تفسير سورة آل عمران الآيات ١٥٢-١٥٥ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٥٢-١٥٥

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٥٢ ۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّۢ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَـٰبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٥٣ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةًۭ نُّعَاسًۭا يَغْشَىٰ طَآئِفَةًۭ مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌۭ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌۭ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٥٤ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ ١٥٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 13 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

روى الواحدي عن محمد بن كعب قال لما رجع رسول الله  إلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أُحد قال ناس من أصحابه؛ من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟

فأنزل الله هذه الآية ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ  ﴾ الآية.

ونقول: نعم إن الناس قالوا ذلك كما يعلم من قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا  ﴾ وسيأتي، ولكن هذا القول ليس سبب النزول لهذه الآية وحدها وإنما نزلت مع هذه الآيات الكثيرة بعد تلك الواقعة وما قيل فيها.

الوعد المشار إليه في الآية يحتمل أن يكون المراد به ما تكرر كثيرًا في القرآن من نصر الله المؤمنين ونصر من ينصره، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد به ما دل عليه قوله تعالى: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ  ﴾ الآية، وقال بعضهم: إن المراد به وعد النبي لهم عند تعبئتهم واختاره ابن جرير وروى فيه عن السدي أنه قال "لما برز رسول الله  إلى المشركين بأحد أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين، وقال: ولا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات بن جبير، ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النار؟

فقام إليه علي بن أبي طالب فقال والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة، فضربه علي فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال: أنشدك الله والرحم يا ابن عم، فتركه.

فكبر رسول الله  وقال لعلي أصحابه: ما منعك أن تجهز عليه؟

قال إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييت منه، ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم وحمل النبي  وأصحابه فهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع، فلما نظر الرماة إلى رسول الله  وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه بادروا الغنيمة فقال بعضهم لا نترك أمر رسول الله  ، فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله ثم حمل على أصحاب النبي  ، فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل تنادوا فشدوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم".

أي قتلوا منهم سبعين كما هو معلوم من الروايات المفصلة.

وإنما ذكرنا هنا رواية السدي بطولها لما فيها من التصريح بأن النبي  قال للرماة "فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم"، والتفصيل الذي يعين على فهم الآية وغيرها، ومنها أن الرماة لم يعصوا كلهم وإنما أولئك بعض عامتهم، وأما الخاصة الراسخون في الإيمان العارفون بالواجب فقد ثبتوا، والمختار عندنا أن المراد بوعد الله هنا ما تكرر في القرآن وإنما قال النبي ما قال للرماة عملًا بالقرآن وتأولًا له فإنه تعالى قرن الوعد فيه بشروط لا تتم إلا بالطاعة والثبات.

فملخص تفسير الآية هكذا ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ  ﴾ إياكم بالنصر حتى في هذه الواقعة ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ  ﴾ أي المشركين أي تقتلونهم قتلًا ذريعًا ﴿ بِإِذْنِهِ  ﴾ تعالى أي بعنايته وتأييده لكم ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ  ﴾ ضعفتم في الرأي والعمل فلم تقووا على حبس أنفسكم عن الغنيمة، ﴿ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ  ﴾ فقال بعضكم ما بقاؤنا هنا وقد انهزم المشركون وقال الآخرون لا نخالف أمر الرسول، ﴿ وَعَصَيْتُمْ  ﴾ رسولكم وقائدكم بترك أكثر الرماة للمكان الذي أقامهم فيه يحمون ظهوركم بنضح المشركين بالنبل ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ  ﴾ من النصر والظفر فصبرتم على الضراء ولم تصبروا في السراء، ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا  ﴾ كالذين تركوا مكانهم وذهبوا وراء الغنيمة ليصيبوا منها، ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ  ﴾ كالذين ثبتوا من الرماة مع أميرهم عبد الله بن جبير وهم نحو عشرة وكان الرماة خمسين رجلًا، والذين ثبتوا مع النبي  وهم ثلاثون رجلًا.

أي صدقكم وعده ونصركم على قلتكم وكثرة المشركين واستمر هذا النصر إلى أن فشلتم وتنازعتم وعصيتم، فعندما وصلتم إلى هذه الغاية، لم تعودوا مستحقين لهذه العناية، لمخالفتكم لسننه في استحقاق النصر، الذي وعد به أهل الثبات والصبر، فعلى هذا تكون "حتى" للغاية و"إذا" في قوله: ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ  ﴾ ليست للشروط وإنما هي بمعنى الحين والوقت هذا هو المختار، والوجه الثاني أنها للشرط وجوابها محذوف تقديره عند البصريين "منعكم نصره" أو نحوه، وإن الحكمة في حذف الجواب هنا على القول به هي أن تذهب النفس في تقديره كل مذهب، ومثل هذا الحذف لا يأتي في الكلام البليغ إلا حيث ينتظر المخاطب الجواب بكل شغف ولهف ولك أن تجعل تقديره: امتحنكم بالإدالة منكم ليمحصكم ويميز المخلصين والصادقين منكم.

وحاصل المعنى أنه بعد أن صدقكم وعده فكنتم تقتلونهم بإذنه ومعونته قتل حس واستئصال صرفكم عنهم بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم، وحال بينكم وبين تمام النصر ليمتحنكم بذلك أي ليعاملكم معاملة من يمتحن ويختبر أو لأجل أن يكون ذلك ابتلاء واختبارًا يمحصكم به ويميز بين الصادقين والمنافقين ويزيل، بين الأقوياء والضعفاء كما علم من الآيات السابقة.

وقد اسند الله تعالى صرف المؤمنين عن المشركين إلى نفسه هنا باعتبار غايته الحميدة في تربيتهم وتمحيصهم الذي يعهدهم للنصر الكامل والظفر الشامل في المستقبل وأضاف ما أصابهم إليهم في قوله الذي سيأتي في السياق ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ  ﴾ باعتبار سببه وهو ما كان منهم من الفشل والتنازع والعصيان، وقد عد بعضهم إسناد الصرف إليه هنا مشكلًا لا سيما على مذهب المعتزلة الذين تكلف علماؤهم في تخريجه تكلفًا لا حاجة إليه، إذ لا إشكال فيه، ولكن المذاهب والاصطلاحات هي التي تولد لأصحابها المشكلات.

قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ  ﴾ بذلك التحميص الذي محا أثر الذنب من نفوسكم فصرتم كأنكم لم تفشلوا ولم تتنازعوا ولم تعصوا، وقد ظهر أثر هذا العفو في حمراء الأسد.

﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ فلا يذرهم على ما هم عليه من ضعف يلم ببعضهم، أو تقصير يهبط بنفوس غير الراسخين منهم، حتى يبتلي ما في قلوبهم، ويمحص ما في صدورهم، فيكونوا من المخلصين.

﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ  ﴾ أي صرفكم عنهم في ذلك الوقت الذي أصعدتم فيه أي ذهبتم وأبعدتم في الأرض منهزمين -وهو غير الصعود الذي هو الذهاب في المرتفعات كالجبال- لا تلوون أي لا تعطفون على أحد بنجدة ولا مدافعة، ولا تلتفون إلى من وراءكم لشدة الدهشة التي عرتكم والذعر الذي فاجأكم.

﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ  ﴾ أي تفعلون ذلك والرسول من ورائكم يدعوكم إليه فيمن تأخر معه منكم فكانوا ساقة الجيش -روي أنه كان يقول في دعوته: "إليّ عباد الله إليّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة"- وأنتم لا تسمعون ولا تنظرون، وكان يجب أن يكون لكم أسوة حسنة بالرسول فتقتدوا به في صبره وثباته ولكن أكثركم لم يفعل ﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ  ﴾ ، الغم هو الألم الذي يفاجئ الإنسان عند نزول المصيبة وأما الحزن فهو الألم الذي يكون بعد ذلك ويستمر زمنًا.

﴿ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ  ﴾ أي لأجل أن لا تحزنوا بعد هذا التأديب والتمرين على ما فاتكم من غنيمة ومنفعة، ﴿ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ  ﴾ من قرح ومصيبة فإن التربية إنما تكون بالعمل والتمرن الذي به يكمل الإيمان وترسخ الأخلاق.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون الضمير في "فأثابكم" للرسول أي فآساكم في الاغتمام وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم فأثابكم غمًا اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله ولا على ما أصابكم من غلبة العدو.

﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  ﴾ ، يقول فلا تعتذروا عن أنفسكم ولا تخادعوها فإن الخبير بأعمالكم المحيط بنفوسكم لا يخفى عليه من أمركم خافية وإنما المعوّل على علمه وخبره لا على إعذاركم وتأويلكم لأنفسكم ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ  ﴾ اختلف المفسرون في وقت هذا النعاس فقال بعضهم إن ذلك كان في أثناء الواقعة وأن الرجل كان ينام تحت ترسه كأنه آمن من كل خوف وفزع، إلا المنافقين فإنهم أهمتهم أنفسهم فاشتد جزعهم، وحمل بعضهم هذه الآية على آية الأنفال: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ  ﴾ وإنما هذه في غزوة بدر.

وقد مضت السنة في الخلق بأن من يتوقع في صبيحة ليلته هولًا كبيرًا ومصابًا عظيمًا فإنه يتجافى جنبه عن مضجعه ويبيت بليلة الملسوع فيصبح خاملًا ضعيفًا، وقد كان المؤمنون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك إذ بلغهم أن جيشًا يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدًا وهو أشد منهم قوة وأعظم عدة فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرق والسهاد يضربون أخماسًا لأسداس، ويفكرون بما سيلاقون في غدهم من الشدة والبأس، ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس، غشيهم فناموا واثقين بالله تعالى مطمئنين لوعده، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه، فالنعاس لم يكن يوم بدر في وقت الحرب بل قبلها ومثله المطر الذي أنزل عليهم عند شدة حاجتهم إليه وقد قرن ذكره به في الآية التي ذكرتهم بعناية الله بهم في ذلك.

وأما النعاس يوم أُحد فقد قيل إنه كان في أثناء الحرب، وقيل إنه كان بعدها وقد اتفق المفسرون وأهل السير على أن المؤمنين قد أصابهم يوم أُحد شيء من الضعف والوهن لما أصابهم من الفشل والعصيان، وقتل طائفة من كبارهم وشجعانهم فكانوا بعد انتهاء الواقعة قسمين، فقسم منهم ذكروا ما أصابهم فعرفوا أنه كان بتقصير من بعضهم وذكروا الله ووعده بنصرهم فاستغفروا لذنوبهم ووثقوا بوعد ربهم، وعلموا أنه إن كان قد غلبوا في هذه المرة فإن الله سينصرهم في غيرها حيث لا يعودون إلى مثل ما وقع منهم فيها من الفشل والتنازع وعصيان قائدهم ورسولهم، فأنزل الله عليهم النعاس أمنة، أو الأمنة نعاسًا، حتى يستردوا ما فقدوا من القوة بما أصابهم من القرح، ومع عرض لهم من الضعف، والنوم للمصاب بمثل تلك المصائب نعمة كبيرة، وعناية من الله عظيمة، وقد كان من أثر هذا الاطمئنان في القلوب، والراحة للأجسام، والتسليم للقضاء، أن سهل على هؤلاء المؤمنين اقتفاء أثر المشركين بعد انصرافهم، وعزموا على قتالهم في حمراء الأسد عندما دعاهم الرسول إلى ذلك فاستجابوا له مذعنين.

واتفق الرواة أيضًا على أن كثيرًا منهم كانوا مثقلين بالجراح فلم يقدروا على اقتفاء أثر المشركين فذلك قوله تعالى: ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ  ﴾ فهذه الطائفة من المؤمنين الضعفاء، ولا حاجة إلى جعلها في المنافقين كما قيل، فإن هؤلاء سيأتي الكلام فيهم وما من أمة إلا وفيها الضعفاء والأقوياء في الإيمان وغيره.

وقد بيّن ظنهم بقوله: ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ  ﴾ فنلام أن ولينا وغلبنا؟

يعنون أنه ليس لهم من أمر النصر وعدمه شيء فإنهم فهموا مما وقع يوم بدر أن النصر وحقية الدين متلازمان، وعجبوا مما وقع في أحد كأنه مناف لحقيقة الدين، وهذا خطأ عظيم، أي فإن نصر الله لرسله لا يمنع أن تكون الحرب سجالًا والعاقبة للمتقين.

﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ  ﴾ لا أمر النصر وحده، أي إن كل أمر يجري بحسب سننه تعالى في خلقه ونظامه الذي ربط فيه الأسباب بالمسببات ومنه نصر من ينصره من المؤمنين ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا  ﴾ أي لو كان أمر النصر والظفر في أيدينا لما وقع فينا القتل هنا، يقررون رأيهم ويستدلون عليه بما وقع لهم غافلين عن تحديد الآجال ولذلك أمر الله نبيه أن يجيبهم بقوله: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ  ﴾ أي لو كنتم وادعين في بيوتكم في سلم وأمان لخرج من بينكم من انتهت آجالهم وثبت في علم الله أنهم يقتلون كما يثبت المكتوب في الألواح والأوراق إلى حيث يقتلون ويسقطون من البراز، فتكون مصارعهم ومضاجع الموت لهم فقتل من قتل لم يكن لأن الأمر ليس كله بيد الله بل لأن آجالهم قد جاءت كما سبق في علم الله.

﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ  ﴾ أي يقع ذلك لأجل أن يكون القتل عاقبة من جاء أجلهم منكم ولأجل أن يمتحن الله نفوسكم فيظهر لكم ما انطوت عليه من ضعف وقوة في الإيمان، ويطهرها حتى تصل إلى الدرجات العلى من الإيقان، وقد تقدم تفسير الابتلاء والتمحيص في هذا السياق ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ  ﴾ أي بالسرائر والوجدانات الملازمة للصدور حيث القلوب المنفعلة بها، والمنبسطة أو المنقبضة بتأثيرها، وقد يخفى ذلك على أصحابها فينخدعون للشعور العارض لها الذي لم يرسخ بالتجارب والابتلاء كما انخدع الذين تمنوا الموت من قبل أن يلقوه.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا  ﴾ أي إن الذين تولوا وفروا من أماكنهم يوم التقى جمعكم بجمع المشركين في أُحد لم يكن ذلك التولي منهم إلا بإيقاع الشيطان لهم في الزلل، أي زلوا وانحرفوا عما يجب أن يكونوا ثابتين عليه باستجرار الشيطان لهم بالوسوسة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله