الآية ٩١ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٩١ من سورة آل عمران

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌۭ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًۭا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ٩١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 100 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩١ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩١ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ) أي : من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبدا ، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبا فيما يراه قربة ، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان - وكان يقري الضيف ، ويفك العاني ، ويطعم الطعام - : هل ينفعه ذلك ؟

فقال : لا ، إنه لم يقل يوما من الدهر : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين .

وكذلك لو افتدى بملء الأرض أيضا ذهبا ما قبل منه ، كما قال تعالى : ( ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ) [ البقرة : 123 ] ، [ وقال ( لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ) ] [ البقرة : 254 ] وقال : ( لا بيع فيه ولا خلال ) [ إبراهيم : 31 ] وقال ( إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم ) [ المائدة : 36 ] ، ولهذا قال تعالى هاهنا : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ) فعطف ( ولو افتدى به ) على الأول ، فدل على أنه غيره ، وما ذكرناه أحسن من أن يقال : إن الواو زائدة ، والله أعلم .

ويقتضي ذلك ألا ينقذه من عذاب الله شيء ، ولو كان قد أنفق مثل الأرض ذهبا ، ولو افتدى نفسه من الله بملء الأرض ذهبا ، بوزن جبالها وتلالها وترابها ورمالها وسهلها ووعرها وبرها وبحرها .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، حدثني شعبة ، عن أبي عمران الجوني ، عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة : أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء ، أكنت مفتديا به ؟

قال : فيقول : نعم .

قال : فيقول : قد أردت منك أهون من ذلك ، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم ألا تشرك بي شيئا ، فأبيت إلا أن تشرك " .

وهكذا أخرجاه البخاري ومسلم .

طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا روح ، حدثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له : يا ابن آدم ، كيف وجدت منزلك ؟

فيقول : أي رب ، خير منزل .

فيقول : سل وتمن .

فيقول : ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرار - لما يرى من فضل الشهادة .

ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول له : يا ابن آدم ، كيف وجدت منزلك ؟

فيقول : يا رب ، شر منزل .

فيقول له : تفتدي مني بطلاع الأرض ذهبا ؟

فيقول : أي رب ، نعم .

فيقول : كذبت ، قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل ، فيرد إلى النار " .

ولهذا قال : ( أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ) أي : وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله ، ولا يجيرهم من أليم عقابه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه " إنّ الذين كفروا "، أي: جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يصدقوا به وبما جاء به من عند الله من أهل كل ملة، يهودها ونصاراها ومجوسها وغيرهم =" وماتوا وهم كفار "، يعني: وماتوا على ذلك من جحود نبوته وجحود ما جاء به =" فلن يُقبل من أحدهم ملء الأرض ذَهبًا ولو افتدى به "، يقول: فلن يقبل ممن كان بهذه الصفة في الآخرة جَزَاءٌ ولا رِشْوةٌ على ترك عقوبته على كفره، ولا جُعْلٌ على العفو عنه، (31) ولو كان له من الذهب قدرُ ما يملأ الأرضَ من مشرقها إلى مغربها، فرَشَا وَجزَى على ترك عقوبته وفي العفو عنه على كفره عوضًا مما الله مُحلٌّ به من عذابه.

لأنّ الرُّشا إنما يقبلها من كان ذَا حاجة إلى ما رُشى.

فأما من له الدنيا والآخرة، فكيف يقبل &; 6-585 &; الفدية، وهو خلاق كل فدية افتدَى بها مفتدٍ منْ نفسه أو غيره؟

(32) * * * وقد بينا أن معنى " الفدية " العوَضُ، والجزاء من المفتدى منه = بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(33) * * * = ثم أخبر عز وجل عما لهم عنده فقال: " أولئك "، يعني هؤلاء الذين كفروا وماتوا وهم كفار =" لهم عذاب أليم "، يقول: لهم عند الله في الآخرة عذابٌ موجع =" وما لهم من ناصرين "، يعني: وما لهم من قريب ولا حميم ولا صديق ينصره، فيستنقذه من الله ومن عذابه كما كانوا ينصرونه في الدنيا على من حاول أذَاه ومكروهه؟

(34) وقد:- 7384 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، حدثنا أنس بن مالك: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: يُجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيتَ لو كان لك ملءُ الأرض ذهبًا، أكنت مفتديًا به؟

فيقول: نعم!

قال فيقال: لقد سُئلت ما هو أيسرُ من ذلك!

فذلك قوله: " إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفارٌ فلن يُقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهبًا ولو افتدى به ".

(35) 7385 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن قوله: " إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفارٌ فلن يقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهبًا "، قال: هو كل كافر.

* * * ونصب قوله " ذهبًا " على الخروج من المقدار الذي قبله والتفسير منهُ، وهو قوله: " ملءُ الأرض "، كقول القائل: " عندي قدرُ زِقٍّ سمنًا = وقدْرُ رطل عَسلا "، ف " العسل " مبينٌ به ما ذكر من المقدار، وهو نكرة منصوبةٌ على التفسير للمقدار والخروج منه.

(36) * * * وأما نحويو البصرة، فإنهم زعموا أنه نصب " الذهب " لاشتغال " الملء " بـ" الأرض "، ومجيء " الذهب " بعدهما، فصار نصبهُا نظيرَ نصب الحال.

وذلك أن الحال يجيء بعد فعل قد شُغل بفاعله، فينصبُ كما ينصب المفعول الذي يأتي بعد الفعل الذي قد شُغل بفاعله.

قالوا: ونظير قوله: " ملء الأرض ذهبًا " في نصب " الذهب " في الكلام: " لي مثلك رجُلا " بمعنى: لي مثلك من الرجال.

وزعموا أن نصب " الرجل "، لاشتغال الإضافة بالاسم، فنصب كما ينصب المفعول به، لاشتغال الفعل بالفاعل.

* * * وأدخلت الواو في قوله: " ولو افتدى به "، لمحذوف من الكلام بعدَه، دلّ عليه دخول " الواو "، وكالواو في قوله: وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [سورة الأنعام: 75]، وتأويل الكلام: وليكون من الموقنين أرَيناه ملكوتَ السموات والأرض.

فكذلك ذلك في قوله: " ولو افتدى به "، ولو لم يكن في الكلام " واو "، لكان الكلام صحيحًا، ولم يكن هنالك متروك، وكان: فلن يُقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهبًا لو افتدى به.

(37) * * * --------------- الهوامش: (31) "الجزاء" هنا: البدل والكفارة.

و"الجعل" (بضم الجيم وسكون العين): الأجر على الشيء.

يقول: لا يقبل منه أجر يدفعه على شريطة العفو عنه.

(32) في المخطوطة: "وهو خلاف" ، وهو تصحيف ، وفي المطبوعة: "عن نفسه" ، كأن الناشر استنكر عربية أبي جعفر ، فحولها إلى عربيته.

(33) انظر ما سلف 3: 438-439.

(34) اختلاف الضمائر في هذه العبارة جائز حسن ، وإن أشكل على بعض من يقرأه.

(35) الأثر: 7384- أخرجه البخاري في صحيحه (الفتح 11: 348-350) من طريقين طريق هشام الدستوائي عن قتادة ، ومن طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ، كرواية الطبري هنا.

ورواه مسلم (17: 148 ، 149) من طريق هشام عن قتادة ، وأشار إلى طريق سعيد ، وذكر اختلافه.

وللحديث طرق أخرى بغير هذا اللفظ أخرجها البخاري (الفتح 6: 262 / 11: 367) ومسلم 17: 148 ، 149.

(36) "التفسير": هو التمييز ، ويقال له أيضًا"التبيين" ، والمميز هو: "المفسر والمبين" ، وقد سلف ذلك فيما مضى 2: 338 ، تعليق: 1 / 3: 90 ، تعليق 2 / وانظر ما فصله الفراء في معاني القرآن 1: 225 ، 226.

(37) انظر معاني القرآن للفراء 1: 226.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرينالملء ( بالكسر ) مقدار ما يملأ الشيء ، والملء ( بالفتح ) مصدر ملأت الشيء ; ويقال : أعطني ملأه وملأيه وثلاثة أملائه .

والواو في ولو افتدى به قيل : هي مقحمة زائدة ; المعنى : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو افتدى به .

وقال أهل النظر من النحويين : لا يجوز أن تكون الواو مقحمة لأنها تدل على معنى .

ومعنى الآية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا تبرعا ولو افتدى به .

و ( ذهبا ) نصب على التفسير في قول الفراء .

قال المفضل : شرط التفسير أن يكون الكلام تاما وهو مبهم ; كقولك عندي عشرون ; فالعدد معلوم والمعدود مبهم ; فإذا قلت درهما فسرت .

وإنما نصب التمييز لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه ، وكان النصب أخف الحركات فجعل لكل ما لا عامل فيه .

وقال الكسائي : نصب على إضمار من ، أي من ذهب ; كقوله : أو عدل ذلك صياما ; أي من صيام .

وفي البخاري ومسلم عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك .

لفظ البخاري .

وقال مسلم بدل ( قد كنت ; كذبت ، قد سئلت ) .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهؤلاء الكفرة إذا استمروا على كفرهم إلى الممات تعين هلاكهم وشقاؤهم الأبدي، ولم ينفعهم شيء، فلو أنفق أحدهم ملء الأرض ذهبا ليفتدي به من عذاب الله ما نفعه ذلك، بل لا يزالون في العذاب الأليم، لا شافع لهم ولا ناصر ولا مغيث ولا مجير ينقذهم من عذاب الله فأيسوا من كل خير، وجزموا على الخلود الدائم في العقاب والسخط، فعياذا بالله من حالهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ) أي : قدر ما يملأ الأرض من شرقها إلى غربها ، ( ذهبا ) نصب على التفسير ، كقولهم : عشرون درهما .

( ولو افتدى به ) قيل : معناه لو افتدى به ، والواو زائدة مقحمة ، ( أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ) أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا محمد بن بشار ، أخبرنا غندر ، أخبرنا شعبة ، عن أبي عمران قال : سمعت أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقول الله لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة : لو أن لك ما في الأرض من شيء أكنت تفدي به؟

فيقول : نعم فيقول : أردت منك أهون من ذلك وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض» مقدار ما يملؤها «ذهبا ولو افتدى به» أدخل الفاء في خبر إن لشبه بالشرط وإيذانا بتسبب عدم القبول عن الموت على الكفر «أولئك لهم عذاب أليم» مؤلم «وما لهم من ناصرين» مانعين منه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وماتوا على الكفر بالله ورسوله، فلن يُقبل من أحدهم يوم القيامة ملء الأرض ذهبًا؛ ليفتدي به نفسه من عذاب الله، ولو افتدى به نفسه فِعْلا.

أولئك لهم عذاب موجع، وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم صرح - سبحانه - ببيان عاقبة الذين يموتون على الكفر فقال - تعالى - : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } .أى استمروا على كفرهم وضلالهم حتى ماتوا على هذا الكفر والضلال فكأن الآيات الكريمة قد ذكرت لنا ثلاث أصناف من الكافرين : قسم كان كافرا ثم تاب عن كفره توبة صادقة بأن آمن وعمل صالحا فقبل الله توبته .

وهذا القسم هو الذى استثناه الله بقوله { إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وقسم كان كافراً ثم تاب عن كفره توبة ليست صادقة ، فلم يقبلها الله - تعالى - منه .وهو الذى قال الله فى شأنه فى الآية السابقة { إِنَّ الذين كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازدادوا كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وأولئك هُمُ الضآلون } .وقسم كان كافراً واستمر على كفره حتى مات عليه دون أن تحدث منه أية توبة ، وهو الذى أخبر عنه - سبحانه - فى هذه الآية بقوله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } .أى ماتوا على كفرهم دون أن يتوبوا منه .

وقد بين الله - تعالى - سوء مصيرهم بقوله : { فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرض ذَهَباً وَلَوِ افتدى بِهِ } .أى أن هؤلاء الذين ماتوا على الكفر دون أن يتوبوا منه .

لن يقبل الله - تعالى - من أحدهم ما كان قد أنفقه فى الدنيا ولو كان هذا المنفق ملء الأرض ذهبا ، لأن كفره قد أحبط أعماله وأفسدها كما قال - تعالى - { وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً } وكذلك لن يقبل الله - تعالى - عن أحدهم فدية عن عقابه الشديد له بسبب موته على الكفر .

ولو كان ما يفتدى به نفسه ملء الأرض ذهباً ، لأن الله - تعالى - غنى عنه وعن فديته - مهما عظمت - وسيعاقبه على كفره بما يستحق من عقاب .قال ابن كثير : قوله - تعالى - { فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرض ذَهَباً وَلَوِ افتدى بِهِ } .أى من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبدا ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبا فيما يراه قربة كما سئل النبى صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان - وكان يقرى الضيف ، ويفك العانى ، ويطعم الطعام - هل ينفعه ذلك؟

فقال : " لا ، إنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين " وكذلك لو افتدى - نفسه فى الآخرة - بملء الأرض ايضاً ذهباً ما قبل منه ، كما قال - تعالى -{ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ } وقال - تعالى - { إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ثم قال : وروى الشيخان والإمام أحمد عن أنس بن مالك أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شىء أكنت مفتديا به؟

قال : فيقول نعم ، فيقول الله له ، قد أردت منك أهون من ذلك ، قد أخذت عليك فى ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بى شيئا فأبيت إلا أن تشرك " .وفى رواية للإمام أحمد عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله له : يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟

فيقول : أى رب ، خير منزل .

فيقول الله - تعالى - له : سل وتمن ، فيقول : ما اسأل ولا أتمنى إلا أن تردنى إلى الدنيا فأقتل فى سبيلك عشر مرار - لما يرى من فضل الشهادة - ويؤتى بالرجل ن أهل النار فيقول له : كيف وجدت منزلك؟

فيقول : أى رب!

شر منزل ، فيقول له : أتفتدى منه بطلاع الأرض ذهبا؟

فيقول أى رب!

نعم فيقول : كذبت!

قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل فيرد إلى النار " .وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : فلم قيل فى الآية السابقة { لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } بغير فاء .

وقيل هنا { فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم } بوجود الفاء -؟

قلت : قد أوذن بالفاء أن الكلام بنى على الشرط والجزاء ، وأن سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر ، وبترك الفاء أن الكلام متبدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبيب ، كما تقول : الذى جاءنى له درهم ، لم تجعل المجىء سببا فى استحقاق الدرهم ، بخلاف قولك : فله درهم " .وقوله { ذَهَباً } منصوب على أنه تمييز .وعبر بالذهب لأنه أنفس الأشياء وأعزها على النفس .وقوله { وَلَوِ افتدى بِهِ } جملة حالية ، والواو للحال .

أى لا يقبل من الذى مات على كفره هذا الفداء ولو فى حال افتراض تحقق هذا الفداء فى يده وتقديمه إياه لكى يدفعه لخالقه وينجو من العقوبة الى توعده بها .أى أن العذاب الأليم نازل قطعا على هذا الذى مات على كفره ، حتى ولو فرضنا أنه تصدق فى الدنيا بملء الأرض ذهبا .

وحتى لو فرضنا أنه ملك هذا المقدار النفيس الكثير من الأموال فى الآخرة وقدمه فدية لنفسه من العذاب ، فإن كل ذلك غير مقبول منه ، ولا بد من نزول العذاب به .وقد أشار ابن المنير إلى هذا المعنى بقوله : " قبول الفدية التى هى ملء الأرض ذهبا يكون على أحوال : منها : أن يؤخذ منه على وجه القهر فدية من نفسه كما تؤخذ الدية قهرا من مال القاتل على قول .

ومنها أن يقول المفتدى فى التقدير : أفدى نفسى بكذا وقد لا يفعل .

ومنها أن يقول هذا القول وينجز المقدار الذى يفدى به نفسه ويجعله حاضرا عتيدا ، وقد يسلمه مثلا لمن يأمن منه قبول فديته .

وإذا تعددت الأحوال فالمراد من الآية أبلغ الأحوال وأجدرها بالقبول ، وهو أن يفتدى بملء الأرض ذهبا افتداء محققا بأن يقدر على هذا الأمر العظيم ويسلمه وينجزه اختيارا ومع ذلك لا يقبل منه ، فمجرد قوله أبذل المال وأقدر عليه أو ما يجرى هذا المجرى بطريق الأولى .

فيكون دخول الواو والحالة المذكورة .

وهذا كله تسجيل بأنه لا محيص ولا مخلص لهم من العذاب ، وإلا فمن المعلوم أنهم أعجز عن الفلس فى ذلك اليوم ، ونظير هذا التقدير من الأمثلة أن يقول القائل : لا أبيعك هذا الثوب بألف دينار ولو سلمتها إلى فى يدى هذه " .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : { أولئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } .أى أولئك الذين ماتوا على كفرهم لهم عذاب أليم ، وما لهم من ناصرين ينصرونهم بدفع العذاب عنهم ، أو تخفيف وقعه عليهم .ومن مزيدة لاستغراق النفى وتأكيده ، أى لا يوجد أحد كائناً من كان ينقذهم من عذاب الله ، أو يجيرهم من أليم عقابه .وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد توعدتا الكافرين بأشد ألوان العذاب ، وأقسى أنواع العقاب ، حتى يقلعوا عن كفرهم ، ويثوبوا إلى رشدهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام أحدها: الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  ﴾ وثانيهما: الذي يتوب عن ذلك الكفر توبة فاسدة وهو الذي ذكره الله في الآية المتقدمة وقال: إنه لن تقبل توبته وثالثهما: الذي يموت على الكفر من غير توبة ألبتة وهو المذكور في هذه الآية، ثم إنه تعالى أخبر عن هؤلاء بثلاثة أنواع.

النوع الأول: قوله: ﴿ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء الأرض ذَهَبًا وَلَوِ افتدى بِهِ ﴾ قال الواحدي ملء الشيء قدر ما يملؤه وانتصب ﴿ ذَهَبًا ﴾ على التفسير، ومعنى التفسير: أن يكون الكلام تاماً إلا أن يكون مبهماً كقوله: عندي عشرون، فالعدد معلوم، والمعدود مبهم، فإذا قلت: درهماً فسرت العدد، وكذلك إذا قلت: هو أحسن الناس فقد أخبرت عن حسنه، ولم تبين في ماذا، فإذا قلت وجهاً أو فعلاً فقد بينته ونصبته على التفسير وإنما نصبته لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه فلما خلا من هذين نصب لأن النصب أخف الحركات فيجعل كأنه لا عامل فيه قال صاحب الكشاف وقرأ الأعمش ﴿ ذَهَبَ ﴾ بالرفع رداً على ملء كما يقال: عندي عشرون نفساً رجال.

وههنا ثلاثة أسئلة: السؤال الأول: لم قيل في الآية المتقدمة ﴿ لَّن تُقْبَلَ ﴾ بغير فاء وفي هذه الآية ﴿ فَلَن يُقْبَلَ ﴾ بالفاء؟.

الجواب: أن دخول الفاء يدل على أن الكلام مبني على الشرط والجزاء، وعند عدم الفاء لم يفهم من الكلام كونه شرطا وجزاء، تقول: الذي جاءني له درهم، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء، وإذا قلت: الذي جاءني فله درهم، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء فذكر الفاء في هذه الآية يدل على أن عدم قبول الفدية معلل بالموت على الكفر.

السؤال الثاني: ما فائدة الواو في قوله: ﴿ وَلَوِ افتدى بِهِ ﴾ ؟.

الجواب: ذكروا فيه وجوهاً الأول: قال الزجاج: إنها للعطف، والتقدير: لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهباً لم ينفعه ذلك مع كفره، ولو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهباً لم قبل منه، وهذا اختيار ابن الأنباري قال: وهذا أوكد في التغليظ، لأنه تصريح بنفي القبول من جميع الوجوه الثاني: ﴿ الواو ﴾ دخلت لبيان التفصيل بعد الإجمال وذلك لأن قوله: ﴿ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء الأرض ذَهَبًا ﴾ يحتمل الوجوه الكثيرة، فنص على نفي القبول بجهة الفدية الثالث: وهو وجه خطر ببالي، وهو أن من غضب على بعض عبيده، فإذا أتحفه ذلك العبد بتحفة وهدية لم يقبلها ألبتة إلا أنه قد يقبل منه الفدية، فأما إذا لم يقبل منه الفدية أيضاً كان ذلك غاية الغضب، والمبالغة إنما تحصل بتلك المرتبة التي هي الغاية، فحكم تعالى بأنه لا يقبل منهم ملء الأرض ذهباً ولو كان واقعاً على سبيل الفداء تنبيهاً على أنه لما لم يكن مقبولاً بهذا الطريق، فبأن لا يكون مقبولاً منه بسائر الطرق أولى.

السؤال الثالث: أن من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة نقيراً ولا قطميراً ومعلوم أن بتقدير أن يملك الذهب فلا ينفع الذهب ألبتة في الدار الآخرة، فما فائدة قوله: ﴿ لَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء الأرض ذَهَبًا ﴾ .

الجواب: فيه وجهان: أحدهما: أنهم إذا ماتوا على الكفر فلو أنهم كانوا قد أنفقوا في الدنيا ملء الأرض ذهباً لن يقبل الله تعالى ذلك منهم، لأن الطاعة مع الكفر لا تكون مقبولة والثاني: أن الكلام وقع على سبيل الفرض، والتقدير: فالذهب كناية عن أعز الأشياء، والتقدير: لو أن الكافر يوم القيامة قدر على أعز الأشياء ثم قدر على بذله في غاية الكثرة لعجز أن يتوسل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب الله، وبالجملة فالمقصود أنهم آيسون من تخليص النفس من العقاب.

النوع الثاني: من الوعيد المذكور في هذه الآية قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ واعلم أنه تعالى لما بيّن أن الكافر لا يمكنه تخليص النفس من العذاب، أردفه بصفة ذلك العذاب، فقال: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي مؤلم.

النوع الثالث: من الوعيد قوله: ﴿ وَمَا لَهُم مّن ناصرين ﴾ والمعنى أنه تعالى لما بيّن أنه لا خلاص لهم عن هذا العذاب الأليم بسبب الفدية، بيّن أيضاً أنه لا خلاص لهم عنه بسبب النصرة والإعانة والشفاعة، ولأصحابنا أن يحتجوا بهذه الآية على إثبات الشفاعة وذلك لأنه تعالى ختم تعديد وعيد الكفار بعدم النصرة والشفاعة فلو حصل هذا المعنى في حق غير الكافر بطل تخصيص هذا الوعيد بالكفر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ثُمَّ ازدادوا كُفْراً ﴾ هم اليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم بموسى والتوراة، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد والقرآن.

أو كفروا برسول الله بعدما كانوا به مؤمنين قبل مبعثه ثم ازدادوا كفراً بإصرارهم على ذلك وطنعهم في كل وقت، وعداوتهم له.

ونقضهم ميثاقه، وفتنتهم للمؤمنين، وصدهم عن الإيمان به، وسخريتهم بكل آية تنزل.

وقيل: نزلت في الذين ارتدوا ولحقوا بمكة، وازديادهم الكفر أن قالوا: نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون، وإن أردنا الرجعة نافقنا بإظهار التوبة.

فإن قلت: قد علم أنّ المرتد كيفما ازداد كفرا فإنه مقبول التوبة إذا تاب فما معنى ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ ؟

قلت: جعلت عبارة عن الموت على الكفر، لأنّ الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر، كأنه قيل: إن اليهود أو المرتدين الذين فعلوا ما فعلوا مائتون على الكفر، داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم.

فإن قلت: فلم قيل في إحدى الآيتين ﴿ لَّن تُقْبَلَ ﴾ بغير فاء، وفي الآخرى ﴿ فَلَن يُقْبَلَ ﴾ ؟

قلت: قد أوذن بالفاء أنّ الكلام بني على الشرط والجزاء.

وأن سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر.

وبترك الفاء أن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبب كما تقول: الذي جاءني له درهم، لم تجعل المجيء سبباً في استحقاق الدرهم، بخلاف قولك: فله درهم.

فإن قلت: فحين كان المعنى ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ بمعنى الموت على الكفر، فهلا جعل الموت على الكفر مسبباً عن ارتدادهم وازديادهم الكفر لما في ذلك من قساوة القلوب وركوب الرين وجرّه إلى الموت على الكفر؟

قلت: لأنه كم من مرتد مزداد للكفر يرجع إلى الإسلام ولا يموت على الكفر.

فإن قلت: فأي فائدة في هذه الكناية، أعني أن كنى عن الموت على الكفر بامتناع، قبول التوبة؟

قلت: الفائدة فيها جليلة، وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار، وإبراز حالهم في صورة حالة الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدّها، ألا ترى أنّ الموت على الكفر إنما يخاف من أجل اليأس من الرحمة ﴿ ذَهَبًا ﴾ نصب على التمييز.

وقرأ الأعمش: ﴿ ذهب ﴾ ، بالرفع رداً على ملء، كما يقال: عندي عشرون نفساً رجال.

فإن قلت: كيف موقع قوله: ﴿ وَلَوِ افتدى بِهِ ﴾ ؟

قلت: هو كلام محمول على المعنى.

كأنه قيل: فلن تقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً.

ويجوز أن يراد: ولو افتدى بمثله، كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي الارض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ ﴾ [الزمر: 47] والمثل يحذف كثيراً في كلامهم، كقولك: ضربته ضرب زيد، تريد مثل ضربه.

وأبو يوسف أبو حنيفة تريد مثله (ولا هيثم الليلة للمطيّ) وقضية ولا أبا حسن لها، تريد: ولا مثل هيثم، ولا مثل أبي حسن، كما أنه يراد في نحو قولهم: مثلك لا يفعل كذا، تريد أنت.

وذلك أنّ المثلين يسدّ أحدهما مسدّ الآخر فكانا في حكم شيء واحد، وأن يراد: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً كان قد تصدق به، ولو افتدى به أيضاً لم يقبل منه.

وقرئ: ﴿ فلن يَقْبَلَ من أحدهم ملء الأرض ذهباً ﴾ على البناء للفاعل وهو الله عزّ وعلا، ونصب ملء.

ومل لرض بتخفيف الهمزتين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ﴾ لِما كانَ المَوْتُ عَلى الكُفْرِ سَبَبًا لِامْتِناعِ قَبُولِ الفِدْيَةِ أدْخَلَ الفاءَ ها هُنا لِلْإشْعارِ بِهِ، ومِلْءُ الشَّيْءِ ما يَمْلَؤُهُ.

وذَهَبًا نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مِلْءٍ أوِ الخَبَرِ لِمَحْذُوفٍ.

﴿ وَلَوِ افْتَدى بِهِ ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ ولَوِ افْتَدى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَوْ تَقَرَّبَ بِهِ في الدُّنْيا ولَوِ افْتَدى بِهِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، أوِ المُرادُ ولَوِ افْتَدى بِمِثْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ ﴾ والمِثْلُ يُحْذَفُ ويُرادُ كَثِيرًا لِأنَّ المِثْلَيْنِ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ، مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ وإقْناطٌ لِأنَّ مَن لا يُقْبَلُ مِنهُ الفِداءُ رُبَّما يُعْفى عَنْهُ تَكَرُّمًا ﴿ وَما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ في دَفْعِ العَذابِ ومِن مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْءُ الأرض} الفاء في فلن يقبل يؤذن بأن الكلام بنى

آل عمران (٩١ _ ٩٣)

على الشرط والجزاء وأن سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر وترك الفاء فيما تقدم يشعر بأن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبيب {ذَهَبًا} تمييز {وَلَوِ افتدى بِهِ} أي فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً قال عليه السلام يقال للكافر يوم القيامة لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به فيقول نعم فيقال له لقد سئلت أيسر من ذلك قيل الواو لتأكيد النفي {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مؤلم {وَمَا لَهُم مّن ناصرين} معينين دافعين للعذاب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ ﴾ أيْ عَلى كُفْرِهِمْ ﴿ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ﴾ مِن مَشْرِقِها إلى مَغْرِبِها ﴿ ذَهَبًا ﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، وقَرَأ الأعْمَشُ (ذَهَبٌ) بِالرَّفْعِ، وخَرَجَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (مِلْءُ) أوْ عَطْفِ البَيانِ أوِ الخَبَرِ لِمَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ وصْفٍ لِيَحْسُنَ البَدَلُ ولا دَلالَةَ عَلَيْهِ ولَمْ يُعْهَدْ بَيانُ المَعْرِفَةِ بِالنَّكِرَةِ، وجَعْلُهُ خَبَرًا إنَّما يَحْسُنُ إذا جُعِلَتِ الجُمْلَةُ صِفَةً أوْ حالًا ولا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ، ومِلْءُ الشَّيْءِ بِالكَسْرِ مِقْدارُ ما يَمْلَؤُهُ، وأمّا مَلْءٌ بِالفَتْحِ فَهو مَصْدَرُ مَلَأهُ مَلْأً، وأمّا المُلاءَةُ بِالضَّمِّ والمَدِّ فَهي المِلْحَفَةُ.

وهَهُنا سُؤالٌ مَشْهُورٌ وهو أنَّهُ لِمَ دَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ (إنَّ) هُنا ولَمْ تَدْخُلْ في الآيَةِ السّابِقَةِ مَعَ أنَّ الآيَتَيْنِ سَواءٌ في صِحَّةِ إدْخالِ الفاءِ لِتَصَوُّرِ السَّبَبِيَّةِ ظاهِرًا؟

وأجابَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ الصِّلَةَ في الآيَةِ الأُولى الكُفْرُ وازْدِيادُهُ، وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَدَمُ قَبُولِ التَّوْبَةِ بَلْ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى المَوْتِ عَلَيْهِ إذْ لَوْ وقَعَتْ عَلى ما يَنْبَغِي لَقُبِلَتْ بِخِلافِ المَوْتِ عَلى الكَفَرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ لَوْ قالَ: مَن جاءَنِي لَهُ دِرْهَمٌ كانَ إقْرارًا بِخِلافِ ما لَوْ قَرَنَهُ بِالفاءِ كَما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ الفُقَهاءِ ولا يَرِدُ أنْ تَرَتُّبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ دَلِيلٌ عَلى السَّبَبِيَّةِ لِأنّا لا نُسَلَّمُ لُزُومَهُ لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِالمَوْصُولِ قَدْ يَكُونُ لِأغْراضٍ كالإيماءِ إلى تَحَقُّقِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ: إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجِرَةً بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ دُونَها غُولُ وقَدْ فُصِّلَ ذَلِكَ في المَعانِي؛ وقُرِئَ (فَلَنْ يَقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءَ الأرْضِ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى ونَصْبِ مِلْءٍ، و(مِلْءَ الأرْضِ) بِتَخْفِيفِ الهَمْزَتَيْنِ.

﴿ ولَوِ افْتَدى بِهِ ﴾ قالَ اِبْنُ المُنِيرِ في «اَلِانْتِصافِ»: إنَّ هَذِهِ الواوَ المُصاحِبَةَ لِلشَّرْطِ تَسْتَدْعِي شَرْطًا آخَرَ تَعْطِفُ عَلَيْهِ الشَّرْطَ المُقْتَرِنَةَ بِهِ ضَرُورَةٌ، والعادَةُ في مِثْلِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَنطُوقُ بِهِ مُنَبِّهًا عَلى المَسْكُوتِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الأوْلى، مِثالُهُ قَوْلُكَ: أُكْرِمُ زَيْدًا ولَوْ أساءَ فَهَذِهِ الواوُ عَطَفَتِ المَذْكُورَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أُكْرِمُ زَيْدًا لَوْ أحْسَنَ ولَوْ أساءَ، إلّا أنَّكَ نَبَّهْتَ بِإيجابِ إكْرامِهِ وإنْ أساءَ عَلى أنَّ إكْرامَهُ إنْ أحْسَنَ بِطْرِيقِ الأوْلى؛ ومِنهُ ﴿ كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ - واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - لَوْ كانَ الحَقُّ عَلى غَيْرِكم ولَوْ كانَ عَلَيْكم ولَكِنَّهُ ذَكَرَ ما هو أعْسَرُ عَلَيْهِمْ فَأوْجَبَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما كانَ أسْهَلَ أوْلى بِالوُجُوبِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُخالَفَةً لِهَذا النَّمَطِ مِنَ الِاسْتِعْمالِ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوِ افْتَدى بِهِ ﴾ يَقْتَضِي شَرْطًا آخَرَ مَحْذُوفًا يَكُونُ هَذا المَذْكُورُ مُنَبِّهًا عَلَيْهِ بِطْرِيقِ الأوْلى، والحالَةُ المَذْكُورَةُ أعْنِي حالَةَ اِفْتِدائِهِمْ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا هي أجْدَرُ الحالاتِ بِقَبُولِ الفِدْيَةِ، ولَيْسَ وراءَها حالَةٌ أُخْرى تَكُونُ أوْلى بِالقَبُولِ مِنها خاضَ المُفَسِّرُونَ بِتَأْوِيلِها فَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ، حاصِلُ الأوَّلِ: أنَّ عَدَمَ قَبُولِ مِلْءِ الأرْضِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ فِدْيَةٍ ما لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّ القَبُولَ يُرادُ لِلْخَلاصِ وإنَّما عَدَلَ تَصْوِيرًا لِلتَّكْثِيرِ لِأنَّهُ الغايَةُ الَّتِي لا مَطْمَحَ وراءَها في العُرْفِ، وفي الضَّمِيرِ يُرادُ ﴿ مِلْءُ الأرْضِ ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ فَيَصِيرُ المَعْنى لا تُقْبَلُ مِنهُ فِدْيَةٌ ولَوِ اِفْتَدى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، فَفي الأوَّلِ نَظَرٌ إلى العُمُومِ وسَدُّهُ مَسَدَّ فِدْيَةٍ ما، وفي الثّانِي إلى الحَقِيقَةِ أوْ لِكَثْرَةِ المُبالَغَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى القِيامِ مَقامَها، وحاصِلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ ولَوِ اِفْتَدى بِمِثْلِهِ مَعَهُ كَما صَرَّحَ بِهِ في آيَةٍ أُخْرى، ولِأنَّهُ عُلِمَ أنَّ الأوَّلَ فِدْيَةٌ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُقْبَلُ مِلْءُ الأرْضِ فِدْيَةً ولَوْ ضُوعِفَ، ويَرْجِعُ هَذا إلى جَعْلِ الباءِ بِمَعْنى مَعَ وتَقْدِيرِ مِثْلٍ بَعْدَهُ أيْ مَعَ مِثْلِهِ، وحاصِلُ الثّالِثِ: أنَّهُ يُقَدَّرُ وصْفٌ يُعَيِّنُهُ المُساقُ مِن نَحْوٍ كانَ مُتَصَدِّقًا بِهِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الشَّرْطُ المَذْكُورُ مِن قَبْلُ ما يُقْصَدُ بِهِ تَأْكِيدُ الحُكْمِ السّابِقِ بَلْ يَكُونُ شَرْطًا مَحْذُوفَ الجَوابِ ويَكُونُ المَعْنى لا يُقْبَلُ مِنهُ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَوْ تَصَدَّقَ ولَوِ اِفْتَدى بِهِ أيْضًا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، وضَمِيرُ (بِهِ) لِلْمالِ مِن غَيْرِ اِعْتِبارِ وصْفِ التَّصَدُّقِ، فالكَلامُ مِن قَبِيلِ: ﴿ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ ﴾ وعِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، اِنْتَهى.

ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ الخَفاءِ والتَّكَلُّفِ، وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ: إنَّ الواوَ زائِدَةٌ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قُرِئَ في الشَّواذِّ بِدُونِها، وكَذا القَوْلُ: بِأنَّ (لَوْ) لَيْسَتْ وصْلِيَّةً بَلْ شَرْطِيَّةً، والجَوابُ ما بَعْدُ أوْ هو سادٌّ مَسَدَّهُ، وذَكَرَ اِبْنُ المُنِيرِ في الجَوابِ مُدَّعِيًا أنَّ تَطْبِيقَ الآيَةِ عَلَيْهِ أسْهَلُ وأقْرَبُ بَلِ اِدَّعى أنَّهُ مِنَ السَّهْلِ المُمْتَنِعِ أنَّ قَبُولَ الفِدْيَةِ الَّتِي هي مَلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا تَكُونُ عَلى أحْوالٍ، تارَةً تُؤْخَذُ قَهْرًا كَأخْذِ الدِّيَةِ، وكَرَّةً يَقُولُ المُفْتَدِي: أنا أفْدِي نَفْسِي بِكَذا ولا يَفْعَلُ، وأُخْرى يَقُولُ ذَلِكَ والفِدْيَةُ عَتِيدَةٌ ويُسَلِّمُها لِمَن يُؤَمِّلُ قَبُولَها مِنهُ، فالمَذْكُورُ في الآيَةِ أبْلَغُ الأحْوالِ وأجْدَرُها بِالقَبُولِ، وهي أنْ يَفْتَدِيَ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا اِفْتِداءً مُحَقَّقًا بِأنْ يَقْدِرَ عَلى هَذا الأمْرِ العَظِيمِ ويُسَلِّمَهُ اِخْتِيارًا، ومَعَ ذَلِكَ لا يُقْبَلُ مِنهُ فَلَأنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ: أبْذُلُ المالَ وأقْدِرُ عَلَيْهِ، أوْ ما يَجْرِي هَذا المَجْرى بِطَرِيقِ الأوْلى، فَتَكُونُ الواوُ والحالَةُ هَذِهِ عَلى بابِها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ثَمَّ أحْوالًا أُخَرَ لا يَقَعُ فِيها القَبُولُ بِطَرِيقِ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى الحالَةِ المَذْكُورَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى مُصَرِّحٌ بِذَلِكَ، والمُرادُ بِهِ أنَّهُ لا خَلاصَ لَهم مِنَ الوَعِيدِ وإلّا فَقَدَ عُلِمَ أنَّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ أفْلَسَ مِنَ اِبْنِ المُذَلَّقِ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُكَ: لا أبِيعُكَ هَذا الثَّوْبَ بِألْفِ دِينارٍ ولَوْ سَلَّمْتَها إلَيَّ في يَدِي، اِنْتَهى، وقَرِيبٌ مِنهُ ما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ قائِلًا: إنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذا التَّرْكِيبُ ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّ مَن ماتَ كافِرًا لا يُقْبَلُ مِنهُ ما يَمْلَأُ الأرْضَ مِن ذَهَبٍ عَلى كُلِّ حالٍ يَقْصِدُها ولَوْ في حالِ اِفْتِدائِهِ مِنَ العَذابِ لِأنَّ حالَةَ الِافْتِداءِ لا يَمْتَنُّ فِيها المُفْتَدِي عَلى المُفْتَدى مِنهُ، إذْ هي حالَةُ قَهْرٍ مِنَ المُفْتَدى مِنهُ، وقَدْ قَرَّرْنا في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ (لَوْ) تَأْتِي مُنَبِّهَةً عَلى أنَّ ما قَبْلَها جاءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ وما بَعْدَها جاءَ تَنْصِيصًا عَلى الحالَةِ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لا تَنْدَرِجُ فِيما قَبْلَها كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ“،» و«”رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ“،» كَأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُؤْتى بِها لِأنَّ كَوْنَ السّائِلِ عَلى فَرَسٍ يُشْعِرُ بِغِناهُ فَلا يُناسِبُ أنْ يُعْطى، وكَذَلِكَ الظِّلْفُ المُحْرَقُ لا غِناءَ فِيهِ فَكانَ يُناسَبُ أنْ لا يُرَدَّ السّائِلُ بِهِ، وكَذَلِكَ حالَةُ الِافْتِداءِ يُناسِبُ أنْ يُقْبَلَ مِنهُ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَكِنَّهُ لا يُقْبَلُ، ونَظِيرُهُ ﴿ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ لِأنَّهم نَفَوْا أنْ يُصَدِّقَهم عَلى كُلِّ حالٍ حَتّى في حالَةِ صِدْقِهِمْ وهي الحالَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُصَدَّقُوا فِيها ولَوْ لِتَعْمِيمِ النَّفْيِ والتَّأْكِيدِ لَهُ.

هَذا وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وابْنُ جَرِيرٍ واللَّفْظُ لَهُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: «”يُجاءُ بِالكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ لَهُ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقالُ: لَقَدْ سُئِلْتَ ما هو أيْسَرُ مِن ذَلِكَ فَلَمْ تَفْعَلْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ ﴾ “».

﴿ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ اِسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرٌ، ولِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ رَفَعَ الفاعِلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (لَهُمْ) خَبَرًا مُقَدَّمًا، و ﴿ عَذابٌ ﴾ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ اِسْمِ الإشارَةِ، والأوَّلُ أحْسَنُ، وفي تَعْقِيبِ ما ذُكِرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ والإقْناطِ، لِأنَّ مَن لا يُقْبَلُ مِنهُ الفِداءُ رُبَّما يُعْفى عَنْهُ تَكَرُّمًا ﴿ وما لَهم مِن ناصِرِينَ  ﴾ في دَفْعِ العَذابِ أوْ تَخْفِيفِهِ، و(مِن) مَزِيدَةٌ بَعْدَ النَّفْيِ لِلِاسْتِغْراقِ وتُزادُ بَعْدَهُ سَواءٌ دَخَلَتْ عَلى مُفْرَدٍ أوْ جَمْعٍ خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُفْرَدِ، وصِيغَةُ الجَمْعِ لِمُراعاةِ الضَّمِيرِ، وفِيها تَوافُقُ الفَواصِلِ، والمُرادُ لَيْسَ لِواحِدٍ مِنهم ناصِرٌ واحِدٌ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ ﴾ وهي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وتَرْكُ اِتِّباعِ الهَوى والمَيْلُ إلى السِّوى، فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ نَبِيٌّ ولا كِتابٌ قَطُّ.

﴿ ما كانَ إبْراهِيمُ ﴾ الخَلِيلُ ﴿ يَهُودِيًّا ﴾ مُتَعَلِّقًا بِالتَّشْبِيهِ ﴿ ولا نَصْرانِيًّا ﴾ قائِلًا بِالتَّثْلِيثِ ﴿ ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا ﴾ مائِلًا عَنِ الكَوْنِ بِرُؤْيَةِ المُكَوَّنِ ﴿ مُسْلِمًا ﴾ مُنْقادًا عِنْدَ جَرَيانِ قَضائِهِ وقَدَرِهِ، أوْ ذاهِبًا إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ المُصْطَفَوْنَ القائِلُونَ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ .

﴿ إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﴾ بِشَرْطِ التَّجَرُّدِ عَنِ الكَوْنَيْنِ ومَنعِ النُّفُوسِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى العالَمِينَ، فَإنَّ الخَلِيلَ لَمّا بَلَغَ حَضْرَةَ القُدْسِ زاغَ بَصَرُهُ عَنْ عَرائِسِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ، فَقالَ ﴿ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ .

﴿ وهَذا النَّبِيُّ ﴾ العَظِيمُ يَعْنِي مُحَمَّدًا عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّسَلُّمِ أوْلى أيْضًا بِمُتابَعَةِ أبِيهِ الخَلِيلِ وسُلُوكِ مَنهَجِهِ الجَلِيلِ لِأنَّهُ زُبْدَةُ مَخِيضِ مَحَبَّتِهِ وخُلاصَةُ حَقِيقَةِ فِطْرَتِهِ، ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِهِ  وأشْرَقَتْ عَلَيْهِمْ أنْوارُهُ وأيْنَعَتْ في رِياضِ قُلُوبِهِمْ أسْرارُهُ، ﴿ واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ ﴾ كافَّةً يَحْفَظُهم عَنْ آفاتِ القَهْرِ ويُدْخِلُهم في قِبابِ العِصْمَةِ ويُبِيحُ لَهم دِيارَ الكَرامَةِ ﴿ ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ جَعَلَهُ أهْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ كَما قالَ بِذَلِكَ بَعْضُ أهْلِ الظّاهِرِ أيْ لا تُفْشُوا أسْرارَ الحَقِّ إلّا إلى أهْلِهِ ولا تُقِرُّوا بِمَعانِي الحَقِيقَةِ لِلْمَحْجُوبِينَ مِنَ النّاسِ فَيَقَعُونَ فِيكم ويَقْصِدُونَ سَفْكَ دِمائِكُمْ، ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى ﴾ أعْنِي ﴿ هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ﴾ مِن عِلْمِ الباطِنِ، (أوْ) مِثْلَ ما ﴿ يُحاجُّوكُمْ ﴾ بِهِ في زَعْمِهِمْ ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ وهو عِلْمُ الظّاهِرِ.

وحاصِلُ المَعْنى (إنَّ الهُدى) الجَمْعُ بَيْنَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وأمّا الِاقْتِصارُ عَلى عِلْمِ الظّاهِرِ وإنْكارِ الباطِنِ فَلَيْسَ بِهُدًى، ﴿ قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ ﴾ فَيَتَصَرَّفُ بِهِ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ التّابِعَةِ لِعِلْمِهِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ في أزَلِ الآزالِ، ﴿ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ فَكَيْفَ يَتَقَيَّدُ بِالقُيُودِ بَلْ يَتَجَلّى حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ في المَظاهِرِ لِأهْلِ الشُّهُودِ، ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ ﴾ الخاصَّةِ ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ مِن عِبادِهِ وهي المَعْرِفَةُ بِهِ وهي فَوْقَ مُكاشَفَةِ غَيْبِ المَلَكُوتِ ومُشاهَدَةِ سِرِّ الجَبَرُوتِ، ﴿ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ الَّذِي لا يُكْتَنَهُ، ﴿ بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ ﴾ وهو عَهْدُ الرُّوحِ بِنَعْتِ الكَشْفِ وعَهْدُ القَلْبِ بِتَلَقِّي الخِطابِ وعَهْدُ العَقْلِ بِامْتِثالِ الأوامِرِ والنَّواهِي، ﴿ واتَّقى ﴾ مِن خَطِراتِ النُّفُوسِ وطَوارِقِ الشَّهَواتِ، ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ أيْ فَهو بالِغٌ مَقامَ حَقِيقَةِ المَحَبَّةِ، ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ الآيَةُ إشارَةٌ إلى مَن مالَ إلى خُضْرَةِ الدُّنْيا وآثَرَها عَلى مُشاهَدَةِ حَضْرَةِ المَوْلى، وزَيَّنَ ظاهِرَهُ بِعِبادَةِ المُقَرَّبِينَ ومَزَجَها بِحُبِّ الرِّياسَةِ، فَذَلِكَ الَّذِي سَقَطَ عَنْ رُؤْيَةِ اللِّقاءِ ومُخاطَبَةِ الحَقِّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهُ ﴾ لِأنَّ الِاسْتِنْباءَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الفَناءِ في التَّوْحِيدِ فَمَن مَحا اللَّهُ تَعالى بَشَرِيَّتَهُ بِإفْنائِهِ عَنْ نَفْسِهِ وأثابَهُ وُجُودًا نُورانِيًّا حَقِّيًّا قابِلًا لِلْكِتابِ والحِكْمَةِ العَقْلِيَّةِ لا يُمْكِنُ أنْ يَدْعُوَ إلى نَفْسِهِ إذِ الدّاعِي إلَيْها لا يَكُونُ إلّا مَحْجُوبًا بِها، وبَيْنَ الأمْرَيْنِ تَناقُضٌ، ولَكِنْ يَقُولُ: ﴿ كُونُوا رَبّانِيِّينَ ﴾ أيْ مَنسُوبِينَ إلى الرَّبِّ، والمُرادُ عابِدِينَ مُرْتاضِينَ بِالعِلْمِ والعَمَلِ والمُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ لِتَغْلِبَ عَلى أسْرارِكم أنْوارُ الرَّبِّ.

ولَهم في الرَّبّانِيِّ عِباراتٌ كَثِيرَةٌ، فَقالَ الشِّبْلِيُّ: الرَّبّانِيُّ الَّذِي لا يَأْخُذُ العُلُومَ إلّا مِنَ الرَّبِّ ولا يَرْجِعُ في شَيْءٍ إلّا إلَيْهِ، وقالَ سَهْلٌ: الرَّبّانِيُّ الَّذِي لا يَخْتارُ عَلى رَبِّهِ حالًا، وقالَ القاسِمُ: هو المُتَخَلِّقُ بِأخْلاقِ الرَّبِّ عِلْمًا وحُكْمًا، وقِيلَ: هو الَّذِي مُحِقَ في وُجُودِهِ ومُحِقَ عَنْ شُهُودِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي لا تُؤَثِّرُ فِيهِ تَصارِيفُ الأقْدارِ عَلى اِخْتِلافِها، وقِيلَ وقِيلَ، وكُلُّ الأقْوالِ تَرِدُ مِن مَنهَلٍ واحِدٍ.

﴿ ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا ﴾ فَإنَّها بَعْضُ مَظاهِرِهِ وهو سُبْحانُهُ المُطْلَقُ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ ﴿ أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ أيْ أيَأْمُرُكم بِالِاحْتِجابِ بِرُؤْيَةِ الأشْكالِ والنَّظَرِ إلى الأمْثالِ بَعْدَ أنْ لاحَ في أسْرارِكم أنْوارُ التَّوْحِيدِ وطَلَعَتْ في قُلُوبِكم شُمُوسُ التَّفْرِيدِ ﴿ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ﴾ الآيَةَ، فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أخَذَ العَهْدَ مِن نُوّابِ الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ في الأزَلِ بِالِانْقِيادِ والطّاعَةِ والإيمانِ بِها، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ الصَّفِّ الأوَّلِ ورِجالَ الحَضْرَةِ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقَ التَّعارُفِ بَيْنَهم وإقامَةِ الدِّينِ وعَدَمِ التَّفَرُّقِ وتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ودَعْوَةِ الخَلْقِ إلى التَّوْحِيدِ وتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِاَللَّهِ تَعالى وطاعَةِ النَّبِيِّ وتَعْرِيفِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لِأُمَمِهِمْ، وهَذا غَيْرُ المِيثاقِ العامِّ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ ﴾ الخ.

﴿ فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيْ بَعْدَ ما عَلِمَ عَهْدَ اللَّهِ تَعالى مَعَ النَّبِيِّينَ وتَبْلِيغِ الأنْبِياءِ إلَيْهِ ما عُهِدَ إلَيْهِمْ ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ أيِ الخارِجُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعالى ولا دِينَ غَيْرُهُ مُعْتَدًّا بِهِ في الحَقِيقَةِ إلّا تَوَهُّمًا، ﴿ أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ مِن في عالَمِ الأرْواحِ وعالَمِ النُّفُوسِ، أوْ مِن في عالَمِ المَلَكُوتِ وعالَمِ المُلْكِ ﴿ طَوْعًا ﴾ بِاخْتِيارِهِ وشُعُورِهِ ﴿ وكَرْهًا ﴾ مِن حَيْثُ لا يَدْرِي ولا يَدْرِي أنَّهُ لا يَدْرِي بِسَبَبِ اِحْتِجابِهِ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ، ولِهَذا سَقَطَ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ ﴿ وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ في العاقِبَةِ حِينَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ، ﴿ ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ ﴾ وهو التَّوْحِيدُ ﴿ دِينًا ﴾ لَهُ ﴿ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ ﴾ لِعَدَمِ وُصُولِهِ إلى الحَقِّ لِمَكانِ الحِجابِ ﴿ وهُوَ في الآخِرَةِ ﴾ ويَوْمَ القِيامَةِ الكُبْرى ﴿ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ، ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا ﴾ الآيَةَ، اِسْتِبْعادٌ لِهِدايَةِ مَن فَطَرَهُ اللَّهُ عَلى غَيْرِ اِسْتِعْدادِ المَعْرِفَةِ، وحُكِمَ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ في سابِقِ الأزَلِ فَإنَّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ اِسْتِعْدادٌ لَمْ يَقَعْ في أنْوارِ التَّجَلِّي، ومَن خاضَ في بَحْرِ القَهْرِ ولَزِمَ قَعْرَ بُعْدِ البُعْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إلى ساحِلِ قُرْبِ القُرْبِ، واَللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ، ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ: إذا المَرْءُ لَمْ يُخْلَقْ سَعِيدًا تَحَيَّرَتْ ظُنُونُ مُرَبِّيهِ وخابَ المُؤْمَلُ فَمُوسى الَّذِي رَبّاهُ جِبْرِيلُ كافِرٌ ∗∗∗ ومُوسى الَّذِي رَبّاهُ فِرْعَوْنُ مُرْسَلُ هَذا واَللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ أي بعد ما ظهر لهم العلامات وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فإن قيل في ظاهر الآية أن من كفر بعد إسلامه، لا يهديه الله، ومن كان ظالماً لا يهديه الله، وقد رأينا كثيراً من المرتدين، أسلموا وهداهم الله، وكثيراً من الظالمين تابوا عن الظلم.

قيل له: لا يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم وظلمهم، ولا يُقْبِلُون إلى الإسلام، فأما إذا جاهدوا، وقصدوا الرجوع، وفقهم الله لذلك لقوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [سورة العنكبوت: 69] وتأويل آخر: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ يقول: كيف يرشدهم إلى الجنة؟

كما قال في آية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ [سورة النساء: 168، 169] ويقال: كيف يرحمهم الله وينجيهم من العقوبة؟

ويقال: كيف يغفر الله لهم؟

وقالت المعتزلة: كَيْفَ يَهْدِي الله؟

معناه: كيف يكونون مهتدين، لأنهم لا يرون الهداية، والاهتداء في الابتداء إلا على سبيل الجزاء، ويرون ذلك من كسب العبد.

ثم قال: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ يعني أهل هذه الصفة التي ذكر أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ أي سخط الله.

ويقال: الطرد والتبعيد من رحمة الله والخذلان.

ويقال: يلعنهم بالقول: وَالْمَلائِكَةِ يعني عليهم لعنة الله والملائكة وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ إذا لعن رجل رجلاً، فإن لم يكن أهلاً لذلك، رجعت اللعنة إلى الكفار، ويقال: من لم يكن على دينهم، يلعنهم في الدنيا، ومن كان على دينهم، يلعنهم في الآخرة.

لقوله تعالى: يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [سورة العنكبوت: 25] فذلك قوله تعالى: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.

ثم قال تعالى: خالِدِينَ فِيها يعني في اللعنة فيما توجبه اللعنة، وهو عذاب النار خالدين فيها لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ أي لا يهون عليهم العذاب وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي لا يؤجلون.

ثم استثنى التوبة فقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا يقول: من بعد الكفر، وأصلحوا أعمالهم بالتوبة.

ويقال: أصلحوا لمن أفسدوا من الناس فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لما كان منهم في الكفر رَّحِيمٌ بهم بعد التوبة.

قال الكلبي ومقاتل لما نزلت هذه الآية، أي الرخصة بالتوبة، كتب أخو الحارث بن سُوَيْد، إلى الحارث: إن الله قد عرض عليكم التوبة، فرجع وتاب.

وبلغ ذلك إلى أصحابه الذين بمكة، فقالوا: إن محمداً تتربص به ريب المنون.

فقالوا: نقيم بمكة على الكفر، متى بدا لنا الرجعة رجعنا، فينزل فينا ما نزل في الحارث، فتقبل توبتنا فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً أي ثبتوا على كفرهم بقولهم: نقيم بمكة ما بدا لنا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ما أقاموا على الكفر.

قال الزجاج: كانوا كلما نزلت آية كفروا بها، فكان ذلك زيادة كفرهم.

وقوله: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ، أي توبتهم الأولى، وحبط أجر عملهم.

ويقال: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ، معناه أنهم لن يتوبوا.

كما قال: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ [سورة البقرة: 48] ، أي لا يشفع لها أحد، ثم قال تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ عن الإسلام، وهم الذين لم يتوبوا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ قال الكلبي: يعني وزن الأرض ذهباً.

وقال مقاتل: إن الكافر إذا عاين النار في الآخرة، يتمنى أن يكون له الأرض ذهباً، فيقدر على أن يفتدي به نفسه من العذاب، لافتدى به ولو افتدى به ما تقبل منه، أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، ونظيرها في سورة المائدة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ [المائدة: 36] .

قوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : ولم يختلفُ فيما علمتُ أنَّ سبَبَ تحريمِ يَعْقُوبَ ما حرَّمه على نَفْسِهِ هو بمَرَضٍ أصابه، فَجَعَلَ تحريمَ ذلِكَ شُكْراً للَّه، إنْ شُفِيَ، وقيل: هو وَجَعُ عِرْقِ النّسا، وفي حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ عِصَابَةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، قَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ؟

فَقَالَ لَهُمْ: أُنْشِدُكُمْ بِاللَّه!

هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً، فَطَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْراً، إنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ، لَيُحْرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ، وَأَحَبُّ الشَّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانَهَا؟

قَالُوا:

اللَّهُمَّ، نَعَمْ» «٢» .

قال ع «٣» : وظاهرُ الأحاديثِ والتفاسيرِ في هذا الأمْرِ أنَّ يعقوبَ- عليه السلام- حَرَّم لُحوم الإبلِ وألْبَانَهَا، وهو يحبُّها تقرُّباً بذلك إذْ ترك الترفُّه والتنعُّم من القُرَبِ، وهذا هو الزهْدُ في الدُّنْيا، وإليه نَحَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رضي اللَّه عنه) بقوله: «إيَّاكُمْ وهذه المَجَازِرَ فإنَّ لها ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الخَمْرِ» ومِنْ ذلك قولُ أبِي حَازِمٍ الزاهِدِ، وقدْ مَرَّ بسُوقِ الفَاكِهَةِ، / فرأى مَحَاسِنَهَا، فقَالَ: مَوْعِدُكَ الجَنَّةُ، إنْ شاء الله.

وقوله عز وجلّ: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ ...

الآية: قال الزَّجَّاج «٤» : وفي هذا تعجيز لهم، وإقامة للحجة عليهم.

وقوله سبحانه: فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ

، أي: مِنْ بعد ما تبيَّن له الحَقُّ، وقيامُ الحُجَّة، فهو الظَّالِمُ.

وقوله: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ، أي: الأمر كما وصَفَ سبحانه، لا كما تَكْذُبونَ، فإن كنتم تَعْتزونَ إلى إبراهيم، فاتبعوا ملَّته على ما ذكر الله.

وقوله سبحانه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ......

الآية: لا مِرْيَة أنَّ إبراهيم- عليه السلام- وضع بيْتَ مكة، وإنما الخلافُ، هَلْ هو وضع بَدْأَةً أوْ وُضِعَ تجديداً؟

وقال الفَخْر «١» : يحتمل أولاً في الوضْعِ والبناءِ، ويحتملُ أنْ يريد أولاً في كونه مباركاً، وهذا تحصيلُ المفسِّرين في الآية.

اهـ.

قال ابن العربيِّ في «أحكامِهِ» «٢» وكونُ البَيْتِ الحَرَامِ مُبَارَكاً، قيل: بركَتُهُ ثوابُ الأعمال هناك، وقيل: ثوابُ قاصِدِيهِ، وقيل: أمْنُ الوَحْش فيه، وقيل: عُزُوفُ النفْسِ عن الدنيا عِنْدَ رؤيته، قال ابنُ العربيِّ «٣» : والصحيحُ عِنْدَي أنَّهُ مُبَارَكٌ مِنْ كلِّ وجْهٍ مِنْ وجوه الدنْيَا والآخرة وذلك بجميعه موجودٌ فيه.

اهـ.

قال مالكٌ في سماعِ ابن القاسِمِ من «العتبية» : بَكَّة موضعُ البَيْت، ومَكَّة غيره مِنَ المواضعِ، قال ابن القاسِمِ: يريد القَرْيَةَ «٤» ، قلتُ: قال ابنُ رُشْدٍ في «البيان» «٥» : أرى مالكاً أخَذَ ذلك مِنْ قول اللَّه عزَّ وَجَلَّ لأنه قال تعالى في بَكَّة: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً، وهو إنما وضع بموضعه الَّذي وُضِعَ فيه لا فيما سواه من القرية، وقال في «مَكَّة» وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [الفتح: ٢٤] وذلك إنما كان في القرية، لا في موضع البَيْتَ.

اهـ.

وقوله سبحانه: فِيهِ، أي: في البيت آياتٌ بَيِّناتٌ، قال ع «٦» : والمترجِّح عندي أنَّ المَقَامَ وأَمْنَ الدَّاخِلِ جُعِلاَ مثالاً ممَّا في حَرَمِ الله من الآيات وخصّا بالذكر لعظمهما، ومَقامُ إِبْراهِيمَ: هو الحَجَرُ المعروفُ قاله الجمهور، وقال قوم: البيتُ كلُّه مقامُ إبراهيم، وقال قومٌ: الحَرَمُ كلُّه مقامُ إبراهيم، والضميرُ في قوله: وَمَنْ دَخَلَهُ عائدٌ على البَيْت في قول الجمهور، وعائد على الحرم

في قول مَنْ قَالَ: مقامُ إبراهيم هو الحرم.

وقوله: كانَ آمِناً قال الحَسَنُ وغيره: هذه وصْفُ حالٍ كانَتْ في الجاهلية، إذا دخَلَ أحدٌ الحَرَمَ، أَمِنَ، فلا يُعْرَضُ له، فأما في الإسلام، فإن الحرم لا يَمْنَعُ مِنْ حَدٍّ مِنْ حدودِ اللَّه، وقال يَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ: معنى الآية: ومَنْ دخل البيتَ، كان آمناً من النَّار، وحكى النقَّاش عن بَعْض العُبَّاد، قال: كُنْتُ أطوفُ حوْلَ الكعبةِ لَيْلاً، فقلْتُ: يا رَبِّ، إنّك قلت: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً، فمماذا هو آمنٌ؟

فسمعتُ مكلِّماً يكلِّمني، وهو يقولُ: مِنَ النَّارِ، فنظَرْتُ، وتأمَّلت، فما كان في المكان أحد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «١» : وقول بعضهم: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمناً من النار- لا يصحُّ حمله على عمومه، ولكنه ثَبَتَ أنَّ مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ «٢» ، والحَجُّ المَبْرُور لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلاَّ الجنّة «٣» .

قال ذلك كلّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اهـ.

وقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ...

الآية: هو فرضُ الحجِّ في كتابِ اللَّه بإجماع، وقرأ حمزةُ، والكِسَائيُّ، وحَفْص عن عاصِمٍ: «حَجُّ الَبْيتِ» بكَسْر الحاء، وقرأ الباقُونَ بفتحها «١» ، / فَبِكَسْر الحاء: يريدُون عَمَلَ سَنَةٍ واحدةٍ، وقال الطبريُّ «٢» : هما لُغَتَانِ الكَسْر: لُغَةُ نَجْدٍ، والفتْحُ لغة أهل العَالِيَةِ.

وقوله سبحانه: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا «مَنْ» : في موضعِ خَفْضٍ بدلٍ من «النَّاس» ، وهو بدلُ البَعْض من الكلِّ، وقال الكسائيُّ وغيره: هي شَرْطٌ في موضع رفعٍ بالابتداء، والجوابُ محذوفٌ، تقديره: فَعَلَيْهِ الحِجُّ ويدلُّ عليه عطْفُ الشرطِ الآخَرِ بعده في قوله:

وَمَنْ كَفَرَ، وأسند الطبريُّ إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ مَلَكَ زَاداً وَرَاحِلَةً، فَلَمْ يَحُجَّ، فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا «٣» ، وذهب جماعةٌ من العلماءِ إلى أنَّ قوله سبحانه:

مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا كلامٌ عامٌّ لا يتفسَّر بزادٍ ولا راحلةٍ، ولا غَيْرِ ذلك، بل إذا كان مستطيعاً غَيْرَ شاقٍّ على نفسه، فقد وجَبَ علَيْه الحَجُّ، وإليه نحا مَالِكٌ في سماع أَشْهَبَ، وقال: لا صِفَةَ في هذا أبْيَنُ ممَّا قال الله تعالى.

هذا أنْبَلُ الأقوال، وهذه مِنَ الأمور التي يتصرَّف فيها فِقْهُ الحال، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائدٌ على البيت، ويحتملُ عَلَى الحِجِّ.

وقوله سبحانه: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ، قال ابن عبَّاس وغيره:

المعنى: مَنْ زعم أنَّ الحَجَّ ليس بفَرْضٍ عليه «٤» ، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قرأَ هذه الآيةَ، فقَالَ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ تَرَكَهُ، كَفَرَ، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من تركه، لا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ ﴾ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ، دَخَلَ مَن كانَ مِن أصْحابِ الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ حَيّا في الإسْلامِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ فِيمَن ماتَ مِنهم كافِرًا.» قالَ الزَّجّاجُ: ومِلْءُ الشَّيْءِ: مِقْدارُ ما يَمْلَؤُهُ.

قالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ: والمَلْءُ بِفَتْحِ المِيمِ: الفِعْلُ تَقُولُ مَلَأْتُ الشَّيْءَ أمْلَؤُهُ مَلْأ، المَصْدَرُ بِالفَتْحِ لا غَيْرَ.

والمَلاءَةُ: الَّتِي تُلْبَسُ مَمْدُودَةً.

والمِلاوَةُ مِنَ الدَّهْرِ: القِطْعَةُ الطَّوِيلَةُ مِنهُ، يَقُولُونَ: أبِلْ جَدِيدًا، وتَمَلَّ حَبِيبًا، أيْ: عِشْ مَعَهُ دَهْرًا طَوِيلًا.

و(ذَهَبًا) مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: رُبَّما أنَّثَ الذَّهَبَ، فَقِيلَ: ذَهَبَةٌ، ويُجْمَعُ عَلى الأذْهابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوِ افْتَدى بِهِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الواوُ هاهُنا قَدْ يُسْتَغْنى عَنْها، ولَوْ حُذِفَتْ كانَ صَوابًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ  ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا غَلَطٌ، لِأنَّ فائِدَةَ الواوِ بَيِّنَةٌ، فَلَيْسَتْ مِمّا يُلْقى.

قالَ النُّحاسُ: قالَ أهْلُ النَّظَرِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ في هَذِهِ الآَيَةِ: الواوُ لَيْسَتْ مُقْحَمَةً، وتَقْدِيرُهُ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا تَبَرُّعًا ولِوِ افْتَدى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضالُّونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في كَيْفَ يَتَرَتَّبُ كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، ثُمَّ زِيادَةُ كُفْرٍ، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: الآيَةُ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِعِيسى بَعْدَ الإيمانِ بِمُوسى ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ  ؛ وفي هَذا القَوْلِ اضْطِرابٌ، لِأنَّ الَّذِي كَفَرَ بِعِيسى بَعْدَ الإيمانِ بِمُوسى لَيْسَ بِالَّذِي كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ  ، فالآيَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ تَخْلِطُ الأسْلافَ بِالمُخاطَبِينَ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ رَفِيعٌ: الآيَةُ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ  بَعْدَ إيمانِهِمْ بِصِفاتِهِ وإقْرارِهِمْ أنَّها في التَوْراةِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِالذُنُوبِ الَّتِي أصابُوها في خِلافِ النَبِيِّ  ، مِنَ الافْتِراءِ والبَهْتِ والسَعْيِ عَلى الإسْلامِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وعَلى هَذا التَرْتِيبِ يَدْخُلُ في الآيَةِ المُرْتَدُّونَ اللاحِقُونَ بِقُرَيْشٍ وغَيْرُهم.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا ﴾ أيْ تَمُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وبَلَغُوا المَوْتَ بِهِ.

فَيَدْخُلُ في هَذا القَوْلِ اليَهُودُ والمُرْتَدُّونَ.

وقالَ السُدِّيُّ نَحْوَهُ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ تَوْبَةَ هَؤُلاءِ لَنْ تُقْبَلَ، وقَدْ قَرَّرَتِ الشَرِيعَةُ أنَّ تَوْبَةَ كُلِّ كافِرٍ تُقْبَلُ، سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمانٍ وازْدادَ كُفْرًا، أو كانَ كافِرًا مِن أوَّلِ أمْرِهِ، فَلا بُدَّ في هَذِهِ الآيَةِ مِن تَخْصِيصٍ تُحْمَلُ عَلَيْهِ ويَصِحُّ بِهِ نَفْيُ قَبُولِ التَوْبَةِ، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُدِّيُّ: نَفْيُ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ الحَشْرَجَةِ والغَرْغَرَةِ والمُعايَنَةِ، فالمَعْنى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم عِنْدَ المُعايَنَةِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَعْنى الآيَةِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِن تِلْكَ الذُنُوبِ الَّتِي أصابُوها مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ  فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في بَعْضِ الأحْيانِ: نَحْنُ نَتُوبُ مِن هَذِهِ الأفْعالِ وهم مُقِيمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى، أنَّهُ لا يَقْبَلُ تِلْكَ التَوْبَةَ.

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ مِنَ المُرْتَدِّينَ خَتَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وجَعَلَ ذَلِكَ جَزاءً لِجَرِيمَتِهِمْ ونِكايَتِهِمْ في الدِينِ، وهُمُ الَّذِينَ أشارَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا  ﴾ فَأخْبَرَ عنهم أنَّهم لا تَكُونُ لَهم تَوْبَةٌ فَيُتَصَوَّرُ قَبُولُها، فَتَجِيءُ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ الشاعِرِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ.........................

أيْ: قَدْ جَعَلَهُمُ اللهُ مِن سَخَطِهِ في حَيِّزِ مَن لا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ إذْ لَيْسَتْ لَهُمْ، فَهم لا مَحالَةَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ.

ولِذَلِكَ بَيَّنَ حُكْمَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ كُفّارًا بِعَقِبِ الآيَةِ، فَبانَتْ مَنزِلَةُ هَؤُلاءِ، فَكَأنَّهُ أخْبَرَ عن هَؤُلاءِ المُعَيَّنِينَ أنَّهم يَمُوتُونَ كُفّارًا، ثُمَّ أخْبَرَ الناسَ عن حُكْمِ مَن يَمُوتُ كافِرًا و"الضالُّونَ" المُخْطِئُونَ الطَرِيقَ القَوِيمَ في الأقْوالِ والأفْعالِ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "لَنْ نَقْبَلَ" بِنُونِ العَظَمَةِ "تَوْبَتَهُمْ" بِنَصْبِ التاءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ ﴾ ....

الآيَةُ، جَزْمٌ لِلْحُكْمِ عَلى كُلِّ مُوافٍ عَلى الكُفْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "فَلَنْ نَقْبَلَ" بِنُونِ العَظَمَةِ "مَلْءَ الأرْضِ" بِالنَصْبِ، و"المِلْءُ" ما شُحِنَ بِهِ الوِعاءُ، فَهو بِكَسْرِ المِيمِ: الِاسْمُ، وبِفَتْحِها: المَصْدَرُ، تَقُولُ مَلَأْتُ الشَيْءَ أمْلَؤُهُ مَلْئًا والمِلْءُ: اسْمُ ما مَلَأْتَ بِهِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وأبُو السَمّالِ: "مِلُّ" دُونَ هَمْزَةٍ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ؛ و"ذَهَبًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ذَهَبًا لَوِ افْتَدى" بِهِ، دُونَ واوٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: "وَلَوِ افْتَدى"؛ فَقالَ الطَبَرِيُّ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ في آخِرِ الكَلامِ دَلَّ عَلَيْهِ دُخُولُ الواوِ، كَما دَخَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ  ﴾ لِمَتْرُوكٍ مِنَ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ أرَيْناهُ مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ؛ وفي هَذا التَمْثِيلِ نَظَرٌ فَتَأمَّلْهُ.

وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ إنْفاقُهُ وتَقَرُّباتُهُ في الدُنْيا ولَوْ أنْفَقَ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أيْضًا في الآخِرَةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، قالَ: فَأعْلَمَ اللهُ أنَّهُ لا يُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ مِنَ الخَيْرِ، ولا يَقْبَلُ مِنهُمُ الافْتِداءَ مِنَ العَذابِ؛ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.

وقالَ قَوْمٌ: الواوُ زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى نَفْيَ القَبُولِ جُمْلَةً عَلى كُلِّ الوُجُوهِ، ثُمَّ خَصَّ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ ألْيَقَها وأحْراها بِالقَبُولِ، كَما تَقُولُ: أنا لا أفْعَلُ لَكَ كَذا بِوَجْهٍ ولَوْ رَغِبْتَ إلَيَّ؛ وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف لبيان حال الكافرين الذين ماتوا على كفرهم، نشأ عن حكم فريق من الكفار تكرّر منهم الكفر حتى رسخ فيهم وصار لهم ديدَناً.

وإن كان المراد في الآية السابقة من الذين ازدادوا كفراً الذين ماتوا على الكفر، كانت هذه الآية كالتوكيد اللفظي للأولى أعيدت ليبنى عليها قوله: ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ﴾ .

وأياً مّا كان فالمراد بالموصول هنا العموم مثل المعرّف بلام الاستغراق.

والفاء في قوله: ﴿ فلن يقبل ﴾ مؤذنة بمعاملة الموصول معاملة اسم الشرط ليدل على أنّ الصلة هي علة عدم قبول التوبة، ولذلك لم يقترن خبر الموصول بالفاء في الجملة التي قبلها: ﴿ إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم ﴾ [آل عمران: 90] لأنّهم إذا فعلوا ذلك ولم يموتوا كافرين قبلت توبتهم، بخلاف الذين يموتون على الكفر فسبب عدم قبول التوبة منهم مصرّح به، وعليه فجملة فلن يقبل من أحدهم إلى آخرها في موضع خبر (إن) وجملة ﴿ أولئك لهم عذاب أليم ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن الإخبار بأنه لن يقبل من أحدهم فدية ويجوز أن تكون جملة ﴿ فلن يقبل من أحدهم ﴾ إلى آخرها معترضة بين اسم (إنّ) وخبرها مقترنة بالفاء كالتي في قوله تعالى: ﴿ ذلكم فذوقوه وأنّ للكافرين عذاب النار ﴾ [الأنفال: 14] وتكون جملة ﴿ أولئك لهم عذاب أليم ﴾ خبر (إنّ).

ومعنى ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ﴾ لن يقبل منهم بشيء يفتدون به في الآخرة لظهور أن ليس المراد نفي قبول الافتداء في الدنيا؛ ضرورة أنهم وصفوا بأنهم ماتُوا وهم كفار.

والمِلْء بكسر الميم ما يملأ وعاءً، ومِلء الأرض في كلامهم كناية عن الكثرة المتعذّرة، لأنّ الأرض لا يملؤها شيء من الموجودات المقدّرة، وهذا كقولهم عدد رمال الدهناء، وعدد الحصى، ومُيز هذا المقدار بذَهباً لعزة الذهب وتنافس الناس في اقتنائه وقبول حاجة من بذله قال الحريري: وقارنتْ نَجْحَ المساعي خَطْرتُه *** وقوله: ﴿ ولو افتدى به ﴾ جملة في موقع الحال، والواو واو الحال، أي لا يقبل منهم ولو في حال فرض الافتداء به، وحرف (لو) للشرط وحذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، ومثل هذا الاستعمال شائع في كلام العرب، ولكثرته قال كثير من النحاة: إنّ لو وإن الشرطيتين في مثله مجرّدتان عن معنى الشرط لا يقصد بهما إلاّ المبالغة، ولَقبوهُما بالوصليتين: أي أنّهما لِمجرد الوصل والربط في مقام التأكيد.

وتردّدوا أيضاً في إعراب الجملة الواقعة هذَا الموقع، وفي الواو المقترنة بها، والمحققون على أنّها واو الحال وإليه مَال الزمخشري، وابنُ جنّي، والمرزوقي.

ومن النحاة من جعل الواو عاطفة على شرط محذوف هو ضدّ الشرط المذكور: كقوله تعالى: ﴿ كونوا قوّامين بالقسط شهداء للَّه ولو على أنفسكم ﴾ [النساء: 135].

ومن النحاة من جعل الواو للاستئناف، ذكره الرضي رادّاً عليه، وليس حقيقاً بالردّ: فإنّ للاستئناف البياني موقعاً مع هذه الواو.

هذا وإنّ مواقع هذه الواو تؤذن بأنّ الشرط الذي بعدها شرط مفروضٌ هو غاية ما يتوقّع معه انتفاء الحكم الذي قبلها، فيذكره المتكلم لقصد تحقق الحكم في سائر الأحوال كقول عمرو بن معد يكرب: لَيْسَ الجمالُ بمِئْزَرٍ *** فاعْلَمْ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدا ولذلك جرت عادة النحاة أن يقدّروا قبلها شرطاً هو نقيض الشرط الذي بعدها فيقولون في مثل قوله: وإنْ رُدّيت بُردا إنْ لم تُرَدَّ بُردا بل وإن رُدِّيتَ بردا وكذا قول النابغة: سأكْعَمُ كَلبي أَن يَريبَك نبحُه *** ولو كنْتُ أرْعى مُسْحلاننِ فَحَامِرا ولأجل ذلك، ورد إشكال على هذه الآية: لأنّ ما بعد ﴿ ولو ﴾ فيها هو عين ما قبلها، إذ الافتداء هو عين بَذل مِلْءِ الأرض ذهباً، فلا يستقيم تقدير إن لم يفتد به بل ولَو افتدى به، ولذلك احتاج المفسرون إلى تأويلات في هذه الآية: فقال الزجّاج المعنى لن يقبل من أحدهم مِلء الأرض ذهباً ينفقه في الدنيا ولو افتدى به في الآخرة، أي لا يفديهم شيء من العذاب، وهذا الوجه بعيد، إذ لا يقدر أنّ في الآخرة افتداء حتى يبالغ عليه، وقال قوم: الواو زائدة، وقال في «الكشاف»: هو محمول على المعنى كأنه قيل: فلن تقبل من أحدهم فدية ولو افتدى مِلء الأرض ذهباً، يريد أنّ كلمة بمِلء الأرض في قوة كلمة فدية واختُصر بعد ذلك بالضمير، قال ويجوز أن يقدر كلمة (مثل) قبل الضمير المجرور: أي ولو افتدى بمثله أي ولو زاد ضعفَه كقوله: ﴿ ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به ﴾ [الزمر: 47].

وعندي أنّ موقع هذا الشرط في الآية جارٍ على استعمال غفل أهل العربية عن ذكره وهو أن يقع الشرط استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال، محقّق أو مقدّر، يتوهمه المتكلم من المخاطَب فيريد تقريره، فلا يقتضي أنّ شرطها هو غاية للحكم المذكور قبله، بل قد يكون كذلك، وقد يكون السؤال مجرّد استغراب من الحكم فيقع بإعادة ما تضمّنه الحكم تثبيتاً على المتكلم على حدّ قولهم: «ادْرِ ما تقول» فيجيب المتكلم بإعادة السوال تقريراً له وإيذاناً بأنه تكلم عن بينة، نعم إنّ الغالب أن يكون السؤال عن الغاية وذلك كقول رؤبة، وهو من شواهد هذا: قالت بناتُ العَمِّ يا سلمَى وإنْ *** كَان فَقيراً مُعْدِمَا قالتْ وإنْ وقد يحذف السؤال ويبقى الجواب كقول كعب بن زهير: لا تأخُذَنِّي بأقوال الوُشاة ولم *** أذْنِبْ وإنْ كَثُرَتْ فيّ الأقاويل وقد يذكر السؤال ولا يذكر الجواب كقوله تعالى: ﴿ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أوَ لَوْ كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون ﴾ [الزمر: 43] فلو ذكر الجواب من قبل المشركين لأجابوا بتقرير ذلك.

فقوله: ﴿ ولو افتدى به ﴾ جواب سؤاللِ متعجِّببٍ من الحكم وهو قوله: ﴿ فلن يقبل من أحدهم ﴾ فكأنه قال ولو افتدى به فأجيب بتقرير ذلك على حدّ بيت كعب.

فمفاد هذا الشرط حينئذ مجرّد التأكيد.

ويجوز أن يكون الشرط عطفاً على محذوف دلّ عليه افتدى: أي لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً يجعله رَهينة.

ولو بذلُه فدية، لأنّ من عادة العرب أن المطلوب بحق قد يعطي فيه رَهناً إلى أن يقع الصلح أو العفو، وكذلك في الديون، وكانوا إذا تعاهدوا على صلح أعطت القبائل رَهائن منهم كما قال الحارث: واذْكروا حِلْف ذي المَجاز وما قُدِّ *** م فيه العُهُودُ والكُفَلاء: وقع في حديث أبي رافع اليهودي أنّ مُحمد بن مَسلمة قال لأبي رافع: «نرهنك السلاح واللاّمة».

*** وجملة ﴿ أولئك لهم عذاب أليم ﴾ فذلكة للمراد من قوله: ﴿ إنّ الذين كفروا بعد إيمانهم ﴾ [آل عمران: 90] الآيتين.

وقوله: ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ تكميل لنفي أحوال الغَناء عنهم وذلك أنّ المأخوذ بشيء قد يعطي فدية من مال، وقد يكفُله من يوثق بكفالتهم، أو يشفع له من هو مسموع الكلمة، وكلٌّ من الكفيل والشفيع ناصر.

الجزء الرابع <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ كَفَرُوا بِالمَسِيحِ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم عِنْدَ مَوْتِهِمْ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِن ذُنُوبٍ ارْتَكَبُوها مَعَ الإقامَةِ عَلى كُفْرِهِمْ، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ ارْتَدُّوا ثُمَّ عَزَمُوا عَلى إظْهارِ التَّوْبَةِ عَلى طَرِيقِ التَّوْرِيَةِ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى سَرِيرَتِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ  بَعْدَ إيمانِهِمْ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا إلى حُضُورِ آجالِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ﴾ قال: هو كل كافر.

وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟

فيقول: نعم.

فيقال: لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك» فذلك قوله تعالى ﴿ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار...

﴾ الآية.

لفظ ابن جرير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا ﴾ إلى قوله: ﴿ مِلْءُ الْأَرْضِ ﴾ (مِلْءُ (١) (٢) (٣) (٤) وانتصب ﴿ ذَهَبًا ﴾ على التفسير (٥) قال المُفضَّل (٦) (٧) (٨) فإذا قلت: (درهمًا) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقال سيبويه (١٤) (١٥) (١٦) ﴿ مِلْءُ الْأَرْضِ ﴾ (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوِ افْتَدَى بِهِ ﴾ .

قال الفرّاء (١٩) ﴿ وَلِيَكوُنَ مِنَ المُوقِنِينَ  ﴾ ؛ المعنى: لن يُقَبلَ مِن أحَدِهم مِلْءُ الأرضِ ذهبًا، لو افتدى به.

وغَلّطَهُ الزجاجُ وغيرُه (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) قال ابن الأنباري: وهذا آكَدُ في التغليظ عليهم، إذْ كانوا لا يُقبل منهم [مِلْء الأرضِ ذَهَبًا، على جهة الصَّدَقَةِ والتَّقْرُّبِ إلى الله جل وعز، ولا يُقبل منهم] (٢٤) (٢٥) وقد أشار الفراء إلى هذا القول أيضًا، فقال (٢٦) (٢٧) وقال بعض النحويين (٢٨) (٢٩) ﴿ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا ﴾ \[قد عمَّ وجوهَ القَبول\] (٣٠) (٣١) (١) في (ب): (بمثل).

(٢) انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: 776 (ملأ)، "اللسان" 7/ 4252 (ملأ).

(٣) في (ب): الملاء والملاء.

وهكذا رسمت (مل) في نسخة (ب) فيما سيأتي.

المِلْءُ -بالكسر-: اسم ما يأخذه الإناء إذا امتلأ.

والمَلْءُ -بالفتح-: المصدر.

(ملأ الشيء، يملؤه مَلْأً).

انظر: (ملأ) في "اللسان" 7/ 4252، "القاموس" (1335).

(٤) في (ب): (والري).

الرِّعي -بالكسر-: الكلأ، والجمع: أرْعاء.

والرعي -بالفتح-: المصدر.

انظر: (رعى) في "اللسان" 3/ 1676 - 1677، "القاموس" (1289).

(٥) التفسير -هنا- بمعنى: التمييز، ويقال له - كذلك: التبيين.

وكونه منصوبًا على التمييز، هو قول عامة أهل النحو.

انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 225، "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 442.

وذهب الكسائي إلى انه منصوب بنزع الخافض.

انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 71 أ، "تفسير القرطبي" 4/ 131.

وقال السمين الحلبي -عن هذا القول-: (وهذا كالأول؛ لأن التمييز مقدر بـ"مِن").

"الدر المصون" 3/ 206.

(٦) من قوله: (قال المفضل ..) إلى (ما لا عامل فيه): نقله -بنصه- عن "تفسير الثعلبي" 3/ 70 ب.

وأورده القرطبي في "تفسيره" 4/ 131.

(٧) في (ب): (العدد)، وفي (ج): (والعدد).

(٨) في (ج): (والمعدوم).

(٩) في (ج): (درهم).

وعند الثعلبي: (عشرون درهما).

(١٠) في (ب)، (ج)، "تفسير الثعلبي": (تبين).

(١١) ما بين المعقوفين: غير مقروءة في (أ).

وفي (ب): فضلًا.

والمثبت من: (ج)، "تفسير الثعلبي".

(١٢) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج)، "تفسير الثعلبي".

(١٣) في (ب): (أحد).

(١٤) لم أقف على موضع قوله في كتابه، وقد ذكره الزجاج في "معانيه" 1/ 442.

(١٥) في (ب): (خبرا).

(١٦) في (ب): (الملاء).

(١٧) أي: إننا شغلنا الإضافة بالاسم الذي قبل ﴿ ذَهَبًا ﴾ ، وهو ﴿ الأَرْضِ ﴾ ، فانجرت ﴿ الأَرْضِ ﴾ بالإضافة، ثم جاء ﴿ ذَهَبًا ﴾ فانتصب كما ينتصب الحالُ، أو المفعول إذا جاء من بعد الفاعل.

(١٨) في (ج): (لصاحبها).

أي: بصاحب الحال، كقولنا: (جاء عبدُ الله راكبًا) فشغلنا الفعل بـ (عبد الله) وهو صاحب الحال فرفعه، فبقيت (راكبًا) ليس لها ما يرفعها ولا ما يجرها، فانتصبت.

(١٩) في "معاني القرآن" له: 1/ 226.

(٢٠) انظر: "معاني القرآن" للزجاج:1/ 441، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 437.

(٢١) في (ب): (ولو).

(٢٢) هو: بياض في (ج).

(٢٣) انظر: "الكامل" للمبرد: 1/ 277، "تفسير الطبري" 3/ 346، "المحرر الوجيز" 3/ 211.

(٢٤) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).

(٢٥) قال رسول الله  : "يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبًا، أكنت تفتدي به؟

فيقول: نعم.

فيقال له: قد كنت سُئلت ما هو أيسر من ذلك".

رواه البخاري في "صحيحه" (6538).

كتاب الرقاق، باب: من نوقش الحساب فقد عُذب، ومسلم في "صحيحه" (2805) كتاب: صفات المنافقين، باب: طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبًا، رقم (2805) وفي لفظه عنده: "قد == أردت منك أهون من هذا وأنت في صُلْبِ آدم: أن لا تشركَ -وأحسبه قال- ولا أدخِلكَ النار، فأبيت إلا الشرك".

(٢٦) في "معاني القرآن" له: 1/ 226.

(٢٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

ومثبت من: (ب)، (ج)، "معاني القرآن".

(٢٨) لم أقف عليهم.

(٢٩) (وذلك): ساقطة من: (ج).

(٣٠) ما بين المعقوفين: غير مقروء تمامًا في (أ).

وفي (ب): قد أجمل القبول.

والمثبت من: (ج).

(٣١) أي: أنه نفى جميع وجوه القبول، ثم خص من تلك الوجوه: أليقها وأحراها بالقبول، وهو: الافتداء، فنفاه كذلك.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والناس أَجْمَعِينَ ﴾ عموم بمعنى الخصوص في المؤمنين، أو على عمومه وتكون اللعنة في الآخرة ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ الضمير عائد على اللعنة، وقيل: على النار وإن لم تكن ذكرت؛ لأنّ المعنى يقتضيها ﴿ ثُمَّ ازدادوا كُفْراً ﴾ قيل: هم اليهود كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفراً بعداوتهم له وطعنهم عليه؛ وقيل هم الذين ارتدّوا ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ قيل: ذلك عبارة عن موتهم على الكفر: أي ليس لهم توبة فتقبل، وذلك في قوم بأعيانهم ختم الله لهم بالكفر، وقيل: لن تقبل توبتهم مع إقامتهم على الكفر، فذلك عامّ ﴿ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ﴾ جزْمٌ بالعذاب لكل من مات على الكفر.

والواو في قوله: ﴿ وَلَوِ افتدى بِهِ ﴾ ، قيل: زيادة وقيل: للعطف على محذوف، كأنه قال: لن يقبل من أحدهم لو تصدّق به ﴿ ولو افتدى به ﴾ وقيل: نفى أولاً القبول جملة على الوجوه كلها، ثم خص الفدية بالنفي كقولك: أنا لا أفعل كذا أصلاً ولو رغبت إليّ.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لما ﴾ بكسر اللام حمزة الخزا.

الباقون بفتحها.

﴿ آتيناكم ﴾ على صيغة جمع المتكلم: أبو جعفر ونافع.

الباقون ﴿ آتيتكم ﴾ على الوحدة ﴿ يبغون ﴾ بياء الغيبة و ﴿ ترجعون ﴾ بتاء الخطاب مبنياً للمفعول: أبو عمرو غير عباس.

وقرأ عباس وسهل وحفص بالياء التحتانية فيهما وقرأ يعقوب ﴿ يبغون ﴾ بالياء التحتانية ﴿ يرجعون ﴾ بالتحتانية مبنياً للفاعل.

الباقون بتاء الخطاب فيهما ﴿ ملء ﴾ بالهمزة ﴿ الأرض ﴾ بغير الهمز.

روى النجاري عن ورش وروى الأصفهاني عنه بغير همز فيهما.

الباقون بالهمز فيهما.

الوقوف: ﴿ ولتنصرنه ﴾ ط ﴿ إصري ﴾ ط ﴿ أقررنا ﴾ ط ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ص ﴿ منهم ﴾ ج ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ البينات ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ اجمعين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج (لا) ﴿ ينظرون ﴾ ه (لا) للاستثناء ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ توبتهم ﴾ ج ﴿ الضالون ﴾ ه، ﴿ افتدى به ﴾ ط ﴿ ناصرين ﴾ ه.

التفسير: الغرض من هذه الآيات تعديد الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوة محمد  قطعاً لأعذارهم وإظهاراً لعنادهم من جملتها أخذ ميثاق النبيين.

قال الزجاج: تقديره واذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ الله.

وقيل: واذكروا يا أهل الكتاب.

وإضافة الميثاق إلى النبيين إما أن تكون من إضافة العهد إلى المعاهد منه، أو من إضافة / العهد إلى المعاهد كما تقول: ميثاق الله وعهد الله.

أما الاحتمال الأول فيؤيده ما يشعر به ظاهر اللفظ من أن آخذ الميثاق هو الله والمأخوذ منهم النبيون وهو قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس.

ثم على هذا القول ما نقل عن علي أنه ما بعث آدم ومن بعده من الأنبياء إلا أخذ عليهم العهد لئن بعث محمد  وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه , والذي يدل على صحته ما روي أنه  قال: " لقد جئتكم بها بيضاء نقية أما والله لو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا اتباعي" فهذا على سبيل الفرض والتقدير، وهو أنهم لو كانوا أحياء لوجب عليهم الإيمان بمحمد وإلا فالميت لا يكون مكلفاً.

وقيل: المراد أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف، أو أمة النبيين فقد ورد كثيراً في القرآن لفظ النبي  ويراد به الأمة كقوله ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء  ﴾ وقيل: النبيون أهل الكتاب وقد ورد على زعمهم تهكماً بهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد  لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون.

ويؤكده قراءة أبي وابن مسعود ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ وأما الاحتمال الثاني فالمعنى أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد  فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به، ويؤكده أنه  حكم بأنهم إن تولوا كانوا فاسقين وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء وإنما يليق بالأمم.

وروي عن ابن عباس أنه قيل له: إن أصحاب عبد الله يقرأون ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ ونحن نقرأ ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ فقال: إنما أخذ الله ميثاق النيبين على قومهم ﴿ لما آتيتكم ﴾ من قرأ بفتح اللام ففيه وجهان: أحدهما: أن " ما " تكون موصولة واللام للابتداء وخبره ﴿ لتؤمنن ﴾ واللام فيه جواب القسم المقدر.

والعائد على الموصول في ﴿ آتيتكم ﴾ محذوف وفي ﴿ جاءكم ﴾ ما يدل عليه ﴿ لما معكم ﴾ لأنه في معنى "ما آتيتكم" والتقدير للذي آتيتكموه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق له والله لتؤمنن به - وثانيهما - واختاره سيبويه وغيره - كيلا يفتقر إلى تكلف الرابط أن يقال: أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف.

و " ما " هي المتضمنة لمعنى الشرط وحينئذٍ يحتاج القسم إلى الجواب والشرط إلى الجزاء، وليس ههنا ما يصلح لكل منهما إلا الإيمان والنصرة.

فالأصح في هذا المقام أن يجعل المذكور جواباً للقسم ظاهراً، ولهذا أدخل اللام والنون المؤكدة في " لتؤمنن " و " لتنصرن " وأدخل اللام في الشرط وتسمى موطئة لأنها تعين من أول الأمر وتمهد أن المذكور هو جواب القسم لا الشرط.

ثم إن جواب الشرط يكون مستغنى عنه لأن جواب القسم يسد مسدّه.

ومن قرأ بكسر اللام للتعليل ففيه أيضاً وجهان: أحدهما أن تكون " ما " / مصدرية أي أخذ الله ميثاقهم لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول الله  موافقاً لكم في الأصول لتؤمنن به، لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء، والثاني أن تكون " ما " موصولة وبيان الرابط كما مر.

وعن سعيد بن جبير ﴿ لما ﴾ بالتشديد بمعنى " حين ".

وقيل: أصله " لمن ما" أي لمن أجل ما آتيتكم.

أدغمت النون في الميم فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفوا إحداها للتخفيف فيؤل المعنى إلى قراءة حمزة.

وفي جميع القراآت قيل: لا بد من إضمار بأن يقال: وإذا أخذ الله ميثاق النبيين فقال مخاطباً لهم لما آتيتكم.

قلت: هذا من باب الالتفات فلا حاجة إلى الإضمار فكأنه قيل: وإذ أخذت أو أخذنا.

ولما في أخذ الميثاق من معنى القول.

ومن العلماء من قدر الإضمار بنوع آخر واستحسنه في التفسير الكبير مع أنه متكلف فقال: وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه.

والنبيون عام وليس كلهم أصحاب كتاب ولكنه وصف الكل بوصف أشرفهم، أو الكتاب لذوي الكتب والحكمة لغيرهم، أو جعل الداعي إلى الكتاب وإلى العمل به كالذي أنزل عليه.

و "من " للبيان أو للتبعيض.

وقوله: ﴿ ثم جاءكم ﴾ والرسول لا يجيء إلى النبيين وإنما يجيء إلى الأمم معناه أي في زمانكم وإن كان المراد من النبيين أولادهم أو أممهم فلا إشكال.

والمراد بتصديقه لما معهم موافقته في التوحيد والنبوات وأصول الشرائع.

فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها فذاك في الحقيقة ليس بخلاف لأن جميع الأنبياء متفقون على أن الحق في زمان موسى ليس إلا شرعه  وأن الحق في زمان محمد  ليس الاشرعه  .

ولو قلنا: إن المراد بالرسول هو محمد  فالمراد إما ما ذكرنا أو أن نعته وصفته وأحواله مذكورة في الكتب المتقدمة، فكان نفس مجيئه تصديقاً لما كان معهم.

الظاهر أن المراد بهذا الميثاق هو التوصية بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقاً لما معهم.وقيل: يحتمل أن يكون الميثاق إشارة إلى ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر الله واجب، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولاً عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه، فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه.

وقيل: المراد بأخذ الميثاق أنه  شرح صفاته  في كتب الأنبياء المتقدمين، فإذا صارت أحواله  مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية وجب الانقياد له  ، وهذا إنما يصح لو كان المراد بالنيين أولادهم أو أممهم أو ميثاق النبيين من الأمم أو ميثاق الله من النبيين على تقدير كونهم أحياء.

أقول والله أعلم: يحتمل أن يراد بقوله ﴿ ثم جاءكم ﴾ / المجيء في الزمان الماضي، فيكون معنى الآية أن الله  أخذ ميثاقه من كل نبي أوتي كتاباً وحكمة أن يؤمن بكل رسول كان قد جاء قبله موافقاً لما معه وينصر دينه بأن يظهر حقيته في وقته وأنه من عند الله  وأنه موافق له في أصول العقائد وفي قواعد مكارم الأخلاق، فتكون هذه الآية تمهيداً لما يجيء بعد من قوله: ﴿ قل آمنا بالله ﴾ الآية.

﴿ قال ﴾ الله أو كل نبي لأمته مستفهماً بمعنى الأمر ﴿ أأقررتم ﴾ بالإيمان به والنصرة؟

والإقرار في الشرع إخبار عن ثبوت حق سابق.

وفي اللغة منقول بهمزة التعدية من قر الشيء يقر إذا ثبت ولزم مكانه ﴿ وأخذتم ﴾ أي قبلتم ﴿ على ذلكم أصري ﴾ عهدي.والأخذ بمعنى القبول كثير قال  : ﴿ لا يؤخذ منها عدل  ﴾ أي لا يقبل.

ويأخذ الصدقات أي يقبلها.

سمي العهد أصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد.

ثم بعد المطالبة بالإقرار أكد ذلك بالإشهاد وقال: ﴿ فاشهدوا ﴾ أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار.

وفي قوله: ﴿ وأنا معكم من الشاهدين ﴾ وأنه لا يخفى عليه خافية، تذكير لهم وتوكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض.

وقيل: فاشهدوا خطاب للملائكة.

وقيل: معناه ليجعل كل أحد نفسه شاهداً على نفسه كقوله: ﴿ وأشهدهم على أنفسهم  ﴾ وقيل: بينوا هذا الميثاق للخاص والعام حتى لا يبقى لأحد عذر في الجهل به.

وأصله أن الشاهد هو الذي يبين تصديق الدعوى.

وقيل: استيقنوا وكونوا كالمشاهد للشيء المعاين له، أو يكون خطاباً للأنبياء بأن يكونوا شاهدين على الأمم.

ثم ضم إلى توكيد الوعيد بقوله: ﴿ فمن تولى بعد ذلك ﴾ الميثاق وصنوف التوكيد فلم يؤمن ولم ينصر ﴿ فأولئك هم الفاسقون ﴾ الخارجون عن دين الله وطاعته، ووعيد الفساق المردة معلوم.

ثم وبخ من خرج من دين الله إلى غيره بإدخال همزة الاستفهام على الفاء العاطفة فقال: ﴿ أفغير دين الله يبغون ﴾ ويحتمل أن يراد أيتولون فغير دين الله يبغون ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فيهما فلأن ما قبله خطاب في " أقررتم " و " أخذتم " أو للالتفات بعد قوله ﴿ أولئك هم الفاسقون ﴾ ومن قرأ بياء الغيبة فلرجوع الضمير في الأول إلى الفاسقين، وفي الثاني إلى جميع المكلفين.

والأصل أفتبتغون غير دين الله؟

لأن الاستفهام إنما يكون عن الحوادث إلا أنه قدم المفعول لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذي هو فائدة الهمزة ههنا متوجه إلى الدين الباطل.

وعن ابن عباس "أن أهل الكتابين اختصموا إلى رسول الله  فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم، فكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به فقال  : كل الفريقين بريء من دين إبراهيم.

فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلت" .

وعلى هذا تكون الآية كالمنقطعة عما قبلها، ولكن / الاستفهام على سبيل الإإنكار يقتضي تعلقها بما قبلها، فالوجه أن هذا الميثاق لما كان مذكوراً في كتبهم ولم يكن لكفرهم سبب إلا مجرد البغي والعناد، كانوا طالبين ديناً غير دين الله، فاستنكر أن يفعلوا ذلك أو قرر أنهم يفعلون.

ثم بيّن أن الإعراض عن دين الله خارج عن قضية العقل، وكيف لا وقد أخلص له  الانقياد وخصص له الخضوع كل من سواه، لأن ما عداه كل ممكن وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه، فهو ذليل بين يدي قدرته، خاضع لجلال قدره في طرفي وجوده وعدمه عقلاً كان أو نفساً أو روحاً أو جسماً أو جوهراً أو عرضاً أو فاعلاً أو فعلاً.

ونظير الآية ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض  ﴾ فلا سبيل لأحد إلى الامتناع عن مراده ﴿ طوعاً وكرهاً ﴾ وهما مصدران وقعا موقع الحال لأنهما من جنس الفعل أي طائعين وكارهين كقولك: أتاني راكضاً.

ولو قلت أتاني كلاماً أي متكلماً لم يجز لأن الكلام ليس من جنس الإتيات.

فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعاً فيما يتعلق بالدين وكرهاً في غيره من الآلام والمكاره التي تخالف طباعهم، لأنهم لا يمكنهم دفع قضائه وقدره.

وأما الكافرون فينقادون في الدين كرهاً أي خوفاً من السيف أو عند الموت أو نزول العذاب.

وعن الحسن: الطوع لأهل السموات، والكره لأهل الأرض.

أقول: وذلك لأن السفلي ينجذب بالطبع إلى السفل فحمله نفسه على ما يخالف طبعه هو الكره.

وبلسان الصوفية من شاهد الجمال أسلم طوعاً، ومن شاهد الجلال أسلم كرهاً.

فليس الاعتبار بذلك الإسلام الفطري بل الاعتبار بهذا الإسلام الكسبي ﴿ وإليه ترجعون ﴾ أي إلى حيث لا مالك سواه ظاهراً وباطناً، وفيه وعيد شديد لمن خالف الدين الحق إلى غيره.

ثم إنه  لما بين أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق كل رسول كان قبله، أمر النبي  بذلك ليعرف منه غاية إذعانه ونهاية استسلامه.

أما وجه التوحيد في ﴿ قل ﴾ فظاهر، بناء على ما قلنا، وأما وجه الجمع في ﴿ آمنا ﴾ فلتشريف أمته بانضمامهم معه في سلك الإخبار عن الإيمان، أو ليعلم أن هذا التكليف ليس من خواصه وإنما هو لازم لجميع المؤمنين كقوله: ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته  ﴾ أو لإجلال قدر نبيه حيث أمر أن يتكلم عن نفسه كما يتكلم العظماء والملوك.

وقدم الإيمان بالله لأنه أصل جميع العقائد، ثم ذكر الإيمان بما أنزل الله إلأيه لأن كتب سائر الأنبياء محرفة لا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بالفرقان المنزل على محمد  ، ثم ذكر الإيمان بما أنزل على مشاهير الأنبياء إذ لا سبيل إلى حصر الكل، وفي ذلك تنبيه على سوء عقيدة أهل الكتاب حيث فرقوا بين الأنبياء فصدقوا بعضاً وكذبوا بعضاً، ورمز إلى أنهم ليسوا من الدين في شيء حيث خالفوا مقتضى الميثاق.

ثم إن قلنا إنه تعالى أخذ الميثاق على كل نبي أن يؤمن بكل رسول جاء بعده كما ذهب إليه الجمهور في / تفسير قوله: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين  ﴾ فههنا قد أخذ الميثاق على محمد  بأن يؤمن بكل رسول كان قبله ولم يؤخذ عليه الميثاق لمن يأتي بعده فيكون في الآية دليل على أنه لا نبي بعده.

واعلم أن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل فيجوز أن يعدّى أنزل بـ " على " تارة كما في هذه الآية، وبحرف الانتهاء أخرى كما في البقرة.

فنطق القرآن بالاعتبارين جميعاً.

وقيل: عُدي هناك بـ "إلى" لمكان ﴿ قولوا ﴾ فإن الوحي يأتي الأمة بطريق الانتهاء، وعدي ههنا بـ "على" لمكان ﴿ قل ﴾ فإن الرسول يأتيه الوحي بطريق الاستقلال وزيفه في الكشاف بقوله  : ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب  ﴾ وبقوله: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا  ﴾ والإنصاف أن هذا القائل لم يدع أن هذه المناسبة يجب اعتبارها في كل موضع وإنما ادعى اعتبارها في الموضعين فيصلح حجة للتخصيص والله أعلم.

﴿ ونحن له مسلمون ﴾ فائدة تقديم الجار أن يعلم أن هذا الإذعان والإيمان والاستسلام لا غرض فيه إلا وجه الله دون شيء آخر من طلب المال والجاه، بخلاف أحبار اليهود الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً فليسوا من الإسلام في شيء ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ﴾ فماذا بعد الحق إلا الضلال؟

﴿ وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾ حيث فاته الثواب وحصل مكانه العقاب.

والخاسرون ههنا هم الكافرون فقط عند أهل السنة، ومع أصحاب الكبائر عند المعتزلة.

وقد يستدل بالآية على أن الإيمان والإسلام واحد إذ لو كان الإيمان غير الإسلام كان غير مقبول، لأن كل ما هو غير الإسلام ليس بمقبول عند الله للآية.

وقد ذكرنا مراراً أن النزاع لفظي لأن الإسلام إن أريد به الانقياد الكلي فلا فرق بينه وبين الإيمان كما في هذه الآية، وإن أريد به الإقرار باللسان فالفرق بناء على أن الاعتقاد القلبي داخل في مفهوم الإيمان، وعلى الفرق ورد قوله  : ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا  ﴾ ثم بيّن وعيد من ترك الإسلام فقال: ﴿ كيف يهدي الله ﴾ واختلف في سبب النزول، ففي رواية عن ابن عباس نزلت في يهود قريضة والنضير ومن دان بدينهم، كفروا بالنبي بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه وكانوا يشهدون له بالنبوة فلما بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا به بغياً وحسداً وعناداً ولدداً.

وفي رواية أخرى عنه: نزلت في رهط كانوا أسلموا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة، ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب بقوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ وعن مجاهد قال: كان الحرث بن سويد قد أسلم وكان مع رسول الله  ثم لحق بقومه وكفر فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ فحملهن إليه رجل من قومه فقرأهن عليه فقال الحرث: والله إنك لصدوق وإن رسول الله  / لأصدق منك وإن الله أصدق الثلاثة، ثم رجع فأسلم إسلاماً حسناً.

قالت المعتزلة في الآية: إن أصولنا تشهد بأنه  هدى جميع الخلق إلى الدين بمعنى التعريف ووضع الدلائل وإلا كان الكافر معذوراً ولا يحسن ذمه على الكفر.

ثم إنه حكم بأنه لم يهد هؤلاء الكفار فلا بد من تفسير الآية بشيء أخر سوى نصب الدلائل.قالوا: فالمراد بهذه الهداية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين ثواباً لهم على إيمانهم كما قال: ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا  ﴾ وقال: ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى  ﴾ أو المعنى لا يهديهم إلى الجنة كقوله: ﴿ ولا يهديهم طريقاً إلا طريق جهنم  ﴾ وقوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار  ﴾ وقال أهل السنة: المراد بالهداية خلق المعرفة.

وقد جرت سنة الله في باب التكليف وفي دار العمل أن كل فعل يقصد العبد إلى تحصيله فإنه الله يخلقه عقيب قصد العبد فكأنه  قال: كيف يخلق الله فيهم المعرفة والهداية وهم قصدوا تحصيل الكفر وأرادوه.؟

وقال أهل التحقيق: كيف يهدي الله إليه قوماً احتجبوا بالصفات الإنسانية والطبائع الحيوانية عن الأخلاق الربانية.

وقوله: ﴿ وشهدوا ﴾ عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل إذ هو في تقدير أن آمنوا كقوله  : ﴿ فأصدق وأكن  ﴾ ويجوز أن يكون الواو للحال بإضمار "قد" أي كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق.

وكيفما كان فمعنى الآية يؤل إلى أنه  لا يهدي قوماً كفروا بعد الإيمان وبعد الشهادة بأن الرسول حق في نفسه غير باطل ولا مما يسوغ إنكاره بعد أن جاءتهم الشواهد الدالة على صدقه من القرآن وغيره، لكن الشهادة هي الإقرار باللسان، فيكون المراد من الإيمان هو التصديق بالقلب ليكون المعطوف مغايراً للمعطوف عليه.

﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الواضعين للشيء في غير موضعه وذلك أن الخصال الثلاث - أعني الإيمان والشهادة ومشاهدة المعجزات - توجب مزيد الإيمان بالنبي المبعوث في آخر الزمان لا الكفر والعناد.

وفيه دليل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل ولهذا صرح في آخر الآية بأنه  لا يهديهم بعد أن عرض بذلك في أول الآية، ثم أردفه بغاية الوعيد قائلاً ﴿ أولئك جزاؤهم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ وقد مر مثله في البقرة.

وهذا تحقيق قول المتكلمين بأن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة.

﴿ إلا الذين تابوا من بعد ذلك ﴾ الكفر العظيم.

ولا يكفي التوبة وحدها حتى يضاف إليها العمل الصالح فلهذا قال: ﴿ وأصلحوا ﴾ أي باطنهم مع الحق بالمراجعات، وظاهرهم مع الخلق بالعبادات، وأظهروا إنا كنا على الباطل حتى لو اغتر بطريقتهم المنحرفة مغتر رجع عنها.

﴿ فإن الله غفور ﴾ في الدنيا بالستر ﴿ رحيم ﴾ في الآخرة بالعفو.

أو غفور بإزالة العقاب، / رحيم بإعطاء الثواب.

قوله  ﴿ إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً ﴾ ازدياد الكفر قد يراد به الإصرار على الكفر، وقد يراد به ضم كفر إلى كفره وهو المراد في الآية باتفاق عامة المفسرين.

ثم اختلفوا فقيل: إنهم أهل الكتاب آمنوا بمحمد  قبل مبعثه ثم كفروا به عند المبعث ثم ازدادوا كفراً بسبب طعنهم فيه كل وقت، وإنكارهم لكل معجز يظهر عليه إلى غير ذلك من تخليطاتهم وتغليطاتهم.

وقيل: إن اليهود كانوا مؤمنين بموسى ثم كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفراً بمحمد  والقرآن.

وهذا قول الحسن وقتادة وعطاء، وقيل: نزلت في الذين ارتدوا وذهبوا إلى مكة، وازديادهم الكفر أنهم قالوا: نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون.

وقيل: عزموا على الرجوع إلى الإسلام على سبيل النفاق فسمى الله  ذلك النفاق زيادة في الكفر, ثم إنه  حكم في الآية الأولى بقبول توبة المرتدين، وحكم تعالى في هذه الآية بعدم قبولها، وهذا يوهم التناقض.

وأيضاً ثبت بالدليل أن التوبة بشروطها مقبولة فما معنى قوله ﴿ لن تقبل توبتهم ﴾ قال الحسن وقتادة وعطاء: المراد بازدياد الكفر إصرارهم عليه فلا يتوبون إلا عند حضور الموت، والتوبة حينئذٍ لا تقبل لقوله  : ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن  ﴾ وقيل: هي محمولة على ما إذا تابوا باللسان لا عن الإخلاص.

وقال القاضي والقفال وابن الأنباري: هي من تتمة قوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ يريد أنه لو كفر بعد التوبة الأولى فإن التوبة الأولى لا تكون مقبولة.

وقيل: لعل المراد أن التوبة من تلك الزيادة لا تكون مقبولة ما لم يتب عن الأصل المزيد عليه.

أقول: ويحتمل أن يكون لن تقبل توبتهم جعل كناية الموت على الكفر كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين المصرين على الكفر ما يتوبون عن الكفر لما في فعلهم من قساوة القلوب والإفضاء إلى الرين وانجراره إلى الموت على حالة الكفر.

وفائدة هذه الكناية تصير كونهم آيسين من الرحمة، هذا إذا خصصنا اليهود والمرتدين بالمصرين، أما على تقدير التعميم فنقول: إنما يجعل الموت على الكفر لازماً لازدياد كفرهم لأن القضية حينئذٍ لا تكون كلية، فكم من مرتد أو يهودي مزداد للكفر لا بمعنى الإصرار يرجع إلى الإسلام ولا يموت على الكفر.

فاكتفى بذكر لازم الموت على الكفر وهو عدم قبول التوبة حتى برز الكلام في معرض الكناية.

ومن المعلوم أنها ذكر اللازم وإرادة الملزوم، وأنه لا بد للعدول من فائدة، فصح أن نبين فائدة العدول على وجه يصير القضية كلية وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار وإبراز حالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدها، ألا ترى أن الموت على الكفر إنما يخاف لأجل اليأس من الرحمة، وهذا هو الذي عول عليه في الكشاف.

والحاصل أنه / كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين الذين فعلوا ما فعلوا من حقهم أن لا تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون الكاملون في الضلال، ضلوا في تيه الأوصاف البهيمة والأخلاق السبعية فلم يكادوا يخرجون منها بقدم الإنابة.

واعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام: أحدها الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذي سيق لأجله الآية التي ردفها الاستثناء، وثانيها الذي يتوب توبة فاسدة وهو المذكور في قوله: ﴿ لن تقبل توبتهم ﴾ على وجه.

وثالثها الذي يموت على الكفر من غير توبة فذكره في الآية الأخيرة.

وملْ الشيء قدر ما يملؤه و ﴿ ذهباً ﴾ نصب على التمييز.

وربما يقال على التفسير، ومعناه أن يكون الكلام تاماً إلا أنه يكون مبهماً كقولك "عندي عشرون" فالعدد معلوم والمعدود مبهم.

فإذا قلت "درهماً" فسرت العدد.

ومعنى الفاء في ﴿ فلن يقبل ﴾ أن يعلم أن الكلام مبني على الشرط والجزاء، وإذا ترك كما في الآية الأولى فلعدم قصد التسبيب والاكتفاء بمجرد الحمل والوضع.

هذا ما قاله النحويون ومنهم صاحب الكشاف.

وليت شعري أنهم لو سئلوا عن تخصيص كل موضع بما خصص به فبماذا يجيبون؟

ولعل عقيدتهم في أمثال هذه المواضع أنها من الأسئلة المتقلبة وهو وهم.

والسر في التخصيص هو أنه لما قيد في الجملة الثانية أنهم قد ماتوا على الكفر زيدت فاء السببية الجزائية تأكيداً للزوم وتغليظاً في الوعيد والله أعلم.

أما الواو في قوله ﴿ ولو افتدى به ﴾ فإنها تشبه عطف الشيء على نفسه لأنه كالمكرر، فلهذا كثر أقاويل العلماء فيه فقال الزجاج وابن الأنباري: إنها للعطف والتقدير: لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهباً لم يمنعه ذلك مع كفره ولو افتدى به أيضاً لم يقبل منه.

وقيل: إنها لبيان التفصيل بعد الإجمال فإن إعطاء ملء الأرض ذهباً يحتمل الوجوه الكثيرة، فنص على نفي القبول بجهة الفدية.

وقيل: إن الملوك قد لا يقبلون الهدية ويقبلون الفدية، فإذا لم يقبلوا الفدية كان ذلك غاية الغضب ونهاية السخط، فعبر بنفي قبول الفداء عن شدة الغضب.

وقيل: إنه محمول على المعنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً.

وقيل: يجوز أن يراد ولو افتدى بمثله كقوله: ﴿ ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به  ﴾ والمثل يحذف كثيراً في كلامهم مثل: ضربت ضرب زيد.

أي مثل ضربه.

و" أبو يوسف وأبو حنيفة " تريد مثله.

كما أنه يراد به في نحو قولهم "مثلك لا يفعل" كذا أي أنت.

وذلك أن المثلين يقوم أحدهما مقام الآخر في أغلب الأمور فكانا في حكم شيء واحد، فإن قيل: من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة شيئا، وبتقدير أن يملك فلا نفع في الذهب هناك، فما فائدة هذا الكلام؟

فالجواب أنه على سبيل الفرض والتقدير، والذهب / كناية عن أعزالأشياء.

والمراد أنه لو قدر على أعز الأشياء وفرض أن في بذله نفعاً للآخذ وأن المبذول في غاية الكثرة لعجز أن يتوصل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب ربه.

ثم صرح بعقابهم ونفى من يشفع لهم فقال: ﴿ أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ﴾ قال أهل التحقيق: وماتوا أي ماتت قلوبهم ﴿ أولئك لهم عذاب أليم ﴾ بموت القلب وفقد المعرفة ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ على إحياء القلب بنور المعرفة حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً [لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} الآية: اختلف فيه، قيل: قوله: ﴿ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ ﴾ ]، أي: ماتوا على ذلك، فذلك زيادتهم الكفر.

وقيل: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : بعيسى بعد الإيمان بالرسل جميعاً، ثم ازدادوا كفراً: بمحمد  ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ ، قيل: لن تقبل توبتهم التي تابوا مرة ثم تركوها.

وقيل: ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ التي أظهروا باللسان، وما كان ذلك في قلوبهم، أي: ليست لهم توبة [إلا أن] يكون توبة منهم فترد؛ كقوله: ﴿ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ  ﴾ .

وقيل: هم قوم علم الله أنهم لا يتوبون أبداً؛ فأخبر أنه لا يقبل توتبهم؛ كقوله: ﴿ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ .

وقيل: لا تقبل توبتهم عند الموت؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ  ﴾ : أخبر أنه لا ينفع الإيمان في ذلك الوقت؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ في ذلك الوقت؛ إذا داموا على الكفر إلى ذلك الوقت.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ -: ذلك في قوم مخصوصين، أي: لا يكون منهم توبة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ  ﴾ ، أي: لا شافع لهم، ويحتمل عند رؤية بأس الله وجزاء فعله عند القيامة أو معاينة الموت؛ يدل على ذلك الآية التي تقدمت.

وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً...

﴾ الآية.

قوله: ﴿ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ ﴾ ، يقول: لو كان معهم لافتدوا به أنفسهم - ما قبل منهم، ولكن لا يكون؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ  ﴾ ، أي: لا يكون لهم شفيع، لا أن كان لهم شفعاء فيشفعون فلا تقبل شفاعتهم، ولكن لا يكون لهم؛ فهذا يدل على أن قوله: ﴿ لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ ، أي: لا يتوبون، والله أعلم.

وروي عن أنس بن مالك -  - أن نبي الله  قال: "يُجَاءُ بالكَافِرِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: أَرأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلءُ الأرْضِ ذهباً، أكُنْتَ مُفْتَدياً به؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبّ، فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ!" وقوله: ﴿ لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ .

يحتمل أن تكون الآية - والله أعلم - في كفار منعهم عن الإسلام الزكاةُ والصدقات التي تجب في الأموال؛ كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ * فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ...

﴾ الآية [التوبة: 75-76]، إلى قوله: ﴿ بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ  ﴾ : أخبر - عز وجل - لن تنالوا الإسلام حتى تنفقوا مما تحبّون من الأموال؛ وكقوله: ﴿ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ  ﴾ .

وتحتمل الآية في المؤمنين؛ رغبهم - عز وجل - في إنفاق ما يحبّون؛ كقوله: ﴿ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ﴾ الآية [البقرة: 177]: أخبر أنّ البرّ ما ذكر: من الإيمان به؛ وإيتاء المال في حبه.

ورُوي عن أنس -  - قال: لما نزل قوله -  -: ﴿ لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ ، قال أبو طلحة: يا رسول الله، حائطي الذي في مكان كذا وكذا فهو لله، ولو استطعت أن أسرّه ما أعلنته؛ فقال رسول الله  : "اجْعَلْهُ في قَرَابَتِكَ - أو أَقْرِبَائِكَ" وروي عن ابن عمر -  - أنه لما نزل هذا: أعتق جارية.

ثم اختلف في البرِّ، قيل: البرّ هو الجنة ههنا.

وقيل: البر هو الإسلام، إن كان في الكافرين.

وقيل: لن تنالوا درجات الجنة، وما عند الله من الثواب إلا بإنفاق ما تحبون.

وقوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ .

ففيه دليلُ قبول القليل من الصدقة؛ لأنهم كانوا يمتنعون عن قليل التصديق استحقاراً، فأخبر أنه بذلك عليم وإن قل، بعد أن يكون ذلك لله عز وجلّ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين كفروا وماتوا على كفرهم؛ فلن يُقْبل من أحدهم وزن الأرض ذهبًا ولو قدّمه مقابل انفكاكه من النار، أولئك الذين لهم عذاب أليم، وما لهم من ناصرين يوم القيامة يدفعون عنهم العذاب.

من فوائد الآيات يجب الإيمان بجميع الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى، وجميع ما أنزل عليهم من الكتب، دون تفريق بينهم.

لا يقبل الله تعالى من أحد دينًا أيًّا كان بعد بعثة النبي محمد  إلا الإسلام الذي جاء به.

مَنْ أصرَّ على الضلال، واستمر عليه، فقد يعاقبه الله بعدم توفيقه إلى التوبة والهداية.

باب التوبة مفتوح للعبد ما لم يحضره الموت، أو تشرق الشمس من مغربها، فعندئذ لا تُقْبل منه التوبة.

لا ينجي المرء يوم القيامة من عذاب النار إلا عمله الصالح، وأما المال فلو كان ملء الأرض لم ينفعه شيئًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.QNZD0"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إن أولئك الكافرين الذين ازدادوا كفرًا قد يحدث لهم في أنفسهم ألم من مقاومة الحق، وقد يحملهم ذلك الألم على ترك بعض الذنوب والشرور.

فهذا النوع من التوبة لا يقبل منهم ما لم يصلحوا أمرهم ويخلصوا لله في اتباع الحق ونصرته، فالتوبة التي يزعمونها على ما هم عليه من مقاومة المحقين لا يقبلها الله تعالى.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوْ افْتَدَى بِهِ  ﴾ : الكلام في هذا الجزاء من التمثيل لأنه ليس هناك حاجة إلى ذهب ولا إلى إنفاقه لأن الأشقياء لا نصير لهم فينفق عليه والأولياء في غنى بفضل الله ورحمته عمن ينفق عليهم والمراد أنه لا طريق للافتداء لو أريد.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله