تفسير سورة آل عمران الآيات ٩٣-٩٧ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ٩٣-٩٧

۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٩٣ فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٩٤ قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ ۗ فَٱتَّبِعُوا۟ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٩٥ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍۢ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًۭا وَهُدًۭى لِّلْعَـٰلَمِينَ ٩٦ فِيهِ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌۭ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًۭا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٩٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قالوا: إذا كنت يا محمد على ملة إبراهيم والنبيين من بعده، كما تدعي، فكيف تستحل ما كان محرمًا عليه وعليهم كلحم الإبل؟

أما وقد استبحت ما كان محرمًا عليهم فلا ينبغي لك أن تدعي أنك مصدق لهم وموافق في الدين، ولا أن تخص إبراهيم بالذكر وتقول إنك أولى الناس به.

هذه هي الشبهة الأولى، وأما الثانية فهي أنهم قالوا: إن الله وعد إبراهيم بأن تكون البركة في نسل ولده إسحاق، وجميع الأنبياء من ذرية إسحاق كانوا يعظمون بيت المقدس ويصلون إليه، فلو كنت على ما كانوا عليه لعظمت ما عظموا ولما تحولت عن بيت المقدس وعظمت مكانًا آخر اتخذته مصلى وقبلة وهو الكعبة فخالفت الجميع.

فقوله تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ  ﴾ هو جواب عن الشبهة الأولى.

ولكن (الجلال) وكثيرًا من المفسرين يقررون الشبهة ولا يبينون وجه دفعها بيانًا مقتنعًا إذ يعترفون بأن بعض الطيبات كانت محرمة على إسرائيل والصواب ما قصه الله تعالى علينا في هذه الآية وغيرها من الآيات التي توضحها وهي أن كل الطعام كان حلالًا لبني إسرائيل، ولإبراهيم من قبل بالأولى، ثم حرم الله عليهم بعض الطيبات في التوراة عقوبة لهم وتأديبًا كما قال: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُم  ﴾ الآية فالمراد بإسرائيل شعب إسرائيل كما هو مستعمل عندهم، لا يعقوب نفسه، ومعنى تحريم الشعب ذلك على نفسه أنه ارتكب الظلم واجترح السيئات التي كانت سبب التحريم كما صرحت الآية، فكأنه يقول إذا كان الأصل في الأطعمة الحل، وكان تحريم ما حرم على إسرائيل تأديبًا على جرائم أصابوها، وكان النبي وأمته لم يجترحوا تلك السيئات، فلم تحرم عليهم الطيبات؟

ثم قال تعالى مبينًا تقرير الدفع وسنده ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ في قولكم لا تخافون أن تكذبكم نصوصها.

أما قول (الجلال) وغيره أن يعقوب كان به عرق النسا -بالفتح والقصر- فنذر إن شفي لا يأكل لحم الإبل فهو دسيسة من اليهود.

وقيل إنه نذر أن لا يأكل هذا العرق وفي التوراة أن يعقوب التقى ببعض أسفاره بالرب في الطريق فتصارعا إلى الصباح وكاد يعقوب يغلبه ولكن اعتراه عرق النسا إلخ ما حرفوه.

﴿ فَمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ  ﴾ البيان والزام الكاذبين على إبراهيم والأنبياء بالتوراة ودعوتهم إلى الإتيان بها وتلاوتها على الملأ وامتناعها عن ذلك لئلا يظهر أن الله لم يحرم عليهم شيئًا من الطعام قبل التوراة.

والأصل في الأشياء الحل حتى يرد النص بالتحريم ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ  ﴾ بتحويلهم الحق في المسألة عن وجهه ووضع حكم الله بتحريم بعض الطيبات عليهم في غير موضعه ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ  ﴾ فيما أنبأني به من عدم تحريم شيء على إسرائيل قبل التوراة وقامت الحجة عليكم بذلك فثبت أنني مبلغ عنه إذ ما كان لي لولا وحيه أن أعرف صدقكم من كذبكم فيما تحدثون به عن أنبيائكم.

وإذ كان الأمر كذلك ﴿ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ التي أدعوكم إليها حال كونه ﴿ حَنِيفًا  ﴾ لا غلو فيما كان عليه ولا تقصير ولا إفراط ولا تفريط بل هو الفطرة القويمة والحنيفية السمحة المبنية على الإخلاص لله وإسلام الوجه له وحده ﴿ وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ  ﴾ الذي يبتغون الخير من غيره تعالى أو يخافون الضر من غير أسبابه التي مضت بها سنته.

أما قوله  ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ  ﴾ فهو جواب الشبهة الثانية.

وتقريره أن البيت الحرام الذي نستقبله في صلاتنا هو أول بيت وضع معبدًا للناس بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام لأجل العبادة خاصة ثم بني المسجد الأقصى ببيت المقدس بعده بعدة قرون بناه سليمان بن داود عليهما السلام، فصح أن يكون النبي  على ملة إبراهيم ويتوجه بعبادته إلى حيث كان يتوجه إبراهيم وولده إسماعيل.

وذهب بعض المفسرين إلى أن الأولية زمانية بالنسبة إلى وضع البيوت مطلقًا، فقالوا: إن الملائكة بنته قبل خلق آدم وأن بيت المقدس بني بعده بأربعين عامًا.

وإذا صح الحديث فلا شيء في العقل يحيله، ولكن الآية لا تدل عليه، ولا يتوقف الاحتجاج بها على ثبوته، وبيت المقدس المعروف الذي ينصرف إليه الإطلاق قد بناه سليمان بالاتفاق، وذلك قبل ميلاد المسيح بنحو ٨٠٠ سنة.

أما قوله تعالى في البيت ﴿ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ  ﴾ فهو بيان لحاله الحسنة الحسية وحاله الشريفة المعنوية.

﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ أي فيه دلائل أو علامات ظاهرة لا تخفى على أحد، أحدها أو منها مقام إبراهيم أي موضع قيامه فيه للصلاة والعبادة تعرف ذلك العرب بالنقل المتواتر.

وقوله: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا  ﴾ آية ثانية بينة لا يمتري فيها أحد وهي اتفاق قبائل العرب كلها على احترام هذا البيت وتعظيمه لنسبته إلى الله حتى أن من دخله يأمن على نفسه لا من الاعتداء عليه وإيذائه فقط بل يأمن أن يثأر منه من سفك هو دماءهم واستباح حرماتهم ما دام فيه.

مضى على هذا عمل الجاهلية على اختلافها في المنازع والأهواء والمعبودات وكثرة ما بينها من الأحقاد والأضغان وأقره الإسلام.

ويرد على إقرار الإسلام لحرمة البيت فتح مكة بالسيف، وأجيب عنه بأنها حلت للنبي  ساعة من نهار لم تحل لأحد قبله ولن تحل لأحد بعده كما ورد في الحديث، وذلك لضرورة تطهير البيت من الشرك وتخصيصه لما وضع له.

وأما فعل الحجاج، أخزاه الله، فإنه كان من الشذوذ الذي لا ينافي الاتفاق على احترام البيت وتعظيمه وتأمين من دخله ولا نلجأ إلى تأويل الأمان بمثل ما أوله به من قال إن المراد به الأمن من العذاب يوم القيامة فإنه هدم للدين كله، فإن الأمن هناك إنما يكون لأهل التوحيد الخالص والعمل الصالح الذين أقاموا الدين في الدنيا كما أمر الله تعالى، وما دخول البيت إلا بعض أعمال الإيمان إذا أخلص صاحبه فيه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا  ﴾ فهو بيان آية ثالثة من آيات هذا البيت.

هذه الجملة وإن جاءت بصيغة الإيجاب هي واردة في معرض تعظيم البيت وأي تعظيم أكبر من افتراض حج الناس إليه وما زالوا يحجونه من عهد إبراهيم إلى عهد محمد صلى الله عليهما وعلى آلهما وسلم ولم يمنع العرب عن ذلك شركها وإنما كانوا يحجون عملًا بسنة إبراهيم: يعني أن الحج عمل عام جروا عليه جيلًا بعد جيل على أنه من دين إبراهيم وهذه آية متواترة على نسبة هذا البيت إلى إبراهيم فهي أصح من نقول المؤرخين التي تحتمل الصدق، وبهذا وبما سبقه بطل اعتراض أهل الكتاب وثبت أن النبي على ملة إبراهيم دونهم.

أما الحج فمعناه في أصل اللغة القصد وهو بكسر الحاء وبه قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وفتحها وبه قرأ الباقون وقيل الفتح لغة الحجاز والكسر لغة نجد.

أما قوله تعالى: ﴿ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا  ﴾ فإنه بيان لموقع الإيجاب ومحله وإعلام بأن الفرضية موجهة أولًا وبالذات إلى هذا العمل، ولكن الله رحم من لا يستطيع إليه سبيلًا، والاستطاعة تختلف باختلاف الأشخاص.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر