدعي أنك مصدق لهم وموافق في الدين، ولا أن تخص إبراهيم بالذكر وتقول إنك أولى الناس به.

هذه هي الشبهة الأولى، وأما الثانية فهي أنهم قالوا: إن الله وعد إبراهيم بأن تكون البركة في نسل ولده إسحاق، وجميع الأنبياء من ذرية إسحاق كانوا يعظمون بيت المقدس ويصلون إليه، فلو كنت على ما كانوا عليه لعظمت ما عظموا ولما تحولت عن بيت المقدس وعظمت مكانًا آخر اتخذته مصلى وقبلة وهو الكعبة فخالفت الجميع.

فقوله تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ  ﴾ هو جواب عن الشبهة الأولى.

ولكن (الجلال) وكثيرًا من المفسرين يقررون الشبهة ولا يبينون وجه دفعها بيانًا مقتنعًا إذ يعترفون بأن بعض الطيبات كانت محرمة على إسرائيل والصواب ما قصه الله تعالى علينا في هذه الآية وغيرها من الآيات التي توضحها وهي أن كل الطعام كان حلالًا لبني إسرائيل، ولإبراهيم من قبل بالأولى، ثم حرم الله عليهم بعض الطيبات في التوراة عقوبة لهم وتأديبًا كما قال: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُم  ﴾ الآية فالمراد بإسرائيل شعب إسرائيل كما هو مستعمل عندهم، لا يعقوب نفسه، ومعنى تحريم الشعب ذلك على نفسه أنه ارتكب الظلم واجترح السيئات التي كانت سبب التحريم كما صرحت الآية، فكأنه يقول إذا كان الأصل في الأطعمة الحل، وكان تحريم ما حرم على إسرائيل تأديبًا على جرائم أصابوها، وكان النبي وأمته لم يجترحوا تلك السيئات، فلم تحرم عليهم الطيبات؟

ثم قال تعالى مبينًا تقرير الدفع وسنده ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ في قولكم لا تخافون أن تكذبكم نصوصها.

أما قول (الجلال) وغيره أن يعقوب كان به عرق النسا -بالفتح والقصر- فنذر إن شفي لا يأكل لحم الإبل فهو دسيسة من اليهود.

وقيل إنه نذر أن لا يأكل هذا العرق وفي التوراة أن يعقوب التقى ببعض أسفاره بالرب في الطريق فتصارعا إلى الصباح وكاد يعقوب يغلبه ولكن اعتراه عرق النسا إلخ ما حرفوه.

﴿ فَمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ  ﴾ البيان والزام الكاذبين على إبراهيم والأنبياء بالتوراة ودعوتهم إلى الإتيان بها وتلاوتها على الملأ وامتناعها عن ذلك لئلا يظهر أن الله لم يحرم عليهم شيئًا من الطعام قبل التوراة.

والأصل في الأشياء الحل حتى يرد النص بالتحريم ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ  ﴾ بتحويلهم الحق في المسألة عن وجهه ووضع حكم الله بتحريم بعض الطيبات عليهم في غير موضعه ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ  ﴾ فيما أنبأني به من عدم تحريم شيء على إسرائيل قبل التوراة وقامت الحجة عليكم بذلك فثبت أنني مبلغ عنه إذ ما كان لي لولا وحيه أن أعرف صدقكم من كذبكم فيما تحدثون به عن أنبيائكم.

وإذ كان الأمر كذلك ﴿ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ التي أدعوكم إليها حال كونه ﴿ حَنِيفًا  ﴾ لا غلو فيما كان عليه ولا تقصير ولا إفراط ولا تفريط بل هو الفطرة القويمة والحنيفية السمحة المبنية على الإخلاص لله وإسلام الوجه له وحده ﴿ وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ  ﴾ الذي يبتغون الخير من غيره تعالى أو يخافون الضر من غير أسبابه التي مضت بها سنته.

أما قوله  ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ  ﴾ فهو جواب الشبهة الثانية.

وتقريره أن البيت الحرام الذي نستقبله في صلاتنا هو أول بيت وضع معبدًا للناس بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام لأجل العبادة خاصة ثم بني المسجد الأقصى ببيت المقدس بعده بعدة قرون بناه سليمان بن داود عليهما السلام، فصح أن يكون النبي  على ملة إبراهيم ويتوجه بعبادته إلى حيث كان يتوجه إبراهيم وولده إسماعيل.

وذهب بعض المفسرين إلى أن الأولية زمانية بالنسبة إلى وضع البيوت مطلقًا، فقالوا: إن الملائكة بنته قبل خلق آدم وأن بيت المقدس بني بعده بأربعين عامًا.

وإذا صح الحديث فلا شيء في العقل يحيله، ولكن الآية لا تدل عليه، ولا يتوقف الاحتجاج بها على ثبوته، وبيت المقدس المعروف الذي ينصرف إليه الإطلاق قد بناه سليمان بالاتفاق، وذلك قبل ميلاد المسيح بنحو ٨٠٠ سنة.

أما قوله تعالى في البيت ﴿ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ  ﴾ فهو بيان لحاله الحسنة الحسية وحاله الشريفة المعنوية.

﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ أي فيه دلائل أو علامات ظاهرة لا تخفى على أحد، أحدها أو منها مقام إبراهيم أي موضع قيامه فيه للصلاة والعبادة تعرف ذلك العرب بالنقل المتواتر.

وقوله: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا  ﴾ آية ثانية بينة لا يمتري فيها أحد وهي اتفاق قبائل العرب كلها على احترام هذا البيت وتعظيمه لنسبته إلى الله حتى أن من دخله يأمن على نفسه لا من الاعتداء عليه وإيذائه فقط بل يأمن أن يثأر منه من سفك هو دماءهم واستباح حرماتهم ما دام فيه.

مضى على هذا عمل الجاهلية على اختلافها في المنازع والأهواء والمعبودات وكثرة ما بينها من الأحقاد والأضغان وأقره الإسلام.

ويرد على إقرار الإسلام لحرمة البيت فتح مكة بالسيف، وأجيب عنه بأنها حلت للنبي  ساعة من نهار لم تحل لأحد قبله ولن تحل لأحد بعده كما ورد في الحديث، وذلك لضرورة تطهير البيت من الشرك وتخصيصه لما وضع له.

وأما فعل الحجاج، أخزاه الله، فإنه كان من الشذوذ الذي لا ينافي الاتفاق على احترام البيت وتعظيمه وتأمين من دخله ولا نلجأ إلى تأويل الأمان بمثل ما أوله به من قال إن المراد به الأمن من العذاب يوم القيامة فإنه هدم للدين كله، فإن الأمن هناك إنما يكون لأهل التوحيد الخالص والعمل الصالح الذين أقاموا الدين في الدنيا كما أمر الله تعالى، وما دخول البيت إلا بعض أعمال الإيمان إذا أخلص صاحبه فيه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا  ﴾ فهو بيان آية ثالثة من آيات هذا البيت.

هذه الجملة وإن جاءت بصيغة الإيجاب هي واردة في معرض تعظيم البيت وأي تعظيم أكبر من افتراض حج الناس إليه وما زالوا يحجونه من عهد إبراهيم إلى عهد محمد صلى الله عليهما وعلى آلهما وسلم ولم يمنع العرب عن ذلك شركها وإنما كانوا يحجون عملًا بسنة إبراهيم: يعني أن الحج عمل عام جروا عليه جيلًا بعد جيل على أنه من دين إبراهيم وهذه آية متواترة على نسبة هذا البيت إلى إبراهيم فهي أصح من نقول المؤرخين التي تحتمل الصدق، وبهذا وبما سبقه بطل اعتراض أهل الكتاب وثبت أن النبي على ملة إبراهيم دونهم.

أما الحج فمعناه في أصل اللغة القصد وهو بكسر الحاء وبه قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وفتحها وبه قرأ الباقون وقيل الفتح لغة الحجاز والكسر لغة نجد.

أما قوله تعالى: ﴿ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا  ﴾ فإنه بيان لموقع الإيجاب ومحله وإعلام بأن الفرضية موجهة أولًا وبالذات إلى هذا العمل، ولكن الله رحم من لا يستطيع إليه سبيلًا، والاستطاعة تختلف باختلاف الأشخاص.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ ٩٨ قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٩٩

المعنى وأنتم شهداء على بقايا الكتاب وما يؤثر عن النبيين، فكان من حقكم أن تكونوا أقرب الناس إلى معرفة هذه السبيل، سبيل الحق، والسبق إليها بالإيمان بمحمد  .

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ ١٠٠ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ١٠١ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ١٠٢ وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءًۭ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًۭا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍۢ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١٠٣

في سبب نزول هذه الآية يروون أن شاس بن قيس -وكان يهوديًا- مر على نفر من الأوس والخزرج يتحدثون، فغاظه ما رأى من تآلفهم بعد العداوة، فأمر شابًا معه من يهود أن يجلس بينهم فيذكرهم "يوم بعاث"، ففعل، فتنازعوا وتفاخروا حتى وثب رجلان: أوس بن قرظي، من الأوس، وجبار بن صخر، من الخزرج، فتقاولا، وغضب الفريقان وتواثبوا للقتال، فبلغ ذلك رسول الله  فجاء حتى وعظهم وأصلح بينهم، فسمعوا وأطاعوا، فأنزل الله في أوس وجبار: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ  ﴾ الآية.

وفي شاس بن قيس: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ  ﴾ الآية.

إن صح ما ورد في سبب نزول هذه الآيات فالمراد بالكفر في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ  ﴾ هو العداوة والبغضاء التي كان الكفر سببها كم أن المراد بالإيمان على هذا هو الألفة والمحبة التي هي ثمرة يانعة من ثمرات الإيمان.

وإذا لم ننظر إلى ما ورد من السبب فالمعنى أن أهل الكتاب قد سلكوا سبل التأويل في الكتاب فحرفوه وانصرفوا عن هدايته إلى تقاليد وضعوها لأنفسهم، فإذا أطعتموهم وسلكتم مسالكهم فإنكم تكفرون بعد إيمانكم.

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ  ﴾ بطاعتهم واتباع أهوائهم ﴿ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ  ﴾ وهي روح الهداية وحفاظ الإيمان ﴿ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ  ﴾ يبين لكم ما نزل إليكم.

﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ  ﴾ وكتابه يكون الاعتصام إذن هو حبله الممدود، ورسوله هو الوسيلة إليه وهو ورده المورود، ﴿ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  ﴾ لا يضل فيه السالك، ولا يخشى عليه من المهالك.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ  ﴾ أي واجب تقواه وما يحق منها.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ﴾ فمعناه استمروا على الإسلام وحافظوا على أعماله حتى الموت.

فالمراد بالإسلام على هذا هو الدين إيمانه وعمله.

ووجه اختيارنا هذا المعنى أنه جاء في مقابلة قوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ  ﴾ وبعد الأمر بالتقوى حق التقوى.

وقيل: إن المراد به الإخلاص.

وقيل: الإيمان دون العمل، لأنه هو الذي يستمر إلى الموت.

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا  ﴾ الأشبه أن تكون العبارة تمثيلًا، كأن الدين في سلطانه على النفوس واستيلائه على الإرادات وما يترتب على ذلك من جريان الأعمال على حسب هديه حبل متين يأخذ به الآخذ فيأمن السقوط، كأن الآخذين به قوم على نشز من الأرض يخشى عليهم السقوط منه فأخذوا بحبل موثق جمعوا به قوتهم فامتنعوا من السقوط.

﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا  ﴾ .

انظر آية الله، قوم متخالفون بين العداوات والإحن يتربص كل واحد بالآخر الهلكة على يده فيأتي الله بهذه الهداية فيجمعهم ويزيل كل ما في نفوسهم من التنافر ويجعلهم إخوانًا ترجع أهواؤهم كلها إلى شيء واحد لا يختلفون فيه وهو حكم الله ولذلك قال: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  ﴾ أي ليعدكم ويؤهلكم بها للاهتداء الدائم المستمر فلا تعودوا إلى عمل الجاهلية من التفرق والعدوان.

والتفرق والاختلاف قسمان: قسم لا يمكن أن يسلم منه البشر فالنهي عنه من قبيل تكليف ما لا يستطاع وليس بمراد في الآيات، وقسم يمكن الاحتراس منه وهو المراد بها أما الأول: فهو الخلاف في الفهم والرأي، ولا مفر منه لأنه مما فطر عليه البشر كما قال تعالى: ﴿ وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ  إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ  ﴾ فاستواء الناس في العقول والأفهام مما لا سبيل إليه ولا مطمع فيه إذ هو من قبيل الحب والبغض فالإخوة الأشقاء في البيت الواحد تختلف أفهامهم في الشيء كما يختلف حبهم له وميلهم إليه.

وأما الثاني: - وهو ما جاءت الأديان لمحوه - فهو تحكيم الأهواء في الدين والأحكام، وهو أشد الأشياء ضررًا في البشر لأنه يطمس أعلام الهداية التي يلجأ إليها في إزالة المضار التي في النوع الأول من الخلاف.

أما كون القسم الأول غير ضار فهو ما يعرفه كل أحد نفسه.

والأمثلة كثيرة..

فمثلًا: إن بيني وبين بعض أصحابي الصادقين في محبتي وإرادة الخير لي خلافًا في إلقاء هذا الدرس هنا، فأنا أعتقد أن إلقاء درس التفسير في الأزهر عمل واجب علي وخير لي، لا أشك في هذا كما أنني لا أشك في هذا الضوء الذي أمامي، ويوجد من أصحابي من يعتقد أن ترك هذا الدرس خير لي من قراءته، ويحاجوني في ذلك قائلين: إن تأخري لأجل الدرس إلى الليل ضار بصحتي، وإنه مثير لحسد الحاسدين لي ودافع لهم إلى الكيد والإيذاء، وإن الدرس نفسه عقيم لأن أكثر الذين يسمعونه لا يفقهون ما أقول ولا يفهمون ومن فهم لا يرجى أن يعمل به لغلبة فساد الأخلاق.

وهذه حجة بعض أصحابي في مخالفة رأيي واعتقادي يصرحون لي بها، ومع ذلك ألقاهم ويلقونني لم ينقص ذلك من مودتنا شيئًا فضلًا عن أن يكون مثارًا للعداوة والبغضاء بيننا، فأنا أعذرهم في رأيهم، مع اعتقادي بإخلاصهم، وهم يعذرونني كذلك.

ولنفرض أن الخلاف بيننا في مسألة دينية كأن أعتقد أنا أن فعل كذا حرام وهم يعتقدون حله أكان يكون بيننا تفرق لأجله؟

كلا، لا ريب عندي أنه لا فرق بين الخلافين وإننا نبقى على هذا الخلاف أصدقاء.

كذلك كان الخلاف بين علماء السلف وأئمة الفقهاء "فمالك" قد نشأ في المدينة ورأى ما كان عليه أهلها من حسن الحال وسلامة القلوب فقال: إن عمل أهل المدينة أصل من الأصول، لأنهم على حسن حالهم وقرب عهدهم بالنبي وأصحابه لا يتفقون على غير ما مضت عليه السنة عملًا.

وأما "أبو حنيفة" فنشأ في العراق، وأهلها كما اشتهر عنهم أهل شقاق ونفاق، فهو معذور إذا لم يحتج بعملهم ولا بعمل غيرهم قياسًا عليهم، ولو اجتمعا لعذر كل منهما الآخر لأنه بذل جهده في استبانة الحق مع الاخلاص لله تعالى وإرادة الخير والطاعة.

وقد نقل عن الائمة أن كل واحد كان يعذر الآخرين فيما خالفوه فيه، ولكن تنكب هذه الطريقة طوائف جاءت بعدهم تقلدهم فيما نقل من مذاهبهم لا في سيرتهم حتى صار الهوى هو الحاكم في الدين وصار المسلمون شيعًا يتعصب كل فريق إلى رأي من مسائل الخلاف ويعادي الآخر إذا خالفه فيه، وكان من جزاء ذلك ما هو مدون في التاريخ.

وما ذلك إلا لأن الحق لم يكن هو مطلوب هؤلاء المتعصبين، وإلا فبالله كيف يصدق أن يكون الإمام "الشافعي" مثلًا مصيبًا في كل ما خالف به غيره؟

وإذا كان الصواب في بعض المسائل الاجتهادية مع غيره فكيف يعقل أن يمر أكثر من ألف سنة على فقهاء مذهبه ولا يظهر لهم شيء من ذلك فيرجعوا عن قوله إلى ما ظهر لهم أنه الصواب من مذهب غيره "كأبي حنيفة" أو "مالك".

وهذا ما يقال في أتباع كل مذهب.

هذا النوع من الخلاف هو الذي ذلت به الأمم بعد عزها وهوت بعد رفعتها وضعفت بعد قوتها.

هو الافتراق في الدين وذهاب أهله مذاهب تجعلهم شيعًا تتحكم فيهم الأهواء كما حصل من الفرق الإسلامية، لا يكاد أحدهم يعلم أن الآخر خالفه في رأي إلا ويبادر إلى الرد عليه بالتأليف وبذل الجهد في تضليله وتقنيد مذهبه، ويقابله الآخر بمثل ذلك، لا يحاول أحد منهم محادثة الآخر والاطلاع على دلائله ووزنها بميزان الانصاف والعدل، فالواجب أولًا محاولة الفهم والإفهام في البحث والمذاكرة وثانيًا أن لا يكون الخلاف مفرقًا بين المختلفين في الدين، فما دام المسلم لا يخل بنصوص كتاب الله ولا باحترام الرسول  فهو على إسلامه لا يكفر ولا يخرج من جماعة المسلمين، فإذا تحكم الهوى فلعن بعضهم بعضًا وكفر بعضهم بعضًا فقد باء بها من قالها كما ورد في الحديث.

ومثل الاختلاف في الدين الاختلاف في المعاملة لا يجوز أن يكون مفرقًا بين المؤمنين بل يرجعون في النزاع إلى حكم الله وأهل الذكر منهم.

فإذا امتثلنا أمر الله ونهيه فاتقينا الخلاف الذي لنا عنه مندوحة وحكمنا كتاب الله ومن أمر الله بالرجوع إليهم في مسائل النزاع فيما نتنازع فيه أمنا من غائلة الخلاف وكنا من المهتدين.

<div class="verse-tafsir"

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌۭ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ١٠٤ وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ١٠٥ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌۭ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌۭ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ١٠٦ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ١٠٧

إن الله تعالى قد وضع لنا بفضله ورحمته قاعدة نرجع إليها عند تفرق الأهواء واختلاف الآراء وهي الاعتصام بحبله، ولذلك نهانا عن التفرق بعد الأمر بالاعتصام الذي قلنا في تفسيره إنه تمثيل لجميع أهوائهم وضبط إرادتهم.

ومن القواعد المسلمة أنه لا تقوم لقوم قائمة إلا إذا كان لهم جامعة تضمهم ووحدة تجمعهم وتربط بعضهم ببعض فيكونون بذلك أمة حية كأنها جسد واحد كما ورد في حديث: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" وحديث: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا".

فإذا كانت الجامعة الموحدة للأمة هي مصدر حياتها، سواء كانت مؤمنة أم كافرة، فلا شك أن المؤمنين أولى بالوحدة من غيرهم لأنهم يعتقدون أن لهم إلهًا واحدًا يرجعون في جميع شؤونهم إلى حكمه الذي يعلو جميع الأهواء ويحول دون التفرق والخلاف.

بل هذا هو ينبوع الحياة الاجتماعية لما دون الأمم من الجمعيات حتى البيوت.

ولما كان لكل جامعة وكل وحدة حفاظ يحفظها أرشدنا  إلى ما تحفظ به جامعتنا التي هي مناط وحدتنا -وأعني بها الاعتصام بحبله- فقال: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  ﴾ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفاظ الجامعة وسياج الوحدة.

وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى "منكم" هل معناه بعضكم أم "من" بيانية.

ذهب مفسرنا (الجلال) إلى الأول لأن ذلك فرض كفاية وسبقه إليه الكشاف وغيره وقال بعضهم بالثاني، قالوا والمعنى ولتكونوا أمة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.

والظاهر أن الكلام على حد "ليكن لي منك صديق" فالأمر عام، ويدل على العموم قوله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ  إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ  إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ  ﴾ فإن التواصي هو الأمر والنهي وقوله  : ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ  كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ  ﴾ وما قص الله علينا شيئًا من أخبار الأمم السالفة إلا لنعتبر به.

وقد أشار المفسر (الجلال) إلى الاعتراض الذي يرد على القول بالعموم وهو أنه يشترط فيمن يأمر وينهي أن يكون عالمًا بالمعروف الذي يأمر به والمنكر الذي ينهى عنه وفي الناس جاهلون لا يعرفون الأحكام.

ولكن هذا الكلام لا ينطبق على ما يجب أن يكون عليه المسلم من العلم، فإن المفروض الذي ينبغي أن يحمل عليه خطاب التنزيل هو أن المسلم لا يجهل ما يجب عليه، وهو مأمور بالعلم والتفريق بين المعروف والمنكر، على أن المعروف عند إطلاقه يراد به ما عرفته العقول والطباع السليمة والمنكر ضده وهو ما أنكرته العقول والطباع السليمة، ولا يلزم لمعرفة هذا قراءة "حاشية ابن عابدين على الدرر" ولا "فتح القدير" ولا "المبسوط" وإنما المرشد إليه، مع سلامة الفطرة، كتاب الله وسنة رسوله المنقولة بالتواتر والعمل وهو ما لا يسع أحد جهله ولا يكون المسلم مسلمًا إلا به.

فالذين منعوا عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جوزوا أن يكون المسلم جاهلًا لا يعرف الخير من الشر ولا يميز بين المعروف والمنكر وهو لا يجوز دينًا.

ثم إن هذه الدعوة إلى الخير والأمر والنهي لها مراتب: فالمرتبة الأولى هي دعوة هذه الأمة سائر الأمم إلى الخير وأن يشاركوهم فيما هم عليه من النور والهدى، وهو الذي يتجه به قول المفسر: إن المراد بالخير الإسلام، وقد فسرنا الإسلام من قبل بأنه دين الله على لسان جميع الأنبياء لجميع الأمم وهو الإخلاص لله تعالى والرجوع عن الهوى إلى حكمه وهذا مطلوب منا بحكم جعلنا أمة وسطًا وشهداء على الناس -كما تقدم في سورة البقرة- وخير أمة أخرجت للناس كما سيأتي بعد آيات مقيدًا بكوننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وبحكم قوله في وصف المؤمنين الذي أذن لهم بالقتال: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ  ﴾ فالواجب دعوة الناس إلى الإسلام أولًا فإن أجابوا وجب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

وأما كون هذا حفاظًا للوحدة ومانعًا من الفرقة فهو أن الأمة إذا اجتمعت على هذا المقصد العالي الشريف، وهو أن تكون مسيطرة على الأمم كلها ومربية لها ومهذبة لنفوسها، فلا شك أن جميع الأهواء الشخصية تتلاشى من بينهم، فإذا عرض الحسد والبغي لأحد من أفرادهم تذكروا وظيفتهم العالية الشريفة التي لا تتم إلا بالتعاون والاجتماع فأزالت الذكرى ما عرض، وشفت النفوس قبل تمكن المرض.

والمرتبة الثانية في الدعوة والأمر والنهي هي دعوة المسلمين بعضهم بعضًا إلى الخير وتآمرهم فيما بينهم بالمعروف وتناهيهم عن المنكر، والعموم فيها ظاهر أيضًا وله طريقان: أحدهما: الدعوة العامة الكلية -كهذا الدرس- ببيان طرق الخير وتطبيق ذلك على أحوال الناس وضرب الأمثال المؤثرة في النفوس التي يأخذ كل سامع منها بحسب حاله.

وإنما يقوم على هذا الطريق خواص الأمة العارفون بأسرار الأحكام وحكمة الدين وفقهه وهم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ  ﴾ ومن مزايا هؤلاء تطبيق أحكام الله تعالى على مصالح العباد في كل زمان ومكان فهم يأخذون من الأمر العام بالدعوة والأمر والنهي على مقدار علمهم.

والطريق الثاني: الدعوة الجزئية الخاصة وهي ما يكون بين الأفراد بعضهم مع بعض، ويستوي فيه العالم والجاهل وهو ما يكون بين المتعارفين من الدلالة على الخير والحث عليه عند عروضه والنهي عن الشر والتحذير منه، وكل من ذلك التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وكل واحد يأخذ من الفريضة العامة بقدره.

وقد يقال: كيف يكون التآمر والتناهي حافظًا للوحدة ونحن نرى الأمر بالعكس، نرى التناصح سبب التخاصم والتدابر حتى صار من أعسر الأمور بين الإخوان والأصحاب أن يقول أحدهما للآخر إنك فعلت كذا وهو منكر فارجع عنه أو إنك قادر على كذا من المعروف فأته.

وعن نفسي فلقد صار من الصعب جدًا، حتى مع من أعده صنيعة لي أو ولدًا أو أخًا، أن أنصحه في الأمر أكثر من مرة خشية أن ينفر ويحمله ذلك على قطع ما بيننا من الرابطة.

فكأن النصح لهم من الكليات التي لا يوجد لها إلا فرد واحد.

ولقد أصبحت -لهذا النفور من النصح- أسلك مع أصحابي والمتصلين بي مسلك الكناية والتعريض في الغالب.

غير أن هذا لا يعد حجة على الله ولا شبهة على دينه لأنه منتهى ما تصل إليه الأمم من الفساد والبعد عن الخير واستحقاق الغضب الإلهي، وتكاد الأمة التي يفشو هذا فيها تكون من الأمم التي تودِّع منها.

وإنما الكلام في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع المسلمين الذين كانوا يشعرون بنعمة الله عليهم بالتأليف بين قلوبهم وإنقاذهم من النار بعد أن كانوا قد أشفوا عليها ومع من يشاركونهم في شعورهم ذاك ويتبعون سنتهم في الاهتداء بما أنزل الله، كما وقع بين الأوس والخزرج في الرواية التي سبق ذكرها.

فأمثال هؤلاء هم الذين يصدق عليهم قوله  : "المؤمن مرآة المؤمن".

إن ما نحن فيه الآن من سوء الحال أثر تفريط كبير تمادى في زمن طويل بعد ما عظم التساهل في ترك التناصح وبطل رد ما يتنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله، أي إلى كتاب الله وسنة رسوله، وخوت القلوب من احترام الدين حتى لم يعد له سلطان على الإرادة، بل صار كل شخص أسير هواه، ومتى أمسى الناس هكذا -لا دين ولا مروءة ولا أدب- فأي فرق بين الطائفة منهم والقطيع من المعز أو البقر.

وإذا سأل سائل عن قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ  ﴾ ؟

فالجواب: أن هذا بعد القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي أن الإنسان لا يضره ضلال غيره إذا هو أمره ونهاه، فإنه لا يكون مهتديًا مع تركه لهذه الفريضة.

من العجب أن بعض الناس اشترطوا لهذه الفريضة شرطًا لم يأذن به الله ولم ينزله في كتابه وهو أنه لا يأمر ولا ينهى إلا من كان مؤتمرًا ومنتهيًا.

ويشترط بعضهم للوجوب شرطًا آخر وهو الأمن على النفس، وكان ينبغي أن يقولوا على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة حتى لا ينفر الناس أو لا يحملهم على إيذائه فإن الله يقول إنه لا نجاة للناس إلا بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر ولم يشترط في ذلك شرطًا.

إن الله تعالى أمر الناس بالتواصي بالحق والدعوة إلى الخير وأمرهم أن يعدوا لذلك عدته ويعرفوا سبلهن وهي مبسوطة في السنة، كقصة ذلك الرجل الذي كان ينادي في الطريق أريد أن أزني: فجاء النبي  وضرب على كتفه وقال: "أتفعل هذا بأمك؟" قال: لا، قال: "أتفعله بأختك؟" قال: لا، وخجل الرجل وانصرف.

وكقصة الأعرابي الذي عاهد الرسول على ترك الكذب.

فهذه هي الحكمة وبها تجب القدوة ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ  ﴾ وإنا لن نكون متبعين له حتى نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر على سنته وطريقته.

هنا يخلطون بين النهي عن المنكر وتغيير المنكر الذي جاء في حديث: "من رأى منكم منكرًا فليغيره".

وهذا شيء آخر غير النهي البتة، فإن النهي عن الشيء إنما يكون قبل فعله وإلا كان رفعًا للواقع أو تحصيلًا للحاصل، فإذا رأيت شخصًا يغش السمن مثلًا وجب عليك تغيير ذلك ومنعه منه بالفعل إن استطعت، فالقدرة والاستطاعة هنا مشروطة بالنص، فإن لم تقدر على ذلك وجب عليك التغيير باللسان، وهو غير خاص بنهي الغاش ووعظه بل يدخل فيه رفع أمره إلى الحاكم الذي يمنعه بقدرة فوق قدرتك.

أما التغيير بالقلب فهو عبارة عن مقت الفاعل وعدم الرضى بفعله.

وللنهي طرق كثيرة وأساليب متعددة ولكل مقام مقال.

نعم إن دعوة الأمة غيرها من الأمم إلى الخير الذي هي عليه لا يطالب بها كل فرد بالفعل، إذ لا يستطيع كل فرد ذلك، وإنما يجب على كل فرد أن يجعل ذلك نصب عينيه حتى إذا عنَّ له بأن لقي أحدًا من أفراد تلك الأمم دعاه، لا أنه ينقطع لذلك ويسافر لأجله، وإنما يقوم بهذا طائفة يعدون له عدته، وسائر الأفراد يقومون به عند الاستطاعة فهو يشبه فريضة الحج، هي فرض عين ولكن على المستطيع.

وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آكد من فريضة الحج، ولم يشترط فيها الاستطاعة لأنها مستطاعة دائمًا.

فإذا قال قائل إن من الناس من لا يستطيع ذلك قطعًا.

فقوله مردود..

والدليل، مثلًا، طائفة الشيعة، فإنهم لما كانت الدعوة ملتزمة عندهم صاروا كلهم دعاة عندما يعن لهم من يدعونه.

ولما كنت في بيروت احتجت إلى ظئر لإرضاع ابنة لي، فجيء بظئر شيعية من "المتاولة"، فكانت في الدار تدعو النساء إلى مذهبها.

وإن رعاة الإبل من الصحابة والتابعين كانوا يدعون كل أحد إلى الإسلام حتى الملوك والأمراء.

فهذا يدل على أن الأمة إذا أرادت الدعوة لا يقف في سبيلها شيء.

وإن الجهل ليس بعذر للمسلم لأنه يجب أن يكون عالمًا.

جملة القول أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض حتم على كل مسلم كما تدل الآية في ظاهرها المتبادر وغيرها من الآيات كقوله تعالى: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ  ﴾ وكذلك عمل الرسول  وأصحابه  .

وكون هذا حفاظًا للأمة وحرزًا ظاهرًا، فإن الناس إذا تركوا دعوة الخير وسكت بعضهم لبعض على ارتكاب المنكرات خرجوا عن معنى الأمة وكانوا أفذاذًا متفرقين لا جامعة لهم ولهذا ضرب الرسول  للمداهن مثل راكب في سفينة يطوف على جماعة معه بماء وكل ينفر مما معه فقال لهم إني في حاجة إليه وذهب ينقر في السفينة فإن أخذوا على يده نجوا ونجا معهم وإلا هلك وهلكوا جميعًا.

ففشوا المنكرات مهلكة للأمة ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً  ﴾ فلا بد للمرء في حفظ نفسه ومن معه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا سيما أمهات المنكرات المفسدة للاجتماع كالكذب والخيانة والحسد والغش.

فهذا ليس من فروض الكفاية التي يتواكل فيها الناس كصلاة الجنازة، إذ لا تجب على كل من علم أن هنا ميتًا أن ينتظر غسله ليصلي عليه بل يكفي أن يعلم أنه يوجد من يصلي عليه، ولكنه إذا رأى منكرًا وجب عليه أن ينهي عنه ولا ينتظره غيره لأنه تغيير على رأيه.

بقي علينا بيان معنى الآية على القول بأن "من" للتبعيض وتقدير الكلام ولتكن منكم طائفة متميزة تقوم بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والمخاطب بهذا جماعة المؤمنين كافة فهم المكلفون أن ينتخبوا منهم أمة تقوم بهذه الفريضة فههنا فريضتان، إحداهما: على جميع المسلمين والثانية: على الأمة التي يختارونها للدعوة.

ولا يفهم معنى هذا حق الفهم إلا بفهم معنى لفظ الأمة وليس معناه الجماعة كما قيل وإلا لما اختير هذا اللفظ.

والصواب أن الأمة أخص من الجماعة فهي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في بنية الشخص، والمراد بكون المؤمنين كافة مخاطبين بتكوين هذه الأمة لهذا العمل هو أن يكون لكل فرد منهم إرادة وعمل في إيجادها وإسعادها ومراقبة سيرها بحسب الاستطاعة حتى إذا رأوا منها خطأ أو انحرافًا أرجعوها إلى الصواب.

وقد كان المسلمون في الصدر الأول، لا سيما زمن أبي بكر وعمر على هذا النهج من المراقبة للقائمين بالأعمال العامة حتى كان الصعلوك من رعاة الإبل يأمر مثل عمر بن الخطاب -وهو أمير المؤمنين- وينهاه فيما يرى أنه الصواب، ولا بدع فالخلفاء على نزاهتهم وفضلهم ليسوا بمعصومين، وقد صرح عمر بخطئه ورجع عن رأيه غير مرة.

ومن العبر في هذا المقام تنفيذ بلال الحبشي العتيق لأمر عمر بمحاسبة خالد بن الوليد سيد بني مخزوم بعد تبليغه عزله من قيادة الجيش بالشام، ومجمل القصة: أن عمر كتب عندما ولي الخلافة إلى أبي عبيدة وهو في جيش خالد على الشام يوليه إمارة الجيش العامة ويعزل خالدًا عنها، وكان الجيش على حصار دمشق أو في اليرموك -(روايتان)- فكتم أبو عبيدة الأمر وكبر عليه أن يظهره قبل أن يتم لهم النصر، ولما أبطأ على عمر الجواب كتب إلى عبيدة ثانية يأمره فيه بأن يقرأه على ملأ المسلمين، وفيه الإذن بأن يعتقل خالد بعمامته ويحاسب على ما كان منه في إمارته، فهابه أبو عبيدة لشرفه وشجاعته وبلائه في الحرب وحب الجيش له، ولكنه لما قرأ الكتاب قام بلال الحبشي من فقراء الموالي، وحلّ عمامة خالد واعتقله بها، وسأله عما أمر به عمر فخضع وأجاب.

فانظروا ما فعل هدى الإسلام بهؤلاء الكرام، يقوم مولى من الفقراء الضعفاء إلى السيد القرشي العظيم والقائد الكبير فيعقله بعمامته على أعين الملأ الذين كان أميرهم وقائدهم ويحاسبه فيجيبه عن كل ما سأله.

وروى أنه بعد أن أطاع وأجاب داعي الخليفة أعاد إليه بلال قلنسوته وعممه بيده قائلًا: نسمع ونطيع ونفخم موالينا.

وروي أيضًا أن عمر استحضر خالدًا إلى المدينة واعتذر له بعد العتاب بأنه لم يعزله ويأمر فيه بما أمر لريبة وإنما رأى أن الناس افتتنوا به وخاف عليه أن يفتتن بهم وقيل إنه قال له: خفت أن يعبدك أهل الشام.

إذا كان كل فرد من أفراد المسلمين مكلفًا الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمقتضى الوجه الأول في تفسير الآية، فهم مكلفون بمقتضى هذا الوجه الثاني أن يختاروا أمة منهم تقوم بهذا العمل لأجل أن تتقنه وتقدر على تنفيذه، إن لم يوجد ذلك بطبعه كما كان في زمن الصحابة، فإقامة هذه الأمة الخاصة فرض عين يجب على كل مكلف أن يشترك فيه مع الآخرين، ولا مشقة في هذا علينا، فإنه يتيسر لأهل كل قرية أن يجتمعوا ويختاروا واحدًا منهم أو أكثر.

أن يختاروا جماعة يصح أن يطلق عليهم لفظ الأمة ويعملوا ما تعمله بالاتحاد والقوة ليتولوا إقامة هذه الفريضة فيها كما يجب ذلك في كل مجتمع إسلامي سواء كان في الحواضر أو البوادي.

فإن معنى الأمة يدخل فيه معنى الارتباط والوحدة التي تجعل أفرادها على اختلاف وظائفهم وأعمالهم، حتى في إقامة هذه الفريضة عند تشعب الأعمال فيها، كأنهم شخص واحد.

وهذه الأمة يدخل في عملها الأمور العامة التي هي من شأن الحكام وأمور العلم وطرق إفادته ونشره وتقرير الأحكام وأمور العامة الشخصية، ويشترط فيها العلم بذلك، ولذلك جعلت أمة وفي معنى الأمة القوة والاتحاد، وهذه الأمة لا تتم إلا بالقوة والاتحاد، فالأمة المتحدة لا تقهر ولا تغلب من الأفراد ولا تعتذر بالضعف يومًا ما فتترك ما عهد إليها وهو ما لو ترك لتسرب الفساد إلى مجموع المسلمين.

وقد كان المسلمون في زمن الصدر الأول، لا سيما على عهد الخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، على هذه الطريقة فقد كانت خاصة الصحابة الذين عاشروا النبي  وتلقوا عنه متواصلين متكاتفين يشعر كل منهم بما يشعر به الآخر من الحاجة على نشر الإسلام وحفظه ومقاومة كل ما يمس شيئًا من عقائده وآدابه وأحكامه ومصالح أهله وكان سائر المسلمين تبعًا لهم.

ولا نتكلم هنا فيما طرأ على الإسلام فأزال تلك الوحدة ولكننا نذكر ما يجب أن تكون عليه الأمة الداعية على الخير الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر، أي القائمة بالواجبات التي هي قوام الوحدة وحفاظها، فإن أعمالها لا تتم إلا بأمور كثيرة، منها: العلم التام بما يدعون إليه: عن أول ما يجب على هؤلاء الدعاة العلم بالقرآن والعلم بالسنة وسيرة النبي  والخلفاء الراشدين  وسلف الأمة الصالح وبالقدر الكافي من الأحكام.

فهذا شيء من البيان وهو في نفسه يحتاج إلى بيان وتفصيل أهمه: أن العلم بالقرآن إنما ينظر فيه قبل كل شيء إلى كونه هدى وعبرة وموعظة على نحو تفسيرنا هذا وكذلك السنة وما صح من أقوال الرسول وسيرته وينظر في هذا أيضًا إلى الفرق بين ما تواتر عملًا وما صح سندًا وما ليس كذلك.

العلم بحال من توجه إليهم الدعوة: في شئونهم واستعدادهم وطبائع بلادهم وأخلاقهم، أو ما يعبر عنه في عرف العصر بحالهم الاجتماعية، وقد روي أن من أسباب ارتضاء الصحابة بخلافة أبي بكر كونه أنسب العرب، وليس معنى كونه أعلم بالأنساب أنه كان عنده كتاب "بحر الأنساب" يراجع فيه وإنما معناه أنه كان أعلمهم بأحوال قبائل العرب وبطونها وتاريخ كل قبيلة وسابق أيامها وأخلاقها، كالشجاعة والجبن والأمانة والخيانة ومكانها من الضعف والقوة والغنى والفقر وما كان إقدامه -مع لينه وسهولة خلقه التي يعرفها له كل أحد حتى الإفرنج- على حرب أهل الردة إلا لهذا العلم الذي كان به على بصيرة، فلم يهب ولم يخف، وقد خاف عمر وأحجم على شدته المعروفة على الكافرين والمنافقين.

حتى قال أبو بكر: والله لو منعوني عقالًا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله  لقاتلتهم عليه.

فهذه قوة العلم، لا قوة الجهل.

مناشئ علم التاريخ العام: ليعرفوا الفساد في العقائد والأخلاق والعادات فيبنون الدعوة على أصل صحيح ويعرفون كيف تنهض الحجة ويبلغ الكلام غايته من التأثير وكيف يمكن نقل هؤلاء المدعوين من حال إلى حال.

ولهذا كان القرآن مملوءًا بعبر التاريخ.

علم تقويم البلدان: ليعد الدعاة لكل بلاد منها عدتها إذا أرادوا السفر إليها، وقد كان الصحابة  أعلم أهل زمانهم بالتاريخ وما يسمى الآن بتقويم البلدان وبالجغرافية ولذلك أقدموا على الفتوح ومحاربة الأمم فانتصروا عليهم بالعلم لا بالجهل، فلو كانوا يجهلون مسالك بلادهم وطرقها ومواقع المياه وما يصلح موقعًا للقتال فيها لهلكوا وكان الجهل أول أسباب هلاكهم.

ومن قرأ ما حفظ من خطبهم وكتبهم التي كانوا يتراسلون بها ومحاوراتهم في تدبير الأعمال يظهر له ذلك بأجلى بيان.

ومن الناس من ينفر من التاريخ وتقويم البلدان، الذي هو فرع من فروعه، وما أضر هؤلاء إلا بأنفسهم وأمتهم!!

فقد قطعوا الصلة بينهم وبين القدوة الصالحة من سلفهم حتى صار أكثر المسلمين لا يعرفون مبدأ الإسلام ولا كيفية نشأته ولا كيف انتسبوا إليه، فالتاريخ يعرف الإنسان بنفسه من حيث هو متدين إن كان له دين أو من حيث هو إنسان إن كان من بني الإنسان، وما أضر بالفقه شيء كالجهل بالتاريخ لأننا لو حفظنا تاريخ الناس، ومنه عاداتهم وعرفهم ومصالحهم في البلاد التي كان فيها المجتهدون الواضعون لهذا الفقه، لكنا نعرف من أسباب خلافهم ومدارك أقوالهم ما لا نعرفه اليوم، فما كان ذلك الخلاف جزافًا ولا عبثًا.

ألم تر أن الشافعي وضع بعد مجيئه إلى مصر مذهبًا جديدًا غير المذهب القديم الذي كان عليه أيام لم يكن خبيرًا بغير الحجاز والعراق؟

وكذلك كان من خالف به أبو يوسف أستاذه أبا خليفة مما يرجع الكثير منه إلى ما اختبره من حال الناس في مصالحهم ومنافعهم وعرفهم.

فبالله كيف ينتسب امرؤ إلى إمام ويشتغل بعلم مذهبه وهو لا يعرف تاريخه وتاريخ عصره!!

وجملة القول أن الجاهل بالتاريخ لا يصلح أن يكون فردًا من الأمة الداعية إلى الإسلام الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر في الأمور العامة على الوجه الذي يرجى قبوله.

علم النفس: وهو يساوي علم التاريخ في المكانة والفائدة، أي العلم الباحث عن قوى النفس وتصرفها في علومها وتـأثير علومها في أعمالها الإدارية.

مثالب ذلك أن الأصل أن يكون العمل تابعًا للعلم، ولكن كثيرًا من الناس يعتقدون أن عمل كذا ضار ويأتونه وعمل كذا نافع ويتركونه.

فما هو السبب في ذلك، وهل يحسن دعوة هؤلاء إلى الخير وإقناعهم بترك الشر من لا يعرف لماذا تركوا الخير واقترفوا الشر؟

فهذه المعرفة هي من علم النفس الذي يؤخذ منه أن من العلم ما يكون صفة للنفس حاكمة على إرادتها مصرفة لها في أعمالها ومنه ما هو صورة تعرض للذهن لا أثر لها في الإرادة فلا تبعث على العمل وإنما يكون مظهره القول أحيانًا.

ولا تظنوا أن الصحابة لم يكن عندهم شيء من هذا العلم إذ لم يكونوا يدرسونه في الكتب ويتلقونه عن المعلمين فإنكم إذا قرأتم التاريخ وعرفتم كيف كانوا يتجالدون في الحرب، ويجادلون في مواقع الخطب، بمجرد الفطرة التي بعدنا عنها أمكنكم أن تعرفوا مكانهم منه، نعم إن الإنسان في كل زمن يحتاج إلى نوع من طرق التعليم غير ما كان في الزمن الذي قبله، فالحقيقة الواحدة قد تختلف طرق العلم بها باختلاف الزمان والمكان والأحوال.

علم الأخلاق: وهو العلم الذي يبحث في الفضائل وكيفية تربية المرء عليها، وعن الرذائل وطرق توقيه منها، وهو ضروري، وما ورد فيه من الآيات والأحاديث وآثار الصحابة والتابعين يغني بشهرته واستفاضته عن إطالة الكلام فيه.

علم السياسة: وليس المراد بالسياسة الشرعية التي كتب فيها ابن تيمية وغيره.

فهذه على ضرورتها داخلة في علم الكتاب والسنة والأحكام.

وإنما المراد العلم بحال دول العصر، وعلاقتها وطرق سعيها..

والسياسة بهذا المعنى لم تكن في عصر الصحابة.

العلم بالفنون والعلوم: المتداولة في الأمم التي توجه إليها الدعوة ولو بقدر ما يفهم به الدعاة ما يورد على الدين من شبهات تلك العلوم والجواب عنها بما يليق بمعارف المخاطبين بالدعوة.

معرفة الملل والنحل: ومذاهب الأمم فيها ليتيسر للدعاة بيان ما فيها من الباطل، فإن من لم يتبين له بطلان ما هو عليه، لا يلتفت إلى الحق الذي عليه غيره وإن دعاه إليه.

العلم بلغات الأمم التي تراد دعوتها: ومن أعمال هذه الأمة الأخذ على أيدي الظالمين، فإن الظلم أقبح المنكر، والظالم لا يكون إلا قويًا، ولذلك اشترط في الناهين عن المنكر أن يكونوا أمة لأن الأمة لا تخاف ولا تغلب، فهي التي تقوّم عوج الحكومة والمعروف أن الحكومة الإسلامية مبنية على أصل الشورى وهذا صحيح، والآية أدل دليل عليه ودلالتها أقوى من قوله تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ  ﴾ لأن هذا وصف خبري لحال طائفة مخصوصة أكثر ما يدل عليه أن هذا الشيء ممدوح في نفسه محمود عند الله.

وأقوى دلالة قوله: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ  ﴾ فإن أمر الرئيس بالمشاورة يقتضي وجوبه عليه.

ولكن إذا لم يكن هناك ضامن يضمن امتثاله للأمر فماذا يكون إذا هو تركه؟

وأما هذه الآية فإنها تفرض أن يكون في الناس جماعة متحدون أقوياء يتولون الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو عام في الحكام والمحكومين، ولا معروف أعرف من العدل ولا منكر أنكر من الظلم، وقد ورد في الحديث: "لا بد أن يأطروهم على الحق أطرًا".

ومما يناط بهذه الأمة وهو أصل كل معروف النظر في تعليم الجاهلين، فإذا علمت أن في مكان ما طائفة من المسلمين جاهلين بما يجب اتخذت الوسائل لتعليمهم.

ومن هنا يعلم فساد ما يقوله كثير من الفقهاء من أنه لا يجب عليهم أن يتصدوا لتعليم الناس ما لم يسعوا إليهم ويسألوهم.

ولا يجهل أحد أن رسول الله  قد تصدى لتعليم الناس ولم يقعد في بيته منتظرًا سؤال الناس ليفيدهم وكذلك فعل الصحابة عليهم الرضوان اهتداء بهديه.

ثم إن كون القائمين بالأمر والنهي أمة يستلزم أن يكون لها رياسة تدبرها، لأن أمر الجماعة بغير رياسة يكون مختلًا معتلًا، فكل كون لا رياسة فيه فاسد، فالرأس هو مركز تدبير البلدان وتصريف الأعضاء في أعمالها، ،وكذلك يكون رئيس هذه الأمة مصدر النظام وتوزيع الأعمال على العاملين، فمنهم من يوجهون إلى دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، ومنهم من يوجهونهم إلى إرشاد المسلمين في بلادهم، ومقام الرياسة يختار بالمشاورة لكل عمل ولكل بلاد من يكونون أكفاء للقيام بالواجب فيها لتكون أعمالهم مؤدية إلى مقصد الأمة العام، فإن من معنى الأمة أن يكون للأفراد الذين تتكون منهم وحدة في القصد من أعمالهم وسيرهم فإذا اختلفت المقاصد فسد العمل باختلاف الآراء وتنكيث القوى، ولذلك جاء بعد هذه الآية النهي عن التفرق والاختلاف.

ثم إن كون الأمة الخاصة منتخبة من الأمة العامة يقتضي أن تكون للعامة رقابة وسيطرة على الخاصة تحاسبها على تفريطها ولا تعيد انتخاب من يقصر في عمله لمثله.

فالأمة الصغرى المنتخبة (بفتح الخاء) تكون مسيطرة على أفراد الأمة الكبرى المنتخبة (بكسر الخاء) وهذه تكون مسيطرة على الأمة الصغرة وبهذا يكون المسلمون في تكافل وتضامن.

بعد أن أمر  بأن تكون منا أمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وبيّن أن أولئك هم المفلحون دون سواهم لأنهم هم الذين يقيمون الدين ويحفظون سياجه وبهم تتحقق الوحدة المقصودة منه -نهانا عن التفرق والاختلاف الذي يذهب بتلك الوحدة ويتعذر معه القيام بتلك الدعوة الصالحة فقال عز من قائل ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ  ﴾ .

إن هذه الآية كالدليل على أنه يجب أن تكون وجهة الأمة الداعية الآمرة الناهية واحدة، لأن الذين سبقوهم ما أفلحوا لعدم وحدتهم، كأنه يقول لا يمكن أن تتكون فيكم أمة للدعوة والأمر والنهي إلا إذا اجتمعت على مقصد واحد فالترتيب في الآيات طبيعي إذ من البديهي أن المتفقين في المقصد لا يختلفون اختلافًا ضارًا ينافيه وإنما يقع الاختلاف بعد التفرق في المقاصد والتباين في الأهواء بذهاب كل إلى تأييد مقصده وإرضاء هواه فيه.

والاختلاف في الرأي لأجل تأييد المقصد المتفق عليه لا يضر بل ينفع وهو طبيعي لا مندوحة عنه.

قال تعالى في المتفرقين المختلفين بعد مجيء البينات ﴿ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ .

أما عذاب الدنيا فهو أن المتفرقين المختلفين الذين اتبعوا أهواءهم، وحكموا في دينهم آراءهم، يكون بأسهم بينهم شديدًا فيشقى بعضهم ببعض ثم يبتلون بالأمم الطامعة في الضعفاء فتذيقهم الخزي والنكال، وتسلبهم عزة الاستقلال، وأما عذاب الآخرة فقد بيّن الله في كتابه أنه أشد من عذاب الدنيا وأبقى.

هل قام المسلمون بذلك الأمر: "ولتكن منكم أمة"؟

وانتهوا من هذا النهي: "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا"؟!!

أما المتفقون جمعوا عزائمهم وإرادتهم على العلم بما فيه مصلحة أمتهم وملتهم واعتصموا واتفقوا على الأعمال النافعة التي فيها عزتهم وشرفهم وأصبح كل واحد منهم عونًا للآخر ووليًا له فأولئك تبيض وجوههم -أي تنبسط وتتلألأ بهجة وسرورًا- عند ظهور أثر الاتفاق والاعتصام ونتائجهما، وهي السلطة والعزة والشرف وارتفاع المكانة وسعة السلطان.

وهذا الأثر ظاهر في الأمم المتفقة المتحدة التي يتألم مجموعها إذا أهين واحد منها في قطر من أقطار الأرض بعيد أو قريب، وتجيش جميعها مطالبة بنصره والانتقام له لأنه ظلم وأُهين ولا يصح عندها أن يكون منها ثم يظلم أو يهان وتكون هي راضية ناعمة البال.

أولئك الأقوام ترى على وجوههم لألاء العزة وتألق البشر بالشرف والرفعة وهو ما يعبر عنه ببياض الوجه: وأما المختلفون لافتراقهم في المقاصد، وتباينهم في المذاهب والمشارب، الذين لا يتناصرون ولا يتعاضدون ولا يهتم أفرادهم بالمصلحة العامة التي فيها شرف الملة وعزة الأمة فهم الذين تسود وجوههم بالذلة والكآبة يوم تظهر عاقبة تفرقهم واختلافهم بقهر الأجنبي لهم ونزعه السلطة من أيديهم.

والتاريخ شاهد على صدق هذا الجزاء في الماضين، والمشاهدة أصدق وأقوى حجة في الحاضرين.

(فأما اذين اسودت وجوههم) فيقال لهم: ﴿ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ  ﴾ يقال لهم هذا القول في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فلا بد أن يوجد في الناس من يقول للأمة التي وقع لها ذلك مثل هذا القول تغليظًا عليها لأن عملها لا يصدر إلا من الكافرين، وأما في الآخرة فيوبخهم الله بمثل هذا السؤال.

<div class="verse-tafsir"

تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعَـٰلَمِينَ ١٠٨ وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ١٠٩

﴿ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ  ﴾ أي بالأمر الثابت الحق الذي لا مجال فيه للشكوك والشبهات، ولا للاحتمالات والتأويلات، فلا عذر لأمتك إذا اتبعت سنن من قبلها فتفرقت في الدين وذهبت فيه مذاهب وصارت شيعًا ﴿ كَلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ  ﴾ ، وبخلاف الآخرين متمسكون، فما أمروا في هذه الآيات بما أمروا به من الاعتصام ووعدوا عليه بالفلاح العظيم، ولا نهوا عما نهوا عنه من التفرق والاختلاف وأوعدوا عليه بالعذاب الأليم إلا ليكونوا أمة واحدة متحدة في الدين متفقة في المقاصد، يعذر بعضهم بعضًا إذا فهم غير ما فهم مع المحافظة على ما لا تختلف فيه الأفهام، كوجوب الاتحاد والاعتصام، وتوحيد الله وتقواه، واجتناب الفواحش والمنكرات ﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ  ﴾ فيما أمرهم به وينهاهم عنه، وإنما يريد به هدايتهم إلى ما تكمل به فطرتهم ويتم به نظام اجتماعهم، فإذا هم فسقوا عن أمره وحل بهم البلاء فإنما يكونون هم الظالمين لأنفسهم بتفرقهم واختلافهم، وكذا بغير ذلك من الذنوب الاجتماعية.

فالكلام في الأمم وعقوبتها، ولا يمكن أن يحل بها بلاء إلا بذنب فشا فيها فزحزحها عن صراط الله الذي بينه في هذه الآيات وغيرها ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ  ﴾ .

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ  ﴾ .

فهو مالك العباد والمتصرف في شؤونهم وإلى سننه الحكيمة ترجع أمورهم ولكل سنة منها غاية تنتهي إليها لا تبديل لها ولا تحويل، فلا يطمع أهل التفرق والخلاف بالوصول إلى غاية أهل الوحدة والاتفاق، فهذه الآية وردت كالدليل على ما قبلها.

ووجه الدلالة فيها على ما جرينا عليه في تفسير ما قبلها ظاهر، فإننا بيّنا أن المراد بالظلم المنفي هو الظلم بالتشريع؛ لأن الكلام في تلك الآيات وما فيها من الأحكام فهو على حد قوله في أحكام الصيام: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ  ﴾ وقوله بعد الأمر بالوضوء والغسل: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ  ﴾ إلخ.

والأمر ظاهر لا مجال فيه للخلاف وكثرة الآراء لولا المذاهب التي وضعت أصولها وقواعدها ثم نظر أصحابها في القرآن يلتمسون تأييدها به وحمله عليها.

فقد قالت المعتزلة: إن الظلم في الآية جاء نكرة في سياق النفي فهو عام، والمعنى أنه لا يريد الظلم مطلقًا من أفعاله ولا من أفعال عباده، وما لا يريده لا يقع منه حتمًا، وقد ثبت في العقل والنقل أن من أفعال العباد ما هو ظلم، فتعين ان تكون أفعالهم منهم لا منه، ووجهوا الآية الثانية على إثبات هذا.

وقالت الأشعرية: إن وقوع الظلم منه تعالى محال، لأنه عبارة عن تصرف الإنسان في ملك غيره، وليس لغير الله ملك فيكون ظلمًا بتصرفه فيه، ولذلك بيّن بعد نفي إرادة الظلم أن له ما في السماوات والأرض.

فهم يقولون: إنه لو عذب الأتقياء الصالحين وأثاب الفجار المفسدين لم يكن ذلك منه ظلمًا بل عدلًا؛ لأنه تصرف في ملكه.

ونحن نقول -أولًا: إن الآيتين في واد وهذه المسائل الكلامية في واد آخر، وثانيًا: إن الظلم محال عليه تعالى لا لأن الظلم عبارة عن تصرف المتصرف في ملك غيره وأن تصرفه في ملكه لا يمكن أن يكون ظلمًا فإن هذا غير صحيح.

وإنما يستحيل عليه الظلم؛ لأنه ينافي الحكمة والكمال في النظام وفي التشريع، ومن حمَّل عبيده أو دوابه ما لا تطيق يقال: إنه قد ظلمها، بل قالوا فيمن حفر الأرض ولم تكن موضعًا للحفر: إنه ظلمها وسموها الأرض المظلومة وسموا التراب الذي يخرج منها المظلوم، ومن نقص امرأ حقه فقد ظلمه قال تعالى: ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا  ﴾ ولعل هذا هو الأصل في معنى الظلم.

وقال الراغب: "الظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة وإما بعدول عن وقته أو مكانه" فالظلم الذي ينفيه تعالى عن نفسه في الأحكام هو ما ينافي مصلحة العباد وهدايتهم لسعادة الدنيا والآخرة، وفي الخلق ما ينافي النظام والأحكام.

ومن مباحث اللفظ والنظم في الآيات أنه جعل النشر في آية ﴿ يَوْمَ تَبْيَّضُّ وُجُوهٌ  ﴾ إلخ على غير ترتيب اللف إذ ذكر في اللف الابيضاض قبل الاسوداد، وذكر في النشر حكم من اسودت وجوهم قبل حكم من ابيضت وجوههم، وليس اللف والنشر الذي يسمونه المرتب أبلغ مما يسمونه المشوش، وإنما يختلف ذلك باختلاف الكلام فلا يرجح أحدهما على الآخر إلا بمرجح، وقد قيل: إن نكتة الترجيح هنا جعل مطلع الكلام ومقطعه في بيان حال المؤمنين وجزائهم فوافق ذلك استحسان البلغاء جعلهما مما يسر ويشرح الصدر، وقيل: إن نكتة ذلك بيان أن المقصود من الخلق الرحمة دون العذاب؛ وذلك بدأ بذكر أهل الرحمة وختم بذكر جزائهم وأدمج ذكر الآخرين في الأثناء.

والقول الأول ترجيح بحسب اللفظ والثاني ترجيح بحسب المعنى، ومما يقوي هذا أنه تعالى ذكر أن أهل الرحمة خالدون فيها ولم يذكر أن أهل العذاب خالدون فيه.

نبه على هذا المعنى الرازي، وبيّن أنه تعالى أضاف الرحمة إلى نفسه دون العذاب، وذكر علة العذاب وسببه وهو ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ  ﴾ ثم ذكر أنه لا يريد ظلمًا للعالمين قال: "وهذا جار مجرى الاعتذار عن الوعيد بالعقاب، وكل ذلك مما يشعر بأن جانب الرحمة مغلب".

فيا ويل المتفرقين المختلفين المتعادين في دين الرحمة الذي يأخذ بحجزهم أن يقتحموا في العذاب وهم يتهافتون عليه بجهلهم وسوء اختيارهم.

<div class="verse-tafsir"

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ١١٠ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًۭى ۖ وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١١١ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟ إِلَّا بِحَبْلٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍۢ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ١١٢

هذا الوصف يصدق على الذين خوطبوا به أولًا وهم النبي  وأصحابه الذين كانوا معه عليهم الرضوان، فهم الذين كانوا أعداء فألف الله بين قلوبهم فكانوا بنعمته إخوانًا، وهم الذين اعتصموا بحبل الله ولم يتفرقوا في الدين فيذهبوا فيه مذاهب تتعصب لكل مذهب شيعة منهم، وهم الذين كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يخاف في ذلك ضعيف قويًا، ولا يهاب صغير كبيرًا، وهم المؤمنون بالله، ذلك الإيمان الذي استولى على عقولهم وقلوبهم ومشاعرهم وملك أزمة أهوائهم حتى كان هو المسير لهم في عامة أحوالهم، ذلك الإيمان الذي بيّن سبحانه خواصه وصفاته في آيات كثيرة، وظهرت فوائده وآثاره في تغيير هيئة الأرض على أيديهم، ذلك الإيمان الذي قال تعالى في أهله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ  ﴾ وقال فيهم: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا  ﴾ وقال فيهم: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ  الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ  ﴾ إلخ.

الآيات التي تحقق معناها ومعنى أمثالها في أولئك الأصحاب الذين كانوا مع الرسول  .

أما تقديم ذكر الأمر والنهي على الإيمان فالحكمة فيه أن هذه الصفة -(الأمر والنهي)- محمودة في عرف جميع الناس، مؤمنهم وكافرهم، ويعترفون لصاحبها بالفضل، ولما كان الكلام في خيرية هذه الأمة على جميع الأمم مؤمنهم وكافرهم قدم الوصف المتفق على حسنه عند المؤمنين والكافرين.

وهناك حكمة أخرى وهي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سياج الإيمان وحفاظه، فكان تقديمه في الذكر موافقًا للمعهود عند الناس في جعل سياج كل شيء مقدمًا عليه.

﴿ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ  ﴾ إنه بعد ما نهانا سبحانه عن التفرق والاختلاف كما تفرق أهل الكتاب بعد ما جاءهم البينات، وأمرنا بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكر أننا خير أمة أخرجت للناس بهذا وبالإيمان الحقيقي الذي يقترن بالإذعان النفسي والاتباع العملي، ناسب أن يذكر أن أهل الكتاب المختلفين ليسوا مؤمنين هذا الإيمان الخاص الذي يحبه الله تعالى ويرضاه، وهو الذي يكون الأمر بالمعروف ثمرة من ثماره والنهي عن المنكر أثرًا من آثاره، فعلمنا أن المراد بهذا الإيمان شيء أخص من الإيمان العرفي الذي يدعيه كل أحد له دين وكتاب، بل هو ما عرفناه آنفًا وقبل ذلك.

والكلام يشعر بأنه لا يوجد فيهم مؤمن هذا الإيمان الإذعاني الذي يصحبه الإخلاص والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أنه لا يمكن أن تعرى منه أمة لها دين سماوي، والواقع أنه كان في أهل الكتاب مؤمنون مخلصون ولذلك قال تعالى ﴿ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ  ﴾ فعلم أن الحكم الأول على الأمة إنما هو حكم على أكثر أفرادها فهم الذين فسقوا عن حقيقة الدين ولم يبق عندهم منه إلا بعض الرسوم والتقاليد الظاهرة، فالكلام استئناف بياني لا استطراد كما قيل.

ثم قال جل شأنه ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ  ﴾ ، أي أن حالهم معكم أن يكونوا أدلاء مهضومي الحقوق رغم أنوفهم إلا بحبل من الله وهو ما قررته شريعته لهم إذا دخلوا في حكمكم من المساواة في الحقوق والقضاء وتحريم إيذائهم وهضم شيء من حقوقهم وحبل من الناس وهو ما تقتضيه المشاركة من احتياجكم إليهم واحتياجهم إليكم في بعض الامور.

أي فهذا القدر المستثنى من عموم الذلة لم يأتهم من أنفسهم وإنما جاءهم من غيرهم فهم لا عزة لهم في أنفسهم لأن السلطان والملك قد فقدا منهم.

﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ  ﴾ ، إن المسكنة حالة للشخص منشؤها استصغاره لنفسه حتى لا يدعي لها حقًا، والذلة حالة تعتري الشخص من سلب غيره لحقه وهو يتمناه، فمنشؤها وسببها غيره لا نفسه كالمسكنة.

<div class="verse-tafsir"

۞ لَيْسُوا۟ سَوَآءًۭ ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌۭ قَآئِمَةٌۭ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ١١٣ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١١٤ وَمَا يَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ ١١٥

هذه الآية من العدل الإلهي في بيان حقيقة الواقع وإزالة الإبهام السابق وهي دليل على أن دين الله واحد على ألسنة جميع الأنبياء وأن كل من أخذه بإذعان، وعمل فيه بإخلاص، فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فهو من الصالحين.

وفي هذا العدل قطع لاحتجاج أهل الكتاب الذين يعرفون من أنفسهم الإيمان والإخلاص في العمل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه استمالة لهم، وتناء عن التفرقة بين الأمم والملل التي لم يكن يعترف فيها أحد الفريقين بفضيلة ولا مزية للآخر كأنه بمجرد مخالفته له في بعض الأشياء -وإن كان معذورًا- تتبدل حسناته سيئات.

وظاهر أن هذا كالذي قبله في أهل الكتاب حال على كونهم على دينهم خلافًا لمفسرنا (الجلال) وغيره الذين حملوا المدح على من أسلم منهم فإن المسلمين لا يمدحون بوصف أنهم أهل الكتاب وإنما يمدحون بعنوان المؤمنين.

ولقد اختلف المفسرون في قوله "قائمة" والراجح عندي أن معناها موجودة ثابتة على الحق، وفي ذلك تعريض بالمنحرفين عن الحق بأنهم لا يعدون من أهل الوجود وإنما حكمهم حكم العدم.

أما الذين لا خير في وجودهم ففي مثلهم قال الشاعر: خلقوا وما خلقوا لمكرمة فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا وما رزقوا سماح يد فكأنهم روقوا وما رزقوا <div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ١١٦ مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍۢ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍۢ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ١١٧

فسر الجلال كغيره (تغني) بتدفع، أي لا تدفع شيئًا من العذاب عنهم وهذا التفسير مردود وإنما هو الغناء بمعنى الكفاية و(شيئًا)مفعول مطلق، أي لا تغني عنهم نوعًا من أنواع الغناء أو لا تغني غناء ما.

وذكر الأموال لأن المغرور إنما يصده عن اتباع الحق أو النظر في دليله الاستغناء بما هو فيه من النعم وأعظمها الأموال والأولاد، فالذي يرى نفسه مستغنيًا بمثل ذلك قلما يوجه نظره إلى طلب الحق أو يصغي إلى الداعي إليه.

وفسر (الجلال) "الصر" بأنه حر أو برد..

والذي أراه أن المراد هو البرد حتمًا، أما الحر فإنه لا يهلك الحرث بمجرد إصابته.

وإن الريح المهلكة مثال للمال الذي ينفقونه في لذاتهم وجاههم ونشر سمعتهم وتأييد كلمتهم فيصدهم عن سبيل الله، وإن العقول والأخلاق الحسنة التي هي أصل جميع المنافع هي مثال الحرث أي أن المال الذي ينفقونه فيما ذكر هو الذي أفسد أخلاقهم وأهلك عقولهم بما صرفها عن النظر الصحيح ولفتها من التفكر في عواقب الأمور.

ولقد أشار المفسرون إلى جعل التشبيه في المثل مركبًا وهو أن حالهم فيما ينفقونه وإن كان في الخير كحال الريح ذات الصر المهلكة للزرع فهم لا يستفيدون من نفقتهم شيئًا.

ومن المفسرين من جعل هذا فيما ينفقونه في عداوة النبي  ومقاومة دعوته سواء كان المنفقون هم اليهود أم أهل مكة.

ومنهم من جعل ذلك فيما ينفق المنافقون رياء أو تقية وقد خاب الفريقان وخسروا بنصر الله نبيه والمؤمنين وبفضيحة المنافقين في سورة براءة.

وبعض المفسرين يخص هذا الإنفاق بما يفعله الكافر على سبيل البر وهو لا يفيده في الآخرة شيئًا إذ الإيمان شرط لقبول الأعمال ونفعها في تلك الدار.

أما وصف القوم الذين أهلكت الريح حرثهم بكونهم ظلموا أنفسهم فقد قال الزمخشري في الكشاف مبينًا نكتته ما نصه "فأهلك عقوبة لهم لأن الإهلاك عن سخط أشد وأبلغ".

وإن النكتة في ذلك هي إفادة أن أولئك لا يستفيدون شيئًا منه لأن حرث الكافرين الظالمين هو الذي يذهب على الكلية، إذ لا منفعة لهم فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، فأما حرث المسلم المؤمن فلا يذهب على الكلية لأنه وإن كان يذهب صورة إلا أنه لا يذهب معنى لما فيه من حصول أغراض لهم في الآخرة والثواب بالصبر على الذهاب.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةًۭ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًۭا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ١١٨ هَـٰٓأَنتُمْ أُو۟لَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ عَضُّوا۟ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا۟ بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌۭ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌۭ يَفْرَحُوا۟ بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ ١٢٠

إن الآيات السابقة من أول السورة كانت في الحجاج مع أهل الكتاب وكذا مع المشركين بالتبع والمناسبة، وإن هذه الآيات وما بعدها إلى آخر السورة في بيان أحوال المؤمنين ومعاملة بعضهم لبعض وإرشادهم في أمرهم.

ولبيان اتصال هذه الآيات بما قبلها لا بد من ذكر ثلاث مقدمات: أنه كان بين المؤمنين وغيرهم صلات كانت مدعاة إلى الثقة بهم والإفضاء إليهم بالسر وإطلاعهم على كل أمر، منها المحالفة والعهد، ومنها النسب والمصاهرة، ومنها الرضاعة.

أن الغِرَّة من طبع المؤمن، فإنه يبني أمره على اليسر والأمانة والصدق، ولا يبحث عن العيوب، ولذلك يظهر لغيره من العيوب وإن كان بليدًا ما لا يظهر له هو وإن كان ذكيًا.

أن المناصبين للمؤمنين من أهل الكتاب والمشركين كان همهم الأكبر إطفاء نور الدعوة وإبطال ما جاء به الإسلام، وكان همّ المؤمنين الأكبر نشر الدعوة وتأييد الحق.

فكان الهمان متباينين، والقصدان متناقضين.

فإذا كانت حالة الفريقين على ما ذكر فهي لا شك مقتضية لأن يفضي النسيب من المؤمنين إلى نسيبه من أهل الكتاب والمشركين والمحالف منهم لمحالفه من غيرهم بشيء مما في نفسه وإن كان من أسرار الملة التي هي موضوع التباين والخلاف بينهم وفي ذلك تعريض مصلحة الملة للخبال.

لذلك جعل الله تعالى للصلات بين المؤمنين وغيرهم حدًا لا يتعدونه فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ  ﴾ إلى آخر الآيات.

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا  ﴾ إن الصبر يذكر في القرآن في مقام ما يشق على النفس، وحبس الإنسان سره عن وديده وعشيره ومعامله وقريبه مما يشق عليه فإن من لذات النفوس أن تفضي بما في الضمير إلى من تسكن إليه وتأنس به، فلما نهوا عن اتخاذ بطانة ممن دونهم من خلطائهم وعشرائهم وحلفائهم، وعلل بما علل به من بيان بغضائهم وكيدهم، حسن أن يذكروا بالصبر على هذا التكليف الشاق عليهم وباتقاء مت يجب اتقاؤه لأجل السلامة من عاقبة كيدهم.

ويصح أن يراد بالتقوى الأخذ بوصاياه، وامتثال أمره تعالى في البطانة وغيرها.

ثم قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ  ﴾ المحيط بالعمل هو الواقف على دقائقه، فهو إذا دل على طريق النجاة لعامل من كيد الكائدين والوسيلة للخلاص من ضررهم فإنما يدل على الطريق الموصل للنجاة حتمًا، والوسيلة المؤدية إلى النجاح قطعًا، فالكلام كالتعليل لكون الاستعانة بالصبر والتمسك بالتقوى شرطين للنجاح.

وهناك وجه آخر وهو أن الخطاب بيعملون عام للمؤمنين والكافرين جميعًا -يعني على قراءة الحسن وأبي حاتم "تعملون" بالمثناة الفوقية أو على الالتفات- ومن كان عالمًا بعمل فريقين متحادين محيطًا بأسباب ما يصدر عن كل منهما ومقدماته، ونتائجه وغاياته، فهو الذي يعتمد على إرشاده في معاملة أحدهما للآخر، ولا يمكن أن يعرف أحدهما من نفسه في حاضرها وآتيها ما يعرفه ذلك المحيط بعمله وعمل من يناهضه ويناصبه، فهداية الله تعالى للمؤمنين خير ما يبلغون به المآرب، وينتهون به إلى أحسن العواقب.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَـٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١ إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ١٢٢ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍۢ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌۭ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٢٣ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ١٢٤ بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ ۗ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ١٢٦ لِيَقْطَعَ طَرَفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا۟ خَآئِبِينَ ١٢٧ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ ١٢٨ وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٢٩

إن هذه الآيات وعشرات بعدها نزلت في شأن غزوة أحد، ويتوقف فهمها على الوقوف على قصة تلك الغزوة ولو إجمالًا فوجب لذلك أن نأتي قبل تفسيرها بما يعين على فهمها ويبين له مواقع تلك الأخبار وما فيها من الحكم والأحكام فنقول: لما خذل الله المشركين في غزوة بدر ورجع فلهم إلى مكة مقهورين موتورين نذر أبو سفيان بن حرب أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدًا  فخرج في مائة رجل من قريش حتى أتى بني النضير ليلًا، وبات ليلة واحدة عند سلام بن مشكم اليهودي سيد بني النضير وصاحب كنزهم فسقاه الخمر وبطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقبة ليلته وأرسل أصحابه إلى ناحية من المدينة يقال لها العريض فقطعوا وحرقوا صورًا من النخل ورأوا رجلًا من الأنصار وحليفًا له فقتلوهما ونذر به رسول الله  ، فخرج في طلبهم فلم يدركهم لأنهم فروا وألقوا سويقًا كثيرًا من أزوادهم يتخففون به فسميت غزوة السويق وكانت بعد بدر بشهرين، وإنما ذكرناها قبل ذكر أحد ليعلم القارئ أن العدوان من المشركين على المسلمين كان متصلًا متلاحقًا.

ولما رجع أبو سفيان إلى مكة أخذ يؤلب على رسول الله  والمسلمين وكان بعد قتل صناديد قريش في بدر هو السيد الرئيس فيهم، لذلك كلمه في أمر المسلمين الموتورون من عظماء قريش كعبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية ليبذل مال العير التي كان جاء بها من الشام في أخذ الثأر فرضي هو وأصحاب العير بذلك، وكان مال العير كما في السيرة الحلبية خمسين ألف دينار ربحت مثلها فبذلوا الربح في هذه الحرب فاجتمعت قريش للحرب حين فعل ذلك أبو سفيان بن حرب وخرجت بحدها وجدها وأحابيشها، ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة فكانوا نحو ثلاثة آلاف وأخذوا معهم نساءهم التماس الحفيظة وأن لا يفروا فإن الفرار بالنساء عسر والفرار دونهن عار، وكان مع أبي سفيان وهو القائد زوجه هند ابنة عتبة فكانت تحرض الغلام وحشيًا الحبشي الذي أرسله مولاه جبير بن مطعم ليقتل حمزة عم النبي  بعمه طعمة بن عدي الذي قتل ببدر وقد علق عتقه على قتله وكان هذا الحبشي ماهرًا في الرمي بالحربة على بعد قلما يخطئ فكانت هند كلما رأته في الجيش تقول له" ويها أبا دسمة اشف واشتف"، تخاطبه بالتكنية تكريمًا له، وذكر الحلبي أنهم ساروا أيضًا بالقيان والدفوف والمعازف والخمور.

نزل أبو سفيان بجيشه قريبًا من أحد في مكان يقال له "عينين" على شفير الوادي مقابل المدينة وكان ذلك في شوال من السنة الثالثة فلما علم رسول الله  بذلك استشار أصحابه كعادته أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة وكان رأيه هو أن يتحصنوا بالمدينة فإن دخلها العدو عليهم قاتلوه على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت ووافقه على هذا الرأي أكابر المهاجرين والأنصار كما في السيرة الحلبية وعبد الله بن أُبي، وكان هو الرأي، وأشار عليه جماعة من الصحابة أكثرهم من الأحداث وممن كان فاتهم الخروج يوم بدر بأن يخرج إليهم رغبتهم في القتال فما زالوا يلحون على رسول الله  حتى دخل فلبس لأمته بعد صلاة الجمعة وكان قد أوصاهم في خطبتها ووعدهم بأن لهم النصر ما صبروا، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله  ولم يكن لنا ذلك وقالوا له قد استكرهناك ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد فقال: "ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه"، أي لما في فسخ العزيمة بعد إحكامها وتوثيقها من الضعف ومبادئ الفشل وسوء الأسوة.

وفي سحر يوم السبت خرج بألف من أصحابه واستعمل بالمدينة عبد الله بن أم مكتوم الأعمى على الصلاة بمن بقي فيها.

فلما كانوا بالشوط بين المدينة وأحد انعزل عنه عبد الله بن أُبي بن سلول بنحو ثلث العسكر (وهم ٣٠٠) وقال: أطاعهم وعصاني -وفي رواية أطاع الولدان زمن لا رأي له- فما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس.

فرجع بمن اتبعه من قومه أهل النفاق والريب فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا.

قالوا لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع ولكن نرى أنه لا يكون قتال.

وقد كان المسلمون نحو ثلث المشركين الذين خرجوا إليهم فأمسوا وقد ذهب من الثلث نحو ثلثه.

وهمت بنو سلمة من الأوس وبنو حارثة من الخزرج أن تفشلا فعصمهما الله تعالى.

وقد كان خروج المنافقين منهم خيرًا لهم كما قال تعالى في مثل ذلك يوم تبوك ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا  ﴾ الآية وإنما ارتأى عبد الله بن أُبي عدم الخروج ليكتفي أمر القتال أو خطره حرصًا على الحياة وإيثارًا لها على إعلاء كلمة الله فكان على موافقته للرسول في الرأي مخالفًا له في سببه وعلته، فالرسول  كان يراعي في جميع حروبه التي كانت كلها دفاعًا قاعدة ارتكاب أخف الضررين وأبعد الأمرين عن العدوان رحمة بالناس وإيثارًا للسلام.

وتعزز رأيه المبني على هذه السنة برؤيا رآها قبل ذلك وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.

رأى أن في سيفه ثلمة ورأى أن بقرًا تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته فكان ذلك الرجل حمزة عمه  -وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون وتأول الدرع بالمدينة.

ولكنه على هذا كله عمل برأي الجمهور من أصحابه.

إقامة لقاعدة الشورى التي أمره الله بها وهو لم يخالف بذلك قاعدة ارتكاب أخف الضررين بل جرى عليها لأن مخالفة رأي الجمهور ولو إلى خير الأمرين هضم لحق الجماعة وإخلال بأمر الشورى التي هي أساس الخير كله.

وإنما يكون المكث في المدينة خيرًا من الخروج إلى العدو في أحد لو لم يكن مخلًا بقاعدة الشورى كما هو ظاهر، فكيف ترك المسلمون هذا الهدى النبوي الأعلى ورضوا بأن يكون ملوكهم وأمراؤهم مستبدين بالأحكام والمصالح العامة يديرون دولابها بأهوائهم التي لا تتفق مع الدين ولا مع العقل؟؟

وسأل قوم من الأنصار النبي  أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود فأبى وكان في الحقيقة ضلع اليهود مع المشركين، ولم يكونوا في عهودهم بموفين.

ومضى النبي بأصحابه حتى مر بهم في حرة بني حارثة وقال لهم "من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (قرب) لا يمر بنا عليهم؟" قال أبو خثيمة أخو بني حارثة ابن الحارث: أنا يا رسول الله.

فنفذ به في حرة قومه بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بن قيظي وكان رجلًا منافقًا ضرير البصر.

فلما سمع حس رسول الله  وأصحابه قام يحثو في وجوههم التراب ويقول إن كنت رسول الله فلا أحل لك أن تدخل حائطي.

قال ابن هشام: وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: والله لو أني أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك.

فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله  : "لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر".

وفي هذه المسألة من علم النبي بفن الحرب الإرشاد إلى اختيار أقرب الطرق إلى العدو وأخفاها عنه وذلك يتوقف على العلم بخرت الأرض الذي يعرف اليوم بعلم الجغرافية وإباحة المرور في ملك الناس عند الحاجة إلى ذلك لتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

وفيها من رحمته  أنه لم يأذن بقتل ذلك المنافق المجاهر بعدائه بل رحمه وعذره ولم تكن المصلحة العامة تتوقف على قتله.

ولم تكن العرب قبل الإسلام تراعي هذه الدقة في حفظ الدماء بل قلما تراعيه أمة من الأمم في زمن الحرب.

ومضى رسول الله  حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: "لا يقاتلن أحد حتى نأمر بالقتال" وفي ذلك من إحكام الحرب أن الرئيس هو الذي يفتحها وما كانت العرب تراعي ذلك دائمًا لا سيما إذا حدث ما يثير حميتهم وقد امتثلوا الأمر على استشراف ولذلك قال بعض الأنصار وقد رأى قريشًا قد سرحت الظهر والكراع في زروع للمسلمين: أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب؟

وفيه من الفوائد ما لا محل لشرحه هنا.

فلما أصبح يوم السبت تعبى للقتال وهو في سبعمائة فيهم خمسون فارسًا وظاهر بين درعين - أي لبس درعًا فوق درع - واستعمل على الرماة وكانوا خمسين عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض وقال: "انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك" ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بني عبد الدار وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بين العوام وعلى الأخرى المنذر بن عمرو.

ثم استعرض  الشبان يومئذ فرد من استصغره عن القتال وهم ١٧ وأجاز أفرادًا من أبناء الخامسة عشرة قيل لسنهم وقيل لبنيتهم وطاقتهم ولعله الصواب فإنه كان قد رد سمرة بن جندب ورافع بن خديج ولهما خمس عشرة سنة فقيل له يا رسول الله إن رافعًا رام فأجازه فقيل له فإن سمرة يصرع رافعًا.

فأجازه وروي أنهما تصارعا أمامه.

ورد عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعمرو بن حزم وأسيد بن ظهير والبراء بن عازب ثم أجازهم يوم الخندق وهم أبناء خمس عشرة إذ كانوا يطيقون القتال في هذه السن كما هو الغالب في العرب يومئذ.

وتعبت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل معهم مئتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل وابتدأت الحرب بالمبارزة.

ولما اشتبك القتال والتقى الناس بعضهم ببعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن خلف الرجال ويحرضهن، فقالت هند فيما يقول: ويهًا بني عبد الدار * ويهًا حماة الأدبار * ضربًا بكل بتار * إن تقبلوا نعانق * ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق.

وروي أن النبي  كان يقول عند سماع نشيد النساء: "اللهم بك أحول وبك أصول وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل".

وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر عبد بن عمرو بن صيفي وكان رأس الأوس في الجاهلية فلما جاء الإسلام شرق به وجاهر رسول الله  بالعداوة، وخرج من المدينة إلى مكة يؤلب قريشًا على قتاله ويزعم أن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه، وكان يسمى الراهب فسماه النبي  بالفاسق.

ولما برز نادى قومه وتعرف إليهم فقالوا له: لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق.

فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر.

وقاتل قتالًا شديدًا.

وقد كان الظفر للمسلمين في المبارزة ثم في الملاحمة وأبلى يومئذ أبو دجانة الأنصاري الذي أعطاه النبي  سيفه وحمزة أسد الله وأسد رسوله وعلي بن أبي طالب والنضر بن أنس وسعد بن الربيع وغيرهم بلاء عظيمًا حتى انهزم المشركون وولوا مدبرين.

وروي أن حمزة قتل ٣١ مشركًا.

لما انهزم المشركون وولوا إلى نسائهم مدبرين ورأى الرماة من المسلمين هزيمتهم ترك الرماة مركزهم الذي أمرهم رسول الله  بحفظه وأن لا يدعوه سواء كان الظفر للمسلمين أو عليهم "وإن رأوا الطير تتخطف العسكر" لئلا يكر عليهم المشركون ويأتوهم من ورائهم وهو ما يعبر عنه في الاصطلاح العسكري بخط الرجعة.

وقالوا: يا قوم الغنيمة الغنيمة.

فذكرهم أميرهم عهد رسول الله  فلم يرجعوا وظنوا أن ليس للمشركين رجعة فذهبوا في طلب الغنيمة وأخلوا الثغر.

فلما رأى الفرسان المشركين الثغر خاليًا قد خلا من الرماة كروا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين وأبلوا فيهم حتى خلصوا إلى رسول الله  فجرحوا وجهه الشريف وكسروا رباعيته اليمنى من ثناياه السفلى وهشموا البيضة التي على رأسه ودثوه بالحجارة حتى وقع لشقه وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين فأخد علي بيده واحتضنه طلحة بن عبيد الله.

وكان الذي تولى أذاه عمر بن قمئة وعتبة ابن وقاص.

وقتل مصعب بن عمير بين يديه فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب، ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه فانتزعهما أبو عبيدة ابن الجراح عض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته، وطمع فيه المشركون فأدركوه يريدون منه ما الله عاصم إياه منهم بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ  ﴾ وحال دونه نفر من المسلمين نحو عشرة حتى قتلوا، ثم جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه، وترس عليه أبو دجانة بنفسه فكان يقع النبل على ظهره وهو لا يتحرك حتى كثر فيه، ودافع عنه أيضًا بعض النساء اللواتي شهدن القتال.

وقد انتهت الحرب بصرف الله المشركين عما كانوا يريدون من استئصال المسلمين فإن المسلمين كانوا أولًا هم الغالبين بحسن تدبير الرسول  والصبر والثبات وتمحض القصد إلى الدفاع عن دين الله وأهله فلما أخرجهم الظفر عن التزام طاعة رسولهم وقائدهم ودب إلى قلوب فريق منهم الطمع في الغنيمة فشلوا وتنازعوا في الأمر كما سيأتي في تفسير قوله ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ  ﴾ وزادهم فشلًا إشاعة قتل الرسول  حتى فر كثيرون إلى المدينة منهم عثمان بن عفان والوليد بن عقبة وخارجة بن زيد ولكنهم استحيوا من دخولها فرجعوا بعد ثلاث.

واختلط الأمر على كثير ممن ثبت ولما جاءهم خالد بالفرسان من ورائهم صار يضرب بعضهم بعضًا على غير هدى فمنهم الذين استبسلوا وأرادوا أن يموتوا على ما مات عليه رسول الله  ومنهم الذين كانوا معه  يفدونه بأنفسهم ويتلقون السهام والسيوف دونه حتى كان يعز عليهم أن يروه ناظرًا إلى جهة المشركين لئلا يصيبه سهم فكان أبو طلحة الذي تقدم ذكر نضاله عنه يقول له: يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تنظر يصبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك، ولما علم سائر المسلمين ببقاء رسول الله  نفخت فيهم روح جديدة من القوة فاجتمع أمرهم حتى يئس المشركون منهم وصرفهم الله عنهم كما صرح به القرآن العزيز فيما يأتي.

فهذا ما كان من حرب الثلاثة آلاف من المشركين للسبعمائة من المسلمين.

ولما انكفأ المشركون راجعين ظن المسلمون أنهم يريدون المدينة فقال النبي  لعلي: "أخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة وإن كانوا ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدنية، فوالذي نفس محمد بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم ثم لأنجزنهم فيها" فرآهم علي قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا مكة.

ولما عزموا على الرجوع أشرف أبو سفيان على المسلمين وناداهم: موعدكم الموسم ببدر.

فقال النبي  : "قولوا نعم قد فعلنا".

ولما كان المشركون في الطريق تلاوموا فيما بينهم وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا، أصبتم شوكتهم وحدهم وتركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم.

فبلغ ذلك النبي  فنادى الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم وقال: "لا يخرج معنا إلا من شهد القتال" فاستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد والخوف وقالوا: "سمعًا وطاعة" وذلك من خوارق قوة الإيمان وآياته الكبرى فإن هؤلاء المستجيبين كان قد برح بهم التعب والجراح تبريحًا.

فسار بهم حتى بلغوا "حمراء الأسد".

وأقبل معبد الخزاعي إلى رسول الله  فأسلم فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيخذله فلحقه بالروحاء، فقال ما وراءك يا معبد؟

فقال: محمد وأصحابه قد تحرقوا عليكم وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم.

فقال: ما تقول؟

قال: ما أرى أن ترتحل حتى يطلع أول جيش من وراء هذه الأكمة.

فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم.

قال: فلا تفعل فإني لك ناصح.

فرجعوا على أعقابهم إلى مكة.

ولقي أبو سفيان بعض المشركين يريد المدينة فقال: هل لك أن تبلغ محمدًا رسالة وأوقر لك راحلتك زبيبًا إذا أتيت إلى مكة؟

قال: نعم.

قال: أبلغ محمدًا أنا قد أجمعنا الكرة لنستأصله ونستأصل أصحابه.

فلما بلغ النبي والمؤمنين قوله قولوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل".

ولما رجعوا قال المنافقون فيمن قتل لو كانوا أطاعونا ولم يخرجوا لما قتلوا.

وجه اتصال الآيات بما قبلها هو أنه تعالى نهاهم في تلك عن اتخاذ بطانة من الأعداء المعروفين بالعداوة لهم وأعلمهم ببغضهم إياهم وإن خادعهم أفراد منهم بدعوى الإيمان وأنهم إن يصبروا ويتقوا ما يجب اتقاؤه لا يضرهم كيدهم شيئًا.

وبعد هذا البيان ذكرهم في هذه الآيات بوقعة أحد وما كان فيها من كيد المنافقين إذ قالوا أولًا وآخرًا وإذ خرجوا ثم انشقوا ورجعوا ليخذلوا المؤمنين ويوقعوا الفشل فيهم، ومن كيد المشركين وتألبهم الذي لم يكن له من دافع إلا الصبر حتى عن الغنيمة التي طمع فيها الرماة فتركوا موقعهم، وإلا التقوى ومنها بل أهمها طاعة الرسول  فيما أمر به هؤلاء الرماة، وذكرهم أيضًا بوقعة بدر إذ نصرهم على قلتهم بصبرهم وتقواهم.

قال تعالى ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾ أي واذكر بعد هذا يا محمد إذ خرجت من بيت أهلك غدوة وذلك سحر يوم السبت سابع شوال من سنة ثلاث للهجرة ﴿ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ  ﴾ أي توطنهم وتنزلهم أماكن ومواضع في الشعب من "أُحد" لأجل القتال فيها، فمنها موضع للرماة وموضع للفرسان وموضع لسائر المؤمنين، فالمقاعد جمع مقعد وهو في الأصل مكان القعود كالمجلس لمكان الجلوس والمقام لمكان القيام، ثم استعملت هذه الألفاظ كلها بمعنى المكان توسعًا.

وقيل تبوئة المقاعد تسويتها وتهيئتها ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ لم يخف عنه شيء مما قيل في مشاورتك لمن معك في أمر الخروج إلى لقاء المشركين في "أُحد" أو انتظارهم في المدينة، فهو قد سمع أقوال المشركين وعلم نية كل قائل وأن منهم المخلص في قوله وإن أخطأ في رأيه كالقائلين بالخروج إليهم ومنهم غير المخلص في قوله وإن كان صوابًا كعبد الله بن أُبي ومن معه من المنافقين.

ويصح أن يكون الوصفان الكريمان متعلقًا للظرف في الآية التالية كما نبينه في تفسيرها.

وذهب ابن جرير إلى أن الخطاب في هذه الآية للنبي والمراد به أصحابه يضرب لهم مثلًا أو مثلين على صدق وعده في الآية السابقة ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا  ﴾ بتذكيرهم بما كان يوم "أُحد" من وقوع المصيبة بهم عند ترك الرماة الصبر والتقوى - وذنب الجماعة أو الأمة لا يكون عقابه قاصرًا على من اقترفه بل يكون عامًا- وبما كان يوم بدر إذ نصرهم على قلتهم وذلتهم.

وهذا الرأي يتفق مع ما ذكرناه في وجه الاتصال بين الآيات.

﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا  ﴾ قال ابن جرير يعني بذلك جل ثناؤه والله سميع عليم حين همت طائفتان منكم أن تفشلا.

والهم حديث النفس وتوجهها إلى الشيء والفشل ضعف مع جبن.

وقيل إن هذا بدل من قوله ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ  ﴾ وقيل متعلق بتبوئ.

أي كان  يتخذ المعسكر للمؤمنين وينزل كل طائفة منهم منزلًا في وقت همت فيه طائفتان منهم بالفشل افتتانًا بكيد المنافقين الذين رجعوا من المعسكر.

والطائفتان هما بنو سلمة وبنو حارثة من الأنصار، ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا  ﴾ أي متولي أمورهما لصدق إيمانهما لذلك صرف الفشل عنهما وثبتهما فلم يجيبا داعي الضعف الذي ألمّ بهما عند رجوع ثلث العسكر بل تذكرا ولاية الله للمؤمنين فوثقا به وتوكلا عليه ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ  ﴾ أمثالهم لا على حولهم وقوتهم ولا على أعوانهم وأنصارهم وإنما يبذلون حولهم وقوتهم.

ويأخذون أهبتهم وعدتهم، إقامة لسنن الله تعالى في خلقه إذ جعل الأسباب مفضية إلى المسببات وهو الفاعل المسخر للسبب والمسبب والموفق بينهما فينصر الفئة القليلة على الكثيرة إن شاء كما نصر المؤمنين يوم بدر ولذلك قال: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ  ﴾ وهو ماء أو بئر بين مكة والمدينة كان لرجل اسمه بدر فسمي باسمه ثم أطلق اللفظ على المكان الذي هو فيه.

وقد كانت فيه أول غزوة قاتل فيها النبي المشركين في ١٧ رمضان من السنة الثالثة للهجرة فنصره الله عليهم نصرًا مؤزرًا ﴿ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ  ﴾ أي نصركم في حال ذلة كنتم فيها على قتلكم -كما يفيده لفظ أذلة، إذ هو جمع قلة- وقد كانوا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلًا.

والمراد بكونهم أذلة أنهم لا منعة لهم إذ كانوا قليلي العدة من السلاح والظهر والزاد.

ولا غضاضة في الذل إلا إذا كان عن قهر من البغاة والظالمين، ولم يكن المؤمنون بمقهورين ومستذلين من الكافرين وإنما كانت قوتهم في أوائل تكونها ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ فإن التقوى هي التي تعدكم لقيام مقام الشكر على النعم التي يسديكم إياها فمن لم يَرُضْ نفسه بالتقوى غلب عليه اتباع الهوى فلا يرجى له أن يكون شاكرًا يصرف النعمة التي وهبت لأجله من الحكم والمنافع.

﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ قيل إن هذا متعلق بقوله ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ  ﴾ وقيل إنه خاص بوقعة أحد التي ورد فيها هذا السياق كقوله ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا  ﴾ متعلق بتبوئ أو بسميع أو بدل من إذ الأولى.

والتقدير تبوئهم مقاعد للقتال في الوقت الذي هَمَّ فيه بعضهم بالفشل مع أن الله نصركم ببدر على قلة وذلة -وفي الوقت الذي كنت تقول فيه للمؤمنين ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ  ﴾ وهذا هو المختار.

والتقدير على الأول أن الله نصركم ببدر في ذلك الوقت الذي كنت تقول فيه لهم ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ  ﴾ إلخ أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين.

فشق ذلك عليهم فأنزل الله ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ  ﴾ إلخ فبلغت كرزًا الهزيمة فلم يمد المشركين.

ورواه ابن جرير عن الشعبي وعن غيره وذكر الخلاف في حصول هذا الإمداد بالفعل وأن بعضهم يقول أنه لم يحصل وبعضهم قال إنه حصل يوم بدر ونقل عن بعضهم أن الوعد بالإمداد وإن لم يحصل ببدر عام في كل الحروب وأنهم أُمدوا في حرب قريظة والنضير والأحزاب ولم يمدوا يوم أحد لأنهم لم يصبروا ولم يتقوا.

وروي عن الضحاك أن هذا كان وعدًا من الله يوم أحد عرضه على نبيه محمد  أن المؤمنين إن اتقوا وصبروا أمدهم بخمسة آلاف.

وروي نحوه عن ابن زيد قال "قالوا لرسول الله  وهم ينظرون المشركين أليس الله يمدنا كما أمدنا يوم بدر؟

فقال رسول الله  ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين وإنما أمدكم يوم بدر بألف.

قال فجاءت الزيادة ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ  ﴾ الفور في الأصل فوران القِدْر ونحوها ثم استعير الفور للسرعة ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج من صاحبها على شيء، فمعنى يأتوكم من فورهم من ساعتهم هذه بدون إبطاء ومسومين من التسويم قرأها ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بكسر الواو المشددة والباقون بفتحها.

وقد ورد سومه الأمر بمعنى كلفه إياه وسوم فلانًا خلاه وسومه في ماله حكمه وصرفه وسوم الخيل أرسلها، وكل هذه المعاني ظاهرة على قراءة فتح الواو من "مسومين" فيصح أن يكون المعنى أن هؤلاء الملائكة يكونون مكلفين من الله تثبيت قلوب المؤمنين، أو محكمين ومصرفين فيما يفعلونه في النفوس من إلهام النصر بتثبيت القلوب والربط عليها، أو مرسلين من عنده تعالى.

وأما قراءة كسر الواو "مسومين" فهي من قولهم سوم على القوم إذا أغار عليهم ففتك بهم ولو بالإعانة المعنوية على ذلك.

وقال بعض المفسرين إنه من التسويم بمعنى إظهار سيما الشيء أي علامته أي معلمين أنفسهم أو خيلهم وهو كما ترى لولا الرواية لم يخطر على بال أحد منهم ويمكن أن يقال مسومين للمؤمنين بما يظهر عليهم من سيما تثبيتهم إياهم.

قال ابن جرير بعد ذكر الخلاف في هذا الإمداد ما نصه: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال إن الله أخبر عن نبيه محمد  أنه قال للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا، ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف ولا على أنهم لم يمدوا بهم، وقد يجوز أن يكون الله أمدهم على نحو ما رواه الذين اثبتوا أن الله أمدّهم، وقد يجوز أن يكون الله لم يمدهم على النحو الذي ذكره من أنكر ذلك.

ولا خبر عندنا صح من الوجه الذي يثبت أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف، وغير جائز أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به ولا خبر به فنسلم لأحد الفريقين قوله.

غير أن في القرآن دلالة على أنهم قد أُمدوا يوم بدر بألف من الملائكة وذلك قوله: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ  ﴾ أما في أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها في أنهم أُمدوا وذلك أنهم لو أُمدوا لم يهزموا وينل منهم ما نيل منهم".

﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزٌ الحَكِيمٌ  ﴾ قال ابن جرير: يعني تعالى ذكره وما جعل الله وعده إياكم ما وعدكم به من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددهم إلا بشرى لكم يبشركم بها ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ  ﴾ يقول وكي تطمئن بوعده الذي وعدكم من ذلك قلوبكم فتسكن إليه ولا تجزع من كثرة عدد عدوكم وقلة عددكم ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ  ﴾ يعني وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلا بعون الله لا من قبل المدد الذي يأتيكم من الملائكة.

وذكر بعض أهل السير أن الملائكة قاتلت يوم أحد، وهو ما نفاه ابن جرير وقد ذكرنا عبارته، بل روي عن ابن عباس أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر وفيما عداه كانوا عددًا ومددًا لا يقاتلون.

وأنكر أبو بكر الأصم قتال الملائكة وقال إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار وبتقدير حضوره أي فائدة في إرسال سائر الملائكة، وأيضًا فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم، وأيضًا لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أو لا، وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك ولأنه خلاف قوله: ﴿ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ  ﴾ ولو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل البتة، وعلى الثاني كان يلزم جز الرؤوس وتمزق البطون وإسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم والمرافق والمخالف.

وأيضًا إنهم كانوا أجسامًا كثيفة وجب أن يراهم الكل وإن كانوا أجسامًا لطيفة هوائية فكيف ثبتوا على الخيول.

ذكر ذلك الرازي والنيسابوري فالرازي أورد هذا عن الأصم وذكر حججه مفصلة كعادته بقوله الحجة الأولى- الحجة الثانية إلخ ولخصه النيسابوري عنه بما ذكرناه.

واعترض الرازي عليه بأن مثل هذا إنما يصدر من غير المؤمنين وكان يجب أن يرد عليه بما يدفع هذه الحجج أو يبين لها مخرجًا.

ليس في القرآن الكريم نص ناطق بأن الملائكة قاتلت بالفعل فيحتج به الرازي على أبي بكر الأصم وإنما جاء ذكر الملائكة في سياق الكلام عن غزوة بدر في سورة الأنفال على أنها وعد من الله تعالى بإمداد المؤمنين بألف من الملائكة، وفسر هذا الإمداد بقوله  : ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ  ﴾ قال ابن جرير في معنى التثبيت "يقول قووا بقتال أعدائهم" فأنت ترى أنه جزم بأن عمل الملائكة في ذلك اليوم إنما كان موضوعه القلوب بتقوية عزيمتها، وتصحيح نيتها، وذكر قول من قال إن ذلك كان بمعونتهم في القتال بصيغة تدل على ضعفه "قيل" وجعل قوله تعالى: ﴿ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ  ﴾ إلخ من تتمة خطاب الله للمؤمنين وهو الظاهر.

وبعض المفسرين يجعله بيانًا لما تثبت به الملائكة النفوس أي أنها تلقي فيها اعتقاد القاء الله الرعب في قلوب المشركين إلخ.

وبهذا يندفع ما قاله الرازي على الأصم ولا يبقى محل لحججه فإنه لا ينكر أن الملائكة أرواح يمكن أن يكون لها اتصال ما بأرواح بعض البشر وتأثير فيها بالإلهام أو تقوية العزائم.

ويؤيده قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى  ﴾ كما قال مثل ذلك في هذه السورة.

هذا ما كان يوم بدر وسيأتي بسطه في تفسير سورة الأنفال إن أحيانا الله تعالى.

وأما يوم أحد فالمحققون على أنه لم يحصل إمداد بالملائكة ولا وعد من الله بذلك وإنما أخبر الله عن رسوله  أنه ذكر ذلك لأصحابه وجعل الوعد به معلقًا على ثلاثة أمور: الصبر، والتقوى، وإتيان الأعداء من فورهم.

ولم تتحقق هذه الشروط فلم يحصل الإمداد كما تقدم.

ولكن القول أفاد البشارة والطمأنينة.

وبقي أن يقال ما الحكمة وما السبب في إمداد الله المؤمنين يوم بدر بملائكة يثبتون قلوبهم، وحرمانهم من ذلك يوم أحد حتى أصاب العدو منهم ما أصاب؟

والجواب عن ذلك يعلم من اختلاف حال المؤمنين في ذينك اليومين فنذكره هنا مجملًا مع بيان فلسفته الروحانية وندع التفصيل فيه إلى تفسير الآيات هنا وفي سورة الأنفال فإن ما هنا تفصيل لما في وقعة أحد من الحكم وما في سورة الأنفال تفصيل لما كان في وقعة بدر من ذلك.

كان المؤمنون يوم بدر في قلة وذلة من الضعف والحاجة فلم يكن لهم اعتماد إلا على الله تعالى وما وهبهم من قوة في أبدانهم ونفوسهم وما أمرهم به من الثبات والذكر إذ قال: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ فبذلوا كل قواهم وامتثلوا أمر ربهم ولم يكن في نفوسهم استشراف إلى شيء ما غير نصر الله وإقامة دينه والذود عن نبيه لا في أول القتال ولا في أثنائه فكانت أرواحهم بهذا الإيمان وهذا الصفاء قد علت وارتقت حتى استعدت لقبول الإلهام من أرواح الملائكة والتقوى بنوع ما من الاتصال بها.

وأما يوم أحد فقد كان بعضهم في أول الأمر على مقربة من الافتتان بما كان من المنافقين، ولذلك همت طائفتان منهم أن تفشلا، ثم إنهم لما تثبتوا وباشروا القتال انتصروا وهزموا المشركين الذين هم أكثر من ثلاثة أمثالهم، فكان بعد ذلك أن خرج بعضهم عن التقوى وخالفوا أمر الرسول  وطمعوا في الغنيمة وفشلوا وتنازعوا في الأمر فضعف استعداد أرواحهم فلم ترتق إلى أهلية الاستمداد من أرواح الملائكة فلم يكن لهم منهم مدد لأن الإمداد، لا يكون إلا على حسب الاستعداد.

هذا هو السبب لما حصل بحسب ما يظهر لنا وأما حكمته فهي تمحيص المؤمنين كمل سيأتي في قوله ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ  ﴾ إلخ وتربيتهم بالفعل على إقامة سنن الله تعالى في الأسباب والمسببات كما سيأتي في قوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ وبيان أن هذه السنن حاكمة حتى على الرسول  ، وأن قتل الرسول  ، أو موته لا ينبغي أن يكون مثبطًا للهمم ولا داعية إلى الانقلاب على الأعقاب وأنه ليس له من أمر العباد شيء وأن كل ما يصيبهم من المصائب فهو نتيجة عملهم إذ هو عقوبة طبيعية لهم وغير ذلك مما بينه الله تعالى في قوله: ﴿ أو لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ  ﴾ إلخ وقوله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ  ﴾ إلخ وغيرهما فلا نتعجله قبل الكلام في تفسير الآيات الناطقة به وما هي ببعيد.

ومن نكت البلاغة المؤيدة لما ذكرنا من اختلاف الحالين في الوقعتين أنه تعالى قال هنا: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ  ﴾ وقال في سورة الأنفال: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ  ﴾ والفرق بينهما أن المؤمنين لم يكن لهم يوم بدر ما تطمئن به قلوبهم غير وعد الله وبشارته لهم على لسان رسوله  ، ولذلك كان من دعائه يومئذ: "اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعْبَد في الأرض أبدًا"، وقال عمر راوي هذا الحديث: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال يا نبي الله كفاك مناشدتك لربك فإنه سينجر لك ما وعدك.

وأنزل الله يومئذ ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ  ﴾ .

فكان بهذا الوعد اطمئنان قلوبهم لا بسواه، فلذلك قدم "به" على "قلوبكم" وأما في يوم أحد فلم تكن الحال كذلك، كما علم مما تقدم آنفًا، فلم تَعْدُ البشارة أن تكون مما يطمئن به القلب فقال: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ  ﴾ من غير قصر ثم قال تعالى: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ  ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا متعلق بقوله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ  ﴾ وبعض آخر إلى أنه من الكلام في وقعة أحد المقصودة بالذات فإن ذكر النصر ببدر إنما جاء استطرادًا، ولذلك أنكروا أن يكون ذكر الملائكة الثلاثة الآلاف والخمسة الآلاف متعلقًا به.

وهذا هو المختار عندنا.

أي أنه فعل ما فعل ليقطع طرفًا، أو ما النصر إلا من عنده ليقطع طرفًا.

ومعنى قطع الطرف منهم إهلاك طائفة منهم، يقال: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ  ﴾ إذا هلكوا، وقد نطق به التنزيل.

وعبر عن الطائفة بالطرف لأنهم الأقرب إلى المسلمين من الوسط أو أراد بهم الأشراف منهم، كذا قيل، والمتبادر الأول لا لأنه من باب ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ  ﴾ كما قيل، بل لأن الطرف هو أول ما يوصل إليه من الجيش.

وقد أهلك الله من المشركين يوم أحد طائفة في أول الحرب.

روى ابن جرير عن السدي أنه قال: ذكر الله قتلى المشركين يعني بأحد وكانوا ثمانية عشر رجلًا فقال: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ إلخ.

ونقول: قد ذكر غير واحد من أهل السير أن قتلى المشركين يوم أحد كانوا ثمانية عشر رجلًا ورد عليهم آخرون بأن حمزة وحده قتل نحو ثلاثين.

وصرح بعضهم بأن سبب غلط من قال ذلك القول هو ما روي أن بعض المسلمين أراد عد قتلى المشركين بعد ثمانية عشر.

وصرح بعضهم بأن سبب ذلك أن المشركين أخذوا قتلاهم أو دفنوهم لئلا يمثل بهم المسلمون بعد المعركة كما مثلوا هم بالمسلمين عندما أصابوا الغرة منهم وهذا هو المعقول.

وأما قوله: ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ  ﴾ فقد فسروه بأقوال منها أن معناه يخزيهم ومنها أن معناه يصرعهم لوجوههم، وفي الأساس: كبت الله عدوه أكبه وأهلكه.

ولكن صاحب الأساس فسر الكلمة في الكشاف بقوله: "ليخزيهم ويغيظهم بالهزيمة" وقال الراغب: الكبت الرد بعنف وتذليل.

وقال البيضاوي "أو يخزيهم والكبت شدة الغيظ أو وهن يقع في القلب" وكل هذه المعاني وردت في كتب اللغة وصرح البيضاوي بأن "أو" هنا للتنويع لا للترديد، والمعنى أنه يقطع طرفًا وطائفة ويكبت طائفة أخرى أي ويتوب على طائفة ويعذب طائفة كما في الآية الآتية: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ  ﴾ جملة "ليس لك من الأمر شيء" معترضة بين هذا التقسيم وما بعدها معطوف على ما قبلها.

ولما كانت هذه الآية مما نزل في وقعة أحد كما روي في الصحيح تعينّ أن تكون التي قبلها كذلك وإلا كانت غير مفهومة إلا بتكلف ينزه القرآن عن مثله على كونه لا حاجة إليه.

أما كونها نزلت في شأن واقعة أحد فيدل عليه ما ورد في سبب نزولها روى أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله  يوم أحد "اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام اللهم العن سهيل بن عمرو اللهم العن صفوان بن أمية" فنزلت هذه الآية فتيب عليهم كلهم، وروى البخاري عن أبي هريرة نحوه وروى أحمد ومسلم من حديث أنس أن النبي  كسرت رباعيته يوم أحد وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم" فأنزل الله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ  ﴾ الآية ذكر ذلك كله السيوطي في لباب النقول ولم يعز الأول إلى الترمذي والنسائي اكتفاء بمن هو أصح منهما رواية.

وقد روى ذلك ابن جرير من عدة طرق.

وما روي غير ذلك لا يعتد به.

ولا تنافي بين حديث ابن عمرو وحديث أنس لأن الجمع بينهما ظاهر وهو أنه قال ما قال فيهم حين أدموه ثم لعن رؤساءهم فنزلت الآية عقب ذلك كله.

وأما المعنى فقد قال ابن جرير: يعني بذلك تعالى ذكره: ليقطع طرفًا من اللذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ليس لك من الأمر شيء.

فقوله: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  ﴾ منصوب عطفًا على قوله أو: ﴿ يَكْبِتَهُمْ  ﴾ وقد يحتمل أن يكون تأويله ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم فيكون نصب يتوب بمعنى "أو" التي هي في معنى "حتى" والقول الأول أولى بالصواب لأنه لا شيء من أمر الخلق إلى أحد سوى خالقهم قبل توبة الكفار وعقابهم وبعد ذلك.

وتأويل "ليس لك من الأمر شيء ليس إليك يا محمد من أمر خلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري وتنهى فيهم إلى طاعتي وإنما أمرهم إلي والقضاء فيهم بيدي دون غيري أقضي فيهم وأحكم بالذي أشاء من التوبة على من كفر بي وعصاني وخالف أمري أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنقم المبيرة وإما في آجل الآخرة بما أعددت لأهل الكفر بي.

انتهى قول ابن جرير وقد أورد بعده ما عنده من الروايات في الآية.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَـٰفًۭا مُّضَـٰعَفَةًۭ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ١٣٠ وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىٓ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ ١٣١ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٣٢ ۞ وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ١٣٣ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ١٣٤ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ١٣٥ أُو۟لَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّـٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ ١٣٦

وجه الاتصال بين هذه الآيات وما قبلها أن ما قبلها في بيان أن الله نصر المؤمنين وهم أذلة وأنهم إنما نصروا بتقوى الله وامتثال الأمر والنهي، ولذلك خذلوا في أحد عند المخالفة والطمع في الغنيمة.

وقد جاء هذا بعد النهي عن اتخاذ البطانة من اليهود وبيان أنه لا يضر المؤمنين كيد هؤلاء اليهود ما اعتصموا بالصبر والتقوى.

وقد كان من موادة المؤمنين لليهود واتخاذ البطانة منهم أن منهم من رابى كما كانوا يرابون وكان البعض الآخر مظنة أن يرابي توسلًا لجلب المال المحبوب بسهولة.

فكان الترتيب في الآيات هكذا: نهاهم عن اتخاذ البطانة من اليهود وأمثالهم من المشركين بشروطها التي هي مثار الضرر، ثم بينّ لهم ما يتقون به ضررهم وشر كيدهم وهو تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله، ثم ذكرهم بما يدل على صدق ذلك طردًا وعكسًا بذكر وقعة بدر ووقعة أحد، ثم نهاهم عن عمل آخر من شر أعمال أولئك اليهود ومن اقتدى بهم من المشركين وأشدها ضررًا وهو أكل الربا أضعافًا مضاعفة.

وقد كان ما تقدم تمهيدًا لهذا النهي وحجة على أن الربح المتوقع منه ليس هو سبب السعادة وإنما سببها ما ذكر من التقوى والامتثال.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً  ﴾ هذا أول ما نزل في تحريم الربا، وآيات البقرة في الربا نزلت بعد هذه، بل هي آخر آيات الأحكام نزولًا.

والمراد بالربا فيها ربا الجاهلية المعهود عند المخاطبين عند نزولها لا مطلق المعنى اللغوي الذي هو الزيادة، فما كل ما يسمى زيادة محرم.

والأضعاف جمع قلة لضعف (بكسر الضاد) وضعف الشيء مثله الذي يثنيه، فضعف الواحد واحد فهو إذا أضيف إليه ثناه.

وهو من الألفاظ المتضايقة أي التي يقتضي وجودها وجود آخر من جنسها كالنصف والزوج، ويختص بالعدد، فإذا ضاعفت الشيء ضممت إليه مثله مرة فأكثر.

وإذا قلنا إن الأضعاف المضاعفة في الزيادة فقط (التي هي الربا) يصح ما قاله المفسر (الجلال) في تصوير المسألة بتأخير أجل الدين والزيادة في المال، وهذا هو الذي كان معروفًا في الجاهلية، ويصح أيضًا أن تكون الأضعاف بالنسبة إلى رأس المال، وهذا واقع الآن، فإنني رأيت في مصر من استدان بربا ثلاثة في المئة كل يوم فانظر كم ضعفًا يكون في السنة.

وقد قال "مضاعفة" بعد ذكر الأضعاف كأن العقد قد يكون ابتداء على الأضعاف ثم تأتي المضاعفة بعد ذلك بتأخير الأجل وزيادة المال.

قوله: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ  ﴾ إلخ وعيد للمرابين يجعلهم مع الكافرين إذا عملوا فيه عملهم، وفيه تنبيه إلى أن الربا قريب من الكفر.

وهذا القول بعد قوله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ تأكيد بعد تأكيد، ثم أكده أيضًا بالأمر بطاعته وطاعة الرسول، فمؤكدات التنفير من الربا أربعة.

وقد قلنا من قبل إن مسألة الربا ليست مدنية محضة بل هي دينية أيضًا، والغرض الديني منها التراحم المفضي إلى التعاون، فالمقرض اليوم قد يكون مقترضًا غدًا، فمن أعان جدير بأن يعان.

ثم ذكر جزاء المتقين بعد الأمر المؤكد باتقاء النار إتباعًا للوعيد بالوعد وقرنا للترهيب بالترغيب كما هي سنته فقال: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ المسارعة إلى المغفرة والجنة هي المبادرة إلى أسبابها وما يُعد الإنسان لنيلها من التوبة عن الإثم كالربا والإقبال على البر كالصدقة.

وقد اختلفوا في الجنة هل هي موجودة بالفعل أن توجد بعد في الآخرة، ولا معنى لهذا الخلاف، ولا هو مما يصح التفرق واختلاف المذاهب فيه.

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ  ﴾ إن المال عزيز على النفس لأنه الآلة لجلب المنافع والملذات ودفع المضار والمؤلمات، وبذله في طرق الخير والمنافع العامة التي ترضي الله تعالى يشق على النفس، أما في السراء فلما يحدثه السرور والغنى من الأشر والبطر والطغيان وشدة الطمع وبعد الأمل، وأما في الضراء فلأن الإنسان يرى نفسه فيها جديرًا بأن يأخذ ومعذورًا إن لم يُعطِ وإن لم يكن معذورًا بالفعل إذ مهما كان فقيرًا لا يعدم وقتًا يجد فيه فضلًا ينفقه في سبيل الله ولو قليلًا.

وداعية البذل في النفس هي التي تنبه الإنسان إلى هذا العفو الذي يجده أحيانًا ليبذله.

فإن لم تكن الداعية موجودة في أصل الفطرة فأمر الدين الذي وضعه الله لتعديل الفطرة المائلة وتصحيح مزاج المعتلة يوجدها ويكون نعم المنبه لها.

وقد فسر بعضهم الضراء بما يخرج الفقراء من هذه الصفة من صفات المتقين وليس بسديد.

يقول من لا علم عنده إن تكليف الفقير والمسكين البذل في سبيل الله لا معنى له ولا غناء فيه.

وربما يقول أكثر من هذا -يعني أنه ينتقد ذلك من الدين- والعلم الصحيح يفيدنا أنه يجب أن تكون نفس الفقير كريمة في ذاتها وأن يتعود صاحبها الإحسان بقدر الطاقة، وبذلك ترتفع نفسه وتطهر من الخسة وهي الرذيلة التي تعرض للفقراء فتجرهم إلي رذائل كثيرة ثم إن النظر يهدينا إلى أن القليل من الكثير كثير فلو أن كل فقير في القطر المصري مثلًا يبذل في السنة قرشًا واحدًا لأجل التعليم لاجتمع من ذلك ألوف الألوف وتيسر به عمل في البلاد كبير فكيف إذا انفق كل أحد على قدره كما قال تعالى : ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ  ﴾ إلخ.

إذا كان الله تعالى قد جعل الإنفاق في سبيله علامة على التقوى أو أثرًا من آثارها حتى في حال الضراء، وكان انتفاؤه علامة على عدم التقوى التي هي سبب دخول الجنة، فكيف يكون حال أهل السراء الذين يقبضون أيديهم؟

وهل يغني عن هؤلاء من شيء أداء الرسوم الدينية الظاهرة التي يتمرنون عليها عادة مع الناس؟

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ  ﴾ الغيظ ألم يعرض للنفس إذا هضم حق من حقوقها المادية كالمال أو المعنوية كالشرف فيزعجها إلى التشفي والانتقام، ومن أجاب داعي الغيظ إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال ولا يكتفي بالحق بل يتجاوزه إلى البغي، فلذلك كان من التقوى كظمه.

وفي (روح المعاني) أن الغيظ هيجان الطبع عند رؤية ما ينكر والفرق بينه وبين الغضب على ما قيل أن الغضب يتبعه إرادة الانتقام البتة ولا كذلك الغيظ وقيل الغضب ما يظهر على الجوارح والغيظ ليس كذلك.

أصل الكظم مخرج النفس.

والغيظ وإن كان معنى له أثر في الجسم يترتب عليه عمل ظاهر فإنه يثور بنفس الإنسان حتى يحمله ما لا يجوز من قول أو فعل، فلذلك سمي حبسه وإخفاء أثره كظمًا.

﴿ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ  ﴾ العفو عن الناس هو التجافي عن ذنب المذنب منهم وترك مؤاخذته مع القدرة عليها وتلك مرتبة في ضبط النفس والحكم عليها وكرم المعاملة قل من يتبوأها.

فالعفو مرتبة فوق مرتبة كظم الغيظ إذ ربما يكظم المرء غيظه على حقد وضغينة وهناك مرتبة أعلى منها وهي ما أفاده قوله  : ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  ﴾ .

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ  ﴾ الفاحشة الفعلة الشديدة القبح، وظلم النفس يطلق على كل ذنب.

قال البيضاوي: "وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة ولعل الفاحشة ما تتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك" وذكر الله عند الذنب يكون بتذكر نهيه ووعيده أو عقابه أو تذكر عظمته وجلاله وهما مرتبتان: مرتبة دنيا: لعامة المؤمنين ومرتبة عليا: لخواص المتقين وهي أن يذكروا إذا فرط منهم ذنب ذلك المقام الإلهي الأعلى المنزه عن النقص الذي هو مصدر كل كمال، وما يجب من طلب قربه بالمعرفة والتخلق الذي هو منتهى الآمال، فإذا هم تذكروا انصرف عنهم طائفة الشيطان، ووجدوا نفس الرحمن، فرجعوا إليه طالبين مغفرته، راجين رحمته، ملتزمين سنته، واردين شرعته، عالمين أنه لا يغفر الذنوب سواه، وأنه يضل من يدعون عند الحاجة إلا إياه، لأن الكل منه وإليه، وهو المتصرف بسنته فيه والحاكم بسلطانه عليه، ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ﴾ لا يصر المؤمن المتقي من أهل الدرجة الدنيا على ذنبه وهو يعلم أن الله تعالى نهى عنه وتوعد عليه، ولا يصر كذلك بالأولى صاحب الدرجة العليا من أهل الإيمان والتقوى، وهو يعلم أن الذنب فسوق عن نظام الفطرة السليمة، واعتداء على قانون الشريعة القويمة، وبعد عن مقام النظام العام، الذب يعرج عليه البشر إلى قرب ذي الجلال والإكرام، ومثال ذلك من يخضع لقوانين الحكام الوضعية خوفًا من العقوبة، ومن يخضع لها احترامًا للنظام، وما أبعد الفرق بين الفريقين.

<div class="verse-tafsir"

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌۭ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ١٣٧ هَـٰذَا بَيَانٌۭ لِّلنَّاسِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةٌۭ لِّلْمُتَّقِينَ ١٣٨ وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ١٣٩ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌۭ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٤٠ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ١٤١

هذه الآيات وما بعدها في قصة أُحد وما فيها من السنن الاجتماعية والحكم والأحكام فهي متصلة بقوله  : ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾ إلخ الآيات التي تقدمت.

﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ إن بعض المفسرين يجعل الآيتين الأوليين من هذه الآيات تمهيدًا لما بعدهما من النهي عن الوهن والحزن وما يتبع ذلك، وعلى هذا جرى (الجلال) كأنه يقول إن هذا الذي وقع لا يصح أن يضعف عزائمكم فإن السنن التي قد خلت من قبلكم تبين لكم كيف كانت مصارعة الحق للباطل وكيف ابتلي أهل الحق أحيانًا بالخوف والجوع والانكسار في الحرب ثم كانت العاقبة لهم فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين للرسل المقاومين لهم فإنهم كانوا هم المخذولين المغلوبين وكان جند الله هم المنصورين الغالبين، وإذا كان الأمر كذلك فلا تهنوا ولا تحزنوا لما أصابكم في أُحد.

هذا رأي ضعيف، فإن ذكر السنن بعد آيات متعددة، في موضوعات مختلفة، تفيد معاني كثيرة.

فإن الله تعالى نهى المؤمنين عن اتخاذ بطانة من الأعداء الذين بدت لهم بغضاؤهم، وبيّن هو لهم مجامع خبثهم وكيدهم.

ثم ذكر النبي  والمؤمنين بوقعة أحد وما كان فيها بالإجمال، وذكرهم بنصره لهم ببدر.

ثم ذكر المتقين وأوصافهم وما وعدوا به.

ثم ذكر بعد ذلك كله مضي السنن في الأمم وأنه بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين، فذكر السنن بعد ذلك كله يفيد معاني كثيرة تحتاج إلى شرح طويل جدًا لا معنى واحدًا كما قيل.

وإن في القرآن من إفادة المباني القليلة للمعاني الكثيرة بمعونة السياق والأسلوب ما لا يخطر في بال أحد من كتاب البشر وعلمائهم ومثل هذا مما تجب العناية ببيانه.

يقول الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز إن كون القرآن معجزًا ببلاغته يوجب علينا أن نجعل أسلوبه الذي كان معجزًا به فنًا ليبقى دالًا على وجه إعجازه، كذلك أقول إن إرشاد الله إيانا إلى أن له في خلقه سننًا يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علمًا من العلوم المدونة لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه، فيجب على الأمة في مجموعها أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال وبيّنها العلماء بالتفصيل عملًا بإرشاده كالتوحيد والأصول والفقه.

والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة وقد دلنا على مأخذه من أحوال الأمم إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها.

ولا يحتج علينا بعدم تدوين الصحابة لها فإن الصحابة لم يدونوا غير هذا العلم من العلوم الشرعية التي وضعت لها الأصول والقواعد، وفرعت منها الفروع والمسائل.

وإنني لا أشك في كون الصحابة كانوا مهتدين بهذه السنن وعالمين بمراد الله من ذكرها.

يعني أنهم بما لهم من معرفة أحوال القبائل العربية والشعوب القريبة منهم ومن التجارب والأخبار في الحرب وغيرها وبما منحوا من الذكاء والحذق وقوة الاستنباط كانوا يفهمون المراد من سنن الله تعالى ويهتدون بها في حروبهم وفتوحاتهم وسياستهم للأمم التي استولوا عليها.

وما كانوا عليه من العلم بالتجربة والعمل انفع من العلم النظري المحض وكذلك كانت علومهم كلها، ولما اختلفت حالة العصر اختلافًا احتاجت معه الأمة إلى تدوين علم الأحكام وعلم العقائد وغيرهما كانت محتاجة أيضًا إلى تدوين هذا العلم، ولك أن تسميه علم السنن الإلهية أو علم الاجتماع أو علم السياسة الدينية.

سم بما شئت فلا حرج في التسمية.

ومعنى الجملة: انظروا إلى من تقدمكم من الصالحين والمكذبين فإذا أنتم سلكتم سبيل الصالحين فعاقبتكم كعاقبتهم، وإن سلكتم سبل المكذبين فعاقبتكم كعاقبتهم، وفي هذا تذكير لمن خالف أمر النبي  في أُحد.

ففي الآية مجاري أمن ومجاري خوف، فهو على بشارته لهم فيها بالنصر وهلاك عدوهم ينذرهم عاقبة الميل عن سننه ويبين لهم أنهم إذا ساروا في طريق الضالين من قبلهم فإنهم ينتهون إلى مثل ما انتهوا إليه، فالآية خبر وتشريع، وفي طيها وعد ووعيد.

﴿ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ  ﴾ أي أن المصارعة بين الحق والباطل قد وقعت من الأمم الماضية، وكان أهل الحق يغلبون أهل الباطل ويُنْصَرون عليهم بالصبر والتقوى، وكان ذلك يجري بأسباب مطردة، وعلى طرائق مستقيمة، يعلم منها أن صاحب الحق إذا حافظ عليه ينصر ويرث الأرض، وأن من ينحرف عنه ويعيث في الأرض فسادًا يخذل وتكون عاقبته الدمار، فسيروا في الأرض واسْتْقرُوا ما حل بالأمم ليحصل لكم العلم الصحيح التفصيلي بذلك وهو الذي يحصل به اليقين ويترتب عليه العمل.

وقال بعض المفسرين إن لم تصدقوا فسيروا.

وهذا قول باطل.

والسير في الأرض والبحث عن أحوال الماضين وتعرف ما حل بهم هو الذي يوصل إلى معرفة تلك السنن والاعتبار بها كما ينبغي.

نعم إن النظر في التاريخ الذي يشرح ما عرفه الذين ساروا في الأرض ورأوا آثار الذين خلوا يعطي الإنسان من المعرفة ما يهديه إلى تلك السنن ويفيده عظة واعتبارًا، ولكن دون اعتبار الذي يسير في الأرض بنفسه ويرى الآثار بعينه ولذلك أمر بالسير والنظر.

ثم اتبع ذلك بقوله: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ كأنه يقول إن كل إنسان له عقل يعتبر به فهو يفهم أن السير في الأرض يدله على تلك السنن، ولكن المؤمن المتقي أجدر بفهمها لأن كتابه أرشده إليها وأجدر كذلك بالاهتداء والاتعاظ بها.

وقد بينا في تفسير الفاتحة أن لسير الناس في الحياة سننًا يؤدي بعضها إلى الخير والسعادة وبعضها إلى الهلاك والشقاء وأن من يتبع تلك السنن فلا بد أن ينتهي إلى غايتها سواء كان مؤمنًا أو كافرًا كما قال سيدنا علي: "إن هؤلاء قد انتصروا باجتماعهم على باطلهم وخذلتهم بتفرقكم عن حقكم".

ومن هذه السنن أن اجتماع الناس وتواصلهم وتعاونهم على طلب مصلحة من مصالحهم يكون، مع الثبات، من أسباب نجاحهم ووصولهم إلى مقصدهم سواء كان ما اجتمعوا عليه حقًا أو باطلًا، وإنما يصلون إلى مقصدهم بشيء من الحق والخير ويكون ما عندهم من الباطل قد ثبت باستناده إلى ما معهم من الحق وهو فضيلة الاجتماع والتعاون والثبات.

فالفضائل لها عماد من الحق فإذا قام رجل بدعوى باطلة ولكن رأى جمهور من الناس أنه محق يدعو إلى شيء نافع وأنه يجب نصره فاجتمعوا عليه ونصروه وثبتوا على ذلك فإنهم ينجحون معه بهذه الصفات.

ولكن الغالب أن الباطل لا يدوم بل لا يستمر زمنًا طويلًا لأنه ليس له في الواقع ما يؤيده بل له ما يقاومه فيكون صاحبه دائمًا متزلزلًا فإذا جاء الحق ووجد أنصارًا يجرون على سنة الاجتماع في التعاون والتناصر، ويؤيدون الداعي إليه بالثبات والتعاون، فإنه لا يلبث أن يدمغ الباطل وتكون العاقبة لأهله، فإن شابت حقهم شائبة من الباطل، أو انحرفوا عن سنن الله في تأييده، فإن العاقبة تنذرهم بسوء المصير.

فالقرآن يهدينا في مسائل الحرب والتنازع مع غيرنا إلى أن نعرف أنفسنا وكنه استعدادنا لنكون على بصيرة من حقنا ومن السير على سنن الله في طلبه وفي حفظه وأن نعرف كذلك حال خصمنا ونضع الميزان بيننا وبينه وإلا كنا غير مهتدين ولا متعظين.

﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ إن الحزن إنما يكون على ما فات الإنسان وخسره مما يحبه.

وسببه أنه يشعر أنه قد فاته بفوته شيء من قوته وفقد بفقده شيئًا من عزيمته أو أعضائه.

ذلك بأن صلة الانسان بمحبوباته من المال والمتاع والناس كالأصدقاء وذي القربى تكسبه قوة وتعطيه غبطة وسرورًا فإذا هو فقد شيئًا منها بلا عوض فإنه يعرض لنفسه ألم الحزن الذي يشبه الظلمة ويسمونه كدرًا كأن النفس كانت صافية رائقة فجاء ذلك الانفعال فكدرها بما أزال من صفوها.

وقد يقال هنا نهاهم عن الوهن بما عرض لهم والحزن على ما فقدوا في "أُحد" وكل من الوهن والحزن كان قد وقع وهو أمر طبيعي في مثل الحال التي كانوا عليها؟

والجواب أن المراد بالنهي ما يمكن أن يتعلق به الكسب من معالجة وجدان النفس بالعمل ولو تكلفًا.

كأنه يقول: انظروا في سنن من قبلكم تجدوا أنه ما اجتمع قوم على حق وأحكموا أمرهم وأخذوا أهبتهم وأعدوا لكل أمر عدته، ولم يظلموا أنفسهم في العمل لنصرته، إلا وظفروا بما طلبوا، وعوضوا مما خسروا، فحولوا وجوهكم عن جهة ما خسرتم، وولوها جهة ما يستقبلكم، وانهضوا به العزيمة والحزم، مع التوكل على الله  ، والحزن إنما يكون على فقد ما لا عوض منه وإن لكم خير عوض مما فقدتم، وأنتم الأعلون برجحانكم عليهم في مجموع الوقعتين -بدر وأحد- إذ الذين قتلوا منهم أكثر من الذين قتلوا منكم، على كثرتهم وقلتكم، أو جملة وأنتم الأعلون معترضة يراد بها التبشير بما يكون في المستقبل من النصر، وهما قولان المفسرين.

وسواء كانت للتسلية أو للبشارة فهي مرتبطة بالإيمان الصحيح الذي لا شائبة فيه فإن من اخترق هذا الإيمان فؤاده وتمكن من سويدائه، يكون على يقين من العاقبة، بعد الثقة من مراعاة السنن العامة، والأسباب المطردة، ولذلك قال: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ومثل هذا الشرط كثير في القرآن وهو ليس للشك وإنما يراد به تنبيه المؤمن إلى حاله، ومحاسبة نفسه على أعماله.

رأيت النبي  ليلة الخميس الماضية (غرة ذي القعدة سنة ١٣٢٠) في الرؤيا منصرفًا مع أصحابه من أحد وهو يقول: "لو خيرت بين النصر والهزيمة لاخترت الهزيمة" أي لما في الهزيمة من التأديب الإلهي للمؤمنين وتعليمهم أن يأخذوا بالاحتياط ولا يغتروا بشيء يشغلهم عن الاستعداد وتسديد النظر وأخذ الأهبة وغير ذلك من الأسباب والسنن.

ثم بين تعالى وجه جدارتهم بأن لا يهنوا ولا يحزنوا فقال: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ  ﴾ قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم "قرح" بضم القاف والباقون بفتحها.

قال كثير من المفسرين إن القرح بالفتح والضم واحد فهو "كالضعف" فيه اللغتان ومعناه الجرح، وقال بعضهم إن القرح بالفتح هو الجراح وبالضم أثرها وألمها.

ورجح ابن جرير قراءة الفتح قال "لإجماع أهل التأويل على أن معناه القتل والجراح فذلك يدل على أن القراءة هي بالفتح وكان بعض أهل العربية يزعم أن القَرح والقُرح لغتان بمعنى واحد والمعروف عند أهل العلم بكلام العرب ما قلنا" أي من أن القرح بالفتح يشمل الجرح والقتل ويؤيده أنه هو الذي حصل.

وفي لسان العرب "القَرح والقُرح" لغتان عض السلاح ونحوه مما يجرح الجسد وقيل القَرح الآثار والقُرح الألم.

عبر المضارع بدل الماضي فلم يقل: "إن يمسكم قرح" ليحضر صورة المس في أذهان المخاطبين.

وإن اعتبار المساواة في المثل من التدقيق الفلسفي الذي لم تكن تقصده العرب في مثل هذه العبارة، وهذا القول صحيح على كل تقدير.

﴿ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ  ﴾ .

هذه قاعدة كقاعدة ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ أي هذه سنة من تلك السنن وهي ظاهرة بين الناس بصرف النظر عن المحقين والمبطلين.

والمداولة في الواقع تكون مبنية على أعمال الناس فلا تكون الدولة لفريق دون آخر جزافًا وإنما تكون لمن عرف أسبابها ورعاها حق رعايتها.

أي إذا علمتم أن ذلك سنة، فعليكم أن لا تهنوا وتضعفوا بما أصابكم لأنكم تعلمون أن الدولة تدول.

والعبارة تومئ إلى شيء مطوي كان معلومًا لهم وهو أن لكل دولة سبب فكأنه قال: إذا كانت المداولة منوطة بالأعمال التي تفضي إليها كالاجتماع والثبات وصحة النظر وقوة العزيمة وأخذ الأهبة وإعداد ما يستطاع من القوة فعليكم أن تقوموا بهذه الأعمال وتحكموها أتم الإحكام.

وفي الجملة من الإيجاز وجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة ما لا يعهد مثله في غير القرآن.

ثم قال  : ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ إن المراد بعلم الله فيه علم عباده، وإنهم يفسرونه بعلم الظهور أي ليظهر علمه بذلك.

ومعنى قول الجمهور: أن المراد بالعلم علم الظهور أن العلم بالشيء على أنه سيقع ثابت في الأزل فإذا وقع ذلك الشيء حصل تغير في ذلك المعلوم فصار حالًا بعد أن كان مستقبلًا فهل تعَلُّق العلم به عند الوقوع هو عين تَعَلُّقه به من الأزل إلى قبيل وقوعه؟

قال الحكماء: إن الزمن ليس بشيء بالنسبة إلى الله فليس هناك تقدم ولا تأخر ولا متقدم ولا متأخر فتعلق العلم بالمعلوم واحد في الأزل والأبد.

فعلى هذا القول يكون معنى ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ  ﴾ ليظهر علمه للناس بظهور المعلوم لهم فهو كقوله: ﴿ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ  ﴾ أي يعلم الناس ذلك ويميزونه.

وأما جمهور المتكلمين فيقولون إن الله تعالى يعلم كل شيء أزلًا وأبدًا ولكن تعلق علمه بالأشياء على أنها ستقع غير تعلق علمه بها وهي واقعة فذلك علم غير ظاهر فيه المعلوم في الوجود وهذا علم ظهر متعلقه ووجد.

والمراد بقوله: "ليعلم" الثاني.

إنهم يريدون بعلم الغيب والشهادة معنى آخر، إن العبارة ظاهرة الصحة وإيهام تجدد العلم الإلهي مدفوع، ولكن ما النكتة في اختيار هذه العبارة وأمثالها كقوله في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ ولم لم يبين المراد بعبارة لا إيهام فيها؟

النكتة بيان أن العلم إذا لم يصدقه العمل لا يعتد به.

وبيان ذلك أن الانسان كثيرًا ما يتصور الشيء ويحكم بصحته فيرى أنه يعتقده، ولكن إذا عرض العمل كذبه في اعتقاده وتبين أنه لم يكن متحققًا به وإنما كان صورة انطبعت في مخه مع الغفلة عما يعارضها من سائر عقائده المتمكنة التي لها سلطان على وجدانه وأثر في عمله وأخلاقه وعادته التي تجري عليها أعماله.

مثال ذلك أن بعض الناس تحدثه نفسه بأنه شجاع ويعتقد ذلك لعدم وجود ما يعارضه في نفسه حتى إذا ما عرض له ما لا تظهر به حقيقة الشجاعة بالفعل من الحاجة إلى ركوب الخطر وخوض غمرات الموت دفاعًا عن الحق أو الحقيقة جبن وجزع وظهر غروره بنفسه وانخداعه لوهمه.

ومثله من تحدثه نفسه بأنه لقوة إيمانه عظيم الثقة بالله والتوكل عليه، حتى تظهر الحوادث والوقائع أنه هلوع إذا مسه الشر كان جزوعًا، وإذا مسه الخير كان منوعًا، لا يثق بربه ولا بنفسه.

فأراد الله تعالى أن يرشدنا بقوله ﴿ لِيَعْلَمَ  ﴾ إلى أن العلم لا يكون علمًا والإيمان لا يكون إيمانًا إلا إذا صدقهما العمل وظهر أثرهما بالفعل فكأنه قال ليتبين الذين آمنوا على طريق التمثيل.

وأما قوله: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ  ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أنه من الشهادة في القتال وهي أن يقتل المؤمن في سبيل الله أي مدافعًا عن الحق قاصدًا إعلاء كلمته.

والثاني: أنه من الشهادة على الناس بالمعنى الذي تقدم في قوله  : ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ  ﴾ والأول هو الذي يسبق إلى الذهن في هذا المقام.

وإنما سمي هؤلاء المقتولون شهداء لأنهم يشاهدون بعد الموت من الملكوت ونعيمه ما لا يكون لغيرهم، أو لأنهم ببذل أنفسهم في سبيل الله يكونون من الشهداء على الناس يوم القيامة بالمعنى المشار إليه آنفًا، أو لأنه مشهود لهم بالجنة، ولأن الملائكة تشهد موتهم.

أقوال.

وقوله: ﴿ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ  ﴾ جملة معترضة مسوقة لبيان أن الشهداء يكونون مما خلصوا لله وأخلصوا في إيمانهم وأعمالهم فلم يظلموا أنفسهم بمخالفة الأمر أو النهي، ولا بالخروج عن سنن الله في الخلق، وأنه تعالى لا يصطفي للشهادة الظالمين ما داموا على ظلمهم، وفي ذلك بشارة للمتقين، وإنذار للمقصرين، فالناس قبل الابتلاء بالمحن والفتن يكونون سواء، فإذا ابتلوا تبين المخلص والصادق، والظالم والمنافق، وما أسهل ادعاء الاخلاص والصدق إذا كانت آياتهما مجهولة.

فبيان السبب مؤدب للمقصرين، وقاطع لألسنة المدعين، إلا أن يكونوا مع الأغبياء الجاهلين.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ  ﴾ قال البعض إن التمحيص تكفير الذنوب وهو مردود بأن المعهود من القرآن التعبير عن هذا المعنى بالتكفير، وبأن للتمحيص هنا معنى آخر يتفق مع ما قاله بعض المفسرين في جملته لا في تصويره.

كل إنسان يحكم لنفسه في نفسه بأمور كثيرة يصدقه فيها الحق الواقع أو يكذبه فالمعتقد حقية الدين قد يتصور وقت الرخاء أنه يسهل عليه بذل ماله ونفسه في سبيل الله ليحفظ شرف دينه ويدفع عنه كيد المعتدين، فإذا جاء البأس ظهر له من نفسه خلاف ما كان يتصور.

فالإنسان يلتبس عليه أمر نفسه فلا يتجلى كمال التجلي إلا بالتجارب الكثيرة والامتحان بالشدائد العظيمة، فالتجارب والشدائد كتمحيص الذهب يظهر به زيفه ونضاره.

ثم إنها أيضًا تنفي خبثه وزغله.

كذلك كان الأمر في أحد: تميز المؤمنون الصادقون من المنافقين، وتطهرت نفوس بعض ضعفاء المؤمنين من كدورتها فصارت تبرًا خالصًا، وهؤلاء هم الذين خالفوا أمر النبي  وطمعوا في الغنيمة والذين انهزموا وولوا وهم مدبرون، محص الجميع بتلك الشدة فعلموا أن المسلم ما خلق ليلهو ويلعب، ولا ليكسل ويتواكل، ولا لينال الظفر والسيادة بخوارق العادات، وتبديل سنن الله في المخلوقات، بل خلق ليكون أكثر الناس جدًا في العمل، وأشدهم محافظة على النواميس والسنن.

وأما محق الكافرين بالشدائد فليس معناه فناؤهم وهلاكهم وإنما هو اليأس يسطو عليهم، وفقد الرجاء يذهب بعزائمهم، حتى يذهب ما كان قد بقي من نور الفضيلة في نفوسهم، فلا تبقى لهم شجاعة ولا بأس، ولا شيء من عزة النفس، فيكون أحدهم كالهلال في المحاق لا نور له، بل يكون وجوده كالعدم لأنه لا أثر له ولا فائدة فيه، فذلك محقه إذا غلب على أمره.

وإذا هو انتصر طغى وتجبر، وبغى وظلم، وذلك محق معنوي، وتكون عاقبته المحق الصوري، كذلك لا يثبت للكافرين المبطلين وجود مع المؤمنين الصادقين، وإنما يبقون ظاهرين إذا لم يظهر من أهل الحق والعدل من ينازعهم ويقاوم باطلهم.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ١٤٢ وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ١٤٣ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ ١٤٤ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَـٰبًۭا مُّؤَجَّلًۭا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نُؤْتِهِۦ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ ١٤٥ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّۢ قَـٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌۭ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ ١٤٦ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ١٤٧ فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلْـَٔاخِرَةِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ١٤٨

الكلام متصل بما قبله والخطاب فيه لمن شهد وقعة "أحد" من المؤمنين.

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ  ﴾ إن "أم" الاستفهام المجرد أو للمعادلة.

إنه تعالى يقول المؤمنين بعد ذلك التنبيه والإرشاد لسنته وحكمه فيما حصل المتضمن للوم والعتاب في مثل ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ  ﴾ إلخ: هل جريتم على تلك السنن؟

هل تدبرتم تلك الحكم؟

أم حسبتم كما يحسب أهل الغرور أن تدخلوا الجنة وأنتم إلى الآن لم تقوموا بالجهاد في سبيله حق القيام، ولم تتمكن صفة الصبر من نفوسكم تمام التمكن، والجنة إنما تنال بهما، ولا سبيل إلى دخولها بدونهما، لو قمتم بذلك لعلمه تعالى منكم وجازاكم عليه بالنصر والظفر في غزوتكم هذه وكان ذلك آية على أنه سيجازيكم بالجنة في الآخرة.

ربما يقول قائل أن الآية تفيد أن من لم يجاهد ويصبر لا يدخل الجنة مع أن الجهاد فرض كفاية.

ونقول: نعم إنه لا يدخل الجنة من لم يجاهد في سبيل الحق ولكن الجهاد في الكتاب والسنة يستعملان بمعناهما اللغوي وهو احتمال المشقة في مكافحة الشدائد ومنه جهاد النفس الذي روي عن السلف التعبير عنه بالجهاد الأكبر.

ومن أمثلة ذلك مجاهدة الإنسان لشهواته لا سيما في سن الشباب، وجهاده بماله، وما يبتلي به المؤمن من مدافعة الباطل ونصرة الحق.

إن الله في كل نعمة عليك حقًا وللناس عليك حقًا، وأداء هذه الحقوق يشق على النفس فلا بد من جهادها ليسهل عليه أداؤها وربما يفضل بعض جهاد النفس جهاد الأعداء في الحرب، فإن الإنسان إذا أراد أن يبث فكرة صالحة في الناس أو يدعوهم إلى خيرهم من إقامة سنة، أو مقاومة بدعة، أو النهوض بمصلحة، فإنه يجد أمامه من الناس من يقاومه ويؤذيه إيذاء قلما يصبر عليه أحد.

وناهيك بالتصدي لإصلاح عقائد العامة وعاداتهم وما الخاصة في ضلالهم إلا أصعب مراسًا من العامة.

ومن مباحث اللفظ في الآية ما تقدم بيانه من معنى أم ولما.

ومنها أن قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُ  ﴾ منصوب بإضمار "إن" على أن الواو للجمع كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا يكن أكل السمك وشرب اللبن معًا، فالتقدير في الآية على هذا: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحال أنه لم يتحقق منكم الجمع بين الجهاد والصبر.

بعد ما بيّن تعالى للمؤمنين أن الفوز والظفر في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة لا يكونان بالأماني والغرور، ولا ينالان بالمحاباة والكيل الجزاف، بل بالجهاد ومكافحة الأيام، ومصابرة الشدائد والأخوال، واتباع سنن الله في هذا العالم.

وبعد ما بيّن لهم أن دعوى الإيمان ودعوى الجهاد والصبر لا يترتب عليهما الجزاء بالنصر ودخول الجنة وإنما يترتب ذلك على تحققهما بحسب علم الله المطابق للواقع لا بحسب ظن الناس وشعورهم.

بعد هذا وذاك أرشدهم إلى أمر واقع يظهر لهم به تأويل قوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ قوله: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ  ﴾ إلخ، وطريق الجمع بينه وبين شعورهم واعتقادهم قبل ذلك أنهم لم يقصروا في الجهاد والصبر فيتعلموا كيف يحاسبون أنفسهم ولا يغترون بشعورهم وخواطرهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  ﴾ الخطاب لجماعة المسلمين الذين شهدوا وقعة أُحد.

فلقد كان النبي  يرى أن لا يخرج للمشركين بل يستعد لمدافتعهم في المدينة، وكان على هذا الرأي جماعة من كبراء الصحابة، وبه صرح عبدالله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين ولكن أكثر الصحابة أشاروا بالخروج إلى أُحد حيث عسكر المشركين ومناجزتهم هناك، وإن الشبان ومن لم يشهد بدرًا كانوا يلحون في الخروج.

لهذا قال مجاهد: إن هذه الآية عتاب لرجال غابوا عن بدر فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصاب أهل بدر فلما كان يوم أُحد ولى منهم من ولى فعاتبهم الله، وروي نحو ذلك عن غيره منهم الربيع والسدي، وروي عن الحسن أنه قال بلغني أن رجالًا من أصحاب النبي  كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي  لنفعلن ولنفعلن فابتلوا بذلك فلا والله ما كلهم صدق فأنزل الله  : ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ  ﴾ الآية.

فأطلق الحسن ولم يخص من لم يشهد بدرًا وهو الصواب، فإن الذين كانوا يتمنون القتال كثيرون.

قلنا إن هذه الآية أظهرت للمؤمنين تأويل قوله تعالى في إيمانهم وجهادهم وصبرهم، وعلمتهم كيف يحاسبون أنفسهم ويمتحنون قلوبهم، وبيان ذلك أنهم تمنوا القتال، أو الموت في القتال لينالوا مرتبة الشهادة، وقد أثبت الله لهم هذا التمني وأكده بقوله: ﴿ وَلَقَدْ  ﴾ فلم يكن ذلك منهم دعوى قولية، ولا صورة في الذهن خيالية، بل كان حقيقة واقعة في النفس، ولكنها زالت عند مجيء دور الفعل، وهذه مرتبة من مراتب النفس في شعورها وعرفانها هي دون مرتبة الكمال الذي يصدقه العمل، وفوق مرتبة التصور والتخيل مع الانصراف عن تمني العمل بمقتضاه، أو مع كراهته والهرب منه كما يتوهم بعض الناس أنه يحب ملته أو وطنه ولكنه يهرب من كل طريق يخشى أن يطالب فيه بعمل يأتيه لأجلهما، أو مال يعاون به العاملين لهما، أو يكون خالي الذهن من الفكر في العمل، أو البذل لإعلاء شأن هذا المحبوب، أو كف العدوان أو الشر عنه، فهاتان مرتبتان دون مرتبة من يتصور أنه يحب ملته ووطنه، ويفكر في خدمتهما ويتمنى لو يتاح له ذلك، حتى إذا احتيج إلى خدمته التي كان يفكر فيها ويتمناها وجد من نفسه الضعف فأعرض عن العمل قبل الشروع أو بعد أن ذاق مرارته، وكابد مشقته، وإنما المطلوب في الإيمان ما هو أعلى من هذه المرتبة، المطلوب فيه مرتبة اليقين والاذعان النفسي التي من مقتضاها العمل مهما كان شاقًا، والجهاد مهما كان عسيرًا، والصبر على المكاره، وإيثار الحق على الباطل، وقد تقدم في تفسير: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ  ﴾ وتفسير ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ  ﴾ من الآيتين السابقتين أمثلة تزيد المبحث وضوحًا.

وقد كان في مجموع المخاطبين بالآية عند نزولها من هم في المرتبة العليا، وأولئك هم المجاهدون الصابرون الذين ثبتوا مع النبي  ثبات الجبال لا ثبات الأبطال وهم نحو ثلاثين رجلًا، وقد ذكرنا أسماء بعضهم في تلخيص القصة وإنما جعل الخطاب عامًا؛ ليكون تربية عامة فإن أصحاب المراتب العلية يتهمون أنفسهم بالتقصير فيزدادون كمالًا.

فهذه الآية تنبه كل مؤمن إلى اتقاء الغرور بحديث النفس والتمني والتشهي وتهديه إلى امتحان نفسه بالعمل الشاق، وعدم الثقة منها بما دون الجهاد والصبر على المكاره في سبيل الحق، حتى يأمن الدعوى الخادعة، بله الدعوى الباطلة، وإنما الخادعة أن تدعي ما تتوهم أنك صادق فيه، مع الغفلة أو الجهل بعجزك عنه، والباطلة لا تخفى عليك، وإنما تظن أنها تخفى على سواك.

قد أشرنا إلى أن الظاهر من تمني الموت هو تمني الشهادة في سبيل الله، وقال بعضهم إن المراد بالموت الحرب لأنها سببه.

وعد بعضهم تمني الشهادة المأثور عن كثير من الصحابة مشكلًا لأنه يستلزم انتصار الكفار على المسلمين، ولا إشكال إلا في مخ من اخترع هذه العبارة، فإن الذي يتمنى الشهادة في سبيل الله لا يلقي بنفسه إلى التهلكة، ولا يقصر في الدفاع والصدام حتى يقال إنه مكن الأعداء منه، ومهد لهم سبيل الظفر بالمؤمنين وإنما يكون أقوى جهادًا وأشد وأجدر بأن ينصر قومه ويخذل من يحاربهم.

ثم إنه لا يقصد لازم الموت والشهادة من نقص عدد المسلمين أو ضعفهم على أن هذا اللازم إنما يتبع استشهاد الكثير أو الأكثر منهم، ومن يتمن الشهادة فإنما يتمناها لنفسه دون العدد الكثير من قومه.

إن تمني الشهادة الذي وقع ليس تمنيًا مطلقًا وإنما هو تمني من يقاتل لنصرة الحق أن تذهب نفسه دونه، فإذا هو وصل إلى ما ينبغي من نصرة الحق وإعزازه بانهزام أهل الباطل وخذلانهم فيها ونعمت وإلا فضل الموت في سبيل إعزاز الحق ورآه خيرًا من البقاء مع إذلاله وغلبه الباطل عليه.

وإن الخطاب لمن سبق لهم تمني الموت بعد أن فاتهم حضور وقعة بدر أو الشهادة فيها لبعض من حضرها، ثم جاءت وقعة أُحد فكان منهم من انكسرت نفسه في أثناء الواقعة ووهن عزمه، ومنهم من وهن وضعف بعدها عند ما ندبهم النبي  إلى اتباع المشركين معه في حمراء الأسد، كأنه يقول: يا سبحان الله لقد كنتم تتمنون الموت قبل أن تلاقوا القوم في الحرب فها أنتم أولاء قد رأيتم ما كنت تتمنونه وأنتم تنظرون إليه لا تغفلون عنه فما بالكم دهشتم عندما وقع الموت فيكم؟، وما بالكم تحزنون وتضعفون، عند لقاء ما كنتم تحبون وتتمنون؟، ومن تمنى الشيء وسعى إليه لا ينبغي أن يحزنه لقاؤه ويسوءه، فقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  ﴾ للتأكيد لأن الإنسان يرى الشيء أحيانًا ولكنه لانشغاله عنه ربما لا يتبينه، فأراد أن يقول إنكم قد رأيتموه رؤية كان لها الأثر الثابت في نفوسكم لا رؤية من قبيل لمح الشيء مع الغفلة عنه وعدم المبالاة به.

وقال بعض المفسرين إن الجملة مستأنفة أي أبصرتموه وأنتم الآن تنظرون وتتأملون فيما رأيتموه وتفكرون في علاقته بشؤونكم، والذي يظهر هو صحة التأويل الأول.

بعد هذا بيّن الله تعالى حكمة أخرى من أعظم الحكم المتعلقة بغزوة أُحد وهي إشاعة قتل النبي  ، وما كان من تأثيرها في المسلمين، وما كان يجب أن يكون فقال: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  ﴾ إلخ.

إن كلمة ﴿ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  ﴾ من قبيل المثل تضرب لمن رجع عن الشيء بعد الإقبال عليه، والأحسن أن تكون عامة تشمل الارتداد عن الدين الذي جاهر بالدعوة إليه بعض المنافقين، والارتداد عن العمل كالجهاد ومكافحة الأعداء وتأييد الحق وهذا هو الصواب.

قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ  ﴾ في هذه الآية إرشاد لنا إلى أن لا نجعل المصائب الشخصية دليلًا على كون من تصيبه على باطل أو على حق، فإن من الجائز عقلًا والواقع فعلًا أن يبتلى صاحب الحق بالمصائب والرزايا، وأن يبتلى صاحب الباطل بالنعم والعطايا، كما أن عكس ذلك جائز وواقع.

وتعلمنا أيضًا أن لا نعتمد في معرفة الحق والخير على وجود المعلم بحيث نتركهما بعد ذهابه أو موته وإنما نعتمد على معرفتهما والتحقق بهما والسير على منهاجهما في حال وجود المعلم وبعده.

فالله تعالى يقول عليكم أن تستضيئوا بالنور، وتتقلدوا سيف البرهان اللذين جاءكم بهما محمد، وأما ما يصيب جسمه من جرح أو ألم، وما يعرض له من حياة أو موت، فلا مدخل له في صحة دعوته، ولا في إضعاف النور الذي جاء به، فلا معنى إذًا لتعليق إيمانكم بحياته أو سلامة بدنه مما يعرض له من حيث هو بشر مثلكم، خاضع لسنن الله كخضوعكم.

﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا  ﴾ الآية.

تلك قضية وهذه قضية أخرى ووجه الاتصال بينهما أن المراد بتلك لوم المؤمنين على ما وقع منهم إذ بلغهم قتل النبي  ، والمراد بهذه بيان أنه لو قتل لما كان قتله إلا بإذن الله ومشيئته، فهو توبيخ لمن اندهش من خبر موته كأنهم بسبب زلزالهم وزعزعة عقائدهم قد جعلوا موته جناية منه، فأذاقهم تعالى بهذه العبارة مرارة خطأهم، وأراهم بها قبح جهلهم، كأنه يقول إن محمدًا يدعوكم إلى الله -أي لا إلى نفسه- فلو كان هذا الموت يقع بدون إذن الله لكان الانقلاب صوابًا، ولكن إذا كان هذا الموت لا يقع إلا بإذنه تعالى، إذ ليس لأحد في العالم سلطان يقهره ويوقع في ملكه شيئًا بالكره منه فلا معنى لزلزلة ثقتكم بالله، وضعفكم عن المضي فيما كنتم عليه مع النبي في حياته لأن الله لم يزل حيًا باقيًا عليمًا حكيمًا.

وفي الآية معنى آخر وهو أنه ما دام محيانا ومماتنا بيد الله فلا محل للجبن والخوف، ولا عذر في الوهن والضعف، وفيها تأكيد لما تقدم بيانه في الآية التي قبلها وهو أن الموت لا يدل على بطلان ما كان عليه من يموت ولا على حقيته، ولقد جعل صاحب الكشاف الجملة تمثيلًا.

﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا  ﴾ ، هذه قضية أخرى فيها وجهان: أحدهما: أنها رد لاستدلال من استدل بما حل بالمسلمين على أن ما هم عليه غير الحق، فهي من هذا الوجه فرع من فروع قوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ فهو يقول إن لنيل ثواب الدنيا سننًا ولنيل ثواب الآخرة سننًا فمن سار على سنن واحدة منهما وصل إليها.

فإذا كان المشركون قد استظهروا على المسلمين في هذه المرة فلأنهم طلبوا بعملهم الدنيا وأخذوا له أهبته من حيث قد قصر المسلمون في اتباع السنن في ذلك بمخالفة الرسول كما تقدم.

والوجه الثاني: أنه يقول لأولئك الذين ضعفوا وفشلوا وانقلبوا على أعقابهم: ما الذي تريدون بعملكم هذا؟

إن كنتم تريدون ثواب الدنيا فالله لا يمنعكم ذلك وما عليكم إلا أن تسلكوا طريقه، ولكن ليس هذا هو الذي يدعوكم إليه محمد وإنما يدعوكم إلى خير ترون حظًا منه في الدنيا، والمعول فيه على ما في الآخرة، فالمسألة معكم بين أمرين: إرادة الدنيا، وإرادة الآخرة، كل يريد أمرًا ولكل أمر سنن تتبع ولكل دار طريق تسلك.

﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ  ﴾ ، كأنس بن النضر وأمثاله الذين جاهدوا وصبروا مع النبي  بحفظهم قوة إرادتهم فكانوا السبب في انجلاء المشركين عن المسلمين، وخصهم بالذكر الذي يعينه الوصف تنويهًا بهم ووعدًا لهم بالجزاء، وهو من التفصيل لإجمال من يريد الآخرة.

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ  وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  ﴾ ثواب هؤلاء حسن على كل حال ولكن ذكر الحسن في ثواب الآخرة مزيد في تعظيم أمره، وتنبيه على أنه ثواب لا يشوبه أذى، فليس مثل ثواب الدنيا عرضة للشوائب والمنغصات.

ولقد اتفق المفسرون على أن الآيات جاءت تأديبًا للمؤمنين وتوبيخًا لمن فرط منهم ما فرط والأمر ظاهر كالشمس في الضحى أو أشد ظهورًا.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ ١٤٩ بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ ١٥٠ سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًۭا ۖ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٥١

قال بعض المفسرين إن هذه الآيات التفات عن خطاب المنافقين الذين وبخهم في الآيات السابقة أن انهزموا وقالوا ما قالوا، إلى خطاب المؤمنين الصادقين.

وعندي أن الخطاب لمن سمع قول أولئك القائلين من المنافقين: ارجعوا إلى إخوانكم ودينكم.

وهو أخص مما قبله.

قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ معناه إن تطيعوا الذين جحدوا نبوة محمد، ولم يقبلوا دعوته إلى التوحيد والخير كأبي سفيان ومن معه من مشركي مكة الذين دعاكم مرضى القلوب إلى الرجوع إليهم، وتوسيط رئيس المنافقين عبدالله بن أُبي بينكم وبين رئيسهم (أبي سفيان) ليطلب لكم منه الأمان أو الذين كفروا بقلوبهم وآمنوا بأفواههم كعبدالله بن أُبي وأصحابه الذين خذلوكم قبل الشروع في الحرب ثم دعوكم بعدها إلى الرجوع عن دينكم وقالوا لو كان محمد نبيًا لما أصابه ما أصابه ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  ﴾ إلى ما كنتم عليه من الكفر ابتداء أو استدراجًا.

أي إن طلبتم الأمان منهم وكانت حالكم معهم حال المغلوب مع الغالب يتولوا عليكم، وتكونوا معهم أذلاء مقهورين حتى يردوكم عن دينكم ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ  ﴾ للدنيا والآخرة، أما الأول فبخضوعكم لسلطانهم، وامتهانكم بينهم، وحرمانكم مما وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات من استخلافهم في الأرض بالسيادة والملك، ومن تمكين دينهم وتبديلهم من بعد خوفهم أمنًا، وأما الآخر فبما يمسكهم في الآخرة من عذاب المرتدين مع الحرمان مما وعد الله المتقين.

﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ  ﴾ لا وجه للاعتراض بأن الكافرين لا خير فيهم، فإن التفضيل إنما هو بالنسبة إلى النصر يعني أن نصر الله لعباده المؤمنين خير من نصر الكافرين لمن ينصرونه من أوليائهم ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا  ﴾ .

وفي الآية وجهان: أحدهما: أن إلقاء الرعب خاص بتلك الواقعة ولو كان عامًا لشمل غزوة حنين ولم يكن الكفار فيها مرعوبين بل كانوا مستميتين، وكذلك نرى أن كثيرًا من الكافرين قد حاربوا ولم يصبهم الرعب وهذا الوجه هو الذي عليه مفسرنا (الجلال) وكثير من المفسرين.

والوجه الثاني: أن الآية بيان لسنة إلهية عامة، وهو الحق، وبيانه يتوقف على فهم المعنى المراد من لفظ المؤمنين ولفظ الكافرين وهو ما كان عليه المؤمنون والكافرون في الوقت الذي نزلت فيه هذه الآيات، فأما أولئك المؤمنون فهم الذين كانوا في مرتبة من اليقين والاذعان، قد صدقها العمل الذي كان منه بذل الأنفس والأموال في سبيل الإيمان، الذين عاتبهم الله ووبخهم على تلك الهفوة التي وقعت من بعضهم بما تقدم وما يأتي في هذا السياق من الآيات، وأما أولئك الكافرون فهم الذين دُعوا إلى الإيمان وأقيم لهم على الدعوة الدليل والبرهان، فجاحدوا وعاندوا وكابروا الحق، وآثروا مقارعة الداعي ومن استجاب له بالسيف، وقعدوا له ولهم كل مرصد، فإذا نظرنا في شرك هؤلاء الكافرين، وفي حالهم مع أولئك المؤمنين، نجد أن شأنهم معهم كشأن من يرى نور الحق مع خصمه فيحمله البغي والعدوان على مجاحدته من غير حجة ولا دليل، يرتاب فيما هو فيه ويتزلزل، فإذا شاهد الذين دعوه ثابتين مطمئنين يعظم ارتيابه ويهاب خصمه حتى يمتلئ قلبه رعبًا منه.

هذا هو شأن الكافرين المعاندين مع المؤمنين الصادقين، كأنه تعالى يقول هذه هي الطبيعة في المشركين إذا قاوموا المؤمنين، فلا تخافوهم ولا تبالوا بقول من يدعوكم إلى موالاتهم والالتجاء إليهم.

وبهذا يندفع قول من يقول: ما بالنا نجد الرعب كثيرًا ما يقع في قلوب المسلمين، ولا يقع في قلوب الكافرين؟

فإن الذين يسمون أنفسهم مسلمين قد يكونون على غير ما كان عليه أولئك الذين خوطبوا بهذا الوعد من قوة اليقين والإذعان والثبات والصبر وبذل النفس والمال في سبيل الله وتمني الموت في الدفاع عن الحق، فمعنى المؤمنين غير متحقق فيهم، وإنما رعب المشركين مرتبط بإيمان المؤمنين وما يكون له من الآثار، فحال المسلمين اليوم لا يقوم حجة على القرآن لأن أكثرهم قد انصرفوا عن الاجتماع على ما جاء به الإسلام من الحق وما كان عليه سلفهم من الإيمان والصفات والأعمال، فالقرآن باق على وعده، ولكن هات لنا المؤمنين الذين ينطبق إيمانهم على آياته ولك من إنجاز وعده في هذه الآية وغيرها ما تشاء.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ  ﴾ الآية.

وعلى هذا يكون الإشراك سببًا للرعب كسائر الأسباب العادية التي ربط الله بها المسببات كالشرب للري، والأكل للشبع فمن وصل إليه الحق تزلزل الباطل في نفسه لا محالة.

﴿ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ  ﴾ أي هي مكانهم الذي يأوون إليه في الآخرة بعد ما يصيبهم من الخذلان في الدنيا ﴿ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ  ﴾ أي والنار التي يأوون إليها بئس المثوى والمقام لهم؛ بسبب ظلمهم لأنفسهم بالكفر والجحود، ومعاندة الحق، ومقاومة أهله، وظلم الناس بسوء المعاملة.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٥٢ ۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّۢ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَـٰبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٥٣ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةًۭ نُّعَاسًۭا يَغْشَىٰ طَآئِفَةًۭ مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌۭ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌۭ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٥٤ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ ١٥٥

روى الواحدي عن محمد بن كعب قال لما رجع رسول الله  إلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أُحد قال ناس من أصحابه؛ من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟

فأنزل الله هذه الآية ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ  ﴾ الآية.

ونقول: نعم إن الناس قالوا ذلك كما يعلم من قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا  ﴾ وسيأتي، ولكن هذا القول ليس سبب النزول لهذه الآية وحدها وإنما نزلت مع هذه الآيات الكثيرة بعد تلك الواقعة وما قيل فيها.

الوعد المشار إليه في الآية يحتمل أن يكون المراد به ما تكرر كثيرًا في القرآن من نصر الله المؤمنين ونصر من ينصره، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد به ما دل عليه قوله تعالى: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ  ﴾ الآية، وقال بعضهم: إن المراد به وعد النبي لهم عند تعبئتهم واختاره ابن جرير وروى فيه عن السدي أنه قال "لما برز رسول الله  إلى المشركين بأحد أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين، وقال: ولا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات بن جبير، ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النار؟

فقام إليه علي بن أبي طالب فقال والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة، فضربه علي فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال: أنشدك الله والرحم يا ابن عم، فتركه.

فكبر رسول الله  وقال لعلي أصحابه: ما منعك أن تجهز عليه؟

قال إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييت منه، ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم وحمل النبي  وأصحابه فهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع، فلما نظر الرماة إلى رسول الله  وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه بادروا الغنيمة فقال بعضهم لا نترك أمر رسول الله  ، فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله ثم حمل على أصحاب النبي  ، فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل تنادوا فشدوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم".

أي قتلوا منهم سبعين كما هو معلوم من الروايات المفصلة.

وإنما ذكرنا هنا رواية السدي بطولها لما فيها من التصريح بأن النبي  قال للرماة "فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم"، والتفصيل الذي يعين على فهم الآية وغيرها، ومنها أن الرماة لم يعصوا كلهم وإنما أولئك بعض عامتهم، وأما الخاصة الراسخون في الإيمان العارفون بالواجب فقد ثبتوا، والمختار عندنا أن المراد بوعد الله هنا ما تكرر في القرآن وإنما قال النبي ما قال للرماة عملًا بالقرآن وتأولًا له فإنه تعالى قرن الوعد فيه بشروط لا تتم إلا بالطاعة والثبات.

فملخص تفسير الآية هكذا ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ  ﴾ إياكم بالنصر حتى في هذه الواقعة ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ  ﴾ أي المشركين أي تقتلونهم قتلًا ذريعًا ﴿ بِإِذْنِهِ  ﴾ تعالى أي بعنايته وتأييده لكم ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ  ﴾ ضعفتم في الرأي والعمل فلم تقووا على حبس أنفسكم عن الغنيمة، ﴿ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ  ﴾ فقال بعضكم ما بقاؤنا هنا وقد انهزم المشركون وقال الآخرون لا نخالف أمر الرسول، ﴿ وَعَصَيْتُمْ  ﴾ رسولكم وقائدكم بترك أكثر الرماة للمكان الذي أقامهم فيه يحمون ظهوركم بنضح المشركين بالنبل ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ  ﴾ من النصر والظفر فصبرتم على الضراء ولم تصبروا في السراء، ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا  ﴾ كالذين تركوا مكانهم وذهبوا وراء الغنيمة ليصيبوا منها، ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ  ﴾ كالذين ثبتوا من الرماة مع أميرهم عبد الله بن جبير وهم نحو عشرة وكان الرماة خمسين رجلًا، والذين ثبتوا مع النبي  وهم ثلاثون رجلًا.

أي صدقكم وعده ونصركم على قلتكم وكثرة المشركين واستمر هذا النصر إلى أن فشلتم وتنازعتم وعصيتم، فعندما وصلتم إلى هذه الغاية، لم تعودوا مستحقين لهذه العناية، لمخالفتكم لسننه في استحقاق النصر، الذي وعد به أهل الثبات والصبر، فعلى هذا تكون "حتى" للغاية و"إذا" في قوله: ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ  ﴾ ليست للشروط وإنما هي بمعنى الحين والوقت هذا هو المختار، والوجه الثاني أنها للشرط وجوابها محذوف تقديره عند البصريين "منعكم نصره" أو نحوه، وإن الحكمة في حذف الجواب هنا على القول به هي أن تذهب النفس في تقديره كل مذهب، ومثل هذا الحذف لا يأتي في الكلام البليغ إلا حيث ينتظر المخاطب الجواب بكل شغف ولهف ولك أن تجعل تقديره: امتحنكم بالإدالة منكم ليمحصكم ويميز المخلصين والصادقين منكم.

وحاصل المعنى أنه بعد أن صدقكم وعده فكنتم تقتلونهم بإذنه ومعونته قتل حس واستئصال صرفكم عنهم بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم، وحال بينكم وبين تمام النصر ليمتحنكم بذلك أي ليعاملكم معاملة من يمتحن ويختبر أو لأجل أن يكون ذلك ابتلاء واختبارًا يمحصكم به ويميز بين الصادقين والمنافقين ويزيل، بين الأقوياء والضعفاء كما علم من الآيات السابقة.

وقد اسند الله تعالى صرف المؤمنين عن المشركين إلى نفسه هنا باعتبار غايته الحميدة في تربيتهم وتمحيصهم الذي يعهدهم للنصر الكامل والظفر الشامل في المستقبل وأضاف ما أصابهم إليهم في قوله الذي سيأتي في السياق ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ  ﴾ باعتبار سببه وهو ما كان منهم من الفشل والتنازع والعصيان، وقد عد بعضهم إسناد الصرف إليه هنا مشكلًا لا سيما على مذهب المعتزلة الذين تكلف علماؤهم في تخريجه تكلفًا لا حاجة إليه، إذ لا إشكال فيه، ولكن المذاهب والاصطلاحات هي التي تولد لأصحابها المشكلات.

قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ  ﴾ بذلك التحميص الذي محا أثر الذنب من نفوسكم فصرتم كأنكم لم تفشلوا ولم تتنازعوا ولم تعصوا، وقد ظهر أثر هذا العفو في حمراء الأسد.

﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ فلا يذرهم على ما هم عليه من ضعف يلم ببعضهم، أو تقصير يهبط بنفوس غير الراسخين منهم، حتى يبتلي ما في قلوبهم، ويمحص ما في صدورهم، فيكونوا من المخلصين.

﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ  ﴾ أي صرفكم عنهم في ذلك الوقت الذي أصعدتم فيه أي ذهبتم وأبعدتم في الأرض منهزمين -وهو غير الصعود الذي هو الذهاب في المرتفعات كالجبال- لا تلوون أي لا تعطفون على أحد بنجدة ولا مدافعة، ولا تلتفون إلى من وراءكم لشدة الدهشة التي عرتكم والذعر الذي فاجأكم.

﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ  ﴾ أي تفعلون ذلك والرسول من ورائكم يدعوكم إليه فيمن تأخر معه منكم فكانوا ساقة الجيش -روي أنه كان يقول في دعوته: "إليّ عباد الله إليّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة"- وأنتم لا تسمعون ولا تنظرون، وكان يجب أن يكون لكم أسوة حسنة بالرسول فتقتدوا به في صبره وثباته ولكن أكثركم لم يفعل ﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ  ﴾ ، الغم هو الألم الذي يفاجئ الإنسان عند نزول المصيبة وأما الحزن فهو الألم الذي يكون بعد ذلك ويستمر زمنًا.

﴿ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ  ﴾ أي لأجل أن لا تحزنوا بعد هذا التأديب والتمرين على ما فاتكم من غنيمة ومنفعة، ﴿ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ  ﴾ من قرح ومصيبة فإن التربية إنما تكون بالعمل والتمرن الذي به يكمل الإيمان وترسخ الأخلاق.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون الضمير في "فأثابكم" للرسول أي فآساكم في الاغتمام وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم فأثابكم غمًا اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله ولا على ما أصابكم من غلبة العدو.

﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  ﴾ ، يقول فلا تعتذروا عن أنفسكم ولا تخادعوها فإن الخبير بأعمالكم المحيط بنفوسكم لا يخفى عليه من أمركم خافية وإنما المعوّل على علمه وخبره لا على إعذاركم وتأويلكم لأنفسكم ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ  ﴾ اختلف المفسرون في وقت هذا النعاس فقال بعضهم إن ذلك كان في أثناء الواقعة وأن الرجل كان ينام تحت ترسه كأنه آمن من كل خوف وفزع، إلا المنافقين فإنهم أهمتهم أنفسهم فاشتد جزعهم، وحمل بعضهم هذه الآية على آية الأنفال: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ  ﴾ وإنما هذه في غزوة بدر.

وقد مضت السنة في الخلق بأن من يتوقع في صبيحة ليلته هولًا كبيرًا ومصابًا عظيمًا فإنه يتجافى جنبه عن مضجعه ويبيت بليلة الملسوع فيصبح خاملًا ضعيفًا، وقد كان المؤمنون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك إذ بلغهم أن جيشًا يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدًا وهو أشد منهم قوة وأعظم عدة فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرق والسهاد يضربون أخماسًا لأسداس، ويفكرون بما سيلاقون في غدهم من الشدة والبأس، ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس، غشيهم فناموا واثقين بالله تعالى مطمئنين لوعده، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه، فالنعاس لم يكن يوم بدر في وقت الحرب بل قبلها ومثله المطر الذي أنزل عليهم عند شدة حاجتهم إليه وقد قرن ذكره به في الآية التي ذكرتهم بعناية الله بهم في ذلك.

وأما النعاس يوم أُحد فقد قيل إنه كان في أثناء الحرب، وقيل إنه كان بعدها وقد اتفق المفسرون وأهل السير على أن المؤمنين قد أصابهم يوم أُحد شيء من الضعف والوهن لما أصابهم من الفشل والعصيان، وقتل طائفة من كبارهم وشجعانهم فكانوا بعد انتهاء الواقعة قسمين، فقسم منهم ذكروا ما أصابهم فعرفوا أنه كان بتقصير من بعضهم وذكروا الله ووعده بنصرهم فاستغفروا لذنوبهم ووثقوا بوعد ربهم، وعلموا أنه إن كان قد غلبوا في هذه المرة فإن الله سينصرهم في غيرها حيث لا يعودون إلى مثل ما وقع منهم فيها من الفشل والتنازع وعصيان قائدهم ورسولهم، فأنزل الله عليهم النعاس أمنة، أو الأمنة نعاسًا، حتى يستردوا ما فقدوا من القوة بما أصابهم من القرح، ومع عرض لهم من الضعف، والنوم للمصاب بمثل تلك المصائب نعمة كبيرة، وعناية من الله عظيمة، وقد كان من أثر هذا الاطمئنان في القلوب، والراحة للأجسام، والتسليم للقضاء، أن سهل على هؤلاء المؤمنين اقتفاء أثر المشركين بعد انصرافهم، وعزموا على قتالهم في حمراء الأسد عندما دعاهم الرسول إلى ذلك فاستجابوا له مذعنين.

واتفق الرواة أيضًا على أن كثيرًا منهم كانوا مثقلين بالجراح فلم يقدروا على اقتفاء أثر المشركين فذلك قوله تعالى: ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ  ﴾ فهذه الطائفة من المؤمنين الضعفاء، ولا حاجة إلى جعلها في المنافقين كما قيل، فإن هؤلاء سيأتي الكلام فيهم وما من أمة إلا وفيها الضعفاء والأقوياء في الإيمان وغيره.

وقد بيّن ظنهم بقوله: ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ  ﴾ فنلام أن ولينا وغلبنا؟

يعنون أنه ليس لهم من أمر النصر وعدمه شيء فإنهم فهموا مما وقع يوم بدر أن النصر وحقية الدين متلازمان، وعجبوا مما وقع في أحد كأنه مناف لحقيقة الدين، وهذا خطأ عظيم، أي فإن نصر الله لرسله لا يمنع أن تكون الحرب سجالًا والعاقبة للمتقين.

﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ  ﴾ لا أمر النصر وحده، أي إن كل أمر يجري بحسب سننه تعالى في خلقه ونظامه الذي ربط فيه الأسباب بالمسببات ومنه نصر من ينصره من المؤمنين ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا  ﴾ أي لو كان أمر النصر والظفر في أيدينا لما وقع فينا القتل هنا، يقررون رأيهم ويستدلون عليه بما وقع لهم غافلين عن تحديد الآجال ولذلك أمر الله نبيه أن يجيبهم بقوله: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ  ﴾ أي لو كنتم وادعين في بيوتكم في سلم وأمان لخرج من بينكم من انتهت آجالهم وثبت في علم الله أنهم يقتلون كما يثبت المكتوب في الألواح والأوراق إلى حيث يقتلون ويسقطون من البراز، فتكون مصارعهم ومضاجع الموت لهم فقتل من قتل لم يكن لأن الأمر ليس كله بيد الله بل لأن آجالهم قد جاءت كما سبق في علم الله.

﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ  ﴾ أي يقع ذلك لأجل أن يكون القتل عاقبة من جاء أجلهم منكم ولأجل أن يمتحن الله نفوسكم فيظهر لكم ما انطوت عليه من ضعف وقوة في الإيمان، ويطهرها حتى تصل إلى الدرجات العلى من الإيقان، وقد تقدم تفسير الابتلاء والتمحيص في هذا السياق ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ  ﴾ أي بالسرائر والوجدانات الملازمة للصدور حيث القلوب المنفعلة بها، والمنبسطة أو المنقبضة بتأثيرها، وقد يخفى ذلك على أصحابها فينخدعون للشعور العارض لها الذي لم يرسخ بالتجارب والابتلاء كما انخدع الذين تمنوا الموت من قبل أن يلقوه.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا  ﴾ أي إن الذين تولوا وفروا من أماكنهم يوم التقى جمعكم بجمع المشركين في أُحد لم يكن ذلك التولي منهم إلا بإيقاع الشيطان لهم في الزلل، أي زلوا وانحرفوا عما يجب أن يكونوا ثابتين عليه باستجرار الشيطان لهم بالوسوسة.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّۭى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ١٥٦ وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ١٥٧ وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ ١٥٨

يقول بعض المفسرين إن هذا القول وقع من بعض الكفار فعلًا فنهى الله المؤمنين أن يقولوا مثله، والمختار أن هذا القول لا يصدر إلا عن كافر فلا يليق مثله بالمؤمنين.

أما وقد سأل سائل الآن عن مسألة القضاء والقدر فإنني أجيب السائل بمثل ما أجبت به من سألني عن ذلك من غير المسلمين إذ قال: "إن هذه العقيدة هي السبب في تأخر المسلمين عن غيرهم من الأمم، فإنهم ينكرون الأسباب ولا يحفلون بها".

فقلت له: إن ما ينتقد على المسلمين من ذلك لا يرجع منه شيء إلى الإسلام الخالص، فما قرره فهو الحق الواقع في نفسه الذي لا يمكن لمؤمن ولا ملحد إنكاره، إن القضاء عبارة عن تعلق العلم الإلهي بالشيء، والعلم انكشاف لا يفيد الإلزام، والقدر وقوع الشيء على حسب العلم، والعلم لا يكون إلا مطابقًا للواقع وإلا كان جهلًا، أو الواقع غير واقع وهو محال، وهنا أمران كل منهما ثابت في نفسه: أحدهما: أن الله خالق كل شيء.

وثانيهما: أن هذا النوع من المخلوقات الذي يسمى "الإنسان" يعمل أعماله بقصد واختيار، ولكنه غير تام القدرة ولا الإرادة ولا العلم، فقد يعزم على العمل ثم تنفسخ عزيمته لتغير علمه بالمصلحة أو لعجزه عن تنفيذ ما عزم عليه مع بقاء علمه بأنه هو الموافق للمصلحة، وذلك لمرض يلم به أو مانع يحول دون ما أراده، وهذا يقع مع الناس كل يوم ولكنهم قد يغفلون عنه ويغترون بما ينفذ من عزائمهم فيظنون أن الإنسان يفعل ما يشاء.

جاء مصر رجلان من الأوروبيين الذين جرت عادة أمثالهم بأن يحددوا مدة سفرهم ومقامهم في كل بلد يزورونه قبل الشروع في السفر، وكان مما كتباه في برنامج سفرهما أنهما يقيمان بمصر ستة أيام، فمرض أحدهما فاضطر إلى أن يمد في مدة السفر بغير حساب، وهكذا شأن الإنسان يعزم فيعمل، أو يعجز أو يموت قبل التمكن من العمل، فاختياره في أعماله وقدرته عليها ومعرفته الأسباب وقيامها به كل ذلك له حدود لا يتجاوزها، فهو لا يحيط علمًا بأسباب الموت ولا يقدر على اجتناب كل ما يعمل من أسبابه، وما كل سبب يتعرض له يقع، فجميع الذين يصطلون بنار الحرب يعرضون أنفسهم للقتل، وقد يسلم أكثرهم ويقتل أقلهم.

﴿ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ  ﴾ أي لا تكونوا يا معشر المؤمنين مثل أولئك الكافرين في اعتقادهم ولا تقولوا مثل قولهم الناشئ عن ذلك الاعتقاد.

﴿ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  ﴾ أي إن الحياة والممات بيد الله تعالى وهو ممد الموجودات كلها بما يحفظ وجوده، والعالمين بحياتهم وموتهم، فلا يليق بالعاقل أن يقول لمن أماته لو كان في مكان كذا لما مات بل كانت حياته أطول، وهناك علة أخرى من علل النهي عن مثل ذلك القول وهي ما أفاده قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ  ﴾ وبيان ذلك أن حظ الحي من هذه الحياة هو ما يجمعه من المال والمتاع الذي تتحقق به شهواته وحظوظه، وما يلاقيه من يقتل أو يموت في سبيل الله من مغفرته تعالى ورحمته فهو خير لي من جميع ما يتمتع به في هذه الدار الفانية، والموت في سبيل الله هو الموت في أي عمل من الأعمال التي يعملها الإنسان لله أي سبيل البر والخير التي هدى الله الإنسان إليها ويرضاها منه، وقد يموت الإنسان في أثناء الحرب من التعب أو غير ذلك من الأسباب التي يأتيها المحارب في أثنائها فيكون ذلك من الموت في سبيل الله  .

﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ  ﴾ : إنه ليس لله تعالى مكان يحصره فيحشر الناس ويساقون إليه، ولكن الإنسان يغفل في هذه الدار عن الله فينسى هيبته وجلاله وينصرف عن استشعار عظمته وسلطانه؛ لاشتغاله بدفع المكاره عن نفسه، وجلب اللذات والرغائب لها، وأما ذلك اليوم يحشر له الناس فلا اشتغال فيه بتقويم بنية، ولا التمتع بلذة، ولا مدافعة عدو، ولا مقاومة مكروه، ولا بتربية نفس، ولا تنزيه حس، وإنما يستقبل فيه كل أحد ما يلاقيه من الله تعالى جزاء على عمله لا يشغله عنه شيء فيكون بذلك راجعًا عن كل شيء كان فيه إلى الله تعالى محشورًا مع سائر الناس إليه لا يشغلهم عنه شيء.

وإذا كان هذا مصير كل من يموت أو يقتل إلى الله تعالى مهما كان سبب موته أو قتله ومهما طالت حياته فالاشتغال بذكر سبب هذا المصير ومبدأه لا يفيد وإنما الذي يفيد هو الاهتمام بذلك المستقبل، والاشتغال بالاستعداد له وذلك دأب العقلاء من المؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ١٦٠

الفاء للتعقيب لأن الكلام في واقعة خالف النبي  فيها بعضُ أصحابه فكان لذلك من الفشل وظهور المشركين ما كان حتى أصيب النبي  مع من أصيب، فكان من لينه في معاملتهم ومخاطبتهم ومن رحمته بهم أن صبر وتجلد فلم يتشدد في عتب ولا توبيخ، اهتداء بكتاب الله تعالى، فقد أنزل الله عليه آيات كثيرة في الواقعة بينّ فيها ما كان من ضعف في المسلمين وعصيان وتقصير، حتى ما كان متعلقًا بالظنون الفكرية والهموم النفسية ولكن مع العتب اللطيف المقرون بذكر العفو والوعد بالنصر وإعلاء الكلمة وفوائد المصائب، وقد كان خلقه  القرآن كما ورد في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها.

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ  ﴾ لأن الفظاظة وهي الشراسة والخشونة في المعاشرة، وهي القسوة من الأخلاق المنفرة للناس لا يصبرون على معاشرة صاحبها وإن كثرت فضائله، ورجيت فواضله، بل يتفرقون ويذهبون من حوله، ويتركونه وشأنه، لا يبالون ما يفوتهم من منافع الإقبال عليه، والتحلق حواليه، وإذًا لفاتتهم هدايتك، ولم تبلغ قلوبهم دعوتك.

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ  ﴾ فلا تؤاخذهم على ما فرطوا واسأل الله تعالى أن يغفر لهم ولا يؤاخذهم أيضًا فبذلك تكون محافظًا على تلك الرحمة التي خصك الله بها، ومداومًا لتلك السيرة الحسنة التي هداك الله إليها.

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ  ﴾ ليس من السهل أن يشاور الإنسان ولا أن يشير، وإذا كان المستشارون كثارًا كثر النزاع وتشعب الرأي، ولهذه الصعوبة والوعورة أمر الله تعالى نبيه أن يقرر سنة المشاورة في هذه الأمة بالعمل فكان  يستشير أصحابه بغاية اللطف، ويصغى إلى كل قول ويرجع عن رأيه إلى رأيهم.

﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ  ﴾ إن العزم على الفعل وإن كان يكون بعد الفكر، وإحكام الرأي والمشاورة، وأخذ الأهبة فذلك كله لا يكفي للنجاح إلا بمعونة الله وتوفيقه؛ لأن الموانع الخارجية له والعوائق دونه لا يحيط بها إلا الله تعالى فلا بد للمؤمن من الاتكال عليه والاعتماد على حوله وقوته ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ  ﴾ على حوله وقوته، مع العلم في الأسباب بسنته.

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ  ﴾ الكلام استئناف مسوق لبيان وجه وجوب التوكل على الله تعالى بعد المشاورة والعزيمة المبنية على أخذ الأهبة، والاستعداد بما يستطاع من حول وقوة، أي إن ينصركم الله بالعمل بسننه، وما يكون لكم من القوة والثبات بالاتكال على توفيقه ومعونته، فلا غالب لكم من الناس، الذين نصبهم حرمانهم من التوكل عليه تعالى غرضًا للقنوط واليأس.

﴿ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ  ﴾ بما كسبت أيديكم من الفشل، وعصيان القائد فيما حتمه من عمل، كما جرى لكم في أُحد، أو بالإعجاب بالكثرة، والاعتماد على الاستعداد والقوة، وهو مخل بالتوكل كما جرى يوم حنين.

﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ  ﴾ أي من بعد خذلانه أي لا أحد يملك لكم حينئذ نصرًا، ولا أن يدفع عنكم ضرًا، ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ  ﴾ ولا يتوكلوا على غيره لأن النصر بيده وهو الموفق لأسبابه وأهبه.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ١٦١ أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ١٦٢ هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ١٦٣ لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ١٦٤

نزلت هذه الآية في شأن النبي  من سياق الحكم والأحكام المتعلقة بغزوة أُحد، ولكن أخرج أبو داود والترمذي وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ  ﴾ قد نزل في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس لعل رسول الله  أخذها، وقد ضعف هذه الرواية بعض المفسرين وإن حسنها الترمذي لأن السياق كله في واقعة أُحد ورجحوا عليها ما روي عن الكلبي ومقاتل من أن الرماة قالوا حين تركوا المركز الذي وضعهم النبي  فيه: نخشى أن يقول النبي  : "من أخذ شيئًا فهو له"، وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر، فقال النبي  : "أظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم" ولهذا نزلت الآية.

وروى ابن أبي شيبة في (المصنف) وابن جرير مرسلًا عن الضحاك قال بعث رسول الله  طلائع فغنم  غنيمة فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع فلما قدمت الطلائع قالوا قسم النبي  ولم يقسم لنا، فأنزل الله تعالى الآية.

والصواب أن هذه الآية من متعلقات هذه الواقعة كالآيات التي قبلها وكثير مما يأتي بعدها.

وأصل الغل الأخذ بخفية كالسرقة، وغلب في السرقة من الغنيمة قبل القسمة وتسمى غلولاً.

قال الرماني وغيره: أصل الغلول من الغلل وهو دخول الماء في خلل الشجر، وسميت الخيانة غلولًا لأنها تجري في الملك على خفاء من غير الوجه الذي يحل.

ومن ذلك الغل للحقد والغليل لحرارة العطش والغلالة للشعار، والمعنى ما كان من شأن نبي من الأنبياء ولا من سيرته أن يغل؛ لأن الله قد عصم أنبياءه من الغل والغلول فهو لا يقنع منهم، وهذا التعبير أحسن من قولهم: ما صح ولا استقام لنبي أن يغل أي يخون في المغنم.

وقد تقدم بيان ما يفيده هذا التعبير من نفي الشأن الذي هو أبلغ من نفي الفعل لأنه عبارة عن دعوى بدليل كأنه يقول هنا إن النبي لا يمكن أن يقع منه ذلك لأنه ليس من شأن الأنبياء ولا مما يقع منهم أو يجوز عليهم.

وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب "أن يغل" بالبناء للمفعول وهو من أغللته بمعنى وجدته غالًا أي ما كان من شأن النبي أن يوجد غالًا، أو بمعنى نسبته إلى الغلول أي ما كان لنبي أن يكون متهمًا بالغلول، أو من غل أي ما كان لنبي أن يكون بحيث يسرق من غنيمته السارقون ويخونه العاملون وهذا أضعف مما قبله.

وذهب بعض المفسرين إلى أن الغل أو الغلول المنفي هنا هو إخفاء شيء من الوحي وكتمانه عن الناس لا الخيانة في المغنم، وإن كان ما بعده عامًا في كل غلول أو خاصًا بالغنيمة فإنه جيء به للمناسبة كما عهد في مناسبات القرآن وانتقاله من حكم إلى حكم أو خبر له حكمه.

وذكروا أنه نزل ردًا على من رغب إلى النبي  أن يترك النهي على المشركين.

ومن مناسبة كون الغل بمعنى الكتمان وإخفاء بعض التنزيل ما تقدم من أمر الله تعالى نبيه  في الآيات السابقة بمعاتبة من كان معه في أُحد وتوبيخهم على ما قصروا، وذلك مما يصعب تبليغه عادة لأنه يشق على المبلِّغ والمبلَّغ، ومن أمره  بالعفو عنهم والاستغفار لهم ومشاورتهم في الأمر على ما كان منهم، وفي هذا إعلاء لشأنهم ومعاملة لهم بالمساواة في مثل هذه الشؤون، وذلك مما عهد في طباع البشر أن يشق على الرئيس منهم إبلاغه للمرؤوسين.

ثم قال: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  ﴾ فسروا الإتيان بما غل به الغال بأنه يحمله وكأنهم جعلوا الباء للمصاحبة، وليس بمتعين، وقد عدل عنه بعض المفسرين كأبي مسلم الأصفهاني وقال إنه على حد قوله تعالى حكاية عن لقمان ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ  ﴾ فليس معنى ﴿ يَأْتِ بِهَا اللَّه  ﴾ أنه يحملها، ولكن معناه أنه يعلم بها أتم العلم لا تخفى عليه مهما كانت مستترة، لأن من يأتي بالشيء لا بد أن يكون عالمًا به، والمعنى أن الإتيان بالشيء الذي يغله الغال هو كناية عن انكشافه وظهوره، أي أن كل غلول وخيانة خفية يعلمه الله تعالى مهما خفي ويظهره يوم القيامة للغال حتى يعرفه كمعرفة من أتى بالشيء لذلك الشيء على حد قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ  ﴾ .

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ  ﴾ : من عليهم غمرهم بالمنة وأثقلهم بالنعمة.

انتقل من نفي الغلول عن النبي عليه  ومن وصفه قبل ذلك بالرحمة واللين، وأمره بالمشاورة إلى التفرقة بين أصحابه الذين عاملهم هذه المعاملة الذين اتبعوا رضوان الله، وبين من باء بسخط من الله وتفاوت درجاتهم في ذلك وقالوا ما قالوا مما دل على جهلهم وكفرهم بحرمانهم من هدايته، ثم عاد إلى ذكر منته تعالى على المؤمنين ببعثه النبي  فيهم.

وقد كان ما تقدم من وصفه  بالرحمة واللين وأمره بتلك المعاملة الحسنى وتنزيهه عن الغلول تمهيدًا لهذه المنة.

ثم وصفه بأوصاف أخرى أكد بها المنة أولها: أنه من أنفسهم أي من جنسهم أي العرب.

ووجه هذه المنة الخاصة، التي لا تنافي كونه  رحمة عامة، هو أن كونه منهم يزيد في شرفهم ويجعلهم أول المهتدين به، لأنهم أسرع الناس فهمًا لدعوته، والنعمة العامة قد ذكرت في آيات أخرى كقوله تعالى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ  ﴾ ويمكن أن يستدل على هذا التخصيص بالعرب دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي تقدمت في سورة البقرة ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ  ﴾ إلخ، الأوصاف المذكورة هنا، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بأنفسهم ههنا البشر لا العرب.

الوصف الثاني: قوله: ﴿ يَتلوا عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ  ﴾ والآيات هي الآيات الكونية الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته وتلاوتها عبارة عن تلاوة ما فيه بيانها، وتوجيه النفوس إلى الاستفادة منها والاعتبار بها، وهو القرآن كقوله  في أواخر هذه السورة ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ ، وقوله في سورة البقرة ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ  ﴾ ، ومنها ما لم يذكر فيه كلمة "الآيات" كقوله تعالى ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا  وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا  ﴾ إلخ.

الوصف الثالث والرابع: قوله تعالى: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ  ﴾ تزكيته إياهم هي تطهيرهم من العقائد الزائفة ووساوس الوثنية وأدرانها، والعقائد هي أساس الملكات، ولذلك نقول: إن العرب وغيرهم كانوا قبل بعثة محمد  ملوثين في عقولهم ونفوسهم.

أما تعليمهم الكتاب فمعناه أن هذا الدين الذي جاء به قد اضطرهم إلى تعلم الكتابة بالقلم وأخرجهم من الأمية لأنه دين حث على المدنية وسياسة الأمم.

وأما الحكمة فهي أسرار القلوب وفقه الأحكام وبيان المصلحة فيها، والطريق إلى العمل بها ذلك الفقه الذي يبعث على العمل، أو هي العمل الذي يوصل إلى هذا الفقه في الأحكام، أو طرق الاستدلال ومعرفة الحقائق ببراهينها، لأن هذه الطريقة هي طريقة القرآن وسنته في العقائد وكذا في الآداب والعبادات، وقد مرت الشواهد الكثيرة على ذلك وسيأتي ما هو أكثر وأغزر إن شاء الله تعالى.

﴿ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ  ﴾ أي وإنهم كانوا قبل بعثة النبي  في ضلال بيّن واضح، وأي ضلال أبين من ضلال قوم مشركين يعبدون الأصنام ويتبعون الأوهام أميين لا يقرأون ولا يكتبون فيعرفوا كنه ضلالتهم، وحقيقة جهالتهم، فضلالهم أبين من ضلال أهل الكتاب، كما هو ظاهر لأولي الألباب.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١٦٥ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٦٦ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًۭا لَّٱتَّبَعْنَـٰكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَـٰنِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ١٦٧ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ ۗ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٦٨

الكلام إنكار لتعجبهم وبيان لمنة الله تعالى عليهم حتى في واقعة أُحد، فإن خذلانهم فيها لم يبلغ مبلغ ظفرهم في بدر بل كان نصرهم هناك ضعفي انتصار المشركين هنا، كأنه يقول لماذا نسيتم فضل الله عليكم في بدر فلم تذكروه!.

وأخذتم تعجبون مما أصابكم في أُحد وتسألون عن سببه ومصدره؟!

وقال المفسرون إن سبب تعجبهم مما أصابهم هو اعتقادهم أنهم لا بد أن ينتصروا وهم مسلمون يقاتلون في سبيل الله وفيهم رسوله -وتقدم كشف هذه الشبهة في تفسير الآيات السابقة- وقد ذكر هنا تعجبهم ليبني عليه هذا الجواب وما فيه من الحكم لأولي الألباب وهو: ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ  ﴾ فإنكم أخطأتم الرأي بخروجكم من المدينة إلى أُحد وكان الرأي ما رآه النبي  من البقاء فيها حتى إذا ما دخلها المشركون عليهم قاتلوهم على أفواه الأزقة والشوارع، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من سطوح المنازل، وروي هذا عن الربيع، ثم إنكم فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم الرسول طمعًا في الغنيمة ففارق الرماة منكم موقعهم الذي أقامهم فيه لحماية ظهوركم بنضح عدوكم بالنبل إذا أراد أن يكر عليكم من ورائكم.

هذا المتبادر المشهور والمعقول والمعنى الموافق لقاعدة كون العقوبات آثارًا لازمة للأعمال، وروي عن عكرمة، ويروي عن الحسن أن ما حصل يوم أُحد من المصيبة كان عقابًا على أخذ الفداء عن أسرى بدر الذي عاتب الله عليه نبيه بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ  ﴾ إلخ، وقووه بما رواه ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والنسائي عن علي كرم الله وجهه قال: جاء جبريل إلى النبي  ، فقال يا محمد إن الله تعالى قد كره ما فعل قومك في أخذهم الأسارى وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وإما أن يأخذوا منهم الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، فدعا رسول الله  الناس فذكر لهم ذلك فقالوا يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا نأخذ فداءهم، نتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم فليس ذلك ما نكره، فقتل منهم يوم أُحد سبعون رجلًا عدة أسارى أهل بدر.

﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ بناء على كون وجه تعجبهم هو وجود الرسول  فيهم، أي أن الرسول  لا ينفع أمة قد خالفت السنن والطبائع فلا تغتروا بوجودكم معه، مع المخالفة لله وله، فهو لا يحميكم، مما تقتضيه سنن الله فيكم.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن قوله تعالى ﴿ أَوَلَمَّا  ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن همزة الاستفهام قدمت على الواو لأن لها الصدارة والواو عاطفة للجملة الاستفهامية.

وثانيهما: أن الواو عاطفة لما بعدها على محذوف قبلها هو الجملة الاستفهامية والتقدير: أأخطأتم الرأي في الخروج إلى أحد، وفعلتم ما فعلتم من الفشل والعصيان، ولم تبالوا بذلك وتفكروا في عاقبته، ولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا تعجبًا منه واستغرابًا؟

وقدر بعضهم غير ذلك.

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ أي لا عجزًا في القدرة، ولا قهرًا للإرادة، وهذا صريح في أن قدرته لا يمنعها وجود الرسول فيهم.

﴿ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ  وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ  ﴾ ليس قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ  ﴾ للاحتراس، بل لرفع شأن هذا اليوم الذي حصل فيه التمييز بين الفريقين وقال إنهم أقرب إلى الكفر ولم يقل إنهم كفار مع علمه بحالهم تأديبًا لهم ومنعًا للتهجم على التكفير بالعلامات والقرائن.

إنه تعالى كان يعلم أنهم يبطنون الكفر وأن امتناعهم عن الجهاد عمل من أعمال الكفر ولكنه لم يصرح به في الآية بل صرح بما يومئ إليه تأديبًا لهم عسى أن يتوب منهم من لم يتمكن الكفر في قلبه ومنعًا للناس من الهجوم على التكفير.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن قوله تعالى ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا  ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على ﴿ نَافَقُوا  ﴾ وهو الظاهر المتبادر.

والثاني: أنه استئناف، وقوله قبله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا  ﴾ قد تم به الكلام السابق، قالوا الواو في قوله: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ  ﴾ هي التي يسمونها واو الاستئناف على هذا القول، وقد خلط بعضهم في الكلام عن هذه الواو لعدم فهم المراد منها وليس هو بمعنى الاستئناف المشهور وإنما تأتي؛ لوصل كلام بكلام آخر مباين للأول تمام المباينة من جهة ذاته، ومرتبط به من جهة السياق والغرض، ففي مثل هذه الحال إذا فصل الثاني من الأول يكون في الفصل البحت وحشة على السمع وإيهام للذهن، أن الغرض الذي سيق له الكلام قد انتهى فيجئ المتكلم بالواو وليستمر الأنس بالكلام في الغرض الواحد ويظل الذهن منتظرًا لغاية الفائدة والغرض منه، فكأن المتكلم عند نقطة بالجملة المستأنفة بالواو للانتقال من جزء من كلامه قد تم إلى جزء آخر يراد به مثل ما يراد مما قبله يقول: هذا جزء من الكلام يثبت غرضي ويبين مرادي وثم جزء آخر منه وهو كذا.

ومنها أن اللام في قوله: ﴿ لِلْكُفْرِ  ﴾ و ﴿ لِلْإِيمَانِ  ﴾ متعلقة "بأقرب" على أنها بمعنى "إلى"، فإن المستعمل في صلة القرب حرفًا "إلى" و "من" يقال قرب منه وقرب إليه، وقال بعضهم إنه يتعدى باللام أيضًا.

﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا  ﴾ هذا وصف آخر من أوصاف المنافقين جاء في سياق التقريع المتقدم، وقدم القول فيه على القعود عن القتال لأنه أقبح منه، فإن القعود ربما كان لعذر أو التمس الناس له عذرًا واللوم فيه على فاعله وحده لأن إثمه لا يتعداه إلى غيره، وأما هذا لقول الخبيث فإنه أدل على فساد السريرة وضعف العقل والدين، وضرره يتعدى لما فيه من تثبيط همم المجاهدين.

﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ أي أن هذا القول في حكمه الجازم يتضمن أن علمهم قد أحاط بأسباب الموت في هذه الواقعة، وإذا أجاز هذا فيها جاز في غيرها وحينئذ يمكنهم درء الموت أي دفعه عن أنفسهم ولذلك طالبهم به وجعله حجة عليهم.

وقد يقال إن فرقًا بين التوقي من القتل بالبعد عن أسبابه، وبين دفع الموت بالمرة، فالموت حتم عند انتهاء الأجل المحدود وإن طال، والقتل ليس كذلك فكيف احتج عليهم بطلب درء الموت عن أنفسهم؟

وهذا اعتراض يجيء من وقوف النظر، فكل يعلم، ولا سيما من حارب، أنه ما كل من حارب يقتل فقد عرف بالتجربة أن كثيرين يصابون بالرصاص في أثناء القتال، ولا يموتون وأن كثيرين يخرجون من المعمعة سالمين ولا يلبثون بعدها أن يموتوا حتف أنوفهم كما يموت كثير من القاعدين عن القتال فما كل مقاتل يموت، ولا كل قاعد يسلم، وإذا لم يكن أحد الأمرين حتمًا سقط قولهم وظهر بطلانه.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ١٦٩ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ١٧٠ ۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٧١ ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ ١٧٢ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ ١٧٣ فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌۭ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ١٧٤ إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ١٧٥

تطرف جماعة فزعموا أن حياة الشهداء كحياتنا هذه في الدنيا يأكلون أكلنا، ويشربون شربنا ويتمعتون تمتعنا، وهو قول لا يصدر عن عاقل لأن من الشهداء من يحرق بالنار، ومن تأكله السباع أو الأسماك، وقال بعضهم المراد أن أجسادهم لا تبلى، ولم يزد على ذلك، ولكن هذا لم يثبت، على أن الجسد لا ثمرة له إذا خرجت منه الروح.

﴿ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ  ﴾ .

إنما قال: ﴿ مِنْ خَلْفِهِمْ  ﴾ للدلالة على أنهم وراءهم يقتفون أثرهم ويحذون حذوهم قدمًا بقدم، فهو قيد فيه الخبر والحث والترغيب والمدح والبشارة، وهو من البلاغة بالمكان الذي لا يطاول.

﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ  الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ  ﴾ ذُكر في الآية السابقة استبشارهم بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم وأنهم فرحون بما آتاهم الله من فضله ثم ذكر هنا أنه يستبشرون بنعمة من الله وفضل، فالذي آتاهم من فضله مجمل تفصيله ما بعده وهو قسمان: فضل عليهم في إخوانهم الذين وراءهم، وفضل عليهم في أنفسهم وهو نعمة الله عليهم وفضله الخاص بهم في دار الكرامة، وقد أبهمه فلم يعينه للدلالة على عظمه وعلى كونه غيبًا لا يكتنه كنهه في هذه الدار.

ثم اختتم الكلام بفضله على إخوانهم كما افتتحه به وترك العطف لتنزيل الاستبشار الثاني منزلة الاستبشار الأول حتى كأنه هو.

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ  ﴾ : "من" للتبعيض وهي في محلها لأن من المؤمنين الصادقين من لم يخرج معه  إلى "حمراء الأسد" أي وهم من الذين لا يضيع الله أجرهم ولكنهم لا يستحقون الأجر العظيم الذي استحقه الذين خرجوا معه وهم مثقلون بالجراح ومرهقون من الإعياء إلى استئناف قتال أضعافهم من الأقوياء.

وثم وجه آخر وهو أنه وجد في نفوس بعض المؤمنين بعد أُحد شيء من الضعف فهذه الآيات كلها تأديب لهم، ولما دعاهم  للخروج لبوا واستجابوا له ظاهرًا وباطنًا، ولكن عرض لبعضهم عند الخروج بالفعل موانع في أنفسهم، أو أهليهم، فلم يخرجوا فأراد من الذين أحسنوا واتقوا الذين خرجوا بالفعل وهم بعض الذين استجابوا، والإحسان أن يعمل الإنسان العمل على أكمل وجوهه الممكنة والتقوى أن يتقي الإساءة والتقصير فيه.

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ  ﴾ الذين قال لهم الناس هم الذين استجابوا لله وللرسول فخرجوا إلى حمراء الأسد للقاء المشركين إذ عاد بهم أبو سفيان لاستئصالهم وكانوا سبعين رجلًا.

ولكن روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعكرمة أن الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى وذلك أن أبا سفيان قال حين أراد أن ينصرف من أُحد: يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر القابل إن شئت، فقال رسول الله  "ذلك بيننا وبينك إن شاء الله"، فلما كان العام القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل "مجنة" من ناحية "مر الظهران" وقيل بلغ "عسفان" فألقى الله تعالى الرعب في قلبه فبدا له الرجوع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد قدم معتمرًا فقال له أبو سفيان: إني وعدت محمدًا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام ترعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي أن أرجع وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل أضعها في يدي سهيل بن عمرو.

فأتى نعيم المدينة فوجد المسلمين يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال لهم: ما هذا بالرأي، أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا شريد فتريدون أن تخرجوا إليهم وقد جمعوا لكم عند الموسم!

فوالله لا يفلت منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم فقال رسول الله  : "والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي"، فخرج ومعه سبعون راكبًا يقولون "حسبنا الله ونعم الوكيل" حتى وافى بدرًا فأقام بها ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان فلم يلقوا أحدًا لأن أبا سفيان رجع بجيشه إلى مكة، فسماه أهل مكة جيش السويق، وقالوا لهم إنما خرجتم لتشربوا السويق.

قال بعضهم ووافى المسلمون سوق بدر وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدمًا وزبيبًا، وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، وقال في ذلك عبد الله بن رواحة أو كعب بن مالك: وعدنا أبا سفيان وعدًا فلم نجد لميعاده صدقًا وما كان وافيًا فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا لأبت ذميمًا وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه وعمرًا أبا جهل تركناه ثاويًا عصيتم رسول الله أف لدينكم وأمركم الشيء الذي كان غاويًا وإني وإن عنفتموني لقائل فدى لرسول الله أهلي وماليا أطعناه لم نعد له فينا بغيره شهابًا لنا في ظلمة الليل هاديًا فعلى هذه الرواية يكون المراد بالناس الذين قالوا للمؤمنين إن الناس قد جمعوا لكم نعيم بن مسعود ومن وافقه فأذاع قوله، وعن الشافعي أنهم أربعة.

وروي أن ركبًا من عبد القيس مروا بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليجبنوهم وضمن لهم عليه جعلًا.

وعزاه الرازي إلى ابن عباس ومحمد بن اسحق، وذكر قولًا ثالثًا عن السدي أن الناس الذين قالوا هم المنافقون، وأما الناس الذين جمعوا الجموع لقتال المسلمين فهم أبو سفيان وأعوانه قولًا واحدًا، وعندي أنه يجوز أن يكون نعيم بن مسعود قال ذلك، وأن يكون قاله ركب عبد القيس، وتحدث به المنافقون، فإن الأمر الكبير من شأنه أن يتحدث به الناس ويذهبون فيه مع أهوائهم، كما أن السبعين الذين خرجوا مع النبي  إلى بدر الصغرى يجوز أن يكونوا هم الذين خرجوا معه إلى حمراء الأسد، فتصدق الآية على القصتين، وتكون الآيات متأخرة النزول عما قبلها.

وذكر ابن القيم في زاد المعاد والحلبي أن النبي  خرج إلى بدر الموعد في ألف وخمسمائة، ويجمع بينه وبين القول الأول بأن يكون خرج أولًا بالسبعين ثم تبعه الباقون.

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، في الآية التنبيه في الموازنة بين أولياء الشيطان من مشركي مكة وغيرهم، وبين ولي المؤمنين القادر على كل شيء كأنه يقول: عليكم أن توازنوا بين قوتي وقوتهم، ونصرتي ونصرتهم فأنا الذي وعدتكم النصر، وأنا وليكم ونصيركم ما أطعتموني أطعتم رسولي، وفي هذا المقام شبهة تعرض لبعضهم، يقولون إن تكليف عدم الخوف من تكليف ما لا يستطاع، ولا يدخل في الوسع، فإن الإنسان إذا علم أن العَدد الكثير ذا العُدَد العظيمة يريد أن يواثبه وينزل به العذاب بأن رآه أو سمع باستعداده من الثقات فإنه لا يستطيع أن لا يخافه، فكان الظاهر أن يؤمروا بإكراه النفس على المقاومة والمدافعة مع الخوف لا أن ينهوا عن الخوف، والجواب: إن هذه الشبهة حجة الجبناء، فهي لا تطوف إلا في خيال الجبان، فإن أعمال النفس من الخوف والحزن والفرح يتراءى للإنسان انها اضطرارية وأن آثارها كائنة لا محالة مهما حدث سببها، والحقيقة أن ذلك اختيري من وجهين: أحدهما: إن هذه الأمور تأتي بالعادة والمزاولة ولذلك تختلف باختلاف الشعوب والأجيال، فمن اعتاد الإحجام عند الحاجة إلى الدفاع يصير جبانًا، والعادات خاضعة للاختيار بالتربية والتمرين، ففي استطاعة الإنسان أن يقاوم أسباب الخوف ويعوّد نفسه الاستهانة بها.

وثانيهما: أن هذه الأمور إذا حدثت بأسبابها فالإنسان مختار في الإسلاس لها، والاسترسال معها حتى يتمكن أثرها في النفس وتتجسم صورتها في الخيال، ومختار في ضد ذلك وهو مغالبتها والتعمل في صرفها وشغل النفس بما يضادها ويذهب بأثرها أو يتبدل به أثرًا آخر مناقضًا له، فهذا الأمر الاختياري هو مناط التكليف، كأنه يقول: إذا عرضت لكم أسباب الخوف فاستحضروا في نفوسكم قدرة الله على كل شيء، وكونه بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه، وتذكروا وعده بنصركم وإظهار دينكم على الدين كله، وأن الحق يدمغ الباطل فإذا هو زاهق، وتذكروا قوله: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ  ﴾ ثم خذوا أهبتكم وتوكلوا على ربكم فإنه لا يدع لخوف غيره مكانًا في قلوبكم.

إن الوجه الأول إنما يتعلق به الاختيار في التربية التدريجية، والثاني يتعلق به الاختيار فورًا في كل وقت.

وإن قوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ يفيد وجوب توثيق الإيمان بالله في القلب قبل كل شيء لأن تلك الخواطر والهواجس التي تحدث الخوف من أولياء الشيطان لا يمحوها من لوح القلب إلا الإيمان الصحيح لثابت، وفي قوله ﴿ إِنْ كُنْتُمْ  ﴾ إشارة إلى أن إيمان من يرجح الخوف من أولياء الشيطان على الخوف من الله تعالى مشكوك فيه.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّۭا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَـٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١٧٧ وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌۭ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًۭا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ١٧٨ مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ ١٧٩

المسارعة في الكفر هي المسارعة في نصرته والاهتمام بشؤونه والايجاف في مقاومة المؤمنين، وما كل كافر يسارع في الكفر فإن من الكافرين القاعد الذي لا يتحرك لنصرة كفره ولا لمقاومة المخالف له فيه.

والمسارعون المعنيون هنا هم أولئك النفر من المشركين كأبي سفيان ومن كان معه من صناديد قريش، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بهم المنافقون ورووا في ذلك روايات في سبب النزول، وإنما يأتي هذا لو قال: "يسارعون إلى الكفر" ﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا  ﴾ أي إنهم لا يحاربونك فيضروك بذلك وإنما يحاربون الله تعالى، ولا شك في ضعف قوتهم وعجزها عن مناوأة قوته  فهم لا يضرون بذلك إلا أنفسهم.

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ  ﴾ أي إنهم على حالة من فساد الفطرة تقتضي حرمانهم من نعيم الآخرة بسنة الله وإرادته فلا نصيب لهم فيها ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ فوق عذاب الحرمان من نعيمها.

فإن كنت تحزن عليهم رحمة بهم وشفقة عليهم لأن النور بين أيديهم وهم لا يبصرون والهداية قد أُهديت إليهم وهم لا يقبلون، وتطمع في هدايتهم وترجوها، وكلما رأيت منهم حركة جديدة في الكفر حدث لك حزن جديد، فعليك أن لا تحزن أيضًا إن هؤلاء ممن طبع الله على قلوبهم، وختم على سمعهم وأبصارهم فلم يبق في نفوسهم استعداد ما للإيمان فلا مساغ للحزن من حالهم.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإيمان لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ أعاد المعنى وعممه وأكده بهذه الآية، وهو في بادىء الرأي تكرار ليس فيه زيادة فائدة، ومن فقه الآيتين علم أن تلك في المسارعين في الكفر وهذه في الذين اشتروا الكفر بالإيمان، أي اختاروه ورضوا به كما يرضى المشتري بالسلعة بدلًا من الثمن ويراها بعد بذله فيها متاعًا ينتفع به، بل الشأن في المشتري أن يرى ما أخذه أنفع له مما بذله، فهذا الوصف أعم من الأول، كأنه يقول إن أولئك الكفار الذين تراهم يسارعون في نصرة الكفر وتعزيزه والدفاع دونه ومقاومة المؤمنين لأجله لا شأن لهم ولا يستحقون أن تهتم بأمرهم فإنهم إنما يحاربون الله ويغالبونه والله غالب على أمره، فلا يقدر أحد على ضره، ثم لا ينبغي أن تحزن عليهم أيضًا لأنهم محرومون من رضوان الله.

فلما بيَّن هذا كان مما يمكن أن يخطر في البال أنه حكم خاص بالذين يسارعون في الكفر فبيّن في هذه الآية أنه عام يشمل كل من آثر الكفر على الإيمان فاستبدله به، ففي إعادة العبارة بهذا الأسلوب فائدتان: إحداهما: أن فيها قسمًا من الكافرين لم يذكروا في الآية الأولى.

والثانية: أن فيها مع تأكيد عدم إضرارهم بالنبي  بيانًا لحال من أحوالهم يدل على سخافتهم وضعف عقولهم إذ رضوا بالكفر واختاروه وحسبوه منفعة وفائدة فكأنه يقول إن هؤلاء لا قيمة لهم فيخاف منهم أو يحزن عليهم.

وقد يعرض لبعض الأفكار وهم في هذا المقام ويجول فيها صورة ما يتمتعون به من اللذات والقوة وإمكان نيلهم من المؤمنين إذا أذنبوا كما نالوا منهم يوم أُحد بذنبهم وتقصيرهم فيقول الواهم: آمنا وصدقنا أن هؤلاء سيعذبون في الآخرة ولا يكون لهم نصيب من نعيمها ولكن أليسوا الآن متمتعين بالدنيا؟

أليس لهم فيها القوة ما يمكنهم من الاعتداء علينا؟

وقد كشف هذا الوهم قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ  ﴾ فبيّن لنا سنة حكيمة من سننه في الاجتماع البشري وهي أن الإنسان يبلغ الخير بعمله الحسن، ويقع في الضير بتقصيره في العمل الصالح وتشميره في عمل السيئات، والعبرة بالخواتيم، فكأنه قال: إن هذا الإملاء للكافرين ليس عناية من الله بهم، وإنما هو جري على سنته في الخلق، وهي أن يكون ما يصيب الإنسان من خير وشر هو ثمرة عمله.

ومن مقتضى هذه السنة العادلة أن يكون الإملاء للكافر علة لغروره، وسببًا لاسترساله في فجوره، فيوقعه ذلك في الإثم الذي يترتب عليه العذاب المهين.

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ  ﴾ ، كان الكلام مسترسلًا في بيان حال المؤمنين في واقعة أُحد وما بعدها، وجاء في السياق بيان حال من ظهر نفاقهم وضعفهم وبيان حال المجاهدين والشهداء ومن هم بمنزلة الشهداء، وحال الكفار المهدِّدين للمسلمين، وكون الإملاء لهم واستدراجهم بطول البقاء في الدنيا ليس خيرًا لهم، وقد كانت واقعة أُحد أشد واقعة أحس المسلمون عقبها بألم الغلب لأنهم لم يكونوا يتوقعونه بعد رؤية بوادر النصر في "بدر" ولأنه ظهر فيه حال المنافقين، وتبيّن ضعف نفوس بعض المؤمنين الصادقين، ولذلك كانت عناية الله تعالى ببيان فوائد المسلمين فيها عظيمة، ومنها ختمها بهذه الآية الكريمة، المبينة لسنة من السنن التي ذكرت في سياق تلك الآيات الحكيمة، والمعنى: ما كان من شأن الله تعالى ولا من سننه في عباده أن يذر المؤمنين على مثل الحال التي كان عليها المسلمون عند حدوث غزوة أُحد حتى يميز الخبيث من الطيب، وكيف كانوا؟.

كانوا يصلون ويمتثلون كل ما يأمرهم به النبي  ومنه إرسال السرايا المعتاد مثلها، ولم تكن فيها مخاوف كبيرة على الإسلام وأهله، ولذلك كان يختلط فيها الصادق بالمنافق بلا تمييز، إذ التمايز لا يكون إلا بالشدائد، أما الرخاء واليسر وتكليف ما لا مشقة فيه كالصلاة والصدقة القليلة فكان يقبله المنافقون كالصادقين لما فيه من حسن الأحدوثة مع التمتع بمزايا الإسلام وفوائده، وربما خدع الشيطان المؤمن الموقن بترغيبه في الزيادة من أعمال العبادات السهلة ولا سيما إذا كان داخلًا في دين جديد لما في ذلك من الرياء والسمعة، والاستواء في الظاهر مدعاة الالتباس والاشتباه.

الشدائد تميز بين القوي في الإيمان والضعيف فيه فهي التي ترفع ضعيف العزيمة إلى مرتبة قويها، وتزيل الالتباس بين الصادقين والمنافقين، وفي ذلك فوائد كبيرة منها أن الصادق قد يفضي ببعض أسرار الملة إلى المنافق لما يغلب عليه من حسن الظن والانخداع بأداء المنافق للواجبات الظاهرة ومشاركته للصادقين في سائر الأعمال فإذا عرفه اتقى ذلك، ومنها أن تعرف الجماعة وزن قوتها الحقيقية لأنها بانكشاف حال المنافقين لها تعرف أنهم عليها لا لها، وبانكشاف حال الضعفاء الذين لم تربهم الشدة تعرف أنهم لا عليها ولا لها.

هذا بعض ما تكشفه الشدة للجماعة من ضرر الالتباس، وأما الأفراد فإنها تكشف لهم حجب الغرور بأنفسهم، فإن المؤمن الصادق قد يغتر بنفسه فلا يدرك ما فيها من الضعف في الاعتقاد والأخلاق لأن هذا مما يخفي مكانه على صاحبه حتى تظهره الشدائد.

فلما كان هذا اللبس ضارًا بالأفراد والجماعات ولم يكن من شأن الله ولا من حكمته أن يستبقي في عباده ما يضرهم مضت سنته بأن يميز الخبيث من الطيب فتظهر الخفايا وتبلى السرائر حتى يرتفع الالتباس، ويتضح المنهج السوي للناس.

قد يخطر في البال أن أقرب وسيلة لرفع اللبس هي أن يطلع الله المؤمنين على الغيب فيعرفوا حقيقة أنفسهم، وحقائق الناس الذين يعيشون معهم، ولكن الله تعالى أخبر أن هذا ليس من شأنه ولا من سنته، كما أن ترك الالتباس والاشتباه ليس من سنته فقال: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ  ﴾ وإنما لم يكن من شأنه إطلاع الناس على الغيب لأنه لو فعل ذلك لأخرج الإنسان عن كونه إنسانًا فإنه تعالى خلق الإنسان نوعًا عاملًا يحصل جميع رغائبه ويدفع جميع مكارهه بالعمل الكسبي الذي ترشده إليه الفطرة وهدى النبوة، ولذلك جرت سنته بأن يزيل هذا اللبس، ويميز بين الخبيث والطيب بالابتلاء بالشدائد، وما تتقاضاه من بذل الأموال والأرواح في سبيله التي هي سبيل الحق والخير لا سبيل الهوى كما ابتلى المؤمنين في واقعة أُحد بجيش عظيم، وابتلاهم باختيار الخروج لمحاربته، وابتلى الرماة منهم بالمخالفة وإخلاء ظهور قومهم لعدوهم، ثم ابتلاهم بظهور العدو عليهم جزاء على ما ذكر حتى ظهر نفاق المنافقين، وزلزال ضعفاء المؤمنين، وثبات كملة الموقنين، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ  ﴾ أي يصطفيهم على ما شاء من الغيب وهو ما في تبليغه للناس مصلحة ومنفعة لهم في الإيمان كصفات الله تعالى واليوم الآخر وبعض شؤونه والملائكة.

وهذا هو الغيب الذي أمر المكلفون بالإيمان به ومدحوا عليه في مثل قوله تعالى: ﴿ الم  ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ  الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًۭا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّۭ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ١٨٠ لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌۭ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ١٨١ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍۢ لِّلْعَبِيدِ ١٨٢ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍۢ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٨٣ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ جَآءُو بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ ١٨٤

هذا كلام جديد مستقل لا يتعلق بواقعة أحد لا على سبيل القصد ولا على سبيل الاستطراد، فقد جاء في سياق القصة آيات في شؤون الكافرين في أنفسهم وما يليق بهم من الخزي والعقوبة ونحو ذلك تذكر للمناسبة، ثم يعود الكلام إلى ما يتعلق بالواقعة، وقد انتهى ذلك بالآيات التي قبل هذه الآيات وأما هذه وما بعدها إلى آخر السورة فهي ضروب من الإرشاد وذلك لا يمنع أن يكون بينها وبين ما قبلها تناسب، بل التناسب فيها ظاهر.

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ  ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بما آتاهم الله من فضله المال، وأن البخل به هو البخل بالصدقة المفروضة فيه، وعدم التصريح بذلك من ضروب إيجاز القرآن، فكثيرًا ما يترك التصريح بالقول لأنه مفهوم من السياق والقرائن دالة عليه واللبس مأمون، فلا يخطر ببال أحد أن الوعيد هو على البخل بجميع ما يملك الإنسان من فضل ربه عليه فإن الله أباح لنا الطيبات والزينة في نص كتابه، والعقل يجزم أيضًا بأن الله لا يكلف الناس بذل كل ما يكسبون وأن يبقوا جائعين عراة بائسين.

وذهب آخرون إلى أن ذلك هو العلم وأن الكلام في اليهود الذين أوتوا صفات النبي  فكتموها، والأولى أن تبقى على عمومها فإن المال من فضل الله وكذلك العلم والجاه، والناس مطالبون بشكر ذلك والبخل على الناس به كفر لا شكر.

والحكمة في ترك النص على أن البخل المذموم هنا هو البخل بما يجب بذله مما يتفضل الله به على المكلف هي أن في العموم من التأثير في النفس ما ليس للتخصيص، وهذه السورة متأخرة في النزول وكانت أكثر الأحكام إذا أُنزلت مقررة فإذا طرق سمع المؤمن هذا القول تذكر فضل الله عليه وأن عليه فيه حقًا للناس، وأن هذا الخطاب يذكر به سواء منه ما هو معلوم معين وما ليس بمعلوم ولا معين بل هو موكول إلى اجتهاده الذي يتبع عاطفة الإيمان.

وإنما نفى أولًا كونه خيرًا ثم أثبت كونه شرًا مع أن الثاني هو الظاهر الذي لا يماري فيه لأن المانع للحق إنما يمنعه لأنه يحسب أن في منعه خيرًا له لما في بقاء المال في اليد مثلًا من الانتفاع به بالتمتع باللذات، ودفع الغوائل والآفات، وتوهم التمكن من قضاء الحاجات، فإن قيل إن التحديد كان أوضح وأنفى للإبهام قلنا إن القرآن كتاب هداية ووعظ يخاطب الأرواح ليجذبها إلى الخير وبالعبارة التي هي أحسن تأثيرًا لا ككتب الفقه وغيره من كتب الفنون التي تتحرى فيها التعريفات الجامعة المانعة.

وكتاب هذا شأنه لا يجري على السنن التي لا تليق إلا بضعفاء العقول الذين فسدت فطرتهم بالتعاليم الفاسدة، وإن مثل هذه العبارة المطلقة التي تخطر في البال بذل كل ما في اليد، وتكاد توجبه لولا الدلائل الأخرى، تحدث في النفس أريحية للبذل تدفعها إلى بذل الواجب وزيادة عليه.

﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  ﴾ : إن الآية لم تبينه ولا أشارت إلى كيفيته، فإن ورد في صحيح الأحاديث ما يبينه اتبع الوارد بقدره لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ووجب الإيمان به عند من صح عنده على أنه من خبر الغيب الذي أمرنا بالإيمان به لمحض الاتباع، وذهب بعض المفسرين إلى أن معناه أنهم يحملون تبعة أموالهم، يقال طوقني الأمر أي الزمني إيه فحاصل المعنى على هذا أن العقاب على البخل لزام لا مرد له.

﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ  ﴾ : العبارة تبين أن كل ما يعطاه الإنسان من مال وجاه وقوة وعلم فإنه عرض زائل وصاحبه يفنى ويزول، ولا معنى لاستبقاء الفاني ما هو فان مثله بل عليه أن يضع كل شيء في موضعه الذي يصلح له، ويبذله في وجوهه اللائقة به، أي فهو بذلك يكون خليفة لله في إتمام حكمته في أرضه، ومحسنًا للتصرف فيما استخلف فيه.

﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير  لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا  ﴾ ، قال مفسرنا كغيره أي نأمر بكتابته وغفلوا عن قوله: ﴿ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ  ﴾ فإنه كان من سلفهم فما معنى التعبير عن كتابته بصيغة الاستقبال؟

لابد من تفسيره بوجه يصح في الأمرين، ولكن ضعف المسلمين في لغة القرآن هو الذي أوقعهم في هذا الضعف في الفهم، والضعف في الدين وتبع ذلك الضعف في كل شيء.

ولا يقال إن الفعل إذا أسند إلى الله تعالى يتجرد من الزمان فإن الكلام في اختلاف التعبير، والمعنى الصحيح لهذه الكلمة "سنعاقبهم على ذلك حتمًا" فإن الكتابة هنا عبارة عن حفظه عليهم، ويراد به لازمه وهو العقوبة عليه، والتوعد بحفظ الذنب وكتابته وإرادة العقوبة عليه شائع مستعمل حتى اليوم فلا يحتاج إلى دقة نظر، ولفظ الكتابة أكد من لفظ الحفظ لما فيه من معنى الاستتباب وأمن النسيان، وإنما ضم قتل الانبياء - وهو أفظع جرائم هذا الشعب - إلى الجريمة التي سيق الوعيد لأجلها لبيان أن مثل هذا الكفر والتهور ليس بدعًا من أمرهم فإنه سبق لهم أن قتلوا الهداة المرشدين بعد ما جاءوهم بالبينات فهم يجرون في هذا على عرق وليس هو بأول كبائرهم، وللإيذان بأن الجريمتين سيان في العظم واستحقاق العقاب.

وأما إضافة القتل إلى الحاضرين فقد تقدمت حكمته في سورة البقرة، ويشير إليه قول المفسرين: إنهم يعدون قتلة لرضاهم بما فعله سلفهم، وهذا تحويم حول المعنى الذي اوضحناه هناك وهو أن الأمم متكافلة في الأمور العامة، إذ يجب على الأمة الإنكار على فاعل المنكر من أفرادها وتغييره، أو النهي عنه لئلا يفشو فيها فيصير خلقًا من أخلاقها، أو عادة من عاداتها فتستحق عقوبته في الدنيا كالضعف والفقر وفقد الاستقلال، كما تستحق عقوبته في الآخرة بما دنس نفوسها، ولذلك لعن الله تعالى الذين كفروا من بني إسرائيل بما عصوا وكانوا يعتدون وبيّن سبب ذلك بقوله: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ  ﴾ .

ذلك بأن من أقر فاعل المنكر فلم ينهه ولم يسخط عليه تكون نفسه مشاكلة لنفسه تأنس بما تأنس به، ثم لا يلبث أن يفعل المنكر ولو بعد حين ما لم يكن عاجزًا عن ذلك بسبب من الأسباب الحسية كضعف الجسم أو قلة المال، أي أن مثل هذا لا يترك المنكر لأنه رزيلة تدنس نفس فاعلها، فيكون بعيدًا عن الخير غير مستحق لرضوان الله  .

وثم وجه آخر يجعل إسناد المنكر إلى مقره والراضي به إسنادًا قريبًا من الحقيقة وهو أن عدم النهي عن المنكر هو السبب في انتشاره وشيوعه لأن الميالين إلى المنكر لو علموا أن الناس يمقتونهم ويؤاخذونهم عليه لما فعلوه إلا ما يكون من الخلس الخفية، ولذلك كان الساكت على المنكر شريك الفاعل في الإثم.

كل هذا ظاهر فيمن يفعل المنكر في زمنه ولا ينكره، وأما من يقع المنكر من قومهم قبل زمنهم، كاليهود الذين نزلت هذه الآية وأمثالها فيهم كقوله: ﴿ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ  ﴾ فهم يتفقون مع من سبقهم في علة الجريمة ومبعثها من النفس وهو عدم المبالاة بالدين، وقد كان هذا الخلف متفقين مع من سبقهم في الأخلاق والسجايا، وينتسبون إليهم انتساب حسب وتشرف أي فهم جديرون بأن يكونوا على شاكلتهم.

إن الله تعالى نبهنا بهذا الضرب من التعبير إلى أن المتأخر إذا لم ينظر إلى عمل المتقدم بعين البصيرة ويطبقه على الشريعة فيستحسن منه ما استحسنت ويستقبح ما استهجنت، ويسجل على المسيء من سلفه إساءته وينفر منها، فإنه يعد عند الله تعالى مثله وشريكًا له في إثمه ومستحقًا لمثل عقوبته، فعليكم باتخذ الوسائل لإزالة المنكرات الفاشية ولا بد في ذلك من بذل الجهد، وإعمال الروية والفكر، وما علينا الآن في مثل هذه البلاد إلا الحيلة في بذل النصح والإرشاد، بأي ضرب من ضروبه، وكل أسلوب من أساليبه.

﴿ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ  ﴾ وقرأ حمزة "ويقول" الذوق عبارة عن الشعور بالألم أو ضده فمعنى ذوقوا تألموا، أما كيفية القول فلا نبحث فيها وإنما نعلم أن الله تعالى يوصل هذا المعنى إليهم.

﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ  ﴾ : يعني أن هذه العقوبة عدل منه سبحانه، وأشار بصيغة المبالغة (ظلام) إلى أن مثل هذه التسوية لا تصدر إلا ممن كان كثير الظلم مبالغًا فيه.

﴿ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ  ﴾ أي أولئك هو الذين قالوا في الاعتذار عن عدم الإيمان بمحمد  : إن الله عهد إلينا في كتابه التوراة أن لا نؤمن لرسول يدعى أنه مرسل من الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار.

قال المفسرون إنهم أرادوا شيئًا كان شائعًا عندهم وهو أن يذبح القربان من النعم أو غيرها، فيوضع في مكان معين فتأتي نار بيضاء من السماء لها دوي فتأخذه أو تحرقه.

وروي ابن جرير عن ابن عباس أن الرجل منهم كان يتصدق بالصدقة فإذا تقبل منه نزلت عليه نار من السماء فأكلته، أي أكلت ما تصدق به.

ويجوز، وهو الأظهر، أن يكون معنى ﴿ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ  ﴾ أن يفرض علينا تقريب قربان يحرق بالنار فقد كان من أحكام الشريعة عندهم أن يحرقوا بعض القربان وقد أمر الله تعالى نبيه أن يرد عليهم فقال: ﴿ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ في زعمكم أنكم لا تؤمنون بي لأني لم آمر بإحراق القرابين، أي إنكم لم ترضوا بعصيان أولئك الرسل فقط بل قسوتم عليهم وقتلتموهم، ولا ريب أن هذا لم يقع منكم إلا لأنكم شعب غليظ الرقبة وأنكم قساة غلف القلوب لا تفقهون الحق ولا تذعنون له، وهذا مبني على ما قلناه من اعتبار الأمة باتفاق أخلاقها وصفاتها وعاداتها العامة كالشخص الواحد، وكان هذا المعنى معروفًا عند العرب فإنهم يلصقون جريمة الشخص بقبيلته ويؤاخذونها به ولو بعد موته، ويدلنا هذا على أن الجنايات والجرائم مرتبطة في حكم الله تعالى بمناشئها ومنابعها، فمن لم يرتكب الجريمة لأن آلاتها وأسبابها غير حاضرة لديه لا يكون بريئًا من الجريمة إذا كان منشأُها والباعث عليها مستقرًا في نفسه، وهذا المنشأ هو التهاون بأمر الشريعة وعدم المبالاة بأمر الحق والتحري فيه.

<div class="verse-tafsir"

كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ ١٨٥ ۞ لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًۭى كَثِيرًۭا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ١٨٦

إنها تسلية أخرى، كأنه يقول لا تضجر ولا تسأم لما ترى من معاندة الكافرين فإن هذا مُنْتَهٍ وكل ما له نهاية فلا بد من الوصول إليه فالذي يصير إليه هؤلاء المعاندون قريب فيجازون على أعمالهم ولا تنتظر أن يوفوا جزاء عملهم السيء كله في هذه الدار كما أن أجرك على عملك لا توفاه في هذه الحياة، فحسبك ما أصبت من الجزاء الحسن وحسبهم ما أصيبوا، وما يصابون به من الجزاء السيء في الدنيا، وأعلم أنه لا يوفى أحد جزاءه في هذه الدار لأن توفية الأجور إنما تكون في الآخرة.

ويصح وصلها بما قبلها من قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ  ﴾ إلخ، أي أن أولئك البخلاء الذين يمنعون الحقوق وأولئك المتجرئين على الله والظالمين لرسله والذين عاندوا خاتم النبين، كل أولئك سيموتون كما يموت غيرهم ويوفون أجورهم يوم القيامة.

وكذلك لا يحسبن أحد من المؤمنين الذين يقاومون هؤلاء ويلقون منهم سبيل الإيمان ما يلقون أنهم يوفون أجورهم في الدنيا، كلا إنهم إنما أجورهم يوم القيامة.

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ  ﴾ لكلمة "نفس" استعمالات يصح في بعض المواضع منها ما لا يصح في موضع آخر، والمتبادر هنا أن المراد بالنفس هنا ما به الحياة المعروفة في الحيوان، ولا يصح أن تكون هنا بمعنى الذات واستشكلوا موت النفس مع أنها باقية لأنها تبعث يوم القيامة، وإنما يبعث الموجود ولو عدمت النفس لما صح أن يقال إنها تبعث وإنما كان يقال توجد، وأجابوا عنه بأن كونها باقية لا ينافي كونها تذوق الموت، فإن الذي يذوق هو الموجود، والميت لا يذوق لأن الذوق شعور فالحالة المخصوصة التي هي مفارقة الروح للبدن إنما تشعر بها النفس، وأما البدن فلا شعور له لأنه يموت، ومن العبث والجهل البحث في تعريف الموت، فالموت هو الموت المعروف لكل أحد.

وهناك جواب آخر أبسط من هذا وأظهر وهو أن الخطاب هنا على العرف المعهود في التخاطب المتبادر لكل عربي وهو أن كل حي يموت.

﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ  ﴾ ذكر توفية الأجور ثم بين ذلك بأبلغ عبارة موجزة إيجازًا معجزًا، فأعلم أن هنالك جنة ونارًا، وأن من الناس من يلقى في تلك ومنهم من يدخل في هذه، وأبان عظيم هول النار وشدتها بالتعبير عن النجاة عنها بالزحزحة كأن كل شخص كان مشرفًا على السقوط فيها وأن مجرد الزحزحة عنها فوز كبير، وفيه إيماء إلى أن أعمال الناس سائقة لهم إلى النار لأنها حيوانية في الغالب حتى لا يكاد يدخل أحد الجنة إلا بعد أن يكون زحزح عما كان صائرًا إليه من السقوط في النار.

أما هؤلاء المزحزحون فهم الذين غلبت في نفوسهم الصفات الروحية على الصفات الحيوانية فأخلصوا في إيمانهم وفي أعمالهم وجاهدوا في الله حق جهاده حتى لم يبق في نفوسهم شائبة من إشراك غير الله في عمل من الأعمال.

أفاد هذا الايجاز كل هذه المعاني ولم يحتج في هذه الآية إلى مثل ما ذكر في آيات أخرى من وصف الجنة والنار لما يقتضيه السياق هنالك من الإطناب والتعريف بشيء من أمور عالم الغيب، وعبر بالفاء في قوله: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ  ﴾ للترتيب وبيان السبب.

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ  ﴾ : الحياة الدنيا هي السفلى أو القربى والمراد منها حياتنا هذه أي معيشتنا الحاضرة التي نتمتع باللذات الحسية كالأكل والشرب، أو المعنوية كالجاه والمنصب والسيادة، هذه الحياة هي أقرب الحياتين وأدناهما وأحطهما وهي على كل حال متاع الغرور لأن صاحبها دائمًا مغرور مخدوع لها تشغله كل حين بجلب لذاتها ودفع آلامها فهو يتعب لما لا يستحق التعب، ويشقى لتوهم السعادة ويتعب نقدًا ليستريح نسئة.

والعبارة جاءت بصيغة الحصر فهي تشمل حياة الأبرار الذين يصرفون أعمالهم في نفع الناس حبًا بالخير وتقربًا إلى الله  من حيث هم متمتعون فيها إما من حيث أن لذتهم فيما هم فيه قهرية، وإما على معنى أنها لا بقاء لها، أو يقال إن ما كان من عمل الخير والطاعة ليس من متاع الدنيا والحصر بحسب ما عليه الغالب.

﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ  ﴾ يصح اتصال هذه الآية بما قبلها من قوله تعالى ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ  ﴾ الآيات، فإن فيها ذكر البخل بالمال وذكر حال اليهود، وهذه تذكر البلاء بالمال وما سيلاقي المؤمنين من أولئك اليهود وغيرهم.

ويصح أن يكون على ما قاله بعضهم متصلًا بما هو قبل ذلك من أول واقعة أُحد إلى هنا كأنه يقول إن ما وقع من الإبتلاء في الأنفس والأموال والطعن في تلك الواقعة ليس آخر الابتلاء بل لابد أن تُبْلوا بعد ذلك بكل هذه الضروب منه، وتجري فيكم سنته تعالى في خلقه فلا تظنوا أنكم جلستم على عرش العزة واعتصمتم بالمنعة، وأمنتم حوادث الكون فإنه لابد أن يعاملكم الله تعالى كما يعامل الأمم معاملة المختبر المبتلي، لا ليعلم ما لم يكن يعلم من أمركم فهو علام الغيوب بل ليميز الخبيث من الطيب من بعد كما ماز الكثيرين في واقعة أُحد.

والابتلاء في الأموال يفسر بفرض الصدقات والبذل في سبيل الله -وهو كل ما يوصل إلى الخير- وبالجوائح والآفات، وهذا الجمع أولى مما ذهب إليه بعضهم من تخصيصه بالأول، وبعضهم من تخصيصه بالثاني، والابتلاء في الأنفس يكون بتكليف بذلها في سبيل الله وبموت من يحب الإنسان من الأهل والأصدقاء، والابتلاء بالتكليف هو أهم الابتلاءين، وذلك أن الله تعالى لم يكفل للمسلمين الحفظ والنصر والسيادة لأنهم مسلمون وإنما يكلفهم الجري على سننه تعالى كغيرهم فلابد لهم من الاستعداد للمدافعة دائمًا وذلك يقتضي بذل المال والنفس.

ومن هنا تعلم غلط الذين يفسرون الابتلاء بالمال والأمر ببذله والجهاد به، كل ذلك بالزكاة، وما الزكاة إلا نوع من أنواع الحقوق التي جعلها الله في المال وهي كثيرة تشمل كل ما به صلاح الأمة ورفع شأنها من الأعمال، وكل ما يدفع عنها الأعداء، ويرد عنها المكاره والأسواء، ومن ذلك الابتلاء في المدافعة عن الحق سواء كان بالمال أو بالنفس، فهو يوطن نفوسهم على الأخذ بالاحتياط في الأمور العامة، والاستعانة عليها بالمال، وتحمل المكاره ويحذرهم من الشره والطمع في المال حتى إذا طمعوا أو قصروا في الاحتياط كما وقع لهم في أُحد علموا أنهم ما أصيبوا إلا بما كسبت أيديهم، أو قصرت فيه هممهم فلا يتعللون ولا يقولون كيف أُصبنا ونحن مسلمون، وقدم ذكر المال لأنه هو الوسيلة التي يكون بها الاستعداد لبذل النفس فبذل المال يحتاج إليه قبل بذل النفس، أو لأن الإنسان كثيرًا ما يبذل نفسه دفاعًا عن ماله فالذين قالوا إن المال شقيق الروح لاحظوا الغالب ومن غير الغالب أن يقدم الإنسان ماله على نفسه.

علمنا أن فائدة الابتلاء هي تمييز الخبيث من الطيب، وأما الإخبار به ففائدته التعريف بالسنن الإلهية وتهيئة المؤمن لها وحمله على الاستعداد لمقاومتها، فإن من تحدث له النعمة فجأة على غير استعداد ولا سعي ترجى هي من ورائه تدهشه وتبطره وربما تهيج عصبه فيقع في داء أو يموت فجأة، وكذلك من تقع به المصيبة فجأة على غير استعداد يعظم عليه المر ويحيط به الغم حتى يقتله في بعض الأحيان، أما المستعد فإنه يكون ضليعًا قويًا.

﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا  ﴾ ، إن مثل هذا يدخل في الابتلاء في الأنفس وإنما خصه بالذكر لأنه من الأهمية بمكان.

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ  ﴾ ، الصبر هو تلقي المكروه بالاحتمال وكظم النفس عليه مع الروية في دفعه ومقاومة ما يحدثه من الجزع، فهو مركب من أمرين: دفع الجزع ومحاولة طرده ثم مقاومة أثره حتى لا يغلب على النفس، وإنما يكون ذلك مع الإحساس بألم المكروه فمن لا يحس به لا يسمى صابرًا وإنما هو فاقد للإحساس يسمى بليدًا، وفرق بين الصبر والبلادة، فالصبر وسط بين الجزع والبلادة، وما أحسن قرن التقوى بالصبر في هذه الموعظة وهي أن يمتثل ما هدى الله إليه فعلًا وتركًا عن باعث القلب.

وذلك من عزم الأمور أي التي يجب أن تعقد عليها العزيمة وتصح النية وجوبًا محتمًا لا ضعف فيه.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ١٨٧ لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا۟ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا۟ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا۟ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍۢ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١٨٨ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ١٨٩

وجه الاتصال بين هذه الآية - ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ  ﴾ - وما قبلها هو أن ما ذكر في الآية السابقة من البلاء الذي يصاب به المؤمنون إنما يصابون به لأخذهم بالحق ودعوتهم إليه ومحافظتهم في الشدائد عليه، فناسب بعد ذكر ذلك البلاء الذي أخبر الله به المؤمنين ووطن عليه نفوسهم ليثبتوا ويصبروا أن يذكر لهم مثل الذي خلوا من قبلهم إذ أخذ عليهم الميثاق ببيان الحق فكان من أمرهم ما استحقوا به الوعيد المذكور في الآية.

فهو يذكر المؤمنين بذلك كأنه يقول لهم إنكم إذا كتمتم ما أنزل عليكم يكون وعيدكم كوعيدهم.

قال تعالى ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ  ﴾ ولا نقول في التوراة لأن القرآن لم يقل بذلك ولا بعدمه فليس لنا أن نقيد برأينا ما أطلقه ونزيد عليه بغير علم.

﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ  ﴾ وتبيينه هو أن يوضحوا معانيه كما هي ولا يؤولوه ولا يحرفوه عن مواضعه التي وضع لتقريرها ومقاصده التي أنزل لأجلها حتى لا يقع في فهمه لبس ولا اضطراب، وههنا أمران العلم بالكتاب على غير وجهه وهو نتيجة عدم البيان، وعدم العلم به بالمرة وهو نتيجة الكتمان، وقد يقال إن الظاهر المتبادر في الترتيب هو أن ينهي عن الكتمان أولًا ثم يأمر بالبيان لأن البيان إنما يكون مع إظهار الكتاب فلماذا عكس؟

والجواب عن هذا أن القرآن قدم أهم الأمرين لأن المخالفة في الأول وهو الكتمان تقتضى الجهل البسيط وهو الجهل بالدين، وفي الثاني تقتضي الجهل المركب وهو اعتقاد ما ليس بدين دينًا، والجهل البسيط أهون لأن صاحبه يوشك أن يظفر بالكتاب يومًا فيهتدي به ويعرف الدين، وأما الجهل المركب وهو فهمه على غير وجهه فيعسر زواله بالمرة فيكون صاحبه ضالًا مع وجود أعلام الهداية أمامه.

والعبرة في ذلك ظاهرة عندنا وفي أنفسنا فإن كتابنا وهو القرآن العزيز لم يوجد كتاب في الدنيا حفظ كما حفظ، ونقل كما نقل، ونشر كما نشر، فإن الجماهير من المسلمين قد حفظوه عن ظهر قلب من القرن الأول إلى هذا اليوم وهم يتلونه في كل مكان حتى إنك تسمعه في الشوارع والأسواق ومجتمعات الأفراح والأحزان وفي كل حال من الأحوال، ولكنهم تركوا تبيينه للناس فلم يغن عنهم عدم الكتمان شيئًا، فإنهم فقدوا هدايته حتى أنهم يعترفون بأن المسلمين أنفسهم منحرفون عنه وأن القابض على دينه كالقابض على الجمر، ويعترفون بأن الغش قد عم وطم، ويعترفون بارتفاع الأمانة، وشيوع الخيانة إلخ إلخ، وكل هذا من نتائج ترك التبيين.

ولهذه التعمية وهذا الاضطراب في فهم الكتاب أسباب أهمها ما كان من الخلاف بين العلماء من قبل، لا سيما في القرن الثالث، فقد انقسمت الأمة إلى شيع وذهبت في الخلاف مذاهب في الأصول والفروع وصار كل فريق ينصر مذهبه ويحتج له بالكتاب يأخذ ما وافقه منه ويؤول ما خالفه، واتبعهم الناس على ذلك، ورضي كل فريق من المسلمين بكتب طائفة من أولئك المختلفين حتى جاءت أزمنة ترك فيها الجميع التحاكم إلى القرآن وتأييد ما يذهبون إليه به وتأويل ما عداه.

حتى صرنا نتمنى لو دامت تلك الخلافات فإنها أهون من هجر القرآن بتاتًا، فإن الناس قد وقعوا في اضطراب من أمر دينهم حتى صاروا يحسبون ما ليس بدين دينًا، وحتى أن العلماء يرون المنكرات فلا ينكرونها بل كثيرًا ما يقعون فيها أو يتأولون لفاعليها، ولو بينوا للناس كتاب الله لقبلوه.

﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا  ﴾ ، نبذوا الميثاق لم يفوا به إذا تركوا العمل بالكتاب والثمن القليل الذي اشتروه به لم يبينه القرآن لأنه ظاهر في نفسه ومعروف من سيرتهم، وهو عبارة عن التمتع بالشهوات الدنية، واللذائذ الفانية فكان أحدهم يجد في العمل بالكتاب والتزام الشريعة مشقة فيتركه حبًا في الراحة، وإيثارًا للذة، وأما التأويل والتحريف فقد كان لهم فيه أغراض كثيرة (ومنها): الخوف من الحكام والرجاء فيهم، فيحرف رجال الدين النصوص عن مواضعها المقصودة ويصرفونها إلى معان أخرى ليوافقوا ما يريد الحاكم فيأمنوا شره وينالوا بره، (ومنها): إرضاء العامة أو الأغنياء خاصة بموافقة أهوائهم لاستفادة الجاه والمال، (ومنها): -وهو الأصل الأصيل في التحريف- الجدل والمراء بين رجال الدين أنفسهم لا سيما الرؤساء وطلاب الرياسة منهم، فإن الواحد من هؤلاء إذا قال قولًا أو أفتى فأخطاء فأبان خطأه آخر ينبري لتصحيح قوله وتوجيه فتياه وتخطئة خصمه وتأخذه العزة بالإثم فيرى الموت أهون عليه من الاعتراف بخطئه والرجوع إلى قول أخيه في العلم والدين، (ومنها): الجهل، فإن المتصدي للتعليم أو الفتيا قد يجهل مسائل فيتعرض لبيانها وبغير علم، وإذا أبيح لمثل هذا أن يعلم للأسباب التي نعهدها من الرؤوساء الذين يجيزون جهلة الطلاب بالتدريس ويعطونهم الشهادة بالعلم محاباة لهم فإنه يربي تلاميذه أجهل منه فيكونون كلهم محرفين مخرفين ويفسد بهم الدين، (ومنها): انقطاع سلسلة أهل الفهم والتبيين، وخبط الناس بعدهم فيما يؤثر عنهم من بيان تأويل، وحمله على غير المراد منه حتى بعدوا عن الأصل بعدًا شاسعًا.

وانظر في حال المسلمين -الذين اتبعوا سنن من قبلهم- واعتبر بحال أهل الأزهر منهم ترى بعينيك كما رأينا، وتسمع بأذنيك كما سمعنا، وتفهم سر ما قصه الله من أنباء أهل الكتاب علينا.

﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ ، كان الكلام في أهل الكتاب لتحذير المسلمين من مثل فعلهم في سياق الحض على الاستمساك بعروة الحق وحفظه والدعوة إليه إذ أخذ على أولئك الميثاق فقصروا فيه وتركوا العمل بالكتاب وتبيينه للناس واشتروا به ثمنًا قليلًا فاستحقوا العقاب من الله تعالى، بعد هذا بيّن في هذه الآية حالًا آخر من أحوال أولئك الغابرين ليحذر المؤمنين منه لأنهم عرضة له وهو أنهم كانوا يفرحون بما أتوا من التأويل والتحريف للكتاب، ويرون لأنفسهم شرفًا فيه وفضلًا بأنهم أئمة يقتدى بهم وهذا فرح بالباطل وكانوا يحبون أن يحمدوا بأنهم حفاظ الكتاب ومفسروه وعلماؤه ومبينوه والمقيمون له، وهم لم يفعلوا شيئًا من ذلك وإنما فعلوا نقيضه إذ حولوه عن الهداية إلى ما يوافق أهواء الحكام وأهواء سائر الناس يطلبون بذلك حمدهم.

بيّن الله هذه الحال في أسلوب عجيب بين فيه حكمًا آخر وهو أن هؤلاء الفرحين المحبين للمحمدة الباطلة قد اشتبه أمرهم على الناس فهم يحسبون أنهم أولياء الله وأنصار دينه وعلماء كتابه، وأنهم أبعد الناس عن عذابه وأقربهم من رضوانه، فبيّن الله كذب هذا الحسبان ونهى عنه وسجل عليهم العذاب.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ  ﴾ تأكيد لقوله: ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ  ﴾ كما هو معهود في الكلام العربي من إعادة الفعل إذا طال الفصل بينه وبين معموله.

قال الزجاج إن العرب إذا أطالت القصة تعيد حسبت وما أشبهها إعلامًا بأن الذي جرى متصل بالأول فتقول؛ لا تظنن زيدًا إذا جاءك وكلمك بكذا فلا تظنه صادقًا فيفيد، لا تظنن توكيدًا وتوضيحًا -والفاء زائدة كما في قوله: فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي ولقد أورد ذلك صاحب الكشاف، وعندي أنه مردود غير صحيح ولولا "الفاء" لصح ولكن الفاء تمنع منه، ولقد علمت مذهبنا في عدم زيادة حرف ما في القرآن بلا فائدة، ووجه العبارة في رأينا هو أن المفعول الثاني في قوله: ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ  ﴾ محذوف، حُذِف إيجازًا لتذهب النفس في تقديره كل مذهب، والقرآن ما أنزل لتحديد المسائل والأخبار والقصص تحديدًا في فهمه كل قارئ وإنما الغرض الأهم منه إصلاح النفوس والتأثير الصالح فيها بترغيبها في الحق والخير وتنفيرها من ضدهما.

فإذا قال ههنا لا تحسبن الذين يفرحون بكذا ويحبون كذا تتوجه نفس القارئ أو السامع إلى طلب المفعول الثاني، وتذهب فيه مذاهب شتى كلها من النوع الذي يليق، معبريَن بهذا عن حالهم، كأن تقدر لا تحسبنهم مطيعين لربهم أو عاملين بهدايته، وعندما يرد عليها بعد ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ  ﴾ يتعين عندها بهذا التفريع الذي ذكر فيه المفعول الثاني ما حذف من الأول لا بشخصه وعينه بل بنوعه، لأننا لو قلنا إن ما حذف من الأول هو عين ما أثبت في الثاني لم يكن للتفريع فائدة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ عطف هذه الآية على ما قبلها لاتصالها بالآيات التي قبلها فالواو فيها عاطفة للجملة المستقلة على مثلها كأنه يقول لا تحزنوا أيها المؤمنين ولا تضعفوا واصبروا واتقوا ولا تخورن عزائمكم، بينوا الحق ولا تكتموا منه شيئًا، ولا تشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، ولا تفرحوا بما عملتم، ولا تحبوا أن تحمدوا بما لم تفعلوا، فإن الله تعالى يكفيكم ما أهمكم، ويغنيكم عن هذه المنكرات التي نهيتم عنها، فإن ملك السموات والأرض كله له يعطي منه ما يشاء وهو على كل شيء قدير، لا يعز عليه نصركم على اللذين يؤذونكم بأيديهم وألسنتهم من أهل الكتاب والمشركين، وإليه ترجع الأمور لأنه هو الذي يدبرها بحكمته وسننه في خلقه.

وفي هذا التذييل حجة على كون الخير في اتباع ما أرشد إليه تعالى، وتسلية للنبي  وللمؤمنين ووعد لهم بالنصر، وفيه تعريض بذم أولئك المخالفين الذين سبق وصفهم في الآيات التي قبل هذه الآية وهو أنهم لا يؤمنون بالله تعالى إيمانًا صحيحًا يظهر أثره في أخلاقهم وأعمالهم وإلا لما تركوا العمل بكتابه وآثروا عليه ما يستفيدونه من حطام الدنيا، فإن هذا لا يكون إلا من عدم الثقة بوعده تعالى والخوف من وعيده واليقين بقدرته وتدبيره.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ١٩٠ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًۭا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ ١٩٢ رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًۭا يُنَادِى لِلْإِيمَـٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ ١٩٣ رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ١٩٤ فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَـٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَـٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ثَوَابًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥

وجه اتصال الآية الأولى بما قبلها أنها جاءت بعد أفاعيل أهل الكتاب وغيرهم مع المؤمنين، فهي تدل على أن أولئك المجادلين لو كانوا يتفكرون في خلق السماوات والأرض لكفوا من غرورهم ولعلموا أنه يليق بحكمته تعالى أن يرسل إلى الناس رسولًا من أنفسهم، ولكنه جعل الآية مطلقة موجهة إلى أولي الألباب ليطلق النظر لكل عاقل.

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ السماوات ما علاك مما تراه فوقك، والأرض ما تعيش عليه، والخلق التقدير والترتيب لا الإيجاد من العدم كما اصطلح عليه في علم الكلام فذلك لا يتضمن معنى النظام والإتقان وهو ما هي عليه الواقع ونفس الأمر، وبعد ما ذكر خلق السماوات والأرض لفت العقول إلى أمر مما يكون في الأرض وهو اختلاف الليل والنهار، فإن هذا الاختلاف قائم بنظام في طول الليل والنهار وقصرهما وتعاقبهما وهذا أمر عظيم سواء كان سببه ما كانوا يعتقدون من أنه حادث من حركة الشمس، أو ما يعتقدون الآن من أن سببه حركة الأرض تحت الشمس ومن الحكم في ذلك ما نراه في أجسامنا وعقولنا من تأثير حرارة الشمس ورطوبة الليل وكذا في تربية الحيوانات والنبات وغير ذلك، ولو كان الليل سرمدًا والنهار سرمدًا لفاتت.

وهذه الآيات تظهر لكل أحد على قدر علمه وفهمه وجودة فكره، فأما علماء الهيئة فإنهم يعرفون من نظامها ما يدهش العقل، وأما سائر الناس فحسبهم هذه المناظر البديعية والأجرام الرفيعة وما فيها من الحسن والروعة، وخص أولي الألباب بالذكر مع أن كل الناس أولي ألباب لأن من اللب ما لا فائدة فيه كلب الجوز ونحوه إذا كان عفنا، وكذا تفسد ألباب بعض الناس وتعفن فهي لا تهتدي إلى الاستفادة من آيات الله في خلق السماوات والأرض وغيرهما، وإنما سمي العقل لبًا لأن؛ اللب هو محل الحياة من الشيء وخاصته وفائدته، وإنما حياة الإنسان الخاصة به هي حياته العقلية، وكل عقل متمكن من الاستفادة من النظر في هذه الآيات والاستدلال بها على قدرة الله وحكمته ولكن بعضهم لا ينظر ولا يتفكر وإنما العقل الذي ينظر ويستفيد ويهتدي هو الذي وصف أصحابه بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ  ﴾ والذكر في الآية على عمومه لا يخص بالصلاة والمراد بالذكر ذكر القلوب وهو إحضار الله تعالى في النفس وتذكر حكمه وفضله ونعمه في حال القيام والقعود والاضطجاع، وهذه الحالات الثلاث التي لا يخلو العبد عنها تكون فيها السماوات والأرض معه لا يتفارقان.

والآيات الإلهية لا تظهر من السماوات والأرض إلا لأهل الذكر فكأين من عالم يقضي ليله في رصد الكواكب فيعرف منها ما لا يعرف الناس، ويعرف من نظامها وسننها وشرائعها ما لا يعرف الناس، وهو يتلذذ بذلك العلم ولكنه مع هذا لا تظهر له هذه الآيات لأنه منصرف عنها بالكلية.

ثم إن ذكر الله تعالى لا يكفي في الاهتداء إلى الآيات ولكن يشترط مع الذكر التفكير فيها فلابد من الجمع بين الذكر والفكر، فقد يذكر المؤمن بالله ربه ولا يتفكر في بديع صنعه وأسرار خليقته، وبذلك قال: ﴿ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار  ﴾ أي مع التفكير في خالقهما، أما الذين يشتغلون بعلم ما في السماوات والأرض وهم غافلون عن خالقهما، ذاهلون عن ذكره يمتعون عقولهم بلذة العلم ولكن أرواحهم تبقى محرومة من لذة الذكر ومعرفة الله  ، فمثلهم كمثل من يطبخ طعامًا شهيًا يغذي جسده ولكنه لا يرقى به عقله.

هذا حكاية لقول هؤلاء الذين يجمعون بين تفكرهم وذكر الله  ويستنبطون من اقترانهما الدلائل على حكمه الله وإحاطة علمه سبحانه بدقائق الأكوان التي تربط الإنسان بربه حق الربط، وقد اكتفى بحكاية مناجاتهم لربهم عن بيان نتائج ذكرهم وفكرهم، فطي هذه وذكر تلك من إيجاز القرآن البديع وفيه تعلم المؤمنين كيف يخاطبون الله تعالى عندما يهتدون إلى شيء من معاني إحسانه وكرمه وبدائع خلقه، كأنه يقول هذا هو شأن المؤمن الذاكر المتفكر يتوجه إلى الله في هذه الأحوال، بمثل هذا الثناء والدعاء والابتهال، وكون هذا ضربًا من ضروب التعليم والارشاد، لا يمنع أن بعض المؤمنين قد نظروا وذكروا وفكروا ثم قالوا هذا أو ما يؤدي معناه فذكر الله حالهم وابتهالهم، ولم يذكر قصتهم وأسماءهم، لأجل أن يكونوا قدوة لنا في عملهم، وأسوة في سيرتهم، أي لا في ذواتهم وأشخاصهم، إذ لا فرق في هذا بيننا وبينهم.

أما معنى كون هذا الخلق لا يكون باطلًا فمعناه أن هذا الإبداع في الخلق والاتقان للصنع لا يمكن أن يكون من العبث والباطل ولا يمكن أن يفعله الحكيم العليم لهذه الحياة الفنانية فقط، كما أن الإنسان الذي أوتي العقل الذي يفهم هذه الحكم، ودقائق هذا الصنع، كلما ازداد تفكيرًا ازداد علمًا، حتى إنه لا حد يُعْرف لفهمه وعلمه ولا يمكن أن يكون وجد ليعيش قليلًا ثم يذهب سدى، ويتلاشى فيكون باطلًا، بل لا بد أن يكون باستعداده الذي لا نهاية له قد خلق ليحيا حياة لا نهاية لها، وهي الحياة الآخرة التي يرى كل عامل فيها جزاء عمله، ولهذا وصل الثناء بهذا الدعاء، ومعناه جنبنا السيئات، ووفقنا للأعمال الصالحات، حتى يكون ذلك وقاية لنا من عذاب النار، وهذه هي نتيجة فكر المؤمن.

ثم إنهم بعد أن يصلوا بالفكر مع الذكر إلى بقاء العالم واستمراره لأن نظامه البديع لا يمكن أن يجعله العليم الحكيم باطلًا، وبعد أن يدعوا ربهم أن يقيهم دخول النار في الحياة الثانية، يتوجهون إليه قائلين: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ أي إنهم ينظرون إلى هيبة ذلك الرب العلي العظيم الذي خلق تلك الأكوان المملوءة بالأسرار والحكم والدلائل على قدرته وعزته فيعلمون أنه لا يمكن لأحد أن ينتصر عليه، وأن من عاداه فلا ملجأ ولا منجا له منه إلا إليه، فيقرون بأن من أدخله ناره فقد أخزاه أي أذله وأهانه.

﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ  ﴾ وصف من يدخلون النار بالظالمين تشنيعًا لأعمالهم وبيانًا لعلة دخولهم وهو جورهم وميلهم عن طريق الحق، فالظالم هنا هو الذي يتنكب الطريق المستقيم لا الكافر خاصة كما قال المفسرين فإن هذا التخصيص لا حاجة إليه، ولا دليل عليه، وإنما سببه ولوع الماس بإخراج أنفسهم من كل وعيد يذكر في كتابهم، وحمله بالتأويل والتحريف على غيرهم، كذلك فعل السابقون، واتبع سننهم اللاحقون، فكل ظالم يؤخذ بظلمه، ويعاقب على قدره، ولا يجد له نصيرًا يحميه من أثر ذنبه.

ثم إنهم بعد التعبير عما أثمره الفكر والذكر من معرفة الله تعالى وخشيته ودعائه عبروا عما أفادهم السمع من وصول دعوة الرسول إليهم واستجابتهم له وما يترتب على ذلك فقالوا: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا  ﴾ المنادي للإيمان هو الرسول، وذكره بوصف المنادي تفخيمًا لشأن هذا النداء، وذكر استجابتهم بالعطف بالفاء لبيان أنهم بعد الذكر والفكر والوصول منها إلى تلك النتيجة الحميدة لم يتلبثوا بالإيمان الذي يدعوهم إليه الانبياء كما تلبث قوم واستكبر آخرون، بل بادروا وسارعوا إليه لأنهم إنما يدعونهم إلى ما اهتدوا إليه مع زيادة صالحة تزيدهم معرفة بالله تعالى وبصيرة في عالم الغيب والحياة الآخرة اللتين دلهم الدليل على ثبوتها دلالة مجملة مبهمة، والأنبياء يزيدونها ويوحيه الله إليهم بيانًا وتفصيلًا.

وعلى هذا التفسير يكون المراد بالآيات بيان أنه كان في كل أمة أولو ألباب هذا شأنهم مع أنبيائهم ويصح أن يكون المراد بالمنادي نبينا  خاصة.

وسماع النداء يشمل من سمع منه مباشرة في عصره ومن وصلت إليه دعوته بعده ويتحمل أن يكون قولهم فآمنا مرادًا به إيمان جديد غير الإيمان الذي استفادوه من التفكر والذكر وهو الإيمان التفصيلي الذي أشرنا إليه آنفًا، ويحتمل أن يكون سمعوا دعوة الرسول أولًا وآمنوا به ثم نظروا وذكروا وتفكروا فاهتدوا إلى ما اهتدوا إليه من الدلائل التي تدعم إيمانهم فذكروا النتيجة، ثم اعترفوا بالوسيلة، ولا ينافي ذلك تاخير هذه عن تلك في العبارة كما هو ظاهر.

﴿ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا  ﴾ تفيد الفاء في قوله ﴿ فَاغْفِرْ  ﴾ اتصال هذا الدعاء بما قبله وكون الإيمان سببًا له، والمراد بالإيمان الإذعان للرسل في النفس والعمل، لا دعوى الإيمان باللسان مع خلو القلب من الاذعان الباعث على العمل، ولأجل هذا اسشعروا الخوف من الهفوات والسيئات فطلبوا المغفرة والتفكير.

وقال بعض المفسرين إن المراد بالذنوب هنا الكبائر وبالسيئات الصغائر.

وعندي أن الذنوب هي التقصير في عبادة الله تعالى وكل معاملة بين العبد وربه، والسيئات هي التقصير في حقوق العباد ومعاملة الناس بعضهم بعضًا، فالذنب معناه الخطيئة، وأما السيئة فهي ما يسوء فاشتقاقها من الإساءة يشعر بما قلناه، وغفر الذنوب عبارة عن سترها وعدم العقوبة عليها البتة، وتكفير السيئات عبارة عن حطها وإسقاطها فكل من الطلبين مناسب لما ذكرنا من المعنيين ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ  ﴾ أي أمتنا على حالتهم وطريقتهم، يقال: أنا مع فلان أي على رأيه وسيرته ومذهبه في عمله، والأبرار هم المحسنون في أعمالهم.

﴿ رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ  ﴾ ، على رسلك معناه لأجل رسلك، أي لأجل اتباعهم والإيمان بهم.

فالكاف للتعليل، واستشكل البعض هذا السؤال منهم مع إيمانهم بأن الله لا يخلف الميعاد، والمختار عندي في الجواب عنه أن هؤلاء قوم هداهم النظر والفكر إلى معرفة الله تعالى واستشعار عظمته وسلطانه، وإلى ضعف أنفسهم عن القيام بما يجب من شكره، والقيام بحقوقه وحقوق خلقه، فطلبوا المغفرة والتفكير والعناية الإلهية التي تبلغهم ما وعد الله من استجابوا للرسل ونصروهم وأحسنوا اتباعهم.

﴿ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ  ﴾ أي لا تذلنا.

﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى  ﴾ استجاب دعاءهم لصدقهم في الإيمان والذكر والفكر والتقديس والتنزيه، والوصول إلى معرفة الحياة الآخرة، وصدق الرسل وإيمانهم بهم وشعورهم بعد ذلك كله بأنهم ضعفاء مقصرون في الشكر محتاجون مغفرته لهم وفضله عليهم وإحسانه بهم بإيتائهم ما وعدهم، ولكن هذه الاستجابة لم تكن بعين ما طلبوا كما طلبوا ولذلك صورها وبيّن كيفيتها، وهذا التصوير لحكمة عالية وهي أن الاستجابة ليست إلا توفية كل عامل جزاء عمله لينبههم بذكر العمل والعامل، إلى أن العبرة في الظن بالنجاة من العذاب والفوز بحسن الثواب إنما هي بإحسان العمل والإخلاص فيه، فإن الإنسان قد تغشه نفسه فيظن أنه محسن وليس بمحسن وأنه مخلص وما هو بمخلص، وأن حوله وقوته قد فنيا في حول الله وقوته وأنه لا يريد إلا وجهه تعالى في كل حركة وسكون، ويكون في الواقع ونفس الأمر مغرورًا مرائيًا.

وذكر أن الذكر والأنثى متساويان عند الله تعالى في الجزاء متى تساويا في العمل حتى لا يغتر الرجل بقوته ورياسته على المرأة فيظن أنه أقرب إلى الله منها، ولا تسيء المرأة الظن بنفسها فتتوهم أن جعل الرجل رئيسًا عليها يقتضي أن يكون أرفع منزلة عند الله تعالى منها، وقد بيّن تعالى علة هذه المساواة بقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ  ﴾ فالرجل مولود من المرأة والمرأة مولودة من الرجل فلا فرق بينهما في البشرية، ولا تفاضل بينهما إلا بالأعمال، أي وما تترتب عليه الأعمال ويترتب هو عليها من العلوم والأخلاق.

لم يكتف بربط الجزاء بالعمل حتى يبين أن العمل الذي يستحقون به ما طلبوا من تكفير السيئات ودخول الجنة فقال: ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ  ﴾ ذكر الإخراج من الديار بعد الهجرة من باب التفصيل بعد الإجمال، فالهجرة إنما كانت وتكون بالإخراج من الديار، وتستتبع ما ذكر في قوله: ﴿ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا  ﴾ من الإيذاء والقتال، وقرئ وقتلوا بتشديد التاء للمبالغة فمن لم يحتمل القتل بل والتقتيل في سبيل الله تعالى ويبذل محجته لله  فلا يطمعن بهذه المثوبة المؤكدة في قوله: ﴿ لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ  ﴾ ومثل هذه الآية الآيات الكثيرة الواردة في صفحات المؤمنين كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا  ﴾ إلخ، وقوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ إلخ، وقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ  الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ وَالْعَصْرِ  ﴾ إلخ السورة وغير ذلك.

هكذا يذكر الله تعالى صفات المؤمنين لينبهنا إلى أن نرجع إلى أنفسنا ونمتحنها بهذه الأعمال والصفات، فإن رأيناها تحتمل الإيذاء في سبيل الله حتى القتل فلنبشرها بالصدق منها، والرضوان منه تعالى، وإلا فعلينا أن نسعى لتحصيل هذه المرتبة التي لا ينجي عنده غيرها.

وإنما كلف الله المؤمنين الصادقين الموقنين المخلصين هذا التكليف الشاق لأن قيام الحق مرتبط به وإنما سعادتهم -من حيث هم مؤمنون- بقيام الحق وتأييده، والحق في كل زمان ومكان محتاج إلى أهله لينصروه على أهل الباطل الذين يقاومونه.

والحق والباطل يتصارعان دائمًا ولكل منهما حزب ينصره فيجب على أنصار الحق أن لا يفشلوا ولا ينهزموا، بل عليهم أن يثبتوا ويصبروا، حتى تكون كلمته العليا، وكلمة الباطل هي السفلى.

وانظر إلى حال المؤمنين اليوم تجدهم يتعللون بأن هذه الآيات نزلت في أناس مخصوصين كأنهم يترقبون أن يستجيب الله لهم ويعطيهم ما وعد المؤمنين من غير أن يقوموا بعمل مما أمر به المؤمنين، ولا أن يتصفوا بوصف مما وصفهم به من حيث هم مؤمنون وما علق عليه وعده بمثوبتهم، بل وإن اتصفوا بضده وهو ما توعد عليه بالعذاب الشديد، وهذا منتهى الغرور.

﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ  ﴾ إن هذا تأكيد لما قبله من كون الثواب من عند الله ليبين أن هذا الجزاء بمحض الفضل والكرم الإلهي وأنه يقع بإرادته واختياره تعالى وإن كان جزاء على عمل.

<div class="verse-tafsir"

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ ١٩٦ مَتَـٰعٌۭ قَلِيلٌۭ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ١٩٧ لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّـٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لِّلْأَبْرَارِ ١٩٨ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ١٩٩ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٢٠٠

كان الكلام في أولي الألباب المؤمنين وقد علمنا أن الله تعال يستجيب لهم بالأعمال، فالعبرة بالعمل ومنه المهاجرة وتحمل الإيذاء في سبيل الله، وبذل النفس في القتال حتى يقتلوا وبذلك يستحقون ثواب الله تعالى.

ثم ذكر حال الكافرين للمقابلة وربط الكلام بما قبله بالنهي عن الاغترار بما هم فيه من نعيم وتمتع، كأنه يقول على المؤمن أن يجعل مرمى طرفه ذلك الثواب الذي وعدته فهو النعيم الحقيقي الباقي وهذا الذي فيه الكافرون متاع قليل فلا تطلبوه ولا تحفلوا به، يسهل بهذا على المسلمين ما كلفوه من تحمل الإيذاء والعناء في إقامة الحق.

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا  ﴾ ، إنه بعد أن بيّن حال المؤمنين وما أعد لهم من الثواب، وذكر حال الكافرين وما أعد لهم من العقاب، ذكر فريقًا من أهل الكتاب يهتدون بهذا القرآن، وكانوا مهتدين من قبله بما عندهم من هدي الانبياء، وذكر من وصفهم الخشوع لله، وما كل من يدعي الإيمان بالكتاب خاشع لله، وهذا الخشوع هور روح الدين وهو السائق لهم إلى الإيمان بالنبي الجديد وهو الذي حال بينهم وبين أن يشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، وهذا الثمن يعم المال والجاه فإن منه التمتع بما كانوا فيه من ذلك، وإن صعب على الإنسان أن يترك ما ألفه، وخص هؤلاء بالذكر على كونهم من المؤمنين الذين وعدوا بما تقدم ذكره في مقابلة الكافرين لأجل القدوة بهم في صبرهم على الحق في الدين السابق والدين اللاحق.

وذكر إيمانهم بصيغة التأكيد لأن أهل الكتاب كانوا بغرورهم بكتابهم وتوهمهم الاستغناء بما عندهم عن غيره كانوا أبعد الناس عن الإيمان، وكان من الغرابة بعد ذلك العناد ومكابرة النبي  وحسده على النبوة والتشدد في إيذائه أن يؤمن بعضهم إيمانًا صحيحًا كاملًا، ولهذا كان المؤمنون منهم قليلين وكانوا من خيارهم علمًا وفضلًا وبصيرة.

وإننا نرى علماءنا الأذكياء في هذا العصر قلما يرجعون عن عقيدة أو رأي في الدين جروا عليه وتلقوه عن مشايخهم، وقرأوه في كتبهم، وإن كان باطلًا وخطأ ظاهرًا.

وفي هذه الآية تأييد لكون حال المؤمنين على ما كانوا عليه من ضيق خيرًا من حال الكافرين على ما كانوا عليه من سعة، كأنه يقول انظروا إلى حال الأخيار من أهل الكتاب كيف لا يحفلون بذلك المتاع الدنيوي بل يؤثرون عليه ما عند الله تعالى، فهذا من باب المثل والأسوة للمسلمين.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ أي اصبروا على ما يلحقكم من الأذى، وصابروا الأعداء الذين يقاومونكم ليغلبوكم على أمركم ويخذلون الحق الذي في أيديكم، واربطوا الخيل كما يربطونها استعدادًا للجهاد.

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ يكثر الله تعالى من هذه الوصية ومع ذلك نرى الناس قد انصرفوا عنها بتة، حتى صار التقي عند الناس هو الأهبل الذي لا يعقل مصلحته ولا مصلحة الناس، ولا شيء أشأم على التقوى من فهمها بهذا المعنى.

التقوى أن تقي نفسك من الله أي من غضبه وسخطه وعقوبته، ولا يمكن هذا إلا بعد معرفته ومعرفة ما يرضيه وما يسخطه، ولا يعرف هذا إلا من فهم كتاب الله تعالى وعرف سنة نبيه  وسيرة سلف الأمة الصالح مطالبًا نفسه بالاهتداء بذلك كله، فمن صبر وصابر ورابط لأجل حماية الحق وأهله، ونشر دعوته واتقى ربه في سائر شؤونه فقد أعد نفسه بذلك للفلاح والفوز بالسعادة عند الله تعالى.

- ٤ -

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده