الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة آل عمران
تفسيرُ سورةِ آل عمران كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 413 دقيقة قراءةقوله: ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ ﴾ .
قال بعضهم: تفسيره ما وصل به من قوله: ﴿ الۤـمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ : هو تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ : تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤصۤ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ ، وجميع ما وصل به الحروف المقطعة فهو تفسيرها، ولله أن يسمي نفسه بما شاء: سمى نفسه مجيداً؛ كقوله: ﴿ ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ ﴾ ، وسمىّ القرآن مجيداً؛ كقوله: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ﴾ .
وقال بعضهم: الحروف المقطعة هي مفتاح السورة.
وقال آخرون: إن كل حرف منها اسم من أسماء الله .
ومنهم من يقول بأنها من المتشابه التي لا يوقف عليها.
ومنهم من يقول: هو على التشبيب؛ إذ من عادة العرب ذلك، وقد مضى الكلام فيه في قوله: ﴿ الۤـمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ بما يكفي.
وقوله: ﴿ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ ﴾ : هو الحيُّ بذاته، وكل حيٍّ سواه حيُّ بحياة هي غيره، فإذا كان هو حيّاً بذاته لم يوصف بالتغاير والزوال، ولما كان كل حيٍّ سواه حيّاً بغيره احتمل التغاير والزوال؛ وكأن الحياة عبارة يوصف بها مَنْ عَظُمَ شَأْنُهُ، وشَرُفَ أمره عند الخلق.
ألا ترى أن الله - - وصف الأرض بالحياة عند نباتِها؛ لما يعظم قدرها ويشرف منزلتها عند الخلق عند النبات؟!
وكذلك سمى المؤمن حيّاً؛ لعلوّ قدره عند الناس، والكافر ميتاً؛ لدون منزلته عند الناس؛ فكذلك الله - - سمى [نفسه] حيّاً؛ لعظمته وجلاله وكبريائه؛ وعلى هذا يخرج قوله في الشهداء؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ ﴾ ، أي: مكرمون معظمون مشرفون عند ربّهم.
وقوله: ﴿ ٱلْقَيُّومُ ﴾ ، قال بعضهم: هو القائم على كل نفس بما كسبت.
وقال آخرون: القيوم: الحافظ.
وفي حرف ابن مسعود - -: "هو الحيّ القيام" وكله يرجع إلى واحد: القائم.
والقيوم، والقيام، يقال: فلان قائم على أمر فلان، أي: يحفظه حتى لا يغيب عنه من أمره شيء.
وروي عن ابن عباس - - أنه قال: "إنَّ اسمَ اللهَ الأَعْظَمَ هَوَ: الحيُّ القَيُّومُ" وقوله: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ .
ظاهر.
﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ قيل فيه بوجوه: يحتمل بالحق، أي: دعاء الخلق إلى الحق، ويحتمل بالحق، أي: هو الحق نفسه حجة مجعولة، وآية معجزة، أيس العرب عن أن يعارضوه أو يأتوا بمثله، وتحقق عند كُلٍّ أنهُ من عند الله، إلا من أعرض عنه، وكابر وعاند.
وقيل: بالحق، أي: بالصِّدق والعدل.
وقيل: بالحق الذي لله عليهم، وما يكون لبعضهم [على بعض].
ثم قال: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .
أي: موافقاً لما قبله من الكتب السماوية، وهي غير مختلفة ولا متفارتة، وفيه دلالة نبوة [سيدنا] محمد ؛ لأنه أخبر أنه موافق لتلك الكتب غير مخالف لها، ولو كان على خلاف ذلك لتكلفوا إظهار موضع الخلاف؛ فإذا لم يفعلوا ذلك دل أنهم عرفوا أنه من الله، وأن محمداً رسوله، لكنهم كابروا وعاندوا.
وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ﴾ .
من بعد.
وقال بعضهم: ﴿ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ .
أي: بياناً لهم، وحجَّة لمن اهتدى، وحجة على من عمي؛ إذ لا يحتمل أن يكون له هدى، وعليه حجة فيه الهلاك؛ إنما يكون حجة له وهدى إذا اهتدى، وعليه إن ترك الاهتداء؛ فبان أنه يخالف ما يقوله المعتزلة.
وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ﴾ : قد ذكرنا فيما تقدم أنه سمّي فرقاناً؛ لوجهين: أحدهما: لما فرق آياته وفرق إنزاله.
والثاني: لما يفرِّق بين الحق والباطل، وبين الحرام والحلال، وبين ما يتقى ويؤتى؛ فعلى هذا كل كتاب مبيّن فيه الحلال والحرام، وبُيِّن ما يتقى ويؤتى.
والإنجيل فيه سمي إنجيلاً؛ لما يجلي، وهو الإظهار في اللُّغة.
وَقِيل: سمّى التوراة تَوْراة من أوريت الزند؛ وهو كذلك.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ...
﴾ : قيل: بحجج الله.
وقيل: كفروا بآيات الله، أي: بالله؛ لأنهم إذا كفروا بآياته كفروا به، وكذلك الكفر بدينه كفر به، والبراءة من دينه براءة منه، والبراءة من رسول الله براءة منه.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: ذو انتقام لأوليائه من أعدائِه.
وقيل: ذو انتقام: ذو انتصار على الأعداء.
وقيل: ذو بطش شديد.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
هو وعيد؛ كأنه - والله أعلم - قال: لا يخفى عليه ما في السماوات، و[وما في] الأرض من الأمور المستورة الخفية على الخلق؛ فكيف يخفى عليه أعمالكم وأفعالكم، التي هي ظاهرة عندكم؟!
ويحتمل: إذا لم يخف عليه ما بطن، وخفي في الأصلاب والضمائر والأرحام؛ فكيف يخفى عليه أفعالكم وأقوالكم، وهي ظاهرة؟!.
ألا ترى أنه قال: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ ﴾ ؛ إذ علم ما في الأرحام وصوَّرها على ما شاء وكيف شاء.
وهم ﴿ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ﴾ .
وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ﴾ فيه دليل نقض قول من يقول بالقائف؛ لأنه جعل علم التصور في الأرحام لنفسه، لم يجعل لغيره، كيف عرف بالقائف تصوير الأوَّل، حتى قال الله: إنه على صورته وعلى تصويره، وإنه من مائة، ثم اختلف في خلق الأشياء: قال بعضهم بخلق الفروع من الأصول، وهن أسباب للفروع.
وقال آخرون: يكون بأسباب وبغير أسباب، فإن كان بعض الأشياء يكون بأسباب؛ من نحو الإنسان من النطفة، إلا أن النطفة تتلف؛ فتكون علقة، ثم مضغة؛ فدل أنه يخلق الخلق كيف شاء من شيء ولا من شيء، بسبب وبغير سبب، وهو القادر على ذلك، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ اختلف فيه: فقيل: المحكمات: هن النَّاسخات المعمولات بهن، والمتشبهات: هن المنسوخات غير معمول بهن، وهو قول ابن عباس [ ].
وقال آخرون: المحكمات: هن ثلاثة آيات في [آخر] سورة الأنعام: قوله: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ...
﴾ إلى قوله: ﴿ ...
تَتَّقُونَ ﴾ ، وما ذكر في سورة "بني إسرائيل" من قوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ إلى آخر هذه الآيات، سميت محكمة؛ لأن فيها توحيداً وإيماناً بالله وغيره من المتشابه.
ثم قيل بعد هذا بوجوه: قيل: المحكمات: هي التي يعرفها كل أحد إذا نظر فيها، وتأمَّل فيها.
والمتشابه: هو المبهم الذي يعرف عند البحث فيه والطلب.
وقيل: المحكمات: ما يوقف ويفهم مراده.
والمتشابه: هو الذي لا يوقف [عليه] ألبتة، بعد ما قضى حوائج الخلق من البيان في المحكم منه، ولكن يلزم الإيمان به، وهو من الله محنة على عباده، ولله أن يمتحن خلقه بما شاء من أنواع المحن؛ لأنها دار محنة.
وغيرها لا يفهم مرادها.
ويحتمل أن يكون المحكمات: هن ما ظهر لكل أحد من أهل الإسلام؛ حتى لم يختلفوا فيها.
والمتشابه: هو الذي اشبته على الناس؛ لاختلاف الألسن فاختلفوا فيها، ولما يؤدي ظاهره إلى غير ما يؤدي باطنه؛ فتعلق بعضهم بالظاهر فقالوا به، وتعلق آخرون بالباطن؛ لما رأوا ظاهره جوراً وظلماً أو تشبيهاً، على اتفاقهم على نفي الجور والظلم عنه، ويجوز لمن يوقف على المتشابه بمعرفة المحكم.
وقال آخرون: المحكم: هو الواضح المبين، فلو كان على ما قالوا لم يكن لاختلاف الناس فيه، وادعاء كل أنَّ الذي هو عليه هو المحكم؛ لأنه لو كان ظاهراً مبيّناً لتمسّكوا بهن ولم يقع بينهم اختلاف.
وفيه دليل ونقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون بالأصلح في الدين: أنه لا يفعل إلا ذلك، ثم لم يبين لهم المحكم من غير المحكم، ولو بين كان أصلح لهم في الدين؛ فدل أن الله - عز وجل - قد يجوز أن يفعل بهم ما ليس بأصلح لهم في الدين؛ امتحاناً وابتلاءً منه لهم، والله أعلم.
لكن لا يخرج من الحكمة، ثم ما قالوه في الأمر حق؛ لأنه لا يأمر إلا أن يفعل بهم ما لهم فيه الأصلح، وقد يفعل ما هو حكمة في حق المحنة وإن كان غير ذلك أصلح لهم في الدّين، بمعنى: أقرب وأدعى إليه، والله الموفق.
وَقال قوم: المحكم: ما في العقل بيانه.
والمتشابه: ما لا يدرك في العقل؛ وإنما يعرف بمعونة السمع.
وقال قوم: لا متشابه فيما فيه أحكام من أمر ونهي وحلال وحرام؛ وإنما ذلك فيما ليس بالناس حاجة إلى العلم به، نحو: الإنباء عن منتهى الملك، وعن عدد الملوك، وعن الإحاطة بحقيقة الموعود، ونحو ذلك.
ولا قوة إلا بالله.
لكن يمكن أن يكون سمي متشابهاً؛ بما تشابه على أولئك القوم حقيقة ما راموا من الوجه الذي طلبوا.
وقد بيَّنا الحق في أمر المتشابه، وما يجب في ذلك من القول، وبالله العصمة والنجاة.
وقوله: ﴿ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل أم الكتاب، أي: أصل الكتاب.
ويحتمل أم الكتاب، أي: المتقدم على غيرها؛ وعلى هذا يُخَرِّجُ: ﴿ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ ﴾ ، أعني: مكة؛ لأنها هي المتقدمة على غيرها من القرى، ويحتمل هي أصل القرى؛ كما سمى "فاتحة الكتاب": "أم القرآن"؛ لأنها أصل؛ أو لأنها هي المتقدمة على غيرها من السور، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، أي: مقصود الكتاب، يعني: المحكمات، والمتشابهات مما فيه شبه من غيره؛ فيتشابه؛ فهو متشابه؛ كقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ﴾ ؛ وكذلك المشكل سمي مشكلاً؛ لما يدخل فيه شكل من غيره فسمي مشكلاً؛ فكذلك المتشابه يدخل فيه شبه غيره؛ فصار متشابهاً، والله أعلم.
وقوله [عز وجل]: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ .
قيل: ميل عن الحق.
وقيل: الزيغ: هو الريب والشك.
﴿ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ ﴾ ولو كان ثم اتباع لعذروا؛ إذ الاتباع للشيء اتباع ما فيه من المراد؛ وعلى هذا يقولون في قوله: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ : أي يتبعونه حق اتباعه، وكذلك قوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
والمتشابه قد أنزل إلينا من ربنا؛ فيحمد متبعه في الحقيقة؛ فثبت أنه لم يكن ثم اتباع في الحقيقة، وأنه لو كان لعذروا، ولكنه كان - والله أعلم - اتباع الآراء في التأويل بالآراء الفاسدة؛ ألا ترى أنهم طلبوا بالتأويل منتهى ملك هذه الأمَّة؟!
وفي الوقوف عليه وقوف على علم الساعة وسبب القيامة، وذلك علم ما لم يُطْلِع اللهُ الرسلَ على ذلك، فضلاً أن يطلع عليه غيرهم.
قال الشيخ - رحمه الله -: ويحتمل أن يكون اتباعهم نظرهم فيما تقصر أفهامهم عن الإدراك في الوقوف عليه، ولو كان نظرهم في المحكم من ذلك، لكان لهم في ذلك بلاغ وكفاية فيما إليهم به حاجة، ولا قوة إلا بالله.
قال الشيخ - رحمه الله -: في قوله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ : أي: ميل عن الحق، وذلك همتهم، أو كان ذلك اعتقادهم، فإن كان المراد من ذلك في الكفرة فهو الأوّل، وإن كان في أصحاب الهوى من الذين يدينون دين الإسلام - فهو الثاني؛ وكذلك نجد كل ذي مذهب في الدِّين - ممَّن اعتقد حقيقة الأمر في قوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ الآية، وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ...
﴾ الآية - يتعلق بظاهر الآية؛ يدعي أنها محكمة بما عنده أنه الحق، بعد أن أجهد نفسه في طلب الحق، ويسوي غير ذلك عليه، فإن كان على ذلك فحقه التسليم لما عليه توارث الأمة ظاهراً؛ على ما روي عن نبي الله أنه أخبر عن تفرق الأمة، ثم أشار إلى التمسُّك بما عليه هو وأصحابه [- م -] فعلى ذلك أمر المتوارث؛ فيجب جعله محكماً وبياناً [لما] اختلف عليه، ولا قوة إلا بالله.
ويكوت المتبدع في ابتغاء تأويله؛ يريد التلبيس على من لزم تلك الجملة، وكذلك لأهل جمل في الدِّين مرفوع عليه، كذا التنازع وترك الاشتغال بتأويل ما اعترضه، لكان متبع المحكم عند الأمة مطيعاً المتشابه، ولا قوة إلا بالله.
وإن كان هو الأوَّل فقد ذكر أن ذلك في استخراج منتهى ملك هذه الأمة، وأن نهايته الساعة، والعلم به لم يطلع عليه الرسل فضلاً عمن دونهم، أو كان ذلك في أشياء تقصر عقول الضعفاء عن الإحاطة بذلك؛ يريدون بذلك التلبيس على العوام وأهل الغباوة؛ فأخبر - عز وجل - بما ذكر أنه لا يعلمه إلا الله كان ذلك فيما يعلمه غيره أو لا، فإن كان أطلعه فبالله علم، لا أن في العقول بلوغ ذلك، ومعنى الاتباع ما قد بين.
وقوله: ﴿ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾ ، أي: من القرآن يقول ما اشتبه حسابهم.
﴿ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ ﴾ .
وقيل: الفتنة: الكفر، ويحتمل "الفتنة": المحنة، أي: يمتحنون أهل الإسلام.
وقوله: ﴿ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ .
منتهى ما كتب الله - عز وجل - لهذه الأمَّة من المدّة [لهم والوقت]، وأصل التأويل: هو المنتهى.
قال الله - -: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .
أي: وما يعلم منتهى تلك الأمة إلاّ الله.
ثم المتشابه: إن كان ما يوقف فيه فهو، وإن كان مما يعرفه أهل المعرفة، ويعلمه بالواضح - فهو هو، وأصل هذا: أن كل ذي مذهب في الإسلام يدعي على خصمه بما ذهب إليه من الحجاج بالآيات - الوقوع في المتشابه، ولنفسه - الوقوع في الواضح، وعنده أن ما ذهب إليه هو الحق؛ فلا فرق بين أن يدعي عليه ذهابه إلى غير الحق، أو تعديه إلى المتشابه وترك الواضح، فسبيل مثله الفحص والبحث عما ذهب إليه إن جاء بشيء يضطر العقل إلى قبوله سلم له ما جاء به، وإلا فخصمه منه في دعوى مثله: بالوقوع له في المتشابه بمحل دعواه.
وقوله: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : قال قوم: موضع الوقف على قوله: ﴿ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ ﴾ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ : "يقولون"، بمعنى: قالوا، "آمنا به": بما عرفنا، وذلك جائز في اللغة؛ "يقول" بمعنى: "قال".
وقال آخرون: موضع الوقف على قوله: ﴿ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ ، ثم استأنف الكلام فقال: ﴿ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ : المحكم والمتشابه وغيره.
قيل: الراسخون: هم المتدارسون.
وقيل: المتثابتون؛ رسخ، بمعنى: ثبت.
وقيل: الراسخون: [الناتجون.
يقال: رسخ في العلم: نتج فيه].
فإن قيل: ما الحكمة في إنزال المتشابه؟.
قيل: إذا كان مما يعلم فهو يحتمل وجهين: يحتمل: ليعلم فضل العلم على غير العالم.
ويحتمل: أن جعل عليهم طلب المراد فيه، والفحص عما أودع فيه.
وإن كان مما لا يعلم يحتمل المحنة؛ امتحنهم في ذلك بالوقف فيه؛ إذ الدار دار محنة، ولله أن يمتحن عباده بجميع أنواع المحن, وقوله: ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .
أي: ما يتعظ إلا أولو الحجج والعقل.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ فيه وجهان على المعتزلة: أحدهما: أنه أضاف الزيغ إلى نفسه، وهو حرف مذموم عند الخلق، إذا قيل: فلان أزاغ فلاناً عن الحق، فإذا أضاف الله - عز وجل - إلى نفسه حرف الزيغ، دل أن فيه معنى سوى ظاهره؛ حتى جاز إضافته إليه، وهو أن خلق منهم فعل الزيغ، وكذلك هذا في الضلال، وأضاف - أيضاً - الهداية إلى نفسه بقوله: ﴿ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ ، فلو كان الهدى: البيان؛ على ما يقوله المعتزلة، لجاز أن يضاف ذلك إلى رسول الله ؛ إذ هو يملك البيان؛ لأنه بعث مبيناً معلماً، فإذا لم يجز ذلك دلّ أن فيه معنى سوى البيان وهو التوفيق والعصمة؛ حتى جاز إضافته إليه، ولا يجوز إلى غيره، والله الموفق.
والثاني: أنهم سألوا العصمة عن الزيغ والضلال، فلو كان عليه أن يفعل، وأن يبذل لهم العصمة، لم يكن للسؤال عن ذلك معنى؛ فدل أنه تفضل منه ببذل ذلك لهم، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا ﴾ الآية: فيه وجهان: أحدهما: أنه لو لم يكن له إلا الأصلح في الدين؛ فتركه جور، فالقول بـ ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا ﴾ - لا يخلو من أن يكون الإزاغة أصلح له، وهو يدعو بأن يجور أو لا يكون أصلح، فهو يدعو بأنه لا يجوز، ومُحَالٌ الدعاء على خوف الجور؛ ومن خاف جور الخالق فهو غير عارف به.
والثاني: أن الداعي - فيما جبل عليه الخلق - يدعو على أمر أنه لو أجابه لكان لا يزيغ قلبه، وكذلك سؤال العصمة والهداية؛ ولهذا يؤمر به - أيضاً - ولو كان معه زيغ، لكان الأفضل في الأمر بين الدعاء بالإزاغة، وأن "لا تزغ"؛ إذا الخوف مع الأمرين قائم، والله الموفق.
وفى ذلك - أيضاً - وجهان آخران: أحدهما: أن الإزاغة إذا أضيفت إلى أحد، خرجت مخرج الشتم له والتغيير؛ فثبت أن فيما أضيفت إلى الله - تبارك وتعالى - معنى ليس فيما أضيفت إلى أحد آخر غيره، وهو - والله أعلم - أن الإزاغة من كل أحد فعل هو زيغ بنفسه فيه ذمّ، ومن الله ليست [بذم]؛ فيكون فيه أن خلق فعل الزيغ ليس بزيغ، وإن كان فعله زيغاً، والله أعلم.
وفيه أن خلق الشيء ليس هو ذلك، والشيء ذاته يكون من الله ما يوصف بالإزاغة، ويصير لديه الآخر زائغاً، ولا شيء يوجد يكون كذلك سوى خلق فعل الإزاغة من العبد، والله الموافق.
والثاني: قوله: ﴿ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ : ولو لم يكن من الله في الهداية سوى البيان، لكان يصح ذلك لكل كافر، ويجوز الإضافة إلى الرسل؛ فإذ لم يصح ذلك لم يجز، وثبت أن ثم فضلاً، وهو خلق فعل الهداية، والتوفيق الذي معه الاهتداء لا محالة، وبالله [التوفيق و]المعونة.
وقوله: ﴿ وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً ﴾ : يحتمل وجوهاً: يحتمل الهدى والإسلام؛ إذ به يستفاد.
ويحتمل الجنة.
ويحتمل أنهم سألوه كل رحمة.
قال أبو بكر الأصم: الرحمة: السعة في الدنيا، والثواب في الآخرة.
وقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ ﴾ : فهو - على قول المعتزلة - ليس بوهاب؛ لأن الوهاب هو المُفْضِل الذي يهب ويبذل ما ليس عليه، وهو - على قولهم - عليه أن يعطي الخلق كل ما هو أصلح لهم في الدين؛ فالآية تكذبهم، وترد عليهم قولهم الوَخْش في الله، الله عن ذلك [علوّاً كبيراً].
ويحتمل: هب لنا ما يُسْتَوْجب به الرحمة، وهو عمل الخير؛ كقوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .
إقرار بالإيمان والبعث بعد الموت.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ﴾ .
في هذا خاصّة: يراد به القيامة والبعث.
ويحتمل: لا يخلف المعياد في كل شيء، ممّا يصيب الخلق: من الخير والشر، والفرح والحزن والأسف، يقولون: إنه كان بوعده ووعيده، وإنه كان مكتوباً عليهم ولهم، وإنه لا يكون على خلاف ما كان مكتوباً عليهم؛ ليصبروا على الشدائد والمصائب، فلا يجزعوا عليها، ولا يحزنوا، وليشركوا على الآلاء والنعماء ولا يفرحوا عليها، وهو كقوله: ﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً ﴾ ، وذلك أنهم كانوا يستنصرون بأولادهم وأموالهم في الدنيا، ويستعينون بهما على غيرهم؛ فظنوا أنهم يستنصرون بهم في الآخرة، ويدفعون بهم عن أنفسهم العذاب؛ وهو كقولهم: ﴿ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ ؛ فأخبرهم الله - عز وجل - أن أموالكم وأولادكم لا تغني عنكم من عذاب الله شيئاً.
وقوله: ﴿ وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ ﴾ : أي: حطب النار؛ فهو - والله أعلم - أن الإنسان إذا وقع في النار في هذه الدنيا لا يحترق احتراق الحطب؛ ولكنه يذوب ويسيل منه الصَّديد، فقال الله - عز وجل -: إنهم يحترقون في النار في الآخرة احتراق الحطب، لا احتراق الإنسان في الدنيا؛ لأنها أشدُّ بطشاً، وأسرع أخذاً، وأطول احتراقاً؛ وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ : ليس كعذاب الدنيا أنه على الانقضاء والنفاد؛ ولكن على الدوام فيها والخلود أبد الآبدين؛ فنعوذ بالله منها.
وقوله: ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ .
قيل: كأشباه آل فرعون، وقيل: كعمل آل فرعون وكصنيعهم، وكله واحد، ثم يحتمل بعد هذا وجهين: يحتمل: صنيع هؤلاء وعملهم - كصنيع آل فرعون ومن كان قبلهم بموسى، في التكذيب والتعنت.
ويحتمل بصنيع هؤلاء بما يلحقهم من العذاب بالتكذيب والتعنت؛ فألحق أولئك من العذاب بتكذيب الرسل، وتعنتهم عليهم.
﴿ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ : قد ذكرناه.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴾ هذا - والله أعلم - في قوم قد علم الله - عز وجل - أنهم لا يؤمنون أبداً؛ لذلك قال [تعالى] لنبيّه : أن قل لهم: ﴿ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ...
﴾ الآية، وإلا فلا يلحقه ذلك الوعيد، والله أعلم؛ لأن من الكفار من يسلم ومن لا يسلم، [وإلا فلا يلحق بالوعيد من الكفار من أسلم].
وقوله: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ﴾ .
فيه: فإن قال قائِل: ما في فئة قليلة، وهى فئة أهل الإسلام، في غلبة فئة كثيرة، وهي فئة المشركين؛ حيث غلبت فئةُ المسلمين - وهم قليل - فئةَ المشركين - وهم كثير - يوم بدر، وقد يكون لأهل الكفر إذا كانوا قليلاً، فغَلَبُوا على أهل الإسلام - آيةٌ.
قيل: ليست الآية في الغلبة خاصّة؛ لكن الآية فيها [والله أعلم] وفي غيرها من وجوه: أحدها: أن غلبة المسلمين، مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، وخروجهم لا على وجه الحرب والقتال - المشركين مع قوة أبدانهم، وكثرة عددهم، واستعدادهم للحرب، وخروجهم على ذلك، والقتال - آيةٌ، وعلم العدو أنْ ليس لهم فئة، ولا لهم رجاء المدد، وأنْ لا غياث لهم من البشر، وذلك آية الجرأة وعلامة الشجاعة، ومعه آمَنُ، والله أعلم.
والثاني: [أن] ما روي "أن رسول الله أخذ كفاً من تراب، فرماه على وجوههم، وقال: شَاهَتِ الوُجُوُه" ؛ فامتلأت أعينهم من ذلك وعموا؛ حتى انهزموا؛ فصار آية.
والثالث: ما قيل: إن أبا جهل قام فدعا فقال: "أيُّنا أَحَقُّ دِيناً، وَأوصَلُ رَحِماً؛ فَانْصُرْهُ، واجْعِلِ الغَلَبَةَ والْهَزِيمَةَ عَلَى الآخَرِ"، فأستجيبت؛ فكانت الغلبة والهزيمة عليهم؛ فكان آية.
والرابع: ما أعان الملائكةُ المسلمين، وبعثهم الله - عز وجل - مدداً لنصرة المؤمنين على الكافرين يوم بدر؛ فذلك آية.
ووجه آخر: ما ذكرنا أن أصحاب رسول الله كانوا خرجوا شبه العير بغير سلاح، غير مستعدين للقتال على علم منهم بذلك، وأولئك خرجوا مستعدين لذلك، فكان ما ذكر، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله -: في ذكر القليل في الأعين من الجانبين آيةٌ عظيمة؛ إذ هي حسّية، والحواس تؤدي عن المحسوسات حقائقها، فجعلها الله بحيث لا تؤدي؛ لما قال: ﴿ لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً ﴾ ؛ فيحتمل أن يكون المراد مما ذكر من الآية في أمر الفئتين - هذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ ﴾ .
وفي بعض القراءات: "ترونهم" بالتاء: يرى المؤمنون أولئك مثلي أنفسهم لا أكثر، وهم كانوا ثلاثة أمثالهم، على ما روي في القصة؛ وهذا لما جعل الحق عليهم قيام الواحد من المسلمين بالاثنين منهم، مع ضعفهم؛ لجهدهم في العبادات، ويلوغهم الغاية من احتمال الشدائد والمشقات.
أخبر - عز وجل - بمعرفتهم أمر أهل الحرب، وشدة رغبتهم في تعلمهم ما يحتاجون في الحرب والقتال؛ ولهذا قالوا: إن الله - عز وجل - علم المؤمنين جميع ما يحتاجون في الحرب من الآداب وغيرها في الكتاب؛ كقوله: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ ﴾ : أمرهم بالتثبت، ثم قال: ﴿ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ ﴾ : فجعل التنازع الواقع بينهم - على خلاف بعضهم بعضاً - سببَ الهزيمة؛ ففيه أمر بالاجتماع، وجعل التدبير واحداً، والطاعة لإمامهم.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ ﴾ : وإنما كان عبرة؛ لما ذكرنا من خروج المؤمنين بقلة عددهم، وضعف أبدانهم، بلا استعداد للحرب والقتال، إنما هو خروج شبه العير، وخروج أولئِك بالعدة مع قوة أبدانهم، وكثرة عددهم، وطمع المدد لهم، ولم يكن للمسلمين ذلك؛ ففي مثل غلبة المؤمنين الكافرين، والظفر بهم، والنصر لهم عليهم، على الوصف الذي وصفناهم - عبرةٌ وآيةٌ لأولي الأبصار والعبر.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ ﴾ .
أي: الشيهات.
﴿ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ ﴾ .
وما ذكر ...
إلى آخره.
قال الحسن: واللهِ ما زيّنها إلا الشيطان؛ إذ لا أحد أذم لها ولأهلها من الله ، وإليه يذهب المعتزلة، لكن الأصل في هذا وفي أمثاله: أن الله - عز وجل - زيَّن هذه الأشياء، والتزيين من الله [- ] وتعالى - يقع لوجهين، وكذلك الكراهة - أيضاً - تقع لوجهين: تزين في الطباع، والطبع يرغب فيما يتلذذ ويُشْتَهي، وإن لم يكن في نفسه حَسَناً.
وتزين في العقل، فلا يتزين في العقل إلا فيما ثبت حسنه بنفسه، أو الأمر او حمد العاقبة ونحو ذلك، ثم جعل العقل مانعاً له، ردّاً عما يرغب إليه الطبع ويميل؛ لأن الطبع أبداً يميل [ويرغب] إلى ماهو ألذّ وأشهي وأخف عليه، وينفر عما يضره ويؤلمه.
والعقل لا ينفر إلا عما هو القبيح في نفسه، ويرغب فيما هو الحسن في نفسه؛ وعلى ذلك يخرج قوله : "حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَالنَّارُ بِالشَّهَوَاتِ" : ليس على كراهة العقل، ولا على شهوة العقل؛ ولكن على كراهة الطبع وشهوته؛ وكذلك قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ﴾ : ليس على كراهة الاختيار، ولكن كراهة الطبع؛ لأن كراهة العقل كراهة الاختيار، وكذلك رغبة العقول رغبة الاختيار، وفيها تجري الكلفة - أعني: على اختيار العقل، لا اختيار الطبع - بما يميل ويرغب في الألذّ، وينفر عن الضارِّ؛ دليله قوله: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ أخبر أنهم لا يؤمنون ما وجدوا في قضائه حرجاً؛ فدلت الآية أن الخطاب والكلفة إنما يكون على اختيار العقل وكراهيته، لا على اختيار الطبع؛ لذلك قلنا: إنه يجوز التزيين في الطبع من الله ، وكذلك الكراهة في الطبع تكره من الله .
فأمّا قولهم: إن الشيطان هو الذي زينها: فإن عنوا أنه يزينها لهم، أي: يرغبهم ويدعوهم إليها، ويريهم زينتها - فنعم.
وإن عنوا أنّه يزينها بحيث نَفَّسَهَا لهم - فلا؛ لأن الله - - وصف الشيطان بالضعف، ونفي عنه هذه القدرة بقوله: ﴿ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ ، فلو جعلنا له التزيين لهم على ما قالوا، لم يكن كيده على ما وصفه - عزّ وجلّ - بالضعف؛ ولكن كان قويّاً، ولكنه يدعوهم إليها، ويرغبهم فيها، ويريهم المزين لهم، ثم دعاؤه إيَّاهم، وحجَّته في ذلك، وقوته من حيث ما لا يطلع عليه بقوله: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ﴾ ، فالعدو الَّذي يَرَى هو من يعاديه، ولا يُرَى هو - كان يجب أن يكون أحذر منه، وأخوف ممن يرى.
ووجه آخر: أن الشهوات التي أضافت التزيين إليها لا خلاف بينهم في أنها مخلوقة لله [تعالى]، فما بقي للشيطان إلا الدعاء إليها، والترغيب فيها.
وفيه وجه آخر: أنه لو لم يجعل هذا مزيناً من الله ، زال موضع استدلال الشاهد على الغائب، وبالدنيا على الآخرة.
وقد جعل ما في الدنيا نوعين: مستحسناً ومستقبحاً.
وجعل ذلك عياراً لما أوعد ووعد، فلما لم يكونا منه - لا يصح موضع التعيير، لأنه - جلّ وعلا - بلطفه سخَّر كلّ مرغوب في الدّنيا، ومدعو إليه من جوهره - في الآخرة، وحسنه؛ ليرغب الناسَ هذا إلى ما في الجنة بحسنه ولطفه زينته، ويدعوهم إلى ترك ما في الدّنيا من الفاني إلى نعيم دائم أبداً، فلو جعل هذا من تزيين الشيطان - لعنه الله - ومصنوعه لهم، لذهب عظيم موضع الاستدلال الذي ذكرنا؛ فدلّ أنه مزين منه عز وجل، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
ثمّ امتحنهم [الله] - عز وجل - بترك ما زين لهم في الطباع؛ بما ركب لهم من العقول الوافرة؛ ليختاروا ما حسن في العقول وتزين، وعلى ذلك جرت الكلفة والخطاب، لا بما مالت إليه الطباع، ونفرت عنه العقول، وبالله التوفيق.
ثم في الآية دلالة وجوب الحق في كل ما ذكر في الآية من المال، وكذلك الخيل، وأمّا في النساء والبنين: فلما مُتِّعوا بهم - أوجب عليهم النفقة كذلك.
وقوله - عز وجل - ﴿ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ ﴾ : أوجب في النساء عليهم النفقة، وكذلك البنين، وأوجب في الذهب والفضّة حقا، ثم ذكر الخيل المسوّمة: إن كان المراد منه جعلها سائمة؛ لذلك قال أبو حنيفة [ ]: إِنَّ فِي الخَيْلِ صََدَقَةً، ثم اختلف في المسوّمة؛ قال بعضهم: هي المسيبّة الراعية.
وقال آخرون: هي المعلمة، وعن ابن عباس - -: "المُسَوَّمَةُ الرَّاعِيَة".
وقال غيرهم: المُطَهَّمَة، وهي المُحَسَّنة.
ثم أخبر أن ما ذكر في الآية ﴿ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ، وأمرهم بترك ذلك، وأخبر أن لهم عنده: ﴿ حُسْنُ ٱلْمَآبِ ﴾ ، إن هم تركوا مما امتُحِنُوا [به]، ثم قال: إن من اتقى في الدنيا [له خير] من ذلك بقوله: ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...
﴾ إلى آخره.
ثم اختلف في ﴿ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ ﴾ ؛ منهم من قال: ألف ومائتا أوقية.
ومنهم من قال: اثنا عشر ألفاً.
ومنهم من يقول: سبعون ألف دينار.
ومنهم من يقول: هو بلسان الروميّة: ملء مَسْكِ ثور ذهباً أو فضة.
ومنهم من يقول: كل مائةٍ قنطارٌ من كل شيء، وهو اسم المال العظيم الكثير لا يُدرَى ما مقداره، وليس لنا إلى معرفة قدره حاجة ولا فائدة؛ إنما الحاجة إلى معرفة الرغبة فيما كثر من المال؛ إذ ليس قدر أحق بأن يحمل عليه الرغبة من الآخر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ .
قيل: مطهرة: من الآفات كلها، من الأخلاق السيئة، والأقذار والعيوب كلها، وقد ذكرنا فيما تقدم في صدر السورة؛ قال: وكل أهل الجنة مطهر من جميع المعايب؛ لأن العيوب في الأشياء علم الفناء، وهم خلقوا للبقاء، إلا أن الذِّكْر جَرَى للنساء؛ لما ظهر في الدنيا [فيهن] من فضل المعايب والأذى.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا...
﴾ الآية.
قد رضي [منهم] بهذا القول، وفيه تزكية لهم، ولو كان الإيمان: جميعَ الطاعات - لم يرض منهم [التزكية بها، وقد أخبر الله نبيه أن للذين اتقوا عند ربهم في الجنة خيراً من هذا الذي زيّن] للناس في الدنيا من النساء، وما ذكر إلى آخره.
وقوله: ﴿ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا ﴾ : يحتمل: اتقوا الشرك.
ويحتمل: للذين اتقوا الفواحش والمعاصي كلها.
وقوله: ﴿ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ .
قيل: الصَّابرين على طاعة الله.
وقيل: [الصابرين] على أداء الفرائض.
وقيل: الصّابرين على المرازئ والمصائب والشدائد.
والصبر: هو حبس النفس عن جميع ما تهوى وتشتهي.
وقوله: ﴿ وَٱلصَّادِقِينَ ﴾ .
قيل: في إيمانهم.
وقيل: الصَّادقين بما وَعَدوا.
وقيل: الصادقين في جميع ما يقولون ويخبرون.
﴿ وَٱلْمُنْفِقِينَ ﴾ .
يحتمل الإنفاق: ما لزم من أموالهم من الزكاة والصدقات.
ويحتمل المنفقين المؤدين حقوق بعضهم بعضاً من حق القرابة والصلة.
﴿ وَٱلْقَانِتِينَ ﴾ .
قيل: القانت: الخاضع.
وقيل: القانت: المطيع.
وقيل: الخاشع، وكله يرجع إلى واحد، وأصله: القيام، وكل من قام لآخر كان مطيعاً وخاشعاً وخاضعاً ومقراً.
وقيل: القانت: المقرّ كقوله: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ ، أي: مقرون.
وقال قتادة: ﴿ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ : الذين صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه.
﴿ وَٱلصَّادِقِينَ ﴾ : الذين صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا في السّر والعلانية ﴿ وَٱلْقَانِتِينَ ﴾ : المطيعين.
﴿ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ ﴾ ، ﴿ وَٱلْمُنْفِقِينَ ﴾ : يعني: نفقة أموالهم في السبيل الله.
﴿ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ ﴾ : قيل: المصلين بالأسحار.
وقيل: المصلين في أوّل الليل، والمستغفرين في آخره.
وأصل الاستغفار: طلب المغفرة مما ارْتُكِب من المآثم، على ندامة القلب، والعزيمة على ترك العود إلى مثله أبداً، ليس كقول الناس: نسغفر الله، غير ندامة القلب، وأصل الاستغفار في الحقيقة: طلب المغفرة بأسبابها، ليس أن يقول بلسانه: اغفر لي؛ كقول نوح [ ]: لقومه: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ﴾ أمرهم بالتوحيد، ثم أخبر - عز وجل - أن الجنة هي للصابرين والصادقين إلى آخر ما ذكرنا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
قيل: فيه بوجوه: قيل: شهد الله شهادة ذاتية، أي: هو بذاته، ﴿ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ ؛ إذ في ذاته ما تليق الشهادة بمثله له من الألوهية والربوبية، وليس ذلك في ذات غيره، وبالله العصمة.
وقيل: شهد الله بما خلق من الخلائق أنه لا إله إلا هو، أي: خلق من الخلائق ما يشهد خلقه كل أحد على وحدانيته وإلهيته، لو نظروا في خلقتهم وتدبوا فيها؛ وكذلك الملائكة، وأولو العلم شهدوا أنه لا إله إلا هو، على تأويل الأول.
وعلى تأويل الثاني: أن خلقَه الملائكةَ - وأولي العلم - يشهد على وحدانيته؛ فشهدوا على ذلك، إلا الجهّال؛ فإنهم لم يتأمّلوا في أنفسهم، ولا تفكروا في أنفسهم؛ فلم يشهدوا به؛ لأنه أمر الرسل والأنبياء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فقوله وأمره به - شهادةٌ منه، ويحتمل شهادة القول؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ ﴾ ، وذلك من الله: الربوبية، ومن الخلق: العبودية له؛ فيجب أن تعرف الربوبية من العبودية؛ ففيه دلالة خلق الإيمان؛ فمن قال: إنه غير مخلوق - لم يعرف ذا من ذلك، وبالله التوفيق.
وقيل: "شهد الله" أي: علم الله أنه لا إله إلا هو، وكذلك علم الملائكة وأولوا العلم أنه لا إله إلا هو، فإن قال لنا ملحد: كيف صح، وهو دعوى؟!
قيل: لأن دعوى من ظهر صدقه في شهادته إذا شهد، وهو مقبول، وهو بما ادعى من الألوهية والربوبية؛ إذا لم يَسْتَقِلهُ أحد - ظهر صدقه، وقهر كل مذكب له في دعواه، وبالله النجاة.
وقوله: ﴿ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ ﴾ : أي: حافظ ومتولٍّ؛ كقوله: ﴿ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ ، أي: حافظ لها ومتولٍّ؛ كما يقال: فلان قائم على أمر فلان، أي: حافظ لأمره، ومتعاهد لأسبابه.
قال الشيخ - رحمه الله -: وقيل: هو عادل، أي: لا يجور، لا أن ثم معنى القيام؛ كقوله: ﴿ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ : مقسطين، لا أن ثم للقيام فيه معنى يسبق الوهمُ إليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ ﴾ .
قال قائلون: إن الدّين الذي هو حق [مِنْ] بين الأديان، وهو الإسلام؛ لأن كل أحد منهم ممن دان ديناً يدعي أنَّه هو دين الله الذي أمر به.
وقال قوم: إن الدِّين الذي أمر به الآمر من عند الله هو دين الإسلام؛ لأنهم كانوا مع اختلافهم مقرين بالإيمان، لكن بعضهم لا يقرون بالإسلام؛ فأخبر - [عز وجلّ] - أن الدّين الذي أمر به وفيه التوحيد هو دين الإسلام، لاغيره؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً...
﴾ : أخبر [عز وجل] أن إبراهيم - - ليس على دين سوى دين الإسلام، والإسلام هو الإخلاص، على ما ذكرنا فيما تقدم، وعن ابن عباس - - قال: "شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، وَالمَلائِكَةُ شَهِدُوا وَأُولُو العِلْمِ: أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ الإِسْلامُ، وَأَنَّهُ قَائِمٌ بِالقِسْطِ، وَالقِسْطُ: هُوَ العَدْلُ فِى جَميعِ القُرآنِ".
وقوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ : يحتمل وجهين.
يحتمل الاختلاف: التفرق، أي: تفرقوا في الكفر؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ ﴾ الآية [آل عمران: 105].
ويحتمل: الاختلاف: نفس الاختلاف في الدين؛ كقوله: ﴿ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ ﴾ : أخبر أنهم لم يختلفوا عن جهل؛ ولكن عن علم وبيان؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ .
ثم يحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ﴾ وجهين: أي: لم يختلفوا إلا من بعد ما علموا وعرفوا.
ويحتمل: أي: لم يختلفوا إلا من بعد ما أوتوا أسباب: ما لو تفكروا وتدبّروا - لوقع العلم لهم بذلك والبيان، لكنهم تعنتوا وكابروا؛ فاختلفوا.
ثم في الآية دليل ألا يجوز أن يفسّر قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ونحوه: بالانتقال من حال إلى حال، أو من مكان إلى مكان؛ لأنه ذَكَرَ مجيءَ العلم، والعلم لا يوصف بالمجيء ولا ذهاب، وكذلك قوله: ﴿ وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ : ذكر مجيء الحق وزهق الباطل؛ فهما لا يوصفان بمجيء الأجسام، وذهابهم بالانتقال والتحول من مكان إلى مكان، ولا يعرف ذلك ولا يصرف إليه؛ فعلى ذلك لا جائز أن يصرف قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ ﴾ ، ﴿ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ ، ونحوه - إلى المعروف من استواء الخلق ومجيئهم؛ لتعاليه عن ذلك، قال: والمجيء لا يكون عن الانتقال خاصة؛ بل يكون مرة ذاك وأخرى غيره، وكذلك الإتيان، والله أعلم.
وقوله: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ .
قيل: حسداً بينهم؛ لأنهم طمعوا أن يبعث الرسول من بني إسرائيل، على ما بعث سائر الرسل بعد إسرائيل منهم، فلما بعث من غير بني إسرائيل حسدوه، وخالفوا دينه الإسلام، ويحتمل "بغياً": من البغي، وهو الجور.
وقوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .
أي: من المختلفين.
﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ : كأنه على الإضمار - أنْ قل يا محمد: ومن يكفر بآيات الله من بعد ما جاءهم العلم والبيان، فإن الله سريع الحساب.
وله ثلاثة أوجه؛ لأن ظاهر الجواب على غير إضمار أن يكن: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ ، أي: العذاب - والله أعلم - سمي به؛ لأن بعد الحساب عذاب؛ لقوله : "مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ" ، فجعل الحساب عذاباً.
ثم أخبر - [عز وجل] - أنه سريع الحساب، لا كحساب الذي يكون بين الخلق؛ لأن الخلق تشغلهم أسباب، وتمنعهم أشياء يحتاجون إلى التفكر والتدبّر، والله يتعالى عن أن يشغله شيء أو يمنعه معنى، جلّ الله عن ذلك.
وقيل: على التقريب حسابه سريع؛ كَأْن قد جاء لقربه، والله أعلم.
قوله: ﴿ شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ : هو شهادة ربوبية، لا يتوهم له كيفية، ولا يخطر بالبال له المائية، ولا يحتمل الوصول إلى حقيقة ذلك بالتفكر، ولا أن يُحتمل بلوغُ العقل الوقوفَ على ذلك؛ إذ هو خَلْقٌ قصر عن الإحاطة بمائية نفسه، وعن إدراك وجه قيامه بالذي ركب أو تجديد من حيث نفسه، وهو تحت جميع ما ذكرت؛ إذ هو خلق وحَدَثٌ جرى عيه التدبير، ودخل تحت التقدير؛ فالربوبية أحق أن ينحسر عنها الأوهام، وتَكِلَّ عن توهم إدراكها الأفهام؛ وعلى ذلك أمر تكوين الله الأشياءَ، على ما شهدت الأشياء، والتي هي تحت التكوين في العبارة، لا على توهمٍ في التكوين تحتمله الأفهام، أو تبلغه العقول؛ وإنما هو عبارة بها جعل لا يقف على العبارات عن المتعالي عن صفات الخلق، المحقق له الجلال عن جهاتهم إلا من حيث المفهوم في الخلق؛ للتقريب إلى الأفهام دون تحقيق المفهوم، مما عن العبارة عنه - قدرت العبارات في الإخبار عن الله ، عن ذلك وعلى هذا القول الله والرحمن وجميع ما يتعارف الخلق من الأسماء على ما يقرب من الأفهام - المراد بها لا تحقيق الحروف، أو إدخال تحت تركيب الكلام وتأليف العبارة، وهذا معنى معرفة وحدانيته من جهة ضرورات توجب المعرفة، على الوصف بالسبحانية له عن معاني جميع المعروفين، وبالله العصمة والمعونة.
ثم قد يحتمل أن يؤذن في العبارة عن ذلك بما هو ألطف وأدفع للتوهم: توهم ما لعل للقلب عند ذكر الشهادة فضل حيرة، ليس عند تلك العبارة، وذلك يخرج على وجوه في الاحتمال؛ لما يسعه عقولنا دون القطع على شيء مما وقع عندنا يمكن الرجوع إليه، والله - [ ] - أعلم من ذلك بشهادة الخلائق كلهم: ما فيها من آثار الصنعة، ودلالة الربوبية، وشهادة الألوهية؛ لتكون شهادة بالذي ذكر: [بأنْ] لا إله إلا هو؛ إذ في كل شيء سواه هذه الشهادة بالصفة التي جعلها هو فيه له، والله أعلم.
والثاني: أن يكون بذاته متعالياً عن جميع معاني من سواه من المعاني، التي أدخلتها اسم مربوب، وظهر كل شيء في الحقيقة له عند توهم المعبود، [لا] يستحق غيرُهُ غير آثار الحدثيَّة وجهات المدخلة تحت القدرة والتدبير، وهو بذاته متعالٍ عن كلية الجهات والمعاني، التي كانت بها بعد أن لم تكن، وبها صارت مربوبة عبداً، وهو متعال أيضاً عن الوصف بالجهات والمعاني؛ بل هو خلق الخلق، ولا قوة إلا بالله.
ويحتمل: شهد: علم، وكذلك مَنْ شهد الشيء فقد علم مخبره خلقته بإله العالم، وأنه واحد لا شريك له، إله الكل وخالقهم؛ ليعلموا أنما أعلمهم أنه كما أخبر، وذلك في نقض قول كثير ممن ينفون عن الله - [تعالى] - أنه عالم وشاهد كل شيء، والله الموفق.
[ويحتمل: شهد على الخلائق أن يكن عليهم القول والاعتقاد أنه لا إله غيره؛ بمعنى: قضى وأمر، و الله الموفق.] وليس فيما جمعه الله بشهادة من ذكر توهم معنى لشهادته بما هو بشهادة من ذكر، مع ما قد يحتمل لما جمع إلى شهادته شهادة من ذكر وجهان: أحدهما: فضل من ذكر بما ذكر شهادته عند ذكر شهادتهم؛ على نحو قوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ الآية [الأنفال: 41]؛ ذكر ما له، وإن كان له الخلق كله؛ بوجهين: أحدهما: بما جعل ذلك لوجوه العبادة؛ كما أضاف إليه المساجد على أنها وغيرها له، وذكر في الملائكة الذين عنده في أمر القيامة، وإليه المصير، ونحو ذلك، إما مخصوص لما ذكر من الأوقات في فضل أو غير جعل له، أو لما كان [ذلك] لرسول الله نسب إليه، أو كان لكلية المعاني للعبادة؛ فمثله أمر شهادات من ذكرتها بشهادة الله؛ تفضلاً لأولئك وتخصيصاً، من بين الخلائق، والله أعلم.
والثاني: على كون الشهادة من الإخبار بحق الأمر، نسبه إليه؛ كما نسب إليه كتابة الألواح ونفخ جبريل الروح بما كان منه أمر به؛ فكذا فعله في الإضافة إليه، والله أعلم.
ثم حق ذلك - فيما على التحقيق - أن يفهم ما عن الله ربوبيّه وعن العبد عبودية، على جميع ما يضاف إلى الله أنه يفهم من غير الوجه الذي يضاف إلى الخلق؛ فمثله أمر الشهادة، والله أعلم.
وروي عن ابن عباس - - أنه قال: ﴿ شَهِدَ ٱللَّهُ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ ﴾ على معنى جَعْلِ أَنَّهُ صِلَةٌ في الكلام، وحقيقته: شهد الله الذي لا إله إلا هو، والملائكة، ومن ذكر: أن الدّين عند الله الإسلام، والإسلام - في الحقيقة -: جعل كلية الأشياء لله له؛ لا شريك له فيها: في ملك، ولا إنشاء، ولا تقدير.
والإيمان: التصديق بشهادة كلية الأشياء لله ، بأنه ربّها وخالقها على ما هي عليها، جلّ عن الشركاء.
وقد قيل: الإسلام: خضوع.
وقيل: الإخلاص، وهو يرجع إلى ما بيّنا، وذلك كقوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ ﴾ ، والإيمان: هو التصديق [لله ] بما أخبر أنه ربّ كل شيء، وأن له الخلق والأمر.
وقيل: هو التصديق بما جاءت به الرسل، وذلك يرجع إلى ما بينّا، أيضاً.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ ﴾ : قيل: هو عادل لا يجور، [لا أن] للقيام معنى في ذلك؛ كقوله: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ بمعنى : كونوا عادلين مقسطين، والله أعلم.
وقيل: قيام تولٍّ وحفظ، أو كفاية وتدبير؛ كما يقال: فلان قائم بأمر كذا، لا على توهم انتصاب؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَإنْ حَآجُّوكَ ﴾ .
ولم يقل: في ماذا يحاجوك؛ فيحتمل - والله أعلم - أن يكون هذا بعد ما علم الله أنهم لا يؤمنون ولا يقبلون الحجة - أمره بترك المحاجّة بقوله: ﴿ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ ﴾ ؛ وكذلك: من اتبعني أسلموا أنفسهم لله؛ كقوله: ﴿ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ ﴾ ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أيأسه عن إيمانهم، وأمره بترك المحاجة معهم.
وقوله: ﴿ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ ﴾ : أي: أخلصت.
ثم يحتمل قوله: ﴿ وَجْهِيَ للَّهِ ﴾ ، أي: نفسي لله لا أشرك فيها أحداً، ولا أجعل لغير الله فيها حقا، على ما جعل الكفار في أنفسهم شركاء وأرباباً.
قال الشيخ - [رحمه الله] -: وقيل: الإسلام أن يجعل نفسه بكليتها لله - [تعالى] - سالمة، لا شركة فيها لأحد؛ كما قال: ﴿ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ ﴾ والإيمان: هو التصديق لشهود الربوبية لله من نفسه وغيره؛ لأنه ما من شيء إلا وفيه شهادة الربوبية.
وقوله: ﴿ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ ﴾ : أي: ومن اتبع ديني، فقد أسلموا أنفسهم لله [تعالى] أيضاً، لم يشركوا فيها شركاء وأرباباً.
ويحتمل قوله: ﴿ وَجْهِيَ للَّهِ ﴾ ، أي: أسلمت أمر ديني وعملي لله؛ وكذلك من اتبعني واتبع ديني، فقد أسلموا أعمالهم وأمورهم لله؛ كقوله - [تعالى] -: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ ﴾ ، وفي حرف ابن مسعود [ ]: "ومن اتبعني" أي: ومن معي.
وقوله: ﴿ وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلأُمِّيِّينَ ﴾ : قيل: الذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى، والأميين: العرب الذين لا يقرءون الكتاب، ولا لهم كتاب.
﴿ أَأَسْلَمْتُمْ ﴾ أنتم لله؛ كما أسلمت أنا وجهي لله، ومن اتبعني.
﴿ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ ﴾ : وأخلصوا وجوههم لله وأعمالهم.
﴿ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ﴾ : أي: فإن أبوا أن يسلموا فليس عليك إلا البلاغ؛ كقوله - [تعالى] -: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ ، وكقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ، وكقوله: ﴿ عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ ﴾ : هو حرف وعيد.
قيل: ﴿ بَصِيرٌ ﴾ : غير غافل.
وقيل: بصير بجزاء أعمالهم.
وقيل: بصير بما أسرُّوا وأعلنوا، وفي كل وجه وعد ووعيد.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ فَإنْ حَآجُّوكَ ﴾ : ولم يبين في ماذا، فقد يجوز ترك الإخبار عن القصة بوجهين: أحدهما: بعلم أهله.
والثاني: بما في الجواب؛ دليله: قوله: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ ﴾ ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ في غير موضع، على غير البيان أنه عن ماذا؟
وهو - والله أعلم - داخل تحت ذينك الوجهين.
ثم يحتمل أن تكون المحاجة قد كثرت فيما قال: ﴿ فَإنْ حَآجُّوكَ ﴾ ، والحجة قد ظهرت فيه؛ فكانوا يعودون إليها مرة [بعد مرّة]؛ عود تعنت وعناد؛ فأكرم الله رسوله بالإعراض عن محاجتهم، ذلك كمَّا ظهر تعنتهم فقال: ﴿ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ ﴾ على الإعراض عن محاجتهم، والله أعلم.
وعلى ذلك يخرج معنى الأمر بالتولي عنهم في غير موضع.
ويحتمل أن تكون المحاجة في عبادة الواحد القهار والأوثان التي كانوا يعبدونها من دون الله؛ فبين - جلّ ثناؤه - في ذلك بالذي يقول لهم هو ومن اتبعه على ذلك؛ نحو قوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ ، وقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ الآية [الشورى: 15]، ونحو ذلك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : قيل: بآيات الله التي في كتابهم: من بعث محمد ، وصفته.
وقيل: : ﴿ بِآيَاتِ ﴾ بالقرآن، وبمحمد .
﴿ وَيَقْتُلُونَ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَيَقْتُلُونَ ﴾ أي: يهمون يريدون قتلهم؛ كقوله: ﴿ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ ، فلو كان على حقيقة القتل، فإذا قتلونا لم نقدر على قتلهم؛ وكقوله: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ﴾ أي: إذا أردت أن تقرأ القرآن؛ وكقوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ ﴾ كذا، أي: إذا أردتم أن تقوموا إلى الصَّلاة؛ لأنه إذا قام إلى الصّلاة لم يقدر على الغسل؛ فكذلك الأوّل.
ويحتمل أن يريد: الرضا بقتل آبائهم الأنبياء، فأضاف ذلك إليهم.
وقيل: إنه أراد آباءهم الذين قتلوا الأنبياء.
وقيل: جاءَ أنهم كانوا يقتلون ألف نبي كل يوم، قال [الشيخ]: لا أعرف هذا، فإن صح فهو على أنهم تمنوا ذلك، أو قتلوا نبيّاً وأنصاره، فسمّوا أنبياء؛ لما كان ينبىء بعضهم بعضاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ : لو كان أراد آباءَهم كيف يأمر رسوله بالبشارة وهم موتى؟!
دل هذا على أن التأويل هو الأوّل: أنهم هموا بقتلهم، أو ورضوا بصنع آبائهم، والله أعلم.
والبشارة المطلقة إنما تستعمل في السّرور والخيرات خاصَّة، إلا أن تكون مقيّدة؛ فحينئذ تجوز في غيرها؛ كقوله: ﴿ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ قيدها هنا؛ لذلك قال أصحابنا - رحمهم الله -: أن ليست الحقائق أولى من المجاز، ولا الظاهر أولى من الباطن؛ إلا بدليل على ما صرفت أشياء كثيرة عن حقائقها بالعرف؛ من نحو: الإيمان، وغيرها.
وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل: أعمالهم التي فعلوا؛ قبل أن يبعث محمد ، فلما بعث كفروا به، فبطلت تلك الأعمال.
ويحتمل: ما كان لهم ن الأعمال: من صلة المحارم، والقربات، والصدقات، فبطلت لما لا قوام لها إلا بالإيمان، فلما لم يأتوا به - بطلت.
وقوله: ﴿ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ : أمَّا في الآخرة: فثوابها، وأمَّا في الدنيا: فحمدها وثناؤها.
ويحتمل في الدنيا: ثواب الدنيا؛ كقوله: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ٍ، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : فالآيات أعلام وحجج، وهنّ أنواع: منها حسِّيات، نحو: الخلائق؛ في الدلالة على وحدانية الله .
الخارجة منها عن احتمال وسع البشر يظهر عند أداء الرسل الرسالة، يشهد على أن الذي أرسلهم هو الذي تولاهم؛ ليعلم بها محجة ويوضح بها رسالتهم.
ومنها: السمعيات: وهي التي جاءت بها الرسل من الأنباء؛ عما لا سبيل إلى الوقوف عليها، إلا بالتعلم بلا تقدم تعليم، أو ما لا يعلم حقيقة ذلك إلا الله؛ ليعلم أن الله هو الذي أطلعهم عليها؛ ليكون آية لهم، والله أعلم.
ومنها العقليات: وهي التي تعرف بالمحن، والبحث عنها مما بها يوصل إلى معرفة التوحيد والرسالة ونحوها، ثم قد جعلها كلها لرسول الله ، فمن يكفر بها يخرج على وجهين: أحدهما: على الكفران بحقيقة الآيات؛ أن يكون هن آيات لما أقيمت له، وهن من الوجوه التي ذكرت، فقضى الله - - لمن يكفر بها بما ذكرت؛ لتعنتهم ومعاندتهم، والله أعلم.
والثاني: أن يريد بالكفر بالآيات: الكفر بمن له الآيات؛ فنسب إلى الآيات؛ لما بها تعلم الحقيقة، كما تنسب الأشياء إلى أسبابها التي بها يوصل إليها، فذلك معنى الكفر بالآيات، ثم كانت الكتب السماوية، وما فيها من النعوت، وما أعجزهم عن إتيان مثل القرآن، وغير ذلك من الحسّيات، والله أعلم.
فعلى ما ذكرنا يخرج معنى الكفر بالآيات؛ لأنها بحيث يأخذها الحواس، ويحيط بها الأوهام والعقول؛ ولكن على أنهن آيات للذي دَلَّكُم عليه، أو على الكفر بالذي له آيات توجب تحقيقه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .
وقال في ذلك الكتاب: ﴿ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ ، وقد ارتاب فيها أكثر أهل الأرض؛ قيل: قوله: ﴿ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ قد يتكلم به على تثبيت المقول به عند قائله، لا على نفي الشك عن كل من سمعه؛ إرادة التأكيد؛ فعلى ذلك أمكن أن يخرج معناه؛ إذ هو مخاطبة على ما عليه كلامهم؛ وكذلك قولهم أبداً على دوامه وامتداده، لا على حقيقة الأبدية؛ وكذلك يقولون: ﴿ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ ، وأمر قديم: لا على حقيقة القدم؛ التي تخرج على الكون بعد أن لم يكن، والله الموفق.
والثاني: على أنه لا يرتاب فيه المتأمّل المنصف بما جعل الله لذلك من الآيات، وعليه من الأدلة التي من تدبر فيها - أظهرته له، حتى يصير كالمعاين، ولا قوة إلا بالله.
والثالث: أن يخبر به رسوله عن قوم مخصوصين مما كانوا ينازعون فيه، بعد علمهم بصدقة؛ ليعرف به تعنتهم، ويؤيسه عن الطمع فيهم، ولا قوة إلا بالله.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ .
قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ إنما يتكلم به لأحد معنيين: إما للتعجب من الأمر العظيم؛ يقول الرجل لآخر: ألم تر فلاناً يقول كذا، أو يعمل كذا؟!
يقول ذلك له؛ لعظيم ما وقع عنده.
وإمّا للتنبيه.
فأيّهما كان ففيه تحذير للمؤمنين؛ ليحذر المؤمنون عن مثل صنيعهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ ﴾ من قبل الآية؛ حذر المؤمنين أن يكونوا مثل أولئك الذين أوتوا الكتاب، ولا يخالفوا كتابهم كما خالفوا هم.
وقوله: ﴿ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل أن يكون أراد بالكتاب: التوراة؛ على ما قيل: إن النبي قال لهم: "أَسْلِمُوا تَهْتَدُوا، وَلاَ تَتَكَبَّرُوا فقالوا: نحن أهدى وأحق بالهدى منك.
وما أرسل الله رسولاً بعد موسى [ ] فقال لهم النبي : بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ التَّورَاةُ وَالإِنْجِيلُ؛ فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِيهِمَا" يعني: وإني رسول الله، فأبوا ذلك خوفاً وإشفاقاً على ظهور كذبهم.
وقيل: أراد بالكتاب: القرآن، دعوا إليه؛ لأنه مصدِّق لما معهم من الكتاب، فأبوا ذلك.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ﴾ .
الأيام التي عبد آباؤهم العجل، فظنوا أنهم إنما يعذبون بقدر ما عبد آباؤهم العجل، وأنهم لا يخلدون في النار؛ لأنهم زعموا أنهم أبناء الله وأحبّاؤه.
ويحتمل أن يكون آباؤهم قالوا لهم: إنكم لا تعذبون في النار إلا قدر عبادتنا العجل؛ فأخبر - عز وجل - أن قد غرهم في دينهم ما كانوا يفترون، ثم خوفهم فقال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ ﴾ الآية [آل عمران: 26]: يحتمل قوله: ﴿ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ ﴾ وجهين: أحدهما: مالك ملك كل ملك في الدنيا له حقيقة الملك.
والثاني: أن الملك له، يؤتي من يشاء من ملكه، وينزع ممن يشاء الملك، وهو المالك لذلك، والقادر عليه.
والآية ترد على القدرية قولهم: لأنهم يقولون: إن الله لا يعطي الكافر الملك، وهو قد أخبر - عز وجلّ - أنه يؤتي من يشاء الملك، وقد يؤتي الكافر به الملك، فإن قالوا: أراد بـ"الملك": الدين، فقد أخبر - عز وجل - أيضا أنه ينزع، فكيف يستقيم على قولكم في الأصلح هذا.
ثم في الآية تقوية لمن قرأ: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ بالألف لأنه أعمّ وأجمع؛ لأنه قال: ﴿ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ ﴾ وهو أعمّ.
والثاني: أن "الملك" إنما يعتبر عن الولاية والسلطان، و"المالك": إنما يعبر عن حقيقة الملك، ومن له في الشيء حقيقة الملك - فله ولاية التغلب والتصرف فيه ولاية السلطان، ولا كل من له ولاية السّلطان يكون له ولاية التغلب فيه؛ لذلك كان بالألف أقرب، ومن قرأ: "ملك يوم الدين" بغير ألف ذهب إلى أن هذا كقوله: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ ومن الملك يقال: ملك؛ لا يقال: مالك؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
والمالك - على الإطلاق - لا يقال إلا [على الله]؛ وكذلك الرب - على الإطلاق - لا يقال إلا [على الله]، وأما العبد فإنه يقرن الشيء إليه؛ فيقال ربّ الدار ومالكها، ورب الدابة ومالكها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ ﴾ : قال قائلون: الخطاب لرسول الله خاصّة.
وقال آخرون: الخطاب بذلك لكل عاقل؛ وهو كقوله: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ إلى آخر الآية، ذلك الخطاب لكل أحد لا لرسول الله خاصّة.
وقال الشيخ - رحمه الله -: ليس هو خطاب؛ ولكنه أمر بالبلاغ ليقوله كل أحد؛ لأنه لو خوطب به لم يذكر "قل" عند قراءته.
وقوله: ﴿ ٱللَّهُمَّ ﴾ : قال قائلون: "اللهم" يعني: يا آلهتهم.
وقال آخرون: "الله" - على القطع - "أمّنا" اقصدنا بالخير، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ ﴾ الآية: فكأنه - عز وجل - امتحن من رغب في الملك، أو نال حظّاً منه - أن يصرفوا وجه الرغبة إليه، أو يروا حقيقة ما نالوه منه؛ فيوجهون إليه الشكر، ويخضعون له بالعبادة والطاعة فيما أمرهم به؛ لينالوا شرفة ويدوم له عزّه؛ وذلك كقوله: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ليريهم أن الذي يملك هذا النوع الذي رغبت فيه أنفسكم، ومنعتكم عن القيام بحقهِ - هو الذي يملك ذلك؛ فإليه فاصرفوا سعيكم، وبشكره استديموا، الذي له اخترتم جل كدحكم؛ فإنه يملك ذلك دون غيره؛ وجملة ذلك في قوله: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ﴾ ومعقول فيما عليه طبع البشر، وإليه دعاهم عقولهم: أن كل شيء تؤثره أنفسهم - كان الذي يحق عليهم طلبة عند من به يوصل إليه، واختيارهم ما به يبلغون ما يأملون من أنواع الحيل التي تقربهم إلى ذلك، فمثله يلزم أمر الملك ولذَّات الدُّنيا، وتقرر في قلوبهم وجود ذلك لقوم؛ لو كان ينال بالتدبير أو بحسن السياسة، وطلب ذلك من الوجوه التي يطلب بها البشر - لم يكن الدين لهم ذلك بأحق من غيرهم؛ بل كان فيمن حرموا مَنْ هم أولى بذلك، وأحق أن يكون في ذلك متبوعاً لا تابعاً من الذين نالوه؛ ليعلم أن الذي يملك دفع ذلك إلى أحد أو تمليكه أحداً، غير الذين صرفوا كدحهم، وجعلوا له سعيهم؛ فيكون لله في كل أمر ممّا عليه أمر البشر آية عظيمة، وعلامة لطيفة على تفرده بملك ذلك، وتوحُّدِهِ بالتدبير فيه لمن له بصيرة ولمن به يمتحن عباده.
وعلى ذلك إذ ثبتت في ذلك أدلة التوحيد، ولزوم الاعتبار به؛ ليعرف من له الحق - ثبت القول ببطلان ما ينكره كثير من المعتزلة؛ أن الملك ناله الجبابرة، والسعة التي تصل إلى الكَفَرَة - لم يكن نالوه بتقدير الله، ولا وصلوا إليه بتدبيره؛ إذ حقه ما ذكرت من عظيم ما فيه من النعم؛ ليلزمهم به أرفع المحن وأعلى الشكر، وله أن يبلو بالحسنات والسّيئات؛ كما وعد عز وجل؛ وجملته: أن الدنيا إذ هي دار محنة ومكان ابتلاء، فليس الذي يعطي منه على الاستحقاق، ولا ما يمنع على العقوبة - وإن احتمل الدفع والمنع لذلك - ولكن له وللمحن، والمحنة أكثرها على مخالفة الأهواء، وتحمل المكاره، ويكون ذلك على إعطاء ما يعظم في أنفسهم، أو التمكين ليمتحنوا؛ فيتبين الإيثار والترك لوجه الله، والرغبة فيمن إليه حقيقة ملك كل شيء، أو الميل إلى من إليه أنواع التغرير والمخادعات من غير تحقيق، ولا قوة إلا بالله.
وعلى ذ1لك قوله: ﴿ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ﴾ يبيّن ذلك احتجاجه على إبراهيم [- -] بالذي ذكر، وإغضاء إبراهيم عنه، ولو كان الذي آتاه [الله] الملك إبراهيم [- -] لم يكن ليجترئ على تلك المقالة بقوله: ﴿ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ﴾ ، ولا قوة إلا بالله.
ثم على قول المعتزلة؛ إنّ الله - - إنما يشاء أن يؤتي الملك أولياءه، وينزع عن أعدائه في الجملة، فكيف ادعى لنفسه هذا السلطان والملك، وكان الوجوب على ضدّ ذلك؟!
أيظن المعتزلة أن الملحدة تطعن ما هو يوجب الشبهة في حجج التوحيد بأوضح مما أعطاهم المعتزلة بهذا القول، أو يمكنهم من الطعن في نقض ما ادعت الموحدة من علو الرب وقدرته وجلاله بأبلغ مما لقنتهم المعتزلة بما لبست ثوب التوحيد، واستترت بستره في الظاهر، ثم أعطت للملحدة هذا؛ ليظنوا أنهم بلغوا ما به نقض التوحيد، ودفع حجج أهله، جل الله عما وصفته الملحدة، وتعالى، فيه العصمة والنجاة.
ولما أعطتهم المعتزلة في الجملة سبقهم به إبليس، حتى كانوا بمثله يحتجون؛ فيظنون أنهم أحق بالنبوة منهم، بما أعطوا من الملك والثروة في الدنيا؛ فظنوا أنهم أجل عند الله - - وأرفع في المنزلة منهم، من لم يكن ليؤثرهم بالرسالة عليهم، لكن أولئك حققوا حقائق النعم لله، ونيل ما نالوا من الملك والشرف به، والمعتزلة رامت إزالة ذلك عن الله؛ ليزيلوا عنهم ما لزمهم من الشكر له، والطاعة لمن بعثه الله، وأسأل الله تمام نعمه في الدين والدنيا.
وقوله: ﴿ تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ ﴾ ونحو ذلك: وجوه من الأدلة.
أحدها: أن يعلم أن الله [- عز وجل -] فيما يخلق - لا يخلق على معونة الأسباب، وتوليد الطبائع؛ لأن الأسباب تكون بموضع الإشكال؛ وكذلك الطباع تولد الذي في جوهرة؛ نحو: الحار يولد الحرارة، والبارد [يولد] البرودة؛ فبين [الله - -] الإنشاء على أحوال التضاد؛ [ليعلم] أنه القادر على اجتماع ما شاء بلا معونة من ذلك ولا توليد، ولا قوة إلا بالله.
والوجه الثاني: أنه جرى تقدير ذلك على ما لا تفاوت له، ولا اختلاف في اختلاف الأعوام؛ ليعلم أنها مسوّاة على التدبير، أحكمه على ذلك العزيز الحكيم، الذي لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه أمرّ وليعلم أن الذي قدر على ذلك واحد؛ إذ لم يختلف ولم يتناقض، ولا قوة إلا بالله.
وأيضاً، أنه قد صيّر كل جوهر بأحداث الآخر؛ كأنه لم يكن قط، ولا كان بقي له أثر، ثم رده بالوصف الذي كان؛ حتى لا يفوت منه شيء، حتى لا سبيل إلى العلم بالتفصيل بينهما؛ ليعلم أن قدرته على البعث، بعد أن يفني كل الأجزاء والآثار، على ما كان، ولا قوة إلا بالله.
وأيضاً، أنه إذ بنى الأمر على ما فيه من عظيم الحكمة، وعجيب التدبير - لم يجز أن يكون فعله خارجاً على العبث، ثم في رفع المحنة، وإبطال الرسالة في تعليم ما في ذلك من الحكمة، وما يلزم بمكان ذلك التدبير من الشكر والمعرفة، ثم من الترغيب فيما يملك من النعمة، والترهيب عما عنده من النقمة - إبطال الحكمة، وتقرير العالم مَع ما ذكرت على العبث، وذلك فاسد في العقول، وموجود في الجواهر عظيم حكمة منشئها، ثبت بذلك العبادة والرسالة والجزاء، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ لْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ ﴾ إلى آخره: يحتمل وجهين: يحتمل أن تؤتي ابتداء من غير أن كان آتاهم مرة؛ وكذلك تنزع - أي تمنع - ابتداء من غير أن كان آتاهم، ثم ينزع؛ كقوله: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ رفع ابتداء من غير أن كانت موضوعة فرفعها؛ وكقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ إخراج الابتداء، لا أن كانوا فيها ثم أخرجهم، فعلى ذلك هذا، وعلى ذلك قوله: ﴿ تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ إيلاج ابتداء، لا أن كان أحدهما في الآخر؛ كقوله - -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ و ﴿ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً ﴾ أخبر أنه لم يجعل واحداً منها مؤبّدا؛ وكذلك قوله: ﴿ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾ إخراج ابتداء؛ أن يخلق الحي من الميت ابتداء، ويخلق الميت من الحي من غير أن كان فيه؛ ويحتمل هذا كله أن كان يؤتي الملك بعد أن لم يكن، ويعزّ بعد الذل، وينزع الملك بعد أن كان، ويذل بعد أن كان العز؛ [وكذا قوله: ﴿ تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ﴾ : أن يدخل بعض هذا في هذا، وهذا في هذا].
وقوله: ﴿ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾ : قيل: أن يخرج حي الأقوال من ميت الأفعال، وميت الأفعال من حي الأقوال، يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن؛ على ما سمى الله - - الكافر ميتاً، والمؤمن حيّاً في غير موضع من القرآن.
وقيل: يخرج حي الجوهر من ميت الجوهر، وميت الجوهر من حي الجوهر.
وقيل: يخرج الحي من المني، ويخرج المني من الحي.
وقيل: البيضة من الحي، والحي من البيضة.
وقيل: النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة.
وقوله: ﴿ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .
قيل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ : يعرف الخلق عدده ومقداره.
وقيل: بغير تبعة ولا طلبة؛ أي: لا يحاسبهم فيما أعطاهم من بعد ما أعطاهم.
ويحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، أي: لا يعطيهم بحساب أعمالهم، ولكن بتفضل، خلافاً للمعتزلة.
ويحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ : في الآخرة.
وعن ابن عباس - -: "بغير هنداز - فارسية معربة".
وعن مقاتل: "لا يقدر ذلك غيره؛ يقول: ليس فوقي ملك يحاسبني، أنا الملك أعطي من شئت بغير حساب، لا أخاف من أحد يحاسبني" والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ ﴾ ، أي: لا يكونون أولياء لهم، وإن اتخذوا أولياء؛ بل هم لهم أعداء؛ كقوله: ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...
﴾ إلى آخر الآية.
ويحتمل: على النهي، أي: لا تتخذوا أولياء؛ كقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً ﴾ : اختلف فيه: قيل: إلا أن يكون بينكم وبينهم قرابة ورحم؛ فتصلون أرحامهم من غير أن تتولوهم في دينهم، على ما جاء عن علي - [ ] - "أنه قال لرسول الله لما مات أبوه أبو طالب -: إِنَّ عَمَّكَ الضَّالَّ تُوفيِّ، فقال له رسول الله : اذْهَبْ فَوَارِهِ" ويحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ ﴾ على أنفسكم ﴿ مِنْهُمْ تُقَـٰةً ﴾ ، إلا أن تخافوا منهم فتظهروا لهم ذلك مخافة الهلاك، وقلوبكم على غير ذلك.
وعن ابن عباس - -: "التَّقِيَّةُ: التَّكَلُّمُ بِاللِّسَانِ، وَقَلْبُه مُطْمَئِنٌ بِالإِيمَانِ".
وقوله: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ : قيل: عقوبته.
[وقيل: نقمته؛ يقول الرجل لآخر: احذر فلاناً، إنما يريد نقمته وبوائقه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ عقوبته].
وبوائقه، التي تكون من نفسه لما يكن ذلك به لا بغيره، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ ﴾ : يحتمل: ما تخفوا من ولاية الكفار وتبدوه - يعلمه الله، فيه إخبار أن في قلوبهم شيئاً.
ويحتمل: أن يكون أراد جميع ما يخفون ويبدون ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ الآية.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً ﴾ : قيل: تجد ثواب ما عملت من خير حاضراً؛ لأن عمله إنما كان للثواب لا لنفس العمل.
﴿ وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً ﴾ : يحتمل: ما عملت من سوء تجده مكتوباً يتجاوز عنه؛ لأن الله - عز وجلّ - وعد المؤمنين، وأطمع لهم قبول حسناتهم، والتجاوز عن سيئاتهم؛ كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ ؛ فيجد المؤمن ثواب ما عمل من خير حاضراً، ويتجاوز عن مساوئه.
وأمّا الكافر: فيجد عقاب ما عمل من سوء في الدنيا؛ كقوله: ﴿ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً ﴾ فلا يتجاوز عنهم، ويبطل خيراتهم.
وقوله: ﴿ أَمَدَاً بَعِيداً ﴾ : قيل: بعيداً من حيث لا يرى.
وقيل: بعيداً تودّ: ليت أن لم يكن، وما من نفس مؤمنة ولا كافرة إلا ودّوا البعد عن ذنبه، وأنه لم يكن.
﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ : قد ذكرناه.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ ﴾ : إن أراد رأفة الآخرة - يعني بالمؤمنين خاصّة، وإن أراد رأفة الدينا - فهو بالكل.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ ﴾ : فالرحمة من الله - جلّ ثناؤه - والرأفة نوعان: أحَدهما: في حق الابتداء، أن خلق خلقاً ركب فيهم ما يميزون بين مختلف الأمور، ويجمعون بين المؤتلف، ثم لم يأخذ كلا منهم بما استحق من العقوبة؛ بل رحم وأمهل للتوبة والرجوع إليه، وهذه الرحمة رحمة عامة لا يخلو عنها عبد.
ورحمة في حق الجزاء؛ من التجاوز والمغفرة وإيجاب الثواب للفعل، فهذه لا ينالها أعداؤه؛ لما يوجب التجهيل في التفريق بين الذي جعل في العقول التفريق؛ ولما يكون وضع الإحسان في غير أهله، والإكرام لمن لا يصرف الكرم به؛ ولما في الحكمة تعذيبهم تخويفاً وزجراً عما يختارون، وينالها من تقرب واعتقد الموالاة، وكان هو أعظم في قلوبهم وطاعته من جميع لذَّات الدارين، وإن كانوا يبلون بالمعاصي على الجهالة، أو على رجاء الرحمة والعفو؛ إذ هو كذلك في شرطهم الذي به والوه، وبالغلبة، والله أعلم، فهي رحمة خاصّة، أي: هي بالمؤمنين، وبالعباد الذين بذلوا أنفسهم له بالعبودة بحق الاختيار، وإن كان يغلبون على ذلك في أحوال، والله الموفق.
وقوله: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ ﴾ قيل: إن ناساً كانوا يقولون في عهد رسول الله : إنا نحبُّ الله حبّاً شديداً؛ فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية، وبين فيها لمحبته علماً.
وقيل: إنّ اليهود لما قالوا: نحن أبناء الله وأحبّاؤه؛ فأنزل الله - تبارك وتعالى -" قل يا محمد: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ ﴾ وذلك أنّ من أَحبّ ملكاً من الملوك يحبّ رسوله، ويتبعه في أمره، ويؤثر طاعته لحبّه، فإذا أظهرتم أنتم بغضكم لرسولي، وتركتم اتباعه في أمره، وإيثار طاعته - ظهر أنكم تكذبون في مقالتكم: نحن أبناء الله وأحبَّاؤه؛ لأن من أحبَّ آخر يحب المتصلين به ورسله وحشمه، والمحبّة - ههنا -: الإيثار بالفعل طاعة من يحبّه فيما أحبّه وكرهه، والطاعة له في جميع أمره، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ...
﴾ الآية: قد تقدم ذكرها.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ ﴾ : اختلف فيه؛ قيل: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً ﴾ ومن ذكر لرسالته ولنبوته.
وقيل: اختارهم لدينه، وهو الإسلام.
وقيل: اختارهم في النية والعمل الصالح والإخلاص لله.
قال الشيخ - رحمه الله -: الاصطفاء: أن يجعلهم أصفياء من غير تكدر بالدنيا، وغيرهم اختيارهم لأمرين: لأمر الآخرة، ولأمر المعاش؛ ألا ترى إلى قوله: "إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ؛ نَمُوتُ مَوْتَ العَبْدِ لِسَيِّدِه" وقال الشيخ [رحمه الله] أيضاً في قوله: إن الله اصطفى من ذكر: فهو - والله أعلم - ذكر الله أولياءه وأهل صفوته، ثم أعداءه وأهل الشقاء؛ ترغيباً فيما استوجبوا الصفوة؛ وتحذيراً عما به صاروا أهل الشقاء؛ إذ هما أمران يتولّدان عن اختيار البشر، ويقومان بأسبابهما أهل المحن، لا بنفس الخلقة والجوهر؛ فصار الذكر للمعنى الذي ذكرت؛ وعلى [ذلك وجه ذكر] عواقب الفريقين في الدنيا، وما إليه يصير أمرهم في المعاد؛ وعلى هذا ما ضرب الله من الأمثال بأنواع الجواهر الطيبة والخبيثة في العقول والطبائع ترغيباً وترهيباً؛ وعلى هذا جميع أمور الدنيا، أنها كلها عبر ومواعظ، وإن كان فيها شهوات ولذات، وآلام وأوجاع؛ ليعلم أنها خلقت لا لها لكن لأمر عظيم، كان ذلك هو المقصود من مدبر العلم [أن] بالعواقب يذم أهل الاختبار ويحمدون؛ فجعل الله عواقب الحكماء وأهل الإحسان حميدة لذيذة؛ ترغيباً فيها، وعواقب السفهاء وأهل الإساءة دميمة وجيفة؛ تزهيداً فيها؛ فخرج جميع فعل الله على الحكمة والإحسان، وإن كانت مختلفة في اللذة والكراهة؛ لأنه كذلك طريق الحكمة في الجزاء، وفي ابتداء المحنة، إلا أن المحنة تكون مختلفة، والجزاء نوع لما هو كذلك في الحكمة والإحسان؛ إذ كذلك سبق من أهله الاختيار والجزاء على ما اختاره من له وعليه حكمه وإحسان؛ أعني: بالإحسان فيما يجوز الامتحان بلا جزاء بحق الشكر لما أولى وأبلى، والحكمة فيما كان لازماً ذلك في التدبير، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ﴾ : قيل: بعضها من بعض في النسب من ذرية آدم، ثم من ذرية نوح، ثم من ذرية إبراهيم، عليهم السلام.
وقيل: بعضهم من ذرية بعض.
وقيل: بعضهم من جوهر بعض؛ فلا تتكبروا؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾ منع الحرّ عن التعظيم على العبد.
واختلف في الذرية: قال بعضهم: "الذرية": الأولاد والآباء؛ كقوله: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ﴾ ، وكانوا الأولاد والآباء، والذريّة مأخوذة، وهو الخلقة.
وقيل: "الذرية": الأولاد خاصّة، يقال: ذرية فلان، إنما يراد، أولاده خاصّة؛ دليله قوله: ﴿ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ .
وقوله: ﴿ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ .
واختلف في الآل؛ قيل: آل الرجل: المتصلون به.
وقيل: آل الرجل: أتباعه.
وقيل: أقرباؤه.
وروى [أن النبي] قال: "كُلُّ تَقِيٍّ فَهُوَ مِنْ آلِي".
وقيل: إن عمران من ولد سليمان بن داود.
وقوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ﴾ .
لما أخبر - عز وجل - أنه اصطفى آل عمران واختارهم على سائر العالمين، وكان أقل ما في صفوته واختياره أن جعلت امرأة عمران ما في بطنها محرّراً.
"والمحرّر": هو العتيق عن المعاش بالعبادة.
وقيل: "المحرّر" هو الذي يعبد الله - - خالصاً مطيعاً، لا يشغله شيء عن عبادته، فارغاً لذلك، وهو قول ابن عباس - .
وقيل: "المحرر" هو الذي يكون لله صافياً؟
وقيل: "المحرر" هو مَنْ خَدَمَ المسجد.
وقوله: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ﴾ .
جعلت ما في بطنها لله خالصاً، لم تطلب منه الاستئناس به، ولا ما يطمع الناس من أولادهم، وذلك من الصفوة التي ذكر - عز وجل - وهكذا الواجب على كل أحد أنه إذا طلب ولداً أن يطلب للوجه الذي طلبت امرأة عمران وزكريّا، حيث، قال: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ ، وما سأل إبراهيم - -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا...
﴾ الآية [الفرقان: 74] هكذا الواجب أن يطلب الولد لا ما يطلبون من الاستئناس والاستنصار والاستعانة بأمر المعاش بهم.
وقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .
أي: تقبل مني قرباني، ومنا جعلت لك خالصاً، إنك أنت السميع لنذري، العليم بقصدي في التحرير.
وقيل: ﴿ ٱلسَّمِيعُ ﴾ : المجيب لدعائي، ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بنيتي.
وقوله: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ .
ومعنى قولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ - مع علمها أن الله عالم بما في بطنها وبما وضعتها - وجهان: أحدهما: اعتذاراً لما لم يكن يُحَرَّر في ذلك الزمان إلى الذكور من الأولاد؛ فاعتذرت: إني ما وضعت لا يصلح للوجه الذي جعلت.
والثاني: أن الإنسان إذا رأى شيئاً عجيبا قد ينطق بذلك، وإن كان يعلم أن غيره علم ما علم هو، وأنه رأى مثل ما رأى هو.
أو يحتمل أن طلبت ردّها إلى منافعها إذا وضعت الأنثى؛ لما رأت الأنثى لا تصلح لذلك.
ويحتمل قولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ : التعريض لإجابة الله - - لها فيما قصدت من طاعته بالنذور إن لم تكن صلحت لما قصدت، وقد أجيبت في ذلك بقوله: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ نحو ما يتقبل لو كان ذكراً في الاختيار والإكرام، وجعلها خير نساء العالمين.
وقوله: ﴿ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ ﴾ .
اختلف فيه: إن ذلك قولها، قالت: ﴿ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ ﴾ على إثر قولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ ؛ لما تحتاج الأنثى إلى فضل حفظ وتعاهد، والقيام بأسبابها ما لا يحتاج الذكر.
وقيل: إن ذلك قول قاله - عز وجل - لما قالت: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ ﴾ ، جواباً لها، ﴿ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ ﴾ فيما قصدت، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ .
فيه دليل [على] أن تسمية الأولاد إلى الأمهات في الإناث دون الآباء، ثم التجأت إلى الله ، حيث أعاذتها به - وذرّيتَها - من الشيطان الرجيم.
وفيه دلالة أن الذكور يكونون من ذرّية الإناث؛ لأنه لم يكن منها إلا عيسى، .
وقوله: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ : أن أعاذها وذرّيتها من الشيطان الرجيم على ما سألت.
ويحتمل أن جعلها تصلح للتحرير ولما جعلت، وإن كانت أنثى.
وقوله: ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً ﴾ .
يحتمل - أيضاً - نباتاً حسناً؛ أن لم يجعل للشيطان إليها سبيلاً.
ويحتمل أن ربّاها تربية حسنة؛ أن لم يجعل رزقها وكفايتها بيد أحد من الخلق؛ بل هو الذي يتولى ذلك لما يبعث إليها من ألوان الرزق، كقوله: ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ .
فيه لغتان: إحداهما: بالتخفيف، والأخرى: بالتشديد؛ فمن قرأ بالتخفيف؛ فمعناه ضمّها زكريّا إلى نفسه، ومن قرأ بالتشديد؛ فمعناه: أن الله - عز وجل - ضمّها إلى زكريا.
وقوله: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ﴾ .
قيل: وجد عندنا فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف - قال زكريا: ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ﴾ .
قيل: فيه بوجهين: قيل: استخبار عن موضعه، أو كيف لك هذا، على الاستيصاف؛ إنكاراً عليها واتهاماً؛ لما لا يدخل عليها غيره، ولا يقوم بكفايتها سواه، فوقع في قلبه أن أحداً من البشر يأتيها بذلك.
وقيل: إنه قال ذلك؛ تعجباً منه لذلك لما رأى من الفاكهة والطعام في غير حينه غير متغير؛ فقال: ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ﴾ ؛ تعجباً منه لذلك.
ثم قالت: ﴿ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .
أي: يرزق من حيث لا يحستب.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ .
قيل: فعند ذلك دعا زكريا ربه لما كانت نفسه الخاشية تحدث بالولدان تهب له، لكنه لم يدعو لما رأى نفسه متغيرة عن الحال التي يطمع منها الولد، فرأى أن السؤال في مثل ذلك لا يصلح؛ فلما رأى عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف غير متغيرة عن حالها - علم عند ذلك أن السؤال يصلح، وأنه يجاب للدعاء في غير حينه، فذلك معنى قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ ، والله أعلم.
ويحتمل أنه لما رأى ما أكرمت امرأة عمران في قبول دعوتها وتبليغ ابنتها في الكرامة المبلغ الذي رأى فيها مما لعل أطماع الأنفس لا تبلغ ذلك - دعا الله - أن يكرمه ممن يبقى له الأثر فيه والذكر، وإن كانت تلك الحال حال لا تطمع الأنفس فيما رغب - - مع ما كان يعلم قدرة الله - - على ما يشاء من غير أن كان يحس على طلب الإكرام بكل ما يبلغه قدره، حتى رأى ما هو في الأعجوبة قريب مما كانت نفسه تتمنى، والله أعلم بالمعنى الذي سأل.
وقوله: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ﴾ .
أي: مجيب الدعاء.
وقوله: ﴿ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ ﴾ .
دل هذا أن المحراب هو موضع الصلاة.
﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ ﴾ .
فيه دلالة لقول أصحابنا - رحمهم الله - أن الرجل إذا حلف ألا يبشر فلاناً فأرسل إليه غيره يبشره - حنث في يمينه؛ لأنه هو البشير، وإن كان المؤدي غيره؛ ألا ترى أن البشارة - ههنا - أضيفت إلى الله - - فكان هو البشير؛ فكذلك هذا.
وقوله: ﴿ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .
﴿ بِكَلِمَةٍ ﴾ قيل: عيسى - - كان بكلمة من الله، فيحيى صدّقه برسالته.
وقيل: أول من صدق عيسى - يحيى بن زكريا، ولهذا وقع على النصارى شبهه؛ حيث قالوا: عيسى ابن الله، بقوله: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ ظنوا أنه في معنى "فيه"؛ لكن ذلك إنما يذكر إكراماً لهم وإجلالاً، ولا يوجب ذلك ما قالوا؛ ألا ترى أن الله - عز وجل - قال: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ﴾ ونحو ذلك، لم يكن فيه أن النعمة منه في شيء؛ فعلت ذلك الأول.
وقوله: ﴿ وَسَيِّداً ﴾ : قيل: سيّداً في العلم والعبادة.
وقيل: السيّد: الحكيم ههنا.
وقيل: السيد: الذي يطيع ربه ولا يعصيه، فكذلك كان صلوات الله عليه.
وقيل: السيد: الحسن الخلق.
وقيل: السيّد: التقي.
وقيل: اشتق يحيى من أسماء لله - - من: "حي"، والله - عز وجل - هو الذي سمّاه يحيى؛ وكذلك عيسى - روح الله - هو الذي سمّاه مسيحاً؛ بقوله: ﴿ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ وذلك إكراماً لهم وإجلالاً، على ما سمى إبراهيم: خليل الله، ومحمد: حبيب الله، وموسى: كليم الله؛ إكراماً لهم وإجلالاً؛ فكذلك الأوّل.
وجائز أن يكون "يحيى" بما حيي به الدّين.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ بِيَحْيَـىٰ ﴾ : قيل: سمّاه به؛ لما حيي به الدّين والمروءة، أو حيي به العلم والحكمة، أو حيي به الأخلاق الفاضلة، والأفعال المرضية؛ ولهذا - والله أعلم - سمي سيّداً؛ لأن السؤدد في الخلق يكتسب بهذا النوع من الأحوال.
وسمي مسيحاً بما مسح بالبركة، أو يبارك في كل شيء يمسحه بيده؛ نحو أن يبرأ به ويحيى، والله أعلم.
وحقيقة السؤدد أنه يكتسب بالأخلاق الحسنة، والأفعال المرضية، وجائز أن يكون - - جمعهما فيه؛ فسمّي به، والله أعلم.
والأصل في هذا ونحوه: أن الأسماء إن جعلت للمعارف، ليعلم بها المقصود - فالكف عن التكلف في المعنى الذي له سموا له أسلم، وإن كان في الجملة يختار ما يحسن منه في الأسماع، دون ما يقبح على المقال، أو على الرغبة في ذكره على ما يختار من كل شيء، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَحَصُوراً ﴾ : قيل: الحصور: الذي لا ماء له ولا شهوة.
وقيل: هو المأخوذ عن النساء، والممنوع منهن.
وقيل: هو الذي لا يشتهي النساء.
وكله واحد، والله أعلم.
﴿ وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : ذكر أنه من الصالحين، وإن كان كل نبي لا يكون إلاّ صالحاً؛ على ما سمي كل نبي صدّيقاً، وإن كان لا يكون إلا صدّيقاً، ووجه ذكره صالحاً: أنه كان يتحقق فيه ذلك؛ لأن غيره من الخلق، وإن كان يستحق ذلك الاسم - إنما يستحق بجهة، والأنبياء - عليهم السلام - يتحقق ذلك فيهم من الوجوه كلها.
والثاني: دعاء أن يلحق بالصالحين في الآخرة، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله -: ما ذكر في كل نبي أنه كان من الصالحين - يخرج على أوجه: على جميع الصلاح، وعلى البشارة لهم في الآخرة أنهم يلحقون بأهل الصلاح، وعلى أنهم منهم؛ لولا النبوة؛ ليعلم أن النبوة إنما تختار في الدين لم تم لهم وصف الصلاح، وعلى الوصف به أنهم كذلك على السن الناس، وأن الذين ردّوا عليهم - ردّوا بعد علمهم بصلاحهم، أو على الوصف به كالوصف بالصدِّيق، وإن كان كل نبي كذلك؛ مع ما لعل لذلك حد عند الله؛ لذلك أراد لم يكن أطلع غيره عليه، والله أعلم.
وجائز أن يكون "يحيى" بما حيي به الأخلاق المحمودة، والأفعال المرضية؛ ولذلك سمي سيداً؛ وجملته أن لله أن يسمي من شاء بما شاء، وليس لنا تكلف طلب المعنى، فيما سمى الله الجواهر به؛ إذ الأسماء للتعريف، لكن يختار الأسماء الحسنة في السمع على التفاؤل، والله أعلم.
وقوله: وروح الله وكلمته - كقوله: خليل الله وحبيبه، وذبيح الله، وكليم الله، ليس على توهم معنى يزيل معنى الخلقة، ويوجب معنى الربوبية أو النبوة، وذلك على ما قيل: من بيوت الله، وعلى ما قيل لدينه: نور الله، وقيل لفرائضه: حدود الله، لا على معنى يخرج عن جملة خلقه؛ بل على تخصيص لذلك في الفضل على أشكاله، وذلك كما قال لمحمّد : ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ ، وقال في الجملة: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ﴾ لا على ما توهمته النصارى في المسيح، فمثله الأول، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً ﴾ : بشارة ببقائه إلى أن يصير كهلاً.
وفيه وجه آخر: وهو أن في ذلك بيان أن كلامه في المهد كلام مختار؛ إذ ذلك وصف كلام الكهل؛ ليعلم أن قوله: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ ﴾ إلى آخره: إنما هو حقيقة الخضوع لله، والإنباء عنه، لا على خلقه؛ كنطق الجوارح في الآخرة، والله أعلم.
أو لتكون آية له دائمة؛ إذ لم يكن على ما عليه أمر البشر: من التغيير، على أن آيات الجوهرية تزول عند الفناء، نحو العصا فيما تعود إلى حالها، واليد، ونحو ذلك؛ ليخص هو بنوع من الآيات الحسية بالدوام، ولا قوة إلا بالله.
﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ ﴾ الآية.
يحتمل هذا الكلام وجوهاً: أحَدها: على الإنكار، أي: لا يكون، لكن ههنا لا يحتمل؛ لأنه كان أعلم بالله وقدرته أن ينطق به، أو يخطر بباله.
والثاني: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ أي: كيف وجهه وسببه، وكذلك قوله: ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ﴾ ، وقوله: ﴿ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ ، ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا ﴾ أي: كيف وجهه وما سببه.
والثالث: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ في الحال التي أنا عليها، أو أرادّ إلى الشباب؛ فيكون لي الولد.
هذان الوجهان يحتملان، وأمّا الأول: فإنه لا يحتمل.
وقوله: ﴿ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾ .
وذكر في سورة مريم: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً ﴾ : ذكر على التقديم والتأخير.
[وكذلك قوله: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ أو ﴿ ثَلاَثَ لَيَالٍ ﴾ والقصّة واحدة؛ ذكر على التقديم والتأخير]، وعلى اختلاف الألفاظ واللّسان؛ دل على أنه ليس على الخلق حفظ اللفظ واللسان؛ وإنما عليهم حفظ المعاني المدرجة المودعة فيها، وبالله التوفيق، ويعلم أنه لم يكن على كلا القولين، ولم يكن بهذا اللّسان.
وقوله: ﴿ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ ، وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ وإن اختلف في اللّسان.
وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً ﴾ : طلب من ربّه آية؛ لما لعله لم يعرف أن تلك البشارة بشارة الملائكة، أو وساوس؛ فطلب آية ليعرف أن تلك البشارة بشارة الملائكة من الله - عز وجل - لا بشارة إبليس؛ لأنه لا يقدر أن يفتعل في الآية؛ لأن فيها تغير الخلقة والجوهر، وهم لا يقدرون [على] ذلك، ولعلهم يقدرون على الافتعال في البشارة؛ ألا ترى أن إبراهيم - صلوات الله على نبيّنا وعليه - لما نزل به الملائكة لم يعرفهم بالكلام وهابوه، حتى قال: ﴿ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴾ ، حتى قالوا: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ﴾ ، فذهب ذلك الروع منه بعد ما أخبروه أنهم ملائكة، رسل الله، أرسلهم إليه.
وقوله: ﴿ قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ .
قال بعض أهل التفسير: حبس لسانه عقوبة له بقوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ ﴾ ؛ لكن ذلك خطأ، والوجه فيه: منعه من تكليم الناس، ولم يمنعه عن الكلام في نفسه؛ ألا ترى أنه أمره أن يذكر ربّه، ويسبّح بالعشي والإبكار؛ كقوله: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ ﴾ ؟!.
ويحتمل أن يكون أراه آية في نفسه من نوع ما كان سؤاله؛ إذ كان عن العلم بالولد في غير حينه، فأراه بمنع اللسان عن النطق، وأعلى أحوال الاحتمال؛ ليكون آية للأوّل.
وقيل في قوله: ﴿ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً ﴾ : أنه طلب آية؛ لجهله بعلوق الولد، وجعلها ليعرف متى يأتيها؟.
وقوله: ﴿ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ : قيل: الرّمز: هو تحريك الشفتين.
وقيل: هو الإيماء بشفتيه.
وقيل: هو الإشارة بالرأس.
وقيل: هو الإشارة باليد، والله أعلم بذلك.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ ﴾ : قال أهل التفسير: هو جبريل - - لكن ذلك لا يعلم إلا بالخبر، فإن صحّ الخبر - فهو كذلك، وإلا لم يقل من كان مِنَ الملائكة قال ذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ ﴾ : أن صفاها لعبادة نفسه، وخصّها له، ما لم يكن ذلك لأحد من النساء؛ فيكون ذاك صفوتها.
وقيل: اصطفاها بولادة عيسى - - إذ أخرج منها نبيّاً مباركاً تقيّاً، على خلاف ولادة البشر.
وقوله: ﴿ وَطَهَّرَكِ ﴾ : قيل: من الآثام والفواحش.
وقيل: وطهرك من مسّ الذكور، وما قذفت به.
﴿ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴾ : هو ما ذكرنا من صفوتها؛ إذ جعلها لعبادة نفسه خالصاً، أو ما قد ولدت من ولد من غير أب، على خلاف سائر البشر.
وعن ابن عباس - - قال: "خَطَّ رَسُولُ الله أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذِهِ؟
قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ: خَدِيجَةُ، وَفَاطِمَةُ، وَمَرْيَمُ، وآسيَةُ امْرَأةُ فِرْعَونَ" .
وكذلك روى أنس - - عن النبي قال: "خَيْرُ نِسَاءِ العَالَمِينَ أَرْبَعٌ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ " وقوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ ﴾ : يحتمل وجهين: الأمر بالقنوت: القيام، ثم الأمر بالسجود، أي: الصّلاة، ثم الأمر بالركوع مع الراكعين؛ وهو الصلاة بجماعة؛ ففيه الأمر بالصلاة بالجماعة، هل ما هو علينا؛ لأنه قال: ﴿ وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ ﴾ ؛ وعلى ذلك روي في الخبر: "أنه سئل عن أفضل الصّلاة؟
فقال: طُولُ القُنُوتُ" ويحتمل أنه الأمر بالركوع، ثم بالسجود؛ فيدل أن السجود - وإن كان مقدماً ذكره على الركوع - فإنه ليس في تقديم ذكر شيء على شيء، ولا تأخير شيء عن شيء في الذكر دلالة وجوب الحكم كذلك.
وقيل: القنوت: هو الخضوع والطاعة؛ كقوله: ﴿ وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ ﴾ أي: خاضعين مطيعين.
فإن قيل: كيف أُمِرَتْ بالركوع مع الراكعين؟!
قيل: كانوا - والله أعلم - ذوي قرابة منها ورحم؛ ألا ترى أنهم كيف اختصموا في ضمّها وإمساكها، حتى أراد كل واحد منهم ضمها إلى نفسه، وأنه الأحق بذلك؟!
دلَّ أن بينهم وبينها رحماً وقرابة.
وقيل في قوله: ﴿ ٱقْنُتِي ﴾ : أي: أطيلي الركوع في الصَّلاة والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله -: يحتمل: ﴿ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ ﴾ : أي: ممن يركع ويخضع له بالعبادة، لا على الاجتماع - والله أعلم - كيف كان الأمر في ذلك؟.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ ﴾ : أي: من أخبار الغيب لم تشهده أنت يا محمّد ولم تحضر، بل نحن أخبرناك وذكرناك عن ذلك.
ثم في ذلك وجوه الدلالة: أحدها: أراد أن يخبره عن صفوة هؤلاء وصنيعهم؛ ليكون على علم من ذلك.
والثاني: دلالة إثبات رسالته؛ لأنَّه أخبر على ما كان من غير أن اختلف إلى أحد، أو أعلمه أحد من البشر على علم منهم ذلك؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله عزّ وجل.
والثالث: أن يتأمل وجه الصفوة لهم؛ أنهم بما نالوه؛ فيجتهدوا في ذلك، والله أعلم.
وفي ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى أن ظهر ذلك بإلقاء الأقلام.
وقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ الآية.
قيل: إنهم ألقوا أقلامهم على جرية الماء، فذهبت الأقلام كلها مع الجرية؛ إلا قلم زكريا؛ فإنه وقف على وجه الماء.
وقيل: طرحوا أقلامهم في الماء، وكان من شرطهم أن من صعد قلمه عالياً مع الجرية، فهو أحق بها، ومن سفل قلمه مع الجرية فهو المقروع، فصعد قلم زكريا، وتسفلت أقلامهم؛ فعند ذلك ضمّها زكريا إلى نفسه.
ثم من الناس من احتج بجواز القرعة والعمل بها - بهذه الآية؛ حيث ضمّها زكريا - مريم - إلى نفسه، لما خرجت القرعة له؛ لكن القرعة في الأنبياء لتبيين الأحق من غيره؛ لوجهين: لحق الوحي.
والثاني: لظهور إعلام في نفس القرعة؛ ما يعلم أنه كان بالله ذلك لا بنفسه؛ كارتفاع القلم على الماء، ومثل ذلك لا يكون للقلم، والمحق من المبطل، وفيما بين سائر الخلق؛ لدفعهم التهم؛ فهي لا تدفع أبداً.
ويحتمل استعمال القرعة فيها لتطييب الأنفس بذلك، أو علموا ذلك بالوحي، فليس اليوم وحي؛ لذلك بطل الاستدلال لجواز العمل بالقرعة اليوم، والله أعلم.
أو كان ذلك آية، والآية لا يقاس عليها غيرها؛ نحو: قبول قول قتيل بني إسرائيل - آية، ليس به معتبر في جواز قول قتيل آخر قبل الموت.
وقوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ ﴾ : يحتمل: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ﴾ : أن قال: "كن" - فكان من غير أب ولا سبب، وسائر البشر لم يكونوا إلا بالآباء والأسباب: من النطفة، ثم من العقلة، ثم من مضغة مخلقة على ما وصف - عز وجل - في كتابه، وكان أمر عيسى - - على خلاف ذلك.
ويحتمل: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ﴾ : ما ذكر أنه كلم الناس في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ ﴾ الآية [مريم: 30].
وذلك مما خص به عيسى، وهو بكلمة من الله قال ذلك.
فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً ﴾ ؛ والكهل: مما يكلم الناس؟
قيل: لأن كلامه في المهد آية، والآية لا تدوم؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ ﴾ الآية [النور: 24]، وإنما يكون ذلك مرة لا أنها تشهد وتنطق أبداً، فأخبر أن تكليمه الناس في المهد - وإن كانت آية - فإنه ليس بالذي لا يدوم، ولا يكون إلا مرّة.
والثاني: أمن من الله لمريم، وبشارة لها عن وفاته إلى وقت كهولته، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ ﴾ .
قال ابن عباس - -: "المسيح: المبارك"، أي: مسح بالبركة.
وقيل: سمي مسيحاً؛ لأنه كان يسمح عين الأعمى والأعور فيبصر.
وقيل: المسيح: العظيم؛ لكنّه - والله أعلم - بلسانهم؛ فيسأل: ما المسيح بلسانهم.
وقوله: ﴿ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ : بالمنزلة، ومكيناً في الآخرة، ﴿ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ﴾ في الدرجة والرفعة، ومن كان وجيهاً في الدينا والآخرة مقرب فيهما.
وقوله: ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ : عرفت مريم أن الولد يكون بمسّ البشر، وعلمت - أيضاً - أنها لا تتزوج، ولا يمسّها بشر أبداً؛ لأنها قالت: ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ فإن لم يكن مسها أحد قبل ذلك، فلعله يمسّها في حادث الوقت؛ فيكون لها منه الولد، فلما لم يقل لها يمسسك؛ ولكن قال: ﴿ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ دل ذلك أنها علمت أنها لا تتزوج أبداً؛ لأنها كانت محررة لله، مخلصة له في العبادة، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ ﴾ .
أي: من أي وجه يكون لي ولد بالهبة؛ لأنها بشرت أن يهب لها ولداً، فقالت: من أي وجه يكون لي ولد بالهبة، ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ ؟
ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ تأويله: ما ذكر في سورة مريم حيث قالت: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ الآية [مريم: 20] الآية، ثم قال: ﴿ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ أي: خلق الخلق عليَّ هين: بأبٍ، وبغير أب، وبمسِّ بشر، وبغير مسّ، [وبسبب، وبغير سبب؛ على ما خلق آدم بغير أب ولا أم؛ فعلى ذلك يخلق بتوالد بعض من بعض، وبغير توالد بعض من بعض]؛ كخلق الليل والنهار، يخلق بلا توالد أحدهما من الآخر؛ فكذلك يخلق لك ولداً من غير أب ولا مسّ بشر، وبالله الحول والقوة.
وقوله: ﴿ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ : أي: إذا قضى أمراً بتكوين أحد، أو بتكوين - فإنما يقول له: كن، لا يثقل عليه، ولا يصعب خلق الخلق وتكوينهم؛ كقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ أي: خلق الخلق كلهم ابتداء، وبعثهم بعد الموت - كخلق نفس واحدة؛ أن يقول: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ؛ وإنما يثقل ذلك على الخلق ويصعب؛ لموانع تمنعهم وأشغال تشغلهم، فأمّا الله - وتعالى - عن أن يشغله شغل، أو يمنعه مانع، أو يحجب عليه حجاب.
وقوله: ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ : ذكر - والله أعلم - هذا الحرف؛ لأنه ليس في كلام العرب حرف أو جزء منه يعبر فيفهم معناه، لا أن كان منه - عز وجل - كاف أو نون، أو حرف، أو هجاء، أو صفة يفهم ويعرف حقيقته، أو يوصف هو بمعنى من معاني [كلام] الخلق أو صفاتهم، أو يكون لتكوينه وقت أو مدة أو حال، أو يكون تكوين بعد تكوين، على ما يكون من الخلق، إنما هو أوجز حرف يفهم معناه، بالعبارة إخبار منه - عز جل - الخلق عن سرعة نفاذ أمره ومشيئته.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ : بشارة منه لها - أيضاً -: أنه يعلمه الكتاب، ثم اختلف في ﴿ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ ؛ قيل: ﴿ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ : الخط ههنا يخط بيده، ويحتمل ﴿ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ : الكتاب نفسه: التوراة والإنجيل، ويحتمل ﴿ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ : كتب النبيين.
﴿ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ ؛ قيل: الحكم بين الخلق، وقيل: الفقه، وقيل: الحلال والحرام، وقيل: السنة.
﴿ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ : هي الإصابة، وقد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله: ﴿ وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ : أي: [جعله رسولاً إلى بني إسرائيل]، وهذا - أيضاً - بشارة لها منه، وكان عيسى من أوَّل أمره إلى آخره آية؛ لأنه ولد من غير أب، على خلاف ما كان سائر البشر، يكلم الناس في المهد، وأقرَّ بالعبودية له، ولم يكن لأحد من البشر ذلك، وإبراء الأكمة والأبرص، وإحياء الموتى، وأنباء ما كانوا يأكلون ويدَّخرون، وما كان له مأوى يأوي إليه، ولا عيش يتعيش هو به، والبشر لا يخلو عن ذلك، ثم ألقى شبهه على غيره؛ فقتل به، ورفع هو إلى السماء؛ وذلك كله آية، وكانت آياته كلها حسِّية يعلمها كل أحد، وآيات رسول الله - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - كانت حسِّية وعقلية: أمَّا الحسِّية: فهو انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وكلام الشاة المسمومة، وقطع مسيرة شهر في ليلة، وغير ذلك من الآيات مما يكثر عددها؛ هذه كلها كانت حسِّية.
وَأمَّا العقلية: فهذا القرآن الذي نزل عليه، وهو بين أظهرهم، وهم فصحاء وبلغاء وحكماء، يتلى عليهم: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ...
﴾ الآية [البقرة: 23]، وقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾ ، فلو كان بهم طاقة أو قدرة أن يأتوا بمثله، لجهدوا كل جهد، وتكلفوا كل تكلف؛ حتى يطفئوا هذا النور؛ ليتخلصوا عن قتلهم، وسبي ذراريهم، واستحياء نسائهم، فلمَّا لم يفعلوا ذلك - دَلَّ أنه كان آية معجزة، عجزوا جميعاً عن إتيان مثله، فأيّ آية تكون أعظم من هذا؟!
وبالله المعونة والنجاة.
وقوله: ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ : أي: بعلامة أني رسول منه إليكم، ثم فسَّر الآية، فقال: ﴿ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .
قوله: ﴿ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ ﴾ .
هو على المجاز، لا على التخليق [والتكوين]؛ لأن الخلق ليس هو من فعل المخلوق، وإنما هو من فعل الله - عزَّ وجلَّ - لأن التخليق: هو الإخراج من العدم إلى الوجود، وذلك فعل الله - - لا يقدر المخلوق على ذلك؛ فهو على المجاز؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وليس إلى الخلق تحليل شيء أو تحريمه، إنما ذلك إلى الله - عز وجل - فمعناه: أني أظهر لكم حل بعض ما حرم عليكم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ ﴾ أي: أظهر لكم بيدي ما خلق الله من الطين طائراً؛ فيكون آية لرسالتي إليكم؛ وكذلك الآيات ليس مما ينشئ الأنبياء، ولكن تظهر على أيديهم.
وإنما لم يجز إضافة التخليق إلى الخلق؛ لما ذكرنا: أنه إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وذلك ليس إلى الخلق.
والثاني: أن التخليق هو إخراج الفعل على التقدير، وفعل العبد إنما يخرج على تقدير الله، لا يخرج على تقديره؛ لذلك لم يجز إضافة ذلك إلى الخلق، إلا على المجاز.
والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله -: الخلق: اسم المجاز والحقيقة، والتخليق: فعل حقيقة خاصَّة، وآيات الأنبياء - عليهم السلام - هي التي تخرج على خلاف الأمر المعتاد فيما بينهم، يجريها الله - وتعالى - على أيديهم؛ ليعلموا أن ذلك لم يكن بهم، إنما كان ذلك بالمُرْسِل الذي أرسلهم؛ ليدل على صدقهم، ولا قوة إلا بالله.
"وإبراء الأكمه والأبرص" هو من آيات النبوة؛ لخروجها عن الأمر المعتاد فيما بينهم.
فإن قيل: إن إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص من آيات النبوة؛ [لعجزهم عن إتيان مثله، وخروجه عن المعتاد فيما بينهم، ولكن أنباء ما يأكلون وما يدَّخرون لِمَ كان من آيات النبوة]، ويجوز أن يكون ذلك من منجِّم؟
قيل: له جوابان - إن كان يكون مثل ذلك بالنجوم -: أحَدهما: أنه مضمون إلى الآيات؛ فصار آية بما ضم إليها.
والثاني: أن هذا - وإن كان يعلم بالنجوم - فعيسى - - لما علم قومه أنه لم يختلف إلى أحد في تعلم علم النجوم، ثم عرف ذلك وأنبأهم بذلك - دل أنه إنما علم ذلك بالله؛ فكان آية، وبالله التوفيق.
مع ما كان في قومه أطباء وحكماء وبصراء - لم يَدَّعِ أحد شيئاً من هذه الآيات التي جاء بها عيسى - - دل ترك اشتغالهم في ذلك على إقرارهم بأنها آية سماوية، لكنهم تعاندوا وكابروا فلم يؤمنوا به.
قال الشيخ - رحمه الله -: الخلق: اسم المجاز والحقيقة، والتخليق: فعل حقيقة خاصَّة.
وقوله: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: بأمر الله.
وقيل: بمشيئة الله.
واختلف في "الأكمه": عن مجاهد، قال: "الأكمه: الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل".
وعن ابن عباس - -: "الأكمه: الأعمى الممسوح العين"، وقيل: هو الذي ولد من أمِّه أعمى لا يتكلف أحد [من] الأطباء إبراء مثله، ولا اشتغل بدوائه، دل أنه عرف ذلك بالله ، والأطباء يتكلفون في دفع العلل العارضة الحادثة، وأما ما كان خلقه من جِبِلَّة - فلا.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ : قيل: قال: إن هذا آية لكم؛ إن كنتم صدقتم أني رسول الله إليكم.
وقيل: قال: إن في ذلك لآية لكم في رسالتي؛ إن كنتم مؤمنين بالمُرْسِل.
ويحتمل: ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ أي: بالآيات أنها تُعَرِّفُ مَا جُعِلْنَ له، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ...
﴾ الآية: ما ذكر.
وقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ : يحتمل: فاتقوا الله في تكذيبي في الآيات، و ﴿ وَأَطِيعُونِ ﴾ في تصديقي.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ : ظاهر، قد ذكرنا فيما تقدم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ ﴾ : قيل: أحسَّ: علم.
وقيل: أحسَّ: رأي؛ وهو كقوله: ﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ ﴾ .
وقيل: أحسّ، أي: وجد، وهو قول الكيساني، وقيل: عرف؛ وهو كله واحد.
ثم قوله: ﴿ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل - والله أعلم - أن قومه لما سألوه أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ تكون لهم آية لرسالته وصدقه؛ ففعل الله - عز وجل - ذلك، وأنزل عليهم المائدة، ثم أخبر أن من كفر منهم بعد إنزال المائدة يعذبه عذاباً لا يعذبه أحداً، فكفروا به؛ فعلم أن العذاب ينزل عليهم؛ فأحبَّ أ ن يخرج بمن آمن به؛ لئلا يأخذهم العذاب، فقال: ﴿ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ؛ يؤيد ذلك قوله: ﴿ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ...
﴾ الآية [الصف: 14].
ويحتمل أن يكونوا أظهروا الإسلام له، وكانوا في الحقيقة على خلاف ذلك، فلما علم ذلك منهم، وقد همُّوا على قتله، قال عند ذلك: ﴿ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ؛ أحبَّ أن يكون معه أنصار مع الله ينصرونه؛ فيظهر المؤمنون من غيرهم، فنصرهم الله على أعدائهم؛ ليظهر المؤمنون من غيرهم، وهو قوله: ﴿ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ ﴾ .
ومن الناس من يقول: إنه لم يكن في سُنَّةِ عيسى - - الأمر بالقتال، وفي الآية إشارة إلى ذلك بقوله: ﴿ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ ﴾ أخبر أنهم أصبحوا ظاهرين على عدوهم؛ فلا يخلو إمَّا أن يكون قتالاً أو غلبة بحجة أو شيء ما يقهرهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ ﴾ : اختلف في الحواريين: قال بعضهم: هم القصَّارون الغسَّالون للثياب، ومبيِّضوها.
وعن ابن عباس - - قال: "إِنَّما سُمُّوا الحَوَارِيِّينَ؛ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ"، وكانوا يصيدون السَّمك.
وقيل: الحواري: الوزير، والناصر، والخاص؛ على ما جاء عن رسول الله : "إِن لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيِّينَ، وَحَوَارِيِّي فُولانٌ وفُلانٌ" ، ذكر نفراً من الصحابة - [رضوان الله عليهم أجمعين] - وإنما أراد - والله أعلم - الناصر والوزير.
ويحتمل أن يكون سمُّوا بذلك؛ لصفاء قلوبهم، وهم أصفياء عيسى، [ ].
كذلك روي عن ابن عباس - - والله أعلم بهم.
وقوله: ﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ ﴾ .
إن الله يتعالى عن أن يُنصَر، ولكن يحتمل ﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: أنصار دين الله، أو أنصار نبيه، أو أنصار أوليائه؛ تعظيماً.
وكذلك قوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ : إن الله لا يُنْصَرُ؛ ولكن يُنْصَرُ دِينُهُ أو رسلُهُ أو أولياؤه؛ وهو كقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ : إن الله لا يُخَادَعُ، ولا يمكر، ولكن لما خادعوا أولياءه أو دينه، أضاف ذلك إلى نفسه؛ فعلى ذلك لما نصروا دين الله ونبيّه ووليّه، أضاف [ذلك] إلى نفسه.
وقوله: ﴿ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ الآية: ينقض قول من يجعل الإيمان غير الإسلام؛ لأنهم أخبروا أنهم آمنوا، وأنهم مسلمون، لم يفرقوا بينهما، وكذلك قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ : لم يفصل بينهما، وجعلهما واحداً، وكذلك قول موسى لقومه: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ لم يجعل بين الإيمان والإسلام فرقاً، وهو قولنا: إن العمل فيهما واحد؛ لأن الإيمان: بأن تصدق بأنك عبد الله، والإسلام: أن تجعل نفسك لله سالماً.
وقيل: الإيمان: اسم ما بطن، والإسلام: اسم ما ظهر؛ ألا ترى أنه جاز في الإسلام الشهادة، وفي الإيمان التصديق؟!.
وقوله: ﴿ رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ ﴾ .
يعنى - والله أعلم -: بما أنزلت من الكتب السماوية التي أنزلها على الرسل جميعاً، فإن أرادوا بما أنزلت على عيسى - - فالإيمان بواحد من الكتب أو بواحد من الرسل: إيمان بالكتب كلها وبالرسل جميعاً، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ﴾ .
مكروا بنبيّ الله عيسى - - حيث كذبوه وهمّوا بقتله، ﴿ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: يجزيهم جزاء مكرهم؛ وإلا حرف المكر مذمومٌ عند الخلق؛ فلا يجوز أن يسمَّي الله به إلا في موضع الجزاء؛ على ما ذكره - عز وجل - في موضع الجزاء؛ كقوله: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ...
﴾ والاعتداء منهي [عنه] غير جائز؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ ؛ فكان قوله: ﴿ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ...
﴾ هو جزاء الاعتداء؛ فيجوز؛ فعلى ذلك المكر والخداع والاستهزاء: لا يجوز أن يسمَّى به، فيقال: يا ماكر، ويا خادع، ويا مستهزئ؛ لأنها حروف مذمومَّة عند الناس؛ فيَشْتُمُ بعضهم بعضاً بذلك؛ لذلك لا يجوز أن يسمَّى الله - - به إلا في موضع الجزاء.
وبالله العصّمة.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ ﴾ : أي: خير الجازينَ أهل الجور بالعدل، وأهل الخير بالفضل.
وقيل: ﴿ وَمَكَرُواْ ﴾ ؛ حيث كذبوه وهمَّوا بقتله، ﴿ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ﴾ ؛ حيث رفع الله عيسى - - وألقى شبهه على رجل منهم حتى قتلوه؛ فذلك خير لعيسى - - من مكرهم.
وقيل: ﴿ وَمَكَرُواْ ﴾ ، أي: قالوا، ﴿ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ﴾ : قال الله.
وقولهم الشرك، وقال لهم: قولوا التوحيد.
﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ ﴾ ، أي: خير القائلين.
قال الشيخ - رحمه الله -: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ ﴾ ؛ بما بالحق يمكر، ويأخذ من استحق الأخذ، وهم لا، والله أعلم.
والمكر: هو الأخذ بالغفلة، والله يأخذهم بالحق من حيث لا يعلمون؛ فسمي مكراً لذلك؛ كما يقال: امتحنه الله وهو الاستظهار، ولكن لا يراد به هذا في [حق] الله.
وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ﴾ : اختلف فيه: قيل: هو على التقديم والتأخير: ورافعك إليَّ، ثم متوفيك بعد نزولك من السماء، ولكن هو التقديم والتأخير، ولم يكن في الذكر فهو سواء؛ لأنا قد ذكرنا أنْ ليس في تقديم الذكر، ولا في تأخيره ما يوجب الحكم كذلك؛ لأنه كَمْ مِنْ مُقَدَّمٍ في الذكر هو مؤخَّر في الحكم، وكم من مؤخر في الذكر هو مقدم في الحكم، فإذا كان كذلك: لم يكن في تقديم ذكر الشيء، ولا في تأخيره - ما يدل على إيجاب الحكم كذلك؛ كقوله: ﴿ ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا ﴾ : فإنما هو قبض الأرواح؛ فيحتمل الأول كذلك، ويحتمل توفي الجسم، أي: متوفيك من الدُّنيا، أي: قابضك، وليس بوفاة موت.
وعن ابن عباس - -: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ﴾ ، أي: مميتك وهو ما ذكرنا؛ ليعلم أنه ليس بمعبود.
وقوله: ﴿ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ : هو على تعظيم عيسى - - ليس على ما قالت المشبهة بإثباتها المكان له؛ لأنه لو كان في قوله: ﴿ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ يوجب ذلك، يجب أن يكون أهل الشام أقرب إليه؛ لأن إبراهيم - - قال: ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ، والكفرة إليه قريب منه؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ ؛ دل هذا أن ما قالوا خيال فاسد - الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً - ولكن على التعظيم التبجيل، أعني: المضاف إليه.
والأصل في هذا: أن الخاص إذا أضيف إلى الله فإنما يراد به تعظيم ذلك الخاص؛ نحو ما قال: "بيت الله"؛ على تعظيم البيت، ﴿ نَاقَةَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ فهو على تعظيم الناقة، ونحوه مما يكثر [وقوعه].
وإذا أضيف الجماعة إليه، فهو على إرادة تعظيم الربّ - جل ثناؤه - نحو: ﴿ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ونحوه؛ كله على إرادة تعظيم الربِّ، جل ثناؤه.
وقوله: ﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : قيل فيه بوجوه: قيل: مطهرك من أذى الكفرة، من بيت أظهر المخالفين لك.
وقيل: ومطهرك من الكفر والفواحش، ويحتمل: مطهرك ممَّا قالوا فيك.
وقوله: ﴿ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
يحتمل: يجعله فوق الذين كفروا بالقهر والغلبة والقتل، ويحتمل: بالحجَّة، ويحتمل: في المنزلة والدرجة في الآخرة.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمُطَهِّرُكَ ﴾ بقتل الكفرة من وجه الأرض؛ على ما ذكر في بعض القصَّة: أنه ينزل من السماء، فلا يبقى على وجه الأرض كافر إلا وهو يقتله مع الذين ابتعوه؛ فذلك تَطْهِيرُهُ وَجَعْلُ الذين اتبعوه فوق الذين كفروا.
وقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ .
ذكر هذا - والله أعلم - وإن كان المرجع للكل إليه في [كل] حال؛ لأنهم يُقِرُّونَ ويعترفون في ذلك اليوم أن المرجع إليه، وكانوا ينكرون ذلك في الدُّنيا؛ وهو كقوله: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ ﴾ الملك كان في ذلك اليوم وفي غير ذلك اليوم، ولكن معناه: لا ينازعه أحد يومئذ في ملكه، ويقرون له بالملك، وفي الدُّنيا أنكروا ملكه؛ وهو كقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ كلهم بارزون لله في كل وقت؛ لكنهم أنكروا بروزهم في الدنيا له؛ فيقرون يومئذ بالبروز له؛ فكذلك الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ .
يحتمل: أحكم بينكم مَنِ المحقُّ منكم، ومَنِ المبطلُ.
ويحتمل: أحكم بينكم: أي: أجزيكم على قدر أعمالكم.
ويحتمل: أحكم بينكم أي، أجزي كلا بعمله على ما يستوجبون.
وقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ الآية: وقوله: ﴿ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ ، قيل: القتل، والجزية، وفي الآخرة: العذاب.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ فقوله: ﴿ مُتَوَفِّيكَ ﴾ : يحتمل تَوَفِّي الموت بما يقبض روحه كفعله بجميع البشر؛ تكذيباً لمن ظن أنه الله، أو ابنه، لا يحتمل أن يموت، وقد ألزمهم هذا أيضاً بوجهين ظاهرين - وإن كان فيما عليه خلقته وجوهره.
ثم تقلبه من حال إلى حال في نفسه، ومكان إلى مكان في حق القرار والحاجة - كفاية لمن يعقل الحقائق، وبُلْغَة لمن تأمَّل الأشياء عبرا.
أحدهما: بقوله: ﴿ مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ ، وقوله: ﴿ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ﴾ حتى ينطق به لسان كل منهم، ومعلوم إحالة ابن بشر إلهاً أو ولداً لإله؛ إذ هو يكون أصغر منهما وذلك آية حدثه، وكذلك قوله في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ ﴾ إلى آخر ما ذكر، مع ما لو احتمل ذلك لكان آدم - - الذي هو الأصل، هو المقدم، وهو الذي لا يعرف له وَالِدَانِ أحق أو هو؛ إذ هو بجوهره فهو ولده لا غير، أو ذلك وصف الأولاد، والله أعلم.
والثاني: ﴿ يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ ﴾ : فأخبر عن حاجته وغلبة الجوع عليه، وفقر نفسه إلى ما يقيمها من الأغذية.
ثم في ذلك حاجة إلى الخلاء، واختيار الأمكنة القذرة لقضاء حاجته، وبالله التوفيق.
والثالث: على قبضه بنفسه من بين أظهر أعدائه، ورفعه إلى ما به شرفه، وتطهيره مما كان يحسُّ منهم من الكفر وأنواع الفساد، وختمه من بين البشر على جه آية يكون له عليهم من أول أحوال ظهوره إلى آخر أحوال مقامه فيهم؛ ليكون أوضح لمتبعيه في الآيات، وعلى مخالفيه في قطع العذر.
ولا قوة إلا بالله.
وفي الدعاء إلى المباهلة دلالة ظهور التعنت والعناد، وفي تخلفهم عن ذلك دليل علمهم بتعنتهم وخوفهم مما قد وُعِدوا بالنزول عليهم، ثم لزموا مع ذلك ما كانوا عليه من السفه والعناد؛ ليعلم أن الحيل عمن اعتاد المعاندة منقطعة، ومعلوم أن الدعاء إلى المباهلة لا يكون في أول أحوال الدعوة؛ وإنما يكون بعد توفير الحجة وقطع الشبهة؛ ففي ذلك بيان أنه انت ثَمَّ محاجَّاتٌ، وحتى بلغ الأمر هذا، وعلى ذلك أمر القتال أنه لم يوضع في أول أحوال الإرسال، وفي الحال التي للقول وللحق وجه القبول من طريق النصف والعقل؛ وإنما كان [عند ظهور] معاندتهم، وكثرة سفههم، حتى همّوا بالقتل، وأكثروا الأذى، وأكرهوا أقواماً على الكفر، وأخرجوا [رسول] ربّ العزة من بين أظهرهم بما راموا قتله، وطردوا أصحابه من بلادهم حتى تحصّنوا بالغيران، فأذن الله [تعالى] عند ذلك بالقتال، وفتح الفتوح؛ ليكون آيته في كل وجوه الآيات ظاهرة وججته بينة، وفي ذلك جواز محاجة الكفرة في التوحيد والرِّسالة، لكن على ما قال الله - -: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، و ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً ﴾ نهي عن التعمق والخوض فيما تقصر عنه الأفهام، وإن كان معلوماً أن لله حججاً ظاهرة وغامضة، ولا قوة إلا بالله.
وفي ذلك تعليم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: أنه يكون ذلك باللطف والرفق يرى المقصود [به]؛ ليقرر به عنده الحجة، ويزيل عنه الشبهة من الوجه الذي يحتمله عقله، ويبلغه فهمه، فإن رآه يتعامى في ذلك يوعده ويخوفه بالذي في ذاك من الوعيد.
فإن رأيته يكابر عرفت شؤم طبعه وسوء عنصره، يوعده بما جاء به التعليم من الضرب والحبس، فإن نفع ذلك، وإلا بكف شره عن غيره وتطهير الأرض منه؛ فإنه النهاية في القمع، والغاية فيما يحق من معاملة السفهاء، والله أعلم.
لكنه على منازل لا يحتمل انتهاء كل أنواع المآثم إلى هذه الغاية؛ بل فيها ما كان أعظمها دون هذا بكثير - والله أعلم - لذلك يلزم تعرف مقادير الآثام أولاً؛ ليعرف بها ما يحتمل كل إثم من العقوبة فيه والزجر به، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : لأنه لا يحب الظلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ﴾ ، قيل: ذلك الذي ذكر في هذه الآية: نتلو عليك يا محمد.
﴿ مِنَ الآيَاتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .
هو المحكم، وقيل: ﴿ ٱلْحَكِيمِ ﴾ ، أي: من نظر فيه وتفكر يصير حكيماً؛ كما قال: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ﴾ ، أي: يبصر فيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾ : قيل في القصَّة: إن نصارى من أهل نجران قدموا على رسول الله فقالوا له: إنك تشتم صاحبنا عيسى بن مريم، تزعم أنه عبد، وهو يُحْيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فيطير، فأرنا فيما خلق الله عبداً مثله يعمل هذا، والنصارى في الحقيقة مشبهة وقدرية: وأمَّا التشبيه: فإنما حملهم على ذلك ظنهم في قول إبراهيم ؛ حيث قال: ﴿ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ ؛ ظنوا إن عيسى لما قال: ﴿ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ ﴾ أنه رب وإله؛ لأن إبراهيم - - أخبر أن ربه ﴿ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ ؛ فسموا عيسى إلهاً بهذا، وهم كانوا يرون عيسى يأكل ويشرب وينام؛ فلولا أنهم عرفوا الله - عز وجل - وإلاّ ما شبهوه به، الله عن ذلك.
وأمّا القدرية: فلما لم يروا الله في أفعال العباد صنعاً؛ إنما رأوا ذلك للخلق خاصة، فلما رأوا ذلك من عيسى - - ظنوا أنه ربٌّ؛ لما لم يروا ذلك من غيره، ولو كانوا عرفوا الله حق المعرفة، لعلموا أن لم يكن من عيسى إلا تصوير ذلك الطير وتمثيله، ويكون مثله من كل أحد؛ وإنما الإحياء كان من الله - عز وجل - أجراه على يدي عيسى - - وأظهره، وإنما كان من عيسى تصويره فقط؛ وكذلك ما كان من إبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الله - عزو جل - أجراه على يديه آيات لنبوته؛ لأنهم ادعوا له الربوبية من وجهين: لكونه من غير أب، ولآياته.
ثم قوله: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ﴾ - يحتمل وجهين - والله أعلم -: أحدهما: أن الله - عز وجل - صور صورة آدم من طين، ثم جعل فيه الروح، لم يجز أن يقال صار آدم حيّاً من نفسه؛ لوجود صورته، كيف جاز لكم أن تقولوا: إن عيسى لمّا صوَّر ذلك الطير من الطين، صار محيياً له بتصويره إياه دون إحياء الله - - إياه؟!
والله أعلم.
والثاني: أن آدم - - خُلِقَ لا من أب وأم، ثم لم تقولوا: إنه رب أو إله، فكيف قلتم في عيسى: إنه إله؛ وإنه خلق لا من أب؛ إذ عدم الأبوة في آدم لم يوجب أن يكون ربّاً؛ وكيف أوجب عدم الأبوة في عيسى كونه ربّاً وإلها؟!
والله الموفق.
وإنما كان عيسى بقوله: "كن" - كما كان آدم، أيضاً، بـ"كن" - من غير أب.
وقوله: ﴿ كُنْ ﴾ : قد ذكرنا أنه أوجز كلام في لسان العرب يعبر فيؤدي المعنى؛ فيفهم المراد، لا أن كان من الله - عز وجل - كاف، أو نون، أو وقت، أو حرف، أو يوصف كلامه بشيء مما يوصف به كلام الخلق، الله عن ذلك.
وقوله: ﴿ فَيَكُونُ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل "يكون"، بمعنى: كان، والعرب تستعمل ذلك ولا تأبى.
والثاني: أن تكون الكائنات بأسبابها في أوقاتها التي أراد كونها على ما أراد، وأصل ذلك، إذ ذكر الله ووصف بذكر بلا ذكر وقت في الأزل، وإذا ذكر الخلق معه يذكر الوقت، والوقت يكون للخلق يقول: خالق لم يزل، وخالقه في وقت خلقه.
وقوله: ﴿ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ : يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل أن يكون الخطاب لكل أحد قال في عيسى ما قالوا، أي: لا تكن من الممترين في عيسى أنه عبد الله خالصاً، وأنه نبيه ورسوله إليكم.
ويحتمل أن يكون الخطاب للنبي والمراد غيره؛ وهكذا عادة ملوك الأرض أنهم إذا أرادوا أن يعرفوا رعيتهم شيئاً، يخاطبون أعقلهم وأفضلهم وأرفعهم منزلة وقدراً عندهم؛ استكباراً منهم مخاطبة كل وضيع وسيفه؛ فكذلك [ولله المثل الأعلى] الله - عز وجل - خاطب نبيّه؛ إعظاماً له وإجلالاً، والله أعلم.
ويحتمل ما ذكرنا فيما تقدم أن العصمة لا تمنع الأمر ولا النهي؛ بل تزيد أمراً ونهياً، وإن كان يعلم أنه لا يكون من الممترين أبداً، والله الموفق.
وقوله: ﴿ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ ﴾ الآية.
دعاهم إلى المباهلة، فالمباهلة في لغة العرب: الملاعنة، دعاهم إلى الدعاء باللعنة على الكاذبين، فامتنعوا عن ذلك؛ خوفاً [منهم لحوق اللعنة؛ فدل امتناعهم عن ذلك أنهم عرفوا كذبهم، لكنهم تعاندوا] وكابروا؛ فلم يقروا بالحق.
وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ﴾ : يعني: الخبر الحق.
وقوله: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : ظاهر، قد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، يحتمل: خبر الحق في أمر عيسى - - أنه كان عبداً بشراً نبيّاً، ﴿ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ ، أي: لا يحملنك شدة لجاجتهم وكثرتهم في القول فيه بهذا الوصف على الشك في الخبر الّذي جاءك عن الله؛ كقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ﴾ إلى آخره [هود: 12]: على الموعظة، لا على أن يكون كذلك، أو على ما سبق ذكره، والله أعلم.
ويحتمل: ﴿ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، أي: كل حق فهو عن الله جائز إضافته إليه، على الوجوه التي تضاف إليه، الباطل من الوجه الذي هو باطل، ﴿ فَلاَ تَكُنْ ﴾ في ذلك ﴿ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ ، والله أعلم.
وجائز أن يقول: جعل الله ذلك الفعل ممن فعله باطلاً، ولا يقال: الباطل من الله، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ : يعني: كلمة الإخلاص والتوحيد، ﴿ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ ، أي: عدل، أي: تلك الكلمة عدم بيننا وبينكم لأنهم كانوا يقرون أن خالق السماوات والأرض: الله، بقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ ، وكذلك يقرون أن خالقهم الله، بقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ ، لكن منهم من يعبد دون الله أوثاناً، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، ومنهم من يجعل له شركاء وأنداداً يشركهم في عبادته، فدعاهم رسول الله إلى ألا يجعلوا عبادتهم لغير الذي أنعم عليهم؛ إذ العبادة لا تكون إلا لله الذي أقروا جميعاً أنه خالق السماوات والأرض، وأنه ربهم، وألا يصرفوا عبادتهم إلى غير الذي أنعم عليهم؛ إذ العبادة هي لشكر وجزاء ما أنعم عليهم.
﴿ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ لأن العبادة لواحد أهون وأخف من العبادة لعدد، وأن صرف العبادة إلى من أنعم عليكم أولى من صرفها إلى الذي لم ينعم عليكم؛ إذ ذاك جور وظلم في العقل أن ينعم أحد على آخر، فيشكر غيره.
قال الشيخ - رحمه الله -: العدل في اللغة: وضع الشيء [في] موضعه، وفي إخلاص العبادة لله والتوحيد - ذلكَ وهذا معنى سواء.
وجائز أن تكون كلمة يستوي فيها أنها عدل ما شهد لنا بهذا كل أنواع الحجج.
وقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ : يحتمل: تولوا عن طاعة الله وتوحيده، وصرف العبادة إليه - ﴿ فَقُولُواْ ﴾ .
كذا.
ويحتمل: فإن تولوا عن المباهلة والملاعنة - فقولوا ﴿ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ .
أي: مخلصون العبادة له، صادقون الشكر على ما أنعم علينا، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله -: فإن تولوا عن قبول ما دعوتهم إليه من الاجتماع على الكلمة.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .
قيل: وذلك أن اليهود قالوا: إن إبراهيم كان على ديننا اليهودية، والنصارى ادعت أنه كان على دينهم ومذهبهم، ليس على دين الإسلام؛ فنزل قوله: ﴿ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .
يعني: في دين إبراهيم.
﴿ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ ﴾ يعني: من بعد إبراهيم، وهو يحتمل وجهين: يحتمل: أن التوراة والإنجيل إنما نزلا من بعده، وأنتم لم تشهدوه - يعنى: إبراهيم - حتى تعلموا أنه كان على دينكم، لم تقولون بالجهل أنه كان على دينكم؟!.
ويحتمل: ﴿ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ ﴾ ، أي: أن التوراة والإنجيل ما نزلا إلا من بعد موته، وكان فيهما أنه كان حنيفاً مسلماً.
﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .
أنه كان حنيفاً مسلماً؟!
ثم أكذبهم الله - عز وجل - فقال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
قال الشيخ - رحمه الله -: وفي هذه الآية دلالة أنهم علموا أنه كان مسلماً، لكن أدعوا ما ادعوا متعنتين؛ حيث لم يقابلوا بكتابهم بالذي ادعوا من نعته، وبخلاف ما ادعى عليهم رسول الله نعته.
وفيه دلالة الرسالة؛ إذ في دعواهم أنّ رسول الله لم يعرف نعته بهم، لما ادعوا هم غير الذي ادّعى؛ فثبت أنه عرف بالله، وذلك علم الغيب، والله الموفق.
وقوله: ﴿ هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ : وهو ما ذكرنا، وفيه دلالة جواز المحاجة في الدين على العلم به، وإنما نهي هؤلاء عن المحاجة فيما لا علم لهم؛ ألا ترى أن الرسل - عليهم السلام - حاجوا قومهم: جاج إبراهيم قومه في الله، وذلك قوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ ، وموسى - - حاج قومه، وما من نبي إلا وقد حاج قومه في الدين؛ فذلك يبطل قول من يأبى المحاجة في الدين.
قال الشيخ - رحمه الله -: وأيد الحقَّ أنه كذلك - عجزُ البشر عن إيراد مثله، وعجزهم من المقابلة بما ادعوا أنهم عرفوه بالله.
وقوله: ﴿ إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
وهكذا يكون في العقل أن من اتبع آخر وأطاعه؛ فهو أولى به، وإنما الحاجة إلى السمع بمعرفة المتبع له والمطيع أنه ذا أو ذا؛ فأخبر - عز وجل - أن الذين آمنوا والنبي هم المتبعون له؛ فهو أولى به.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
اختلف فيه؛ قيل: الوليّ: الحافظ.
وقيل: الولي: الناصر.
وقيل: هو أولى بالمؤمنين، وقد ذكرنا هذا فيما تقدّم.
وقد يكون وليهم: بما دفع عنهم سفه أعدائهم في إبراهيم، وأظهر الحق في قولهم.
قال الشيخ - رحمه الله -: في قوله - -: ﴿ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...
﴾ الآية، وفي قوله: ﴿ لِمَ تُحَآجُّونَ...
﴾ ، وفي قوله: ﴿ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ...
﴾ الآية ونوعِ ذلك من الآيات التي خصّ بالخطاب بها أهل الكتاب - وجوهٌ من المعتبر.
أحدها: أن الذين خوطبوا بهذا الاسم [كانوا] معروفين، وأنه لم يخطر ببال مسلم أنه قصد به غير أهل التوراة والإنجيل، ولا ذكرت تلاوتها في حق المحاجة على غيرهم، ثبت أن المجوس ليسوا بأهل الكتاب، وأن المراد من ذكر أهل الكتاب غيرهم، وأن أخذ الجزية من المجوس ليس ممّا تضمنهم قوله: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ ؛ لكن بدليل آخر، وهو ما روي عن نبي الله أنه قال: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَاب، غَيْرَ نَاكِحِي نِسائِهِمْ، وَلا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ" ؛ وعلى ذلك أيّد قوله: ﴿ أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا ﴾ ؛ ليعلم أن الكتاب المعروف وأهله: هؤلاء، إن كانت ثَمَّ كتب وصحف، والله أعلم.
والثاني: أنّ الله خص أهل الكتاب بأنواع الحجج، وجعل المحاجة بينهم وبين رسول الله ؛ ليوضح أنه - وإن كان مرسلاً إلى جميع البشر - كان له التخصيص في المحاجة؛ وعلى ذلك عامة "سورة الأنعام" في محاجة أهل الشرك، على أن أهل المدينة كانوا أهل كتاب وأهل مكة كانوا أهل شرك، فحاجَّ كلاًّ بالذي هو أحق أن يكلم فيه، وإن كانت الحجة تلزم الفريقين؛ لأن محاجة أهل الشرك أكثرها في التوحيد وأمرِ البعث، وعلى وجوده [فيه]: في أهل الكتاب بعض المشاركة لهم، ومحاجة أهل الكتاب بما في كتبهم، وفيه وجهان: أحدهما: العلم بما قد غاب عنه السبب الذي يوصل إليه بالكسب؛ ليعلم أنه وصل إليه بالوحي؛ فيكون من ذلك الوجه حجة على الفريقين.
والثاني: ظهور سفه أهل الكتاب بوجه يُسْقِطُ عند التأمّل الرِّيبةَ والمحلَّ الذي كان يمنعهم ذلك عن اتباعه، وذلك فيما مدح كتبهم، وشهد لها بالصدق والحق، وإظهار الإيمان وبرسلهم؛ ليعلم أنه ليس بين الرسل والكتب اختلافٌ في الدعاء إلى عبادة الله وتوحيده، وأنً أولئك إنما كذبوا؛ لتسلم لهم الرياسة، ثم - مع ذلك - ظاهروا أهل الشرك المكذبين لكتبهم ورسلهم؛ ليعلم كلُّ ذي عقل شبههم وتمردهم في الباطل؛ إذ ظاهروا أعداءهم في الدين على مَنْ الذي أظهروا موالاته في الدّين ولي له؛ فيكون في ذلك أبلغ الزجر لمتعنتيهم، وأعظم الحجة عليهم فيما آثروا من السفه وتركوا الحق، والله أعلم.
وفي ذلك وجه آخر: أن أهل الشرك قد عرفوا حاجاتهم إلى أهل الكتاب في أمور الدّين، وما عليه أمر السياسة؛ فيصير ما يلزم أولئك من الحجة لازمةً لهم في محاجته بالذي في كتبهم - لزومَ الحجة، مع ما عليهم في ذلك بما [قد] ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ الآية، أبلغ الحجة في محاجة أهل الكتاب؛ إذ تمنوا أن يكون منهم نذير فكان، وقد بلغ المبلغ الذي له ظهر بما خصّوا من الحجج، وشاركوا أولئك في جميع ما به كان افتخارهم عليهم ودعوى الفضل، والله أعلم، مع ما لم يكن له اللسان الذي به ظهر كتبهم، أخبر هو جميع ما في كتبهم بغير لسانهم؛ ليعلموا أنه أدرك ذلك ممن له حقيقة كتبهم، والله أعلم.
وفي ذلك وجه آخر: أنه حاجّهم بوجيهن: أحدهما: بالموجود في كتابهم، والمعروفِ عند أئمتهم من العلم بالكلمة التي دعاهم إليها من التوحيد وعبادة من له الخلق والأمر، وإخبارِ ما في كتبهم من أنواع البشارات به، ومن موافقة الكتب، وعل ذلك أمر إبراهيم - - وغيرهم؛ ليكون أعظم في الحجة، وأقطع للشغب، والله أعلم.
والثاني: بما قد حرفوا من كتبهم، وبدلوا من أحكامهم، وحرفوا من صفته ونعته ونعت أُمَّته؛ ليعلم كلُّ متأمل أنه لا وجه لتعلم ذلك بهم؛ إذ لا يحتمل أن يكون منهم هتك أستارهم، والاطلاع على أسرارهم بما لا يتهيأ لهم دفع ذلك، ولا المقابلة في ذلك؛ ليعلم كل الخلائق: من انقاد لهم أو لا، أن ذلك لا يدركه إلا بمن له العلم بكل سرّ ونجوى، ولا قوة إلا بالله.
مع ما في ذلك وجهان من المعتبر: أحدهما: أن ذلك الزمان لم يكن زمان حِجاجٍ ونظرٍ في أمر الدين؛ إنما كان ذلك الزمانُ زمانَ تقليدٍ في أمر الدين، وتناهٍ في أمر الدنيا، وتفاخرٍ بكثرة الأموال والمواشي؛ فبعث الله - - رسولاً نشأ [من] بين أظهرهم، دعاهم إلى ترك التقليد في الدين، واتباع الحجج التي لا يبلغها أهل الحجاج بعقولهم دون أن يكون لهم المعونة من علم الوحي، وما فيه من حكمة الربوبية؛ فيكف والقوم أصحاب التقليد؟!
إمّا ثقة بأئِمتهم الذين ادعوا علم الكتب المنزلة، وإما ثقة وإيماناً بآبائهم فيما نشئوا عليه: أن الحق لا يشذ عنهم، على ما في ذلك من الاختلاف الذي يمنعهم الأمرين جميعاً، لكنهم إذا لم يكونوا أهل نظر في الدّين ومحاجةٍ فيه، لم يعرفوا أن ذلك يمنعهم التقليد؛ فأظهر لهم الحجج، وأنبأهم بالمودع من حجاج أنبيائهم في كتبهم، وألزمهم أن آبائهم من يلزم التقليد، كانوا أحق بذلك بما كان عندهم أن آباءهم كانوا على دينهم بما بيَّن من تغييرهم وتبديلهم، وتركِ الواجب عليهم من حق الاتباع، والله أعلم.
والثاني: أن أظهر فيهم الاختلاف في أئمتهم، على ادعاء كل منهم أن ذلك هو الذي كان عليه الأنبياء والرسل في أهل الكتاب؛ وحاجات غيرهم بما ليس عندهم إلا آراء ليس عندهم فضل على القول، ثم كان معلوماً عند الاختلاف والتفرق؛ فصارت الحاجة قد عمتهم، والعلم بهم في لزوم الأحكام إلى من يدلهم على الحجة ويعرفهم الحق الذي قد تقرر عندهم؛ فبعث الله بفضله من أظهر لهم بما أنطق به لسانه من الحجاج، وأراهم من علمه مما غيروا حِفظ ما كان عليه أوائلهم؛ فكان ذلك أظهر البيان، وأولى ما يعرف من أفضال الله عليهم بالإغاثة، والامتنان عليهم بالفرج مما قد مستهم إليه الحاجة، ودفعتهم إلى العلم به الفاقة، والله الموفق.
وفي الفصل الأول بقي حرف لم نذكره، وهو أنْ دعاهم إلى الزهد في الدنيا بعد الركون إليها، وإلى الأخوة في الدين بعد ظهور التفاخر بينهم بتكثير العشائر، وتقابل القبائل، والسخاء بجميع ما طبعوا عليه بما قدّر عندهم: ما إليه ترجع عواقب أمرهم، وقام بذلك على قهر العادة ومخالفة الطبيعة التي يعلم أن ذلك في مثل ذلك العصر آية سماوية خارجة عن وسع البشر؛ ليكون أقطع لعذرهم، وأسكن لقلوبهم إليه؛ فلله الحمد على ذلك.
وقوله: ﴿ قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ...
﴾ الآية.
قيل فيها بأوجه: أحدها: أنها العدل، وهي كلمة التوحيد، وكانت عدلاً باتفاق الألسن؛ إذ سئلوا عمن خلق السماوات والأرض في الفزع إليه بالإجابة، وشهادة الخلقة على وحدانية من له الخلق والأمر، والله أعلم.
ومن هذا الوجه أمكن أن يحاج جميع الخلق، وإن خص به أهل الكتاب، والله أعلم.
وأخرى: أن يستوي فيه أنها حق وعدل، وهي عبادة الواحد الذي لم يُختلَف في أنه معبود، وأن كل من عبد غيره فعلى أن يكون له العبادة يعبده، فيرجع إلى حقيقته دون أن يكون بيننا وبينه من يعلم أنه لا يستحق العبادة، وهذا المعنى يلزم الجمع، أيضاً.
والثالث: أن يكون إلى كلمة ظهر أنها عدل في كتابهم بما جاءت رسلهم، ونزلت بها كتبهم، ولا قوة إلا بالله.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ﴾ : ذكر في القصّة أن المشركين أخذوا عماراً وحذيفة، فقالوا لهم: ديننا أفضل من دينكم، وأفضل من الأديان كلها؛ فنزل هذا.
والأشبه أن يكون مثل هذا من رؤساء أهل الكتاب، وعلماؤهم هم الذين يتولون مثل هذا العمل، وأمّا الجهّال منهم والرذلة، فإنهم لا يفعلون هذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ ﴾ : الإضلال: قيل فيه بوجوه: قيل: الإضلال هو الإخمال؛ أرادوا أن يَخْمُلَ ذكرهُم، ولا يُذْكَرون بعدهم أبداً، كما ذكر أولئك.
وقيل: الإضلال: الإهلاك.
وقيل: الإضلال: هو التحير، وكل ضال طريقاً فهو متحير تائه، ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي: ما يهلكون إلا أنفسهم وما يُخْمِلون إلاّ ذكر أنفسهم.
﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ .
أي: وما يشعرون أنهم يهلكون أنفسهم، أو يحيرون، وما يشعرون ماذا عليهم فيما ودّوا من أليم العقاب، والله أعلم.
ويقال: نزلت في عبد الله بن مسعود، .
وقوله: ﴿ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ : يحتمل وجوهاً: يحتمل: وأنتم تشهدون تلك الآيات، وتعاينونها، وتعلمون أنها آيات، لكن تكابرون وتعاندون، ولا تؤمنون بها.
ويحتمل: ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ ، أي: وأنتم تعلمون ما في التوراة والإنجيل: من بعث محمد وصفته - أنه رسول الله أفضل [المخلوقات]، وأنه حق، ولكن لا تتبعونه.
وقيل: ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ ، أي: تعلمون أنها آيات؛ والآيات تحتمل: القرآن، وتحتمل: رسول الله محمداً.
وتحتمل غيرها من الآيات التي جاء بها.
وقال بعضهم: لم تكفرون بدين الله، وأنتم تعلمون بدلالة الخلقة، وشهادة كتبكم أن دين الله وتوحيده حق؟!.
وقوله: ﴿ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ : في الآية دلالة جواز هتك الستر، وإفشاء المكنون والمكتوم من الأمر؛ إذا كان في ذلك تحذير لغيرهم عن مثله، وترغيب لهم في المحمود من الفعل.
ثم فيه دلالة إثبات رسالة رسول الله ؛ لأنه يخبرهم عما كانوا يكتمون ويُسِرُّون فيما بينهم، وذلك من إطلاع الله إياه على ذلك.
﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ : ذلك؛ ألا ترى أنهم لم يتعرضوا له بشيء من ذلك، فيقولوا: متى كتمنا الحق، ومتى لبسنا الحق بالباطل؟!
فدل أنهم علموا أنه حق، وأنه رسول الله، وأن ذلك إنما عُلم بإله - عز وجل - وذلك قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ، ثم عِلْمُ ذلك يكون بأن كان ذلك في كتابهم، أو علموا بالآيات المعجزة.
ويحتمل قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ - ما جزاء من لَبَسَ الحق بالباطل وكتمه، والله أعلم.
ويحتمل: وأنتم تعلمون أنكم تلبسون الحق بالباطل.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ ﴾ قيل: فيه بوجوه، قيل: قوله: ﴿ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ ﴾ ، يعني: بأول أمر محمد لا النهارَ نفسه، وذلك ما روي في القصّة أن بعضهم كان يقول لبعض: إن محمداً كان على قبلتنا وقبلته بيت المقدس، ويصلي إليها، فآمنوا أنتم به، ﴿ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ ﴾ ، يعني: آخر أمره، يعنون قبلة: البيت الحرام الكعبة، أي: اكفروا بقبلته التي يصلي إليها الآن، وهي الكعبة.
وقيل: إن بعضهم يقول لبعض: آمنوا بمحمد في أول أمره؛ حتى يؤمن به جميع العرب، ثمّ اكفروا به في آخر أمره؛ فيقولون لنا: لم كفرتم به ورجعتم عن دينه؟
فنقول لهم: إنا وجدنا في التوراة نعت نبي وصفته، فحسبنا أنه هذا؛ فآمنا به، ثم نظرنا فإذا ذلك لم يكن نعته ولا صفته؛ فرجعنا عن دينه وكفرنا به؛ حتى يرجعوا جميعاً عن دينه؛ فذلك قوله: ﴿ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ ﴾ .
وقيل - أيضاً -: إن رءوس اليهود قالوا للسِّفْلة: صدقوا بالقرآن وبمحمد وجه النهار، يعني: أول النهار، يعني صلاة الغداة، فإذا كان صلاة العصر اكفروا به، فقولوا لهم: إن قبلة بيت المقدس كانت حقّاً؛ فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!
ليرجعوا عن دينهم.
فلا ندري كيف كانت القصة؟
ولكن فيه دلالة رسالة محمد ؛ لما ذكرنا أنه كان يخبرهم بما يضمرون في أنفسهم ويسرون، فذلك من إطلاع الله إياه.
ويحتمل قوله: ﴿ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ ﴾ ، أي: أظهروا لهم الإسلام والموافقة، ولا تؤمنوا به [في] الحقيقة؛ يدل على ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ في الحقيقة، أي: آمنوا به ظاهراً، وأمّا في الحقيقة فلا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم.
وقال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ الآية -: يحتمل وجهين: أحدهما: حقيقة النهار، ثم يتوجه وجهين: أحدهما: أمر القبلة خاصّة، فيريدون بذلك المحاجة بالموافقة في أحد الوقتين عليهم فيما خالفوا في ذلك، وإن علموا أن ذلك حق؛ ليشبهوا على الضعفة أنه لا تزال تنتقل من دين إلى دين، ومذهب إلى مذهب، وأن من لزم الدين الأول والمذهب الأول أحق للموافقة فيه مرة، ولما لا يؤمن البقاء على الثاني، وهو كقوله: ﴿ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ﴾ ؛ وعلى ذلك أنكروا جواز نسخ الشرائع سفهاً منهم، إذ ليس معنى التناسخ إلا اختلاف العبادات، لا اختلاف الأوقات، وذلك المعنى قائم، وما التناسخ إلا ما عليه تناسخ الأحوال في كل؛ على أن العبادات فيها المصلحة، ومن تعبَّدَهم عالم بالذي به الأصلح في كل وقت، فله ذلك.
والثاني: أن يكون الذي أوَّل النهار لعله أنزل بما فيه وصف رسلهم وكتبهم من الهدى والبيان، أو وصف أوائلهم في رعاية الحق، وتعاهد الدين؛ فأمروا بالإيمان بذلك؛ ليروا قومهم أن قد ثبت وصف من تقدم بما ذُكر، وأنهم على ذلك، ومنه جاء فيما أخبر من تبديل من بدّل من أوائلهم وتحريفهم، إلا إن كانوا كذلك؛ ليُلزموهم التقليد في الأمرين، والله أعلم.
وحقه أنه إذا عرف حال الأوائل لا يهم؛ فعلى ذلك أمر الآخر ومن به المعرفة ألزمهم التصديق في الأمرين جميعاً، ومع ما أن في القرآن وصفاً بتصديق كتبهم، فحقهم فيما هووا مقابلة كتب أنبيائهم؛ لتكون هي القاضية والمثبتة للحق أنه على ما ادعوا أو أدُّعي عليهم.
وقد ظهر تعنتهم بمظاهرتهم للمنكرين لكتبهم، المذكبين برسلهم على رسول الله بعد تصديقه إياهم وشهادة كتابه بذلك؛ ليعلم المتأمل عنادهم بغياً وحسداً، كما أخبر الله - - عنهم.
والوجه الآخر من تأويل الآية: أن يراد بما أخبر عنهم أول أمره وآخره، لا حقيقة بياض النهار.
ثم ذلك يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون دُعاه في أول الأمر إلى التوحيد، والإيمان بالكتب المتقدمة، وهم يدعون إلى ذلك؛ وعلى ذلك كانوا قبل ظهور رسول الله ، وآخر ذلك بما تبين من تحريفهم وتعنتهم، ولما أخذهم البغي وغلبهم الحسد، وخافوا على رياستهم، وأشفقوا على ملكهم، وجزاء الشح، وإظهار كثير مما قد كتم أوائلهم؛ فكذبوه في هذا، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون ذلك من أئمتهم اصطلاح على الإيمان بذلك؛ حتى يعلم محلهم وحرصهم على قبول الحق، ثم يكفرون به؛ ليكن الأوّل ذريعة لهم في الثاني؛ أنهم إذ ظنوا أنه على الحق أذعنوا له؛ فلما تبين لهم باطله رجعوا عن ذلك، فأطلع الله نبيه - - على ما أسرّوا؛ ليصير ما ظنّوا أنه حجة لهم حجةً عليهم، وجملة ذلك: أنا لا ندري ما السبب الذي كان منهم القول وفيما كان، ولكنه قد بان أن ذلك كان منهم إسراراً أطلع الله نبيّه [عليه]؛ ليكون حجة له، وزجراً لهم عن كل أنواع التبديل في شأن رسوله - عليه أفضل الصلوات - بما يهتك عليهم؛ فيفتضحون عند من راموا ستر أمرهم، وتسقط رياستهم، والله الموفق.
وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ﴾ : اختلف فيه، قيل: هو على التقديم والتأخير؛ قوله: ﴿ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ﴾ - كان على أثر قوله: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ : يقول بعضهم لبعض: ما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم، ولا بعث نبيّاً مثل نبيّكم؛ قالوا ذلك حسداً منهم.
وقيل: إن هذا قول رسول الله للمسلمين: لما نزل قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ ﴾ - قال لهم: ﴿ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ﴾ ، يقول: دين الله الإسلام هو الدّين ﴿ أَن يُؤْتَىۤ ﴾ ، يقول: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من دين الإسلام، والكتاب الذي فيه الحلال الحرام، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قال: لن يؤتى أحد من الأنبياء قبلي من الآيات مثل ما أوتيت أنا؛ لأن آياتهم كانت كلها حسّية يفهمها كل أحد، وآيات رسول الله كانت حسّية وعقلية لا يفهمها إلا الخواصُّ من الناس وخيرتُهم.
وقوله: ﴿ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ﴾ : راجع إلى قوله: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ فـ ﴿ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ﴾ أنهم قد آمنوا به مرة وأقروا له؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ : أنهم كانوا يظهرون لهم الإسلام والإيمان، ثم إذا خلوا قالوا: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ ؛ فقال بعضهم لبعض: لا تظهروا لهم الإسلام؛ فيحاجوكم عند ربكم في الآخرة؟!.
وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ هذه الآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الفضل ليس بيد الله؛ وكذلك الاختصاص؛ إنما ذلك بيد الخلق؛ لأن من قولهم: إنه ليس على الله أن يفعل بالخلق إلا ما هو أصلح لهم في الدين، ليس له أن يؤتي أحداً فضلاً، ولا له أن يختص أحداً برسالة، إلا من هو مستحق لذلك مستوجب له؛ فلذلك الفضل والاختصاص إنما استوجبوا بأنفسهم لا بالله، على قلوبهم، ففي الحقيقة الفضل عندهم كان بيدهم لا بيد الله، فأكذبهم الله بذلك؛ إذ الفضل عند الخلق هو فعل ما ليس عليه لا ما عليه؛ فنعوذ بالله من السرف في القول، والزيغ عن الرشد.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ -: يحتمل أن يكون في السرّ، وإن أعطيتم لهم الظاهر.
ويحتمل: أن يكون بعد ما أظهرتم اكفروا آخره.
ويحتمل: لا تؤمنوا بما جاء به، إلا لأجل من تبع دينكم؛ فيكون عندهم قدوة، يتقرر عندهم - بالذي فعلتم - أنكم أهل الحق؛ فيتبعكم كيفما تصيرون إليه.
ويحتمل: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ ﴾ : لا تصدّقوا فيما يخبركم عن أوائلكم، ﴿ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ على المنع عن تصديق الرسول فيما يخبرهم من التحريف والتبديل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: البيان هو ما بين الله؛ إذ هو الحق، وكل ما فيه الصرف عنه فهو تلبيس وتمويه.
ويحتمل: أن يكون الدين هو الذي دعا إليه بما أوضحه وأنار برهانه، لا الدين الذي دعا إليه أولئك المنحرفون.
﴿ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ﴾ ، أي: لن يؤتي - والله أعلم - من الكتاب والحجج.
ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ ﴾ ، وهو دينه، أو ما دعا إليه، ثم يقول: ﴿ أَن يُؤْتَىۤ ﴾ بمعنى: لن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم أهل الإسلام من الحجج والبينات، التي توضح أن الحق في أيديكم.
وقوله: ﴿ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ﴾ : فإن كان هو صلة الأوّل، فـ"أَو" بمعنى: "ليحاجوكم"، أو: "حتى يحاجوكم" إذا آمنتم بما دعوا إليه؛ فيحاجوكم بذلك عند ربكم، أي: إنما آمنتم بالذي جاء لكم من عند ربكم؛ فيصير ذلك لهم حجة عليكم.
وإن كان صلة الثاني، فهو على أنهم لا يؤتون مثل ما أوتيتم من الحجج؛ ليحاجوكم بها عند ربّكم في أن الذي هو عليه حق؛ لما قد ظهر تعنتهم وتحريفهم - والله أعلم - ثم بين السبب الذي هو نيل كل خير وفضل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ : ينقض على المعتزلة قولهم بوجهين: أحدهما: أنهم لا يرون لله أن يختص أحداً - بشيء فيه صلاح - غيره صرفَهُ عن ذلك الغير، بل إن فعل ذلك كان محابياً عندهم بخيلاً، بل في الابتداء لم يكن له ذلك؛ وإنما يعطي بالاستحقاق، وذلك حق يلزمه وقد ذكر بحرف الامتنان.
وعندهم - أيضاً -: ليس له ألا يشاء أو لا يعطي؛ فلا معنى لذكره الذي ذكر مع ما صار ذلك، بيد غيره إذ يلزم ذلك، والله أعلم.
والثاني: أن الذي يحق عليه - أن يبذل كُلا الأصلح في الدين، وأنه إن قَصَرَ أحداً عن ذلك كان جائزاً، ثم الأفضل للعبد شيء مما أعطى حتى يعطيه فيما أمره؛ فيكون الفضل في الحقيقة في يد العبد: يؤتي نفسه إن شاء ويمنع إن شاء، والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ﴾ : والقنطار ما تقدم ذكره، ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ﴾ : وصف - جلّ وعز - أهل الكتاب بعضهم بأداء الأمانة، وبعضهم بالخيانة، وليس المراد من الآية - والله أعلم - القنطار نفسه أو الدينار، ولكن وصفهم بأن فيهم أمانة وخيانة، قلّت الخيانة أو عظمت، وكذلك الأمانة؛ ألا ترى أنه يستحق الذم بدون القنطار والدينار إذا خان، وكذلك يستحق الحمد إذا أدى بدون ذلك؟!
دلّ أنه لم يرد به التقدير، ولكن على التمثيل، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ ليس على إرادة الذرّة؛ ولكن على التمثيل أن لعمل الخير والشر جزاء وإن قل؛ فكذلك الأول.
وفيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد، ولما ذكر أنه لم يرد القدر الذي ذكره؛ ولكن لمعنى فيه: بالاجتهاد يعرف لا بالنصوص، وعن الشافعي - -: أن الدينار عنده مستكثر يحلف [عليه] مدّعيه عند المنبر، والله - - جعله مستقلاًّ.
وفيه دلالة - أيضاً - جواز شهادة بعضهم لبعض وعلى بعض، إن كانت فيهم نزلت، على ما قاله بعض أهل التأويل؛ لأنه وصف - عز وجلّ - بعضهم بالأمانة في المال، وإن كانت الأمانة لهم في الدّين والشهادة أمان، والله أعلم.
ويحتمل: أن تكون الآية فيمن أسلم منهم وصف بالأمانة، ومن لم يسلم وصفهم بالخيانة؛ على ما ذكر - عز وجل - مثله في آية أخرى: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ : وصف - عز وجل - من آمن منهم بالعدالة والهدى، ووصف الكفار بالخيانة في غير أي من القرآن.
ويحتمل أن تكون الآية فيا ائتُمِنوا، أو فيما جرى بينهم وبين المسلمين من المداينة من غير رهن ولا كفالة؛ وهو كقوله: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ : أمرهم بأداء الأمانة فيما ائتمنوا.
وقوله: ﴿ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ﴾ : قيل: ملازماً مواظباً، ملحاً، دائماً، متقاضياً.
ومن عامل من المسلمين الناس هذه المعاملة يُخافُ دخوله في هذ النهي والوعيد.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ .
قالوا ذلك؛ لأنهم كانوا يستحلون أموال المسلمين ظلماً، يقولون : لم يُجعل علينا في كتابنا لأموالهم حرمةُ أموالنا علينا؛ يقولون: نحن أبناء الله وأحبّاؤه، وأرادوا بالأمّيين: العرب؛ إذ ليس لهم كتاب.
وقيل: ذلك الاستحلال بأن قالوا: ليس علينا الله فيهم سبيل، وأرادوا بالأميين: المسلمين؛ على ما روي عن رسول الله قال: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمَّيَّةٌ، لاَ نَحْسُبُ وَلاَ نَكْتُبُ" وقيل: قالوا: لا حرج علينا في حبس أموالهم في التوراة؛ فأكذبهم الله - عزّ وجلّ - بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ .
بأنْ ليس في كتابهم حرمة أموالهم، ولا لهم عليهم سبيل، وهم يعلمون أنهم يكذبون على الله، عز وجل.
وقوله: ﴿ بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ ﴾ : يحتمل قوله: "بلى"؛ ردّاً على قولهم: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ ؛ بل عليكم سبيل فيهم، ثم ابتدأ الكلام فقال: ﴿ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ ، أي: هؤلاء الّذين يحبّهم الله لا أنتم.
ويحتمل قوله: ﴿ بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ ﴾ : الذي عليه في التوراة أمر بأداء الأمانة، وإظهار نعته وصفته التي فيها، واتقاء محارمه وظلم الناس في ترك الوفاء، وفي نقض العهد، وصدق الله ورسوله، ولم يكتم نعته وصفته - فإن الله يحبّهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ : قيل: عهد الله: أمره ونهيه.
يحتمل هذا العهد فيما عهدوا في التوراة ألا يكتموا نعته وصفته؛ ولكن يظهرون ذلك للناس ويقرون به.
﴿ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ : أيمانهم التي حلفوا كذباً أن ليس نعته وصفته فيه؛ مخافة ذهاب منافعهم.
ويحتمل: أن حلفوا كذباً، فأخذوا أموال الناس بالباطل والظلم؛ وعلى ذلك روي عن رسول الله قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ؛ لِيَقْطَعَ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِم لَقِيَ الله - - وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" وتلا هذه الآية: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً...
﴾ الآية.
والعهد والإيمان سواء؛ ألا ترى [إلى قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ...
﴾ الآية.
ويحتمل عهد الله: ما قبلوا عن الله]، وما ألزمهم الله، والأيمان: ما حلفوا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ : أي: لا نصيب لهم في الآخرة مما ذكروا أن لهم عند الله من الخيرات والحسنات؛ كقوله: ﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: أنه أراد بذلك كلام الملائكة الذين يأتون المؤمنين بالتحية والسلام من ربهم؛ كقوله: ﴿ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ .
وقوله: (لا تكلمهم) الملائكة؛ على ما تكلم المؤمنين، أضاف ذلك إلى نفسه، على ما ذكرنا فيما تقدم من إضافة النصر إليه على إرادة أوليائه؛ فكذلك هذا، أو أن يكون الله - عز وجل - كان قد كلمهم بتكليم الملائكة إياهم؛ لأنهم رسله؛ فكان كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾ : صيّره ببعث الرسل كأنْ قد كلمهم هو؛ فكذلك الأوّل.
ويحتمل: أن يكون الله - عز وجل - يكرم المؤمنين في الجنة بكلامه عال ما كلم موسى في الدنيا؛ فلا يكلمهم كما يكلم المؤمنين.
ويحتمل: لا يكلمهم بالرحمة سوى أن يقول لهم: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ \[المؤمنون: 108\]؛ وكقوله: ﴿ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ ﴾ : نظر رحمة، كما ينظر إلى المؤمنين بالرحمة.
وقوله: ﴿ وَلاَ يُزَكِّيهِم ﴾ : أي: لا يجعل لخيراتهم ثواباً.
ويحتمل: أن يكون هذا في قوم علم الله منهم أنهم لا يؤمنون أبداً؛ فقال: لا يزكيهم، أي: لا تزكو أعمالهم.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ ﴾ : أي: كانوا يحرفون ألسنتهم بالكتاب على التعظيم والتبجيل: ﴿ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ أي: كانوا يحرفون نعته - عليه أفضل الصلوات - وصفتَهُ، ثم يتلونه على التعظيم والتبجيل؛ ليحسبوه من الكتاب المنزل من السماء، وما هو من الكتاب الذي أنزل من السماء.
﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .
﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنهم يكذبون على الله، وأن ذلك ليس هو من عند الله.
وقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ﴾ : أي: ما كان لبشر اختاره الله للذي قال؛ وتبين أنهم إنما أضافوا دينهم الذي فيه عبادة غير الله إلى أنبيائهم كِذْبةً، وأن الله يجعل رسالته عند من يعصمه عن مثله بقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ ، لا يجعلها حيث يخان ويكتم، والله الموفق.
وهذه الآية تنقض على الباطنية قولهم؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يؤتي النفس البشرية الكتاب ولا النبوة؛ إنما يؤتي النفس البسيطة، وهي الروحانية، ليأتي تخيل في قلوب الأنبياء، ويؤيدهم حتى يؤلفوا؛ كقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾ .
فإذا ثبت ذلك في قلوب الرسل ألفوا هم الكتب والصحف، لا يقدر غير الرسل على ذلك، ثم الناس يأخذون ذلك منهم؛ فالآية تكذبهم وترد عليهم قولهم؛ حيث أخبر أنه يؤتي البشر الكتاب والحكم والنبوة بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ﴾ وكذلك قال عيسى - - في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ﴾ .
وفي الآية دليل عصمة الرسل والأنبياء - عليهم السلام - عن الكفر بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، وخاصّة في عصمة رسولنا - محمد - قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ ﴾ : شرَطَ في المؤمنين اكتسابَ ما يستوجبون به الأذى، ولم يشترط في النبي ؛ دل أنه لا يكون منه اكتسابُ ما يستوجب به الأذى، ويكون من المؤمنين بشرطه فيهم ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن كُونُواْ ﴾ : معناه: أي: ولكن يقول لهم: كونوا ربّانيين؛ وكأنه على الابتداء والاستئناف ويقول لهم: ﴿ وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ .
ثم اختلف في ﴿ رَبَّـٰنِيِّينَ ﴾ ؛ قيل: متعبدين لله بالذي يُعلِّمون الكتاب، وبالذي يدرسونه.
وقيل: الربانيون: العلماء الحكماء.
وقيل: حكماء علماء.
وقيل: علماء فقهاء.
وهو واحد.
ثم فيه دلالة أن الرجل قد يدرس ويعلّم آخر بما لا يفقه ولا يعلم، معناه: إلا كل من يدرس شيئاً أو يعلّم آخر يكون فقيهاً فيه، ويعرف ما أودع فيه من المعنى.
وفيه دلالة جواز الاجتهاد؛ لأنه إنما يوصل إلى ما فيه من المعنى والفقه بالاجتهاد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً ﴾ .
اختلف فيه؛ قيل: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة أرباباً؛ لأنهم يقولون: إن الله أمرهم بذلك؛ كقوله - -: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
وقيل: إن عيسى وعزيراً ومن ذكر لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً من دون الله، وقد عصمهم الله بالنبوة.
وقوله: ﴿ أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ : يحتمل وجوهاً: يحتمل: أيأمركم الله بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون له بالخلقة؛ لما يشهد خلقه كل أحد على وحدانيته؛ كقوله: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ ، أي: أسلموا له، وأقروا به مرة، ثم كفروا بعد ما كانوا مخلصين له بالتوحيد.
ويحتمل قوله: ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ : بعد إذ دعاكم إلى الإسلام فأجاب بعضكم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ﴾ الآية.
قال مجاهد: هذا خطأ من الكاتب، وهي في قراءة ابن مسعود - - "ميثاق الذين أوتوا الكتاب"؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ لأن الميثاق لا يؤخذ على النبيين أن يصدّقوا، لكنه يجوز هذا.
ثم اختلف فيه، قيل: ميثاق الأوّل من الأنبياء - ليصدّقنّ بما جاء به الآخر منهم، لو أدرك.
وقيل: أخذ الله ميثاقاً على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى قومهم؛ ففعلوا، ثم أخذوا مواثيق قومهم أن يؤمنوا بمحمّد ويصدقوه وينصروه.
وقيل: أخذ الله على النبيين ميثاقاً على أن يبلغوا الرسالة إلى قومهم، ويدعوا الناس إلى دين الله.
قال الكسائي فيه بوجهين: أحدهما: يقول: ميثاق الذين منهم النبيّون وهم بنو إسرائيل، وكل ميثاق ذكره الله - - في القرآن في أهل الكتاب، فإنما يراد به بنو إسرائيل.
والثاني: ذكره كما ذكرنا من تصديق بعضهم بعضاً، وتبليغ كتب الله إلى قومهم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ .
أخذ عليهم الميثاق؛ ليأخذوا على قومهم المواثيق أن يؤمنوا بمحمّد إذا خرج وينصروه.
وقوله: ﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ ﴾ : قال الله - - للأنبياء: ﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي ﴾ ، قيل: هو عهدي.
والإصر: قيل: هو العهد.
﴿ قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا ﴾ .
بالعهد لنؤمنن به ولننصرنه، وأخذنا على قومنا ليؤمنن به ولينصرنه، وقال الله - -: ﴿ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ ﴾ .
يقول الله - -: وأنا على إقراركم بمحمّد من الشاهدين.
وقيل: قال الله: فاشهدوا أني قد أخذت عليكم بالعهد، وأنا معكم من الشاهدين أنكم قد أقررتم بالعهد.
يقول الله - -: ﴿ فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ .
العهد بالإقرار بنقض العهد، والرجوع عن الإقرار.
﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ : الدين كأنه يتوجه إلى وجوه يرجع إلى اعتقاد المذهب في الأصل، ويرجع إلى الحكم والخضوع، كقوله - -: ﴿ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ ، ويرجع إلى الجزاء.
ثم قوله: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ : كأن كلا منهم يبغي ديناً هو دين الله، ويدعي أن الدين الذي هو عليه دين الله، لكن هذا - والله أعلم - كل منهم في الابتداء يبغي دين الله في نفسه، لكن بَانَ له من بعد وظهر بالآيات والحجج أنه ليس على دين الله، وأن دين الله هو الإسلام، فلم يرجع إليه ولا اعتقده، ولزم غيره بالاعتناد والمكابرة؛ فهو باغٍ غيرَ دين الله، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ ، أي: أفغير ما في دين الله من الأحكام والتوحيد.
ويحتمل: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ ﴾ : يدينون، وليس على الاستفهام؛ ولكن على الإيجاب أنهم في صنيعهم يبغون غير الذي هو دين الله، كقوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ...
﴾ الآية.
وقوله: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ﴾ : يحتمل: وجوهاً: يحتمل: أسلم، أي: استسلم، وخضع له بالخلقة؛ إذ في خلقة كُلٍّ دلالاتُ وَحدانيته.
ويحتمل: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ ، يعني: الملائكة، ﴿ وَٱلأَرْضِ ﴾ المؤمنين الذين أسلموا طوعاً وكرهاً، يعني: أهل الأديان يقرون أن الله ربهم وهو خلقهم؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ فذلك إسلامهم، وهم في ذلك مشركون.
عن ابن عباس - - قال]: "مَنْ فِى السَّمَوَاتِ أَسْلَمُوا طَوْعاً، ,َأَمَّا أهْلُ الأرْضِ: فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ طَوْعاً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ كَرْهاً؛ مَخَافَةَ السَّيْفِ".
وعن ابن عباس - أيضاً - قال: "طَوْعاً مَنْ وُلِدَ فِى الإِسْلاَمِ، وَكُلُّ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُولَدْ فِى الإسْلاَم فَهُوَ كُرْهٌ".
وقيل: منهم من أسلم طوعاً، ومنهم من جبروا عليه، والإسلام: هو تسليم النفس لله خالصاً لا يشرك فيها غيره؛ كقوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ ﴾ الآية [الزمر: 29].
دلّت الآية أنه ما ذكرنا، والله أعلم.
والإسلام: هو اسم الخضوع، وكل منهم قد خضعوا، ولم يجترئ أحد أن يخرج عليه.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴾ الآية.
هذا - والله أعلم - وذلك أن اليهود والنصارى لما آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، كقوله: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ - أمر الله - - المؤمنين أن يؤمنوا بالرسل جميعاً؛ فآمنوا بهم جميعاً، وقالوا: ﴿ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ : والإسلام ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ : اختلف فيه: [يحتمل] ﴿ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ : حسنات من بغى غيرَ دين الإسلام في الدنيا؛ وهوكقوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ ﴾ ، أي: بالمؤمن به ﴿ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ .
ويحتمل: من أتى بدين سوى دين الإسلام فلن يقبل منه، ﴿ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .
وقيل: إنها نزلت في نفر ارتدوا عن الإسلام بعد ما أسلموا، ثم تاب بعضهم؛ فنزل قوله: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ : يحتمل: "يبتغي": يطلب، ﴿ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ ؛ كأنه نهى عن ذلك أن يقصد بالتدين التقرب إلى الله - - فأخبر أن ذلك لا يقبله؛ ليصرف الطلب إلى غير ذلك، وذلك كما دانوا من عبادة الأوثان وغيرها؛ لتقربهم إلى الله زلفي، فأخبر أنه لا يقرب؛ ليصرف الطلب إلى حقيقة ذلك الدين على الأديان [التي] كانت معروفة، تأبى أنفس الكفرة عن [قبول] اسم الإسلام لدينهم، وادعوا أن دينهم هو دين الله؛ فأخبر الله - - أن دينه هو الإسلام، وأن من يبتغي الدين؛ ليدين الله به، غيرَهُ -، فالله لا يقبل منه، والله أعلم.
ويحتمل الابتغاء: الإرادة؛ فيكون فيه تحقيق الدين؛ إذ هي تجامع الفعل؛ فكأنه قال: من دان غير دين الإسلام، فلن يقبل منه، وإن قصد به الله بالدين، والله الموفق.
أيد ذلك قوله: ﴿ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ : أنه فيمن أتى بغيره، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ...
﴾ الآية.
فالآية تحتمل وجوهاً: تحتمل: ألا يهدي الله قوماً هم معاندون مكابرون فيه، غير خاضعين له ولا متواضعين؛ إنما يهدي من خضع له وتواضع، فأما من عاند وكابر: فلا يهديه.
ويحتمل: أن هذا في قوم مخصوصين، علم الله منهم أنهم لا يؤمنون أبداً؛ فأخبر الله - - أنه لا يهديهم، وأما من علم الله أنه يؤمن وتاب: فإنه يهديهم بقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ ﴾ الآية: أطمع من تاب وأصلح أن يهديه ويغفر له.
ويحتمل: ألا يهديهم طريق الجنة، إذا ماتوا على كفرهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾ .
قال الشيخ - رحمه الله -: ويحتمل: لا يهديهم في وقت اختيارهم الضلالة.
وقيل: بما اختاروا من الضلالة لا يهديهم، أي: لا يعينهم: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
قال الشيخ - رحمه الله -: ودل قوله: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ﴾ - أن دين الإسلام هو الإيمان، وأن الكفر مقابله من الأضداد، وكيف يهدي قبل كفرهم؟!.
وقيل: في وقت اختيارهم.
وقيل: ذلك في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون، وكانت همتهم التعنت والمخالفة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
الآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم قالوا: إن الهدى: البيان، والبيان للكل، قالوا: بتقدم الفعل، فلو كان متقدماً لكان في ذلك إعطاء الهدى للظالم؛ فأخبر - عز وجلّ - أنه لا يهدي الظالم، وهم يقولون: لا، بل يهدي الظالم؛ فذلك خروج عليه، وأمّا على قولنا: فإن التوفيق والقدرة إنما تكون معه؛ فكان قولنا موافقاً للآية.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ﴾ من ذكر -: فلو لم يكن الهدي غير البيان، فلقد هداهم إذن؛ على قول المعتزلة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ ﴾ : [قيل: ﴿ لَعْنَةَ ٱللَّهِ ﴾ ] عذاب الله.
[وقيل:]: لعنة الله : هي الإياس من رحمته وعفوه، واللعن: هو الطرد في اللغة، ولعنة الملائكة: ما قيل في آية أخرى قوله: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ * قَالُوۤاْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ بَلَىٰ قَالُواْ فَٱدْعُواْ ﴾ الآية [غافر: 49-50].
وقيل: لعنة الملائكة قولهم لهم: ﴿ وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ ﴾ إلى آخره.
وقيل: يدعون عليهم باللعن.
وقيل: لعنة المؤمنين قوله: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ فذلك لعنهم عليهم.
وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ : ملحق على قوله: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ﴾ : ذكر الكفر بعد الإيمان، ثم ذكر التوبة فقال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ...
﴾ الآية: أطمع لهم المغفرة والرحمة بالتوبة بعد الكفر بقوله: ﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
وما قيل: في القصّة - أيضاً - أن نفراً ارتدُّوا عن [دين] الإسلام، ثم تاب بعضهم، ولم يتب البعض؛ فنزل قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ الآية.
وفي الآية دلالة قبول توبة المرتدين؛ لأن قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ ﴾ الآية - قيل في القصّة.
<div class="verse-tafsir"
قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً [لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} الآية: اختلف فيه، قيل: قوله: ﴿ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ ﴾ ]، أي: ماتوا على ذلك، فذلك زيادتهم الكفر.
وقيل: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : بعيسى بعد الإيمان بالرسل جميعاً، ثم ازدادوا كفراً: بمحمد ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ ، قيل: لن تقبل توبتهم التي تابوا مرة ثم تركوها.
وقيل: ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ التي أظهروا باللسان، وما كان ذلك في قلوبهم، أي: ليست لهم توبة [إلا أن] يكون توبة منهم فترد؛ كقوله: ﴿ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ ﴾ .
وقيل: هم قوم علم الله أنهم لا يتوبون أبداً؛ فأخبر أنه لا يقبل توتبهم؛ كقوله: ﴿ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
وقيل: لا تقبل توبتهم عند الموت؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ وكقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ ، وكقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ ﴾ : أخبر أنه لا ينفع الإيمان في ذلك الوقت؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ في ذلك الوقت؛ إذا داموا على الكفر إلى ذلك الوقت.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ -: ذلك في قوم مخصوصين، أي: لا يكون منهم توبة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ ﴾ ، أي: لا شافع لهم، ويحتمل عند رؤية بأس الله وجزاء فعله عند القيامة أو معاينة الموت؛ يدل على ذلك الآية التي تقدمت.
وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً...
﴾ الآية.
قوله: ﴿ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ ﴾ ، يقول: لو كان معهم لافتدوا به أنفسهم - ما قبل منهم، ولكن لا يكون؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾ ، أي: لا يكون لهم شفيع، لا أن كان لهم شفعاء فيشفعون فلا تقبل شفاعتهم، ولكن لا يكون لهم؛ فهذا يدل على أن قوله: ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ ، أي: لا يتوبون، والله أعلم.
وروي عن أنس بن مالك - - أن نبي الله قال: "يُجَاءُ بالكَافِرِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: أَرأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلءُ الأرْضِ ذهباً، أكُنْتَ مُفْتَدياً به؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبّ، فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ!" وقوله: ﴿ لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ .
يحتمل أن تكون الآية - والله أعلم - في كفار منعهم عن الإسلام الزكاةُ والصدقات التي تجب في الأموال؛ كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ * فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ...
﴾ الآية [التوبة: 75-76]، إلى قوله: ﴿ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ : أخبر - عز وجل - لن تنالوا الإسلام حتى تنفقوا مما تحبّون من الأموال؛ وكقوله: ﴿ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ .
وتحتمل الآية في المؤمنين؛ رغبهم - عز وجل - في إنفاق ما يحبّون؛ كقوله: ﴿ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ﴾ الآية [البقرة: 177]: أخبر أنّ البرّ ما ذكر: من الإيمان به؛ وإيتاء المال في حبه.
ورُوي عن أنس - - قال: لما نزل قوله - -: ﴿ لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ ، قال أبو طلحة: يا رسول الله، حائطي الذي في مكان كذا وكذا فهو لله، ولو استطعت أن أسرّه ما أعلنته؛ فقال رسول الله : "اجْعَلْهُ في قَرَابَتِكَ - أو أَقْرِبَائِكَ" وروي عن ابن عمر - - أنه لما نزل هذا: أعتق جارية.
ثم اختلف في البرِّ، قيل: البرّ هو الجنة ههنا.
وقيل: البر هو الإسلام، إن كان في الكافرين.
وقيل: لن تنالوا درجات الجنة، وما عند الله من الثواب إلا بإنفاق ما تحبون.
وقوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ .
ففيه دليلُ قبول القليل من الصدقة؛ لأنهم كانوا يمتنعون عن قليل التصديق استحقاراً، فأخبر أنه بذلك عليم وإن قل، بعد أن يكون ذلك لله عز وجلّ، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ﴾ الآية.
قال ابن عباس - -: "وكان الطعام كله حلالاً، إلا الميتة والدم ولحم الخنزير.
﴿ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ﴾ ، يعني: يعقوب، حرم على نفسه لحم الإبل وألبانها، وكان من أحب الطعام إليه، إن ثبت ما ذكر في القصّة: أن يعقوب - - أقبل يريد بيت المقدس، فلقيه ملك، فظن يعقوب أنه لص؛ فعالجه يصارعه حتى أضاء له الفجر، فلما أضاء لهما الفجر غمز الملك فخذ يعقوب، فتهيج عليه عرق النسا؛ فكان يبيت الليل ساهراً من وجعه، فأقسم: لئن شفاه الله ليحرّمنّ أحبّ الطعام والشراب إليه على نفسه؛ فشفاه الله من ذلك؛ فحرم لحم الإبل وألبانها؛ لأنها من أحب الطعام والشراب إليه.
فإن ثبت هذا فهو إنما حرم ذلك على نفسه بالإذن من الله - - والأمر منه.
ثم إن اليهود قالوا: إنما كان تحريم ذلك من الله في التوراة؛ فأمر الله - - نبيّه أن قل لهم: ﴿ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ : أن ذلك التحريم من الله في التوراة.
ويحتمل أن يكون التحريم كان بظلم منهم؛ كقوله - - ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ...
﴾ الآية [النساء: 160]؛ ثم أنكروا تحريم ذلك بظلمهم، فدعوا بإحضار التوراة؛ ليظهر كذبهم، فأبوا ذلك.
فلا ندري كيف كانت القصة؟
ولكن فيه إثباب دلالة رسالة [رسولنا] محمد حيث أخبر عمّا أسرّوا، وأظهر ما كتموا.
قال أبو يزيد: إنما قدر أهل الكتاب على تغيير كتابهم، والزيادة فيه والنقصان، ولم يكن لأحد تغيير القرآن عن وجهه، أو زيادةٍ فيه أو نقصان منه؛ لأن كتبهم تشبه كلام غيره من الحكماء؛ فغيروا بغيره من كلام الحكماء، وأمّا القرآن: فهو آية معجزة، لم يقدروا على تحريفه ولا تبديله، وإن علم أنه كان كما ذكر؛ وإلا فهو - والله أعلم - ليهتك عليهم أستارهم، وليظهر منهم ما كتموا، وفيه إثبات لرسالة محمد .
<div class="verse-tafsir"
[قوله: ﴿ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ﴾ الآية: قد ذكرنا فيما تقدم].
وقوله: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً ﴾ : قيل فيه بوجوه؛ قيل: إن أوّل بيت مبارك وضع للناس هو بكة.
وقيل: أوّل مسجد وضع للناس مكة.
وقيل: يريد بـ"بكة" البقعة، أي: أوّل بقعة خلق اللهُ هو بكة، ومنها دحيت الأرض.
وقيل: إن آدم - - لما أمر بالحج فيه، قال جبريل - -: "قد حج فيه الملائكة قبلك بألفي عام".
وقيل: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي عام.
ثم اختلف في قوله "بكة"؛ قيل "البكة": الزحام.
وقيل: "البكة"؛ موضع البيت، ومكة سائل القرية.
وعن ابن عباس - - قال: "مكة من فخ إلى التنعيم إلى آخر المنحر، وبكة: من البيت إلى البطحاء".
وقيل: "بكة": الكعبّة؛ حيث يبك الناس، أي: يزدحم بعضهم بعضاً، بـ"مكة": ما وراءها.
وقوله: ﴿ مُبَارَكاً ﴾ ، قيل: يغفر فيه الذنوب والخطايا.
﴿ وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ ﴾ - ما لو تأمّلوا لهداهم؛ وذلك أن الله - عز وجل - خلق هذا البيت بين الجبال في أرض ملساء قليلة الإنزال والريع، لا ماء فيه ولا شجر ولا نزهة؛ ما لا يرغب الخلق إلى مثله، ثم جعل قلوب الناس تميل وتهوي إليه أفئدتهم من غير أن كان فيه ما يرغبهم من النزهة، فلولا أن كان ذلك من آيات الله ولطفه؛ وإلا ما رغب الناس إلى مثله.
ويحتمل قوله: ﴿ فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ ﴾ - ما ذكر: ﴿ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ ، وذلك آياته، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ : ظاهره فيمن يجني، ثم دخل الحرم آمن؛ لأن من لم يجن فهو آمن أين دخل من الحرم وغيره، وإنما الآية على ما يخص بالأمن إذا دخل الحرم دون غيره.
وقد روي عن جماعة من أصحاب رسول الله ما يوافق هذا، ورُوي عن ابن عباس - - قال: "إذا أصاب الرجل الحدَّ في الحرم، أقيم عليه، وإن أصابه في غير الحرم، ثم لجأ إليه، لا يُحَدَّث، ولا يُجالَس، ولا يُؤَاكَلَ، ولا يبايع، حتى يخرج منه؛ فيؤخذ، فيقام عليه الحد".
ورُوي عن ابن عمر - - أنه قال: "لو وجدنا قاتل أبينا في الحرم لم نقتله".
ورُوي عن الحسن - رحمه الله - أنه قال في قوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ - كان هذا في الجاهلية، فأما الإسلام: فلم يزده إلا شدة: من أصاب الحدّ في غيره، لم لجأ - إليه أقيم عليه الحدّ.
يقال للحسن: إن الصيد كان يأمن في الجاهلية، ثم الإسلام لا يرفع ذلك الأمن؛ بل كان أمن الصيد في حال الإسلام.
كهو في حال الجاهلية، فعلى ذلك الأمن الذي كان في الجاهلية هو باق غير زائل في الإسلام.
وأصحابنا - رحمهم الله - يذهبون إلى ما روي عن ابن عباس وابن عمر - ما - أن رسول الله قال: "إِنَّ الله - - حَرَّمَ مَكََّةَ يَوْمَ خَلَقَها؛ لم تُحَلَّ لأَِحَدٍ قَبْلِي ولا تُحَلُّ لأَِحَدٍ بَعْدي، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي سَاعةً مِنْ نَهَارٍ، لا يُخْتَلَي خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَد شَجَرُها، ولا يُنَفَّر صَيْدُها، ولا يُحْتَشُّ حَشِيشُها" .
أخبر رسول الله أن مكة بعد الإسلام حرام؛ كما كانت قبله، وأنها لم تُحَلَّ له إلا ساعة من نهار، فإذا كان الملتجئ آمناً قبل الإسلام؛ فالواجب أن يكون آمناً بعد الإسلام، حتى يخرج منها.
وحجة أخرى: وهو أن الله - - أباح لرسول الله قتل المشركين جميعاً، بل فرض ذلك عليه، إلا أهل مكة؛ فإنه لم يُحِلَّ له قتلهم إلا ساعة من نهار، ففضَّل مكة على غيرها بما خصّها به من التحريم؛ فلا يبعد ألا يقام على من التجأ إليها في الإسلام؛ إذ كانت جنايته أقل من كفر أهلها، ولم يُحَلَّ قتالُهم إلا ساعة من نهار.
وفي الفرق [بين] من قتل فيها وفي غيرها، ثم لجأ إليه - وجه آخر: قال الله - : ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ : أباح لهم القتل عند المسجد الحرام، إذا قاتلونا؛ فعلى ذلك يقام الحدّ إذا أصاب وهو فيه، وإذا أصاب - وهو في غيره - ثم لجأ إليه: لم يُقِمْ؛ كما لم يُقَاتَلُوا إذا لم يُقَاتِلُوا، وهذا فرق حسن واضح [بحمد الله وعونه].
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ -: يحتمل أن يكون خبراً من الحرم في قديم الدهر: أنه كان على ما بين الخلق من القتال والحرب يأمنون بالحرم، إذا التجأوا إليه؛ وذلك كقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ ؛ فيكون ذلك من عظيم آيات الله - - أن أهل الجاهلية - على عظيم ما بدلوا من الأمور، وغيروا من الدين - منعهم الله - - عن هذا التغيير؛ حتى بقيت لكل من شهده آية أن الله له هذا السلطان، وبه قام هذا التدبير العظيم، له العلم بحقائق الأشياء، ووضع كل شيء موضعه؛ وعلى ذلك قال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ ﴾ - إن الله قد جعل - جل ثناؤه - ذلك كالماء في الشرع والطبع، فأمّا الشرع: فما جاءت به الرسل، وأمّا الطبع: فما تنافر الناس، حتى سار ذلك إلى الصيد الذي يؤذيه الأخذ، وإلى أنواع الأشياء التي قامت بجوهر تلك البقعة من البنات، لا بأسباب تكتسب؛ ولهذا كره بيع رباع مكة، ورخص في بيع ما يحدث فيه من البنيان، والله أعلم.
ودلّ قوله: و ﴿ جَعَلْنَا ﴾ كذا - على لزوم ذلك الحق؛ لأنه مذكور بحرف الامتنان، والاحتجاج له، ولا يجوز تغير الذي هذا وضْعُهُ، والله أعلم.
ويحتمل: كأنْ صار آمناً، أي: أوجب له الأمان، ومعلوم أن الذي لم يلزمه القتل كان آمناً دون دخوله؛ فثبت أن ذلك فيمن لزمه؛ وأَيَّد ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ فهم قوم قد سبق منهم الكفر وقت شرع القتل بالكفر، لم يأخذهم حق الشرع على ما سبق من الكفر في وقت لم يكن ذلك جزاءه في الدنيا، إلا أن يُحْدِثَ القتال؛ فعلى ذلك من لزمه - لا فيه - فهو يأمن به، إلا أن يكون أحدثه فيه، والله علم.
وأصله: أنه أضاف الأمان إلى نفسه بقوله: ﴿ كَانَ آمِناً ﴾ فكل حق بِتَلَفِ نَفْسِهِ فله أمان بالدخول فيه، وكل حق في إقامته إحياء ما جعلت الحياة لنفع مثله - فهو يقام؛ ليكون زجراً له، وتكفيراً على بقاء الأمن؛ ليقي نفسه، وردّه إلى ما لم يدر أنه التجأ إليه؛ للهرب عن حكم الله - - أو للأمان بالله؛ ليصل إلى إقامة أحكام الله - - آمناً، وفي إقامته هذا أيضاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ .
فرض الله - - الحج بهذه الآية على من استطاع إليه سبيلاً، ولم يبين ما السبيل، وبين ذلك رسول الله : حيث سئل عن الاستطاعة؟
فقال: "الزَّاُد، والرَّاحِلَةُ" ، وهكذا يقول علماؤنا: إن الاستطاعة والسبيل هو الزاد والراحلة؛ كما روي عن رسول الله .
وقال بعض الناس: إذا كان بينه وبين الحج بحر، لم يلزمه الحج؛ فكأنه ذهب إلى ظاهر الآية: ﴿ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ ؛ فجعل البحر وأشباهه مزيلاً للاستطاعة؛ فخالف ما روي عن رسول الله ؛ لأن رسول الله سئل عن الاستطاعة؟
فقال: "الزَّادُ الرَّاحِلَةُ" ؛ فلم يجز لأحد أن يزيد في شرائط الاستطاعة مع الزاد الراحلة؛ لأن النبي - - هو المبين عن الله؛ فعلينا اتباعه في قوله وفعله وتفسيره الآية، ولكنا نجعل من يحول بينه وبين البيت معذوراً في التأخير، ولا يأثم - إن شاء الله - إذا لم يقدر على الوصول إلى البيت بعلة على ما جعل التأخير في غيرها من العبادات عند الأعذار والعلل، ولا يأثم في ذلك.
ثم في الآية دلالة أنه لا يلزم المرأة الحج إلا بالمحرم؛ لأن المرأة - وإن وجدت الزاد والراحلة - فإنها تحتاج إلى من يُرْكِبُها ويُنزلها، ولا تقدر على ذلك إلا بغيرها، وهكذا العرف فيهن، فإذا كان كذلك جعل كأنها غير واجدة للراحلة، والله أعلم.
وفيه دلالة أن العبد إذا حج ثم أُعْتِق - لزمه حجة الإسلام؛ لأنه لا يملك الزاد والراحلة، فإذا لم يملك الزاد والراحلة لم يجز ذلك من حجة الإسلام وكذلك روي عنه أنه قال: "أَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ وَلَو عَشْرَ حِجَجٍ؛ فَعَلَيْهِ إِذَا أُعْتِقَ حَجَّةُ الإِسْلامِ" .
وليس كالحرّ - الفقير يحج، ثم أيسر: جاز ذلك من حجة الإسلام؛ ففرقوا بينهما، وإن كانا في زوال الحج في الابتداء سواء؛ وذلك الفقير إذا بلغ ذلك المكان صار غنياً، ولزمه الفرض؛ لأنه لا يحتاج حينئذ إلى زاد وراحلة، وأمّا العبد إذا حضر ذلك المكان لم يَعْتِقْ؛ لذلك افترقا.
وفي ذلك حُجة أخرى: ما أجمع أهل العلم أن فقيراً لو حضر القتال ضرب له بسهم كامل؛ كما يضرب لمن كان فَرْضُ الجهاد لازماً له، ولو أن عبداً شهد الوقعة رضخ له، ولم يكمل له سهم الحرّ؛ فافترقت حال الفقير والعبد في: الجهاد، والضرب في السّهْمان؛ فعلى ذلك يفترق حالهما في الحج، والله أعلم.
وقال بعض أهل العلم: إن الشيخ الذي لا يستمسك على الراحلة، [إذا وجد غيره يحج عنه - يلزمه فرض الحج؛ فما ينكر من قال في المرأة بمثله، فاحتج بما روي عن ابن عباس - - قال: "جاء إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إن إبي شيخ فأدركته فريضة الحج، وهو لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة]؛ أفيجزئ أن أحج عنه؟
فقال : أَرَأيتَ لَوْ كَانَ عَلَى أبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ، أكان يُقْبَلُ مِنْكَ؟
قال: نعم؛ قال: فاللهُ أَوْلَى بِحَجِّ أَبِيكَ" أو كلام نحوه، ولكن ليس في الخبر أن فريضة الحج إنما أدركته في الحال التي لا يستمسك على الراحلة، فيجوز أن أدركته فريضة الحج قبل ذلك؛ فكذلك يقول علماؤنا: إن الحج إذا وجب فأخَّر أداءه حتى أعْسِرَ - لم يسقط عنه الحج، وكذلك إن وجب عليه الحج فلم يحج حتى كبر، فصار لا يستمسك على الراحلة، عليه أن يوصي ليُحَجَّ عنه.
ويحتمل - أيضاً - أنه رغبه رسول الله في الحج عنه تبرعاً، لا أنه ألزمه الحج في ذلك الوقت الذي لا يثبت عل الراحلة - وعندنا أنه لا يلزمه؛ لأنه إذا لم يستمسك على الراحلة فلا راحلة له، ثم من قول هذا القائل: إن من لزمه فرض الحج، فله التأخير، وفي التأخير فَوْتٌ أو إدراك المنيّة، ومِنْ قوله: إنه لو أخر حتى مات يصير فاسقاً؛ فإذا مات مات فاسقا، يجعل له رخصة التأخير، ثم يفسقه؛ فكأنه يجعل له الرخصة في الفسق، فذلك قبيح وخش من القول سمج.
وأمّا عندنا: فإنه لا يسع له التأخير في أوّل أحوال الإمكان على تمام شرط الاختيار؛ كغيره من العبادات التي لزمت، من نحو الصلاة، والصيام، وغيرهما؛ لا يسع التأخير؛ فعلى ذلك الحج.
ثم مِنْ قول الشافعي - رحمه الله -: إن على الكافر الحج والصلاة والصيام في حال كفره، فإذا أسلم سقط ذلك عنه؛ فذلك عندنا لعب وعبث في دين الله - - غير جائز أن يلزمه فرض في حال لا يجوز له فعله، فإذا جاء سبب الجواز يسقط عنه ذلك.
وفي الآية دلالة أن الحج إنما كان فرضاً على المؤمنين خاصة؛ بقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ بالحج ﴿ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ فلو كان هو [على] الكافر كما هو على المسلم، لم يكن لقوله معنى؛ دل أنه غير لازم، والله أمر بالعبادات باسم المؤمنين.
ثم المسألة بيننا وبين المعتزلة في الاستطاعة، قالت المعتزلة: تكون قبل الفعل؛ لأن الله - - فرض الحج، وأمر بالخروج إليه، إذا قدر على الزاد والراحلة؛ على ما فسره رسول الله ، وإذا لم يقدر لم يلزمه؛ فدلّ أنها تتقدم.
وأمّا عندنا: فهي على وجهين: أحدهما: استطاعة الأسباب والأحوال.
والثاني: استطاعة الأفعال.
فأمّا استطاعة الأحوال والأسباب: فيجوز تقدمها، من نحو: الزاد، والراحلة، والجوارح السليمة.
وأمّا استطاعة الأفعال فإنها لا تكون إلا مع الفعل؛ لأنها استطاعة الفعل وسببه؛ فلا تكون إلا معه، والوقت في الحج لفعل الحج لا للإيجاب؛ لأنه لو كان للإيجاب لكان له ألا يخرج، ولا يأتي ذلك المكان فيجب عليه الحج؛ ولأنه لو لم يلزمه إلا بالوقت، ثم لا يتمكن فعله به دون المكان فيجئ - لا يلزمه إلا بحضور ذلك، فلا يلزمه الخروج أبداً؛ إذ الحج غير لازم [إلا بالوقت]، ولأنه ليس على العبد أن يتكلف في اكتساب إيجاب العبادات، وعليه أن يَجْهَدَ في أداء الواجب عليه.
ثم الأوقات على أقسام ثلاثة: وقت الإيجاب والأداء جميعاً نحو: الصلاة، والصيام، ونحوهما.
ووقت الإيجاب، نحو: الزكاة.
ووقت الأداء - وهو الحج - إنما وجوبه بالزاد والراحلة، وأمّا الوقت: فهو للأداء خاصّة، فإذا كان في أقصى بلاد المسلمين فهو لم يعط قدرة فعل الحج؛ لأنه لا يقدر على فعله إذا كان فيما ذكر؛ دل أن قدرة الفعل لا تتقدم الفعل، وقدرة الأحوال تتقدم لما ذكرناه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ .
في الآية دلالة أن الله - عز وجل - إذا أمر عباده بأمر ليس بأمره لحاجة نفسه، ويأمر لحاجة العبد؛ لأنه غني بذاته، لا حاجة تمسّه، وأمّا الأمر فيما بين الخلق: فإنما هو لحاجة بعضهم لبعض: إمّا جر منفعة، أو دفع مكروه، فذلك معنى قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ .
ثم اختلف في قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ : عن ابن عباس - - ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ قال: من زعم أنه لم ينزل.
وعن الحسن: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ قال: من زعم أن الحج ليس بواجب.
وقيل: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ بالله، قال: هو الذي إن حج لم يرج ثوابه، وإن جلس لم يخش عقابه.
وعن ابن عباس قال: ﴿ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ ، والسبيل أن يصح بدن العبد، وأن يكون له ثمن زاد وراحلة، من غير أن يحجب".
ثم قال: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ ، يقول: ومن كفر بالحج فلم ير حجة برّاً، ولا تركه إثماً.
[وفي] قوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ ﴾ دلالتان: إحداهما: في الوجوب بقوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، وأيد ذلك قولُهُ: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ وما جاء من الأثر واتفاق القول.
والثانية: جعل البيت شرطاً للقيام لما هو في قوله: ﴿ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ذلك؛ فيكون فيه دليل لزوم الطواف، تفسيره في قوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ، وكذلك أيده قوله: ﴿ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ ﴾ ، وأيّد - أيضاً - "ما روي عن رسول الله أنه قال في امرأة نَفِسَتْ: أَحابِسَتُنا هِيَ؟" قيل: إنها أفاضت.
وعلى ذلك اتفاق القول بلزوم الطواف، والله أعلم.
فلما دلّ أن الطواف لازم لم يخل إمّا أن يكون الطواف المبدأ به في الحج، أو الذي يختم به، والذي يبدأ به لا يلزم كل الناس - ثبت أن الفرض هو الذي يختم به، وهو قوله: ﴿ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ : أوجب جعل السبيل إليه والإمكان - شرطاً للوجوب؛ إذ الآية في ذكر الوجوب لا الفعل؛ وعلى ذلك جميع العبادات، جعل الإمكان في وجوبها شرطاً بالسمع بقوله: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ، وغير ذلك مما ذكر في كل نوع من العبادات من الاستطاعة؛ وكذا حق هذا بالفعل، وذلك يخرج على وجهين: استطاعة الفعل من القدرة التي تحدث لا محالة ما سلمت الأسباب، إلا أن يكون ممن منه الفعل الإعراض عنها بالشغل بغير تلك الأفعال، أو اشتغال ذلك بالفعل؛ فيكون فوت الاستطاعة بتضييعه، ولا عذر بفوت ما كان المكلف يفوته، كفوت العلم به على الإمكان، وإن كان لا يقوم دونه، والذي يؤيّد أن هذه الاستطاعة ليست بشرط في الإيجاب أنها لا تبقى، ثم محال وجودها في حال لو أريد إقامة الحج لا يتهيّأ، وذلك نحو أن يكون في أقصى البلاد من مكة، ومعلوم أن القدرة التي بها يكون الفعل ليست معه، ومحال تكليف السبب الذي به يجب الفعل؛ فلذلك لم يجب تكليف بالخروج ولا أمر بالحج؛ فكأنه يؤمر بتكليف سبب الإيجاب - ثبت أن قد يجب الحج لا بتلك القوة؛ وكذلك يجوز في الكفارات استعمال الأبدال في حال العجز، وإن كان لا يعلم أن العجز يمتد إلى آخر ما يقوم به الأصل، بل على ظهور ألا يمتد بمضي البدل - ثبت أنْ لا عبرة لفقد قدرة الفعل ووجودها في التكليف، والله أعلم.
والثاني: يراد بالاستطاعة: سلامة الأسباب، ولا يجوز التكليف دونها بالفعل؛ لأنه ممنوع، ومحال أمر الممنوع عن الفعل - به؛ كالأعمى، والمُقْعَدِ، ونحو ذلك، وإلى مثل هذا انصرف شرط الاستطاعة، وهو اللازم في العقل؛ لما القرب بحق الشكر لما أنعم على المأمور، فإذا منع عنه السبب الذي هو النعمة لم يحتمل أن يؤمر بالشكر ولا نعمة، والله أعلم.
وعلى ذلك ما روي عن رسول الله أنه سئل عن ذلك؛ فقال: "الزَّادُ والرَّاحِلَةُ" .
والله الموفق.
وعلى ما ذكرت يخرج قول أبي حنيفة - - في وجوب الحج: وإن لم يدرك الوقت الذي فيه يقوم الحج على ما لزمه، وإن لم يكن أصاب المكان الذي فيه يقام - والله أعلم بظاهر الآية مع ما ذكرنا من بيان الأثر.
وأصله: أن الوقت في الحج جعل لجواز الفعل؛ إذ هو لو فات لا يحتمل في غيره، وكل فعل يجوز في غير وقته فما يقرب من الوقت به كان أحق بالجواز؛ فإذا لم يجز هذا وجاز في مثله من القابل - ثبت أنه للجواز لا للوجوب؛ وأيّد ذلك ما لا يوصف بالقضاء متى أدى، ولو كان في الأوّل واجباً لوقت الأول لكان يكون في الثاني قاضياً، فإذا لم يكن: ثبت أنه ليس لوجوبه وقت، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : [وآيات الله] ما ذكرنا فيما تقدم بمحمّد بالقرآن والحجج.
﴿ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ﴾ : هو حرف وعيد وتنبيه؛ ينبئهم عن صنيعهم؛ ليكونوا على حذر من ذلك.
وقوله: ﴿ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ ﴾ من الأتباع الذين كان إيمانهم إيمانَ تقليدٍ، لا إيماناً بالعقل؛ لأن من كان إيمانه إيمانا بالعقل فهو لا يصد، ولا يصرف عنه أبداً؛ لما عرف حسن الإيمان وحقيقته بالعقل، فهو لا يترك أبداً، وأما من كان إيمانه إيمان تقليد: فلم يكن إيمانهُ إيمانَ حقيقة، فمثله يصد عنه، إلا أن من يمن الله عليه فيشرح صدره؛ حتى يكون على نور منه، وذلك أحد وجوه اللطف.
والمقلد غير معذور؛ لما معه [ما] لو استعمله لأوضح له الطريق، وأراه قبح ما آثر من التقليد، ولا قوة إلا بالله.
ويحتمل قوله: ﴿ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ ﴾ ، أي: لم تقصدون قصد صدهم عن سبيل الله، وهم لا يرجعون إلى دينكم، أيأس منه إياهم عن أن يرجعوا عن دينهم الذي عليه؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾ فيه إياس الكفرة عن رجوع المسلمين إلى دينهم.
وقيل: كانوا يصرفون المؤمنين عن الحجج.
وقوله: ﴿ تَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ ، والعوج: هو غير طريق الحق، وهو الزيغ والتعوج عن الحق.
وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ ﴾ ، ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ : واحدٌ، وفي حرف حفصة - ا -: "وأنتم شهداء على الناس".
وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ : هو حرف وعيد وتنبيه؛ لأن من علم أن عليه رقيباً وحافظاً، يكون أحذر وأخوف ممن لم يكن عليه ذلك.
قال الشيخ - رحمه الله -: وفيه أنه لا غفلة بالذي يكون منكم خلقكم، ولكن على علم؛ لتعلموا أنه لا للحاجة خلقكم؛ بل لإظهار الغنى والسلطان، جلّ جلاله، وعم نواله.
وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ الآية.
الآية تحتمل وجوهاً: أحدها: معلوم أن المؤمنين لا يطيعون الكفار بحال من الكفر، ولكن معناه - والله أعلم - أن يدعوهم إلى شيء لا يعلمون أن في ذلك كفراً، نهاهم أن يطيعوهم، وفي كل ما يدعوكم إليه كفر وأنتم لا تعلمون.
ويحتمل: النهي عن طاعتهم، نهاهم عن أن يطيعوهم، وإن كان يعلم أنهم لا يطيعونهم؛ كما نهي الرسولَ في غير آي من القرآن، كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ ؛ فكذلك هذا.
قال الشيخ - رحمه الله -: ويشبه أن تكون الآية في عرض أمور عظام ترغب فيها النفس ليكفر بها؛ فحذر عن ذلك بما بين من الاعتناد والخسار في آية أخرى؛ ليعلموا أن ذلك تجارة مخسرة، وقد كانت لهم ولأهل كل دين ومذهب هذا الاعتناد، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وعلى ذلك قوله: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ ﴾ .
على أن الذي أراكم الرسول ألذّ للعقول، وأروح للأبدان مما وُعِدوه مع سوء المآب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ ﴾ : وهو على وجه التعجب ظاهر، ولكنه على طلب الحجة في كفرهم.
﴿ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ .
يدفع عنكم الشبهة التي عرضت لكم بإلقاء الكفار إليكم.
﴿ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ ﴾ : أي: من جعل الله - عز وجل - ملجأً له، ومفزعاً إليه عند الشبه والإشكال.
﴿ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
أي: يحفظه عن الشبه، ويرشده إلى صراط مستقيم، والله أعلم.
ويحتمل: ﴿ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ ﴾ : يتمسك بالذي جاء من القرآن، ﴿ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ : رُوي عن ابن مسعود - - قال: " ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ : أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى"، وأراد: حق تقاته؛ مما يحتمل وسع الخلق.
ورُوي في حرف حفصة: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ أي: اعبدوا الله حق عبادته، وهذا في اعتقاد التوحيد.
وروي عن أنس - - يقول: "لا يتقي الله أحد حق تقاته حتى يخزن من لسانه، وبعد كلامه من عمله".
وقيل: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ : أطيعوا الله حق طاعته.
وقيل: إن هذا نسخها قوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ الآية [التغابن: 16]؛ لكن لا يحتمل أن يأمر الخلق بشيء ليس في وسعهم القيام به، ثم ينسخ ذلك بما يستطاع، ولكن أصله ما روي عن رسول الله أنه قال: "إِنَّ لله عَلَى عِبَادِهِ حَقّاً، وَلِعِبَادِهِ عَلَيْهِ حَقّاً، وَحَقُّ الله على عَبْدِهِ: أَنْ يَعْبُدَ الله، وَلاَ يُشْرِكَ غَيْرَهُ فِيهِ.
وَحَقُّ العَبْدِ عَلَى الله: أَنْ يُدْخِلهُ الجَنَّةَ؛ إِذَا عَبَدَهُ، وَلَمْ يُشْرِكْ غَيْرَهُ فِيهِ أَحَداً" ليكون هذا تأويلاً للآية أن قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ولا تكفروه؛ فيكون فيه الأمر بالإيمان، والنهي عن الكفر؛ لأنه ليس في وسع أحد أن يتقي الله حق تقاته في كل العبادة؛ ألا ترى إلى ما روي من أمر الملائكة مع ما وصفوا من عبادتهم أنهم ﴿ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ و ﴿ لاَ يَسْئَمُونَ ﴾ ، ثم يقولون: ما عبدناك حق عبادتك؟!.
وإذا كان أحد لا يبلغ ذلك فلا يحتمل تكليف مثله، وجملته: أن ذلك ليس بذي حدّ وغاية، فلذلك كان - والله أعلم - الأمر فيه راجع إلى الإسلام، أو في نفي حق الإشراك خاصّة، لا في جميع الأحوال والأفعال، دليله ما ختم به الآية، وفي وسع الخلق ألا يشركوا أحداً في عبادته؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ ؟!.
وفي ظاهر الآية النهي عن الموت إلا مسلماً، وليس في الموت صنع للخلق؛ والمعنى - والله أعلم -: أي: كونوا في حال إذا أدرككم الموت كنتم مسلمين؛ فالنهي فيه نهي عن الكفر، والأمر بالإسلام، حتى إذا أدركه الموت أدركه وهومسلم، والله أعلم.
وقد يكون على بيان ألا عذر عند الموت - وإن اشتد أمره - بالذي ليس بإسلام.
وروي عن أبي حنيفة - - أنه قال: "أكثر ما يسلب الإيمان عند الموت؛ كان الشيطان يطمعه في أمر لو أعطاه ما طلب".
ويحتمل قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ أي: احذروا عذاب الله حق حذره، واحذروا نقمته؛ كقوله: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ بمعنى نقمته.
وقوله: ﴿ وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً ﴾ : اختلف فيه؛ قيل: حبل الله؛ يعني: القرآن، وهو قول ابن مسعود، .
وعن ابن عباس - - قال: "حبل الله: الجماعة، وإنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها"، أمر بالكون مع الجماعة، ونهي عن التفرق؛ لأن أهل الإسلام هم الجماعة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ وصف أهل دين الإسلام بالجماعة، وأهل أديان غيرها بالتفرق.
وعن ابن مسعود - - أيضاً - قال: حبل الله: الجماعة.
ورُوي في بعض الأخبار أن رسول الله قال: "مَنْ فَارَقَ الجَمَاعةَ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ مِنْ عُنُقِهِ" يعني: حبل الإسلام.
وروي عنه - أيضاً - قال: "إِنَّ الشيْطَانَ ذئب [الإنسان] كَذِئْبِ الغَنَمِ، يَأْخُذُ الشَّاذَّةَ والقَاصِيةَ وَالنَّاحِيَةَ، فَإِيَّاكُمْ والشِّعَابَ، وَعَليكُم بِالجَمَاعَةِ وَالعَامَّةِ وَهَذَا المَسْجِدِ" ورُوي عن علي [بن أبي طالب] - - قال: "دعاني النبي ليلةً ثلاث مرات، ثم قال: يَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلافٌ، قلت: كيف نصنع يا رسول الله إذا كان كذلك؟
قال: عَلَيْكمُ بكِتَابِ اللهِ؛ فإِنَّ فِيهِ نَبَأَ مَنْ قَبْلَكُمْ، وَخَبَرَ مَا بَعْدَكُمْ، وهُو حَكَمٌ فِيمَا بَيْنَكُمْ، مَنْ يَدَعْهُ مِنْ جَبَّارٍ يَقْصِمْهُ الله، وَمَنْ طلب الهُدَى فِي غَيرِهِ يُضِلَّهُ اللهُ، وَهُوَ حَبْلُ الله المَتِينُ، وَأَمْرُهُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، وَهُوَ الَّذي لاَ تَخْتَلِفُ فيهِ الأَلْسِنَةُ، وَلاَ يَخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدِّ، وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ" وقيل: حبل الله: دين الله.
الحبل: هو العهد؛ كأنه أمر بالتمسّك بالعهد التي في القرآن، والقيام بوفائها، والحفظ لها، ونهي عن التفرق كما تفرقت الأمم الخالية، واختلفت في الأديان.
وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾ : بمحمد .
وقيل: ألّف بين قلوبكم بالإسلام.
وقيل: بالقرآن، ولم يكن ذلك للدّين نفسه، ولكن بلطف من الله منَّ به على أهل دينه، وأخبر أن التأليف بين قلوبهم نعمة؛ لأن التفرق يوجب التباغض، والتباغض يوجب التقاتل؛ وفي ذلك التفاني.
وعلى قول المعتزلة: ليس من الله على المسلم من النعمة، إلا ومثلها يكون على الكافر؛ لأن الهدى والتوفيق - عندهم - هو البيان، فذلك البيان للكافر كهو للمسلم؛ وعلى قولهم - لا يكون من الله على أحد نعمة؛ لأنهم لا يجعلون لله في الهداية فعلاً، إنما ذلك من الخلق، وأمّا عندنا: فإنما يكون الإسلام بهدايته إياه، فذلك من أعظم النعم عليه.
وقوله: ﴿ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ : أي: صرتم بنعمته إخواناً.
وقوله: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ : أي: كنتم أشفيتم حفرة من النار، وهو القريب منها، لولا أنه منّ بالإسلام.
ويحتمل أن يكون على الكون فيها والوقوع، لا القرب؛ كقوله: ﴿ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ ﴾ ليس على الرؤية خاصة؛ ولكن على الوقوع فيها؛ وكقوله: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ﴾ ليس على البعد منها؛ ولكن على الكون فيها، ومثله كثير يترجم على الوقوع فيها.
وقوله: ﴿ حُفْرَةٍ ﴾ : كأنه قال: كنتم على شفا درك من دركات النار، ﴿ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا ﴾ .
وهذا - أيضاً - على المعتزلة؛ لأن على قولهم: هم الذين ينفذون أنفسهم، لا الله، على ما ذكرنا، [والله أعلم].
قال الشيخ - رحمه الله - نقول: إذا كان الله - - عندهم قد جمع بين الكفرة والبررة في بذل الأصلح لهم في الدّين، وليس منه غير ذلك فلا يجيء أن يمنّ عليهم به يتألف بنعمته، والتي منه موجود مع التفرق؛ بل أولئك تألفوا بنعتمهم.
وبعد؛ فإنّ النعمة لو كانت ديناً، فما الذي كان منه حتى يمنّ، وذلك فعلهم بلا فضل منه فيه؟!
والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ ﴾ الآية: أنه قد يلزم خطاب الإيمان حين الفترة؛ لأنهم في ذلك الوقت كانوا قد أنقذوا، والله الموفق.
وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾ : إذ كنتم أعداء في الجاهلية والكفر، متفرقين، وصرتم إخواناً في الإسلام؛ كلمتكم واحدة.
﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ : لكي تعرفوا نعمته ومنته.
قال الشيخ - رحمه الله -: وقد يكون: ﴿ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾ في حادث الأوقات؛ لتكونوا فيها مهتدين كما اهتديتم؛ فيكون في ذلك وعد التوفيق والبشارة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا خبراً في الحقيقة، وإن كان في الظاهر أمراً؛ فإن كان خبراً ففيه دلالة أن جماعة منهم إذا قاموا على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر - سقط ذلك عن الآخرين؛ لأنه ذكر فيه حرف التبعيض، وهو قوله: ﴿ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ...
﴾ الآية.
ويحتمل أن يكون على الأمر في الظاهر والحقيقة جميعاً، ويكون قوله: ﴿ مِّنْكُمْ ﴾ - صلة، فإن كان على هذا ففيه أن على [كل] أحد أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، وذلك واجب؛ كأنه قال: كونوا أمّة ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ الآية؛ لأنه ذكر - جل وعز - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آي كثيرة من كتابه، منها هذا: ﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ...
﴾ الآية، ومنها قوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، وذمّ من تركهما بقوله: ﴿ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ .
ورُوي عن عكرمة أن ابن عباس - ما - قال له: "قد أعياني أن أعلم ما يفعل بمن أمسك عن الوعظ، فقلت: أنا أعلمك ذلك، اقرأ الآية الثانية: ﴿ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ...
﴾ ، فقال لي: أصبت.
فاستدل ابن عباس - - بهذه الآية على أنّ الله أهلك من عمل السوء، ومن لم ينه عنه من يعمله، فجعل - والله أعلم - الممسكين عن نهي الظالمين مع الظالمين في العذاب.
وقد رُوي عن أبي بكر الصديق - - قال: "يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ﴾ وإني سمعت رسول الله يقول: "إِذَا رَأَوا الظَّالِمَ، فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِهِ - أَو شَكَ أَنْ يَعُمَّهُم اللهُ بِعِقَابٍ" وعن جرير قال: سمعت رسول الله يقول: "إنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ فِي القَوْمِ، وَيَعْمَلُ فِيهِمْ بِمَعَاصِي الرَّحْمَنِ، وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُ وَأَعَزُّ، وَلَوْ شَاءُوا أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِهِ لأَخَذُوا عَلَى يَدِهِ؛ فَيَرْهَبُوا لَهُ؛ فَيُعَذِّبُهُمُ اللهُ بِهِ" وعن حذيفة قال: قال رسول الله : "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوْنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيَعُمَّكُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُونَهُ ولا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ" وعن أبي سعيد الخدري يذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ اللهَ لَيَسْأَلُ العَبْدَ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذَا رَأَيْتَ مُنْكَراً أَنْ تُنْكِرَهُ؟
فإذَا اللهُ لَقَّنَ عَبْداً حُجَّتَهُ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، وَثِقْتُ بِكَ، وَفَرَقْتُ مِنَ النَّاسِ" وعن أبي هريرة - - قال: اجتمع نفر من أصحاب رسول الله [فقالوا: يا رسول الله]، أرأيت إن قلنا بالمعروف حتى لا يبقى من المعروف إلا ما عملنا به، وانتهينا عن المنكر حتى لا يبقى، أيسعنا ألا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر؟
فقال: "مُرُوا بالمَعْروفِ، وإنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ كُلِّهِ، وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تُنْهَوُا عَنْهُ".
ولا ينبغي للرجل أن يقول: لست ممن يعمل بالمعروف كله، وينتهي عن المنكر كله، حتى آمر غيري وأنهاه، فإن فعله المعروف واجب عليه، فلا يجب إذا قصر في واجب أن يقصر في غيره.
وقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ .
يحتمل: وجوهاً: يحتمل: ﴿ كُنْتُمْ ﴾ : أي: صرتم خير أمّة أظهرت للناس؛ بما تدعون الخلق إلى النجاة والخير.
ويحتمل: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ في الكتب السالفة؛ بأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.
ويحتمل: تكونون خير أمة إن أمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر.
ويحتمل: ﴿ كُنْتُمْ ﴾ : صرتم خير أمّة، وكانوا كذلك هم خير ممن تقدمهم من الأمم؛ بما بذلوا مهجهم لله في نصر دينه، وإظهار كلمته، والإشفاق على رسوله، حتى كان أحبّ إليهم من أنفسهم؛ ويرونه أولى بهم، والله الموفق.
ثم اختلف في المعروف والمنكر، قيل: المعروف: كل مستحسن في العقل فهو معروف، وكل مستقبح فيه فهو منكر.
ويحتمل الأمر بالمعروف: هو الأمر بالإيمان، والنهي عن المنكر: هوا لنهي عن الكفر؛ دليله: قوله: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية، يؤمنون هم، ويأمرون غيرهم بالإيمان، وينهون عن الكفر.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ ﴾ : لأن التفرق هو سبيل الشيطان بقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾ .
﴿ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ ﴾ : والبينات: هي الحجج التي أتى بها.
ويحتمل: بيان ما في كتابهم من صفة [رسولنا] محمد ونعته [الشريف].
ويحتمل: تفرقوا عما نهج لهم الله، وأوضح لهم الرسل؛ فأبدعوا لأنفسهم الأديان بالأهواء، فحذرنا ذلك، وعرفنا أن الخير كله في اتباع من جعله الله حجة له، ودليلاً عليه، وداعياً إليه، ولا قوة إلا بالله.
﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ : دلّ هذا أن السبيل هو الذي يدعو الشيطان إليها.
وقوله: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ...
﴾ الآية: وصف الله - عز وجل - وجوه أهل الجنة بالبياض؛ لأن البياض هو غاية ما يكون به الصفاء؛ لأن كل الألوان تظهر في البياض، ووصف - عز وجل - وجوه أهل النار بالسواد؛ لأن السواد هو نهاية ما تكون به الظلمة؛ إذ الألوان لا تظهر في السواد فهو شبيه بالظلمة.
وقد يحتمل أن يكون المراد من وصف البياض والسواد - ليس نفس البياض والسواد؛ ولكنّ البياض هو كناية عن شدّة السرور والفرح، والسّواد كناية عن شدة الحزن والأسف؛ كقوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ﴾ ، ووصف وجوه أهل الجنة بالضحك، وليس على حقيقة الضحك؛ ولكن وصف بغاية السرور والفرح؛ وكذلك وجوه أهل النار وصفها بالغير والقتر؛ وهو وصف بشدة الحزن، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ : يحتمل وجوهاً: يحتمل: أكفرتم بألسنتكم بعدما شهدت خلقتكم بوحدانية الله ؛ لأن خلقة كل أحد تشهد على وحدانيته.
ويحتمل: أي: كفرتم بعدما آمنتم بمحمّد قبل أن يبعث بوجودكم، نعته وصفته في كتابكم وعلى هذا قال بعض أهل التأويل: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ ﴾ : أي: على استجابة كثير منهم من الأجلّة والكبراء، الذين لا يعرفون بالتعنت في الدّين ولا بالتقليد، [والله أعلم].
ويحتمل قوله: أكفرتم أنتم بعد أن آمن منكم فرق؟!؛ لأن منهم من قد آمن، ومنهم من كفر، فقال لمن كفر: أكفرتم أنتم وقد آمن منكم نفر؟!
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ ﴾ والله أعلم؛ وكقوله: ﴿ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ ﴾ ؟!
[الصف: 14].
وقيل: أراد بالإيمان - الذي قالوا حين أخرجوا من ظهر آدم.
وفي الآية ردّ قول المعتزلة بتخليد أهل الكبائر في النار، وإخراجهم إياهم من الإيمان من غير أن أدخلوهم في الكفر؛ لأنه - عز وجل - لم يجعل إلا فريقين: بياض الوجوه، وسواد الوجوه، فبياض الوجوه هم المؤمنون، وسواد الوجوه هم الكافرون؛ لأنه قال: ﴿ أَكْفَرْتُمْ ﴾ فأصحاب الكبائر لم يكفروا بارتكابهم الكبيرة، ولم يجعل الله - - فرقة ثالثة؛ وهم فرقة ثالثة؛ وكذلك قال - عز وجل -: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ ﴾ لم يجعل الخلق إلا فريقين، وهم جعلوا فرقاً؛ وكقوله: ﴿ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ ﴾ .
فإن قيل: ذكر في الآية الكفر بعد الإيمان، ثم لم يكن فيه منع دخول من لم يكفر بعد الإيمان؛ فامتنع ألا يكون فيه منع دخول صاحب الكبيرة.
فجوابنا ما سبق: أن خلقه كل كافر تشهد على [وحدانية الله ]، لكنهم كفروا بألسنتهم، وذلك كفر بعد الإيمان؛ فلم يجز أن يدخل في الآية من لم يكن كافراً في حكم الكافر، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ﴾ .
في الظاهر أمر، لكنه في الحقيقة ليس بأمر؛ لأن العذاب لا يذاق، وإنما يذوق هو؛ فكأنه قال: اعلموا أن عليكم العذاب.
وقوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ...
﴾ \[الآية\]: يحتمل: ﴿ آيَاتُ ٱللَّهِ ﴾ : حجج الله وبراهنيه.
ويحتمل: ﴿ آيَاتُ ٱللَّهِ ﴾ : القرآن.
﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : ببيان الحق.
ويحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : بالدّين، والدين هو الحق، ويحتمل: أن الآيات هي الحق.
قال الشيخ - رحمه الله -: أي: بالأمر بالدعاء إلى الحق.
ويحتمل: الحق الذي لله على عباده، ولبعضهم على بعض.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ : والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فإذا كان ما في السماوات وما في الأرض كله له، من وصف في الخلق بالظلم إنما وصف؛ لأنه يضع حق بعض في بعض، ويمنع حق بعض؛ فيجعل لغير المحق، فالله يتعالى عن ذلك.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .
أي: لا يريد أن يظلمهم، وإن شئت قلت: قلت الإرادة صفة لكل فاعل في الحقيقة؛ فكأنه قال: لا يظلمهم، وكيف يظلم؟!
وإنما يظلم بنفع تسرّه إليه النفس، أو ضرر يدفع به، فالغني بذاته متعال عن ذلك.
وقوله: ﴿ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ .
أي: إليه يرجع إمر كل أحد، فلا يحتمل الظلم [وجود الظلم منه].
<div class="verse-tafsir"
وعن ابن عباس - - في قوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ قال: "خير الناس أنفعهم للناس و ﴿ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ : أي تأمرونهم، أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وتقاتلون عليه، ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف، والمنكر: هو التكذيب، فهو أنكر المنكر".
وعن علي - - [أنه] قال: قال النبي : "أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِياءِ، قلنا يا رسول الله، وما هو؟
قال: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُوراً، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ" قال الشيخ - رحمه الله -: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ له وجهان: أي: ﴿ كُنْتُمْ ﴾ على ألسن الرسل في الكتب المتقدمة خير أمة.
ويحتمل: أي: كنتم صرتم بإيمانكم برسول الله ، واتباعكم ما معه - خير أمّة على وجه الأرض؛ لأنهم آمنوا ببعض، وكفروا ببعض.
وقوله: ﴿ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ : يتوجّه إلى وجوه ثلاثة: المعروف: هو المعروف في العقول، [أي]: الذي تستحسنه العقول، والمنكر: هو الذي قبحته العقول وأنكرته.
ويحتمل أن يكون المعروف: هو الَّذي عرف بالآيات والبراهين أنه حسن، والمنكر: [ما عرف بالحجج؛ أي: أنه قبيح.
ويحتمل أن المعروف: هو الذي جرى على ألسن الرسل أنه حسن، والمنكر:] هو الذي أنكروه ونهوا عنه.
فعلى هذه الوجوه يخرج تأويل الآية، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ .
لا شك أن الإيمان خير لهم من الكفر، ولكن معناه - والله أعلم - أنهم إنما أبوا الإيمان وتمسكوا بالكفر لوجهين: أحدهما: أنهم كانوا أهل عزة وشرف فيما بينهم، وأهل دراية؛ ينتاب إليهم الناس، ويختلفون إليهم بحوائجهم، فخافوا ذهاب ذلك عنهم إذا آمنوا، فأخبر الله - عز وجل - أنهم إن آمنوا لكان [خيراً] لهم من الذكر والشرف والعزّ في أهل الإيمان أكثر مما لهم في أهل الكفر؛ ألا ترى أنّ من آمن منهم مِنْ دَرَسة الكتاب وعلمائهم - كان لهم من الذكر والشرف في الإيمان ما لم يكن لأحد مات منهم على الكفر؛ نحو: عبد الله بن سلام، ومن أسلم منهم؛ نحو: كعب، وغيره من الأحبار؟!
وإنما كانوا من علمائهم لم يكونوا من علماء أهل الإيمان، فنالوا بالإيمان من الذكر والعزّ والشرف ما لم ينل أحد منهم مات على الكفر، بل حمل ذكرهم وانتشر في أهلهم؛ فضلاً عن أهل الإيمان والإسلام، والله أعلم.
والثاني: أنهم كانوا أبوا الإسلام واتباع محمد ، واختاروا المقام على الكفر؛ خوفاً وإشفاقاً على ما لهم من المنافع والمنال أن يذهب ذلك عنهم بالإسلام، فأخبر - عزّ وجلّ - أنهم لو آمنوا لكان خيراً لهم في الآخرة؛ إذ ذاك ينقطع ويذهب عن قريب، والذي لأهل الإيمان في الآخرة باق دائم، لا يزول أبداً؛ لما كان الذي يُنال بالإيمان غيباً، وكذلك ما يحلُّ بالكفار من جزاء الكفر - غيب اشتد عليهم الفكر والتدبر، لما يمنعهم عن الشهوات، وبنغص عليهم اللّذات، فآثروا ما هوته أنفسهم وتلذذوا به على التدبّر، مع ما كان إدراك الغائب بالشاهد أمر عسير، لا يوصل إليه إلا بفضل الله، ولم يكن عليه ذلك لا يسقط معنى الإفضال والإنعام، ويصير حقّاً مع ما كان منهم تقديم الجفاء، وإيثار زهرة الدنيا وبهجة الغنى على الموعود، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ : كذلك كانوا: كان المؤمنون أقل، والكفار أكثر، [والله أعلم].
وقوله: ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدْبَارَ...
﴾ الآية: فيه بشارة لرسول الله وللمؤمنين، بالأمن لهم عن أذى المشركين وضررهم، إلا أذى باللسان؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ...
﴾ الآية [الحشر: 12]، ونحوه من الآيات التي فيها بشارة لأهل الإيمان بالنصر لهم على عدوهم.
وفي قوله: ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى...
﴾ الآية - دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأنه أخبر بذلك قبل أن يكون، فكان على ما أخبر؛ فدل أنه إنما علم ذلك بالله عزّ وجلّ.
وقوله: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .
وفي حرف ابن مسعود - -: "ضُربت عليهم المسكنة" وليس فيه الذلة، وفي حرف حفصة: "ضربت عليهم المسكنة والذلة".
ثم اختلف في ﴿ ٱلذِّلَّةُ ﴾ : قيل: هي الجزية التي ضربت عليهم، وهي ذلة؛ كقوله: ﴿ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ ؛ لأنهم كانوا يأنفون عنها.
وقوله: ﴿ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ ﴾ أي: وجدوا.
﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
يعني: بعهد من الله، وعهد من الناس يكون تحت قوم يؤدّون الجزية؛ وكذلك تأوّل ابن عباس - -: ﴿ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ أي: بعهد من الله، وعهد من الناس.
وقال مقاتل: و"الناس" في هذا الموضع: النبي خاصّة.
ويحتمل قوله: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ ﴾ بكفرهم فيما بين المسلمين، بعد ما كانوا أهل ذكر وشرف وعز فيما بينهم.
﴿ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ ﴾ .
أي: لا يوجدون إلا بحبل من الله وحبل من الناس - بالإسلام، أي: لا يظفرون بهم ولا يوجدون؛ إلا أن يسلموا لخوفهم على أنفسهم.
وقوله: ﴿ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ : قيل: استوجبوا غضباً من الله بكفرهم.
وقيل: رجعوا.
وقيل: وجب عليهم الغضب.
وقد ذكرنا هذا في غير موضع.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ﴾ : وهي الحاجة والفقر، وهو ما ذكرنا: أنهم ظاهروا المشركين على رسول الله مع قربهم برسول الله وبعدهم بالمشركين؛ فأذلهم الله - - بذلك، وجعلهم أهل حاجة وَضِعة فيما بين المسلمين، بعد ما كانوا أهل عزّ وشرف فيما بينهم؛ وهو كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ...
﴾ الآية [الأحزاب: 26].
قال الشيخ - رحمه الله -: وقد يحتمل رجوع الآية إلى خاص منهم، وهم الذين ذكر الله في قوله: ﴿ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم ﴾ الآية [الأحزاب: 26] الآية، وغير ذلك مما يصير فيه المسلمون.
يعرف حقيقة المراد من شهد النوازل، وعرف الأسباب التي لها جاءت البشارات.
ويحتمل: أن الله - - جعل كل حاجاتهم إلى ما يفنى؛ وهي الدنيا التي لا بقاء لها ولا منفعة في الحقيقة، فهي حاجة، ثم بما فيهم بالجهل أن ذلك فيهم حاجة.
ويحتمل: أن الله مع ما وسع عليهم الدنيا - جعل في قلوبهم خوف الفقر، وأعظم الحاجات فهي المسكنة.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : وآيات الله: ما ذكرنا في غير موضع.
وقوله: ﴿ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ : يحتمل وجوهاً: يحتمل: أن أوائلهم قد قتلوا الأنبياء [بغير حق]، وهؤلاء رضوا بذلك، وإن كانوا لم يتولوا هم بأنفسهم؛ فأضاف الله - - ذلك إليهم؛ لأنهم شاركوا في صنيعهم برضاهم؛ وهو كقوله: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ .
ويحتمل: أن يكونوا [قصدوا قتل] محمد ، فإذا قصدوا ذلك فكأنهم قصدوا الأنبياء كلهم، كما ذكرنا في قوله: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً...
﴾ الآية.
ويحتمل: أن يكونوا هموا قتل محمد .
ويحتمل: أن يكون عيَّرَهُم بآبائهم؛ إذ هم قلدوهم في الدّين، فبين سوء صنيعهم بالأنبياء - عليهم السلام - ليعرفوا به سفههم وسفه كل من [قصد تقليدهم]، والله أعلم.
ويحتمل: أن يكونوا قتلوا أتباع محمد ؛ فأضاف إليه، وهو كما أضاف إليه مخادعتهم المؤمنين - إلى نفسه؛ وكما أضاف نصر أوليائه إليه، وإن كان الله لا يخادع ولا ينصر؛ فعلى ذلك إضافة القتل إليه؛ لقتلهم الأتباع، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية: أي: لا سواء بين من آمن منهم - يعني: من أهل الكتاب - ومن لم يؤمن منهم؛ لأن منهم من قد آمن؛ فصاروا أمّة قائمة؛ قيل: عادلة، كقوله: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ .
وقيل: أمة قائمة على حدود الله، وفرائضه، وطاعته، وكتابه؛ لم يحرفوه.
وقيل: أمة قائمة مهتدية، وهم الذين آمنوا منهم.
وعن ابن مسعود - - قال: ﴿ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ ﴾ أمة محمد يصلون، ولم يكن هذا للأمم السالفة.
وفي حرف حفصة: "ليس أهل الكتاب ليسوا منهم أمة قائمة"؛ كقوله - -: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ * أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ...
﴾ كذا: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ...
﴾ الآية [السجدة: 18-20].
وقوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ : أي: يصلون.
ويحتمل ﴿ يَسْجُدُونَ ﴾ : يخضعون، والسجود: هو الخضوع.
﴿ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ : أي: يؤمنون بأنفسهم، ويأمرون غيرهم بالإيمان، ويدعون إليه، ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، يعني: الكفر.
ويحتمل ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ : كل معروف، ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ : كل منكر، وقد ذكرنا هذا.
﴿ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ : في الخيرات كلها.
﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : وقيل: مع الصالحين في الجنة.
قال الشيخ - رحمه الله -: أي: ومَنْ ذلك فعله - فهو صالح.
وقوله: ﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ ﴾ .
أي: لن يرد ذلك عليكم؛ بل يقبل؛ بل تجزون به في الآخرة.
قال الشيخ - رحمه الله -: أي: كيف يَكْفُرُهُ، وهو الشكور الذي يقبل اليسير، ويعطي الجزيل؟!.
هو في حرف حفصة: "فلن تتركوه": أي: لن تتركوه دون أن تُجزوا عليه؛ وإن قل ذلك؛ كقوله: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا ﴾ معناه - والله أعلم - ما ذكر، ﴿ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ .
وقيل: لن يظلمكم.
وقيل: لن ينقصكم.
وقيل: فلن يضل عنكم؛ بل يشكر ذلك لهم، يعني: فلن يضيع ذلك عند الله، والله أعلم.
﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : ظاهر.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً ﴾ : قال الشيخ - رحمه الله -: فهو - والله أعلم - أن بمثله يكون التناصر في الدُّنيا، لكن الذي كان فيها لا ينفع في الآخرة، بل يكون كما قال الله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ...
﴾ الآية [عبس: 34]، ثم لا مال له، ثم ولا لو كان فينفع؛ وذلك أنهم ظنوا أن كثرة الأموال والأولاد تمنعهم من عذاب الله؛ كقولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ ، فأخبر الله - عز وجلّ -: أن كثرة الأموال والأولاد لا تغني عنهم من عذاب الله شيئاً.
وقوله: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ : ضرب مثل نفقة الكفار التي أنفقوها بريح فيها صر أصابت حرث قوم، وذلك - والله أعلم - أنهم كانوا ينفقون ويعملون جميع الأعمال: من عبادة الأصنام والأوثان، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ظنوا أن تلك الأعمال والنفقات التي أنفقوها في صد الناس - تنفعهم في الآخرة، وتقربهم إلى الله، فأخبر أنها لا تنفع، فكان كالريح التي فيها صرّ وبرد، ظنوا أن فيها رحمة، وشيئاً ينفع زروعهم، وينمو بها، فإذا فيها نار أحرقت حرثهم؛ كما طمعوا من أعمالهم ونفقاتهم التي في الدنيا - بالآخرة؛ قربة وزلفة إليه، فإذا هي مهلكة لأبدانهم؛ كالريح التي فيها صرّ كانت مهلكة؛ محرقة لزورعهم وحرثهم، والله أعلم.
والصرّ: هو البرد الشديد.
وقيل: الصر: الصوت؛ كقوله: ﴿ فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا ﴾ .
قيل: هي الصوت.
قيل: مثل ما ينفقون في الصدّ عن سبيل الله، وفي قتال رسول الله ؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ...
﴾ الآية [الأنفال: 36]، أي: يتأسفون على ما أنفقوا تأسف صاحب الزرع على ما كان أنفق فيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ : والظلم: ما ذكرنا: هو وضع الشيء في غير موضعه، فهو - والله أعلم - قال: هم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها، لا أن وضع الله أنفسهم ذلك الموضع؛ لأنهم عبدوا غير الله، ولم يجعلوا أنفسهم خالصين سالمين لله، فهم الذين ظلموا أنفسهم؛ حيث أسلموها لغير الله، وعبدوا دونه، فذلك وضعها في غير موضعها؛ لأن وضعها موضعها هو أن يجعلوها خالصة لله، سالمة له.
وقيل: ما ضروا الله بعبادتهم غيره وبكفرهم به، إنما ضروا أنفسهم؛ إذ لا حاجة له إلى عبادتهم، والله الموفق.
قال الشيخ - رحمه الله -: تقديم وتأخير، وأصل ذلك أن الله قد وضع كل نفس الخلقة بموضع العبودية، فجعلوها عبدة غيره.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ ﴾ : اختلف فيه: قيل: نهى الله المؤمنين أن يستخدلوا المنافقين، أو يؤاخوهم، أو يتولوهم دون المؤمنين.
وقيل في حرف حفصة: "لا تتخذوا بطانة من دون أنفسكم"، يعني: من دون المؤمنين.
وعن ابن عباس - - قال: "نهى الله المؤمنين أن يتخذوا اليهود [والنصارى] والمنافقين - بطانة دون إخوانهم من المؤمنين، فيحدثونهم ويفشوا إليهم سرّهم دون المؤمنين".
والبطانة: قيل: هم الإخوان، ويجعلونهم موضع إفشاء سرّهم.
قال الشيخ - رحمه الله -: والنهي عن اتخاذ الكافر بطانة لوجهين: أحدهما: العرف به؛ إذ كل يعرف بمن يصحبه.
والثاني: الميل إليه بما يريه عدوه أنه حسن العشرة وحسن الصحبة، مع ما فيه الإسقاط عما به يستعان على أمر الدين، والإغفال عن حقه.
وقوله: ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ : يقولون: لا يتركون عهدهم في إفشاء أمركم.
وقوله: ﴿ وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ ﴾ : أي: يودون ويتمنون ما أثمتم.
قال الشيخ - رحمه الله -: أي: ودوا أن تشاركوهم في أشياء تؤثمكم ويبعثكم عليه.
وقيل: العنت: الضيق؛ أي: ذلك قصدهم؛ كالآية التي تتلوها.
وقوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ : من قال: إن أول الآية في المنافقين يقول: قوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ ﴾ أنهم كانوا يعرفون المنافق من لحن كلامه.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ : ما كان من التفريق بقوله: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ﴾ ، وإظهار السرور بنكبتهم، كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ...
﴾ الآية [النساء: 72].
وقوله: ﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ : وذلك أنهم كانوا يظهرون الموافقة لهم، ويضمرون العداوة والخلاف لهم، والسعي في هلاكهم فما كانوا يضمرون أكثر ما [كانوا] يظهرون.
ومن قال بأن الآية في الكفار - فهو ظاهر.
وقوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ : من الشتيمة والعداوة، ويضمرون أكثر من ذلك من الفساد والشرور، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون ﴾ البينات، ويحتمل قوله: إن كنتم تنتفعون بعقولكم؛ لأن - عز وجل - ذكر في غير أي من القرآن أنهم لا يعقلون، قد كان لهم عقول لكنهم لم ينتفعوا بعقولهم، فإذا لم ينتفعوا نفي عنهم العقل رأساً.
وقوله: ﴿ هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ : من قال: إن أول الآية في المنافقين فهذا يدل له ويشهد؛ لأنه قال: ﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا...
﴾ الآية.
يقول: ها أنتم يا هؤلاء المسلمون تحبونهم - يعني: المنافقين - ولا يحبونكم على دينكم.
قال الشيخ - رحمه الله -: وفي الآية بيان أن أولئك قوم يحبهم المؤمنون، إمّا بظاهر الإيمان أو بظاهر الحال، منهم من طلب مودتهم، فأطلع الله المؤمنين على سرّهم؛ لئلا يغترُّوا بظاهرهم، وليكون حجة لهم ولرسول الله بما أطلعه الله على ما أسرّوا، والله أعلم.
ومن قال: إن أوّل الآية في الكفار - يجعل قوله: ﴿ هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ على الابتداء، والقطع من الأوّل؛ لأنه وصفهم بصفة المنافقين، ووسمهم بسمتهم وليس في الأول ذلك.
وقوله: ﴿ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ .
هو على التمثيل، يقال عند شدة الغضب: فلان يعض أنامله على فلان، وذلك إذا بلغ الغضب غايته.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ : إنما كان يغيظهم ما كان للمسلمين من السعة، والنصر، والتكثر، والعز، فيكون في ذلك دعاء لهم بتمام ذلك، حتى لا يروا فيهم الغير، والله أعلم.
وفي حرف حفصة: "قل موتوا بغيظكم لن تضرونا شيئاً إن الله عليم بذات الصدور" على الوعيد.
وقوله: ﴿ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ .
قال: ليس هذا وصف المنافقين في الظاهر؛ لأنهم كانوا يطمئنون عند الخيرات، لكنّه يحتمل أنهم كانوا يطمئنون بخيرات تكون لهم لا للمؤمنين: ﴿ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا ﴾ ذكر في القصة أنهم إذا رأوا للمسلمين الظفر على عدوهم الغنيمة - يسوءهم ذلك، وإذا رأوا القتل والهزيمة عليهم - يفرحون به ويسرّون.
وقيل: إذا رأوا للمؤمنين الخصب والسعة - ساءهم، وإذا رأوا لهم القحط والجدب وغلاء السعر - فرحوا به، لكن هذا يحتمل في كل خير رأوا لهم - اهتموا لذلك، وفي كل مصيبة ونكبة رأوا لهم - فرحوا بها.
وقوله: ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾ .
وعد النصر بشرط: ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾ ، أخبر أن المؤمنين إذا اتقوا وصبروا لا يضرهم كيدهم شيئاً، حتى يعلم أن ما يصيب المؤمنين إنما يصيب بما كسبت أيديهم.
قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ على الوعيد.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ .
قوله: ﴿ تُبَوِّىءُ ﴾ : قيل: تهيئ للمؤمنين أمكنة القتال.
وقيل: ﴿ تُبَوِّىءُ ﴾ : تنزل المؤمنين.
وقيل: ﴿ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : تتخذ للمؤمنين مقاعد لقتال المشركين.
وقيل: ﴿ تُبَوِّىءُ ﴾ : توطن.
وقيل: تستعد للقتال.
كله يرجع إلى واحد.
ثم اختلف في اي حرب كان، وأي يوم؟
قال أكثر أهل التفسير: كان ذلك يوم أحد.
وقيل: إنه كان يوم الخندق.
وقيل: كان يوم الأحزاب؛ فلا يعلم ذلك إلا بخبر يصح أنه كان يوم كذا، لكن في ذلك أن الأئمة هم الذين يتولون أمر العساكر، ويختارون لهم المقاعد، وعليهم تعاهد إخوانهم، ودفع الخلل والضياع عنهم ما احتمل وسعهم، وعليهم طاعة الأئمة، وقبول الإشارة من الإمام، وذلك في قوله : ﴿ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ ذكر مقاعد القتال في هذه الآية، لكن الذي لزم من ذلك في آية أخرى - ذكر الصف بقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴾ ، وذكر في آية آخرى الثبات بقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ والأصل أنهم أمروا بالثبات، فالأحسن أن يختار لهم أمكنة لهم بها معونة على الثبات، والله أعلم، فيحتمل أن يكون أراد بالمقاعد القعود، وذلك أثبت للقتال وأدفع للعدو، وفيما ذكر الصف ذكر للجملة عليه بقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ﴾ فيه رخصة الحملة على العدو، وباجتهاد إن كان فيها تولى الأدبار.
ويحتمل أن يكون أراد بالمقاعد: الأماكن والمواطن للقتال والحرب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
يحتمل: سميع لمقالتكم؛ عليم بسرائركم.
ويحتمل: سميع بذكركم الله والدعاء له؛ لأنهم أمروا بالذكر لله، والثبات للعدوّ بقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ ، وعليم بثوابكم.
ويحتمل قوله: ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ : البشارة من الله - عز وجل - بالنصر لهم، والأمن من ضرر يلحقهم؛ كقوله - - لموسى وهارون: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ * قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ﴾ ثم قال - عز وجل -: ﴿ قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ أمَّنهما من عدوهما بقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ ، فعلى ذلك يحتمل ذا في قوله - عز وجل -: ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، ويكون سميع: أي: أسمع دعاءكم؛ بمعنى: أجيب، وأعلم ما به نصركم وظفركم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ ﴾ : قوله: ﴿ هَمَّتْ ﴾ : يحتمل: أن همُّوا هَمَّ خطر.
ويحتمل: أن همّوا همّ عَزْم، وكذلك هذا التأويل في قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾ همت هي هَمَّ عزم، وهمَّ هو بها همَّ خطر، وهَمُّ الخطر يقع من غير صنع من صاحبه، وهمُّ العزم يكون بالعزيمة والقصد.
وقوله: ﴿ هَمَّتْ ...
أَن تَفْشَلاَ ﴾ والفشل ليس مما ينهي عنه؛ لأنه يقع من غير فعله، لكنه - والله أعلم - همّوا أن يفعلوا فعل القتل والجبن وذكر في القصة أن الطائفتين: إحداهما كانت من بني كذا، والأخرى من بني كذا، فلا يجب أن يذكر إلا أن يقروا هم بذلك.
وقيل: إنهم كانوا أقروا بذلك، وقالوا: نحن كنا فعلنا، وما نحب ألا يكون في قوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ ظهر لنا ولاية الله، ولو لم يكن لم يظهر.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ .
قد ذكرنا هذا في غير موضع: أن "الولي": قيل: هو الناصر، وقيل: هو الحافظ، وقيل: إنه أولى بهم.
وقوله: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .
قال الشيخ - رحمه الله -: المؤمن من يعلم - علم اليقين - أن من نصره الله لا يغلبه شيء، ومن يخذله الله لا ينصره شيء.
حق على المؤمنين ألا يتوكلوا ولا يثنوا إلا على الله، عز وجل.
قال الشيخ - رحمه الله -: فتوكل: أي اعتمد على ما وعد، واجتهد في الوفاء بما عهده، وفوض كل أمره إلى الله؛ إذ علم أنه - بكليته - لله، وإليه مرجعه، وبهذه الجملة عهد أن ينصر دينه، ولا يولّي عدوَّه دبرَه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ .
يذكرهم - عز وجل - ألا يتكلوا إلى أنفسهم لكثرتهم ولقوتهم ولعدّتهم، ولا يثقوا بأحد سواه، بل على الله يتوكلون، وإليه يكلون، وبه يثقون؛ لأنه أخبر أنهم كانوا أذلة ضعفاء فنصرهم، وأمدّ لهم بالملائكة حتى قهر عدوهم - مع ضعفهم، وقلة عددهم - يوم بدر.
ويوم أحد: كانوا أقوياء كثيري العدد؛ فوكلوا إلى أنفسهم، فكانت الهزيمة عليهم.
وقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
يعني: اتقوا معاصيه ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .
فيه دلالة أن الشكر إنما يكون في طاعته، واتقاء معاصيه، وأن المحنة إنما تكون في الشكر لما أنعم عليه، والتكفير لما سبق منه من الجفاء والغفلة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ ﴾ ، وذكر في سورة الأنفال: ﴿ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ .
فاختلف فيه: قيل: كانوا عشرة آلاف؛ لأنه ذكر مرة: ثلاثة آلاف، ومرة: خمسة آلاف.
ومرة: ألفاً - مردفين؛ فيكون ألفان، فذلك عشرة آلاف.
وقيل: كانوا تسعة آلاف: ثلاثة آلاف وخمسة آلاف، وألف.
وقيل: كانوا كلهم خمسة آلاف: ثلاثة آلاف؛ وألفان مدد لهم.
ثم اختلف فيه: قال بعضهم: كان يوم أحد.
وقال آخرون: يوم بدر.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ يوم بدر، ولا ندري كيف كانت القصة؟
وليس لنا إلى معرفة القصة حاجة؛ سوى أن فيه بشارة للمؤمنين بالنصر لهم، والمعونة بقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾ جعل في ذلك تسكين قلوب المسلمين.
ثم اختلف في "قتال الملائكة": قال بعضهم: قاتل الملائكة الكفار.
وقال آخرون: لم يقاتلوا، ولكن جاءوا بتسكين قلوبهم ما ذكر في الآية، ولا يحتمل القتال؛ لأنه ذكر في الآية: ﴿ وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ ﴾ ، ولو كانوا يقاتلون لم يكن لما يقلل معنى؛ ولأن الواحد منهم كاف لجميع المشركين، ألا ترى أن جبريل - - كيف رفع قريات لوط إلى السماء فقلبها؟!
فدلّ لما ذكرنا، والله أعلم.
وقيل: قاتلوا يوم بدر، ولم يقاتلوا يوم أحد.
فلا ندري كيف كان الأمر؟.
وقوله: ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾ : قيل: "منزلين"؛ "ومسوّمين" سواء، وهو من الإرسال؛ ومن التسويم.
وقيل: معلمين بعلامة، وذلك - والله أعلم - لِيُعْلِمَ المؤمنين حاجتهم إلى العلامة، [لا أن] الملائكة يحتاجون إلى العلامة؛ وكذلك روي عن نبيّ الله أنه قال لأصحابه يوم بدر: "تَسَوَّمُوا؛ فإنَّ المَلائِكةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ" وقوله: ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .
ليعلم أنّ في النصر لطفاً من الله لا يوصل إليه شيء من خلقه؛ لأنه نفاه عنهم مع مدد الملائكة؛ ليعلم أن كل منصور على آخر - إنما كان ذلك من الله - عز وجل.
وقوله: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ...
﴾ \[الآية\].
قال قتادة: "كان يوم بدر قتل صناديدهم وقادتهم في الشر".
وقيل: ﴿ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ : جماعة.
وقيل: ﴿ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ...
﴾ : يعني: أهل مكة.
وقوله: ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ : قيل: يخزيهم.
وعن ابن عباس - - قال: "الكبت: الهزيمة".
وقيل: الكيت: هو الصرع على وجهه.
وقوله: ﴿ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ ﴾ : والخائب: هو الذي لم يظفر بحاجته، أي: رجعوا ولم يصيبوا ما أمَّلوا.
قال الشيخ - رحمه الله -: ما ذكر من حضور الملائكة الحرب فهو - والله أعلم - في حق محنة الملائكة، ولله أن يمتحنهم بما شاء من الحضور والمعونة، والكف عن ذلك، أوالدعاء لأوليائه بالنصر، وبما شاء الله من الوجوه التي يمتحن بها عباده، وفيهم من قد امتحنه على الأرزاق والأرواح، والأمطار والأعمال، وأنواع الأذكار والأفعال؛ إذ هم خلق اصطفاهم واختارهم لعبادته وطاعته في جميع ما يأمرهم؛ ليجل به قدرهم، ويعلي رتبتهم، ثم لو أذن لهم بالمعونة أعانوا المؤمنين على قدر الإذن لهم؛ إذ هم - على ما وصفهم الله -: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ ﴾ فصلت: 38] وغير ذلك مما وصفهم بالطاعة له، والاتباع لأمره، وما أكرمهم من هيبة جلاله، وخوف عقابه، صلوات الله عليهم أجمعين.
ثم كان للمؤمنين في حضورهم أنواع البشارات فيما لم يكن أذن لهم بالقتال، وأنواع الآيات فيما قد أذن لهم، على ما ذكر من أمر بدر وغيره؛ مما أخبر الله - عز وجل - من إرسال جنوده، وهزيمة أعدائه؛ بمنّه وفضله، من ذلك: ما قال الله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ الآية [الأنفال: 12]، أن يكون الله يؤيّدهم بما به تشجيع قلوب المؤمنين على ما قد أمكن أعداءه من أنواع الوساوس، التي لديها تضطرب قلوبهم، وتزل أقدامهم، فمثله يمكن أولياءه في تشجيع المؤمنين، ليسكن قلوبهم، ويثبت أقدامهم، والله أعلم.
والثاني: أن يكون الذي جُبل عليه الخلق أن يكون كل أحد عند معاينة الحاجة إلى دعائه، وما يحتمل وسعه من معونة؛ عليه أقبل وبه أرغب؛ فيكون للمؤمنين بحضورهم رجاء النصر بدعائهم، ويخرج قوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا...
﴾ الآية [غافر: 51]، وقوله - -: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.
أو كان رسول الله في عصرهم يبشرهم بحضورهم؛ فيكون لهم بذلك فضل ثبات وقرار حياة منهم بما أعلموا إطلاعهم على ذلك، أو يكون لهم فضل قوة بذلك، وإقبال على الأمر؛ على ما جبل الخلق من الإقبال على الأمور المهمة، وإذا كثروا على ذلك قوله: ﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾ ولعلهم - أيضاً - بما يطمعون أنهم لو أطاعوا الله، وثبتوا لأعدائه - أن لهم النصر والدفع، فكان ذلك بعض ما يستبشرون؛ وعلى ذلك أكثر ما بلي أصحاب رسول الله بالهزيمة، إنما كان يصرف قلوبهم إلى بعض ما جبل عليه البشر من حبّ الدنيا، والإعجاب بالكثرة، ونحو ذلك، ثم من أعظم الأعلام في ذلك ما قال الله - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ فتكون البشارة والطمأنينة بالذي جبل عليه البشر على ما بينتُ، ويكون النصر من عند الله، الذي متى أراد نصر أحد لن يغلب، قلَّت أعوانه أو كثرت، وذلك لطف من الله العزيز العليم؛ يريهم النصر من الوجه الذي لا يعلمه إلا هو، وفي حال الأنفس من أنفسهم أن يقوم لعدوهم؛ ليعلموا عظيم لطفه الذي بمثله ارتفعت درجات الأخيار، وشرفت منازلهم، ولو كان لهم بالإذن؛ على ما ذكر من قوة جبريل - - في قلب قريات لوط بجناح واحد، لم يكن يقوم لمثله أهل الأرض، فضلاً عن عدد يسير منهم، ولكنهم لا يتقدمون بين يدي الله، والله لم يكن أذن لهم في القتال عند كل مشهد، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ...
﴾ الآية.
قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ : إنما أنت عبد مأمور؛ فليس لك من الأمر؛ إنما ذلك إلى الواحد القهار، الذي لا شريك له ولا ندّ؛ كقوله: ﴿ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ...
﴾ الآية.
فيه: إنه كان من النبي معنى قولاً وفعلاً، حتى ترك قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ ، ولكنا لا نعلم ذلك المعنى، غير أنه قيل في بعض القصّة: "إن النبي شج يوم أحد في وجهه، وكسرت رباعيته، فدعا عليهم؛ فنزل قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ " .
وقيل: "إن سرية من [أصحاب رسول الله ] خروجوا إلى قتال المشركين يقاتلونهم حتى قتلوا جميعاً، فشق على النبي وأصحابه بقتلهم، فدعا عليهم باللعنة - يعني: على المشركين - أربعين يوماً في صلاة الغداة؛ فنزل قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ " .
وعن ابن عمر - [ - أنه] قال: قال النبي يوم أحد: "اللَّهُمَّ الْعَنْ أَبَا سُفْيان، اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلاناً، حتى لعن نفراً منهم فنزل قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ...
﴾ الآية" .
وقيل: "إن نفراً من المسلمين انهزموا، فشق ذلك على رسول الله ، فنزل: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ ، فأمره بكف الدعاء عنهم، والله أعلم بالقصّة في ذلك.
وقوله: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ : فإن كانت القصة في الكفار فكأنه طلب التوبة والهدى، وأفرط في الشفقة فقال: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ فيهديهم لدينه، ﴿ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ على كفرهم؛ ﴿ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ .
فإن كان في المؤمنين فقوله: ﴿ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ عن ذنبهم الذي ارتكبوا، ﴿ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ بنذبهم، ولا يعفو عنهم، والله أعلم بذلك.
وقوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية.
فيه دلالة ما ذكرنا في قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ إنما الأمر إلى الله، الذي له ما في السماوات وما في الأرض، هو الذي يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء.
وفي قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ جواز العمل بالاجتهاد؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - عمل بالاجتهاد لا بالأمر، حتى منع عنه، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله - قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ يحتمل أن يكون على أثر أمر مما جبل عليه البشر ما رأى في ذلك صلاح الخلق، ومما عليه التدبير بحيث الإطلاق فقيل هذا، وإن كان على ما رأيت فليس لك من أمر هذا شيء، وإنما الذي إليك الصفح عن ذلك والإعراض، والله أعلم ما كان.
ويحتمل أن يكون يبتدئ القول به من غير أن يسبق منه ما يعاتب عليه أو يمنع منه؛ ليكون - أبداً - مُتَقبلا الإذن له في كل شيء والأمر، ولا يطمع نفسه في شيء لم يسبق له البشارة به، على أن النهي والوعيد أمران جائزان، وإن كان قد عصم عن ركوب المنهي، ووجوب الوعيد؛ إذ هناك تظهر رتبة العصمة، ولا قوة إلا بالله.
والظاهر أن يكون على إثر أمر استعجل ذلك من: دعاء الإهلاك أو الهداية لقبول الحق والخضوع له؛ فيقول: ليس لك شيء من ذلك في أحد على الإشارة إليه، إنما ذلك إلى الله، يصنع فيهم ما عنده من الثواب أو التعذيب، على قدر ما يعلم من إقبالهم على الطاعة له أو نفاذهم عنها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً ﴾ .
قوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ - كقوله: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ففيه نهي عن الأخذ، كقوله: ﴿ وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، أي: لا تأخذوا.
وقوله: ﴿ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً ﴾ .
فإن قيل: ما معنى النهي عن المضاعفة وغير المضاعفة حرام؟!
لكنه يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل: أن يكون هذا قبل تحريم الربا، فنهوا عن أخذ المضاعفة.
ويحتمل قوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ : أي: لا تكثروا أموالكم بأخذ المضاعفة.
ويحتمل: ﴿ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً ﴾ ، أي: لا تصرّوا على استحلال الرّبا فتثبتون عليه آخر الأبد.
ويحتمل: ﴿ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً ﴾ : تضعيف العذاب.
ويحتمل ما قيل: كان أحدهم يبايع الرجل إلى أجل، فإذا حل الأجل زاد في الربح، وزاد الآخر في الأجل، وذلك كان ربا الجاهلية.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ .
يحتمل الأكل؛ لأنه نهاية كل كسب.
ويحتمل الأخذ؛ كقوله: ﴿ وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ ﴾ وقوله: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً ﴾ : في الأخذ، أي: لا تأخذوا لتُكَثِّروا أموالكم، أو تقصدوا بذلك تضاعف أموالكم إلى غير حد؛ وليس فيه أن القليل ليس بمحرم، لكن ذلك هو مقصود أكله؛ فنهوا عن ذلك، وحرمة القليل بغير ذلك من ليُكَثِّروا أن يكون في نازلة عليها، خرج النهي لا على الإذن بدون ذلك، ولو كان على حقيقة الأكل فهو على النهي عن التوسع بالربا أو بالأمر بالعود إلى ما لا ربا فيه، وإن كان في ذلك ضيق، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون في الآية إضمار؛ فيقول: لا تأكلوا الربا؛ لأنكم إن أكلتموه بعد العلم بالتحريم - تضاعفت عليكم المآثم والعقوبات، وقد جعل الله للربا أعلاماً دلت على ما غلظ شأنها؛ نحو ما وصف من لا يتقيه لا ينفيه بالخروج بحرب الله وحرب رسوله وبالتخبط يوم القيامة، وانتفاخ البطن وما جرى في معاقبة اليهود، وبتحريم أشياء لمكان ذلك، وقوم شعيب ما حل بهم بلزومهم بتعاطي الربا، والله أعلم، ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ولا تأخذوا الربا ولا تستحلوه ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ .
فيه دلالة أنها إنما أعدت للكافرين، لم تعدَّ لغيرهم، فذلك يرد على المعتزلة؛ حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، والله - - يقول: إنها أعدت للكافرين، وهم يقولون: ولغير الكافرين.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ : يحتمل: للذين اتقوا الشرك؛ كقوله: ﴿ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ .
ويحتمل: للذين اتقوا جميع أنواع المعاصي: فإن كان التأويل هو الأول - فكل من لم يستحق بفعله اسم الكفر - فهو في الآية؛ إذ قال في النار: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ ، لم يجز أن تكون هي أبداً لغيرهم؛ لوجهين: أحدهما: إذ لا يجوز أن تكون الجنة المتخذة للمؤمنين تكون لغيرهم؛ فكذلك النار المعدة للكافرين، وهذا أولى بجواز القول في إيجاب الجنة لمن لا يكون منه الإيمان؛ نحو الذرية، وفساد القول فيهم بالنار، والله أعلم.
والثاني: أنها إذا جعلت لغيرهم أو أعدت لغيرهم - كان لا يكون للكفر فضل هيبة ولفعله فضل فزع في القلوب بوجود ذلك، ومعلوم أن ذلك بالعواقب لا بنفس الفعل - ثبت أنه لا يجب خلود من ليس بكافر فيها حتى يكون ممن أعدّت له، ولغير أثر وتحذير لا تحقيق ذلك كله، والله أعلم.
وإن كان التأويل هو الثاني من اتقاء جميع المعاصي؛ فيكون لذلك بعد عبارتان: إحداهما: أن قد ظهر أهل الجنة وأهل النار، وبينهم قوم لم تبلغ بهم الذنوب الشرك، فيدخلون في الوعيد بالنار المعدة لهم، ولا اتقوا جميع المعاصي؛ فيكونون في الوعد المطلق فيمن أعدت له الجنة؛ فحقه الوقف فيه حتى يظهر ذلك في قوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ الآية، وغير ذلك من آيات العفو والمغفرة، وما كان ذلك واجباً في الحكمة، فيكون القائم به يستحق وصف العدل لا العفو والمغفرة - ثبت أن ذلك فيما قد وجب، أو يكون فيمن يجزيهم جزاءهم ويدخلهم الجنة؛ إذ أخبر أنه لا يجزي السيئة إلا بمثلها، وبالتخليد مضاعفة ذلك من وجهين: أحدهما: أنه عذاب الكفر، وهذا دونه.
والثاني: منع لذة الحسنة بكليتها، بل حق ذلك أن يكون كقوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ الآية [الزلزلة: 7] أن يجزي بالأمرين جميعاً، ولا قوة إلا بالله.
والثاني: أنه قد جاء بمقابل السيئة من الحسنات، ومقابل كل أنواع من المعاصي من الطاعات، وقد وعد على الحسنة عشر أمثالها؛ فمحال أن يقابل مثل الذي دون الشرك من السيئات - الشرك في إحباط العمل، ولا يقابل مثل الذي دون الإيمان الإيمانَ في إحباط الذنوب، ويجب له الجنة، ثم مع ذلك الإيمان الذي لا أرفع منه، وهو الذي بعثه على الخوف والرجاء وقت الإساءة، وعلى أنه لو خشي على نفسه كل بلاء ورجا كل نفع في الكفر بربه - لم يؤثر ذلك مع ما وعد على الحسنة عشر أمثالها، ثم يبطل لذة ذلك كله، ويلزم الخلق القول فيه بالكرم والعفو والرحمة، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ﴾ .
ذكر - والله أعلم - طاعة الرسول؛ لأن من الناس من لا يرى طاعة الرسول؛ فأمر - عز وجل - بطاعة رسوله - لئلا يخالفوا أمر الله ولا أمر رسوله، وأن من أطاع الله ولم ير طاعة رسوله فهو لم يطع الله في الحقيقة.
ويحتمل: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ ﴾ في أمره ونهيه، وأطيعوا الرسول فيما بين في سننه أو دعا أو بلغ، والقصد في الآية إلى فرض طاعة الرسول، وأطيعوا الرسول في أمره ونهيه، كما أطعتم الله في أمره ونهيه.
<div class="verse-tafsir"
قوله: - عز وجل - ﴿ وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا موصولا بقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً ﴾ أي: لا تأخذوا الربا أضعافا مضاعفة فتكثروا أموالكم، وحقيقته: وسارعوا إلى ما فيه وعد المغفرة من ربكم: بالإجابة له إلى ما دعا، والقيام به بحق الوفاء.
وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في استحلال الربا؛ لأن من استحل محرما فقد كفر، وحقيقته: اتقوا ما أوعدكم ربكم عليه النار.
وأصل الطاعة: الائتمار بأمر المطاع في كل أمر، فمن أطاع الله فيما أمر، وأطاع رسوله - رحمه ربه، وفي الطاعة رحمة الخلق؛ على ما روي عن رسول الله أنه قال: "لَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ [حَتَّى] تَرَاحَمُوا؛ قَالُوا: كُلُّنَا نَرْحَمُ يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَالَ: لَيْسَ رَحْمَةَ الرَّجُلِ وَلَدَهُ؛ وَلَكِنَّهُ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ" قوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ ﴾ في تحريم الربا، وأطيعوا الرسول: في تبليغه إليكم تحريم الربا والنهي عن أخذه.
﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ : أي: ارحموا الناس وترحموهم في ترك أخذ الربا، ترحمون أنتم، وتنجون من النار ومن عذاب الله.
ثم قال: ﴿ وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
أي: بادروا بالتوبة والرجوع عن استحلال الربا والترك عن أخذه، والمغفرة هي فعل الله، لكنه - والله أعلم - كأنه قال: بادروا إلى الأسباب التي بها تستوجبون المغفرة من ربكم، والمغفرة: هي الستر في اللغة.
ثم يحتمل وجهين: يحتمل: ألا يهتك أستاركم في الآخرة إذا تبتم.
ويحتمل: أن ينسى عليكم سيئاتكم في الجنة؛ لأن ذكر المساوئ في الجنة تنقص عليهم نعمه، فأخبر - عزّ وجلّ - أنّه ينسيهم مساوئهم في الجنة؛ لئلا ينقص ذلك عليهم، والله أعلم.
وقوله: - عز وجل -: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ : وبادروا - أيضاً - بالتوبة عن استحلال الربا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فمعنى ضرب مثل الجنة بضرب السماوات والأرض، وذلك - والله أعلم - ذكر هو أن للسماوات والأرض أحوالاً ليست تلك الأحوال لغيرها من الخلائق؛ بقوله - عز وجل -: ﴿ لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ﴾ ؛ وذلك أنهما عندهم من أشد الخلائق وأقواها، فقال: إن الذي قدر على اتخاذ ما هو أشدّ وأقوى وأصلب - لقادر على إنشاء ما هو دونه، وهو هذا العالم الصغير.
ووصف - أيضاً - السّماوات والأرض بالغلظ والكثافة والشدة؛ لقوله - عز وجل -: ﴿ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ ﴾ ﴿ شِدَاداً ﴾ وغلاظاً، ثم أخبر - عز وجل - أنها مع غلظها وكثافتها تكاد أن تنشق لعظيم ما قالوا بأن لله ولداً وشريكاً بقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً ﴾ ؛ ليعلموا عظيم القول وقبحه؛ لئلا يقولوا في الله ما لا يليق به.
ووصف - أيضاً - السّماوات والأرض بالدوام إلى وقت يبعد فناؤها في أوهام الخلق، وإن كانا فانيان بقوله - عزَّ وجل -: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ ، فإذا كان للسماوات والأرض ما ذكرنا من الأحوال عند الخلق، ليست تلك الأحوال لغيرها من الخلائق؛ من شدتها وقوتها، وصلابتها وكثافتها وسعتها - شبه عرض جنته وسعتها بسعة السماوات والأرض وعرضهما؛ لما هما عند الخلق ليسا بذوي نهاية، وإن كانا ذوي نهاية وغاية؛ كما وصف أهل الجنة وأهل النّار بالدوام فيهما بدوام السّماوات والأرض، وإن كانا فيهما غير دائمين أبداً؛ لبعد فنائهما عن أوهام الخلق؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وفيه دلالة أن الجنة ذو نهاية المكان في العرض، وإن لم تكن بذات نهاية الوقت غايته؛ لأنه ذكر العرض لها، وكل ذي عرض يحتمل نهاية عرضه - والله أعلم - ولو لم يكن ذا نهاية من حيث العرض، فكأن الله غير موصوف بالقدرة على الزيادة، ومن زال عنه وصف ذلك - انقطع عنه الطمع، واضمحل الرجاء.
وبعد، فإن ثم داراً أخرى سوى الجنة، فأوجب ذلك نهاية الجنة من حيث العرض.
إذ كان غير الجنة دار أخرى مثلها في ارتفاع نهاية الوقت، وجائز وجود أمرين مختلفين على اتفاق في الوقت، ومحال وجودهما في مكان واحد اتفاق بمكان؛ لذلك لزم نهايتهما، وإن زوالت عنهما نهاية الوقت.
وقوله: - عز وجل -: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ : والاتقاء: هو من الطاعة في كل أمره ونهيه، وترك مخالفته في ذلك كله، ثم سبب التقوى يكون بوجوه ثلاثة: بذكر عظمته وجلاله ورفعته عن مخالفة أمره ونهيه؛ فيذله ذلك ويحقره، فيمنعه عن مخالفته.
أو بذكر نعمته وإحسانه، فيمنعه ذلك عن ارتكاب ما نهي عنه حياء منهم.
والثالث: بذكر نقمته وعذابه في مخالفة أمره ونهيه؛ فيتقي بذلك عذاب الله ونقمته.
قال الشيخ - رحمه الله -: وقوله - عز وجل -: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، ثم فسَّر الذين يتقون إلى آخر ذلك، فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد: من أعدلت له، [له] من جميع الذي ذكر.
والثاني: أن يريد بـ ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ ﴾ اتقوا الشرك بالذي أخبر - عز جل - بقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
ثم وصفهم بالذي ذكر من الأفعال المحمودة؛ لا أن ذلك بكليته شرط لأن يعد له الجنة حتى يحرم من لم يبلغ ذلك، فإن كان على الأول - فكأنه وصف النهاية لمن اعدّت الجنة، وقد يجوز أن يكون لهم أتباع في الشركة، وإن لم يبلغوا تلك الرتبة بفضل الله، أو بما أعطى من ذكر فيهم من الشفاعة، أو بما شاركوا أولئك في أصل الاعتقاد بقبول ذلك، وإن كان منهم تقصير على أنه قد يذكر في [كل] أمر من الأمور العظيمة، والنهاية في ذلك على مشاركة من دونهم لهم في ذلك، وعلى ذلك ما ذكر من بعث الرسل إلى الفراعنة على دخول من دونه من ذلك، وعلى مخاطبة أهل الجلال في ذلك، ودخول من دونهم في الحق؛ وكذلك ذكر الخطاب في أهل الرفعة والعلو على تضمين من دون ذلك؛ فكذلك الأول؛ وكذلك الله - - ذكر في القرآن من الكفرة الذين جمعوا مع الكفر العناد والتمرد، وذكر أهل الإيمان الذين لهم مع ذلك الخيرات منّاً منه، إن ذكر هؤلاء بأعلى [ما استحقوا من الثناء، والأول] بأعلى ما به يصير لمَقْته، من غير تخصيص في أصل له الوعد والوعيد، إلا من حيث التشديد والتفضيل، فمثله الأوَّل؛ أيد ذلك قسمته أهل الجنة قسمين: السابقين، - وَأَصْحَابَ اليَمِينِ، ثم قال في الذين من ذكر: الذين ﴿ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ﴾ ، وقد بين في آخر ذلك ما يدل على ذلك، وهو من ذكر من الذين يأتون الفواحش والظلم، ثم ﴿ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ ﴾ ، ويكون في ذلك وجهان: أحدهما: أن الله - - بمنِّه يوفقه لما يرضيه في آخر أمره؛ ليختمه به؛ إذ كان في وقت ارتكابه ما ارتكب، وتقصيره فيما قصر - معتقداً جلال ربّه، خائفاً عظمته، راجياً رحمته، معترضاً لما عرفه من الكرم والعفو، فيكون هو شريك من ذكر في الخاتمة، وإن كان منه تخلف عنه في الابتداء، والله أعلم.
أو أن يكون يجزيه عما قصر وفرط؛ حتى يطهره مما كان من الخلط؛ فيرجع إلى ما وافق الأول في جملة الاعتقاد، فتكون معدة لمن جمع ذلك، والجمع يكون بالذي ذكر، أو بالعفو والجود؛ إذ جعل الجزاء طريقة الجود والكرم، لا الاستحقاق، والله أعلم.
وإن كان على معنى الثاني - فالآية تخرج مخرج الترغيب في جميع تلك الأوصاف، وتكون الجنة في الإطلاق معدّة للمتقين، الذين اتقوا الشركة والدرجات وما فيها من الفضائل والمراتب، على قدر ما يبقى من أنواع الخلاف في الأفعال، ويتوسل إلى الله - - بالمبادرة والمسارعة إلى ما فيه الرغائب؛ وعلى ذلك أمر الوعد بتفضيل الدّرجات في الجنة، وتفريق الدركات في النار، على ما أعدت النار في الجملة للكفرة، ويتفاوت أهلها بتفاوت الأفعال من الخلاف والتمرد، والله الموفق.
ثم السّبب الذي به يستعان على التقوى ثلاثة: أحدها: أن يذكر المرء عظمته وجلاله وقدرته عليه في كل أحواله؛ فيتقي مخالتفه بالهيبة والإجلال.
والثاني: أن يذكر عظم منّته عليه، ونعمه عنده، وأياديه التي فيها يتقلب، وبها يتمتع؛ فيتقيه حياء منه.
والثالث: أن يذكر نفسه عظم نقمته الموعودة، وعذابه المعد لأهل الخلاف له؛ فيتقيه إشفاقاً على نفسه، والله الموفق.
وجملة ذلك: أن من تأمل ما إليه مرجعه، والذي منه بدؤه وما فيه متقلبه، من أول أحواله إلى منتهى آجاله، حتى صيّر ذلك كله كالعيان لقبله - سَهُل عليه وجه التقوى؛ لما عند ذلك تذهب شهواته، وتضمحل أمانيه، والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
قوله: - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ ﴾ .
قيل: السرّاء: الرخاء، والضراء: الشدة.
وقيل: السراء: السعة، والضراء: الضيق؛ وهو واحد.
وقيل: السراء: ما يسرهم الإنفاق؛ من نحو الولد وغيره، يسرّه الإنفاق عليه، والأجنبي يضره.
وعلى تأويل الأول: أن الإنفاق في حال الرخاء والسعة - أيسر وأهون على المرء من الإنفاق في حال الضيق والفقر، فإذا أنفق في الأحوال استوجب بذلك المدح، والله أعلم.
والسبب الذي يُيَسِّرُ عليه الأمر وجهان: أحدهما: علمه بأن الذي في يديه في الحقيقة في يد الله؛ فهو يصرف ذلك حيث يصرفه، لم يخرجه من يد مَنْ يَدُهُ فِي يَدِهِ، كأنه يعد في يده.
والثاني: بعلمه بجود ربه وقدرته، حيث يكون ذلك فيما به قضاء حاجته، والوصول إلى منفعته مع ما يعلم بالجود، وكثرة الانتفاع بما لا ملك للمنتفع به، وحرمان ذي الملك ذلك فيه.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ ﴾ : يحتمل فيما يسرّهم ويضرّهم، أو في حال يسر وعسر، أو حلال بلاء ونعمه.
ثم السبب الذي يسهل سبيل الإنفاق في تلك الأحوال - وإن كان بالذي ذكر في تسهيل التقوى - هذا وجوه ثلاثة: أحدها: أن ترى مالك لمن له يد امتحنك بحق ذلك وحفظه، وأنك إذا بذلته ارتفعتْ عنك مئونة الحفظ، ومراعاة الحق على ما لم يكن ذلك عنك نفعه الذي كان له وقت كونه في يدك؛ إذ هو بعد البذل في يد من يدك قبله في يده، فكأنه لم يخرج من يدك بحيث النفع، وإنما سقطت عنك ما ذكرت من المئونة؛ إذ معلوم وجودها لك في الظاهر؛ لا منتفع به، ومن لا ملك له في الشيء منتفع به، على العلم باستواء الأمر على من له بذلت، والله أعلم.
والثاني: أن تشعر قلبك جوده بمن آثره على ما عنده، وقدرته على إعطائه إياه من خزائنه التي لا تنفد، ولا يتعذر عليه، فتيقن بذلك، وتعلم أنه لك على الإيصال إليه؛ فيما لم يكن أوصله، وعلى ذلك فيما أعطاه في القدرة واحد؛ فيهون عليه ذلك؛ والله أعلم.
والثالث: أن تعلم أنّ الذي عليه جبل وإليه دفع؛ ليس للوقت الذي فيه؛ ولكن ليتزود لمعاده، ويكتسب به الحياة الدائمة، والمنفعة التي لاتنفد، فيصير كبائع الشيء بأضعاف ثمنه، أو كباذل ما فيه فكاك رقبته، أو كمقدم ما يمتهن إلى مكان مهنته، أو كمن يعدّ الشيء في مسكنه لوقت حاجته، فإن مثله آثَرُ الشيء على الطبيعة، وألذ شيء في العقل.
ولا قوة إلا بالله.
ثم الأصل في قوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: من لم يبلغ بما يرتكب من المعاصي - الكفر، لم يمتنع من احتمال التسمية المتقين على إرادة خصوص التقوى؛ وهو ممتنع عن احتمال التسمية بالكفر على صرف الآية في إعداد النار إلى خصوص أو عموم، فثبت به خروج صاحب الكبائر عن أهل الاسم الذي أعدّت له النار، ولم يثبت خروجه عن أهل الاسم الذي له أعدت الجنة، [فالقول فيه، وإنما ذلك في الجنة فاسد بأوجه: أحدهما: مع الإشكال فيما يحرم الجنة] والإحاطة بأنّ النار لم يذكر أنها أعدت له أدخل فيها، فيكون في ذلك إسقاط [شهادة تثبت بيقين بالشك، وإيجاب شهادة لم تجب بالخيال.
والثاني: أن يكون في ذلك إسقاط] اسم العفو والرحمة؛ إذ لو لم يجعل لمثله - لبطل أن يكون له موضع لما في غيره استحقاق، والله أعلم.
والثالث: ما فيه إسقاط الموازنة والمقابلة مع مجيء الآيات بالكتب التي تقرأ الموازين التي توزن؛ مع ما في ذلك مخالفته التوهم بالكريم الذي أمرنا أن نسمّيه بها؛ مع ما قد جاء من التجاوز عن السيئات والتقبل للحسنات من واحد، وفي ذلك قلب ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ ﴾ .
روي عن رسول الله قال: "مَنْ كَظَمَ غَيْظاً - وهُوا يَقْدِر عَلَى إِنْفَاذِهِ - مَلأهُ اللهُ أَمْناً وَإِيمَاناً" والغيظ متردد بين الحزن والغضب، والحزن على من فوقه، والغضب على من دونه، والغيظ بين ذلك، مدحهم - عز وجلّ - بترديد حزنهم وغيظهم في أجوافهم.
وقوله - عز وجل - ﴿ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ﴾ .
أي: عمّن ظلم.
وروي عن رسول الله [أنه] قال: "مَا عَفَا رَجُلٌ عَمَّنْ ظَلَمَهُ إِلاَّ زَادَهُ اللهُ بِهَا عِزّاً" ومن عفا عن الناس عن مظلمة - فقد أحسن بذلك؛ كما يقال: فلان يحسن بكذا؛ ولا يحسن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
والإحسان يحتمل وجهين: يحتمل: العلم والمعرفة: ويحتمل: أن يفعل فعلاً ليس عليه من نحو المعروف والأيادي الذي ليس عليه، إنما فعله الإفضال، ذكر - ههنا - المحسنين وحبّه، وأخبر في الآية الأولى أنّ الجنة أعدت للمتقين بقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ ثم قال: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، وأخبر أنّ النار أعدت للكافرين.
ثم اختلفوا فيه: قال بعضهم: من لم يكن من المتقين لم تعدّ الجنة له، فهو ممّن أعدّت له النار، وهو قول الخوارج والبغاة.
وقال آخرون: إنه أخبر أن النّار أعدت للكافرين، فهو إذا لم يكن كافراً - ليس ممّن أعدّت له النّار، فهو ممّن أعدّت له الجنة.
وقال غيرهم: أخبر أن النار أعدّت للكافرين وأخبر أنّ الجنة أعدّت للمتقين، فوصف المتقين: فهم الذين اتقوا معاصيه، وتركوا مخالفة أمره ونهيه، فإذا كان قوم لهم مساوئ - لم يدخلوا في إطلاق قوله - عز وجل -: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ولا دخلوا في قوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ فيكون لهم موضعاً بالنار.
وأما عندنا: فإنه يرجى دخول من ارتكب المساوئ من المؤمنين في قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، بقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ ذكر خلط عمل الصالح مع السيئ، ثم وعد لهم التوبة بقوله - عز وجل -: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ والعسى من الله واجب.
والثاني: قوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ فإذا تجاوز لم يبق لهم مساوئ؛ فصاروا من أهل هذه الآية: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .
وقوله - أيضاً -: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ﴾ قالوا: ﴿ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .
أخبر أنهم ﴿ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ : وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم لأي معنى ظلموا أنفسهم، وحيث لم يسلموا أنفسهم لله خالصين، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فإذا لم يسلموا له - وضعوا أنفسهم في غير موضعها، لذلك صاروا ظلمة أنفسهم.
﴿ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ﴾ أي: طلبوا لذنوبهم مغفرة، وأقرّوا أنه لا يغفر الذنوب إلا الله.
﴿ وَلَمْ يُصِرُّواْ ﴾ على ذنوبهم، والإصرار: هو الدوام عليه، ثم أخبر أن جزاء هؤلاء المغفرة من ربهم؛ ﴿ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا...
﴾ ، إلى آخر ما ذكر.
دلّت هذه الآيات على تأييد قولنا: إن أهل المساوئ والفواحش إذا تابوا صاروا ممن أعدّت لهم الجنة، وإن لم يكونوا من المتقين من قبل، فمثله إذا تجاوز الله عن سيئاتهم؛ وعفا عنهم بما هو عفو غفور، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله - عز وجل: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ...
﴾ الآية.
يحتمل أن يكون الظلم غير الفاحشة.
ويحتمل أن يكون واحداً في المراد؛ إذ قد يكون في المعنى أن كل عاص ظالم لنفسه، بمعنى ضرّها؛ ونحس لحظّها؛ إذا فعل ما ليس له الفعل ووضع اختياره في غير موضعه، وهما معنيا الظلم، وكذلك من تعدى حَدَّ الله أو آثر ما يزجره العقل والشرع - فقد فحش فعله، وذلك معنى الظلم الذي وصفت؛ إذ فعل ما ليس له، وأختياره غير الذي له - هو الذي يزجره العقل والشرع، والله أعلم.
ويحتمل وجها آخر غير هذين: وهو أن الظلم يجمع كل وجوه الخلاف؛ عظم أو صغر، ولذلك قد نسب ذلك إلى زلات الأخيار، نحو ما قيل لآدم - - في أكل الشجرة: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ ، وقيل في الشرك: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
والفواحش: ما [ظهر وتبين] قبحه؛ لا ما قلّ أو كثر في الذنوب، وعلى ذلك النقصان ظلماً بقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً ﴾ ، وقد يوصف العيب والنقصان بالفحش؛ لكنه إذا كثر وظهر فمثله في الزلات، ويكون كالطيب في المحلّلات من المباح ونحوه في الدرجة، والله أعلم.
ثم ليس بنا حاجة إلى معرفة المقصود بالذكر في الآية؛ لما فيها الرجوع عن ذلك، وطلب المغفرة، وكل أنواع المآثم بالتوبة تغفر بما عد الله في الشرك، والزنا، والقتل؛ فما دونه - بقوله: ﴿ يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ...
﴾ إلى تمام الآية، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً ﴾ .
يحتمل الفاحشة: ما فحش في العقل وقبح.
وقال آخرون: كل محرم منهيّ فهو فاحشة.
والأول كأنه أقرب؛ لأن الشيء ما لم يبلغ في الفحش والقبح غايته؛ فإنه لا يقال: فاحشة، وإذا بلغ الغاية - فحينئذ كالطيب، أنه إنما يقال ذلك إذا بلغ غايته في الحل واللّذة، فأما أن يقال لكل حل في الإطلاق طيباً - فلا، فعلى ذلك: الفواحش؛ لا يقال لكل محظور محرم، إنما يقال ما بلغ في القبح والفحش غايته، فأما أن يقال ذلك لكل محرم منهي - فلا، وبالله التوفيق.
والطيب: ما استطابه الطبع؛ فإذا بلغ طيبه غايته في الطبع؛ فهو طيب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنها معصية فلا يقيمون عليها، ولكن يتوبون، فمن تاب من ذنبه فجزاؤه ما ذكر.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ .
يحتمل أحكاماً، والأحكام تكون على وجهين: حكم يجب لهم، وهو الثواب عند الطاعة، واتباع الحق، وعذاب يحل بهم عند الخلاف والمعصية.
ويحتمل "السنين": الأحكام المشروعة.
﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ حتى تروا آثار من كذب الرسل وما حلَّ بهم من العذاب؛ بالتكذيب.
أو ﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : أي سلوا من يعلم ما الذي حل بهم حتى يخبروكم ما مضى من الهلاك في الأمم الخالية، فهذا تنبيه من الله - عز وجل - إياهم أنكم إن كذبتم الرسول - فيحل بكم ما قد حلَّ بمن قد كان قبلكم، وإن أطعتم الرسول - فكلم من الثواب ما لهم، فاعتبروا به كيف كان جزاؤهم بالتكذيب.
وما في القرآن مثل هذا فمعناه: لو سئلت لأخبروك.
وقيل: ﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : أي: تفكروا في القرآن يخبركم عن الأمم الماضية؛ فكأنكم سرتم في الأرض، وما في القرآن مثل هذا - فمعناه: لو سألتَ لأخبروك؛ فإن فيه خبر من كان قبلكم من الأمم، وما لهم من الثواب بالتصديق والطاعة، وما عليهم من العقاب بالتكذيب، والله أعلم.
وفيه قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ يحتمل في المكذبين بالرسل والمصدقين، ﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يحتمل: لو سرتم فيها لرأيتم آثارهم، ولعرفتم بذلك ما إليه ترجع عواقب الفريقين.
ويحتمل: الأمر بالتأمّل في آثارهم، والنظر في الأنباء عنهم؛ ليكون لهم به العبر، وعما هم عليه مزدجر.
ويحتمل "السنن": الموضوع من الأحكام، وبما به امتحن من قبلهم؛ ليعلموا أن الذي بلوا به ليس ببديع؛ بل على ذلك أمر من تقدمهم؛ كقوله: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ، وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا بَيَانٌ ﴾ يعني: القرآن؛ هو بيان للناس، وهدى من الضلالة.
﴿ وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: يتعظ به المتقون.
ويحتمل: ﴿ بَيَانٌ لِّلنَّاسِ ﴾ : ما ذكر من السنن التي في الأمم الخالية.
دل قوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ أن لله في صرف الدوْلة إلى أهل الشرك فعل وتدبير؛ إذ أضاف ذلك إليه ما به الدولة، ثم ذلك معصية وقهر وتذليل، فثبت جواز كون ما هو فعل معصية إلى الله من طريق التخليق والتقدير، والله أعلم؛ إذ ذلك لهم بما هم عصاة به - عز وجل - والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا ﴾ : ولا تضعفوا في محاربة العدو، ولا تحزنوا بما يصيبكم من الجراحات والقروح؛ كقوله - -: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ﴾ ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا ﴾ : في الحرب وأنتم تعلمون لله؛ إذ هم لا يضعفون فيها، وهم يعملون للشيطان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْزَنُوا ﴾ على ما فاتكم من إخوانكم الذين قتلوا.
ويحتمل: ما أصابكم من القروح؛ أي: تلك القروح والجراحات لا تمنعكم عن قتال العدو؛ ولكم الآخرة والشهادة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ في الآخرة.
وقيل: ﴿ الأَعْلَوْنَ ﴾ المحقون بالحجج.
وقيل: ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ في النصر؛ أي: ترجع عاقبة الأمر إليكم.
ويحتمل أن النصر لكم إن لم تضعفوا في الحرب، ولم تعصوا الله - عز وجل - ورسوله .
ويحتمل: ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ : لكم الشهادة إذا قتلتم؛ وأحياء عند الله، وهم أموات.
وقوله - عز وجل -: [ ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ ].
ليس على الشرط؛ ولكن على الخبر؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ ﴾ أي: إذ كن يؤمن [بالله]، وإن كنتم مؤمنين بالوعد والخبر.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ﴾ .
اختلف فيه: قيل: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ﴾ في آخر الأمر؛ يعني في أُحد؛ فقد مسَّ المشركين قرح مثله يوم بدر، يذكر هذا - والله أعلم - على التسكين؛ ليعلموا أنهم لم يخصوا بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
تحتمل الآية وجوهاً: يوماً للمؤمنين ويوماً عليهم، وذلك أن الأمر بمجاهدة العدو والقتال معهم محنة من الله - - إياهم يمتحنهم ويبتليهم؛ مرة بالظفر لهم والنصر على عدوهم، ومرة بالظفر [للعدوّ عليهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ يمتحن عباده] بجميع أنواع المحن، بالخير مرة، وبالشر ثانياً.
ويحتمل المداولة - أيضاً وجهاً آخر: وهو أن الظفر والنصر لو كان أبداً للمؤمنين - لكان الكفار إذا أسلموا لم يسلموا إسلام اختيار؛ ولكن إنما آمنوا إيمان قهر وكره وجبر؛ لما يخافون على أنفسهم من الهلاك إذا رأوا الدولة والظفر للمؤمنين، وإن كان الظفر والنصر أبداً للكفار؛ فلعلهم يظنون أنهم المحقون فيمنعهم ذلك عن الإسلام.
ويحتمل أن ما يصيب [بمعصية]، المؤمنين إنما يصيب بمعصية سبقت منهم، أو خلاف كان منهم؛ من ترك أمر أو ارتكاب نهي، والله أعلم.
فإن طعن طاعن من الملاحدة في قوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ أليس وعد أنكم إن نصرتم دينه ينصركم، وأخبر - أيضاً - أنه إن نصركم فلا غالب لكم، فإذا نصرتم دنيه فلم ينصركم؛ أليس يكون خلفاً في الوعد؟
أو إن نصركم فغلبتم يكون كذباً في الخبر.
قيل: لهذا جواب من أوجه: قيل: يحتمل قوله - عز وجل -: إن تنصروا دين الله في الدنيا ينصركم في الآخرة بالحجج؛ كقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ الآية [غافر: 51]، وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ .
وقيل: إن تنصروا دين الله ولم تعصوا الله فيه - ينصركم؛ فلا غالب لكم.
وقيل: يحتمل: إن تنصروا دين الله جملةً - ينصركم؛ كقوله - -: "لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ، كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ" وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ .
وقيل: إن تنصروا دين الله ينصركم؛ أي: يجعل الظفر؛ والنصر في العاقبة لكم، وكذلك: وإن كان في ابتداء الأمر الغلبة على المؤمنين؛ فإن العاقبة لهم في الحروب كلّها، ومقدار ما كان عليهم إنما كان لأمر سبق منهم: إمّا إعجاباً بالكثرة؛ كقوله - -: ﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً ﴾ ، وإمّا خلافاً لرسول الله .
وفي قوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ دلالة أن كان من الله معنى لديه تكون الغلبة لهم؛ بقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ ولكان هو يجعل أبداً الدولة لأحد الفريقين، وقد أخبر أنه يجعل لهما، ومعلوم إن كانت الدولة بالغلبة، فثبت أن من الله في صنع العباد - صنع له أضيف [إليه صنيعهم]، والله أعلم.
ثم معلوم أن الغلبة لو كانت للمسلمين - كان ذلك ألزم للحجّة، وأظهر للدعوة، وأدعى [إلى الإجابة]، وفيها كل صلاح، فثبت أن ليس في المحنة شرط إعطاء الأصلح، والله أعلم.
وفي قوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ ردّ قول الأصلح؛ حيث قالوا: إن الله لا يفعل إلا الأصلح في الدين، يقال لهم: أي صلاح للمؤمنين في مداولة الكافرين على المؤمنين؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : أي: ليعلم ما قد علم بالغيب أنه يؤمن بالامتحان مؤمناً شاهداً، وليعلم ما قد علم أنه يكون كائناً.
وجائز أن يراد بالعلم: المعلوم؛ كقوله: الصلاة أمر الله، أي: بأمر الله.
وفي قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ الآية، تخرج على أوجه: أحدها: أن ما وصفت الله به إذا ذكرت معه الخلق - تذكر وقت كون الخلق؛ لئلا يتوهم قدمه، وإذا وصفت الله - - بلا ذكر الخلق وصفته به في الأزل؛ نحو أن تقول: عالم، قادر، سميع - في الأزل، فإذا ذكرت المسموع المقدور عليه والمعلوم - ذكرت وقت كونه؛ لتزيل توهم القدم على الآخر؛ وعلى هذا عندنا القول بـ"خالق" "رازق" ونحو ذلك، والله أعلم.
والثاني: على تسمية معلومة علماً في مجاز اللغة؛ وذلك كما سمّى عذاب الله في القرآن أمره، وسمى الناس الصلاة - وغيرها من العبادات - أمره، على معنى أنها تفعل بأمره؛ وكذلك ما سميت الجنة رحمته، على أن كان فيها؛ فيكون: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : أي: ليكون الذين آمنوا على ما علمه يكون، والله أعلم.
والثالث: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ في الغيب شهوداً؛ إذ هو عالم الغيب والشهادة، وتحقيق ذلك لا يكون بحادث العلم، وذلك نحو من يعلم الغد يكون؛ يعلمه بعد الغد، وإن لم يكن له حدوث العلم قد كان؛ وعلى هذا قيل: ليعلمه كائناً لوقت كونه ما قد علمه يكون قبل كونه، والله أعلم.
وقال بعض أهل التأويل: ليكون الذي علمه يكون بالمحنة ظاهراً موجوداً، وهو يرجع إلى ما بيّنا.
وقال بعضهم: ليراه، وهذا من صاحبه ظن أن الكلام في الرؤية لعله أيسر، وعن التشبيه أبعد، وعند من يعرف الله حق المعرفة: هما واحد.
والأصل في هذا ونحوه في الإضافات إلى الله: أنها كانت بالأحرف المجعولة المتعارف في الخلق، ثم هي تؤدي عن كل ما يضاف إليه، ويشار إليه ما كان عرف من حال ذلك قبل الإضافة، لا أن يقدر عند الإضافة معنى لا نعرفه به لولا ذلك، على ما عرف من الاشتراك في اللفظ والاختلاف في المعنى؛ فعلى ذلك أمر الإضافة إلى الله - - ويوضح ذلك ما لم يفهم أحد من قوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ ما فهم من إضافة الحدود إلى غيره؛ وكذلك بيوت الله، وعباد الله، وروح الله وكلمته، ونحو ذلك، فمثله الذي نحن فيه.
وجائز - في الجملة - أن يوصف الله بأنه لم يزل عالماً بكون كل ما يكون كيف يكون؟
وفي وقت كونه كائناً؛ وبعد كونه قد مضى كونه؛ على تحقيق التغير في أحوال الذي يكون لا في الله - وتعالى - إذ تغير الأحوال واستحالتها من آيات الحدث وأمارات الصنعة.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ : قيل فيه بوجهين: أحدهما: "ولم يعلم"، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: على إثبات أنه علم أنهم لم يجاهدوا؛ كقول الناس: ما شاء الله كان، [وما لم يشأ لم يكن]، أي: شاء ألا يكون، لا يكون.
والثاني: أنه عالم بكل شيء، فلو كان منكم جهاد لكان يعلمه، وإنما لم يعلمه؛ لأنه لم يكن؛ وعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ أي: ليس لهم.
والثاني: قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ﴾ بمعنى: إلا؛ كقوله ﴿ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ - بالتشديد - بمعنى: إلا عليها حافظ؛ فيكون معنى الآية: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ؟!
لا تدخلوها إلا أن يعلم الله مجاهدتكم، أي: حتى تجاهدوا فيعلم الله ذلك منكم موجوداً، والله أعلم.
وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ أي: ليعلم ما قد علم أنه يصير صابراً؛ وكذلك قوله: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ أي: ليعلمن الذين قد علم أنهم يصدقون - صادقين، وليعلمن الذين قد علم أنهم يكذبون - كاذبين، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ ﴾ أي: حتى يعلم ما قد علم أنهم يجاهدون - مجاهدين، وأصله: قوله - عز وجل -: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ ليعلم شاهداً ما قد علم غائباً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ﴾ أي: يستشهدون في سبيل الله بأيدي عدوهم.
ويحتمل: ويتخذ منكم شهداء على الناس؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، وفيه دلالة أنهم لا يستوجبون بنفس الإيمان الشهادة على الناس؛ حتى تظهر الصيانة والعدالة في أنفسهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : أي: يمحص ذنوبهم وسيئاتهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : أي: يهلكهم ويستأصلهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : ما ذكرنا من تمحيص الذنوب على ما روي عن رسول الله : "السَّيْفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ" ﴿ وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : أي: يهلكهم، ولا يكون السيف تمحيصاً لهم من الكفر، بل يهلكهم في النار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ : قيل: بل حسبتم أن تدخلوا الجنة.
﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ﴾ : أي: ولم يعلم الله الذين جاهدوا منكم؛ أي: لم يجاهدوا.
وقيل: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ ، و"لما" بمعنى: "إلا يعلم"، بمعنى: لا تدخلون الجنة إلا أن يعلم الله الذين جاهدوا منكم؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ : من قرأ بالتشديد؛ فكان معناه: "إلا عليها حافظ"، ومن قرأ بالتخفيف؛ فمعناه: لَعَلَيْها حافظ، و"ما" صلة.
وفي قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ، أي: ظننتم ذلك، ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ ، وقال في [موضع آخر]: ﴿ أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ ﴾ الآية [آل عمران: 165]، بمعنى: ولم تجاهدوا، ولم يصبكم مثل الذي ذكر؛ ففي ذلك وعد أن يصيب أولئك الذين خاطبهم به ما أصاب من تقدمهم، وأن الله قد يعلم أنهم يجاهدون قبل الموت؛ وعلى هذا قال قوم في تأويل قوله - عز وجل -: ﴿ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ -: أن يدخلوا الجنة إذا أصابهم مثل الذي أصاب من تقدمهم، والله أعلم.
فيكون تأويل ﴿ وَلَمَّا ﴾ : ولم، والألف صلة.
وقيل: يحتمل بالتشديد منه: إلا؛ كما قيل في تأويل قوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ بالتشديد: "إلا عليها حافظ"؛ فيكون بمعنى الإضمار: لا تدخلوا إلا أن يعلم الله الذين جاهدوا منكم، وقد بيّنا ما في العلم في الحرف الأوّل على أنه له وجهان - أيضاً -: أحدهما: أن الله لم يعلم بذلك، وهو العالم بكل شيء فلو كان: لكان يعلمه.
والثاني: أن يعلموا أن يكونوا لم يجاهدوا بعد، وسيجاهدون على ما بيّنا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ ﴾ : قيل فيه بوجهين: قيل: قوله - عز وجل -: تمنون ما فيه الموت، وهو القتال.
وقيل: تمنون الموت نفس الموت.
ثم يحتمل وجوهاً: يحتمل: يتمنون إشفاقاً على دينهم الإسلام؛ لئلا يخرجوا من الدنيا على غير دينهم الذي هم عليه، ويحتمل أن يكونوا تمنوا الموت، لينجوا أو يتخلصوا من تعذيب الكفار إيّاهم وتغييرهم؛ على ما قيل: إن أهل مكة كانوا يعذبونهم، طلبوا النجاة منهم والخلاص، والله أعلم.
وقيل: يتمنون الموت، أي: يتمنون الشهادة؛ لما سمعوا من عظيم الثواب وجزيل الأجر، تمنوا أن يكونوا شهداء الله - عز وجل - أحياء عند ربهم، والله أعلم.
وقيل: في قوله - عز وجل -: ﴿ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ ﴾ : وذلك حين أخبر الله - عزّ وجلّ - عن قتلى بدر، وما هم فيه من الخير؛ فتمنوا يوماً مثل يوم بدر؛ فأراهم الله يوم أحد [فانهزموا]، فعوتبوا على ذلك بقوله: ﴿ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ﴾ ، يعني: يوم أحد.
وقوله: - عز وجل -: ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ﴾ .
يحتمل [أيضاً] وجوهاً: يحتمل: فقد رأيتم أسباب الموت وأهواله.
ويحتمل: فقد رأيتم أصحابكم الذين قتلوا بين أيديكم، على تأويل من صرف قوله - عز وجل -: ﴿ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ ﴾ إلى القتال، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ .
يحتمل: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ إلى الموت، يعني: إلى موت أصحابكم أو إلى القتال.
ويحتمل: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ ، أي: تعلمون أنكم كنتم تمنون الموت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: يحتمل: - والله أعلم -: أن يقول لهم: إنكم لما آمنتم بمحمّد قبل أن يبعث لم تؤمنوا به؛ لأنّه محمّد [رسول الله ]، ولكن آمنتم بالذي أرسله إليكم، والمُرْسِل حي، وإن كان محمد قتل أو مات على زعمكم؛ فكيف أنقبلتم على أعقابكم؟!.
قال الشيخ: رحمه الله -: في الآية خبر بانقلاب من علم الله أنه يرتد بموت رسول الله صلى الله وسلم كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ ﴾ .
والشاكرون: الذين جاهدوهم، قد أخبر الله - - أنه يحبّهم ويحبّونه.
وقال الحسن: إن أبا بكر الصّديق - - كان - والله - إمام الشاكرين.
ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن من كان قبلكم من قوم موسى وعيسى - عليهما السلام - كانوا يكذبون رسلهم ما داموا أحيّاء؛ حتى قال لهم موسى - - ﴿ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾ ، وكذلك قال عيسى - -: ﴿ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً ﴾ الآية [الصف: 6]، فإذا ماتوا ادعوا أنهم على دينهم، وأنهم صدقوهم فيما دعوهم إليه، وإن لم يكونوا على ذلك، فلم ينقلبوا على أعاقبهم؛ فيكف تنقلبون أنتم على أعقابكم إن مات محمد أو قتل؟!.
والانقلاب على الأعقاب: على الكناية والتمثيل، ليس على التصريح، وهو الرجوع إلى ماكانوا عليه من قبل من الدين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ : أي: من ارتدّ بعد الإسلام فلن يضرّ الله شيئاً؛ لأنه لم يستعملهم لنفسه، ولكن إنما استعملهم لأنفسهم؛ ليستوجبوا بذلك الثواب الجزيل في الآخرة، فإنما يضرون بذلك أنفسهم، لا الله - .
والثاني: أنه إنما يأمرهم ويكلفهم؛ لحاجة أنفسهم، لا أنه يأمر لحاجة نفسه، ومن أمر آخر في الشاهد: إنما يأمر لحاجة نفس الآمر، فإذا لم يأتمر لَحِق ضرر نَفْس ذلك الآمر، فإذا كان الله - - يتعالى عن أن يأمر لحاجته؛ وإنما يأمر لحاجة المأمور، فإذا ترك أمره - ضر نفسه، وبالله التوفيق.
﴿ وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ : قيل: الموحّدين لله.
وقيل: الذين آمنوا وجاهدوا يجزيهم في الآخرة، وكل متمسك بأمر الله ومؤتمر بأمره فهو شاكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ ﴾ ، أي: لا يموت إلا بقبض المسلط على قبض الأرواح - روحه؛ كقوله: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ : إن مات أو قتل.
ويحتمل: ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ ﴾ : إلا بعلم الله.
﴿ كِتَٰباً مُّؤَجَّلاً ﴾ : قيل: وقتاً موقتاً، لا يتقدم ولا يتأخر، مات أو قتل، ما لم تستوف رزقها وأجلها.
وقيل: ﴿ كِتَٰباً مُّؤَجَّلاً ﴾ ، أي: مبيناً في اللوح المحفوظ، مكتوباً فيه.
وقوله: ﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ : أي: من أراد بمحاسن أعماله الدنيا نؤته منها.
﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ : أي: من يرد بأعماله الصّالحات ومحاسنه الآخرة نؤته منها.
﴿ وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ : وهو كقوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ على قدر ما قدّر ﴿ وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴾ ؛ فكذلك هذا - أيضاً - والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ : قيل: فيه لغات: أحدها: "قاتل معه" بالألف، وتأويله: وكم من نبي قاتل معه ربّيون كثير، فقتل؛ على الإضمار.
والثاني: "وكم من نبيّ قُتِل معه ربّيون كثير"، برفع القاف.
والثالث: "وكم من نبيّ قتل معه ربيون كثير" بالنصب.
ومعنى الآية - والله أعلم -: كم من نبي قتل معه [ربيون كثير]، فلم ينقلب أتباعه على أعقابهم؛ بل كانوا بعد وفاتهم أشدّ اتباعاً لهم من حال حياتهم؛ حتى قالوا: لن يبعث الله من بعده رسولا؛ فما بالكم يخطر ببالكم الانقلاب على أعقابكم، إذا أخبرتم أنه قتل نبيكم أو مات؟!.
وفي إنباء هذه الأمة قصصَ الأمم الخالية وأخبارهم - وجهان.
أحدهما: دلالة إثبات رسالة [رسولنا] محمد ؛ لأنهم علموا أنه لم يختلف إلى أحد منهم ممن يعلم هذا، ثم أخبر بذلك، فكان ما أخبر؛ فدل أنه علم ذلك بالله.
والثاني: العمل بشرائعهم وسننهم، إلا ما ظهر نسخة بشريعتنا؛ ألا ترى أنه ذكر محاسنهم وخيراتهم؛ وإنما ذكر لنتبعهم في ذلك ونقتدي بهم، وذكر مساوئهم وما لحقهم بها؛ لننتهي عنها ونكون على حذر مما أصابهم بذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ : اختلف فيه - عن ابن عباس - - قال: "علم كثير"، وعنه - أيضاً -: "الجموع الكثير"؟
وعن الحسن - رحمه الله - مثله.
وعن ابن مسعود - - قال: الألوف.
وعن ابن مسعود - - قال في قوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ ، يقول: قاتل؛ ألا ترى أنه يقول: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ ﴾ ؟!.
ثم اختلف في قوله: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ ﴾ ، ﴿ وَمَا ضَعُفُواْ ﴾ .
قيل: فما وهنوا في الدين، وما ضعفوا في أنفسهم في قتال عدوهم بذهاب النبي من بينهم؛ فما بالكم تضعفون أنتم؟!
ويحتمل قوله: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ ﴾ ، يعني: فما عجزوا لما نزل بهم من قتل أنبيائهم، وما ضعفوا في شيء أصابهم في سبيل الله من البلايا.
وقيل: قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا وَهَنُواْ ﴾ يرجع إلى: ﴿ قَاتَلَ ﴾ إلى المقاتلين وفي "قتل" إلى الباقين.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ ﴾ : قيل: لم يذلّوا في عدو لهم، ولم يخضعوا لقتل نبيهم؛ بل قاتلوا بعده على ما قاتلوا معه؛ فهلا قاتلتم أنتم على ما قاتل عليه نبيكم؛ كما قاتلت القرون من قبلكم إذا أصيب أنبياؤهم، والله أعلم.
﴿ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ : على قتال عدوّهم، وعلى كل مصيبة تصيبهم.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا ﴾ : قيل: وما كان قول الأمم السالفة عند قتل نبيهم - إلا أن قالوا: ﴿ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ الآية، يقول: يعلِّمُ الله هذه الأمة ويعاتبهم: هلاّ قلتم أنتم حين نُعِي إليكم نبيكم كما قالوا القوم في الأمم السالفة؟!.
وقوله: ﴿ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ ، قيل: الذنوب: هي المعاصي.
وقوله: ﴿ وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا ﴾ : والإسراف: هي المجاوزة في الحدّ، والتعدّي عن أمره.
وقيل: هما واحد.
وقوله: ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: ثبتنا على الإيمان، ودين الإسلام، والقدمُ كناية؛ كقوله: ﴿ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ﴾ ، أي: تكفر بعد الإيمان، [و] كقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ ؛ وذكر القدم لما بالقدم ثبت.
ويحتمل قوله: ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ في قتال العدوَّ، وفزعوا إلى الله - عز وجلّ - بعد ذهاب نبيّهم من بينهم؛ ليحفظهم على ما كان يحفظهم في حياة نبيهم.
وقوله: ﴿ وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : يحتمل: النصر عليهم بالحجج والبراهين.
ويحتمل: النصر بالغلبة والهزيمة عليهم.
وقوله: ﴿ فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا ﴾ : يحتمل ثواب الدنيا: الذكر والثناء الحسن، وهم كذلك اليوم نتبعهم ونقتدي آثارهم وهم موتى.
ويحتمل -: على ما قيل -: النصر والغنمية.
وقوله: ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ ﴾ : الدائم، وذُكِر في ثواب الآخرة "الحُسْن"، ولم يذكر في ثواب الدنيا الحسن؛ لأن ثواب الآخرة دائم لا يزول أبداً، وثواب الدنيا قد يزول، أو أن يشوب في ثواب الدنيا آفاتٌ وأحزان؛ فينقص ذلك، وليس ثواب الآخرة كذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ الإحسان يحتمل وجوهاً ثلاثة: يحتمل: المحسن: العارف، كما يقال: فلان يحسن ولا يحسن.
ويحتمل: المعروف من الفعل - مما ليس عليه - يصنع إلى آخر؛ تفضلاً منه وإحساناً.
ويحتمل: اختيار الحسن من الفعل على القبيح من الفعل والسوء؛ وكان كقوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ : هذا يختار المحاسن من الأفعال على المساوئ، والله أعلم.
ويحتمل: المحسنين إلى أنفسهم باستعمالها فيما به نجاتها.
قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ ﴾ : يحتمل الطاعة لهم: طاعة الدين، أي: يطيعونهم في كفرهم.
ويحتمل: الطاعة لهم في ترك الجهاد مع عدوهم؛ كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً ﴾ الآية [آل عمران: 156] الآية، وقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ .
قد ذكرنا، أي: يردوكم على دينكم الأول، وهو على التمثيل والكناية، والله أعلم.
وقوله: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ ﴾ : أي: أولى بكم، أو ناصركم، أو حافظكم، أو وليكم.
﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ ﴾ : أي: خير من ينصر من نصره؛ فلا يغلب، كقوله: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ ﴾ الآية: هذه بشارة من الله - عز وجل - لرسوله صلى اله عليه وسلم بالنصر له؛ حيث أخبر أنه يلقي في قلوبهم الرعب، وكذلك روي عن رسول الله أنه قال: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ" ، وكان ما ذكر؛ لأن رسول الله كان يأتيهم بعد ذلك ويقصدهم، لا أنهم أتوه، وكانوا قبل ذلك يأتون رسول الله ويقصدونه.
[وقوله:] ﴿ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ : أي: بالشرك ما قذف في قلوبهم من الرعب، من غير أن كان لهم بما أشركوا حجة أو كتاب أو برهان أو عذر؛ قال ابن عباس - -: "السلطان في القرآن حجة".
وقوله: ﴿ وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ ﴾ : أي: مقامهم في النار.
﴿ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : أي: النار بئس مقام الظالمين: وقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ .
أي: أنجز الله وعده؛ حيث أخبر أنه يلقي في قلوبهم الرعب، وقد فعل.
﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ : قال أهل التفسير: إذ تضلونهم.
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ ﴾ : هو على التقديم والتأخير: "حتى إذا تنازعتم [و] فشلتم"؛ إذ التنازع هو سبب الفشل [والجبن]؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ ﴾ .
[وقوله - عز وجلّ -: ﴿ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ ﴾ .
قيل: في القصّة: إن نفراً من رماة أمرهم رسول الله أن يكونوا في مكان، وألا يدعو موقفهم، فتركوه ووقعوا في غنائمه؛ فعوقبوا على ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ ﴾ ،] يحتمل: ما أراكم ما تحبون من الهزيمة والغنيمة.
ويحتمل: ما أراكم من النصر لكم على عدوكم، وإنجاز الوعد لكم.
وقوله: - عز وجل - ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ﴾ : روي عن عبد الله بن مسعود - - أنه قال: "ما كنا نعرف [أن] أحداً من أصحاب رسول الله يريد الدنيا، حتى نزل قوله: ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾ .
وقوله: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ .
روي عن ابن عباس - - في قوله - -: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ ، يعني: هُزِمَ المسلمون، يقول: صرفوا عن المشركين منهزمين، بعد إذ كانوا هزموهم، لكن لما عصوا وتركوا المركز صرفهم الله عن عدوه: ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ .
أي: ذلك الصرف كان لكم من الله ابتلاء ومحنة.
وقيل: كان ذلك العصيان - الذي منكم كان - من الله ابتلاء؛ ليعلم من قد علم أنه يعصي عاصياً، والله أعلم.
ودلّ قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ - وإن كان الانصراف فعلهم - أن الله لفعلهم - على ما عليه فعلهم - خالقٌ، وأن خلق الشيء ليس هو ذلك الشيء؛ إذ ذلك الشيء إذا كان انصرافاً عن العدو معصيّة، وقد تبرأ الله - - عن أن تضاف إليه المعاصي، وقد أضاف انصرافهم إلى فعله وهو الصرف - ثبت أنه غير فعلهم، والله أعلم.
﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ ؛ حيث لم يستأصلكم بالقتل.
ويحتمل: ﴿ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ ؛ حيث قبل رجوعكم وتوبتكم عن العصيان.
وهذه الآية قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ - ترد على المعتزلة؛ [وكذلك] قوله - -: ﴿ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ ﴾ [إلى آخر] الآية؛ لأنهم يقولون: هم الذين صرفوا أنفسهم لا الله، وهم الذين كتبوا عليهم القتل لا الله، وهم الذين يداولون لا الله، وقد أضاف - عز وجل - ذلك إلى نفسه؛ فعلى ذلك لا يضيف إليه إلا عن فعل وصنع له فيه؛ ولأنهم يقولون: لا يفعل إلا الأصلح لهم في الدين، فأيّ صلاح كان لهم في صرفه إياهم عن عدوهم؟!
وأيّ صلاح لهم فيما كتب عليهم القتل؟!
فدل أن الله قد يفعل بعباده ما ليس ذلك بأصلح لهم في الدّين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : بالعفو عنهم، وقبول التوبة؛ حيث عصوا رسول الله وتركوا أمره، وعلى قول المعتزلة عليه أن يفعل ذلك؛ فعلى قولهم ليس هو بذي فضل على أحد، نعوذ بالله من السرف في القول.
قال الشيخ - رحمه الله -: الفائدة في تخصيص المؤمنين بالامتنان عليهم دون جملة من بعث النبي فيهم ومنهم، مع ما ذكر منته بالبعث من أنفسهم، وقد بيّنا وجه المنة في البعث من جوهر البشر - وجهان: أحدهما: أن من لم يؤمن به لم يكن عرف نعمة من الله - - وإن كان - في الحقيقة - نعمة منه لهم، ورحمة لهم وللعالمين، فخص من عرفة ليشكروا بما ذكرهم؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ، أي: هم يقبلون ويعرفون حق الإنذار.
والثاني: أنه صار لهم حجة على جميع الأعداء: أنهم لا يطيعون لمعنى كان منهم، إلاّ وللمؤمنين عليهم وجه دفع ذلك بما كان عليه ما عرفوه به قبل الرسالة؛ لما فيه لزوم القول بصدقة؛ فيكون ذلك منة لهم وسروراً ونعمة عظيمة؛ فأستأداهم الله لشكرها، ولا قوة إلا بالله.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ ﴾ : فيه لغتان: "تَصْعدون" بفتح التاء، وهو من الصعود أن صعدوا الجبل، "وتُصعدون" بالرفع، وهو أن أصعدوا أصحابهم نحو الوادي؛ لأن المنهزم الأوّل إذا التفت فرأى منهزماً آخر أشتدّ.
وقيل: الإصعاد هو الإبعاد في الأرض.
وقيل: تَصْعدون من صعود الجبل، وتُصعدون في الوادي من الجبل.
وقوله: ﴿ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ ﴾ : أي: لا تلتفتون على أحد، ولا ترجعون.
﴿ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَٰكُمْ ﴾ .
أي: الرسول يدعوكم وينادي وراءكم: إلَيَّ أنا الرسول.
وقيل: يناديكم من بعدكم: إِلَيَّ أنا رسول الله يا معشر المؤمنين، وكان يصل نداؤه في أخراهم بأولهم بعضهم ببعض، فلم يرجعوا إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ : اختلف فيه، قيل: غمّ الأول: الهزيمة والنكبة التي أصابتهم، والغم الآخر: الصوت الذي سمعوا: قُتِلَ محمد - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - فذلك غم على غم.
ويحتمل: ﴿ غَمّاًً ﴾ : بعصيانهم رسول الله اغتموا، والغم الآخر: أن كيف يعتذرون إلى رسول الله بتركهم المركز، وعصيانهم إياه والخلاف له.
وقيل: قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ : أي: مرة بعد المرة الأولى.
وقيل: ﴿ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ ، أي: هزيمة بعد هزيمة: أصابتهم هزيمة بعد هزيمة من قتل إخوانهم، وإصابتهم الجراحات.
وقيل: ﴿ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً ﴾ : بعصيانكم رسول الله ، ﴿ بِغَمٍّ ﴾ : الذي أدخلوا على رسول الله بترككم المركزَ والطاعةَ له، وفي قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ وهو غم الهزيمة والنكبة، بالغم الذي أدخلوا على رسول الله في عصيانهم إياه، وإهمالهم المَقْعَد الذي أمرهم بالمقام فيه.
وقيل: غماً بالغم الذي له تركوا المركز، وهو أن غمهم اغتنام أصحابهم.
وقيل: غم الاعتذار إلى رسول الله بالغم الذي جنوه به؛ حيث مالوا إلى الدنيا، وعصوه فيما أمرهم.
وقيل: غماً [على] أثر غم، نحو: القتل، والهزيمة، والإرجاف بقتل رسول الله ، وحقيقته: أن يكون أحد الغمين جزاء، والآخر ابتداء، وفي ذلك تحقيق الزَّلة والجزاء؛ وذلك كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ ﴾ : يعني: من الفتح والغنيمة، ولا ما أصابكم من القتل والهزيمة.
ويحتمل قوله: ﴿ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ﴾ من الدنيا، ﴿ وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ ﴾ : فيها من أنواع الشدائد؛ بما أدخلتم على رسول الله من الغمّ بعصيانكم إيّاه.
﴿ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ : على الوعيد: [وقوله]: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ : قيل فيه بوجهين؛ قيل: الطائفة التي أتاها النعاس هم المؤمنون، سمعوا بانصراف العدو عنهم فصدقوا الخبر فناموا؛ لأن الخوف إذا غلب يمنع النوم، وأمّا الطائفة التي قد أهمتهم أنفسهم هم المنافقون، لم يصدّقوا الخبر فلم يذهب عنهم الخوف، فلم ينعسوا؛ وذلك كقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ ﴾ الآية.
وقيل: كانت الطائفتان جميعاً من المؤمنين، لكن إحداهما قد أتاها النعاس؛ لما أمنوا من العدو، والأخرى لا؛ بعصيانهم رسول الله وترْكِهم أمره منع ذلك النوم عنهم؛ إذ كيف يلقون رسول الله ، وكيف يعتذرون إليه؟
والله أعلم.
وعن ابن مسعود - - قال: "النُّعَاسُ فِي الصَّلاَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَفِي القِتَالِ أَمنَةٌ مِنَ الله".
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ﴾ : قيل: يظنون بالله ألا ينصر محمّداً وأصحابه، ذا في غير المؤمنين.
وقيل: ﴿ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ﴾ نوناً كاذبة، إنما هم أهل شرك وريبة في أمر الله، يقولون: ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ﴾ : وقوله: - عز وجل -: ﴿ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ ﴾ : قيل: يقولون بعضهم لبعض: ﴿ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ ﴾ ، يعني بالأمر: النصر والغنيمة.
وقيل: قالوا ذلك للمؤمنين.
﴿ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ ﴾ .
يعني النصر والفتح كلّه بيد الله.
﴿ يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ﴾ : والذين يخفون قولهم: لو أقمنا في منازلنا ما قتلنا ههنا، وقيل: يقولون: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ ، [قالوا: ليس لنا] من الأمر من شيء؛ إنما الأمر إلى محمد، ولو كان الأمر لنا ما خرجنا إلى هؤلاء حتى قتلنا ههنا.
قال الله - -: ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ﴾ : قيل: ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ كما يقولون: ﴿ لَبَرَزَ ﴾ ، يعني: لخروج من البيوت ﴿ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ ﴾ ؛ ليقتلوا.
وقيل: من كتب عليه القتل يظهر الذي كتب عليه حيث كان.
وقيل: إذا كتب على أحد القتل لأتاه، ولو كان في البيت، وكقوله: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ ، وقيل: متى كتب الله على قوم القتل فلم يموتوا أبداً؟!
وفي هذا بيان أن الآجال المكتوبة هي التي تنقضي بها الأعمار: إن كان قتلاً فقتل، وإن كان موتاً فموت، لا على ما قالت المعتزلة: إن القتل تعجيل عن أجله المكتوب له وعليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾ : والابتلاء هو الاستظهار؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ ﴾ تبدي وتظهر، وذلك يكون بوجهين: يظهر بالجزاء مرة، ومرة بالكتاب، يعلم الخلق من كانت سريرته حسنة بالجزاء، وكذلك إذا كانت سيئة، أو يعلم ذلك بالكتاب.
وقوله - -: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾ ، أي: ليظهر الله للخلق ما في صدورهم مما مضى، وليجلعه ظاهراً لهم.
﴿ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ .
من الذنوب.
وعن ابن عباس - - قال: "الابتلاء والتمحيص هما واحد".
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ : يقول: هو عالم بما في صدروهم من سرائرهم، ولكن يجعلها ظاهراً عندكم.
ويحتمل الابتلاء - ههنا - الأمر بالجهاد؛ ليعلموا المنافق منهم من المؤمن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ﴾ : يعني: إن الذين انصرفوا عن عدوهم مدبرين منهم منهزمين يوم التقى الجمعان: جمع المؤمنين، وجمع المشركين.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ : أي: إنما انهزموا ولم يثبتوا خوفاً أن يقتلوا بالثبات؛ فيلقوا الله وعليهم عصيان رسول الله ، فكرهوا أن يقتلوا وعليهم معصية رسول الله ؛ خوفاً من الله - - ﴿ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ بما خافوا الله بعصيانهم رسول الله .
ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ - أن اللعين لما رآهم أجابوه إلى ما دعاهم من اشتغالهم بالغنيمة، وتركهم المركز، وعصيانهم رسول الله دعاهم إلى الهزيمة، فانهزموا وتولّوا - عدوَّهم.
ويحتمل قوله: ﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ ، أي: بكسبهم، قال الله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ؛ فكذلك هذا، والله أعلم.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ .
قَبِلَ توبتكم، وعفا عنكم، ﴿ حَلِيمٌ ﴾ لم يخزكم وقت عصيانكم، ولا عاقبكم، أو حليم بتأخير العذاب عنكم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى ﴾ الآية.
اختلف في قوله - -: ﴿ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، قال بعضهم: نهى المؤمنين أن يكونوا كالذين كفروا في السرّ والعلانية.
﴿ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ ﴾ ، يعني: المنافقين، ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ ﴾ .
وقيل: لا تكونوا كالمنافقين قالوا لإخوانهم - يعني: لبعضهم -: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.
وقيل: قالوا لإخوانهم، يعني: المؤمنين الذين تولوا، وهم كانوا إخوانهم في النسب، وإن لم يكونوا إخوانهم في الدين والمذهب.
لا حاجة لنا إلى معرفة قائله من كان، ولكن المعنى ألا يقولوا مثل قولهم لمن قتل.
وقوله: ﴿ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، يعني: إذا ضربوا في الأرض تجاراً أو "غزى"، أي: غزاة.
وقيل: قوله: ﴿ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أو كانوا غزاة على إسقاط الألف.
وقوله - عزّ وجل -: ﴿ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ : أي: ليجعل الله ذلك القول الذي قالوا حسرة يتردد في أجوافهم.
ويحتمل قوله: ﴿ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً ﴾ يوم القيامة؛ كقوله: ﴿ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ .
أي: والله يحيي من ضرب في الأرض وغزا، ويميت من أقام ولم يخرج غازياً، أي: لا يتقدم الموت بالخروج في الغزو، ولا يتأخر بالمقام وترك الخروج، دعاهم إلى التسليم، إنما هي أنفاس معدودة، وأرزاق مقسومة، وآجال مضروبة، ما لم يفناها واستوفاها وانقضى أجلها: لا يأتيها.
﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ : وعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ ﴾ : أي أن الموت إن كان لا بدّ نازل بكم؛ فقتلكم أو موتكم في طاعة الله وجهاده خير من أن ينزل بكم في غير طاعة الله وسبيله.
﴿ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ : من الأموال.
﴿ وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ ﴾ : أي: إن متم على فراشكم، أو قتلتم في سبيل الله - فإليه تحشرون، فمعناه - والله أعلم - أي: إن لم تقدروا على أن لم تحشروا إليه، كيف تقدرون ألا ينزل على فراشكم بكم الموت، وإن أقمتم في بيوتكم؛!
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: يحتمل: فبرحمة من الله عليك لنت لهم؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ ويحتمل قوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ : فيجب أن يكون الإنسان رحيماً على خلقه؛ على ما جاء في الخبر قال لأصحابه: "لَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتََّى تَرَاحَمُوا، فقيل: كلنا نرحم يا رسول الله، فقال: لَيْسَ تَرَاحُمَ الرَّجُلِ وَلَدَهُ أَوْ أَخَاهُ، وَلَكِنْ يَتَرَاحَمُ بَعْضُهُم بَعْضاً" أو كلام نحو هذا.
ومن جاء: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، ولَمْ يُوَقِّر كَبِيرَنَا - فَلَيْسَ مِنَّا" ، وما جاء: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ أَهْلَ الأَرْضِ لَمْ يَرْحَمْهُ أَهْلُ السَّمَاءِ" كما قال الله - -: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ الآية، وقد أمر الله عباده أن يعامل بعضهم بعضاً بالرحمة واللين، إلا عند المعاندة والمكابرة؛ فحينئذ أمر بالقتال؛ كقوله لموسى وهارون - حيث أرسلهما إلى فرعون - فقال: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴾ ، وكان اللين في القول أنفذ في القلوب، وأسرع إلى الإجابة، وأدعى إلى لطاعة من الخشن من القول، وذلك ظاهر في الناس؛ لذلك أمر الله - عز وجل - رسلهم باللين من المعاملة، والرحمة على خلقه، وجعله سبب تأليف القلوب وجمعها، وجعل الخشن من القول والفظ سبب الفرقة بقوله: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً ﴾ .
[في القول] ﴿ غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ أي: لو كنت في الابتداء فظّاً غليظاً لتفرقوا ولم يجتمعوا عندك.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ ﴾ بأذاهم إياك ولا تكافِهِم، واستغفر لهم فيما بينهم وبين ربهم.
ويحتمل قوله: ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ بما عصوك ولا تنتصر منهم، وكذلك أمر الله المؤمنين جملة أن يعفوا عنهم، وألا ينتصروا منهم بقوله: ﴿ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ وكان أرجى للمؤمنين قوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ؛ كما قال الله - -: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ...
﴾ الآية [الجاثية: 14]، وقوله - أيضاً -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ : لا جائز أن يؤمر بالاستغفار لهم ثم لا يفعل، وإذا فعل لا يجاب؛ فدل أنه ما ذكرنا، والله أعلم.
وكذلك دعاء إبراهيم - -: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ﴾ ، ودعاء نوح - -: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ لا يجوز أن يدعو هؤلاء الأنبياء - عليهم السلام - ثم لا يجاب لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْر ﴾ : أمر الله - عز وجلّ - نبيه أن يشاور أصحابه في الأمر؛ ففيه وجوه ثلاثة: أحدها: أنه لا يجوز له أن يأمره بالمشاورة فيما فيه النص، وإنما يأمر بها فيما لا نصّ فيه؛ ففيه دليل جواز العمل بالاجتهاد.
والثاني: لا يخلو أمره بالمشاورة، إما لعظم قدرهم وعلوّ منزلتهم عند الله، أو لفضل العقل ورجحان اللب؛ فيكفما كان فلا يجوز لمن دونهم أن يسووا أنفسهم بهم، ولا جائز - أيضاً - أن يأمر نبيّه بمشاورة أصحابه، ثم لا يعمل برأيهم؛ دل أنهم إذا اجتمعوا كان الحق لا يشذ عنهم.
وقال بعضهم: إنما أمر نبيّه بمشاورتهم في أمر الحرب والقتال، وعن الحسن - - "لما أنزل الله - -: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْر ﴾ - قال رسول الله : إِنَّ اللهَ وَرسُولَهُ غَنِيَّانِ عَنْ مُشَاوَرَتِكُمْ؛ ولكنه أراد أن يكون سنة لأمته" ، وعن ابن عباس - - أنه كان يقرأ: "وشاورهم في بعض الأمر".
وقيل: أمر الله نبيه أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه وحي السماء؛ لأنه أطيب لأنفس القومِ، وأن القوم إذا شاورهم بعضهم بعضاً فأرادوا بذلك وجه الله - عزم الله لهم على أَرْشَدِهِ.
وقيل: إن العرب في الجاهلية كانوا إذا أراد سيّدهم أن يقطع أمراً دونهم، ولا يشاورهم في الأمر شق عليهم؛ فأمر الله النبي أن يشاورهم في الأمر إذا أراد؛ فإن ذلك أعطف لهم عليه، وأذهب لأضغانهم.
وفي بعض الأخبار قيل: "يا رسول الله، ما العزم؟
قال: أن تستشير ذا الرأي، ثم تطيعه" وكان يقال: ما هلك امرؤ عن مشورة، ولا سعد ثبور، قيل: الثبور: الذي لا يستشير ويعمل برأيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ : أي: لا تتكلن إلى نفسك، ولا تعتمدن على أحد؛ ولكن اعتمد على الله وَكِلِ الأمر إليه.
وقيل: فإذا فرق [ذلك] الأمر بعد المشاورة فامض لأمرك، فإن كان في أمر الحرب على ما قيل فهو - والله أعلم - لا تعجبن بالكثرة، ولا ترَيَنَّ النصر به، ولكن اعتمد بالنصر على الله؛ كقوله - -: ﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً ﴾ ، والله أعلم بما أراد، بذلك؛ كقوله: ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ : صدق الله من كان الله ناصره؛ فلا يغلبه العدوّ من بعد.
﴿ وَإِن يَخْذُلْكُمْ ﴾ [أي: يترككم] ﴿ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم ﴾ : والنصر يحتمل وجهين، يحتمل المعونة، ويحتمل: المنع: كقوله - -: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ .
قوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: أعانكم الله؛ فلا يغلبكم العدو، ﴿ وَإِن يَخْذُلْكُمْ ﴾ : [فلم يعنكم]؛ فمن [ذا] الذي أعانكم سواه؟!
ومن المنع، أي: إن منع الله عنكم العدوَّ، فلا غالب لكم، ﴿ وَإِن يَخْذُلْكُمْ ﴾ ، ولم يعنكم، فمن الذي يمنعكم من بعده؟!
والخذلان في الحقيقة هو: ترك المأمول منه ما أُمِّلَ منه، واستعمل في هذا كما استعمل الابتلاء على غير حقيقته.
وقوله: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ : هو على الأمر في الحقيقة كأنه قال: وعلى الله فتوكلوا أيها المؤمنون.
والتوكل: هو الاعتماد عليه، وتفويض الأمر إليه، لا بالكثرة والأسباب التي يقوم بها، من نحو: القوة والعدة والنصرة والغلبة، وفي الشاهد إنما يكون عند الخلق بثلاث: إمّا بالكثرة، وإمَّا بفضل قوَّة بطش، وإمَّا بفضل تدبير ورأي في أمر الحرب، وجميع نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلبته على عدوه إنما كان لا بذلك؛ ولكن بالتوكل عليه وتفويض الأمر إليه؛ دل أن ذلك كان بالله - عزَّ وجلَّ - وذلك من آيات نبوَّته .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ فيه قراءتان: "يغل" بنصب الياء، وبرفع الياء ونصب الغين، ومن قرأه بنصب الياء فذلك يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ أي: لم يكن نبي من الأنبياء غلَّ قط، وهو أحق من لا تتهمونه؛ لعلمكم به؛ فكيف اتهمتموه هنا بالغلول؟!
وقيل: إن ناساً من المنافقين خَشُوا ألا يقسم رسول الله الغنيمة بينهم؛ فطلبوا القسمة؛ فنزلت [هذه] الآية.
وقيل: قالوا: اعدل يا محمد في القسمة؛ فنزل هذا.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ أي: قد كنتم عرفتموه من قبل أن يرسل، فما عرفتموه خان قط أَوْ غَلَّ؛ فكيف يحتمل الخيانة بعدما أرسل؟!
هذا لا يحتمل.
ومن قرأه بالرفع [أي: يُغَلّ] فهو - أيضاً - يحتمل وجهين، أي: يتهم بالغلول في الغنيمة؛ فهو يرجع إلى تأويل الأول.
ويحتمل قوله: "أن يُغَلّ" أن يخان في الغنيمة، لا يخون ولا يحل أن يخان النبي في الغنيمة؛ فإنه يطلع على ذلك، يطلع الله ورسوله، على ما جاء في بعض الأخبار "أنَّهُ مرَّ بقبر، فقال: إنه في عذاب، قيل: بماذا يا رسول الله؟!
فقال: إِنَّه كَانَ أَخَذَ مِنَ الغَنِيمَةِ قَدْرَ دِرْهَمَيْنِ أَوْ نَحْوَهُ" ويحتمل: خصوص الغنيمة بما يتناول الغالَّ حِلُّهُ، بما لا يعرف له صاحب؛ كالمال الذي لا مالك له، وربما يباح التناول منه للحاجة والأخذ بغير البدل بوجه لا يحتمل بتلك أكل الحل من ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ : أي: يؤخذ به يوم القيامة، وهكذا كل من أخذ من مال غيره بغير إذنه؛ فإنه يؤخذ به.
وقال بعض الناس: وإنما خص الغنيمة بفضل وعيد؛ لأن الغلول فيها يجحف بحق الفقراء وأهل الحاجة، أو يضر ذلك أصناف الخلق، وسائرُ الأموال ليس كذا.
وقيل: إنما جاء الوعيد في هذا أنهم كانوا أهل نفاق، يستحلون الغلول في الغنيمة والأخذ منها، وهذا كأنه أشبه.
وعن ابن عباس - - قال: بعث [رسول الله] جيشاً فغلوا رأس ذهب؛ فنزلت [الآية]: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ .
وعن ابن عباس - - أيضاً - قال: فُقِدَتْ قطيفة حمراء يوم بدر مما أصيب من المشركين؛ فقال الناس: لعل رسول الله أخذها لنفسه؛ فأنزل الله - -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ : قل: أفمن لم يغل، ولم يأخذ من الغنيمة شيئاً - كمن غلَّ وأخذ منها؟!
ليسا سواء؛ رجع أحدهما برضوان الله، والآخر بسخطه.
ويحتمل: ﴿ أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ ﴾ : أفمن أطاع الله واتبع أمره، كمن عصى الله واتبع هواه؟!
ليسا بسواء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ : والدرجات - والله أعلم -: ما يقصدوها أهلها.
والدركات: ما تدركهم من غير أن يقصدوها؛ كالدرك في العقود يدرك من غير قصد.
وقيل: الدرجات: ما يعلو.
والدركات: ما يَسْفُل، والله أعلم.
فهذا في التسمية المعروفة أنْ سُمِّيَتِ النار دركات والجنة درجات، وحقيقة ذلك واحد، والآية تدل على الأمرين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ : وجه المنة فيما بعث الرسل عليهم من البشر، ولم يرسلهم من الملائكة ولا من الجن - وجوه: أحدها: أن كل جوهر يألف بجوهره، وينضم إليه ما لم يألف بجوهر غيره، ولا ينضم إلى جنس آخر، فإذا كان كذلك، والرسل إنما بعثوا لتأليف قلوب الخلق وجمعهم، والدعاء إلى دين يوجب الجمع بينهم، ويدفع الاختلاف من بينهم - فإذا كان ما وصفنا بُعِثُوا من جوهرهم وجنسهم؛ ليألفوا بهم وينضموا إليهم، والله أعلم.
والثاني: أن الرسل لا بدّ لهم من أن يقيموا آيات وبراهين لرسالتهم، فإذا كانوا من غير جوهرهم وجنسهم لا يظهر لهم الآيات والبراهين؛ لما يقع عندهم أنهم إنما يأتون ذلك بطباعهم دون أن يأتوها بغير إعطائهم إياها ذلك.
والثالث: أن ليس في وسع البشر معرفة غير جوهرهم وغير جنسهم من نحو الملائكة والجن؛ ألا ترى أن البشر لا يرونهم؟!
فإذا كان كذلك بُعِثُوا منهم؛ ليعرفوهم ولتظهر لهم الحجة، والله أعلم.
ثم المنة الثانية: حيث بعثهم من نسبهم وجنسهم وحَسَبهم لم يبعثهم من غيرهم؛ وذلك أنهم إذا بعثوا من غير قبيلهم وجنسهم لم يظهر لهم صدقهم ولا أمانتهم فيما ادعوا من الرسالة، فبعثهم منهم؛ ليظهر صدقهم وأمانتهم، لَمَّا ظهر صدقهم وأمانتهم في غير ذلك؛ فيدلّ ذلك لهم أنهم لما لم يكذبوا بشيء قط ولا خانوا في أمانة - لا يكذبون على الله .
والثاني: أنهم إ ذا كانوا من غير نسبهم فلعلهم إذا أتوا بآية أو براهين يقولون: إنما كان ذلك بتعليم من أحد، واختلاف إلى أحد ممن يفتعل بمثل هذا، بعثهم الله منهم؛ ليعلموا أنهم إذا لم يتعلموا من أحد، ولا اختلفوا فيه - أنهم إنما علموا ذلك بالله - - لا بأحد من البشر، والله أعلم.
ألا ترى أن ما أتى به موسى - صلوات الله عليه - من الآيات من نحو: العصا، واليد البيضاء وغير ذلك لو كان سحراً في الحقيقة لكان من أعظم آيات رسالته: لأنه لم يعرف أنه اختلف إلى أحد في تعلم السحر قط، وقد نشأ بين أظهرهم، فكيف ولم يكن سحراً؟!
فدل أن لله على خلقه منة عظيمة؛ فيما بعث الرسل من نسبهم وقرابتهم، وومن نشأ بين أظهرهم لمعنى الذي وصفنا، والله أعلم.
وقيل: قوله: ﴿ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: من العرب معروف النسب أميّاً؛ ليعلموا أنه إنما أتى به ما أتى سماويّاً وَحْياً، وألا يرتابوا في رسالته وفيما يقوله، كقوله: ﴿ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴾ الآية [العنكبوت: 48].
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ﴾ : يحتمل: إعلام رسالته ونبوته، ويحتمل الآيات الحجج والبراهين، هما واحد، ويحتمل: آيات القرآن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ : يحتمل: التزكية من الزكاء النماء، وهو أن أظهر ذكرهم، وأفشى شرفهم ومذاهبهم؛ حتى صاروا أئمة يذكرون ويقتدون بهم بعد موتهم؛ قكوله - -: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾ : أظهره ولم يُخمل ذكرهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ أي: أخفاها وأخملها؟!
ويحتمل: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ ، أي: يطهرهم بالتوحيد، وقيل: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ ، أي: يأخذ منهم الزكاة؛ ليطهرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ أن ينصرف إلى وجوه، وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ﴾ : وقد ذكرنا الضلال أنه يتوجه إلى وجوه: إلى الهلاك، وإلى الحيرة، وإلى خمول الذكر وغيره.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ ﴾ : يوم أحد؛ حيث قتل منكم سبعون.
﴿ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا ﴾ يوم بدر: قتلتم سبعين وأسرتم سبعين.
وقيل: إن ذلك كله يوم أحد كانت الدائرة والهزيمة على المشتركين في البداية، ثم هُزِم المؤمنون، يقول: إن أصابكم في آخره ما أصاب، فقد أصابهم - أيضاً - مثلاها؛ بذكر هذا لهم - والله أعلم - على التسلي بما أصيبوا؛ لتسلى ذلك عنهم، أو يذكرهم نعمَهُ عليهم بما أصيب المشركون مثلي ذلك؛ ليشكروا له عليها، وليعلموا أنهم لم يُخَصُّوا هم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ : كأنه يعاتبهم - والله أعلم - بقولهم: ﴿ أَنَّىٰ هَـٰذَا ﴾ ؛ فقال ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ : يعاتبهم بتركهم الاشتغال بالتوبة عما ارتكبوا من عصيان ربهم، والخلاف لنبيهم ؛ إذ مثل ذلك الكلام لا يكون إلا ممن كان متبرئاً عن ارتكاب المنهي والخلافِ لأمره، فأما من كان من ارتكاب المناهي والخلاف لربه؛ فلا يسع ذلك أو كان ما أصابهم إنما أصاب محنة منه، ولله أن يمتحن عباده بأنواع المحن على يدي من شاء؛ إذ كلهم عبيده، فعاتبهم لما لم يعرفوا محنه، و ﴿ قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا ﴾ ، ونحن مسلمون [نقاتل] في سبيل الله، وهم مشركون؟!
فقال: ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ ، يقول: بمعصيتكم الرسولَ ، وبترككم ما أمركم به من حفظ المركز وغيره؛ كقوله: ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾ .
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله - -: ﴿ قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا ﴾ : يخرج إن كان من أهل النفاق مخرج الاستهزاء، أي: لو كان ما يقول محمد من النصر له والرسالة حقّاً؛ فمن اين بُلي بهذا؟!
وذلك كقولهم: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ﴾ ، وقولهم يوم الخندق: ﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ ، وغير ذلك مما عليه معتمدهم في إظهار الإسلام، والله أعلم.
وإن كان ذلك من أهل الإيمان فهو سؤال تعريف الوجه الذي بلوا به، وهم أنصار دين الله، وقد وعد لأنصار دينه النصر، وإن الذي ينصره الله لا يغلبه شيء، وكان قد وُعِدوا إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، أو يما كانوا رأوا الدَّبْرَةَ عليهم والهزيمة من الأعداء، فيقولون: بم انقلب علينا الأمر؛ فبين أنه بما قد عصوا ومالوا عن الله، وإن كان ذلك عن بعضهم لا عن كلهم: فجائز ذلك بحق المحنة؛ إذ قد يجوز الابتداء به مع ما يكون ذلك عن المعاصي أزجر، وللاجتماع على الطاعة أدعى؛ إذ المحنة بمثله تدعو كلاً إلى اتقاء الخلاف، ومنع إخوانه - أيضاً - عن ذلك؛ فيكون به التآلف وصلاح ذات البين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ : من النصر والهزيمة، ولكن ما أصابكم إنما أصاب بمعصيتكم ربكم، وخلافكم رسوله ، أو أصابكم؛ محنة منه إياكم.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ﴾ : جمع المؤمنين، وجمع المشركين.
﴿ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ : قيل: فبمشيئة الله وإرادته، وقيل: ﴿ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ : فبتخلية الله إياكم لما لعلهم رأوا النصر والغلبة بالكثرة، أو بالقوة والعدة؛ فخلاهم الله بينهم وبين عدوهم؛ ليعلموا أن أمثالهم مع قتلهم وضعفهم لا ينتصرون من أمثال أولئك مع كثرة عددهم، وقوّة أبدانهم، وعدتهم في سلاحهم، ولكن بالله ينتصرون منهم، ويتغلبون عليهم.
وقيل: ﴿ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ : بعلم الله، أي: يعلم الله ما يصيبكم من خير أو شرّ، ليس عن سهو وغفلة منه يصيبكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ ﴾ : كما ذكرنا فيما تقدم؛ ليعلم ما قد علم أنهم يؤمنون، ويصبرون على البلايا والقتال مؤمنين صابرين محتسبين؛ وكذلك ليعلم ما قد علم أنهم ينافقون، ويصيرون منافقين، غير صابرين، ولا محتسبين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ ﴾ : قوله: ﴿ أَوِ ٱدْفَعُواْ ﴾ : يحتمل: ﴿ أَوِ ٱدْفَعُواْ ﴾ ، أي: كثّروا السواد؛ لأن المشركين إذا رأوا سواد المؤمنين [كثيراً] يُرْهبهم ذلك ويخوفهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ .
ويحتمل: أو ادفعوا العدو عن أنفسكم؛ لما لعلهم يقصدون أنفس المؤمنين المقاتلين، أو ادفعوا عن أموالكم وذراريكم ويقصدون ذلك، أو ادفعوا عن دينكم إذا قصدوا دينكم، وقد يقصدون ذلك، أو أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ ﴾ - واحداً، أي: قاتلوا في سبيل الله وادفعوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ ﴾ يعني: المنافقين، قيل: قال المنافقون الذين تخلفوا في المدينة لرسول الله ، وقيل: قال ذلك غيرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ : يعني: المنافقين، أخبر أنهم إلى الكفر أقرب من الإيمان للكفر وإلى الكفر من الكفر، كل ذلك لغة، وفي حرف حفصة: هم "إلى الكفر أقرب"، وتأويله - والله أعلم -: أن المنافقين كانوا لا يعرفون الله - عز وجل - ولا كانوا يعبدونه؛ فإنما هم عباد النعمة، يمليون إلى حيث مالت النعمة: إن كانت مع المؤمنين؛ فيظهرون من أنفسهم الوفاق لهم، وإن كانت مع المشركين فمعهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ...
﴾ الآية [النساء: 141]، وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...
﴾ الآية [الحج: 11]، وأما الكفار: فإنهم كانوا يعرفون الله، لكنهم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان لوجهين: أحدهما: لما اتخذوها أرباباً.
والثاني: يطلبون بذلك تقربهم إلى الله زلفي؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، لكنهم إذا أصابتهم الشدة، ولم يروا فيما عبدوا الفرج عن ذلك - فزعوا إلى الله عز وجل، كقوله - -: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ ، فإذا ذهب ذلك عنهم عادوا إلى دينهم الأول، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ﴾ الآية [الزمر: 8]، وأمّا المؤمنون: فهم في جميع أحوالهم: في حال الرخاء والشدة، والضراء والسراء - مخلصون لله صابرون على مصائبهم وشدائدهم قائلون: ﴿ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ : يحتمل هذا وجوهاً: قيل: إنما كانوا كذا؛ لأنهم كانوا يقولون للمؤمنين: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ ﴾ وإن كان للكافرين نصيب قالوا: ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : ذكروا كونهم مع المؤمنين، وذكروا في الكافرين استحواذهم عليهم، ومنعهم من المؤمنين؛ فذلك آية الأقرب منهم.
ويحتمل: أقرب منهم للإيمان؛ لأن ما أظهروا من الإيمان كذب، والكفر نفسه كذب؛ فما أظهروا من الإيمان فهو كذب إلى الكذب الذي هم عليه أقرب، وهو الكفر.
وعن ابن عباس - -: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ ، قال: "هم يومئذ يسرون الكفر، ويظهرون الإيمان، وسرّ العبد أولى من علانيته، وفعله أولى من قوله".
﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ : وهو قولهم، وقيل: هم منهم أقرب؛ لأنهم كانوا في الحقيقة كفاراً على دينهم.
وفي قوله - -: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ - يحتمل الذم، وقيل: كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا ﴾ ؛ فيكون الوصف بالقرب على الوقوع والوجوب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ، أي: هي لهم - وبالله التوفيق - وذلك لأنهم كانوا أهل نفاق، والكفر لم يكن يفارق قلوبهم، وما كان من إيمانهم كان يظاهر اللسان، [ثم] قد يفارقها في أكثر أوقاتهم، والله أعلم.
وقد يكون على القرب من حيث كانوا شاكّين في الأمر، والشاك في أمر الكفر والإيمان تارك للإيمان؛ إذ حقيقته تصديقٌ عن معرفة، ولم يكن لهم معرفة، والكفر قد يكون بالتكذيب؛ كأن له بما يكذب علم بالكذب أولاً؛ فلذلك كان الكفر أقرب إليهم، ويحتمل: أقرب إليهم: أولى بهم، وهم به أحق أن يعرفوا؛ بما جعل الله لهم من إعلام ذلك في لحن القول، ثم في أفعال الخير، ثمّ في أحوال الجهاد، ومما يظهر منهم من آثار الكفر في الأقوال والأفعال مما جاء به القرآن، والله أعلم.
فإن قيل في قوله: ﴿ أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ -: كيف عم هؤلاء بالعقوبة، وإنما كان العصيان والخلاف في الأمر من بعضهم لا من الكل، قيل: لما خرج لهم ذلك مخرج الامتحان والابتلاء، لا مخرج الجزاء لفعلهم، ولله أن يمتحن عباده ابتداء بأنواع المحن من غير أن يسبق منهم خلاف في الأمر أو عصيان، وكل عقوبة خرجت مخرج جزاء عصيان أو خلاف في أمر - لم يؤاخذ غيرُ مرتكبها؛ لقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ ، وما خرج مخرج الامتحان جاز أن يعمهم؛ لما ذكرنا أن له ابتداء امتحان، أو إن كان ما كان منهم بمعونة غيرهم؛ فعمهم لذلك بذلك، كقُطّاع الطريق وكسُرّاق أن تعمهم العقوبة جميعاً: مَنْ أخذ ومن لم يأخذ، ومن تولى ومن لم يتولَّ؛ فكذلك هذا، أو كانوا جميعاً كنفس واحدة؛ فعمهم بذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ ﴾ قيل: لأخوانهم في الدين، ومعارفهم من المنافقين: ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا ﴾ ولم يخرجوا إلى الجهاد ﴿ مَا قُتِلُوا ﴾ .
وقيل: لأخوانهم في النسب والقرابة، وليسوا بإخوانهم في الدين والولاية؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً ﴾ ليس بأخيهم في الدين [ولا] في الولاية؛ ولكن كان أخاهم في النسب والقرابة.
﴿ لَوْ أَطَاعُونَا ﴾ وقعدوا عن الخروج في الجهاد ﴿ مَا قُتِلُوا ﴾ في الغزو.
ثم قال - عز وجل - لنبيّه أن قل لهم: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ ﴾ أي: ادفعوا عن أنفسكم الموت ﴿ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ بأنهم لو قعدوا في بيوتهم ما قتلوا؛ فمعناه - والله أعلم -: أن من قتل في سبيل الله فمكتوب ذلك عليه، ومن مات في بيته فمكتوب ذلك عليه، فإذا لم تقدروا دفع ما كتب عليكم من الموت؛ كيف زعمتم أنهم لو قعدوا ما قتلوا، وهو مكتوب عليهم كالموت؟!.
وهذه الآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إن من قتل مات قبل أجله، أو قبل أن يستوفي أجله؛ فهم واليهود فيما أنكر الله عليهم قولهم لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا - سواءٌ بقوله: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً ﴾ : قيل فيه بوجوه: قيل: إن المنافقين قالوا للذين قتلوا بأُحُدٍ وببَدْرٍ: إنهم ماتوا؛ فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ بأحد وبدر ﴿ أَمْوَاتاً ﴾ كسائر الموتى؛ بل هم أحياء عند ربهم.
وقيل: قالوا: إن من قتل لا يحيا أبداً ولا يبعث؛ فقال - عز وجل -: بل يحيون ويبعثون كما يحيا ويبعث غيرهم من الموتى.
وقيل: إن العرب كانت تمسي الميت: مَنْ انقطع ذكره إذا مات ولم يذكر، أي: لم يَبْقَ له أحد يُذْكر به؛ فقالوا: إذا قتل هؤلاء ماتوا، أي: لا يذكرون؛ فأخبر الله - عز وجل - أنهم مذكورون في الملأ: ملأ الملائكة، وملأ البشر، وهو الظاهر المعروف في الخلق أن الشهداء مذكورون عندهم.
وقيل: قوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ أي: يُجْرِي أعمالهم بعد قتلهم، كما كان يُجْري في حال حياتهم، فهم كالأحياء فيما يجري لهم ثواب أعمالهم وجزائهم، ليسوا بأموات.
وقيل: إن حياتهم حياة كلفة؛ وذلك أنهم أمروا بإحياء أنفسهم في الآخرة؛ ففعل المؤمنون ذلك: أحيوا أنفسهم في الآخرة؛ فسموا أحياء لذلك، والكفار لم يحيوا أنفسهم بل أماتوها؛ فسمى أولئك أحياء، والكفار موتى.
وقيل: سمى هؤلاء أحياء؛ لأنهم انتفعوا بحياتهم، وسمى الكفار أمواتاً؛ لما لم ينتفعوا بحياتهم.
ألا ترى أنه - عز وجل - سماهم مرة ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ ؛ لما لم ينتفعوا بسمعهم ولا ببصرهم ولا بلسانهم، ولم يسم بذلك المؤمنين؛ لما انتفعوا بذلك كله؟!
فعلى ذلك سمى هؤلاء أحياء؛ لما انتفعوا بحياتهم، وأولئك الكفرةَ موتى؛ لما لم ينتفعوا بحياتهم، والله أعلم.
وقال الحسن: إن أرواح المؤمنين يعرضون على الجنان، وأرواح الكفار على النار؛ فيكون لأرواح الشهداء فضل لذة ما لا يكون لأرواح غيرهم من المؤمنين ذلك، ويكون لأرواح آل فرعون فضل ألم وشدة ما لا يكون لأرواح غيرهم من الكفرة ذلك؛ فاستوجبوا بفضل اللذة على غيرهم اسمَ الحياة.
ألا ترى أنه قال - -: ﴿ يُرْزَقُونَ ﴾ : فيها، ﴿ فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
وقيل: إن الناس كانوا يقولون فيما بينهم: من قتل بـ"بدر" وأحد مات فلان ومات فلان؛ فقال الله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ : روي عن مسروق، قال: "سألت عبد الله بن مسعود - - عن هذه الآية: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية؛ قال: سألت عن ذلك رسول الله ؛ فقال: أَرْوَاحُهُمْ عِنْدَ اللهِ فِي حَواصِلٍ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِي أَيِّها شَاءَتْ ثُمَّ تَأوِي إِلَى قَنَادِيلِهَا..." والحديث طويل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ...
﴾ الآية: عن ابن عباس - - قال: "تَنْزِلُ عَلَيْهِم صُحُفٌ مَكْتُوبٌ فِيْهَا مَنْ يَلْحَقُ بِهِمْ مِنَ الشُّهَدَاءِ؛ فَبِذَلِك يَسْتَبْشِرُون".
وقيل: "يستبشرون" لإخوانهم الذين فارقوهم على دينهم وأمرهم؛ بما قَدِموا عليه من الكرامة والفضل والنعم، الذي أعطاهم الله.
وقيل: "يستبشرون"، يعني: يفرحون ﴿ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ ﴾ ، يعني: من بعدهم من إخوانهم في الدنيا: رأوا قتالا؛ استشهدوا؛ فلحقوا.
وقيل: ﴿ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ ﴾ : الذين يدخلون في الإسلام من بعدهم.
والاستبشار: هو الفرح أو طلب البشارة؛ كأنهم طلبوا البشارة لقومهم؛ ليعلموا بكرامتهم عند الله ومنزلتهم؛ كقول من قال: ﴿ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ ﴾ .
وقيل: إن الحياة على ضربين: حياة الطبيعي، وحياة العَرَضِيّ، وكذلك الموت على وجهين: موت الطبيعي، وموت العرضي، ثم حياة العرضي على وجوه: أحدها: حياة الدِّين والطاعة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ ﴾ .
وحياة العلم والبصيرة واليقظة، يسمي العالِم حيّاً، والجاهل ميتاً.
وحياة الزينة والشرف، على ما سمى الله - - الأرض ميتة في حال يبوستها، وحية: في حال خروج النبات منها بقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا ﴾ .
وحياة الذكر واللذة؛ فجائز أن يكون الله - - لما أخبر أنهم أحياء عند ربهم أن يكون لهم حياة من أحد الوجوه التي ذكرنا.
حياة ذكر ولذة، أو حياة زينة وشرف، أو حياة العلم لهم بأهل الدنيا على ما كان لهم قبل ذلك، أو حياة دين وعبادة، أو يُجري عليهم أعمالهم على ما كان لهم قبل الشهادة، وإن كانت أجسادهم في الحقيقة ميتة في أحكام الدنيا عند أهل الدّنيا، وهذا يقوي قولنا في المرتد: إنه أذا لحق بدار الحرب يحكم في نفسه وماله بحكم الموتى في قسمة المواريث، وقضاء الديون وغيرها، وإن كان هو في الحقيقة حيّاً على ما حكم في أموال الشهداء وأنفسهم بحكم الموتى في حكم الدنيا؛ لما لا يعودون إلى الدنيا، وإن كانوا عند ربّهم أحياء؛ فعلى ذلك يحكم في نفس المرتد وأمواله بحكم الموتى؛ لما لا يعود إلى دارنا، وإن كان هو في الحقيقة حيّاً عند الله لما جاز أن يكون حيّاً عند الله، ميتاً عندنا، وجاز أن يكون ميتاً عندنا حيّاً عند الله، والله أعلم.
وحياة الطبيعي: هو حياة جوهر، وما به يقوم النفس، وموت الطبيعي هو هلاكه، وفوته [والله أعلم].
وموت العرضي: هو جهله؛ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ ﴾ : يحتمل ﴿ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ ﴾ أي: بدين من الله؛ كقوله - -: ﴿ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ ، وقيل: بدينه، ويحتمل: ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ : الجنة، ﴿ وَفَضْلٍ ﴾ : زيادات لهم وكرامات من الله، عز وجل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : أي: لا يضيع من حسناتهم وخيراتهم وإن قل وصغر؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ [وكقوله - عز وجل -]: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ ، كقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ...
﴾ الآية.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ : قيل: أجابوا الله - عز وجل - والرسول إلى ما دعاهم إليه، وأطاعوا فيما أمرهم به من بعد ما أصابهم القرح،، أي: الجراحة.
قيل: دعاهم إلى بدر الصغرى بعد ما أصابهم بأحد القروح والجراحات؛ فأجابوه، فذلك قوله - -: ﴿ ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ...
﴾ الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ ﴾ : في الإجابة له بعدما أصابتهم الجراحة، وشهدوا القتال معه.
﴿ وَٱتَّقَواْ ﴾ : الخلاف له، وترك الإجابة، ويحتمل: اتقوا النار وعقوبته.
﴿ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ : في الحنة وثواب جزيل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ...
﴾ الآية: قيل: إن المنافقين قالوا لأصحاب رسول الله بعد ما انهزم كفار مكة وولوا أدبرهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ ، يخوفونهم؛ حتى لا يتبعوهم على أثرهم، فذلك عادتهم لم تزل؛ كقوله - -: ﴿ مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ﴾ أي: فساداً.
وقيل: إنه إنما قال ذلك لهم رجل يقال لهم: نعيم بن مسعود، ولا ندري كيف كانت القصة؟.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ : لما وجدوا الأمر على ما قال لهم رسول الله ووعد لهم، لا على ما قال أولئك؛ فزادهم ذلك إيماناً، أي: تصديقاً.
زادهم: قيل: جراءة وقوة وصلابة على ما كانوا من قبل في الحرب والقتال، ويحتمل: زادهم ذلك في أيمانهم قوة وصلابة وتصديقاً.
وقيل: قوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ ، أي: تصديقاً ويقيناً بجرأتهم على عدوهم، ويقينهم بربهم، واستجابتهم لنبيهم .
فإن قال قائل: ما معنى قوله - وتعالى -: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ على أثر قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ ، وقول ذلك قول لا يحتمل أن يزيد الإيمان، وليس كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً ﴾ ؛ لأنها حجج، والحجج تزيد التصديق، أو تحدث، أو تدعوا إلى الثبات على ذلك؛ فيزيد الإيمان؛ فقولهم: اخشوهم، كيف يزيد؟
قيل: يخرج ذلك - والله أعلم - على وجوه: أحدها: أنهم إذا علموا أنهم أهل النفاق، وأنهم يخوفون بذلك، وقد كان وعدهم رسول الله بصنيعهم، فكذبوهم بذلك، وأقبلوا نحو أمر رسول الله صلى الله عليه سلم إجابة لأمره؛ وتصديقاً بوعده، ومجانبة لاغترارهم بأخبار أعدائه والنزول على قولهم؛ فكان ذلك منهم - عند ذلك - زائداً في إيمانهم مع ما في تكذيبهم؛ ذلك نحو قوله - عز وجل: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ...
﴾ الآية: إنه إذا زاد بتكذيب آيات الله رجساً؛ فمثله تكذيب المكذب بالآيات؛ لذلك يزيد إيماناً، والله أعلم.
والثاني: أن يكون رسول الله أخبرهم بتفرق أعداء الله، وتشتت أمرهم، وأخبرهم المنافقون بالاجتماع؛ فصاروا إلى ما نعتهم به رسول الله ؛ فوجدوا الأمر على ما قال [رسول الله ]، وذلك من أنباء الغيب، [والإنباء عن الغيب] من أعظم آيات النبوة؛ فزادهم ذلك إيماناً، والله أعلم، وذلك، قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
والثالث: لم لما يغتروا بقول المنافقين، ولا قصدوا لذلك، ولا ضعفوا؛ فأنزل الله - - سكينته على قلوبهم؛ ليزيد لهم بذلك إيماناً؛ كقوله - -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ...
﴾ الآية [الفتح: 4]، وبالله التوفيق.
ثم معنى زيادة الإيمان بتخرج على وجوه: أحدها: بحق الابتداء في حادث الوقت؛ إذ له حكم التجدد في حق الأفعال بما هو للكفر به تارك؛ وعلى ذلك قوله - -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ الآية [النساء: 136]، فيكون ذلك بحق الزيادة على ما مضى، وإن كان بحق التجدد في حق الحادث والفرد.
والثاني: أن يكون له الثبات عليه؛ إذ حجج الشيء توجب لزومه، والدوام عليه؛ فسمى ذلك زيادة.
ويحتمل: أن يكون يزداد له في أمره بصيرة، وعلى ما رغب فيه إقبالاً، ولحوقه مراعاة؛ فيكون في ذلك زيادة في قوته أو في نوره، أو بزينته وتمامه، وذلك أمر معروف.
ويحتمل: أن يكون ذلك داع إلى محافظة حقوق، والتمسك بأدلته، والوفاء بشرائطه؛ فيزيد ذلك فضله؛ كما عدت صلاة واحدة في التحقيق ألفاً؛ بما في ذلك من حفظ الحقوق ومراعاتها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ ﴾ : فزعوا إلى الله - - بما رأوا من صدق وعد رسول الله لهم وظهور كذب قول المنافقين: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ...
﴾ الآية، أو قالوا ذلك عند قول المنافقين إياهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ ؛ فوضوا أمرهم [إلى الله ]، وسلموا لما رأوا النصر منه؛ رضاء منهم بكل ما يصيبهم، كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ : مدحهم الله - عز وجل - بما رأوا أنفسهم لله؛ فكذلك هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ .
أي: ذو منّ عظيم، يدفع المشركين عن المؤمنين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ ﴾ .
يحتمل النعمة: [نعمة الدين]، على ما ذكرنا.
وقيل: انقبلوا بنصر من الله والغنيمة، ويحتمل: النعمة من الله: الأمن من العدو؛ لأن المنافقين كانوا يخوفونهم بقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ ، ويحتمل: النعمة: الجنة، وفضلَ الزيادة على ذلك.
وقيل: انصرفوا بأجر من الله وفضل، وهو ما تشوقوا به من الشوق: ﴿ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ ﴾ ولا قتل، ولا هزيمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ رِضْوَانَ ٱللَّهِ ﴾ أي: اتبعوا العمل الذي به رضوان الله، ورضاء رسوله .
وقيلأ: اتبعوا طاعته ورضاه.
ويحتمل قوله: ﴿ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ ﴾ : الزيادة في الإيمان، وهو الصلابة والقوة فيه.
وقوله: ﴿ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ ﴾ : مما كانوا يخوفونهم بقوله: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ .
ويحتمل قوله - -: ﴿ فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: رجعوا بمحمد، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ ﴾ يخوف أولياءه وأعداءه، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياؤه يخافونه؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ : ومن لم يتبع، لكن من اتبع الذكر كان يقبل إنذاره، ومن لم يتبع الذكر لا؛ وإلا [فإنه] كان ينذر الفريقين جميعاً؛ فعلى ذلك الشيطان كان يخوف أولياءه وأعداءه جميعاً، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياءه يخافونه.
ويحتمل قوله: ﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ ، أي: بأوليائه، وجائز هذا في الكلام؛ كقوله: ﴿ وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ ﴾ ، أي: بيوم الجمع؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ ، أي: بأوليائه، والله أعلم.
وعن ابن عباس - -: يخفوكم أولياءه، وهذا يؤيد تأويل من يتأول: يخوف بأوليائه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ أي: لا تخافوه لمخالفتكم إياه، ﴿ وَخَافُونِ ﴾ ، أي: خافوا مخالفتكم أمري؛ كقوله: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ أخبر أنْ ليس له سلطان على الذين آمنوا؛ إنما سلطانه على الذين يتولونه؛ لذلك قال: لا تخافوه؛ لما ليس له عليكم سلطان، وخافون؛ لما [لي] عليكم سلطان، وبالله العصمة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ ﴾ يحتمل الآية وجهين: يحتمل: ولا يحزنك الذين ظاهروا غيرهم من المشركين عليكم، وقد ظاهر أهل مكة غيرهم من المشركين على رسول الله فيقول الله لرسوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ مظاهرتهم عليك؛ فإن الله ينصرك؛ فيخرج هذا مخرج البشارة له بالنصر على أعدائه والغلبة عليهم.
ويحتمل - أيضاً - وجهاً آخر: وهو أن رسول الله كان يشتد عليه كفرهم بالله، ويحزن لذلك، كقوله - -: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ فيخرج قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ مخرجَ تَسْكينِ الحزن، ودفْعِهِ عنه، والتسلِّي عن ذلك، لا مخرج النهي؛ إذ الحزن يأخذ الإنسان، ويأتيه من غير تكلف ولا صنع، وكقوله - -: ﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ﴾ : هو على مخرج التسكين والدفع عنه، لا على النهي؛ فكذلك الأول - والله أعلم - وكقوله - - لأم موسى - -: ﴿ وَلاَ تَحْزَنِيۤ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ، أي: لن يضروا أولياء الله - عز وجل - إنما ضرر ذلك عليهم؛ كقوله - -: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ؛ لأنه ليس لله في فعلهم وعملهم نفع، ولا في ترك ذلك عليه ضرر؛ إنما المنفعة في عملهم لهم، والضرر في ترك عملهم عليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ : هذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأن الله - - يقول: أراد ألا يجعل لهم في الآخرة حظاً؛ المعتزلة يقولون: بل أراد أن يجعل لهم حظّاً في الآخرة؛ إذ يقولون: أراد لهم الإيمان، وبالإيمان يكون لهم الحظ في الآخرة، فثبت بالآية أنه لم يكن أراد لهم الإيمان، والآية في قوم خاص علم الله - - أنه لا يؤمنون أبداً؛ فأراد ألا يجعل لهم حظّاً في الآخرة، ولو كان على ما تقوله المعتزلة؛ بأنه أراد أن يجعل لهم حظّاً في الآخرة - لما أراد لهم أن يؤمنوا، ولكن لم يؤمنوا لكان حاصل قولهم: أراد الله ألا يجعل لمن أراد يؤمن في الآخرة، وذلك جور عندهم، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ : وذكر مرة: ﴿ أَلِيمٌ ﴾ ومرة: ﴿ شَدِيدٌ ﴾ ؛ لأن التعذيب بالنار أشد العذاب في الشاهد وأعظمه؛ لذلك أوعد بها في الغائب، وجعل شرابهم وطعامهم ولباسهم منها، فنعوذ بالله من ذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ ﴾ : قد ذكرنا تأويل هذا فيما تقدم.
﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ما ذكرنا أنه على الوجهين اللذين وصفتهما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ ﴾ الآية: اختلف في قراءتها، قرأ بعضهم بالياء: وبعضهم بالتاء: فمن قرأ بالتاء صرف الخطاب إلى رسول الله ، فقال: لا تحسبن يا محمد أنما نملي لهم خير لهم؛ إنما نملي لهم ليزدادوا شرّاً.
ومن قرأ بالياء: صرف الخطاب إلى الكفرة، فقال: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ﴾ يكون خيراً لهم؛ بل إنما نملي لهم ليكون شرّاً وإثماً لهم؛ فالآية على المعتزلة، لكنهم تأولوا بوجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: "ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما؛، إنما نملي لهم خير لأنفسهم"؛ فيقال [لهم]: لو جاز جعل الآية وصرفها على ما حملتم عليه وصرفتم إليه، جاز حمل جميع الآيات التي فيها وعد للمؤمنين، وصرفها إلى الكافرين، وما كان فيها وعيد للكافرين إلى المؤمنين؛ إذ لا فرق بين هذا وبين جعلكم الخير مكان الإثم، والإثمَ مكان الخير، وبين جعل الوعد في موضع الوعيد، والوعيد في موضع الوعد.
والوجه الثاني: قالوا: أخبر الله - - عما يئول أمرهم في العاقبة، لا أن كان في الابتداء كذلك؛ كقوله - -: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ ، ومعلوم أنهم لم يلتقطوا ليكون لهم عدواً وحزناً؛ ولكن إخبار عما آل أمره في العاقبة أن صار لهم عدواً وحزناً؛ وكذلك يقال للرجل: سرقت لتقطع، وقتلت لتقتل، وهو لم يسرق ليقطع، ولا قتل ليقتل؛ ولكن إخبار عما آل أمره وحاله في العاقبة؛ فكذلك هذا، لكن الإخبار عما يئول الأمر يخرج مخرج التنبيه عن السهو والغفلة في الابتداء، فالله - وتعالى - يتعالى عن ذلك؛ فخرج ذلك مخرج التحقيق في الابتداء، لا مخرج الإخبار عما يئول الأمر في العاقبة، وبالله التوفيق.
والثاني: أن من أراد أمراً يعلم أنه لا يكون فهو لجهل يريد ذلك أو لعبث، فالله - - يتعالى عن الجهل بالعواقب، أو العبث في الفعل؛ دلَّ أنه كان على ما أراد، لا ما لم يرد، ولو كان الله - وتعالى - لا يفعل بخلقه إلا ما هو أصلح لهم في الدِّين وأَخْيَرُ - لم يكن لنهي رسول الله عن الإعجاب بما أعطى الكفرة من الأموال والأولاد بقوله - وتعالى -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ...
﴾ الآية؛ دلّ أنه قد يعطي ما ليس [هو] بأصلح في الدين ولا أَخْيَرَ، والله أعلم.
وقال الشيخ - رحمه الله -: في قوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً ﴾ ، وقولهِ - -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا...
﴾ الآية [التوبة: 55] وقوله - -: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 55-56\] ونحو ذلك من الآيات - فيها وجهان على المعتزلة: أحدهما: قولهم في الأصلح: إن الله - - لو فعل بالخلق شيئاً غيرُهُ أصلحُ لهم في الدين في حال المحنة - كان ذلك جَوْراً، ومعلوم أن الفعل بهم؛ ليزدادوا إثماً لا يبلغ في الصلاح في الدّين الفعلَ بهم؛ ليزدادوا به برّاً، ومعلوم أنه لو كان كذلك لم يكن ليجوز أن يحذر رسوله عن ذلك، فيقول: لا يعجبك كذا؛ فكأنه قال: لا يعجبك الذي هو صلاح في الدّين، ثم يؤكد ذلك بأنه جعل لهم ذلك ليعذبهم بها، ثم شهد على من حسب ما حسبته المعتزلة بأنهم لا يشعرون؛ فكان ذلك شهادة منه - عز وجل - على كل من وافق رأيُهُ رأيَ أولئك الكفرة: أنهم لا يشعرون، ومعلوم أن الجبابرة والفراعنة لو لم يجعل الله - - لهم تلك الحواشي والملك والقوة لم يكن ليجترئوا على دعوى الربوبية، ويبلغوا في المآثم ما بلغوا؛ فيكون فوت ذلك أصلح لهم في الدين، وقد قال الله - -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...
﴾ الآية [الزخرف: 33]، ثم كان معلوماً أنه إذا كان بما يجعل ذلك للفكرة يكفرون، فلو جعل للمؤمنين يؤمنون، ثم يجعل كذلك، [والله أعلم].
وأيّد ذلك قوله - -: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا...
﴾ الآية [التوبة: 55].
والثاني: أن الإرادة إذ هي صفة لكل فاعل مختار في الحقيقة، وقد أخبر لأي وجه أعطى؛ ثبت أنه أراد ذلك مع ما كان المتعالم من فعل كل أحد لا يخرج على ما أراده ولا يبلغ به ما لو فعل أنه يكون على جهل أو سفه.
فالأول: يكون فعله على ظن أن يكون ذلك فلا يكون.
والثاني: إذا علم ألا يكون؛ فيكون له به عابثاً سفيهاً، جلّ الله - - عن الوجهين، ثبت أن فعله لما علم أنه يكون لا لغيره ليلحقه به وصف جهل أو سفه؛ وبهما سقوط الربوبية.
ثم وجهت المعتزلة الآية إلى وجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير بمعنى: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملي خير لأنفسهم.
وذلك فاسد لوجهين: أحدهما: لو كان جعل الخير شرّاً والشرّ خيراً بالتأويل، وصرف الآية على سياقها ونظمها - لجاز ذلك في كل وعد ووعيد، وأمر ونهي، وتحليل وتحريم؛ فيصير كل أمور الدنيا مقلوباً.
والثاني: أنه لو كان كذلك لكان يجب أن يعجب به رسول الله ؛ إذ على كل ذلك معجباً، ولكانوا فيما حسبوا أن ذلك ضرب لهم - يشعرون، لا ألا يشعرون، مع ما قيل: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ﴾ بالياء في بعض القراءة، ومتى كان يحسب الكفرة ذلك شرّاً حتى يعاتبوا على الحسبان؟!
والله الموفق.
والثاني: قالوا ذلك خبر عما يئول الأمر إليه؛ كقوله - -: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ ، وهم لا لذلك التقطوا، وكمن يقول للسارق: سرقت لتقطع يدك، وكما يقال: [من الوفر] ...
...
...
...
*** لدوا للموت وابنوا للخراب والذي قالوه إنما هو تنبيه وإيقاظ لقوم لا يذكرون عواقب الأمور، فيحرصون عليها عن غفلة بالعواقب، فأمّا الله - وتعالى - فمحال أن يكون أمره على ذلك ليكون فيما يذكره ذلك؛ ألا ترى أن أحداً لا يقول: ولدت للموت، أو بنيْتُ للخراب؛ لأنه لا لذلك يفعل، وإن كان إليه يئول، وإنما قول الواعظ لهم بما ذكرت؛ كذلك بطل هذا، وأمر قوم فرعون لم يقل: ليكون لهم عندهم؛ إنما هو ليكون لهم عند الله ، وبما أراد الله، وكان كذلك، ولا قوة إلا بالله.
وقد بيّنا ما في الحكمة تحقيقه من طريق الاعتبار - ولا قوة إلا بالله - والأصل في ذلك أن الله - - عالم بمن يؤثر عداوته ويعاند آياته، فإرادته ألا يكون منه ذلك حاجة إليه في موالاته، أو إيجاب غلبة عليه في بعض ما يريد، جل الله عن هذا الوصف.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ﴾ : قيل فيه بوجوه: قيل: لا يترك الله المؤمنين على ما أنتم عليه أيها المنافقون؛ ولكن يمتحنكم بالجهاد وبأنواع المحن؛ ليظهر المنافق لهم من المؤمن.
وقيل: ليظهر الكافر لهم من المؤمن المصدق.
وقيل: فيه بوجه آخر: وذلك أن المنافقين كانوا يطعنون لأصحاب رسول الله ويستهزئون بهم سرّاً؛ فقال الله - عز وجل -: لا يدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الطعن فيهم؛ والاستهزاء بهم؛ ولكن يمتحنكم بأنواع المحن؛ لتفتضحوا وليظهر نفاقكم عندهم.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن قوله: ﴿ مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ﴾ ، أي: لا يدع المؤمنين على ما أنتم عليه من النفاق والكفر في دار واحدة؛ ولكن يجعل لكم داراً أخرى يميمز فيها الخبث من الطيب.
[يجعل الخبيث في النار، والطيب في الجنة؛ كقوله - عز وجل -: { لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ] وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ } الآية [الأنفال: 37].
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ ﴾ : قيل فيه بوجهين: قيل: إنهم كانوا يقولون: لا نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي الأنبياء؛ كقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ ﴾ ؛ ومثل قوله: ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ ﴾ إلا من اجتباه لوحيه، وجعله موضعاً لرسالته، أي: لا يجعلكم رسلاً؛ إذ علم الغيب آية من آيات رسالته، والله أعلم.
وقيل: إن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء، فيسترقون؛ فيأتون بأخبارها إلى الكهنة قبل أن يبعث رسول الله ، ثم إن الكهنة يخبرون بها غيرهم من الكفرة؛ فأنزل الله : ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ ﴾ : بعدما بعث رسول الله نبيّاً، كما كنتم تطلعون على أخبار السماء قبل بعثه.
﴿ وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: يصطفي من يشاء، فيجعله رسولاً، فيوحي إليه ذلك، أي: ليس الوحي من السماء إلى غير الأنبياء، عليهم السلام.
ويحتمل قوله - -: ﴿ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، أي: لا يُطْلِعُ أحداً منكم على الغيب إلا من اجتباه منكم لرسالته.
ويحتمل [قوله]: ﴿ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، أي: لا ينسخ شرائعه وأحكامه برسول آخر؛ نحو ما بَيْن موسى إلى عيسى - عليهما السلام - ولكنه إن كان فيما بينهما نبي لم يجعل له أحكاماً سوى أحكام موسى - - أبقى تلك الأحكام والشرائع؛ وكذلك ما بين عيسى إلى محمد - عليهما الصلاة والسلام - فاجتبى هؤلاء؛ لإبقاء شرائعهم وأحكامهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ : ظاهر ﴿ وَإِن تُؤْمِنُواْ ﴾ : برسله كلهم.
﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ : المعاصي.
﴿ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ويحتمل: ﴿ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ الشرك [فلكم أجر عظيم].
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: [ ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ ﴾ أوتوا العلم بالكتاب أن ما يؤتون من المال، وينالون من النيل بكتمان بعث محمد وصفته وتحريفهما - أن ذلك] خير لهم.
﴿ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ﴾ في الدنيا والآخرة، ولو لم يكتموا كان خيراً لهم في الدنيا ذكراً وشرفاً، وفي الآخرة ثواباً وجزاء.
وقيل: نزلت في مانعي الزكاة؛ بخلاً منهم وشحاً؛ فذلك وعيد لهم.
والأوّل أشبه، والله أعلم.
وإن كان في الزكاة - قيل: الجحود بها؛ كقوله - -: ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ : فإن كان على التأويل الأول من كتمان نعته وصفته؛ فهو - والله أعلم - يطوق ذلك في عنقه يوم القيامة؛ ليعرفه كل أحد؛ كقوله - عز وجل: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾ .
وإن كان على التأويل الثاني - قيل: إن الزكاة التي منعها تصير حية ذكراً شجاعاً أقرع ذو ذنبتين، يعني: نابين؛ فيطوق بها في عنقه، فتنهشه بنابيها؛ فيتقيها بذراعيه، حتى يقضي بين الناس، فلا يزال معه حتى يساق إلى النار، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : في الآية دلالة أن أهل السماوات يموتون، ليس على ما يقوله القرامطة: إنهم لا يموتون؛ لأنه أخبر أن له ميراث السماوات والأرض، والوارث هو الذي يخلف المورِّث؛ دلّ أنه مما ذكرنا، وإن كانوا هم وجميع ما في أيديهم لله - عز وجل - ملكاً له وعبيداً؛ ألا ترى أنه روي في الخبر: "لاَ يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ، وَلاَ المُسْلِمُ الكَافِرَ، إِلاَّ المَوْلَى مِنْ عَبْدِهِ" سمى ما يكون للمولى من عبده ميراثاً، وإن كان العبد وما في يده ملكاً للمولى: فعلى ذلك الأوّل: سمى الله - عز وجل - ذلك ميراثاً له، وإن كان عبيده وما في أيديهم ملكاً له، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله -: [وقوله - ] -: ﴿ وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : وكانت له لا بحق الميراث؛ لوجهين: أحدهما: على الإخبار عن ذهاب أهلها، وبقائه - عز وجل - دائماً؛ إذ ذلك وصف المواريث أن تكون لمن له البقاء بعد فناء من تقدم، والله - عز وجل - هو الباقي بعد فناء الكل، مما يجوز القول بما هو له في الحقيقة من قبله بالميراث؛ من حيث مَلَّكَ غيره الانتفاع بذلك؛ وعلى ذلك المروي عن رسول الله أنه قال: "لاَ يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ، وَلاَ المُسْلِمُ الكَافِرَ، إِلاَّ المَوْلَى مِنْ عَبْدِهِ" ، وليس ذلك في الحقيقة ميراثاً، إذ كان له في حال حياته؛ ولكن كان ولاية الانتفاع به فزال؛ وعلى مثل هذا وراثة المسلمين الجنة، لا على انتقال من غيرهم إليهم، ولكن على بقائهم فيها، وحصول أمرها لهم، أو على وراثة ما لو كان من لم يؤمن آمن، وما ادعوا أنها لهم بقولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ ، فاصرت ميراثاً لغيرهم ما ادعوا أنها لهم، والله أعلم.
والثاني: أن يعلم كل بالموت حقيقتها أنها له فأضيفت إليه بالميراث عنهم؛ كما قال - -: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ ، ﴿ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، والمرجع ونحو ذلك من غير غيبة عنه، ولكن ما يعلم كل إذ ذاك ذلك؛ وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ ، وهو في الحقيقة كل يوم له، ولا قوة إلا بالله.
وفي الذكر والإخبار أنها له ميراث - تحريض على الإنفاق والتزود؛ إذ هي في الحقيقة لغير أهلها؛ وإنما لهم ما ينفقون ويتزودون دون ما يمسكون، وفيه منع الإمساك؛ وذلك كقوله - -: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [الحديد: 10].
﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ : وعيد منه - عزَّ وجلَّ - إياهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ﴾ : قيل: لما نزلت: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً...
﴾ الآية [البقرة: 245]، قالت اليهود: ربكم يستقرض منكم ونحن أغنياء.
وليس في الآية بيان أن ذلك القول إنما قاله اليهود أو غيرهم من الكفرة، ولكن فيه أنهم قالوا ذلك؛ فلا ندري من قال ذلك، ولا يجوز أن يشار إلى أحد بعينه إلا ببيان، ثم يحتمل ذلك القول منهم وجوهاً: يحتمل أن يكون قال ذلك أوائلهم؛ على ما قال في قتل الأنبياء - عليهم السلام - وهؤلاء لم يَقْتُلُوا؛ ولكن إنما قتلهم أوائلهم، أضيف ذلك إليهم؛ رضاء منهم بصنيعهم؛ فعلى ذلك القول الذي قالوا يحتمل ما ذكرنا.
ويحتمل أن يكون هؤلاء قالوا ذلك بحضرة أصحاب رسول الله وبمشهدهم، أو قالوا ذلك في سر.
فإن قال ذلك أوائلهم؛ فإنه يحتمل وجهين: يحتمل أن يكون الله - - أعلم ذلك رسولَهُ ؛ تصبيراً منه إياه وتسكيناً؛ ليصبر على أذى الكفار؛ حيث قالوا في الله ما قالوا فكيف فيه؟!
[والله أعلم ويحتمل أن يكون ذلك ليكون [ذلك] آية من أيات رسالته.
وإن كانوا قالوا ذلك بحضرة أصحابه ؛ ففيه - أيضاً - وجهان: أحدهما: ما ذكرنا من التسكين والتصبير على أذاهم.
والثاني: ليعلموا أن جميع ما يقولون محفوظ عليهم؛ ليس بغائب عنه، ولا غافل عنه؛ كقوله - -: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ...
﴾ الآية [إبراهيم: 42]، لكنه يؤخر ذلك إلى وقت.
وإن كانوا قالوا ذلك سرّاً؛ ففيه - أيضاً - وجهان: أحدهما: ما ذكرنا أن يكون آية من آيات النبوة؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله، على علم منهم أنه لم يكن فيما بينهم من يُنْهِي الخبرَ إليه.
والثاني: خرج على التعزية له والتصبير على أذاهم.
ثم معنى قوله - - ﴿ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ ، و ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ - يحتمل وجهين: أحدهما: لئلا يمنوا على الفقراء بما يتصدقون عليهم؛ إذ يعلمون أنه ليس بفقير ولا محتاج ليستقرض لفقره ولحاجته، وكل من أقرض آخر لا لحاجة له في ذلك القرض ولا فقر؛ ولكن ليكون ماله عنده محفوظاً في الشاهد - فإنه لا يَمُنّ المُقْرِضُ عليه؛ بل تكون المنة للذي عنده القرض على المُقْرِض؛ حيث يحفظ ماله في السفاتج؛ فعلى ذلك المال الذي يقرضون ويتصدقون على الفقراء، يكون محفوظاً عند الله ليوم حاجتهم إليه؛ فلا منة تكون على الفقير، والله أعلم.
والثاني: إنباء عن جوده وكرمه؛ لأن العبد وما في ديه له، فلو أراد أن يأخذ جميع ما في يده لكان له ذلك، ثم يطلب منه ببدل يضاعف على ذلك.
والثالث: أن المولى في الشاهد إذا طلب [من عبده] القرض؛ يكون في ذلك شرف للعبد وعظم؛ فعلى ذلك الله - - إذا طلب من عبده القرض، على علم منه في أنه غني بذاته، لا يجب أن يبخل عليه، وفي ذلك شرفه وعظمه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ ﴾ ، قال أهل التفسير: قالت اليهود، وذلك تنبيه بصنيعهم وشدة سفههم؛ حتى زعموا أن يد الله مغلولة، لكن ليس في الآية بيان القائلين، ولا في النسبة إلى أحد تقع سوى خوف الكذب؛ لو لم يكن ذلك منه، لكنهم قالوه، والأغلب على مثله أن يكونوا قالوه سرّاً، يكون في إظهاره آية الرسالة، أو كانت الأوائل يقولون فيكون في ذلك ذلك؛ إذ لا يحتمل أن يُصْبَرَ لمثله: يقال بحضرة الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - إلا أن يكون في وقت أمروا بالكف؛ فيكون في ذلك بيان قدر طاعتهم لله، مع عظيم ما سمعوا من القول، وجملة ذلك أن في ذكر ذلك دعاء إلى الصبر على أذاهم وسوء قولهم؛ إذ هم مع تقلبهم في نعم الله - - وعلمهم بأنهم لم ينالوا خيراً إلا بالله - - أجترءوا عليه بمثل هذا القول، وبلغ عُتُوُّهُم هذا، والله - جل ثناؤه - مع قدرته وسلطانه يَحْلُمُ عنهم ليومٍ وعدهم فيه الجزاء؛ فمن ليس منه إليهم نعمة ولا تقدم عليهم منه كثير منة - أحق بالصبر لأذاهم، وإعراض عن مكافأتهم؛ وعلى ذلك قوله - -: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ...
﴾ الآية [الجاثية: 14]، وقال [الله لرسوله] : ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل: ﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ ﴾ : قيل: سنجزيهم جزاء ما قالوا، وقيل: سنحفظ ما قالوا، وسنثبت، وسألزم، كقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ : قد ذكرنا هذا فيما تقدم أنه يحتمل: إذ قتل أوائِلُهم؛ فأضيف إليهم لرضائهم بفعلهم؛ كقوله - - ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ ؛ لرضاه بقتله.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله: ﴿ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ ، والأنبياء - عليهم السلام - لا يرتكبون ما يجب به قتلُهم؛ كقوله - -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ...
﴾ الآية [الأحزاب: 57]، أطلق القول فيه من غير ذكر اكتساب شيء يستوجب به ذلك، وشرط في المؤمنين اكتساب ما يستوجبون به؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ...
﴾ الآية [الأحزاب: 58]، فكيف ذكر ههنا - القتل بغير حق، وهم لا يكتسبون [ما] يستوجبون به القتل؟!
قيل: يحتمل قوله: بغير حق، أي: بغير حاجة؛ لأنهم كانوا يقتلون بلا منفعة تكون لهم في قتلهم؛ على ما قيل: إنهم كانوا يقتلون كذا كذا نبيّاً، ثم يهيج لهم سوق؛ فإذا كان كذلك يحتمل قوله: ﴿ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ ، أي: بغير حاجة؛ كقول لوط - -: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ فقالوا: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ ، أي: من حاجة، والله أعلم.
ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ ﴾ ، أي: قصدوا قصد قتل رسول الله ؛ فكأنْ قد قتلوه، أو قتلوا أصحابه - م - فأضيف إليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ﴾ : أي: المُحْرِق، وقد ذكرنا هذا.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ : ذكر الأيدي؛ لما بالأيدي يقدم، وإن لم يكن هذا مقدماً باليد في الحقيقة؛ وكذلك ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ لما باليد يكتسب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ ﴾ : قيل: إنهم لما دعوا إلى الإسلام - يعني -: اليهود - قالوا: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ ﴾ ، وكان ذلك آية في بني إسرائيل؛ فسأل اليهود من.
[نبينا] محمد ذلك.
وقيل: كان مِنْ قبلنا، في الأمم الخالية ذلك؛ فسألوا من رسول الله ذلك، ولكن لم يكن القربان من آيات النبوة والرسالة إن كان؛ فهو من آيات التقوى؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ كان القربان من آيات التقوى؛ ألا ترى أنه قال: يا محمد ﴿ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ ﴾ يعنى: القربان؛ ﴿ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي: إن كان ذلك من آيات النبوة، لم قتلتم الأنبياء أتوا به؟!
أو لِمَ قَتَلَ أوائِلُكُم الأنبياءَ؛ إذ أتوا بالقربان، ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ : أنه من آيات النبوة، أو ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ : أنه عهد إليكم ألا تؤمنوا به حتى يأتي بقربان، والله أعلم.
وفي قوله - عز وجل -: أيضاً -: ﴿ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ - فهو، والله أعلم، ادَّعَوْا أن أوائلهم ادَّعَوُا الذي ذكروا من العهد، وهم تَبِعُوا أولئك، فعرَّفهم صُنْعَ من بدعواهم احتجوا؛ ليكون لهم فيه آيةٌ، أما تكذيبهم بما احتجوا بوصية المتقدمين في ذلك، فَبَطَل عذرهم؛ إذ هم قتلوهم؛ فلا يجوز تصديقهم على العهد الذي ادعوا وذلك صنيعهم، أو يقروا أنهم أُخْبِروا بالعهد من غير أن كان كذباً وباطلاً؛ فبطل حجاجهم.
على أن في الآية: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، فجعل ذلك آية التُّقَى لا آية النبوة.
والأصل فيه: أنا لما عرفنا آيات الرسل - عليهم السلام - لا يُذكر فيها القرابين؛ ثبت أن هذا الذي ادعوا ليس هو بعهد جاء به الرسل - عليهم السلام - ولكنه حِيَلُ السفهاء بتلقين الشياطين وَوَحْيِهِم؛ لذلك لم يجب الذي ذكروا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ ﴾ : يا محمد في القول، وما جئت من آيات تدل وَتُوَضِّحُ أنك رسول الله، وأنك صادق في قولك.
﴿ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ يعزي نبيه - عليه الصلاة والسلام - ويصبِّره؛ ليصبر على أذاهم وتكذيبهم إياه؛ كما صبر أولئك على أذاهم وتكذيبهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ...
﴾ الآية [الأحقاف: 35].
وفي قوله - - أيضاً -: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ وجوه: أحدها: أن يصبِّره على ذلك بما له فيه أجر أن صبروا، على عظم ذلك عليهم؛ وذلك قوله : ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ .
والثاني: على رفع العذر عنه في ترك الإبلاغ؛ فإن ذلك لم يمنع من تقدمه.
والثالث: على الأنبياء أنهم أصحاب تقليد في التكذيب، لا أن يكذبوا من محنة وظهور؛ فذلك أقل للتأذي، ولتوهم الارتياب في الأنبياء؛ ليستيقن من حضره، وصدقه - أن ذلك منهم على الاعتناد والتقليد دون المحنة والظهور، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ : قد ذكرناها فيما تقدم في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلزُّبُرِ ﴾ : قيل: أحاديث الأنبياء - عليهم السلام - من قبلهم بالنبوة على ما يكون.
وقيل: الزبر: هي الكتب، أي: جاءوا بالبينات والزبر، يعني: الكتب.
﴿ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ ﴾ : قيل: الزبر والكتاب واحد.
وقيل: ﴿ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ ﴾ : هو الذي فيه الحلال والحرام، والأحكام المكتوبة عليهم.
والمنير: هو الذي أنار قلب كل من تمسَّك بالهدى؛ كما قيل في الفرقان أنه يفصل ويفرق بين الحق والباطل، والله أعلم.
وتسمى كتب الله كلها فرقاناً ومنيراً؛ بما تفرق بين الحق والباطل، وتبين السبيلين جميعاً، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ﴾ : فيه دلائل: أحدها: دليل إثبات الرسالة؛ لأنه ليس في العقل ألا تبقى هذه الأنفس أبداً، ولا تدوم، ولا فيه آثار فنائها وموتها، ثم وجود العلم من كل منهم بالموت، والتسليم له، والإقرار منهم أن كل نفس تموت - يدل أنهم إنما عرفوا ذلك وأيقنوا به من خبر السماء بالوحي، والله أعلم.
ثم إن كل حي يتلذذ بحياته، وحُبِّب ذلك إليه، ويتكرّه الموت ويبغضه؛ دل أن هذا العالم لم يكن بالطباع، ولكن كان بغيره؛ لما يتلذذ طبع كل منهم بالحياة، ويتكره بالموت ويتنغص به؛ إذ لو كان به: لكان يختار ما يتلذذ به، ويدفع ما يتكره به؛ فدلَّ أن غيراً فَعَلَ ذلك وخلق؛ لما ذكر: ﴿ خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ ﴾ الآية [الملك: 2]؛ وفي ذلك بطلان قول أصحاب الطبائع.
وأيضاً: أن كل نفس يجتمع فيها الطبائع المختلفة المتضادة، التي من طبعها التنافر - لم يجز أن يكون بنفسه تجتمع؛ دل أن له جامعاً.
وأيضا: إن كان العالَم لو كان بنفسه وطبعه لاختار كلٌّ لنفسه أحوالاً: أحسنَ الأحوال وألذها؛ فيبطل به الشرور والقبائح؛ فدلَّ وجود ذلك على كونه بغيره.
ثم فيه أن ذلك الغير - الذي كان به العالم - واحدٌ لا عدد؛ إذ لو كان بعدد لم يحتمل وجود العالم على الطبائع المختلفة والهمم المتفرقة: لما جَمَعَ هذا فَرَّقَ الآخر، وما أثبت هذا نفي الآخر، وفي ذلك فساد الرُّبوبية؛ فدلَّ وجوده على ما ذكرنا: أنه واحد لا عدد؛ فاتسق تدبيره ونفذ أمره، مع ما كان الأمر المعتاد بين الملوك في الشاهد: أن من فعل هذا نقض الآخر، وما رام هذا إيجادَهُ يريد الآخر إعدامَهُ، وما أبقى هذا أراد الآخر إفناءه؛ وفي ذلك تناقض وتناف؛ فدلَّ الوجود على أن الذي به كان - واحد لا عدد، ثم يحتمل على الاصطلاح منهم؛ لأنه يدلُّ على العجز والجهل: أن العجز والجهل هو الذي حملهم على الاصطلاح، والعاجز والجاهل لا يَصْلُحُ أن يكون إلهاً وربّاً، وبالله التوفيق.
ثم الدلالة على حكمته وعلمه: ما لم يُعَايَنْ شَيءٌ وَلاَ يَشَاهَدْ إلا وفيه حكمة عجيبة؛ ودلالة بديعة مما يَعْجَزُ الحكماء عن إدراك مائيته، وكيفية خروجه على ما خرج، وعلم كل أحد منهم بتصور علمه على ما عنده من الحكمة، والعلم عن إدراك كُنّهِ ذلك فيما ذكرنا، وخروجُ الفعل متقناً محكماً - دلالةُ حكمةِ مبدعه وخالقه، وبالله التوفيق.
ثم الدلالة أنه لم يخلق الخلق للفناء خاصَّة؛ ولكن خلق للعواقب: يتأمَّل ويرجى ويخاف ويحذر - خروج فعل كل أحد في الشاهد من الحكمة إذا بني للفناء والنقض، فإذا كان الحكمة التي هي جزء يُخرج فعلَهُ عن الحكمة؛ إذا كان ذلك للفناء والهلاك خاصَّة؛ فخروج الكل عن ذلك لذلك أحرى وأولى أن يكون سفها لا حكمة، والله الموفق.
قال: دلت طمأنينة القلوب بموت كل نفس، وترك حكماء البشر الاحتيال - في دفعه، على ما ليس في الجوهر دليله، ولا في العقل امتناعه - أنه عرف ذلك بمن له التدبير فيها بالوحي إليه؛ وفي ذلك إيجاب القول بالرسل، ثم دل قهر جميع الحكماء به على حب الحياة إليهم، وبغض الموت عندهم - على خروج جميع الأحياء عن تدبيرهم، وفي خروجهم خروج الأموات؛ إذ هم تحت تدبير الأحياء.
ثم في طمأنينة كل قلب على الموت دلالةُ التدبير للواحد؛ إذ لو كان لأكثر لَجُوز التمانع وإبطال الوارد من الحيّ؛ وفي ذلك ارتياب، مع ما كانت كل نفس تحت أمور تقهرها، وتحوجها إلى أمور تعلم أن مدبِّرها هيأها على ذلك وطَبَعَهَا، وأنه العليم بما به صلاحها وقوامها وإليه حاجتها، وعلى ذلك جبلها؛ ليظهر عظيم حكمته وتعاليه عن الشرك في التدبير، أو المعونة في التقدير.
ثم لا يحتمل نشوء مثله على ما جرى عليه من حكمته في موت كُلٍّ - أنه كان للموت أنشأ لا لغير؛ إذ تدبيرُ فعلٍ واحد للفناء خاصَّة من حكمة البشر - يُخْرج عن معنى الحكمة، ويدلُّ على قصور صاحب ذلك وسفهه؛ فجملة العالم الذي كانت حكمة الحكماء جزءاً منها، وعقل العقلاء بعضاً منها - أحق وأولى؛ فثبت أنها أُنْشِئَتْ ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، ويوم تجزى كل نفس بما كسبت، وذلك قوله - -: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ﴾ الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ لما ذكرنا أنهم لها خلقوا - أعني: الآخرة - للجزاء والثواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ ﴾ : قيل: بُعِّدَ ونُحِّيَ عنها.
﴿ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ : قيل: فاز: نجا، وقيل: سَعِدَ، وقيل: الفائز: السابق، وقيل: فاز: غنم.
وأصل الفوز: النجاة، أي: نجا مما يخاف ويحذر، ويظفر بما يتأمَّل ويرجو.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ ﴾ : حياة الدنيا للدنيا غرور؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَٰدِ ﴾ حياة الدنيا للدنيا لعب ولهو وغرور، وللآخرة: ليست بلعب ولا لهو ولا غرور.
وأصل الغرور: هو أن يتراءى الشيء في ظاهره حسناً مموهاً؛ يغتر بها كل ناظر إليها ظاهراً، فإذا نظر في باطنها وجدها قاتلة مهلكة، نعوذ بالله من الاغترار بها.
وقيل: الحياة الدنيا - على ما عند أولئك الكفرة - لعب ولهو، وعند المؤمنين حكمة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ : يحتمل الابتلاء في الأموال والأنفس: أن يُبْلَوْا بالنقصان فيها؛ كقوله - عزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ...
﴾ الآية [البقرة: 155].
ويحتمل: أن يُبْلَوْا بما جعل فيها من العبادات، [من نحو: الزكاة في الأموال والصدقات والحقوق التي جعل فيها، وفي الأنفس: من العبادات]: من الصلاة والجهاد والحج، وغيرها من العبادات، و الله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ : يعني: الذين لهم علم بالكتاب ومن غيرهم.
﴿ أَذًى كَثِيراً ﴾ [أي: تسمعون أنتم من هؤلاء أذى كثيراً، على ما سمع إخوانكم الذين كانوا من قبلكم من أقوامهم أذى كثيراً]؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ ﴾ : على أذاهم.
﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ : مكافأتهم، على ما صبر أولئك واتقوا مكافأتهم.
﴿ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ : قيل: من خير الأمور؛ هذا يحتمل.
وقيل: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ من قولهم: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ ﴾ ، يعني: العرب، ﴿ أَذًى كَثِيراً ﴾ ، يعني: نصب الحروب فيما بينهم، والقتال، والسب وغير ذلك، ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ ﴾ : على ذلك والطاعة له، ﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ : معاصي الربِّ، ﴿ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ :، يعني: من حزم الأمور.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ : أي: الذين أوتوا العلم بالكتاب، وأَخَذَ الميثاق؛ ليبينوا، أي: يُبَيِّنُوا للناس ما في الكتاب من الأمر والنهي، وما يحل وما يحرم، وغير ذلك من الأحكام، ولا يكتموا ذلك.
ويحتمل: أن أخذ عليهم الميثاق: أنْ بَيَّنُوا للناس بَعْثَ محمد وصِفَتَهُ، ولا تكتموه بالتحريف وبترك البيان.
وقوله: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ أي: لم يعملوا بما فيه، ولا بينوا للناس؛ فهو كالمنبوذ وراء ظهروهم.
﴿ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً...
﴾ الآية: قد ذكرنا معناه في غير موضع.
وعن علي - - قال: "ما أخذ الله ميثاقاً على أهل الجهل بطلب العلم، حتى أخذ ميثاقاً من أهل العلم ببيان العلم؛ لأن العلم كان قبل الجهل".
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ ﴾ : قيل: بما غيَّروا من نعت محمد وصفته في كتابهم وكتموه، وتبديلهم الكتاب، وإعجاب الناس ذلك وحمدهم على ذلك.
وقيل: إن اليهود دخلوا على رسول الله ، فقالوا: نحن نعرفك ونصدقك - وليس ذلك في قلوبهم - فلما خرجوا من عند [رسول الله] قال لهم المسلمون: ما صنعتم؟
فيقولون: عرفناه وصدقناه؛ فيقول المسلمون: أحسنتم، بارك الله فيكم: يحمدهم المسلمون على ما أظهروا من الإيمان، وهم يحبون أن يحمدوا على ذلك؛ فذلك تأويل قوله: ﴿ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ ﴾ .
وقيل: إنهم قالوا: نحن أهل الكتاب الأول والعلم، وأهل الصلاة والزكاة.
ولم يكونوا كذلك، وأحبُّوا أن يحمدوا على ذلك، والله أعلم بالقصَِّة.
وفي قوله - عز وجل أيضاً -: ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ...
﴾ الآية - دلّ ما ذم الله عباده، وأوعدهم عليه أليم عقابه فيما أحبُّوا الحمد على ما لم يفعلوا - على الربِّ عن قول المعتزلة في قولهم: ليس لله في الإيمان تدبير سوى الأمر، ولا صُنْعٌ، وقد أحبَّ أن يحمد عليه بقوله - عز وجل -: ﴿ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، بقوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ ، وقولهِ - -: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ في غير موضع من القرآن، ولا قوة إلا بالله.
<div class="verse-tafsir"
قال الله - -: ﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ : امتدح - جل ثناؤه - بإدخال كلية الأشياء تحت قدرته، وبه خَوَّفَ من عاند نعمته، وأطمع من خضع له عظيم ثوابه؛ فلئن جاز إخراج شيء تحت القدرة عن قدرته، لاضمحل الخوفُ عما خوَّفَهُ، والرجاءُ فيما أطمعه؛ إذ لم يظهر على ذلك قدرته إلا بقوله: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، وما لا صنع لأحد في شيء إلا بأقداره، ومحال أن يقدر على ما لا يقدر هو عليه، أو يزول به قدرته؛ لما فيه ما ذكرت؛ فلذلك قلنا في بطلان قول المعتزلة بإخراج أفعال صنع الخلق عن قدرة الله، وامتناعه عن تدبيره، ولا قوة إلا بالله.
قال الله - عز جل -: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...
﴾ إلى قوله - عز وجل -: ﴿ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ : نقول - وبالله نستعين -: أخبر الله - - أن فيما ذكر آيات لمن ذكر، ومعلوم أن الآيات إنما احتيج إليها لمعرفة أمور غابت عن الحواس، يوصل إليها بالتأمُّل والبحث عن الوجوه التي لها جعلت تلك الأشياء المحسوسة، التي يغني من له اللبّ دخولها تحت الحواس - عن تكلف العلم بها بالتدبير، بل علم الحواس هو علم الضرورات وأوائل علوم البشر الذي منه يرتقي إلى درجات العلوم؛ فيلزم طلب ذلك؛ فيبطل به قول من قال: العلوم كلها ضرورات لا تقع بالأسباب، ولا يلزم الخطاب دون تولي الرب إنشاءَ العلم في القلوب بحقيقه ما فيه الخطاب؛ إذ ذلك يرفع حق الطلب، ويستوفي فيه الموصوف باللبِّ وغير الموصوف، والمتفكر في الأمر وغير المتفكر، وقد قال الله - -: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [آل عمران: 191]، وفي ذلك دليل أن المقصود مما أظهر ليس هو ما أظهر، إذ لزم التفكر بالذي أظهر؛ ليوصل به إلى العلم بالذي له أنشأ الذي أظهر، ويعلم ما جعل في الذي دليله وعلمه، وهذا لكل أنواع العلوم أن منها ظاهراً مستغنيا بظهوره عن الطلب، وخفيّاً يطلب بما له في الذي ظهر من أثر ينبئ عنه التأمل، والله أعلم.
وفي ذلك دليل لزوم التوحيد باللبِّ؛ إذ صيرها آيات لمن له ذلك، وأوَّل درجات الآيات أن يُعَرف منشئها وجاعلها آيات، والله أعلم.
ثم دلَّ اتصال منافع السماء والأرض على تباعد ما بينهما، حتى قام بها وحي جميع من درب على وجه الأرض وانتفع بشيء، ثم في إيصال الليل بالنهار في منافع كل حي على تضادِّ ما بينهما؛ حتى صارا كالشكيلين، والسماء والأرض كالقرينين - على أن منشئ ذلك كله واحد، وأنه لو اختلف الإنشاء لتناقض التدبير، وبَطَلَ وجوه النفع، وأن الذي أنشأ ذلك علم كيف يدبر لاتصال المنافع واجتماعها بغيرها، على اختلافِ مابينها، وأنه حكيم وضع كل شيء على ما لو تدبر الحكماء فيه - لم يكن يُعْرَفُ اتصالٌ أقرب في المنافع على اختلاف في الجواهر، وتضاد في الأحوال - أبلغَ من ذلك؛ بل تقصر حكمتهم عن الإحاطة بوجه الحكمة، أو الظفر بطرف منها، إلا بمعونة مَنْ دَبَّرَ ذلك ، وذلك هو الدليل على قدرته وعلو سلطانه؛ إذ سخر ذلك كلها لبذل ما فيها من المنافع لمن جعلها له، وجعل لبعض على بعض سلطاناً وقهراً؛ ليُعْلَمَ أن التدبير يرجع إلى غير ذلك، ويُعْلَمَ أن من قَدَرَ على ذلك، وعلم قبل خلق المنتفعين بما خلق على أيِّ تدبير [يخلق ذلك، وبأيِّ وجه يصل كل خلق في ذلك إلى منافعه بها، وما الذي سوى معاشهم، وعلى أيِّ تدبير] دلهم عليه - لقادر على إعادة مثله، والزيادة منه على أنواع ذلك؛ إذ كل أمر له حق الابتداء - كان ذلك أبعد عن التدبير مما له حق الاحتذاء بغيره أو الإعادة، مع ما كان في إعادة الليل والنهار، وجعل كُلٍّ من ذلك [كالذي] مضى، وإن كان الذي مضى - مرة - دلالة كافية للبعث والقدرة عليه، والله الموفق.
ومنها: أنها جعلت على تدبير يُعَرِّفُ صَاحِبَهَا ومُنْشِئَهَا، وأنه دبرها على ما فيها من وجوه الحكمة التي صارت الحكمة جزءاً منها، وفنون العلم التي تنال بالتأمل فيها، مما يوضح أن الذي أبرمها حكيم عليم، مع ما فيها من آثار الإحكام والإتقان الكافية في الإنباء عن الإنشاء للحكمة، وأن الذي أبدع ذلك ليس بعابث ولا سفيه.
ثم معلوم أن الفعل للهلاك والفناء غيرُ داخل في الحكمة؛ ثبت أن ذلك غير مقصود؛ فصار المقصود من ذلك وجهاً يبقى؛ فثبت أن مع هذه داراً أخرى تبقى، فهي المقصود، وجعلت بحق الجزاء؛ وفي ذلك لزوم المحنة والقول بالرسالة؛ ليعلم بالوحي كيفية وجوه المحنة مع ما لم يخل شيء من أن يكون فيه آثار النعمة، من غير أن كان منه ما يستحق ذلك؛ فثبت أنه في حق الابتداء، ولازمٌ شكر المنعم في العقول؛ فيجب به وجهان: أحدهما: القول بالرسل؛ لبيان وجوه الشكر؛ إذ النعم مختلفة، وأصل الشكر يتفاضل على قدر المنعمين؛ وكذلك النعم تتفاضل على قدر تفاضل متوليها، لا بد من بيان ذلك ممن يعرف حقيقة مقادير النعم، وجلالة حق المنعم، وبالله التوفيق.
فكان فيها آيات الرسالة والتوحيد، وحكمته وقدرته وعلمه وجلاله عن الأشباه والشركاء، وبها جل عن احتمال الشرك في صنعه، أو الشبه في فعله على أن كلِّيَّةَ كُلِّ مَنْ سواه تحت القدرة، وهو المتعالي عن ذلك.
وفيه دلالة البعث؛ لما ذكرت، ولما إذ لزم الشكر بما ذكرت - لزمت عقوبة الكفران، وقد يخرج المعروف به سليماً غريقاً في النعم، وفي الحكمة والعقل عقوبته - لزم أن يكون ثَمَّ دارٌ أخرى، مع ما كان خلق الخلق، لا لمن يعرف الحكمة من السفه، والولاية من العداوة، والخير من الشر، والرغبة من الرهبة، لا معنى له بما فيه تضييع الحكمة، وجمع بين الذي حقه التفريق في الحكمة والعقل، وذلك آية السفه، ومحال كونه ممن الحكمة صفته والعدل نعته؛ فلزم [به] خلق الممتحن بالذي ذكرت؛ فصار جميع الخلائق للمحن.
ثم لا بدَّ من ترغيب و ترهيب؛ إذ على مثله جُبِل محتملو المحن؛ فلزم به القول بالدار الأخرى، وهو البعث؛ ليكون إحداهما بحق ابتداء النعم، والأخرى: بحق استحقاق الجزاء، وإن كان لله التكليف بلا، جزاء سابق النعم، ولا قوة إلا بالله.
والمعاقبة واجبة في الحكمة للجفاء والكفران، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ وقيل: [بمفازة، أي: بنجاة من العذاب، وهو ما ذكرنا من الفوز أنه نجاة على ما يخاف ويحذر، أي: ليسوا هم بنجاة] من العذاب، بل لهم عذاب أليم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ : يشبه - والله أعلم - أن يكون هذا جواباً لقولهم: ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ﴾ أي: كيف جاز نسبة الفقر إليه والحاجة، وله ملك ما في السماوات وما في الأرض؟!
ونسبة الغنى إلى أنفسكم، وأنتم عبيده وإماؤه، وما في يد العبد يكون لمولاه؟!.
أون أن يكون جواباً لقولهم: ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً ﴾ أي: كيف يجوز أن يتخذ ولداً، وله ملك ما في السماوات وما في الأرض، كلهم عبيده وإماؤه؟!
والولد في الشاهد إنما يُتَّخَذُ لأحد وجوه ثلاثة: إمَّا لوحشة أصابته فيستأنس به، أو لحاجة تبدو له فيُدْفع به، أو لقهر وغلبة يخاف من عدوٍّ؛ فيستنصر به على أعدائه، ويرث ملكه إذا مات.
فإذا كان الله له ملك السماوات والأرض وتعالى عن أن يصيبه شيء من ذلك؛ كيف جاز لكم أن تقولوا: اتخذ ولداً؟!
وإن كان الخلق كلهم عبيده وإماءه، وأنتم لا تتخذون الأولاد من عبيدكم وإمائكم؛ كيف زعمتم أنه اتخذ ولداً من عبيده؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ : وهذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لا يقدر على خلق فعل العبد، وعلى قولهم: غير قادر على أكثر الأشياء، وهو قد أخبر أنه على كل شيء قدير.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ : في الآية وجوه.
أحدها: أنه خلق السماوات والأرض للبشر ولمنافعهم، لا أنه خلقهما لأنفسهما: لا منفعة لهما بخلقه إياهما؛ حتى يكون خلقه لأنفسهما؛ إذ خلق الشيء لا لمنفعة أحد أو للفناء خاصة - عَبَثٌ، فإذا كان ما ذكرنا أنه لا منفعة لهما في خلقهما - دل أنه إنما خلقهما لمنافع البشر، وسخرهما لهم، ثم جعل منافع السماء مع بُعْدِها من الأرض متصلة بمنافع الأرض؛ حتى لا تقوم منافع هذا إلا بمنافع الآخر؛ فيصيرهما كالمتصلين؛ لاتصال المنافع مع بعد ما بينهما؛ فدل هذا أن الذي أنشأهما واحد.
وكذلك: ﴿ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ : هما مختلفان: أحدهما ظلام والآخر نور، يُفْنِيان الأعمار ويقربان الآجال، وليس بينهما في رأي العين تشابُهٌ ولا تشاكل؛ إذ أحدهما نور والآخر ظلام، وهما متضادان، لكن خلقهما لمنافع البشر، والمقصود بخلقهم بنو آدم لا أنفسُهُم، على ما ذكرنا أنْ لا منفعة لهم في خلقهم، ثم صيَّرهما مع اختلافهما وتضادهما كالشكلين؛ لاتصال منافع بعضها ببعض؛ دل أن منشئهما واحد، وأنه عليم حكيم؛ حيث جمع من المتضادين المختلفين وصيَّرهما كالشكلين؛ وهما لعلم وحكمة وتدبير صارا كذلك.
وفهيما دلالة البعث؛ لأنهما يَفنيان حتى لا يبقى من الليل أثر حتى يجيء النهار، فيذهب النهار أيضا حتى لا يبقى من النهار أثر، فيجيء آخر، لا يزالان كذلك، فإذا كان قادراً على خلق الليل وإنشائه من غير أثر بقي من النهار؛ وكذلك قادر على إنشاء النهار من غير أن بقي من الليل أثر ظلام - لقادر على أن ينشئ الخلق ثانياً ويحييهم، وإن فَنُوا وهلكوا ولم يبق منهم أثر؛ فإذا كان ما ذكرنا من خلق السماوات والأرض وما فيهما لمنافع البشر، وهو المقصود من خلقهما لا غيرهم من الخلائق؛ لما ركب فيهم من العقول والبصر الذي بهما يميزون بين المنافع والمضار، وبين الخبيث والطيب، وبين الحسن والقبيح، ولم يركب ذلك في غيرهم من الخلائق - لابدَّ من أمر ونهي: يأمر بأشياء، وينهى عن أشياء؛ يمتحنهم على ذلك؛ إذ هم أهل التمييز والفهم والبصر؛ فإذا كان ما ذكرنا، لا بد - أيضاً - من دار أخرى للجزاء، يُكْرَمُ المطيع له فيها والولي، و يُعَاقَبُ العدو فيها والعاصي، ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ ﴾ : يحتمل هذا لما جعل الله - - على العبد في كل حالٍ نعمةً ليست تلك في غيرها من الأحوال، نحو: أن جعل القيام نعمة في قضاء حوائجه وتقلبه في تلك الحال، وجعل القعود راحة له عند الإعياء، وكذلك الأضطجاع؛ فاستأداهم بالشكر له في كل نعمة على حال من تلك الأحوال، ومدحهم على ذلك إذا فعلوا.
ويحتمل: أن يكون - - أمرهم أن يذكروه في كل حال: في حال الرخاء والشدة، وفي الضراء والسراء، لا في حال دون حال، على ما يفعله بعض خلقه: يذكرونه في حال الشدَّة والضراء، ولا يذكرونه في حال الرخاء واليسر، ويذكرونه في حال الرخاء واليسر، ولا يذكرونه في حال الشدة والبلاء، فمدح المؤمنين أنهم يذكرونه في كل حال، لا على ما يفعله أهل الشرك [على إرادة نفس القيام]، ونفس القعود والاضطجاع؛ ولكن على كل حال وفي كل وقت، والله أعلم.
وقيل: إنه جاء في رخصة صلاة المريض: يصلِّي قائماً إن استطاع، وإلا فقاعداً إن لم يستطع، وإلا فمضطجعاً، وكذلك روي عن ابن مسعود - - أنه قال ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ إذ في خلقهما دليل وحدانيته، وشهادة ربوبيته.
﴿ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ﴾ : أي: عبثاً، ولكنَّ خَلْقَهُمْ دَلِيلٌ على وحدانيتك، وشاهد على ربوبيتك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ : هو للتبرئة، والتنزيه: هو إبعاده عن العيب، وتبريئه منه، وتطهيره عما يقول الكفار، وهو حرف يقدم عند حاجات ترفع إليه، ودعوات يدعى بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ : قيل: أَذْلَلْتَهُ وفضحتَهُ وأهنتَه.
﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ : أي: مانع يمنع عنهم العذاب ويدفع، ويحتمل الأنصار: الأعوان، أي: ليس لهم أعوان يعينونهم في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على حقيقة السمع أن سمعنوا منادياً يدعوهم إلى الإيمان، وهو رسول الله أو القرآن، كلاهما يدعوان الخلق إلى الإيمان بالله.
ويحتمل قوله: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ ، أي: عقلنا، وعَقْلُ كُلِّ أحد يدعو إلى التوحيد والإيمان به.
وقيل: سمعوا دعوة الله فأجابوها، وصبروا عليها.
وعن ابن عباس - -: المنادى: محمد ، ثم قرأ: ﴿ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ...
﴾ الآية [الأنعام: 19].
وعن غيره: المنادى هو القرآن، ويدعوهم ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ ﴾ .
[وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآمَنَّا رَبَّنَا ﴾ فيه دلالة أن الإيمان ليس هو جميع الطاعات، على ما يقول بعض الناس؛ ولكنه فرد تصديق؛ لأنه لما قال لهم: آمنوا بربكم لم يطلبوا التفسير، ولا قالوا: كم أشياء تكون؟!، ولكن أجابوه إجابة موجزة، فقالوا: ﴿ فَآمَنَّا رَبَّنَا ﴾ ].
ثم فيه دلالة أن لا ثُنَيَّا في الإيمان؛ لأنهم أطلقوا القول في الإخبار عن إيمانهم من غير ذكر حرف الثنيا؛ دلَّ أن الإيمان مما لا يحتمل الثنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ﴾ : قيل: قولهم: ﴿ فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ : التي كانت فيما مضى من عمرنا، ﴿ وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ﴾ ، أي: اعصمنا فيما بقى من عمرنا، أو: وفقنا للحسنات التي تكفر سيئاتنا؛ لما قد يلزم العبدَ التكفيرُ لما أساء.
وقيل: المغفرة والتكفير كلاهما سواء؛ لأن المغفرة هي الستر، وكذلك التكفير؛ ولذلك سُمِّى الحراثون: كفاراً؛ لسترهم البذر في الأرض؛ وكذلك الكافر سمى كافراً؛ لستره الحق بالباطل، ولستره جميع ما أنعم الله عليه بتوجيه الشكر إلى غيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ ﴾ ، أي: توفنا واجعلنا مع الأبرار.
ويحتمل: وتوفنا من الأبرار وفي الأبرار.
ثم اختلف في البَرِّ: قيل: هو الذي لا يؤذي أحداً، وقيل: الأبرار: الأخيار.
ويحتمل: توفنا على ما عليه توفيت الأبرار، وتوفنا وإنَّا أبرارٌ.
والبر: الطاعة، والتقوى: ترك المعصية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ : قيل فيه وجهين: قيل: وآتنا ما وعدتنا على ألسن رسلك، على إضمار "ألسن" كقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً ﴾ وقيل: ﴿ مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ ، أي: ما جعلت عليهم من الاستغفار للمؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ ، وكقوله إبراهيم - -: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ﴾ ، وكقول نوح - -: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ .
ثم بيننا وبين المعتزلة كلام في الآية: قالت المعتزلة: يجوز الدعاء والسؤال عنه بما قد أعطى، وما عليه أن يعطي نحو ما ذكر من السؤال بما وعد، وما وعد لا شك أنه يعطي، وأنه لا يخلف المعياد، ونحو قوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ وهو لا يحكم بالجور.
وأما عندنا: أن السؤال عما عليه أن يعطي - يخرج مخرج الدعاء له ربنا لا تَجُرْ ولا تَظْلم، إن هذا لا يقال إلا لمن يخاف الجور منه والظلم؛ إذ يعلم أن ذلك عليه، والسؤال عما قد أعطى محال؛ لأنه يخرج مخرج كتمان ما أعطى، أو ليس عنده ما يعطيهم؛ فيخرج مخرج السخرية به؛ لذلك بطل السؤال، والله أعلم.
ثم تأويل الآية عندنا على وجوه: أحدها: قوله: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ ، يحتمل أن يكون الوعد منه لرسله باستغفار الرسل، إذا كان من المؤمنين استغفار وسؤال؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ...
﴾ الآية [النساء: 64]: وعد لهم المغفرة لهم باستغفار الرسول؛ إذا كان منهم استغفار وسؤال، يقول: اجعل دعائي دعاء من جاء إلى النبي مستغفراً فاستغفر له، وكقوله - أيضاً -: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً ﴾ .
والثاني: يحتمل أن يكون الوعد: لهم إذا ماتوا على ذلك، فالدعاء كان منهم، والسؤال: أنه إذا أماتهم يميتهم على الإيمان، على ما كانوا أحياء، والمغفرة والرحمة حينئذ تكون لهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ ﴾ فله كذا، ولم يقل: من عمل بها فله كذا، ولكن ذكر مجيئه بها، فعلى ذلك الأوَّل، والله أعلم.
ثم يحتمل ما ذكرنا، والله أعلم.
وفيما ذكر من تأويل الآية في الابتداء كفاية من ذلك، والله أعلم.
والثالث: يدعو؛ ليجعلهم من الجملة الذين كان لهم الوعد؛ إذ الوعد غير مُبَيَّنٍ لمن هو؛ فسألوا أن يجعلهم في تلك الجملة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ هذا يدل أن الوعد لهم كان مقروناً بشرط السؤال؛ لأنه قال: ﴿ فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ ﴾ ، والاستجابة تكون على أثر السؤال؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ...
﴾ الآية [البقرة: 186].
وقوله : ﴿ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ﴾ .
قيل: من الخلق كلهم، لكن جعل جزاء أعمال الكفرة في الدنيا؛ كقوله : ﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ ﴾ وأمَّا المؤمنون: في الدنيا والآخرة، وأمّا الكفار فإنما يعطيهم ابتداء ليس بجزاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ ﴾ ، أي: نردها عليهم، وهم لا يبخسون أرزاقهم.
وقيل: قوله: ﴿ مِّنْكُمْ ﴾ - إشارة إلى المؤمنين خاصَّة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ الآية [التوبة: 71].
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي...
﴾ الآية: الذين هاجروا: إلى الله ورسوله طوعاً، ﴿ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ ﴾ ، أي: اضطروهم حتى خرجوا من ديارهم فهاجروا، ﴿ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي ﴾ ، أي: في طاعتي، ﴿ وَقَـٰتَلُواْ ﴾ : حتى ﴿ وَقُتِلُواْ ﴾ .
ويحتمل هذا كله أنْ هاجر بَعْضٌ طوعاً، وبعض أُخرجوا من ديارهم حتى هاجروا، وقاتل بعضٌ حتى قتلوا، وقاتل بعض ولم يُقْتلوا، وقُتِل بعض.
وقوله: ﴿ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ...
﴾ الآية.
تأويلها ظاهر.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ : يحتمل تقلبهم وجوهاً.
وذلك نعمة من الله عليهم؛ لترْكِهِم يَتَّجِرون في البلدان مع كفرهم بربهم.
والثاني: أعطاهم أموالاً يتنعمون فيها ويتلذذون.
والثالث: ما أخر عنهم العذاب والهلاك إلى وقت.
يقول: لا يغرنك يا محمد ذلك؛ إنما هو متاع يسير، [و] مصيرهم إلى النار؛ كقوله - -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ...
﴾ الآية [التوبة: 55]؛ وكقوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً...
﴾ الآية [آل عمران: 178].
قال: وليس الاغترار في نفس التقلب؛ لأنه جهد ومشقة؛ ولكن لما فيه من الأمن والسعة والقوة؛ دليله قوله - -: ﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ ، ثم قال: ﴿ لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ ﴾ ، وسعيهم للآخرة متاع لا ينقطع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ ﴾ يعني: الشرك.
﴿ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...
﴾ إلى آخر ما ذكر ﴿ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل أن يكون الأمر ما ذكر في بعض القصّة: أن بعض المؤمنين قالوا: إن الكفار في خصب ورخاء، ونحن في جهد وشدة؛ فنزل: لا يغرنك تقلبهم في ذلك؛ إنما هو متاع قليل، وذلك ثوابهم في الدنيا، وأما ثواب الذين اتقوا ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار ...
إلى آخر ما ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ يعني: القرآن.
﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ يعني: التوراة.
ثم اختلف في نزوله: قال بعضهم: نزل في شأن عبد الله بن سَلامٍ وأصحابه: أقرُّوا بأنه واحد لا شريك له، وصدقوا رسوله وما أنزل عليه ...
الآية.
وقيل: نزل في شأن النجاشي، وروي عن جابر بن عبد الله - - أن النبي لما صلى على النجاشي قال أناس من المنافقين: يصلي على حبشي مات في أرض الحشبة؛!
فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية.
وعن الحسن قال: "لما مات النجاشي، قال رسول الله : استغفروا لأخيكم قالو: يا رسول الله، لذلك العِلْج؟!
فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية، وقيل: لما صلّى عليه [رسول الله ]؛ قال المنافقون: صلى على من ليس من أهل دينه؛ فأنزل الله الآية" .
وعن الزهري عن أصحاب رسول الله - أن نبي الله صلى على النجاشي، فكبَّر عليه أربع تكبيرات، وصففنا في المصلَّى خلفه، وكان مات بالحبشة.
قال: والنوازل على وجهين: من ترك بسببه خيراً وسعة فله فيه فضل؛ لأنه كان مفتاح الخير، ومن ترك بسببه ضيقاً فعليه فضل لوم؛ كأنه مفتاح الضيق.
وأمَّا ا لأحكام: فإنه ينظر إلى ما فيه نزل فيشترك فيه الخلق، ولا يجوز أن يقال: نزل في شأن فلان؛ إنما أنزل لما في شأن فلان، لا في شأنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ ﴾ قيل: على أداء الفرائض والعبادات، وقيل: اصبروا على البلايا والمصائب والشدائد: ﴿ وَصَابِرُواْ ﴾ في الجهاد لعدوكم.
وقيل: اصبروا على أمر الله وفرائضه، وصابروا مع النبي وعلى آله وصحبه في المواطن.
وعن الحسن قال: أُمِروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضى الله لهم، وهو الإسلام، ولا يَدَعُوا دينهم؛ لشدة ولا لرخاء، ولا ضراء، ولا سراء، حتى يموتوا، ويكونوا يصابرون الكفار، حتى يكونوا هم يميلون عن دينهم، وأمروا أن يرابطوا المشركين.
وقيل: اصبروا على الجهاد، وصابروا لعدوكم.
﴿ وَرَابِطُواْ ﴾ أي: داوموا على دينكم.
﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ : قال: والصبر في نفسه خاصة في طاعة يصبر عليها، ومعصية يصبر عنها وفي بلوى، والمصابرة مع غيره، وقد يكون كل واحد على المعنيين؛ لأنه لا يخلو عن مصابرة عدوٍّ فيما يطيع ربه.
وقيل: رابطوا مع عدوكم ما أقاموا، واتقوا الله فيما أمركم به، فلا تدعوا ذلك مع نبيكم، وذروا ما نهاكم عنه، ولا قوة إلا بالله.