الآية ٩٧ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٩٧ من سورة آل عمران

فِيهِ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌۭ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًۭا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٩٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 335 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٧ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٧ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( فيه آيات بينات ) أي : دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم ، وأن الله تعالى عظمه وشرفه .

ثم قال تعالى : ( مقام إبراهيم ) يعني : الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران ، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل ، وقد كان ملتصقا بجدار البيت ، حتى أخره عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطواف ، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف ، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال : ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) [ البقرة : 125 ] وقد قدمنا الأحاديث في ذلك ، فأغنى عن إعادته هاهنا ، ولله الحمد والمنة .

وقال العوفي عن ابن عباس في قوله : ( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ) أي : فمنهن مقام إبراهيم والمشعر .

وقال مجاهد : أثر قدميه في المقام آية بينة .

وكذا روي عن عمر بن عبد العزيز ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم .

وقال أبو طالب في قصيدته : وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيا غير ناعل وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد وعمرو الأودي قالا حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس في قوله : ( مقام إبراهيم ) قال : الحرم كله مقام إبراهيم .

ولفظ عمرو : الحجر كله مقام إبراهيم .

وروي عن سعيد بن جبير أنه قال : الحج مقام إبراهيم .

هكذا رأيت في النسخة ، ولعله الحجر كله مقام إبراهيم ، وقد صرح بذلك مجاهد .

وقوله : ( ومن دخله كان آمنا ) يعني : حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء ، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية ، كما قال الحسن البصري وغيره : كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو يحيى التيمي ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( ومن دخله كان آمنا ) قال : من عاذ بالبيت أعاذه البيت ، ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ، فإذا خرج أخذ بذنبه .

وقال الله تعالى : ( أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) [ العنكبوت : 67 ] وقال تعالى : ( فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) [ قريش : 3 ، 4 ] وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره ، وحرمة قطع أشجارها وقلع حشيشها ، كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك عن جماعة من الصحابة مرفوعا وموقوفا .

ففي الصحيحين ، واللفظ لمسلم ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فتح مكة : " لا هجرة ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا " ، وقال يوم الفتح فتح مكة : " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ، ولا يختلى خلاها .

فقال العباس : يا رسول الله ، إلا الإذخر ، فإنه لقينهم ولبيوتهم ، فقال : " إلا الإذخر " .

ولهما عن أبي هريرة ، مثله أو نحوه ولهما واللفظ لمسلم أيضا عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد ، وهو يبعث البعوث إلى مكة : ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به ، إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال : " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ، ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا له : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب " فقيل لأبي شريح : ما قال لك عمرو ؟

قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح ، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخزية .

وعن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح " رواه مسلم .

وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، وهو واقف بالحزورة في سوق مكة : " والله إنك لخير أرض الله ، وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت " .

رواه الإمام أحمد ، وهذا لفظه ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه .

وقال الترمذي : حسن صحيح وكذا صحح من حديث ابن عباس نحوه ، وروى أحمد عن أبي هريرة ، نحوه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا بشر بن آدم ابن بنت أزهر السمان حدثنا أبو عاصم ، عن زريق بن مسلم الأعمى مولى بني مخزوم ، حدثني زياد بن أبي عياش ، عن يحيى بن جعدة بن هبيرة ، في قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) قال : آمنا من النار .

وفي معنى هذا القول الحديث الذي رواه البيهقي : أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد ، حدثنا محمد بن سليمان الواسطي ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا ابن المؤمل ، عن ابن محيصن ، عن عطاء ، عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة ، وخرج مغفورا له " : ثم قال : تفرد به عبد الله بن المؤمل ، وليس بقوي .

وقوله : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) هذه آية وجوب الحج عند الجمهور .

وقيل : بل هي قوله : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) [ البقرة : 196 ] والأول أظهر .

وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده ، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا ، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع .

قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا الربيع بن مسلم القرشي ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أيها الناس ، قد فرض عليكم الحج فحجوا " .

فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟

فسكت ، حتى قالها ثلاثا .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو قلت : نعم ، لوجبت ، ولما استطعتم " .

ثم قال : " ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه " .

ورواه مسلم ، عن زهير بن حرب ، عن يزيد بن هارون ، به نحوه .

وقد روى سفيان بن حسين ، وسليمان بن كثير ، وعبد الجليل بن حميد ، ومحمد بن أبي حفصة ، عن الزهري ، عن أبي سنان الدؤلي - واسمه يزيد بن أمية - عن ابن عباس قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا أيها الناس ، إن الله كتب عليكم الحج " .

فقام الأقرع بن حابس فقال : يا رسول الله ، أفي كل عام ؟

قال : " لو قلتها ، لوجبت ، ولو وجبت لم تعملوا بها ، ولم تستطيعوا أن تعملوا بها ، الحج مرة ، فمن زاد فهو تطوع " .

رواه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، والحاكم من حديث الزهري ، به .

ورواه شريك ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، بنحوه .

وروي من حديث أسامة يزيد .

[ و ] قال الإمام أحمد : حدثنا منصور بن وردان ، عن علي بن عبد الأعلى ، عن أبيه ، عن أبي البختري ، عن علي قال : لما نزلت : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) قالوا : يا رسول الله ، في كل عام ؟

فسكت ، قالوا : يا رسول الله ، في كل عام ؟

قال : " لا ، ولو قلت : نعم ، لوجبت " .

فأنزل الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) [ المائدة : 101 ] .

وكذا رواه الترمذي ، وابن ماجه ، والحاكم ، من حديث منصور بن وردان ، به : ثم قال الترمذي : حسن غريب .

وفيما قال نظر ، لأن البخاري قال : لم يسمع أبو البختري من علي .

وقال ابن ماجه : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا محمد بن أبي عبيدة ، عن أبيه ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن أنس بن مالك قال : قالوا : يا رسول الله ، الحج في كل عام ؟

قال : " لو قلت نعم ، لوجبت ، ولو وجبت لم تقوموا بها ، ولو لم تقوموا بها لعذبتم " .

وفي الصحيحين من حديث ابن جريج ، عن عطاء ، عن جابر ، عن سراقة بن مالك قال : يا رسول الله ، متعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد ؟

قال : " لا ، بل للأبد " .

وفي رواية : " بل لأبد أبد " .

وفي مسند الإمام أحمد ، وسنن أبي داود ، من حديث واقد بن أبي واقد الليثي ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسائه في حجته : " هذه ثم ظهور الحصر " يعني : ثم الزمن ظهور الحصر ، ولا تخرجن من البيوت .

وأما الاستطاعة فأقسام : تارة يكون الشخص مستطيعا بنفسه ، وتارة بغيره ، كما هو مقرر في كتب الأحكام .

قال أبو عيسى الترمذي : حدثنا عبد بن حميد ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا إبراهيم بن يزيد قال : سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث عن ابن عمر قال : قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من الحاج يا رسول الله ؟

قال : " الشعث التفل " فقام آخر فقال : أي الحج أفضل يا رسول الله ؟

قال : " العج والثج " ، فقام آخر فقال : ما السبيل يا رسول الله ؟

قال : " الزاد والراحلة " .

وهكذا رواه ابن ماجه من حديث إبراهيم بن يزيد وهو الخوزي .

قال الترمذي : ولا نعرفه إلا من حديثه ، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه .

كذا قال هاهنا .

وقال في كتاب الحج : هذا حديث حسن .

[ و ] لا يشك أن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات سوى الخوزي هذا ، وقد تكلموا فيه من أجل هذا الحديث .

لكن قد تابعه غيره ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله العامري ، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي ، عن محمد بن عباد بن جعفر قال : جلست إلى عبد الله بن عمر قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : ما السبيل ؟

قال : " الزاد والراحلة " .

وكذا رواه ابن مردويه من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير ، به .

ثم قال ابن أبي حاتم : وقد روي عن ابن عباس ، وأنس ، والحسن ، ومجاهد ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والربيع بن أنس ، وقتادة - نحو ذلك .

وقد روي هذا الحديث من طرق أخر من حديث أنس ، وعبد الله بن عباس ، وابن مسعود ، وعائشة كلها مرفوعة ، ولكن في أسانيدها مقال كما هو مقرر في كتاب الأحكام ، والله أعلم .

وقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث .

ورواه الحاكم من حديث قتادة عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله : ( من استطاع إليه سبيلا ) فقيل ما السبيل ؟

قال : " الزاد والراحلة " .

ثم قال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه .

وقال ابن جرير : حدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، عن يونس ، عن الحسن قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) قالوا : يا رسول الله ، ما السبيل ؟

قال : " الزاد والراحلة " .

ورواه وكيع في تفسيره ، عن سفيان ، عن يونس ، به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا الثوري ، عن إسماعيل - وهو أبو إسرائيل الملائي - عن فضيل - يعني ابن عمرو - عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له " .

وقال أحمد أيضا : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي ، عن مهران بن أبي صفوان عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أراد الحج فليتعجل " .

ورواه أبو داود ، عن مسدد ، عن أبي معاوية الضرير ، به .

وقد روى ابن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( من استطاع إليه سبيلا ) قال : من ملك ثلاثمائة درهم فقد استطاع إليه سبيلا .

وعن عكرمة مولاه أنه قال : السبيل الصحة .

وروى وكيع بن الجراح ، عن أبي جناب - يعني الكلبي - عن الضحاك بن مزاحم ، عن ابن عباس قال : ( من استطاع إليه سبيلا ) قال : الزاد والبعير .

وقوله : ( ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : أي ومن جحد فريضة الحج فقد كفر ، والله غني عنه .

وقال سعيد بن منصور ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن عكرمة قال : لما نزلت : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) قالت اليهود : فنحن مسلمون .

قال الله ، عز وجل فاخصمهم فحجهم - يعني فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله فرض على المسلمين حج البيت من استطاع إليه سبيلا " فقالوا : لم يكتب علينا ، وأبوا أن يحجوا .

قال الله : ( ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) .

وروى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه .

وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا عبد الله بن جعفر ، أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود ، أخبرنا مسلم بن إبراهيم وشاذ بن فياض قالا أخبرنا هلال أبو هاشم الخراساني ، أخبرنا أبو إسحاق الهمداني ، عن الحارث ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ملك زادا وراحلة ولم يحج بيت الله ، فلا يضره مات يهوديا أو نصرانيا ، ذلك بأن الله قال : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) .

ورواه ابن جرير من حديث مسلم بن إبراهيم ، به .

وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة الرازي : حدثنا هلال بن فياض ، حدثنا هلال أبو هاشم الخراساني ، فذكره بإسناده مثله .

ورواه الترمذي عن محمد بن يحيى القطعي ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي ، به ، وقال : [ هذا ] حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وفي إسناده مقال ، وهلال مجهول ، والحارث يضعف في الحديث .

وقال البخاري : هلال هذا منكر الحديث .

وقال ابن عدي : هذا الحديث ليس بمحفوظ .

وقد روى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ من حديث [ أبي ] عمرو الأوزاعي ، حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر ، حدثني عبد الرحمن بن غنم أنه سمع عمر بن الخطاب يقول : من أطاق الحج فلم يحج ، فسواء عليه يهوديا مات أو نصرانيا .

وهذا إسناد صحيح إلى عمر رضي الله عنه ، وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري قال : قال عمر بن الخطاب : لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة فلم يحج ، فيضربوا عليهم الجزية ، ما هم بمسلمين .

ما هم بمسلمين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

فيه آيات بينات مقام إبراهيم القول في تأويل قوله تعالى : { فيه آيات بينات مقام إبراهيم } اختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأه قراء الأمصار : { فيه آيات بينات } على جماع آية , بمعنى : فيه علامات بينات .

وقرأ ذلك ابن عباس .

" فيه آية بينة " يعني بها : مقام إبراهيم , يراد بها علامة واحدة .

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : { فيه آيات بينات } وما تلك الآيات .

فقال بعضهم : مقام إبراهيم والمشعر الحرام , ونحو ذلك .

ذكر من قال ذلك : 5885 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : { فيه آيات بينات } : مقام إبراهيم , والمشعر .

5886 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة ومجاهد : { فيه آيات بينات مقام إبراهيم } قالا : مقام إبراهيم من الآيات البينات .

وقال آخرون : الآيات البينات { مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا } ذكر من قال ذلك : 5887 - حدثني محمد بن سنان , قال : ثنا أبو بكر الحنفي , قال : ثنا عباد , عن الحسن في قوله : { فيه آيات بينات } قال : { مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا } وقال آخرون : الآيات البينات : هو مقام إبراهيم .

ذكر من قال ذلك : 5888 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : { فيه آيات بينات مقام إبراهيم } أما الآيات البينات : فمقام إبراهيم .

وأما الذين قرءوا ذلك : " فيه آية بينة " على التوحيد , فإنهم عنوا بالآية البينة : مقام إبراهيم .

ذكر من قال ذلك : 5889 - حدثنا محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { فيه آيات بينات } قال : قدماه في المقام آية بينة .

يقول : { ومن دخله كان آمنا } قال : هذا شيء آخر .

* - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن ليث , عن مجاهد " فيه آية بينة مقام إبراهيم " قال : أثر قدميه في المقام آية بينة .

وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب , قول من قال : الآيات البينات منهن مقام إبراهيم , وهو قول قتادة ومجاهد الذي رواه معمر عنهما , فيكون الكلام مرادا فيهن " منهن " , فترك ذكره اكتفاء بدلاله الكلام عليها .

فإن قال قائل : فهذا المقام من الآيات البينات , فما سائر الآيات التي من أجلها قيل : { آيات بينات } ؟

قيل : منهن : المقام , ومنهن الحجر , ومنهن الحطيم , وأصح القراءتين في ذلك قراءة من قرأ { فيه آيات بينات } على الجماع , لإجماع قراء أمصار المسلمين على أن ذلك هو القراءة الصحيحة دون غيرها .

وأما اختلاف أهل التأويل في تأويل : { مقام إبراهيم } فقد ذكرناه في سورة البقرة , وبينا أولى الأقوال بالصواب فيه هنالك وأنه عندنا : المقام المعروف به .

فتأويل الآية إذا : إن أول بيت وضع للناس مباركا وهدى للعالمين , للذي ببكة , فيه علامات من قدرة الله وآثار خليله إبراهيم منهن أثر قدم خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم في الحجر الذي قام عليه .ومن دخله كان آمنا القول في تأويل قوله تعالى : { ومن دخله كان آمنا } واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم : تأويله الخبر عن أن كل من جر في الجاهلية جريرة ثم عاذ بالبيت لم يكن بها مأخوذا .

ذكر من قال ذلك : 5890 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { ومن دخله كان آمنا } وهذا كان في الجاهلية , كان الرجل لو جر كل جريرة على نفسه ثم ألجأ إلى حرم الله , لم يتناول ولم يطلب ; فأما في الإسلام , فإنه لا يمنع من حدود الله , من سرق فيه قطع , ومن زنى فيه أقيم عليه الحد , من قتل فيه قتل , وعن قتادة أن الحسن كان يقول : إن الحرم لا يمنع من حدود الله , لو أصاب حدا في غير الحرم فلجأ إلى الحرم لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد , ورأى قتادة ما قاله الحسن .

5891 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , قوله : { ومن دخله كان آمنا } قال : كان ذلك في الجاهلية , فأما اليوم فإن سرق فيه أحد قطع , وإن قتل فيه قتل , ولو قدر فيه على المشركين قتلوا .

5892 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي , قال : ثنا عبد السلام بن حرب , قال : ثنا خصيف عن مجاهد في الرجل يقتل , ثم يدخل الحرم , قال : يؤخذ فيخرج من الحرم , ثم يقام عليه الحد .

يقول : القتل .

5893 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , عن شعبة , عن حماد , مثل قول مجاهد .

5894 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب , قالا ثنا ابن إدريس , قال : أخبرنا هشام , عن الحسن وعطاء في الرجل يصيب الحد , ويلجأ إلى الحرم : يخرج من الحرم فيقام عليه الحد .

فتأويل الآية على قول هؤلاء : فيه آيات بينات مقام إبراهيم , والذي دخله من الناس كان آمنا بها في الجاهلية .

وقال آخرون : معنى ذلك : ومن يدخله يكن آمنا بها , بمعنى الجزاء , كنحو قول القائل .

من قام لي أكرمته : بمعنى من يقم لي أكرمه .

وقالوا : هذا أمر كان في الجاهلية , كان الحرم مفزع كل خائف , وملجأ كل جان , لأنه لم يكن يهاج له ذو جريرة , ولا يعرض الرجل فيه لقاتل أبيه وابنه بسوء .

قالوا : وكذلك هو في الإسلام , لأن الإسلام زاده تعظيما وتكريما .

ذكر من قال ذلك : 5895 - حدثني محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب , قال : ثنا عبد الواحد بن زياد قال : ثنا خصيف , قال ثنا مجاهد , قال : قال ابن عباس : إذا أصاب الرجل الحد قتل أو سرق , فدخل الحرم , ولم يبايع ولم يؤو حتى يتبرم فيخرج من الحرم , فيقام عليه الحد .

قال .

فقلت لابن عباس : ولكني لا أرى ذلك , أرى أن يؤخذ برمته , ثم يخرج من الحرم , فيقام عليه الحد , فإن الحرم لا يزيده إلا شدة .

5896 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب , قالا : ثنا ابن إدريس , قال : ثنا عبد الملك , عن عطاء , قال : أخذ ابن الزبير سعدا مولى معاوية , وكان في قلعة بالطائف , فأرسل إلى ابن عباس من يشاوره فيهم , إنهم لنا عين , فأرسل إليه ابن عباس : لو وجدت قاتل أبي لم أعرض له .

قال : فأرسل إليه ابن الزبير : ألا نخرجهم من الحرم ؟

قال : فأرسل إليه ابن عباس : أفلا قبل أن تدخلهم الحرم ؟

زاد أبو السائب في حديثه فأخرجهم فصلبهم , ولم يصغ إلى قول ابن عباس .

5897 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حجاج , عن عطاء , عن ابن عباس , قال : من أحدث حدثا في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم ولم يعرض له ولم يبايع ولم يكلم ولم يؤو حتى يخرج من الحرم , فإذا خرج من الحرم أخذ فأقيم عليه الحد .

قال : ومن أحدث في الحرم حدثا أقيم عليه الحد .

* - حدثنا أبو كريب قال : ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن نصر السلمي , عن ابن أبي حبيبة , عن داود بن حصين , عن عكرمة , عن ابن عباس أنه قال : من أحدث حدثا ثم استجار بالبيت فهو آمن , وليس للمسلمين أن يعاقبوه على شيء إلى أن يخرج , فإذا خرج أقاموا عليه الحد .

5898 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : ثنا حجاج , عن عطاء , عن ابن عمر , قال : لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته .

5899 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب , قالا : ثنا ابن إدريس , قال : ثنا ليث , عن عطاء : أن الوليد بن عتبة أراد أن يقيم الحد في الحرم , فقال له عبيد بن عمير : لا تقم عليه الحد في الحرم إلا أن يكون أصابه فيه .

5900 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب , قالا : ثنا ابن إدريس , قال : أخبرنا مطرف , عن عامر , قال : إذا أصاب الحد , ثم هرب إلى الحرم , فقد أمن , فإذا أصابه في الحرم أقيم عليه الحد في الحرم .

5901 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا مؤمل , قال : ثنا سفيان , عن فراس , عن الشعبي , قال : من أصاب حدا في الحرم ومن أصابه خارجا من الحرم ثم دخل الحرم , لم يكلم ولم يبايع حتى يخرج من الحرم , فيقام عليه 5902 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي , قال : ثنا عبد السلام بن حرب , قال : ثنا عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , وعن عبد الملك , عن عطاء بن أبي رباح في الرجل يقتل , ثم يدخل الحرم , قال : لا يبيعه أهل مكة , ولا يشترون منه , ولا يسقونه ولا يطعمونه , ولا يؤوونه - عد أشياء كثيرة - حتى يخرج من الحرم , فيؤخذ بذنبه .

5903 - حدثنا عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : أن الرجل إذا أصاب حدا ثم دخل الحرم أنه لا يطعم , ولا يسقى , ولا يؤوى , ولا يكلم , ولا ينكح , ولا يبايع , فإذا خرج منه أقيم عليه الحد .

* - حدثني المثنى , قال : ثني حجاج , قال : ثنا حماد , عن عمرو بن دينار , عن ابن عباس , قال : إذا أحدث الرجل حدثا , ثم دخل الحرم , لم يؤو , ولم يجالس , ولم يبايع , ولم يطعم , ولم يسق , حتى يخرج من الحرم .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا حجاج , قال : ثنا حماد , عن عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , مثله .

5904 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : أما قوله : { ومن دخله كان آمنا } : فلو أن رجلا قتل رجلا , ثم أتى الكعبة فعاذ بها , ثم لقيه أخو المقتول لم يحل له أبدا أن يقتله .

وقال آخرون : معنى ذلك : ومن دخله يكن آمنا من النار .

ذكر من قال ذلك : 5905 - حدثنا علي بن مسلم , قال : ثنا أبو عاصم , قال : أخبرنا رزيق بن مسلم المخزومي , قال : ثنا زياد بن أبي عياض , عن يحيى بن جعدة , في قوله : { ومن دخله كان آمنا } قال : آمنا من النار .

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب , قول ابن الزبير ومجاهد والحسن , ومن قال معنى ذلك : ومن دخله من غيره ممن لجأ إليه عائذا به كان آمنا ما كان فيه , ولكنه يخرج منه فيقام عليه الحد إن كان أصاب ما يستوجبه في غيره ثم لجأ إليه , وإن كان أصابه فيه أقيم عليه فيه .

فتأويل الآية إذا : فيه آيات بينات مقام إبراهيم , ومن يدخله من الناس مستجيرا به يكن آمنا مما استجار منه ما كان فيه , حتى يخرج منه .

فإن قال قائل : وما منعك من إقامة الحد عليه فيه ؟

قيل : لاتفاق جميع السلف على أن من كانت جريرته في غيره ثم عاذ به , فإنه لا يؤخذ بجريرته فيه .

وإنما اختلفوا في صفة إخراجه منه لأخذه بها , فقال بعضهم : صفة ذلك منعه المعاني التي يضطر مع منعه وفقده إلى الخروج منه .

وقال آخرون : لا صفة لذلك غير إخراجه منه بما أمكن إخراجه من المعاني التي توصل إلى إقامة حد الله معها , فلذلك قلنا : غير جائز إقامة الحد عليه فيه إلا بعد إخراجه منه .

فأما من أصاب الحد فيه , فإنه لا خلاف بين الجميع في أنه يقام عليه فيه الحد , فكلتا المسألتين أصل مجمع على حكمها على ما وصفنا .

فإن قال لنا قائل : وما دلالتك على أن إخراج العائذ بالبيت إذا أتاه مستجيرا به من جريرة جرها أو من حد أصابه من الحرم جائز لإقامة الحد عليه وأخذه بالجريرة , وقد أقررت بأن الله عز وجل قد جعل من دخله آمنا , ومعنى الآمن غير معنى الخائف , فيما هما فيه مختلفان ؟

قيل : قلنا ذلك لإجماع الجميع من المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة , على أن إخراج العائذ به من جريرة أصابها أو فاحشة أتاها وجبت عليه به عقوبة منه ببعض معاني الإخراج لأخذه بما لزمه , واجب على إمام المسلمين وأهل الإسلام معه .

وإنما اختلفوا في السبب الذي يخرج به منه , فقال بعضهم : السبب الذي يجوز إخراجه به منه ترك جميع المسلمين مبايعته وإطعامه وسقيه وإيواءه وكلامه وما أشبه ذلك من المعاني التي لا قرار للعائذ به فيه مع بعضها , فكيف مع جميعها ؟

وقال آخرون منهم : بل إخراجه لإقامة ما لزمه من العقوبة واجب بكل معاني الإخراج .

فلما كان إجماعا من الجميع على أن حكم الله - فيمن عاذ بالبيت من حد أصابه أو جريرة جرها - إخراجه منه لإقامة ما فرض الله على المؤمنين إقامته عليه , ثم اختلفوا في السبب الذي يجوز إخراجه به منه كان اللازم لهم ولإمامهم إخراجه منه بأي معنى أمكنهم إخراجه منه حتى يقيموا عليه الحد الذي لزمه خارجا منه إذا كان لجأ إليه من خارج على ما قد بينا قبل .

وبعد : فإن الله عز وجل لم يضع حدا من حدوده عن أحد من خلقه من أجل بقعة وموضع صار إليها من لزمه ذلك .

وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة " .

ولا خلاف بين جميع الأمة أن عائذا لو عاذ من عقوبة لزمته بحرم النبي صلى الله عليه وسلم يؤاخذ بالعقوبة فيه .

ولولا ما ذكرت من إجماع السلف على أن حرم إبراهيم لا يقام فيه على من عاذ به من عقوبة لزمته حتى يخرج منه ما لزمه , لكان أحق البقاع أن تؤدى فيه فرائض الله التي ألزمها عباده من قتل أو غيره , أعظم البقاع إلى الله كحرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم , ولكنا أمرنا بإخراج من أمرنا بإخراجه من حرم الله لإقامة الحد لما ذكرنا من فعل الأمة ذلك وراثة .

فمعنى الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا : ومن دخله كان آمنا ما كان فيه .

فإذا كان ذلك كذلك , فمن لجأ إليه من عقوبة لزمته عائذا به , فهو آمن ما كان به حتى يخرج منه .

وإنما يصير إلى الخوف بعد الخروج أو الإخراج منه , فحينئذ هو غير داخله , ولا هو فيه .ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا القول في تأويل قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } يعني بذلك جل ثناؤه : وفرض واجب لله على من استطاع من أهل التكليف السبيل إلى حج بيته الحرام الحج إليه .

وقد بينا فيما مضى معنى الحج ودللنا على صحة ما قلنا من معناه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله عز وجل : { من استطاع إليه سبيلا } , وما السبيل التي يجب مع استطاعتها فرض الحج ؟

فقال بعضهم : هي الزاد والراحلة .

ذكر من قال ذلك : 5906 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا محمد بن بكر , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : { من استطاع إليه سبيلا } قال : الزاد والراحلة .

5907 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن بكر , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قال عمرو بن دينار : الزاد والراحلة .

5908 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن أبي جناب , عن الضحاك , عن ابن عباس في قوله : { من استطاع إليه سبيلا } قال : الزاد والبعير .

5909 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } والسبيل : أن يصح بدن العبد , ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به .

5910 - حدثنا خلاد بن أسلم , قال : ثنا النضر بن شميل , قال : أخبرنا إسرائيل , عن أبي عبد الله البجلي , قال : سألت سعيد بن جبير عن قوله : { من استطاع إليه سبيلا } قال : قال ابن عباس : من ملك ثلثمائة درهم , فهو السبيل إليه .

5911 - حدثني محمد بن سنان , قال : ثنا أبو عاصم , عن إسحاق بن عثمان , قال : سمعت عطاء يقول : السبيل : الزاد والراحلة .

5912 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : أما من استطاع إليه سبيلا , فإن ابن عباس قال : السبيل : راحلة وزاد .

5913 - حدثني المثنى , وأحمد بن حازم , قالا : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا سفيان , عن محمد بن سوقة , عن سعيد بن جبير : { من استطاع إليه سبيلا } قال : الزاد والراحلة .

5914 - حدثنا أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : أخبرنا الربيع بن صبيح , عن الحسن , قال : الزاد والراحلة .

5915 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن الحسن , قال : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } فقال رجل : يا رسول الله , ما السبيل ؟

قال : " الزاد والراحلة " .

واعتل قائلو هذه المقالة بأخبار رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ما قالوا في ذلك .

ذكر الرواية بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : 5916 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا إبراهيم بن يزيد الخوزي , قال : سمعت محمد بن عباد بن جعفر , يحدث عن ابن عمر , قال : قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : ما السبيل ؟

قال : " الزاد والراحلة " .

* - حدثني محمد بن سنان , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا سفيان , عن إبراهيم الخوزي , عن محمد بن عباد , عن ابن عمر , أن النبي صلى الله عليه وسلم , قال في قوله عز وجل : { من استطاع إليه سبيلا } قال : " السبيل إلى الحج الزاد والراحلة " .

* - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا يونس , وحدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن يونس , عن الحسن , قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } قالوا : يا رسول الله , ما السبيل ؟

قال .

" الزاد والراحلة " .

5917 - حدثنا أبو عثمان المقدمي , والمثنى بن إبراهيم , قالا : ثنا مسلم بن إبراهيم , قال : ثنا هلال بن عبيد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي , قال .

ثنا أبو إسحاق , عن الحرث , عن علي , عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال : " من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا , وذلك أن الله عز وجل يقول في كتابه : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } .

..

" الآية .

* - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن , قال : بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم , قال له قائل , أو رجل : يا رسول الله , ما السبيل إليه ؟

قال : " من وجد زادا وراحلة " .

* - حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي , قال : ثنا شاذ بن فياض البصري , قال : ثنا هلال بن هشام , عن أبي إسحاق الهمداني , عن الحارث , عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ملك زادا وراحلة فلم يحج مات يهوديا أو نصرانيا ; وذلك أن الله يقول في كتابه : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } .

..

" الآية .

* - حدثني أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا حماد بن سلمة , عن قتادة وحميد , عن الحسن , أن رجلا قال : يا رسول الله , ما السبيل إليه ؟

قال : " الزاد والراحلة " .

* - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا الحجاج بن المنهال , قال : ثنا حماد , عن قتادة , عن الحسن , عن النبي صلى الله عليه وسلم , مثله .

وقال آخرون : السبيل التي إذا استطاعها المرء كان عليه الحج : الطاقة للوصول إليه .

قال : وذلك قد يكون بالمشي وبالركوب , وقد يكون مع وجودهما العجز عن الوصول إليه , بامتناع الطريق من العدو الحائل , وبقلة الماء وما أشبه ذلك .

قالوا : فلا بيان في ذلك أبين مما بينه الله عز وجل بأن يكون مستطيعا إليه السبيل , وذلك الوصول إليه بغير مانع ولا حائل بينه وبينه , وذلك قد يكون بالمشي وحده , وإن أعوزه المركب , وقد يكون بالمركب وغير ذلك .

ذكر من قال ذلك : 5918 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا سفيان , عن خالد بن أبي كريمة , عن رجل , عن ابن الزبير , قوله : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } قال : على قدر القوة .

5919 - حدثنا يحيى بن أبي طالب , قال : أخبرنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { من استطاع إليه سبيلا } قال : الزاد والراحلة , فإن كان شابا صحيحا ليس له مال , فعليه أن يؤاجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضي حجته .

فقال له قائل : كلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت ؟

فقال : لو أن لبعضهم ميراثا بمكة أكان تاركه ؟

والله لانطلق إليه ولو حبوا !

كذلك يجب عليه الحج .

5920 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا محمد بن بكر , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قال عطاء : من وجد شيئا يبلغه فقد وجد سبيلا , كما قال الله عز وجل .

{ من استطاع إليه سبيلا } 5921 - حدثنا أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا أبو هانئ , قال : سئل عامر عن هذه الآية : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } قال : السبيل : ما يسره الله .

5922 - حدثني محمد بن سنان , قال : ثنا أبو بكر الحنفي , قال : ثنا عباد , عن الحسن : من وجد شيئا يبلغه فقد استطاع إليه سبيلا .

وقال آخرون : السبيل إلى ذلك : الصحة .

ذكر من قال ذلك : 5923 - حدثنا محمد بن حميد ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم والمثنى بن إبراهيم , قالوا : حدثنا أبو عبد الرحمن المقري , قال : ثنا حيوة بن شريح وابن لهيعة , قالا : أخبرنا شرحبيل بن شريك المعافري أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول في هذه الآية : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } قال : السبيل : الصحة .

وقال آخرون بما : 5924 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قول الله عز وجل : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } قال : من وجد قوة في النفقة والجسد والحملان , قال : وإن كان في جسده ما لا يستطيع الحج فليس عليه الحج , وإن كان له قوة في مال , كما إذا كان صحيح الجسد ولا يجد مالا ولا قوة , يقولون : لا يكلف أن يمشي .

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب , قول من قال بقول ابن الزبير وعطاء , إن ذلك على قدر الطاقة , لأن السبيل في كلام العرب : الطريق , فمن كان واجدا طريقا إلى الحج لا مانع له منه من زمانة , أو عجز , أو عدو , أو قلة ماء في طريقه , أو زاد , وضعف عن المشي , فعليه فرض الحج لا يجزيه إلا أداؤه فإن لم يكن واجدا سبيلا , أعني بذلك : فإن لم يكن مطيقا الحج بتعذر بعض هذه المعاني التي وصفناها عليه , فهو ممن لا يجد إليه طريقا , ولا يستطيعه , لأن الاستطاعة إلى ذلك هو القدرة عليه , ومن كان عاجزا عنه ببعض الأسباب التي ذكرنا أو بغير ذلك , فهو غير مطيق ولا مستطيع إليه السبيل .

وإنما قلنا هذه المقالة أولى بالصحة مما خالفها , لأن الله عز وجل لم يخصص إذ ألزم الناس فرض الحج بعض مستطيعي السبيل إليه بسقوط فرض ذلك عنه فذلك على كل مستطيع إليه سبيلا بعموم الآية .

فأما الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بأنه الزاد والراحلة , فإنها أخبار في أسانيدها نظر , لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدين .

واختلف القراء في قراءة الحج , فقرأ ذلك جماعة من قراء أهل المدينة والعراق بالكسر : { ولله على الناس حج البيت } , وقرأ ذلك جماعة أخر منهم بالفتح : " ولله على الناس حج البيت " وهما لغتان معروفتان للعرب , فالكسر لغة أهل نجد , والفتح لغة أهل العالية , ولم نر أحدا من أهل العربية ادعى فرقا بينهما في معنى ولا غيره غير ما ذكرنا من اختلاف اللغتين , إلا ما : 5925 - حدثنا به أبو هشام الرفاعي , قال : قال حسين الجعفي : الحج مفتوح : اسم , والحج مكسور : عمل .

وهذا قول لم أر أهل المعرفة بلغات العرب ومعاني كلامهم يعرفونه , بل رأيتهم مجمعين على ما وصفت من أنهما لغتان بمعنى واحد .

والذي نقول به في قراءة ذلك , أن القراءتين إذ كانتا مستفيضتين في قراءة أهل الإسلام , ولا اختلاف بينهما في معنى ولا غيره , فهما قراءتان قد جاءتا مجيء الحجة , فبأي القراءتين - أعني بكسر الحاء من الحج أو فتحها - قرأ القارئ فمصيب الصواب في قراءته .

وأما " من " التي مع قوله : { من استطاع } فإنه في موضع خفض على الإبدال من الناس , لأن معنى الكلام : ولله على من استطاع من الناس سبيلا إلى حج البيت حجه ; فلما تقدم ذكر الناس قبل " من " بين بقوله : { من استطاع إليه سبيلا } , الذي عليه فرض ذلك منهم , لأن فرض ذلك على بعض الناس دون جميعهم .ومن كفر فإن الله غني عن العالمين القول في تأويل قوله تعالى : { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } يعني بذلك جل ثناؤه : ومن جحد ما ألزمه الله من فرض حج بيته , فأنكره وكفر به , فإن الله غني عنه , وعن حجه وعمله , وعن سائر خلقه من الجن والإنس .

كما : 5926 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا عبد الواحد بن زياد , عن الحجاج بن أرطأة , عن محمد بن أبي المجالد , قال : سمعت مقسما , عن ابن عباس في قوله : { ومن كفر } قال : من زعم أنه ليس بفرض عليه .

5927 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا الحجاج , عن عطاء وجويبر , عن الضحاك في قوله : { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } قالا : من جحد الحج وكفر به .

5928 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا هشيم , عن الحجاج بن أرطأة , عن عطاء , قال : من جحد به .

5929 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا عمران القطان , يقول : من زعم أن الحج ليس عليه .

5930 - حدثنا محمد بن سنان , قال : ثنا أبو بكر , عن عباد , عن الحسن في قوله : { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } قال : من أنكره , ولا يرى أن ذلك عليه حقا , فذلك كفر .

5931 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ومن كفر } قال : من كفر بالحج .

* - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : أخبرنا إسحاق بن يوسف , عن أبي بشر , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } قال : من كفر بالحج كفر بالله .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا يعلى بن أسد , قال : ثنا خالد , عن هشام بن حسان , عن الحسن في قول الله عز وجل : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر } قال : من لم يره عليه واجبا .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ومن كفر } قال بالحج .

وقال آخرون : معنى ذلك : أن لا يكون معتقدا في حجه أن له الأجر عليه , ولا أن عليه بتركه إثما ولا عقوبة .

ذكر من قال ذلك : 5932 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : ثني عبد الله بن مسلم , عن مجاهد , في قوله : { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } قال : هو ما إن حج لم يره برا , وإن قعد لم يره مأثما .

* - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : أخبرنا إسحاق بن يوسف , عن ابن جريج , عن مجاهد , قال : هو ما إن حج لم يره برا , وإن قعد لم يره مأثما .

5933 - حدثني أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا مطر , عن أبي داود نفيع , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } " فقام رجل من هذيل , فقال : يا رسول الله من تركه كفر ؟

قال : " من تركه ولا يخاف عقوبته , ومن حج ولا يرجو ثوابه , فهو ذاك " .

5934 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } يقول : من كفر بالحج , فلم ير حجه برا , ولا تركه مأثما .

وقال آخرون : معنى ذلك : ومن كفر بالله واليوم الآخر .

ذكر من قال ذلك : 5935 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد , قال : سألته عن قوله : { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } ما هذا الكفر ؟

قال : من كفر بالله واليوم الآخر .

* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد , في قوله : { ومن كفر } قال من كفر بالله واليوم الآخر .

5936 - حدثنا يحيى بن أبي طالب , قال : أخبرنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } قال : لما نزلت آية الحج جمع رسول الله أهل الأديان كلهم , فقال : " يا أيها الناس إن الله عز وجل كتب عليكم الحج فحجوا !

" فآمنت به ملة واحدة , وهي من صدق النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به , وكفرت به خمس ملل , قالوا : لا نؤمن به , ولا نصلي إليه , ولا نستقبله .

فأنزل الله عز وجل : { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } 5937 - حدثني أحمد بن حازم , قال : أخبرنا أبو نعيم , قال : ثنا أبو هانئ , قال : سئل عامر , عن قوله : { ومن كفر } قال : من كفر من الخلق , فإن الله غني عنه .

5938 - حدثني محمد بن سنان , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا سفيان , عن إبراهيم , عن محمد بن عباد , عن ابن عمر , عن النبي صلى الله عليه وسلم , في قول الله : { ومن كفر } قال : " من كفر بالله واليوم الآخر " .

5939 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن عكرمة مولى ابن عباس في قول الله عز وجل : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا } 3 85 فقالت الملل : نحن مسلمون !

فأنزل الله عز وجل : { لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } فحج المؤمنون , وقعد الكفار .

وقال آخرون : معنى ذلك : ومن كفر بهذه الآيات التي في مقام إبراهيم .

ذكر من قال ذلك : 5940 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } .

فقرأ { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا } فقرأ حتى بلغ : { من استطاع إليه سبيلا ومن كفر } قال : من كفر بهذه الآيات , { فإن الله غني عن العالمين } .

ليس كما يقولون : إذا لم يحج وكان غنيا وكانت له قوة فقد كفر بها .

وقال قوم من المشركين : فإنا نكفر بها ولا نفعل , فقال الله عز وجل : { فإن الله غني عن العالمين } وقال آخرون بما : 5941 - حدثني إبراهيم بن عبد الله بن مسلم , قال : أخبرنا أبو عمر الضرير , قال : ثنا حماد , عن حبيب بن أبي بقية , عن عطاء بن أبي رباح , في قوله : { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } قال : من كفر بالبيت .

وقال آخرون : كفره به : تركه إياه حتى يموت .

ذكر من قال ذلك : 5942 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثني أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , أما من كفر فمن وجد ما يحج به ثم لا يحج , فهو كافر .

وأولى التأويلات بالصواب في ذلك قول من قال : معنى { ومن كفر } : ومن جحد فرض ذلك وأنكر وجوبه , فإن الله غني عنه وعن حجه وعن العالمين جميعا .

وإنما قلنا ذلك أولى به , لأن قوله : { ومن كفر } بعقب قوله : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } بأن يكون خبرا عن الكافر بالحج , أحق منه بأن يكون خبرا عن غيره , مع أن الكافر بفرض الحج على من فرضه الله عليه بالله كافر , وإن الكفر أصله الجحود , ومن كان له جاحدا ولفرضه منكرا , فلا شك إن حج لم يرج بحجه برا , وإن تركه فلم يحج لم يره مأثما .

فهذه التأويلات وإن اختلفت العبارات بها فمتقاربات المعاني .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فيه آيات بينات رفع بالابتداء أو بالصفة .

وقرأ أهل مكة وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير " آية بينة " على التوحيد ، يعني مقام إبراهيم وحده .

قالوا : أثر قدميه في المقام آية بينة .

وفسر مجاهد مقام إبراهيم بالحرم كله ; فذهب إلى أن من آياته الصفا والمروة والركن والمقام .

والباقون بالجمع .

أرادوا مقام إبراهيم والحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر كلها .

قال : أبو جعفر النحاس : من قرأ آيات بينات فقراءته أبين ; لأن الصفا والمروة من الآيات ، ومنها أن الطائر لا يعلو البيت صحيحا ، ومنها أن الجارح يطلب الصيد فإذا دخل الحرم تركه ، ومنها أن الغيث إذا كان ناحية الركن اليماني كان الخصب باليمن ، وإذا كان بناحية الشامي كان الخصب بالشام ، وإذا عم البيت كان الخصب في جميع البلدان ، ومنها أن الجمار على ما يزاد عليها ترى على قدر واحد .

والمقام من قولهم : قمت مقاما ، وهو الموضع الذي يقام فيه .

والمقام من قولك : أقمت مقاما .

وقد مضى هذا في البقرة ، ومضى الخلاف أيضا في المقام والصحيح منه .

وارتفع المقام على الابتداء والخبر محذوف ; والتقدير منها مقام إبراهيم ; قاله الأخفش .

وحكي عن محمد بن يزيد أنه قال : مقام بدل من آيات .

وفيه قول ثالث بمعنى هي مقام إبراهيم .

وقول الأخفش معروف في كلام العرب .

كما قال زهير :لها متاع وأعوان غدون به قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقاأي مضى وبعد سيلانه .

وقول أبي العباس : إن مقاما بمعنى مقامات ; لأنه مصدر .

قال الله تعالى : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم .

وقال الشاعر " جرير " :إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا[ ص: 132 ] أي في أطرافها .

ويقوي هذا الحديث المروي الحج كله مقام إبراهيم .قوله تعالى : ومن دخله كان آمنا قال قتادة : ذلك أيضا من آيات الحرم .

قال النحاس : وهو قول حسن ; لأن الناس كانوا يتخطفون من حواليه ، ولا يصل إليه جبار ، وقد وصل إلى بيت المقدس وخرب ، ولم يوصل إلى الحرم .

قال الله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل .

وقال بعض أهل المعاني : صورة الآية خبر ومعناها أمر ، تقديرها ومن دخله فأمنوه ; كقوله : فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا .

ولهذا المعنى قال الإمام السابق النعمان بن ثابت : من اقترف ذنبا واستوجب به حدا ثم لجأ إلى الحرم عصمه ، لقوله تعالى : ومن دخله كان آمنا ; فأوجب الله سبحانه الأمن لمن دخله .

وروي ذلك عن جماعة من السلف منهم ابن عباس وغيره من الناس قال ابن العربي : " وكل من قال هذا فقد وهم من جهتين : إحداهما أنه لم يفهم من الآية أنها خبر عما مضى ، ولم يقصد بها إثبات حكم مستقبل ، الثاني أنه لم يعلم أن ذلك الأمن قد ذهب وأن القتل والقتال قد وقع بعد ذلك فيها ، وخبر الله لا يقع بخلاف مخبره ; فدل ذلك على أنه كان في الماضي هذا .

وقد ناقض أبو حنيفة فقال ، إذا لجأ إلى الحرم لا يطعم ولا يسقى ولا يعامل ولا يكلم حتى يخرج ، فاضطراره إلى الخروج ليس يصح معه أمن .

وروي عنه أنه قال : يقع القصاص في الأطراف في الحرم ولا أمن أيضا مع هذا .

والجمهور من العلماء على أن الحدود تقام في الحرم ، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة[ ص: 133 ] قلت : وروى الثوري عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس : من أصاب حدا في الحرم أقيم عليه فيه ، وإن أصابه في الحل ولجأ إلى الحرم لم يكلم ولم يبايع حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد ; وهو قول الشعبي .

فهذه حجة الكوفيين ، وقد فهم ابن عباس ذلك من معنى الآية ، وهو حبر الأمة وعالمها .

والصحيح أنه قصد بذلك تعديد النعم على كل من كان بها جاهلا ولها منكرا من العرب ; كما قال تعالى : أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم فكانوا في الجاهلية من دخله ولجأ إليه أمن من الغارة والقتل ; على ما يأتي بيانه في " المائدة " إن شاء الله تعالى .

قال قتادة ومن دخله في الجاهلية كان آمنا .

وهذا حسن .

وروي أن بعض الملحدة قال لبعض العلماء : أليس في القرآن ومن دخله كان آمنا فقد دخلناه وفعلنا كذا وكذا فلم يأمن من كان فيه قال له : ألست من العرب ما الذي يريد القائل من دخل داري كان آمنا ؟

أليس أن يقول لمن أطاعه : كف عنه فقد أمنته وكففت عنه ؟

قال : بلى .

قال : فكذلك قوله ومن دخله كان آمنا .

وقال يحيى بن جعدة : معنى ومن دخله كان آمنا يعني من النار .قلت : وهذا ليس على عمومه ; لأن في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري حديث الشفاعة الطويل فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم الحديث .

وإنما يكون آمنا من النار من دخله لقضاء النسك معظما له عارفا بحقه متقربا إلى الله تعالى .

قال جعفر الصادق : من دخله على الصفاء كما دخله الأنبياء والأولياء كان آمنا من عذابه .

وهذا معنى قوله عليه السلام : من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه و الحج المبرور ليس له جزاء إلا [ ص: 134 ] الجنة .

قال الحسن : الحج المبرور هو أن يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة .

وأنشد :يا كعبة الله دعوة اللاجي دعوة مستشعر ومحتاجودع أحبابه ومسكنه فجاء ما بين خائف راجيإن يقبل الله سعيه كرما نجا ، وإلا فليس بالناجيوأنت ممن ترجى شفاعته فاعطف على وافد بن حجاجوقيل : المعنى ومن دخله عام عمرة القضاء مع محمد - صلى الله عليه وسلم - كان آمنا .

دليله قوله تعالى : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين .

وقد قيل : إن " من " هاهنا لمن لا يعقل ; والآية في أمان الصيد ; وهو شاذ ; وفي التنزيل : فمنهم من يمشي على بطنه الآية .قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين فيه تسع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولله اللام في قوله " ولله " لام الإيجاب والإلزام ، ثم أكده بقوله تعالى : على التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب ; فإذا قال العربي : لفلان علي كذا ; فقد وكده وأوجبه .

فذكر الله تعالى الحج بأبلغ ألفاظ الوجوب تأكيدا لحقه وتعظيما لحرمته .

ولا خلاف في فريضته ، وهو أحد قواعد الإسلام ، وليس يجب إلا مرة في العمر .

وقال بعض الناس : يجب في كل خمسة أعوام مرة ; ورووا في ذلك حديثا أسندوه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والحديث باطل لا يصح ، والإجماع صاد في وجوههم .قلت : وذكر عبد الرزاق قال : حدثنا سفيان الثوري عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن [ ص: 135 ] أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يقول الرب جل وعز إن عبدا أوسعت عليه في الرزق فلم يعد إلي في كل أربعة أعوام لمحروم مشهور من حديث العلاء بن المسيب بن رافع الكاهلي الكوفي من أولاد المحدثين ، روى عنه غير واحد ، منهم من قال : في كل خمسة أعوام ، ومنهم من قال : عن العلاء عن يونس بن خباب عن أبي سعيد ، في غير ذلك من الاختلاف .

وأنكرت الملحدة الحج ، فقالت : إن فيه تجريد الثياب وذلك يخالف الحياء ، والسعي وهو يناقض الوقار ، ورمي الجمار لغير مرمى وذلك يضاد العقل ; فصاروا إلى أن هذه الأفعال كلها باطلة ; إذ لم يعرفوا لها حكمة ولا علة ، وجهلوا أنه ليس من شرط المولى مع العبد ، أن يفهم المقصود بجميع ما يأمره به ، ولا أن يطلع على فائدة تكليفه ، وإنما يتعين عليه الامتثال ، ويلزمه الانقياد من غير طلب فائدة ولا سؤال عن مقصود .

ولهذا المعنى كان عليه السلام يقول في تلبيته : ( لبيك حقا حقا تعبدا ورقا لبيك إله الحق ) .

وروى الأئمة عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا ) .

فقال رجل : كل عام يا رسول الله ؟

فسكت ، حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ) ثم قال : ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ) لفظ مسلم .

فبين هذا الحديث أن الخطاب إذا توجه على المكلفين بفرض أنه يكفي منه فعل مرة ولا يقتضي التكرار ; خلافا للأستاذ أبي إسحق الإسفراييني وغيره .

وثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له أصحابه : يا رسول الله ، أحجنا لعامنا هذا أم للأبد ؟

فقال : ( لا بل للأبد ) .

وهذا نص في الرد على من قال : يجب في كل خمس سنين مرة .

وقد كان الحج معلوما عند [ ص: 136 ] العرب مشهورا لديهم ، وكان مما يرغب فيه لأسواقها وتبررها وتحنفها ; فلما جاء الإسلام خوطبوا بما علموا وألزموا بما عرفوا .

وقد حج النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل حج الفرض ، وقد وقف بعرفة ولم يغير من شرع إبراهيم ما غيروا ; حين كانت قريش تقف بالمشعر الحرام ويقولون : نحن أهل الحرم فلا نخرج منه ; ونحن الحمس .

حسب ما تقدم بيانه في ( البقرة ) .قلت : من أغرب ما رأيته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج قبل الهجرة مرتين وأن الفرض سقط عنه بذلك ; لأنه قد أجاب نداء إبراهيم حين قيل له : وأذن في الناس بالحج .

قال الكيا الطبري : وهذا بعيد ; فإنه إذا ورد في شرعه : ولله على الناس حج البيت فلا بد من وجوبه عليه بحكم الخطاب في شرعه .

ولئن قيل : إنما خاطب من لم يحج ، كان تحكما وتخصيصا لا دليل عليه ، ويلزم عليه ألا يجب بهذا الخطاب على من حج على دين إبراهيم ، وهذا في غاية البعد .الثانية : ودل الكتاب والسنة على أن الحج على التراخي لا على الفور ; وهو تحصيل مذهب مالك فيما ذكر ابن خويز منداد ، وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن وأبي يوسف في رواية عنه .

وذهب بعض البغداديين من المتأخرين من المالكيين إلى أنه على الفور ، ولا يجوز تأخيره مع القدرة عليه ; وهو قول داود .

والصحيح الأول ; لأن الله تعالى قال في سورة الحج : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وسورة الحج مكية .

وقال تعالى : ولله على الناس حج البيت الآية .

وهذه السورة نزلت عام أحد بالمدينة سنة ثلاث من الهجرة ولم يحج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سنة عشر .

أما السنة فحديث ضمام بن ثعلبة السعدي من بني سعد بن بكر قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الإسلام فذكر الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج .

رواه ابن عباس وأبو هريرة وأنس ، وفيها كلها ذكر الحج ، وأنه كان مفروضا ، وحديث أنس أحسنها سياقا وأتمها .

واختلف في وقت قدومه ; فقيل : سنة خمس .

وقيل : سنة سبع .

وقيل : سنة تسع ; ذكره ابن هشام عن أبي عبيدة الواقدي عام الخندق بعد انصراف الأحزاب .

قال ابن عبد البر : ومن الدليل على أن الحج على التراخي إجماع العلماء على ترك تفسيق القادر على الحج إذا أخره العام والعامين ونحوهما ، وأنه إذا حج من بعد أعوام من حين استطاعته فقد أدى الحج الواجب عليه في وقته ، وليس هو عند الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها فقضاها بعد خروج وقتها ، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض أو سفر فقضاه .

ولا كمن أفسد حجه فقضاه ، [ ص: 137 ] فلما أجمعوا على أنه لا يقال لمن حج بعد أعوام من وقت استطاعته : أنت قاض لما وجب عليك ; علمنا أن وقت الحج موسع فيه وأنه على التراخي لا على الفور .

قال أبو عمر : كل من قال بالتراخي لا يحد في ذلك حدا ; إلا ما روي عن سحنون وقد سئل عن الرجل يجد ما يحج به فيؤخر ذلك إلى سنين كثيرة مع قدرته على ذلك هل يفسق بتأخيره الحج وترد شهادته ؟

قال : لا وإن مضى من عمره ستون سنة ، فإذا زاد على الستين فسق وردت شهادته .

وهذا توقيف وحد ، والحدود في الشرع لا تؤخذ إلا عمن له أن يشرع .قلت : وحكاه ابن خويز منداد عن ابن القاسم .

قال ابن القاسم وغيره : إن أخره ستين سنة لم يحرج ، وإن أخره بعد الستين حرج ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وقل من يتجاوزها فكأنه في هذا العشر قد يتضايق عليه الخطاب .

قال أبو عمر : وقد احتج بعض الناس كسحنون بقوله - صلى الله عليه وسلم - : معترك أمتي بين الستين إلى السبعين وقل من يجاوز ذلك .

ولا حجة فيه ; لأنه كلام خرج على الأغلب من أعمار أمته لو صح الحديث .

وفيه دليل على التوسعة إلى السبعين لأنه من الأغلب أيضا ، ولا ينبغي أن يقطع بتفسيق من صحت عدالته وأمانته بمثل هذا من التأويل الضعيف .

وبالله التوفيق .الثالثة : أجمع العلماء على أن الخطاب بقوله تعالى : ولله على الناس حج البيت عام في جميعهم مسترسل على جملتهم .

قال ابن العربي : " وإن كان الناس قد اختلفوا في مطلق العمومات بيد أنهم اتفقوا على حمل هذه الآية على جميع الناس ذكرهم وأنثاهم ، خلا الصغير فإنه خارج بالإجماع عن أصول التكليف ، وكذلك العبد لم يدخل فيه ; لأنه أخرجه عن مطلق العموم قوله تعالى في التمام : من استطاع إليه سبيلا والعبد غير مستطيع ; لأن السيد يمنعه لحقوقه عن هذه العبادة .

وقد قدم الله سبحانه حق السيد على حقه رفقا بالعباد ومصلحة لهم .

ولا خلاف فيه بين الأمة ولا بين الأئمة ، فلا نهرف بما لا نعرف ، ولا دليل عليه إلا [ ص: 138 ] الإجماع .

قال ابن المنذر : أجمع عامة أهل العلم إلا من شذ منهم ممن لا يعد خلافا ، على أن الصبي إذا حج في حال صغره ، والعبد إذا حج في حال رقه ، ثم بلغ الصبي وعتق العبد أن عليهما حجة الإسلام إذا وجدا إليها سبيلا .

وقال أبو عمر : خالف داود جماعة فقهاء الأمصار وأئمة الأثر في المملوك وأنه عنده مخاطب بالحج ، وهو عند جمهور العلماء خارج من الخطاب العام في قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا بدليل عدم التصرف ، وأنه ليس له أن يحج بغير إذن سيده ; كما خرج من خطاب الجمعة وهو قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة الآية - عند عامة العلماء إلا من شذ .

وكما خرج من خطاب إيجاب الشهادة ، قال الله تعالى : ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا فلم يدخل في ذلك العبد .

وكما جاز خروج الصبي من قوله : ولله على الناس حج البيت وهو من الناس بدليل رفع القلم عنه .

وخرجت المرأة من قوله : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة وهي ممن شمله اسم الإيمان ، وكذلك خروج العبد من الخطاب المذكور .

وهو قول فقهاء الحجاز والعراق والشام والمغرب ، ومثلهم لا يجوز عليهم تحريف تأويل الكتاب .

فإن قيل : إذا كان حاضر المسجد الحرام وأذن له سيده فلم لا يلزمه الحج ؟

قيل له : هذا سؤال على الإجماع وربما لا يعلل ذلك ، ولكن إذا ثبت هذا الحكم على الإجماع استدللنا به على أنه لا يعتد بحجه في حال الرق عن حجة الإسلام ; وقد روي عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : أيما صبي حج ثم أدرك فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى .

قال ابن العربي .

" وقد [ ص: 139 ] تساهل بعض علمائنا فقال : إنما لم يثبت الحج على العبد وإن أذن له السيد لأنه كان كافرا في الأصل ولم يكن حج الكافر معتدا به ، فلما ضرب عليه الرق ضربا مؤبدا لم يخاطب بالحج ; وهذا فاسد من ثلاثة أوجه فاعلموه : أحدها : أن الكفار عندنا مخاطبون بفروع الشريعة ، ولا خلاف فيه في قول مالك .

الثاني : أن سائر العبادات تلزمه من صلاة وصوم مع كونه رقيقا ، ولو فعلها في حال كفره لم يعتد بها ، فوجب أن يكون الحج مثلها .

الثالث : أن الكفر قد ارتفع بالإسلام فوجب ارتفاع حكمه .

فتبين أن المعتمد ما ذكرناه من تقدم حقوق السيد " .

والله الموفق .الرابعة : قوله تعالى : من استطاع إليه سبيلا ( من ) في موضع خفض على بدل البعض من الكل ; هذا قول أكثر النحويين .

وأجاز الكسائي أن يكون ( من ) في موضع رفع بحج ، التقدير أن يحج البيت من .

وقيل هي شرط .

و استطاع في موضع جزم ، والجواب محذوف ، أي من استطاع إليه سبيلا فعليه الحج .

روى الدارقطني عن ابن عباس قال : قيل يا رسول الله الحج كل عام ؟

قال : ( لا بل حجة ) ؟

قيل : فما السبيل ، قال : ( الزاد والراحلة ) .

ورواه عن أنس وابن مسعود وابن عمر وجابر وعائشة وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .

وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا قال فسئل عن ذلك فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن تجد ظهر بعير .

وأخرج حديث ابن عمر أيضا ابن ماجه في سننه ، وأبو عيسى الترمذي في جامعه وقال : " حديث حسن ، والعمل عليه عند أهل العلم أن الرجل إذا ملك زادا وراحلة وجب عليه الحج " .

وإبراهيم بن يزيد هو الخوزي المكي ، وقد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه .

[ ص: 140 ] وأخرجاه عن وكيع والدارقطني عن سفيان بن سعيد قالوا : حدثنا إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد عن ابن عمر قال : قام رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، ما يوجب الحج ؟

.

قال : ( الزاد والراحلة ) قال : يا رسول الله ، فما الحاج ؟

قال : ( الشعث التفل ) .

وقام آخر فقال يا رسول الله وما الحج ؟

قال : ( العج والثج ) .

قال وكيع : يعني بالعج العجيج بالتلبية والثج نحر البدن ; لفظ ابن ماجه .

وممن قال إن الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج : عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس والحسن البصري وسعيد بن جبير وعطاء ومجاهد .

وإليه ذهب الشافعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وعبد العزيز بن أبي سلمة وابن حبيب ، وذكر عبدوس مثله عن سحنون .

قال الشافعي : الاستطاعة وجهان : أحدهما : أن يكون مستطيعا ببدنه واجدا من ماله ما يبلغه الحج .

والثاني : أن يكون معضوبا في بدنه لا يثبت على مركبه وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه بأجرة وبغير أجرة ، على ما يأتي بيانه .

أما المستطيع ببدنه فإنه يلزمه فرض الحج بالكتاب بقوله عز وجل : من استطاع إليه سبيلا .

وأما المستطيع بالمال فقد لزمه فرض الحج بالسنة بحديث الخثعمية على ما يأتي .

وأما المستطيع بنفسه وهو القوي الذي لا تلحقه مشقة غير محتملة في الركوب على الراحلة ; فإن هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج بنفسه ، وإن عدم الزاد والراحلة أو أحدهما سقط عنه فرض الحج ; فإن كان قادرا على المشي مطيقا له ووجد الزاد أو قدر على كسب الزاد في طريقه بصنعة مثل الخرز والحجامة أو نحوهما فالمستحب له أن يحج ماشيا رجلا كان أو امرأة .

قال الشافعي : والرجل أقل عذرا من المرأة لأنه أقوى .

وهذا عندهم على طريق الاستحباب لا على طريق الإيجاب ، فأما إن قدر على الزاد بمسألة الناس في الطريق كرهت له أن يحج لأنه يصير كلا على الناس .

وقال مالك بن أنس رحمه الله : إذا قدر على المشي ووجد الزاد فعليه فرض الحج ، وإن لم يجد الراحلة وقدر على المشي نظر ; فإن كان مالكا للزاد وجب عليه فرض الحج ، وإن لم يكن مالكا للزاد ولكنه يقدر على كسب حاجته منه في الطريق نظر أيضا ; فإن كان من أهل المروءات ممن لا يكتسب بنفسه لا يجب عليه ، وإن كان ممن يكتسب كفايته بتجارة أو صناعة لزمه فرض الحج ، وهكذا إن كانت عادته مسألة الناس لزمه فرض الحج .

وكذلك أوجب مالك على المطيق المشي الحج ، وإن لم يكن معه زاد وراحلة .

وهو قول عبد الله بن الزبير والشعبي وعكرمة .

وقال الضحاك : إن كان شابا قويا صحيحا ليس له مال [ ص: 141 ] فعليه أن يؤجر نفسه بأكله أو عقبه حتى يقضي حجه .

فقال له مقاتل : كلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت ؟

فقال : لو أن لأحدهم ميراثا بمكة أكان تاركه ؟

بل ينطلق إليه ولو حبوا ، كذلك يجب عليه الحج .

واحتج هؤلاء بقوله عز وجل : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا أي مشاة .

قالوا : ولأن الحج من عبادات الأبدان من فرائض الأعيان ، فوجب ألا يكون الزاد من شروط وجوبها ولا الراحلة كالصلاة والصيام .

قالوا : ولو صح حديث الخوزي " الزاد والراحلة " لحملناه على عموم الناس والغالب منهم في الأقطار البعيدة .

وخروج مطلق الكلام على غالب الأحوال كثير في الشريعة وفي كلام العرب وأشعارها .

وقد روى ابن وهب وابن القاسم وأشهب عن مالك أنه سئل عن هذه الآية فقال : الناس في ذلك على قدر طاقتهم ويسرهم وجلدهم .

قال أشهب لمالك : أهو الزاد والراحلة ؟

.

قال : لا والله ، ما ذاك إلا على قدر طاقة الناس ، وقد يجد الزاد والراحلة ولا يقدر على السير ، وآخر يقدر أن يمشي على رجليه .الخامسة : إذا وجدت الاستطاعة وتوجه فرض الحج فقد يعرض ما يمنع منه كالغريم يمنعه عن الخروج حتى يؤدي الدين ; ولا خلاف في ذلك .

أو يكون له عيال يجب عليه نفقتهم فلا يلزمه الحج حتى يكون لهم نفقتهم مدة غيبته لذهابه ورجوعه ، لأن هذا الإنفاق فرض على الفور ، والحج فرض على التراخي ، فكان تقديم العيال أولى .

وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت .

وكذلك الأبوان يخاف الضيعة عليهما وعدم العوض في التلطف بهما ، فلا سبيل له إلى الحج ; فإن منعاه لأجل الشوق والوحشة فلا يلتفت إليه .

والمرأة يمنعها زوجها ، وقيل لا يمنعها .

والصحيح المنع ; لا سيما إذا قلنا إن الحج لا يلزمه على الفور .

والبحر لا يمنع الوجوب إذا كان غالبه السلامة - كما تقدم بيانه في البقرة - ويعلم من نفسه أنه لا يميد .

فإن كان الغالب عليه العطب أو الميد حتى يعطل الصلاة فلا .

وإن كان لا يجد موضعا لسجوده لكثرة الراكب وضيق المكان فقد قال مالك : إذا لم يستطع الركوع والسجود إلا على ظهر أخيه فلا يركبه .

ثم قال : أيركب حيث لا يصلي ويل لمن ترك الصلاة ويسقط الحج إذا كان في الطريق عدو يطلب الأنفس أو يطلب من الأموال ما لم يتحدد بحد مخصوص أو يتحدد بقدر مجحف .

وفي سقوطه بغير المجحف خلاف .

وقال الشافعي : لا يعطى حبة ويسقط فرض الحج .

ويجب على المتسول إذا كانت تلك عادته وغلب على ظنه أنه يجد من يعطيه .

وقيل لا يجب ، على ما تقدم من مراعاة الاستطاعة .[ ص: 142 ] السادسة : إذا زالت الموانع ولم يكن عنده من الناض ما يحج به وعنده عروض فيلزمه أن يبيع من عروضه للحج ما يباع عليه في الدين .

وسئل ابن القاسم عن الرجل تكون له القربة ليس له غيرها ، أيبيعها في حجة الإسلام ويترك ولده ولا شيء لهم يعيشون به ؟

.

قال : نعم ، ذلك عليه ويترك ولده في الصدقة .

والصحيح القول الأول ; لقوله عليه السلام : كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت وهو قول الشافعي .

والظاهر من مذهبه أنه لا يلزم الحج إلا من له ما يكفيه من النفقة ذاهبا وراجعا - قاله في الإملاء - وإن لم يكن له أهل وعيال .

وقال بعضهم : لا يعتبر الرجوع لأنه ليس عليه كبير مشقة في تركه القيام ببلده ; لأنه لا أهل له فيه ولا عيال وكل البلاد له وطن .

والأول أصوب ; لأن الإنسان يستوحش لفراق وطنه كما يستوحش لفراق سكنه .

ألا ترى أن البكر إذا زنى جلد وغرب عن بلده سواء كان له أهل أو لم يكن .

قال الشافعي في الأم : إذا كان له مسكن وخادم وله نفقة أهله بقدر غيبته يلزمه الحج .

وظاهر هذا أنه اعتبر أن يكون مال الحج فاضلا عن الخادم والمسكن ; لأنه قدمه على نفقة أهله ، فكأنه قال بعد هذا كله .

وقال أصحابه : يلزمه أن يبيع المسكن والخادم ويكتري مسكنا وخادما لأهله ، فإن كان له بضاعة يتجر بها وربحها قدر كفايته وكفاية عياله على الدوام ، ومتى أنفق من أصل البضاعة اختل عليه ربحها ولم يكن فيه قدر كفايته ، فهل يلزمه الحج من أصل البضاعة أم لا ؟

قولان : الأول للجمهور وهو الصحيح المشهور ; لأنه لا خلاف في أنه لو كان له عقار تكفيه غلته لزمه أن يبيع أصل العقار في الحج ، فكذلك البضاعة .

وقال ابن شريح : لا يلزمه ذلك ويبقي البضاعة ولا يحج من أصلها ; لأن الحج إنما يجب عليه في الفاضل من كفايته .

فهذا الكلام في الاستطاعة بالبدن والمال .السابعة : المريض والمعضوب ، والعضب القطع ، ومنه سمي السيف عضبا ، وكأن من انتهى إلى ألا يقدر أن يستمسك على الراحلة ولا يثبت عليها بمنزلة من قطعت أعضاؤه ; إذ لا يقدر على شيء .

وقد اختلف العلماء في حكمهما بعد إجماعهم أنه لا يلزمهما المسير إلى الحج ; لأن الحج إنما فرضه على المستطيع إجماعا ، والمريض والمعضوب لا استطاعة لهما .

فقال مالك : إذا كان معضوبا سقط عنه فرض الحج أصلا ، سواء كان قادرا على من يحج عنه بالمال أو بغير المال لا يلزمه فرض الحج .

ولو وجب عليه الحج ثم عضب وزمن سقط عنه فرض الحج ; ولا يجوز أن يحج عنه في حال حياته بحال ، بل إن أوصى أن يحج عنه بعد موته حج عنه من الثلث ، وكان تطوعا ; واحتج بقوله تعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى [ ص: 143 ] فأخبر أنه ليس له إلا ما سعى .

فمن قال : إنه له سعي غيره فقد خالف ظاهر الآية .

وبقوله تعالى : ولله على الناس حج البيت وهذا غير مستطيع ; لأن الحج هو قصد المكلف البيت بنفسه ولأنها عبادة لا تدخلها النيابة مع العجز عنها كالصلاة .

وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله عز وجل ليدخل بالحجة الواحدة ثلاثة الجنة الميت والحاج عنه والمنفذ ذلك .

خرجه الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد قال حدثنا عمرو بن حصين السدوسي قال حدثنا أبو معشر عن محمد بن المنكدر ; فذكره .قلت : أبو معشر اسمه نجيح وهو ضعيف عندهم .

وقال الشافعي : في المريض الزمن والمعضوب والشيخ الكبير يكون قادرا على من يطيعه إذا أمره بالحج عنه فهو مستطيع استطاعة ما .

وهو على وجهين : أحدهما أن يكون قادرا على مال يستأجر به من يحج عنه فإنه يلزمه فرض الحج ; وهذا قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، روي عنه أنه قال لشيخ كبير لم يحج : جهز رجلا يحج عنك .

وإلى هذا ذهب الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وابن المبارك وأحمد وإسحاق .

والثاني أن يكون قادرا على من يبذل له الطاعة والنيابة فيحج عنه ; فهذا أيضا يلزمه الحج عنه عند الشافعي وأحمد وابن راهويه ، وقال أبو حنيفة : لا يلزم الحج ببذل الطاعة بحال .

استدل الشافعي بما رواه ابن عباس أن امرأة من خثعم سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة ، أفأحج عنه قال : ( نعم ) .

وذلك في حجة الوداع .

في رواية : لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فحجي عنه أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته ) ؟

قالت : نعم .

قال : ( فدين الله أحق أن يقضى ) .

فأوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - الحج بطاعة ابنته إياه وبذلها من نفسها له بأن تحج عنه ; فإذا وجب ذلك بطاعة البنت له كان بأن يجب عليه بقدرته على المال الذي يستأجر به أولى .

فأما إن بذل له المال دون الطاعة فالصحيح أنه لا يلزمه قبوله والحج به عن نفسه ولا يصير ببذل المال له مستطيعا .

وقال علماؤنا : حديث [ ص: 144 ] الخثعمية ليس مقصوده الإيجاب وإنما مقصوده الحث على بر الوالدين والنظر في مصالحهما دنيا ودينا وجلب المنفعة إليهما جبلة وشرعا ; فلما رأى من المرأة انفعالا وطواعية ظاهرة ورغبة صادقة في برها بأبيها وحرصا على إيصال الخير والثواب إليه ، وتأسفت أن تفوته بركة الحج أجابها إلى ذلك .

كما قال للأخرى التي قالت : إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها ؟

قال : ( حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ) ؟

قالت : نعم .

ففي هذا ما يدل على أنه من باب التطوعات وإيصال البر والخيرات للأموات ; ألا ترى أنه قد شبه فعل الحج بالدين .

وبالإجماع لو مات ميت وعليه دين لم يجب على وليه قضاؤه من ماله ، فإن تطوع بذلك تأدى الدين عنه .

ومن الدليل على أن الحج في هذا الحديث ليس بفرض على أبيها ما صرحت به هذه المرأة بقولها " لا يستطيع " ومن لا يستطيع لا يجب عليه .

وهذا تصريح بنفي الوجوب ومنع الفريضة ، فلا يجوز ما انتفى في أول الحديث قطعا أن يثبت في آخره ظنا ; يحققه قوله : ( فدين الله أحق أن يقضى ) فإنه ليس على ظاهره إجماعا ; فإن دين العبد أولى بالقضاء ، وبه يبدأ إجماعا لفقر الآدمي واستغناء الله تعالى ; قاله ابن العربي .

وذكر أبو عمر بن عبد البر أن حديث الخثعمية عند مالك وأصحابه مخصوص بها .

وقال آخرون : فيه اضطراب .

وقال ابن وهب وأبو مصعب : هو في حق الولد خاصة .

وقال ابن حبيب : جاءت الرخصة في الحج عن الكبير الذي لا منهض له ولم يحج وعمن مات ولم يحج ، أن يحج عنه ولده وإن لم يوص به ويجزئه إن شاء الله تعالى .

فهذا الكلام على المعضوب وشبهه .

وحديث الخثعمية أخرجه الأئمة ، وهو يرد على الحسن قوله : إنه لا يجوز حج المرأة عن الرجل .الثامنة : وأجمع العلماء على أنه إذا لم يكن للمكلف قوت يتزوده في الطريق لم يلزمه الحج .

وإن وهب له أجنبي مالا يحج به لم يلزمه قبوله إجماعا ; لما يلحقه من المنة في ذلك .

فلو كان رجل وهب لأبيه مالا فقد قال الشافعي : يلزمه قبوله ; لأن ابن الرجل من كسبه ولا منة عليه في ذلك .

وقال مالك وأبو حنيفة : لا يلزمه قبوله ; لأن فيه سقوط حرمة الأبوة ; إذ يقال : قد جزاه وقد وفاه ، والله أعلم .[ ص: 145 ] التاسعة : قوله تعالى : ومن كفر فإن الله غني عن العالمين قال ابن عباس وغيره : المعنى ومن كفر بفرض الحج ولم يره واجبا .

وقال الحسن البصري وغيره : إن من ترك الحج وهو قادر عليه فهو كافر .

وروى الترمذي عن الحارث عن علي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وذلك أن الله يقول في كتابه ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا .

قال أبو عيسى : ( هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وفي إسناده مقال ، وهلال بن عبد الله مجهول ، والحارث يضعف ) .

وروي نحوه عن أبي أمامة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما .

وعن عبد خير بن يزيد عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته : يا أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج على من استطاع إليه سبيلا ومن لم يفعل فليمت على أي حال شاء إن شاء يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا إلا أن يكون به عذر من مرض أو سلطان جائر ألا نصيب له في شفاعتي ولا ورود حوضي .

وقال ابن عباس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من كان عنده مال يبلغه الحج فلم يحج أو عنده مال تحل فيه الزكاة فلم يزكه سأل عند الموت الرجعة .

فقيل يا ابن عباس إنا كنا نرى هذا للكافرين .

فقال : أنا أقرأ عليكم به قرآنا : يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون .

وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين .

قال الحسن بن صالح في تفسيره : فأزكي وأحج .

وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا سأل عن الآية فقال : ( من حج لا يرجو ثوابا أو جلس لا يخاف عقابا فقد كفر به ) .

وروى قتادة عن الحسن قال : قال عمر - رضي الله عنه - : لقد هممت أن أبعث [ ص: 146 ] رجالا إلى الأمصار فينظرون إلى من كان له مال ولم يحج فيضربون عليه الجزية ; فذلك قوله تعالى : ومن كفر فإن الله غني عن العالمين .قلت : هذا خرج مخرج التغليظ ; ولهذا قال علماؤنا : تضمنت الآية أن من مات ولم يحج وهو قادر فالوعيد يتوجه عليه ، ولا يجزئ أن يحج عنه غيره ; لأن حج الغير لو أسقط عنه الفرض لسقط عنه الوعيد ، والله أعلم .

وقال سعيد بن جبير : لو مات جار لي وله ميسرة ولم يحج لم أصل عليه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن شرف هذا البيت الحرام، وأنه أول بيت وضعه الله للناس، يتعبدون فيه لربهم فتغفر أوزارهم، وتقال عثارهم، ويحصل لهم به من الطاعات والقربات ما ينالون به رضى ربهم والفوز بثوابه والنجاة من عقابه، ولهذا قال: { مباركا } أي: فيه البركة الكثيرة في المنافع الدينية والدنيوية كما قال تعالى { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } { وهدى للعالمين } والهدى نوعان: هدى في المعرفة، وهدى في العمل، فالهدى في العمل ظاهر، وهو ما جعل الله فيه من أنواع التعبدات المختصة به، وأما هدى العلم فبما يحصل لهم بسببه من العلم بالحق بسبب الآيات البينات التي ذكر الله تعالى في قوله { فيه آيات بينات }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فيه آيات بينات ) قرأ ابن عباس ( آية بينة ) على الواحدان ، وأراد مقام إبراهيم وحده ، وقرأ الآخرون ( آيات بينات ) بالجمع فذكر منها مقام إبراهيم [ وهو الحجر ] الذي قام عليه إبراهيم ، وكان أثر قدميه فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي ، ومن تلك الآيات : الحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر كلها ، وقيل : مقام إبراهيم جميع الحرم ، ومن الآيات في البيت أن الطير تطير فلا تعلو فوقه ، وأن الجارحة إذا قصدت صيدا فإذا دخل الصيد الحرم كفت عنه ، وإنه بلد صدر إليه الأنبياء والمرسلون والأولياء والأبرار ، وإن الطاعة والصدقة فيها تضاعف بمائة ألف .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي ، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج ، أخبرنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري ، أنا مالك بن أنس عن زيد بن رباح وعبيد الله بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " .

قوله عز وجل : ( ومن دخله كان آمنا ) من أن يحاج فيه ، وذلك بدعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال : رب اجعل هذا بلدا آمنا وكانت العرب في الجاهلية يقتل بعضهم بعضا ويغير بعضهم على بعض ومن دخل الحرم أمن من القتل والغارة ، وهو المراد من الآية على قول الحسن وقتادة وأكثر المفسرين قال الله تعالى : " أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم " ( سورة العنكبوت الآية 67 ) وقيل : المراد به أن من دخله عام عمرة القضاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آمنا ، كما قال تعالى : " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين " ( سورة الفتح الآية 27 ) وقيل : هو خبر بمعنى الأمر تقديره : ومن دخله فأمنوه ، كقوله تعالى : " فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " ( البقرة - 197 ) أي : لا ترفثوا ولا تفسقوا ، حتى ذهب بعض أهل العلم إلى أن من وجب عليه القتل قصاصا أو حدا فالتجأ إلى الحرم فلا يستوفى منه فيه ، ولكنه [ لا يطعم ] ولا يبايع ولا يشارى حتى يخرج منه فيقتل ، قاله ابن عباس ، وبه قال أبو حنيفة ، وذهب قوم إلى أن القتل الواجب بالشرع يستوفى فيه أما إذا ارتكب الجريمة في الحرم يستوفى فيه عقوبته بالاتفاق .

وقيل : معناه ومن دخله معظما له متقربا إلى الله عز وجل كان آمنا يوم القيامة من العذاب .

قوله عز وجل : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) أي : ولله فرض واجب على الناس حج البيت ، قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وحفص ( حج البيت ) بكسر الحاء في هذا الحرف خاصة ، وقرأ الآخرون بفتح الحاء ، وهي لغة أهل الحجاز ، وهما لغتان فصيحتان ومعناهما واحد .

والحج أحد أركان الإسلام ، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبد الله بن موسى ، أنا حنظلة بن أبي سفيان ، عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان .

قال أهل العلم : ولوجوب الحج خمس شرائط : الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والاستطاعة ، فلا يجب على الكافر ولا على المجنون ، ولو حجا بأنفسهما لا يصح لأن الكافر ليس من أهل القربة ولا حكم [ لفعل ] المجنون ، ولا يجب على الصبي ولا على العبد ، ولو حج صبي يعقل ، أو عبد يصح حجهما تطوعا لا يسقط به فرض الإسلام عنهما فلو بلغ الصبي ، أو عتق العبد بعدما حج واجتمع في حقه شرائط [ وجوب ] الحج وجب عليه أن يحج ثانيا ، ولا يجب على غير المستطيع ، لقوله تعالى : ( من استطاع إليه سبيلا ) غير أنه لو تكلف فحج يسقط عنه فرض الإسلام .

والاستطاعة نوعان ، أحدهما : أن يكون مستطيعا [ بنفسه ] والآخر : أن يكون مستطيعا بغيره ، أما الاستطاعة بنفسه أن يكون قادرا بنفسه على الذهاب ووجد الزاد والراحلة ، أخبرنا عبد الواحد بن محمد الكسائي الخطيب ، ثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، ثنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع بن سليمان ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سعيد بن سالم ، عن إبراهيم بن يزيد ، عن محمد بن عباد بن جعفر ، قال : قعدنا إلى عبد الله ابن عمر فسمعته يقول : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما الحاج؟

قال : " الشعث التفل " فقام رجل آخر فقال : يا رسول الله : أي الحج أفضل؟

قال : " العج والثج " فقام رجل آخر فقال : يا رسول الله ما السبيل؟

قال : " زاد وراحلة " .

وتفصيله : أن يجد راحلة تصلح لمثله ، ووجد الزاد للذهاب والرجوع ، فاضلا عن نفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم وكسوتهم لذهابه ورجوعه ، وعن دين يكون عليه ، ووجد رفقة يخرجون في وقت جرت عادة أهل بلده بالخروج في ذلك الوقت ، فإن خرجوا قبله أو أخروا الخروج إلى وقت لا يصلون إلا أن يقطعوا كل يوم أكثر من مرحلة لا يلزمهم الخروج [ في ذلك الوقت ] ويشترط أن يكون الطريق آمنا فإن كان فيه خوف من عدو مسلم أو كافر أو رصدي يطلب شيئا لا يلزمه ، ويشترط أن تكون المنازل المأهولة معمورة يجد فيها الزاد والماء ، فإن كان زمان جدوبة تفرق أهلها أو غارت مياهها فلا يلزمه ، ولو لم يجد الراحلة لكنه قادر على المشي ، أو لم يجد الزاد ولكن يمكنه أن يكتسب في الطريق لا يلزمه الحج ، ويستحب لو فعل ، وعند مالك يلزمه .

أما الاستطاعة بالغير هو : أن يكون الرجل عاجزا بنفسه ، بأن كان زمنا أو به مرض غير مرجو الزوال ، لكن له مال يمكنه أن يستأجر من يحج عنه ، يجب عليه أن يستأجر ، أو لم يكن له مال لكن بذل له ولده أو أجنبي الطاعة في أن يحج عنه ، يلزمه أن يأمره إذا كان يعتمد صدقه ، لأن وجوب الحج [ يتعلق ] بالاستطاعة ، ويقال في العرف : فلان مستطيع لبناء دار وإن كان لا يفعله بنفسه ، وإنما يفعله بماله أو بأعوانه .

وعند أبي حنيفة لا يجب الحج ببذل الطاعة ، وعند مالك لا يجب على المعضوب في المال .

وحجة من أوجبه ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس أنه قال : كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه ، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر ، فقالت : يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟

قال : " نعم " .

قوله تعالى : ( ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) قال ابن عباس والحسن وعطاء : جحد فرض الحج ، وقال مجاهد : من كفر بالله واليوم الآخر .

وقال سعيد بن المسيب : نزلت في اليهود حيث قالوا : الحج إلى مكة غير واجب .

وقال السدي : هو من وجد ما يحج به ثم لم يحج حتى مات فهو كفر به أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا أبو الحسن الكلماتي ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر ، أخبرنا سهل بن عمار ، أخبرنا يزيد بن هارون ، أخبرنا شريك ، عن الليث عن عبد الرحمن بن سابط ، عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من لم تحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر ، ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فيه آيات بينات» منها «مقام إبراهيم» أي الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت فأثر قدماه فيه وبقي إلى الآن مع تطاول الزمان وتداول الأيدي عليه ومنها تضعيف الحسنات فيه وأن الطير لا يعلوه «ومن دخله كان آمنا» لا يتعرض إليه بقتل أو ظلم أو غير ذلك «ولله على الناس حجُّ البيت» واجب بكسر الحاء وفتحها لغتان في مصدر حج بمعنى قصد ويبدل من الناس «من استطاع إليه سبيلا» طرقاً فسره بالزاد والراحلة رواه الحاكم وغيره «ومن كفر» بالله أو بما فرضه من الحج «فإن الله غني عن العالمين» الإنس والجن والملائكة وعن عبادتهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

في هذا البيت دلالات ظاهرات أنه من بناء إبراهيم، وأن الله عظَّمه وشرَّفه، منها: مقام إبراهيم عليه السلام، وهو الحَجَر الذي كان يقف عليه حين كان يرفع القواعد من البيت هو وابنه إسماعيل، ومن دخل هذا البيت أَمِنَ على نفسه فلا يناله أحد بسوء.

وقد أوجب الله على المستطيع من الناس في أي مكان قَصْدَ هذا البيت لأداء مناسك الحج.

ومن جحد فريضة الحج فقد كفر، والله غني عنه وعن حجِّه وعمله، وعن سائر خَلْقه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعض هذه الآيات البينات الدالة على عظمه وشرفه فقال : { مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً } .فالآية الأولى الدالة على عظم وشرف البيت الحرام { مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ } أى المقام المعروف بهذا الاسم .

وهو الموضع الذى كان يقوم فيه إبراهيم تجاه الكعبة لعبادة الله - تعالى - ولإتمام بناء الكعبة ومعنى أن فى البيت مقام إبراهيم أى أنه فى فنائه ومتصل به .قال ابن كثير : عن جابر - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين ، ثم قرأ { واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } فجعل المقام بينه وبين البيت فصلى ركعتين .والمراد بالمقام إنما هو الحجر الذى كان إبراهيم يقوم عليه لبناء الكعبة ، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل بهذا الحجر ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار .

.

.ثم قال : وقد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما .

ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلى الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك .

وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى ناحية المشرق حيث هو الآن .

ليتمكن الطائفون من الطواف ، وليصلى المصلون عنده دون تشويش عليهم من الطائفين .وقوله : { مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ } مبتدأ محذوف الخبر أى مقام إبراهيم منها أى من هذه الآيات البينات .

أو خبر لمبتدأ محذوف أى فيه آيات بينات أحدها مقام إبراهيم .وقد رجح ابن جرير أن قوله - تعالى - { مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ } هو بعض الآيات البينات التى فى البيت الحرام فقال : وأولى الأقوال فى تأويل ذلك بالصواب قول من قال : الآيات البينات منهن مقام إبراهيم .

وهو قول قتادة ومجاهد الذى رواه معمر عنهما فيكون الكلام مرادا فيه منهن فترك ذكره اكتفاء بدلالة الكلام عليها .

فإن قال القائل : فهذا المقام من الآيات البينات فما سائر الآيات التى من أجلها قيل { آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ } ؟

قيل : منهن المقام ، ومنهن الحجر ، ومنهن الحطيم " .وقال ابن عطية : والراجح عندى أن المقام وآمن الداخلين جعلا مثالا لما فى حرم الله من الآيات ، وخصا بالذكر لعظمهما وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار ، إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم .وأما الآية الثانية التى تدل على فضل هذا البيت وشرفه فقد بينها القرآن بقوله : { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً } .أى من التجأ إليه أمن من التعرض له بالأذى أو القتل قال - تعالى - : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ } وفي ذلك إجابة لسيدنا إبراهيم حيث قال - كما حكى القرآن عنه - : { رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام } ولا شك أن فى أمن من دخل هذا البيت أكبر آية على تعظيمه وعلى علو مكانته عند الله؛ لأنه موضع أمان الناس فى بيئة تغرى بالاعتداء لخلوها من الزرع والنبات .وفى الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن أبى شريح العدوى أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث لمكة - يعنى لقتال عبد الله بن الزبير - : ائذن لى أيها الأمير أن أحدثك قولا قال به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح ، - سمعته أذناى ووعاه قلبى ، وأبصرته عيناى - حين تكلم به - : إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها - أى أخذ فيه بالرخصة - فقولوا له : إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لى فيها ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب .فقيل لأبى شريح : ما قال لك عمرو؟

فقال أبو شريح : قال لى يا أبا شريح أنا أعلم بذلك منك .

إن الحرم لا يعيذ عاصيا - أى لا يجيره ولا يعصم دمه - ولا فاراً بدم - أى أن الحرم لا يجير إنساناً هارباً إليه لسبب من الأسباب الموجبة للتقل - ولا فاراً بخربة - أى بسبب سرقة أو خيانة .ولقد كان أهل الجاهلية يعظمون المسجد الحرام - وخصوصا أهل مكة - فلما جاء الإسلام أقر له هذه الميزة وزكاها ، ووضع لها الضوابط والأحكام التى تضمن استعمالها فى الوجوه التى شرعها الله .فقد اتفق الفقهاء على أن من جنى فى الحرم جناية فهو مأخوذ بجنايته سواء أكانت فى النفس أم فيما دونها .واختلفوا فيمن جنى فى غير الحرم ثم لاذ إليه .

فقال أبو حنيفة وابن حنبل : إذا قتل فى غير الحرم ثم دخل الحرم لا يقتص منه ما دام فيه ، ولكن لا يجالس ولا يعامل ولا يؤاكل غلى أن يخرج منه فيقتص منه .

وإن كانت جنايته فيما دون النفس فى غير الحرم ثم دخل الحرم اقتص منه .وقال مالك والشافعي يقتص منه فى الحرم لذلك كله كما يقتص منه فى الحل .

ولكل فريق أدلته المبسوطة فى كتب الفقه .ثم أخبر - سبحانه - عن وجوب الحج على كل قادر عليه فقال : { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين } .أى أن الله - تعالى - فرض على الناس أن يحجوا بيته فى أوقات معينة وبكيفية مخصوصة متى كان فى استطاعتهم أداء هذه الفريضة .{ وَمَن كَفَرَ } أى من جحد فرضية الحج وأنكرها ، ولم يؤدها مع استطاعته وقدرته على أدائها فإن الله غنى عنه وعن حجه وعن الناس جميعاً .قال صاحب الكشاف : وفى هذا الكلام أنواع من التأكيد والتشديد منها قوله : { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } يعنى أنه حق واجب لله فى رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج من عهدته .

ومنها أنه ذكر الناس ثم أبدل منه من استطاع إليه سبيلا وفيه ضربان من التأكيد :أحدهما : أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له .والثاني : إن الإيضاح بعد الإيهام ، والتفصيل بعد الإجمال إيراد له فى صورتين مختلفتين .

ومنها قوله : { وَمَن كَفَرَ } مكان ومن لم يحج تغليظا على تارك الحج ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " من مات ولم يحج فليمت إن شاء الله يهودياً أو نصرانياً "ومنها ذكر الاستغناء عنه ، لأن فيه الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان ، لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة ولأنه يدل على الاستغناء الكامل ، فكان أدل على عظم السخط .وقوله : { وَللَّهِ } خبر مقدم متعلق بمحذوف أى واجب .

{ عَلَى الناس } متعلق بهذا المحذوف .

وقوله : { حِجُّ البيت } مبتدأ مؤخر .والناس عام مخصوص بالمتسطيع ، وقد خصص ببدل البعض فى قوله : { مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً } إذ هذه الجملة بدل من الناس بدل البعض من الكل .

والضمير فى البدل مقدر أى من استطاع منهم إليه سبيلا .و " من " فى قوله : { وَمَن كَفَرَ } يحتمل أن تكون شرطية وهو الظاهر ، وأن تكون موصولة ، وعلى الاحتمالين استغنى فيا بعد الفاء عن الرابط بإقامة الظاهر مقام المضمر إذ الأصل ومن كفر فغن الله غنى عنه فاستغنى بالظاهر عن المضمر .قال ابن كثير : والجمهور يرى أن هذه الآية هى آية وجوب الحج .

وقيل بل هى آية ( وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة للَّهِ ) والأول أظهر .

وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقوائمه ، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروياً وإنما يجب على المكلف فى العمرة مرة واحدة بالنص والإجماع فعن ابيى هريرة قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " يا أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج فحجوا .

فقال رجل : أكل عام يا رسول الله؟

فسكت حتى قالها ثلاثا .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال : ذرونى ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، وإذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شىء فدعوه " .وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : " قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما السبيل يا رسول الله ، فقال : الزاد والراحلة " .وبذلك تكون هاتان الآيتان والآيات التى قبلهما قد ردت على اليهود فى دعواهم أن ما حرمه الله عليهم من طيبات لم يكن عقوبة لهم بسبب ظلمهم وبغيهم ، وكذبتهم فى دعواهم أن بيت المقدس أفضل من المسجد الحرام .وقد اشتمل هذا الرد على ما يثبت افتراءهم من واقع التاريخ ، فقد أمر الله - تعالى - النبى صلى الله عليه وسلم أن يطالبهم بإحضار التوراة إن كانوا صادقين فى دعواهم ، فبهوتوا وانقلبوا صاغرين ، واثبت القرآن أن البيت الحرام أول بيت وضع فى الأرض لعبادة الله ، فهو يسبق بيت المقدس فى أولوية الشرف والزمان .

وإذن فجدال اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم فى هذه الأمور ما هو إلا نوع من عنادهم وجحودهم للحق ، والمعاند والجاحد لا ينفع معهما دليل أو برهان .وبعد هذا الرد المفحم من القرآن على اليهود فى هاتين القضيتين - قضية ما حرم عليهم من الأطعمة وقضية نزاعهم فى أفضلية البيت الحرام - بعد كل ذلك ساق القرآن طرفا من مسالكهم الخبيثة لكيد الإسلام والمسلمين عن طريق محاولتهم الدس والوقيعة وإثارة الفتنة بين المؤمنين .

وقد حذر الله المؤمنين من شرورهم بعد أن وبخ اليهود على مكرهم ، وتوعدهم بسوء المصير .

استمع إلى القرآن وهو يسوق هذه المعانى بأسلوبه الحكيم فيقول : { قُلْ ياأهل .

.

.

} .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى للعالمين فِيهِ ءايات بينات مَّقَامُ إبراهيم وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً ﴾ في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أن المراد منه الجواب عن شبهة أخرى من شبه اليهود في إنكار نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام، وذلك لأنه عليه السلام لما حول القبلة إلى الكعبة طعن اليهود في نبوته، وقالوا إن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال، وذلك لأنه وضع قبل الكعبة، وهو أرض المحشر، وقبلة جملة الأنبياء، وإذا كان كذلك كان تحويل القبلة منه إلى الكعبة باطلاً، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ فبيّن تعالى أن الكعبة أفضل من بيت المقدس وأشرف، فكان جعلها قبلة أولى والثاني: أن المقصود من الآية المتقدمة بيان أن النسخ هل يجوز أم لا؟

فإن النبي صلى الله عليه وسلم استدل على جوازه بأن الأطعمة كانت مباحة لبني إسرائيل، ثم إن الله تعالى حرم بعضها، والقوم نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وأعظم الأمور التي أظهر رسول الله نسخها هو القبلة، لا جرم ذكر تعالى في هذه الآية بيان ما لأجله حولت الكعبة، وهو كون الكعبة أفضل من غيرها الثالث: أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة ﴿ فاتبعوا مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين  ﴾ وكان من أعظم شعار ملة إبراهيم الحج، ذكر في هذه الآية فضيلة البيت، ليفرع عليه إيجاب الحج الرابع: أن اليهود والنصارى زعم كل فرقة منهم أنه على ملة إبراهيم، وقد سبقت هذه المناظرة في الآيات المتقدمة، فإن الله تعالى بيّن كذبهم، من حيث أن حج الكعبة كان ملة إبراهيم واليهود والنصارى لا يحجون، فيدل هذا على كذبهم في ذلك، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال المحققون الأول: هو الفرد السابق، فإذا قال: أول عبد اشتريه فهو حر فلو اشترى عبدين في المرة الأولى لم يعتق أحد منها لأن الأول هو الفرد، ثم لو اشترى في المرة الثانية عبداً واحداً لم يعتق، لأن شرط الأول كونه سابقاً فثبت أن الأول هو الفرد السابق.

إذا عرفت هذا فنقول: إن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ لا يدل على أنه أول بيت خلقه الله تعالى، ولا أنه أول بيت ظهر في الأرض، بل ظاهر الآية يدل على أنه أول بيت وضع للناس، وكونه موضوعاً للناس يقتضي كونه مشتركاً فيه بين جميع الناس، فأما سائر البيوت فيكون كل واحد منها مختصاً بواحد من الناس فلا يكون شيء من البيوت موضوعاً للناس، وكون البيت مشتركاً فيه بين كل الناس، لا يحصل إلا إذا كان البيت موضوعاً للطاعات والعبادات وقبلة للخلق، فدل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ على أن هذا البيت وضعه الله موضعاً للطاعات والخيرات والعبادات فيدخل فيه كون هذا البيت قبلة للصلوات، وموضعاً للحج، ومكانا يزداد ثواب العبادات والطاعات فيه.

فإن قيل: كونه أولاً في هذا الوصف يقتضي أن يكون له ثان، وهذا يقتضي أن يكون بيت المقدس يشاركه في هذه الصفات التي منها وجوب حجه، ومعلوم أنه ليس كذلك.

والجواب: من وجهين: الأول: أن لفظ الأول: في اللغة اسم للشيء الذي يوجد ابتداء، سواء حصل عقيبه شيء آخر أو لم يحصل، يقال: هذا أول قدومي مكة، وهذا أول مال أصبته ولو قال: أول عبد ملكته فهو حر فملك عبداً عتق وإن لم يملك بعده عبداً آخر، فكذا هنا، والثاني: أن المراد من قوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ أي أول بيت وضع لطاعات الناس وعباداتهم وبيت المقدس يشاركه في كونه بيتاً موضوعاً للطاعات والعبادات، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» فهذا القدر يكفي في صدق كون الكعبة أول بيت وضع للناس، وأما أن يكون بيت المقدس مشاركاً له في جميع الأمور حتى في وجوب الحج، فهذا غير لازم والله أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أن قوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً ﴾ يحتمل أن يكون المراد كونه أولاً في الوضع والبناء وأن يكون المراد كونه أولاً في كونه مباركاً وهدىً فحصل للمفسرين في تفسير هذه الآية قولان الأول: أنه أول في البناء والوضع، والذاهبون إلى هذا المذهب لهم أقوال أحدها: ما روى الواحدي رحمه الله تعالى في البسيط بإسناده عن مجاهد أنه قال: خلق الله تعالى هذا البيت قبل أن يخلق شياً من الأرضين، وفي رواية أخرى: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شياً من الأرض بألفي سنة، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى وروي أيضاً عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى بعث ملائكته فقال ابنوا لي في الأرض بيتاً على مثال البيت المعمور وأمر الله تعالى من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، وهذا كان قبل خلق آدم».

وأيضاً ورد في سائر كتب التفسير عن عبد الله بن عمر، ومجاهد والسدي: أنه أول بيت وضع على وجه الماء عند خلق الأرض والسماء، وقد خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام وكان زبدة بيضاء على الماء ثم دحيت الأرض تحته، قال القفال في تفسيره: روى حبيب بن ثابت عن ابن عباس أنه قال: وجد في كتاب في المقام أو تحت المقام أنا الله ذو بكة وضعتها يوم وضعت الشمس والقمر، وحرمتها يوم وضعت هذين الحجرين، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء.

وثانيها: أن آدم صلوات الله عليه وسلامه لما أهبط إلى الأرض شكا الوحشة، فأمره الله تعالى ببناء الكعبة وطاف بها، وبقي ذلك إلى زمان نوح عليه السلام، فلما أرسل الله تعالى الطوفان، رفع البيت إلى السماء السابعة حيال الكعبة، يتعبد عنده الملائكة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك سوى من دخل من قبل فيه، ثم بعد الطوفان اندرس موضع الكعبة، وبقي مختفياً إلى أن بعث الله تعالى جبريل صلوات الله عليه إلى إبراهيم عليه السلام ودله على مكان البيت، وأمره بعمارته، فكان المهندس جبريل والبناء إبراهيم والمعين إسماعيل عليهم السلام.

واعلم أن هذين القولين يشتركان في أن الكعبة كانت موجودة في زمان آدم عليه السلام، وهذا هو الأصوب ويدل عليه وجوه: الأول: أن تكليف الصلاة كان لازماً في دين جميع الأنبياء عليهم السلام، بدليل قوله تعالى في سورة مريم ﴿ أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين مِن ذُرّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّن حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرّيَّةِ إبراهيم وإسراءيل وَمِمَّنْ هَدَيْنَا واجتبينا إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءايات الرحمن خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً  ﴾ فدلت الآية على أن جميع الأنبياء عليهم السلام كانوا يسجدون لله والسجدة لابد لها من قبلة، فلو كانت قبلة شيث وإدريس ونوح عليهم السلام موضعاً آخر سوى القبلة لبطل قوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ ﴾ فوجب أن يقال: إن قبلة أولئك الأنبياء المتقدمين هي الكعبة، فدل هذا على أن هذه الجهة كانت أبداً مشرفة مكرمة الثاني: أن الله تعالى سمى مكة أم القرى، وظاهر هذا يقتضي أنها كانت سابقة على سائر البقاع في الفضل والشرف منذ كانت موجودة الثالث: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم فتح مكة ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر وتحريم مكة لا يمكن إلا بعد وجود مكة الرابع: أن الآثار التي حكيناها عن الصحابة والتابعين دالة على أنها كانت موجودة قبل زمان إبراهيم عليه السلام.

واعلم أن لمن أنكر ذلك أن يحتج بوجوه: الأول: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللّهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة» وظاهر هذا يقتضي أن مكة بناء إبراهيم عليه السلام ولقائل أن يقول: لا يبعد أن يقال البيت كان موجوداً قبل إبراهيم وما كان محرماً ثم حرمه إبراهيم عليه السلام.

الثاني: تمسكوا بقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وإسماعيل  ﴾ ولقائل أن يقول: لعل البيت كان موجوداً قبل ذلك ثم انهدم، ثم أمر الله إبراهيم برفع قواعده وهذا هو الوارد في أكثر الأخبار.

الثالث: قال القاضي: إن الذي يقال من أنه رفع زمان الطوفان إلى السماء بعيد، وذلك لأن الموضع الشريف هو تلك الجهة المعينة، والجهة لا يمكن رفعها إلى السماء ألا ترى أن الكعبة والعياذ بالله تعالى لو انهدمت ونقل الأحجار والخشب والتراب إلى موضع آخر لم يكن له شرف ألبتة، ويكون شرف تلك الجهة باقياً بعد الانهدام، ويجب على كل مسلم أن يصلي إلى تلك الجهة بعينها، وإذا كان كذلك فلا فائدة في نقل تلك الجدران إلى السماء ولقائل أن يقول: لما صارت تلك الأجسام في العزة إلى حيث أمر الله بنقلها إلى السماء، وإنما حصلت لها هذه العزة بسبب أنها كانت حاصلة في تلك الجهة، فصار نقلها إلى السماء من أعظم الدلائل على غاية تعظيم تلك الجهة وإعزازها، فهذا جملة ما في هذا القول: القول الثاني: أن المراد من هذه الأولية كون هذا البيت أولاً في كونه مباركاً وهدىً للخلق روي أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن أول مسجد وضع للناس، فقال عليه الصلاة والسلام: «المسجد الحرام ثم بيت المقدس» فقيل كم بينهما؟

قال: «أربعون سنة».

وعن علي رضي الله عنه أن رجلاً قال له: أهو أول بيت؟

قال: لا قد كان قبله بيوت ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً فيه الهدى والرحمة والبركة أول من بناه إبراهيم، ثم بناه قوم من العرب من جرهم، ثم هدم فبناه العمالقة، وهم ملوك من أولاد عمليق بن سام بن نوح، ثم هدم فبناه قريش.

واعلم أن دلالة الآية على الأولية في الفضل والشرف أمر لابد منه، لأن المقصود الأصلي من ذكر هذه الأولية بيان الفضيلة، لأن المقصود ترجيحه على بيت المقدس، وهذا إنما يتم بالأولية في الفضيلة والشرف، ولا تأثير للأولية في البناء في هذا المقصود، إلا أن ثبوت الأولية بسبب الفضيلة لا ينافي ثبوت الأولية في البناء، وقد دللنا على ثبوت هذا المعنى أيضاً.

المسألة الثالثة: إذا ثبت أن المراد من هذه الأولية زيادة الفضيلة والمنقبة فلنذكر هاهنا وجوه فضيلة البيت: الفضيلة الأولى: اتفقت الأمم على أن باني هذا البيت هو الخليل عليه السلام، وباني بيت المقدس سليمان عليه السلام، ولا شك أن الخليل أعظم درجة وأكثر منقبة من سليمان عليه السلام فمن هذا الوجه يجب أن تكون الكعبة أشرف من بيت المقدس.

واعلم أن الله تعالى أمر الخليل عليه السلام بعمارة هذا البيت، فقال: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ والقائمين والركع السجود  ﴾ والمبلغ لهذا التكليف هو جبريل عليه السلام، فلهذا قيل: ليس في العالم بناء أشرف من الكعبة، فالآمر هو الملك الجليل والمهندس هو جبريل، والباني هو الخليل، والتلميذ إسماعيل عليهم السلام.

الفضيلة الثانية: ﴿ مَّقَامِ إبراهيم ﴾ وهو الحجر الذي وضع إبراهيم قدمه عليه فجعل الله ما تحت قدم إبراهيم عليه السلام من ذلك الحجر دون سائر أجزائه كالطين حتى غاص فيه قدم إبراهيم عليه السلام، وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله ولا يظهره إلا على الأنبياء، ثم لما رفع إبراهيم قدمه عنه خلق فيه الصلابة الحجرية مرة أخرى، ثم إنه تعالى أبقى ذلك الحجر على سبيل الاستمرار والدوام فهذه أنواع من الآيات العجيبة والمعجزات الباهرة أظهرها الله سبحانه في ذلك الحجر.

الفضيلة الثالثة: قلة ما يجتمع فيه من حصى الجمار، فإنه منذ آلاف سنة وقد يبلغ من يرمي في كل سنة ستمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة، ثم لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثير وليس الموضع الذي ترمي إليه الجمرات مسيل ماء ولا مهب رياح شديدة وقد جاء في الآثار أن من كانت حجته مقبولة رفعت حجارة جمراته إلى السماء.

الفضيلة الرابعة: إن الطيور تترك المرور فوق الكعبة عند طيرانها في الهواء بل تنحرف عنها إذا ما وصلت إلى فوقها.

الفضيلة الخامسة: أن عنده يجتمع الوحش لا يؤذي بعضها بعضاً كالكلاب والظباء، ولا يصطاد فيه الكلاب والوحوش وتلك خاصية عجيبة وأيضاً كل من سكن مكة أمن من النهب والغارة وهو بركة دعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال: ﴿ رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا  ﴾ وقال تعالى في صفة أمنه ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ  ﴾ وقال: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا ٱلْبَيْتِ  ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ  ﴾ ولم ينقل ألبتة أن ظالماً هدم الكعبة وخرب مكة بالكلية؛ وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية.

الفضيلة السادسة: أن صاحب الفيل وهو أبرهة الأشرم لما قاد الجيوش والفيل إلى مكة لتخريب الكعبة وعجز قريش عن مقاومة أولئك الجيوش وفارقوا مكة وتركوا له الكعبة فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل، والأبابيل هم الجماعة من الطير بعد الجماعة، وكانت صغاراً تحمل أحجاراً ترميهم بها فهلك الملك وهلك العسكر بتلك الأحجار مع أنها كانت في غاية الصغر، وهذه آية باهرة دالة على شرف الكعبة وإرهاص لنبوّة محمد عليه الصلاة والسلام.

فإن قال قائل: لم لا يجوز أن يقال إن كل ذلك بسبب طلسم موضوع هناك بحيث لا يعرفه أحد فإن الأمر في تركيب الطلسمات مشهور.

قلنا: لو كان هذا من باب الطلسمات لكان هذا طلسماً مخالفاً لسائر الطلسمات فإنه لم يحصل لشيء سوى الكعبة مثل هذا البقاء الطويل في هذه المدة العظيمة، ومثل هذا يكون من المعجزات، فلا يتمكن منها سوى الأنبياء.

الفضيلة السابعة: إن الله تعالى وضعها بواد غير ذي زرع، والحكمة من وجوه: أحدها: إنه تعالى قطع بذلك رجاء أهل حرمه وسدنة بيته عمن سواه حتى لا يتوكلوا إلا على الله.

وثانيها: أنه لا يسكنها أحد من الجبابرة والأكاسرة فإنهم يريدون طيبات الدنيا فإذا لم يجدوها هناك تركوا ذلك الموضع، فالمقصود تنزيه ذلك الموضع عن لوث وجود أهل الدنيا.

وثالثها: أنه فعل ذلك لئلا يقصدها أحد للتجارة بل يكون ذلك لمحض العبادة والزيارة فقط.

ورابعها: أظهر الله تعالى بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيوت في أقل المواضع نصيباً من الدنيا، فكأنه قال: جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين، فكذلك أجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين، لهم في الدنيا بيت الأمن وفي الآخرة دار الأمن.

وخامسها: كأنه قال: لما لم أجعل الكعبة إلا في موضع خال عن جميع نعم الدنيا فكذا لا أجعل كعبة المعرفة إلا في كل قلب خال عن محبة الدنيا، فهذا ما يتعلق بفضائل الكعبة، وعند هذا ظهر أن هذا البيت أول بيت وضع للناس في أنواع الفضائل والمناقب، وإذا ظهر هذا بطل قول اليهود: إن بيت المقدس أشرف من الكعبة والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ لَلَّذِى بِبَكَّةَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا شك أن المراد من ﴿ بكة ﴾ هو مكة ثم اختلفوا فمنهم من قال: بكة ومكة اسمان لمسمى واحد، فإن الباء والميم حرفان متقاربان في المخرج فيقام كل واحد منهما مقام الآخر فيقال: هذه ضربة لازم، وضربة لازب، ويقال: هذا دائم ودائب، ويقال: راتب وراتم، ويقال: سمد رأسه، وسبده، وفي اشتقاق بكة وجهان الأول: أنه من البك الذي هو عبارة عن دفع البعض بعضاً، يقال: بكه يبكه بكاً إذا دفعه وزحمه، وتباك القوم إذا ازدحموا فلهذا قال سعيد بن جبير: سميت مكة بكة لأنهم يتباكون فيها أي يزدحمون في الطواف، وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة قال بعضهم: رأيت محمد بن علي الباقر يصلي فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال: دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضاً، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي، والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي لا بأس بذلك في هذا المكان.

الوجه الثاني: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة لا يريدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه قال قطرب: تقول العرب بككت عنقه أبكه بكاً إذا وضعت منه ورددت نخوته.

وأما مكة ففي اشتقاقها وجوه: الأول: أن اشتقاقها من أنها تمك الذنوب أي تزيلها كلها، من قولك: أمتك الفصيل ضرع أمه، إذا امتص ما فيه الثاني: سميت بذلك لاجتلابها الناس من كل جانب من الأرض، يقال أمتك الفصيل، إذا استقصى ما في الضرع، ويقال تمككت العظم، إذا استقصيت ما فيه الثالث: سميت مكة، لقلة مائها، كأن أرضها امتكت ماءها الرابع: قيل: إن مكة وسط الأرض، والعيون والمياه تنبع من تحت مكة، فالأرض كلها تمك من ماء مكة، ومن الناس من فرق بين مكة وبكة، فقال بعضهم: إن بكة اسم للمسجد خاصة، وأما مكة، فهو اسم لكل البلد، قالوا: والدليل عليه أن اشتقاق بكة من الازدحام والمدافعة، وهذا إنما يحصل في المسجد عند الطواف، لا في سائر المواضع، وقال الأكثرون: مكة اسم للمسجد والمطاف.

وبكة اسم البلد، والدليل عليه أن قوله تعالى: ﴿ لَلَّذِى بِبَكَّةَ ﴾ يدل على أن البيت حاصل في بكة ومظروف في بكة فلو كان بكة اسماً للبيت لبطل كون بكة ظرفاً للبيت، أما إذا جعلنا بكة اسماً للبلد، استقام هذا الكلام.

المسألة الثانية: لمكة أسماء كثيرة، قال القفال رحمه الله في تفسيره: مكة وبكة وأم رحم وكويساء والبشاشة والحاطمة تحطم من استخف بها، وأم القرى قال تعالى: ﴿ لّتُنذِرَ أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا  ﴾ وسميت بهذا الاسم لأنها أصل كل بلدة ومنها دحيت الأرض، ولهذا المعنى يزار ذلك الموضع من جميع نواحي الأرض.

المسألة الثالثة: للكعبة أسماء أحدها: الكعبة قال تعالى: ﴿ جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام  ﴾ والسبب فيه أن هذا الاسم يدل على الإشراف والارتفاع، وسمي الكعب كعباً لإشرافه وارتفاعه على الرسغ، وسميت المرأة الناهدة الثديين كاعباً، لارتفاع ثديها، فلما كان هذا البيت أشرف بيوت الأرض وأقدمها زماناً، وأكثرها فضيلة سمي بهذا الاسم.

وثانيها: البيت العتيق: قال تعالى: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق  ﴾ وقال: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق  ﴾ وفي اشتقاقه وجوه: الأول: العتيق هو القديم، وقد بينا أنه أقدم بيوت الأرض بل عند بعضهم أن الله خلقه قبل الأرض والسماء والثاني: أن الله أعتقه من الغرق حيث رفعه إلى السماء الثالث: من عتق الطائر إذا قوي في وكره، فلما بلغ في القوة إلى حيث أن كل من قصد تخريبه أهلكه الله سمي عتيقاً الرابع: أن الله أعتقه من أن يكون ملكاً لأحد من المخلوقين الخامس: أنه عتيق بمعنى أن كل من زاره أعتقه الله تعالى من النار.

وسادسها: المسجد الحرام قال سبحانه: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى  ﴾ والمراد من كونه حراماً سيجيء إن شاء الله في تفسير هذه الآية.

فإن قال قائل: كيف الجمع بين قوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ وبين قوله: ﴿ وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ  ﴾ فأضافه مرة إلى نفسه ومرة إلى الناس.

والجواب: كأنه قيل: البيت لي ولكن وضعته لا لأجل منفعتي فإني منزّه عن الحاجة ولكن وضعته لك ليكون قبلة لدعائك والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ مُبَارَكاً وَهُدًى للعالمين ﴾ .

واعلم أنه تعالى وصف هذا البيت بأنواع الفضائل فأولها: أنه أول بيت وضع للناس، وقد ذكرنا معنى كونه أولاً في الفضل ونزيد هاهنا وجوهاً أُخر الأول: قال علي رضي الله عنه، هو أول بيت خص بالبركة، وبأن من دخله كان آمناً، وقال الحسن: هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض وقال مطرف.

أول بيت جعل قبلة.

وثانيها: أنه تعالى وصفه بكونه مباركاً، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: انتصب ﴿ مُبَارَكاً ﴾ على الحال والتقدير الذي استقر هو ببكة مباركاً.

المسألة الثانية: البركة لها معنيان أحدهما: النمو والتزايد والثاني: البقاء والدوام، يقال تبارك الله، لثبوته لم يزل، والبركة شبه الحوض لثبوت الماء فيها، وبرك البعير إذا وضع صدره على الأرض وثبت واستقر، فإن فسرنا البركة بالتزايد والنمو فهذا البيت مبارك من وجوه: أحدها: أن الطاعات إذا أتى بها في هذا البيت ازداد ثوابها.

قال صلى الله عليه وسلم: «فضل المسجد الحرام على مسجدي، كفضل مسجدي على سائر المساجد».

ثم قال صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه» فهذا في الصلاة، وأما الحج، فقال عليه الصلاة والسلام: «من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

وفي حديث آخر: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» ومعلوم أنه لا أكثر بركة مما يجلب المغفرة والرحمة.

وثانيها: قال القفال رحمه الله تعالى: ويجوز أن يكون بركته ما ذكر في قوله تعالى: ﴿ يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَيء  ﴾ فيكون كقوله: ﴿ إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ  ﴾ .

وثالثها: أن العاقل يجب أن يستحضر في ذهنه أن الكعبة كالنقطة وليتصور أن صفوف المتوجهين إليها في الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز، وليتأمل كم عدد الصفوف المحيطة بهذه الدائرة حال اشتغالهم بالصلاة، ولا شك أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم علوية، وقلوبهم قدسية وأسرارهم نورانية وضمائرهم ربانية ثم إن تلك الأرواح الصافية إذا توجهت إلى كعبة المعرفة وأجسادهم توجهت إلى هذه الكعبة الحسيّة فمن كان في الكعبة يتصل أنوار أرواح أولئك المتوجهين بنور روحه، فتزداد الأنوار الإلهية في قلبه، ويعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره وهذا بحر عظيم ومقام شريف، وهو ينبهك على معنى كونه مباركاً.

وأما إن فسرنا البركة بالدوام فهو أيضاً كذلك لأنه لا تنفك الكعبة من الطائفين والعاكفين والركع السجود، وأيضاً الأرض كرة، وإذا كان كذلك فكل وقت يمكن أن يفرض فهو صبح لقوم، وظهر لثان وعصر لثالث، ومغرب لرابع وعشاء لخامس، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن الكعبة منفكة قط عن توجه قوم إليها من طرف من أطراف العالم لأداء فرض الصلاة، فكان الدوام حاصلاً من هذه الجهة، وأيضاً بقاء الكعبة على هذه الحالة ألوفاً من السنين دوام أيضاً فثبت كونه مباركاً من الوجهين.

الصفة الثالثة: من صفات هذا البيت كونه ﴿ هُدًى للعالمين ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قيل: المعنى أنه قبلة للعالمين يهتدون به إلى جهة صلاتهم، وقيل: هدىً للعالمين أي دلالة على وجود الصانع المختار، وصدق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوّة بما فيه من الآيات التي ذكرناها والعجائب التي حكيناها فإن كل ما يدل على النبوة فهو بعينه يدل أولاً على وجود الصانع، وجميع صفاته من العلم والقدرة والحكمة والاستغناء، وقيل: هدىً للعالمين إلى الجنة لأن من أدى الصلوات الواجبة إليها استوجب الجنة.

المسألة الثانية: قال الزجاج: المعنى وذا هدىً للعالمين، قال: ويجوز أن يكون ﴿ وهدى ﴾ في موضع رفع على معنى وهو هدى.

أما قوله تعالى: ﴿ فِيهِ ءايات بينات ﴾ ففيه قولان الأول: أن المراد ما ذكرناه من الآيات التي فيه وهي: أمن الخائف، وإنمحاق الجمار على كثرة الرمي، وامتناع الطير من العلو عليه واستشفاء المريض به وتعجيل العقوبة لمن انتهك فيه حرمة، وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا تخريبه فعلى هذا تفسير الآيات وبيانها غير مذكور.

وقوله: ﴿ مَّقَامِ إبراهيم ﴾ لا تعلق له بقوله: ﴿ فِيهِ ءايات بينات ﴾ فكأنه تعالى قال: ﴿ فِيهِ ءايات بينات ﴾ ومع ذلك فهو مقام إبراهيم ومقره والموضع الذي اختاره وعبد الله فيه، لأن كل ذلك من الخلال التي بها يشرف ويعظم.

القول الثاني: أن تفسير الآيات مذكور، وهو قوله: ﴿ مَّقَامِ إبراهيم ﴾ أي: هي مقام إبراهيم.

فإن قيل: الآيات جماعة ولا يصح تفسيرها بشيء واحد، أجابوا عنه من وجوه: الأول: أن مقام إبراهيم بمنزلة آيات كثيرة، لأن ما كان معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو دليل على وجود الصانع، وعلمه وقدرته وإرادته وحياته، وكونه غنياً منزّهاً مقدساً عن مشابهة المحدثات فمقام إبراهيم وإن كان شيئاً واحداً إلا أنه لما حصل فيه هذه الوجوه الكثيرة كان بمنزلة الدلائل كقوله: ﴿ إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا  ﴾ الثاني: أن مقام إبراهيم اشتمل على الآيات، لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية، لأنه لان من الصخرة ما تحت قدميه فقط، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية خاصة لإبراهيم عليه السلام وحفظه مع كثرة أعدائه من اليهود والنصارى والمشركين والملحدين ألوف سنين فثبت أن مقام إبراهيم عليه السلام آيات كثيرة الثالث: قال الزجاج إن قوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً ﴾ من بقية تفسير الآيات، كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله، ولفظ الجمع قد يستعمل في الاثنين، قال تعالى: ﴿ إِن تَتُوبَا إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  ﴾ وقال عليه السلام: «الاثنان فما فوقهما جماعة» ومنهم من تمم الثلاثة فقال: مقام إبراهيم، وأن من دخله كان آمناً، وأن لله على الناس حجه، ثم حذف (أن) اختصاراً، كما في قوله: ﴿ قُلْ أَمَرَ رَبّي بالقسط  ﴾ أي أمر ربي بأن تقسطوا الرابع: يجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قيل فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله، وكثير سواهما الخامس: قرأ ابن عباس ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة ﴿ آيَة بَيّنَةً ﴾ على التوحيد السادس: قال المبرّد ﴿ مَّقَامِ ﴾ مصدر فلم يجمع كما قال: ﴿ وعلى سَمْعِهِمْ ﴾ والمراد مقامات إبراهيم، وهي ما أقامه إبراهيم عليه السلام من أمور الحج وأعمال المناسك ولا شك أنها كثيرة وعلى هذا فالمراد بالآيات شعائر الحج كما قال: ﴿ وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ مَّقَامِ إبراهيم ﴾ وفيه أقوال أحدها: أنه لما ارتفع بنيان الكعبة، وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه والثاني: أنه جاء زائراً من الشام إلى مكة، وكان قد حلف لامرأته أن لا ينزل بمكة حتى يرجع، فلما وصل إلى مكة قالت له أم إسماعيل: إنزل حتى نغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على الجانب الأيمن، فوضع قدمه عليه حتى غسلت أحد جانبي رأسه، ثم حولته إلى الجانب الأيسر، حتى غسلت الجانب الآخر، فبقي أثر قدميه عليه والثالث: أنه هو الحجر الذي قام إبراهيم عليه عند الأذان بالحج، قال القفال رحمه الله: ويجوز أن يكون إبراهيم قام على ذلك الحجر في هذه المواضع كلها.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً ﴾ ولهذه الآية نظائر: منها قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً  ﴾ وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً  ﴾ وقال إبراهيم ﴿ رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا  ﴾ وقال تعالى: ﴿ أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مّنْ خوف  ﴾ قال أبو بكر الرازي: لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ موجودة في الحرم ثم قال: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً ﴾ وجب أن يكون مراده جميع الحرم، وأجمعوا على أنه لو قتل في الحرم فإنه يستوفي القصاص منه في الحرم وأجمعوا على أن الحرم لا يفيد الأمان فيما سوى النفس، إنما الخلاف فيما إذا وجب القصاص عليه خارج الحرم فالتجأ إلى الحرم فهل يستوفي منه القصاص في الحرم؟

قال الشافعي: يستوفي، وقال أبو حنيفة: لا يستوفي، بل يمنع منه الطعام والشراب والبيع والشراء والكلام حتى يخرج، ثم يستوفي منه القصاص، والكلام في هذه المسألة قد تقدم في تفسير قوله: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً ﴾ واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه الآية، فقال: ظاهر الآية الاخبار عن كونه آمناً، ولكن لا يمكن حمله عليه إذ قد لا يصير آمناً فيقع الخلف في الخبر، فوجب حمله على الأمر ترك العمل به في الجنايات التي دون النفس، لأن الضرر فيها أخف من الضرر في القتل، وفيما إذا وجب عليه القصاص لجناية أتى بها في الحرم، لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم، فيبقى في محل الخلاف على مقتضى ظاهر الآية.

والجواب: أن قوله: ﴿ كَانَ ءَامِناً ﴾ إثبات لمسمى الأمن، ويكفي في العمل به إثبات الأمن من بعض الوجوه، ونحن نقول به وبيانه من وجوه: الأول: أن من دخله للنسك تقرباً إلى الله تعالى كان آمناً من النار يوم القيامة، قال النبي عليه السلام: «من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً».

وقال أيضاً: «من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتي عام».

وقال: «من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

والثاني: يحتمل أن يكون المراد ما أودع الله في قلوب الخلق من الشفقة على كل من التجأ إليه ودفع المكروه عنه، ولما كان الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأكثر أخبر بوقوعه على هذا الوجه مطلقاً وهذا أولى مما قالوه لوجهين: الأول: أنا على هذا التقدير لا نجعل الخبر قائماً مقام الأمر وهم جعلوه قائماً مقام الأمر والثاني: أنه تعالى إنما ذكر هذا لبيان فضيلة البيت وذلك إنما يحصل بشيء كان معلوماً للقوم حتى يصير ذلك حجة على فضيلة البيت، فأما الحكم الذي بيّنه الله في شرع محمد عليه السلام فإنه لا يصير ذلك حجة على اليهود والنصارى في إثبات فضيلة الكعبة.

الوجه الثالث: في تأويل الآية: أن المعنى من دخله عام عمرة القضاء مع النبي صلى الله عليه وسلم كان آمناً لأنه تعالى قال: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاء الله ءَامِنِينَ  ﴾ الرابع: قال الضحاك: من حج حجة كان آمناً من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك.

واعلم أن طرق الكلام في جميع هذه الأجوبة شيء واحد، وهو أن قوله: ﴿ كَانَ ءَامِناً ﴾ حكم بثبوت الأمن وذلك يكفي في العمل به إثبات الأمن من وجه واحد وفي صورة واحدة فإذا حملناه على بعض هذه الوجوه فقد عملنا بمقتضى هذا النص فلا يبقى للنص دلالة على ما قالوه، ثم يتأكد ذلك بأن حمل النص على هذا الوجه لا يفضي إلى تخصيص النصوص الدالة على وجوب القصاص وحمله على ما قالوه يفضي إلى ذلك فكان قولنا أولى والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما ذكر فضائل البيت ومناقبه، أردفه بذكر إيجاب الحج وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ حَجَّ البيت ﴾ بكسر الحاء والباقون بفتحها، قيل الفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد وهما واحد في المعنى، وقيل هما جائزان مطلقاً في اللغة، مثل رطل ورطل، وبزر وبزر، وقيل المكسورة اسم للعمل والمفتوحة مصدر، وقال سيبويه: يجوز أن تكون المكسورة أيضاً مصدراً، كالذكر والعلم.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ وجوه: الأول: قال الزجاج: موضع ﴿ مِنْ ﴾ خفض على البدل من ﴿ الناس ﴾ والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت الثاني: قال الفرّاء إن نويت الاستئناف بمن كانت شرطاً وأسقط الجزاء لدلالة ما قبله عليه، والتقدير من استطاع إلى الحج سبيلاً فلله عليه حج البيت الثالث: قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون ﴿ مِنْ ﴾ في موضع رفع على معنى الترجمة للناس، كأنه قيل: من الناس الذين عليهم لله حج البيت؟

فقيل هم من استطاع إليه سبيلاً.

المسألة الثالثة: اتفق الأكثرون على أن الزاد والراحلة شرطان لحصول الاستطاعة، روى جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسّر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد والراحلة، وروى القفال عن جويبر عن الضحاك أنه قال: إذا كان شاباً صحيحاً ليس له مال فعليه أن يؤاجر نفسه حتى يقضي حجه فقال له قائل: أكلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت؟

فقال: لو كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه؟

قال: لا بل ينطلق إليه ولو حبواً، قال: فكذلك يجب عليه حج البيت، عن عكرمة أيضاً أنه قال: الاستطاعة هي صحة البدن، وإمكان المشي إذا لم يجد ما يركبه.

واعلم أن كل من كان صحيح البدن قادراً على المشي إذا لم يجد ما يركب فإنه يصدق عليه أنه يستطيع لذلك الفعل، فتخصيص هذه الاستطاعة بالزاد والراحلة ترك لظاهر اللفظ فلابد فيه من دليل منفصل، ولا يمكن التعويل في ذلك على الأخبار المروية في هذا الباب لأنها أخبار آحاد فلا يترك لأجلها ظاهر الكتاب لا سيما وقد طعن محمد بن جرير الطبري في رواة تلك الأخبار، وطعن فيها من وجه آخر، وهو أن حصول الزاد والراحلة لا يكفي في حصول الاستطاعة، فإنه يعتبر في حصول الاستطاعة صحة البدن وعدم الخوف في الطريق، وظاهر هذه الأخبار يقتضي أن لا يكون شيء من ذلك معتبراً، فصارت هذه الأخبار مطعوناً فيها من هذا الوجه بل يجب أن يعول في ذلك على ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ  ﴾ وقوله: ﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر  ﴾ .

المسألة الرابعة: احتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع قالوا لأن ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت ﴾ يعم المؤمن والكافر وعدم الإيمان لا يصلح معارضاً ومخصصاً لهذا العموم، لأن الدهري مكلف بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن الإيمان بالله الذي هو شرط صحة الإيمان بمحمد عليه السلام غير حاصل والمحدث مكلف بالصلاة مع أن الوضوء الذي هو شرط صحة الصلاة غير حاصل، فلم يكن عدم الشرط مانعاً من كونه مكلفاً بالمشروط، فكذا هاهنا والله أعلم.

المسألة الخامسة: احتج جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن الاستطاعة قبل الفعل، فقالوا: لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من لم يحج مستطيعاً للحج، ومن لم يكن مستطيعاً للحج لا يتناوله التكليف المذكور في هذه الآية فيلزم أن كل من لم يحج أن لا يصير مأموراً بالحج بسبب هذه الآية وذلك باطل بالاتفاق.

أجاب الأصحاب بأن هذا أيضاً لازم لهم، وذلك لأن القادر إما أن يصير مأموراً بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل أو بعد حصوله أما قبل حصول الداعي فمحال، لأن قبل حصول الداعي يمتنع حصول الفعل، فيكون التكليف به تكليف ما لا يطاق، وأما بعد حصول الداعي فالفعل يصير واجب الحصول، فلا يكون في التكليف به فائدة، وإذا كانت الاستطاعة منتفية في الحالين وجب أن لا يتوجه التكليف المذكور في هذه الآية على أحد.

المسألة السادسة: روي أنه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله أكتب الحج علينا في كل عام، ذكروا ذلك ثلاثاً، فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قال في الرابعة: لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها ولو لم تقوموا بها لكفرتم ألا فوادعوني ما وادعتكم وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا عنه فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة احتلافهم على أنبيائهم ثم احتج العلماء بهذا الخبر على أن الأمر لا يفيد التكرار من وجهين: الأول: أن الأمر ورد بالحج ولم يفد التكرار والثاني: أن الصحابة استفهموا أنه هل يوجب التكرار أم لا؟

ولو كانت هذه الصيغة تفيد التكرار لما احتاجوا إلى الاستفهام مع كونهم عالمين باللغة.

المسألة السابعة: استطاعة السبيل إلى الشيء عبارة عن إمكان الوصول، قال تعالى: ﴿ فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ  ﴾ وقال: ﴿ هَلْ إلى مَرَدّ مّن سَبِيلٍ  ﴾ وقال: ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ  ﴾ فيعتبر في حصول هذا الإمكان صحة البدن، وزوال خوف التلف من السبع أو العدو، وفقدان الطعام والشراب والقدرة على المال الذي يشتري به الزاد والراحلة وأن يقضي جميع الديون ويرد جميع الودائع، وإن وجب عليه الإنفاق على أحد لم يجب عليه الحج إلا إذا ترك من المال ما يكفيهم في المجيء والذهاب وتفاصيل هذا الباب مذكور في كتب الفقهاء والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: القول الأول: أنها كلام مستقل بنفسه ووعيد عام في حق كل من كفر بالله ولا تعلق له بما قبله.

القول الثاني: أنه متعلق بما قبله والقائلون بهذا القول منهم من حمله على تارك الحج ومنهم من حمله على من لم يعتقد وجوب الحج، أما الذين حملوه على تارك الحج فقد عولوا فيه على ظاهر الآية فإنه لما تقدم الأمر بالحج ثم أتبعه بقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ فهم منه أن هذا الكفر ليس إلا ترك ما تقدم الأمر به ثم إنهم أكدوا هذا الوجه بالأخبار، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً».

وعن أبي أمامة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يحج حجة الإسلام ولم تمنعه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائز فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً».

وعن سعيد بن جبير: لو مات جار لي وله ميسرة ولم يحج لم أصل عليه، فإن قيل: كيف يجوز الحكم عليه بالكفر بسبب ترك الحج؟

أجاب القفال رحمه الله تعالى عنه: يجوز أن يكون المراد منه التغليظ، أي قد قارب الكفر وعمل ما يعمله من كفر بالحج، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر  ﴾ أي كادت تبلغ ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام: «من ترك صلاة متعمداً فقد كفر».

وقوله عليه الصلاة والسلام: «من أتى امرأة حائضاً أو في دبرها فقد كفر».

وأما الأكثرون: فهم الذين حملوا هذا الوعيد على من ترك اعتقاد وجوب الحج، قال الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الأديان الستة المسلمين، والنصارى واليهود والصابئين والمجوس والمشركين فخطبهم وقال: إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس، وقالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نحجه، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين ﴾ وهذا القول هو الأقوى.

المسألة الثانية: اعلم أن تكليف الشرع في العبادات قسمان، منها ما يكون أصله معقولاً إلا أن تفاصيله لا تكون معقولة مثل الصلاة فإن أصلها معقول وهو تعظيم الله أما كيفية الصلاة فغير معقولة، وكذا الزكاة أصلها دفع حاجة الفقير وكيفيتها غير معقولة، والصوم أصله معقول، وهو قهر النفس وكيفيته غير معقولة، أما الحج فهو سفر إلى موضع معين على كيفيات مخصوصة، فالحكمة في كيفيات هذه العبادات غير معقولة وأصلها غير معلومة.

إذا عرفت هذا فنقول: قال المحققون إن الإتيان بهذا النوع من العبادة أدل على كمال العبودية والخضوع والانقياد من الإتيان بالنوع الأول، وذلك لأن الآتي بالنوع الأول يحتمل أنه إنما أتى به لما عرف بعقله من وجوه المنافع فيه، أما الآتي بالنوع الثاني فإنه لا يأتي به إلا لمجرد الانقياد والطاعة والعبودية، فلأجل هذا المعنى اشتمل الأمر بالحج في هذه الآية على أنواع كثيرة من التوكيد أحدها: قوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت ﴾ والمعنى أنه سبحانه لكونه إلها ألزم عبيده هذه الطاعة فيجب الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أو لم يعرفوا.

وثانيها: أنه ذكر ﴿ الناس ﴾ ثم أبدل منه ﴿ مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ وفيه ضربان من التأكيد، أما أولاً فلأن الإبدال تثنية للمراد وتكرير، وذلك يدل على شدة العناية، وأما ثانياً فلأنه أجمل أولاً وفصل ثانياً وذلك يدل على شدة الاهتمام.

وثالثها: أنه سبحانه عبّر عن هذا الوجوب بعبارتين إحداهما: لام الملك في قوله: ﴿ وَللَّهِ ﴾ وثانيتهما: كلمة ﴿ على ﴾ وهي للوجوب في قوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس ﴾ .

ورابعها: أن ظاهر اللفظ يقتضي إيجابه على كل إنسان يستطيعه، وتعميم التكليف يدل على شدة الاهتمام.

وخامسها: أنه قال: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ مكان، ومن لم يحج وهذا تغليظ شديد في حق تارك الحج.

وسادسها: ذكر الاستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان.

وسابعها: قوله: ﴿ عَنِ العالمين ﴾ ولم يقل عنه لأن المستغني عن كل العالمين أولى أن يكون مستغنياً عن ذلك الإنسان الواحد وعن طاعته، فكان ذلك أدل على السخط.

وثامنها: أن في أول الآية قال: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس ﴾ فبيّن أن هذا الإيجاب كان لمجرد عزة الإلهية وكبرياء الربوبية، لا لجر نفع ولا لدفع ضر، ثم أكد هذا في آخر الآية بقوله: ﴿ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين ﴾ ومما يدل من الأخبار على تأكيد الأمر بالحج، قوله عليه الصلاة والسلام: «حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالث».

وروي حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه قيل: معناه أنه يتعذر عليكم السفر في البر في مكة لعدم الأمن أو غيره، وعن ابن مسعود حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا هلكت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ صفة لبيت، والواضع هو الله عز وجلّ، تدل عليه قراءة من قرأ ﴿ وضع للناس ﴾ بتسمية الفاعل وهو الله.

ومعنى وضع الله بيتا للناس، أنه جعله متعبداً لهم، فكأنه قال: إن أوّل متعبد للناس الكعبة.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن أوّل مسجد وضع للناس فقال: «المسجد الحرام.

ثم بيت المقدس وسئل كم بينهما؟

قال: أربعون سنة» وعن عليّ رضي الله عنه أن رجلاً قال له: أهو أوّل بيت؟

قال: لا، قد كان قبله بيوت، ولكنه أوّل بيت وضع للناس مباركاً فيه الهدى والرحمة والبركة.

وأوّل من بناه إبراهيم ثم بناه قوم من العرب من جرهم ثم هدم فبنته العمالقة ثم هدم فبناه قريش.

وعن ابن عباس: هو أوّل بيت حُجَّ بعد الطوفان.

وقيل: هو أوّل بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض، خلقه قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض تحته.

وقيل: هو أوّل بيت بناه آدم في الأرض.

وقيل: لما هبط آدم قالت له الملائكة: طف حول هذا البيت فلقد طفنا قبلك بألفي عام، وكان في موضعه قبل آدم بيت يقال له: الضراح، فرفع في الطوفان إلى السماء الرابعة تطوف به ملائكة السموات ﴿ لَلَّذِى بِبَكَّةَ ﴾ البيت الذي ببكة، وهي عَلَمٌ للبلد الحرام، ومكة وبكة لغتان فيه، نحو قولهم: النبيط والنميط، في اسم موضع بالدهناء: ونحوه من الاعتقاب: أمر راتب وراتم.

وحمى مغمطة ومغبطة وقيل: مكة، البلد، وبكة: موضع المسجد.

وقيل اشتقاقها من (بكه) إذا زحمه لازدحام الناس فيها.

وعن قتادة: يَبُكُّ الناس بعضهم بعضاً الرجال والنساء، يصلي بعضهم بين يدي بعض، لا يصلح ذلك إلا بمكة كأنها سميت ببكة وهي الزحمة.

قال: إذَا الشَّرِيبُ أخذَتْهُ الأَكَّهْ ** فَخَلِّهِ حَتى يَبُكَّ بَكَّهْ وقيل: تبك أعناق الجبابرة أي تدقها.

لم يقصدها جبار إلا قصمه الله تعالى.

﴿ مُبَارَكاً ﴾ كثير الخير لما يحصل لمن حجه واعتمره وعكف عنده وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب، وانتصابه على الحال من المستكن في الظرف، لأن التقدير للذي ببكة هو، والعامل فيه المقدر في الظرف من فعل الاستقرار ﴿ وَهُدًى للعالمين ﴾ لأنه قبلتهم ومتعبدهم ﴿ مَّقَامِ إبراهيم ﴾ عطف بيان لقوله: ﴿ ءايات بينات فاسأل ﴾ .

فإن قلت: كيف صح بيان الجماعة بالواحد؟

قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله ونبوة إبراهيم من تأثير قدمه في حجر صلد، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً ﴾ [النحل: 120] والثاني: اشتماله على آيات لأنّ أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخر دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية لإبراهيم خاصة، وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف سنة آية.

ويجوز أن يراد فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله، لأنّ الاثنين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة.

ويجوز أن تذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما.

دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله، وكثير سواهما.

ونحوه في طيِّ الذكر قول جرير: كَانَتْ حَنِيفَةُ أثْلاَثاً فَثُلْثُهُمو ** مِنَ الْعَبِيدِ وَثُلْثٌ مِنْ مَوَالِيهَا ومنه قوله عليه السلام: «حبب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وقرة عيني في الصلاة» وقرأ ابن عباس وأبيّ ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة: ﴿ آية بينة ﴾ ، على التوحيد.

وفيها دليل على أنّ مقام إبراهيم واقع وحده عطف بيان.

فإن قلت: كيف أجزت أن يكون مقام إبراهيم والأمن عطف بيان للآيات؟

وقوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً ﴾ جملة مستأنفة إما ابتدائية وإما شرطية؟

قلت: أجزت ذلك من حيث المعنى، لأن قوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً ﴾ دلّ على أمن داخله، فكأنه قيل: فيه آيات بينات: مقام إبراهيم، وأمن داخله.

ألا ترى أنك لو قلت: فيه آية بينة، من دخله كان آمناً صحّ، لأنه في معنى قولك: فيه آية بينة، أمن من دخله.

فإن قلت: كيف كان سبب هذا الأثر؟

قلت: فيه قولان: أحدهما أنه لما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه.

وقيل: إنه جاء زائراً من الشام إلى مكة فقالت له امرأة إسماعيل: انزل حتى يغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه، ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر، فبقي أثر قدميه عليه.

ومعنى ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً ﴾ معنى قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ [العنكبوت: 67] وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام ﴿ رَبّ اجعل هذا البلد امِنًا ﴾ [البقرة: 126] وكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب.

وعن عمر رضي الله عنه «لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه» وعند أبي حنيفة: من لزمه القتل في الحل بقصاص أو ردّة أو زنى فالتجأ إلى الحرم لم يتعرض له، إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج.

وقيل: آمنا من النار.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا» .

وعنه عليه الصلاة والسلام: «الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة» وهما مقبرتا مكة والمدينة وعن ابن مسعود: وقف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ثنية الحجون وليس بها يومئذ مقبرة، فقال «يبعث الله من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر، يدخلون الجنة بغير حساب، يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر» وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من صبر على حرّ مكة ساعة من نهار، تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام» ﴿ مَنِ استطاع ﴾ بدل من الناس.

وروي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وكذا عن ابن عباس وابن عمر وعليه أكثر العلماء.

وعن ابن الزبير: هو على قدر القوّة.

ومذهب مالك أن الرجل إذا وثق بقوته لزمه.

وعنه: ذلك على قدر الطاقة، وقد يجد الزاد والراحلة من لا يقدر على السفر، وقد يقدر عليه من لا زاد له ولا راحلة، وعن الضحاك: إذا قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع.

وقيل له في ذلك فقال: إن كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه؟

بل كان ينطلق إليه ولو حبواً فكذلك يجب عليه الحج.

والضمير في ﴿ إِلَيْهِ ﴾ للبيت أو للحج.

وكلُّ مأتيّ إلى الشيء فهو سبيل إليه وفي هذا الكلام أنواع من التوكيد والتشديد؛ ومنها قوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت ﴾ يعني أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج من عهدته.

ومنها أنه ذكر الناس ثم أبدل عنه من استطاع إليه سبيلاً، وفيه ضربان من التأكيد: أحدهما أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له، والثاني أن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين.

ومنها قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ مكان ومن لم يحج تغليظاً على تارك الحج؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً» ونحوه من التغليط: «من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر» ومنها ذكر الاستغناء عنه وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان، ومنها قوله: ﴿ عَنِ العالمين ﴾ وإن لم يقل عنه، وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان، لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة، ولأنه يدل على الاستغناء الكامل فكان أدلّ على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه.

وعن سعيد بن المسيب نزلت في اليهود، فإنهم قالوا: الحج إلى مكة غير واجب وروى: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت ﴾ جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: «إن الله كتب عليكم الحج فحجوا» فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه، فنزل ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حجوا قبل أن لا تحجوا، فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة» وروي «حجوا قبل أن لا تحجوا، حجوا قبل أن يمنع البر جانبه» وعن ابن مسعود: حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت.

وعن عمر رضي الله عنه: لو ترك الناس الحج عاماً واحداً ما نوظروا وقرئ ﴿ حج البيت ﴾ بالكسر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ ﴾ كانْحِرافِ الطُّيُورِ عَنْ مُوازاةِ البَيْتِ عَلى مَدى الأعْصارِ، وأنَّ ضَوارِيَ السِّباعِ تُخالِطُ الصُّيُودَ في الحَرَمِ ولا تَتَعَرَّضُ لَها، وإنَّ كُلَّ جَبّارٍ قَصَدَهُ بِسُوءٍ قَهَرَهُ اللَّهُ كَأصْحابِ الفِيلِ.

والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِلْهُدى، أوْ حالٌ أُخْرى.

﴿ مَقامُ إبْراهِيمَ ﴾ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ خَبَرُهُ أيْ مِنها مَقامُ إبْراهِيمَ، أوْ بَدَلٌ مِن آياتٍ بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ.

وقِيلَ عَطْفُ بَيانٍ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآياتِ أثَرُ القَدَمِ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ وغَوْصُها فِيها إلى الكَعْبَيْنِ، وتَخْصِيصُها بِهَذِهِ الإلانَةِ مِن بَيْنَ الصِّخارِ وإبْقاؤُهُ دُونَ سائِرِ آثارِ الأنْبِياءِ وحِفْظِهِ مَعَ كَثْرَةِ أعْدائِهِ أُلُوفُ سَنَةٍ.

ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «آيَةٌ» بَيِّنَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ.

وسَبَبُ هَذا الأثَرِ أنَّهُ لَمّا ارْتَفَعَ بُنْيانُ الكَعْبَةِ قامَ عَلى هَذا الحَجَرِ لِيَتَمَكَّنَ مِن رَفْعِ الحِجارَةِ فَغاصَتْ فِيهِ قَدَماهُ.

﴿ وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ﴾ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، أوْ شَرْطِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى مَقامٍ لِأنَّهُ في مَعْنى أمِنَ مَن دَخَلَهُ أيْ ومِنها أمْنُ مَن دَخَلَهُ، أوْ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ وأمْنُ مَن دَخَلَهُ.

اقْتَصَرَ بِذِكْرِهِما مِنَ الآياتِ الكَثِيرَةِ وطَوى ذِكْرَ غَيْرِهِما كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكم ثَلاثٌ: الطِّيبُ والنِّساءُ وقُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ».» لِأنَّ فِيها غِنْيَةً عَنْ غَيْرِها في الدّارَيْنِ بَقاءَ الأثَرِ مَدى الدَّهْرِ والأمْنَ مِنَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن ماتَ في أحَدِ الحَرَمَيْنِ، بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ آمِنًا».» وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ مَن لَزِمَهُ القَتْلُ بِرِدَّةٍ أوْ قَصاصٍ أوْ غَيْرِهِما والتَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ ولَكِنْ أُلْجِئَ إلى الخُرُوجِ.

﴿ وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ ﴾ قَصْدُهُ لِلزِّيارَةِ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ حِجُّ بِالكَسْرِ وهو لُغَةُ نَجْدٍ.

﴿ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاسِ بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ مُخَصَّصٌ لَهُ، وقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ  الِاسْتِطاعَةَ «بِالزّادِ والرّاحِلَةِ» وهو يُؤَيِّدُ قَوْلَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنَّها بِالمالِ، ولِذَلِكَ أوْجَبَ الِاسْتِنابَةَ عَلى الزَّمَنِ إذا وجَدَ أُجْرَةَ مَن يَنُوبُ عَنْهُ.

وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى إنَّها بِالبَدَنِ فَيَجِبُ عَلى مَن قَدِرَ عَلى المَشْيِ والكَسْبِ في الطَّرِيقِ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى إنَّها بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ.

والضَّمِيرُ في إلَيْهِ لِلْبَيْتِ، أوِ الحَجِّ وكُلُّ ما أتى إلى الشَّيْءِ فَهو سَبِيلُهُ.

﴿ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ وضَعَ كَفَرَ مَوْضِعَ مَن لَمْ يَحُجَّ تَأْكِيدًا لِوُجُوبِهِ وتَغْلِيظًا عَلى تارِكِهِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ «مَن ماتَ ولَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إنْ شاءَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا».» وَقَدْ أُكِّدَ أمْرُ الحَجِّ في هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُوهٍ بِصِيغَةِ الخَبَرِ، وإبْرازِهِ في الصُّورَةِ الِاسْمِيَّةِ وإيرادِهِ عَلى وجْهٍ يُفِيدُ أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لِلَّهِ تَعالى في رِقابِ النّاسِ، وتَعْمِيمُ الحُكْمِ أوَّلًا ثُمَّ تَخْصِيصُهُ ثانِيًا فَإنَّهُ كَإيضاحٍ بَعْدَ إيهامٍ وتَثْنِيَةٍ وتَكْرِيرٍ لِلْمُرادِ، وتَسْمِيَةُ تَرْكِ الحَجِّ كُفْرًا مِن حَيْثُ إنَّهُ فِعْلُ الكَفَرَةِ، وذِكْرُ الِاسْتِغْناءِ فَإنَّهُ في هَذا المَوْضِعِ مِمّا يَدُلُّ عَلى المَقْتِ والخِذْلانِ وقَوْلُهُ: عَنِ العالَمِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِما فِيهِ مِن مُبالَغَةِ التَّعْمِيمِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِالبُرْهانِ والإشْعارِ بِعِظَمِ السُّخْطِ، لِأنَّهُ تَكْلِيفٌ شاقٌّ جامِعٌ بَيْنَ كَسْرِ النَّفْسِ وإتْعابِ البَدَنِ وصَرْفِ المالِ والتَّجَرُّدِ عَنِ الشَّهَواتِ والإقْبالِ عَلى اللَّهِ.

رُوِيَ « (أنَّهُ لَمّا نَزَلَ صَدْرُ الآيَةِ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ  أرْبابَ المِلَلِ فَخَطَبَهم وقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى: كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا فَآمَنَتْ بِهِ مِلَّةٌ واحِدَةٌ وكَفَرَتْ بِهِ خَمْسُ مِلَلٍ فَنَزَلَ ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ » <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فيه آيات بينات} علامات واضحات لا تلتبس على أحد {مَّقَامُ إبراهيم} عطف بيان لقوله آيات بينات وصح بيان الجماعة بالواحد لأنه وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهرور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله تعالى ونبوة إبراهيم عليه السلام من تأثير قدمه في حجر صلد أو لاشتماله على آيات لأن

أثر القدم في الصخرة الصماء آية وغوصه فيها إلى الكعبين آية وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية لإبراهيم خاصة على أن {ومن دخله كان آمنا} عطف بيان لآيات وإن كان جملة ابتدائية أو شرطية

آل عمران (٩٧)

من حيث المعنى لأنه يدل على أمن داخله فكأنه قيل فيه آيات بينات مقام لإبراهيم وأمن داخله والاثنان في معنى الجمع ويجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما لدلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن داخله وكثير سواهما نحوا نمحاق الأحجار مع كثرة الرماة وامتناع الطير من العلو عليه وغير ذلك ونحوه في طي الذكر قوله عليه السلام حبب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة فقرة عيني ليس من الثلاث بل هو ابتداء كلام لأنها ليست من الدنيا والثالث يطوى وكأنه عليه السلام ترك ذكر الثالث تنبيهاً على أنه لم يكن من شأنه أن يذكر شيئاً من الدنيا فذكر شيئاً هو من الدين وقيل في سبب هذا الأثر أنه لما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عليه السلام عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه وقيل إنه جاء زائراً من الشام إلى مكة فقالت له امرأة اسمعيل عليه السلام إِنزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه وأمان من دخله بدعوة إبراهيم عليه السلام رب اجعل هذا البلد آمنا وكان الرجل لوجنى كل جناية ثم التجأ إلى الحرم لم يطلب وعن عمر رضى الله عنه لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب مامسته حتى يخرج منه ومن لزمه الفتل فى الحل بقود اوردة أو زنا فالتجأ إلى الحرم لم يتعرض له إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج وقيل آمنا من النار لقوله عليه السلام من مات في أحد الحرمين بعث يوم

القيامة آمنا من النار وعنه عليه السلام الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة وهما مقبرتا مكة والمدينة وعنه عليه السلام من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} أي استقر له عليهم فرض الحج حج البيت كوفي غير أبي بكر وهو اسم وبالفتح مصدر وقيل هما لغتان في مصدر حج {منْ} في موضع جر على أنه بدل البعض من الكل {استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً} فسرها النبي عليه السلام بالزاد والراحلة والضمير في إليه للبيت أو للحج وكل مأتى إلى الشئ فهو سبيل إليه ولما نزل قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت} جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا فآمنت به ملة واحدة وهم

المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه فنزل {وَمَن كَفَرَ} أي جحد فرضية الحج وهو قول ابن عباس والحسن وعطاء ويجوز أن يكون من الكفران أي ومن لم يشكر ما أنعمت عليه من صحة الجسم وسعة الرزق ولم يحج {فإنّ الله غنيٌّ عن العالمين} مستغنٍ عنهم وعن طاعتهم وفي هذه الآية أنواع من التأكيد والتشديد منها اللام وعلى أي أنه حق واجب لله في رقاب الناس ومنها الابدال ففيه تنبيه للمراد وتكرير له ولأن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين ومنها قوله ومن كفر مكان ومن لم يحج تغليظاً على تاركي الحج ومنها ذكر

الاستغناء وذلك دليل على المقت والسخط ومنها قوله عن العالمين

آل عمران (٩٨ _ ١٠١)

وإن لم يقل عنه وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة ولأنه يدل على الاستغناء الكامل فكان أدل على عظيم السخط الذى وقع عبارة عنه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ ﴾ كَإهْلاكِ مَن قَصَدَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ بِسُوءٍ كَأصْحابِ الفِيلِ وغَيْرِهِمْ وعَدَمِ تَعَرُّضِ ضَوارِي السِّباعِ لِلصُّيُودِ فِيهِ، وعَدَمِ نَفْرَةِ الطَّيْرِ مِنَ النّاسِ هُناكَ، وإنَّ أيَّ رُكْنٍ مِنَ البَيْتِ وقَعَ الغَيْثُ في مُقابَلَتِهِ كانَ الخِصْبُ فِيما يَلِيهِ مِنَ البِلادِ، فَإذا وقَعَ في مُقابَلَةِ الرُّكْنِ اليَمانِي كانَ الخِصْبُ بِاليَمَنِ، وإذا كانَ في مُقابَلَةِ الرُّكْنِ الشّامِيِّ كانَ الخِصْبُ بِالشّامِ، وإذا عَمَّ البَيْتَ كانَ في جَمِيعِ البُلْدانِ، وكَقِلَّةِ الجَمَراتِ عَلى كَثْرَةِ الرُّماةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وعَدُّوا مِنهُ انْحِرافَ الطَّيْرِ عَنْ مُوازاتِهِ عَلى مَدى الأعْصارِ، وفِيهِ كَلامٌ لِلْمُحْدَثِينَ لِأنَّ مِنها ما يَعْلُوهُ، وقِيلَ: لا يَعْلُوهُ إلّا ما بِهِ عِلَّةٌ لِلِاسْتِشْفاءِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ العِقابَ عِلَّتُهُ لِأخْذِ الحَيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّيْرَ المُهْدَرَ دَمُها تَعْلُوهُ، والحَمامُ مَعَ كَثْرَتِهِ لا يَعْلُوهُ، وبِهِ جَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَ الكَلامَيْنِ - ومَعَ هَذا في القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ - فَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ النّاسِ أنَّهُ شاهَدَ أنَّ الطَّيْرَ مُطْلَقًا تَعْلُوهُ في بَعْضِ الأحايِينِ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ عَلى البَيْتِ، والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ وإلّا لَما صَحَّ عَدُّ هَذِهِ الآياتِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها بَيانًا وتَفْسِيرًا لِلْهُدى، وإمّا حالٌ أُخْرى، ولا بَأْسَ في تَرْكِ الواوِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَةِ الحالِيَّةِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ عَبْدُ القاهِرِ وغَيْرُهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في العالَمِينَ، والعامِلُ فِيهِ هُدًى، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( مُبارَكًا ) وهو العامِلُ فِيها، أوْ يَكُونُ صِفَةً لِهُدى كَما أنَّ العالَمِينَ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَقامُ إبْراهِيمَ ﴾ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ أيْ مِنها أوْ أحَدِها مَقامُ إبْراهِيمَ، واخْتارَ الحَلَبِيُّ الأخِيرَ، وقِيلَ: بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ وإلَيْهِ ذَهَبٌ أبُو مُسْلِمٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ، وصَحَّ بَيانُ الجَمْعِ بِالمُفْرَدِ بِناءً عَلى اشْتِمالِ المَقامِ عَلى آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِأنَّ أثَرَ القَدَمَيْنِ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ آيَةٌ، وغَوْصَهُما فِيها إلى الكَعْبَيْنِ آيَةٌ، وإلانَةَ بَعْضِ هَذا النَّوْعِ دُونَ بَعْضٍ آيَةٌ، وإبْقاءَهُ عَلى مَمَرِّ الزَّمانِ آيَةٌ، وحِفْظَهُ مِنَ الأعْداءِ آيَةٌ، أوْ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الواحِدَةَ لِظُهُورِ شَأْنِها وقُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ونُبُوَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ آياتٍ كَثِيرَةٍ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ ) بِالتَّوْحِيدِ، وفِيهِ أنَّ هَذا وإنْ ساغَ مَعْنًى إلّا أنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ ( آياتٌ ) نَكِرَةٌ، و( مَقامُ إبْراهِيمَ ) مَعْرِفَةٌ، وقَدْ صَرَّحَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّخالُفُ في عَطْفِ البَيانِ بِإجْماعِ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ، ثُمَّ إنَّ سَبَبَ هَذا الأثَرِ في هَذا المَقامِ ما ورَدَ في الأثَرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ لَمّا ارْتَفَعَ بُنْيانُ الكَعْبَةِ قامَ عَلى هَذا الحَجَرِ لِيَتَمَكَّنَ مِن رَفْعِ الحِجارَةِ فَغاصَتْ فِيهِ قَدَماهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرُ ذَلِكَ في ذَلِكَ أيْضًا ﴿ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ﴾ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى مَقامِ إبْراهِيمَ بِمَعْنى الحَرَمِ كُلِّهِ عَلى ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ لا مَوْضِعَ القَدَمَيْنِ فَقَطْ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِخْدامٌ.

وقالَ الجَصّاصُ: أوْرَدَ الآياتِ المَذْكُوراتِ في الحَرَمِ ثُمَّ قالَ: ﴿ ومَن دَخَلَهُ ﴾ إلَخْ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمِيعَ الحَرَمِ، والجُمْلَةُ إمّا ابْتِدائِيَّةٌ ولَيْسَتْ بِشَرْطِيَّةٍ، وإمّا شَرْطِيَّةٌ عَطْفٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى ( مَقامُ ) لِأنَّهُ في المَعْنى أمْنُ مَن دَخَلَهُ أيْ ومِنها أوْ ثانِيها أمْنُ مَن دَخَلَهُ أوْ - فِيهِ آياتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ - وأمْنُ مَن دَخَلَهُ وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى ما تُكَلِّفَ في تَوْجِيهِ الجَمْعِيَّةِ؛ لِأنَّ الآيَتَيْنِ نَوْعٌ مِنَ الجُمْلَةِ كالثَّلاثَةِ والأرْبَعَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ هاتانِ الآيَتانِ ويُطْوى ذِكْرُ غَيْرِهِما دَلالَةٌ عَلى تَكاثُرِ الآياتِ، ومِثْلُ هَذا الطَّيِّ واقِعٌ في الأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ والأشْعارِ العَرَبِيَّةِ، فالأوَّلُ كَرِوايَةِ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكم ثَلاثٌ: الطِّيبُ والنِّساءُ وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» .

عَلى ما هو الشّائِعُ، وإنْ صَحَّحُوا عَدَمَ ذِكْرِ ثَلاثٍ، وأمّا الثّانِي فَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: كانَتْ حَنِيفَةُ (أثْلاثًا) فَثُلْثُهم مِنَ العَبِيدِ (وثُلْثٌ مِن مَوالِيها ) و( مَن ) إمّا لِلْعُقَلاءِ أوْ لَهم ولِغَيْرِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ لِأنَّهُ يَأْمَنُ فِيهِ الوَحْشَ والطَّيْرَ بَلْ والنَّباتَ، فَحِينَئِذٍ يُرادُ بِالأمْنِ ما يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلى الجَمِيعِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأمْنِ الأمْنُ في الدُّنْيا مِن نَحْوِ القَتْلِ والقَطْعِ وسائِرِ العُقُوباتِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ ثُمَّ يَدْخُلُ الحَرَمَ فَيْلَقاهُ ابْنُ المَقْتُولِ أوْ أبُوهُ فَلا يُحَرِّكُهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: لَوْ وجَدْتُ فِيهِ قاتِلَ الخَطّابِ ما مَسِسْتُهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِهِ أنَّهُ قالَ: لَوْ وجَدْتُ قاتِلَ عُمَرَ في الحَرَمِ ما هِجْتُهُ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ وجَدْتُ قاتِلَ أبِي في الحَرَمِ لَمْ أتَعَرَّضْ لَهُ.

ومَذْهَبُهُ في ذَلِكَ أنَّ مَن قَتَلَ أوْ سَرَقَ في الحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الحَرَمَ فَإنَّهُ لا يُجالَسُ ولا يُكَلَّمُ ولا يُؤْذى، ولَكِنَّهُ يُناشَدُ حَتّى يَخْرُجَ فَيُؤْخَذَ فَيُقامَ عَلَيْهِ ما جَرَّ، فَإنْ قَتَلَ أوْ سَرَقَ في الحَرَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ في الحَرَمِ، والرِّواياتُ عَنْهُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الأقْوالِ في المَسْألَةِ، وأمّا أنْ يُرادَ بِهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الأمْنُ في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ أنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا مِنَ النّارِ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن دَخَلَ البَيْتَ دَخَلَ في حَسَنَةٍ، وخَرَجَ مِن سَيِّئَةٍ مَغْفُورًا لَهُ»، ورُوِيَ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «مَن ماتَ في أحَدِ الحَرَمَيْنِ بُعِثَ مِنَ الآمَنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ»، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: مَن قُبِرَ بِمَكَّةَ مُسْلِمًا بُعِثَ آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ، ويَجُوزُ إرادَةُ العُمُومِ بِأنْ يُفَسَّرَ بِالأمْنِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَعَلَّهُ الظّاهِرُ مِن إطْلاقِ اللَّفْظِ.

﴿ ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ ﴾ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ المُبْتَدَأُ فِيها حِجُّ والخَبَرُ ( لِلَّهِ ) و( عَلى النّاسِ ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( عَلى النّاسِ ) خَبَرًا و( لِلَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِ في النّاسِ لِأنَّ العامِلَ في الحالِ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنًى، والحالُ لا يَتَقَدَّمُ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وجَوَّزَهُ ابْنُ مالِكٍ إذا كانَ الحالُ ظَرْفًا أوْ حَرْفَ جَرٍّ وعامِلُهُ كَذَلِكَ بِخِلافِ الظَّرْفِ وحَرْفِ الجَرِّ فَإنَّهُما لا يَتَقَدَّمانِ عَلى عامِلِهِما المَعْنَوِيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَرْتَفِعَ الحَجُّ بِالجارِّ الأوَّلِ أوِ الثّانِي وهو في اللُّغَةِ مُطْلَقُ القَصْدِ أوْ كَثْرَتُهُ إلى مَن يُعَظِّمُ، والمُرادُ بِهِ هُنا قَصْدٌ مَخْصُوصٌ غَلَبَ فِيهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، وألْ في البَيْتِ لِلْعَهْدِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ( حِجُّ ) بِالكَسْرِ كَعِلْمٍ وهو لُغَةُ نَجْدٍ ﴿ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاسِ بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ والضَّمِيرُ في البَدَلِ مُقَدَّرٌ أيْ مِنهم، وقِيلَ: بَدَلُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ خاصٌّ ولا يَحْتاجُ إلى ضَمِيرٍ، وقِيلَ: خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هم مَنِ اسْتَطاعَ أوِ الواجِبُ عَلَيْهِ مَنِ اسْتَطاعَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ أعْنِي أعْنِي، وأنْ يَكُونَ فاعِلُ المَصْدَرِ وهو مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ أيْ - ولِلَّهِ عَلى النّاسِ أنَّ يَحُجَّ مَنِ اسْتَطاعَ مِنهُمُ البَيْتَ - وفِيهِ مُناقَشَةٌ مَشْهُورَةٌ و( مَن ) عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ مَوْصُولَةٌ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والجَزاءُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، أوْ هو نَفْسُهُ عَلى الخِلافِ المُقَرَّرِ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ، ولا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ مِن جُمْلَةِ الشَّرْطِ ( عَلى النّاسِ ) والتَّقْدِيرُ مَنِ اسْتَطاعَ مِنهم إلَيْهِ سَبِيلًا فَلِلَّهِ عَلَيْهِ أنَّ يَحُجَّ، ويَتَرَجَّحُ هَذا بِمُقابَلَتِهِ بِالشَّرْطِ بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْبَيْتِ أوْ لِلْحَجِّ لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِالسَّبِيلِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الإفْضاءِ، وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ، والِاسْتِطاعَةُ في الأصْلِ اسْتِدْعاءُ طَواعِيَةِ الفِعْلِ وتَأتِّيهِ، والمُرادُ بِالِاسْتِدْعاءِ الإرادَةُ وهي تَقْتَضِي القُدْرَةُ فَأُطْلِقَتْ عَلى القُدْرَةِ مُطْلَقًا أوْ بِسُهُولَةٍ فَهي أخَصُّ مِنها وهو المُرادُ هُنا، وسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والقُدْرَةُ إمّا بِالبَدَنِ أوْ بِالمالِ أوْ بِهِما، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ فَيَجِبُ الحَجُّ عِنْدَهُ عَلى مَن قَدَرَ عَلى المَشْيِ والكَسْبِ في الطَّرِيقِ، وإلى الثّانِي ذَهَبَ الإمامُ الشّافِعِيُّ، ولِذا أوْجَبَ الِاسْتِنابَةَ عَلى الزَّمِنِ إذا وجَدَ أُجْرَةَ مَن يَنُوبُ عَنْهُ، وإلى الثّالِثِ ذَهَبَ إمامُنا الأعْظَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: السَّبِيلُ أنْ يَصِحَّ بَدَنُ العَبْدِ ويَكُونَ لَهُ ثَمَنَ زادٍ وراحِلَةٍ مِن غَيْرِ أنْ يُجْحَفَ بِهِ.

واسْتَدَلَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِما أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ قامَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما السَّبِيلُ ؟

قالَ: الزّادُ والرّاحِلَةُ».

ورُوِيَ هَذا مِن طُرُقٍ شَتّى وهو ظاهِرٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ حَيْثُ قَصَرَ الِاسْتِطاعَةَ عَلى المالِيَّةِ دُونَ البَدَنِيَّةِ، وهو مُخالِفٌ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ مالِكٌ مُخالَفَةً ظاهِرَةً، وأمّا إمامُنا فَيُؤَوِّلُ ما وقَعَ فِيهِ بِأنَّهُ بَيانٌ لِبَعْضِ شُرُوطِ الِاسْتِطاعَةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ فُقِدَ أمْنُ الطَّرِيقِ مَثَلًا لَمْ يَجِبِ الحَجُّ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِصِحَّةِ البَدَنِ لِظُهُورِ الأمْرِ، كَيْفَ لا والمُفَسَّرُ في الحَقِيقَةِ هو السَّبِيلُ المُوَصِّلُ لِنَفْسِ المُسْتَطِيعِ إلى البَيْتِ، وذا لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الصِّحَّةِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنَّ ما في الحَدِيثِ بَيانٌ لِبَعْضِ الشُّرُوطِ أنَّهُ ورَدَ في بَعْضِ الرِّواياتِ الِاقْتِصارُ عَلى واحِدٍ مِمّا فِيهِ، فَقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ السَّبِيلِ فَقالَ: أنْ تَجِدَ ظَهْرَ بَعِيرٍ» ولَمْ يَذْكُرِ الزّادَ.

هَذا واسْتُدِّلَ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ، وفَسادُ القَوْلِ بِأنَّها مَعَهُ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ ظاهِرٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ الِاسْتِطاعَةَ الَّتِي نَدَّعِي أنَّها مَعَ الفِعْلِ هي حَقِيقَةُ القُدْرَةِ الَّتِي يَكُونُ بِها الفِعْلُ وتُطْلَقُ الِاسْتِطاعَةُ عَلى مَعْنًى آخَرَ هو سَلامَةُ الأسْبابِ والآلاتِ والجَوارِحِ، أيْ كَوْنُ المُكَلَّفِ بِحَيْثُ سَلِمَتْ أسْبابُهُ وآلاتُهُ وجَوارِحُهُ، ولا نِزاعَ لَنا في أنَّ هَذِهِ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ وهي مَناطُ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ، وما في الآيَةِ بِهَذا المَعْنى كَذا قالُوا.

وتَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ عَلى ما قالُوا: إنَّ المَشْهُورَ عَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّ القُدْرَةَ مَعَ الفِعْلِ بِمَعْنى أنَّها تُوجَدُ حالَ حُدُوثِهِ وتَتَعَلَّقُ بِهِ في هَذِهِ الحالِ، ولا تُوجَدُ قَبْلَهُ فَضْلًا عَنْ تَعَلُّقِها بِهِ، ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ كالنَّجّارِ ومُحَمَّدِ بْنِ عِيسى وابْنِ الرّاوَنْدِيِّ وأبِي عِيسى الوَرّاقِ وغَيْرِهِمْ، وقالَ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ: القُدْرَةُ قَبْلَ الفِعْلِ، وتَتَعَلَّقُ بِهِ حِينَئِذٍ، ويَسْتَحِيلُ تَعَلُّقُها بِهِ قَبْلَ حُدُوثِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في بَقاءِ القُدْرَةِ فَمِنهم مَن قالَ: بِبَقائِها حالَ وُجُودِ الفِعْلِ، وإنْ لَمْ تَكُنِ القُدْرَةُ الباقِيَةُ قُدْرَةً عَلَيْهِ، ومِنهم مَن نَفاهُ، ودَلِيلُهم عَلى ذَلِكَ وُجُوهٌ.

الأوَّلُ: أنَّ تَعَلُّقَ القُدْرَةِ بِالفِعْلِ مَعْناهُ الإيجادُ، وإيجادُ المَوْجُودِ مُحالٌ لِأنَّهُ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الإيجادُ قَبْلَ الوُجُودِ، ولِهَذا صَحَّ أنْ يُقالَ: أوْجَدَهُ فَوُجِدَ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ القُدْرَةَ الحادِثَةَ مُؤَثِّرَةٌ وهو مَمْنُوعٌ، وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ يُقالُ: إيجادُ المَوْجُودِ بِذَلِكَ الوُجُودِ الَّذِي هو أثَرُ ذَلِكَ الإيجادِ جائِزٌ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوُجُودُ الَّذِي هو بِهِ مَوْجُودٌ في زَمانِ الإيجادِ مُسْتَنِدًا إلى المُوجِدِ ومُتَفَرِّعًا عَلى إيجادِهِ، والمُسْتَحِيلُ هو إيجادُ المَوْجُودِ بِوُجُودِ آخَرَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ التَّأْثِيرَ مَعَ حُصُولِ الأثَرِ بِحَسَبِ الزَّمانِ وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ الذّاتِ وهَذا التَّقَدُّمِ هو المُصَحِّحُ لِاسْتِعْمالِ الفاءِ بَيْنَهُما.

الثّانِي: إنْ جازَ تَعَلُّقُ القُدْرَةِ حالَ الحُدُوثِ يَلْزَمُ القُدْرَةَ عَلى الباقِي حالَ بَقائِهِ والتّالِي باطِلٌ، بَيانُ المُلازِمَةِ أنَّ المانِعَ مِن تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ لَيْسَ إلّا كَوْنُهُ مُتَحَقِّقُ الوُجُودِ، والحادِثُ حالَ حُدُوثِهِ مُتَحَقِّقُ الوُجُودِ أيْضًا، وأُجِيبَ بِأنّا نَلْتَزِمُهُ لِدَوامِ وجُودِهِ بِدَوامِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ أوْ نُفَرِّقُ بِما يَبْطُلُ بِهِ المُلازَمَةُ مِنِ احْتِياجِ المَوْجُودِ عَنْ عَدَمِهِ إلى المُقْتَضِي دُونَ الباقِي، فَلَوْ لَمْ تَتَعَلَّقِ القُدْرَةُ بِالأوَّلِ لَبَقِيَ عَلى عَدَمِهِ، وقَدْ فَرَضَ وُجُودُهُ هَذا خُلْفً، ولَوْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِالثّانِي لَبَقِيَ عَلى الوُجُودِ وهو المُطابِقُ لِلْواقِعِ، أوْ نَنْقُضُ الدَّلِيلَ أوَّلًا بِتَأْثِيرِ العِلْمِ أوِ العالَمِيَّةِ بِالِاتِّفاقِ، فَإنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ حالَ حُدُوثِ الفِعْلِ دُونَ بَقائِهِ، وثانِيًا بِتَأْثِيرِ الفِعْلِ في كَوْنِ الفاعِلِ فاعِلًا، فَإنَّ الفِعْلَ مُؤَثِّرٌ في ذَلِكَ حالَ الحُدُوثِ، وبِتَقْدِيرِ كَوْنِ الفِعْلِ باقِيًا لا يُؤَثِّرُ حالَ البَقاءِ، وثالِثًا بِمُقارَنَةِ الإرادَةِ إذْ يُوجِبُونَها حالَ الحُدُوثِ دُونَ البَقاءِ فَكَذا الحالُ في القُدْرَةِ.

الثّالِثُ: أنَّ كَوْنَ القُدْرَةِ مَعَ الفِعْلِ يُوجِبُ حُدُوثَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ قِدَمَ مَقْدُورِهِ، وكِلاهُما باطِلانِ، بَلْ قُدْرَتُهُ أزَلِيَّةٌ وتَعَلُّقُها في الأزَلِ بِمَقْدُوراتِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ تَعَلُّقُ القُدْرَةِ بِمَقْدُوراتِها قَبْلَ الحُدُوثِ، ولَوْ كانَ مُمْتَنِعًا في القُدْرَةِ الحادِثَةِ لَكانَ مُمْتَنِعًا في القُدْرَةِ القَدِيمَةِ ولَيْسَ فَلَيْسَ، وأُجِيبَ بِأنَّ القُدْرَةَ القَدِيمَةَ الباقِيَةَ مُخالِفَةٌ في الماهِيَّةِ لِلْقُدْرَةِ الحادِثَةِ الَّتِي لا يَجُوزُ بَقاؤُها عِنْدَنا، فَلا يَلْزَمُ مِن جَوازِ تَقَدُّمِها عَلى الفِعْلِ جَوازُ تَقَدُّمِ الحادِثَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ القَدِيمَةَ مُتَعَلِّقَةٌ في الأزَلِ بِالفِعْلِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وُجُودُ الفِعْلِ، ولَها تَعَلُّقٌ آخَرُ بِهِ حالَ حُدُوثِهِ مُوجِبٌ لِوُجُودِهِ فَلا يَلْزَمُ مِن قِدَمِها مَعَ تَعَلُّقِها المَعْنَوِيِّ قِدَمُ آثارِها.

الرّابِعُ: أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أنْ لا يَكُونَ الكافِرُ في زَمانِ كُفْرِهِ مُكَلَّفًا بِالإيمانِ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ في تِلْكَ الحالَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ بَلْ نَقُولُ: يَلْزَمُ أنْ لا يُتَصَوَّرَ عِصْيانٌ مِن أحَدٍ إذْ مَعَ الفِعْلِ لا عِصْيانَ، وبِدُونِهِ لا قُدْرَةَ، فَلا تَكْلِيفَ فَلا عِصْيانَ، وأيْضًا أقْوى أعْذارِ المُكَلَّفِ الَّتِي يَجِبُ قَبُولُها لِدَفْعِ المُؤاخَذَةِ عَنْهُ هو كَوْنُ ما كُلِّفَ بِهِ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى الفِعْلِ قَبْلَهُ وجَبَ رَفْعُ المُؤاخَذَةِ عَنْهُ بِعَدَمِ الفِعْلِ المُكَلَّفِ بِهِ وهو باطِلٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، وأيْضًا لَوْ جازَ تَكْلِيفُ الكافِرِ بِالإيمانِ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَقْدُورٍ لَهُ فَلْيَجُزْ تَكْلِيفُهُ بِخَلْقِ الجَواهِرِ والإعْراضِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ تَكْلِيفُ المُحالِ عِنْدَنا فَيَلْتَزِمُ جَوازَ التَّكْلِيفِ بِالخَلْقِ المَذْكُورِ، ولَنا أنْ نُفَرِّقَ بِأنَّ تَرْكَ الإيمانِ إنَّما هو بِقُدْرَتِهِ بِخِلافِ عَدَمِ الجَواهِرِ والإعْراضِ، فَإنَّهُ لَيْسَ مَقْدُورًا لَهُ أصْلًا فَلا يَلْزَمُ مِن جَوازِ التَّكْلِيفِ بِالإيمانِ جَوازُ التَّكْلِيفِ بِخَلْقِها، وبِالجُمْلَةِ فَكَوْنُ الشَّيْءِ مَقْدُورًا الَّذِي هو شَرْطُ التَّكْلِيفِ عِنْدَنا أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ أوْ ضِدُّهُ مُتَعَلِّقًا لِلْقُدْرَةِ، وهَذا حاصِلٌ في الإيمانِ لِأنَّ تَرْكَهُ لِتَلَبُّسِهِ بِضِدِّهِ مَقْدُورٌ لَهُ حالَ كُفْرِهِ بِخِلافِ إحْداثِ الجَواهِرِ والأعْراضِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ أصْلًا لا فِعْلًا ولا تَرْكًا، فَلا يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ، وأمّا ما ذُكِرَ مِن قَضِيَّةِ الأعْذارِ ووُجُوبِ قَبُولِها فَمَبْنِيٌّ عَلى قاعِدَةِ التَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ العَقْلِيَّيْنِ، وقَدْ أُقِيمَتِ الأدِلَّةُ عَلى بُطْلانِهِما في مَحَلِّهِ كَذا في المَواقِفِ وشَرْحِهِ.

ودَلِيلُ ما شاعَ عَنِ الأشْعَرِيِّ قِيلَ: هو أنَّ القُدْرَةَ عَرْضٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في الحَيَوانِ يَفْعَلُ بِهِ الأفْعالَ الِاخْتِيارِيَّةَ، فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ مُقارَنَةً لِلْفِعْلِ بِالزَّمانِ لا سابِقَةً عَلَيْهِ، وإلّا لَزِمَ وُقُوعُ الفِعْلِ بِلا قُدْرَةٍ لِما بَرْهَنَ عَلَيْهِ مِنِ امْتِناعِ بَقاءِ الأعْراضِ؛ واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِما في أدِلَّةِ امْتِناعِ بَقاءِ الأعْراضِ مِنَ النَّظَرِ القَوِيِّ، وأنَّهُ قَدْ يُقالُ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الِامْتِناعِ المَذْكُورِ لا نِزاعَ في إمْكانِ تَجَدُّدِ الأمْثالِ عَقِيبَ الزَّوالِ، فَمِن أيْنَ يَلْزَمُ وُقُوعُ الفِعْلِ بِدُونِ القُدْرَةِ ؟

وأُجِيبَ بِأنّا إنَّما نَدَّعِي لُزُومَ ذَلِكَ إذا كانَتِ القُدْرَةُ الَّتِي بِها الفِعْلُ هي القُدْرَةُ السّابِقَةُ، وأمّا إذا جَعَلْتُمُوها المِثْلَ المُتَجَدِّدَ المُقارَنَ فَقَدِ اعْتَرَفْتُمْ بِأنَّ القُدْرَةَ الَّتِي بِها الفِعْلُ لا تَكُونُ إلّا مُقارَنَةً، ثُمَّ إنِ ادْعَيْتُمْ أنَّهُ لا بُدَّ لَها مِن أمْثالٍ تَقَعُ حَتّى لا يُمْكِنَ الفِعْلُ بِأوَّلِ ما يَحْدُثُ مِنَ القُدْرَةِ فَعَلَيْكُمُ البَيانُ.

وفِيهِ أنَّ هَذا قَوْلٌ بِأنَّ نَفْيَ وُجُودِ المِثْلِ السّابِقِ لَيْسَ داخِلًا في دَعْوى الأشْعَرِيِّ وهو خِلافُ ما عُلِمَ مِمّا تَقَدَّمَ في تَقْرِيرِ مَذْهَبِهِ، وذَكَرَ في المَواقِفِ دَلِيلًا آخَرَ لِلْأشْعَرِيِّ عَلى ما ادَّعاهُ ونَظَرَ فِيهِ أيْضًا - هَذا كَلامُهم - والحَقُّ عِنْدِي في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ هو القُوَّةُ الَّتِي تَصِيرُ مُؤَثِّرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ انْضِمامِ الإرادَةِ التّابِعَةِ لِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ وإيضاحُهُ أنَّهُ تَعالى كَما أنَّهُ غَنِيٌّ بِالذّاتِ عَنِ العالَمِينَ كَذَلِكَ حَكِيمٌ جَوادٌ، وكَما أنَّ غِناهُ الذّاتِيَّ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ كَذَلِكَ مُقْتَضى جُودِهِ ورَحْمَتِهِ مُراعاةً ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ كَما أشارَ إلَيْهِ العَضُدُ في عُيُونِ الجَواهِرِ، وأطالَ الكَلامَ فِيهِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ في شِفاءِ العَلِيلِ.

ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحِكْمَةَ لا تَقْتَضِي أنْ يُؤْمَرَ بِالفِعْلِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِثالِ ويُنْهِي عَنْهُ مَن لا يَقْدِرُ عَلى الِاجْتِنابِ، فَلا بُدَّ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ الَّتِي رَعاها سُبْحانَهُ فِيما خَلَقَ وأمَرَ فَضْلًا ورَحْمَةً أنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الوُسْعِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ هو القُوَّةَ الَّتِي تَصِيرُ مُؤَثِّرَةً إذا انْضَمَّ إلَيْها الإرادَةُ، وهَذِهِ قَبْلَ الفِعْلِ والقُدْرَةِ الَّتِي هي مَعَ الفِعْلِ هي القُدْرَةُ المُسْتَجْمِعَةُ لِشَرائِطِ التَّأْثِيرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها انْضِمامُ الإرادَةِ إلَيْها، وبِهَذا جَمَعَ الإمامُ الرّازِيُّ - كَما في المَواقِفِ - بَيْنَ مَذْهَبِ الأشْعَرِيِّ القائِلِ بِأنَّ القُدْرَةَ مَعَ الفِعْلِ، والمُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّها قَبْلَهُ، وقالَ: لَعَلَّ الأشْعَرِيَّ أرادَ بِالقُدْرَةِ القُوَّةَ المُسْتَجْمِعَةَ لِشَرائِطِ التَّأْثِيرِ فَلِذَلِكَ حَكَمَ بِأنَّها مَعَ الفِعْلِ وأنَّها لا تَتَعَلَّقُ بِالضِّدَّيْنِ، والمُعْتَزِلَةَ أرادُوا بِالقُدْرَةِ مُجَرَّدَ القُوَّةِ العَضَلِيَّةِ فَلِذَلِكَ قالُوا بِوُجُودِها قَبْلَ الفِعْلِ وتَعَلُّقِها بِالأُمُورِ المُتَضادَّةِ، وهو جَمْعٌ صَحِيحٌ، وقَوْلُ السَّيِّدِ قُدِّسَ سِرُّهُ - في تَوْجِيهِ البَحْثِ الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ المَواقِفِ فِيهِ بِأنَّ القُدْرَةَ الحادِثَةَ لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً عِنْدَ الشَّيْخِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ بِالقُدْرَةِ القُوَّةَ المُسْتَجْمِعَةَ لِشَرائِطِ التَّأْثِيرِ - مَدْفُوعٌ بِما تَبَيَّنَ في الإبانَةِ الَّتِي هي آخِرُ مُصَنَّفاتِهِ.

والمُعْتَمَدِ مِن كُتُبِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَساكِرَ والمُجِدُّ بْنُ تَيْمِيَّةَ وغَيْرُهُما أنَّ الشَّيْخَ قائِلٌ بِالتَّأْثِيرِ لِلْقُدْرَةِ المُسْتَجْمِعَةِ لِلشَّرائِطِ لَكِنْ لا اسْتِقْلالًا كَما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، بَلْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وهو مَعْنى الكَسْبِ عِنْدَهُ، وأمّا قَوْلُهُ في شَرْحِ المَواقِفِ: إنَّ أفْعالَ العِبادِ الِاخْتِيارِيَّةَ واقِعَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَها لَيْسَ لِقُدْرَتِهِمْ تَأْثِيرٌ فِيها بَلِ اللَّهُ تَعالى أجْرى عادَتَهُ بِأنْ يُوجِدَ في العَبْدِ قُدْرَةً واخْتِيارًا، فَإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ مانِعٌ أوْجَدَ فِيهِ فِعْلَهُ المَقْدُورَ مُقارِنًا لَهُما، فَيَكُونُ فِعْلُ العَبْدِ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى إبْداعًا وإحْداثًا ومَكْسُوبًا لِلْعَبْدِ، والمُرادُ بِكَسْبِهِ إيّاهُ مُقارَنَتُهُ لِقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ مِنهُ تَأْثِيرٌ ومَدْخَلٌ في وُجُودِهِ سِوى كَوْنِهِ مَحَلًّا لَهُ، وهو مَذْهَبُ الشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ فَفِيهِ بَحْثٌ مِن وُجُوهٍ.

( أمّا أوَّلًا ) فَلِأنَّ هَذا لَيْسَ مَذْهَبَ الشَّيْخِ المَذْكُورِ في آخِرِ تَصانِيفِهِ الَّتِي اسْتَقَرَّ عَلَيْها الِاعْتِمادُ، وذِكْرُهُ في غَيْرِهِ إنْ سُلِّمَ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ مَرْجُوحًا مَرْجُوعًا عَنْهُ.

( وأمّا ثانِيًا ) فَلِأنَّ التَّكْلِيفَ في صَرائِحِ الكِتابِ والسُّنَّةِ إنَّما تَعَلَّقَ أمْرًا أوْ نَهْيًا بِالأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ أنْفُسِها لا بِمُقارَنَةِ القُدْرَةِ والإرادَةِ لَها، فَمَكْسُوبُ العَبْدِ نَفْسُ الفِعْلِ الِاخْتِيارِيِّ، والمُرادُ بِكَسْبِهِ إيّاهُ تَحْصِيلُهُ إيّاهُ بِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا مُسْتَقِلًّا، فالقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِكَسْبِ العَبْدِ لِلْفِعْلِ هو مُقارَنَةُ الفِعْلِ لِقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ لا يُوافِقُ ما اقْتَضاهُ صَرائِحُ الكِتابِ والسُّنَّةِ ونُصُوصُ الإبانَةِ، ويَزِيدُهُ وُضُوحًا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ ﴿ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ ﴾ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ جَثَوْا عَلى الرُّكَبِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ؛ الصَّلاةَ والصِّيامَ والجِهادَ والصَّدَقَةَ، وقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ ولا نُطِيقُها» .

الحَدِيثَ.

فَإنَّهُ صَرِيحٌ بِأنَّ الَّذِي كُلِّفُوا بِهِ ما يُطِيقُونَهُ مِن نَفْسِ الأعْمالِ وهو نَفْسُ الصَّلاةِ وأخَواتِها لا مُقارَنَتُها لِقُدْرَتِهِمْ وإرادَتِهِمْ، وأقَرَّهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ذَلِكَ.

( وأما ثالِثًا ) فَلِأنَّ مُقارَنَةَ الفِعْلِ لِقُدْرَةِ العَبْدِ وإرادَتِهِ لَوْ كانَتْ هي الكَسْبَ لَكانَتْ هي المُكَلَّفَ بِها، ولَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَكانَ التَّكْلِيفُ بِما لا يُطاقُ واقِعًا؛ لِأنَّ المُقارَنَةَ أمْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى أيْ عَلى إيجادِ اللَّهِ تَعالى الفِعْلَ الِاخْتِيارِيَّ مُقارِنًا لَهُما، وما يَتَرَتَّبُ عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِ الشَّيْءِ مَقْدُورًا لَهُ أنْ يَكُونَ مُمْكِنَ الإيقاعِ بِقُدْرَتِهِ عِنْدَ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ بِهِ المُوافَقَةِ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى كَما هو واضِحٌ مِن حَدِيثِ «مَن كَظَمَ غَيْظَهُ وهو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْفِذَهُ» وما يَتَرَتَّبُ عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ بِهَذا المَعْنى إذْ لَوْ كانَ مَقْدُورًا لَهُ ابْتِداءً لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ مُتَرَتِّبًا عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِواسِطَةٍ لَزِمَ أنْ يَكُونَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ هَذا مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ، واللّازِمُ باطِلٌ بِشِقَّيْهِ بَعْدَ القَوْلِ بِنَفْيِ التَّأْثِيرِ أصْلًا، فَكَذا المَلْزُومُ.

( وأمّا رابِعًا ) فَلِأنَّ المُقارَنَةَ لِكَوْنِها مُتَرَتِّبَةً عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لا تَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ صُعُوبَةً وسُهُولَةً، فَلَوْ كانَتْ هي المُكَلَّفَ بِها لاسْتَوى بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ التَّكْلِيفُ بِأشَقِّ الأعْمالِ والتَّكْلِيفُ بِأسْهَلِها، مَعَ أنَّ نَصَّ الكِتابِ التَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الوُسْعِ، ونَصُّ السُّنَّةِ أنَّ المَمْلُوكَ لا يُكَلَّفُ إلّا ما يُطِيقُ، شاهِدانِ عَلى التَّفاوُتِ كَما أنَّ البَدِيهَةَ تَشْهَدُ بِذَلِكَ، واعْتُرِضَ هَذا مِن وُجُوهٍ.

الأوَّلُ: أنَّ القَوْلَ بِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحِكْمَةَ لا تَقْتَضِي أنْ يُؤْمَرَ بِالفِعْلِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِثالِ يَقْتَضِي أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى وأحْكامَهُ لا بُدَّ فِيها مِن حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ وهو مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ تَظْهَرَ هَذِهِ المَصْلَحَةُ لَنا، إذِ الحَكِيمُ لا يَلْزَمُهُ إطْلاعُ مَن دُونَهُ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ - كَما قالَهُ القَفّالُ في مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ - وحِينَئِذٍ فَما المانِعُ مِن أنْ يُقالَ هُناكَ مَصْلَحَةٌ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْها، ويُجابُ بِأنّا لَمْ نَدَّعِ سِوى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ راعى الحِكْمَةَ فِيما أمَرَ وخَلَقَ تَفَضُّلًا ورَحْمَةً لا وُجُوبًا، وهَذا ثابِتٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ وبِالإجْماعِ المَعْصُومُ عَنِ الخَطَأِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّ مُقْتَضى الحِكْمَةِ أنْ لا يُطْلَبَ حُصُولُ شَيْءٍ إلّا مِمَّنْ يَتَمَكَّنُ مِنهُ ويَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَما تَشْهَدُ لَهُ النُّصُوصُ، ولَمْ نَدَّعِ وُجُوبَ ظُهُورِ وجْهِ الحِكْمَةِ في جَمِيعِ أفْعالِهِ وأحْكامِهِ ولا ما يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، وبَيانُ وجْهِ الحِكْمَةِ لِحُكْمٍ واحِدٍ لا يَسْتَلْزِمُ دَعْوى الكُلِّيَّةِ، ويَؤُولُ هَذا إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أطْلَعْنا عَلى الحِكْمَةِ في هَذا مَعَ عَدَمِ وُجُوبِ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّ القَوْلَ بِأنَّ التَّكْلِيفَ في صَرائِحِ الكِتابِ والسُّنَّةِ إنَّما تَعَلَّقَ إلَخْ، فِيهِ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مُطْلَقُ المُقارِنَةِ بَلِ المُقارَنَةُ عَلى جِهَةِ التَّعَلُّقِ، فالكَسْبُ عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ الحادِثَةِ بِالمَقْدُورِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ كَما في عِبارَةِ غَيْرِ واحِدٍ، فالأوامِرُ والنَّواهِي مُتَعَلِّقَةٌ بِالأفْعالِ الَّتِي هي اخْتِيارِيَّةٌ في الظّاهِرِ بِاعْتِبارِ هَذا التَّعَلُّقِ الَّذِي لا تَأْثِيرَ مَعَهُ وادِّعاءُ أنَّها صَرائِحُ في التَّعَلُّقِ مَعَ التَّأْثِيرِ مَمْنُوعٌ بَلْ هي مُحْتَمَلَةٌ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّها ظاهِرَةٌ في التَّأْثِيرِ، فالظّاهِرُ قَدْ يُعْدَلُ عَنْهُ لِدَلِيلِ خِلافِهِ، والقَوْلُ بِأنّا لا نَفْهَمُ مِن تَعَلُّقِ القُدْرَةِ إلّا تَأْثِيرَها وإلّا فَلَيْسَتْ بِقُدْرَةٍ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ لِلْقُدْرَةِ تَعَلُّقٌ بِلا تَأْثِيرٍ، سُؤالٌ مَشْهُورٌ ( وجَوابُهُ ) ما في شَرْحِ المَواقِفِ وغَيْرِهِ مِن أنَّ التَّأْثِيرَ مِن تَوابِعِ القُدْرَةِ، وقَدْ يَنْفَكُّ عَنْها، ويُجابُ بِأنَّ تَفْسِيرَ الكَسْبِ - بِالتَّعَلُّقِ الَّذِي لا تَأْثِيرَ مَعَهُ مُرادًا بِهِ التَّحْصِيلُ بِحَسَبِ ظاهِرِ الأمْرِ فَقَطْ - مُصادِمٌ لِلنُّصُوصِ النّاطِقَةِ بِأنَّ العَبْدَ مُتَمَكِّنٌ مِن إيجادِ أفْعالِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، ولا دَلِيلَ عَلى خِلافِهِ يُوجِبُ العُدُولَ، واللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا يُنافِي التَّأْثِيرَ بِالإذْنِ عَلى أنَّ تَعَلُّقَ القُدْرَةِ تابِعٌ لِلْإرادَةِ، وتَعَلُّقُها عَلى القَوْلِ بِنَفْيِ التَّأْثِيرِ بِالكُلِّيَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الجَلالِ الدَّوانِيِّ في بَيانِ مَبادِي الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، ويُوَضِّحُهُ كَلامُ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ في كِتابِ التَّوْحِيدِ والتَّوَكُّلِ مِنَ الإحْياءِ، وأمّا ما في شَرْحِ المَواقِفِ وغَيْرِهِ مِن أنَّ التَّأْثِيرَ قَدْ يَنْفَكُّ عَنِ القُدْرَةِ فَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ إذْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وإنَّما الإنْكارُ عَلى نَفْيِ التَّأْثِيرِ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ القُدْرَةِ الحادِثَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِما ذَكَرَهُ حُجَّةُ الإسْلامِ في الِاقْتِصادِ مِن أنَّ القُدْرَةَ الأزَلِيَّةَ مُتَعَلِّقَةٌ في الأزَلِ بِالحادِثِ ولا حادِثَ فَصَحَّ التَّعَلُّقُ ولا تَأْثِيرَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ القُدْرَةُ الحادِثَةُ كَذَلِكَ، مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّ القُدْرَةَ لا تُؤَثِّرُ إلّا عَلى وفْقِ الإرادَةِ، والإرادَةُ تَعَلَّقَتْ أزَلًا بِإيجادِ الأشْياءِ بِالقُدْرَةِ في أوْقاتِها اللّائِقَةِ بِها في الحِكْمَةِ، فَعَدَمُ تَأْثِيرِها قَبْلَ الوَقْتِ لِكَوْنِها مُؤَثِّرَةً عَلى وفْقِ الإرادَةِ لا مُطْلَقًا، فَلا يَجِبُ تَأْثِيرُها قَبْلَ الوَقْتِ، ويَجِبُ تَأْثِيرُها فِيهِ، والقُدْرَةُ الحادِثَةُ عَلى القَوْلِ بِنَفْيِ تَأْثِيرِها بِالكُلِّيَّةِ لا يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها تُؤَثِّرُ وفْقَ الإرادَةِ فَلا يَصِحُّ قِياسُها عَلى القَدِيمَةِ، والحاصِلُ أنَّ كُلَّ تَعَلُّقٍ لِلْقَدِيمَةِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ التَّأْثِيرُ في وقْتِهِ بِخِلافِ الحادِثَةِ فَإنَّهُ لا تَأْثِيرَ لَها أصْلًا عَلى القَوْلِ بِنَفْيِ التَّأْثِيرِ عَنْها كُلِّيًّا فَلا تَعَلُّقَ لَها بِالتَّأْثِيرِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ.

والثّالِثُ: أنَّ القَوْلَ في الِاعْتِراضِ الثّالِثِ أنَّهُ لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَكانَ التَّكْلِيفُ بِما لا يُطاقُ واقِعًا إلَخْ يُقالُ عَلَيْهِ: نَلْتَزِمُ وُقُوعَهُ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ ولا مَحْذُورَ فِيهِ، ويُجابُ بِأنَّهُ قَدْ حَقَّقَ في مَوْضِعِهِ أنَّ الإمامَ الأشْعَرِيَّ لَمْ يَنُصَّ عَلى ذَلِكَ، ولا يَصِحُّ أخْذُهُ مِن كَلامِهِ، فالتِزامُ وُقُوعِهِ عِنْدَهُ التِزامُ ما لَمْ يَقُلْ بِهِ لا صَرِيحًا ولا التِزامًا، والقَوْلُ أنَّهُ لا مَحْذُورَ فِيهِ، إنَّما يَصِحُّ بِالنَّظَرِ إلى الغِنى الذّاتِيِّ، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى أنَّهُ تَعالى جَوادٌ حَكِيمٌ فالتِزامُهُ مُصادَمَةٌ لِلنَّصِّ وأيُّ مَحْذُورٍ أشْنَعَ مِن هَذا.

والرّابِعُ: أنَّ القَوْلَ هُناكَ أيْضًا أنَّ المُقارَنَةَ لَوْ كانَتْ هي الكَسْبَ لَكانَتْ هي المُكَلَّفَ بِها غَيْرُ لازِمٍ، فَإنَّ الكَسْبَ يُطْلَقُ عَلى المَعْنى المَصْدَرِيِّ، ويُطْلَقُ عَلى المَفْعُولِ أيِ المَكْسُوبِ وهو نَفْسُ الأمْرِ لا الكَسْبُ بِمَعْنى المُقارَنَةِ أوْ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ الحادِثَةِ بِالفِعْلِ، فَمَعْنى كَسْبٌ تَعَلَّقَتْ قُدْرَتُهُ بِالفِعْلِ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: قارَنَتْ قُدْرَتُهُ الفِعْلَ فَكانَ الفِعْلُ مَكْسُوبًا وهو المُكَلَّفُ بِهِ، ويُجابُ بِأنَّ الكَسْبَ الحَقِيقِيَّ الوارِدَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ مَعْناهُ تَحْصِيلُ العَبْدِ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ التّابِعَةُ لِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِقُدْرَتِهِ المُؤَثِّرَةِ بِإذْنِهِ، وإنَّ مَكْسُوبَهُ ما حَصَّلَهُ بِقُدْرَتِهِ المَذْكُورَةِ فَمَعْنى كَوْنُ الفِعْلِ المَكْسُوبِ مُكَلَّفًا بِهِ هو أنَّ العَبْدَ المُكَلَّفَ مَطْلُوبٌ مِنهُ تَحْصِيلُهُ بِالكَسْبِ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ؛ لِأنَّ المَكْسُوبَ هو الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ فَإذا كانَ المَكْسُوبُ مُكَلَّفًا بِهِ كانَ الكَسْبُ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ مُكَلَّفًا بِهِ قَطْعًا؛ لِامْتِناعِ حُصُولِ المَكْسُوبِ مِن غَيْرِ قِيامِ المَعْنى المَصْدَرِيِّ بِالمُكَلَّفِ ضَرُورَةَ انْتِفاءِ الحاصِلِ بِالمَصْدَرِ عِنْدَ انْتِفاءِ قِيامِ المَصْدَرِ بِالمُكَلَّفِ فَظَهَرَتِ المُلازِمَةُ في الشَّرْطِيَّةِ.

( والخامِسُ ) أنَّ القَوْلَ في الِاعْتِراضِ أنَّ المُقارَنَةَ لِكَوْنِها أمْرًا مُتَرَتِّبًا عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لا تَخْتَلِفُ إلَخْ، فِيهِ أمْرانِ: الأوَّلُ: أنّا لا نُسَلِّمُ التَّلازُمَ بَيْنَ كَوْنِ المُقارَنَةِ هي المُكَلَّفُ بِها وبَيْنَ عَدَمِ الِاخْتِلافِ، وأيُّ مانِعٍ مِن أنْ تَكُونَ مُخْتَلِفَةً بِاعْتِبارِ أحْوالِ الشَّخْصِ عِنْدَها، فَتارَةً يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ صَبْرًا وعَزْمًا وتارَةً جَزَعًا وفُتُورًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَرْجِعُ إلى سَلامَةِ البِنْيَةِ ومُقابِلِهِ، أوْ غَيْرَهُما مِنَ الأعْراضِ والأحْوالِ الَّتِي يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى ويُصَرِّفُ عَبْدَهُ فِيها كَيْفَ شاءَ، مِمّا يُوجِبُ ألَمًا أوْ لَذَّةً.

الثّانِي: أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ مُشْتَرِكُ الإلْزامِ، إذْ يُقالُ: إذا كانَتْ قُدْرَةُ العَبْدِ مُؤَثِّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَبِأيِّ وجْهٍ وقَعَ الِاخْتِلافُ حَتّى كانَ هَذا سَهْلًا وهَذا صَعْبًا، وكِلاهُما مَقْدُورٌ، وهُما مُتَساوِيانِ في الإمْكانِ ؟

ويُجابُ: أمّا عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ التَّلازُمَ بَيْنَ كَوْنِها مُتَرَتِّبَةً عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ عَدَمِ اخْتِلافِها مُتَحَقِّقٌ لِأنَّها إذا كانَتِ الكَسْبُ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ كانَتْ تَحْصِيلًا لِلْمَكْسُوبِ، والتَّحْصِيلُ لِكَوْنِهِ قائِمًا بِالمُكَلَّفِ تَتَفاوَتُ دَرَجاتُهُ صُعُوبَةً وسُهُولَةً قَطْعًا، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «صَلِّ قائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ ”».

والمُقارِنَةُ لِكَوْنِها أمْرًا مُرَتَّبًا عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَتْ قائِمَةً بِالعَبْدِ فَلا تَتَفاوَتُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أصْلًا، والإيرادُ بِتَجْوِيزِ اخْتِلافِها بِكَوْنِ بَعْضِها بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَهُ صَبْرًا في العَبْدِ إلَخْ خارِجٌ عَنِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّ العِبارَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّ المَقْصُودَ عَدَمُ اخْتِلافِها بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ صُعُوبَةً وسُهُولَةً لا مُطْلَقَ الِاخْتِلافِ، وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّهُ قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلى تَفاوُتِ دَرَجاتِ القُوَّةِ والبَطْشِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ﴾ وبِاخْتِلافِ دَرَجاتِ ذَلِكَ في الأقْوِياءِ التّابِعِ لِاسْتِعْداداتِهِمُ الذّاتِيَّةِ الغَيْرِ المَجْعُولَةِ، وقَعَ الِاخْتِلافُ في الأعْمالِ صُعُوبَةً وسُهُولَةً، هَذا ما ظَفِرْنا بِهِ مِن تَحْقِيقِ الحَقِّ مِن كُتُبِ ساداتِنا قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم، وجَعَلَ أعْلى الفِرْدَوْسِ قَرارَهم، وإنَّما اسْتَطْرَدْتُ هَذا المَبْحَثَ هُنا مَعَ تَقَدُّمِ إشاراتٍ جُزْئِيَّةٍ إلى بَعْضٍ مِنهُ لِأنَّهُ أمْرٌ مُهِمٌّ جِدًّا لا تَنْبَغِي الغَفْلَةُ عَنْهُ فاحْفَظْهُ فَإنَّهُ مِن بَناتِ الحِقاقِ لا مِن حَوانِيتِ الأسْواقِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لا رَبَّ غَيْرُهُ.

﴿ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ (79) يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِمَن كَفَرَ مَن لَمْ يَحُجَّ وعَبَّرَ عَنْ تَرْكِ الحَجِّ بِالكُفْرِ تَغْلِيظًا وتَشْدِيدًا عَلى تارِكِهِ، كَما وقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِيما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي أُمامَةَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «“ مَن ماتَ ولَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإسْلامِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حابِسٌ أوْ سُلْطانٌ جائِرٌ أوْ حاجَةٌ ظاهِرَةٌ فَلْيَمُتْ عَلى أيِّ حالَةٍ شاءَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا» .

ومِثْلُهُ ما رُوِيَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أبْعَثَ رِجالًا إلى هَذِهِ الأمْصارِ فَلْيَنْظُرُوا كُلَّ مَن كانَ لَهُ جُدَّةٌ فَلَمْ يَحُجَّ فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ ما هم بِمُسْلِمِينَ، ويُحْتَمَلُ إبْقاءُ الكُفْرِ عَلى ظاهِرِهِ بِناءً عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُما عَنْ عِكْرِمَةَ " أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا ﴾ الآيَةَ.

قالَ اليَهُودُ: فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَضَ عَلى المُسْلِمِينَ حَجَّ البَيْتِ، فَقالُوا: لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنا وأبَوْا أنْ يَحُجُّوا، فَنَزَلَ: ﴿ ومَن كَفَرَ ﴾ الآيَةَ» .

ومِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحَجِّ، جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أهْلَ المِلَلِ مُشْرِكِي العَرَبِ والنَّصارى واليَهُودَ والمَجُوسَ والصّابِئِينَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا البَيْتَ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ إلّا المُسْلِمُونَ، وكَفَرَتْ بِهِ خَمْسُ مِلَلٍ قالُوا: لا نُؤْمِنُ بِهِ ولا نُصْلِي إلَيْهِ ولا نَسْتَقْبِلُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن كَفَرَ ﴾ إلَخْ» .

وإلى إبْقائِهِ عَلى ظاهِرِهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ( ﴿ ومِن كَفْرٍ ﴾ ) بِالحَجِّ فَلَمْ يَرَ حَجَّهُ بِرًّا ولا تَرْكَهُ مَأْثَمًا، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ «أنَّ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ قامَ رَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن تَرَكَهُ كَفَرَ ؟

قالَ: مَن تَرَكَهُ لا يَخافُ عُقُوبَتَهُ، ومَن حَجَّ لا يَرْجُو ثَوابَهُ فَهو ذاكَ».

وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا تَصْلُحُ الآيَةُ دَلِيلًا لِمَن زَعَمَ أنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ كافِرٌ، و ( مَن ) تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وهو الظّاهِرُ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ اسْتَغْنى فِيما بَعْدَ الفاءِ عَنِ الرّابِطِ بِإقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، إذِ الأصْلُ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم.

ويَجُوزُ أنْ يَبْقى الجَمْعُ عَلى عُمُومِهِ، ويُكْتَفى عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ بِدُخُولِ المَذْكُورِينَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا والِاسْتِغْناءُ في هَذا المَقامِ كِنايَةٌ عَنِ السُّخْطِ عَلى ما قِيلَ، ولِهَذا صَحَّ جَعْلُهُ جَزاءً وإنْ أبَيْتَ فَهو دَلِيلُهُ، وفي الآيَةِ كَما قالُوا فُنُونٌ مِنَ الِاعْتِباراتِ المُعْرِبَةِ عَنْ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الحَجِّ والتَّشْدِيدِ عَلى تارِكِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وعَدُّوا مِن ذَلِكَ إيثارَ صِيغَةِ الخَبَرِ وإبْرازَها في صُورَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ والدَّوامِ عَلى وجْهٍ يُفِيدُ أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لِلَّهِ تَعالى في ذِمَمِ النّاسِ، وتَعْمِيمُ الحُكْمِ أوَّلًا، وتَخْصِيصُهُ ثانِيًا، وتَسْمِيَةُ تَرْكِ الحَجِّ كُفْرًا مِن حَيْثُ إنَّهُ فِعْلُ الكَفَرَةِ، وذِكْرُ الِاسْتِغْناءِ والعالَمِينَ.

وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّ في تَخْصِيصِ اسْمِ الذّاتِ الجامِعِ وتَقْدِيمِ الخَبَرِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ ذَلِكَ عِبادَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ تَخْتَصَّ إلّا بِمَعْبُودٍ جامِعٍ لِلْكِمالاتِ بِأسْرِها، وأنَّ في إقامَةِ المُظْهَرِ وهو البَيْتُ مَقامَ المُضْمَرِ بَعْدَ سَبْقِهِ مُنْكَرًا المُبالَغَةَ في وصْفِهِ أقْصى الغايَةِ، كَأنَّهُ رَتَّبَ الحُكْمَ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ، وكَذا في ذِكْرِ النّاسِ بَعْدَ ذِكْرِهِ مُعَرَّفًا الإشْعارُ بِعِلْيَةِ الوُجُوبِ وهو كَوْنُهم ناسًا، وفي تَذْيِيلِ: ﴿ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ لِأنَّها في المَعْنى تَأْكِيدُ الإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ هو الإيمانُ عَلى الحَقِيقَةِ وهو النِّعْمَةُ العَظِيمَةُ، وأنَّ مُباشِرَهُ مُسْتَأْهِلٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بِجَلالَتِهِ وعَظَمَتِهِ يَرْضى عَنْهُ رِضًا كامِلًا، كَما كانَ ساخِطًا عَلى تارِكِهِ سُخْطًا عَظِيمًا، وفي تَخْصِيصِ هَذِهِ العِبادَةِ وكَوْنِها مُبَيِّنَةً لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الرَّدِّ عَلى أهْلِ الكِتابِ فِيما سَبَقَ مِنَ الآياتِ والعُودِ إلى ذِكْرِهِمْ بَعْدَ خَطْبٍ جَلِيلٍ وشَأْنٍ خَطِيرٍ لِتِلْكَ العِبادَةِ العَظِيمَةِ، واسْتَأْنَسَ بَعْضُهم لِكَوْنِهِ عِبادَةً عَظِيمَةً بِأنَّهُ مِنَ الشَّرائِعِ القَدِيمَةِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَجَّ أرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ الهِنْدِ ماشِيًا، وأنَّ جِبْرِيلَ قالَ لَهُ: إنَّ المَلائِكَةَ كانُوا يَطُوفُونَ قَبْلَكَ بِهَذا البَيْتِ سَبْعَةَ آلافِ سَنَةٍ، وادَّعى ابْنُ إسْحاقَ أنَّهُ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا بَعْدَ إبْراهِيمَ إلّا حَجَّ، والَّذِي صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ أنَّهُ ما مِن نَبِيٍّ إلّا حَجَّ خِلافًا لِمَنِ اسْتَثْنى هُودًا وصالِحًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي وُجُوبِهِ عَلى مَن قَبْلَنا وجْهانِ قِيلَ: الصَّحِيحُ أنَّهُ لَمْ يَجِبْ إلّا عَلَيْنا واسْتُغْرِبَ، وادَّعى جَمْعٌ أنَّهُ أفْضَلُ العِباداتِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المالِ والبَدَنِ، وفي وقْتِ وُجُوبِهِ خِلافٌ فَقِيلَ: قَبْلَ الهِجْرَةِ، وقِيلَ: أوَّلَ سِنِيها وهَكَذا إلى العاشِرَةِ، وصَحَّحَ أنَّهُ في السّادِسَةِ، نَعَمْ حَجَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها وقَبْلَ الهِجْرَةِ حِجَجًا لا يُدْرى عَدَدُها والتَّسْمِيَةُ مَجازِيَّةٌ بِاعْتِبارِ الصُّورَةِ بَلْ قِيلَ ذَلِكَ في حَجَّةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا في التّاسِعَةِ، لَكِنَّ الوَجْهَ خِلافُهُ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يُؤْمَرُ إلّا بِحَجٍّ شَرْعِيٍّ، وكَذا يُقالُ في الثّامِنَةِ الَّتِي أُمِّرَ فِيها عَتّابُ بْنُ أسِيدٍ أمِيرُ مَكَّةَ، وبَعْدَ ذَلِكَ حَجَّةَ الوَداعِ لا غَيْرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ قال مقاتل يعني أول مسجد وضع للناس، أي للمؤمنين.

ويقال: أول موضع خلق، هو موضع الكعبة للناس، أي قبلة للناس لَلَّذِي بِبَكَّةَ قال الكلبي: إنما سمي بكة، لأن الناس يبك بعضهم بعضاً، أي يزدحم.

وقال الزجاج: بكة موضع البيت، وسائر ما حواليه مكة.

وقال القتبي: بكة ومكة شيء واحد، والباء تبدل من الميم.

كما يقال سمد رأسه وسبده إذا استأصله، أي قلع بأصله.

ويقال: بكة موضع المسجد، ومكة البلد حوله.

ثم قال تعالى: مُبارَكاً أي فيها بركة ومغفرة للذنوب وَهُدىً لِلْعالَمِينَ يعني قبلة لمن صلّى إليها، وذلك أن اليهود قالوا للمؤمنين: لم عمدتم إلى الحجارة تطوفون بها وتصلون إليها؟

وجعلوا يعظمون بيت المقدس، فنزلت هذه الآية.

وروى الكلبي إن آدم-  - بنى البيت، فلما كان زمان الطوفان، رفع إلى السماء السادسة بحيال الكعبة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لم يدخلوه قط قبله.

ويقال: أنزل من السماء، وهو من ياقوتة حمراء، فلما كان زمان الطوفان، رفع إلى السماء الرابعة.

ثم قال تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ يعني علامات واضحات كالحجر الأسود والحطيم مَقامُ إِبْراهِيمَ.

وروي عن عبد الله بن عباس أنه كان يقرأ فيه آية بينة مقام إبراهيم.

وقرأ غيره آيات بينات مقام إبراهيم، ومعناه من تلك الآيات مقام إبراهيم وَمَنْ دَخَلَهُ يعني الحرم كانَ آمِناً يعني أن من دخل فيه، فإنه لا يهاج منه إذا وجب عليه القتل خارج الحرم وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص حِجُّ بكسر الحاء، والباقون بالنصب، وهما لغتان ومعناهما واحد.

مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا أي بلاغاً والاستطاعة هي الزاد والراحلة وتخلية الطريق.

ويقال: ولله على الناس فريضة حج البيت.

ثم قال: وَمَنْ كَفَرَ يعني ومن لم يرَ الحج واجباً فقد كفر، فذلك قوله وَمَنْ كَفَرَ.

فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ يعني غني عمن حج، وعمن لم يحج.

قال الفقيه: حدّثني أبي قال: حدّثني أبو بكر المعلم قال: حدثنا أبو عمران الفارابي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن حبيب قال: حدثنا داود بن المحبر قال: حدّثنا عباد بن كثير عن عبد خير عن علي بن أبي طالب أن رسول الله  قال في خطبته: «أَيُّها النَّاسُ إنَّ الله تَعَالَى فَرَضَ الحَجَّ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ إليهِ سَبِيلاً، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالِ يَهُودِيّاً أَوْ نَصْرَانِيّاً أوْ مَجُوسِيّاً، إلاَّ أنْ يَكُونَ بهِ مَرَضٌ أوْ مَنْعٌ مِنْ سُلْطَانٍ جَائِرٍ، ألا لا نَصِيبَ لَهُ مِنْ شَفَاعَتِي، وَلا يَرِدُ حَوْضِي» .

وروي عن أنس بن مالك عن رسول الله  أنه قال: «السَّبِيلُ الزَّادُ والرَّاحِلَةُ» .

وكذلك روي عن ابن عباس.

وقال مجاهد: مقام إبراهيم أثر قدميه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : ولم يختلفُ فيما علمتُ أنَّ سبَبَ تحريمِ يَعْقُوبَ ما حرَّمه على نَفْسِهِ هو بمَرَضٍ أصابه، فَجَعَلَ تحريمَ ذلِكَ شُكْراً للَّه، إنْ شُفِيَ، وقيل: هو وَجَعُ عِرْقِ النّسا، وفي حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ عِصَابَةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، قَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ؟

فَقَالَ لَهُمْ: أُنْشِدُكُمْ بِاللَّه!

هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً، فَطَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْراً، إنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ، لَيُحْرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ، وَأَحَبُّ الشَّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانَهَا؟

قَالُوا:

اللَّهُمَّ، نَعَمْ» «٢» .

قال ع «٣» : وظاهرُ الأحاديثِ والتفاسيرِ في هذا الأمْرِ أنَّ يعقوبَ- عليه السلام- حَرَّم لُحوم الإبلِ وألْبَانَهَا، وهو يحبُّها تقرُّباً بذلك إذْ ترك الترفُّه والتنعُّم من القُرَبِ، وهذا هو الزهْدُ في الدُّنْيا، وإليه نَحَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رضي اللَّه عنه) بقوله: «إيَّاكُمْ وهذه المَجَازِرَ فإنَّ لها ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الخَمْرِ» ومِنْ ذلك قولُ أبِي حَازِمٍ الزاهِدِ، وقدْ مَرَّ بسُوقِ الفَاكِهَةِ، / فرأى مَحَاسِنَهَا، فقَالَ: مَوْعِدُكَ الجَنَّةُ، إنْ شاء الله.

وقوله عز وجلّ: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ ...

الآية: قال الزَّجَّاج «٤» : وفي هذا تعجيز لهم، وإقامة للحجة عليهم.

وقوله سبحانه: فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ

، أي: مِنْ بعد ما تبيَّن له الحَقُّ، وقيامُ الحُجَّة، فهو الظَّالِمُ.

وقوله: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ، أي: الأمر كما وصَفَ سبحانه، لا كما تَكْذُبونَ، فإن كنتم تَعْتزونَ إلى إبراهيم، فاتبعوا ملَّته على ما ذكر الله.

وقوله سبحانه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ......

الآية: لا مِرْيَة أنَّ إبراهيم- عليه السلام- وضع بيْتَ مكة، وإنما الخلافُ، هَلْ هو وضع بَدْأَةً أوْ وُضِعَ تجديداً؟

وقال الفَخْر «١» : يحتمل أولاً في الوضْعِ والبناءِ، ويحتملُ أنْ يريد أولاً في كونه مباركاً، وهذا تحصيلُ المفسِّرين في الآية.

اهـ.

قال ابن العربيِّ في «أحكامِهِ» «٢» وكونُ البَيْتِ الحَرَامِ مُبَارَكاً، قيل: بركَتُهُ ثوابُ الأعمال هناك، وقيل: ثوابُ قاصِدِيهِ، وقيل: أمْنُ الوَحْش فيه، وقيل: عُزُوفُ النفْسِ عن الدنيا عِنْدَ رؤيته، قال ابنُ العربيِّ «٣» : والصحيحُ عِنْدَي أنَّهُ مُبَارَكٌ مِنْ كلِّ وجْهٍ مِنْ وجوه الدنْيَا والآخرة وذلك بجميعه موجودٌ فيه.

اهـ.

قال مالكٌ في سماعِ ابن القاسِمِ من «العتبية» : بَكَّة موضعُ البَيْت، ومَكَّة غيره مِنَ المواضعِ، قال ابن القاسِمِ: يريد القَرْيَةَ «٤» ، قلتُ: قال ابنُ رُشْدٍ في «البيان» «٥» : أرى مالكاً أخَذَ ذلك مِنْ قول اللَّه عزَّ وَجَلَّ لأنه قال تعالى في بَكَّة: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً، وهو إنما وضع بموضعه الَّذي وُضِعَ فيه لا فيما سواه من القرية، وقال في «مَكَّة» وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [الفتح: ٢٤] وذلك إنما كان في القرية، لا في موضع البَيْتَ.

اهـ.

وقوله سبحانه: فِيهِ، أي: في البيت آياتٌ بَيِّناتٌ، قال ع «٦» : والمترجِّح عندي أنَّ المَقَامَ وأَمْنَ الدَّاخِلِ جُعِلاَ مثالاً ممَّا في حَرَمِ الله من الآيات وخصّا بالذكر لعظمهما، ومَقامُ إِبْراهِيمَ: هو الحَجَرُ المعروفُ قاله الجمهور، وقال قوم: البيتُ كلُّه مقامُ إبراهيم، وقال قومٌ: الحَرَمُ كلُّه مقامُ إبراهيم، والضميرُ في قوله: وَمَنْ دَخَلَهُ عائدٌ على البَيْت في قول الجمهور، وعائد على الحرم

في قول مَنْ قَالَ: مقامُ إبراهيم هو الحرم.

وقوله: كانَ آمِناً قال الحَسَنُ وغيره: هذه وصْفُ حالٍ كانَتْ في الجاهلية، إذا دخَلَ أحدٌ الحَرَمَ، أَمِنَ، فلا يُعْرَضُ له، فأما في الإسلام، فإن الحرم لا يَمْنَعُ مِنْ حَدٍّ مِنْ حدودِ اللَّه، وقال يَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ: معنى الآية: ومَنْ دخل البيتَ، كان آمناً من النَّار، وحكى النقَّاش عن بَعْض العُبَّاد، قال: كُنْتُ أطوفُ حوْلَ الكعبةِ لَيْلاً، فقلْتُ: يا رَبِّ، إنّك قلت: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً، فمماذا هو آمنٌ؟

فسمعتُ مكلِّماً يكلِّمني، وهو يقولُ: مِنَ النَّارِ، فنظَرْتُ، وتأمَّلت، فما كان في المكان أحد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «١» : وقول بعضهم: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمناً من النار- لا يصحُّ حمله على عمومه، ولكنه ثَبَتَ أنَّ مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ «٢» ، والحَجُّ المَبْرُور لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلاَّ الجنّة «٣» .

قال ذلك كلّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اهـ.

وقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ...

الآية: هو فرضُ الحجِّ في كتابِ اللَّه بإجماع، وقرأ حمزةُ، والكِسَائيُّ، وحَفْص عن عاصِمٍ: «حَجُّ الَبْيتِ» بكَسْر الحاء، وقرأ الباقُونَ بفتحها «١» ، / فَبِكَسْر الحاء: يريدُون عَمَلَ سَنَةٍ واحدةٍ، وقال الطبريُّ «٢» : هما لُغَتَانِ الكَسْر: لُغَةُ نَجْدٍ، والفتْحُ لغة أهل العَالِيَةِ.

وقوله سبحانه: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا «مَنْ» : في موضعِ خَفْضٍ بدلٍ من «النَّاس» ، وهو بدلُ البَعْض من الكلِّ، وقال الكسائيُّ وغيره: هي شَرْطٌ في موضع رفعٍ بالابتداء، والجوابُ محذوفٌ، تقديره: فَعَلَيْهِ الحِجُّ ويدلُّ عليه عطْفُ الشرطِ الآخَرِ بعده في قوله:

وَمَنْ كَفَرَ، وأسند الطبريُّ إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ مَلَكَ زَاداً وَرَاحِلَةً، فَلَمْ يَحُجَّ، فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا «٣» ، وذهب جماعةٌ من العلماءِ إلى أنَّ قوله سبحانه:

مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا كلامٌ عامٌّ لا يتفسَّر بزادٍ ولا راحلةٍ، ولا غَيْرِ ذلك، بل إذا كان مستطيعاً غَيْرَ شاقٍّ على نفسه، فقد وجَبَ علَيْه الحَجُّ، وإليه نحا مَالِكٌ في سماع أَشْهَبَ، وقال: لا صِفَةَ في هذا أبْيَنُ ممَّا قال الله تعالى.

هذا أنْبَلُ الأقوال، وهذه مِنَ الأمور التي يتصرَّف فيها فِقْهُ الحال، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائدٌ على البيت، ويحتملُ عَلَى الحِجِّ.

وقوله سبحانه: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ، قال ابن عبَّاس وغيره:

المعنى: مَنْ زعم أنَّ الحَجَّ ليس بفَرْضٍ عليه «٤» ، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قرأَ هذه الآيةَ، فقَالَ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ تَرَكَهُ، كَفَرَ، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من تركه، لا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ ﴾ ، الجُمْهُورُ يَقْرَؤُونَ: آَياتٌ.

ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: (فِيهِ آَيَةٌ بَيِّنَةٌ مَقامَ إبْراهِيمَ)، وبِها قَرَأ مُجاهِدٌ.

والآَيَةُ: مَقامُ إبْراهِيمَ.

فَأمّا مَن قَرَأ: "آَياتٌ" فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الآَياتُ: مَقامُ إبْراهِيمَ، وآَمِنٌ مَن دَخَلَهُ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ الجَمْعُ مُعَبِّرًا عَنِ التَّثْنِيَةِ، وذَلِكَ جائِزٌ في اللُّغَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ  ﴾ .

وقالَ أبُو رَجاءٍ: كانَ الحَسَنُ يَعُدُّهُنَّ، وأنا أنْظُرُ إلى أصابِعِهِ: مَقامَ إبْراهِيمَ، ومَن دَخَلَهُ كانَ آَمِنًا، ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: مِنهم مَقامُ إبْراهِيمَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: الآَياتُ فِيهِ كَثِيرَةٌ، مِنها مَقامُ إبْراهِيمَ، ومِنها: آَمِنٌ مَن دَخَلَهُ، ومِنها: امْتِناعُ الطَّيْرِ مِنَ العُلُوِّ عَلَيْهِ، واسْتِشْفاءُ المَرِيضِ مِنها بِهِ، وتَعْجِيلُ العُقُوبَةِ لِمَنِ انْتَهَكَ حُرْمَتَهُ، وإهْلاكُ أصْحابِ الفِيلِ لَمّا قَصَدُوا إخْرابَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والمُرادُ بِالبَيْتِ هاهُنا: الحَرَمُ كُلُّهُ، لِأنَّ هَذِهِ الآَياتِ مَوْجُودَةٌ فِيهِ، ومَقامُ إبْراهِيمَ لَيْسَ في البَيْتِ، والآَيَةُ في مَقامِ إبْراهِيمَ أنَّهُ قامَ عَلى حَجَرٍ، فَأثَّرْثَ قَدَماهُ فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ، وصِدْقِ إبْراهِيمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ﴾ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ: الأمْرُ، وتَقْدِيرُهُ: ومَن دَخَلَهُ، فَأمِّنُوهُ، وهو عامٌّ فِيمَن جَنى جِنايَةً قَبْلَ دُخُولِهِ، وفِيمَن جَنى فِيهِ بَعْدَ دُخُولِهِ، إلّا أنَّ الإجْماعَ انْعَقَدَ عَلى أنَّ مَن جَنى فِيهِ لا يُؤَمَّنُ، لِأنَّهُ هَتَكَ حُرْمَةَ الحَرَمِ ورَدَّ الأمانَ، فَبَقِيَ حُكْمُ الآَيَةِ فِيمَن جَنى خارِجًا مِنهُ، ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في ذَلِكَ، فَقالَ أحْمَدُ في رِوايَةٍ المَرْوَذِيِّ: إذا قَتَلَ، أوْ قَطَعَ يَدًا، أوْ أتى حَدًّا في غَيْرِ الحَرَمِ، ثُمَّ دَخَلَهُ، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الحَدُّ، ولَمْ يُقْتَصَّ مِنهُ، ولَكِنْ لا يُبايَعُ، ولا يُشارى، ولا يُؤاكَلُ حَتّى يَخْرُجَ، فَإنْ فَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ في الحَرَمِ، اسْتَوْفى مِنهُ وقالَ أحْمَدُ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: إذا قَتَلَ خارِجَ الحَرَمِ، ثُمَّ دَخَلَهُ، لَمْ يُقْتَلْ.

وإنْ كانَتِ الجِنايَةُ دُونَ النَّفْسِ، فَإنَّهُ يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ.

وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: يُقامُ عَلَيْهِ جَمِيعُ ذَلِكَ في النَّفْسِ، وفِيما دُونَ النَّفْسِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ﴾ ، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يُقامُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وهو مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وطاوُوسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ ﴾ ، الأكْثَرُونَ عَلى فَتْحِ حاءِ "الحَجِّ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِها.

قالَ مُجاهِدٌ: لَمّا أُنْزِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ  ﴾ قالَ أهْلُ المِلَلِ كُلِّهِمْ: نَحْنُ مُسْلِمُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَحَجَّهُ المُسْلِمُونَ، وتَرَكَهُ المُشْرِكُونَ، وقالَتِ اليَهُودَ: لا نَحُجُّهُ أبَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ قالَ النَّحْوِيُّونَ: مَنِ اسْتَطاعَ بَدَلٌ مِنَ "النّاسِ"، وهَذا بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وأنَسٍ، وعائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّهُ سُئِلَ: ما السَّبِيلُ؟

فَقالَ: "مَن وجَدَ الزّادَ والرّاحِلَةَ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ ، فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: مَن كَفَرَ بِالحَجِّ فاعْتَقَدَهُ غَيْرَ واجِبٍ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وَعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: مَن لَمْ يَرْجُ ثَوابَ حَجِّهِ، ولَمْ يَخَفْ عِقابَ تَرْكِهِ، فَقَدْ كَفَرَ بِهِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الكُفْرُ بِاللَّهِ، لا بِالحَجِّ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ إذا أمْكَنَهُ الحَجُّ، حَتّى ماتَ، وُسِمَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كافِرٌ، هَذا قَوْلٌ ابْنِ عُمَرَ.

والخامِسُ: أنَّهُ أرادَ الكُفْرَ بِالآَياتِ الَّتِي أُنْزِلَتْ في ذِكْرِ البَيْتِ، لِأنَّ قَوْمًا مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: نَحْنُ نَكْفُرُ بِهَذِهِ الآَياتِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ولِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فِيهِ" عائِدٌ عَلى البَيْتِ، وساغَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ الآياتِ خارِجَةً عنهُ، لِأنَّ البَيْتَ إنَّما وُضِعَ بِحَرَمِهِ، وجَمِيعِ فَضائِلِهِ فَهي فِيهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ داخِلَ جُدْرانِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "آياتٌ بَيِّناتٌ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ: "آيَةٌ بَيِّنَةٌ" عَلى الإفْرادِ قالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ عَلامَةً واحِدَةً؛ المَقامَ وحْدَهُ، وحُكِيَ ذَلِكَ عن مُجاهِدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالآيَةِ اسْمُ الجِنْسِ، فَيَقْرُبُ مِن مَعْنى القِراءَةِ الأُولى.

واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ عَنِ الآياتِ البَيِّناتِ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنَ الآياتِ المَقامُ، يُرِيدُ الحَجَرَ المَعْرُوفَ والمَشْعَرُ وغَيْرُ ذَلِكَ.

وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قِراءَتَهُ "آيَةٌ" بِالإفْرادِ إنَّما يُرادُ بِها اسْمُ الجِنْسِ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الآياتُ البَيِّناتُ مَقامُ إبْراهِيمَ، وأنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، وقالَ مُجاهِدٌ: المَقامُ الآيَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ﴾ كَلامٌ آخَرُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَرَفْعُ "مَقامُ" عَلى قَوْلِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ - عَلى البَدَلِ مِن "آياتٌ"، أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هُنَّ مَقامُ إبْراهِيمَ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن نَحا نَحْوَهُ- هو مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ مُقَدَّمٌ تَقْدِيرُهُ: مِنهُنَّ مَقامُ إبْراهِيمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمُتَرَجِّحُ عِنْدِي أنَّ المَقامَ وأمْنَ الداخِلِ جُعِلا مِثالًا مِمّا في حَرَمِ اللهِ مِنَ الآياتِ وخُصّا بِالذِكْرِ لِعِظَمِهِما، وأنَّهُما تَقُومُ بِهِما الحُجَّةُ عَلى الكُفّارِ، إذْ هُمُ المُدْرِكُونَ لِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِحَواسِّهِمْ.

ومِن آياتِ الحَرَمِ والبَيْتِ الَّتِي تَقُومُ بِها الحُجَّةُ عَلى الكُفّارِ أمْرُ الفِيلِ، ورَمْيُ طَيْرِ اللهِ عنهُ بِحِجارَةِ السِجِّيلِ، وذَلِكَ أمْرٌ لَمْ تَخْتَلِفْ كافَّةُ العَرَبِ في نَقْلِهِ وصِحَّتِهِ إلى أنْ أنْزَلَهُ اللهُ في كِتابِهِ.

ومِن آياتِهِ كَفُّ الجَبابِرَةِ عنهُ عَلى وجْهِ الدَهْرِ.

ومِن آياتِهِ الحَجَرُ الأسْوَدُ وما رُوِيَ فِيهِ أنَّهُ مِنَ الجَنَّةِ، وما أُشْرِبَتْ قُلُوبُ العالَمِ مِن تَعْظِيمِهِ قَبْلَ الإسْلامِ.

ومِن آياتِهِ حَجَرُ المَقامِ، وذَلِكَ أنَّهُ قامَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وقْتَ رَفْعِهِ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ لَمّا طالَ البِناءُ، فَكُلَّما عَلا الجِدارُ ارْتَفَعَ الحَجَرُ بِهِ في الهَواءِ، فَما زالَ يَبْنِي وهو قائِمٌ عَلَيْهِ وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ والطِينَ حَتّى أكْمَلَ الجِدارَ، ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أرادَ إبْقاءَ ذَلِكَ آيَةً لِلْعالَمِينَ لَيَّنَ الحَجَرَ، فَغَرِقَتْ فِيهِ قَدَما إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كَأنَّها في طِينٍ، فَذَلِكَ الأثَرُ العَظِيمُ باقٍ في الحَجَرِ إلى اليَوْمِ.

وقَدْ نَقَلَتْ كافَّةُ العَرَبِ ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ عَلى مُرُورِ الأعْصارِ، وقالَ أبُو طالِبٍ: ومَوْطِئُ إبْراهِيمَ في الصَخْرِ رَطْبَةٌ عَلى قَدَمىَّ حافِيًا غَيْرَ ناعِلِ فَما حُفِظَ أنَّ أحَدًا مِنَ الناسِ نازَعَ في هَذا القَوْلِ.

ومِن آياتِهِ البَيِّناتِ زَمْزَمُ في نَبْعِها لِهاجَرَ بِهَمْزِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ الأرْضَ بِعَقِبِهِ، وفي حَفْرِ عَبْدِ المُطَّلِبِ لَها آخَرًا بَعْدَ دُثُورِها بِتِلْكَ الرُؤْيا المَشْهُورَةِ، وبِما نَبَعَ مِنَ الماءِ تَحْتَ خُفِّ ناقَتِهِ في سَفَرِهِ، إلى مُنافَرَةِ قُرَيْشٍ ومُخاصَمَتِها في أمْرِ زَمْزَمَ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ مُسْتَوْعِبًا، ومِن آياتِ البَيْتِ نَفْعُ ماءِ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ، وأنَّهُ يَعْظُمُ ماؤُها في المَوْسِمِ ويَكْثُرُ كَثْرَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ في الآبارِ.

ومِن آياتِهِ: الأمَنَةُ الثابِتَةُ فِيهِ عَلى قَدِيمِ الدَهْرِ، وأنَّ العَرَبَ كانَتْ يُغِيرُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ ويُتَخَطَّفُ الناسُ بِالقَتْلِ وأخْذِ الأمْوالِ وأنْواعِ الظُلْمِ إلّا في الحَرَمِ؛ وتَرَكَّبَ عَلى هَذا أمْنُ الحَيَوانِ فِيهِ وسَلامَةُ الشَجَرِ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِلْبَرَكَةِ الَّتِي خَصَّهُ اللهُ بِها، والدَعْوَةِ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِهِ، ﴿ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا  ﴾ ،.

وإذْعانُ نُفُوسِ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ قاطِبَةً لِتَوْقِيرِ هَذِهِ البُقْعَةِ دُونَ ناهٍ ولا زاجِرٍ، آيَةٌ عُظْمى تَقُومُ بِها الحُجَّةُ، وهي الَّتِي فُسِّرَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ﴾ .

ومِن آياتِهِ كَوْنُهُ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، والأرْزاقُ مِن كُلِّ قُطْرٍ تَجِيءُ إلَيْهِ عن قُرْبٍ وعن بُعْدٍ.

ومِن آياتِهِ، ما ذَكَرَ ابْنُ القاسِمِ العَتَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، قالَ في النَوادِرِ وغَيْرِها: سَمِعْتُ أنَّ الحَرَمَ يُعْرَفُ بِأنْ لا يَجِيءَ سَيْلٌ مِنَ الحِلِّ فَيَدْخُلُ الحَرَمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: -هَذا واللهُ أعْلَمُ- لِأنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَهُ رَبْوَةً أو في حُكْمِها لِيَكُونَ أصْوَنَ لَهُ، والحَرَمُ، فِيما حَكى ابْنُ أبِي زَيْدٍ في الحَجِّ الثانِي مِنَ النَوادِرِ -.

مِمّا يَلِي المَدِينَةَ نَحْوًا مِن أرْبَعَةِ أمْيالٍ إلى مُنْتَهى التَنْعِيمِ، ومِمّا يَلِي العِراقَ نَحْوُ ثَمانِيَةِ أمْيالٍ إلى مَكانٍ يُقالُ لَهُ المَقْطَعُ، ومِمّا يَلِي عَرَفَةَ تِسْعَةُ أمْيالٍ، ومِمّا يَلِي طَرِيقَ اليَمَنِ سَبْعَةُ أمْيالٍ إلى مَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ أضاةُ، ومِمّا يَلِي جَدَّةَ عَشْرَةُ أمْيالٍ إلى مُنْتَهى الحُدَيْبِيَةِ.

قالَ مالِكٌ في العُتْبِيَّةِ: والحُدَيْبِيَةُ في الحَرَمِ.

ومِن آياتِهِ فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ أنَّ الطَيْرَ لا تَعْلُوهُ، وإنْ عَلاهُ طائِرٌ فَإنَّما ذَلِكَ لِمَرَضٍ بِهِ، فَهو يَسْتَشْفِي بِالبَيْتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ: وهَذا كُلُّهُ عِنْدِي ضَعِيفٌ، والطَيْرُ تُعايَنُ تَعْلُوهُ، وقَدْ عَلَتْهُ العُقابُ الَّتِي أخَذَتِ الحَيَّةَ المُشْرِفَةَ عَلى جِدارِهِ، وتِلْكَ كانَتْ مِن آياتِهِ.

ومِن آياتِهِ فِيما ذَكَرَ الناسُ قَدِيمًا وحَدِيثًا، أنَّهُ إذا عَمَّهُ المَطَرُ مِن جَوانِبِهِ الأرْبَعَةِ في العامِ الواحِدِ، أخْصَبَتْ آفاقُ الأرْضِ، وإنْ لَمْ يُصِبْ جانِبًا مِنهُ لَمْ يَخْصَبْ ذَلِكَ الأُفُقُ الَّذِي يَلِيهِ ذَلِكَ العامُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَقامِ إبْراهِيمَ، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو الحَجَرُ المَعْرُوفُ، وقالَ قَوْمٌ: البَيْتُ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ لِأنَّهُ بَناهُ وقامَ في جَمِيعِ أقْطارِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: مَكَّةُ كُلُّها مَقامُ إبْراهِيمَ، وقالَ قَوْمٌ: الحَرَمُ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ ﴾ عائِدٌ عَلى الحَرَمِ في قَوْلِ مَن قالَ: مَقامُ إبْراهِيمَ هو الحَرَمُ، وعائِدٌ عَلى البَيْتِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِغَيْرِهِ، إلّا أنَّ المَعْنى يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ مَن دَخَلَ الحَرَمَ فَهو في الأمْنِ، إذِ الحَرَمُ جُزْءٌ مِنَ البَيْتِ، إذْ هو بِسَبَبِهِ وبِحُرْمَتِهِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "كانَ آمِنًا"؛ فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُمْ: هَذِهِ وصْفُ حالٍ كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ أنَّ الَّذِي يَجُرُّ جَرِيرَةً ثُمَّ يَدْخُلُ الحَرَمَ فَإنَّهُ كانَ لا يُتَناوَلُ ولا يُطْلَبُ، فَأمّا في الإسْلامِ وأمْنِ جَمِيعِ الأقْطارِ فَإنَّ الحَرَمَ لا يَمْنَعُ مِن حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ: مَن سَرَقَ فِيهِ قُطِعَ، ومَن زَنى رُجِمَ، ومَن قَتَلَ قُتِلَ.

واسْتَحْسَنَ كَثِيرٌ مِمَّنْ قالَ هَذا القَوْلَ أنْ يَخْرُجَ مَن وجَبَ عَلَيْهِ القَتْلُ إلى الحِلِّ فَيُقْتَلَ هُنالِكَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَن أحْدَثَ حَدَثًا ثُمَّ اسْتَجارَ بِالبَيْتِ فَهو آمِنٌ، وإنَّ الأمْرَ في الإسْلامِ عَلى ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ، والإسْلامُ زادَ البَيْتَ شَرَفًا وتَوْقِيرًا، فَلا يَعْرِضُ أحَدٌ بِمَكَّةَ لِقاتِلِ ولِيِّهِ، إلّا أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ ألّا يُبايِعُوا ذَلِكَ الجانِيَ ولا يُكَلِّمُوهُ ولا يُؤْوُوهُ حَتّى يَتَبَرَّمَ فَيَخْرُجَ مِنَ الحَرَمِ فَيُقامَ عَلَيْهِ الحَدُّ.

وقالَ بِمِثْلِ هَذا عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ والشَعْبِيُّ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ؛ إلّا أنَّ أكْثَرَهم قالُوا هَذا فِيمَن يَقْتُلُ خارِجَ الحَرَمِ ثُمَّ يَعُوذُ بِالحَرَمِ، فَأمّا مَن يَقْتُلُ في الحَرَمِ فَإنَّهُ يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ في الحَرَمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ: وإذا تُؤُمِّلَ أمْرُ هَذا الَّذِي لا يُكَلَّمُ ولا يُبايَعُ، فَلَيْسَ بِآمِنٍ.

وقالَ يَحْيى بْنُ جَعْدَةَ: مَعْنى الآيَةِ: ومَن دَخَلَ البَيْتَ كانَ آمِنًا مِنَ النارِ.

وحَكى النَقّاشُ عن بَعْضِ العِبادِ قالَ: كُنْتُ أطُوفُ حَوْلَ الكَعْبَةِ لَيْلًا فَقُلْتُ: يا رَبُّ إنَّكَ قُلْتَ: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ﴾ فَمِن ماذا هو آمِنٌ يا رَبُّ؟

فَسَمِعْتُ مُكَلِّمًا يُكَلِّمُنِي وهو يَقُولُ: مِنَ النارِ، فَنَظَرْتُ وتَأمَّلْتُ فَما كانَ في المَكانِ أحَدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ ﴾ ....

الآيَةُ، هو فَرْضُ الحَجِّ في كِتابِ اللهِ بِإجْماعٍ.

وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: الحَجُّ كُلُّهُ في كِتابِ اللهِ، فَأمّا الصَلاةُ والزَكاةُ فَهي مِن مُجْمَلِهِ الَّذِي فَسَّرَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ، والحَجُّ مِن دَعائِمِ الإسْلامِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْها حَسَبَ الحَدِيثِ، وشُرُوطُ وُجُوبِهِ خَمْسَةٌ: البُلُوغُ، والعَقْلُ، والحُرِّيَّةُ، والإسْلامُ، واسْتِطاعَةُ السَبِيلِ.

والحَجُّ في اللُغَةِ: القَصْدُ، لَكِنَّهُ في بَيْتِ اللهِ مُخَصَّصٌ بِأعْمالٍ وأقْوالٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "حِجُّ البَيْتِ" بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "حَجُّ البَيْتِ" بِفَتْحِها.

قالَ سِيبَوَيْهِ: حَجَّ حِجًّا مِثْلُ ذَكَرَ ذِكْرًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَحِجُّ عَلى هَذا مَصْدَرٌ، وقالَ سِيبَوَيْهِ أيْضًا: قالُوا غَزاةً فَأرادُوا عَمَلَ وجْهٍ واحِدٍ كَما قِيلَ حِجَّةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَوْلُهُ حِجُّ بِكَسْرِ الحاءِ، يُرِيدُونَ عَمَلَ سَنَةٍ واحِدَةٍ، ولَمْ يَجِيئُوا بِهِ عَلى الأصْلِ لَكِنَّهُ اسْمٌ لَهُ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَوْلُهُ: "لَمْ يَجِيئُوا بِهِ عَلى الأصْلِ" يُرِيدُ عَلى الفَتْحِ الَّذِي هو الدُفْعَةُ مِنَ الفِعْلِ، ولَكِنْ كَسَرُوهُ فَجَعَلُوهُ اسْمًا لِهَذا المَعْنى، كَما أنَّ غَزاةً كَذَلِكَ، ولَمْ تَجِئْ فِيهِ الغَزْوَةُ وكانَ القِياسَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأكْثَرُ ما التُزِمَ كَسْرُ الحاءِ في قَوْلِهِمْ ذُو الحِجَّةِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: حِجَّةُ الوَداعِ ونَحْوُهُ فَإنَّها عَلى الأصْلِ.

وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: الحَجُّ بِفَتْحِ الحاءِ- المَصْدَرُ، وبِكَسْرِها اسْمُ العَمَلِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: هُما لُغَتانِ: الكَسْرُ لُغَةُ نَجْدٍ، والفَتْحُ لُغَةُ أهْلِ العالِيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ : "مَن" في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلٌ مِنَ "الناسِ" وهو بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ.

وقالَ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ: هي شَرْطٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ.

والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ الحَجُّ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ الشَرْطِ الآخَرِ بَعْدَهُ في قَوْلِهِ: "وَمَن كَفَرَ" وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: "مَن" رُفِعَ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو "حِجُّ البَيْتِ" ويَكُونُ المَصْدَرُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في حالِ مُسْتَطِيعِ السَبِيلِ كَيْفَ هِيَ؟

فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي حالُ الَّذِي يَجِدُ زادًا وراحِلَةً.

ورَوى الطَبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ مِن طَرِيقِ إبْراهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الخُوزِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ ما السَبِيلُ؟

قالَ: "الزادُ والراحِلَةُ".» وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "مَن مَلَكَ زادًا وراحِلَةً فَلَمْ يَحُجَّ فَلا عَلَيْهِ أنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أو نَصْرانِيًّا".» ورَوى عَبْدُ الرَزّاقِ وسُفْيانُ عن إبْراهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الخُوزِيِّ عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبّادِ بْنِ جَعْفَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قامَ رَجُلٌ إلى النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، فَقالَ: ما السَبِيلُ؟

قالَ: "الزادُ والراحِلَةُ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَ قَوْمٌ هَذا الحَدِيثَ لِأنَّ إبْراهِيمَ بْنَ يَزِيدَ الخُوزِيَّ تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ وغَيْرُهُ، والحَدِيثُ مُسْتَغْنٍ عن طَرِيقِ إبْراهِيمَ، وقالَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ: هَذا الحَدِيثُ مُشِيرٌ إلى أنَّ الحَجَّ لا يَجِبُ مَشْيًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي أقُولُ: إنَّ هَذا الحَدِيثَ إنَّما خَرَجَ عَلى الغالِبِ مِن أحْوالِ الناسِ وهو البُعْدُ عن مَكَّةَ واسْتِصْعابُ المَشْيِ عَلى القَدَمِ كَثِيرًا، فَأمّا القَرِيبُ الدارِ فَلا يَدْخُلُ في الحَدِيثِ، لِأنَّ القُرْبَ أغْناهُ عن زادٍ وراحِلَةٍ.

وأمّا الَّذِي يَسْتَطِيعُ المَشْيَ مِنَ الأقْطارِ البَعِيدَةِ، فالراحِلَةُ عِنْدَهُ بِالمَعْنى والقُوَّةِ الَّتِي وُهِبَ.

وقَدْ ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ "يَأْتُوكَ رِجالًا" وكَذَلِكَ أيْضًا مَعْنى الحَدِيثِ: الزادُ والراحِلَةُ لِمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ في بَدَنِهِ، مِن مَرَضٍ أو خَوْفٍ عَلى أقْسامِهِ أوِ اسْتِحْقاقٍ بِأُجْرَةٍ أو دَيْنٍ وهو يُحاوِلُ الأداءَ، ويَطْمَعُ فِيهِ بِتَصَرُّفِهِ في مالٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وأمّا العَدِيمُ فَلَهُ أنْ يَحُجَّ إذا تَكَلَّفَ واسْتَطاعَ، فَمَقْصِدُ الحَدِيثِ أنْ يَتَحَدَّدَ مَوْضِعُ الوُجُوبِ عَلى البَعِيدِ الدارِ، وأمّا المُشاةُ وأصْحابُ الأعْذارِ فَكَثِيرٌ مِنهم مَن يَتَكَلَّفُ السَفَرَ وإنْ كانَ الحَجُّ غَيْرَ واجِبٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُؤَدِّيهِ ذَلِكَ التَكَلُّفُ إلى مَوْضِعٍ يَجِبُ فِيهِ الحَجُّ عَلَيْهِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في طَلَبِ الأجْرِ ونَيْلِهِ، إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ كَلامٌ عامٌّ لا يَتَفَسَّرُ بِزادٍ وراحِلَةٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ إذا كانَ مُسْتَطِيعًا غَيْرَ شاقٍّ عَلى نَفْسِهِ فَقَدْ وجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ، قالَ ذَلِكَ ابْنُ الزُبَيْرِ والضَحّاكُ.

وقالَ الحَسَنُ: مَن وجَدَ شَيْئًا يُبَلِّغُهُ فَقَدِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا.

وقالَ عِكْرِمَةُ: اسْتِطاعَةُ السَبِيلِ: الصِحَّةُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن مَلَكَ ثَلاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَهو السَبِيلُ إلَيْهِ.

وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، في سَماعِ أشْهَبَ مِنَ العُتْبِيَّةِ، وفي كِتابِ مُحَمَّدٍ، وقَدْ قِيلَ لَهُ: أتَقُولُ إنَّ السَبِيلَ الزادُ والراحِلَةُ؟

فَقالَ: لا واللهِ، قَدْ يَجِدُ زادًا وراحِلَةً ولا يَقْدِرُ عَلى مَسِيرٍ، وآخَرُ يَقْدِرُ أنْ يَمْشِيَ راجِلًا، ورُبَّ صَغِيرٍ أجْلَدُ مِن كَبِيرٍ، فَلا صِفَةَ في هَذا أبْيَنُ مِمّا قالَ اللهُ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أنْبَلُ كَلامٍ؛ وجَمِيعُ ما حُكِيَ عَنِ العُلَماءِ لا يُخالِفُ بَعْضُهُ بَعْضًا، الزادُ والراحِلَةُ عَلى الأغْلَبِ مِن أمْرِ الناسِ في البُعْدِ، وأنَّهم أصِحّاءُ غَيْرُ مُسْتَطِيعِينَ لِلْمَشْيِ عَلى الأقْدامِ، والِاسْتِطاعَةُ- مَتى تَحَصَّلَتْ- عامَّةٌ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ، فَإذا فَرَضْنا رَجُلًا مُسْتَطِيعًا لِلسَّفَرِ ماشِيًا مُعْتادًا لِذَلِكَ، وهو مِمَّنْ يَسْألُ الناسَ في إقامَتِهِ ويَعِيشُ مِن خِدْمَتِهِمْ وسُؤالِهِمْ، ووَجَدَ صَحابَةً، فالحَجُّ عَلَيْهِ واجِبٌ دُونَ زادٍ ولا راحِلَةٍ.

وهَذِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ فِيها فِقْهُ الحالِ.

وكانَ الشافِعِيُّ يَقُولُ: الِاسْتِطاعَةُ عَلى وجْهَيْنِ؛ بِنَفْسِهِ أوَّلًا، فَمَن مَنَعَهُ مَرَضٌ أو عُذْرٌ ولَهُ مالٌ فَعَلَيْهِ أنْ يَجْعَلَ مَن يَحُجُّ عنهُ وهو مُسْتَطِيعٌ لِذَلِكَ.

واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ وُجُوبُ الحَجِّ عَلى الفَوْرِ أو عَلى التَراخِي؟

عَلى قَوْلَيْنِ، ولِمالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ مَسائِلُ تَقْتَضِي القَوْلَيْنِ، قالَ في "المَجْمُوعَةِ" فِيمَن أرادَ الحَجَّ ومَنَعَهُ أبَواهُ: لا يَعْجَلُ عَلَيْهِما في حِجَّةِ الفَرِيضَةِ ولْيَسْتَأْذِنْهُما العامَ والعامَيْنِ، فَهَذا عَلى التَراخِي.

وقالَ في كِتابِ ابْنِ المَوّازِ: لا يَحُجُّ أحَدٌ إلّا بِإذْنِ أبَوَيْهِ إلّا الفَرِيضَةَ، فَلْيَخْرُجْ ولْيَدَعْهُما، فَهَذا عَلى الفَوْرِ.

وقالَ مالِكٌ في المَرْأةِ يَمُوتُ عنها زَوْجُها فَتُرِيدُ الخُرُوجَ إلى الحَجِّ: لا تَخْرُجُ في أيّامِ عِدَّتِها، قالَ الشَيْخُ أبُو الحَسَنِ اللَخْمِيُّ: فَجَعَلَهُ عَلى التَراخِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا اسْتِقْراءٌ فِيهِ نَظَرٌ.

واخْتَلَفَ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ فِيمَن يَخْرُجُ إلى الحَجِّ عَلى أنْ يَسْألَ الناسَ جائِيًا وذاهِبًا، مِمَّنْ لَيْسَتْ تِلْكَ عادَتَهُ في إقامَتِهِ، فَرَوى عنهُ ابْنُ وهْبٍ أنَّهُ قالَ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ، قِيلَ لَهُ فَإنْ ماتَ في الطَرِيقِ؟

قالَ: حِسابُهُ عَلى اللهِ.

ورَوى عنهُ ابْنُ القاسِمِ أنَّهُ قالَ: لا أرى لِلَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ أنْ يَخْرُجُوا إلى الحَجِّ والغَزْوِ ويَسْألُوا وإنِّي لَأكْرَهُ ذَلِكَ، لِقَوْلِ اللهِ سُبْحانَهُ ﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ  ﴾ .

قالَ ابْنُ القاسِمِ: وكَرِهَ مالِكٌ أنْ يَحُجَّ النِساءُ في البَحْرِ لِأنَّها كَشْفَةٌ، وكَرِهَ أنْ يَحُجَّ أحَدٌ في البَحْرِ إلّا مِثْلَ أهْلِ الأنْدَلُسِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مِنهُ بُدًّا، وقالَ في كِتابِ مُحَمَّدٍ وغَيْرِهِ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَأذِّنْ في الناسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ  ﴾ وما أسْمَعُ لِلْبَحْرِ ذِكْرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْنِيسٌ مِن مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ لِسُقُوطِ لَفْظَةِ البَحْرِ، ولَيْسَ تَقْتَضِي الآيَةُ سُقُوطَ البَحْرِ، وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللهُ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "ناسٌ مِن أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ مُلُوكًا عَلى الأسِرَّةِ أو مِثْلَ المُلُوكِ عَلى الأسِرَّةِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذا البَحْرِ الأخْضَرِ غُزاةً في سَبِيلِ اللهِ.".» ولا فَرْقَ بَيْنَ الغَزْوِ والحَجِّ.

واخْتُلِفَ في حَجِّ النِساءِ ماشِياتٍ مَعَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ في "المُدَوَّنَةِ" في المَرْأةِ تَنْذِرُ مَشْيًا فَتَمْشِي وتَعْجِزُ في بَعْضِ الطَرِيقِ: إنَّها تَعُودُ ثانِيَةً؛ قالَ: والرِجالُ والنِساءُ في ذَلِكَ سَواءٌ، فَعَلى هَذا يَجِبُ الحَجُّ إذا كانَتْ قادِرَةً عَلى المَشْيِ، لِأنَّ حِجَّةَ الفَرِيضَةِ آكَدُ مِنَ النَذْرِ.

وقالَ في كِتابِ مُحَمَّدٍ: لا أرى عَلى المَرْأةِ الحَجَّ ماشِيَةً وإنْ قَوِيَتْ عَلَيْهِ، لِأنَّ مَشْيَهُنَّ عَوْرَةٌ، إلّا أنْ يَكُونَ المَكانَ القَرِيبَ مِن مَكَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَنْظُرُ بِفِقْهِ الحالِ إلى رائِعَةٍ أو مُتَجالَّةٍ.

ولا حَجَّ عَلى المَرْأةِ إلّا إذا كانَ مَعَها ذُو مَحْرَمٍ، واخْتُلِفَ إذا عَدِمَتْهُ هَلْ يَجِبُ الحَجُّ بِما هو في مَعْناهُ مِن نِساءٍ ثِقاتٍ يُصْطَحَبْنَ في القافِلَةِ، أو رِجالٍ ثِقاتٍ؟

فَقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ وابْنُ حَنْبَلَ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: المَحْرَمُ مِنَ السَبِيلِ، ولا حَجَّ عَلَيْها إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وُقُوفٌ مَعَ لَفْظِ الحَدِيثِ.

وقالَ مالِكٌ: تَخْرُجُ مَعَ جَماعَةِ نِساءٍ، وقالَ الشافِعِيُّ: تَخْرُجُ مَعَ حُرَّةٍ ثِقَةٍ مُسْلِمَةٍ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: تَخْرُجُ مَعَ رَجُلٍ ثِقَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقالَ الأوزاعِيُّ: تَخْرُجُ مَعَ قَوْمٍ عُدُولٍ، وتَتَّخِذُ سُلَّمًا تَصْعَدُ عَلَيْهِ وتَنْزِلُ، ولا يَقْرَبُها رَجُلٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الأقْوالُ راعَتْ مَعْنى الحَدِيثِ.

وجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ لِلْمَرْأةِ أنْ تَحُجَّ الفَرِيضَةَ وإنْ كَرِهَ زَوْجُها، ولَيْسَ لَهُ مَنعُها.

واضْطَرَبَ قَوْلُ الشافِعِيِّ في ذَلِكَ.

واخْتَلَفَ الناسُ في وُجُوبِ الحَجِّ مَعَ وُجُودِ المُكُوسِ والغَرامَةِ؛ فَقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: إذا كانَ المَكْسُ ولَوْ دِرْهَمًا سَقَطَ الفَرْضُ، فَظاهِرُ هَذا أنَّها إذا كانَتْ كَثِيرَةً غَيْرَ مُجْحِفَةٍ لِسَعَةِ الحالِ فَإنَّ الفَرْضَ لا يَسْقُطُ، وعَلى هَذا المَنزَعِ جَماعَةُ أهْلِ العِلْمِ وعَلَيْهِ مَضَتِ الأعْصارُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ نُبْذَةٌ مِن فِقْهِ الِاسْتِطاعَةِ، ولَيْسَ هَذا الجَمْعُ بِمَوْضِعٍ لِتَقَصِّي ذَلِكَ، واللهُ المُسْتَعانُ.

والسَبِيلُ: تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، والأغْلَبُ والأفْصَحُ التَأْنِيثُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ تَبْغُونَها عِوَجًا  ﴾ وقالَ: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللهِ  ﴾ ؛ ومِنَ التَذْكِيرِ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: قَضى يَوْمَ بَدْرٍ أنْ تُلاقِيَ مَعْشَرًا بَغَوْا، وسَبِيلُ البَغْيِ بِالناسِ جائِزُ والضَمِيرُ فِي: "إلَيْهِ" عائِدٌ عَلى البَيْتِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحَجِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: مَن زَعَمَ أنَّ الحَجَّ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَيْهِ، وقالَ مِثْلَهُ الضَحّاكُ وعَطاءٌ وعِمْرانُ القَطّانُ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ.

ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ: يا رَسُولَ اللهِ مَن تَرَكَهُ كَفَرَ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ  "مَن تَرَكَهُ لا يَخافُ عُقُوبَتَهُ، ومَن حَجَّهُ لا يَرْجُو ثَوابَهُ فَهو ذَلِكَ".» وقالَ بِمَعْنى هَذا الحَدِيثِ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا.

وهَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَرْجِعُ إلى كُفْرِ الجَحْدِ والخُرُوجِ عَنِ المِلَّةِ.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: مَعْنى الآيَةِ: مَن كَفَرَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: مَن كَفَرَ بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي في البَيْتِ، وقالَ السُدِّيُّ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى الآيَةِ: ومَن كَفَرَ بِأنْ وجَدَ ما يَحُجُّ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ، قالَ السُدِّيُّ: مَن كانَ بِهَذِهِ الحالِ فَهو كافِرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُفْرُ مَعْصِيَةٍ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ: « "مَن تَرَكَ الصَلاةَ فَقَدْ كَفَرَ"» وقَوْلِهِ: « "لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ"» عَلى أظْهَرِ مُحْتَمَلاتِ هَذا الحَدِيثِ.

وبَيِّنٌ أنَّ مَن أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِمالٍ وصِحَّةٍ ولَمْ يَحُجَّ فَقَدْ كَفَرَ النِعْمَةَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ الوَعِيدُ لِمَن كَفَرَ.

والقَصْدُ بِالكَلامِ: فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عنهُمْ، ولَكِنْ عَمَّمَ اللَفْظَ لِيَبْرَعَ المَعْنى، ويُنَبِّهَ الفِكْرَ عَلى قُدْرَةِ اللهِ وسُلْطانِهِ واسْتِغْنائِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ حَتّى لَيْسَ بِهِ افْتِقارٌ إلى شَيْءٍ، لا رَبَّ سِواهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا الكلام واقع موقع التّعليل للأمر في قوله: ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ [آل عمران: 95] لأنّ هذا البيت المنوّه بشأنه كان مقاماً لإبراهيم ففضائل هذا البيتتِ تحقّق فضيلة شرع بانيه في متعارف النَّاس، فهذا الاستدلال خطابي، وهو أيضاً إخبار بفضيلة الكعبة، وحرمتها فيما مضى من الزّمان.

وقد آذن بكون الكلام تعليلاً موقع (إنّ) في أوّله فإنّ التأكيد بإنّ هنا لمجرّد الاهتمام وليس لردّ إنكار منكر، أو شكّ شاكّ.

ومن خصائص (إنّ) إذا وردت في الكلام لمجرّد الاهتمام، أن تغني غَناء فاء التفريع وتفيد التَّعليل والربط، كما في دلائل الإعجاز.

ولِمَا في هذه من إفادة الربط استغني عن العطف لكون (إنّ) مؤذنة بالربط.

وبيانُ وجه التعليل أن هذا البيت لمّا كان أوّل بيت وضع للهُدى وإعلان توحيد الله ليكون علماً مشهوداً بالحسّ على معنى الوحدانية ونفي الإشراك، فقد كان جامعاً لدلائل الحنيفية، فإذا ثبت له شرف الأولية ودوام الحرمة على ممرّ العصور، دون غيره من الهياكل الدينية الَّتي نشأت بعده، وهو مائل، كان ذلك دلالة إلهية على أنَّه بمحلّ العناية من الله تعالى، فدلّ على أنّ الدّين الَّذي قارن إقامته هو الدّين المراد لله، وهذا يؤول إلى معنى قوله: ﴿ إن الدين عند اللَّه الإسلام ﴾ [آل عمران: 19].

وهذا التَّعليل خطابي جار على طريقة اللُّزوم العرفي.

وقال الواحدي، عن مجاهد: تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المَقْدس أفضل وأعظم من الكعبة لأنَّه مُهَاجر الأنبياء وفي الأرض المقدّسة وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله هذه الآية.

و ﴿ أوَّل ﴾ اسم للسابق في فِعللٍ مَّا فإذا أضيف إلى اسم جنس فهو السابق من جنس ذلك المضاف إليه في الشأن المتحدّث عنه.

والبيت بناء يأوِي واحداً أو جماعة، فيكون بيتَ سكنى، وبيت صلاة، وبيت ندوة، ويكون مبنياً من حَجَر أو من أثواببِ نسيج شعر أو صوف، ويكون من أدم فيسمّى قبَّة قال تعالى: ﴿ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ [النحل: 81].

ومعنى ﴿ وُضع ﴾ أسّسَ وأثْبِتَ، ومنه سمّي المكان موضعاً.

وأصل الوضع أنَّه الحطّ ضدّ الرفع، ولمَّا كان الشيء المرفوع بعيداً عن التناول، كان الموضوع هو قريب التناول، فأطلق الوضع لمعنى الإدناء للمتناول، والتَّهيئة للانتفاع.

و (النَّاس) تقدّم في قوله تعالى: ﴿ ومن النَّاس من يقول آمنا باللَّه ﴾ في سورة [البقرة: 8].

( ﴿ وبكّة ﴾ اسم مكَّة.

وهو لغة بإبدال الميم باء في كلمات كثيرة عدّت من المترادف: مثل لازب في لازم، وأربد وأرمد أي في لون الرماد، وفي سماع ابن القاسم من العتبية عن مالك: أنّ بكة بالباء اسم موضع البيت، وأنّ مكَّة بالميم اسم بقية الموضع، فتكون باء الجرّ هنا لظرفية مكان البيت خاصّة.

لا لسائر البلد الَّذي فيه البيت، والظاهر عندي أنّ بكة اسم بمعنى البلدة وضعه إبراهيم علماً على المكان الَّذي عيّنه لسكنى ولده بنيّة أن يكون بلداً، فيكون أصله من اللغة الكلدانية، لغة إبراهيم، ألا ترى أنَّهم سمّوا مدينة (بعلبك) أي بلد بَعل وهو معبود الكلدانيين، ومن إعجاز القرآن اختيار هذا اللَّفظ عند ذكر كونه أوّل بيت، فلاحظ أيضاً الاسم الأوّل، ويؤيّد ذلك قوله: ﴿ ربّ هذه البلدة ﴾ [النمل: 91] وقوله: ﴿ ربّ اجعل هذا البلد آمناً ﴾ [إبراهيم: 35].

وقد قيل: إنّ بكّة مشتقّ من البَكّ وهو الازدحام، ولا أحسب قصد ذلك لواضع الاسم.

وعدل عن تعريف البيت باسمه العلَم بالغلبة، وهو الكعبة، إلى تعريفه بالموصولية بأنَّه (الَّذي ببكة): لأنّ هذه الصّلة صارت أشهر في تعيّنه عند السامعين، إذ ليس في مكّة يومئذ بيت للعبادة غيره، بخلاف اسم الكعبة: فقد أطلق اسم الكعبة على القليس الَّذي بناه الحبشة في صنعاء لدين النصرانية ولقّبوه الكعبة اليمانية.

والمقصود إثبات سبق الكعبة في الوجود قبل بيوت أخر من نوعها.

وظاهر الآية أنّ الكعبة أوّل البيوت المبنيّة في الأرض، فتمسّك بهذا الظَّاهر مجاهد، وقتادة، والسّدي، وجماعة، فقالوا: هي أوّل بناء، وقالوا: إنَّها كانت مبنيّة من عهد آدم عليه السلام ثُمّ درست، فجددها إبراهيم، قال ابن عطية: ورويت في هذا أقاصيص أسانيدها ضعاف فلذلك تركتُها، وقد زعموا أنَّها كانت تسمّى الضُراح بوزن غراب ولكنّ المحقّقين وجمهور أهل العلم لم يأخذوا بهذا الظاهر، وتأوّلوا الآية.

قال عليّ رضي الله عنه: «كان قبل البيت بيوت كثيرة» ولا شكّ أنّ الكعبة بناها إبراهيم وقد تعدّد في القرآن ذكر ذلك، ولو كانت من بناء الأنبياء قبله لزيد ذكر ذلك زيادة في التنويه بشأنها، وإذا كان كذلك فلا يجوز أن يكون أوّل بناء وقع في الأرض كان في عهد إبراهيم، لأنّ قبل إبراهيم أمماً وعصوراً كان فيها البناء، وأشهر ذلك برج بابل، بُنِي إثر الطوفان، وما بناه المصريّون قبل عهد إبراهيم، وما بناه الكلدان في بدل إبراهيم قبل رحلته إلى مصر، ومن ذلك بيت أصنامهم، وذلك قبل أن تصير إليه هاجَر الَّتي أهداها له ملك مصر، وقد حكى القرآن عنهم ﴿ قالوا ابْنُوا له بنياناً فَألْقُوه في الجحيم ﴾ [الثافات: 97] فتعيّن تأويل الآية بوجه ظاهر، وقد سلك العلماء مسالك فيه: وهي راجعة إلى تأويل الأوّل، أو تأويل البيت، أو تأويل فعل وُضع، أو تأويل النَّاس، أو تأويل نظم الآية، والَّذي أراه في التأويل أنّ القرآن كتاب دين وهُدى، فليس غرض الكلام فيه ضبط أوائل التَّاريخ، ولكن أوائل أسباب الهدى، فالأوَّلية في الآية على بابها، والبيت كذلك، والمعنى أنَّه أوّل بيت عبادة حقّة وضع لإعلان التَّوحيد، بقرينة المقام، وبقرينة قوله: ﴿ وُضع للنَّاس ﴾ المقتضى أنَّه من وضععِ واضععٍ لمصلحة النَّاس، لأنَّه لو كان بيت سكنى لقيل وضعه النَّاس، وبقرينة مجيء الحالين بعدُ؛ وهما قوله: ﴿ مباركاً وهدى للعالمين ﴾ .

وهذا تأويل في معنى بيت، وإذا كان أوّلَ بيتتِ عبادة حقَ، كان أوّل معهد للهدى، فكان كُلّ هدى مقتبساً منه فلا محيص لكلّ قوم كانوا على هدى من الاعتراف به وبفضله، وذلك يوجب اتّباع الملّة المبنيّة على أسس ملّة بانيه، وهذا المفاد من تفريع قوله: ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ [البقرة: 95].

وتأوّل الآية عليّ بن أبي طالب، فروى عنه أنّ رجلاً سأله: أهو أوّل بيت؟

قال: «لا، قد كان قبله بيوت، ولكنَّه أوّل بيت وضع للنَّاس مباركاً وهدى» فجعل مباركاً وهدى حالين من الضمير في ﴿ وُضع ﴾ لا من اسممِ الموصول، وهذا تأويل في النظم لا ينساق إليه الذهن إلاّ على معنى أنَّه أوّل بيت من بيوت الهدى كما قلنا، وليس مراده أنّ قوله: ﴿ وضع ﴾ هو الخبَر لتعيّن أن الخبر هو قوله: ﴿ للذي ببكة ﴾ بدليل دُخول اللاّم عليه.

وعن مجاهد قالت اليهود: بيت المقدس أفضل من الكعبة لأنَّها مهاجَر الأنبياء، وقال المسلمون: الكعبة، فأنزل الله هذه الآية، وهذا تأويل ﴿ أول ﴾ بأنَّه الأوّل من شيئين لا من جنس البيوت كلّها.

وقيل: أراد بالأول الأشرف مجازاً.

وعندي أنَّه يجوز أن يكون المراد من النَّاس المعهودين وهم أهل الكتب أعني اليهود والنَّصارى والمسلمين، وكلّهم يعترف بأصالة دين إبراهيم عليه السلام، فأوّل معبد بإجماعهم هو الكعبة فيلزمهم الاعتراف بأنَّه أفضل ممَّا سواه من بيوت عبادتهم.

وإنَّما كانت الأوّلية موجِبة التّفضيل لأنّ مواضع العبادة لا تتفاضل من جهة العبادة، إذ هي في ذلك سواء، ولكنَّها تتفاضل بما يحفّ بذلك من طول أزمان التعبّد فيها، وبنسبتها إلى بانيها، وبحسن المقصد في ذلك، وقد قال تعالى في مسجد قُبَاء: ﴿ لمَسجِدٌ أسِّسَ على التَّقوَى من أوّل يوم أحقّ أن تقوم فيه ﴾ [التوبة: 108].

وقد جمعت الكعبة جميع هذه المزايا فكانت أسبق بيوت العبادة الحقّ، وهي أسبق من بيت المقدس بتسعة قرون.

فإنّ إبراهيم بنى الكعبة في حدود سنة 1900 قبل المسيح وسليمانَ بنى بيت المقدس سنة 1000 قبل المسيح، والكعبة بناها إبراهيم بيده فهي مبنية بيد رسول.

وأمَّا بيتُ المقدس فبناها العملة لسليمان بأمره.

وروى في «صحيح مسلم»، عن أبي ذرّ رضي الله عنه أنَّه قال: سألت رسول الله: أيّ مسجد وُضِعَ أولُ؟

قال: المسجدُ الحرام، قلت: ثمّ أيّ؟

قال: المسجدُ الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟

قال: أربعون سنة.

فاستشكله العلماء بأنّ بين إبراهيم وسليمان قروناً فكيف تكون أربعين سنة، وأجاب بعضهم بإمكان أن يكون إبراهيم بنى مسجداً في موضع بيت المقدس ثُمّ درس فجدّده سليمان.

وأقول: لا شكّ أنّ بيت المقدس من بناء سليمان كما هو نص كتاب اليهود، وأشار إليه القرآن في قوله: ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب ﴾ [سبأ: 13] الآية، فالظاهر أنّ إبراهيم لمَّا مرّ ببلاد الشَّام ووعده الله أن يورث تلك الأرض نسلهُ عيَّن الله له الوضع الَّذي سيكون به أكبر مسجدٍ تبنيه ذرّيّته، فأقام هنالك مسجداً صغيراً شكراً لله تعالى، وجعله على الصّخرة المجعولة مذبحاً للقربان.

وهي الصّخرة الَّتي بنى سليمان عليها المسجد، فلمَّا كان أهل ذلك البلد يومئذ مشركين دثر ذلك البناء حتَّى هدى الله سليمان إلى إقامة المسجد الأقصى عليه، وهذا من العِلم الَّذي أهملتْه كتب اليهود، وقد ثبت في سفر التَّكوين أنّ إبراهيم بنى مذابح في جهات مرّ عليها من أرض الكنعانيين لأنّ الله أخبره أنَّه يعطي تلك الأرض لنسله، فالظاهر أنّه بنى أيضاً بموضع مسجد أرشليم مذبحاً.

و ﴿ مباركاً ﴾ اسم مفعول من بارك الشيء إذا جعل له بركة وهي زيادة في الخير.

أي جُعلت البركة فيه بجعل الله تعالى، إذ قَدّرَ أن يكون داخلُهُ مُثاباً ومحصّلا على خيْر يبلغه على مبلغ نيته، وقدّر لمجاوريه وسكّان بلده أن يكونوا ببركة زيادةِ الثَّواببِ ورفاهية الحال، وأمر بجعل داخله آمناً، وقدّر ذلك بين النَّاس فكان ذلك كلّه بركة.

وسيأتي معنى البركة عند قوله تعالى: ﴿ وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الَّذي بين يديه ﴾ في سورة [الأنعام: 92].

(ووصفه بالمصدر في قوله: وهُدى} مبالغة لأنَّه سبب هدى.

وجُعل هدى للعالمين كلِّهم: لأنّ شهرته وتسامع النَّاس به، يحملهم على التساؤل عن سبب وضعه، وأنَّه لتوحيد الله، وتطهير النُّفوس من خبث الشرك فيهتدي بذلك المهتدي، ويرعوي المتشكك.

ومن بركة ذاته أنّ حجارته وضعتْها عند بنائه يد إبراهيم، ويد إسماعيل، ثُمّ يدُ محمَّد صلى الله عليه وسلم ولا سيما الحجر الأسود.

وانتصب ﴿ مباركاً وهدى ﴾ على الحال من الخبر، وهو اسم الموصول.

وجملة ﴿ فيه آيات بيِّنات ﴾ استئناف ثناء على هذا البيت بما حفّ به من المناقب والمزايا فغيّر الأسلوب للاهتمام ولذلك لم تجعل الجملة حالاً، فتعطف على الحالين قبلها، لأنّ مباركاً وهدى وصفان ذاتيّان له، وحالان مقارنان، والآيات عوارض عرضت في أوقات متفاوتة، أو هي حال ثالثة ولم تعطف بالواو لأنّها جملة وما قبلها مفردان ولئلاّ يتوهم أن الواو فيها واو الحال، فتكون في صورتها جارية على غير صورة الأفصح في مثلها من عدم الاقتران بالواو، على ما حقَّقه الشَّيخ عبد القاهر، فلو قرنت بواو العطف لالتبست بواو الحال، فكرهت في السمع، فيكون هذا من القطع لدفع اللبس، أو نقول هي حال ولم تعطف على الأحوال الأخرى لأنّها جملة، فاستغنت بالضّمير عن رابط العطف.

ووصف الآيات ببيِّناتتٍ لظهورها في علم المخاطبين.

وجماع هذه الآيات هي ما يسّره الله لسكّان الحرم وزائريه من طرق الخير، وما دفع عنهم من الأضرار، على حالة اتّفق عليها سائر العرب، وقمعوا بها أنفسهم وشهواتهم، مع تكالبهم على إرضاء نفوسهم.

وأعظمها الأمن، الّذي وطن عليه نفوس جميع العرب في الجاهلية مع عدم تديّنهم، فكان الرجل يلاقي قاتل أبيه في الحرم فلا يناله بسوء، وتَواضُعُ مثل هذا بين مختلف القبائل، ذات اختلاف الأنساب والعوائد والأديان، آية على أنّ الله تعالى وقَر ذلك في نفوسهم.

وكذلك تأمين وحْشِه مع افتتان العرب بحبّ الصّيد.

ومنها ما شاع بين العرب من قصم كلّ من رامه بسوء، وما انصرافُ الأحباش عنه بعد امتلاكهم جميع اليمن وتهامة إلا آية من آيات الله فيه.

ومنها انبثاق الماء فيه لإسماعيل حين إشرافه على الهلاك.

وافتداء الله تعالى إيّاه بذبح عظيم حين أراد أبوه إبراهيم عليْه السّلام قربانه.

ومنها ما شاع بين العرب وتوارثوا خبره أباً عن جدّ من نزول الحجر الأسود من السَّماء على أبي قبيس بمرأى إبراهيم، ولعلَّه حجر كوكبي.

ومنها تيسير الرزق لساكنيه مع قُحولة أرضه، وملوحة مائه.

وقوله: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ أصل المقام أنّه مَفْعَل من القيام، والقيام يطلق على المعنى الشَّائع وهو ضدّ القعُود، ويطلق على خصوص القيام للصّلاة والدعاء، فعلى الوجه الثَّاني فرفع مقام على أنّه خبر لضمير محذوف يعود على ﴿ للذى ببكّة ﴾ ، أي هو مقام إبراهيم، أي البيتُ الَّذى ببكّة.

وحذْفُ المسند إليه هنا جاء على الحذف الَّذي سمَّاه علماء المعاني، التَّابعين لاصطلاح السكاكي، بالحذف للاستعمال الجاري على تركه، وذلك في الرفع على المدح، أو الذم، أو الترحّم، بعد أن يجري على المسند إليه من الأوصاف قبل ذلك ما يبيّن المراد منه كقول أبي الطمحان القيني: فإنّ بني لأممِ بن عمرو أرومة *** سَمَتْ فوق صعب لا تُنالُ مراقبه نجوم سماءٍ كلّما انْقَضَّ كوكبٌ *** بَدَا كوكب تأْوِي إليه كواكبه هذا هو الوجه في موقع قوله تعالى: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ .

وقد عبّر عن المسجد الحرام بأنّه مقام إبراهيم أي محلّ قيامه للصلاة والطواف قال تعالى: ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ [البقرة: 125] ويدل لذلك قول زيد بن عَمرو بن نُفَيل: عُذْتُ بما عاذَ به إبْرَاهِمْ *** مستقبلَ الكَعْبَةِ وهو قائم وعلى الوجه الأول يكون المراد الحجر الَّذى فيه أثر قَدَمي إبراهيم عليه السّلام في الصّخرة التي ارتقى عليها ليرفع جدران الكعبة، وبذلك فسر الزجّاج وتبعه على ذلك الزمخشري، وأجاب الزمخشري عمَّا يعترض به من لزوم تبيين الجمع بالمفرد بأنّ هذا المفرد في قوّة جماعة من الآيات لأنّ أثر القدم في الصّخرة آية، وغوصَه فيها إلى الكعبين آية وإلانة بعض الصّخر دون بعض آية، وأنا أقول: إنَّه آيات لدلالته على نبوّة إبراهيم بمعجزة له وعلى علممِ الله وقدرته، وإنّ بقاء ذلك الأثر مع تلاشي آثار كثيرة في طيلة القرون آية أيضاً.

وقوله: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ عطف على مَزايا البيت وفضائله من الأمن فيه على العموم، وامتنان بما تقرّر في ماضِي العصور، فهو خبر لفظاً مستعمل في الامتنان، فإنّ الأمن فيه قد تقرّر واطّرد، وهذا الامتنان كما امتنّ الله على النَّاس بأنَّه خلق لهم أسماعاً وأبصَاراً فإنّ ذلك لا ينقض بمن ولد أكمه أو عرض له ما أزال بعض ذلك.

قال ابن العربي: هذا خبر عمّا كان وليس فيه إثبات حكم وإنّما هو تنبيه على آيات ونعم متعددات؛ أنّ الله سبحانه قد كان صرف القلوب عن القصد إلى معارضته، وصرف الأيدي عن إذايتِه.

وروي هذا عن الحسن.

وإذا كان ذلك خبراً فهو خبر عمّا مضى قبل مجيء شريعة الإسلام حين لم يكن لهم في الجاهلية وازع فلا ينتقض بما وقع فيه من اختلال الأمن في القتال بين الحَجَّاج وابن الزبير وفي فتنة القرامطة.

وقد ذكرنا ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ وأخر متشابهات أوّل هذه السورة ﴾ [آل عمران: 7].

ومن العلماء من حمل قوله تعالى: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ أنَّه خبر مستعمل في الأمر بتأمين داخله من أن يُصاب بأذى، وروي عن ابن عبَّاس، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، والشعبي.

وقد اختلف الصائرون إلى هذا المعنى في محمل العمل بهذا الأمر؛ فقال جماعة: هذا حكمٌ نُسخ يعنون نسختْه الأدلّة الَّتي دلّت على أنّ الحرم لا يُعيذ عاصياً.

روى البخاري، عن أبي شُريح الكعبي، أنَّه قال لعَمْرِو بن سعيد وهو يبعث البُعوث إلى مكّة أي لحرب ابن الزبير: ائذن لى أيُّهَا الأمير أحدثْك قولاً قام به رسول الله الغدَ من يوم الفتح، سمعتْه أُذناي ووعاه قلبي وأبصرتْه عيناي حين تكلَّم به: إنَّه حمد الله وأثنى عليه ثُمّ قال: «إنّ مكَّة حرَّمها الله ولم يحرّمها النَّاس؛ لا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة.

فإنْ أحَد تَرَخَّص لقتال رسول الله فيها فقولوا له: إنّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنَّما أذِن لي فيها ساعة من نهار وقد عَادَتْ حُرْمَتُها اليَومَ كحرمتها بالأمس وليبلّغ الشاهدُ الغائبَ».

قال: فقال لي عَمْرو: أنا أعلمَ بذلك منكَ يا أبا شُرَيح إنّ الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فارّاً بدَم ولا فارّا بخَرْبة (الخَربة بفتح الخاء وسكون الراء الجناية والبلية الَّتي تكون على النَّاس) وبما ثبت أنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم أمر بأن يُقْتل ابن خَطل وهو متعلِّق بأستار الكعبة يوم الفتح.

وقد قال مالك، والشَّافعى: إنّ من أصاب جناية في الحرم أو خارجه ثُمّ عاذ بالحرم يقام عليه الحدّ في الحرم ويقاد منه.

وقال أبو حنيفة، وأصحابه الأربعة: لا يقتصّ في الحرم من اللاجئ إليه من خارجه ما دام فيه؛ ولكنَّه لا يبايَع ولا يؤاكَلُ ولا يجالَسُ إلى أن يخرج من الحرم.

ويروون ذلك عن ابن عبَّاس، وابننِ عُمر، ومَنْ ذكرناه معهما آنفا.

وفي أحكام ابن الفرس أن عبد الله بن عمر قال: «من كان خائفاً من الاحتيال عليه فليس بآمن ولا تجوز إذايته بالامتناع من مكالمته».

وقال فريق: هو حكم محكم غير منسوخ، فقال فريق منهم: قوله: ﴿ ومن دخله ﴾ يفهم منه أنَّه أتى ما يوجب العقوبة خارجَ الحرم فإذا جنى في الحرم أقيد منه، وهذا قول الجمهور منهم، ولعلّ مستندهُم قوله تعالى: ﴿ والحرمات قصاص ﴾ [البقرة: 194] أو استندوا إلى أدلّة من القياس، وقال شذوذ: لا يقام الحدّ في الحرم، ولو كان الجاني جنى في الحرم وهؤلاء طردوا دليلهم.

وقد ألممنا بذلك عند قوله تعالى: ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتَّى يقاتلوكم فيه ﴾ [البقرة: 191].

وقد جعل الزجّاج جملة ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ آية ثانية من الآيات البيّنات فهى بيان ل (آيات)، وتبعه الزمخشري، وقال: يجوز أن يطلق لفظ الجمع على المثنّى كقوله تعالى: ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ [التحريم: 4].

(وإنَّما جاز بيان المفرد بجملة لأنّ هذه الجملة في معنى المفرد إذ التَّقدير: مقامُ إبراهيم وأمْنُ مَن دخَله.

ولم ينظر ذلك بما استعمل من كلام العرب حتَّى يُقَرّب هذا الوجه.

وعندي في نظيره قول الحرث بن حلزة: مَنْ لنا عنده من الخيْر آيا *** تٌ ثلاثٌ في كلهنّ القضاء آيةٌ شارق الشقيقة إذ جا *** ءَت مَعَدّ لِكلّ حيّ لواء ثم قال: ثُمّ حُجْرا أعني ابن أم قَطامٍ *** وله فارسية خضراء ثم قال: وفككنا غُلّ امرئ القيس عنه *** بعد ما طال حَبسه والعَناء فجعل (وفككنا) هي الآية الرابعة باتِّفاق الشرّاح إذ التقدير: وفَكُّنا غُل امرئ القيس.

وجوّز الزمخشري أن يكون آيات باقياً على معنى الجمع وقد بُيّن بآيتين وتركت الثَّالثة كقول جرير: كانَتْ حنيفةُ أثلاثا فثُلْثهُمُ *** من العبيدِ وثُلث من مواليها أي ولم يذكر الثلث الثالث وهو تنظير ضعيف لأنّ بيت جرير ظهر منه الثُلث الثالث، فَهُم الصميم، بخلاف الآية فإنّ بقية الآيات لم يُعرف.

ويجوز أن نجعل قوله تعالى: ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ إلخ متضمّناً الثالثة من الآيات البيّنات.

﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين ﴾ .

حُكم أعقب به الامتنان: لما في هذا الحكم من التَّنويه بشأن البيت فلذلك حسن عطفه.

والتَّقدير: مباركاً وهدى، وواجباً حجّه.

فهو عطف على الأحوال.

والحجّ تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ الحجّ أشهر معلومات ﴾ في سورة [البقرة: 197]، وفيه لغتان فتح الحاء وكسرها ولم يقرأ في جميع مواقعه في القرآن بكسر الحاء إلاّ في هذه الآية: قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر بكسر الحاء.

ويتّجه أن تكون هذه الآية هي الَّتي فرض بها الحجّ على المسلمين، وقد استدلّ بها علماؤنا على فرضية الحجّ، فما كان يقع من حجّ النّبيء والمسلمين، قبل نزولها، فإنَّما كان تقرّباً إلى الله، واستصحاباً للحنيفية.

وقد ثبت أنّ النّبيء حجّ مرّتين بمكّة قبل الهجرة ووقف مع النَّاس.

فأمَّا إيجاب الحجّ في الشَّريعة الإسلاميَّة فلا دليل على وقوعه إلاّ هذه الآية وقد تمالأ علماء الإسلام على الاستدلال بها على وجوب الحجّ، فلا يعد ما وقع من الحجّ قبل نزولها، وبعد البعثة إلاّ تحنّثاً وتقرّباً، وقد صحّ أنَّها نزلت سنة ثلاث من الهجرة، عقب غزوة أحدُ، فيكون الحجّ فرض يومئذ.

وذكر القرطبي الاختلاف في وقت فرضية الحجّ على ثلاثة أقوال: فقيل: سنة خمس، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع، ولم يعز الأقوال إلى أصحابها، سوى أنَّه ذكر عن ابن هشام، عن أبي عبيد الواقدي أنَّه فرض عام الخندق، بعد انصراف الأحزاب، وكان انصرافهم آخر سنة خمس.

قال ابن إسحاق: وولى تلك الحجَّة المشركون.

وفي مقدّمات ابن رشد ما يقتضي أنّ الشافعي يقول: إنّ الحجّ وجب سنة تسع، وأظهر من هذه الأقوال قول رابع تمالأ عليه الفقهاء وهو أنّ دليل وجوب الحجّ قوله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}.

وقد استدلّ الشَّافعي بها على أنّ وجوبه على التَّراخي، فيكون وجوبه على المسلمين قد تقرَّر سنة ثلاث، وأصبح المسلمون منذ يومئذ مُحْصَرين عن أداء هذه الفريضة إلى أن فتح الله مكّة ووقعت حجّة سنة تسع.

وفي هذه الآية من صيَغ الوجوب صِيغتان: لام الاستحقاق، وحرف (على) الدال على تقرّر حقّ في ذمة المجرور بها.

وقد تعسّر أو تعذّر قيام المسلمين بأداء الحجّ عقب نزولها، لأنّ المشركين كانوا لا يسمحون لهم بذلك، فلعلّ حكمة إيجاب الحجّ يومئذ أن يكون المسلمون على استعداد لأداء الحجّ مهما تمكّنوا من ذلك، ولتقوم الحجَّة على المشركين بأنَّهم يمنعون هذه العبادة، ويصدّون عن المسجد الحرام، ويمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه.

وقوله: ﴿ من استطاع إليه سبيلا ﴾ بدل من النَّاس لتقييد حال الوجوب، وجوّز الكسائي أن يكون فاعل حَجّ، وردّ بأنَّه يصير الكلام: لله على سائر النَّاس أن يحجّ المستطيع منهم، ولا معنى لتكليف جميع النَّاس بفعل بعضهم، والحقّ أنّ هذا الردّ لا يتّجه لأنّ العرب تتفنَّن في الكلام لعلم السامع بأنّ فرض ذلك على النَّاس فرض مجمل يبيِّنه فاعل حَجّ، وليس هو كقولك: استطَاع الصّوم، أو استطاع حمل الثقل، ومعنى ﴿ استطاع سبيلاً ﴾ وجد سبيلاً وتمكّن منه، والكلام بأواخره.

والسَّبيل هنا مجاز فيما يتمكّن به المكلّف من الحجّ.

وللعلماء في تفسير السبيل أقوال اختلفت ألفاظها، واتَّحدت أغراضها، فلا ينبغي بقاء الخلاف بينهم لأجلها مثبتاً في كتب التَّفسير وغيرها، فسبيل القريب من البيت الحرام سهل جداً، وسبيل البعيد الراحلة والزاد، ولذلك قال مالك: السبيل القدرة والنَّاس على قدر طاقتهم وسيرهم وجلدهم.

واختلف فيمن لا زاد له ويستطيع الاحْتِرَاف في طريقه: فقال مالك: إذا كان ذلك لا يزري فليسافر ويكتسب في طريقه، وقال بمثله ابن الزبير، والشعبي، وعكرمة.

وعن مالك كراهية السفر في البحر للحجّ إلا لمن لا يجد طريقاً غيره كأهل الأندلس، واحتجّ بأنّ الله تعالى قال: ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كُلّ ضامر ﴾ [الحج: 27] ولم أجد للبحر ذكراً.

قال الشيخ ابن عطية: هذا تأنيس من مالك وليست الآية بالَّتي تقتضي سقوط سفر البحر.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ناس من أمَّتِي عُرِضوا عليّ غُزاة في سبيل الله يركبون ثَبَج هذا البحر» وهل الجهادِ إلاّ عبادة كالحجّ، وكره مالك للمرأة السَّفر في البحر لأنَّه كشفة لها، وكلّ هذا إذا كانت السَّلامة هي الغالب وإلا لم يجز الإلقاء إلى التهلكة، وحال سفر البحر اليوم أسلم من سفر البرّ إلاّ في أحوال عارضة في الحروب إذا شملت البحارَ.

وظاهر قوله تعالى: ﴿ من استاع إليه سبيلا ﴾ أنّ الخطاب بالحجّ والاستطاعة للمرءِ في عمله لا في عمل غيره، ولذلك قال مالك: لا تصحّ النِّيابة في الحجّ في الحياة لعذر، فالعاجز يسقط عنه الحجّ عنده ولم ير فيه إلاّ أنّ للرجل أن يوصي بأن يُحَجّ عنه بعد موته حجّ التَّطوع، وقال الشَّافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه: إذا كان له عذر مانع من الحجّ وكان له من يطيعه لو أمره بأن يحجّ عنه، أو كان له مال يستأجر به من يحجّ عنه، صار قادراً في الجملة، فيلزمه الحجّ، واحتجّ بحديث ابن عبَّاس: أنّ امرأة من خثعم سألت النّبيء صلى الله عليه وسلم يوم حجَّة الوداع فقالت: إنّ فريضة الله على عباده في الحجّ أدركتْ أبي شيخاً كبيراً لا يثبُت على الراحلة أفيُجْزِئ أن أحجّ عنه؟

قال: نعم، حُجِّي عنه أرَأيْتتِ لو كان على أبيككِ دَيْن أكُنْتتِ قاضيتَهُ؟

قالت: نعم، قال: فَدَيْن الله أحقّ أن يقضى.

وأجاب عنه المالكية بأنّ الحديث لم يدلّ على الوجوب بل أجابها بما فيه حثّ على طاعة أبيها، وطاعة ربِّها.

وقال عليّ بن أبي طالب، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وابن المبارك.

لا تجزئ إلاّ إنابة الأجرة دون إنابة الطَّاعة.

وظاهر الآية أنَّه إذا تحقّقت الاسْتطاعة وجب الحجّ على المستطيع على الفور، وذلك يندرج تحت مسألة اقتضاءِ الأمر الفورَ أو عدممِ اقتضائِه إيّاه، وقد اختلف علماء الإسلام في أنّ الحجّ واجب على الفور أو على التَّراخي.

فذهب إلى أنَّه على الفور البغداديون من المالكية: ابنُ القصار، وإسماعيل بن حَماد، وغيرهما، وتأوّلوه من قول مالك، وهو الصّحيح من مذهب أبي حنيفة، وهو قول أحمد بن حنبل، وداوود الظاهري.

وذهب جمهور العلماء إلى أنّه على التَّراخي وهو الصحيح من مذهب مالك ورواية ابن نافع وأشهب عنه وهو قول الشَّافعي وأبي يوسف.

واحتجّ الشّافعي بأنّ الحجّ فرض قبل حجّ النّبيء صلى الله عليه وسلم بسنين، فلو كان على الفور لما أخّره لعُذْر لبيّنه أي لأنَّه قدوة للنَّاس.

وقال جماعة: إذا بلغ المرء الستِّين وجب عليه الفور بالحجّ إن كان مستطيعاً خشية الموت، وحكاه ابن خويزَ مَنْدادَ عن ابن القاسم.

ومعنى الفور أن يوقعه المكلّف في الحجَّة الَّتي يحين وقتها أولاً عند استكمال شرط الاستطاعة.

وقوله: ﴿ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴾ ظاهره أنَّه مقابل قوله ﴿ من استطاع إليه سبيلاً ﴾ فيكون المراد بمن كفر من لم يحجّ مع الاستطاعة، ولذلك قال جمع من المحقّقين: إنّ الإخبار عنه بالكفر هنا تغليظ لأمر ترك الحجّ.

والمراد كفر النعمة.

ويجوز أيضاً أن يراد تشويه صنعه بأنَّه كصنيع من لا يؤمن بالله ورسله وفضيلة حَرمه.

وقال قوم: أراد ومن كفر بفرض الحجّ، وقال قوم بظاهره: إنّ ترك الحجّ مع القدرة عليه كفر.

ونسب للحسن.

ولم يلتزم جماعة من المفسِّرين أنّ يكون العطف للمقابلة وجعلوها جملة مستقلّة.

كالتذييل، بيّن بها عدم اكتراث الله بمن كفر به.

وعندي أنَّه يجوز أن يكون المراد بمن كفر من كفر بالإسلام، وذلك تعريض بالمشركين من أهل مكّة بأنَّه لا اعتداد بحجّهم عند الله وإنَّما يريد الله أن يحجّ المؤمنون به والموحّدون له.

وفي قوله: ﴿ غني عن العالمين ﴾ رمز إلى نزعه ولاية الحرم من أيديهم: لأنَّه لمّا فرضَ الحجّ وهُم يصدّون عنه، وأعلمنا أنَّه غني عن النَّاس، فهو لا يعجزه من يصدّ النَّاس عن مراده تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا ﴾ لا اخْتِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْعِبادَةِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا هَلْ كانَ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِغَيْرِها؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ كانَتْ قَبْلَهُ بُيُوتٌ كَثِيرَةٌ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يُوضَعْ قَبْلَهُ بَيْتٌ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

وَفي ( بَكَّةَ ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ بَكَّةَ المَسْجِدُ، ومَكَّةَ: الحَرَمُ كُلُّهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ شِهابٍ، وضَمْرَةَ بْنَ رَبِيعَةَ.

والثّانِي: أنَّ بَكَّةَ هي مَكَّةُ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ بَكَّةَ مَوْضِعُ البَيْتِ، ومَكَّةَ غَيْرُهُ في المَوْضِعِ يُرِيدُ القَرْيَةَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ.

وَفي المَأْخُوذِ مِنهُ بَكَّةَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّحْمَةِ، يُقالُ: تَباكَّ القَوْمُ بَعْضُهم بَعْضًا إذا ازْدَحَمُوا، فَبَكَّةُ مُزْدَحَمُ النّاسِ لِلطَّوافِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ بَكَّةَ، لِأنَّها تَبُكُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ، إذا ألْحَدُواْ فِيها بِظُلْمٍ لَمْ يُمْهَلُوا.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مُبارَكًا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ بَرَكَتَهُ ما يُسْتَحَقُّ مِن ثَوابِ القَصْدِ إلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّهُ آمَنُ لِمَن دَخَلَهُ حَتّى الوَحْشِ، فَيَجْتَمِعُ فِيهِ الصَّيْدُ والكَلْبُ.

﴿ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ﴾ الآيَةُ في مَقامِ إبْراهِيمَ أثَرُ قَدَمَيْهِ وهو حَجَرٌ صَلْدٌ؟

والآيَةُ في غَيْرِ المَقامِ: أمْنُ الخائِفِ، وهَيْبَةُ البَيْتِ وامْتِناعُهُ مِنَ العُلُوِّ عَلَيْهِ، وتَعْجِيلُ العُقُوبَةِ لِمَن عَتا فِيهِ، وما كانَ في الجاهِلِيَّةِ مِن أصْحابِ الفِيلِ.

﴿ وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ عَطَّفَ عَلَيْهِ قُلُوبَ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ فَكانَ الجانِي إذا دَخَلَهُ أمِنَ.

وَأمّا في الإسْلامِ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ النّارِ، وهَذا قَوْلُ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ.

والثّانِي: مِنَ القِتالِ بِحَظْرِ الإيجالِ عَلى داخِلِيهِ، وأمّا الحُدُودُ فَتُقامُ عَلى مَن جَنى فِيهِ.

واخْتَلَفُوا في الجانِي إذا دَخَلَهُ في إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تُقامُ عَلَيْهِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.

والثّانِي: لا تُقامُ حَتّى يُلْجَأ إلى الخُرُوجِ مِنهُ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ.

﴿ وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ وفي الِاسْتِطاعَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها بِالمالِ، وهي الزّادُ والرّاحِلَةُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

والثّانِي: أنَّها بِالبَدَنِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ.

والثّالِثُ: أنَّها بِالمالِ والبَدَنِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

﴿ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي [مَن كَفَرَ] بِفَرْضِ الحَجِّ فَلَمْ يَرَهُ واجِبًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: هو لا يَرى حَجَّهُ بِرًّا ولا تَرْكَهُ مَأْثَمًا، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

والثّالِثُ: اليَهُودُ، لِأنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ ﴾ فَقالُوا: نَحْنُ مُسْلِمُونَ فَأُمِرُوا بِالحَجِّ فَلَمْ يَحُجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ فيه آية بينة مقام إبراهيم ﴾ .

وأخرج ابن الأنباري عن مجاهد أنه كان يقرأ ﴿ فيه آيات بينة ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود ﴿ فيه آيات بينات ﴾ على الجمع.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ فيه آيات بينات ﴾ منهن مقام إبراهيم، والمشعر.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد وقتادة في الآية قالا: مقام إبراهيم من الآيات البينات.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ فيه آيات بينات ﴾ قال: ﴿ مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والأزرقي عن مجاهد ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم ﴾ قال: أثر قدميه في المقام آية بينة ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ قال: هذا شيء آخر.

وأخرج الأزرقي عن زيد بن أسلم ﴿ فيه آيات بينات ﴾ قال: الآيات البينات هنَّ مقام إبراهيم ﴿ ومن دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت ﴾ وقال: ﴿ يأتين من كل فج عميق ﴾ [ الحج: 27] .

وأخرج ابن الأنباري عن الكلبي ﴿ فيه آيات بينات ﴾ قال: ﴿ الآيات ﴾ الكعبة، والصفا، والمروة، ومقام إبراهيم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ قال: هذا كان في الجاهلية، كان الرجل لو جر كل جريرة على نفسه ثم لجأ إلى حرم الله لم يتناول ولم يطلب، فاما في الإسلام فإنه لا يمنع من حدود الله، ومن سرق فيه قطع، ومن زنى فيه أقيم عليه الحد، ومن قتل فيه قتل.

وأخرج الأزرقي عن مجاهد.

مثله.

وأخرج ابن المنذر والأزرقي عن حويطب بن عبد العزى قال: أدركت في الجاهلية في الكعبة حلقاً أمثال لُجَمِ البُهْمِ، لا يُدخل خائف يده فيها ويهيجه أحد، فجاء خائف ذات يوم فادخل يده فيها فجاءه آخر من ورائه فاجتذبه فشلت يده، فَلقد رأيته أدرك الإسلام وأنه لأشل.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والأزرقي عن عمر بن الخطاب قال: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤذي، ولا يطعم، ولا يسقى، ولا يرعى.

فإذا خرج أخذ بذنبه.

وأخرج ابن المنذر والأزرقي من طريق طاوس عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ قال: من قتل، أو سرق في الحل ثم دخل الحرم فإنه لا يجالس، ولا يكلم، ولا يؤوى، ولكنه يناشد حتى يخرج فيؤخذ فيقام عليه فإن قتل، أو سرق في الحل فادخل الحرم فارادوا أن يقيموا عليه ما أصاب، اخرجوه من الحرم إلى الحل فأقيم عليه، وإن قتل في الحل أو سرق، أقيم عليه في الحرم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: إذا أصاب الرجل الحد، قتل أو سرق، فدخل الحرم، لم يبايع ولم يؤْوَ حتى يتبرم فيخرج من الحرم، فيقام عليه في الحد.

وأخرج ابن المنذر عن طاوس قال: عاب ابن عباس على ابن الزبير في رجل أخذ في الحل، ثم أدخله الحرم، ثم أخرجه إلى الحل فقتله.

وأخرج عن الشعبي قال: من أحدث حدثاً ثم لجأ إلى الحرم فقد أمِنَ ولا يعرض له، وان أحدث في الحرم أقيم عليه.

وأخرج ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: من أحدث حدثاً ثم استجار بالبيت فهو آمن، وليس للمسلمين أن يعاقبوه على شيء إلى أن يخرج، فإذا خرج أقاموا عليه الحد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق عطاء عن ابن عباس قال: من أحدث حدثاً في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم لم يعرض له، ولم يبايع، ولم يؤوَ حتى يخرج من الحرم، فإذا خرج من الحرم أُخِذَ فأقيم عليه الحد، ومن أحدث في الحرم حدثاً أقيم عليه الحد.

وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: لو أخذت قاتل عمر في الحرم ما هجته.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال: لو وجدت قاتل أبي في الحرم لم أعرض له.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: كان الرجل في الجاهلية يقتل الرجل ثم يدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول أبو أبوه فلا يحركه.

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي شريح العدوي قال: «قام النبي صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح فقال: إن مكة حرَّمها الله ولم يحرِّمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم بالأمس» .

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمرو قال: «مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناس من قريش جلوس في ظل الكعبة، فلما انتهى إليهم سلَّم ثم قال: اعلموا أنها مسؤولة عما يعمل فيها، وإن ساكنها لا يسفك دماً، ولا يمشي بالنميمة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة بن هبيرة في قوله: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ قال: آمناً من النار.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفوراً له» .

وأخرج ابن المنذر عن عطاء قال: من مات في الحرم بعث آمناً.

يقول الله: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ .

وأخرج البيهقي في الشعب عن جابر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات في أحد الحرمين بعث أمناً» .

وأخرج البيهقي في الشعب وضعفه عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي، وجاء يوم القيامة من الآمنين» .

وأخرج الجندي والبيهقي عن أنس بن مالك قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة، ومن زارني محتسباً إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة» .

وأخرج الجندي عن محمد بن قيس بن مخرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة» .

وأخرج الجندي عن ابن عمر قال: من قُبِرَ بمَكة مسلماً بُعِثَ آمناً يوم القيامة.

أما قوله تعالى: ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ الآية.

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة: وابن أبي حاتم والحاكم عن علي قال: «لما نزلت ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴾ قالوا: يا رسول الله في كل عام؟

فسكت..

قالوا: يا رسول الله في كل عام؟

قال: لا.

ولو قلت نعم لوجبت.

فأنزل الله: ﴿ لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ [ المائدة: 101] » .

وأخرج عبد حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: «لما نزلت ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴾ قال: يا رسول الله أفي كل عام؟

فقال: حج حجة الإسلام التي عليك.

ولو قلت نعم وجبت عليكم» .

وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج.

فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟

قال: لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها.

الحج مرة فمن زاد فتطوّع» .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: «لما نزلت ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴾ قال رجل: يا رسول الله أفي كل عام؟

قال: والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ولو تركتموها لكفرتم.

فذروني فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم أنبياءهم واختلافهم عليهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتمروه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن أمر فاجتنبوه» .

وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: «قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من الحاج يا رسول الله؟

قال: الشعث التفل.

فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله؟

قال: العج والثج.

فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟

قال: الزاد والراحلة» .

وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله: ﴿ من استطاع إليه سبيلاً ﴾ فقيل ما السبيل؟

قال: «الزاد والراحلة» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والدارقطني والبيهقي في سننهما عن الحسن قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴾ قالوا: يا رسول الله ما السبيل؟

قال: الزاد والراحلة» .

وأخرج الدارقطني والبيهقي في سننهما من طريق الحسن عن أبيه عن عائشة قالت «سئل النبي صلى الله عليه وسلم ما السبيل إلى الحج؟

قال: الزاد والراحلة» .

وأخرج الدارقطني في سننه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴾ قال: «قيل يا رسول الله ما السبيل؟

قال: الزاد والراحلة» .

وأخرج الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلىلله عليه وسلم قال: «السبيل إلى البيت: الزاد والراحله» .

وأخرج الدارقطني عن جابر بن عبدالله قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴾ قام رجل فقال: يا رسول الله ما السبيل؟

قال: الزاد والراحلة» .

وأخرج الدارقطني عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴾ قال: فسئل عن ذلك فقال: «تجد ظهر بعير» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عمر بن الخطاب في قوله: ﴿ من استطاع إليه سبيلاً ﴾ قال: الزاد والراحلة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ من استطاع إليه سبيلاً ﴾ قال: الزاد والبعير.

وفي لفظ الراحلة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ من استطاع إليه سبيلاً ﴾ قال: السبيل أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: ﴿ سبيلاً ﴾ من وجد إليه سعة ولم يحل بينه وبينه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عبد الله بن الزبير ﴿ من استطاع إليه سبيلاً ﴾ قال: الاستطاعة القوة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد ﴿ من استطاع إليه سبيلاً ﴾ قال: زاداً وراحلة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير والحسن وعطاء.

مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال: إن المحرم للمرأة من السبيل الذي قال الله.

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسافر امرأة مسيرة ليلة» وفي لفظ «لا تسافر المرأة بريداً إلا مع ذي محرم» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم.

فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني كنت في غزوة كذا وكذا.

فقال: انطلق فحُجَّ مع امرأتك» .

وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب وابن مردويه عن علي قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحجَّ بيت الله فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وذلك بأن الله يقول ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴾ » وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في كتاب الإيمان وأبو يعلى والبيهقي عن أبي أمامة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات ولم يحج حجة الإسلام، لم يمنعه مرض حابس، أو سلطان جائر، أو حاجة ظاهرة، فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً» .

وأخرج ابن المنذر عن عبد الرحمن بن سابط مرفوعاً مرسلاً.

مثله.

وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فلينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية.

ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب قال: من مات وهو موسر لم يحج.

فليمت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عمر قال: من كان يجد وهو موسر صحيح لم يحج كان سماه بين عينيه كافراً.

ثم تلا هذه الآية ﴿ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴾ ولفظ ابن أبي شيبة: من مات وهو موسر ولم يحج، جاء يوم القيامة وبين عينيه مكتوب كافراً.

وأخرج سعيد بن منصور من طريق نافع عن ابن عمر قال: من وجد إلى الحج سبيلاً سنة، ثم مات ولم يحج لم يصل عليه؛ لا يدري مات يهودياً، أو نصرانياً.

وأخرج سعيد بن منصور عن عمر بن الخطاب قال: لو ترك الناس الحج لقاتلتهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة.

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس قال: لو أن الناس تركوا الحج عاماً واحداً لا يحج أحد ما نوظروا بعده.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن كفر ﴾ قال: من زعم أنه ليس بفرض عليه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية قال: من كفر بالحج فلم ير حجه براً، ولا تركه مأثماً.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عكرمة قال: «لما نزلت ﴿ ومن يبتغ غيرالإسلام ديناً...

﴾ [ آل عمران: 85] الآية.

قالت اليهود: فنحن مسلمون.

فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم.

إن الله فرض على المسلمين حج البيت فقالوا: لم يكتب علينا.

وأبوا أن يحجوا قال الله: ﴿ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: لما نزلت ﴿ ومن يبتغ غير الإِسلام ديناً...

﴾ الآية.

قالت الملل.

نحن المسلمون.

فأنزل الله: ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴾ فحج المسلمون وقعد الكفار.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في سننه عن مجاهد قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ ومن يبتغ غير الإِسلام ديناً ﴾ الآية.

قال: أهل الملل كلهم: نحن مسلمون.

فأنزل الله: ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ قال: يعني على المسلمين.

حج المسلمون وترك المشركون.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك قال: «لما نزلت آية الحج ﴿ ولله على الناس جح البيت ﴾ الآية جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الملل؛ مشركي العرب، والنصارى، واليهود، والمجوس، والصابئين، فقال: إن الله فرض عليكم الحج فحجوا البيت.

فلم يقبله إلا المسلمون، وكفرت به خمس ملل.

قالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نستقبله.

فأنزل الله: ﴿ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي داود نفيع قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴾ فقام رجل من هذيل فقال: يا رسول الله من تركه كفر؟

قال: من تركه لا يخاف عقوبته، ومن حج لا يرجو ثوابه فهو ذاك» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله: ﴿ ومن كفر ﴾ قال: «من كفر بالله واليوم الآخر» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أنه سئل عن قول الله: ﴿ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴾ ما هذا الكفر؟

قال: من كفر بالله واليوم الآخر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء بن أبي رباح.

في الآية قال: من كفر بالبيت.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد أنه سئل عن ذلك فقرأ ﴿ إن أول بيت وضع للناس ﴾ إلى قوله: ﴿ سبيلاً ﴾ ثم قال: من كفر بهذه الآيات.

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في الآية قال: ومن كفر فلم يؤمن فهو الكافر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: لو كان لي جار موسر، ثم مات ولم يحجَّ لم أصلِّ عليه.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ بكسر الحاء.

وأخرج عن عاصم بن أبي النجود ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ بنصب الحاء.

واخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن ابن عباس «أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم الحج في كل سنة.

أو مرة واحدة؟

قال: لا.

بل مرة واحدة، فمن زاد فتطوّع» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) فعلى (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) ﴿ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ﴾ أي: هي: مقامُ إبراهيم؛ يعني: الآيات.

وقال بعضهم (١٢) فإن قيل: (الآيات) جماعة، ولا يصح تفسيرُها بشيء واحد.

قلنا: يجوز ذلك؛ كما يقول القائل: (في بلدة كذا، لي أصدقاء وقرابات)، ثم يقتصر على ذكر واحدٍ منهم، على معنى تخصيص له.

وعند الزجاج: أن قوله: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾ ، مِن تفسير الآيات؛ لأنه قال (١٣) (١٤)  سأل الله عز وجل أَنْ يُؤَمِّنَ سكانَ مكةَ، قال: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا  ﴾ ، فجعل [عز وجل] (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾ ، قال (١٨) (١٩) وقد ذكرنا الحُكمَ في هذا عند قوله: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا  ﴾ .

وقال الضحاك في قوله: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾ قال (٢٠) وعن يحيى بن جعدة (٢١) ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾ قال: مِنَ النَّارِ.

وقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ﴾ \[ويقرأ ﴿ حِج البيت ﴾ \] (٢٢) (٢٣) (٢٤) قال سيبويه (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ .

قال الزجّاج (٢٦) ﴿ مَنِ ﴾ : خفض على البدل من ﴿ النَّاسِ ﴾ ؛ المعنى هو (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) قال الفرّاء (٣١) ﴿ مَن ﴾ ، كان جزاء، وكان الفعل به بعدها جزمًا، واكتفيتَ بما جاء قبله من جوابه، [والتأويل] (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقال ابن الأنباري (٣٦) (٣٧) وأما معنى الاستطاعة في اللغة: فالاستطاعة مأخوذة مِن: (طاع له (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) وأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية عطاء (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) [وروى جماعة من الصحابة] (٥٨)  أنه فسَّر استطاعة السبيل إلى الحَجِّ، بوجود الزاد والراحلة (٥٩) .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ ﴾ قال ابن عباس (٦٠) (٦١) (٦٢) وقال الضحّاك (٦٣)  ، أهلَ الأديان كلَّهم، فخطبهم، وقال: "إن الله عز وجل كتب عليكم الحجَّ فحُجُّوا".

فآمَنَ بِهِ المسلمون، وكفر [بِهِ] (٦٤) ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ .

(١) الذي وقفت عليه عن ابن عباس -من رواية عطية- أنه فسره بمقام إبراهيم والمشعر.

إلا أنه ورد عنه -من رواية عطاء بن أبي رباح، عنه- أنه قرأ ﴿ فيه آيةٌ بيِّنَةٌ ﴾ ، وفسره بـ (مقام إبراهيم)، وفسر مقام إبراهيم بأنه الحج كله.== انظر: "الطبري" 1/ 535، 4/ 10، "ابن أبي حاتم" 3/ 710، "الدر المنثور" 2/ 96.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 444 - 445، "النكت والعيون" 1/ 411، "تفسير البغوي" 2/ 71.

(٣) في (ب): الجبار.

(٤) قال ابن عطية: (وهذا كله عندي ضعيف، والطير تُعايَن تعلوه).

"المحرر الوجيز" 3/ 228.

(٥) في (ب): (حرمة فيه).

(٦) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ)، وفي (ج): (الإحراقه)، والمثبت من: (ب).

(٧) في (ب): (وعلى).

(٨) في (ج): (الآية).

(٩) من قوله: (وبيانها ..) إلى (الآيات مذكورة): ساقط من (ج).

(١٠) في (أ)، (ب): (منكور).

وفي (ج): ساقطة وما أثبتُّه هو الصواب.

(١١) ومنهم: مجاهد، والسدي، ومقاتل، وقول ابنِ عباس على حسب القراءة المروية عنه ﴿ فيه آية بيِّنة ﴾ ؛ حيث فسرها بـ ﴿ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 11، "ابن أبي حاتم" 3/ 710، "تفسير مقاتل" 1/ 291.

(١٢) منهم: مجاهد، وقتادة، والطبري.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 127، "تفسير الطبري" 4/ 11، "الدر المنثور" 2/ 96.

(١٣) في "معاني القرآن" له: 1/ 446.

(١٤) في (ج): (ومن تفسير الآيات).

وكلمة (تفسير) غير موجودة في "معاني القرآن".

(١٥) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

وساقط من (ب).

والمثبت من (ج)، "معاني القرآن".

(١٦) في (ج): (فيها).

(١٧) في (ج): (يؤمنوه).

(١٨) قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 127، "تفسير الطبري" 4/ 11، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 712، والأزرقي، في "أخبار مكة" 2/ 139، "الدر المنثور" 2/ 93 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

(١٩) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).

وهي موجودة في رواية الأثر في المصادر السابقة، وورد في "تفسير عبد الرزاق": (وأخذَ قطِع).

(٢٠) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 77 ب.

وقوله: (من حجه فدخله كان آمنا): ساقط من: (ج).

(٢١) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 14، و"ابن أبي حاتم" 3/ 712، "تفسير الثعلبي" 3/ 77 ب، "النكت والعيون" 1/ 411، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 98، وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

ويحى بن جَعْدة بن هُبَيرة، بن أبي وَهْب المخزومي القرشي.

تابعي، ابن أخت علي ابن أبي طالب  ، قال عنه أبو حاتم: (حجازي ثقة)، روى عن بعض الصحابة، وأرسل عن ابن مسعود وأبي بكر.

انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 133، "المراسيل" 245، "تقريب التهذيب" ص 588 (7520).

(٢٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(٢٣) قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: ﴿ حِجَّ ﴾ -بالكسر-، وقرأ الباقون: ﴿ حَجَّ ﴾ -بالفتح-.

انظر: "علل القراءات" للأزهري 1/ 123، "الحجة" للفارسي 3/ 69، "الكشف" لمكي 1/ 353.

(٢٤) في (ج): (للعمل).

قال أبو زرعة بن زنجلة.

(الفتح، لأهل الحجاز، وبني أسد، والكسر، لغة أهل نجد وقيل: إن الفتح مصدر، والكسر اسم).

"حجة القراءات" 170.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 18، "الصحاح" 1/ 303 (حجج)، "القاموس" (183) (حج).

(٢٥) في "الكتاب" له 4/ 10، نقله عنه بمعناه.

ونصُّ سيبويه: (وقالوا: حجَّ حِجَّا، كما قالوا: ذكر ذِكرا).

(٢٦) في "معاني القرآن" له 1/ 447، نقله عنه بنصه.

وانظر: "الكامل" للمبرد 3/ 18.

(٢٧) (هو): ساقطة من (ج).

وليست في "معاني القرآن".

(٢٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، "معاني القرآن".

(٢٩) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

وهي ليست في "معاني القرآن".

(٣٠) من الناس حج البيت: ساقطة من: (ج).

وهذا التوجيه النحوي، هو قول أكثر النحويين.

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 353.

(٣١) لم أقف على مصدر قوله، وقد أورده الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 166، ونصه عنده: (إن نويت الاستئناف بـ (مَنْ) كانت شرطًا، وأسقط الجزاء؛ لدلالة ما قبله عليه).

وبقية العبارة كما هي عند المؤلف.

(٣٢) ما بين المعقوفين مطموس في (أ).

وساقط من: (ب).

والمثبت من (ج).

(٣٣) ما بين المعقوفين مطموس في (أ).

وفي (ب): (كالمستطاع).

والمثبت من (ج).

(٣٤) في (ج): (ولله).

(٣٥) ونسب هذا الرأي للكسائي، كما في "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 353 - 254، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 169.

(٣٦) لم أقف على مصدر قوله وقد أورده الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 166.

(٣٧) في (أ)، (ب): (بهم).

والمثبت من (ج).

(٣٨) (له): ساقط من (ج).

(٣٩) وردت في معاجم اللغة التي رجعت إليها: (طاعَ له يطوع طوْعًا): إذا انقاد.

أما (طاع يُطيع)، فلم أجدها.

وإنما الذي وقفت عليه، ما ورد في "تهذيب اللغة" عن ابن السكيت: (يقال: (طاع له وأطاع)، سواء.

فمن قال: (طاع)، قال: (يَطاع).

ومن قال: (أطاع)، قال: (يُطيع).

"تهذيب اللغة" 3/ 2152 (طوع).

وكذا نقله ابن دريد عن أبي زيد.

انظر: "الجمهرة" (طوع): 917، 1310.

وانظر مادة (طوع) في "العين" 2/ 209، "الصحاح" 3/ 1255، "المقاييس" 3/ 431.

وانظر تفسير قوله تعالى: ﴿ طَوعًا وَكَرهًا ﴾ من الآية: 83 من هذه السورة.

(٤٠) في (ب): (القتال).

وعِنان اللجام: السير الذي تمسك به الدابة.

وجمعه: (أعِّنة).

انظر: "اللسان" 5/ 3141 (عنن).

يقال: و (طَوْعة العنان).

ويقال: (ناقةٌ طَوْع القِياد، وطَيِّعة القياد، وطَوْعة القياد)، أي: ليِّنة لا تنازع قائدها.

انظر: (طوع)، في "تهذيب اللغة" 3/ 2153، "اللسان" 5/ 2720.

(٤١) في (ب): (له).

(٤٢) في (ج): (وأطاعه).

والعرب تحذف التاءَ مِن (استطاع)، فتقول: (اسطاع)، ومن (يستطيع)، فتقول: (يسطيع)؛ لأن التاء والطاء من مخرج واحد، فيحذفون التاء استثقالًا لها مع الطاء.

وبعض العرب يقول: (استاع يَسْتيع)؛ أي: (استطاع يستطيع).

وبعضهم يقول: (أسْطاع يُسْطِيع) -بهمزة قطع-، يريدون: أطاع يُطيع، فيزيدون السين.

انظر: (طوع) في "التهذيب" 3/ 2153، "الصحاح" 3/ 1255.

(٤٣) في (ج): (الإطاعة).

(٤٤) لم أقف على مصدر، هذه الرواية، وفي "المحلى" لابن حزم: 7/ 54: (قد روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس، قال في الحج: (سبيله: من وجد له سعة، ولم يُحَلْ بينه وبينه).

(٤٥) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).

(٤٦) في (ب): (وإذا).

(٤٧) في (ج): (فوجود).= والوجود: مصدر (وَجِدَ) -بفتح الجيم وكسرها-.

ومن مصادرها -كذلك-: (جِدَة، و (وُجْد)، و (وِجْدان)، و (إجْدان).

انظر: "القاموس" (324) (وجد).

(٤٨) هذا مع مراعاة انتفاء عوائق أخرى من مرض مقعد، أو خوف طريق، أو غيره من الأعذار التي تُعد مانعًا من الاستطاعة ذكرها وفصَّلها الفقهاء في كتبهم.

انظر: "تفسير القرطبي" 4/ 149.

(٤٩) في (ج): (وعلى قول ابن عباس، وعمر بن الخطاب).

وقول عمر -  -، في "تفسير الطبري" 4/ 15، "المحلى" لابن حزم: 7/ 54، "سنن البيهقي" 4/ 331، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 99، وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة.

(٥٠) قول ابن عمر هذا أورده ابنُ حزم في "المحلى" 7/ 54، من طريق إسرائيل عن مجاهد عن ابن عمر، قال: ( ﴿ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ ، قال: ملء بطنه، وراحلة يركبها).

وقد أخرج عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 715، قوله: (من كان يَجِد -وهو موسرٌ صحيح- لم يَحج، كان سيماه بين عَيْنَيه: كافر، ثم تلا هذه الآية: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ .

وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 99 وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد.

وفيه بيان أنَّ الغِنَى، والسَّعَة مِن موجبات الحج عنده.

كما وردت روايته المشهورة لحديث النبي  ، الذي فَسَّر فيه (السبيل) بالزاد والراحلة، وسيأتي التنبيه عليها.

(٥١) (ابن عباس): ساقط من: (ج).

وقوله في "تفسير الطبري" 4/ 15، "المحلى" 7/ 54، "سنن البيهقي" 4/ 331، "تفسير ابن كثير" 1/ 414، "الدر المنثور" 2/ 100، وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة.

وورد من رواية علي بن أبي طلحة عنه: (السيبل: أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به).

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 15، "سنن البيهقي" 4/ 331، "الدر المنثور" 2/ 100 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.

وفي رواية سعيد بن جبير عنه: (من ملك ثلاثمائة درهم فهو السبيل).

"الطبري" 4/ 16.

(٥٢) قوله في "تفسير سفيان الثوري" 79، "تفسير الطبري" 4/ 16، "ابن أبي حاتم" 3/ 713، "المحلى" 7/ 54، "الدر المنثور" 2/ 100 ونسب إخراجه لابن أبي شيبة.

(٥٣) قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 713، "المحلى" 7/ 54، " الدر المنثور" 2/ 100 ونسب إخراجه لابن أبي شيبة.

(٥٤) انظر: "أحكام القرآن" للشافعي (جمع البيهقي): 1/ 113، "الأم" 2/ 126، 127،132 - 133، "الرسالة" 197، "المجموع" للنووي: 7/ 63، "أحكام القرآن" للهراسي: 1/ 294، "مغني المحتاج" للشربيني: 1/ 463.

(٥٥) انظر: "فتح القدير" لابن الهمام: 2/ 415 وما بعدها، "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" للزيلعى: 3/ 3.

(٥٦) انظر: "مسائل الإمام أحمد" لأبي داود: 97، 106، "المغني" لابن قدامة: 3/ 169، "المقنع" لابن قدامة: 1/ 389، "حاشية الروض المربع" (جمع: عبد الرحمن العاصمي): 3/ 514.

(٥٧) انظر: "تفسير القرطبي" 4/ 147، "المغني" لابن قدامة: 3/ 169.

(٥٨) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

وفي (ب): (وروى بعض الصحابة).

والمثبت من: (ج).

(٥٩) ورد في ذلك أحاديث رواها ابن عمر، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وغيرهم.

فحديث عبد الله بن عمر -  ما- وهو أشهرها-: أن رجلًا سأل النبي  ، فقال: ما السبيل؟

فقال  : "الزادُ والراحلة".

أخرجه الترمذي في "السنن" (2998) كتاب: التفسير، باب: (4) من سورة آل عمران (813)، كتاب: الحج، باب: (4)، وقال فيه: (هذا حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم، أن الرجل إذا ملك زادًا وراحلة وجب عليه الحج).

وأخرجه الإمام الشافعي في "الأم" 2/ 126 - 127، وفي مسنده (بترتيب == السندي): 1/ 284، وسفيان الثوري في "تفسيره" 78، وابن ماجه في "السنن" (2896) كتاب: المناسك، باب: (6)، والدارقطني في "السنن" 2/ 218، والطبري في "تفسيره" 7/ 39، 40، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 422، والبغوي في "شرح السنة" 7/ 14، والبيهقي في "السنن" 4/ 327.

وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 99، وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن عدي، وابن مردويه.

إلا أن الحديث في سنده إبراهيم بن يزيد الحوزي، وقد تكلم فيه أهل العلم.

انظر سنن الترمذي في المواضع السابقة، و"نصب الراية" 8/ 3، و"التلخيص الحبير" 2/ 221، "تفسير ابن كثير" 1/ 415.

كما ورد من رواية الإمام علي  ، عن رسول الله  : (من ملك زادا وراحلة، حتى تبلغه إلى بيت الله؛ فلم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا، إن الله يقول في كتابه: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ ).

أخرجه الترمذي في "سننه" (812) كتاب المناسك، باب (3).

وفي سنده هلال بن عبد الله، والحارث الأعور.

قال الترمذي: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال).

وقال عن هلال: (مجهول)، وعن الحارث: (يُضَعَّف في الحديث).

وانظر: "تقريب التهذيب" 1/ 345، 2/ 324.

وأخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 16، وابن أبي حاتم 3/ 713، وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" 2/ 209، والسيوطي، في "الدر" 2/ 100 وزاد نسبة إخراجه للبيهقي في "الشعب" وابن مردويه.

كما ورد الحديث من رواية الحسن البصري، أخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 15 - 16، والدارقطني في "السنن" 2/ 218، والبيهقي في "السنن" 4/ 330، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 99، وزاد نسبة إخراجه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.

قال عنه ابن حجر: (وسنده صحيح إلى الحسن، ولا أرى الموصول إلا وهْمًا).

"التلخيص الحبير" 2/ 221.

أي: أن سند الحديث إلى الحسن صحيح، إلا أنه منقطعٌ وليس موصولًا.

كما ورد الحديث من رواية ابن عباس  ما، عند ابن ماجه في "سننه" = (٦٠) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 19، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 715، "تفسير الثعلبي" 3/ 82 ب، "النكت والعيون" 1/ 411، "الدر المنثور" 4/ 101 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر، والبيهقي.

(٦١) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 19، "ابن أبي حاتم" 3/ 715، "الثعلبي" 3/ 82 ب.

(٦٢) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 19، "تفسير الثعلبي" 3/ 82 ب، وعنه رواية أخرى، قال: (قال: ومن كفر بالبيت).

في "الطبري" 4/ 21، "الثعلبي" 3/ 83 أ.

(٦٣) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 20، "تفسير الثعلبي" 82 ب، "الدر المنثور" 2/ 101 وزاد نسبة إخراجه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.

(٦٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فِيهِ آيات بينات ﴾ آيات البيت كثيرة.

منها الحجر الذي هو مقام إبراهيم، وهو الذي قام عليه حين رفع القواعد من البيت، فكان كلما طال النباء ارتفع به الحجر في الهواء حتى أكمل البناء، وغرقت قدم إبراهيم في الحجر كأنها في طين، وذلك الأثر باق إلى اليوم، ومنها أن الطيور لا تعلوه، ومنها إهلاك أصحاب الفيل، ورد الجبابرة عنه، ونبع زمزم لهاجر أم إسماعيل بهمز جبريل بعقبه، وحفر عبد المطلب بعد دثورها وأن ماءها ينفع لما شرب به، إلى غير ذلك ﴿ مَّقَامُ إبراهيم ﴾ قيل: إنه بدل من الآيات أو عطف بيان، وإنما جاز بدل الواحد من الجمع لأن المقام يحتوي على آيات كثيرة؛ لدلالته على قدرة الله تعالى، وعلى نبوة إبراهيم وغير ذلك، وقيل: الآيات؛ مقام إبراهيم وأمن من دخله، فعلى هذا يكون قوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ ﴾ عطفاً، وعلى الأول استئنافاً، وقيل: التقدير؛ منهن مقام إبراهيم، فهو على هذا مبتدأ، والمقام هو الحجر المذكور، وقيل: البيت كله، وقيل: مكة كلها ﴿ كَانَ آمِناً ﴾ أي آمناً من العذاب، فإنه كان في الجاهلية إذا فعل أحد جريمة ثم لجأ إلى البيت لا يطلب، ولا يعاقب، فأما في الإسلام فإنّ الحرم لا يمنع من الحدود، ولا من القصاص، وقال ابن عباس وأبو حنيفة: ذلك الحكم باق في الإسلام فإنّ الحرم لا يمنع من الحدود، ولا من القصاص، وقال ابن عباس وأبو حنيفة: ذلك الحكم باق في الإسلام إلاّ أن من وجب عليه حدّ أو قصاص فدخل الحرم لا يطعم ولا يباع منه حتى يخرج، وقيل: آمناً من النار.

﴿ حِجُّ البيت ﴾ بيان لوجوب الحج واختلف هل هو على الفور أو على التراخي؟

وفي الآية ردّ على اليهود لما زعموا أنهم على ملة إبراهيم.

قيل لهم: إن كنتم صادقين فحجوا البيت الذي بناه إبراهيم ودعا الناس إليه ﴿ مَنِ استطاع ﴾ بدل من الناس، وقيل: فاعل بالمصدر، وهو حج؛ وقيل: شرط مبتدأ؛ أي: من استطاع فعليه الحج؛ والاستطاعة عند مالك هي: القدرة على الوصول إلى مكة بصحة البدن، إما راجلاً وإما راكباً، مع الزاد المبلغ والطريق الآمن.

وقيل: الاستطاعة الزاد والراحلة، وهو مذهب الشافعي وعبد الملك بن حبيب، وروي في ذلك في حديث ضعيف ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ قيل: المعنى من لم يحج، وعبر عنه بالكفر تغليظاً كقوله صلى الله عليه وسلم: «من ترك الصلاة فقد كفر» ، وقيل: أراد اليهود لأنهم لا يحجّون، وقيل: من زعم أن الحج ليس بواجب ﴿ لِمَ تَكْفُرُونَ ﴾ توبيخ اليهود ﴿ لِمَ تَصُدُّونَ ﴾ توبيخ أيضاً.

وكانوا يمنعون الناس من الإسلام ويرومون فتنة المسلمين عن دينهم ﴿ سَبِيلِ الله ﴾ هنا الإسلام ﴿ تَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ الضمير يعود على السبيل، أي تطلبون لها الاعوجاج ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ [آل عمران: 70] أي تشهدون أن الإسلام حق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن تنزل ﴾ خفيفاً:ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بالتشديد.

﴿ حج البيت ﴾ بكسر الحاء: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ تحبون ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ تنزل التوراة ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مقام إبراهيم ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الواو لأن الأمن من الآيات ﴿ آمنا ﴾ ط ﴿ سبيلا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ ط قد قيل: والوده الوصل لأن الواو للحال ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ شهداء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ رسوله ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ مستقيم ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر أن الإنفاق لا ينفع الكافر ألبتة، علّم المؤمنين كيفية الإنفاق الذين ينتفعون به في الآخرة وهو الإنفاق من أحب الأشياء إليهم.

وههنا لطيفة وهي / أنه  وتعالى سمى جوامع خصال الخير براً في قوله  : ﴿ ولكن البر من آمن بالله  ﴾ الآية.وذكر في هذه الآية ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ فالمعنى أنكم وإن أتيتم بكل الخيرات لم تفوزوا بإحراز خصلة البر ولم تبلغوا حقيقتها حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها.

وكان السلف رحمهم الله إذ أحبوا شيئاً جعلوه لله.

يروى أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال: "يا رسول الله، حائط لي بالمدينة - يعني بيرحاء - وهو أحب أموالي إليّ صدقة.

فقال  بخ بخ.

ذاك مال رابح وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: افعل يا رسول الله.

فقسمها  في أقاربه" .

وروي "أنه  جعلها بين حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب" .

وروي أن "زيد بن حارثة جاء عند نزول الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله، فجعله رسول الله  لأسامة بن زيد.

فوجد زيد في نفسه وقال: إنما أردت أن تصدق به.

فقال  : أما إن الله قد قبلها منك" وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبى جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما رآها أعجبته فقال: إن الله  يقول: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ فأعتقها ولم يصب منها.

ونزل بأبي ذرّ ضيف فقال للراعي: ائتني بخير إبلي.

فجاء بناقة مهزولة فقال: خنتني.

فقال: وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوم حاجتك إليه.

فقال: إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي.

وفي تفسير البر قولان: أحدهما ما به يصيرون أبراراً ليدخلوا في قوله: ﴿ إن الأبرار لفي نعيم  ﴾ فيكون المراد بالبر ما يصدر منهم من الأعمال المقبولة المذكورة في قوله: ﴿ ولكن البر من آمن  ﴾ وجملتها التقوى لقوله: ﴿ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون  ﴾ والثاني الجنة أي لن تنالوا ثواب البر.

وقيل: المراد بر الله أولياءه وإكرامه إياهم من قول الناس "برني فلان بكذا وبر فلان لا ينقطع عني".

وقال  : ﴿ أن تبروا وتتقوا  ﴾ و "من" في قوله: ﴿ مما تحبون ﴾ للتبعيض نحو: أخذت من المال.

ويؤيده قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ بعض ما تحبون ﴾ وفيه أن إنفاق كل المال غير مندوب بل غير جائز لمن يحتاج إليه.

والمراد بما تحبون قال بعضهم: هو نفس المال لقوله  : ﴿ وإنه لحب الخير لشديد  ﴾ وقيل: هو ما يكون محتاجاً إليه كقوله: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه  ﴾ ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ وقيل: هو أطيب المال وأرفعه كما مر.

وعن ابن عباس أراد به الزكاة أي حتى تخرجوا زكاة أموالكم.

ويريد عليه أنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها، وقال الحسن: هو كل ما أنفقه المسلم من ماله يطلب به وجه الله.

ونقل الواحدي عن مجاهد والكلبي انها منسوخة / بآية الزكاة.

وضعف بأن إيجاب الزكاة لا ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله.

و "من" في ﴿ من شيء ﴾ للتبيين يعني من أي شيء كان، طيب أو خبيث ﴿ فإن الله به عليم ﴾ فيجازيكم بحسبه أو يعلم الوجه الذي لأجله تنفقون من الإخلاص أو الرياء.

ثم إنه  بعد تقرير الدلائل الدالة على نبوة محمد  ، وبعد توجيه الإلزامات الواردة على أهل الكتاب في هذا الباب، أجاب عن شبهة للقوم وتقرير ذلك من وجوه: أحدها أنهم كانوا يعوّلون في إنكار شرع محمد  على إنكار النسخ، فأورد عليهم أن الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان حلالاً ثم صار حراماً عليه وعلى أولاده وهو النسخ.

ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال زعموا أن ذلك كان حراماً من لدن آدم ولم يحدث نسخ، فأمر النبي  بأن يطالبهم بإحضار التوراة إلزاماً لهم وتفضيحاً ودلالة على صحة نبوة محمد  ، لأنه كان أمياً فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر من السماء.

وثانيها أن اليهود قالوا له: إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم، فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها وتفتي بحلها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم؟

فأجيبوا بأن ذلك كان حلالاً لإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب.

إلا أن يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب، وبقيت تلك الحرمة في أولاده، فأنكروا ذلك فأمروا بالرجوع الى التوراة.

وثالثا لما نزل قوله  : ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم  ﴾ وقوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر  ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه إنما حرم عليهم كثير من الأشياء جزاء لهم على بغيهم وظلمهم.

غاظهم ذلك واشمأزوا وامتعضوا من قبل أن ذلك يقتضي وقوع النسخ.

ومن قبل أنه تسجيل عليهم بالبغي والظلم وغير ذلك من مساويهم.

فقالوا: لسنا بأول من حرمت هي عليه وما هو إلا تحريم قديم فنزلت ﴿ كل الطعام ﴾ أي المطعومات كلها لدلالة كل على العموم وإن كان لفظه مفرداً سواء قلنا الاسم المفرد المحلى بالألف واللام يفيد العموم أولا.

والطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل.

وعن بعض أصحاب أبي حنيفة: إنه اسم البر خاصة.

ويرد عليه أن المستثنى في الآية من الطعام كان شيئاً سوى الحنطة وما يتخذ منها.

قال القفال: لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها طعام، وكذا القول في الخنزير، فيحتمل أن يكون المراد الأطعمة التي كان يدعي اليهود في وقت نبينا  أنها كانت محرمة على إبراهيم  .

وعلى هذا يكون اللام في الطعام للعهد لا للاستغراق.

والحل مصدر كالعز والذل ولذا استوى فيه الواحد والجمع.

قال  : ﴿ لا هن حل لهم  ﴾ والوصف بالمصدر يفيد المبالغة، وأما الذي حرم إسرائيل على نفسه فروى ابن عباس عن النبي  أن يعقوب مرض / مرضاً شديداً فنذر لئن عافاه الله ليحرّمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام والشراب إليه لحمان الإبل وألبانها، وهذا قول أبي العالية وعطاء ومقاتل.

وقيل: كان به عرق النسا فنذر إن شفاه الله أن لا يأكل شيئاً من العروق.

وجاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما على الظهر.

وههنا سؤال وهو أن التحريم والتحليل خطاب الله  ، فكيف صار تحريم يعقوب سبباً للحرمة؟

فأجاب المفسرون بأن الأطباء أشاروا إليه باجتنابه ففعل وذلك بإذن من الله فهو كتحريم الله ابتداء.

وأيضاً لا يبعد أن يكون تحريم الإنسان سبباً لتحريم الله كالطلاق والعتاق في تحريم المرأة والجارية.

وأيضاً الاجتهاد جائز على الأنبياء لعموم ﴿ فاعتبروا  ﴾ ولقوله في معرض المدح ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم  ﴾ ولأن الاجتهاد طاعة شاقة فيلزم أن يكون للأنبياء منها نصيب أوفر لا سيما ومعارفهم أكثر، وعقولهم أنور، وأذهانهم أصفة، وتوفيق الله وتسديده معهم أوفى.

ثم إذا حكموا بحكم بسبب الاجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك الحكم كما أن الإجماع إذا انعقد عن الاجتهاد فإنه يحرم مخالفته.

والأظهر أن ذلك التحريم ما كان بالنص وإلا لقيل: إلا ما حرمه الله  على إسرائيل.

فلما نسب إلى إسرائيل دل على أنه باجتهاده كما يقال: الشافعي يحلل لحم الخيل، وأبو حنيفة يحرّمه.

وقال الأصم: لعلّ نفسه كانت تتوق إلى هذه الأنواع فامتنع من أكلها قهراً للنفس كما يفعله الزهاد، فعبر عن ذلك الامتناع بالتحريم.

وزعم قوم من المتكلمين أنه يجوز من الله  أن يقول لعبده: احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب، فلعل هذه الواقعة كانت من هذا الباب.

ومعنى قوله: ﴿ من قبل أن تنزل التوراة ﴾ إن هذا الاستثناء إنما كان قبل نزول التوراة، أما بعده فلم يبق كذلك بل حرم الله عليهم أنواعاً كثيرة بدليل قوله  : ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا  ﴾ إلى آخر الآية.

ثم إن القوم نازعوا رسول الله  في إخباره عن الله  فأمروا بالرجوع إلى كتابهم كما سبق تقريره، فروي أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة فبهتوا فلزمت الحجة عليهم وظهر إعجاز النبي  وصدقه، فلهذا قال: ﴿ فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك ﴾ الذي ظهر من الحجة الباهرة ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ الواضعون الباطل في موضع الحق، والكذب في مقام الصدق والعناد في محل الإنصاف.

وأيضاً إن تكذيبهم وافتراءهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن يقتدي بهم من أشياعهم ﴿ قل صدق الله ﴾ في جواب الشبه الثلاث وفيه تعريض بكذبهم ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ وهي التي عليه محمد  ومن تبعه حتى تتخلصوا من اليهودية التي فيها فساد دينكم ودنياكم حيث ألجأتكم الى تحريف كتاب الله لأغراضكم الفاسدة / وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلت لإبراهيم ولمن يقتدي به ﴿ وما كان من المشركين ﴾ وفيه تنبيه على أن محمداً  على دين إبراهيم في الفروع لما ثبت أن الذي حكم  بحله حكم إبراهيم بحله.

وفي الأصول لأن محمداً وإبراهيم كليهما صلى الله عليهما وسلم لا يدعوان إلا إلى التوحيد والبراءة عن كل معبود سوى الله  ، خلاف اليهود والنصارى، وخلاف عبدة الأوثان والكواكب.

قوله  : ﴿ إن أول بيت وضع للناس ﴾ قال مجاهد: هو جواب عن شبهة أخرى لليهود وذلك أنهم قالوا: بيت المقدس أفضل من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء وأرض المحشر وقبلة الأنبياء.

فكان تحويل القبلة منه إلى الكعبة كالطعن في نبوة محمد  .

وقيل: إن الآية المتقدمة سيقت لجواز النسخ، وإن أعظم الأمور التي أظهر رسول الله  نسخها هو القبلة، فذكر عقيب ذلك ما لأجله حولت القبلة إلى الكعبة.

وقيل: لما انجر الكلام في الآية المتقدمة إلى قوله: ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم ﴾ وكان الحج من أعظم شعائر ملته، أردفها بفضيلة البيت ليفرع عليها إيجاب الحج.

وقيل: زعم كل من اليهود والنصارى أنه على ملة إبراهيم، فبين الله  ما يدل على كذبهم من حيث إن حج البيت كان من ملة إبراهيم وأهل الكتاب لا يحجون.

قالت العلماء: الأول هو الفرد السابق، فلو قال: أول عبد أشتريه فهو حر.

فلو اشترى عبدين في المرة الأولى لم يعتق واحد منهما لفقد قيد الفرد.

ولو اشترى في المرة الثانية عبداً واحداً لم يعتق أيضاً لفقدان قيد السابق.

ومعنى كونه موضوعاً للناس أنه جعل متعبدهم وموضع طاعتهم يتوجهون نحوه من جميع الأقطار، وليس كل أول يقتضي أن يكون له ثانٍ فضلاً أن يشاركه في جميع خواصه، فلا يلزم من كونه أول أن يكون بيت المقدس مثلاً ثانياً له ولا مشاركاً في وجوب الحج والاستقبال وغيرهما من الخواص.

ثم إن كونه أول بيت وضع للناس يحتمل أن يكون المراد أنه أول في البناء والوضع، ويحتمل أن يراد أنه أول في الوضع وإن كان متأخراً في البناء، فلا جرم حصل فيه للمفسرين قولان: الأول أنه أول في بنائه ووضعه جميعاً.

روى الواحدي رحمه الله في البسيط بإسناده عن مجاهد أنه قال: خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرضين.

وفي رواية أخرى: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي سنة، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى، وروى أيضاً عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن آبائه قال: إن الله  بعث ملائكة فقال: ابنوا لي في الأرض بيتاً على مثال البيت المعمور.

وأمر الله  من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.

وهذا كان قبل خلق آدم وقد ورد في سائر كتب التفسير عن عبد الله بن عمر / ومجاهد والسدي أنه أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق الأرض والسماء، وقد خلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الماء ثم دحيت الأرض من تحته.

وعن الزهري قال: بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم ثلاثة صفوح في كل صفح منها كتاب.

في الصفح الأول: "أنا الله ذو بكة وضعتها يوم وضعت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء وباركت لأهلها في اللحم واللبن".

وفي الثاني: "أنا الله ذو بكة، خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي.

من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته".

وفي الثالث: "أنا الله ذو بكة خلقت الجن والإنس فطوبى لمن كان الخير على يديه ووبل لمن كان الشر على يديه".

وقد يستدل على صحة هذا القول بما روي أنه  قال يوم فتح مكة: "ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض" .

وتحريم مكة لا يمكن إلا بعد وجودها ولأنه  سماها أم القرى، وهذا يقتضي سبقها على سائر البقاع، ولأن تكليف الصلاة كان ثابتاً في أديان جميع الأنبياء.

وأيضاً قال  في سورة مريم ﴿ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم  ﴾ إلى قوله: ﴿ خروا سجداً  ﴾ والسجدة لا بد لها من قبلة فلو كانت قبلتهم غير الكعبة لم تكن هي أول بيت وضع للناس هذا محال خلف.

القول الثاني: روي أن النبي  سئل عن أول مسجد وضع للناس؟

فقال: " المسجد الحرام ثم بيت المقدس فسئل كم بينهما؟

قال: أربعون سنة" وعن علي أن رجلاً قال له: هو أول بيت؟

قال: لا.

قد كان قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً، فيه الهدى والرحمة والبركة.

واعلم أن الغرض الأصلي من ذكر هذه الأوّلية بيان الفضيلة وترجيحه على بيت المقدس.

ولا تأثير لأولية البناء في هذا المقصود، وإن كان الأرجح ثبوت تلك الأولية أيضاً كما روينا آنفاً، وفي سورة البقرة أيضاً من الأخبار والآثار.

فمن فضائل البيت أن الآمر ببنائه الرب الجليل، والمهندس جبرائيل، وبانية إبراهيم الخليل وتلميذة ابنه إسماعيل.

ومنها أنه محل إجابة الدعوات ومهبط الخيرات والبركات، ومصعد الصلوات والطاعات، ومنها مقام إبراهيم كما يجيء، ومنه قلة ما يجتمع من حصى الجمار فيه فإنه منذ ألف سنة يرمي في كل سنة خمسمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة ثم لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثير.

وليس الموضع الذي يرمي إليه الجمرات مسيل ماء أو مهب رياح شديدة، وقد جاء في الآثار أن كل من كانت حجته مقبولة رفعت جمراته إلى السماء.

ومنها أن الطيور تترك المرور فوق الكعبة وتنحرف عنها البتة إذا / وصلت إلى محاذاتها.

ومنها أن الحيوانات المتضادة في الطبائع لا يؤذي بعضها بعضاً عنده كالكلاب والظباء، ومنها أمن سكانها فلم ينقل ألبتة أن ظالماً هدم الكعبة أو خرب مكة بالكلية، وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية، وقصة أصحاب الفيل سوف تجيء في موضعها إن شاء العزيز، ومنها أنه  وضعها بواد غير ذي زرع لفوائد منها: أنه قطع بذلك رجاء أهل حرمة وسدنة بيته عمن سواءه حتى لا يتوكلوا إلا على الله.

ومنها أنه مع كونه كذلك يجبى إليه ثمرات كل شيء وذلك بدعوة خليلة إبراهيم  وإنه من أعظم الآيات ومنها أن لا يسكنها أحد من الجبابرة لأنهم يميلون إلى طيبات الدنيا، فيبقى ذلك الموضع المنيف والمقام الشريف مطهراً عن لوث وجود أرباب الهمم الدنية.ومنها أن لا يقصدها الناس للتجارة بل يأتون لمحض العبادة والزيارة، ومنها أنه  أظهر بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيت في أقل المواضع نصيباً من الدنيا فكأنه  يقول: جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين لأجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين.

ومنها كأنه قيل: كما لم أجعل الكعبة إلا في موضع خال عن جميع نعم الدنيا فكذا لا أجعل كعبة المعرفة إلا في قلب خال عن محبة الدنيا ﴿ للذي ببكة ﴾ للبيت الذي ببكة قال في الكشاف: وهي علم للبلد الحرام.

ومكة وبكة لغتان كراتب وراتم.

وضربة لازم ولازب مما يعتقب فيه الميم والباء لتقارب مخرجهما.

وقيل: مكة البلد وبكة موضع المسجد.

وفي الصحاح بكة اسم لبطن مكة, وأما اشتقاق بكة فمن قولهم بكة إذا زحمه ودفعه، وعن سعيد بن جبير: سميت بكة لأنهم يتباكون فيها أي يزدحمون في الطواف وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة.

قال بعضهم: رأيت محمد بن علي الباقر يصلي.

فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال: دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضاً، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي ولا بأس بذلك في هذا المكان.

ويؤكد هذا القول من قال: إن بكة موضع المسجد لأن المطاف هناك وفيه الازدحام.

ولا شك أن بكة غير البيت لأن الآية تدل على أن البيت حاصل في بكة، والشيء لا يكون ظرفاً لنفسه، وقيل: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها، لم يقصدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه.

وأما مكة فاشتقاقها من قولك أمتك الفصيل ضرع أمه إذا امتص ما فيه واستقصى، فسميت بذلك لأنها تجذب الناس من كل جانب وقطر أو لقلة مائها كأن أرضها امتصت ماءها.

وقيل: إن مكة وسط الأرض، والعيون والمياه تنبع من تحتها، فكأن الأرض كلها تمك من ماء مكة، ثم إنه  وصف البيت بكونه مباركاً وهدى للعالمين، أما انتصابه فعلى الحال عن الضمير المستكن في الظرف، لأن التقدير للذي ببكة هو والعامل فيه معنى الاستقرار.

/ وأما معناه فالبركة إما النمو والتزايد وكثرة الخير، وإما البقاء والدوام, وكل شي ثبت ودام فقد برك، ومنه برك البعير إذا وضع صدره على الأرض والبركة شبه الحوض لثبوت الماء فيها، وتبارك الله لثبوته لم يزل ولا يزال، والبيت مبارك لما يحصل لمن حجة واعتمره واعكف عنده وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب.

قال  : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" وقال  : " "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" ولو استحضر العاقل في نفسه أن الكعبة كالنقطة وصفوف المتوجهين إليها في الصلوات في أقطار الأرض وأكنافها ولعمري إنها غير محصورة كالدوائر المحيطة بالمركز، ولا شك أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم علوية، وقلوبهم قدسية، وأسرارهم نورانية، وضمائرهم ربانية، علم أنه إذا توجهت تلك الأرواح الصافية إلى كعبة المعرفة واستقبلت أجسادهم هذه الكعبة الحسية، اتصلت أنوار أولئك الأرواح بنوره وعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره.

قال القفاز: يجوز أن تكون بركته ما ذكر في قوله: ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء  ﴾ فيكون كقوله: ﴿ إلى الأرض  ﴾ المقدسة ﴿ التي باركنا فيها  ﴾ وإن فسرنا البركة بالدوام فلا شك أنه لا تنفك الكعبة من الطائفين والعاكفين والركع السجود.

وإذا كانت الأرض كرة وكل آن يفرض فإنه صبح لقوم ظهر لآخرين وعصر لغيرهم أو مغرب أو عشاء، فلا تخلو الكعبة عن توجه قوم إليها البتة.

وأيضاً بقاء الكعبة على هذه الحالة ألوفاً من السنين دوام.

وأما كونه هدى للعالمين فلأنه قبلتهم ومتعبدهم أو لأنه يدل على وجود الصانع وصدق محمد  بما فيه من الآيات والأعاجيب، أو لأنه يهدي إلى الجنة.

ومعنى هدى هادياً أو ذا هدى قاله الزجاج، وجوز أن يكون محله رفعاً أي وهو هدى ﴿ فيه آيات بينات ﴾ يحتمل أن يراد بها ما عددنا من بعض فضائله، ويكون قوله: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ غير متعلق بما قبله، فكأنه قيل فيه آيات بينات ومع ذلك فهو مقام إبراهيم وموضعه الذي اختاره وعبد الله فيه.

وقال الأكثرون إن الآيات بيانه وتفسيره قوله: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ إما بأن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لأنه معجز رسول وكل معجز ففيه دليل أيضاً على علم الصانع وقدرته وإرادته وحياته وتعاليه عن مشابهة المحدثات، فلقوه هذا الدليل عبر عنه بلفظ الجمع كقوله: ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ وإما بأن يجعل المقام مشتملاً على آيات لأن أثر القدم في الصخرة الصماء / آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية وآبقاء هذا الأثر دون آثار سائر الأبنياء آية لإبراهيم خاصة، وحفظة مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوفاً من السنين آية.

قال الزجاج: قوله: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ من تتمة تفسير الآيات.

وهذه الجملة وإن كانت من مبتدأ وخبر أو من شرط وجزاء إلا أنها في تقدير مفرد من حيث المعنى.

فكأنه قيل: فيه آيات بينات وأمن من دخله كما لو قلت: فيه آية بينة من دخله كان آمناً كان معناه فيه آية بينة أمن من دخله.

وهذا التفسير بعد تصحيحه مبني على أن الاثنين جمع كما قال  : " "الاثنان فما فوقهما جماعة " وفي القرآن ﴿ هذان خصمان اختصموا  ﴾ وقيل: ذكر آيتان وطوى ذكر غيرهما.

دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما.

ومنه قوله  : "حبب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة " ومنهم من تمم الثلاثة فقال: مقام إبراهيم وأمن من دخله وإن لله على الناس حجه.

وقال المبرد: مقام مصدر فلم يجمع والمراد مقامات إبراهيم هي ما أقامه من المناسك، فالمراد بالآيات شعائر الحج.

وقرأ ابن عباس وأبي ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة ﴿ آية بينة ﴾ على التوحيد قاله في الكشاف.

وفيه توكيد لكون مقام إبراهيم وحده بياناً.

وأما حديث "أمن من دخله" فقد مر اختلاف العلماء فيه في سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً  ﴾ وقيل: كان آمناً من النار لما روي عن النبي  : " من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً " وعنه صلى الله عيله وسلم: " "الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة " وهما مقبرتا مكة والمدينة.

وعن ابن مسعود: وقف رسول الله  على ثنية الحجون وليس بها يومئذٍ مقبرة فقال: " "يبعث الله من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر" وعن النبي  : " من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام " ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ لما ذكر فضائل البيت أردفه بإيجاب الحج وفيه لغتان: الفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد، وكلاهما مصدر كالمدح والذم والذكر والعلم.

وقيل: المكسور اسم للعمل، والمفتوح مصدر.

ومحل ﴿ من استطاع ﴾ خفض على البدل ﴿ من الناس ﴾ والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت، وقال الفراء: يجوز أن ينوي الاستئناف بمن والخبر، أو الجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه والتقدير: من استطاع إليه سبيلاً فللَّه عليه حج البيت.

وقال ابن الأنباري: يحتمل أن يكون محله رفعاً على البيان / كأنه قيل: من الناس الذين عليهم لله حج البيت؟

فقيل:هم من استطاع.

والضمير في ﴿ إليه ﴾ للبيت أو الحج.

واستطاعة السبيل إلى الشيء هي إمكان الوصول إليه واحتج أصحاب الشافعي بالآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن الناس يعم المؤمن والكفار وعدم الإيمان لا يصلح أن يكون معارضاً ومخصصاً لهذا العموم لأن الدهري مكلف بالإيمان بمحمد  مع أن شرط صحة الإيمان بمحمد غير حاصل، والمحدث مكلف بالصلاة مع أن الوضوء الذي هو شرط صحة الصلاة ليس بحاصل، واحتج جمهور المعتزلة بالآية على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنها لو كانت مع الفعل لكان من لم يحج لم يكن مستطيعاً للحج فلا يتناوله التكليف المذكور وذلك باطل بالاتفاق.

أجاب الأشاعرة بأن هذا أيضاً لازم عليكم لأن القادر إما أن يكون مأموراً بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل وهو محال لأنه تكليف بما لا يطاق، أو بعد حصوله وحينئذٍ يكون الفعل واجب الحصول فلا يكون في التكليف به فائدة, وإذا كانت الاستطاعة منتفية في الحالين وجب أن لا يتوجه التكليف.

والحق أن وجوب الفعل بالقدرة والإرادة لا ينافي توجيه التكليف إليه.

/ واعلم أن الحج لا يجب بأصل الشرع في العمر إلا مرة واحدة لما روي عن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله  : " يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج.

فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟

فقال: لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فتطوع" " وقد يجب أكثر من مرة واحدة لعارض كالنذور والقضاء.

ولصحة الحج على الإطلاق شرط واحد وهو الإسلام، فلا يصح حج الكافر كصومه وصلاته.

ولا يشترط فيه التكليف بل يجوز للولي أن يحرم عن المجنون وعن الصبي الذي لا يميز وحينئذٍ يصح حجمها لما روي عن ابن عباس أن النبي  مر بأمرأة وهي في محفتها، فأخذت بعضد صبي كان معها فقالت: ألهذا حج؟

فقال رسول الله  : "نعم ولك أجر" .

وعن جابر قال: حججنا مع النبي  ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم.

ولصحة المباشرة شرط زائد على الإسلام وهو التمييز.

فلا تصح مباشرة الحج من المجنون والصبي الذي لا يميز كسائر العبادات، ويصح من الصبي المميز أن يحرم ويحج بإذن الولي، ولا يشترط فيها الحرية كسائر العبادات، ولوقوعه عن حجة الإسلام شرطان زائدان: البلوغ والحرية لقوله  : " أيما صبي حج / ثم بلغ فعليه حجة الإسلام، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام" والمعنى فيه أن الحج عبادة عمر لا تتكرر فاعتبر وقوعها في حالة الكمال، ولأن التكليف تابع للتمييز فشرط هذا الحكم إذن يعود إلى ثلاثة: الإسلام والتكليف والحرية.

ولو تكلف الفقير الحج وقع حجه عن الفرض كما لو تحمل الغني خطر الطريق وحج، وكما لو تحمل المريض المشقة وحضر الجمعة.

ولوجوب حجة الإسلام شرط زائد على الثلاثة المذكورة آنفاً وهو الاستطاعة بالآية.

والاستطاعة نوعان: استطاعة مباشرته بنفسه واستطاعة تحصيله بغيره.

النوع الأول يتعلق به أمور أربعة: أحدها الراحلة، والناس قسمان: أحدهما من بينه وبين مكة مسافة القصر فلا يلزمه الحج إلا إذا وجد راحلة سواء كان قادراً على المشي أو لم يكن لما روي أنه  فسر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد والراحلة.

نعم لو كان قادراً على المشي يستحب له أن لا يترك الحج.

وعند مالك القوي على المشي يلزمه الحج.

ويعتبر مع وجدان الراحلة وجدان المحمل أيضاً إن كان لا يستمسك على الراحلة ويلحقه مشقة شديدة.

ثم العادة جارية بركوب اثنين في المحمل.

فإن وجد مؤنة محمل أو شق محمل ووجد شريكاً يجلس في الجانب الآخر لزمه الحج، وإن لم يجد الشريك فلا.

القسم الثاني من ليس بينه وبين مكة مسافة القصر.

فإن كان قوياً على المشي لزمه الحج وإلا فلا يجب إلا مع الراحلة أو معها ومع المحمل كما في حق البعيد.

والمراد بوجود الراحلة أن يقدر على تحصيلها ملكاً أو استئجاراً بثمن المثل أو بأجرة المثل وكذا في المحمل.

المتعلق الثاني: الزاد وأوعيته وما يحتاج إليه في السفر مدة ذهابه وإيابه سواء كان له أهل أو عشيرة يرجع إليهم أو لا فحب الوطن من الإيمان.

وكذا الراحلة للإياب وأجره البذرقة.

كل ذلك بعد قضاء جميع الديون ورد الودائع ونفقة من يلزمه نفقتهم حينئذٍ إلى العود، وبعد مؤن النكاح إن خاف العنت، وبعد مسكنه ودست ثوب يليق به وخادم يحتاج إليه لزمانته أو لمنصبه.

ولو كان له رأس مال يتجر فيه وينفق من ربحه ولو نقص لبطلت تجارته، أو كان له متسغلات يرتفق منها نفقته، فالأصح عند الأئمة أنه يكلف بيعها لأن واحد للزاد والراحلة في الحال ولا عبرة لخوف الفقر في الاستقبال.

المتعلق الثالث: الطريق ويشترط فيه غلبة ظن الأمن على النفس من نحو سبع وعدو، والأمن على المال من عدو أو رصديّ وإن رضي بشيء يسير، والأمن على البضع للمرأة بخروج زوج أو محرم أو نسوة ثقات.

وفي البحر يعتبر غلبة السلامة وفي البر وجود علف الدابة.

المتعلق الرابع: البدن ويشترط فيه أن يقوى على الاستمساك على الراحلة، فإن ضعف عن ذلك لمرض أو غيره فهو غير مستطيع للمباشرة.

ولا بد للأعمى من قائد، وعند أبي حنيفة لا حج عليه.

ويروى أنه يستنيب قال الأئمة: لا بد مع الشرائط من إمكان المسير وهو / أن يبقى من الزمان بعد الاستطاعة ما يمكنه المسير فيه إلى الحج به السير المعهود، فإن احتاج إلى أن يقطع في يوم مرحلتين أو أكثر لم يلزمه الحج.

ولو خرجت الرفقة قبل الوقت الذي جرت عادة أهل بلده بالخروج فيه لم يلزمه الخروج معهم.

ووجوب الحج في العمر كالصلاة في وقتها، فيجوز التراخي لكنه أن دامت الاستطاعة وتحقق الإمكان ولم يحج حتى مات عصى على الأظهر وإن كان شاباً.

وقال أحمد ومالك وأبو حنيفة في رواية: إنه على الفور.

حجة الشافعي أن فريضة الحج نزلت سنة خمس من الهجرة وأخره النبي  من غير مانع فإنه خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة ولم يحج وفتح مكة سنة ثمان، وبعث أبا بكر أميراً على الحاج سنة تسع وحج هو سنة عشر وعاش بعدها ثمانين يوماً.

وأما النوع الثاني فهو استطاعة الاستنابة فإنها جائزة في الحج وإن كانت العبادات بعيدة عن الاستنابة، لأن المحجوج عنه قد يكون عاجزاً عن المباشرة بسبب الموت أو الكبر أو زمانة أو مرض لا يرجى زواله.

وعن ابن عباس أن رجلاً جاء إلى النبي  فقال: " يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تحج وماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟

فقال: لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟

قال: نعم قال:فاقضوا حق الله  فهو أحق بالقضاء" " وعنه "أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله  على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفأحج عنه؟

قال: نعم" .وقد تكون الاستنابة بطريق الاستئجار لأنه عمل يدخله النيابة فيجري فيه الاستئجار كتفريق الزكاة.

وعند أبي حنيفة وأحمد لا يجوز ولكن يرزق عليه.

ولو استأجر كان ثواب النفقة للآمر وسقط عنه الخطاب بالحج ويقع الحج عن الحاج.

والحج بالرزق أن يقول: حج عني وأعطيك نفقتك.

وهذا أيضاً جائز عند الشافعي كالإجارة.

ولكن لا يجوز أن يقول استأجرتك بالنفقة لأنها مجهولة.

والأجرة لا بد أن تكون معلومة.

فهذا جملة الكلام في الاستطاعة عند الجمهور.

وعن الضحاك: إذا قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع، وقيل له في ذلك فقال: إن كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه بل كان ينطلق إليه ولو حبواً، فكذلك يجب عليه الحج.

وفي الآية أنواع من التوكيد والتغليظ منها قوله: ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ أي حق واجب له عليهم لكونه إلهاً فيجب عليهم الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أم لم يعرفوا فإن كثيراً من أعمال الحج تعبد محض.

ومنها بناء الكلام على الأبدال ليكون تثنية للمراد / وتفصيلاً بعد الإجمال وإيراد للغرض في صورتين تقريراً له في الأذهان.

ومنه ذكر من كفر مكان من لم يحج وفيه من التغليظ ما فيه ولهذا قال رسول الله  : " من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً" ونظيره قوله  : " من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر" ومنها إظهار الغني وتهويل الخطب بذكر اسم الله دون أن يقول: "فإنه" أو "فإني" فإنه يدل على غاية السخط والخذلان.

ومنه وضع المظهر مقام المضمر حيث قال: ﴿ عن العالمين ﴾ .

ولم يقل "عنه" لأنه  إذا كان غنياً عن كل العالمين فلأن يكون غنياً عن طاعة ذلك الواحد أولى.

ومن العلماء من زعم أن هذا الوعيد عام في حق كل من كفر ولا تعلق له بما قبله، ومنهم من حمله على اعتقاد عدم وجوب الحج ويؤكده ما روي عن سعيد بن المسيب إنها نزلت في اليهود قالوا: إن الحج إلى مكة غير واجب.

وعن الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله  أهل الأديان الستة.

المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين - فخطبهم وقال: إن الله  كتب عليكم الحج فحجوا.

فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس وقالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه.

فنزلت ﴿ ومن كفر ﴾ .

ومن الأحاديث الواردة في تأكيد أمر الحج قوله  : " "حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة " وروي " "حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه" " أي يتعذر عليكم الذهاب إلى مكة من جانب البر لعدم الأمن أو غيره.

وعن ابن مسعود: حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت أي هلكت.

وعن عمر: لو ترك الناس الحج عاماً واحداً ما نوظروا أي عجل عقوبتهم ويستأصلون.

ثم إنه  لاين أهل الكتاب في الخطاب فقال: ﴿ قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ﴾ التي دلتكم على صدق محمد  بعد ظهور البينات ودحوض الشبهات، أو بعد معرفة فضيلة الكعبة ووجوب الحج؟

﴿ والله شهيد على ما تعملون ﴾ فيجازيكم عليه.

وهذه الحال توجب أن لا تجسروا على الكفر بآياته ودلالتها على نبوة محمد  .

ثم إنه  لما أنكر عليهم في ضلالهم وبخهم على إضلالهم فقال: ﴿ لم تصدون عن سبيل الله من آمن ﴾ قال المفسرون: وكان صدّهم عن سبيل الله إلقاء الشكوك والشبهات في قلوب ضعفة المسلمين، وإنكار أن نعت محمد  في كتابهم، ومنع من أراد الدخول في الإسلام بجهدهم وكدهم، أو بتذكير ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب ليعودوا لمثله.

ومحل ﴿ تبغونها عوجاً ﴾ أو اعوجاجاً نصب على الحال أو بدل وهو بكسر العين / الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى كالدين والقول.

وأما الشيء الذي يرى فيقال فيه "عوج" بالفتح كالحائط والقناة، ولهذا قال الزجاج: العوج بالكسر في المعاني وبالفتح في الأعيان.

وتبغون بمعنى تطلبون ويقتصر على مفعول واحد إذا لم يكن معها اللام مثل "بغيت المال والأجر" فإن أريد تعديته إلى مفعولين زيدت اللام.

وفالتقدير تبغون لها عوجاً كما تقول: صدتك ظبياً أي صدت لك ظبياً.

والضمير عائد إلى السبيل فإنها تذكر وتؤنث.

والمعنى إنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها زيفاً كقولكم: إن النسخ يدل على البداء وإن شريعة موسى باقية إلى الأبد وإن محمداً  ليس بذلك المنعوت في كتابنا أو المراد أنكم تتبعون أنفسكم في إخفاء الحق وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم.

ويحتمل أن يكون ﴿ عوجاً ﴾ حالاً بمعنى ذا عوج.

وذلك أنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله فقيل لهم: إنكم تبغون سبيل الله ضالين ﴿ وأنتم شهداء ﴾ أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلا ضال مضل قاله ابن عباس.

أو أنتم تشهدون ظهور المعجزات على نبوة محمد  ، أو أنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يصغون لأقوالكم ويستشهدونكم في عظائم الأمور يعني الأحبار.

وفيه أن من كان كذلك لا يليق بحاله الإصرار على الباطل والكذب والضلال والإضلال.

ثم أوعدهم بقوله: ﴿ وما الله بغافل عاما تعملون ﴾ كقول السيد لعبده وقد أنكر طريقته.

لا يخفى عليّ سيرتك ولست بغافل عنك.

وإنما ختم الآية الأولى بقوله: ﴿ والله شهيد ﴾ وهذه بقوله: ﴿ وما الله بغافل ﴾ لأن ذلك فيما أظهروه من الكفر بنبوة محمد  ، وهذا فيما أضمروه وهو الصد بالاحتيال وإلقاء الشبهة.

وفي تكرير الخطاب في الآيتين بقوله: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ توبيخ لهم على توبيخ بألطف الوجوه وألين المقال لعلهم يتفكرون فينصرفون عن سلوك سبيل الضلال والإضلال.

عن عكرمة ويروى عن زيد بن أسلم وجابر أيضاً "أن شاس بن قيس اليهودي - وكان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين - مر على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار.

فأمر شاباً من اليهود أن جلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث، وهو يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج.

ففعل وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار.

فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين، أوس بن قيظى أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج- فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئت والله رددتها الآن جذعة.

وغضب الفريقان جميعاً وقالا: قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة وهي الحرة.

فخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية واصطفوا للقتال فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ﴾ الآيات فجاء النبي  حتى قام بين الصفين فقرأها ورفع صوته، فلما سمعوا صوته  وأنصتوا له  وجعلوا يستمعون، فما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً وجثوا يبكون" .

وفي رواية زيد بن أسلم: "خرج إليهم رسول الله فيمن معه من المهاجرين فقال: يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً؟

الله الله.

فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله  سامعين مطيعين فأنزل الله عز وجل الآيات" .

قال جابر بن عبد الله.

"ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله  .

فأومى إلينا بيده وكففنا وأصلح الله ما بيننا، فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله  .

فما رأيت يوماً قط أقبح ولا أوحش أوّلاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم" .

﴿ وكيف تكفرون ﴾ استفهام بطريق الإنكار والعجب.

والمعنى من أين يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله تتلى عليكم على لسان الرسول  في كل واقعة وبين أظهركم رسول الله يبين لكم كل شبهة ويزيح عنكم لكم علة؟

ومع هذين النورين لا يبقى لظلمة الضلال عين ولا أثر، فعليكم أن لا تلتفتوا إلى قوم المخالف وترجعوا فيما يعنّ لكم إلى الكتاب والنبي  .

قلت: أما الكتاب فإنه باق على وجه الدهر، وأما النبي  فإن كان قد مضى إلى رحمة الله في الظاهر، ولكن نور سره باق بين المؤمنين، فكأنه باقٍ على أن عترته  وورثته يقومون مقامه بحسب الظاهر أيضاً.

ولهذا قال  : " إني تارك فيكم الثقلين ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي" " وقال: " إن العلماء ورثة الأنبياء " اللَّهم اجعلنا من زمرتهم بعصمتك وهدايتك.

وفي هذا بشارة لهذه الأمة أنهم لا يضلون أبداً إلى يوم القيامة.

ثم بين أن الكل بعصمة الله وتوفيقه فقال: ﴿ ومن يعتصم بالله ﴾ يتمسك بدينه أو يلتجىء إليه في دفع شرور الكفار ﴿ فقد هدي إلى صراط مستقيم ﴾ والاعتصام الاستمساك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في افة.

أما المعتزلة فحيث لم يجعلوا الاعتصام بخلق الله وهدايته بل قالوا: إنه بفعل / العبد، تأوّلوا الآية بأن المراد بالهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات، أو المراد بالهداية إلى الجنة.

قال في الكشاف: ﴿ فقد هدي ﴾ أي فقد حصل له الهداية لا محالة كما تقول: إذا جئت فلاناً فقد أفلحت كأن الهدى قد حصل له، فهو يخبر عنه حاصلاً.

ومعنى التوقع في "قد" ظاهر لأن المعتصم بالله.

متوقع للهدى، كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده.

التأويل: ﴿ لن تنالوا البر ﴾ وهو صفة الله ﴿ حتى تنفقوا ﴾ أحب الأشياء إليكم وهو أنفسكم.

إن الفراش لم ينل من بر الشمع وهو شعلته حتى أنفق مما أحبه وهو نفسه ﴿ كل الطعام كان حلاً ﴾ الخلق ثلاثة أصناف: الملك النوراني العلوي وغذاؤه الذكر وخلق للعبادة، والحيوان الظلماني السفلي وغذاؤه الطعام وخلق للخدمة، والإنسان المركب من القبيلين وغذاؤه لروحانيته الذكر ولجسمانيته الطعام وخلق للمعرفة والخلافة.

وهذا الصنف على ثلاثة أقسام: منهم ظالم لنفسه وهو الذي بالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ ومنهم مقتصد وهو الذي تساوى طرفاه ﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً  ﴾ ﴿ ومنهم سابق بالخيرات  ﴾ وهو الذي بالغ في غذاء روحانيته وهو المذكور، وفرط في غذاء جسمانيته حتى ماتت نفسه وقوي روحه ﴿ أولئك هم خير البرية  ﴾ فكان كل الطعام حلالاً للإنسان كما للحيوان إلا ما حرم الإنسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل الوحي والإلهام كما قيل: المجاهدات تورث المشاهدات ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا  ﴾ فمن افترى على الله الكذب بأن يريد أن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس ﴿ قل صدق الله ﴾ في قوله: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا ﴾ ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم ﴾ وكان من ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان، وتسليم الولد للقربان ﴿ وما كان من المشركين ﴾ الذين يتخذون مع الله إلهاً آخر ﴿ إن أول بيت وضع للناس ﴾ لا لله لأنه غني عن العالمين.

وإن أنموذج بيت الله في الإنسان وهو العالم الصغير القلب الذي وضع ببكة صدر الإسلام مباركاً عليه وهدى يهتدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده.

فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع، فبه يسمع وبه يبصر وبه يعقل وبه ينطق وبه يبطش وبه يمشي وبه يتحرك وبه يسكن ﴿ فيه آيات بينات ﴾ يصل بها الطالب إلى مطلوبه والقاصد إلى مقصوده، ومنها مقام إبراهيم وهو الخلة التي توصل الخليل إلى خليله ﴿ ومن دخله ﴾ يعني مقام إبراهيم ببذل المال والنفس والولد وإرضاء خليله ﴿ كان آمناً ﴾ من نار القطيعة ومن / عذاب الحجاب، ثم أخبر عن وجوب زيارة بيت الخليل على الخليل إن استطاع إليه السبيل وذلك بأن وجد شرائط السلوك وإمكانه وآداب السير وأركانه.

ومنها الإحرام بالخروج عن الرسوم والعادات، والتجرد عن الطيبات والمألوفات، والتطهر عن الأخلاق المذمومات، والتوجه إلى حضرة فاطر الأرض والسموات بخلوص النيات وصفاء الطويات، ومنها الوقوف بعرفات المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء، وحسن العهد والوفاء.

ومنها الطواف بالخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالأطواف السبعة حول الكعبة الربوبية.

ومنها السعي بين صفا الصفات ومروة الذات.

ومنها الحلق بمحو آثار العبودية بموسى الأنوار الإلهية.

وقس سائر المناسك على هذا.

﴿ ومن كفر ﴾ بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الألطاف، ولا يترقب لحذبات الأعطاف التي توازي عمل الثقلين وهي الاستطاعة في الحقيقة ﴿ فإن الله غني عن العالمين ﴾ لا يستكمل هو منهم وإنما يستكملون هم منه.

﴿ قل يا أهل الكتاب ﴾ ظاهر الخطاب معهم وباطنه مع علماء السوء الذين يبيعون دينهم بدنياهم ولا يعملون بما يعلمون فيضلون ويضلون، وما العصمة عن اتباع الهوى إلا منه  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

[قوله: ﴿ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ﴾ الآية: قد ذكرنا فيما تقدم].

وقوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً ﴾ : قيل فيه بوجوه؛ قيل: إن أوّل بيت مبارك وضع للناس هو بكة.

وقيل: أوّل مسجد وضع للناس مكة.

وقيل: يريد بـ"بكة" البقعة، أي: أوّل بقعة خلق اللهُ هو بكة، ومنها دحيت الأرض.

وقيل: إن آدم -  - لما أمر بالحج فيه، قال جبريل -  -: "قد حج فيه الملائكة قبلك بألفي عام".

وقيل: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي عام.

ثم اختلف في قوله "بكة"؛ قيل "البكة": الزحام.

وقيل: "البكة"؛ موضع البيت، ومكة سائل القرية.

وعن ابن عباس -  - قال: "مكة من فخ إلى التنعيم إلى آخر المنحر، وبكة: من البيت إلى البطحاء".

وقيل: "بكة": الكعبّة؛ حيث يبك الناس، أي: يزدحم بعضهم بعضاً، بـ"مكة": ما وراءها.

وقوله: ﴿ مُبَارَكاً ﴾ ، قيل: يغفر فيه الذنوب والخطايا.

﴿ وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ ﴾ - ما لو تأمّلوا لهداهم؛ وذلك أن الله - عز وجل - خلق هذا البيت بين الجبال في أرض ملساء قليلة الإنزال والريع، لا ماء فيه ولا شجر ولا نزهة؛ ما لا يرغب الخلق إلى مثله، ثم جعل قلوب الناس تميل وتهوي إليه أفئدتهم من غير أن كان فيه ما يرغبهم من النزهة، فلولا أن كان ذلك من آيات الله ولطفه؛ وإلا ما رغب الناس إلى مثله.

ويحتمل قوله: ﴿ فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ ﴾ - ما ذكر: ﴿ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ ، وذلك آياته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ : ظاهره فيمن يجني، ثم دخل الحرم آمن؛ لأن من لم يجن فهو آمن أين دخل من الحرم وغيره، وإنما الآية على ما يخص بالأمن إذا دخل الحرم دون غيره.

وقد روي عن جماعة من أصحاب رسول الله  ما يوافق هذا، ورُوي عن ابن عباس -  - قال: "إذا أصاب الرجل الحدَّ في الحرم، أقيم عليه، وإن أصابه في غير الحرم، ثم لجأ إليه، لا يُحَدَّث، ولا يُجالَس، ولا يُؤَاكَلَ، ولا يبايع، حتى يخرج منه؛ فيؤخذ، فيقام عليه الحد".

ورُوي عن ابن عمر -  - أنه قال: "لو وجدنا قاتل أبينا في الحرم لم نقتله".

ورُوي عن الحسن - رحمه الله - أنه قال في قوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ - كان هذا في الجاهلية، فأما الإسلام: فلم يزده إلا شدة: من أصاب الحدّ في غيره، لم لجأ - إليه أقيم عليه الحدّ.

يقال للحسن: إن الصيد كان يأمن في الجاهلية، ثم الإسلام لا يرفع ذلك الأمن؛ بل كان أمن الصيد في حال الإسلام.

كهو في حال الجاهلية، فعلى ذلك الأمن الذي كان في الجاهلية هو باق غير زائل في الإسلام.

وأصحابنا - رحمهم الله - يذهبون إلى ما روي عن ابن عباس وابن عمر -  ما - أن رسول الله  قال: "إِنَّ الله -  - حَرَّمَ مَكََّةَ يَوْمَ خَلَقَها؛ لم تُحَلَّ لأَِحَدٍ قَبْلِي ولا تُحَلُّ لأَِحَدٍ بَعْدي، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي سَاعةً مِنْ نَهَارٍ، لا يُخْتَلَي خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَد شَجَرُها، ولا يُنَفَّر صَيْدُها، ولا يُحْتَشُّ حَشِيشُها" .

أخبر رسول الله  أن مكة بعد الإسلام حرام؛ كما كانت قبله، وأنها لم تُحَلَّ له إلا ساعة من نهار، فإذا كان الملتجئ آمناً قبل الإسلام؛ فالواجب أن يكون آمناً بعد الإسلام، حتى يخرج منها.

وحجة أخرى: وهو أن الله -  - أباح لرسول الله  قتل المشركين جميعاً، بل فرض ذلك عليه، إلا أهل مكة؛ فإنه لم يُحِلَّ له قتلهم إلا ساعة من نهار، ففضَّل مكة على غيرها بما خصّها به من التحريم؛ فلا يبعد ألا يقام على من التجأ إليها في الإسلام؛ إذ كانت جنايته أقل من كفر أهلها، ولم يُحَلَّ قتالُهم إلا ساعة من نهار.

وفي الفرق [بين] من قتل فيها وفي غيرها، ثم لجأ إليه - وجه آخر: قال الله -  : ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ  ﴾ : أباح لهم القتل عند المسجد الحرام، إذا قاتلونا؛ فعلى ذلك يقام الحدّ إذا أصاب وهو فيه، وإذا أصاب - وهو في غيره - ثم لجأ إليه: لم يُقِمْ؛ كما لم يُقَاتَلُوا إذا لم يُقَاتِلُوا، وهذا فرق حسن واضح [بحمد الله وعونه].

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ -: يحتمل أن يكون خبراً من الحرم في قديم الدهر: أنه كان على ما بين الخلق من القتال والحرب يأمنون بالحرم، إذا التجأوا إليه؛ وذلك كقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ  ﴾ ؛ فيكون ذلك من عظيم آيات الله -  - أن أهل الجاهلية - على عظيم ما بدلوا من الأمور، وغيروا من الدين - منعهم الله -  - عن هذا التغيير؛ حتى بقيت لكل من شهده آية أن الله له هذا السلطان، وبه قام هذا التدبير العظيم، له العلم بحقائق الأشياء، ووضع كل شيء موضعه؛ وعلى ذلك قال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ  ﴾ - إن الله قد جعل - جل ثناؤه - ذلك كالماء في الشرع والطبع، فأمّا الشرع: فما جاءت به الرسل، وأمّا الطبع: فما تنافر الناس، حتى سار ذلك إلى الصيد الذي يؤذيه الأخذ، وإلى أنواع الأشياء التي قامت بجوهر تلك البقعة من البنات، لا بأسباب تكتسب؛ ولهذا كره بيع رباع مكة، ورخص في بيع ما يحدث فيه من البنيان، والله أعلم.

ودلّ قوله: و ﴿ جَعَلْنَا ﴾ كذا - على لزوم ذلك الحق؛ لأنه مذكور بحرف الامتنان، والاحتجاج له، ولا يجوز تغير الذي هذا وضْعُهُ، والله أعلم.

ويحتمل: كأنْ صار آمناً، أي: أوجب له الأمان، ومعلوم أن الذي لم يلزمه القتل كان آمناً دون دخوله؛ فثبت أن ذلك فيمن لزمه؛ وأَيَّد ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ  ﴾ فهم قوم قد سبق منهم الكفر وقت شرع القتل بالكفر، لم يأخذهم حق الشرع على ما سبق من الكفر في وقت لم يكن ذلك جزاءه في الدنيا، إلا أن يُحْدِثَ القتال؛ فعلى ذلك من لزمه - لا فيه - فهو يأمن به، إلا أن يكون أحدثه فيه، والله علم.

وأصله: أنه أضاف الأمان إلى نفسه بقوله: ﴿ كَانَ آمِناً ﴾ فكل حق بِتَلَفِ نَفْسِهِ فله أمان بالدخول فيه، وكل حق في إقامته إحياء ما جعلت الحياة لنفع مثله - فهو يقام؛ ليكون زجراً له، وتكفيراً على بقاء الأمن؛ ليقي نفسه، وردّه إلى ما لم يدر أنه التجأ إليه؛ للهرب عن حكم الله -  - أو للأمان بالله؛ ليصل إلى إقامة أحكام الله -  - آمناً، وفي إقامته هذا أيضاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ .

فرض الله -  - الحج بهذه الآية على من استطاع إليه سبيلاً، ولم يبين ما السبيل، وبين ذلك رسول الله  : حيث سئل عن الاستطاعة؟

فقال: "الزَّاُد، والرَّاحِلَةُ" ، وهكذا يقول علماؤنا: إن الاستطاعة والسبيل هو الزاد والراحلة؛ كما روي عن رسول الله  .

وقال بعض الناس: إذا كان بينه وبين الحج بحر، لم يلزمه الحج؛ فكأنه ذهب إلى ظاهر الآية: ﴿ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ ؛ فجعل البحر وأشباهه مزيلاً للاستطاعة؛ فخالف ما روي عن رسول الله  ؛ لأن رسول الله  سئل عن الاستطاعة؟

فقال: "الزَّادُ الرَّاحِلَةُ" ؛ فلم يجز لأحد أن يزيد في شرائط الاستطاعة مع الزاد الراحلة؛ لأن النبي -  - هو المبين عن الله؛ فعلينا اتباعه في قوله وفعله وتفسيره الآية، ولكنا نجعل من يحول بينه وبين البيت معذوراً في التأخير، ولا يأثم - إن شاء الله  - إذا لم يقدر على الوصول إلى البيت بعلة على ما جعل التأخير في غيرها من العبادات عند الأعذار والعلل، ولا يأثم في ذلك.

ثم في الآية دلالة أنه لا يلزم المرأة الحج إلا بالمحرم؛ لأن المرأة - وإن وجدت الزاد والراحلة - فإنها تحتاج إلى من يُرْكِبُها ويُنزلها، ولا تقدر على ذلك إلا بغيرها، وهكذا العرف فيهن، فإذا كان كذلك جعل كأنها غير واجدة للراحلة، والله أعلم.

وفيه دلالة أن العبد إذا حج ثم أُعْتِق - لزمه حجة الإسلام؛ لأنه لا يملك الزاد والراحلة، فإذا لم يملك الزاد والراحلة لم يجز ذلك من حجة الإسلام وكذلك روي عنه  أنه قال: "أَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ وَلَو عَشْرَ حِجَجٍ؛ فَعَلَيْهِ إِذَا أُعْتِقَ حَجَّةُ الإِسْلامِ" .

وليس كالحرّ - الفقير يحج، ثم أيسر: جاز ذلك من حجة الإسلام؛ ففرقوا بينهما، وإن كانا في زوال الحج في الابتداء سواء؛ وذلك الفقير إذا بلغ ذلك المكان صار غنياً، ولزمه الفرض؛ لأنه لا يحتاج حينئذ إلى زاد وراحلة، وأمّا العبد إذا حضر ذلك المكان لم يَعْتِقْ؛ لذلك افترقا.

وفي ذلك حُجة أخرى: ما أجمع أهل العلم أن فقيراً لو حضر القتال ضرب له بسهم كامل؛ كما يضرب لمن كان فَرْضُ الجهاد لازماً له، ولو أن عبداً شهد الوقعة رضخ له، ولم يكمل له سهم الحرّ؛ فافترقت حال الفقير والعبد في: الجهاد، والضرب في السّهْمان؛ فعلى ذلك يفترق حالهما في الحج، والله أعلم.

وقال بعض أهل العلم: إن الشيخ الذي لا يستمسك على الراحلة، [إذا وجد غيره يحج عنه - يلزمه فرض الحج؛ فما ينكر من قال في المرأة بمثله، فاحتج بما روي عن ابن عباس -  - قال: "جاء إلى رسول الله  فقال: يا رسول الله، إن إبي شيخ فأدركته فريضة الحج، وهو لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة]؛ أفيجزئ أن أحج عنه؟

فقال  : أَرَأيتَ لَوْ كَانَ عَلَى أبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ، أكان يُقْبَلُ مِنْكَ؟

قال: نعم؛ قال: فاللهُ أَوْلَى بِحَجِّ أَبِيكَ" أو كلام نحوه، ولكن ليس في الخبر أن فريضة الحج إنما أدركته في الحال التي لا يستمسك على الراحلة، فيجوز أن أدركته فريضة الحج قبل ذلك؛ فكذلك يقول علماؤنا: إن الحج إذا وجب فأخَّر أداءه حتى أعْسِرَ - لم يسقط عنه الحج، وكذلك إن وجب عليه الحج فلم يحج حتى كبر، فصار لا يستمسك على الراحلة، عليه أن يوصي ليُحَجَّ عنه.

ويحتمل - أيضاً - أنه رغبه رسول الله  في الحج عنه تبرعاً، لا أنه ألزمه الحج في ذلك الوقت الذي لا يثبت عل الراحلة - وعندنا أنه لا يلزمه؛ لأنه إذا لم يستمسك على الراحلة فلا راحلة له، ثم من قول هذا القائل: إن من لزمه فرض الحج، فله التأخير، وفي التأخير فَوْتٌ أو إدراك المنيّة، ومِنْ قوله: إنه لو أخر حتى مات يصير فاسقاً؛ فإذا مات مات فاسقا، يجعل له رخصة التأخير، ثم يفسقه؛ فكأنه يجعل له الرخصة في الفسق، فذلك قبيح وخش من القول سمج.

وأمّا عندنا: فإنه لا يسع له التأخير في أوّل أحوال الإمكان على تمام شرط الاختيار؛ كغيره من العبادات التي لزمت، من نحو الصلاة، والصيام، وغيرهما؛ لا يسع التأخير؛ فعلى ذلك الحج.

ثم مِنْ قول الشافعي - رحمه الله -: إن على الكافر الحج والصلاة والصيام في حال كفره، فإذا أسلم سقط ذلك عنه؛ فذلك عندنا لعب وعبث في دين الله -  - غير جائز أن يلزمه فرض في حال لا يجوز له فعله، فإذا جاء سبب الجواز يسقط عنه ذلك.

وفي الآية دلالة أن الحج إنما كان فرضاً على المؤمنين خاصة؛ بقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ بالحج ﴿ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ فلو كان هو [على] الكافر كما هو على المسلم، لم يكن لقوله معنى؛ دل أنه غير لازم، والله أمر بالعبادات باسم المؤمنين.

ثم المسألة بيننا وبين المعتزلة في الاستطاعة، قالت المعتزلة: تكون قبل الفعل؛ لأن الله -  - فرض الحج، وأمر بالخروج إليه، إذا قدر على الزاد والراحلة؛ على ما فسره رسول الله  ، وإذا لم يقدر لم يلزمه؛ فدلّ أنها تتقدم.

وأمّا عندنا: فهي على وجهين: أحدهما: استطاعة الأسباب والأحوال.

والثاني: استطاعة الأفعال.

فأمّا استطاعة الأحوال والأسباب: فيجوز تقدمها، من نحو: الزاد، والراحلة، والجوارح السليمة.

وأمّا استطاعة الأفعال فإنها لا تكون إلا مع الفعل؛ لأنها استطاعة الفعل وسببه؛ فلا تكون إلا معه، والوقت في الحج لفعل الحج لا للإيجاب؛ لأنه لو كان للإيجاب لكان له ألا يخرج، ولا يأتي ذلك المكان فيجب عليه الحج؛ ولأنه لو لم يلزمه إلا بالوقت، ثم لا يتمكن فعله به دون المكان فيجئ - لا يلزمه إلا بحضور ذلك، فلا يلزمه الخروج أبداً؛ إذ الحج غير لازم [إلا بالوقت]، ولأنه ليس على العبد أن يتكلف في اكتساب إيجاب العبادات، وعليه أن يَجْهَدَ في أداء الواجب عليه.

ثم الأوقات على أقسام ثلاثة: وقت الإيجاب والأداء جميعاً نحو: الصلاة، والصيام، ونحوهما.

ووقت الإيجاب، نحو: الزكاة.

ووقت الأداء - وهو الحج - إنما وجوبه بالزاد والراحلة، وأمّا الوقت: فهو للأداء خاصّة، فإذا كان في أقصى بلاد المسلمين فهو لم يعط قدرة فعل الحج؛ لأنه لا يقدر على فعله إذا كان فيما ذكر؛ دل أن قدرة الفعل لا تتقدم الفعل، وقدرة الأحوال تتقدم لما ذكرناه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ .

في الآية دلالة أن الله - عز وجل - إذا أمر عباده بأمر ليس بأمره لحاجة نفسه، ويأمر لحاجة العبد؛ لأنه غني بذاته، لا حاجة تمسّه، وأمّا الأمر فيما بين الخلق: فإنما هو لحاجة بعضهم لبعض: إمّا جر منفعة، أو دفع مكروه، فذلك معنى قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ .

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ : عن ابن عباس -  - ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ قال: من زعم أنه لم ينزل.

وعن الحسن: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ قال: من زعم أن الحج ليس بواجب.

وقيل: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ بالله، قال: هو الذي إن حج لم يرج ثوابه، وإن جلس لم يخش عقابه.

وعن ابن عباس قال: ﴿ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ ، والسبيل أن يصح بدن العبد، وأن يكون له ثمن زاد وراحلة، من غير أن يحجب".

ثم قال: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ ، يقول: ومن كفر بالحج فلم ير حجة برّاً، ولا تركه إثماً.

[وفي] قوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ ﴾ دلالتان: إحداهما: في الوجوب بقوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، وأيد ذلك قولُهُ: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ وما جاء من الأثر واتفاق القول.

والثانية: جعل البيت شرطاً للقيام لما هو في قوله: ﴿ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ذلك؛ فيكون فيه دليل لزوم الطواف، تفسيره في قوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ  ﴾ ، وكذلك أيده قوله: ﴿ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ  ﴾ ، وأيّد - أيضاً - "ما روي عن رسول الله  أنه قال في امرأة نَفِسَتْ: أَحابِسَتُنا هِيَ؟" قيل: إنها أفاضت.

وعلى ذلك اتفاق القول بلزوم الطواف، والله أعلم.

فلما دلّ أن الطواف لازم لم يخل إمّا أن يكون الطواف المبدأ به في الحج، أو الذي يختم به، والذي يبدأ به لا يلزم كل الناس - ثبت أن الفرض هو الذي يختم به، وهو قوله: ﴿ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ : أوجب جعل السبيل إليه والإمكان - شرطاً للوجوب؛ إذ الآية في ذكر الوجوب لا الفعل؛ وعلى ذلك جميع العبادات، جعل الإمكان في وجوبها شرطاً بالسمع بقوله: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا  ﴾ ، وغير ذلك مما ذكر في كل نوع من العبادات من الاستطاعة؛ وكذا حق هذا بالفعل، وذلك يخرج على وجهين: استطاعة الفعل من القدرة التي تحدث لا محالة ما سلمت الأسباب، إلا أن يكون ممن منه الفعل الإعراض عنها بالشغل بغير تلك الأفعال، أو اشتغال ذلك بالفعل؛ فيكون فوت الاستطاعة بتضييعه، ولا عذر بفوت ما كان المكلف يفوته، كفوت العلم به على الإمكان، وإن كان لا يقوم دونه، والذي يؤيّد أن هذه الاستطاعة ليست بشرط في الإيجاب أنها لا تبقى، ثم محال وجودها في حال لو أريد إقامة الحج لا يتهيّأ، وذلك نحو أن يكون في أقصى البلاد من مكة، ومعلوم أن القدرة التي بها يكون الفعل ليست معه، ومحال تكليف السبب الذي به يجب الفعل؛ فلذلك لم يجب تكليف بالخروج ولا أمر بالحج؛ فكأنه يؤمر بتكليف سبب الإيجاب - ثبت أن قد يجب الحج لا بتلك القوة؛ وكذلك يجوز في الكفارات استعمال الأبدال في حال العجز، وإن كان لا يعلم أن العجز يمتد إلى آخر ما يقوم به الأصل، بل على ظهور ألا يمتد بمضي البدل - ثبت أنْ لا عبرة لفقد قدرة الفعل ووجودها في التكليف، والله أعلم.

والثاني: يراد بالاستطاعة: سلامة الأسباب، ولا يجوز التكليف دونها بالفعل؛ لأنه ممنوع، ومحال أمر الممنوع عن الفعل - به؛ كالأعمى، والمُقْعَدِ، ونحو ذلك، وإلى مثل هذا انصرف شرط الاستطاعة، وهو اللازم في العقل؛ لما القرب بحق الشكر لما أنعم على المأمور، فإذا منع عنه السبب الذي هو النعمة لم يحتمل أن يؤمر بالشكر ولا نعمة، والله أعلم.

وعلى ذلك ما روي عن رسول الله  أنه سئل عن ذلك؛ فقال: "الزَّادُ والرَّاحِلَةُ" .

والله الموفق.

وعلى ما ذكرت يخرج قول أبي حنيفة -  - في وجوب الحج: وإن لم يدرك الوقت الذي فيه يقوم الحج على ما لزمه، وإن لم يكن أصاب المكان الذي فيه يقام - والله أعلم بظاهر الآية مع ما ذكرنا من بيان الأثر.

وأصله: أن الوقت في الحج جعل لجواز الفعل؛ إذ هو لو فات لا يحتمل في غيره، وكل فعل يجوز في غير وقته فما يقرب من الوقت به كان أحق بالجواز؛ فإذا لم يجز هذا وجاز في مثله من القابل - ثبت أنه للجواز لا للوجوب؛ وأيّد ذلك ما لا يوصف بالقضاء متى أدى، ولو كان في الأوّل واجباً لوقت الأول لكان يكون في الثاني قاضياً، فإذا لم يكن: ثبت أنه ليس لوجوبه وقت، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

في هذا البيت علامات ظاهرات على شرفه وفضله؛ كالمناسك والمشاعر، ومن هذه العلامات الحَجَر الذي قام عليه ابراهيم لما أراد رفع جدار الكعبة، ومنها أن من دخله يزول الخوف عنه ولا يناله أذى.

ويجب لله على الناس قَصْد هذا البيت لأداء مناسك الحج، لمن كان منهم قادرًا على الوصول إليه، ومن كفر بفريضة الحج فإن الله غني عن هذا الكافر وعن العالمين أجمعين.

<div class="verse-tafsir" id="91.o4d9g"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قالوا: إذا كنت يا محمد على ملة إبراهيم والنبيين من بعده، كما تدعي، فكيف تستحل ما كان محرمًا عليه وعليهم كلحم الإبل؟

أما وقد استبحت ما كان محرمًا عليهم فلا ينبغي لك أن تدعي أنك مصدق لهم وموافق في الدين، ولا أن تخص إبراهيم بالذكر وتقول إنك أولى الناس به.

هذه هي الشبهة الأولى، وأما الثانية فهي أنهم قالوا: إن الله وعد إبراهيم بأن تكون البركة في نسل ولده إسحاق، وجميع الأنبياء من ذرية إسحاق كانوا يعظمون بيت المقدس ويصلون إليه، فلو كنت على ما كانوا عليه لعظمت ما عظموا ولما تحولت عن بيت المقدس وعظمت مكانًا آخر اتخذته مصلى وقبلة وهو الكعبة فخالفت الجميع.

فقوله تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ  ﴾ هو جواب عن الشبهة الأولى.

ولكن (الجلال) وكثيرًا من المفسرين يقررون الشبهة ولا يبينون وجه دفعها بيانًا مقتنعًا إذ يعترفون بأن بعض الطيبات كانت محرمة على إسرائيل والصواب ما قصه الله تعالى علينا في هذه الآية وغيرها من الآيات التي توضحها وهي أن كل الطعام كان حلالًا لبني إسرائيل، ولإبراهيم من قبل بالأولى، ثم حرم الله عليهم بعض الطيبات في التوراة عقوبة لهم وتأديبًا كما قال: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُم  ﴾ الآية فالمراد بإسرائيل شعب إسرائيل كما هو مستعمل عندهم، لا يعقوب نفسه، ومعنى تحريم الشعب ذلك على نفسه أنه ارتكب الظلم واجترح السيئات التي كانت سبب التحريم كما صرحت الآية، فكأنه يقول إذا كان الأصل في الأطعمة الحل، وكان تحريم ما حرم على إسرائيل تأديبًا على جرائم أصابوها، وكان النبي وأمته لم يجترحوا تلك السيئات، فلم تحرم عليهم الطيبات؟

ثم قال تعالى مبينًا تقرير الدفع وسنده ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ في قولكم لا تخافون أن تكذبكم نصوصها.

أما قول (الجلال) وغيره أن يعقوب كان به عرق النسا -بالفتح والقصر- فنذر إن شفي لا يأكل لحم الإبل فهو دسيسة من اليهود.

وقيل إنه نذر أن لا يأكل هذا العرق وفي التوراة أن يعقوب التقى ببعض أسفاره بالرب في الطريق فتصارعا إلى الصباح وكاد يعقوب يغلبه ولكن اعتراه عرق النسا إلخ ما حرفوه.

﴿ فَمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ  ﴾ البيان والزام الكاذبين على إبراهيم والأنبياء بالتوراة ودعوتهم إلى الإتيان بها وتلاوتها على الملأ وامتناعها عن ذلك لئلا يظهر أن الله لم يحرم عليهم شيئًا من الطعام قبل التوراة.

والأصل في الأشياء الحل حتى يرد النص بالتحريم ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ  ﴾ بتحويلهم الحق في المسألة عن وجهه ووضع حكم الله بتحريم بعض الطيبات عليهم في غير موضعه ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ  ﴾ فيما أنبأني به من عدم تحريم شيء على إسرائيل قبل التوراة وقامت الحجة عليكم بذلك فثبت أنني مبلغ عنه إذ ما كان لي لولا وحيه أن أعرف صدقكم من كذبكم فيما تحدثون به عن أنبيائكم.

وإذ كان الأمر كذلك ﴿ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ التي أدعوكم إليها حال كونه ﴿ حَنِيفًا  ﴾ لا غلو فيما كان عليه ولا تقصير ولا إفراط ولا تفريط بل هو الفطرة القويمة والحنيفية السمحة المبنية على الإخلاص لله وإسلام الوجه له وحده ﴿ وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ  ﴾ الذي يبتغون الخير من غيره تعالى أو يخافون الضر من غير أسبابه التي مضت بها سنته.

أما قوله  ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ  ﴾ فهو جواب الشبهة الثانية.

وتقريره أن البيت الحرام الذي نستقبله في صلاتنا هو أول بيت وضع معبدًا للناس بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام لأجل العبادة خاصة ثم بني المسجد الأقصى ببيت المقدس بعده بعدة قرون بناه سليمان بن داود عليهما السلام، فصح أن يكون النبي  على ملة إبراهيم ويتوجه بعبادته إلى حيث كان يتوجه إبراهيم وولده إسماعيل.

وذهب بعض المفسرين إلى أن الأولية زمانية بالنسبة إلى وضع البيوت مطلقًا، فقالوا: إن الملائكة بنته قبل خلق آدم وأن بيت المقدس بني بعده بأربعين عامًا.

وإذا صح الحديث فلا شيء في العقل يحيله، ولكن الآية لا تدل عليه، ولا يتوقف الاحتجاج بها على ثبوته، وبيت المقدس المعروف الذي ينصرف إليه الإطلاق قد بناه سليمان بالاتفاق، وذلك قبل ميلاد المسيح بنحو ٨٠٠ سنة.

أما قوله تعالى في البيت ﴿ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ  ﴾ فهو بيان لحاله الحسنة الحسية وحاله الشريفة المعنوية.

﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ أي فيه دلائل أو علامات ظاهرة لا تخفى على أحد، أحدها أو منها مقام إبراهيم أي موضع قيامه فيه للصلاة والعبادة تعرف ذلك العرب بالنقل المتواتر.

وقوله: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا  ﴾ آية ثانية بينة لا يمتري فيها أحد وهي اتفاق قبائل العرب كلها على احترام هذا البيت وتعظيمه لنسبته إلى الله حتى أن من دخله يأمن على نفسه لا من الاعتداء عليه وإيذائه فقط بل يأمن أن يثأر منه من سفك هو دماءهم واستباح حرماتهم ما دام فيه.

مضى على هذا عمل الجاهلية على اختلافها في المنازع والأهواء والمعبودات وكثرة ما بينها من الأحقاد والأضغان وأقره الإسلام.

ويرد على إقرار الإسلام لحرمة البيت فتح مكة بالسيف، وأجيب عنه بأنها حلت للنبي  ساعة من نهار لم تحل لأحد قبله ولن تحل لأحد بعده كما ورد في الحديث، وذلك لضرورة تطهير البيت من الشرك وتخصيصه لما وضع له.

وأما فعل الحجاج، أخزاه الله، فإنه كان من الشذوذ الذي لا ينافي الاتفاق على احترام البيت وتعظيمه وتأمين من دخله ولا نلجأ إلى تأويل الأمان بمثل ما أوله به من قال إن المراد به الأمن من العذاب يوم القيامة فإنه هدم للدين كله، فإن الأمن هناك إنما يكون لأهل التوحيد الخالص والعمل الصالح الذين أقاموا الدين في الدنيا كما أمر الله تعالى، وما دخول البيت إلا بعض أعمال الإيمان إذا أخلص صاحبه فيه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا  ﴾ فهو بيان آية ثالثة من آيات هذا البيت.

هذه الجملة وإن جاءت بصيغة الإيجاب هي واردة في معرض تعظيم البيت وأي تعظيم أكبر من افتراض حج الناس إليه وما زالوا يحجونه من عهد إبراهيم إلى عهد محمد صلى الله عليهما وعلى آلهما وسلم ولم يمنع العرب عن ذلك شركها وإنما كانوا يحجون عملًا بسنة إبراهيم: يعني أن الحج عمل عام جروا عليه جيلًا بعد جيل على أنه من دين إبراهيم وهذه آية متواترة على نسبة هذا البيت إلى إبراهيم فهي أصح من نقول المؤرخين التي تحتمل الصدق، وبهذا وبما سبقه بطل اعتراض أهل الكتاب وثبت أن النبي على ملة إبراهيم دونهم.

أما الحج فمعناه في أصل اللغة القصد وهو بكسر الحاء وبه قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وفتحها وبه قرأ الباقون وقيل الفتح لغة الحجاز والكسر لغة نجد.

أما قوله تعالى: ﴿ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا  ﴾ فإنه بيان لموقع الإيجاب ومحله وإعلام بأن الفرضية موجهة أولًا وبالذات إلى هذا العمل، ولكن الله رحم من لا يستطيع إليه سبيلًا، والاستطاعة تختلف باختلاف الأشخاص.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده