الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 3 آل عمران > الآيات ٩٠-٩٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً [لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} الآية: اختلف فيه، قيل: قوله: ﴿ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ ﴾ ]، أي: ماتوا على ذلك، فذلك زيادتهم الكفر.
وقيل: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : بعيسى بعد الإيمان بالرسل جميعاً، ثم ازدادوا كفراً: بمحمد ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ ، قيل: لن تقبل توبتهم التي تابوا مرة ثم تركوها.
وقيل: ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ التي أظهروا باللسان، وما كان ذلك في قلوبهم، أي: ليست لهم توبة [إلا أن] يكون توبة منهم فترد؛ كقوله: ﴿ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ ﴾ .
وقيل: هم قوم علم الله أنهم لا يتوبون أبداً؛ فأخبر أنه لا يقبل توتبهم؛ كقوله: ﴿ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
وقيل: لا تقبل توبتهم عند الموت؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ وكقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ ، وكقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ ﴾ : أخبر أنه لا ينفع الإيمان في ذلك الوقت؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ في ذلك الوقت؛ إذا داموا على الكفر إلى ذلك الوقت.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ -: ذلك في قوم مخصوصين، أي: لا يكون منهم توبة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ ﴾ ، أي: لا شافع لهم، ويحتمل عند رؤية بأس الله وجزاء فعله عند القيامة أو معاينة الموت؛ يدل على ذلك الآية التي تقدمت.
وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً...
﴾ الآية.
قوله: ﴿ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ ﴾ ، يقول: لو كان معهم لافتدوا به أنفسهم - ما قبل منهم، ولكن لا يكون؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾ ، أي: لا يكون لهم شفيع، لا أن كان لهم شفعاء فيشفعون فلا تقبل شفاعتهم، ولكن لا يكون لهم؛ فهذا يدل على أن قوله: ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ ، أي: لا يتوبون، والله أعلم.
وروي عن أنس بن مالك - - أن نبي الله قال: "يُجَاءُ بالكَافِرِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: أَرأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلءُ الأرْضِ ذهباً، أكُنْتَ مُفْتَدياً به؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبّ، فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ!" وقوله: ﴿ لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ .
يحتمل أن تكون الآية - والله أعلم - في كفار منعهم عن الإسلام الزكاةُ والصدقات التي تجب في الأموال؛ كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ * فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ...
﴾ الآية [التوبة: 75-76]، إلى قوله: ﴿ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾ : أخبر - عز وجل - لن تنالوا الإسلام حتى تنفقوا مما تحبّون من الأموال؛ وكقوله: ﴿ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ .
وتحتمل الآية في المؤمنين؛ رغبهم - عز وجل - في إنفاق ما يحبّون؛ كقوله: ﴿ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ﴾ الآية [البقرة: 177]: أخبر أنّ البرّ ما ذكر: من الإيمان به؛ وإيتاء المال في حبه.
ورُوي عن أنس - - قال: لما نزل قوله - -: ﴿ لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ ، قال أبو طلحة: يا رسول الله، حائطي الذي في مكان كذا وكذا فهو لله، ولو استطعت أن أسرّه ما أعلنته؛ فقال رسول الله : "اجْعَلْهُ في قَرَابَتِكَ - أو أَقْرِبَائِكَ" وروي عن ابن عمر - - أنه لما نزل هذا: أعتق جارية.
ثم اختلف في البرِّ، قيل: البرّ هو الجنة ههنا.
وقيل: البر هو الإسلام، إن كان في الكافرين.
وقيل: لن تنالوا درجات الجنة، وما عند الله من الثواب إلا بإنفاق ما تحبون.
وقوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ .
ففيه دليلُ قبول القليل من الصدقة؛ لأنهم كانوا يمتنعون عن قليل التصديق استحقاراً، فأخبر أنه بذلك عليم وإن قل، بعد أن يكون ذلك لله عز وجلّ، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"