الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٩٦ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 210 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٦ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس ، أي : لعموم الناس ، لعبادتهم ونسكهم ، يطوفون به ويصلون إليه ويعتكفون عنده ( للذي ببكة ) يعني : الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل [ عليه السلام ] الذي يزعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجه ، ولا يحجون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه .
ولهذا قال : ( مباركا ) أي وضع مباركا ( وهدى للعالمين ) وقد قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر ، رضي الله عنه ، قال قلت : يا رسول الله ، أي مسجد وضع في الأرض أول ؟
قال : " المسجد الحرام " .
قلت : ثم أي ؟
قال : " المسجد الأقصى " .
قلت : كم بينهما ؟
قال : " أربعون سنة " .
قلت : ثم أي ؟
قال : ثم حيث أدركت الصلاة فصل ، فكلها مسجد " .
وأخرجه البخاري ، ومسلم ، من حديث الأعمش ، به .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا شريك عن مجالد ، عن الشعبي عن علي في قوله تعالى : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ) قال : كانت البيوت قبلة ، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله [ تعالى ] .
[ قال ] وحدثنا أبي ، حدثنا الحسن بن الربيع ، حدثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، عن خالد بن عرعرة قال : قام رجل إلى علي فقال : ألا تحدثني عن البيت : أهو أول بيت وضع في الأرض ؟
قال لا ، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم ، ومن دخله كان آمنا .
وذكر تمام الخبر في كيفية بناء إبراهيم البيت ، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في سورة البقرة فأغنى عن إعادته .
وزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقا .
والصحيح قول علي [ رضي الله عنه ] فأما الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة في كتابه دلائل النبوة ، من طريق ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا : " بعث الله جبريل إلى آدم وحواء ، فأمرهما ببناء الكعبة ، فبناه آدم ، ثم أمر بالطواف به ، وقيل له : أنت أول الناس ، وهذا أول بيت وضع للناس " فإنه كما ترى من مفردات ابن لهيعة ، وهو ضعيف .
والأشبه ، والله أعلم ، أن يكون هذا موقوفا على عبد الله بن عمرو .
ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك ، من كلام أهل الكتاب .
وقوله تعالى : ( للذي ببكة ) بكة : من أسماء مكة على المشهور ، قيل سميت بذلك لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة ، بمعنى : يبكون بها ويخضعون عندها .
وقيل : لأن الناس يتباكون فيها ، أي : يزدحمون .
قال قتادة : إن الله بك به الناس جميعا ، فيصلي النساء أمام الرجال ، ولا يفعل ذلك ببلد غيرها .
وكذا روي عن مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وعمرو بن شعيب ، ومقاتل بن حيان .
وذكر حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : مكة من الفج إلى التنعيم ، وبكة من البيت إلى البطحاء .
وقال شعبة ، عن المغيرة ، عن إبراهيم : بكة : البيت والمسجد .
وكذا قال الزهري .
وقال عكرمة في رواية ، وميمون بن مهران : البيت وما حوله بكة ، وما وراء ذلك مكة .
وقال أبو صالح ، وإبراهيم النخعي ، وعطية [ العوفي ] ومقاتل بن حيان : بكة موضع البيت ، وما سوى ذلك مكة .
وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة : مكة ، وبكة ، والبيت العتيق ، والبيت الحرام ، والبلد الأمين ، والمأمون ، وأم رحم ، وأم القرى ، وصلاح ، والعرش على وزن بدر ، والقادس ، لأنها تطهر من الذنوب ، والمقدسة ، والناسة : بالنون ، وبالباء أيضا ، والحاطمة ، والنساسة ، والرأس ، وكوثى ، والبلدة ، والبنية ، والكعبة .
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: تأويله: إنّ أول بيت وضع للناس، يُعبَد الله فيه مباركًا وهُدًى للعالمين، الذي ببكة.
قالوا: وليس هو أوّل بيت وضع في الأرض، لأنه قد كانت قبله بيوت كثيرة.
*ذكر من قال ذلك: 7422- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة قال: قام رجل إلى عليّ فقال: ألا تخبرني عن البيت؟
أهو أوّل بيت وُضع في الأرض؟
فقال: لا ولكنه أول بيت وضع في البرَكة مقامِ إبراهيم، ومن دَخَله كان آمنًا.
(25) 7423- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك قال: سمعت خالدَ بن عرعرة قال: سمعت عليًّا، وقيل له: " إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة "، هو أوّل بيت كان في الأرض؟
قال: لا!
قال: فأين كان قَوْم نُوح؟
وأين كان قوم هود؟
قال: ولكنه أوّل بيت وُضع للناس مبارَكًا وهدًى.
(26) 7424- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء قال، سأل حفْصٌ الحسنَ وأنا أسمع عن قوله: " إنّ أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا " قال، هو أول مسجد عُبد الله فيه في الأرض.
7425- حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي قال، حدثنا ضمرة، عن ابن شوذب، عن مطر في قوله: " إنّ أول بيت وضع للناس للذي ببكة " قال: قد كانت قبله بيوتٌ، ولكنه أول بيت وُضع للعبادة.
(27) 7426- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن قوله: " إن أوّل بيت وضع للناس "، يُعبد الله فيه =" للذي ببكة ".
7427- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: " إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا " قال، وضع للعبادة.
* * * وقال آخرون: بل هو أوّل بيت وضع للناس.
ثم اختلف قائلو ذلك في صفة وضعه أوّل.
فقال بعضهم: خُلق قبل جميع الأرَضين، ثم دُحِيت الأرَضون من تحته.
*ذكر من قال ذلك: 7428- حدثنا محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا شيبان، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: خلق الله البيتَ قبل الأرض بألفي سنة، وكان -إذ كان عرشه على الماء- زَبْدةً (28) بيضاءَ، فدحيتُ الأرض من تحته.
7429- حدثني محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا خصيف قال: سمعت مجاهدًا يقول: إنّ أول ما خلق الله الكعبةَ، ثم دَحى الأرض من تحتها.
7430- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " إن أول بيت وضع للناس "، كقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [سورة آل عمران: 110] 7431- حدثني محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين "، أما " أول بيت "، فإنه يوم كانت الأرض ماء، كان زَبْدَة على الأرض، فلما خلق الله الأرضَ، خلق البيت معها، فهو أول بيت وضع في الأرض.
7432- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا) قال، أوّل بيت وَضَعه الله عز وجل، فطاف به آدم وَمنْ بعده.
* * * وقال آخرون: موضع الكعبة، موضع أوّل بيت وضعه الله في الأرض.
*ذكر من قال ذلك: 7433- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ذُكر لنا أن البيتَ هبط مع آدم حين هبط، قال: أهبِط معك بيتي يُطاف حوله كما يطاف حول عرشي.
فطاف حوله آدم ومن كان بَعده من المؤمنين، حتى إذا كان زمنُ الطوفان، زَمنَ أغرقَ الله قوم نوح، رَفعه الله وطهَّره من أن يصيبهُ عقوبة أهل الأرض، فصار معمورًا في السماء.
ثم إنّ إبراهيم تتبع منه أثرًا بعد ذلك، فبناه على أساسٍ قديم كانَ قبله.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قال جل ثناؤه فيه: إن أول بيت مباركٍ وهُدًى وُضع للناس، للذي ببكة.
ومعنى ذلك: " إن أول بيت وضع للناس "، أي: لعبادة الله فيه =" مباركًا وهدًى "، يعني بذلك: ومآبًا لنُسْك الناسكين وطواف الطائفين، تعظيما لله وإجلالا له =" للذي ببكة " = لصحة الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ما:- 7434- حدثنا به محمد بن المثني قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال، قلت: يا رسول الله، أيُّ مسجد وضع أوّل؟
قال: " المسجد الحرام.
قال: ثم أيٌّ؟
قال: المسجد الأقصى.
قال: كم بينهما؟
قال: أربعون سنة " .
(29) * * * فقد بين هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ المسجد الحرام هو أوّل مسجد وضعه الله في الأرض، على ما قلنا.
فأما في موضعه بيتًا، بغير معنى بيت للعبادة والهدى والبركة، (30) ففيه من الاختلاف ما قد ذكرت بعضَه في هذا الموضع، وبعضه في سورة البقرة وغيرها من سُور القرآن، وبينت الصواب من القول عندنا في ذلك بما أغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
(31) * * * وأما قوله: " للذي ببكة مباركا "،، فإنه يعني: للبيت الذي بمُزْدَحم الناس لطوافهم في حجهم وعمَرهم.
* * * وأصل " البكّ": الزحم، يقال: منه: " بكّ فلانٌ فلانًا " إذا زحمه وصدمه -" فهو يَبُكه بَكًّا، وهم يتباكُّون فيه "، يعني به: يتزاحمون ويتصادمون فيه.
فكأن " بَكَّة "" فَعْلة " من " بَكَّ فلان فلانًا " زحمه، سُميت البقعة بفعل المزدحمين بها.
* * * فإذا كانت " بكة " ما وصفنا، وكان موضع ازدحام الناس حَوْل البيت، وكان لا طوافَ يجوز خارج المسجد = كان معلومًا بذلك أن يكون ما حَوْل الكعبة من داخل المسجد، وأن ما كان خارجَ المسجد فمكة، لا " بكة ".
لأنه لا معنى خارجَه يوجب على الناس التَّباكَّ فيه.
وإذْ كان ذلك كذلك، كان بيّنًا بذلك فسادُ قول من قال: " بكة " اسم لبطن " مكة "، ومكة اسم للحرم.
(32) .
* * * *ذكر من قال في ذلك ما قلنا: من أن " بكة " موضع مزدحم الناس للطواف: 7435- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال،: حدثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك الغفاري في قوله: " إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة " قال،" بكة " موضع البيت،" ومكة " ما سوى ذلك.
7436- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم مثله.
7437- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن أبي جعفر قال: مرت امرأة بين يدي رجل وهو يصلي وهي تطوف بالبيت، فدفعها.
قال أبو جعفر: إنها بَكَّةٌ، يبكّ بعضُها بعضًا.
7438- حدثنا ابن المثني قال: حدثنا عبد الصمد قال،: حدثنا شعبة قال، حدثنا سلمة، عن مجاهد قال: إنما سميت " بكة "، لأن الناس يتباكُّون فيها، الرجالَ والنساءَ.
7439- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد قال، قلت لأي شيء سُميت " بكة "؟
قال: لأنهم يتباكُّون فيها =قال: يعني: يزدحمون.
(33) 7440- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن أبيه، عن ابن الزبير قال، إنما سميت " بكة "، لأنهم يأتونها حُجّاجًا.
(34) 7441- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " إنّ أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا "، فإن الله بَكَّ به الناس جميعًا، فيصلي النساءُ قدّام الرجال، ولا يصلح ببلد غيره.
7442- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: " بكة "، بكّ الناس بعضهم بعضًا، الرجال والنساء، يصلي بعضُهم بين يدَيْ بعض، لا يصلح ذلك إلا بمكة.
7443- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي قال: " بكة "، موضع البيت، و " مكة ": ما حولها.
7444- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يحيى بن أزهر، عن غالب بن عبيد الله: أنه سأل ابن شهاب عن " بكة " قال،" بكة " البيت، والمسجد.
وسأله عن " مكة "، فقال ابن شهاب: " مكة ": الحرم كله.
7445- حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حجاج، عن عطاء ومجاهد قالا " بكة ": بكّ فيها الرجالَ والنساءَ.
7446- حدثني عبد الجبار بن يحيى الرملي.
قال: قال ضمرة بن ربيعة،" بكة ": المسجد،.
و " مكة ": البيوت.
(35) * * * وقال بعضهم بما:- 7447- حدثني به يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " إن أوّل بيت وُضع للناس للذي ببكة " قال، هي مكة.
* * * وقيل: " مباركًا "، لأن الطواف به مغفرةٌ للذنوب.
(36) * * * فأما نصب قوله: " مباركا "، فإنه على الخروج من قوله: " وضع "، لأن في" وضع " ذكرًا من " البيت " هو به مشغول، وهو معرفة، و " مبارك " نكرة لا يصلح أن يتبعه في الإعراب.
(37) * * * وأما على قول من قال: " هو أول بيت وضع للناس "، على ما ذكرنا في ذلك قولَ من ذكرنا قوله، فإنه نصبٌ على الحال من قوله: " للذي ببكة ".
لأن معنى الكلام على قولهم: إن أول بيت وضع للناس البيتُ [الذي] ببكة مباركًا.
فـ " البيت " عندهم من صفته " الذي ببكة "، و " الذي" بصلته معرفته، و " المبارك " نكرة، فنصب على القطع منه، في قول بعضهم = وعلى الحال في قول بعضهم.
(38) و " هدى " في موضع نصب على العطف على قوله " مباركا ".
----------------- الهوامش : (25) الأثر 7422- هو مختصر الأثر السالف رقم: 2058 ، وفي المخطوطة والمطبوعة هنا أيضا"وضع في البركة" ، كما كان في المطبوعة والمخطوطة هناك.
ولكني صححته من المستدرك والدر المنثور: "فيه البركة" ، غير أني أعود فأقول إني أرجح أن ما كان هناك صواب ، وأنه غير مستساغ أن يكون هذا الخطأ قد تكرر في موضعين متباعدين من الكتاب.
وإعراب الكلام فيما أرجح"مقام إبراهيم" بالجر ، بدلا من"البركة" ، على غير ما ضبطته هناك برفع"مقام إبراهيم".
هذا ، وقد مضى الكلام على رجال إسناده في الأثر السالف.
(26) الأثر: 7423- مضى إسناده برقم: 2059 ، ولم يذكر لفظه.
وقد مضى ذكر رجاله هناك.
(27) الأثر: 7325-"عبد الجبار بن يحيى الرملي" ، شيخ الطبري ، لم أجد ترجمته في مكان.
وسيأتي برقم: 7446.
(28) "الزبدة": الطائفة من زبد الماء ، الأبيض الذي يعلوه.
(29) الحديث: 7434- سليمان: هو الأعمش.
إبراهيم التيمي: هو إبراهيم بن يزيد بن شريك.
مضى هو وأبوه في: 2998.
والحديث رواه أحمد في المسند 5: 166 - 167 (حلبى) ، عن محمد بن جعفر ، عن شعبة ، به ، بزيادة في آخره.
ورواه أيضا 5: 150 ، 156 ، 157 ، 160 (حلبي) ، بأسانيد ، عن الأعمش ، مطولا.
وكذلك رواه مسلم 1: 146 - 147 ، من طريق علي بن مسهر ، عن الأعمش.
وذكره ابن كثير 2: 190 ، من رواية المسند (5 : 150) ، ثم قال: "وأخرجه البخاري ، ومسلم - من حديث الأعمش ، به".
وذكره السيوطي 2: 52 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، والبيهقي في الشعب.
(30) في المطبوعة: "فأما في وضعه بيتا ..." ، غيروا ما في المخطوطة وهو صواب.
(31) انظر ما سلف 3: 57 - 64.
(32) انتهى جزء من التقسيم القديم ، وفي المخطوطة ما نصه: "يتلوهُ ذكر مَنْ قال في ذلك ما قُلنا من أن بكة موضع مزدحم الناس للطواف والحمد لله على عونه وإحسانه ، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وسلم تسليمًا" ثم يتلوه ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يَسِّر أَخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان البغدادي قال حدثنا محمد بن جرير" فأعاد إسناد المخطوطة التي نقل عنها ، كما سلف في تعليقنا 6 : 495 ، 496 رقم : 5 ، وهذا هو الموضع الثاني لذكر هذا الإسناد الجديد.
(33) في المطبوعة: "يتزاحمون" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(34) الأثر: 7440-"الأسود بن قيس العبدي" ، روى عن أبيه وجماعة ، وروى عنه شعبة والثوري وشريك وغيرهم.
وأبوه: "قيس العبدي" الكوفي ، مترجم في الكبير 4 / 1 / 149.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عن أخيه" ، وهو تصحيف والصواب ما أثبت.
(35) الأثر: 7446-"عبد الجبار بن يحيى الرملي" شيخ الطبري ، مضى برقم: 7425.
(36) هذا كلام الفراء في معاني القرآن 1: 227.
(37) "الخروج" هنا ، كأنه الحال ، وقد سلف في 5 : 253 ، 254 ما يشبه أن يكون أيضا بمعنى الحال.
وانظر ما سلف 6: 586"أن الحال يجيء بعد فعل قد شغل بفاعله ، فينصب كما ينصب المفعول الذي يأتي بعد الفعل الذي شغل بفاعله".
(38) "القطع" كأنه باب من الحال ، انظر ما سلف 6: 270 ، 371 ، 415 وما قبلها في فهرس المصطلحات من الأجزاء السالفة.
قوله تعالى : إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمينفيه مسائل :الأولى : ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أول مسجد وضع في الأرض قال : ( المسجد الحرام ) .
قلت : ثم أي ؟
قال : ( المسجد الأقصى ) .
قلت : كم بينهما ؟
قال : ( أربعون عاما ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصل ) .
قال مجاهد وقتادة : لم يوضع قبله بيت .
قال علي - رضي الله عنه - : كان قبل البيت بيوت كثيرة ، والمعنى أنه أول بيت وضع للعبادة .
وعن مجاهد قال : تفاخر المسلمون واليهود فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة ; لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة .
وقال المسلمون : بل الكعبة أفضل ; فأنزل الله هذه الآية .
وقد مضى في البقرة بنيان البيت وأول من بناه .
قال مجاهد : خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي سنة ، وأن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى .
وأما المسجد الأقصى فبناه سليمان عليه السلام ; كما خرجه النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو .
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن سليمان بن داود عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثة سأل الله عز وجل حكما يصادف [ ص: 130 ] حكمه فأوتيه ، وسأل الله عز وجل ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه ، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد ألا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه فأوتيه .
فجاء إشكال بين الحديثين ; لأن بين إبراهيم وسليمان آمادا طويلة .
قال أهل التواريخ : أكثر من ألف سنة .
فقيل : إن إبراهيم وسليمان عليهما السلام إنما جددا ما كان أسسه غيرهما .
وقد روي أن أول من بنى البيت آدم عليه السلام كما تقدم .
فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عاما ، ويجوز أن تكون الملائكة أيضا بنته بعد بنائها البيت بإذن الله ; وكل محتمل ، والله أعلم .
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : أمر الله تعالى الملائكة ببناء بيت في الأرض وأن يطوفوا به ; وكان هذا قبل خلق آدم ، ثم إن آدم بنى منه ما بنى وطاف به ، ثم الأنبياء بعده ، ثم استتم بناءه إبراهيم عليه السلام .الثانية : قوله تعالى : للذي ببكة خبر " إن " واللام توكيد .
و بكة موضع البيت ، ومكة سائر البلد ; عن مالك بن أنس .
وقال محمد بن شهاب : بكة المسجد ، ومكة الحرم كله ، تدخل فيه البيوت .
قال مجاهد : بكة هي مكة .
فالميم على هذا مبدلة من الباء ; كما قالوا : طين لازب ولازم .
وقاله الضحاك والمؤرج .
ثم قيل : بكة مشتقة من البك وهو الازدحام .
تباك القوم ازدحموا .
وسميت بكة لازدحام الناس في موضع طوافهم .
والبك : دق العنق .
وقيل : سميت بذلك لأنها كانت تدق رقاب الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم .
قال عبد الله بن الزبير : لم يقصدها جبار قط بسوء إلا وقصه الله عز وجل .
وأما مكة فقيل إنها سميت بذلك لقلة مائها وقيل : سميت بذلك لأنها تمك المخ من العظم مما ينال قاصدها من المشقة ; من قولهم : مككت العظم إذا أخرجت ما فيه .
ومك الفصيل ضرع أمه وامتكه إذا امتص كل ما فيه من اللبن وشربه ; قال الشاعر :مكت فلم تبق في أجوافها درراوقيل : سميت بذلك لأنها تمك من ظلم فيها ، أي تهلكه وتنقصه .
وقيل : سميت بذلك لأن الناس كانوا يمكون ويضحكون فيها ; من قوله : وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية [ ص: 131 ] أي تصفيقا وتصفيرا .
وهذا لا يوجبه التصريف ; لأن " مكة " ثنائي مضاعف و " مكاء " ثلاثي معتل .الثالثة : قوله تعالى : مباركا جعله مباركا لتضاعف العمل فيه ; فالبركة كثرة الخير ، ونصب على الحال من المضمر في ( وضع ) أو بالظرف من بكة ، المعنى الذي استقر ببكة مباركا ويجوز في غير القرآن ( مبارك ) ; على أن يكون خبرا ثانيا ، أو على البدل من الذي ، أو على إضمار مبتدأ .وهدى للعالمين عطف عليه ، ويكون بمعنى وهو هدى للعالمين .
ويجوز في غير القرآن " مبارك " بالخفض يكون نعتا للبيت .
يخبر تعالى عن شرف هذا البيت الحرام، وأنه أول بيت وضعه الله للناس، يتعبدون فيه لربهم فتغفر أوزارهم، وتقال عثارهم، ويحصل لهم به من الطاعات والقربات ما ينالون به رضى ربهم والفوز بثوابه والنجاة من عقابه، ولهذا قال: { مباركا } أي: فيه البركة الكثيرة في المنافع الدينية والدنيوية كما قال تعالى { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } { وهدى للعالمين } والهدى نوعان: هدى في المعرفة، وهدى في العمل، فالهدى في العمل ظاهر، وهو ما جعل الله فيه من أنواع التعبدات المختصة به، وأما هدى العلم فبما يحصل لهم بسببه من العلم بالحق بسبب الآيات البينات التي ذكر الله تعالى في قوله { فيه آيات بينات }
قوله تعالى : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ) سبب [ نزول هذه الآية ] أن اليهود قالوا للمسلمين : بيت المقدس قبلتنا ، وهو أفضل من الكعبة وأقدم ، وهو مهاجر الأنبياء ، وقال المسلمون بل الكعبة أفضل ، فأنزل الله تعالى : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ) ( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ) وليس شيء من هذه الفضائل لبيت المقدس .
واختلف العلماء في قوله تعالى : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ) فقال بعضهم : هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق [ السماء ] والأرض ، خلقه الله قبل الأرض بألفي عام ، وكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحته ، هذا قول عبد الله بن عمر ومجاهد وقتادة والسدي .
وقال بعضهم : هو أول بيت بني في الأرض ، روي عن علي بن الحسين : أن الله تعالى وضع تحت العرش بيتا وهو البيت المعمور ، وأمر الملائكة أن يطوفوا به ، ثم أمر الملائكة الذين هم سكان الأرض أن يبنوا في الأرض بيتا على مثاله وقدره ، فبنوا واسمه الضراح ، وأمر من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور .
وروي أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي عام ، وكانوا يحجونه ، فلما حجه آدم ، قالت الملائكة : بر حجك يا آدم حججنا هذا البيت قبلك بألف عام ، ويروى عن ابن عباس أنه قال : أراد به أنه أول بيت بناه آدم في الأرض ، وقيل : هو أول بيت مبارك وضع [ في الأرض ] هدى للناس ، يروى ذلك عن علي بن أبي طالب ، قال الضحاك : أول بيت وضع فيه البركة وقيل : أول بيت وضع للناس يحج إليه .
وقيل : أول بيت جعل قبلة للناس .
وقال الحسن والكلبي : معناه : أول مسجد ومتعبد وضع للناس يعبد الله فيه كما قال الله تعالى : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) يعني المساجد .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا موسى بن إسماعيل ، أخبرنا عبد الواحد ، أنا الأعمش ، أخبرنا إبراهيم بن يزيد التيمي ، عن أبيه ، قال سمعت أبا ذر يقول : قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولا؟
قال : " المسجد الحرام ، قلت ثم أي؟
قال : المسجد الأقصى قلت : كم كان بينهما؟
قال : أربعون سنة ، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصل فإن الفضل فيه " .
قوله تعالى : ( للذي ببكة ) قال جماعة : هي مكة نفسها ، وهو قول الضحاك ، والعرب تعاقب بين الباء والميم ، فتقول : سبد رأسه وسمده وضربة لازب ولازم ، وقال الآخرون : بكة موضع البيت ومكة اسم البلد كله .
وقيل : بكة موضع البيت والمطاف ، سميت بكة : لأن الناس يتباكون فيها ، أي يزدحمون يبك بعضهم بعضا ، ويصلي بعضهم بين يدي بعض ويمر بعضهم بين يدي بعض .
وقال عبد الله بن الزبير : سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة ، أي تدقها فلم يقصدها جبار بسوء إلا قصمه الله .
وأما مكة سميت بذلك لقلة مائها من قول العرب : مك الفصيل ضرع أمه وامتكه إذا امتص كل ما فيه من اللبن ، وتدعى أم رحم لأن الرحمة تنزل بها .
( مباركا ) نصب على الحال أي : ذا بركة ( وهدى للعالمين ) لأنه قبلة المؤمنين
ونزل لما قالوا قبلتنا قبل قبلتكم (إن أول بيت وضع) متعبدا (للناس) في الأرض (للذي ببكة) بالباء لغة في مكة سميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها، بناه الملائكة قبل خلق آدم ووضع بعده الأقصى وبينهما أربعون سنة كما في حديث الصحيحين وفي حديث "" أنه أول ما ظهر على وجه الماء عند خلق السماوات والأرض زبدة بيضاء فدحيت الأرض من تحته "" (مباركا) حال من الذي أي ذا بركة (وهدى للعالمين) لأنه قبلتهم.
إن أول بيت بُني لعبادة الله في الأرض لهو بيت الله الحرام الذي في "مكة"، وهذا البيت مبارك تضاعف فيه الحسنات، وتتنزل فيه الرحمات، وفي استقباله في الصلاة، وقصده لأداء الحج والعمرة، صلاح وهداية للناس أجمعين.
قال الفخر الرازى ما ملخصه : فى اتصال هاتين الآيتين بما قبلهما وجوه :الأول : أن المراد منهما الجواب عن شبهة أخرى من شبهات اليهود فى إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه لما حولت القبلة إلى الكعبة طعن اليهود فى نبوته وقالوا : إن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال ، وذلك لأنه وضع قبل الكعبة وهو أرض الحشر ، وقبلة جملة الأنبياء ، وإذا كان كذلك كان تحويل القبلة إلى الكعبة باطلا ، فأجاب الله عنه بقوله : { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ } فبين - سبحانه - أن الكعبة أفضل من بيت المقدس وأشرف فكان جعلها قبلة أولى " .والمراد بالأولية أنه أول بيت وضعه الله لعبادته فى الأرض ، وقيل المراد بها كونه أولا فى الوضع وفى البناء ، ورووا فى ذلك آثارا ليس فيها ما يعتمد عليه .وبكة : لغة فى مكة عند الأكثرين ، والباء والميم تعقب إحداهما الأخرى كثيراً ، ومنه النميط والنبيط فهما اسم لموضع .
وقيل هما متغايران : فبكة موضع المسجد ومكة اسم البلد بأسرها .
وأصل كلمة بكة من البك وهو الازدحام .
يقال تباك القوم إذا تزاحموا ، وكأنها سميت بذلك لازدحام الحجيج فيها .
والبك أيضاً دق العنق ، وكأنها سميت بكة لأن الجبابرة تندق أعناقهم إذا أرادوها بسوء .
وقيل إنها مأخوذة من بكأت الناقة أو الشاة إذا قل لبنها ، وكأنها إنما سميت بذلك لقلة مائها وخصبها .والمعنى : إن أول بيت وضعه الله - تعالى - للناس فى الأرض ليكون متعبداً لهم ، هو البيت الحرام الذى بمكة ، حيث يزدحم الناس أثناء طوافهم حوله ، وقد أتوا إليه رجالا وعلى كل ضامر من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم .روى الشيخان عن أبى ذر قال : " قلت يا رسول الله : أي مسجد وضع فى الأرض أول؟
قال : المسجد الحرام .
قلت : ثم آي؟
قال المسجد الأقصى .
قلت : كم بينهما؟
قال : أربعون سنة ، ثم قال : حيثما أدركتك الصلاة فصل .
والأرض لك مسجد " .قالوا : وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد منه فقال : معلوم أن سليمان بن داود هو الذى بنى المسجد الأقصى ، والذى بنى المسجد الحرام هو إبراهيم وابنه إسماعيل ، وبينهما وبين سليمان أكثر من ألف سنة فيكف قال صلى الله عليه وسلم : إن بين بناء المسجدين أربعين سنة!والجواب أن الوضع غير البناء ، فالذى أسس المسجد الأقصى ووضعه فى الأرض بأمر الله سيدنا يعقوبن بن إسحاق بن إبراهيم ويعقوب هذه المدة التى جاءت في الحديث ، أما سليمان فلم يكن مؤسساً للمسجد الأقصى أو واضعاً له وإنما كان مجددا فلا إشكال ولا منافاة .وإذن فالبيت الحرام أسبق بناء من المسجد الأقصى ، وأجمع منه للديانات السماوية ، وهو - أى البيت الحرام - أول بيت جعل الله الحج إليه عبادة مفروضة على كل قادر على الحج ، وجعل الطوف حوله عبادة ، وتقبيل الحجر الأسود الذى هو ضمن بنائه عبادة ..
.
ولا يوجد بيت سواه فى الأرض له من المزايا والخصائص ما لهذا البيت الحرام .وبذلك ثبت كذب اليهود فى دعواهم أن المسجد الأقصى أفضل من المسجد الحرام ، وأن فى تحول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة فى صلاته مخالفة للأنبياء قبله .ثم مدح الله - تعالى - بيته بكونه { مُبَارَكاً } أى كثير الخير دائمه ، من البركة وهى النماء والزيادة والدوام .أى أن هذا البيت كثير الخير والنفع لمن حجه أو اعتمره أو اعتكف فيه ، أو طاف حوله ، بسبب مضاعفة الأجر ، وإجابة الدعاء ، وتكفير الخطايا لمن قصده بإيمان وإخلاص وطاعة لله رب العالمين .وإن هذا البيت فى الوقت ذاته وفير البركات المادية والمعنوية .فمن بركاتع المادية : قدوم الناس إليه من مشارق الإرض ومغاربها ومعهم خيرات الأرض ، يقدمونها على سبيل تبادل المنفعة تارة وعلى سبيل الصدقة تارة أخرى لمن يسكنون حول هذا البيت الحرام ، إجابة لدعوة سيدنا إبراهيم حيث قال : { رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ وارزقهم مِّنَ الثمرات لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } ومن بركاته المعنوية : أنه مكان لأكبر عبادة جامعة للمسلمين وهى فريضة الحج ، وإليه يتجه المسلمون فى صلاتهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأماكنهم .وقوله { مُبَارَكاً } حال من الضمير فى " وضع " .ثم مدحه بأنه { هُدًى لِّلْعَالَمِينَ } آي بذاته مصدر هداية للعالمين ، لأنه قبلتهم ومتعبدهم ، وفى استقباله توجيه للقلوب والعقول إلى الخير وإلى ما يوصلهم إلى رضا الله وجنته .ثم مدحه - ثالثا - بقوله : { فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ } أى فيه علامات ظاهرات ، ودلائل واضحات تدل على شرف منزلته ، وعلو مكانته .وهذه الجملة الكريمة مستأنفة لبيان وتفسير بركته وهداه .
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى للعالمين فِيهِ ءايات بينات مَّقَامُ إبراهيم وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً ﴾ في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أن المراد منه الجواب عن شبهة أخرى من شبه اليهود في إنكار نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام، وذلك لأنه عليه السلام لما حول القبلة إلى الكعبة طعن اليهود في نبوته، وقالوا إن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال، وذلك لأنه وضع قبل الكعبة، وهو أرض المحشر، وقبلة جملة الأنبياء، وإذا كان كذلك كان تحويل القبلة منه إلى الكعبة باطلاً، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ فبيّن تعالى أن الكعبة أفضل من بيت المقدس وأشرف، فكان جعلها قبلة أولى والثاني: أن المقصود من الآية المتقدمة بيان أن النسخ هل يجوز أم لا؟
فإن النبي صلى الله عليه وسلم استدل على جوازه بأن الأطعمة كانت مباحة لبني إسرائيل، ثم إن الله تعالى حرم بعضها، والقوم نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وأعظم الأمور التي أظهر رسول الله نسخها هو القبلة، لا جرم ذكر تعالى في هذه الآية بيان ما لأجله حولت الكعبة، وهو كون الكعبة أفضل من غيرها الثالث: أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة ﴿ فاتبعوا مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ﴾ وكان من أعظم شعار ملة إبراهيم الحج، ذكر في هذه الآية فضيلة البيت، ليفرع عليه إيجاب الحج الرابع: أن اليهود والنصارى زعم كل فرقة منهم أنه على ملة إبراهيم، وقد سبقت هذه المناظرة في الآيات المتقدمة، فإن الله تعالى بيّن كذبهم، من حيث أن حج الكعبة كان ملة إبراهيم واليهود والنصارى لا يحجون، فيدل هذا على كذبهم في ذلك، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال المحققون الأول: هو الفرد السابق، فإذا قال: أول عبد اشتريه فهو حر فلو اشترى عبدين في المرة الأولى لم يعتق أحد منها لأن الأول هو الفرد، ثم لو اشترى في المرة الثانية عبداً واحداً لم يعتق، لأن شرط الأول كونه سابقاً فثبت أن الأول هو الفرد السابق.
إذا عرفت هذا فنقول: إن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ لا يدل على أنه أول بيت خلقه الله تعالى، ولا أنه أول بيت ظهر في الأرض، بل ظاهر الآية يدل على أنه أول بيت وضع للناس، وكونه موضوعاً للناس يقتضي كونه مشتركاً فيه بين جميع الناس، فأما سائر البيوت فيكون كل واحد منها مختصاً بواحد من الناس فلا يكون شيء من البيوت موضوعاً للناس، وكون البيت مشتركاً فيه بين كل الناس، لا يحصل إلا إذا كان البيت موضوعاً للطاعات والعبادات وقبلة للخلق، فدل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ على أن هذا البيت وضعه الله موضعاً للطاعات والخيرات والعبادات فيدخل فيه كون هذا البيت قبلة للصلوات، وموضعاً للحج، ومكانا يزداد ثواب العبادات والطاعات فيه.
فإن قيل: كونه أولاً في هذا الوصف يقتضي أن يكون له ثان، وهذا يقتضي أن يكون بيت المقدس يشاركه في هذه الصفات التي منها وجوب حجه، ومعلوم أنه ليس كذلك.
والجواب: من وجهين: الأول: أن لفظ الأول: في اللغة اسم للشيء الذي يوجد ابتداء، سواء حصل عقيبه شيء آخر أو لم يحصل، يقال: هذا أول قدومي مكة، وهذا أول مال أصبته ولو قال: أول عبد ملكته فهو حر فملك عبداً عتق وإن لم يملك بعده عبداً آخر، فكذا هنا، والثاني: أن المراد من قوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ أي أول بيت وضع لطاعات الناس وعباداتهم وبيت المقدس يشاركه في كونه بيتاً موضوعاً للطاعات والعبادات، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» فهذا القدر يكفي في صدق كون الكعبة أول بيت وضع للناس، وأما أن يكون بيت المقدس مشاركاً له في جميع الأمور حتى في وجوب الحج، فهذا غير لازم والله أعلم.
المسألة الثانية: اعلم أن قوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً ﴾ يحتمل أن يكون المراد كونه أولاً في الوضع والبناء وأن يكون المراد كونه أولاً في كونه مباركاً وهدىً فحصل للمفسرين في تفسير هذه الآية قولان الأول: أنه أول في البناء والوضع، والذاهبون إلى هذا المذهب لهم أقوال أحدها: ما روى الواحدي رحمه الله تعالى في البسيط بإسناده عن مجاهد أنه قال: خلق الله تعالى هذا البيت قبل أن يخلق شياً من الأرضين، وفي رواية أخرى: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شياً من الأرض بألفي سنة، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى وروي أيضاً عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى بعث ملائكته فقال ابنوا لي في الأرض بيتاً على مثال البيت المعمور وأمر الله تعالى من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، وهذا كان قبل خلق آدم».
وأيضاً ورد في سائر كتب التفسير عن عبد الله بن عمر، ومجاهد والسدي: أنه أول بيت وضع على وجه الماء عند خلق الأرض والسماء، وقد خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام وكان زبدة بيضاء على الماء ثم دحيت الأرض تحته، قال القفال في تفسيره: روى حبيب بن ثابت عن ابن عباس أنه قال: وجد في كتاب في المقام أو تحت المقام أنا الله ذو بكة وضعتها يوم وضعت الشمس والقمر، وحرمتها يوم وضعت هذين الحجرين، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء.
وثانيها: أن آدم صلوات الله عليه وسلامه لما أهبط إلى الأرض شكا الوحشة، فأمره الله تعالى ببناء الكعبة وطاف بها، وبقي ذلك إلى زمان نوح عليه السلام، فلما أرسل الله تعالى الطوفان، رفع البيت إلى السماء السابعة حيال الكعبة، يتعبد عنده الملائكة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك سوى من دخل من قبل فيه، ثم بعد الطوفان اندرس موضع الكعبة، وبقي مختفياً إلى أن بعث الله تعالى جبريل صلوات الله عليه إلى إبراهيم عليه السلام ودله على مكان البيت، وأمره بعمارته، فكان المهندس جبريل والبناء إبراهيم والمعين إسماعيل عليهم السلام.
واعلم أن هذين القولين يشتركان في أن الكعبة كانت موجودة في زمان آدم عليه السلام، وهذا هو الأصوب ويدل عليه وجوه: الأول: أن تكليف الصلاة كان لازماً في دين جميع الأنبياء عليهم السلام، بدليل قوله تعالى في سورة مريم ﴿ أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين مِن ذُرّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّن حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرّيَّةِ إبراهيم وإسراءيل وَمِمَّنْ هَدَيْنَا واجتبينا إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءايات الرحمن خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً ﴾ فدلت الآية على أن جميع الأنبياء عليهم السلام كانوا يسجدون لله والسجدة لابد لها من قبلة، فلو كانت قبلة شيث وإدريس ونوح عليهم السلام موضعاً آخر سوى القبلة لبطل قوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ ﴾ فوجب أن يقال: إن قبلة أولئك الأنبياء المتقدمين هي الكعبة، فدل هذا على أن هذه الجهة كانت أبداً مشرفة مكرمة الثاني: أن الله تعالى سمى مكة أم القرى، وظاهر هذا يقتضي أنها كانت سابقة على سائر البقاع في الفضل والشرف منذ كانت موجودة الثالث: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم فتح مكة ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر وتحريم مكة لا يمكن إلا بعد وجود مكة الرابع: أن الآثار التي حكيناها عن الصحابة والتابعين دالة على أنها كانت موجودة قبل زمان إبراهيم عليه السلام.
واعلم أن لمن أنكر ذلك أن يحتج بوجوه: الأول: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللّهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة» وظاهر هذا يقتضي أن مكة بناء إبراهيم عليه السلام ولقائل أن يقول: لا يبعد أن يقال البيت كان موجوداً قبل إبراهيم وما كان محرماً ثم حرمه إبراهيم عليه السلام.
الثاني: تمسكوا بقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وإسماعيل ﴾ ولقائل أن يقول: لعل البيت كان موجوداً قبل ذلك ثم انهدم، ثم أمر الله إبراهيم برفع قواعده وهذا هو الوارد في أكثر الأخبار.
الثالث: قال القاضي: إن الذي يقال من أنه رفع زمان الطوفان إلى السماء بعيد، وذلك لأن الموضع الشريف هو تلك الجهة المعينة، والجهة لا يمكن رفعها إلى السماء ألا ترى أن الكعبة والعياذ بالله تعالى لو انهدمت ونقل الأحجار والخشب والتراب إلى موضع آخر لم يكن له شرف ألبتة، ويكون شرف تلك الجهة باقياً بعد الانهدام، ويجب على كل مسلم أن يصلي إلى تلك الجهة بعينها، وإذا كان كذلك فلا فائدة في نقل تلك الجدران إلى السماء ولقائل أن يقول: لما صارت تلك الأجسام في العزة إلى حيث أمر الله بنقلها إلى السماء، وإنما حصلت لها هذه العزة بسبب أنها كانت حاصلة في تلك الجهة، فصار نقلها إلى السماء من أعظم الدلائل على غاية تعظيم تلك الجهة وإعزازها، فهذا جملة ما في هذا القول: القول الثاني: أن المراد من هذه الأولية كون هذا البيت أولاً في كونه مباركاً وهدىً للخلق روي أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن أول مسجد وضع للناس، فقال عليه الصلاة والسلام: «المسجد الحرام ثم بيت المقدس» فقيل كم بينهما؟
قال: «أربعون سنة».
وعن علي رضي الله عنه أن رجلاً قال له: أهو أول بيت؟
قال: لا قد كان قبله بيوت ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً فيه الهدى والرحمة والبركة أول من بناه إبراهيم، ثم بناه قوم من العرب من جرهم، ثم هدم فبناه العمالقة، وهم ملوك من أولاد عمليق بن سام بن نوح، ثم هدم فبناه قريش.
واعلم أن دلالة الآية على الأولية في الفضل والشرف أمر لابد منه، لأن المقصود الأصلي من ذكر هذه الأولية بيان الفضيلة، لأن المقصود ترجيحه على بيت المقدس، وهذا إنما يتم بالأولية في الفضيلة والشرف، ولا تأثير للأولية في البناء في هذا المقصود، إلا أن ثبوت الأولية بسبب الفضيلة لا ينافي ثبوت الأولية في البناء، وقد دللنا على ثبوت هذا المعنى أيضاً.
المسألة الثالثة: إذا ثبت أن المراد من هذه الأولية زيادة الفضيلة والمنقبة فلنذكر هاهنا وجوه فضيلة البيت: الفضيلة الأولى: اتفقت الأمم على أن باني هذا البيت هو الخليل عليه السلام، وباني بيت المقدس سليمان عليه السلام، ولا شك أن الخليل أعظم درجة وأكثر منقبة من سليمان عليه السلام فمن هذا الوجه يجب أن تكون الكعبة أشرف من بيت المقدس.
واعلم أن الله تعالى أمر الخليل عليه السلام بعمارة هذا البيت، فقال: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ والقائمين والركع السجود ﴾ والمبلغ لهذا التكليف هو جبريل عليه السلام، فلهذا قيل: ليس في العالم بناء أشرف من الكعبة، فالآمر هو الملك الجليل والمهندس هو جبريل، والباني هو الخليل، والتلميذ إسماعيل عليهم السلام.
الفضيلة الثانية: ﴿ مَّقَامِ إبراهيم ﴾ وهو الحجر الذي وضع إبراهيم قدمه عليه فجعل الله ما تحت قدم إبراهيم عليه السلام من ذلك الحجر دون سائر أجزائه كالطين حتى غاص فيه قدم إبراهيم عليه السلام، وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله ولا يظهره إلا على الأنبياء، ثم لما رفع إبراهيم قدمه عنه خلق فيه الصلابة الحجرية مرة أخرى، ثم إنه تعالى أبقى ذلك الحجر على سبيل الاستمرار والدوام فهذه أنواع من الآيات العجيبة والمعجزات الباهرة أظهرها الله سبحانه في ذلك الحجر.
الفضيلة الثالثة: قلة ما يجتمع فيه من حصى الجمار، فإنه منذ آلاف سنة وقد يبلغ من يرمي في كل سنة ستمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة، ثم لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثير وليس الموضع الذي ترمي إليه الجمرات مسيل ماء ولا مهب رياح شديدة وقد جاء في الآثار أن من كانت حجته مقبولة رفعت حجارة جمراته إلى السماء.
الفضيلة الرابعة: إن الطيور تترك المرور فوق الكعبة عند طيرانها في الهواء بل تنحرف عنها إذا ما وصلت إلى فوقها.
الفضيلة الخامسة: أن عنده يجتمع الوحش لا يؤذي بعضها بعضاً كالكلاب والظباء، ولا يصطاد فيه الكلاب والوحوش وتلك خاصية عجيبة وأيضاً كل من سكن مكة أمن من النهب والغارة وهو بركة دعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال: ﴿ رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا ﴾ وقال تعالى في صفة أمنه ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ وقال: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ ﴾ ولم ينقل ألبتة أن ظالماً هدم الكعبة وخرب مكة بالكلية؛ وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية.
الفضيلة السادسة: أن صاحب الفيل وهو أبرهة الأشرم لما قاد الجيوش والفيل إلى مكة لتخريب الكعبة وعجز قريش عن مقاومة أولئك الجيوش وفارقوا مكة وتركوا له الكعبة فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل، والأبابيل هم الجماعة من الطير بعد الجماعة، وكانت صغاراً تحمل أحجاراً ترميهم بها فهلك الملك وهلك العسكر بتلك الأحجار مع أنها كانت في غاية الصغر، وهذه آية باهرة دالة على شرف الكعبة وإرهاص لنبوّة محمد عليه الصلاة والسلام.
فإن قال قائل: لم لا يجوز أن يقال إن كل ذلك بسبب طلسم موضوع هناك بحيث لا يعرفه أحد فإن الأمر في تركيب الطلسمات مشهور.
قلنا: لو كان هذا من باب الطلسمات لكان هذا طلسماً مخالفاً لسائر الطلسمات فإنه لم يحصل لشيء سوى الكعبة مثل هذا البقاء الطويل في هذه المدة العظيمة، ومثل هذا يكون من المعجزات، فلا يتمكن منها سوى الأنبياء.
الفضيلة السابعة: إن الله تعالى وضعها بواد غير ذي زرع، والحكمة من وجوه: أحدها: إنه تعالى قطع بذلك رجاء أهل حرمه وسدنة بيته عمن سواه حتى لا يتوكلوا إلا على الله.
وثانيها: أنه لا يسكنها أحد من الجبابرة والأكاسرة فإنهم يريدون طيبات الدنيا فإذا لم يجدوها هناك تركوا ذلك الموضع، فالمقصود تنزيه ذلك الموضع عن لوث وجود أهل الدنيا.
وثالثها: أنه فعل ذلك لئلا يقصدها أحد للتجارة بل يكون ذلك لمحض العبادة والزيارة فقط.
ورابعها: أظهر الله تعالى بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيوت في أقل المواضع نصيباً من الدنيا، فكأنه قال: جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين، فكذلك أجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين، لهم في الدنيا بيت الأمن وفي الآخرة دار الأمن.
وخامسها: كأنه قال: لما لم أجعل الكعبة إلا في موضع خال عن جميع نعم الدنيا فكذا لا أجعل كعبة المعرفة إلا في كل قلب خال عن محبة الدنيا، فهذا ما يتعلق بفضائل الكعبة، وعند هذا ظهر أن هذا البيت أول بيت وضع للناس في أنواع الفضائل والمناقب، وإذا ظهر هذا بطل قول اليهود: إن بيت المقدس أشرف من الكعبة والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ لَلَّذِى بِبَكَّةَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لا شك أن المراد من ﴿ بكة ﴾ هو مكة ثم اختلفوا فمنهم من قال: بكة ومكة اسمان لمسمى واحد، فإن الباء والميم حرفان متقاربان في المخرج فيقام كل واحد منهما مقام الآخر فيقال: هذه ضربة لازم، وضربة لازب، ويقال: هذا دائم ودائب، ويقال: راتب وراتم، ويقال: سمد رأسه، وسبده، وفي اشتقاق بكة وجهان الأول: أنه من البك الذي هو عبارة عن دفع البعض بعضاً، يقال: بكه يبكه بكاً إذا دفعه وزحمه، وتباك القوم إذا ازدحموا فلهذا قال سعيد بن جبير: سميت مكة بكة لأنهم يتباكون فيها أي يزدحمون في الطواف، وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة قال بعضهم: رأيت محمد بن علي الباقر يصلي فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال: دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضاً، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي، والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي لا بأس بذلك في هذا المكان.
الوجه الثاني: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة لا يريدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه قال قطرب: تقول العرب بككت عنقه أبكه بكاً إذا وضعت منه ورددت نخوته.
وأما مكة ففي اشتقاقها وجوه: الأول: أن اشتقاقها من أنها تمك الذنوب أي تزيلها كلها، من قولك: أمتك الفصيل ضرع أمه، إذا امتص ما فيه الثاني: سميت بذلك لاجتلابها الناس من كل جانب من الأرض، يقال أمتك الفصيل، إذا استقصى ما في الضرع، ويقال تمككت العظم، إذا استقصيت ما فيه الثالث: سميت مكة، لقلة مائها، كأن أرضها امتكت ماءها الرابع: قيل: إن مكة وسط الأرض، والعيون والمياه تنبع من تحت مكة، فالأرض كلها تمك من ماء مكة، ومن الناس من فرق بين مكة وبكة، فقال بعضهم: إن بكة اسم للمسجد خاصة، وأما مكة، فهو اسم لكل البلد، قالوا: والدليل عليه أن اشتقاق بكة من الازدحام والمدافعة، وهذا إنما يحصل في المسجد عند الطواف، لا في سائر المواضع، وقال الأكثرون: مكة اسم للمسجد والمطاف.
وبكة اسم البلد، والدليل عليه أن قوله تعالى: ﴿ لَلَّذِى بِبَكَّةَ ﴾ يدل على أن البيت حاصل في بكة ومظروف في بكة فلو كان بكة اسماً للبيت لبطل كون بكة ظرفاً للبيت، أما إذا جعلنا بكة اسماً للبلد، استقام هذا الكلام.
المسألة الثانية: لمكة أسماء كثيرة، قال القفال رحمه الله في تفسيره: مكة وبكة وأم رحم وكويساء والبشاشة والحاطمة تحطم من استخف بها، وأم القرى قال تعالى: ﴿ لّتُنذِرَ أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ وسميت بهذا الاسم لأنها أصل كل بلدة ومنها دحيت الأرض، ولهذا المعنى يزار ذلك الموضع من جميع نواحي الأرض.
المسألة الثالثة: للكعبة أسماء أحدها: الكعبة قال تعالى: ﴿ جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام ﴾ والسبب فيه أن هذا الاسم يدل على الإشراف والارتفاع، وسمي الكعب كعباً لإشرافه وارتفاعه على الرسغ، وسميت المرأة الناهدة الثديين كاعباً، لارتفاع ثديها، فلما كان هذا البيت أشرف بيوت الأرض وأقدمها زماناً، وأكثرها فضيلة سمي بهذا الاسم.
وثانيها: البيت العتيق: قال تعالى: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق ﴾ وقال: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق ﴾ وفي اشتقاقه وجوه: الأول: العتيق هو القديم، وقد بينا أنه أقدم بيوت الأرض بل عند بعضهم أن الله خلقه قبل الأرض والسماء والثاني: أن الله أعتقه من الغرق حيث رفعه إلى السماء الثالث: من عتق الطائر إذا قوي في وكره، فلما بلغ في القوة إلى حيث أن كل من قصد تخريبه أهلكه الله سمي عتيقاً الرابع: أن الله أعتقه من أن يكون ملكاً لأحد من المخلوقين الخامس: أنه عتيق بمعنى أن كل من زاره أعتقه الله تعالى من النار.
وسادسها: المسجد الحرام قال سبحانه: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ﴾ والمراد من كونه حراماً سيجيء إن شاء الله في تفسير هذه الآية.
فإن قال قائل: كيف الجمع بين قوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ وبين قوله: ﴿ وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ ﴾ فأضافه مرة إلى نفسه ومرة إلى الناس.
والجواب: كأنه قيل: البيت لي ولكن وضعته لا لأجل منفعتي فإني منزّه عن الحاجة ولكن وضعته لك ليكون قبلة لدعائك والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ مُبَارَكاً وَهُدًى للعالمين ﴾ .
واعلم أنه تعالى وصف هذا البيت بأنواع الفضائل فأولها: أنه أول بيت وضع للناس، وقد ذكرنا معنى كونه أولاً في الفضل ونزيد هاهنا وجوهاً أُخر الأول: قال علي رضي الله عنه، هو أول بيت خص بالبركة، وبأن من دخله كان آمناً، وقال الحسن: هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض وقال مطرف.
أول بيت جعل قبلة.
وثانيها: أنه تعالى وصفه بكونه مباركاً، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: انتصب ﴿ مُبَارَكاً ﴾ على الحال والتقدير الذي استقر هو ببكة مباركاً.
المسألة الثانية: البركة لها معنيان أحدهما: النمو والتزايد والثاني: البقاء والدوام، يقال تبارك الله، لثبوته لم يزل، والبركة شبه الحوض لثبوت الماء فيها، وبرك البعير إذا وضع صدره على الأرض وثبت واستقر، فإن فسرنا البركة بالتزايد والنمو فهذا البيت مبارك من وجوه: أحدها: أن الطاعات إذا أتى بها في هذا البيت ازداد ثوابها.
قال صلى الله عليه وسلم: «فضل المسجد الحرام على مسجدي، كفضل مسجدي على سائر المساجد».
ثم قال صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه» فهذا في الصلاة، وأما الحج، فقال عليه الصلاة والسلام: «من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».
وفي حديث آخر: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» ومعلوم أنه لا أكثر بركة مما يجلب المغفرة والرحمة.
وثانيها: قال القفال رحمه الله تعالى: ويجوز أن يكون بركته ما ذكر في قوله تعالى: ﴿ يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَيء ﴾ فيكون كقوله: ﴿ إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ .
وثالثها: أن العاقل يجب أن يستحضر في ذهنه أن الكعبة كالنقطة وليتصور أن صفوف المتوجهين إليها في الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز، وليتأمل كم عدد الصفوف المحيطة بهذه الدائرة حال اشتغالهم بالصلاة، ولا شك أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم علوية، وقلوبهم قدسية وأسرارهم نورانية وضمائرهم ربانية ثم إن تلك الأرواح الصافية إذا توجهت إلى كعبة المعرفة وأجسادهم توجهت إلى هذه الكعبة الحسيّة فمن كان في الكعبة يتصل أنوار أرواح أولئك المتوجهين بنور روحه، فتزداد الأنوار الإلهية في قلبه، ويعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره وهذا بحر عظيم ومقام شريف، وهو ينبهك على معنى كونه مباركاً.
وأما إن فسرنا البركة بالدوام فهو أيضاً كذلك لأنه لا تنفك الكعبة من الطائفين والعاكفين والركع السجود، وأيضاً الأرض كرة، وإذا كان كذلك فكل وقت يمكن أن يفرض فهو صبح لقوم، وظهر لثان وعصر لثالث، ومغرب لرابع وعشاء لخامس، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن الكعبة منفكة قط عن توجه قوم إليها من طرف من أطراف العالم لأداء فرض الصلاة، فكان الدوام حاصلاً من هذه الجهة، وأيضاً بقاء الكعبة على هذه الحالة ألوفاً من السنين دوام أيضاً فثبت كونه مباركاً من الوجهين.
الصفة الثالثة: من صفات هذا البيت كونه ﴿ هُدًى للعالمين ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قيل: المعنى أنه قبلة للعالمين يهتدون به إلى جهة صلاتهم، وقيل: هدىً للعالمين أي دلالة على وجود الصانع المختار، وصدق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوّة بما فيه من الآيات التي ذكرناها والعجائب التي حكيناها فإن كل ما يدل على النبوة فهو بعينه يدل أولاً على وجود الصانع، وجميع صفاته من العلم والقدرة والحكمة والاستغناء، وقيل: هدىً للعالمين إلى الجنة لأن من أدى الصلوات الواجبة إليها استوجب الجنة.
المسألة الثانية: قال الزجاج: المعنى وذا هدىً للعالمين، قال: ويجوز أن يكون ﴿ وهدى ﴾ في موضع رفع على معنى وهو هدى.
أما قوله تعالى: ﴿ فِيهِ ءايات بينات ﴾ ففيه قولان الأول: أن المراد ما ذكرناه من الآيات التي فيه وهي: أمن الخائف، وإنمحاق الجمار على كثرة الرمي، وامتناع الطير من العلو عليه واستشفاء المريض به وتعجيل العقوبة لمن انتهك فيه حرمة، وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا تخريبه فعلى هذا تفسير الآيات وبيانها غير مذكور.
وقوله: ﴿ مَّقَامِ إبراهيم ﴾ لا تعلق له بقوله: ﴿ فِيهِ ءايات بينات ﴾ فكأنه تعالى قال: ﴿ فِيهِ ءايات بينات ﴾ ومع ذلك فهو مقام إبراهيم ومقره والموضع الذي اختاره وعبد الله فيه، لأن كل ذلك من الخلال التي بها يشرف ويعظم.
القول الثاني: أن تفسير الآيات مذكور، وهو قوله: ﴿ مَّقَامِ إبراهيم ﴾ أي: هي مقام إبراهيم.
فإن قيل: الآيات جماعة ولا يصح تفسيرها بشيء واحد، أجابوا عنه من وجوه: الأول: أن مقام إبراهيم بمنزلة آيات كثيرة، لأن ما كان معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو دليل على وجود الصانع، وعلمه وقدرته وإرادته وحياته، وكونه غنياً منزّهاً مقدساً عن مشابهة المحدثات فمقام إبراهيم وإن كان شيئاً واحداً إلا أنه لما حصل فيه هذه الوجوه الكثيرة كان بمنزلة الدلائل كقوله: ﴿ إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا ﴾ الثاني: أن مقام إبراهيم اشتمل على الآيات، لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية، لأنه لان من الصخرة ما تحت قدميه فقط، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية خاصة لإبراهيم عليه السلام وحفظه مع كثرة أعدائه من اليهود والنصارى والمشركين والملحدين ألوف سنين فثبت أن مقام إبراهيم عليه السلام آيات كثيرة الثالث: قال الزجاج إن قوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً ﴾ من بقية تفسير الآيات، كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله، ولفظ الجمع قد يستعمل في الاثنين، قال تعالى: ﴿ إِن تَتُوبَا إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ وقال عليه السلام: «الاثنان فما فوقهما جماعة» ومنهم من تمم الثلاثة فقال: مقام إبراهيم، وأن من دخله كان آمناً، وأن لله على الناس حجه، ثم حذف (أن) اختصاراً، كما في قوله: ﴿ قُلْ أَمَرَ رَبّي بالقسط ﴾ أي أمر ربي بأن تقسطوا الرابع: يجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قيل فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله، وكثير سواهما الخامس: قرأ ابن عباس ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة ﴿ آيَة بَيّنَةً ﴾ على التوحيد السادس: قال المبرّد ﴿ مَّقَامِ ﴾ مصدر فلم يجمع كما قال: ﴿ وعلى سَمْعِهِمْ ﴾ والمراد مقامات إبراهيم، وهي ما أقامه إبراهيم عليه السلام من أمور الحج وأعمال المناسك ولا شك أنها كثيرة وعلى هذا فالمراد بالآيات شعائر الحج كما قال: ﴿ وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ مَّقَامِ إبراهيم ﴾ وفيه أقوال أحدها: أنه لما ارتفع بنيان الكعبة، وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه والثاني: أنه جاء زائراً من الشام إلى مكة، وكان قد حلف لامرأته أن لا ينزل بمكة حتى يرجع، فلما وصل إلى مكة قالت له أم إسماعيل: إنزل حتى نغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على الجانب الأيمن، فوضع قدمه عليه حتى غسلت أحد جانبي رأسه، ثم حولته إلى الجانب الأيسر، حتى غسلت الجانب الآخر، فبقي أثر قدميه عليه والثالث: أنه هو الحجر الذي قام إبراهيم عليه عند الأذان بالحج، قال القفال رحمه الله: ويجوز أن يكون إبراهيم قام على ذلك الحجر في هذه المواضع كلها.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً ﴾ ولهذه الآية نظائر: منها قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً ﴾ وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً ﴾ وقال إبراهيم ﴿ رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا ﴾ وقال تعالى: ﴿ أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مّنْ خوف ﴾ قال أبو بكر الرازي: لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ موجودة في الحرم ثم قال: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً ﴾ وجب أن يكون مراده جميع الحرم، وأجمعوا على أنه لو قتل في الحرم فإنه يستوفي القصاص منه في الحرم وأجمعوا على أن الحرم لا يفيد الأمان فيما سوى النفس، إنما الخلاف فيما إذا وجب القصاص عليه خارج الحرم فالتجأ إلى الحرم فهل يستوفي منه القصاص في الحرم؟
قال الشافعي: يستوفي، وقال أبو حنيفة: لا يستوفي، بل يمنع منه الطعام والشراب والبيع والشراء والكلام حتى يخرج، ثم يستوفي منه القصاص، والكلام في هذه المسألة قد تقدم في تفسير قوله: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً ﴾ واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه الآية، فقال: ظاهر الآية الاخبار عن كونه آمناً، ولكن لا يمكن حمله عليه إذ قد لا يصير آمناً فيقع الخلف في الخبر، فوجب حمله على الأمر ترك العمل به في الجنايات التي دون النفس، لأن الضرر فيها أخف من الضرر في القتل، وفيما إذا وجب عليه القصاص لجناية أتى بها في الحرم، لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم، فيبقى في محل الخلاف على مقتضى ظاهر الآية.
والجواب: أن قوله: ﴿ كَانَ ءَامِناً ﴾ إثبات لمسمى الأمن، ويكفي في العمل به إثبات الأمن من بعض الوجوه، ونحن نقول به وبيانه من وجوه: الأول: أن من دخله للنسك تقرباً إلى الله تعالى كان آمناً من النار يوم القيامة، قال النبي عليه السلام: «من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً».
وقال أيضاً: «من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتي عام».
وقال: «من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».
والثاني: يحتمل أن يكون المراد ما أودع الله في قلوب الخلق من الشفقة على كل من التجأ إليه ودفع المكروه عنه، ولما كان الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأكثر أخبر بوقوعه على هذا الوجه مطلقاً وهذا أولى مما قالوه لوجهين: الأول: أنا على هذا التقدير لا نجعل الخبر قائماً مقام الأمر وهم جعلوه قائماً مقام الأمر والثاني: أنه تعالى إنما ذكر هذا لبيان فضيلة البيت وذلك إنما يحصل بشيء كان معلوماً للقوم حتى يصير ذلك حجة على فضيلة البيت، فأما الحكم الذي بيّنه الله في شرع محمد عليه السلام فإنه لا يصير ذلك حجة على اليهود والنصارى في إثبات فضيلة الكعبة.
الوجه الثالث: في تأويل الآية: أن المعنى من دخله عام عمرة القضاء مع النبي صلى الله عليه وسلم كان آمناً لأنه تعالى قال: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاء الله ءَامِنِينَ ﴾ الرابع: قال الضحاك: من حج حجة كان آمناً من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك.
واعلم أن طرق الكلام في جميع هذه الأجوبة شيء واحد، وهو أن قوله: ﴿ كَانَ ءَامِناً ﴾ حكم بثبوت الأمن وذلك يكفي في العمل به إثبات الأمن من وجه واحد وفي صورة واحدة فإذا حملناه على بعض هذه الوجوه فقد عملنا بمقتضى هذا النص فلا يبقى للنص دلالة على ما قالوه، ثم يتأكد ذلك بأن حمل النص على هذا الوجه لا يفضي إلى تخصيص النصوص الدالة على وجوب القصاص وحمله على ما قالوه يفضي إلى ذلك فكان قولنا أولى والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما ذكر فضائل البيت ومناقبه، أردفه بذكر إيجاب الحج وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ حَجَّ البيت ﴾ بكسر الحاء والباقون بفتحها، قيل الفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد وهما واحد في المعنى، وقيل هما جائزان مطلقاً في اللغة، مثل رطل ورطل، وبزر وبزر، وقيل المكسورة اسم للعمل والمفتوحة مصدر، وقال سيبويه: يجوز أن تكون المكسورة أيضاً مصدراً، كالذكر والعلم.
المسألة الثانية: في قوله: ﴿ مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ وجوه: الأول: قال الزجاج: موضع ﴿ مِنْ ﴾ خفض على البدل من ﴿ الناس ﴾ والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت الثاني: قال الفرّاء إن نويت الاستئناف بمن كانت شرطاً وأسقط الجزاء لدلالة ما قبله عليه، والتقدير من استطاع إلى الحج سبيلاً فلله عليه حج البيت الثالث: قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون ﴿ مِنْ ﴾ في موضع رفع على معنى الترجمة للناس، كأنه قيل: من الناس الذين عليهم لله حج البيت؟
فقيل هم من استطاع إليه سبيلاً.
المسألة الثالثة: اتفق الأكثرون على أن الزاد والراحلة شرطان لحصول الاستطاعة، روى جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسّر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد والراحلة، وروى القفال عن جويبر عن الضحاك أنه قال: إذا كان شاباً صحيحاً ليس له مال فعليه أن يؤاجر نفسه حتى يقضي حجه فقال له قائل: أكلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت؟
فقال: لو كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه؟
قال: لا بل ينطلق إليه ولو حبواً، قال: فكذلك يجب عليه حج البيت، عن عكرمة أيضاً أنه قال: الاستطاعة هي صحة البدن، وإمكان المشي إذا لم يجد ما يركبه.
واعلم أن كل من كان صحيح البدن قادراً على المشي إذا لم يجد ما يركب فإنه يصدق عليه أنه يستطيع لذلك الفعل، فتخصيص هذه الاستطاعة بالزاد والراحلة ترك لظاهر اللفظ فلابد فيه من دليل منفصل، ولا يمكن التعويل في ذلك على الأخبار المروية في هذا الباب لأنها أخبار آحاد فلا يترك لأجلها ظاهر الكتاب لا سيما وقد طعن محمد بن جرير الطبري في رواة تلك الأخبار، وطعن فيها من وجه آخر، وهو أن حصول الزاد والراحلة لا يكفي في حصول الاستطاعة، فإنه يعتبر في حصول الاستطاعة صحة البدن وعدم الخوف في الطريق، وظاهر هذه الأخبار يقتضي أن لا يكون شيء من ذلك معتبراً، فصارت هذه الأخبار مطعوناً فيها من هذا الوجه بل يجب أن يعول في ذلك على ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ﴾ وقوله: ﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ﴾ .
المسألة الرابعة: احتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع قالوا لأن ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت ﴾ يعم المؤمن والكافر وعدم الإيمان لا يصلح معارضاً ومخصصاً لهذا العموم، لأن الدهري مكلف بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن الإيمان بالله الذي هو شرط صحة الإيمان بمحمد عليه السلام غير حاصل والمحدث مكلف بالصلاة مع أن الوضوء الذي هو شرط صحة الصلاة غير حاصل، فلم يكن عدم الشرط مانعاً من كونه مكلفاً بالمشروط، فكذا هاهنا والله أعلم.
المسألة الخامسة: احتج جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن الاستطاعة قبل الفعل، فقالوا: لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من لم يحج مستطيعاً للحج، ومن لم يكن مستطيعاً للحج لا يتناوله التكليف المذكور في هذه الآية فيلزم أن كل من لم يحج أن لا يصير مأموراً بالحج بسبب هذه الآية وذلك باطل بالاتفاق.
أجاب الأصحاب بأن هذا أيضاً لازم لهم، وذلك لأن القادر إما أن يصير مأموراً بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل أو بعد حصوله أما قبل حصول الداعي فمحال، لأن قبل حصول الداعي يمتنع حصول الفعل، فيكون التكليف به تكليف ما لا يطاق، وأما بعد حصول الداعي فالفعل يصير واجب الحصول، فلا يكون في التكليف به فائدة، وإذا كانت الاستطاعة منتفية في الحالين وجب أن لا يتوجه التكليف المذكور في هذه الآية على أحد.
المسألة السادسة: روي أنه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله أكتب الحج علينا في كل عام، ذكروا ذلك ثلاثاً، فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قال في الرابعة: لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها ولو لم تقوموا بها لكفرتم ألا فوادعوني ما وادعتكم وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا عنه فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة احتلافهم على أنبيائهم ثم احتج العلماء بهذا الخبر على أن الأمر لا يفيد التكرار من وجهين: الأول: أن الأمر ورد بالحج ولم يفد التكرار والثاني: أن الصحابة استفهموا أنه هل يوجب التكرار أم لا؟
ولو كانت هذه الصيغة تفيد التكرار لما احتاجوا إلى الاستفهام مع كونهم عالمين باللغة.
المسألة السابعة: استطاعة السبيل إلى الشيء عبارة عن إمكان الوصول، قال تعالى: ﴿ فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ ﴾ وقال: ﴿ هَلْ إلى مَرَدّ مّن سَبِيلٍ ﴾ وقال: ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ﴾ فيعتبر في حصول هذا الإمكان صحة البدن، وزوال خوف التلف من السبع أو العدو، وفقدان الطعام والشراب والقدرة على المال الذي يشتري به الزاد والراحلة وأن يقضي جميع الديون ويرد جميع الودائع، وإن وجب عليه الإنفاق على أحد لم يجب عليه الحج إلا إذا ترك من المال ما يكفيهم في المجيء والذهاب وتفاصيل هذا الباب مذكور في كتب الفقهاء والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: القول الأول: أنها كلام مستقل بنفسه ووعيد عام في حق كل من كفر بالله ولا تعلق له بما قبله.
القول الثاني: أنه متعلق بما قبله والقائلون بهذا القول منهم من حمله على تارك الحج ومنهم من حمله على من لم يعتقد وجوب الحج، أما الذين حملوه على تارك الحج فقد عولوا فيه على ظاهر الآية فإنه لما تقدم الأمر بالحج ثم أتبعه بقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ فهم منه أن هذا الكفر ليس إلا ترك ما تقدم الأمر به ثم إنهم أكدوا هذا الوجه بالأخبار، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً».
وعن أبي أمامة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يحج حجة الإسلام ولم تمنعه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائز فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً».
وعن سعيد بن جبير: لو مات جار لي وله ميسرة ولم يحج لم أصل عليه، فإن قيل: كيف يجوز الحكم عليه بالكفر بسبب ترك الحج؟
أجاب القفال رحمه الله تعالى عنه: يجوز أن يكون المراد منه التغليظ، أي قد قارب الكفر وعمل ما يعمله من كفر بالحج، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر ﴾ أي كادت تبلغ ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام: «من ترك صلاة متعمداً فقد كفر».
وقوله عليه الصلاة والسلام: «من أتى امرأة حائضاً أو في دبرها فقد كفر».
وأما الأكثرون: فهم الذين حملوا هذا الوعيد على من ترك اعتقاد وجوب الحج، قال الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الأديان الستة المسلمين، والنصارى واليهود والصابئين والمجوس والمشركين فخطبهم وقال: إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس، وقالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نحجه، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين ﴾ وهذا القول هو الأقوى.
المسألة الثانية: اعلم أن تكليف الشرع في العبادات قسمان، منها ما يكون أصله معقولاً إلا أن تفاصيله لا تكون معقولة مثل الصلاة فإن أصلها معقول وهو تعظيم الله أما كيفية الصلاة فغير معقولة، وكذا الزكاة أصلها دفع حاجة الفقير وكيفيتها غير معقولة، والصوم أصله معقول، وهو قهر النفس وكيفيته غير معقولة، أما الحج فهو سفر إلى موضع معين على كيفيات مخصوصة، فالحكمة في كيفيات هذه العبادات غير معقولة وأصلها غير معلومة.
إذا عرفت هذا فنقول: قال المحققون إن الإتيان بهذا النوع من العبادة أدل على كمال العبودية والخضوع والانقياد من الإتيان بالنوع الأول، وذلك لأن الآتي بالنوع الأول يحتمل أنه إنما أتى به لما عرف بعقله من وجوه المنافع فيه، أما الآتي بالنوع الثاني فإنه لا يأتي به إلا لمجرد الانقياد والطاعة والعبودية، فلأجل هذا المعنى اشتمل الأمر بالحج في هذه الآية على أنواع كثيرة من التوكيد أحدها: قوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت ﴾ والمعنى أنه سبحانه لكونه إلها ألزم عبيده هذه الطاعة فيجب الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أو لم يعرفوا.
وثانيها: أنه ذكر ﴿ الناس ﴾ ثم أبدل منه ﴿ مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ وفيه ضربان من التأكيد، أما أولاً فلأن الإبدال تثنية للمراد وتكرير، وذلك يدل على شدة العناية، وأما ثانياً فلأنه أجمل أولاً وفصل ثانياً وذلك يدل على شدة الاهتمام.
وثالثها: أنه سبحانه عبّر عن هذا الوجوب بعبارتين إحداهما: لام الملك في قوله: ﴿ وَللَّهِ ﴾ وثانيتهما: كلمة ﴿ على ﴾ وهي للوجوب في قوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس ﴾ .
ورابعها: أن ظاهر اللفظ يقتضي إيجابه على كل إنسان يستطيعه، وتعميم التكليف يدل على شدة الاهتمام.
وخامسها: أنه قال: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ مكان، ومن لم يحج وهذا تغليظ شديد في حق تارك الحج.
وسادسها: ذكر الاستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان.
وسابعها: قوله: ﴿ عَنِ العالمين ﴾ ولم يقل عنه لأن المستغني عن كل العالمين أولى أن يكون مستغنياً عن ذلك الإنسان الواحد وعن طاعته، فكان ذلك أدل على السخط.
وثامنها: أن في أول الآية قال: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس ﴾ فبيّن أن هذا الإيجاب كان لمجرد عزة الإلهية وكبرياء الربوبية، لا لجر نفع ولا لدفع ضر، ثم أكد هذا في آخر الآية بقوله: ﴿ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين ﴾ ومما يدل من الأخبار على تأكيد الأمر بالحج، قوله عليه الصلاة والسلام: «حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالث».
وروي حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه قيل: معناه أنه يتعذر عليكم السفر في البر في مكة لعدم الأمن أو غيره، وعن ابن مسعود حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا هلكت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ صفة لبيت، والواضع هو الله عز وجلّ، تدل عليه قراءة من قرأ ﴿ وضع للناس ﴾ بتسمية الفاعل وهو الله.
ومعنى وضع الله بيتا للناس، أنه جعله متعبداً لهم، فكأنه قال: إن أوّل متعبد للناس الكعبة.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن أوّل مسجد وضع للناس فقال: «المسجد الحرام.
ثم بيت المقدس وسئل كم بينهما؟
قال: أربعون سنة» وعن عليّ رضي الله عنه أن رجلاً قال له: أهو أوّل بيت؟
قال: لا، قد كان قبله بيوت، ولكنه أوّل بيت وضع للناس مباركاً فيه الهدى والرحمة والبركة.
وأوّل من بناه إبراهيم ثم بناه قوم من العرب من جرهم ثم هدم فبنته العمالقة ثم هدم فبناه قريش.
وعن ابن عباس: هو أوّل بيت حُجَّ بعد الطوفان.
وقيل: هو أوّل بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض، خلقه قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض تحته.
وقيل: هو أوّل بيت بناه آدم في الأرض.
وقيل: لما هبط آدم قالت له الملائكة: طف حول هذا البيت فلقد طفنا قبلك بألفي عام، وكان في موضعه قبل آدم بيت يقال له: الضراح، فرفع في الطوفان إلى السماء الرابعة تطوف به ملائكة السموات ﴿ لَلَّذِى بِبَكَّةَ ﴾ البيت الذي ببكة، وهي عَلَمٌ للبلد الحرام، ومكة وبكة لغتان فيه، نحو قولهم: النبيط والنميط، في اسم موضع بالدهناء: ونحوه من الاعتقاب: أمر راتب وراتم.
وحمى مغمطة ومغبطة وقيل: مكة، البلد، وبكة: موضع المسجد.
وقيل اشتقاقها من (بكه) إذا زحمه لازدحام الناس فيها.
وعن قتادة: يَبُكُّ الناس بعضهم بعضاً الرجال والنساء، يصلي بعضهم بين يدي بعض، لا يصلح ذلك إلا بمكة كأنها سميت ببكة وهي الزحمة.
قال: إذَا الشَّرِيبُ أخذَتْهُ الأَكَّهْ ** فَخَلِّهِ حَتى يَبُكَّ بَكَّهْ وقيل: تبك أعناق الجبابرة أي تدقها.
لم يقصدها جبار إلا قصمه الله تعالى.
﴿ مُبَارَكاً ﴾ كثير الخير لما يحصل لمن حجه واعتمره وعكف عنده وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب، وانتصابه على الحال من المستكن في الظرف، لأن التقدير للذي ببكة هو، والعامل فيه المقدر في الظرف من فعل الاستقرار ﴿ وَهُدًى للعالمين ﴾ لأنه قبلتهم ومتعبدهم ﴿ مَّقَامِ إبراهيم ﴾ عطف بيان لقوله: ﴿ ءايات بينات فاسأل ﴾ .
فإن قلت: كيف صح بيان الجماعة بالواحد؟
قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله ونبوة إبراهيم من تأثير قدمه في حجر صلد، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً ﴾ [النحل: 120] والثاني: اشتماله على آيات لأنّ أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخر دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية لإبراهيم خاصة، وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف سنة آية.
ويجوز أن يراد فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله، لأنّ الاثنين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة.
ويجوز أن تذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما.
دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله، وكثير سواهما.
ونحوه في طيِّ الذكر قول جرير: كَانَتْ حَنِيفَةُ أثْلاَثاً فَثُلْثُهُمو ** مِنَ الْعَبِيدِ وَثُلْثٌ مِنْ مَوَالِيهَا ومنه قوله عليه السلام: «حبب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وقرة عيني في الصلاة» وقرأ ابن عباس وأبيّ ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة: ﴿ آية بينة ﴾ ، على التوحيد.
وفيها دليل على أنّ مقام إبراهيم واقع وحده عطف بيان.
فإن قلت: كيف أجزت أن يكون مقام إبراهيم والأمن عطف بيان للآيات؟
وقوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً ﴾ جملة مستأنفة إما ابتدائية وإما شرطية؟
قلت: أجزت ذلك من حيث المعنى، لأن قوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً ﴾ دلّ على أمن داخله، فكأنه قيل: فيه آيات بينات: مقام إبراهيم، وأمن داخله.
ألا ترى أنك لو قلت: فيه آية بينة، من دخله كان آمناً صحّ، لأنه في معنى قولك: فيه آية بينة، أمن من دخله.
فإن قلت: كيف كان سبب هذا الأثر؟
قلت: فيه قولان: أحدهما أنه لما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه.
وقيل: إنه جاء زائراً من الشام إلى مكة فقالت له امرأة إسماعيل: انزل حتى يغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه، ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر، فبقي أثر قدميه عليه.
ومعنى ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً ﴾ معنى قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ [العنكبوت: 67] وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام ﴿ رَبّ اجعل هذا البلد امِنًا ﴾ [البقرة: 126] وكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب.
وعن عمر رضي الله عنه «لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه» وعند أبي حنيفة: من لزمه القتل في الحل بقصاص أو ردّة أو زنى فالتجأ إلى الحرم لم يتعرض له، إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج.
وقيل: آمنا من النار.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا» .
وعنه عليه الصلاة والسلام: «الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة» وهما مقبرتا مكة والمدينة وعن ابن مسعود: وقف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ثنية الحجون وليس بها يومئذ مقبرة، فقال «يبعث الله من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر، يدخلون الجنة بغير حساب، يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر» وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من صبر على حرّ مكة ساعة من نهار، تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام» ﴿ مَنِ استطاع ﴾ بدل من الناس.
وروي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وكذا عن ابن عباس وابن عمر وعليه أكثر العلماء.
وعن ابن الزبير: هو على قدر القوّة.
ومذهب مالك أن الرجل إذا وثق بقوته لزمه.
وعنه: ذلك على قدر الطاقة، وقد يجد الزاد والراحلة من لا يقدر على السفر، وقد يقدر عليه من لا زاد له ولا راحلة، وعن الضحاك: إذا قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع.
وقيل له في ذلك فقال: إن كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه؟
بل كان ينطلق إليه ولو حبواً فكذلك يجب عليه الحج.
والضمير في ﴿ إِلَيْهِ ﴾ للبيت أو للحج.
وكلُّ مأتيّ إلى الشيء فهو سبيل إليه وفي هذا الكلام أنواع من التوكيد والتشديد؛ ومنها قوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت ﴾ يعني أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج من عهدته.
ومنها أنه ذكر الناس ثم أبدل عنه من استطاع إليه سبيلاً، وفيه ضربان من التأكيد: أحدهما أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له، والثاني أن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين.
ومنها قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ مكان ومن لم يحج تغليظاً على تارك الحج؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً» ونحوه من التغليط: «من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر» ومنها ذكر الاستغناء عنه وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان، ومنها قوله: ﴿ عَنِ العالمين ﴾ وإن لم يقل عنه، وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان، لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة، ولأنه يدل على الاستغناء الكامل فكان أدلّ على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه.
وعن سعيد بن المسيب نزلت في اليهود، فإنهم قالوا: الحج إلى مكة غير واجب وروى: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت ﴾ جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال: «إن الله كتب عليكم الحج فحجوا» فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه، فنزل ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حجوا قبل أن لا تحجوا، فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة» وروي «حجوا قبل أن لا تحجوا، حجوا قبل أن يمنع البر جانبه» وعن ابن مسعود: حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت.
وعن عمر رضي الله عنه: لو ترك الناس الحج عاماً واحداً ما نوظروا وقرئ ﴿ حج البيت ﴾ بالكسر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ ﴾ أيْ وُضِعَ لِلْعِبادَةِ وجُعِلَ مُتَعَبَّدًا لَهُمْ، والواضِعُ هو اللَّهُ تَعالى.
ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ.
﴿ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ﴾ لَلْبَيْتُ الَّذِي بِبَكَّةَ، وهي لُغَةٌ في مَكَّةَ كالنَّبِيطِ والنَّمِيطِ، وأمْرٌ راتِبٌ وراتِمٌ ولازِبٌ ولازِمٌ، وقِيلَ هي مَوْضِعُ المَسْجِدِ.
ومَكَّةُ البَلَدُ مِن بَكَّةَ إذا زَحَمَهُ، أوْ مِن بَكَّهُ إذا دَقَّهُ فَإنَّها تَبُكُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ.
رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُئِلَ عَنْ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ فَقالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، ثُمَّ بَيْتُ المَقْدِسِ.
وسُئِلَ كَمْ بَيْنَهُما فَقالَ أرْبَعُونَ سَنَةً» .
وقِيلَ أوَّلُ مَن بَناهُ إبْراهِيمُ ثُمَّ هُدِمَ فَبَناهُ قَوْمٌ مِن جُرْهُمَ، ثُمَّ العَمالِقَةُ، ثُمَّ قُرَيْشٌ.
وقِيلَ هو أوَّلُ بَيْتٍ بَناهُ آدَمُ فانْطَمَسَ في الطُّوفانِ، ثُمَّ بَناهُ إبْراهِيمُ.
وقِيلَ: كانَ في مَوْضِعِهِ قَبْلَ آدَمَ بَيْتٌ يُقالُ لَهُ الضِّراحُ يَطُوفُ بِهِ المَلائِكَةُ، فَلَمّا أُهْبِطَ آدَمُ أُمِرَ بِأنْ يَحُجَّهُ ويَطُوفَ حَوْلَهُ ورُفِعَ في الطُّوفانِ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ تَطُوفُ بِهِ مَلائِكَةُ السَّمَواتِ وهو لا يُلائِمُ ظاهِرَ الآيَةِ.
وقِيلَ المُرادُ إنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ بِالشَّرَفِ لا بِالزَّمانِ.
﴿ مُبارَكًا ﴾ كَثِيرَ الخَيْرِ والنَّفْعِ لِمَن حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ واعْتَكَفَ دُونَهُ وطافَ حَوْلَهُ، حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في الظَّرْفِ ﴿ وَهُدًى لِلْعالَمِينَ ﴾ لِأنَّهُ قِبْلَتُهم ومُتَعَبَّدُهُمْ، ولِأنَّ فِيهِ آياتٍ عَجِيبَةً كَما قالَ: <div class="verse-tafsir"
ولما قالت اليهود للمسلمين قبلتنا قبل قبلتكم نزل {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} والواضع هو الله عزوجل ومعنى وضع الله بيتاً للناس أنه جعله متعبداً لهم فكأنه قال إن أول متعبد للناس الكعبة وفى الحديث أن المسجد الحرم وضع قبل بيت المقدس بأربعين سنة قيل أول من بناه إبراهيم وقيل هو أول بيت حج بعد الطوفان وقيل هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض وقيل هو أول بيت بناه آدم عليه السلام في الأرض وقوله وضع للناس فى موضع جر صفة لبيت والخبر {لَلَّذِى بِبَكَّةَ} أي للبيت الذي ببكة وهي علم للبلد الحرام ومكة وبكة لغتان فيه وقل مكة البلد وبكة موضع المسجد وقيل اشتقاقها من بكه إذا زحمه لازدحام الناس فيها أو لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها لم يقصدها جبار إلا قصمه الله {مُبَارَكاً} كثير الخير لما يحصل للحجاج والمعتمرين من الثواب وتكفير السيآت {وهدى للعالمين} لأنه قبلتهم ومتعبدهم ومباركا وهدى حالان من الضمير فى موضع
﴿ إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: بَيْتُ المَقْدِسِ أعْظَمُ مِنَ الكَعْبَةِ لِأنَّهُ مُهاجَرُ الأنْبِياءِ ولِأنَّهُ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: بَلِ الكَعْبَةُ أعْظَمُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ إلى ﴿ مَقامُ إبْراهِيمَ ﴾ » .
ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، ووَجْهُ رَبْطِها بِما قَبْلَها أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ الكَفَرَةَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ومِن مَلَّتِهِ تَعْظِيمُ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى الحَرامِ، فَناسَبَ ذِكْرَ البَيْتِ وفَضْلَهَ وحُرْمَتَهُ لِذَلِكَ، وقِيلَ: وجْهُ المُناسِبَةِ أنَّ هَذِهِ شُبْهَةٌ ثانِيَةٌ ادَّعُوها فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيها كَما أكْذَبَهم في سابِقَتِها، والمَعْنى إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِعِبادَةِ النّاسِ رَبَّهم أيْ هُيِّئَ وجُعِلَ مُتَعَبَّدًا؛ والواضِعُ هو اللَّهُ تَعالى كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ ( وضَعَ ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ سُبْحانَهُ صَرِيحًا في الآيَةِ بِناءً عَلى أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، واحْتِمالُ عَوْدِهِ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِاشْتِهارِهِ بِبِناءِ البَيْتِ خِلافُ الظّاهِرِ، وجُمْلَةُ ( وُضِعَ ) في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّها صِفَةُ ( بَيْتٍ ) و( لِلنّاسِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ واللّامُ فِيهِ لِلْعِلَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ﴾ خَبَرُ إنَّ واللّامُ مُزَحْلَقَةٌ، وأخْبَرَ بِالمَعْرِفَةِ عَنِ النَّكِرَةِ لِتَخْصِيصِها، وهَذا في بابِ إنَّ، و- بَكَّةُ - لُغَةٌ في مَكَّةَ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، والباءُ والمِيمُ تَعْقُبُ إحْداهُما الأُخْرى كَثِيرًا، ومِنهُ نَمِيطٌ ونَبِيطٌ، ولازِمٌ ولازِبٌ، وراتِبٌ وراتِمٌ، وقِيلَ: هُما مُتَغايِرانِ؛ فَبَكَّةُ مَوْضِعُ المَسْجِدِ، ومَكَّةُ البَلَدُ بِأسْرِها، وأصْلُها مِنَ البَكِّ بِمَعْنى الزَّحْمِ، يُقالُ بَكَّهُ يَبُكُّهُ بَكًّا إذا زَحَمَهُ، وتَباكَّ النّاسُ إذا ازْدَحَمُوا، وكَأنَّها إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِازْدِحامِ الحَجِيجِ فِيها، وقِيلَ: بِمَعْنى الدَّقِّ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَدَقِّ أعْناقِ الجَبابِرَةِ إذا أرادُوها بِسُوءٍ، وإذْلالِهِمْ فِيها، ولِذا تَراهم في الطَّوافِ كَآحادِ النّاسِ، ولَوْ أمْكَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن تَخْلِيَةِ المَطافِ لَفَعَلُوا؛ وقِيلَ: إنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن بَكَأتِ النّاقَةُ أوِ الشّاةُ إذا قَلَّ لَبَنُها، وكَأنَّها إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقِلَّةِ مائِها وخِصْبِها، قِيلَ: ومِن هُنا سُمِّيَتِ البَلَدُ مَكَّةَ أيْضًا أخْذًا لَها مِن أمْتَكَ الفَصِيلُ ما في الضَّرْعِ إذا امْتَصَّهُ ولَمْ يُبْقِ فِيهِ مِنَ اللَّبَنِ شَيْئًا، وقِيلَ: هي مِن مَكَّهُ اللَّهُ تَعالى إذا اسْتَقْصاهُ بِالهَلاكِ، ثُمَّ المُرادُ بِالأوَّلِيَّةِ الأوَّلِيَّةُ بِحَسَبِ الزَّمانِ، وقِيلَ: بِحَسَبِ الشَّرَفِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ فَقالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، ثُمَّ بَيْتُ المَقْدِسِ.
فَقِيلَ: كَمْ بَيْنَهُما ؟
فَقالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً» .
واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّ بانِيَ المَسْجِدِ الحَرامِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبانِيَ الأقْصى داوُدُ ثُمَّ ابْنُهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِما السَّلامُ، ورَفَعَ قُبَّتَهُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، وبَيْنَ بِناءِ إبْراهِيمَ وبِنائِهِما مُدَّةٌ تَزِيدُ عَلى الأرْبَعِينَ بِأمْثالِها، وأُجِيبَ بِأنَّ الوَضْعَ غَيْرُ البِناءِ، والسُّؤالُ عَنْ مُدَّةِ ما بَيْنَ وضَعَيْهِما لا عَنْ مُدَّةِ ما بَيْنَ بِناءَيْهِما، فَيُحْتَمَلُ أنَّ واضِعَ الأقْصى بَعْضُ الأنْبِياءِ قَبْلَ داوُدَ وابْنِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ ثُمَّ بَنَياهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ولا بُدَّ مِن هَذا التَّأْوِيلِ - قالَهُ الطَّحاوِيُّ - وأجابَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنَ الوَضْعِ البِناءُ بِأنَّ بانِيَ المَسْجِدِ الحَرامِ والمَسْجِدِ الأقْصى هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ بَنى الأقْصى بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن بِنائِهِ المَسْجِدَ الحَرامَ، وادَّعى فَهْمَ ذَلِكَ مِنَ الحَدِيثِ فَتَدَبَّرْ.
ووَرَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ أوَّلَ مَن بَنى البَيْتَ المَلائِكَةُ وقَدْ بَنَوْهُ قَبْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِألْفَيْ عامٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وحُكِيَ أنَّ بِناءَ المَلائِكَةِ لَهُ كانَ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ ثُمَّ بَناهُ آدَمُ ثُمَّ شِيثُ ثُمَّ إبْراهِيمُ ثُمَّ العَمالِقَةُ ثُمَّ جُرْهُمُ ثُمَّ قُصَيٌّ ثُمَّ قُرَيْشٌ ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ثُمَّ الحَجّاجُ، واسْتَمَرَّ بِناءُ الحَجّاجِ إلى الآنِ إلّا في المِيزابِ والبابِ والعَتَبَةِ، ووَقَعَ التَّرْمِيمُ في الجِدارِ والسَّقْفِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وجُدِّدَ فِيهِ الرُّخامُ وقِيلَ: إنَّهُ نَزَلَ مَعَ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ ثُمَّ رُفِعَ بَعْدَ مَوْتِهِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ: بُنِيَ قَبْلَهُ ورُفِعَ في الطُّوفانِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، وقِيلَ: الرّابِعَةِ، وذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ الأخْبارِ أنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِهِ، وقَدْ أسْلَفْنا لَكَ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْ.
( ﴿ مُبارَكًا ﴾ ) أيْ كَثِيرُ الخَيْرِ لِما أنَّهُ يُضاعَفُ فِيهِ ثَوابُ العِبادَةِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يُغْفَرُ فِيهِ الذُّنُوبُ لِمَن حَجَّهُ وطافَ بِهِ واعْتَكَفَ عِنْدَهُ.
وقالَ القَفّالُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَرَكَتُهُ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ وقِيلَ: بَرَكَتُهُ دَوامُ العِبادَةِ فِيهِ ولُزُومُها، وقَدْ جاءَتِ البَرَكَةُ بِمَعْنَيَيْنِ: النُّمُوُّ وهو الشّائِعُ، والثُّبُوتُ ومِنهُ البَرَكَةُ لِثُبُوتِ الماءِ فِيها والبَرَكُ الصَّدْرُ لِثُبُوتِ الحِفْظِ فِيهِ، وتَبارَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِمَعْنى ثَبَتَ ولَمْ يَزُلْ، ووَجَّهَ الكَرْمانِيُّ كَوْنَهُ مُبارَكًا بِأنَّ الكَعْبَةَ كالنُّقْطَةِ وصُفُوفَ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْها في الصَّلَواتِ كالدَّوائِرِ المُحِيطَةِ بِالمَرْكَزِ، ولا شَكَّ أنَّ فِيهِمْ أشْخاصًا أرْواحُهم عُلْوِيَّةٌ وقُلُوبُهم قُدْسِيَّةٌ وأسْرارُهم نُورانِيَّةٌ وضَمائِرُهم رَبّانِيَّةٌ، ومَن كانَ في المَسْجِدِ الحَرامِ يَتَّصِلُ أنْوارُ تِلْكَ الأرْواحِ الصّافِيَةِ المُقَدَّسَةِ بِنُورِ رُوحِهِ فَتَزْدادُ الأنْوارُ الآلِهِيَّةُ في قَلْبِهِ وهَذا غايَةُ البَرَكَةِ، ثُمَّ إنَّ الأرْضَ كُرَيَّةٌ، وكُلُّ آنٍ يُفْرَضُ فَهو صُبْحٌ لِقَوْمٍ ظُهْرٌ لِثانٍ عَصْرٌ لِثالِثٍ وهَلُمَّ جَرّا، فَلَيْسَتِ الكَعْبَةُ مُنْفَكَّةً قَطُّ عَنْ تَوَجُّهِ قَوْمٍ إلَيْها لِأداءِ الفَرائِضِ فَهو دائِمًا كَذَلِكَ، والمَنصُوبُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ صِلَةً.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ جَعْلَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( وُضِعَ ﴿ وهُدًى لِلْعالَمِينَ ﴾ : أيْ هادٍ لَهم إلى الجَنَّةِ الَّتِي أرادَها سُبْحانَهُ أوْ هادٍ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِما فِيهِ مِنَ الآياتِ العَجِيبَةِ كَما قالَ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ قال مقاتل يعني أول مسجد وضع للناس، أي للمؤمنين.
ويقال: أول موضع خلق، هو موضع الكعبة للناس، أي قبلة للناس لَلَّذِي بِبَكَّةَ قال الكلبي: إنما سمي بكة، لأن الناس يبك بعضهم بعضاً، أي يزدحم.
وقال الزجاج: بكة موضع البيت، وسائر ما حواليه مكة.
وقال القتبي: بكة ومكة شيء واحد، والباء تبدل من الميم.
كما يقال سمد رأسه وسبده إذا استأصله، أي قلع بأصله.
ويقال: بكة موضع المسجد، ومكة البلد حوله.
ثم قال تعالى: مُبارَكاً أي فيها بركة ومغفرة للذنوب وَهُدىً لِلْعالَمِينَ يعني قبلة لمن صلّى إليها، وذلك أن اليهود قالوا للمؤمنين: لم عمدتم إلى الحجارة تطوفون بها وتصلون إليها؟
وجعلوا يعظمون بيت المقدس، فنزلت هذه الآية.
وروى الكلبي إن آدم- - بنى البيت، فلما كان زمان الطوفان، رفع إلى السماء السادسة بحيال الكعبة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لم يدخلوه قط قبله.
ويقال: أنزل من السماء، وهو من ياقوتة حمراء، فلما كان زمان الطوفان، رفع إلى السماء الرابعة.
ثم قال تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ يعني علامات واضحات كالحجر الأسود والحطيم مَقامُ إِبْراهِيمَ.
وروي عن عبد الله بن عباس أنه كان يقرأ فيه آية بينة مقام إبراهيم.
وقرأ غيره آيات بينات مقام إبراهيم، ومعناه من تلك الآيات مقام إبراهيم وَمَنْ دَخَلَهُ يعني الحرم كانَ آمِناً يعني أن من دخل فيه، فإنه لا يهاج منه إذا وجب عليه القتل خارج الحرم وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص حِجُّ بكسر الحاء، والباقون بالنصب، وهما لغتان ومعناهما واحد.
مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا أي بلاغاً والاستطاعة هي الزاد والراحلة وتخلية الطريق.
ويقال: ولله على الناس فريضة حج البيت.
ثم قال: وَمَنْ كَفَرَ يعني ومن لم يرَ الحج واجباً فقد كفر، فذلك قوله وَمَنْ كَفَرَ.
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ يعني غني عمن حج، وعمن لم يحج.
قال الفقيه: حدّثني أبي قال: حدّثني أبو بكر المعلم قال: حدثنا أبو عمران الفارابي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن حبيب قال: حدثنا داود بن المحبر قال: حدّثنا عباد بن كثير عن عبد خير عن علي بن أبي طالب أن رسول الله قال في خطبته: «أَيُّها النَّاسُ إنَّ الله تَعَالَى فَرَضَ الحَجَّ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ إليهِ سَبِيلاً، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالِ يَهُودِيّاً أَوْ نَصْرَانِيّاً أوْ مَجُوسِيّاً، إلاَّ أنْ يَكُونَ بهِ مَرَضٌ أوْ مَنْعٌ مِنْ سُلْطَانٍ جَائِرٍ، ألا لا نَصِيبَ لَهُ مِنْ شَفَاعَتِي، وَلا يَرِدُ حَوْضِي» .
وروي عن أنس بن مالك عن رسول الله أنه قال: «السَّبِيلُ الزَّادُ والرَّاحِلَةُ» .
وكذلك روي عن ابن عباس.
وقال مجاهد: مقام إبراهيم أثر قدميه.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : ولم يختلفُ فيما علمتُ أنَّ سبَبَ تحريمِ يَعْقُوبَ ما حرَّمه على نَفْسِهِ هو بمَرَضٍ أصابه، فَجَعَلَ تحريمَ ذلِكَ شُكْراً للَّه، إنْ شُفِيَ، وقيل: هو وَجَعُ عِرْقِ النّسا، وفي حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ عِصَابَةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، قَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ؟
فَقَالَ لَهُمْ: أُنْشِدُكُمْ بِاللَّه!
هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً، فَطَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْراً، إنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ، لَيُحْرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ، وَأَحَبُّ الشَّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانَهَا؟
قَالُوا:
اللَّهُمَّ، نَعَمْ» «٢» .
قال ع «٣» : وظاهرُ الأحاديثِ والتفاسيرِ في هذا الأمْرِ أنَّ يعقوبَ- عليه السلام- حَرَّم لُحوم الإبلِ وألْبَانَهَا، وهو يحبُّها تقرُّباً بذلك إذْ ترك الترفُّه والتنعُّم من القُرَبِ، وهذا هو الزهْدُ في الدُّنْيا، وإليه نَحَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رضي اللَّه عنه) بقوله: «إيَّاكُمْ وهذه المَجَازِرَ فإنَّ لها ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الخَمْرِ» ومِنْ ذلك قولُ أبِي حَازِمٍ الزاهِدِ، وقدْ مَرَّ بسُوقِ الفَاكِهَةِ، / فرأى مَحَاسِنَهَا، فقَالَ: مَوْعِدُكَ الجَنَّةُ، إنْ شاء الله.
وقوله عز وجلّ: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ ...
الآية: قال الزَّجَّاج «٤» : وفي هذا تعجيز لهم، وإقامة للحجة عليهم.
وقوله سبحانه: فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
، أي: مِنْ بعد ما تبيَّن له الحَقُّ، وقيامُ الحُجَّة، فهو الظَّالِمُ.
وقوله: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ، أي: الأمر كما وصَفَ سبحانه، لا كما تَكْذُبونَ، فإن كنتم تَعْتزونَ إلى إبراهيم، فاتبعوا ملَّته على ما ذكر الله.
وقوله سبحانه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ......
الآية: لا مِرْيَة أنَّ إبراهيم- عليه السلام- وضع بيْتَ مكة، وإنما الخلافُ، هَلْ هو وضع بَدْأَةً أوْ وُضِعَ تجديداً؟
وقال الفَخْر «١» : يحتمل أولاً في الوضْعِ والبناءِ، ويحتملُ أنْ يريد أولاً في كونه مباركاً، وهذا تحصيلُ المفسِّرين في الآية.
اهـ.
قال ابن العربيِّ في «أحكامِهِ» «٢» وكونُ البَيْتِ الحَرَامِ مُبَارَكاً، قيل: بركَتُهُ ثوابُ الأعمال هناك، وقيل: ثوابُ قاصِدِيهِ، وقيل: أمْنُ الوَحْش فيه، وقيل: عُزُوفُ النفْسِ عن الدنيا عِنْدَ رؤيته، قال ابنُ العربيِّ «٣» : والصحيحُ عِنْدَي أنَّهُ مُبَارَكٌ مِنْ كلِّ وجْهٍ مِنْ وجوه الدنْيَا والآخرة وذلك بجميعه موجودٌ فيه.
اهـ.
قال مالكٌ في سماعِ ابن القاسِمِ من «العتبية» : بَكَّة موضعُ البَيْت، ومَكَّة غيره مِنَ المواضعِ، قال ابن القاسِمِ: يريد القَرْيَةَ «٤» ، قلتُ: قال ابنُ رُشْدٍ في «البيان» «٥» : أرى مالكاً أخَذَ ذلك مِنْ قول اللَّه عزَّ وَجَلَّ لأنه قال تعالى في بَكَّة: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً، وهو إنما وضع بموضعه الَّذي وُضِعَ فيه لا فيما سواه من القرية، وقال في «مَكَّة» وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [الفتح: ٢٤] وذلك إنما كان في القرية، لا في موضع البَيْتَ.
اهـ.
وقوله سبحانه: فِيهِ، أي: في البيت آياتٌ بَيِّناتٌ، قال ع «٦» : والمترجِّح عندي أنَّ المَقَامَ وأَمْنَ الدَّاخِلِ جُعِلاَ مثالاً ممَّا في حَرَمِ الله من الآيات وخصّا بالذكر لعظمهما، ومَقامُ إِبْراهِيمَ: هو الحَجَرُ المعروفُ قاله الجمهور، وقال قوم: البيتُ كلُّه مقامُ إبراهيم، وقال قومٌ: الحَرَمُ كلُّه مقامُ إبراهيم، والضميرُ في قوله: وَمَنْ دَخَلَهُ عائدٌ على البَيْت في قول الجمهور، وعائد على الحرم
في قول مَنْ قَالَ: مقامُ إبراهيم هو الحرم.
وقوله: كانَ آمِناً قال الحَسَنُ وغيره: هذه وصْفُ حالٍ كانَتْ في الجاهلية، إذا دخَلَ أحدٌ الحَرَمَ، أَمِنَ، فلا يُعْرَضُ له، فأما في الإسلام، فإن الحرم لا يَمْنَعُ مِنْ حَدٍّ مِنْ حدودِ اللَّه، وقال يَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ: معنى الآية: ومَنْ دخل البيتَ، كان آمناً من النَّار، وحكى النقَّاش عن بَعْض العُبَّاد، قال: كُنْتُ أطوفُ حوْلَ الكعبةِ لَيْلاً، فقلْتُ: يا رَبِّ، إنّك قلت: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً، فمماذا هو آمنٌ؟
فسمعتُ مكلِّماً يكلِّمني، وهو يقولُ: مِنَ النَّارِ، فنظَرْتُ، وتأمَّلت، فما كان في المكان أحد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «١» : وقول بعضهم: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمناً من النار- لا يصحُّ حمله على عمومه، ولكنه ثَبَتَ أنَّ مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ «٢» ، والحَجُّ المَبْرُور لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلاَّ الجنّة «٣» .
قال ذلك كلّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اهـ.
وقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ...
الآية: هو فرضُ الحجِّ في كتابِ اللَّه بإجماع، وقرأ حمزةُ، والكِسَائيُّ، وحَفْص عن عاصِمٍ: «حَجُّ الَبْيتِ» بكَسْر الحاء، وقرأ الباقُونَ بفتحها «١» ، / فَبِكَسْر الحاء: يريدُون عَمَلَ سَنَةٍ واحدةٍ، وقال الطبريُّ «٢» : هما لُغَتَانِ الكَسْر: لُغَةُ نَجْدٍ، والفتْحُ لغة أهل العَالِيَةِ.
وقوله سبحانه: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا «مَنْ» : في موضعِ خَفْضٍ بدلٍ من «النَّاس» ، وهو بدلُ البَعْض من الكلِّ، وقال الكسائيُّ وغيره: هي شَرْطٌ في موضع رفعٍ بالابتداء، والجوابُ محذوفٌ، تقديره: فَعَلَيْهِ الحِجُّ ويدلُّ عليه عطْفُ الشرطِ الآخَرِ بعده في قوله:
وَمَنْ كَفَرَ، وأسند الطبريُّ إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ مَلَكَ زَاداً وَرَاحِلَةً، فَلَمْ يَحُجَّ، فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا «٣» ، وذهب جماعةٌ من العلماءِ إلى أنَّ قوله سبحانه:
مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا كلامٌ عامٌّ لا يتفسَّر بزادٍ ولا راحلةٍ، ولا غَيْرِ ذلك، بل إذا كان مستطيعاً غَيْرَ شاقٍّ على نفسه، فقد وجَبَ علَيْه الحَجُّ، وإليه نحا مَالِكٌ في سماع أَشْهَبَ، وقال: لا صِفَةَ في هذا أبْيَنُ ممَّا قال الله تعالى.
هذا أنْبَلُ الأقوال، وهذه مِنَ الأمور التي يتصرَّف فيها فِقْهُ الحال، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائدٌ على البيت، ويحتملُ عَلَى الحِجِّ.
وقوله سبحانه: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ، قال ابن عبَّاس وغيره:
المعنى: مَنْ زعم أنَّ الحَجَّ ليس بفَرْضٍ عليه «٤» ، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قرأَ هذه الآيةَ، فقَالَ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ تَرَكَهُ، كَفَرَ، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من تركه، لا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: افْتَخَرَ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ، فَقالَتِ اليَهُودَ: بَيْتُ المَقْدِسِ أفْضُلْ مِنَ الكَعْبَةِ.
وقالَ المُسْلِمُونَ: الكَعْبَةُ أفْضَلُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ وفي مَعْنى كَوْنِهِ "أوَّلَ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ كانَ في الأرْضِ، واخْتَلَفَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ، كَيْفَ كانَ أوَّلَ بَيْتٍ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ ظَهَرَ عَلى وجْهِ الماءِ حِينَ خَلَقَ اللَّهُ الأرْضَ، فَخَلَقَهُ قَبْلَها بِألْفَيْ عامٍ، ودَحاها مِن تَحْتِهِ، فَرَوى سَعِيدٌ المُقْبِرِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَتِ الكَعْبَةُ حَشَفَةً عَلى وجْهِ الماءِ، عَلَيْها مَلَكانِ يُسَبِّحانِ اللَّيْلَ والنَّهارَ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ سَنَةٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وضَعَ البَيْتَ في الماءِ عَلى أرْبَعَةِ أرْكانٍ قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ الدُّنْيا بِألْفَيْ سَنَةٍ، ثُمَّ دُحِيَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِ البَيْتِ، وبِهَذا القَوْلِ يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَمْرٍو، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّ آَدَمَ اسْتَوْحَشَ حِينَ أُهْبِطَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، أنِ ابْنِ لِي بَيْتًا في الأرْضِ، فاصْنَعْ حَوْلَهُ نَحْوَ ما رَأيْتَ مَلائِكَتِي تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي، فَبَناهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أُهْبِطَ مَعَ آَدَمَ، فَلَمّا كانَ الطُّوفانُ، رُفِعَ فَصارَ مَعْمُورًا في السَّماءِ، وبَنى إبْراهِيمُ عَلى أثَرِهِ، رَواهُ شَيْبانُ عَنْ قَتادَةَ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لِلْعِبادَةِ، وقَدْ كانَتْ قَبْلَهُ بُيُوتٌ، هَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والحَسَنِ، وعَطاءِ بْنِ السّائِبِ في آَخَرِينَ.
فَأمّا بَكَّةُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: يَصْلُحُ هَذا الِاسْمُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ البَكِّ.
يُقالُ: بِكَّ النّاسُ بَعْضَهم بَعْضًا، أيْ: دَفَعَ.
واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِها بَكَّةً عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِازْدِحامِ النّاسِ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: لِأنَّها تَبُكُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ، أيْ: تَدُقُّها، فَلَمْ يَقْصِدْها جَبّارٌ إلّا قَصَمَهُ اللَّهُ، رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وذَكَرُهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: لِأنَّها تَضَعُ مِن نَخْوَةِ المُتَجَبِّرِينَ، يُقالُ: بَكَكْتُ الرَّجُلَ، أيْ: وضَعْتُ مِنهُ، ورَدَدْتُ نَخْوَتَهُ، قالَهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ اليَزِيدِيُّ، وقُطْرُبٌ.
واتَّفَقُوا عَلى أنَّ مَكَّةَ اسْمٌ لِجَمِيعِ البَلْدَةِ.
واخْتَلَفُوا في بَكَّةَ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ الَّتِي فِيها الكَعْبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وإبْراهِيمُ.
وعَطِيَّةُ.
والثّانِي: أنَّها ما حَوْلَ البَيْتِ، ومَكَّةُ ما وراءَ ذَلِكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها المَسْجِدُ، والبَيْتُ.
ومَكَّةُ اسْمٌ لِلْحَرَمِ كُلِّهِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، وضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ.
والرّابِعُ: أنَّ بَكَّةَ هي مَكَّةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، واحْتَجَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِأنَّ الباءَ تُبْدَلُ مِنَ المِيمِ؛ يُقالُ: سَمَدَ رَأْسَهُ وسَبَدَ رَأْسَهُ: إذا اسْتَأْصَلَهُ.
وشَرٌّ لازِمٌ، ولازِبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُبارَكًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
المَعْنى: الَّذِي اسْتَقَرَّ بِمَكَّةَ في حالِ بَرَكَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُدًى ﴾ أيْ: وذا هُدًى.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "هُدًى" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، المَعْنى: وهو هُدًى، فَأمّا بَرَكَتُهُ، فَفِيهِ تُغْفَرُ الذُّنُوبُ، وتُضاعَفُ الحَسَناتُ، ويَأْمَنُ مِن دَخَلَهُ.
وَرَوى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "مَن طافَ بِالبَيْتِ، لَمْ يَرْفَعْ قَدَمًا، ولَمْ يَضَعْ أُخْرى، إلّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِها حَسَنَةً، وحَطَّ عَنْهُ بِها خَطِيئَةً، ورَفَعَ لَهُ بِها دَرَجَةً" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُدًى لِلْعالَمِينَ ﴾ ، في الهُدى هاهُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى القِبْلَةِ، فَتَقْدِيرُهُ: وقِبْلَةُ العالَمِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: الرَّحْمَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى: الصَّلاحُ، لِأنَّ مَن قَصَدَهِ، صَلُحَتْ حالُهُ عِنْدَ رَبِّهِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ بِمَعْنى: البَيانِ، والدَّلالَةُ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما فِيهِ مِنَ الآَياتِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، حَيْثُ يَجْتَمِعُ الكَلْبُ والظَّبْيُ في الحَرَمِ، فَلا الكَلْبُ يُهَيِّجُ الظَّبْيَ، ولا الظَّبْيُ يَسْتَوْحِشُ مِنهُ، قالَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ ﴿ قُلْ صَدَقَ اللهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ تَحْتَمِلُ الإشارَةُ بِـ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ إلى ثَلاثَةِ أشْياءٍ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ إلى التِلاوَةِ إذْ مُضَمَّنُها بَيانُ المَذْهَبِ وقِيامُ الحُجَّةِ، أيْ: فَمَن كَذَبَ مِنّا عَلى اللهِ تَعالى أو نَسَبَ إلى كُتُبِ اللهِ ما لَيْسَ فِيها فَهو ظالِمٌ، واضِعٌ الشَيْءَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ؛ والآخَرُ: أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى اسْتِقْرارِ التَحْرِيمِ في التَوْراةِ، لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: كُلُّ الطَعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، ثُمَّ حَرَّمَتْهُ التَوْراةُ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ، فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ وزادَ في المُحَرَّماتِ فَهو الظالِمُ؛ والثالِثُ: أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الحالِ بَعْدَ تَحْرِيمِ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ وقَبْلَ نُزُولِ التَوْراةِ، أيْ مَن تَسَنَّنَ بِيَعْقُوبَ وشَرَعَ ذَلِكَ دُونَ إذْنٍ مِنَ اللهِ، ومَن حَرَّمَ شَيْئًا ونَسَبَهُ إلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ فَهو الظالِمُ.
ويُؤَيِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ الأخِيرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ فَنَصَّ عَلى أنَّهُ كانَ لَهم ظُلْمٌ في مَعْنى التَحْلِيلِ والتَحْرِيمِ، وكانُوا يُشَدِّدُونَ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، كَما فَعَلُوا في أمْرِ البَقَرَةِ.
وبِخِلافِ هَذِهِ السِيرَةِ جاءَ الإسْلامُ في قَوْلِهِ : « "يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا"،» وقَوْلِهِ: « "دِينُ اللهِ يُسْرٌ"» وقَوْلِهِ: « "بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَمْحَةِ.» ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَصْدَعَ بِالخِلافِ والجِدالِ مَعَ الأحْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللهُ ﴾ أيِ: الأمْرُ كَما وصَفَ لا كَما تَكْذِبُونَ أنْتُمْ، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْتَزُّونَ بِإبْراهِيمَ فاتَّبِعُوا مِلَّتَهُ عَلى ما ذَكَرَ اللهُ.
وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: "قُل صَّدَقَ" بِإدْغامِ اللامِ في الصادِ، وكَذَلِكَ: "قُل سِّيرُوا" قَرَأها بِإدْغامِ اللامِ في السِينِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: عِلَّةُ جَوازِ ذَلِكَ فُشُوُّ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ في الفَمِ وانْتِشارُ الصَدى المُنْبَثِّ عنهُما، فَقارَبَتا بِذَلِكَ مَخْرَجَ اللامِ، فَجازَ إدْغامُهُما فِيهِما.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وُضِعَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ عَلى مَعْنى: وضَعَهُ اللهُ فالآيَةُ عَلى هَذا ابْتِداءُ مَعْنىً مُنْقَطِعٍ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَضَعَ" بِفَتْحِ الواوِ والضادِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وضَعَ اللهُ، فَيَكُونَ المَعْنى مُنْقَطِعًا كَما هو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وضَعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَيَكُونَ المَعْنى مُتَّصِلًا بِالَّذِي قَبْلَهُ، وتَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ اسْتِدْعاءً لَهم إلى مِلَّتِهِ، في الحَجِّ وغَيْرِهِ عَلى ما رَوى عِكْرِمَةُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا ﴾ ....
الآيَةُ، قالَ اليَهُودُ: نَحْنُ عَلى الإسْلامِ، فَقُرِئَتْ: ﴿ وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ ﴾ قِيلَ لَهُ: أحِجَّهم يا مُحَمَّدُ إنْ كانُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ الَّتِي هي الإسْلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ ما قالَ أبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أوَّلَ؟
قالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟
قالَ: المَسْجِدُ الأقْصى، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُما؟
قالَ أرْبَعُونَ سَنَةً".» فَيَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُما مِن وضْعِ إبْراهِيمَ جَمِيعًا، ويُضْعِفُ ما قالَ الزَجّاجُ مِن أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ مِن بِناءِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ جَدَّدَهُ، وأيْنَ مُدَّةُ سُلَيْمانَ مِن مُدَّةِ إبْراهِيمَ؟
ولا مِرْيَةَ في أنَّ إبْراهِيمَ وضَعَ بَيْتَ مَكَّةَ، وإنَّما الخِلافُ هَلْ وضْعُ بَدْأةٍ أو وضْعُ تَجْدِيدٍ؟
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى هَذِهِ "الأوَّلِيَّةِ" الَّتِي في قَوْلِهِ: "إنَّ أوَّلَ"، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى قَوْلِهِ: إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ مُبارَكًا وهُدىً هَذا البَيْتُ الَّذِي بِمَكَّةَ، وقَدْ كانَتْ قَبْلَهُ بُيُوتٌ لَمْ تُوضَعْ وضْعَهُ مِنَ البَرَكَةِ والهُدى.
وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هو أوَّلُ بَيْتٍ خَلَقَ اللهُ تَعالى ومِن تَحْتِهِ دُحِيَتِ الأرْضُ.
وَرُوِيَتْ في هَذا أقاصِيصُ مِن نُزُولِ آدَمَ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ ومِن تَحْدِيدٍ حَدَّدَ ما بَيْنَ خَلْقِهِ ودَحْوِ الأرْضِ، ونَحْوُ ما قالَ الزَجّاجُ مِن أنَّهُ البَيْتُ المَعْمُورُ، أسانِيدُها ضِعافٌ فَلِذَلِكَ تَرَكْتُها.
وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِيءُ رَفْعُ إبْراهِيمَ القَواعِدَ تَجْدِيدًا؛ قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ البَيْتَ أُهْبِطَ مَعَ آدَمَ ورُفِعَ وقْتَ الطُوفانِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "بَكَّةَ" - فَقالَ الضَحّاكُ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: بَكَّةُ هي مَكَّةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذا مِن إبْدالِ الباءِ بِالمِيمِ، عَلى لُغَةِ مازِنَ وغَيْرِهِمْ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ شِهابٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ العُلَماءِ: مَكَّةُ: الحَرَمُ كُلُّهُ، وبَكَّةُ: مُزْدَحَمُ الناسِ حَيْثُ يَتَباكَوْنَ، وهو المَسْجِدُ وما حَوْلَ البَيْتِ.
وقالَ مالِكٌ في سَماعِ ابْنِ القاسِمِ مِنَ العُتْبِيَّةِ: بَكَّةُ: مَوْضِعُ البَيْتِ، ومَكَّةُ: غَيْرُهُ مِنَ المَواضِعِ؛ قالَ ابْنُ القاسِمِ: يُرِيدُ القَرْيَةَ.
قالَ الطَبَرِيُّ: ما خَرَجَ عن مَوْضِعِ الطَوافِ فَهو مَكَّةُ لا بَكَّةَ.
وقالَ قَوْمٌ: بَكَّةُ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، ومَكَّةُ: الحَرَمُ كُلُّهُ.
و"مُبارَكًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ عَلى قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ إنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ بِهَذِهِ الحالِ قَوْلُهُ: "وُضِعَ" والعامِلُ فِيهِ عَلى القَوْلِ الآخَرِ، الفِعْلُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ باءُ الجَرِّ في قَوْلِهِ: "بِبَكَّةَ" تَقْدِيرُهُ: اسْتَقَرَّ بِبَكَّةَ مُبارَكًا.
وفي وصْفِ البَيْتِ بِهُدىً مَجازِيَّةٌ بَلِيغَةٌ، لِأنَّهُ مُقَوِّمٌ مُصْلِحٌ، فَهو مُرْشِدٌ، وفِيهِ إرْشادٌ، فَجاءَ قَوْلُهُ: "وَهُدىً" بِمَعْنى: وذا هُدىً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُدىً في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الدُعاءِ، أيْ مِن حَيْثُ دُعِيَ العالَمُونَ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
هذا الكلام واقع موقع التّعليل للأمر في قوله: ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ [آل عمران: 95] لأنّ هذا البيت المنوّه بشأنه كان مقاماً لإبراهيم ففضائل هذا البيتتِ تحقّق فضيلة شرع بانيه في متعارف النَّاس، فهذا الاستدلال خطابي، وهو أيضاً إخبار بفضيلة الكعبة، وحرمتها فيما مضى من الزّمان.
وقد آذن بكون الكلام تعليلاً موقع (إنّ) في أوّله فإنّ التأكيد بإنّ هنا لمجرّد الاهتمام وليس لردّ إنكار منكر، أو شكّ شاكّ.
ومن خصائص (إنّ) إذا وردت في الكلام لمجرّد الاهتمام، أن تغني غَناء فاء التفريع وتفيد التَّعليل والربط، كما في دلائل الإعجاز.
ولِمَا في هذه من إفادة الربط استغني عن العطف لكون (إنّ) مؤذنة بالربط.
وبيانُ وجه التعليل أن هذا البيت لمّا كان أوّل بيت وضع للهُدى وإعلان توحيد الله ليكون علماً مشهوداً بالحسّ على معنى الوحدانية ونفي الإشراك، فقد كان جامعاً لدلائل الحنيفية، فإذا ثبت له شرف الأولية ودوام الحرمة على ممرّ العصور، دون غيره من الهياكل الدينية الَّتي نشأت بعده، وهو مائل، كان ذلك دلالة إلهية على أنَّه بمحلّ العناية من الله تعالى، فدلّ على أنّ الدّين الَّذي قارن إقامته هو الدّين المراد لله، وهذا يؤول إلى معنى قوله: ﴿ إن الدين عند اللَّه الإسلام ﴾ [آل عمران: 19].
وهذا التَّعليل خطابي جار على طريقة اللُّزوم العرفي.
وقال الواحدي، عن مجاهد: تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المَقْدس أفضل وأعظم من الكعبة لأنَّه مُهَاجر الأنبياء وفي الأرض المقدّسة وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله هذه الآية.
و ﴿ أوَّل ﴾ اسم للسابق في فِعللٍ مَّا فإذا أضيف إلى اسم جنس فهو السابق من جنس ذلك المضاف إليه في الشأن المتحدّث عنه.
والبيت بناء يأوِي واحداً أو جماعة، فيكون بيتَ سكنى، وبيت صلاة، وبيت ندوة، ويكون مبنياً من حَجَر أو من أثواببِ نسيج شعر أو صوف، ويكون من أدم فيسمّى قبَّة قال تعالى: ﴿ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ [النحل: 81].
ومعنى ﴿ وُضع ﴾ أسّسَ وأثْبِتَ، ومنه سمّي المكان موضعاً.
وأصل الوضع أنَّه الحطّ ضدّ الرفع، ولمَّا كان الشيء المرفوع بعيداً عن التناول، كان الموضوع هو قريب التناول، فأطلق الوضع لمعنى الإدناء للمتناول، والتَّهيئة للانتفاع.
و (النَّاس) تقدّم في قوله تعالى: ﴿ ومن النَّاس من يقول آمنا باللَّه ﴾ في سورة [البقرة: 8].
( ﴿ وبكّة ﴾ اسم مكَّة.
وهو لغة بإبدال الميم باء في كلمات كثيرة عدّت من المترادف: مثل لازب في لازم، وأربد وأرمد أي في لون الرماد، وفي سماع ابن القاسم من العتبية عن مالك: أنّ بكة بالباء اسم موضع البيت، وأنّ مكَّة بالميم اسم بقية الموضع، فتكون باء الجرّ هنا لظرفية مكان البيت خاصّة.
لا لسائر البلد الَّذي فيه البيت، والظاهر عندي أنّ بكة اسم بمعنى البلدة وضعه إبراهيم علماً على المكان الَّذي عيّنه لسكنى ولده بنيّة أن يكون بلداً، فيكون أصله من اللغة الكلدانية، لغة إبراهيم، ألا ترى أنَّهم سمّوا مدينة (بعلبك) أي بلد بَعل وهو معبود الكلدانيين، ومن إعجاز القرآن اختيار هذا اللَّفظ عند ذكر كونه أوّل بيت، فلاحظ أيضاً الاسم الأوّل، ويؤيّد ذلك قوله: ﴿ ربّ هذه البلدة ﴾ [النمل: 91] وقوله: ﴿ ربّ اجعل هذا البلد آمناً ﴾ [إبراهيم: 35].
وقد قيل: إنّ بكّة مشتقّ من البَكّ وهو الازدحام، ولا أحسب قصد ذلك لواضع الاسم.
وعدل عن تعريف البيت باسمه العلَم بالغلبة، وهو الكعبة، إلى تعريفه بالموصولية بأنَّه (الَّذي ببكة): لأنّ هذه الصّلة صارت أشهر في تعيّنه عند السامعين، إذ ليس في مكّة يومئذ بيت للعبادة غيره، بخلاف اسم الكعبة: فقد أطلق اسم الكعبة على القليس الَّذي بناه الحبشة في صنعاء لدين النصرانية ولقّبوه الكعبة اليمانية.
والمقصود إثبات سبق الكعبة في الوجود قبل بيوت أخر من نوعها.
وظاهر الآية أنّ الكعبة أوّل البيوت المبنيّة في الأرض، فتمسّك بهذا الظَّاهر مجاهد، وقتادة، والسّدي، وجماعة، فقالوا: هي أوّل بناء، وقالوا: إنَّها كانت مبنيّة من عهد آدم عليه السلام ثُمّ درست، فجددها إبراهيم، قال ابن عطية: ورويت في هذا أقاصيص أسانيدها ضعاف فلذلك تركتُها، وقد زعموا أنَّها كانت تسمّى الضُراح بوزن غراب ولكنّ المحقّقين وجمهور أهل العلم لم يأخذوا بهذا الظاهر، وتأوّلوا الآية.
قال عليّ رضي الله عنه: «كان قبل البيت بيوت كثيرة» ولا شكّ أنّ الكعبة بناها إبراهيم وقد تعدّد في القرآن ذكر ذلك، ولو كانت من بناء الأنبياء قبله لزيد ذكر ذلك زيادة في التنويه بشأنها، وإذا كان كذلك فلا يجوز أن يكون أوّل بناء وقع في الأرض كان في عهد إبراهيم، لأنّ قبل إبراهيم أمماً وعصوراً كان فيها البناء، وأشهر ذلك برج بابل، بُنِي إثر الطوفان، وما بناه المصريّون قبل عهد إبراهيم، وما بناه الكلدان في بدل إبراهيم قبل رحلته إلى مصر، ومن ذلك بيت أصنامهم، وذلك قبل أن تصير إليه هاجَر الَّتي أهداها له ملك مصر، وقد حكى القرآن عنهم ﴿ قالوا ابْنُوا له بنياناً فَألْقُوه في الجحيم ﴾ [الثافات: 97] فتعيّن تأويل الآية بوجه ظاهر، وقد سلك العلماء مسالك فيه: وهي راجعة إلى تأويل الأوّل، أو تأويل البيت، أو تأويل فعل وُضع، أو تأويل النَّاس، أو تأويل نظم الآية، والَّذي أراه في التأويل أنّ القرآن كتاب دين وهُدى، فليس غرض الكلام فيه ضبط أوائل التَّاريخ، ولكن أوائل أسباب الهدى، فالأوَّلية في الآية على بابها، والبيت كذلك، والمعنى أنَّه أوّل بيت عبادة حقّة وضع لإعلان التَّوحيد، بقرينة المقام، وبقرينة قوله: ﴿ وُضع للنَّاس ﴾ المقتضى أنَّه من وضععِ واضععٍ لمصلحة النَّاس، لأنَّه لو كان بيت سكنى لقيل وضعه النَّاس، وبقرينة مجيء الحالين بعدُ؛ وهما قوله: ﴿ مباركاً وهدى للعالمين ﴾ .
وهذا تأويل في معنى بيت، وإذا كان أوّلَ بيتتِ عبادة حقَ، كان أوّل معهد للهدى، فكان كُلّ هدى مقتبساً منه فلا محيص لكلّ قوم كانوا على هدى من الاعتراف به وبفضله، وذلك يوجب اتّباع الملّة المبنيّة على أسس ملّة بانيه، وهذا المفاد من تفريع قوله: ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ [البقرة: 95].
وتأوّل الآية عليّ بن أبي طالب، فروى عنه أنّ رجلاً سأله: أهو أوّل بيت؟
قال: «لا، قد كان قبله بيوت، ولكنَّه أوّل بيت وضع للنَّاس مباركاً وهدى» فجعل مباركاً وهدى حالين من الضمير في ﴿ وُضع ﴾ لا من اسممِ الموصول، وهذا تأويل في النظم لا ينساق إليه الذهن إلاّ على معنى أنَّه أوّل بيت من بيوت الهدى كما قلنا، وليس مراده أنّ قوله: ﴿ وضع ﴾ هو الخبَر لتعيّن أن الخبر هو قوله: ﴿ للذي ببكة ﴾ بدليل دُخول اللاّم عليه.
وعن مجاهد قالت اليهود: بيت المقدس أفضل من الكعبة لأنَّها مهاجَر الأنبياء، وقال المسلمون: الكعبة، فأنزل الله هذه الآية، وهذا تأويل ﴿ أول ﴾ بأنَّه الأوّل من شيئين لا من جنس البيوت كلّها.
وقيل: أراد بالأول الأشرف مجازاً.
وعندي أنَّه يجوز أن يكون المراد من النَّاس المعهودين وهم أهل الكتب أعني اليهود والنَّصارى والمسلمين، وكلّهم يعترف بأصالة دين إبراهيم عليه السلام، فأوّل معبد بإجماعهم هو الكعبة فيلزمهم الاعتراف بأنَّه أفضل ممَّا سواه من بيوت عبادتهم.
وإنَّما كانت الأوّلية موجِبة التّفضيل لأنّ مواضع العبادة لا تتفاضل من جهة العبادة، إذ هي في ذلك سواء، ولكنَّها تتفاضل بما يحفّ بذلك من طول أزمان التعبّد فيها، وبنسبتها إلى بانيها، وبحسن المقصد في ذلك، وقد قال تعالى في مسجد قُبَاء: ﴿ لمَسجِدٌ أسِّسَ على التَّقوَى من أوّل يوم أحقّ أن تقوم فيه ﴾ [التوبة: 108].
وقد جمعت الكعبة جميع هذه المزايا فكانت أسبق بيوت العبادة الحقّ، وهي أسبق من بيت المقدس بتسعة قرون.
فإنّ إبراهيم بنى الكعبة في حدود سنة 1900 قبل المسيح وسليمانَ بنى بيت المقدس سنة 1000 قبل المسيح، والكعبة بناها إبراهيم بيده فهي مبنية بيد رسول.
وأمَّا بيتُ المقدس فبناها العملة لسليمان بأمره.
وروى في «صحيح مسلم»، عن أبي ذرّ رضي الله عنه أنَّه قال: سألت رسول الله: أيّ مسجد وُضِعَ أولُ؟
قال: المسجدُ الحرام، قلت: ثمّ أيّ؟
قال: المسجدُ الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟
قال: أربعون سنة.
فاستشكله العلماء بأنّ بين إبراهيم وسليمان قروناً فكيف تكون أربعين سنة، وأجاب بعضهم بإمكان أن يكون إبراهيم بنى مسجداً في موضع بيت المقدس ثُمّ درس فجدّده سليمان.
وأقول: لا شكّ أنّ بيت المقدس من بناء سليمان كما هو نص كتاب اليهود، وأشار إليه القرآن في قوله: ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب ﴾ [سبأ: 13] الآية، فالظاهر أنّ إبراهيم لمَّا مرّ ببلاد الشَّام ووعده الله أن يورث تلك الأرض نسلهُ عيَّن الله له الوضع الَّذي سيكون به أكبر مسجدٍ تبنيه ذرّيّته، فأقام هنالك مسجداً صغيراً شكراً لله تعالى، وجعله على الصّخرة المجعولة مذبحاً للقربان.
وهي الصّخرة الَّتي بنى سليمان عليها المسجد، فلمَّا كان أهل ذلك البلد يومئذ مشركين دثر ذلك البناء حتَّى هدى الله سليمان إلى إقامة المسجد الأقصى عليه، وهذا من العِلم الَّذي أهملتْه كتب اليهود، وقد ثبت في سفر التَّكوين أنّ إبراهيم بنى مذابح في جهات مرّ عليها من أرض الكنعانيين لأنّ الله أخبره أنَّه يعطي تلك الأرض لنسله، فالظاهر أنّه بنى أيضاً بموضع مسجد أرشليم مذبحاً.
و ﴿ مباركاً ﴾ اسم مفعول من بارك الشيء إذا جعل له بركة وهي زيادة في الخير.
أي جُعلت البركة فيه بجعل الله تعالى، إذ قَدّرَ أن يكون داخلُهُ مُثاباً ومحصّلا على خيْر يبلغه على مبلغ نيته، وقدّر لمجاوريه وسكّان بلده أن يكونوا ببركة زيادةِ الثَّواببِ ورفاهية الحال، وأمر بجعل داخله آمناً، وقدّر ذلك بين النَّاس فكان ذلك كلّه بركة.
وسيأتي معنى البركة عند قوله تعالى: ﴿ وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الَّذي بين يديه ﴾ في سورة [الأنعام: 92].
(ووصفه بالمصدر في قوله: وهُدى} مبالغة لأنَّه سبب هدى.
وجُعل هدى للعالمين كلِّهم: لأنّ شهرته وتسامع النَّاس به، يحملهم على التساؤل عن سبب وضعه، وأنَّه لتوحيد الله، وتطهير النُّفوس من خبث الشرك فيهتدي بذلك المهتدي، ويرعوي المتشكك.
ومن بركة ذاته أنّ حجارته وضعتْها عند بنائه يد إبراهيم، ويد إسماعيل، ثُمّ يدُ محمَّد صلى الله عليه وسلم ولا سيما الحجر الأسود.
وانتصب ﴿ مباركاً وهدى ﴾ على الحال من الخبر، وهو اسم الموصول.
وجملة ﴿ فيه آيات بيِّنات ﴾ استئناف ثناء على هذا البيت بما حفّ به من المناقب والمزايا فغيّر الأسلوب للاهتمام ولذلك لم تجعل الجملة حالاً، فتعطف على الحالين قبلها، لأنّ مباركاً وهدى وصفان ذاتيّان له، وحالان مقارنان، والآيات عوارض عرضت في أوقات متفاوتة، أو هي حال ثالثة ولم تعطف بالواو لأنّها جملة وما قبلها مفردان ولئلاّ يتوهم أن الواو فيها واو الحال، فتكون في صورتها جارية على غير صورة الأفصح في مثلها من عدم الاقتران بالواو، على ما حقَّقه الشَّيخ عبد القاهر، فلو قرنت بواو العطف لالتبست بواو الحال، فكرهت في السمع، فيكون هذا من القطع لدفع اللبس، أو نقول هي حال ولم تعطف على الأحوال الأخرى لأنّها جملة، فاستغنت بالضّمير عن رابط العطف.
ووصف الآيات ببيِّناتتٍ لظهورها في علم المخاطبين.
وجماع هذه الآيات هي ما يسّره الله لسكّان الحرم وزائريه من طرق الخير، وما دفع عنهم من الأضرار، على حالة اتّفق عليها سائر العرب، وقمعوا بها أنفسهم وشهواتهم، مع تكالبهم على إرضاء نفوسهم.
وأعظمها الأمن، الّذي وطن عليه نفوس جميع العرب في الجاهلية مع عدم تديّنهم، فكان الرجل يلاقي قاتل أبيه في الحرم فلا يناله بسوء، وتَواضُعُ مثل هذا بين مختلف القبائل، ذات اختلاف الأنساب والعوائد والأديان، آية على أنّ الله تعالى وقَر ذلك في نفوسهم.
وكذلك تأمين وحْشِه مع افتتان العرب بحبّ الصّيد.
ومنها ما شاع بين العرب من قصم كلّ من رامه بسوء، وما انصرافُ الأحباش عنه بعد امتلاكهم جميع اليمن وتهامة إلا آية من آيات الله فيه.
ومنها انبثاق الماء فيه لإسماعيل حين إشرافه على الهلاك.
وافتداء الله تعالى إيّاه بذبح عظيم حين أراد أبوه إبراهيم عليْه السّلام قربانه.
ومنها ما شاع بين العرب وتوارثوا خبره أباً عن جدّ من نزول الحجر الأسود من السَّماء على أبي قبيس بمرأى إبراهيم، ولعلَّه حجر كوكبي.
ومنها تيسير الرزق لساكنيه مع قُحولة أرضه، وملوحة مائه.
وقوله: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ أصل المقام أنّه مَفْعَل من القيام، والقيام يطلق على المعنى الشَّائع وهو ضدّ القعُود، ويطلق على خصوص القيام للصّلاة والدعاء، فعلى الوجه الثَّاني فرفع مقام على أنّه خبر لضمير محذوف يعود على ﴿ للذى ببكّة ﴾ ، أي هو مقام إبراهيم، أي البيتُ الَّذى ببكّة.
وحذْفُ المسند إليه هنا جاء على الحذف الَّذي سمَّاه علماء المعاني، التَّابعين لاصطلاح السكاكي، بالحذف للاستعمال الجاري على تركه، وذلك في الرفع على المدح، أو الذم، أو الترحّم، بعد أن يجري على المسند إليه من الأوصاف قبل ذلك ما يبيّن المراد منه كقول أبي الطمحان القيني: فإنّ بني لأممِ بن عمرو أرومة *** سَمَتْ فوق صعب لا تُنالُ مراقبه نجوم سماءٍ كلّما انْقَضَّ كوكبٌ *** بَدَا كوكب تأْوِي إليه كواكبه هذا هو الوجه في موقع قوله تعالى: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ .
وقد عبّر عن المسجد الحرام بأنّه مقام إبراهيم أي محلّ قيامه للصلاة والطواف قال تعالى: ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ [البقرة: 125] ويدل لذلك قول زيد بن عَمرو بن نُفَيل: عُذْتُ بما عاذَ به إبْرَاهِمْ *** مستقبلَ الكَعْبَةِ وهو قائم وعلى الوجه الأول يكون المراد الحجر الَّذى فيه أثر قَدَمي إبراهيم عليه السّلام في الصّخرة التي ارتقى عليها ليرفع جدران الكعبة، وبذلك فسر الزجّاج وتبعه على ذلك الزمخشري، وأجاب الزمخشري عمَّا يعترض به من لزوم تبيين الجمع بالمفرد بأنّ هذا المفرد في قوّة جماعة من الآيات لأنّ أثر القدم في الصّخرة آية، وغوصَه فيها إلى الكعبين آية وإلانة بعض الصّخر دون بعض آية، وأنا أقول: إنَّه آيات لدلالته على نبوّة إبراهيم بمعجزة له وعلى علممِ الله وقدرته، وإنّ بقاء ذلك الأثر مع تلاشي آثار كثيرة في طيلة القرون آية أيضاً.
وقوله: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ عطف على مَزايا البيت وفضائله من الأمن فيه على العموم، وامتنان بما تقرّر في ماضِي العصور، فهو خبر لفظاً مستعمل في الامتنان، فإنّ الأمن فيه قد تقرّر واطّرد، وهذا الامتنان كما امتنّ الله على النَّاس بأنَّه خلق لهم أسماعاً وأبصَاراً فإنّ ذلك لا ينقض بمن ولد أكمه أو عرض له ما أزال بعض ذلك.
قال ابن العربي: هذا خبر عمّا كان وليس فيه إثبات حكم وإنّما هو تنبيه على آيات ونعم متعددات؛ أنّ الله سبحانه قد كان صرف القلوب عن القصد إلى معارضته، وصرف الأيدي عن إذايتِه.
وروي هذا عن الحسن.
وإذا كان ذلك خبراً فهو خبر عمّا مضى قبل مجيء شريعة الإسلام حين لم يكن لهم في الجاهلية وازع فلا ينتقض بما وقع فيه من اختلال الأمن في القتال بين الحَجَّاج وابن الزبير وفي فتنة القرامطة.
وقد ذكرنا ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ وأخر متشابهات أوّل هذه السورة ﴾ [آل عمران: 7].
ومن العلماء من حمل قوله تعالى: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ أنَّه خبر مستعمل في الأمر بتأمين داخله من أن يُصاب بأذى، وروي عن ابن عبَّاس، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، والشعبي.
وقد اختلف الصائرون إلى هذا المعنى في محمل العمل بهذا الأمر؛ فقال جماعة: هذا حكمٌ نُسخ يعنون نسختْه الأدلّة الَّتي دلّت على أنّ الحرم لا يُعيذ عاصياً.
روى البخاري، عن أبي شُريح الكعبي، أنَّه قال لعَمْرِو بن سعيد وهو يبعث البُعوث إلى مكّة أي لحرب ابن الزبير: ائذن لى أيُّهَا الأمير أحدثْك قولاً قام به رسول الله الغدَ من يوم الفتح، سمعتْه أُذناي ووعاه قلبي وأبصرتْه عيناي حين تكلَّم به: إنَّه حمد الله وأثنى عليه ثُمّ قال: «إنّ مكَّة حرَّمها الله ولم يحرّمها النَّاس؛ لا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة.
فإنْ أحَد تَرَخَّص لقتال رسول الله فيها فقولوا له: إنّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنَّما أذِن لي فيها ساعة من نهار وقد عَادَتْ حُرْمَتُها اليَومَ كحرمتها بالأمس وليبلّغ الشاهدُ الغائبَ».
قال: فقال لي عَمْرو: أنا أعلمَ بذلك منكَ يا أبا شُرَيح إنّ الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فارّاً بدَم ولا فارّا بخَرْبة (الخَربة بفتح الخاء وسكون الراء الجناية والبلية الَّتي تكون على النَّاس) وبما ثبت أنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم أمر بأن يُقْتل ابن خَطل وهو متعلِّق بأستار الكعبة يوم الفتح.
وقد قال مالك، والشَّافعى: إنّ من أصاب جناية في الحرم أو خارجه ثُمّ عاذ بالحرم يقام عليه الحدّ في الحرم ويقاد منه.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه الأربعة: لا يقتصّ في الحرم من اللاجئ إليه من خارجه ما دام فيه؛ ولكنَّه لا يبايَع ولا يؤاكَلُ ولا يجالَسُ إلى أن يخرج من الحرم.
ويروون ذلك عن ابن عبَّاس، وابننِ عُمر، ومَنْ ذكرناه معهما آنفا.
وفي أحكام ابن الفرس أن عبد الله بن عمر قال: «من كان خائفاً من الاحتيال عليه فليس بآمن ولا تجوز إذايته بالامتناع من مكالمته».
وقال فريق: هو حكم محكم غير منسوخ، فقال فريق منهم: قوله: ﴿ ومن دخله ﴾ يفهم منه أنَّه أتى ما يوجب العقوبة خارجَ الحرم فإذا جنى في الحرم أقيد منه، وهذا قول الجمهور منهم، ولعلّ مستندهُم قوله تعالى: ﴿ والحرمات قصاص ﴾ [البقرة: 194] أو استندوا إلى أدلّة من القياس، وقال شذوذ: لا يقام الحدّ في الحرم، ولو كان الجاني جنى في الحرم وهؤلاء طردوا دليلهم.
وقد ألممنا بذلك عند قوله تعالى: ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتَّى يقاتلوكم فيه ﴾ [البقرة: 191].
وقد جعل الزجّاج جملة ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ آية ثانية من الآيات البيّنات فهى بيان ل (آيات)، وتبعه الزمخشري، وقال: يجوز أن يطلق لفظ الجمع على المثنّى كقوله تعالى: ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ [التحريم: 4].
(وإنَّما جاز بيان المفرد بجملة لأنّ هذه الجملة في معنى المفرد إذ التَّقدير: مقامُ إبراهيم وأمْنُ مَن دخَله.
ولم ينظر ذلك بما استعمل من كلام العرب حتَّى يُقَرّب هذا الوجه.
وعندي في نظيره قول الحرث بن حلزة: مَنْ لنا عنده من الخيْر آيا *** تٌ ثلاثٌ في كلهنّ القضاء آيةٌ شارق الشقيقة إذ جا *** ءَت مَعَدّ لِكلّ حيّ لواء ثم قال: ثُمّ حُجْرا أعني ابن أم قَطامٍ *** وله فارسية خضراء ثم قال: وفككنا غُلّ امرئ القيس عنه *** بعد ما طال حَبسه والعَناء فجعل (وفككنا) هي الآية الرابعة باتِّفاق الشرّاح إذ التقدير: وفَكُّنا غُل امرئ القيس.
وجوّز الزمخشري أن يكون آيات باقياً على معنى الجمع وقد بُيّن بآيتين وتركت الثَّالثة كقول جرير: كانَتْ حنيفةُ أثلاثا فثُلْثهُمُ *** من العبيدِ وثُلث من مواليها أي ولم يذكر الثلث الثالث وهو تنظير ضعيف لأنّ بيت جرير ظهر منه الثُلث الثالث، فَهُم الصميم، بخلاف الآية فإنّ بقية الآيات لم يُعرف.
ويجوز أن نجعل قوله تعالى: ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ إلخ متضمّناً الثالثة من الآيات البيّنات.
﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين ﴾ .
حُكم أعقب به الامتنان: لما في هذا الحكم من التَّنويه بشأن البيت فلذلك حسن عطفه.
والتَّقدير: مباركاً وهدى، وواجباً حجّه.
فهو عطف على الأحوال.
والحجّ تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ الحجّ أشهر معلومات ﴾ في سورة [البقرة: 197]، وفيه لغتان فتح الحاء وكسرها ولم يقرأ في جميع مواقعه في القرآن بكسر الحاء إلاّ في هذه الآية: قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر بكسر الحاء.
ويتّجه أن تكون هذه الآية هي الَّتي فرض بها الحجّ على المسلمين، وقد استدلّ بها علماؤنا على فرضية الحجّ، فما كان يقع من حجّ النّبيء والمسلمين، قبل نزولها، فإنَّما كان تقرّباً إلى الله، واستصحاباً للحنيفية.
وقد ثبت أنّ النّبيء حجّ مرّتين بمكّة قبل الهجرة ووقف مع النَّاس.
فأمَّا إيجاب الحجّ في الشَّريعة الإسلاميَّة فلا دليل على وقوعه إلاّ هذه الآية وقد تمالأ علماء الإسلام على الاستدلال بها على وجوب الحجّ، فلا يعد ما وقع من الحجّ قبل نزولها، وبعد البعثة إلاّ تحنّثاً وتقرّباً، وقد صحّ أنَّها نزلت سنة ثلاث من الهجرة، عقب غزوة أحدُ، فيكون الحجّ فرض يومئذ.
وذكر القرطبي الاختلاف في وقت فرضية الحجّ على ثلاثة أقوال: فقيل: سنة خمس، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع، ولم يعز الأقوال إلى أصحابها، سوى أنَّه ذكر عن ابن هشام، عن أبي عبيد الواقدي أنَّه فرض عام الخندق، بعد انصراف الأحزاب، وكان انصرافهم آخر سنة خمس.
قال ابن إسحاق: وولى تلك الحجَّة المشركون.
وفي مقدّمات ابن رشد ما يقتضي أنّ الشافعي يقول: إنّ الحجّ وجب سنة تسع، وأظهر من هذه الأقوال قول رابع تمالأ عليه الفقهاء وهو أنّ دليل وجوب الحجّ قوله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}.
وقد استدلّ الشَّافعي بها على أنّ وجوبه على التَّراخي، فيكون وجوبه على المسلمين قد تقرَّر سنة ثلاث، وأصبح المسلمون منذ يومئذ مُحْصَرين عن أداء هذه الفريضة إلى أن فتح الله مكّة ووقعت حجّة سنة تسع.
وفي هذه الآية من صيَغ الوجوب صِيغتان: لام الاستحقاق، وحرف (على) الدال على تقرّر حقّ في ذمة المجرور بها.
وقد تعسّر أو تعذّر قيام المسلمين بأداء الحجّ عقب نزولها، لأنّ المشركين كانوا لا يسمحون لهم بذلك، فلعلّ حكمة إيجاب الحجّ يومئذ أن يكون المسلمون على استعداد لأداء الحجّ مهما تمكّنوا من ذلك، ولتقوم الحجَّة على المشركين بأنَّهم يمنعون هذه العبادة، ويصدّون عن المسجد الحرام، ويمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه.
وقوله: ﴿ من استطاع إليه سبيلا ﴾ بدل من النَّاس لتقييد حال الوجوب، وجوّز الكسائي أن يكون فاعل حَجّ، وردّ بأنَّه يصير الكلام: لله على سائر النَّاس أن يحجّ المستطيع منهم، ولا معنى لتكليف جميع النَّاس بفعل بعضهم، والحقّ أنّ هذا الردّ لا يتّجه لأنّ العرب تتفنَّن في الكلام لعلم السامع بأنّ فرض ذلك على النَّاس فرض مجمل يبيِّنه فاعل حَجّ، وليس هو كقولك: استطَاع الصّوم، أو استطاع حمل الثقل، ومعنى ﴿ استطاع سبيلاً ﴾ وجد سبيلاً وتمكّن منه، والكلام بأواخره.
والسَّبيل هنا مجاز فيما يتمكّن به المكلّف من الحجّ.
وللعلماء في تفسير السبيل أقوال اختلفت ألفاظها، واتَّحدت أغراضها، فلا ينبغي بقاء الخلاف بينهم لأجلها مثبتاً في كتب التَّفسير وغيرها، فسبيل القريب من البيت الحرام سهل جداً، وسبيل البعيد الراحلة والزاد، ولذلك قال مالك: السبيل القدرة والنَّاس على قدر طاقتهم وسيرهم وجلدهم.
واختلف فيمن لا زاد له ويستطيع الاحْتِرَاف في طريقه: فقال مالك: إذا كان ذلك لا يزري فليسافر ويكتسب في طريقه، وقال بمثله ابن الزبير، والشعبي، وعكرمة.
وعن مالك كراهية السفر في البحر للحجّ إلا لمن لا يجد طريقاً غيره كأهل الأندلس، واحتجّ بأنّ الله تعالى قال: ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كُلّ ضامر ﴾ [الحج: 27] ولم أجد للبحر ذكراً.
قال الشيخ ابن عطية: هذا تأنيس من مالك وليست الآية بالَّتي تقتضي سقوط سفر البحر.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ناس من أمَّتِي عُرِضوا عليّ غُزاة في سبيل الله يركبون ثَبَج هذا البحر» وهل الجهادِ إلاّ عبادة كالحجّ، وكره مالك للمرأة السَّفر في البحر لأنَّه كشفة لها، وكلّ هذا إذا كانت السَّلامة هي الغالب وإلا لم يجز الإلقاء إلى التهلكة، وحال سفر البحر اليوم أسلم من سفر البرّ إلاّ في أحوال عارضة في الحروب إذا شملت البحارَ.
وظاهر قوله تعالى: ﴿ من استاع إليه سبيلا ﴾ أنّ الخطاب بالحجّ والاستطاعة للمرءِ في عمله لا في عمل غيره، ولذلك قال مالك: لا تصحّ النِّيابة في الحجّ في الحياة لعذر، فالعاجز يسقط عنه الحجّ عنده ولم ير فيه إلاّ أنّ للرجل أن يوصي بأن يُحَجّ عنه بعد موته حجّ التَّطوع، وقال الشَّافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه: إذا كان له عذر مانع من الحجّ وكان له من يطيعه لو أمره بأن يحجّ عنه، أو كان له مال يستأجر به من يحجّ عنه، صار قادراً في الجملة، فيلزمه الحجّ، واحتجّ بحديث ابن عبَّاس: أنّ امرأة من خثعم سألت النّبيء صلى الله عليه وسلم يوم حجَّة الوداع فقالت: إنّ فريضة الله على عباده في الحجّ أدركتْ أبي شيخاً كبيراً لا يثبُت على الراحلة أفيُجْزِئ أن أحجّ عنه؟
قال: نعم، حُجِّي عنه أرَأيْتتِ لو كان على أبيككِ دَيْن أكُنْتتِ قاضيتَهُ؟
قالت: نعم، قال: فَدَيْن الله أحقّ أن يقضى.
وأجاب عنه المالكية بأنّ الحديث لم يدلّ على الوجوب بل أجابها بما فيه حثّ على طاعة أبيها، وطاعة ربِّها.
وقال عليّ بن أبي طالب، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وابن المبارك.
لا تجزئ إلاّ إنابة الأجرة دون إنابة الطَّاعة.
وظاهر الآية أنَّه إذا تحقّقت الاسْتطاعة وجب الحجّ على المستطيع على الفور، وذلك يندرج تحت مسألة اقتضاءِ الأمر الفورَ أو عدممِ اقتضائِه إيّاه، وقد اختلف علماء الإسلام في أنّ الحجّ واجب على الفور أو على التَّراخي.
فذهب إلى أنَّه على الفور البغداديون من المالكية: ابنُ القصار، وإسماعيل بن حَماد، وغيرهما، وتأوّلوه من قول مالك، وهو الصّحيح من مذهب أبي حنيفة، وهو قول أحمد بن حنبل، وداوود الظاهري.
وذهب جمهور العلماء إلى أنّه على التَّراخي وهو الصحيح من مذهب مالك ورواية ابن نافع وأشهب عنه وهو قول الشَّافعي وأبي يوسف.
واحتجّ الشّافعي بأنّ الحجّ فرض قبل حجّ النّبيء صلى الله عليه وسلم بسنين، فلو كان على الفور لما أخّره لعُذْر لبيّنه أي لأنَّه قدوة للنَّاس.
وقال جماعة: إذا بلغ المرء الستِّين وجب عليه الفور بالحجّ إن كان مستطيعاً خشية الموت، وحكاه ابن خويزَ مَنْدادَ عن ابن القاسم.
ومعنى الفور أن يوقعه المكلّف في الحجَّة الَّتي يحين وقتها أولاً عند استكمال شرط الاستطاعة.
وقوله: ﴿ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴾ ظاهره أنَّه مقابل قوله ﴿ من استطاع إليه سبيلاً ﴾ فيكون المراد بمن كفر من لم يحجّ مع الاستطاعة، ولذلك قال جمع من المحقّقين: إنّ الإخبار عنه بالكفر هنا تغليظ لأمر ترك الحجّ.
والمراد كفر النعمة.
ويجوز أيضاً أن يراد تشويه صنعه بأنَّه كصنيع من لا يؤمن بالله ورسله وفضيلة حَرمه.
وقال قوم: أراد ومن كفر بفرض الحجّ، وقال قوم بظاهره: إنّ ترك الحجّ مع القدرة عليه كفر.
ونسب للحسن.
ولم يلتزم جماعة من المفسِّرين أنّ يكون العطف للمقابلة وجعلوها جملة مستقلّة.
كالتذييل، بيّن بها عدم اكتراث الله بمن كفر به.
وعندي أنَّه يجوز أن يكون المراد بمن كفر من كفر بالإسلام، وذلك تعريض بالمشركين من أهل مكّة بأنَّه لا اعتداد بحجّهم عند الله وإنَّما يريد الله أن يحجّ المؤمنون به والموحّدون له.
وفي قوله: ﴿ غني عن العالمين ﴾ رمز إلى نزعه ولاية الحرم من أيديهم: لأنَّه لمّا فرضَ الحجّ وهُم يصدّون عنه، وأعلمنا أنَّه غني عن النَّاس، فهو لا يعجزه من يصدّ النَّاس عن مراده تعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا ﴾ لا اخْتِلافَ بَيْنَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْعِبادَةِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا هَلْ كانَ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِغَيْرِها؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ كانَتْ قَبْلَهُ بُيُوتٌ كَثِيرَةٌ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يُوضَعْ قَبْلَهُ بَيْتٌ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
وَفي ( بَكَّةَ ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ بَكَّةَ المَسْجِدُ، ومَكَّةَ: الحَرَمُ كُلُّهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ شِهابٍ، وضَمْرَةَ بْنَ رَبِيعَةَ.
والثّانِي: أنَّ بَكَّةَ هي مَكَّةُ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ بَكَّةَ مَوْضِعُ البَيْتِ، ومَكَّةَ غَيْرُهُ في المَوْضِعِ يُرِيدُ القَرْيَةَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ.
وَفي المَأْخُوذِ مِنهُ بَكَّةَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّحْمَةِ، يُقالُ: تَباكَّ القَوْمُ بَعْضُهم بَعْضًا إذا ازْدَحَمُوا، فَبَكَّةُ مُزْدَحَمُ النّاسِ لِلطَّوافِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ بَكَّةَ، لِأنَّها تَبُكُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ، إذا ألْحَدُواْ فِيها بِظُلْمٍ لَمْ يُمْهَلُوا.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مُبارَكًا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ بَرَكَتَهُ ما يُسْتَحَقُّ مِن ثَوابِ القَصْدِ إلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهُ آمَنُ لِمَن دَخَلَهُ حَتّى الوَحْشِ، فَيَجْتَمِعُ فِيهِ الصَّيْدُ والكَلْبُ.
﴿ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ﴾ الآيَةُ في مَقامِ إبْراهِيمَ أثَرُ قَدَمَيْهِ وهو حَجَرٌ صَلْدٌ؟
والآيَةُ في غَيْرِ المَقامِ: أمْنُ الخائِفِ، وهَيْبَةُ البَيْتِ وامْتِناعُهُ مِنَ العُلُوِّ عَلَيْهِ، وتَعْجِيلُ العُقُوبَةِ لِمَن عَتا فِيهِ، وما كانَ في الجاهِلِيَّةِ مِن أصْحابِ الفِيلِ.
﴿ وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ عَطَّفَ عَلَيْهِ قُلُوبَ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ فَكانَ الجانِي إذا دَخَلَهُ أمِنَ.
وَأمّا في الإسْلامِ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ النّارِ، وهَذا قَوْلُ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ.
والثّانِي: مِنَ القِتالِ بِحَظْرِ الإيجالِ عَلى داخِلِيهِ، وأمّا الحُدُودُ فَتُقامُ عَلى مَن جَنى فِيهِ.
واخْتَلَفُوا في الجانِي إذا دَخَلَهُ في إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تُقامُ عَلَيْهِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
والثّانِي: لا تُقامُ حَتّى يُلْجَأ إلى الخُرُوجِ مِنهُ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ.
﴿ وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ وفي الِاسْتِطاعَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها بِالمالِ، وهي الزّادُ والرّاحِلَةُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
والثّانِي: أنَّها بِالبَدَنِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ.
والثّالِثُ: أنَّها بِالمالِ والبَدَنِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.
﴿ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي [مَن كَفَرَ] بِفَرْضِ الحَجِّ فَلَمْ يَرَهُ واجِبًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: هو لا يَرى حَجَّهُ بِرًّا ولا تَرْكَهُ مَأْثَمًا، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
والثّالِثُ: اليَهُودُ، لِأنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ ﴾ فَقالُوا: نَحْنُ مُسْلِمُونَ فَأُمِرُوا بِالحَجِّ فَلَمْ يَحُجُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة ﴾ قال: كانت البيوت قبله، ولكنه كان أول بيت وصع لعبادة الله.
وأخرج ابن جرير عن مطر.
مثله.
وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال: ﴿ إن أول بيت وضع للناس ﴾ يُعْبَدُ الله فيه ﴿ للذي ببكة ﴾ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن جرير والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟
قال: المسجد الحرام.
قلت: ثم أي؟
قال: المسجد الأقصى قلت: كم بينهما؟
قال: أربعون سنة» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عمرو قال: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء زبدة بيضاء، وكانت الأرض تحته كأنها حشفة فدحيت الأرض من تحته.
وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال: إن الكعبة خلقت قبل الأرض بألفي سنة وهي من الأرض، إنما كانت حشفة على الماء عليها ملكان من الملائكة يسبحان، فلما أراد الله أن يخلق الأرض دحاها منها، فجعلها في وسط الأرض.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والأزرقي عن مجاهد قوله: ﴿ إن أول بيت وضع للناس ﴾ كقوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ [ آل عمران: 110] .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: أما أول بيت فإنه يوم كانت الأرض ماء كان زبدة على الأرض، فلما خلق الله الأرض خلق البيت معها.
فهو أول بيت وضع في الأرض.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن في الآية قال: أول قبلة أعملت للناس المسجد الحرام.
وأخرج ابن المنذر والأزرقي عن ابن جريج قال: «بلغنا أن اليهود قالت: بيت المقدس أعظم من الكعبة لأنها مهاجر الأنبياء، ولأنه في الأرض المقدسة.
فقال المسلمون: بل الكعبة أعظم.
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
فنزلت ﴿ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً ﴾ إلى قوله: ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم ﴾ وليس ذلك في بيت المقدس ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ وليس ذلك في بيت المقدس ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ وليس ذلك لبيت المقدس» .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول بقعة وضعت في الأرض موضع البيت، ثم مهدت منها الأرض.
وإن أول جبل وضعه الله على وجه الأرض أبو قبيس، ثم مدت منه الجبال» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير قال: إنما سميت بكة لأن الناس يجيئون إليها من كل جانب حجاجاً.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والبيهقي في الشعب عن مجاهد قال: إنما سميت بكة لأن الناس يتباكون فيها الرجال والنساء.
يعني يزدحمون.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير.
مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي عن مجاهد قال: إنما سميت بكة لأن الناس يبك بعضهم بعضاً فيها، وانه يحل فيها ما لا يحل في غيرها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في الشعب عن قتادة قال: سميت بكة لأن الله بك بها الناس جميعاً، فيصلي النساء قدام الرجال ولا يصلح ذلك ببلد غيره.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عتبة بن قيس قال: إن مكة بكت بكاء الذكر فيها كالأنثى.
قيل: عمن تروي هذا؟
قال: عن ابن عمر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن زيد حميد بن مهاجر قال: إنما سميت بكة لأنها كانت تبك الظلمة.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: البيت وما حوله بكة، وما وراء ذلك مكة.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي مالك الغفاري قال: بكة موضع البيت، ومكة ما سوى ذلك.
وأخرج ابن جرير عن ابن شهاب قال: بكة البيت والمسجد، ومكة الحرم كله.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: بكة هي مكة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: مكة من الفج إلى التنعيم، وبكة من البيت إلى البطحاء.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: بكة الكعبة، ومكة ما حولها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ﴿ مباركاً ﴾ جعل فيه الخير والبركة ﴿ وهدى للعالمين ﴾ يعني بالهدى قبلتهم.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في الشعب عن الزهري قال: بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم ثلاثة صفوح في كل صفح منها كتاب.
في الصفح الأول «أنا الله ذو بكة صغتها يوم صغت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، وباركت لأهلها في اللحم واللبن.
وفي الصفح الثاني أنا الله ذو بكة خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، من وصلها وصلته، ومن قطعها بتته.
وفي الثالث أنا الله ذو بكة خلقت الخير والشر، فطوبى لمن كان الخير على يديه، وويل لمن كان الشر على يديه» .
وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: وجد في المقام كتاب فيه: هذا بيت الله الحرام بكة توكل الله برزق أهله من ثلاثة سبل، يبارك لأهلها في اللحم، والماء، واللبن، لا يحله أول من أهله، ووجد في حجر من الحجر كتاب من خلقة الحجر «أنا الله ذو بكة الحرام صغتها يوم صغت الشمس والقمر، وخففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشابها، مبارك لأهلها في اللحم والماء» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد والضحاك.
نحوه.
وأخرج الجندي في فضائل مكة عن ابن عباس وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الله مكة فوضعها على المكروهات والدرجات» قيل لسعيد ببن جبير: ما الدرجات؟
قال: الدرجات الجنة.
وأخرج الأزرقي والجندي عن عائشة قالت: ما رأيت السماء في موضع أقرب منها إلى الأرض من مكة.
وأخرج الأزرقي عن عطاء بن كثير رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم «المقام بمكة سعادة، وخروج منها شقوة» .
وأخرج الأزرقي والجندي والبيهقي في الشعب وضعفه عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أدركه شهر رمضان بمكة فصامه كله وقام منه ما تيسر كتب الله له مائة ألف شهر رمضان بغير مكة، وكتب له كل يوم حسنة، وكل ليلة حسنة، وكل يوم عتق رقبة، وكل ليلة عتق رقبة، وكل يوم حملان فرس في سبيل الله، وكل ليلة حملان فرس في سبيل الله، وله بكل يوم دعوة مستجابة» .
وأخرج الأزرقي والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: هذا البيت دعامة الإسلام من خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر كان مضموناً على الله ان قبضه أن يدخله الجنة، وإن رده أن يرده بأجر أو غنيمة» .
وأخرج البيهقي في الشعب عن جابر بن عبد الله قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، والجمعة في مسجدي هذا أفضل من ألف جمعة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وشهر رمضان في مسجدي هذا أفضل من ألف شهر رمضان فيما سواه إلا المسجد الحرام» .
وأخرج البزار وابن خزيمة والطبراني والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس بخمسمائة صلاة» .
وأخرج ابن ماجة عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة» .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» .
وأخرج الطيالسي وأحمد والبزار وابن عدي والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان عن عبد الله بن الزبير قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا» قيل لعطاء: هذا الفضل الذي يذكر في المسجد الحرام وحده أو في الحرم؟
قال: لا.
بل في الحرم، فإن الحرم كله مسجد.
وأخرج أحمد وابن ماجة عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» .
وأخرج البزار عن عائشة قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا خاتم الأنبياء، ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء، أحق المساجد أن يزار، وتشد إليه الرواحل: المسجد الحرام، ومسجدي.
صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» .
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وابن منيع والروياني وابن خزيمة والطبراني عن جبير بن مطعم قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ .
الآية.
قال أبو إسحاق (١) (٢) ومضى الكلامُ في معنى (الأول) واشتقاقه، عند قوله: ﴿ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ .
واختلفوا في تأويل قوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ ﴾ فقرأت على الشيخ أبي حسَّان، محمد بن أحمد بن جعفر، فقلت: أخبركم أبو سَهْل، هارون بن محمد (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وبه عن الأزرقي، قال: حدثني يحيى بن سعيد (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وبه عن الأزرقي، ثنا علي بن هارون العجلي (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقال ابن عباس (٢٦) وقال علي بن أبي طالب (٢٧) (٢٨) (٢٩) وروي عن ابن عباس أيضًا قال (٣٠) (٣١) وأخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفَسَوي (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) وقوله تعالى: ﴿ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ﴾ .
بَكّة: هي (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) وقال [ابن الأنباري (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) وقال الآخرون (٦٤) (٦٥) وقال الليث (٦٦) (٦٧) (٦٨) وقوله تعالى: ﴿ مُبَارَكًا ﴾ معناه (٦٩) وقال بعض أهل المعاني: أصل البَرَكَة: الثُّبُوت، من قولك: (بَرَكَ بَرْكًا، وبُرُوكًا): إذا ثبت على حاله (٧٠) ومنه: (البَراكاء) في القتال (٧١) (٧٢) وقال اللِّحْياني (٧٣) (٧٤) وانتصب ﴿ مُبَارَكًا ﴾ على الحال.
قال الزجاج (٧٥) (٧٦) (٧٧) ﴿ وُضِعَ ﴾ ، أي: وُضِعَ مباركًا.
وقوله تعالى: ﴿ وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾ قال أبو إسحاق (٧٨) (٧٩) ﴿ وَهُدًى ﴾ في موضع رفع، على معنى: وهو هُدَى.
ومعنى كونه ﴿ وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾ : أنه قِبْلةُ صلاتهم، ودلالة على الله تعالى من حيث هو المدبر له (٨٠) (٨١) (١) في "معاني القرآن" له: 1/ 445.
نقله عنه بتصرف واختصار.
(٢) في (ج): (ما).
(٣) في مصادر ترجمته التالية: (هارون بن أحمد) بدلا من: (محمد).
(٤) هو: أبو سهل، هارون بن أحمد بن هارون بن بندار بن حريش -أو خداش- بن الحكم، والإستراباذي.
شيخ فاضل، مكثر من الحديث، ارتحل إلى العراق والحجاز، وحدث سنين في نيسابور وبخاري ونسف وسمرقند، مات سنة (364 ص).
انظر: "الأنساب" 1/ 216، "تاريخ الإسلام" للذهبي: 26/ 331 وفيات (351 - 380 ص).
(٥) في (ج): (أخبرنا).
قال السيوطي: (ويكتبون مِن (أخبرنا): (أنا)؛ أي: الهمزة والضمير.
ولا تحسن زيادة الباء قبل النون؛ وإن فعله البيهقي وغيره؛ لئلا يلتبس برمز حدَّثنا).
"تدريب الراوي" 2/ 87.
(٦) في (ب): أبو محمد إسحاق بن محمد بن أحمد.
وهو: أبو محمد، إسحاق بن أحمد بن إسحاق بن نافع الخزاعي، شيخ الحرم، من كبار أهل القرآن، وأحد فصحاء مكة، ثقة حجة، توفى سنة (307 هـ).
انظر: "سير أعلام النبلاء" 14/ 289، ومقدمة محقق "أخبار مكة" للأزرقي: 1/ 16 - 17.
(٧) في (ج): (أخبرنا).
(٨) مؤرِّخ، من أهل مكة، أصله من اليمن، له كتاب: "أخبار مكة"، اختلف في سنة وفاته، ورجح محقق "أخبار مكة" القولَ بأنه كان حَيًّا في عهد الخليفة العباسي، المنتصر، الذي حكم سنة (247 - 248 هـ).
انظر: "الفهرست" (158)، ومقدمة محقق "أخبار مكة": 1/ 13 - 15، "الأعلام" 6/ 222، "معجم المؤلفين" 3/ 429.
(٩) هو: مهدي بن حرب العبدي، الهَجَري، قال أبو حاتم: (شيخ ليس بمنكر الحديث).
وقال ابن حجر: (مقبول).
انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 335، "تقريب التهذيب" 548 (6928).
(١٠) لم أقف على ترجمته.
(١١) هو: أبو عبد الله، هشام بن حسان القُرْدُوسي البصري.
ثقة، إمام كبير الشأن، توفي سنة (147 هـ)، أو (148 هـ).
انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 54، "تهذيب الكمال" 30/ 181، "ميزان الأعتدال" 5/ 420، "تقريب التهذيب" 572 (7289).
(١٢) هو: أبو صفوان، حميد بن قيس الأعرج، المكي، القارئ، تقدمت ترجمته.
(١٣) أخرجه الأزرقي، في "أخبار مكة": 1/ 31 - 32، وانظر معناه، في "تفسير الطبري" 7/ 20 - 21، "تفسير البغوي" 1/ 328، "زاد المسير" 1/ 424.
(١٤) لم أقف على ترجمته.
(١٥) في "أخبار مكة": (محمد بن عمر بن إبراهيم الجبيري).
ولم أقف على ترجمته.
(١٦) لم أقف على ترجمته.
(١٧) أخرجه الأزرقي، في "أخبار مكة" 1/ 32، والطبري في "تفسيره" 1/ 548، وأورده السيوطي في "الدر" 1/ 236، وزاد نسبة إخراجه إلى الحميدي، وعبد الرزاق - ولم أقف عليه في مُصنَّفِه، ولا في تفسيره.
(١٨) لم أقف على ترجمته.
(١٩) ما بين المعقوفين زيادة من "أخبار مكة" 1/ 32.
وهو: هارون بن مسلم بن هُرْمُز العجْلي، أبو الحسين البصري، صاحب الحِنّاء.
من أتباع التابعين، قال ابن حجر: (صدوق)، وقال أبو حاتم: (فيه لين)، ووثقه الحاكم، وابن حبان، مات بعد المائتين.
انظر: "ميزان الاعتدال" 5/ 411، "لسان الميزان" 7/ 241، "تقريب التهذيب" 569 (7240).
(٢٠) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(٢١) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).
والمثبت من: (ب)، (ج)، وأخبار مكة.
(٢٢) قال عنه ابن معين: (ضعيف جدًا)، وقال أبو حاتم: (ضعيف الحديث، مضطرب الحديث).
انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 14 - 15، "لسان الميزان" 5/ 500 - 501.
(٢٣) هو: أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل، من فقهاء المدينة، وكان يتولى الشيخين: أبا بكر وعمر، ويبرأ من عدوهما، ويقول: (فإنهما كانا إمامي هدى) وقال: (ما أدركت أحدًا من أهل بيتي، إلا وهو يتولاهما)، توفي سنة مائة وبضع عشرة.
انظر: "تهذيب التهذيب" 3/ 650، "التقريب" 497 (6151).
(٢٤) هو: الملقب بـ (زين العابدين)، الثقة الثبت العابد الفاضل، المتفق على جلالته.
قال الزهري: ما رأيت قرشيًّا أفضل منه، توفي سنة (193هـ).
انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 178، "التقريب"400 (4715).
(٢٥) جزء من أثر طويل، أخرجه الأزرقي في "أخبار مكة" 1/ 32 - 34، وورد في "تفسير البغوي" 2/ 70.
(٢٦) قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 75 ب، "البغوي" 2/ 70، "زاد المسير" 1/ 424.
(٢٧) قوله: في "أخبار مكة" 1/ 61، "تفسير الطبري" 4/ 7، "الثعلبي" 3/ 75 ب، و"المطالب العالية" 14/ 539 (3556) - ونسب إخراجه لابن راهويه في مسنده.
(٢٨) وضع: ساقطة من: (ب).
(٢٩) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 75 ب، "تفسير البغوي" 2/ 70.
(٣٠) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 75 ب.
(٣١) في "معاني القرآن" له: 1/ 446، وهو قوله: (فجائز أن يكون أول بيت، هو البيت الذي لم يكن الحج إلى غيره).
(٣٢) هو: أبو الحسين، عبد الغافر بن محمد (أبي عبد الله) بن عبد الغافر بن أحمد الفارسي، الفسوي.
أحد رواة صحيح مسلم، وأحد رواة "غريب الحديث" للخطابي، يرويه عن مؤلفه.
كان عَدْلا جليلَ القَدْر.
قال عنه حفيدُه عبد الغافر الفارسي صاحب كتاب (السياق لتاريخ نيسابور): (الثقة الأمين الصالح الديِّن).
توفي سنة (448 هـ).
انظر: "المنتخب من السياق" 361، "سير أعلام النبلاء" 18/ 19، "شذرات الذهب" 3/ 277.
وقد أثبت محقق تفسير (الوسيط، من أول آل عمران- على آخر المائدة) اسمه كالتالي: (أبو الحسن الفسوي)، وأشار إلى وروده في نسخة أخرى لـ (الوسيط): (أبو الحسين القشيري)، وقد وهم المحققُ فَعَرَّف الفَسَوِيَ -هذا- بأنه: (أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله الفارسي)، وهو خطأ ظاهر.
انظر: "تفسير الوسيط" من أول آل عمران إلى آخر المائدة: 275.
(٣٣) في (ب): (أبنا).
(٣٤) نقل الحافظ العراقي قول ابن حزم فيه: إنه (مجهول)، ودفع هذا ابن حجر، وسَمَّاه: (الثقة، الإمام النحوي المشهور)، وذكر أنه حدَّث عن الكبار، وانتهى إليه عُلُوُّ الإسناد، وأنه روى عنه الدارقطني، وابنِ مَنْدَه، والحاكم، ووثقوه، صَحب المبرِّد وأخذ عنه.
قال الدارقطني: (وكان متعصبًا للسُّنَّة)، مات سنة (341 هـ)، وله 94 سنة.
انظر: "تاريخ بغداد" 6/ 302، و"إنباه الرواة" 1/ 246، وذيل "ميزان الاعتدال" 140، "لسان الميزان" 1/ 666.
(٣٥) في (ب): (أبنا).
(٣٦) هو: أبو عثمان، سعدان بن نصر بن منصور البغدادي، الثقفي، البزار.
ثقة صدوق، توفي سنة (265 ص)، وقد جاوز التسعين.
انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 290، "تاريخ بغداد" 9/ 205، "سير أعلام النبلاء" 12/ 357.
(٣٧) في (ب): (أبنا).
(٣٨) هو: محمد بن خازم التميمي السعدي مولاهم، الضرير، الكوفي.
ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وحديثه عنه فيه اضطراب، اتهم بالإرجاء، والتدليس، مات سنة (195هـ).
انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 246، "سير أعلام النبلاء" 9/ 73، "تهذيب التهذيب" 3/ 551.
(٣٩) هو: إبراهيم بن يزيد بن شَرِيك التيمي الكوفي، أبو أسماء.
ثقة عابد، ولكنه يرسل ويدلس، قتله الحجاج سنة (92 هـ)، وله أربعون سنة.
انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 145، "الميزان" 1/ 74، "التقريب" 95 (269).
(٤٠) هو: يزيد بن شَريك بن طارق التَيْمي الكوفي.
ثقة، عَدَّه ابنُ حجر مِن طبقة كبار التابعين، وكان عريف قومه، يقال: إنه أدرك الجاهلية، مات في خلافة عبد الملك.
انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 271، "التهذيب" 4/ 417، "التقريب" 602 (7729).
(٤١) اختلف في اسمه، وأصح ما قيل فيه: جُنْدُب بن جُنادة، الغِفَاري.
من كبار الصحابة، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة، وتوفي بـ (الرَّبَذة) سنة (31 هـ) أو (32 هـ) وليس له عقب.
انظر: "المعارف" لابن قتيبة: 252، "الاستيعاب" 4/ 216، "صفة الصفوة" 1/ 298، "الإصابة" 4/ 62.
(٤٢) ( ): ليس في (ج).
(٤٣) في (ج): (ثم قلت).
(٤٤) فأينما: كتبت في (أ)، (ب)، (ج): (فأين ما).
وكذا رسمت في صحيح البخاري: 4/ 117، وأثبَتُّها وفق الرسم الإملائي الحديث.
(٤٥) في (ب): (فصلي).
(٤٦) أخرجه البخاري في "الصحيح" (3366)، كتاب: الأنبياء باب: (10)، ومسلم في "الصحيح" (520).
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة.
وأحمد في "المسند" 5/ 150، 156، 157، 160، 161، والطبري في "تفسيره" 4/ 8 - 9، والبغوي في "تفسيره" 2/ 70، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 76 أ، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 93، وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبيهقي في "الشعب".
(٤٧) في (ج): (قال هي).
(٤٨) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 10، "تفسير الثعلبي" 3/ 76 أ، "زاد المسير" 3/ 425.
(٤٩) قوله في مصنف ابن أبي شيبة 3/ 262 (14125)، "تفسير الطبري" 4/ 8، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 709، "النكت والعيون" 1/ 410، "تفسير القرطبي" 4/ 318، "الدر المنثور" 2/ 94، وزاد نسبة إخراجه إلى سعيد بن منصور، والبيهقي في "الشعب" وعبد بن حميد.
وأورد السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 94 عن مجاهد، أن (بكة) هي: الكعبة، ومكة: ما حولها.
ونسبة إخراجه إلى عبد بن حميد.
ونَصُّ قولِ مجاهد -كما في الطبري-: (إنما سميت (بكة)؛ لأن الناس يتباكُونَ فيها، الرجال والنساء)؛ أي: يزدحمون.
إلّا أن الطبري أتى بقول مجاهد شاهدًا على أن المراد بـ (بكة) موضع مُزدَحَمِ الناس للطواف، وأن ما كان خارج المسجد فـ (مكة) لا (بكة)؛ لأن ما كان خارج المسجد لا يوجب على الناس التّباك فيه؛ أي: التزاحم.
(٥٠) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 76 أ.
(٥١) في (ج): (كقولك).
(٥٢) في (ب): (وشهد).
(٥٣) (رأسه، وسمد رأسه): ساقط من: (ب).
التسبيد أو التسميد -هنا-: ترك التدهن، وغسل الرأس، وقيل: هو الحلق واستئصال الشعر حتى يلصق بالجلد، وقيل: تطويل الشعر وتكثيره.
فهو حرف من الأضداد.
ويقال: (سَبَدَ شعرَه وسَبَتَه) -بالتخفيف-: إذا حلقه، ويقال: (سبَّد شعرُهُ): إذا نبت بعد الحلق، أول ما يظهر.
انظر: "الأضداد" لقطرب: 144، "الأضداد" للسجستاني: 91، "غريب الحديث" لأبي عبيد: 1/ 162، "الأضداد" لابن الأنباري: 309، "تهذيب اللغة" 2/ 1612، "ذيل كتاب الأضداد" للصغاني: 232.
(٥٤) في (ب): (وأغطش).
ومعنى: (أغْبَطَت الحمَّى وأغْمَطَت)؛ أي: لزمته الحُمَّى ولم تفارقه.
وهو مأخوذ من وَضْع (الغَبِيط) على الجَمَلِ، و (الغَبيط): ما يوطَّأ للمرأة من هودج وغيره، ويقال: (أغْبَطْتُ الرَّحْلَ على الدابة إقباطا): إذأ ألزمته إيّاه.
انظر: "غريب الحديث" لابن سلام: 1/ 99، "تهذيب اللغة" 3/ 2631 (غبط)، "الفائق" 3/ 47، "النهاية في غريب الحديث" 3/ 341.
(٥٥) اللُّزوب: اللصوق، والثبوت.
و (طين لازب)؛ أي: لاصق وثابت.
و (الَّلازب واللاتب واللاصق)، واحد.
وتقول العرب: (صار الأمر ضربة لازب)؛ أي: شديدًا لازمًا ثابتًا.
ويقولون: (ليس هذا بضربة لازب) و (لازم)؛ بمعنى: ما هذا بواجب لازم؛ أي: (ما هذا بضربة سيف لازب)، وهو مَثَل.
انظر: "إصلاح المنطق" 288، "التاج" 2/ 402 (لزب).
(٥٦) (من قولهم): ساقط من: (ج).
(٥٧) في (ج): (زرع).
(٥٨) (وامتكه): ساقطة من: (ج).
(٥٩) قوله في "الزاهر" 2/ 112.
نقله عنه بالمعنى.
(٦٠) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).
(٦١) في (ب): (حديه)، في (ج): (حذبه).
وفي "الزاهر": (تمككت العظمَ: إذا أجديت ما عليه من اللحم).
وما أثبته صواب لغة؛ لأن (جِذْي كلِّ شيءٍ، وجِذْمهُ): أصله.
انظر: "اللسان" 1/ 581 (جذا).
(٦٢) في (ج): (امتكاك).== والتَّمَكُّك، مصدر (تَمَكُّك)؛ أي: امتصَّ ما في الضرع.
أما (مَكَّ)، فمصدرها: (المَكُّ).
انظر: "اللسان" 7/ 4248 (مك).
(٦٣) في (ب): (الدرع).
انظر المعاني السابقة، في "غريب الحديث" لابن سلام: 1/ 432، "تهذيب اللغة" 4/ 3435 (مك)، "معجم البلدان" 5/ 181، "اللسان" 7/ 4248 - 4249 (مكك).
(٦٤) في (ب)، (ج)، "تفسير الثعلبي" (آخرون).
ومن قوله: (وقال الآخرون ..) إلى (لا يصلح ذلك إلا هناك): نقله -بتصرف يسير- عن "تفسير الثعلبي" 3/ 67 أ.
ومن هؤلاء الآخرين القائلين بهذا القول: مالك بن أنس، وعكرمة، وزيد بن أسلم، وعطية الحوفي، وضمرة بن ربيعة، وإبراهيم النخعي، ومقاتل بن حيان، والطبري.
انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" 3/ 261 - 262 "تفسير الطبري" 4/ 7 - 10، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 708 - 709، "تفسير الثعلبي" 3/ 76 أ، "تفسير القرطبي" 4/ 138، "معجم البلدان" 5/ 181.
(٦٥) في (ب): (اسم البيت).
(٦٦) قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 377.
(٦٧) (بكة): ساقطة من: (ج).
(٦٨) انظر: "مجاز القرآن" 97، "تفسير الطبري" 4/ 9، "الصحاح" 4/ 1576 (بكك)، "معجم البلدان" 1/ 475، "اللسان" 1/ 335 (بكك).
(٦٩) (معناه): ساقطة من: (ج).
(٧٠) قال ابن فارس: (الباء، والراء، والكاف، أصل واحد، وهو: ثبات الشيء ثم يتفرع فروعًا يقارب بعضها بعضا).
"مقاييس اللغة" 1/ 227 (برك).
(٧١) البراكاء: الثبات في العرب، والجدّ، ويقال -كذلك- لساحة العرب، وأصله من البُرُوك.
انظر: (برك) في "الصحاح" 4/ 1575، "اللسان" 1/ 267.
(٧٢) قال ابن الأنباري: (قال قوم: معنى (تبارك): تَقَدَّس؛ أي: تطهر وقال قوم: معنى (تبارك اسمك): تفاعل من (البَرَكة)؛ أي: البركة تُكتسب وتنال بذكر اسمك).
"الزاهر" 1/ 148.
وفي "تهذيب اللغة" 1/ 318 أن (تبارك): ارتفع.
والمتبارك: المرتفع.
وينقل عن الزجاج: أنه (تفاعل) من (البركة).
انظر المعاني السابقة لـ (البركة)، في مادة (برك) في "تهذيب اللغة" 1/ 319، "الصحاح" 4/ 1574، 1575، "اللسان" 1/ 266.
(٧٣) قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 319.
(٧٤) وفي "مقاييس اللغة" 1/ 229، ينقل عن ابن السكيت قوله: (بَرَك فلانٌ على الأمر، وبارك، جميعًا: إذا واظب عليه).
(٧٥) في "معاني القرآن" له: 1/ 445.
(٧٦) في (ج)، "معاني القرآن" الذي.
(٧٧) هذا القول ليس في "معاني القرآن" عند الموضع السابق، وقد يكون نقله المؤلف من موضع آخر في كتاب المعاني، لم أقف عليه، وقد يكون المؤلف حكى معنى قول الزجاج.
(٧٨) في "معاني القرآن" له 1/ 445.
نقله عنه بتصرف قليل.
(٧٩) هذه العبارة غير موجودة في "معاني القرآن" في الموضع السابق.
(٨٠) في (ب): (الذي) بدلًا من: (له بما).
(٨١) في (ج): (والصبي).
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ ﴾ أي أول مسجد بني في الأرض، وقد سأل أبو ذر النبي صلى الله عليه وسلم، أي مسجد بني أول؟
قال: المسجد الحرام، ثم بيت المقدس، وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: المعنى أنه أول بيت وضع مباركاً وهدى وقد كانت قبله بيوتاً ﴿ بِبَكَّةَ ﴾ قيل: هي مكة والباء بدل من الميم، وقيل: مكة الحرم كله، وبكة المسجد وما حوله ﴿ مُبَارَكاً ﴾ نصب على الحال والعامل فيه على قول عليّ: وضع ﴿ مُبَارَكاً ﴾ على أنه حال من الضمير الذي فيه، وعلى القول الأول: هو حال من الضمير المجرور.
والعامل فيه العامل المجرور من معنى الاستقرار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أن تنزل ﴾ خفيفاً:ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
الباقون بالتشديد.
﴿ حج البيت ﴾ بكسر الحاء: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون بفتحها.
الوقوف: ﴿ تحبون ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ تنزل التوراة ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مقام إبراهيم ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الواو لأن الأمن من الآيات ﴿ آمنا ﴾ ط ﴿ سبيلا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ ط قد قيل: والوده الوصل لأن الواو للحال ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ شهداء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ رسوله ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ مستقيم ﴾ ه.
التفسير: إنه لما ذكر أن الإنفاق لا ينفع الكافر ألبتة، علّم المؤمنين كيفية الإنفاق الذين ينتفعون به في الآخرة وهو الإنفاق من أحب الأشياء إليهم.
وههنا لطيفة وهي / أنه وتعالى سمى جوامع خصال الخير براً في قوله : ﴿ ولكن البر من آمن بالله ﴾ الآية.وذكر في هذه الآية ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ فالمعنى أنكم وإن أتيتم بكل الخيرات لم تفوزوا بإحراز خصلة البر ولم تبلغوا حقيقتها حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها.
وكان السلف رحمهم الله إذ أحبوا شيئاً جعلوه لله.
يروى أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال: "يا رسول الله، حائط لي بالمدينة - يعني بيرحاء - وهو أحب أموالي إليّ صدقة.
فقال بخ بخ.
ذاك مال رابح وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: افعل يا رسول الله.
فقسمها في أقاربه" .
وروي "أنه جعلها بين حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب" .
وروي أن "زيد بن حارثة جاء عند نزول الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله، فجعله رسول الله لأسامة بن زيد.
فوجد زيد في نفسه وقال: إنما أردت أن تصدق به.
فقال : أما إن الله قد قبلها منك" وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبى جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما رآها أعجبته فقال: إن الله يقول: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ فأعتقها ولم يصب منها.
ونزل بأبي ذرّ ضيف فقال للراعي: ائتني بخير إبلي.
فجاء بناقة مهزولة فقال: خنتني.
فقال: وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوم حاجتك إليه.
فقال: إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي.
وفي تفسير البر قولان: أحدهما ما به يصيرون أبراراً ليدخلوا في قوله: ﴿ إن الأبرار لفي نعيم ﴾ فيكون المراد بالبر ما يصدر منهم من الأعمال المقبولة المذكورة في قوله: ﴿ ولكن البر من آمن ﴾ وجملتها التقوى لقوله: ﴿ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ﴾ والثاني الجنة أي لن تنالوا ثواب البر.
وقيل: المراد بر الله أولياءه وإكرامه إياهم من قول الناس "برني فلان بكذا وبر فلان لا ينقطع عني".
وقال : ﴿ أن تبروا وتتقوا ﴾ و "من" في قوله: ﴿ مما تحبون ﴾ للتبعيض نحو: أخذت من المال.
ويؤيده قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ بعض ما تحبون ﴾ وفيه أن إنفاق كل المال غير مندوب بل غير جائز لمن يحتاج إليه.
والمراد بما تحبون قال بعضهم: هو نفس المال لقوله : ﴿ وإنه لحب الخير لشديد ﴾ وقيل: هو ما يكون محتاجاً إليه كقوله: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه ﴾ ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ وقيل: هو أطيب المال وأرفعه كما مر.
وعن ابن عباس أراد به الزكاة أي حتى تخرجوا زكاة أموالكم.
ويريد عليه أنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها، وقال الحسن: هو كل ما أنفقه المسلم من ماله يطلب به وجه الله.
ونقل الواحدي عن مجاهد والكلبي انها منسوخة / بآية الزكاة.
وضعف بأن إيجاب الزكاة لا ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله.
و "من" في ﴿ من شيء ﴾ للتبيين يعني من أي شيء كان، طيب أو خبيث ﴿ فإن الله به عليم ﴾ فيجازيكم بحسبه أو يعلم الوجه الذي لأجله تنفقون من الإخلاص أو الرياء.
ثم إنه بعد تقرير الدلائل الدالة على نبوة محمد ، وبعد توجيه الإلزامات الواردة على أهل الكتاب في هذا الباب، أجاب عن شبهة للقوم وتقرير ذلك من وجوه: أحدها أنهم كانوا يعوّلون في إنكار شرع محمد على إنكار النسخ، فأورد عليهم أن الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان حلالاً ثم صار حراماً عليه وعلى أولاده وهو النسخ.
ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال زعموا أن ذلك كان حراماً من لدن آدم ولم يحدث نسخ، فأمر النبي بأن يطالبهم بإحضار التوراة إلزاماً لهم وتفضيحاً ودلالة على صحة نبوة محمد ، لأنه كان أمياً فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر من السماء.
وثانيها أن اليهود قالوا له: إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم، فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها وتفتي بحلها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم؟
فأجيبوا بأن ذلك كان حلالاً لإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب.
إلا أن يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب، وبقيت تلك الحرمة في أولاده، فأنكروا ذلك فأمروا بالرجوع الى التوراة.
وثالثا لما نزل قوله : ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ﴾ وقوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه إنما حرم عليهم كثير من الأشياء جزاء لهم على بغيهم وظلمهم.
غاظهم ذلك واشمأزوا وامتعضوا من قبل أن ذلك يقتضي وقوع النسخ.
ومن قبل أنه تسجيل عليهم بالبغي والظلم وغير ذلك من مساويهم.
فقالوا: لسنا بأول من حرمت هي عليه وما هو إلا تحريم قديم فنزلت ﴿ كل الطعام ﴾ أي المطعومات كلها لدلالة كل على العموم وإن كان لفظه مفرداً سواء قلنا الاسم المفرد المحلى بالألف واللام يفيد العموم أولا.
والطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل.
وعن بعض أصحاب أبي حنيفة: إنه اسم البر خاصة.
ويرد عليه أن المستثنى في الآية من الطعام كان شيئاً سوى الحنطة وما يتخذ منها.
قال القفال: لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها طعام، وكذا القول في الخنزير، فيحتمل أن يكون المراد الأطعمة التي كان يدعي اليهود في وقت نبينا أنها كانت محرمة على إبراهيم .
وعلى هذا يكون اللام في الطعام للعهد لا للاستغراق.
والحل مصدر كالعز والذل ولذا استوى فيه الواحد والجمع.
قال : ﴿ لا هن حل لهم ﴾ والوصف بالمصدر يفيد المبالغة، وأما الذي حرم إسرائيل على نفسه فروى ابن عباس عن النبي أن يعقوب مرض / مرضاً شديداً فنذر لئن عافاه الله ليحرّمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام والشراب إليه لحمان الإبل وألبانها، وهذا قول أبي العالية وعطاء ومقاتل.
وقيل: كان به عرق النسا فنذر إن شفاه الله أن لا يأكل شيئاً من العروق.
وجاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما على الظهر.
وههنا سؤال وهو أن التحريم والتحليل خطاب الله ، فكيف صار تحريم يعقوب سبباً للحرمة؟
فأجاب المفسرون بأن الأطباء أشاروا إليه باجتنابه ففعل وذلك بإذن من الله فهو كتحريم الله ابتداء.
وأيضاً لا يبعد أن يكون تحريم الإنسان سبباً لتحريم الله كالطلاق والعتاق في تحريم المرأة والجارية.
وأيضاً الاجتهاد جائز على الأنبياء لعموم ﴿ فاعتبروا ﴾ ولقوله في معرض المدح ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ ولأن الاجتهاد طاعة شاقة فيلزم أن يكون للأنبياء منها نصيب أوفر لا سيما ومعارفهم أكثر، وعقولهم أنور، وأذهانهم أصفة، وتوفيق الله وتسديده معهم أوفى.
ثم إذا حكموا بحكم بسبب الاجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك الحكم كما أن الإجماع إذا انعقد عن الاجتهاد فإنه يحرم مخالفته.
والأظهر أن ذلك التحريم ما كان بالنص وإلا لقيل: إلا ما حرمه الله على إسرائيل.
فلما نسب إلى إسرائيل دل على أنه باجتهاده كما يقال: الشافعي يحلل لحم الخيل، وأبو حنيفة يحرّمه.
وقال الأصم: لعلّ نفسه كانت تتوق إلى هذه الأنواع فامتنع من أكلها قهراً للنفس كما يفعله الزهاد، فعبر عن ذلك الامتناع بالتحريم.
وزعم قوم من المتكلمين أنه يجوز من الله أن يقول لعبده: احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب، فلعل هذه الواقعة كانت من هذا الباب.
ومعنى قوله: ﴿ من قبل أن تنزل التوراة ﴾ إن هذا الاستثناء إنما كان قبل نزول التوراة، أما بعده فلم يبق كذلك بل حرم الله عليهم أنواعاً كثيرة بدليل قوله : ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا ﴾ إلى آخر الآية.
ثم إن القوم نازعوا رسول الله في إخباره عن الله فأمروا بالرجوع إلى كتابهم كما سبق تقريره، فروي أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة فبهتوا فلزمت الحجة عليهم وظهر إعجاز النبي وصدقه، فلهذا قال: ﴿ فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك ﴾ الذي ظهر من الحجة الباهرة ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ الواضعون الباطل في موضع الحق، والكذب في مقام الصدق والعناد في محل الإنصاف.
وأيضاً إن تكذيبهم وافتراءهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن يقتدي بهم من أشياعهم ﴿ قل صدق الله ﴾ في جواب الشبه الثلاث وفيه تعريض بكذبهم ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ وهي التي عليه محمد ومن تبعه حتى تتخلصوا من اليهودية التي فيها فساد دينكم ودنياكم حيث ألجأتكم الى تحريف كتاب الله لأغراضكم الفاسدة / وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلت لإبراهيم ولمن يقتدي به ﴿ وما كان من المشركين ﴾ وفيه تنبيه على أن محمداً على دين إبراهيم في الفروع لما ثبت أن الذي حكم بحله حكم إبراهيم بحله.
وفي الأصول لأن محمداً وإبراهيم كليهما صلى الله عليهما وسلم لا يدعوان إلا إلى التوحيد والبراءة عن كل معبود سوى الله ، خلاف اليهود والنصارى، وخلاف عبدة الأوثان والكواكب.
قوله : ﴿ إن أول بيت وضع للناس ﴾ قال مجاهد: هو جواب عن شبهة أخرى لليهود وذلك أنهم قالوا: بيت المقدس أفضل من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء وأرض المحشر وقبلة الأنبياء.
فكان تحويل القبلة منه إلى الكعبة كالطعن في نبوة محمد .
وقيل: إن الآية المتقدمة سيقت لجواز النسخ، وإن أعظم الأمور التي أظهر رسول الله نسخها هو القبلة، فذكر عقيب ذلك ما لأجله حولت القبلة إلى الكعبة.
وقيل: لما انجر الكلام في الآية المتقدمة إلى قوله: ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم ﴾ وكان الحج من أعظم شعائر ملته، أردفها بفضيلة البيت ليفرع عليها إيجاب الحج.
وقيل: زعم كل من اليهود والنصارى أنه على ملة إبراهيم، فبين الله ما يدل على كذبهم من حيث إن حج البيت كان من ملة إبراهيم وأهل الكتاب لا يحجون.
قالت العلماء: الأول هو الفرد السابق، فلو قال: أول عبد أشتريه فهو حر.
فلو اشترى عبدين في المرة الأولى لم يعتق واحد منهما لفقد قيد الفرد.
ولو اشترى في المرة الثانية عبداً واحداً لم يعتق أيضاً لفقدان قيد السابق.
ومعنى كونه موضوعاً للناس أنه جعل متعبدهم وموضع طاعتهم يتوجهون نحوه من جميع الأقطار، وليس كل أول يقتضي أن يكون له ثانٍ فضلاً أن يشاركه في جميع خواصه، فلا يلزم من كونه أول أن يكون بيت المقدس مثلاً ثانياً له ولا مشاركاً في وجوب الحج والاستقبال وغيرهما من الخواص.
ثم إن كونه أول بيت وضع للناس يحتمل أن يكون المراد أنه أول في البناء والوضع، ويحتمل أن يراد أنه أول في الوضع وإن كان متأخراً في البناء، فلا جرم حصل فيه للمفسرين قولان: الأول أنه أول في بنائه ووضعه جميعاً.
روى الواحدي رحمه الله في البسيط بإسناده عن مجاهد أنه قال: خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرضين.
وفي رواية أخرى: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي سنة، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى، وروى أيضاً عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن آبائه قال: إن الله بعث ملائكة فقال: ابنوا لي في الأرض بيتاً على مثال البيت المعمور.
وأمر الله من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.
وهذا كان قبل خلق آدم وقد ورد في سائر كتب التفسير عن عبد الله بن عمر / ومجاهد والسدي أنه أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق الأرض والسماء، وقد خلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الماء ثم دحيت الأرض من تحته.
وعن الزهري قال: بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم ثلاثة صفوح في كل صفح منها كتاب.
في الصفح الأول: "أنا الله ذو بكة وضعتها يوم وضعت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء وباركت لأهلها في اللحم واللبن".
وفي الثاني: "أنا الله ذو بكة، خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي.
من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته".
وفي الثالث: "أنا الله ذو بكة خلقت الجن والإنس فطوبى لمن كان الخير على يديه ووبل لمن كان الشر على يديه".
وقد يستدل على صحة هذا القول بما روي أنه قال يوم فتح مكة: "ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض" .
وتحريم مكة لا يمكن إلا بعد وجودها ولأنه سماها أم القرى، وهذا يقتضي سبقها على سائر البقاع، ولأن تكليف الصلاة كان ثابتاً في أديان جميع الأنبياء.
وأيضاً قال في سورة مريم ﴿ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ﴾ إلى قوله: ﴿ خروا سجداً ﴾ والسجدة لا بد لها من قبلة فلو كانت قبلتهم غير الكعبة لم تكن هي أول بيت وضع للناس هذا محال خلف.
القول الثاني: روي أن النبي سئل عن أول مسجد وضع للناس؟
فقال: " المسجد الحرام ثم بيت المقدس فسئل كم بينهما؟
قال: أربعون سنة" وعن علي أن رجلاً قال له: هو أول بيت؟
قال: لا.
قد كان قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً، فيه الهدى والرحمة والبركة.
واعلم أن الغرض الأصلي من ذكر هذه الأوّلية بيان الفضيلة وترجيحه على بيت المقدس.
ولا تأثير لأولية البناء في هذا المقصود، وإن كان الأرجح ثبوت تلك الأولية أيضاً كما روينا آنفاً، وفي سورة البقرة أيضاً من الأخبار والآثار.
فمن فضائل البيت أن الآمر ببنائه الرب الجليل، والمهندس جبرائيل، وبانية إبراهيم الخليل وتلميذة ابنه إسماعيل.
ومنها أنه محل إجابة الدعوات ومهبط الخيرات والبركات، ومصعد الصلوات والطاعات، ومنها مقام إبراهيم كما يجيء، ومنه قلة ما يجتمع من حصى الجمار فيه فإنه منذ ألف سنة يرمي في كل سنة خمسمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة ثم لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثير.
وليس الموضع الذي يرمي إليه الجمرات مسيل ماء أو مهب رياح شديدة، وقد جاء في الآثار أن كل من كانت حجته مقبولة رفعت جمراته إلى السماء.
ومنها أن الطيور تترك المرور فوق الكعبة وتنحرف عنها البتة إذا / وصلت إلى محاذاتها.
ومنها أن الحيوانات المتضادة في الطبائع لا يؤذي بعضها بعضاً عنده كالكلاب والظباء، ومنها أمن سكانها فلم ينقل ألبتة أن ظالماً هدم الكعبة أو خرب مكة بالكلية، وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية، وقصة أصحاب الفيل سوف تجيء في موضعها إن شاء العزيز، ومنها أنه وضعها بواد غير ذي زرع لفوائد منها: أنه قطع بذلك رجاء أهل حرمة وسدنة بيته عمن سواءه حتى لا يتوكلوا إلا على الله.
ومنها أنه مع كونه كذلك يجبى إليه ثمرات كل شيء وذلك بدعوة خليلة إبراهيم وإنه من أعظم الآيات ومنها أن لا يسكنها أحد من الجبابرة لأنهم يميلون إلى طيبات الدنيا، فيبقى ذلك الموضع المنيف والمقام الشريف مطهراً عن لوث وجود أرباب الهمم الدنية.ومنها أن لا يقصدها الناس للتجارة بل يأتون لمحض العبادة والزيارة، ومنها أنه أظهر بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيت في أقل المواضع نصيباً من الدنيا فكأنه يقول: جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين لأجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين.
ومنها كأنه قيل: كما لم أجعل الكعبة إلا في موضع خال عن جميع نعم الدنيا فكذا لا أجعل كعبة المعرفة إلا في قلب خال عن محبة الدنيا ﴿ للذي ببكة ﴾ للبيت الذي ببكة قال في الكشاف: وهي علم للبلد الحرام.
ومكة وبكة لغتان كراتب وراتم.
وضربة لازم ولازب مما يعتقب فيه الميم والباء لتقارب مخرجهما.
وقيل: مكة البلد وبكة موضع المسجد.
وفي الصحاح بكة اسم لبطن مكة, وأما اشتقاق بكة فمن قولهم بكة إذا زحمه ودفعه، وعن سعيد بن جبير: سميت بكة لأنهم يتباكون فيها أي يزدحمون في الطواف وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة.
قال بعضهم: رأيت محمد بن علي الباقر يصلي.
فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال: دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضاً، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي ولا بأس بذلك في هذا المكان.
ويؤكد هذا القول من قال: إن بكة موضع المسجد لأن المطاف هناك وفيه الازدحام.
ولا شك أن بكة غير البيت لأن الآية تدل على أن البيت حاصل في بكة، والشيء لا يكون ظرفاً لنفسه، وقيل: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها، لم يقصدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه.
وأما مكة فاشتقاقها من قولك أمتك الفصيل ضرع أمه إذا امتص ما فيه واستقصى، فسميت بذلك لأنها تجذب الناس من كل جانب وقطر أو لقلة مائها كأن أرضها امتصت ماءها.
وقيل: إن مكة وسط الأرض، والعيون والمياه تنبع من تحتها، فكأن الأرض كلها تمك من ماء مكة، ثم إنه وصف البيت بكونه مباركاً وهدى للعالمين، أما انتصابه فعلى الحال عن الضمير المستكن في الظرف، لأن التقدير للذي ببكة هو والعامل فيه معنى الاستقرار.
/ وأما معناه فالبركة إما النمو والتزايد وكثرة الخير، وإما البقاء والدوام, وكل شي ثبت ودام فقد برك، ومنه برك البعير إذا وضع صدره على الأرض والبركة شبه الحوض لثبوت الماء فيها، وتبارك الله لثبوته لم يزل ولا يزال، والبيت مبارك لما يحصل لمن حجة واعتمره واعكف عنده وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب.
قال : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" وقال : " "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" ولو استحضر العاقل في نفسه أن الكعبة كالنقطة وصفوف المتوجهين إليها في الصلوات في أقطار الأرض وأكنافها ولعمري إنها غير محصورة كالدوائر المحيطة بالمركز، ولا شك أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم علوية، وقلوبهم قدسية، وأسرارهم نورانية، وضمائرهم ربانية، علم أنه إذا توجهت تلك الأرواح الصافية إلى كعبة المعرفة واستقبلت أجسادهم هذه الكعبة الحسية، اتصلت أنوار أولئك الأرواح بنوره وعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره.
قال القفاز: يجوز أن تكون بركته ما ذكر في قوله: ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ فيكون كقوله: ﴿ إلى الأرض ﴾ المقدسة ﴿ التي باركنا فيها ﴾ وإن فسرنا البركة بالدوام فلا شك أنه لا تنفك الكعبة من الطائفين والعاكفين والركع السجود.
وإذا كانت الأرض كرة وكل آن يفرض فإنه صبح لقوم ظهر لآخرين وعصر لغيرهم أو مغرب أو عشاء، فلا تخلو الكعبة عن توجه قوم إليها البتة.
وأيضاً بقاء الكعبة على هذه الحالة ألوفاً من السنين دوام.
وأما كونه هدى للعالمين فلأنه قبلتهم ومتعبدهم أو لأنه يدل على وجود الصانع وصدق محمد بما فيه من الآيات والأعاجيب، أو لأنه يهدي إلى الجنة.
ومعنى هدى هادياً أو ذا هدى قاله الزجاج، وجوز أن يكون محله رفعاً أي وهو هدى ﴿ فيه آيات بينات ﴾ يحتمل أن يراد بها ما عددنا من بعض فضائله، ويكون قوله: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ غير متعلق بما قبله، فكأنه قيل فيه آيات بينات ومع ذلك فهو مقام إبراهيم وموضعه الذي اختاره وعبد الله فيه.
وقال الأكثرون إن الآيات بيانه وتفسيره قوله: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ إما بأن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لأنه معجز رسول وكل معجز ففيه دليل أيضاً على علم الصانع وقدرته وإرادته وحياته وتعاليه عن مشابهة المحدثات، فلقوه هذا الدليل عبر عنه بلفظ الجمع كقوله: ﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ وإما بأن يجعل المقام مشتملاً على آيات لأن أثر القدم في الصخرة الصماء / آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية وآبقاء هذا الأثر دون آثار سائر الأبنياء آية لإبراهيم خاصة، وحفظة مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوفاً من السنين آية.
قال الزجاج: قوله: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ من تتمة تفسير الآيات.
وهذه الجملة وإن كانت من مبتدأ وخبر أو من شرط وجزاء إلا أنها في تقدير مفرد من حيث المعنى.
فكأنه قيل: فيه آيات بينات وأمن من دخله كما لو قلت: فيه آية بينة من دخله كان آمناً كان معناه فيه آية بينة أمن من دخله.
وهذا التفسير بعد تصحيحه مبني على أن الاثنين جمع كما قال : " "الاثنان فما فوقهما جماعة " وفي القرآن ﴿ هذان خصمان اختصموا ﴾ وقيل: ذكر آيتان وطوى ذكر غيرهما.
دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما.
ومنه قوله : "حبب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة " ومنهم من تمم الثلاثة فقال: مقام إبراهيم وأمن من دخله وإن لله على الناس حجه.
وقال المبرد: مقام مصدر فلم يجمع والمراد مقامات إبراهيم هي ما أقامه من المناسك، فالمراد بالآيات شعائر الحج.
وقرأ ابن عباس وأبي ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة ﴿ آية بينة ﴾ على التوحيد قاله في الكشاف.
وفيه توكيد لكون مقام إبراهيم وحده بياناً.
وأما حديث "أمن من دخله" فقد مر اختلاف العلماء فيه في سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ﴾ وقيل: كان آمناً من النار لما روي عن النبي : " من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً " وعنه صلى الله عيله وسلم: " "الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة " وهما مقبرتا مكة والمدينة.
وعن ابن مسعود: وقف رسول الله على ثنية الحجون وليس بها يومئذٍ مقبرة فقال: " "يبعث الله من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر" وعن النبي : " من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام " ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ لما ذكر فضائل البيت أردفه بإيجاب الحج وفيه لغتان: الفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد، وكلاهما مصدر كالمدح والذم والذكر والعلم.
وقيل: المكسور اسم للعمل، والمفتوح مصدر.
ومحل ﴿ من استطاع ﴾ خفض على البدل ﴿ من الناس ﴾ والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت، وقال الفراء: يجوز أن ينوي الاستئناف بمن والخبر، أو الجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه والتقدير: من استطاع إليه سبيلاً فللَّه عليه حج البيت.
وقال ابن الأنباري: يحتمل أن يكون محله رفعاً على البيان / كأنه قيل: من الناس الذين عليهم لله حج البيت؟
فقيل:هم من استطاع.
والضمير في ﴿ إليه ﴾ للبيت أو الحج.
واستطاعة السبيل إلى الشيء هي إمكان الوصول إليه واحتج أصحاب الشافعي بالآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن الناس يعم المؤمن والكفار وعدم الإيمان لا يصلح أن يكون معارضاً ومخصصاً لهذا العموم لأن الدهري مكلف بالإيمان بمحمد مع أن شرط صحة الإيمان بمحمد غير حاصل، والمحدث مكلف بالصلاة مع أن الوضوء الذي هو شرط صحة الصلاة ليس بحاصل، واحتج جمهور المعتزلة بالآية على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنها لو كانت مع الفعل لكان من لم يحج لم يكن مستطيعاً للحج فلا يتناوله التكليف المذكور وذلك باطل بالاتفاق.
أجاب الأشاعرة بأن هذا أيضاً لازم عليكم لأن القادر إما أن يكون مأموراً بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل وهو محال لأنه تكليف بما لا يطاق، أو بعد حصوله وحينئذٍ يكون الفعل واجب الحصول فلا يكون في التكليف به فائدة, وإذا كانت الاستطاعة منتفية في الحالين وجب أن لا يتوجه التكليف.
والحق أن وجوب الفعل بالقدرة والإرادة لا ينافي توجيه التكليف إليه.
/ واعلم أن الحج لا يجب بأصل الشرع في العمر إلا مرة واحدة لما روي عن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله : " يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج.
فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟
فقال: لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فتطوع" " وقد يجب أكثر من مرة واحدة لعارض كالنذور والقضاء.
ولصحة الحج على الإطلاق شرط واحد وهو الإسلام، فلا يصح حج الكافر كصومه وصلاته.
ولا يشترط فيه التكليف بل يجوز للولي أن يحرم عن المجنون وعن الصبي الذي لا يميز وحينئذٍ يصح حجمها لما روي عن ابن عباس أن النبي مر بأمرأة وهي في محفتها، فأخذت بعضد صبي كان معها فقالت: ألهذا حج؟
فقال رسول الله : "نعم ولك أجر" .
وعن جابر قال: حججنا مع النبي ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم.
ولصحة المباشرة شرط زائد على الإسلام وهو التمييز.
فلا تصح مباشرة الحج من المجنون والصبي الذي لا يميز كسائر العبادات، ويصح من الصبي المميز أن يحرم ويحج بإذن الولي، ولا يشترط فيها الحرية كسائر العبادات، ولوقوعه عن حجة الإسلام شرطان زائدان: البلوغ والحرية لقوله : " أيما صبي حج / ثم بلغ فعليه حجة الإسلام، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام" والمعنى فيه أن الحج عبادة عمر لا تتكرر فاعتبر وقوعها في حالة الكمال، ولأن التكليف تابع للتمييز فشرط هذا الحكم إذن يعود إلى ثلاثة: الإسلام والتكليف والحرية.
ولو تكلف الفقير الحج وقع حجه عن الفرض كما لو تحمل الغني خطر الطريق وحج، وكما لو تحمل المريض المشقة وحضر الجمعة.
ولوجوب حجة الإسلام شرط زائد على الثلاثة المذكورة آنفاً وهو الاستطاعة بالآية.
والاستطاعة نوعان: استطاعة مباشرته بنفسه واستطاعة تحصيله بغيره.
النوع الأول يتعلق به أمور أربعة: أحدها الراحلة، والناس قسمان: أحدهما من بينه وبين مكة مسافة القصر فلا يلزمه الحج إلا إذا وجد راحلة سواء كان قادراً على المشي أو لم يكن لما روي أنه فسر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد والراحلة.
نعم لو كان قادراً على المشي يستحب له أن لا يترك الحج.
وعند مالك القوي على المشي يلزمه الحج.
ويعتبر مع وجدان الراحلة وجدان المحمل أيضاً إن كان لا يستمسك على الراحلة ويلحقه مشقة شديدة.
ثم العادة جارية بركوب اثنين في المحمل.
فإن وجد مؤنة محمل أو شق محمل ووجد شريكاً يجلس في الجانب الآخر لزمه الحج، وإن لم يجد الشريك فلا.
القسم الثاني من ليس بينه وبين مكة مسافة القصر.
فإن كان قوياً على المشي لزمه الحج وإلا فلا يجب إلا مع الراحلة أو معها ومع المحمل كما في حق البعيد.
والمراد بوجود الراحلة أن يقدر على تحصيلها ملكاً أو استئجاراً بثمن المثل أو بأجرة المثل وكذا في المحمل.
المتعلق الثاني: الزاد وأوعيته وما يحتاج إليه في السفر مدة ذهابه وإيابه سواء كان له أهل أو عشيرة يرجع إليهم أو لا فحب الوطن من الإيمان.
وكذا الراحلة للإياب وأجره البذرقة.
كل ذلك بعد قضاء جميع الديون ورد الودائع ونفقة من يلزمه نفقتهم حينئذٍ إلى العود، وبعد مؤن النكاح إن خاف العنت، وبعد مسكنه ودست ثوب يليق به وخادم يحتاج إليه لزمانته أو لمنصبه.
ولو كان له رأس مال يتجر فيه وينفق من ربحه ولو نقص لبطلت تجارته، أو كان له متسغلات يرتفق منها نفقته، فالأصح عند الأئمة أنه يكلف بيعها لأن واحد للزاد والراحلة في الحال ولا عبرة لخوف الفقر في الاستقبال.
المتعلق الثالث: الطريق ويشترط فيه غلبة ظن الأمن على النفس من نحو سبع وعدو، والأمن على المال من عدو أو رصديّ وإن رضي بشيء يسير، والأمن على البضع للمرأة بخروج زوج أو محرم أو نسوة ثقات.
وفي البحر يعتبر غلبة السلامة وفي البر وجود علف الدابة.
المتعلق الرابع: البدن ويشترط فيه أن يقوى على الاستمساك على الراحلة، فإن ضعف عن ذلك لمرض أو غيره فهو غير مستطيع للمباشرة.
ولا بد للأعمى من قائد، وعند أبي حنيفة لا حج عليه.
ويروى أنه يستنيب قال الأئمة: لا بد مع الشرائط من إمكان المسير وهو / أن يبقى من الزمان بعد الاستطاعة ما يمكنه المسير فيه إلى الحج به السير المعهود، فإن احتاج إلى أن يقطع في يوم مرحلتين أو أكثر لم يلزمه الحج.
ولو خرجت الرفقة قبل الوقت الذي جرت عادة أهل بلده بالخروج فيه لم يلزمه الخروج معهم.
ووجوب الحج في العمر كالصلاة في وقتها، فيجوز التراخي لكنه أن دامت الاستطاعة وتحقق الإمكان ولم يحج حتى مات عصى على الأظهر وإن كان شاباً.
وقال أحمد ومالك وأبو حنيفة في رواية: إنه على الفور.
حجة الشافعي أن فريضة الحج نزلت سنة خمس من الهجرة وأخره النبي من غير مانع فإنه خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة ولم يحج وفتح مكة سنة ثمان، وبعث أبا بكر أميراً على الحاج سنة تسع وحج هو سنة عشر وعاش بعدها ثمانين يوماً.
وأما النوع الثاني فهو استطاعة الاستنابة فإنها جائزة في الحج وإن كانت العبادات بعيدة عن الاستنابة، لأن المحجوج عنه قد يكون عاجزاً عن المباشرة بسبب الموت أو الكبر أو زمانة أو مرض لا يرجى زواله.
وعن ابن عباس أن رجلاً جاء إلى النبي فقال: " يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تحج وماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟
فقال: لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟
قال: نعم قال:فاقضوا حق الله فهو أحق بالقضاء" " وعنه "أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفأحج عنه؟
قال: نعم" .وقد تكون الاستنابة بطريق الاستئجار لأنه عمل يدخله النيابة فيجري فيه الاستئجار كتفريق الزكاة.
وعند أبي حنيفة وأحمد لا يجوز ولكن يرزق عليه.
ولو استأجر كان ثواب النفقة للآمر وسقط عنه الخطاب بالحج ويقع الحج عن الحاج.
والحج بالرزق أن يقول: حج عني وأعطيك نفقتك.
وهذا أيضاً جائز عند الشافعي كالإجارة.
ولكن لا يجوز أن يقول استأجرتك بالنفقة لأنها مجهولة.
والأجرة لا بد أن تكون معلومة.
فهذا جملة الكلام في الاستطاعة عند الجمهور.
وعن الضحاك: إذا قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع، وقيل له في ذلك فقال: إن كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه بل كان ينطلق إليه ولو حبواً، فكذلك يجب عليه الحج.
وفي الآية أنواع من التوكيد والتغليظ منها قوله: ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ أي حق واجب له عليهم لكونه إلهاً فيجب عليهم الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أم لم يعرفوا فإن كثيراً من أعمال الحج تعبد محض.
ومنها بناء الكلام على الأبدال ليكون تثنية للمراد / وتفصيلاً بعد الإجمال وإيراد للغرض في صورتين تقريراً له في الأذهان.
ومنه ذكر من كفر مكان من لم يحج وفيه من التغليظ ما فيه ولهذا قال رسول الله : " من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً" ونظيره قوله : " من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر" ومنها إظهار الغني وتهويل الخطب بذكر اسم الله دون أن يقول: "فإنه" أو "فإني" فإنه يدل على غاية السخط والخذلان.
ومنه وضع المظهر مقام المضمر حيث قال: ﴿ عن العالمين ﴾ .
ولم يقل "عنه" لأنه إذا كان غنياً عن كل العالمين فلأن يكون غنياً عن طاعة ذلك الواحد أولى.
ومن العلماء من زعم أن هذا الوعيد عام في حق كل من كفر ولا تعلق له بما قبله، ومنهم من حمله على اعتقاد عدم وجوب الحج ويؤكده ما روي عن سعيد بن المسيب إنها نزلت في اليهود قالوا: إن الحج إلى مكة غير واجب.
وعن الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله أهل الأديان الستة.
المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين - فخطبهم وقال: إن الله كتب عليكم الحج فحجوا.
فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس وقالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه.
فنزلت ﴿ ومن كفر ﴾ .
ومن الأحاديث الواردة في تأكيد أمر الحج قوله : " "حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة " وروي " "حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه" " أي يتعذر عليكم الذهاب إلى مكة من جانب البر لعدم الأمن أو غيره.
وعن ابن مسعود: حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت أي هلكت.
وعن عمر: لو ترك الناس الحج عاماً واحداً ما نوظروا أي عجل عقوبتهم ويستأصلون.
ثم إنه لاين أهل الكتاب في الخطاب فقال: ﴿ قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ﴾ التي دلتكم على صدق محمد بعد ظهور البينات ودحوض الشبهات، أو بعد معرفة فضيلة الكعبة ووجوب الحج؟
﴿ والله شهيد على ما تعملون ﴾ فيجازيكم عليه.
وهذه الحال توجب أن لا تجسروا على الكفر بآياته ودلالتها على نبوة محمد .
ثم إنه لما أنكر عليهم في ضلالهم وبخهم على إضلالهم فقال: ﴿ لم تصدون عن سبيل الله من آمن ﴾ قال المفسرون: وكان صدّهم عن سبيل الله إلقاء الشكوك والشبهات في قلوب ضعفة المسلمين، وإنكار أن نعت محمد في كتابهم، ومنع من أراد الدخول في الإسلام بجهدهم وكدهم، أو بتذكير ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب ليعودوا لمثله.
ومحل ﴿ تبغونها عوجاً ﴾ أو اعوجاجاً نصب على الحال أو بدل وهو بكسر العين / الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى كالدين والقول.
وأما الشيء الذي يرى فيقال فيه "عوج" بالفتح كالحائط والقناة، ولهذا قال الزجاج: العوج بالكسر في المعاني وبالفتح في الأعيان.
وتبغون بمعنى تطلبون ويقتصر على مفعول واحد إذا لم يكن معها اللام مثل "بغيت المال والأجر" فإن أريد تعديته إلى مفعولين زيدت اللام.
وفالتقدير تبغون لها عوجاً كما تقول: صدتك ظبياً أي صدت لك ظبياً.
والضمير عائد إلى السبيل فإنها تذكر وتؤنث.
والمعنى إنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها زيفاً كقولكم: إن النسخ يدل على البداء وإن شريعة موسى باقية إلى الأبد وإن محمداً ليس بذلك المنعوت في كتابنا أو المراد أنكم تتبعون أنفسكم في إخفاء الحق وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم.
ويحتمل أن يكون ﴿ عوجاً ﴾ حالاً بمعنى ذا عوج.
وذلك أنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله فقيل لهم: إنكم تبغون سبيل الله ضالين ﴿ وأنتم شهداء ﴾ أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلا ضال مضل قاله ابن عباس.
أو أنتم تشهدون ظهور المعجزات على نبوة محمد ، أو أنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يصغون لأقوالكم ويستشهدونكم في عظائم الأمور يعني الأحبار.
وفيه أن من كان كذلك لا يليق بحاله الإصرار على الباطل والكذب والضلال والإضلال.
ثم أوعدهم بقوله: ﴿ وما الله بغافل عاما تعملون ﴾ كقول السيد لعبده وقد أنكر طريقته.
لا يخفى عليّ سيرتك ولست بغافل عنك.
وإنما ختم الآية الأولى بقوله: ﴿ والله شهيد ﴾ وهذه بقوله: ﴿ وما الله بغافل ﴾ لأن ذلك فيما أظهروه من الكفر بنبوة محمد ، وهذا فيما أضمروه وهو الصد بالاحتيال وإلقاء الشبهة.
وفي تكرير الخطاب في الآيتين بقوله: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ توبيخ لهم على توبيخ بألطف الوجوه وألين المقال لعلهم يتفكرون فينصرفون عن سلوك سبيل الضلال والإضلال.
عن عكرمة ويروى عن زيد بن أسلم وجابر أيضاً "أن شاس بن قيس اليهودي - وكان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين - مر على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار.
فأمر شاباً من اليهود أن جلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث، وهو يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج.
ففعل وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار.
فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين، أوس بن قيظى أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج- فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئت والله رددتها الآن جذعة.
وغضب الفريقان جميعاً وقالا: قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة وهي الحرة.
فخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية واصطفوا للقتال فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ﴾ الآيات فجاء النبي حتى قام بين الصفين فقرأها ورفع صوته، فلما سمعوا صوته وأنصتوا له وجعلوا يستمعون، فما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً وجثوا يبكون" .
وفي رواية زيد بن أسلم: "خرج إليهم رسول الله فيمن معه من المهاجرين فقال: يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً؟
الله الله.
فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مطيعين فأنزل الله عز وجل الآيات" .
قال جابر بن عبد الله.
"ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله .
فأومى إلينا بيده وكففنا وأصلح الله ما بيننا، فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله .
فما رأيت يوماً قط أقبح ولا أوحش أوّلاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم" .
﴿ وكيف تكفرون ﴾ استفهام بطريق الإنكار والعجب.
والمعنى من أين يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله تتلى عليكم على لسان الرسول في كل واقعة وبين أظهركم رسول الله يبين لكم كل شبهة ويزيح عنكم لكم علة؟
ومع هذين النورين لا يبقى لظلمة الضلال عين ولا أثر، فعليكم أن لا تلتفتوا إلى قوم المخالف وترجعوا فيما يعنّ لكم إلى الكتاب والنبي .
قلت: أما الكتاب فإنه باق على وجه الدهر، وأما النبي فإن كان قد مضى إلى رحمة الله في الظاهر، ولكن نور سره باق بين المؤمنين، فكأنه باقٍ على أن عترته وورثته يقومون مقامه بحسب الظاهر أيضاً.
ولهذا قال : " إني تارك فيكم الثقلين ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي" " وقال: " إن العلماء ورثة الأنبياء " اللَّهم اجعلنا من زمرتهم بعصمتك وهدايتك.
وفي هذا بشارة لهذه الأمة أنهم لا يضلون أبداً إلى يوم القيامة.
ثم بين أن الكل بعصمة الله وتوفيقه فقال: ﴿ ومن يعتصم بالله ﴾ يتمسك بدينه أو يلتجىء إليه في دفع شرور الكفار ﴿ فقد هدي إلى صراط مستقيم ﴾ والاعتصام الاستمساك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في افة.
أما المعتزلة فحيث لم يجعلوا الاعتصام بخلق الله وهدايته بل قالوا: إنه بفعل / العبد، تأوّلوا الآية بأن المراد بالهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات، أو المراد بالهداية إلى الجنة.
قال في الكشاف: ﴿ فقد هدي ﴾ أي فقد حصل له الهداية لا محالة كما تقول: إذا جئت فلاناً فقد أفلحت كأن الهدى قد حصل له، فهو يخبر عنه حاصلاً.
ومعنى التوقع في "قد" ظاهر لأن المعتصم بالله.
متوقع للهدى، كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده.
التأويل: ﴿ لن تنالوا البر ﴾ وهو صفة الله ﴿ حتى تنفقوا ﴾ أحب الأشياء إليكم وهو أنفسكم.
إن الفراش لم ينل من بر الشمع وهو شعلته حتى أنفق مما أحبه وهو نفسه ﴿ كل الطعام كان حلاً ﴾ الخلق ثلاثة أصناف: الملك النوراني العلوي وغذاؤه الذكر وخلق للعبادة، والحيوان الظلماني السفلي وغذاؤه الطعام وخلق للخدمة، والإنسان المركب من القبيلين وغذاؤه لروحانيته الذكر ولجسمانيته الطعام وخلق للمعرفة والخلافة.
وهذا الصنف على ثلاثة أقسام: منهم ظالم لنفسه وهو الذي بالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ ومنهم مقتصد وهو الذي تساوى طرفاه ﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ ﴿ ومنهم سابق بالخيرات ﴾ وهو الذي بالغ في غذاء روحانيته وهو المذكور، وفرط في غذاء جسمانيته حتى ماتت نفسه وقوي روحه ﴿ أولئك هم خير البرية ﴾ فكان كل الطعام حلالاً للإنسان كما للحيوان إلا ما حرم الإنسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل الوحي والإلهام كما قيل: المجاهدات تورث المشاهدات ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﴾ فمن افترى على الله الكذب بأن يريد أن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس ﴿ قل صدق الله ﴾ في قوله: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا ﴾ ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم ﴾ وكان من ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان، وتسليم الولد للقربان ﴿ وما كان من المشركين ﴾ الذين يتخذون مع الله إلهاً آخر ﴿ إن أول بيت وضع للناس ﴾ لا لله لأنه غني عن العالمين.
وإن أنموذج بيت الله في الإنسان وهو العالم الصغير القلب الذي وضع ببكة صدر الإسلام مباركاً عليه وهدى يهتدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده.
فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع، فبه يسمع وبه يبصر وبه يعقل وبه ينطق وبه يبطش وبه يمشي وبه يتحرك وبه يسكن ﴿ فيه آيات بينات ﴾ يصل بها الطالب إلى مطلوبه والقاصد إلى مقصوده، ومنها مقام إبراهيم وهو الخلة التي توصل الخليل إلى خليله ﴿ ومن دخله ﴾ يعني مقام إبراهيم ببذل المال والنفس والولد وإرضاء خليله ﴿ كان آمناً ﴾ من نار القطيعة ومن / عذاب الحجاب، ثم أخبر عن وجوب زيارة بيت الخليل على الخليل إن استطاع إليه السبيل وذلك بأن وجد شرائط السلوك وإمكانه وآداب السير وأركانه.
ومنها الإحرام بالخروج عن الرسوم والعادات، والتجرد عن الطيبات والمألوفات، والتطهر عن الأخلاق المذمومات، والتوجه إلى حضرة فاطر الأرض والسموات بخلوص النيات وصفاء الطويات، ومنها الوقوف بعرفات المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء، وحسن العهد والوفاء.
ومنها الطواف بالخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالأطواف السبعة حول الكعبة الربوبية.
ومنها السعي بين صفا الصفات ومروة الذات.
ومنها الحلق بمحو آثار العبودية بموسى الأنوار الإلهية.
وقس سائر المناسك على هذا.
﴿ ومن كفر ﴾ بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الألطاف، ولا يترقب لحذبات الأعطاف التي توازي عمل الثقلين وهي الاستطاعة في الحقيقة ﴿ فإن الله غني عن العالمين ﴾ لا يستكمل هو منهم وإنما يستكملون هم منه.
﴿ قل يا أهل الكتاب ﴾ ظاهر الخطاب معهم وباطنه مع علماء السوء الذين يبيعون دينهم بدنياهم ولا يعملون بما يعلمون فيضلون ويضلون، وما العصمة عن اتباع الهوى إلا منه .
[قوله: ﴿ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ﴾ الآية: قد ذكرنا فيما تقدم].
وقوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً ﴾ : قيل فيه بوجوه؛ قيل: إن أوّل بيت مبارك وضع للناس هو بكة.
وقيل: أوّل مسجد وضع للناس مكة.
وقيل: يريد بـ"بكة" البقعة، أي: أوّل بقعة خلق اللهُ هو بكة، ومنها دحيت الأرض.
وقيل: إن آدم - - لما أمر بالحج فيه، قال جبريل - -: "قد حج فيه الملائكة قبلك بألفي عام".
وقيل: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي عام.
ثم اختلف في قوله "بكة"؛ قيل "البكة": الزحام.
وقيل: "البكة"؛ موضع البيت، ومكة سائل القرية.
وعن ابن عباس - - قال: "مكة من فخ إلى التنعيم إلى آخر المنحر، وبكة: من البيت إلى البطحاء".
وقيل: "بكة": الكعبّة؛ حيث يبك الناس، أي: يزدحم بعضهم بعضاً، بـ"مكة": ما وراءها.
وقوله: ﴿ مُبَارَكاً ﴾ ، قيل: يغفر فيه الذنوب والخطايا.
﴿ وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ ﴾ - ما لو تأمّلوا لهداهم؛ وذلك أن الله - عز وجل - خلق هذا البيت بين الجبال في أرض ملساء قليلة الإنزال والريع، لا ماء فيه ولا شجر ولا نزهة؛ ما لا يرغب الخلق إلى مثله، ثم جعل قلوب الناس تميل وتهوي إليه أفئدتهم من غير أن كان فيه ما يرغبهم من النزهة، فلولا أن كان ذلك من آيات الله ولطفه؛ وإلا ما رغب الناس إلى مثله.
ويحتمل قوله: ﴿ فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ ﴾ - ما ذكر: ﴿ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ ، وذلك آياته، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ : ظاهره فيمن يجني، ثم دخل الحرم آمن؛ لأن من لم يجن فهو آمن أين دخل من الحرم وغيره، وإنما الآية على ما يخص بالأمن إذا دخل الحرم دون غيره.
وقد روي عن جماعة من أصحاب رسول الله ما يوافق هذا، ورُوي عن ابن عباس - - قال: "إذا أصاب الرجل الحدَّ في الحرم، أقيم عليه، وإن أصابه في غير الحرم، ثم لجأ إليه، لا يُحَدَّث، ولا يُجالَس، ولا يُؤَاكَلَ، ولا يبايع، حتى يخرج منه؛ فيؤخذ، فيقام عليه الحد".
ورُوي عن ابن عمر - - أنه قال: "لو وجدنا قاتل أبينا في الحرم لم نقتله".
ورُوي عن الحسن - رحمه الله - أنه قال في قوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ - كان هذا في الجاهلية، فأما الإسلام: فلم يزده إلا شدة: من أصاب الحدّ في غيره، لم لجأ - إليه أقيم عليه الحدّ.
يقال للحسن: إن الصيد كان يأمن في الجاهلية، ثم الإسلام لا يرفع ذلك الأمن؛ بل كان أمن الصيد في حال الإسلام.
كهو في حال الجاهلية، فعلى ذلك الأمن الذي كان في الجاهلية هو باق غير زائل في الإسلام.
وأصحابنا - رحمهم الله - يذهبون إلى ما روي عن ابن عباس وابن عمر - ما - أن رسول الله قال: "إِنَّ الله - - حَرَّمَ مَكََّةَ يَوْمَ خَلَقَها؛ لم تُحَلَّ لأَِحَدٍ قَبْلِي ولا تُحَلُّ لأَِحَدٍ بَعْدي، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي سَاعةً مِنْ نَهَارٍ، لا يُخْتَلَي خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَد شَجَرُها، ولا يُنَفَّر صَيْدُها، ولا يُحْتَشُّ حَشِيشُها" .
أخبر رسول الله أن مكة بعد الإسلام حرام؛ كما كانت قبله، وأنها لم تُحَلَّ له إلا ساعة من نهار، فإذا كان الملتجئ آمناً قبل الإسلام؛ فالواجب أن يكون آمناً بعد الإسلام، حتى يخرج منها.
وحجة أخرى: وهو أن الله - - أباح لرسول الله قتل المشركين جميعاً، بل فرض ذلك عليه، إلا أهل مكة؛ فإنه لم يُحِلَّ له قتلهم إلا ساعة من نهار، ففضَّل مكة على غيرها بما خصّها به من التحريم؛ فلا يبعد ألا يقام على من التجأ إليها في الإسلام؛ إذ كانت جنايته أقل من كفر أهلها، ولم يُحَلَّ قتالُهم إلا ساعة من نهار.
وفي الفرق [بين] من قتل فيها وفي غيرها، ثم لجأ إليه - وجه آخر: قال الله - : ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ : أباح لهم القتل عند المسجد الحرام، إذا قاتلونا؛ فعلى ذلك يقام الحدّ إذا أصاب وهو فيه، وإذا أصاب - وهو في غيره - ثم لجأ إليه: لم يُقِمْ؛ كما لم يُقَاتَلُوا إذا لم يُقَاتِلُوا، وهذا فرق حسن واضح [بحمد الله وعونه].
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ -: يحتمل أن يكون خبراً من الحرم في قديم الدهر: أنه كان على ما بين الخلق من القتال والحرب يأمنون بالحرم، إذا التجأوا إليه؛ وذلك كقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ ؛ فيكون ذلك من عظيم آيات الله - - أن أهل الجاهلية - على عظيم ما بدلوا من الأمور، وغيروا من الدين - منعهم الله - - عن هذا التغيير؛ حتى بقيت لكل من شهده آية أن الله له هذا السلطان، وبه قام هذا التدبير العظيم، له العلم بحقائق الأشياء، ووضع كل شيء موضعه؛ وعلى ذلك قال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ ﴾ - إن الله قد جعل - جل ثناؤه - ذلك كالماء في الشرع والطبع، فأمّا الشرع: فما جاءت به الرسل، وأمّا الطبع: فما تنافر الناس، حتى سار ذلك إلى الصيد الذي يؤذيه الأخذ، وإلى أنواع الأشياء التي قامت بجوهر تلك البقعة من البنات، لا بأسباب تكتسب؛ ولهذا كره بيع رباع مكة، ورخص في بيع ما يحدث فيه من البنيان، والله أعلم.
ودلّ قوله: و ﴿ جَعَلْنَا ﴾ كذا - على لزوم ذلك الحق؛ لأنه مذكور بحرف الامتنان، والاحتجاج له، ولا يجوز تغير الذي هذا وضْعُهُ، والله أعلم.
ويحتمل: كأنْ صار آمناً، أي: أوجب له الأمان، ومعلوم أن الذي لم يلزمه القتل كان آمناً دون دخوله؛ فثبت أن ذلك فيمن لزمه؛ وأَيَّد ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ فهم قوم قد سبق منهم الكفر وقت شرع القتل بالكفر، لم يأخذهم حق الشرع على ما سبق من الكفر في وقت لم يكن ذلك جزاءه في الدنيا، إلا أن يُحْدِثَ القتال؛ فعلى ذلك من لزمه - لا فيه - فهو يأمن به، إلا أن يكون أحدثه فيه، والله علم.
وأصله: أنه أضاف الأمان إلى نفسه بقوله: ﴿ كَانَ آمِناً ﴾ فكل حق بِتَلَفِ نَفْسِهِ فله أمان بالدخول فيه، وكل حق في إقامته إحياء ما جعلت الحياة لنفع مثله - فهو يقام؛ ليكون زجراً له، وتكفيراً على بقاء الأمن؛ ليقي نفسه، وردّه إلى ما لم يدر أنه التجأ إليه؛ للهرب عن حكم الله - - أو للأمان بالله؛ ليصل إلى إقامة أحكام الله - - آمناً، وفي إقامته هذا أيضاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ .
فرض الله - - الحج بهذه الآية على من استطاع إليه سبيلاً، ولم يبين ما السبيل، وبين ذلك رسول الله : حيث سئل عن الاستطاعة؟
فقال: "الزَّاُد، والرَّاحِلَةُ" ، وهكذا يقول علماؤنا: إن الاستطاعة والسبيل هو الزاد والراحلة؛ كما روي عن رسول الله .
وقال بعض الناس: إذا كان بينه وبين الحج بحر، لم يلزمه الحج؛ فكأنه ذهب إلى ظاهر الآية: ﴿ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ ؛ فجعل البحر وأشباهه مزيلاً للاستطاعة؛ فخالف ما روي عن رسول الله ؛ لأن رسول الله سئل عن الاستطاعة؟
فقال: "الزَّادُ الرَّاحِلَةُ" ؛ فلم يجز لأحد أن يزيد في شرائط الاستطاعة مع الزاد الراحلة؛ لأن النبي - - هو المبين عن الله؛ فعلينا اتباعه في قوله وفعله وتفسيره الآية، ولكنا نجعل من يحول بينه وبين البيت معذوراً في التأخير، ولا يأثم - إن شاء الله - إذا لم يقدر على الوصول إلى البيت بعلة على ما جعل التأخير في غيرها من العبادات عند الأعذار والعلل، ولا يأثم في ذلك.
ثم في الآية دلالة أنه لا يلزم المرأة الحج إلا بالمحرم؛ لأن المرأة - وإن وجدت الزاد والراحلة - فإنها تحتاج إلى من يُرْكِبُها ويُنزلها، ولا تقدر على ذلك إلا بغيرها، وهكذا العرف فيهن، فإذا كان كذلك جعل كأنها غير واجدة للراحلة، والله أعلم.
وفيه دلالة أن العبد إذا حج ثم أُعْتِق - لزمه حجة الإسلام؛ لأنه لا يملك الزاد والراحلة، فإذا لم يملك الزاد والراحلة لم يجز ذلك من حجة الإسلام وكذلك روي عنه أنه قال: "أَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ وَلَو عَشْرَ حِجَجٍ؛ فَعَلَيْهِ إِذَا أُعْتِقَ حَجَّةُ الإِسْلامِ" .
وليس كالحرّ - الفقير يحج، ثم أيسر: جاز ذلك من حجة الإسلام؛ ففرقوا بينهما، وإن كانا في زوال الحج في الابتداء سواء؛ وذلك الفقير إذا بلغ ذلك المكان صار غنياً، ولزمه الفرض؛ لأنه لا يحتاج حينئذ إلى زاد وراحلة، وأمّا العبد إذا حضر ذلك المكان لم يَعْتِقْ؛ لذلك افترقا.
وفي ذلك حُجة أخرى: ما أجمع أهل العلم أن فقيراً لو حضر القتال ضرب له بسهم كامل؛ كما يضرب لمن كان فَرْضُ الجهاد لازماً له، ولو أن عبداً شهد الوقعة رضخ له، ولم يكمل له سهم الحرّ؛ فافترقت حال الفقير والعبد في: الجهاد، والضرب في السّهْمان؛ فعلى ذلك يفترق حالهما في الحج، والله أعلم.
وقال بعض أهل العلم: إن الشيخ الذي لا يستمسك على الراحلة، [إذا وجد غيره يحج عنه - يلزمه فرض الحج؛ فما ينكر من قال في المرأة بمثله، فاحتج بما روي عن ابن عباس - - قال: "جاء إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إن إبي شيخ فأدركته فريضة الحج، وهو لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة]؛ أفيجزئ أن أحج عنه؟
فقال : أَرَأيتَ لَوْ كَانَ عَلَى أبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ، أكان يُقْبَلُ مِنْكَ؟
قال: نعم؛ قال: فاللهُ أَوْلَى بِحَجِّ أَبِيكَ" أو كلام نحوه، ولكن ليس في الخبر أن فريضة الحج إنما أدركته في الحال التي لا يستمسك على الراحلة، فيجوز أن أدركته فريضة الحج قبل ذلك؛ فكذلك يقول علماؤنا: إن الحج إذا وجب فأخَّر أداءه حتى أعْسِرَ - لم يسقط عنه الحج، وكذلك إن وجب عليه الحج فلم يحج حتى كبر، فصار لا يستمسك على الراحلة، عليه أن يوصي ليُحَجَّ عنه.
ويحتمل - أيضاً - أنه رغبه رسول الله في الحج عنه تبرعاً، لا أنه ألزمه الحج في ذلك الوقت الذي لا يثبت عل الراحلة - وعندنا أنه لا يلزمه؛ لأنه إذا لم يستمسك على الراحلة فلا راحلة له، ثم من قول هذا القائل: إن من لزمه فرض الحج، فله التأخير، وفي التأخير فَوْتٌ أو إدراك المنيّة، ومِنْ قوله: إنه لو أخر حتى مات يصير فاسقاً؛ فإذا مات مات فاسقا، يجعل له رخصة التأخير، ثم يفسقه؛ فكأنه يجعل له الرخصة في الفسق، فذلك قبيح وخش من القول سمج.
وأمّا عندنا: فإنه لا يسع له التأخير في أوّل أحوال الإمكان على تمام شرط الاختيار؛ كغيره من العبادات التي لزمت، من نحو الصلاة، والصيام، وغيرهما؛ لا يسع التأخير؛ فعلى ذلك الحج.
ثم مِنْ قول الشافعي - رحمه الله -: إن على الكافر الحج والصلاة والصيام في حال كفره، فإذا أسلم سقط ذلك عنه؛ فذلك عندنا لعب وعبث في دين الله - - غير جائز أن يلزمه فرض في حال لا يجوز له فعله، فإذا جاء سبب الجواز يسقط عنه ذلك.
وفي الآية دلالة أن الحج إنما كان فرضاً على المؤمنين خاصة؛ بقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ بالحج ﴿ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ فلو كان هو [على] الكافر كما هو على المسلم، لم يكن لقوله معنى؛ دل أنه غير لازم، والله أمر بالعبادات باسم المؤمنين.
ثم المسألة بيننا وبين المعتزلة في الاستطاعة، قالت المعتزلة: تكون قبل الفعل؛ لأن الله - - فرض الحج، وأمر بالخروج إليه، إذا قدر على الزاد والراحلة؛ على ما فسره رسول الله ، وإذا لم يقدر لم يلزمه؛ فدلّ أنها تتقدم.
وأمّا عندنا: فهي على وجهين: أحدهما: استطاعة الأسباب والأحوال.
والثاني: استطاعة الأفعال.
فأمّا استطاعة الأحوال والأسباب: فيجوز تقدمها، من نحو: الزاد، والراحلة، والجوارح السليمة.
وأمّا استطاعة الأفعال فإنها لا تكون إلا مع الفعل؛ لأنها استطاعة الفعل وسببه؛ فلا تكون إلا معه، والوقت في الحج لفعل الحج لا للإيجاب؛ لأنه لو كان للإيجاب لكان له ألا يخرج، ولا يأتي ذلك المكان فيجب عليه الحج؛ ولأنه لو لم يلزمه إلا بالوقت، ثم لا يتمكن فعله به دون المكان فيجئ - لا يلزمه إلا بحضور ذلك، فلا يلزمه الخروج أبداً؛ إذ الحج غير لازم [إلا بالوقت]، ولأنه ليس على العبد أن يتكلف في اكتساب إيجاب العبادات، وعليه أن يَجْهَدَ في أداء الواجب عليه.
ثم الأوقات على أقسام ثلاثة: وقت الإيجاب والأداء جميعاً نحو: الصلاة، والصيام، ونحوهما.
ووقت الإيجاب، نحو: الزكاة.
ووقت الأداء - وهو الحج - إنما وجوبه بالزاد والراحلة، وأمّا الوقت: فهو للأداء خاصّة، فإذا كان في أقصى بلاد المسلمين فهو لم يعط قدرة فعل الحج؛ لأنه لا يقدر على فعله إذا كان فيما ذكر؛ دل أن قدرة الفعل لا تتقدم الفعل، وقدرة الأحوال تتقدم لما ذكرناه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ .
في الآية دلالة أن الله - عز وجل - إذا أمر عباده بأمر ليس بأمره لحاجة نفسه، ويأمر لحاجة العبد؛ لأنه غني بذاته، لا حاجة تمسّه، وأمّا الأمر فيما بين الخلق: فإنما هو لحاجة بعضهم لبعض: إمّا جر منفعة، أو دفع مكروه، فذلك معنى قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ .
ثم اختلف في قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ : عن ابن عباس - - ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ قال: من زعم أنه لم ينزل.
وعن الحسن: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ قال: من زعم أن الحج ليس بواجب.
وقيل: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ بالله، قال: هو الذي إن حج لم يرج ثوابه، وإن جلس لم يخش عقابه.
وعن ابن عباس قال: ﴿ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ ، والسبيل أن يصح بدن العبد، وأن يكون له ثمن زاد وراحلة، من غير أن يحجب".
ثم قال: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ ، يقول: ومن كفر بالحج فلم ير حجة برّاً، ولا تركه إثماً.
[وفي] قوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ ﴾ دلالتان: إحداهما: في الوجوب بقوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، وأيد ذلك قولُهُ: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ وما جاء من الأثر واتفاق القول.
والثانية: جعل البيت شرطاً للقيام لما هو في قوله: ﴿ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ذلك؛ فيكون فيه دليل لزوم الطواف، تفسيره في قوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ، وكذلك أيده قوله: ﴿ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ ﴾ ، وأيّد - أيضاً - "ما روي عن رسول الله أنه قال في امرأة نَفِسَتْ: أَحابِسَتُنا هِيَ؟" قيل: إنها أفاضت.
وعلى ذلك اتفاق القول بلزوم الطواف، والله أعلم.
فلما دلّ أن الطواف لازم لم يخل إمّا أن يكون الطواف المبدأ به في الحج، أو الذي يختم به، والذي يبدأ به لا يلزم كل الناس - ثبت أن الفرض هو الذي يختم به، وهو قوله: ﴿ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ : أوجب جعل السبيل إليه والإمكان - شرطاً للوجوب؛ إذ الآية في ذكر الوجوب لا الفعل؛ وعلى ذلك جميع العبادات، جعل الإمكان في وجوبها شرطاً بالسمع بقوله: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ، وغير ذلك مما ذكر في كل نوع من العبادات من الاستطاعة؛ وكذا حق هذا بالفعل، وذلك يخرج على وجهين: استطاعة الفعل من القدرة التي تحدث لا محالة ما سلمت الأسباب، إلا أن يكون ممن منه الفعل الإعراض عنها بالشغل بغير تلك الأفعال، أو اشتغال ذلك بالفعل؛ فيكون فوت الاستطاعة بتضييعه، ولا عذر بفوت ما كان المكلف يفوته، كفوت العلم به على الإمكان، وإن كان لا يقوم دونه، والذي يؤيّد أن هذه الاستطاعة ليست بشرط في الإيجاب أنها لا تبقى، ثم محال وجودها في حال لو أريد إقامة الحج لا يتهيّأ، وذلك نحو أن يكون في أقصى البلاد من مكة، ومعلوم أن القدرة التي بها يكون الفعل ليست معه، ومحال تكليف السبب الذي به يجب الفعل؛ فلذلك لم يجب تكليف بالخروج ولا أمر بالحج؛ فكأنه يؤمر بتكليف سبب الإيجاب - ثبت أن قد يجب الحج لا بتلك القوة؛ وكذلك يجوز في الكفارات استعمال الأبدال في حال العجز، وإن كان لا يعلم أن العجز يمتد إلى آخر ما يقوم به الأصل، بل على ظهور ألا يمتد بمضي البدل - ثبت أنْ لا عبرة لفقد قدرة الفعل ووجودها في التكليف، والله أعلم.
والثاني: يراد بالاستطاعة: سلامة الأسباب، ولا يجوز التكليف دونها بالفعل؛ لأنه ممنوع، ومحال أمر الممنوع عن الفعل - به؛ كالأعمى، والمُقْعَدِ، ونحو ذلك، وإلى مثل هذا انصرف شرط الاستطاعة، وهو اللازم في العقل؛ لما القرب بحق الشكر لما أنعم على المأمور، فإذا منع عنه السبب الذي هو النعمة لم يحتمل أن يؤمر بالشكر ولا نعمة، والله أعلم.
وعلى ذلك ما روي عن رسول الله أنه سئل عن ذلك؛ فقال: "الزَّادُ والرَّاحِلَةُ" .
والله الموفق.
وعلى ما ذكرت يخرج قول أبي حنيفة - - في وجوب الحج: وإن لم يدرك الوقت الذي فيه يقوم الحج على ما لزمه، وإن لم يكن أصاب المكان الذي فيه يقام - والله أعلم بظاهر الآية مع ما ذكرنا من بيان الأثر.
وأصله: أن الوقت في الحج جعل لجواز الفعل؛ إذ هو لو فات لا يحتمل في غيره، وكل فعل يجوز في غير وقته فما يقرب من الوقت به كان أحق بالجواز؛ فإذا لم يجز هذا وجاز في مثله من القابل - ثبت أنه للجواز لا للوجوب؛ وأيّد ذلك ما لا يوصف بالقضاء متى أدى، ولو كان في الأوّل واجباً لوقت الأول لكان يكون في الثاني قاضياً، فإذا لم يكن: ثبت أنه ليس لوجوبه وقت، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إن أول بيت بني في الأرض للناس جميعًا من أجل عبادة الله هو بيت الله الحرام الذي بمكة، وهو بيت مبارك، كثير المنافع الدينية والدنيوية، وفيه هداية للعالمين جميعًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.j5BxW"
قالوا: إذا كنت يا محمد على ملة إبراهيم والنبيين من بعده، كما تدعي، فكيف تستحل ما كان محرمًا عليه وعليهم كلحم الإبل؟
أما وقد استبحت ما كان محرمًا عليهم فلا ينبغي لك أن تدعي أنك مصدق لهم وموافق في الدين، ولا أن تخص إبراهيم بالذكر وتقول إنك أولى الناس به.
هذه هي الشبهة الأولى، وأما الثانية فهي أنهم قالوا: إن الله وعد إبراهيم بأن تكون البركة في نسل ولده إسحاق، وجميع الأنبياء من ذرية إسحاق كانوا يعظمون بيت المقدس ويصلون إليه، فلو كنت على ما كانوا عليه لعظمت ما عظموا ولما تحولت عن بيت المقدس وعظمت مكانًا آخر اتخذته مصلى وقبلة وهو الكعبة فخالفت الجميع.
فقوله تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ﴾ هو جواب عن الشبهة الأولى.
ولكن (الجلال) وكثيرًا من المفسرين يقررون الشبهة ولا يبينون وجه دفعها بيانًا مقتنعًا إذ يعترفون بأن بعض الطيبات كانت محرمة على إسرائيل والصواب ما قصه الله تعالى علينا في هذه الآية وغيرها من الآيات التي توضحها وهي أن كل الطعام كان حلالًا لبني إسرائيل، ولإبراهيم من قبل بالأولى، ثم حرم الله عليهم بعض الطيبات في التوراة عقوبة لهم وتأديبًا كما قال: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُم ﴾ الآية فالمراد بإسرائيل شعب إسرائيل كما هو مستعمل عندهم، لا يعقوب نفسه، ومعنى تحريم الشعب ذلك على نفسه أنه ارتكب الظلم واجترح السيئات التي كانت سبب التحريم كما صرحت الآية، فكأنه يقول إذا كان الأصل في الأطعمة الحل، وكان تحريم ما حرم على إسرائيل تأديبًا على جرائم أصابوها، وكان النبي وأمته لم يجترحوا تلك السيئات، فلم تحرم عليهم الطيبات؟
ثم قال تعالى مبينًا تقرير الدفع وسنده ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في قولكم لا تخافون أن تكذبكم نصوصها.
أما قول (الجلال) وغيره أن يعقوب كان به عرق النسا -بالفتح والقصر- فنذر إن شفي لا يأكل لحم الإبل فهو دسيسة من اليهود.
وقيل إنه نذر أن لا يأكل هذا العرق وفي التوراة أن يعقوب التقى ببعض أسفاره بالرب في الطريق فتصارعا إلى الصباح وكاد يعقوب يغلبه ولكن اعتراه عرق النسا إلخ ما حرفوه.
﴿ فَمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ البيان والزام الكاذبين على إبراهيم والأنبياء بالتوراة ودعوتهم إلى الإتيان بها وتلاوتها على الملأ وامتناعها عن ذلك لئلا يظهر أن الله لم يحرم عليهم شيئًا من الطعام قبل التوراة.
والأصل في الأشياء الحل حتى يرد النص بالتحريم ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ﴾ بتحويلهم الحق في المسألة عن وجهه ووضع حكم الله بتحريم بعض الطيبات عليهم في غير موضعه ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ﴾ فيما أنبأني به من عدم تحريم شيء على إسرائيل قبل التوراة وقامت الحجة عليكم بذلك فثبت أنني مبلغ عنه إذ ما كان لي لولا وحيه أن أعرف صدقكم من كذبكم فيما تحدثون به عن أنبيائكم.
وإذ كان الأمر كذلك ﴿ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ التي أدعوكم إليها حال كونه ﴿ حَنِيفًا ﴾ لا غلو فيما كان عليه ولا تقصير ولا إفراط ولا تفريط بل هو الفطرة القويمة والحنيفية السمحة المبنية على الإخلاص لله وإسلام الوجه له وحده ﴿ وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ الذي يبتغون الخير من غيره تعالى أو يخافون الضر من غير أسبابه التي مضت بها سنته.
أما قوله ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾ فهو جواب الشبهة الثانية.
وتقريره أن البيت الحرام الذي نستقبله في صلاتنا هو أول بيت وضع معبدًا للناس بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام لأجل العبادة خاصة ثم بني المسجد الأقصى ببيت المقدس بعده بعدة قرون بناه سليمان بن داود عليهما السلام، فصح أن يكون النبي على ملة إبراهيم ويتوجه بعبادته إلى حيث كان يتوجه إبراهيم وولده إسماعيل.
وذهب بعض المفسرين إلى أن الأولية زمانية بالنسبة إلى وضع البيوت مطلقًا، فقالوا: إن الملائكة بنته قبل خلق آدم وأن بيت المقدس بني بعده بأربعين عامًا.
وإذا صح الحديث فلا شيء في العقل يحيله، ولكن الآية لا تدل عليه، ولا يتوقف الاحتجاج بها على ثبوته، وبيت المقدس المعروف الذي ينصرف إليه الإطلاق قد بناه سليمان بالاتفاق، وذلك قبل ميلاد المسيح بنحو ٨٠٠ سنة.
أما قوله تعالى في البيت ﴿ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾ فهو بيان لحاله الحسنة الحسية وحاله الشريفة المعنوية.
﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ﴾ أي فيه دلائل أو علامات ظاهرة لا تخفى على أحد، أحدها أو منها مقام إبراهيم أي موضع قيامه فيه للصلاة والعبادة تعرف ذلك العرب بالنقل المتواتر.
وقوله: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾ آية ثانية بينة لا يمتري فيها أحد وهي اتفاق قبائل العرب كلها على احترام هذا البيت وتعظيمه لنسبته إلى الله حتى أن من دخله يأمن على نفسه لا من الاعتداء عليه وإيذائه فقط بل يأمن أن يثأر منه من سفك هو دماءهم واستباح حرماتهم ما دام فيه.
مضى على هذا عمل الجاهلية على اختلافها في المنازع والأهواء والمعبودات وكثرة ما بينها من الأحقاد والأضغان وأقره الإسلام.
ويرد على إقرار الإسلام لحرمة البيت فتح مكة بالسيف، وأجيب عنه بأنها حلت للنبي ساعة من نهار لم تحل لأحد قبله ولن تحل لأحد بعده كما ورد في الحديث، وذلك لضرورة تطهير البيت من الشرك وتخصيصه لما وضع له.
وأما فعل الحجاج، أخزاه الله، فإنه كان من الشذوذ الذي لا ينافي الاتفاق على احترام البيت وتعظيمه وتأمين من دخله ولا نلجأ إلى تأويل الأمان بمثل ما أوله به من قال إن المراد به الأمن من العذاب يوم القيامة فإنه هدم للدين كله، فإن الأمن هناك إنما يكون لأهل التوحيد الخالص والعمل الصالح الذين أقاموا الدين في الدنيا كما أمر الله تعالى، وما دخول البيت إلا بعض أعمال الإيمان إذا أخلص صاحبه فيه.
أما قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ فهو بيان آية ثالثة من آيات هذا البيت.
هذه الجملة وإن جاءت بصيغة الإيجاب هي واردة في معرض تعظيم البيت وأي تعظيم أكبر من افتراض حج الناس إليه وما زالوا يحجونه من عهد إبراهيم إلى عهد محمد صلى الله عليهما وعلى آلهما وسلم ولم يمنع العرب عن ذلك شركها وإنما كانوا يحجون عملًا بسنة إبراهيم: يعني أن الحج عمل عام جروا عليه جيلًا بعد جيل على أنه من دين إبراهيم وهذه آية متواترة على نسبة هذا البيت إلى إبراهيم فهي أصح من نقول المؤرخين التي تحتمل الصدق، وبهذا وبما سبقه بطل اعتراض أهل الكتاب وثبت أن النبي على ملة إبراهيم دونهم.
أما الحج فمعناه في أصل اللغة القصد وهو بكسر الحاء وبه قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وفتحها وبه قرأ الباقون وقيل الفتح لغة الحجاز والكسر لغة نجد.
أما قوله تعالى: ﴿ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ فإنه بيان لموقع الإيجاب ومحله وإعلام بأن الفرضية موجهة أولًا وبالذات إلى هذا العمل، ولكن الله رحم من لا يستطيع إليه سبيلًا، والاستطاعة تختلف باختلاف الأشخاص.
<div class="verse-tafsir"