تفسير الألوسي سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة آل عمران

تفسيرُ سورةِ آل عمران كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 1615 دقيقة قراءة

تفسير سورة آل عمران كاملةً (شهاب الدين الألوسي)

الٓمٓ ١ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ٢

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الم ﴾ ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ [ 2 ] قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ والبُرْجُمِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِسُكُونِ المِيمِ وقَطْعِ الهَمْزَةِ ولا إشْكالَ فِيها، لِأنَّ طَرِيقَ التَّلَفُّظِ فِيما لا تَكُونُ مِن هَذِهِ الفَواتِحِ مُفْرَدَةً كَ (ص) ولا مُوازِنَةً المُفْرَدِ كَ (حم) حَسْبَما ذُكِرَ في «اَلْكِتابِ» الحِكايَةُ فَقَطْ ساكِنَةُ الإعْجازِ عَلى الوَقْفِ، سَواءٌ جُعِلَتْ أسْماءً أوْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ وإنْ لَزِمَها اِلْتِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِما أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في بابِ الوَقْفِ قَطْعًا، ولِذا ضُعِّفَتْ قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ بِكَسْرِ المِيمِ، والجُمْهُورُ يَفْتَحُونَ المِيمَ ويَطْرَحُونَ الهَمْزَةَ مِنَ الِاسْمِ الكَرِيمِ، قِيلَ: وإنَّما فُتِحَتْ لِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها لِيَدُلَّ عَلى أنَّها في حُكْمِ الثّابِتِ لِأنَّها أُسْقِطَتْ لِلتَّخْفِيفِ لا لِلدَّرَجِ فَإنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ، كَقَوْلِهِ: (واحِدِ اِثْنانِ) لا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَحْذُورٍ في بابِ الوَقْفِ ولِذَلِكَ لَمْ تُحَرَّكْ في لامٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وفي «اَلْبَحْرِ» إنَّهُ ضَعِيفٌ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ الألِفَ المَوْصُولَةَ في التَّعْرِيفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ وما يَسْقُطُ لا تُلْقى حَرَكَتُهُ كَما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَوْلُهُمْ: إنَّ المِيمَ في حُكْمِ الوَقْفِ وحَرَكَتُها حَرَكَةُ الإلْقاءِ مُخالِفٌ لِإجْماعِ العَرَبِ، والنُّحاةُ أنَّهُ لا يُوقَفُ عَلى مُتَحَرِّكٍ البَتَّةَ سَواءٌ في ذَلِكَ حَرَكَةُ الإعْرابِ والبِناءِ والنَّقْلِ والتِقاءِ السّاكِنَيْنِ والحِكايَةِ والِاتِّباعِ، فَلا يَجُوزُ في ”قَدْ أفْلَحَ“ إذا حُذِفَتِ الهَمْزَةُ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الدّالِ أنْ تَقِفَ عَلى دالِ (قَدْ) بِالفَتْحَةِ بَلْ تُسَكِّنَها قَوْلًا واحِدًا، وأمّا تَنْظِيرُهم بِ (واحِدِ اِثْنانِ) بِإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى الدّالِ فَإنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَ أنَّهم يَشُمُّونَ آخِرَ واحِدٍ لِتَمَكُّنِهِ ولَمْ يُحْكَ الكَسْرُ لُغَةً فَإنْ صَحَّ الكَسْرُ فَلَيْسَ واحِدٌ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ كَما زَعَمُوا، ولا حَرَكَتُهُ حَرَكَةَ نَقْلٍ مِن هَمْزَةِ الوَصْلِ ولَكِنَّهُ مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِمُ: اِثْنانِ، فالتَقى ساكِنانِ دالُ واحِدٍ وثاءٌ اِثْنَيْنِ فَكُسِرَتِ الدّالُ لِالتِقائِهِما وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّها لا تَثْبُتُ في الوَصْلِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ غَيْرُ مَحْذُورٍ في بابِ الوَقْفِ ولِذَلِكَ لَمْ يُحَرَّكْ في لامٍ، فَجَوابُهُ أنَّ الَّذِي قالَ: إنَّ الحَرَكَةَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لَمْ يُرِدْ بِهِما اِلْتِقاءَ الياءِ والمِيمِ مِن (ألم) في الوَقْفِ بَلْ أرادَ المِيمَ الأخِيرَ مِن (ألم) ولامَ التَّعْرِيفِ، فَهو كالتِقاءِ نُونِ مَن ولامِ الرَّجُلِ إذا قُلْتَ (مَنِ الرَّجُلُ؟) عَلى أنَّ في قَوْلِهِمْ تَدافُعًا فَإنَّ سُكُونَ آخِرِ المِيمِ إنَّما هو عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ عَلَيْها وإلْقاءَ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْها إنَّما هو عَلى نِيَّةِ الوَصْلِ، ونِيَّةُ الوَصْلِ تُوجِبُ حَذْفَ الهَمْزَةِ، ونِيَّةُ الوَقْفِ عَلى ما قَبْلَها تُوجِبُ ثَباتَها وقَطْعَها، وهَذا مُتَناقِضٌ، ولِذا قالَ الجارَبَرْدِيُّ: الوَجْهُ ما قالَهُ سِيبَوَيْهِ، والكَثِيرُ مِنَ النُّحاةِ أنَّ تَحْرِيكَ المِيمِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ واخْتِيارُ الفَتْحِ لِخِفَّتِهِ ولِلْمُحافَظَةِ عَلى تَفْخِيمِ الِاسْمِ الجَلِيلِ، واخْتارَ ذَلِكَ اِبْنُ الحاجِبِ وادَّعى أنَّ في مَذْهَبِ الفَرّاءِ حَمْلًا عَلى الضَّعِيفِ لِأنَّ إجْراءَ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ في اللُّغَةِ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، والقَوْلُ: بِأنَّهُ ضَعِيفٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَئِنْ سُلِّمَ فَغَيْرُ ناهِضٍ لِأنَّهُ قَوّى فِيما المَطْلُوبُ مِنهُ الخِفَّةُ كَثَلاثَةٍ أرْبَعَةٍ وهَهُنا الِاحْتِياجُ إلى التَّخْفِيفِ أمَسُّ ولِهَذا جَعَلُوهُ مِن مُوجِباتِ الفَتْحِ، وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الأسْماءَ مِن قَبِيلِ المُعْرَباتِ وسُكُونُها سُكُونُ وقْفٍ لا بِناءٍ وحَقُّها أنْ يُوقَفَ عَلَيْها، و(الم) رَأْسُ آيَةٍ ثُمَّ إنْ جُعِلَتِ اِسْمَ السُّورَةِ فالوَقْفُ عَلَيْها لِأنَّها كَلامٌ تامٌّ وإنْ جُعِلَتْ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ لِأسْماءِ الحُرُوفِ إمّا قَرْعًا لِلْعَصا أوْ مُقَدِّمَةً لِدَلائِلَ الإعْجازِ فالواجِبُ أيْضًا القَطْعُ والِابْتِداءُ بِما بَعْدَها تَفْرِقَةً بَيْنِها وبَيْنَ الكَلامِ المُسْتَقِلِّ المُفِيدِ بِنَفْسِهِ فَإذَنِ القَوْلُ بِنَقْلِ الحَرَكَةِ هو المَقْبُولُ لِأنَّ فِيهِ إشْعارًا بِإبْقاءِ أثَرَ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ لِلتَّخْفِيفِ المُؤَذِنِ بِالِابْتِداءِ والوَقْفِ ولا كَذَلِكَ القَوْلُ بِأنَّ الحَرَكَةَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وحَيْثُ كانَتْ حَرَكَةُ المِيمِ لِغَيْرِها كانَتْ في حُكْمِ الوَقْفِ عَلى السُّكُونِ دُونَ الحَرَكَةِ كَما تُوُهِّمَ لِئَلّا يَلْزَمَ المُحَذَّرُ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في هَذا المَقامِ مُضْطَرِبٌ فَفي «اَلْكَشّافِ» اِخْتارَ مَذْهَبَ الفَرّاءِ، وفي «اَلْمُفَصَّلِ» اِخْتارَ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ: مَبْنِيٌّ عَلى الِاجْتِهادِ، والثّانِيَ: عَلى التَّقْلِيدِ والنَّقْلِ، لِما في «اَلْكِتابِ» لِأنَّ «اَلْمُفَصَّلَ» مُخْتَصَرُهُ، فَتَدَبَّرْ.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالفَواتِحِ مِن حَيْثُ الإعْرابُ وغَيْرُهُ، وفِيهِ كِفايَةٌ لِمَن أخَذَتِ العِنايَةُ بِيَدِهِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعُبُودِيَّةِ لا غَيْرَ، و ﴿ الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لَهُ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَيُّ القَيُّومُ لا غَيْرَ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مِنَ الخَبَرِ الأوَّلِ أوْ هو الخَبَرُ وما قَبْلَهُ اِعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُقَرِّرٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْمُ الكَرِيمُ، أوْ حالٌ مِنهُ عَلى رَأْيِ مَن يَرى صِحَّةَ ذَلِكَ وأيًّا ما كانَ فَهو كالدَّلِيلِ عَلى اِخْتِصاصِ اِسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا «”إنَّ اِسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ في ثَلاثِ سُوَرٍ سُورَةِ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ وطَهَ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: فالتَمَسْتُها فَوَجَدْتُ في البَقَرَةِ [255] ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ وفي آلِ عِمْرانَ ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ وفي طَهَ [111] ﴿ وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ ﴾ » وقَرَأ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ وعَلْقَمَةُ (اَلْحَيُّ القَيّامُ) وهَذا رَدٌّ عَلى النَّصارى الزّاعِمِينَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَبًّا، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قالَ: ««قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ  وفْدُ نَجْرانَ وكانُوا سِتِّينَ راكِبًا فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ  مِنهم أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ والعاقِبُ وعَبْدُ المَسِيحِ والأيْهَمُ السَّيِّدُ وهو مِنَ النَّصْرانِيَّةِ عَلى دِينِ المَلِكِ مَعَ اِخْتِلافِ أمْرِهِمْ يَقُولُونَ: هو اللَّهُ تَعالى، ويَقُولُونَ: هو ولَدُ اللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، كَذَلِكَ قَوْلُ النَّصْرانِيَّةِ، وهم يَحْتَجُّونَ لِقَوْلِهِمْ يَقُولُونَ: هو اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ كانَ يُحْيِي المَوْتى ويُبْرِئُ الأسْقامَ ويُخْبِرُ بِالغُيُوبِ ويَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا، ويَحْتَجُّونَ في قَوْلِهِمْ إنَّهُ ولَدُ اللَّهِ تَعالى: بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ يَعْلَمُ وقَدْ تَكَلَّمَ في المَهْدِ وصَنَعَ ما لَمْ يَصْنَعْهُ أحَدٌ مِن ولَدِ آدَمَ قَبْلَهُ، ويَحْتَجُّونَ في قَوْلِهِمْ إنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ فَعَلْنا وأمَرْنا وخَلَقْنا وقَضَيْنا فَلَوْ كانَ واحِدًا ما قالَ إلّا فَعَلْتُ وأمَرْتُ وخَلَقْتُ وقَضَيْتُ، ولَكِنَّهُ هو وعِيسى ومَرْيَمَ، فَفي كُلِّ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ نَزَلَ القُرْآنُ وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ  فِيهِ قَوْلَهم فَلَمّا كَلَّمَهُ الحَبْرانِ وهُما العاقِبُ والسَّيِّدُ كَما في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ والرَّبِيعِ عَنْ أنَسٍ قالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ  : أسْلِما قالا: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، قالَ: كَذَبْتُما مَنَعَكُما مِنَ الإسْلامِ دُعاؤُكُما لِلَّهِ تَعالى ولَدًا وعِبادَتُكُما الصَّلِيبَ وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ؟

قالا: فَمَن أبُوهُ يا مُحَمَّدُ؟

وصَمَتَ فَلَمْ يُجِبْ شَيْئًا“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ واخْتِلافِ أمْرِهِمْ كُلِّهِ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها، فافْتَتَحَ السُّورَةَ بِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ مِمّا قالُوا وتَوْحِيدِهِ إيّاها بِالخَلْقِ والأمْرِ لا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ ما اِبْتَدَعُوا مِنَ الكُفْرِ وجَعَلُوا مَعَهُ مِنَ الأنْدادِ، واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ في صاحِبِهِمْ لِيُعَرِّفَهم بِذَلِكَ ضَلالَتَهم فَقالَ: ﴿ الم ﴾ ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ » أيْ لَيْسَ مَعَكَ غَيْرُهُ شَرِيكٌ في أمْرِهِ الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ وقَدْ ماتَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِمْ: (اَلْقَيُّومُ) القائِمُ عَلى سُلْطانِهِ لا يَزُولُ وقَدْ زالَ عِيسى.

وفِي رِوايَةِ اِبْنِ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: «”إنِ النَّصارى أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  فَخاصَمُوهُ في عِيسى اِبْنِ مَرْيَمَ وقالُوا لَهُ: مَن أبُوهُ؟

وقالُوا عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ والبُهْتانَ فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ  : ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَكُونُ ولَدٌ إلّا وهو يُشْبِهُ أباهُ؟

قالُوا: بَلى قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا حَيٌّ لا يَمُوتُ وأنَّ عِيسى يَأْتِي عَلَيْهِ الفَناءُ؟

قالُوا: بَلى، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا قَيِّمٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَكْلَؤُهُ ويَحْفَظُهُ ويَرْزُقُهُ؟

قالُوا: بَلى، قالَ: فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسى مِن ذَلِكَ شَيْئًا؟

قالُوا: لا قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ؟

قالُوا: بَلى، قالَ: فَهَلْ يَعْلَمُ عِيسى مِن ذَلِكَ شَيْئًا إلّا ما عَلِمَ؟

قالُوا: لا، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنا صَوَّرَ عِيسى في الرَّحِمِ كَيْفَ شاءَ وأنَّ رَبَّنا لا يَأْكُلُ الطَّعامَ ولا يَشْرَبُ الشَّرابَ ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟

قالُوا: بَلى، قالَ: ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَما تَحْمِلُ المَرْأةُ ثُمَّ وضَعَتْهُ كَما تَضَعُ المَرْأةُ ولَدَها ثُمَّ غُذِّيَ كَما يُغَذّى الصَّبِيُّ ثُمَّ كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَشْرَبُ الشَّرابَ ويُحْدِثُ الحَدَثَ ؟

قالُوا: بَلى، قالَ: فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا كَما زَعَمْتُمْ؟

فَعَرَفُوا ثُمَّ أبَوْا إلّا جُحُودًا، فَأنْزَلَ ﴿ الم ﴾ ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ “».

<div class="verse-tafsir"

نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ٣

﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ أيِ القُرْآنَ الجامِعَ لِلْأُصُولِ والفُرُوعِ ولِما كانَ وما يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِاسْمِ الجِنْسِ إيذانٌ بِتَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ في الِانْطِواءِ عَلى كَمالاتِ الجِنْسِ كَأنَّهُ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اِسْمُ الكِتابِ دُونَ ما عَداهُ كَما يُلَوِّحُ إلَيْهِ التَّصْرِيحُ بِاسْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وفي الإتْيانِ بِالظَّرْفِ وتَقْدِيمِهِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ واخْتِيارِ ضَمِيرِ الخِطابِ وإيثارِ (عَلى) إلى ما لا يَخْفى مِن تَعْظِيمِهِ  والتَّنْوِيهِ بِرِفْعَةِ شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ أوْ هي الخَبَرُ، وما قَبْلُ كُلُّهُ اِعْتِراضٌ أوْ حالٌ، و ﴿ الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ صِفَةٌ أوْ بَدَلٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ نَزَلَ بِالتَّخْفِيفِ ورَفَعَ الكِتابَ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ بِتَقْدِيرِ (مِن عِنْدِهِ)، ﴿ بِالحَقِّ ﴾ أيْ بِالصِّدْقِ في أخْبارِهِ أوْ بِالعَدْلِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الرّاغِبُ أوْ بِما يُحَقِّقُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الحُجَجِ القَطْعِيَّةِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ أوْ مُحِقًّا، وفي «اَلْبَحْرِ» يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ بِسَبَبِ إثْباتِ الحَقِّ ﴿ مُصَدِّقًا ﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ إثْرَ حالٍ أوْ بَدَلٍ مِن مَوْضِعِ الحالِ الأوَّلِ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في المَجْرُورِ وعَلى كُلِّ حالٍ فَهي حالٌ مُؤَكَّدَةٌ ﴿ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أيِ الكُتُبِ السّالِفَةِ والظَّرْفِ مَفْعُولُ (مُصَدِّقًا) واللّامُ لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ، وكَيْفِيَّةُ تَصْدِيقِهِ لِما تَقَدَّمَ تَقَدَّمَتْ.

﴿ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ  ﴾ ذَكَرَهُما تَعْيِينًا (لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) وتَبْيِينًا لِرِفْعَةِ مَحَلِّهِ بِذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلُ وتَمْهِيدٌ لِما بَعْدُ ولَمْ يُذْكَرِ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ فِيهِما لِأنَّ الكَلامَ في الكِتابَيْنِ لا فِيمَن نَزَلا عَلَيْهِ، والتَّعْبِيرُ بِ (أنْزَلَ) فِيهِما لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُما إلّا نُزُولٌ واحِدٌ وهَذا بِخِلافِ القُرْآنِ فَإنَّ لَهُ نُزُولَيْنِ، نُزُولًا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى بَيْتِ العِزَّةِ مِن سَماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً واحِدَةً، ونُزُولًا مِن ذَلِكَ إلَيْهِ  مُنَجَّمًا في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً عَلى المَشْهُورِ، ولِهَذا يُقالُ فِيهِ: نَزَّلَ وأنْزَلَ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ نَزَّلَ يَقْتَضِي التَّدْرِيجَ وأنْزَلَ يَقْتَضِي الإنْزالَ الدَّفْعِيَ إذْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ ﴿ لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ﴾ حَيْثُ قَرَنَ نُزِّلَ بِكَوْنِهِ جُمْلَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ ﴾ وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِهَذا المَقامِ أنَّ التَّدْرِيجَ لَيْسَ هو التَّكْثِيرُ بَلِ الفِعْلُ شَيْئًا فَشَيْئًا كَما في تَسَلْسُلٍ، والألْفاظُ لا بُدَّ فِيها مِن ذَلِكَ، فَصِيغَةُ (نَزَّلَ) تَدُلُّ عَلَيْهِ، والإنْزالُ مُطْلَقٌ لَكِنَّهُ إذا قامَتِ القَرِينَةُ يُرادُ بِالتَّدْرِيجِ التَّنْجِيمُ، وبِالإنْزالِ الَّذِي قَدْ قُوبِلَ بِهِ خِلافُهُ، أوِ المُطْلَقُ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ.

واخْتُلِفَ في اِشْتِقاقِ «اَلتَّوْراةِ» و«اَلْإنْجِيلِ» فَقِيلَ: اِشْتِقاقُ الأوَّلِ مِن ورى الزِّنادُ إذا قَدَحَ فَظَهَرَ مِنهُ النّارُ لِأنَّها ضِياءٌ ونُورٌ بِالنِّسْبَةِ لِما عَدا القُرْآنِ تَجْلُو ظُلْمَةَ الضَّلالِ، وقِيلَ مِن ورى في كَلامٍ إذا عَرَّضَ لِأنَّ فِيها رُمُوزًا كَثِيرَةً وتَلْوِيحاتٍ جَلِيلَةً، ووَزْنُها عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ فَوْعَلَةٌ كَصَوْمَعَةٍ، وأصْلُهُ (ووْرِيةٌ) بِواوَيْنِ فَأُبْدِلَتِ الأُولى تاءً وتَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فَقُلِبَتْ ألِفًا فَصارَتْ تَوْراةً وكُتِبَتْ بِالياءِ تَنْبِيهًا عَلى الأصْلِ ولِذَلِكَ أُمِيلَتْ، وقالَ الفَرّاءُ: وزْنُها تَفْعِلَةٌ بِكَسْرِ العَيْنِ فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فُتْحَةً وقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا وفُعِلَ ذَلِكَ تَخْفِيفًا كَما قالُوا في تَوْصِيَةٍ تَوْصاةٌ، واعْتَرَضَهُ البَصْرِيُّونَ بِأنَّ هَذا البِناءَ قَلِيلٌ وبِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ زِيادَةُ التّاءِ أوَّلًا وهي لا تُزادُ كَذَلِكَ إلّا في مَواضِعَ لَيْسَ هَذا مِنها، وذَهَبَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ إلى أنَّ وزْنَها تَفْعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا، وقِيلَ: اِشْتِقاقُ الثّانِي مِنَ النَّجْلِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وهو الماءُ الَّذِي يَنِزُّ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ النَّجِيلُ لِما يَنْبُتُ فِيهِ، ويُطْلَقُ عَلى الوالِدِ والوَلَدِ وهو أعْرَفُ فَهو ضِدٌّ كَما قالَهُ الزَّجّاجُ وهو مِن نَجَلَ بِمَعْنى ظَهَرَ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ مُسْتَخْرَجٌ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وظاهِرٌ مِنهُ أوْ مِنَ التَّوْراةِ، وقِيلَ: مِنَ النَّجَلِ وهو التَّوْسِعَةُ، ومِنهُ عَيْنٌ نَجْلاءُ لِسِعَتِها لِأنَّ فِيهِ تَوْسِعَةً ما لَمْ تَكُنْ في التَّوْراةِ إذْ حَلَّلَ فِيهِ بَعْضَ ما حَرَّمَ فِيها، وقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنَ التَّناجُلِ وهو التَّنازُعُ يُقالُ تَناجَلَ النّاسُ إذا تَنازَعُوا وسُمِّيَ بِهِ لِكَثْرَةِ التَّنازُعِ فِيهِ كَذا قِيلَ ولا يَخْفى أنَّ أمْرَ الِاشْتِقاقِ والوَزْنِ عَلى تَقْدِيرِ عَرَبِيَّةِ اللَّفْظَيْنِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُما أعْجَمِيّانِ أوَّلُهُما عِبْرانِيٌّ والآخَرُ سُرْيانِيٌّ وهو الظّاهِرُ فَلا مَعْنى لَهُ عَلى الحَقِيقَةِ لِأنَّ الِاشْتِقاقَ مِن ألْفاظٍ أُخَرَ أعْجَمِيَّةٍ مِمّا لا مَجالَ لِإثْباتِهِ، ومِن ألْفاظٍ عَرَبِيَّةٍ كَما سُمِعَتِ اِسْتِنْتاجٌ لِلضَّبِّ مِنَ الحُوتِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ بَعْدَ التَّعْرِيبِ أجْرَوْهُ مَجْرى أبْنِيَتِهِمْ في الزِّيادَةِ والأصالَةِ وفَرَضُوا لَهُ أصْلًا لِيَتَعَرَّفَ ذَلِكَ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما قَبْلُ، والِاسْتِدْلالُ عَلى عَرَبِيَّتِهِما بِدُخُولِ اللّامِ لِأنَّ دُخُولَها في الأعْلامِ العَجَمِيَّةِ مَحَلُّ نَظَرٍ لِأنَّهم ألْزَمُوا بَعْضَ الأعْلامِ الأعْجَمِيَّةِ الألِفَ واللّامَ عَلامَةً لِلتَّعْرِيفِ كَما في الإسْكَنْدَرِيَّةِ فَإنَّأبا زَكَرِيّا التَّبْرِيزِيَّ قالَ: إنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ بِدُونِها مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى أعْجَمِيَّتِهِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أعْجَمِيَّةَ «اَلْإنْجِيلِ» ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وإفْعِيلٌ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ العَرَبِ.

<div class="verse-tafsir"

مِن قَبْلُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ ٤

﴿ مِن قَبْلُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿ وأنْزَلَ ﴾ أيْ أنْزَلَهُما مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الكِتابِ، وقِيلَ: مِن قَبْلِكَ والتَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في البَيانِ كَذا قالُوا بِرُمَّتِهِمْ، وأنا أقُولُ التَّصْرِيحُ بِهِ لِلرَّمْزِ إلى أنَّ إنْزالَهُما مُتَضَمِّنٌ لِلْإرْهاصِ لِبَعْثَتِهِ  حَيْثُ قَيَّدَ الإنْزالَ المُقَيَّدَ بِمَن قَبْلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هُدًى لِلنّاسِ ﴾ أيْ أنْزَلَهُما كَذَلِكَ لِأجْلِ هِدايَةِ النّاسِ الَّذِينَ أُنْزِلا عَلَيْهِمْ إلى الحَقِّ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الإيمانُ بِهِ  واتِّباعُهُ حَيْثُ يَبْعَثُ لِما اِشْتَمَلَتا عَلَيْهِ مِنَ البِشارَةِ بِهِ والحَثِّ عَلى طاعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والهِدايَةِ بِهِما بَعْدَ نَسْخِ أحْكامِهِما بِالقُرْآنِ إنَّما هي مِن هَذا الوَجْهِ لا غَيْرَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِما أيْضًا فِيما عَدا الشَّرائِعِ المَنسُوخَةِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُصَدِّقُها القُرْآنُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الهِدايَةَ إذْ ذاكَ بِالقُرْآنِ المُصَدِّقِ لا بِهِما كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ (هُدًى) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُما والإفْرادُ لِما أنَّهُ مَصْدَرٌ جَعَلا نَفْسَ الهُدى مُبالَغَةً أوْ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ أيْ ذَوِي هُدًى، وجَعْلُهُ حالًا مِن ”الكِتابِ“ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتَكَبَ فِيهِ.

﴿ وأنْزَلَ الفُرْقانَ ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ القُرْآنُ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَأحَلَّ فِيهِ حَلالَهُ وحَرَّمَ حَرامَهُ وشَرَعَ شَرائِعَهُ وحَدَّ حُدُودَهُ وفَرائِضَهُ وبَيَّنَ بَيانَهُ وأمَرَ بِطاعَتِهِ ونَهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وذَكَرَ بِهَذا العُنْوانِ بَعْدَ ذِكْرِهِ بِاسْمِ الجِنْسِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ ورَفْعًا لِمَكانِهِ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ الفاصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فِيما اِخْتَلَفَ فِيهِ الأحْزابُ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، وأُيِّدَ هَذا بِأنَّ صَدْرَ السُّورَةِ كَما قَدَّمْنا نَزَلَتْ في مُحاجَّةِ النَّصارى لِلنَّبِيِّ  في أمْرِ أخِيهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ بِالفُرْقانِ بَعْضَ القُرْآنِ ولَمْ يُكْتَفَ بِانْدِراجِهِ في ضِمْنِ الكُلِّ اِعْتِناءً بِهِ، ومِثْلُ هَذا القَوْلِ ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّ المُرادَ بِهِ كُلُّ آيَةٍ مُحْكَمَةٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ عَبَّرَ عَنْها بِوَصْفٍ شامِلٍ لِما ذَكَرَ مِنها وما لَمْ يَذْكُرْ عَلى طَرِيقِ التَّتْمِيمِ بِالتَّعْمِيمِ إثْرَ تَخْصِيصِ بَعْضِ مَشاهِيرِها بِالذِّكْرِ، وقِيلَ: نَفْسُ الكُتُبِ المَذْكُورَةِ أُعِيدَ ذِكْرُها بِوَصْفٍ خاصٍّ لَمْ يُذْكَرْ فِيما سَبَقَ عَلى طَرِيقِ العَطْفِ بِتَكْرِيرِ لَفْظِ الإنْزالِ تَنْزِيلًا لِلتَّغايُرِ الوَصْفِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الزَّبُورُ وتَقْدِيمُ الإنْجِيلِ عَلَيْهِ مَعَ تَأخُّرِهِ عَنْهُ نُزُولًا لِقُوَّةِ مُناسَبَتِهِ لِلتَّوْراةِ في الِاشْتِمالِ عَلى الأحْكامِ وشُيُوعِ اِقْتِرانِهِما في الذِّكْرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الزَّبُورَ مَواعِظُ فَلَيْسَ فِيهِ ما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مِنَ الأحْكامِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المَواعِظَ لِما فِيها مِنَ الزَّجْرِ والتَّرْغِيبِ فارِقَةٌ أيْضًا ولِخَفاءِ الفَرْقِ فِيها خُصَّتْ بِالتَّوْصِيفِ بِهِ، وأُورِدُ عَلَيْهِ بِأنَّ ذِكْرَ الوَصْفِ دُونَ المَوْصُوفِ يَقْتَضِي شُهْرَتَهُ بِهِ حَتّى يُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ مَوْصُوفِهِ والخَفاءُ إنَّما يَقْتَضِي إثْباتَ الوَصْفِ دُونَ التَّعْبِيرِ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المُعْجِزاتُ المَقْرُونَةُ بِإنْزالِ الكُتُبِ المَذْكُورَةِ الفارِقَةِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، وعَلى أيٌّ تَقْدِيرٍ كانَ فَهو مَصْدَرٌ في الأصْلِ كالغُفْرانِ أُطْلِقَ عَلى الفاعِلِ مُبالَغَةً.

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ لِلْعَهْدِ إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَ مِن آياتِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ فَتُصَدِّقَ الآياتُ عَلى ما يَتَحَقَّقُ في ضِمْنِ ما تَقَدَّمَ وعَلى غَيْرِهِ كالمُعْجِزاتِ، وأضافَها إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ تَعْيِينًا لِحَيْثِيَّةِ كُفْرِهِمْ وتَهْوِيلًا لِأمْرِهِمْ وتَأْكِيدًا لِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا مَن تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ أوْ أهْلُ الكِتابَيْنِ أوْ جِنْسُ الكَفَرَةِ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَدْخُلُ أُولَئِكَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ اِبْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ، ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ العَذابُ بِالظَّرْفِ والتَّنْكِيرِ لِلتَّفْخِيمِ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُقَدَّرُ قَدْرَهُ وهو مَناطُ الحَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ، والتَّعْلِيقُ بِالمَوْصُولِ الَّذِي هو في حُكْمِ المُشْتَقِّ يُشْعِرُ بِالعِلِيَّةِ وهو مَعْنى تَضَمَّنَهُ الشَّرْطُ وتَرَكَ فِيهِ الفاءَ لِظُهُورِهِ فَهو أبْلَغُ إذا اِقْتَضاهُ المَقامُ.

﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ أيْ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ ﴿ ذُو انْتِقامٍ  ﴾ اِفْتِعالٌ مِنَ النِّقْمَةِ وهي السَّطْوَةُ والتَّسَلُّطُ، يُقالُ: اِنْتَقَمَ مِنهُ إذا عاقَبَهُ بِجِنايَتِهِ، ومُجَرَّدُهُ نَقِمَ بِالفَتْحِ والكَسْرِ وجَعَلَهُ بَعْضُهم بِمَعْنى كَرِهَ لا غَيْرَ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، واخْتارَ هَذا التَّرْكِيبَ عَلى مُنْتَقِمٍ مَعَ اِخْتِصارِهِ لِأنَّهُ أبْلَغَ مِنهُ إذْ لا يُقالُ صاحِبُ سَيْفٍ إلّا لِمَن يُكْثِرُ القَتْلَ لا لِمَن مَعَهُ السَّيْفُ مُطْلَقًا، والجُمْلَةُ اِعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِلْوَعِيدِ مُؤَكِّدٌ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ٥

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ  ﴾ اِسْتِئْنافٌ لِبَيانِ سِعَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وإحاطَتِهِ بِجَمِيعِ ما في العالَمِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ إيمانُ مَن آمَنَ وكُفْرُ مَن كَفَرَ إثْرَ بَيانِ كَمالِ قُدْرَتِهِ وعَظِيمِ عِزَّتِهِ وفي بَيانِ ذَلِكَ تَرْبِيَةٌ لِلْوَعِيدِ وإشارَةٌ إلى دَلِيلِ كَوْنِهِ حَيًّا وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الوُقُوفَ عَلى بَعْضِ المُغَيَّباتِ كَما وقَعَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَعْزِلٍ مِن بُلُوغِ رُتْبَةِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ، والمُرادُ مِنَ الأرْضِ والسَّماءِ العالَمُ بِأسْرِهِ، وجَعَلَهُ الكَثِيرُ مَجازًا مِن إطْلاقِ الجُزْءِ وإرادَةِ الكُلِّ، ومَن قالَ: إنَّهُ لا يَصِحُّ في (كُلٍّ) كُلٌّ وجُزْءٌ بِناءً عَلى اِشْتِراطِ التَّرْكِيبِ الحَقِيقِيِّ وزَوالِ ذَلِكَ الكُلِّ بِزَوالِ ذَلِكَ الجُزْءِ جَعْلَ المَذْكُورِ كِنايَةً لا مَجازًا، وتَقْدِيمُ الأرْضِ عَلى السَّماءِ إظْهارًا لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ أحْوالِ أهْلِها واهْتِمامًا بِما يُشِيرُ إلى وعِيدِ ذَوِي الضَّلالَةِ مِنهم ولِيَكُونَ ذِكْرُ السَّماءِ بَعْدُ مِن بابِ العُرُوجِ، قِيلَ: ولِذا وُسِّطَ حَرْفُ النَّفْيِ بَيْنَهُما، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ خَبَرٌ لِأنَّ، وتَكْرِيرُ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ وكَلِمَةُ في مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ مُؤَكِّدَةٌ لِعُمُومِهِ المُسْتَفادِ مِن وُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ما كائِنٌ في العالَمِ بِأسْرِهِ كَيْفَما كانَتِ الظَّرْفِيَّةُ، والتَّعْبِيرُ بِعَدَمِ الخَفاءِ أبْلَغُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالعِلْمِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَ الظَّرْفِ بِ(يَخْفى) .

<div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٦

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى الصَّحِيحِ ناطِقَةٌ بِبَعْضِ أحْكامِ قَيُّومِيَّتِهِ تَعالى مُشِيرَةٌ إلى تَقْرِيرِ عِلْمِهِ مَعَ زِيادَةِ بَيانٍ لِتَعَلُّقِهِ بِالأشْياءِ قَبْلَ وُجُودِها، والتَّصْوِيرُ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى صُورَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها، والصُّورَةُ هَيْئَةٌ يَكُونُ عَلَيْها الشَّيْءُ بِالتَّأْلِيفِ، والأرْحامُ جَمْعُ رَحِمٍ وهي مَعْلُومَةٌ وكَأنَّها أُخِذَتْ مِنَ الرَّحْمَةِ لِأنَّها مِمّا يَتَراحَمُ بِها ويَتَعاطَفُ، وكَلِمَةُ (فِي) مُتَعَلِّقَةٌ بِ (يُصَوِّرُ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ يُصَوِّرُكم وأنْتُمْ في الأرْحامِ مُضَغٌ، و(كَيْفَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ يَشاءُ وهو حالٌ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يَشاءُ تَصْوِيرَكُمْ، وقِيلَ: (كَيْفَ) ظَرْفٌ لِ (يَشاءُ) والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: يُصَوِّرُكم عَلى مَشِيئَتِهِ أيْ مُرِيدًا إنْ كانَ الحالُ مِنَ الفاعِلِ أوْ يُصَوِّرُكم مُتَقَلِّبِينَ عَلى مَشِيئَتِهِ تابِعِينَ لَها في قَبُولِ الأحْوالِ المُتَغايِرَةِ مِن كَوْنِكم نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا ثُمَّ وثُمَّ، وفي الِاتِّصافِ بِالصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ مِنَ الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ والحُسْنِ والقُبْحِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى بُطْلانِ زَعْمِ مَن زَعَمَ رُبُوبِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ تَقَلُّبِهِ في الأطْوارِ ودَوْرِهِ في فَلَكِ هَذِهِ الأدْوارِ حَسْبَما شاءَهُ المَلِكُ القَهّارُ ورَكاكَةِ عُقُولِهِمْ ما لا يَخْفى، وقَرَأ طاوُسٌ (تَصَوَّرَكُمْ) عَلى صِيغَةِ الماضِي مِنَ التَّفَعُّلِ أيِ اِتَّخَذَ صُوَرَكم لِنَفْسِهِ وعِبادَتِهِ فَهو مِن بابِ تَوَسَّدَ التُّرابَ أيِ اِتَّخَذَهُ وسادَةً فَما قِيلَ: كَأنَّهُ مِن تَصَوَّرْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنى تَوَهَّمْتُ صُورَتَهُ فالتَّصْدِيقُ أنَّهُ تَوَهُّمٌ مَحْضٌ.

﴿ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ  ﴾ كَرَّرَ الجُمْلَةَ الدّالَّةَ عَلى نَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى وانْحِصارِها فِيهِ تَوْكِيدًا لِما قَبْلَها ومُبالَغَةً في الرَّدِّ عَلى مَنِ اِدَّعى إلَهِيَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وناسَبَ مَجِيئُها بَعْدَ الوَصْفَيْنِ السّابِقَيْنِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ إذْ مَن هَذانَ الوَصْفانِ لَهُ هو المُتَّصِفُ بِالأُلُوهِيَّةِ لا غَيْرُهُ ثُمَّ أتى بِوَصْفِ العِزَّةِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ النَّظِيرِ أوِ التَّناهِي في القُدْرَةِ والحِكْمَةِ لِأنَّ خَلْقَهم عَلى ما ذَكَرَ مِنَ النَّمَطِ البَدِيعِ أثَرٌ مِن آثارِ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌۭ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌۭ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ ٧

﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ اِسْتِئْنافٌ لِإبْطالِ شُبَهِ الوَفْدِ وإخْوانِهِمُ النّاشِئَةِ عَمّا نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ في نَعْتِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ إثْرَ بَيانِ اِخْتِصاصِ الرُّبُوبِيَّةِ ومَناطِها بِهِ سُبْحانَهُ، قِيلَ: إنَّ الوَفْدَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ تَعالى ورُوحٌ مِنهُ؟

قالَ: بَلى قالُوا: فَحَسْبُنا ذَلِكَ (فَنَعى سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ زَيْغَهُمْ) وفِتْنَتَهم وبَيَّنَ أنَّ الكِتابَ مُؤَسَّسٌ عَلى أُصُولٍ رَصِينَةٍ وفُرُوعٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَيْها ناطِقَةٍ بِالحَقِّ قاضِيَةٍ بِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ، كَذا قِيلَ ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا الأثَرَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ أثَرٌ في ”الصِّحاحِ“ ولا سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في غَيْرِها، وقُصارى ما وُجِدَ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الآتِي الوَفْدُ، وفِيهِ أنَّ الأثَرَ بِعَيْنِهِ أخْرَجَهُ في «اَلدُّرِّ المَنثُورِ» عَنْ أبِي حاتِمٍ وابْنِ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ وعَنْ بَعْضِهِمْ: «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وذَلِكَ حِينَ مَرَّ أبُو ياسِرِ بْنُ أخْطَبَ (فَجاءَ رَجُلٌ مِن يَهُودَ لِرَسُولِ) اللَّهِ  وهو يَتْلُو فاتِحَةَ سُورَةِ البَقَرَةِ [1-2] ﴿ الم ﴾ ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ فَأتى أخاهُ حَيِيَّ بْنَ أخْطَبَ في رِجالٍ مِن يَهُودَ فَقالَ: أتَعْلَمُونَ واَللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَتْلُو فِيما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿ الم ﴾ ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ فَقالَ: أنْتَ سَمِعْتَهُ؟

قالَ: نَعَمْ فَمَشى حَتّى وافى أُولَئِكَ النَّفَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: ألَمْ يَذْكُرْ أنَّكَ تَتْلُو فِيما أُنْزِلَ عَلَيْكَ ﴿ الم ﴾ ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ ؟

فَقالَ: بَلى فَقالَ: لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى قَبْلَكَ أنْبِياءَ ما نَعْلَمُهُ بَيَّنَ لِنَبِيٍّ مِنهم ما مُدَّةُ مُلْكِهِ وما أجَلُ أُمَّتِهِ غَيْرَكُ، الألِفُ واحِدَةٌ واللّامُ ثَلاثُونَ والمِيمُ أرْبَعُونَ فَهَذِهِ إحْدى وسَبْعُونَ سَنَةً هَلْ مَعَ هَذا غَيْرُهُ؟

قالَ: نَعَمْ (المص) قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ، الألِفُ واحِدَةٌ واللّامُ ثَلاثُونَ والمِيمُ أرْبَعُونَ والصّادُ تِسْعُونَ فَهَذِهِ مِائَةٌ وإحْدى وسِتُّونَ سَنَةً هَلْ مَعَ هَذا غَيْرُهُ؟

قالَ: نَعَمْ (الر) قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ هَلْ مَعَ هَذا غَيْرُهُ؟

قالَ: بَلى (المر) قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ، ثُمَّ قالَ: لَقَدْ لَبَسَ عَلَيْنا أمْرُكَ حَتّى ما نَدْرِي أقَلِيلًا أعْطَيْتَ أمْ كَثِيرًا، ثُمَّ قالَ: قُومُوا ثُمَّ قالَ أبُو ياسِرٍ لِأخِيهِ ومَن مَعَهُ: وما يُدْرِيكم لَعَلَّهُ لَقَدْ جَمَعَ هَذا كُلَّهُ لِمُحَمَّدٍ؟

فَقالُوا: لَقَدْ تَشابَهَ عَلَيْنا أمْرُهُ»».

وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ البُخارِيُّ في «اَلتّارِيخِ» وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إلّا أنَّ فِيهِ فَيَزْعُمُونَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ فِيهِمْ وهو مُؤْذِنٌ بِعَدَمِ الجَزْمِ بِذَلِكَ ومَعَ هَذا يُبْعِدُهُ ما تَقَدَّمَ مِن رِوايَةِ «إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ في شَأْنِ أُولَئِكَ الوَفْدِ مِن مَصْدَرِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً» وعَلى تَقْدِيرِ الإغْماضِ عَنْ هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وجْهُ اِتِّصالِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ في المُتَشابِهِ خَفاءً كَما أنَّ تَصْوِيرَ ما في الأرْحامِ كَذَلِكَ أوْ أنَّ في هَذِهِ تَصْوِيرَ الرُّوحِ بِالعِلْمِ وتَكْمِيلَهُ بِهِ وفِيما قَبْلَها تَصْوِيرُ الجَسَدِ وتَسْوِيَتُهُ فَلَمّا أنَّ في كُلٍّ مِنهُما تَصْوِيرًا وتَكْمِيلًا في الجُمْلَةِ ناسَبَ ذِكْرَهُ مَعَهُ، ولَمّا أنَّ بَيْنَ التَّصْوِيرِ الحَقِيقِيِّ الجُسْمانِيِّ واَلَّذِي لَيْسَ هو كَذَلِكَ مِنَ الرُّوحانِيِّ مِنَ التَّفاوُتِ والتَّبايُنِ تُرِكَ العَطْفُ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنهُ آياتٌ ﴾ الظَّرْفُ فِيهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و(آياتٌ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ أوْ بِالعَكْسِ، ورُجِّحَ الأوَّلُ: بِأنَّهُ الأوْفَقُ بِقَواعِدِ الصِّناعَةِ، والثّانِي: بِأنَّهُ أدْخَلُ في جَزالَةِ المَعْنى إذِ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ اِنْقِسامُ الكِتابِ إلى القِسْمَيْنِ المَعْهُودَيْنِ لا كَوْنُهُما مِنَ الكِتابِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكِتابِ أيْ هو الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ كائِنًا عَلى هَذِهِ الحالَةِ أيْ مُنْقَسِمًا إلى مُحْكَمٍ وغَيْرِهِ، أوِ الظَّرْفُ وحْدَهُ حالٌ و(آياتٌ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ ﴿ مُحْكَماتٌ ﴾ صِفَةُ (آياتٌ) أيْ واضِحَةُ المَعْنى ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ مَحْكَمَةُ العِبارَةِ مَحْفُوظَةٌ مِنَ الِاحْتِمالِ والِاشْتِباهِ ﴿ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ ﴾ أيْ أصْلُهُ والعُمْدَةُ فِيهِ يُرَدُّ إلَيْها غَيْرُها، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ جامِعٍ يَكُونُ مَرْجِعًا أما والجُمْلَةُ إمّا صِفَةٌ لِما قَبْلَها أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ وإنَّما أفْرَدَ الأُمَّ مَعَ أنَّ الآياتِ مُتَعَدِّدَةٌ لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ أصْلِيَّةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها أوْ بَيانُ أنَّ الكُلَّ بِمَنزِلَةِ آيَةٍ واحِدَةٍ ”وأُخَرُ“ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى (آياتٌ) أيْ وآياتٌ أُخَرُ وهي كَما قالَ الرَّضِيُّ: جَمْعُ أُخْرى الَّتِي هي مُؤَنَّثُ آخَرَ ومَعْناهُ في الأصْلِ أشَدُّ تَأخُّرًا فَمَعْنى جاءَنِي زَيْدٌ ورَجُلٌ آخَرُ جاءَنِي زَيْدٌ ورَجُلٌ أشَدُّ تَأخُّرًا مِنهُ في مَعْنًى مِنَ المَعانِي، ثُمَّ نُقِلَ إلى مَعْنى غَيْرِهِ فَمَعْنى رَجُلٌ آخَرُ رَجُلٌ غَيْرُ زَيْدٍ ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيما هو مِن جِنْسِ المَذْكُورِ أوَّلًا، فَلا يُقالُ: جاءَنِي زَيْدٌ وحِمارٌ آخَرُ ولا اِمْرَأةٌ أُخْرى، ولَمّا خَرَجَ عَنْ مَعْنى التَّفْضِيلِ اُسْتُعْمِلَ مِن دُونِ لَوازِمِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، أعْنِي مِن والإضافَةَ واللّامَ وطُوبِقَ بِالمُجَرَّدِ عَنِ اللّامِ والإضافَةِ ما هو لَهُ نَحْوَ: رَجُلانِ آخَرانِ ورِجالٌ آخَرُونَ واِمْرَأةٌ أُخْرى واِمْرَأتانِ أُخْرَيانِ ونِسْوَةٌ أُخَرُ.

وذَهَبَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّهُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِأنَّهُ وصْفٌ مَعْدُولٌ عَنِ الآخَرِ، قالُوا: لِأنَّ الأصْلَ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ أنْ لا يُجْمَعَ إلّا مَقْرُونًا بِالألِفِ واللّامِ كالكِبَرِ والصِّغَرِ فَعُدِلَ عَنْ أصْلِهِ وأُعْطِيَ مِنَ الجَمْعِيَّةِ مُجَرَّدًا ما لا يُعْطى غَيْرُهُ إلّا مَقْرُونًا، وقِيلَ: الدَّلِيلُ عَلى عَدْلِ (أُخَرَ) أنَّهُ لَوْ كانَ مَعَ مِنَ المُقَدَّرَةِ كَما في (اَللَّهُ أكْبَرُ) لَلَزِمَ أنْ يُقالَ بِنِسْوَةٍ آخَرَ عَلى وزْنِ أفْعَلَ لِأنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ ما دامَ بِمِن ظاهِرَةٍ أوْ مُقَدَّرَةٍ لا يَجُوزُ مُطابَقَتُهُ لِمَن هو لَهُ بَلْ يَجِبُ إفْرادُهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ الإضافَةِ لِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ لا يُحْذَفُ إلّا مَعَ بِناءِ المُضافِ، أوْ مَعَ سادٍّ مَسَدَّ المُضافِ إلَيْهِ، أوْ مَعَ دَلالَةِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ تابِعُ المُضافِ أخْذًا مِنَ اِسْتِقْراءِ كَلامِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ اللّامَ، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْرِفَةً كَسُحَرَ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ في المَعْدُولِ عَنْ شَيْءٍ أنْ يَكُونَ بِمَعْناهُ مِن كُلِّ وجْهٍ وإنَّما يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قَدْ أُخْرِجَ عَمّا يَسْتَحِقُّهُ وما هو القِياسُ فِيهِ إلى صِيغَةٍ أُخْرى، نَعَمْ قَدْ تُقْصَدُ إرادَةُ تَعْرِيفِهِ بَعْدَ النَّقْلِ إمّا بِألِفٍ ولامٍ يُضْمَنُ مَعْناها فَيُبْنى، أوْ إمّا بِعِلْمِيَّةٍ كَما في سُحَرَ فَيُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ، ولَمّا لَمْ يُقْصَدُ في (أُخَرُ) إرادَةُ الألِفِ واللّامِ أُعْرِبَ، ولا يَصِحُّ إرادَةُ العَلَمِيَّةِ لِأنَّها تُضادُّ الوَصْفِيَّةَ المَقْصُودَةَ مِنهُ.

وقالَ اِبْنُ جِنِّيٍّ: إنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ آخَرَ مَن، وزَعَمَ اِبْنُ مالِكٍ أنَّهُ التَّحْقِيقُ، وظاهِرُ كَلامِ أبِي حَيّانَ اِخْتِيارُهُ واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.

ووَصَفَ (أُخَرُ) بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مُتَشابِهاتٌ ﴾ وهي في الحَقِيقَةِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ مُحْتَمِلاتٌ لِمَعانٍ مُتَشابِهاتٍ لا يَمْتازُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ في اِسْتِحْقاقِ الإرادَةِ ولا يَتَّضِحُ الأمْرُ إلّا بِالنَّظَرِ الدَّقِيقِ، وعَدَمُ الِاتِّضاحِ قَدْ يَكُونُ لِلِاشْتِراكِ أوْ لِلْإجْمالِ، أوْ لِأنَّ ظاهِرَهُ التَّشْبِيهُ فالمُتَشابِهُ في الحَقِيقَةِ وصْفٌ لِتِلْكَ المَعانِي وصَفَ بِهِ الآياتِ عَلى طَرِيقَةِ وصْفِ الدّالِّ بِما هو وصْفٌ لِلْمَدْلُولِ فَسَقَطَ ما قِيلَ: إنَّ واحِدَ مُتَشابِهاتٍ مُتَشابِهَةٌ، وواحِدَ (أُخَرَ) أُخْرى، والواحِدُ هُنا لا يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ بِهَذا الواحِدِ فَلا يُقالُ: أُخْرى مُتَشابِهَةٌ إلّا أنْ يَكُونَ بَعْضُ الواحِدَةِ يُشْبِهُ بَعْضًا ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ وإنَّما المَعْنى أنَّ كُلَّ آيَةٍ تُشْبِهُ آيَةً أُخْرى، فَكَيْفَ صَحَّ وصْفُ الجَمْعِ بِهَذا الجَمْعِ ولَمْ يَصِحَّ وصْفُ مُفْرَدِهِ بِمُفْرَدِهِ؟!

ولا حاجَةَ إلى ما تُكُلِّفَ في الجَوابِ عَنْهُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ صِحَّةِ وصْفِ المُثَنّى والمَجْمُوعِ صِحَّةُ بَسْطِ مُفْرَداتِ الأوْصافِ عَلى أفْرادِ المَوْصُوفاتِ كَما أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الإسْنادِ إلَيْهِما صِحَّةُ إسْنادِهِ إلى كُلِّ واحِدٍ كَما في ﴿ فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ ﴾ إذِ الرَّجُلُ لا يَقْتَتِلُ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ مِن شَأْنِ الأُمُورِ المُتَشابِهَةِ أنْ يَعْجِزَ العَقْلُ عَنِ التَّمْيِيزِ بِها سُمِّيَ كُلُّ ما لا يَهْتَدِي العَقْلُ إلَيْهِ مُتَشابِهًا وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِسَبَبِ التَّشابُهِ كَما أنَّ المُشْكِلَ في الأصْلِ ما دَخَلَ في أشْكالِهِ وأمْثالِهِ ولَمْ يُعْلَمْ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ غامِضٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ غُمُوضُهُ مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المُتَشابِهُ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَمّا لا يَتَّضِحُ مَعْناهُ مَثَلًا فَيَكُونُ السُّؤالُ مُغالَطَةً غَيْرَ وارِدَةٍ رَأْسًا وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ هو مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ وعَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ.

وتَقْسِيمُ الكِتابِ إلَيْهِما مِن تَقْسِيمِ الكُلِّ إلى أجْزائِهِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ ولامُهُ لِتَعْرِيفِ العَهْدِ، وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُرادَ بِالكِتابِ الثّانِي المُضافُ إلَيْهِ أُمُّ الأوَّلِ الواقِعِ مُقَسَّمًا كَما يُشْعِرُ بِهِ حَدِيثُ إعادَةُ الشَّيْءِ مَعْرِفَةٌ ويَكُونُ وضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ اِعْتِناءً بِشَأْنِ المُظْهَرِ وتَفْخِيمًا لَهُ والإضافَةُ عَلى مَعْنى في كَما في واحِدِ العَشَرَةِ فَلا يَلْزَمُ كَوْنُ الشَّيْءِ أصْلًا لِنَفْسِهِ لِأنَّ المَعْنى عَلى أنَّ الآياتِ المُحْكَماتِ الَّتِي هي جُزْءٌ مِمّا بَيْنُ الدَّفَّتَيْنِ أصْلٌ فِيما بَيْنُ الدَّفَّتَيْنِ يَرْجِعُ إلَيْهِ المُتَشابِهِ مِنهُ، واعْتِبارُ ظَرْفِيَّةِ الكُلِّ لِلْجُزْءِ يَدْفَعُ تَوَهُّمَ لُزُومِ ظَرْفِيَّةِ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ وهَذا أوْلى مِنَ القَوْلِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ بِأنْ يُقالَ التَّقْدِيرُ أمُّ بَعْضِ الكِتابِ، فَإنَّهُ وإنْ بَقِيَ فِيهِ الكِتابُ عَلى حالِهِ إلّا أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ فَإنَّهُ كالقُرْآنِ يُطْلَقُ عَلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ المَجْمُوعِ وبَيْنَ كُلِّ بَعْضٍ مِنهُ لَهُ بِهِ نَوْعُ اِخْتِصاصٍ كَما بُيِّنَ في الأُصُولِ، ويُرادُ مِن هَذا الجِنْسِ ما هو في ضِمْنِ الآياتِ المُتَشابِهاتِ فاللّامُ حِينَئِذٍ لِلْجِنْسِ والإضافَةُ عَلى مَعْنى اللّامِ ولا يُعارِضُهُ حَدِيثُ الإعادَةِ إذْ هو أصْلٌ كَثِيرًا ما يُعْدَلُ عَنْهُ ولا يُتَوَهَّمُ مِنهُ كَوْنُ الشَّيْءِ أُمًّا لِنَفْسِهِ أصْلًا ولا أنَّ المَقامَ مَقامُ الإضْمارِ لِيُحْتاجَ إلى الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ، وبَعْضُ فُضَلاءِ العَصْرِ العاصِرِينَ حُمَيّا العِلْمِ مِن كَرَمِ أذْهانِهِمِ الكَرِيمَةِ أحْسَنَ عَصْرٍ جَوَّزَ كَوْنَ الإضافِيَّةِ لامِيَّةً، و(اَلْكِتابِ) المُضافُ إلَيْهِ هو الكِتابُ الأوَّلُ بِعَيْنِهِ ولَيْسَ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ وما يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ مِن كَوْنِ الشَّيْءِ أُمًّا لِنَفْسِهِ وأصْلًا لَها لا يَضُرُّ لِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ فَإنَّ أُمُومَتَهُ لِغَيْرِهِ مِنَ المُتَشابِهِ بِاعْتِبارِ رَدِّهِ إلَيْهِ وإرْجاعِهِ لَهُ وأُمُومَتِهِ لِنَفْسِهِ بِاعْتِبارِ عَدَمِ اِحْتِياجِهِ لِظُهُورِ مَعْناهُ إلى شَيْءٍ سِوى نَفْسِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الأُمَّ إنْ كانَتْ في كِلا الِاعْتِبارَيْنِ حَقِيقَةً لَزِمَ اِسْتِعْمالُ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ وإنْ كانَتْ في كِلَيْهِما مَجازًا لَزِمَ الجَمْعُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ، وإنْ كانَتْ حَقِيقَةً في الأصْلِ بِاعْتِبارِ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ غَيْرُهُ كَما يُفْهَمُ مِن بَعْضِ عِباراتِهِمْ مَجازًا في الأصْلِ بِمَعْنى المُسْتَغْنِي عَنْ غَيْرِهِ لَزِمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ ولا مَخْلَصَ عَنْ ذَلِكَ إلّا بِارْتِكابِ عُمُومِ المَجازِ، هَذا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْسِيمُ إلى القِسْمَيْنِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ مِن تَقْسِيمِ الكُلِّيِّ إلى جُزْئِيّاتِهِ فَ (ألْ) في الكِتابِ لِلْجِنْسِ أوَّلًا وآخِرًا إلّا أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابِ في الأوَّلِ الماهِيَّةُ مِن حَيْثُ هي كَما هو الأمْرُ المَعْرُوفُ في مِثْلِ هَذا التَّقْسِيمِ، وفي الثّانِي الماهِيَّةُ بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِها في ضِمْنِ بَعْضِ الأفْرادِ وهو المُتَشابِهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الثّانِي أيْضًا مَجْمُوعُ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ والكَلامُ فِيهِ حِينَئِذٍ عَلى نَحْوِ ما سَبَقَ، قِيلَ: وقُصارى ما يَلْزَمُ مِن هَذا التَّقْسِيمِ بَعْدَ تَحَمُّلِ القَوْلِ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ صِدْقُ الكِتابِ عَلى الأبْعاضِ وهو مِمّا لا يَتَحاشى مِنهُ بَلْ هو غَرَضُ مَن فَسَّرَ الكِتابَ بِالقَدْرِ المُشْتَرَكِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ فِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالعِنايَةِ، فَتَدَبَّرْ.

وذَهَبَ ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ إلى أنَّ المُحْكَمَ الواضِحَ الدَّلالَةِ الظّاهِرَ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ، والمُتَشابِهَ الخَفِيَّ الَّذِي لا يُدْرَكُ مَعْناهُ عَقْلًا ولا نَقْلًا وهو ما اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ كَقِيامِ السّاعَةِ والحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ؛ وقِيلَ: المُحْكَمُ الفَرائِضِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، والمُتَشابِهُ القِصَصِ والأمْثالِ، أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ اِبْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ المُحْكَماتُ ناسِخُهُ وحَلالُهُ وحَرامُهُ وحُدُودُهُ وفَرائِضُهُ، والمُتَشابِهاتُ ما يُؤْمَنُ بِهِ ولا يُعْمَلُ بِهِ، وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ المُحْكَماتُ ما فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ وما سِوى ذَلِكَ مُتَشابِهٌ، وأخْرَجَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ المُحْكَماتُ ما لَمْ يُنْسَخْ والمُتَشابِهاتُ ما قَدْ نُسِخَ، وقالَ الماوَرْدِيُّ: المُحْكَمُ ما كانَ مَعْقُولُ المَعْنى، والمُتَشابِهُ بِخِلافِهِ كَأعْدادِ الصَّلَواتِ واخْتِصاصِ الصِّيامِ بِرَمَضانَ دُونَ شَعْبانَ، وقِيلَ: المُحْكَمُ ما لَمْ يَتَكَرَّرْ ألْفاظُهُ، والمُتَشابِهُ ما يُقابِلُهُ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا الخِلافُ في المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ هُنا وإلّا فَقَدَ يُطْلَقُ المُحْكَمُ بِمَعْنى المُتْقَنِ النَّظْمِ، والمُتَشابِهُ عَلى ما يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في البَلاغَةِ، وهُما بِهَذا المَعْنى يُطْلَقانِ عَلى جَمِيعِ القُرْآنِ، وعَلى ذَلِكَ خَرَجَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ ﴾ .

﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ أيْ عُدُولٌ عَنِ الحَقِّ ومَيْلٌ عَنْهُ إلى الأهْواءِ، وقالَ الرّاغِبُ: ((اَلزَّيْغُ المَيْلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ)) وزاغَ وزالَ ومالَ مُتَقارِبَةٌ لَكِنْ زاغَ لا يُقالُ إلّا فِيما كانَ عَنْ حَقٍّ إلى باطِلٍ ومَصْدَرُهُ زَيْغٌ وزَيْغُوغَةٌ وزَيَغانٌ وزُيُوغٌ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ نَصارى نَجْرانَ أوِ اليَهُودُ وإلَيْهِ ذَهَبَ اِبْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: مُنْكِرُو البَعْثِ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ، وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَلى أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُمُ الخَوارِجُ، وظاهِرُ اللَّفْظِ العُمُومُ لِسائِرِ مَن زاغَ عَنِ الحَقِّ فَلْيُحْمَلْ ما ذُكِرَ عَلى بَيانِ بَعْضِ ما صَدَّقَ عَلَيْهِ العامُّ دُونَ التَّخْصِيصِ، وفي جَعْلِ قُلُوبِهِمْ مَقَرًّا لِلزَّيْغِ مُبالَغَةٌ في عُدُولِهِمْ عَنْ سُنَنِ الرَّشادِ وإصْرارِهِمْ عَلى الشَّرِّ والفَسادِ.

وزَيْغٌ مُبْتَدَأٌ أوْ فاعِلٌ ﴿ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ﴾ أيْ يَتَعَلَّقُونَ بِذَلِكَ وحْدَهُ بِأنْ لا يَنْظُرُوا إلى ما يُطابِقُهُ مِنَ المُحْكَمِ ويَرُدُّوهُ إلَيْهِ وهو إمّا بِأخْذِ ظاهِرِهِ غَيْرِ المُرادِ لَهُ تَعالى أوْ أخْذِ أحَدِ بُطُونِهِ الباطِلَةِ، وحِينَئِذٍ يَضْرِبُونَ القُرْآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ويُظْهِرُونَ التَّناقُضَ بَيْنَ مَعانِيهِ إلْحادًا مِنهم وكُفْرًا ويَحْمِلُونَ لَفْظَهُ عَلى أحَدِ مُحْتَمِلاتِهِ الَّتِي تُوافِقُ أغْراضَهُمُ الفاسِدَةَ في ذَلِكَ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ أيْ طَلَبَ أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ عَنْ دِينِهِمْ بِالتَّشْكِيكِ والتَّلْبِيسِ ومُناقَضَةِ المُحْكَمِ بِالمُتَشابِهِ كَما نُقِلَ عَنِ الواقِدِيِّ، وطَلَبَ أنْ يُؤَوِّلُوهُ حَسْبَما يَشْتَهُونَ، فالإضافَةُ في ﴿ تَأْوِيلِهِ ﴾ لِلْعَهْدِ أيْ بِتَأْوِيلٍ مَخْصُوصٍ وهو ما لَمْ يُوافِقِ المُحْكَمَ بَلْ ما كانَ مُوافِقًا لِلتَّشَهِّي.

والتَّأْوِيلُ التَّفْسِيرُ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقالَ الرّاغِبُ: ((إنَّهُ مِنَ الأوَّلِ وهو الرُّجُوعُ إلى الأصْلِ ومِنهُ المَوْئِلُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ وذَلِكَ هو رَدُّ الشَّيْءِ إلى الغايَةِ المُرادَةِ مِنهُ عِلْمًا كانَ أوْ فِعْلًا، ومِنَ الأوَّلِ ما ذُكِرَ هُنا، ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ: ولِلنَّوى قَبْلَ يَوْمِ البَيْنِ تَأْوِيلُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ﴾ أيْ بَيانُهُ الَّذِي هو غايَتُهُ المَقْصُودَةُ مِنهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ قِيلَ: أحْسَنُ تَرْجَمَةً ومَعْنًى، وقِيلَ: أحْسَنُ ثَوابًا في الآخِرَةِ)) اِنْتَهى.

وجُوِّزَ في هاتَيْنِ الطَّلِبَتَيْنِ أنْ تَكُونا عَلى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ بِأنْ يَكُونَ ﴿ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ ﴾ طَلِبَةَ بَعْضٍ، وابْتِغاءَ التَّأْوِيلِ حَسَبَ التَّشَهِّي طَلِبَةَ آخَرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاتِّباعُ لِمَجْمُوعِ الطَّلِبَتَيْنِ وهو الخَلِيقُ بِالمُعانِدِ لِأنَّهُ لِقُوَّةِ عِنادِهِ ومَزِيدِ فَسادِهِ يَتَشَبَّثُ بِهِما مَعًا وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما عَلى التَّعاقُبِ وهو المُناسِبُ بِحالِ الجاهِلِ لِأنَّهُ مُتَحَيِّرٌ تارَةً يَتْبِعُ ظاهِرَهُ وتارَةً يُؤَوِّلُهُ بِما يَشْتَهِيهِ لِكَوْنِهِ في قَبْضَةِ هَواهُ يَتْبَعُهُ كُلَّما دَعاهُ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الفِتْنَةَ عَلى المالِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ سَمّاهُ فِتْنَةً في مَواضِعَ مِن كَلامِهِ ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ مُدَّعًى ودَلِيلًا، وفي تَعْلِيلِ الِاتِّباعِ بِابْتِغاءِ تَأْوِيلِهِ دُونَ نَفْسِ (تَأْوِيلِهِ) وتَجْرِيدِ التَّأْوِيلِ عَنِ الوَصْفِ بِالصِّحَّةِ والحَقِّيَّةِ إيذانٌ بِأنَّهم لَيْسُوا مِنَ التَّأْوِيلِ في عِيرٍ ولا نَفِيرٍ ولا قُبَيْلٍ ولا دُبَيْرٍ، وأنَّ ما يَتَّبِعُونَهُ لَيْسَ بِتَأْوِيلٍ أصْلًا لا أنَّهُ تَأْوِيلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ قَدْ يُعْذَرُ صاحِبُهُ.

﴿ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَتَّبِعُونَ) بِاعْتِبارِ العِلَّةِ الأخِيرَةِ أيْ يَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ لِابْتِغاءِ تَأْوِيلِهِ، والحالُ أنَّ التَّأْوِيلَ المُطابِقَ لِلْواقِعِ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعْبِيرُ بِالعِلْمِ والإضافَةِ إلى اللَّهِ تَعالى مَخْصُوصٌ بِهِ سُبْحانَهُ وبِمَن وفَّقَهُ عَزَّ شَأْنُهُ مِن عِبادِهِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ أيِ الَّذِينَ ثَبَتُوا وتَمَكَّنُوا فِيهِ ولَمْ يَتَزَلْزَلُوا في مَزالِّ الأقْدامِ ومَداحِضِ الأفْهامِ دُونَهم حَيْثُ إنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنْ تِلْكَ الرُّتْبَةِ هَذا ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ في تَفْسِيرِ الرّاسِخِينَ، وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الأزْدِيِّ قالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنِ مالِكٍ يَقُولُ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ  عَنِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ فَقالَ: مَن صَدَقَ حَدِيثُهُ وبَرَّ في يَمِينِهِ وعَفَّ بَطْنُهُ وفَرْجُهُ فَذَلِكَ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ» ولَعَلَّ ذَلِكَ بَيانُ عَلامَتِهِمْ وما يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالعِلْمِ العِلْمُ الشَّرْعِيُّ المُقْتَبَسُ مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ فَإنَّ أهْلَهُ هُمُ المَمْدُوحُونَ.

﴿ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُوَضِّحٌ لِحالِ الرّاسِخِينَ ولِهَذا فُصِّلَ، والنُّحاةُ يُقَدِّرُونَ لَهُ مُبْتَدَأً دائِمًا أيْ هم يَقُولُونَ وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ ولَمْ يُعْرَفْ وجْهُ اِلْتِزامِهِمْ لِذَلِكَ فَلْيُنْظَرْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرّاسِخِينَ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ إلى المُتَشابِهِ وعَدَمُ التَّعْرِيضِ لِإيمانِهِمْ بِالمُحْكِمِ لِظُهُورِهِ وإنْ رَجَعَ إلى الكِتابِ فَلَهُ وجْهٌ أيْضًا لِأنَّ مَآلَهُ كُلٌّ مِن أجْزاءِ الكِتابِ أوْ جُزْئِيّاتِهِ وذَلِكَ لا يَخْلُو عَنِ الأمْرَيْنِ، ثُمَّ هَذا القَوْلُ وإنْ لَمْ يَخُصَّ الرّاسِخِينَ لَكِنَّ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مُقْتَضى الإيمانِ بِهِ أنْ لا يُسْلَكَ فِيهِ طَرِيقٌ لا يَلِيقُ مِن تَأْوِيلِهِ عَلى ما مَرَّ فَكَأنَّ غَيْرَهم لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.

﴿ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا ﴾ مِن تَمامِ مَقُولِهِمْ مُؤِكِّدٌ لِما قَبْلَهُ ومُقَرِّرٌ لَهُ، أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُ ومِنَ المُحْكَمِ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِن مُتَشابِهِهِ ومُحْكَمِهِ مُنْزَلٌ مِن عِنْدِهِ تَعالى لا مُخالَفَةَ بَيْنِهِما، وفي التَّعْبِيرِ بِالرَّبِّ إشارَةٌ إلى سِرِّ إنْزالِ المُتَشابِهِ، والحِكْمَةُ فِيهِ لِما أنَّهُ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى التَّرْبِيَةِ والنَّظَرِ في المَصْلَحَةِ والإيصالِ إلى مَعارِجِ الكَمالِ أوَّلًا فَأوَّلًا، وقَدْ قالُوا: إنَّما أُنْزِلَ المُتَشابِهُ لِذَلِكَ لِيَظْهَرَ فَضْلُ العُلَماءِ ويَزْدادَ حِرْصُهم عَلى الِاجْتِهادِ في تَدَبُّرِهِ وتَحْصِيلِ العُلُومِ الَّتِي نِيطَ بِها اِسْتِنْباطُ ما أُرِيدَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ الحَقِيقِيَّةِ فَيَنالُوا بِذَلِكَ وبِإتْعابِ القَرائِحِ واسْتِخْراجِ المَقاصِدِ الرّائِقَةِ والمَعانِي اللّائِقَةِ المَدارِجِ العالِيَةِ ويَعْرُجُوا بِالتَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُحْكَمِ إلى رَفْرَفِ الإيقانِ وعَرْشِ الِاطْمِئْنانِ ويَفُوزُوا بِالمَشاهِدِ السّامِيَةِ وحِينَئِذٍ يَنْكَشِفُ لَهُمُ الحِجابُ ويَطِيبُ لَهُمُ المَقامُ في رِياضِ الصَّوابِ، وذَلِكَ مِنَ التَّرْبِيَةِ والإرْشادِ أقْصى غايَةٍ ونِهايَةٍ في رِعايَةِ المَصْلَحَةِ لَيْسَ وراءَها نِهايَةٌ.

﴿ وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ  ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ يَقُولُونَ ﴾ سِيقَ مِن جِهَتِهِ تَعالى مَدْحًا لِلرّاسِخِينَ بِجَوْدَةِ الذِّهْنِ وحُسْنِ النَّظَرِ لِما أنَّهم قَدْ تَجَرَّدَتْ عُقُولُهم عَمّا يَغْشاها مِنَ الرُّكُونِ إلى الأهْواءِ الزّائِغَةِ المُكَدِّرَةِ لَها واسْتَعَدُّوا إلى الِاهْتِداءِ إلى مَعالِمِ الحَقِّ والعُرُوجِ إلى مَعارِجِ الصِّدْقِ، ولِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عَلى (اَلرّاسِخُونَ) وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ وسائِرُ مَن فَسَّرَ المُتَشابِهَ بِما لَمْ يَتَّضِحْ مَعْناهُ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عَلى ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الحَنَفِيَّةُ القائِلُونَ بِأنَّ المُتَشابِهَ ما اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ، فالرّاسِخُونَ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿ يَقُولُونَ ﴾ خَبَرٌ عَنْهُ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِوُجُوهٍ: أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّهُ لَوْ أُرِيدُ بَيانُ حَظِّ الرّاسِخِينَ مُقابِلًا لِبَيانِ حَظِّ الزّائِغِينَ لَكانَ المُناسِبُ أنْ يُقالَ وأمّا الرّاسِخُونَ فَيَقُولُونَ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّهُ لا فائِدَةَ حِينَئِذٍ في قَيْدِ الرُّسُوخِ بَلْ هَذا حُكْمُ العالَمِينَ كُلِّهِمْ، وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّهُ لا يَنْحَصِرُ حِينَئِذٍ الكِتابُ في المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ عَلى ما هو مُقْتَضى ظاهِرِ العِبارَةِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ (ومِنهُ مُتَشابِهاتٌ) لِأنَّ ما لا يَكُونُ مُتَّضِحَ المَعْنى ويَهْتَدِي العُلَماءُ إلى تَأْوِيلِهِ ورَدِّهِ إلى المُحْكَمِ لا يَكُونُ مُحْكَمًا ولا مُتَشابِهًا بِالمَعْنى المَذْكُورِ وهو كَثِيرٌ جِدًّا، وأمّا رابِعًا: فَلِأنَّ المُحْكَمَ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ أُمَّ الكِتابِ بِمَعْنى رُجُوعِ المُتَشابِهِ إلَيْهِ إذْ لا رُجُوعَ إلَيْهِ فِيما اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ كَعَدَدِ الزَّبانِيَةِ مَثَلًا، وأمّا خامِسًا: فَلِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّهُ  دَعا لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: ”اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ“» ولَوْ كانَ التَّأْوِيلُ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى لَما كانَ لِلدُّعاءِ مَعْنًى، وأمّا سادِسًا: فَلِأنَّ اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَقُولُ: أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، وأمّا سابِعًا: فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدَحَ الرّاسِخِينَ بِالتَّذَكُّرِ في هَذا المَقامِ وهو يُشْعِرُ بِأنَّ لَهُمُ الحَظَّ الأوْفَرَ مِن مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وأمّا ثامِنًا: فَلِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يُخاطِبَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ بِما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ إلى مَعْرِفَتِهِ.

والقَوْلُ بِأنَّ أمّا لِلتَّفْصِيلِ فَلا بُدَّ في مُقابَلَةِ الحُكْمِ عَلى الزّائِغِينَ مِن حُكْمٍ عَلى الرّاسِخِينَ لِيَتَحَقَّقَ التَّفْصِيلُ، غايَةُ الأمْرِ أنَّهُ حُذِفَتْ أمّا والفاءُ، وبِأنَّ الآيَةَ مِن قَبِيلِ الجَمْعِ والتَّقْسِيمِ والتَّفْرِيقِ، فالجَمْعُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ والتَّقْسِيمُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ﴾ والتَّفْرِيقُ في قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ الخ فَلا بُدَّ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ مِن حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالمُحْكَمِ وهو أنَّ الرّاسِخِينَ يَتْبَعُونَهُ ويُرْجِعُونَ المُتَشابِهَ إلَيْهِ عَلى ما هو مَضْمُونُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ ﴾ الخ مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّ كَوْنَ أمّا لِلتَّفْصِيلِ أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ ولَوْ سُلِّمَ فَلَيْسَ ذِكْرُ المُقابِلِ في اللَّفْظِ بِلازِمٍ.

ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ بِأنَّ الآيَةَ مِن قَبِيلِ الجَمْعِ والتَّقْسِيمِ والتَّفْرِيقِ فَذِكْرُ المُقابِلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ أوِ الحالِ، أعْنِي: (يَقُولُونَ) الخ كافٍ في ذَلِكَ، ورُجِّحَ الثّانِي بِأنَّهُ مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  والتّابِعِينَ وأتْباعِهِمْ خُصُوصًا أهْلَ السُّنَّةِ، وهو أصَحُّ الرِّواياتِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَمْ يَذْهَبْ إلى القَوْلِ الأوَّلِ إلّا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الأكْثَرِينَ كَما نَصَّ عَلَيْهِ اِبْنُ السَّمْعانِيِّ وغَيْرُهُ ويَدُ اللَّهِ تَعالى مَعَ الجَماعَةِ.

ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ: الأوَّلُ: ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في «تَفْسِيرِهِ» والحاكِمُ في «مُسْتَدْرَكِهِ» عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ ويَقُولُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ آمَنّا بِهِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الواوَ لِلِاسْتِئْنافِ لِأنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ وإنْ لَمْ تَثْبُتْ بِها القِراءَةُ فَأقَلُّ دَرَجاتِها أنْ تَكُونَ خَبَرًا بِإسْنادٍ صَحِيحٍ إلى تُرْجُمانِ القُرْآنِ فَيُقَدَّمُ كَلامُهُ عَلى مَن دُونِهِ، وحَكى الفَرّاءُ أنَّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أيْضًا ويَقُولُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي داوُدَ في «اَلْمَصاحِفِ» مِن طَرِيقِ الأعْمَشِ قالَ في قِراءَةِ اِبْنِ مَسْعُودٍ وإنْ تَأْوِيلُهُ إلّا عِنْدَ اللَّهِ ﴿ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ ﴾ .

الثّانِي: ما أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في «اَلْكَبِيرِ» عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «لا أخافُ عَلى أُمَّتِي إلّا ثَلاثَ خِلالٍ أنْ يَكْثُرَ لَهُمُ المالُ فَيَتَحاسَدُوا فَيَقْتَتِلُوا، وأنْ يُفْتَحَ لَهُمُ الكِتابُ فَيَأْخُذُهُ المُؤْمِنُ يَبْتَغِي تَأْوِيلَهُ وما يَبْتَغِي تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى ”».

الحَدِيثُ الثّالِثُ: ما أخْرَجَ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: «“ إنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ لِيُكَذِّبَ بَعْضُهُ بَعْضًا فَما عَرَفْتُمْ مِنهُ فاعْمَلُوا بِهِ وما تَشابَهَ فَآمِنُوا بِهِ ”».

الرّابِعُ: ما أخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: «“ الكِتابُ الأوَّلُ يَنْزِلُ مِن بابٍ واحِدٍ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ ونُزِّلَ القُرْآنُ مِن سَبْعَةِ أبْوابٍ عَلى سَبْعَةٍ: زاجِرٍ وآمِرٍ وحَلّالٍ وحَرامٍ ومُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ وأمْثالٍ، فَأحِلُّوا حَلالَهُ وحَرِّمُوا حَرامَهُ وافْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ وانْتَهُوا عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ واعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِ واعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ وآمِنُوا بِمُتَشابِهِهِ، وقُولُوا: آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا ”،» وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «اَلشُّعَبِ» نَحْوَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.

الخامِسُ: ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «“ أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى أرْبَعَةِ أحْرُفٍ حَلالٍ وحَرامٍ لا يُعْذَرُ أحَدٌ بِجَهالَتِهِ، وتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُهُ العُلَماءُ، ومُتَشابِهٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ومَنِ اِدَّعى عِلْمَهُ سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو كاذِبٌ ”».

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ المُتَشابِهَ مِمّا لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.

وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنْ كُلًّا مِنَ الوَقْفِ والوَصْلِ جائِزٌ ولِكُلٍّ مِنهُما وجْهٌ وجِيهٌ وبَيَّنَ ذَلِكَ الرّاغِبُ بِأنَّ القُرْآنَ عِنْدَ اِعْتِبارِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ثَلاثَةُ أضْرُبٍ: مُحْكَمٌ عَلى الإطْلاقِ، ومُتَشابِهٌ عَلى الإطْلاقِ، ومُحْكَمٌ مِن وجْهٍ مُتَشابِهٌ مِن وجْهٍ، فالمُتَشابِهُ في الجُمْلَةِ ثَلاثَةُ أضْرُبٍ: مُتَشابِهٌ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ فَقَطْ، ومِن جِهَةِ المَعْنى، ومِن جِهَتِهِما مَعًا، فالأوَّلُ ضَرْبانِ: أحَدُهُما يَرْجِعُ إلى الألْفاظِ المُفْرَدَةِ، أمّا مِن جِهَةِ الغَرابَةِ نَحْوَ الأبِ ويَزُفُّونَ، أوِ الِاشْتِراكِ كاليَدِ والعَيْنِ، وثانِيهِما يَرْجِعُ إلى جُمْلَةِ الكَلامِ المُرَكَّبِ وذَلِكَ ثَلاثَةُ أضْرُبٍ: ضَرْبٌ لِاخْتِصارِ الكَلامِ نَحْوَ ﴿ وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ ﴾ ، وضَرْبٌ لِبَسْطِهِ نَحْوَ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ كانَ أظْهَرَ لِلسّامِعِ، وضَرْبٌ لِنَظْمِ الكَلامِ نَحْوَ ﴿ أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ ﴿ قَيِّمًا ﴾ إذْ تَقْدِيرُهُ أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، والمُتَشابِهُ مِن جِهَةِ المَعْنى أوْصافُ اللَّهِ تَعالى وأوْصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ لا تَتَصَوَّرُ لَنا إذْ لا يَحْصُلُ في نُفُوسِنا صُورَةُ ما لَمْ نُحِسَّهُ أوْ لَيْسَ مِن جِنْسِهِ، والمُتَشابِهُ مِن جِهَتِهِما خَمْسَةُ أضْرُبٍ: الأوَّلُ: مِن جِهَةِ الكَمِّيَّةِ كالعُمُومِ والخُصُوصِ نَحْوَ ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾ .

والثّانِي: مِن جِهَةِ الكَيْفِيَّةِ كالوُجُوبِ والنَّدْبِ في نَحْوِ ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ .

والثّالِثُ: مِن جِهَةِ الزَّمانِ كالنّاسِخِ والمَنسُوخِ نَحْوَ ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ .

والرّابِعُ: مِن جِهَةِ المَكانِ والأُمُورِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ نَحْوَ ﴿ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ﴾ و ﴿ إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ ﴾ ، فَإنَّ مَن لا يَعْرِفُ عادَتَهم في الجاهِلِيَّةِ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ هَذِهِ.

والخامِسُ: مِن جِهَةِ الشُّرُوطِ الَّتِي يَصِحُّ بِها الفِعْلُ ويَفْسُدُ كَشَرْطِ الصَّلاةِ والنِّكاحِ.

ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ إذا تُصُوِّرَتْ عُلِمَ أنَّ كُلَّ ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ المُتَشابِهِ لا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ التَّقاسِيمِ؛ ثُمَّ جَمِيعُ المُتَشابِهِ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: ضَرْبٌ لا سَبِيلَ لِلْوُقُوفِ عَلَيْهِ كَوَقْتِ السّاعَةِ وخُرُوجِ الدّابَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقِسْمٌ لِلْإنْسانِ سَبِيلٌ إلى مَعْرِفَتِهِ كالألْفاظِ الغَرِيبَةِ والأحْكامِ الغَلِقَةِ، وضَرْبٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ بَعْضُ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ ويَخْفى عَلى مَن دُونَهُمْ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ  لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «“ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» وإذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ لَكَ جَوازُ الأمْرَيْنِ الوَقْفِ عَلى ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ والوَقْفِ عَلى ﴿ الرّاسِخُونَ ﴾ .

وقالَ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّحْقِيقِ: الحَقُّ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالمُتَشابِهِ ما لا سَبِيلَ إلَيْهِ لِلْمَخْلُوقِ فالحَقُّ الوَقْفُ عَلى ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ وإنْ أُرِيدَ ما لا يَتَّضِحُ بِحَيْثُ يَتَناوَلُ المُجْمَلَ ونَحْوَهُ فالحَقُّ العَطْفُ ويَجُوزُ الوَقْفُ أيْضًا، لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ جَمِيعَهُ أوْ لا يَعْلَمُهُ بِالكُنْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وأمّا إذا فُسِّرَ بِما دَلَّ القاطِعُ أيِ النَّصُّ النَّقْلِيُّ أوِ الدَّلِيلُ الجازِمُ العَقْلِيُّ عَلى أنَّ ظاهِرَهُ غَيْرُ مُرادٍ ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى ما هو المُرادُ فَفِيهِ مَذْهَبانِ: فَمِنهم مَن يُجَوِّزُ الخَوْضَ فِيهِ وتَأْوِيلَهُ بِما يَرْجِعُ إلى الجادَّةِ في مَثَلِهِ فَيَجُوزُ عِنْدَهُ الوَقْفُ وعَدَمُهُ، ومِنهم مَن يَمْنَعُ الخَوْضَ فِيهِ فَيَمْتَنِعُ تَأْوِيلُهُ ويَجِبُ الوَقْفُ عِنْدَهُ.

والذّاهِبُونَ إلى الوَقْفِ مِنَ السّادَةِ الحَنَفِيَّةِ أجابُوا عَمّا ذَكَرَهُ غَيْرُهم في تَرْجِيحِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنَ الوُجُوهِ: فَعَنِ الأوَّلِ: بِأنَّهُ أُرِيدَ بَيانُ حَظِّ الرّاسِخِينَ مُقابِلًا لِبَيانِ حَظِّ الزّائِغِينَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ وأمّا الرّاسِخُونَ مُبالِغَةً في الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الرّاسِخِينَ حَيْثُ لَمْ يَسْلُكْ بِهِمْ سَبِيلَ المُعادَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ لِهَؤُلاءِ الزّائِغِينَ وصِينُوا عَنْ أنْ يُذْكَرُوا مَعَهم كَما يُذْكَرُ المُتَقابِلانِ في الأغْلَبِ في مِثْلِ هَذِهِ المَقاماتِ، وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ ﴾ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ والطّاغُوتُ أوْلِياءُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ولا الَّذِينَ آمَنُوا ولِيُّهُمُ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ تَعالى ورِعايَةً لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ.

وعَنِ الثّانِي: بِأنَّ فائِدَةَ قَيْدِ الرُّسُوخِ المُبالَغَةُ في قَصْرِ عِلْمِ تَأْوِيلِ المُتَشابِهِ عَلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ إذا لَمْ يَعْلَمُوهُ هم كَما يُشْعِرُ بِهِ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ فَغَيْرُهم أوْلى بِعَدَمِ العِلْمِ فَلَمْ يَبْقَ عالِمٌ بِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى.

وعَنِ الثّالِثِ: بِأنَّهُ يَلْتَزِمُ القَوْلَ بَعْدَ الحَصْرِ، وفي «اَلْإتْقانِ» أنَّ بَعْضًا قالَ: إنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ في الشَّيْئَيْنِ إذْ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن طُرُقِهِ ولَوْلا ذَلِكَ لَأشْكَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ﴾ لِأنَّ المُحْكَمَ لا تَتَوَقَّفُ مَعْرِفَتُهُ عَلى البَيانِ، والمُتَشابِهَ لا يُرْجى بَيانُهُ فَما هَذا الَّذِي يُبَيِّنُهُ النَّبِيُّ  ؟

وعَنِ الرّابِعِ: بِالتِزامِ أنَّ إضافَةَ أمٍّ إلى (اَلْكِتابِ) عَلى مَعْنى فِي، والمُحْكَمُ أمٌّ في (اَلْكِتابِ) ولَكِنْ لا لِلْمُتَشابِهِ الَّذِي اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ بَلْ هو أمٌّ وأصْلٌ في فَهْمِ العِباداتِ الشَّرْعِيَّةِ كَوُجُوبِ مَعْرِفَتِهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ وامْتِثالِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ نَواهِيهِ، وعَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ بِأنَّ الإضافَةَ لامِيَّةٌ يَلْتَزِمُ الأُمُومَةَ لِلْكِتابِ بِاعْتِبارِ بَعْضِهِ وهو الواسِطَةُ بَيْنَ القِسْمَيْنِ لِأنَّ مُتَّضِحَ الدَّلالَةِ كَثِيرًا ما يُرْجَعُ إلَيْهِ في خَفِيِّها مِمّا لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ الِاسْتِئْثارِ.

وعَنِ الخامِسِ: بِأنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي دَعا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  لِابْنِ عَبّاسٍ لا يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلى تَأْوِيلِ ما اُخْتُصَّ عِلْمُهُ بِهِ تَعالى بَلْ يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى تَفْسِيرِ ما يَخْفى تَفْسِيرُهُ مِنَ القِسْمِ المُتَرَدِّدِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما الرّاغِبُ كَما ذَكَرَهُ.

وعَنِ السّادِسِ: بِأنَّ الرِّوايَةَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ» مُعارَضَةً بِما هو أصَحُّ مِنها بِدَرَجاتٍ فَتَسْقُطُ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ اِعْتِبارِها يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مُرادُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أيِ المُتَشابِهَ في الجُمْلَةِ حَسْبَما دَعا لِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  ، وهَذا وإنْ قِيلَ: إنَّهُ مُتَشابِهٌ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ واسِطَةٌ بَيْنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ بِالمَعْنى المُرادِ.

وعَنِ السّابِعِ: بِأنَّ مَدْحَ الرّاسِخِينَ بِالتَّذَكُّرِ لَيْسَ لِأنَّ لَهم حَظًّا في مَعْرِفَتِهِ بَلْ لِأنَّهُمُ اِتَّعَظُوا فَخالَفُوا هَواهم ووَقَفُوا عِنْدَ ما حَدَّ لَهم مَوْلاهم ولَمْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَ الزّائِغِينَ ولَمْ يَخُوضُوا مَعَ الخائِضِينَ، ويُمْكِنْ عَلى بُعْدٍ أنْ يُرادَ بِالتَّذَكُّرِ الِانْتِفاعُ مَجازًا أيْ إنَّ الرّاسِخِينَ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ حَيْثُ يُؤْمِنُونَ بِهِ لِخُلُوصِ عُقُولِهِمْ عَنْ غِشاوَةِ الهَوى كَما أنَّهم آمَنُوا بِالغَيْبِ وهَذا بِخِلافِ الزّائِغِينَ حَيْثُ صارَ المُتَشابِهُ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ ووَبالًا لَهم إذْ ضَلُّوا فِيهِ كَثِيرًا وأضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ مِن قَبْلُ فِيما ضَرَبَهُ مِنَ المَثَلِ: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ ﴾ .

وعَنِ الثّامِنِ: بِأنَّهُ لا بُعْدَ في أنْ يُخاطِبَ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ بِما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ إلى مَعْرِفَتِهِ ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الِابْتِلاءِ كَما اِبْتَلى سُبْحانَهُ عِبادَهُ بِتَكالِيفَ كَثِيرَةٍ وعِباداتٍ وفِيرَةٍ لَمْ يَعْرِفْ أحَدٌ حَقِيقَةَ السِّرِّ فِيها، والسِّرُّ في هَذا الِابْتِلاءِ قَصُّ جَناحِ العَقْلِ وكَسْرُ سُورَةِ الفِكْرِ وإذْهابُ عُجْبِ طاوُسِ النَّفْسِ لِيَتَوَجَّهَ القَلْبُ بِشَراشِرِهِ تُجاهَ كَعْبَةِ العُبُودِيَّةِ ويَخْضَعُ تَحْتَ سُرادِقاتِ الرُّبُوبِيَّةِ ويَعْتَرِفُ بِالقُصُورِ ويُقِرُّ بِالعَجْزِ عَنِ الوُصُولِ إلى ما في هاتِيكَ القُصُورِ وفي ذَلِكَ غايَةُ التَّرْبِيَةِ ونِهايَةُ المَصْلَحَةِ هَذا إذا أُرِيدَ بِما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ إلى مَعْرِفَتِهِ ما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ مِنهم إلى مَعْرِفَتِهِ مِن طَرِيقِ الفِكْرِ، وأمّا إذا أُرِيدَ ما لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَتْ عَلى الإجْمالِ أوِ التَّفْصِيلِ بِالوَحْيِ أوْ بِالإلْهامِ لِنَبِيٍّ أوْ لِوَلِيٍّ فَوُجُودُ مِثْلِ هَذا المُخاطَبِ بِهِ في القُرْآنِ في حَيِّزِ المَنعِ، ولَعَلَّ القائِلَ بِكَوْنِ المُتَشابِهُ مِمّا اِسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ لا يَمْنَعُ تَعْلِيمَهُ لِلنَّبِيِّ  بِواسِطَةِ الوَحْيِ مَثَلًا ولا إلْقاءَهُ في رُوعِ الوَلِيِّ الكامِلِ مُفَصَّلًا لَكِنْ لا يَصِلُ إلى دَرَجَةِ الإحاطَةِ كَعِلْمِ اللَّهِ تَعالى وإنْ لَمْ يَكُنْ مُفَصَّلًا فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ مُجْمَلًا، ومَنعُ هَذا وذاكَ مِمّا لا يَكادُ يَقُولُ بِهِ مَن يَعْرِفُ رُتْبَةَ النَّبِيِّ  ورُتْبَةَ أوْلِياءِ أُمَّتِهِ الكامِلِينَ وإنَّما المَنعُ مِنَ الإحاطَةِ ومِن مَعْرِفَتِهِ عَلى سَبِيلِ النَّظَرِ والفِكْرِ وهو الطَّرِيقُ المُعْتادُ والسَّبِيلُ المَسْلُوكُ في مَعْرِفَةِ المُشْكِلاتِ واسْتِحْصالِ النَّظَرِيّاتِ ولِتَبادُرِ هَذا المَعْنى مَن يَعْلَمُ إذا أُسْنِدَ إلى الرّاسِخِينَ مَنَعَ إسْنادَهُ إلَيْهِمْ، ومَتى أُرِيدُ مِنهُ العِلْمُ لا مِن طَرِيقِ الفِكْرِ صَحَّ الإسْنادُ وجازَ العَطْفُ ولَكِنْ دُونَ تَوَهُّمِ هَذِهِ الإرادَةِ مِن ظاهِرِ الكَلامِ خَرْطَ القَتادِ، فَلِهَذا شاعَ القَوْلُ بِعَدَمِ العَطْفِ وكانَ القَوْلُ بِهِ أسَلْمَ.

ويُؤَيِّدُ ما قُلْنا ما ذَكَرَهُ الإمامُ الشَّعْرانِيُّ قالَ: أخْبَرَنِي شَيْخُنا عَلِيٌّ الخَوّاصُ قُدِّسَ سِرُّهُ إنَّ اللَّهَ تَعالى أطْلَعُهُ عَلى مَعانِي سُورَةِ الفاتِحَةِ فَخَرَّجَ مِنها مِائَتَيْ ألْفِ عَلَمٍ وأرْبَعِينَ ألْفَ عَلَمٍ وتِسْعَمِائَةٍ وتِسْعِينَ عَلَمًا، وكانَ يَقُولُ: لا يُسَمّى عالِمًا أيْ عِنْدِ أهْلِ اللَّهِ تَعالى إلّا مَن عَرَفَ كُلَّ لَفْظٍ جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، وقالَ في «اَلْكَشْفِ» في نَحْوِ (ق)، (ص)، (حم)، (طس): لَعَلَّ إدْراكَ ما تَحْتَهُ عِنْدَ أهْلِهِ كَإدْراكِنا لِلْأوَّلِيّاتِ ولا يُسْتَبْعَدُ، فَفَيْضُ البارِي عَمَّ نَوالُهُ غَيْرُ مَحْصُورٍ؛ واسْتِعْدادُ الإنْسانِ الكامِلِ عَنِ القَبُولِ غَيْرُ مَحْسُورٍ، ومَن لَمْ يُصَدِّقْ إجْمالًا بِأنَّ وراءَ مُدْرَكاتِ الفِكْرَةِ ومَبادِيها طَوْرًا أوْ أطْوارًا حَظُّ العَقْلِ مِنها حَظُّ الحِسِّ مِنَ المَعْقُولاتِ فَهو غَيْرُ مُتَخَلِّصٍ عَنْ مَضِيقِ التَّعْطِيلِ أوِ التَّشْبِيهِ وإنْ لَمْ يَتَدارَكْ حالَهُ بَقِيَ بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ في هَذا التِّيهِ، ولِتَتَحَقَّقَ مِن هَذا أنَّ المَراتِبَ مُخْتَلِفَةٌ وأنَّ الإحاطَةَ عَلى الحَقائِقِ الإلَهِيَّةِ كَما هي مُسْتَحِيلَةٌ إلّا لِلْبارِي جَلَّ ذِكْرُهُ وأنَّهُ لا بُدَّ لِلْعارِفِ وإنْ وصَلَ إلى أعْلى المَراتِبِ أنْ يَبْقى لَهُ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ غَيْبًا وهو مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي يَقُولُ الرّاسِخُونَ فِيهِ: ﴿ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا ﴾ فَهَذا ما يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَ كَيْ لا يُلْحِدَ.

ثُمَّ اِعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ جَعَلَ الصِّفاتِ النَّقْلِيَّةَ مِنَ الِاسْتِواءِ واليَدِ والقَدَمِ والنُّزُولِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا والضَّحِكِ والتَّعَجُّبِ وأمْثالِها مِنَ المُتَشابِهِ، ومَذْهَبُ السَّلَفِ والأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أعْيانِهِمْ كَما أبانَتْ عَنْ حالِهِ ”الإبانَةُ“ أنَّها صِفاتٌ ثابِتَةٌ وراءَ العَقْلِ ما كُلِّفْنا إلّا اِعْتِقادَ ثُبُوتِها مَعَ اِعْتِقادِ عَدَمِ التَّجْسِيمِ والتَّشْبِيهِ لِئَلّا يُضادَّ النَّقْلُ العَقْلَ، وذَهَبَ الخَلَفُ إلى تَأْوِيلِها وتَعْيِينِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِنها فَيَقُولُونَ: الِاسْتِواءُ مَثَلًا بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ والغَلَبَةِ، وذَلِكَ أثَرٌ مِن آثارِ بَعْضِ الصِّفاتِ الثَّمانِيَةِ الَّتِي لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى عِنْدَهم وراءَها صِفَةٌ حَتّى اِدَّعى السُّكُوتِيُّ ولَيْتَهُ سَكَتَ أنَّ ما وراءَ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ إذْ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِهِ مُحالٌ وكُلُّ ما لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِهِ مُحالٌ لا يَكُونُ واجِبًا، واَللَّهُ تَعالى لا يَتَّصِفُ إلّا بِواجِبٍ، وذَكَرَ الشَّعْرانِيُّ في «اَلدُّرَرِ المَنثُورَةِ» أنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ أسْلَمُ وأحْكَمُ إذِ المُؤَوِّلُ اِنْتَقَلَ عَنْ شَرْحِ الِاسْتِواءِ الجُسْمانِيِّ عَلى العَرْشِ المَكانِيِّ بِالتَّنْزِيهِ عَنْهُ إلى التَّشْبِيهِ السُّلْطانِيِّ الحادِثِ وهو الِاسْتِيلاءُ عَلى المَكانِ فَهو اِنْتِقالٌ عَنِ التَّشْبِيهِ بِمُحْدَثٍ ما إلى التَّشْبِيهِ بِمُحْدَثٍ آخَرَ فَما بَلَغَ عَقْلُهُ في التَّنْزِيهِ مَبْلَغَ الشَّرْعِ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ألّا تَرى أنَّهُ اِسْتَشْهَدَ في التَّنْزِيهِ العَقْلِيِّ في الِاسْتِواءِ بِقَوْلِ شاعِرٍ: قَدِ اِسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ حَرْبٍ ودَمٍ مُهْراقُ وأيْنَ اِسْتِواءُ بِشْرٍ عَلى العِراقِ مِنَ اِسْتِواءِ الرَّحْمَنِ عَلى العَرْشِ، ونِهايَةُ الأمْرِ يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ اِسْتِيلاءٌ يَلِيقُ بِشَأْنِ الرَّحْمَنِ جَلَّ شَأْنُهُ فَلْيَقُلْ مَن أوَّلَ الأمْرَ قَبْلَ تَحَمُّلِ مُؤْنَةِ هَذا التَّأْوِيلِ اِسْتِواءٌ يَلِيقُ بِشَأْنِ مَن عَزَّ شَأْنُهُ وتَعالى عَنْ إدْراكِ العُقُولِ سُلْطانُهُ، وهَذا ألْيَقُ بِالأدَبِ وأوْفَقُ بِكَمالِ العُبُودِيَّةِ وعَلَيْهِ دَرَجَ صَدْرُ الأُمَّةِ وساداتُها وإيّاها اِخْتارَ أئِمَّةُ الفُقَهاءِ وقاداتُها وإلَيْها دَعا أئِمَّةُ الحَدِيثِ في القَدِيمِ والحَدِيثِ حَتّى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ اللَّكائِيُّ: اِتَّفَقَ الفُقَهاءُ كُلُّهم مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ عَلى الإيمانِ بِالصِّفاتِ مِن غَيْرِ تَفْسِيرٍ ولا تَشْبِيهٍ، ووُرِدَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ صُبَيْغٌ قَدِمَ المَدِينَةَ فَجَعَلَ يَسْألُ عَنْ مُتَشابِهِ القُرْآنِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَدْ أعَدَّ لَهُ عَراجِينَ النَّخْلِ فَقالَ: مَن أنْتَ؟

فَقالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ صُبَيْغٌ فَأخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِن تِلْكَ العَراجِينِ فَضَرَبَهُ حَتّى أدْمى رَأْسَهُ، وفي رِوايَةٍ فَضَرَبَهُ بِالجَرِيدِ حَتّى تَرَكَ ظَهْرَهُ دُبُرَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتّى بَرِئَ ثُمَّ عادَ إلَيْهِ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتّى بَرِئَ فَدَعا بِهِ لِيَعُودَ، فَقالَ: إنْ كُنْتَ تُرِيدُ قِتْلَتِي فاقْتُلْنِي قَتْلًا جَمِيلًا، فَأذِنَ لَهُ إلى أرْضِهِ وكَتَبَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنْ لا يُجالِسَهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ.

لا يُقالُ إنْ تُرِكَتْ أمْثالُ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ عَلى ظَواهِرِها دَلَّتْ عَلى التَّجْسِيمِ، وإنْ لَمْ تُرَدْ ظَواهِرُها فَقَدْ أُوِّلَتْ لِأنَّ التَّأْوِيلَ عَلى ما قالُوا: إخْراجُ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ، لِأنّا نَقُولُ: نَخْتارُ الشِّقَّ الثّانِي ولا نُسَلِّمُ أنَّ التَّأْوِيلَ إخْراجُ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ مُطْلَقًا بَلْ إخْراجُهُ إلى مَعْنًى مُعَيَّنٍ مَعْلُومٍ كَما يُقالُ الِاسْتِواءُ مَثَلًا بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ عَلى أنَّ لِلتَّأْوِيلِ مَعْنَيَيْنِ مَشْهُورَيْنِ لا يُصَدَّقُ شَيْءٌ مِنهُما عَلى نَفْيِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لِلْمُرادِ، أحَدُهُما: تَرْجَمَةُ الشَّيْءِ وتَفْسِيرُهُ المُوَضِّحُ لَهُ، وثانِيهِما: بَيانُ حَقِيقَتِهِ وإبْرازُها إمّا بِالعِلْمِ أوْ بِالعَقْلِ، فَإنَّ مَن قالَ: بَعْدَ التَّنْزِيهِ لا أدْرِي مِن هَذِهِ المُتَشابِهاتِ سِوى أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ بِها نَفْسَهُ وأرادَ مِنها مَعْنًى لائِقًا بِجَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ، ولا أعْرِفُ ذَلِكَ المَعْنى لَمْ يُقَلْ في حَقِّهِ أنَّهُ تَرْجَمَ وأوْضَحَ ولا بَيَّنَ الحَقِيقَةَ وأبْرَزَ المُرادَ حَتّى يُقالَ إنَّهُ أوَّلَ، ومَن أمْعَنَ النَّظَرَ في مَأْخَذِ التَّأْوِيلِ لَمْ يَشُكَّ في صِحَّةِ ما قُلْنا.

نَعَمْ ذَهَبَتْ شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ السَّلَفِ إلى إبْقاءِ نَحْوِ المَذْكُوراتِ عَلى ظَواهِرِها إلّا أنَّهم يَنْفُونَ لَوازِمَها المُنْقَدِحَةَ لِلذِّهْنِ المُوجِبَةَ لِنِسْبَةِ النَّقْصِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ ويَقُولُونَ: إنَّما هي لَوازِمُ لا يَصِحُّ اِنْفِكاكُها عَنْ مَلْزُوماتِها في صِفاتِنا الحادِثَةِ، وأمّا في صِفاتِ مَن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَلَيْسَتْ بِلَوازِمَ في الحَقِيقَةِ لِيَكُونَ القَوْلُ بِانْفِكاكِها سَفْسَطَةً، وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ، وكَأنَّهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ ظَنًّا مِنهم أنَّ قَوْلَ الآخَرِينَ مِنَ السَّلَفِ تَأْوِيلٌ، والرّاسِخُونَ في العِلْمِ لا يَذْهَبُونَ إلَيْهِ، أوْ أنَّهم وجَدُوا بَعْضَ الآثارِ يُشْعِرُ بِذَلِكَ مِثْلَ ما حَكى مُقاتِلٌ والكَلْبِيٌّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في ”اسْتَوى“ أنَّهُ بِمَعْنى اِسْتَقَرَّ، وما أخْرَجَهُ أبُو القاسِمِ مِن طَرِيقِ قُرَّةَ بْنِ خالِدٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ﴾ أنَّها قالَتِ: الكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ والِاسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ والإقْرارُ بِهِ مِنَ الإيمانِ والجُحُودِ بِهِ كُفْرٌ.

وقَرِيبٌ مِن هَذا القَوْلِ ما يُصَرِّحُ بِهِ كَلامُ كَثِيرٍ مِن ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ فَإنَّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ تُجْرى عَلى ظَواهِرِها مَعَ القَوْلِ بِالتَّنْزِيهِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ حَيْثُ إنَّ وُجُودَ الحَقِّ تَعالى شَأْنُهُ لا تُقَيِّدُهُ الأكْوانُ وإنْ تَجَلّى فِيما شاءَ مِنها إذْ لَهُ كَمالُ الإطْلاقِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ، ولا يَخْفى أنَّ إجْراءَ المُتَشابِهاتِ عَلى ظاهِرِها مَعَ التَّنْزِيهِ اللّائِقِ بِجَلالِ ذاتِهِ سُبْحانَهُ طَوْرٌ مِمّا وراءَ طَوْرِ العَقْلِ وبَحْرٌ لا يَسْبَحُ فِيهِ إلّا مَن فازَ بِقُرْبِ النَّوافِلِ.

وذَكَرَ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّدْقِيقِ أنَّ العَقْلَ سَبِيلُهُ في العِلْمِ بِالصِّفاتِ الثَّمانِيَةِ المَشْهُورَةِ كَعِلْمِهِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي يَدَّعِي الخَلَفُ رُجُوعَها إلَيْها إذا أحَدَّ النَّظَرَ، فَقَدْ قامَ البُرْهانُ وشاهِدُ العِيانِ عَلى عَدَمِ المُماثَلَةِ ذاتًا وصِفاتٍ أيْضًا لَكِنَّ صِفاتَهُ المُتَعالِيَةَ وأسْماءَهُ الحُسْنى قِسْمانِ، قَسَمٌ يُناسِبُ ما عِنْدَنا مِنَ الصِّفاتِ نَوْعَ مُناسَبَةٍ وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً، ولا يُقالُ: فَلا بُدَّ فِيهِ في أفْهامِنا مَعاشِرَ النّاقِصِينَ مِن أنْ يُسَمّى بِتِلْكَ الأسْماءِ المُشْتَهِرَةِ عِنْدَنا فَيُسَمّى عَلَمًا مَثَلًا لا دَواةً ولا قَلَمًا وقِسْمٌ لَيْسَ كَذَلِكَ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ  : «”أوِ اِسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ“،» فَقَدْ يَذْكُرُ لَهُ أسْماءً مُشَوِّقَةً لِأنَّ مِنهُ ما لِلْإنْسانِ الكامِلِ مِنهُ نَصِيبٌ بِطْرِيقِ التَّخَلُّقِ والتَّحَقُّقِ فَيَذْكُرُ تارَةً اليَدَ والنُّزُولَ والقَدَمَ ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ المُخَيَّلاتِ مَعَ العِلْمِ البُرْهانِيِّ والشُّهُودِ الوِجْدانِيِّ بِتَنَزُّهِهِ تَعالى عَنْ كُلِّ كَمالٍ يَتَصَوَّرُهُ الإنْسانُ ويُحِيطُ بِهِ فَضْلًا عَنِ النُّقْصانِ، فَيَعْلَمُ أنَّهُ أشارَ إلى ذَلِكَ القَسَمِ الَّذِي عَلِمَ بِالإجْمالِ، ويَتَوَجَّهُ إذْ ذاكَ بِكُلِّيَّتِهِ شَطْرَ كَعْبَةِ الجَلالِ والجَمالِ فَيُفاضُ عَلَيْهِ مِن يَنْبُوعِ الكَمالِ ما يَسْتَأْنِسُ عِنْدَهُ ويَنْكَشِفُ لَهُ جَلِيَّةُ الحالِ، وإذْ لَيْسَ لَهُ مُناسِبَةٌ بِما عِنْدَنا لا تُوجَدُ عِبارَةٌ يُتَرْجِمُ عَنْها إلّا عَلى سَبِيلِ الخَيالِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بُقُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”مَن عَرَفَ اللَّهَ تَعالى كَلَّ لِسانُهُ“،» وأُخْرى بَيَّنَ مَقْصِدَ الكُلِّ ومَن أحَبَّهُ سُبْحانَهُ ما يُصانُ عَنْ تُهْمَةِ إدْراكِ الأغْيارِ مِن نَحْوِ تِلْكَ الفَواتِحِ، ولَعَلَّ إدْراكَها عِنْدَ أهْلِها كَإدْراكِ الأوَّلِيّاتِ إلّا أنَّهُ لا إحاطَةَ بَلْ لا بُدَّ مِن بَقاءِ شَيْءٍ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وعَلى هَذا أيْضًا الألْيَقُ أنْ يُوقَفَ لِأنَّهُ شِعارُ مَن لَنا فِيهِمُ الأُسْوَةُ الحَسَنَةُ مَعَ ظُهُورِ وجْهِهِ لَكِنْ لا تُجْعَلُ الآيَةُ حُجَّةً عَلى مَن تَأوَّلَ نَحْوَ ﴿ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ مَثَلًا إذْ لا يُسَلَّمُ أنَّهُ داخِلٌ في ذَلِكَ المُتَشابِهِ والحَمْلُ عَلى المَجازِ الشّائِعِ في كَلامِ العَرَبِ والكِنايَةِ البالِغَةِ في الشُّهْرَةِ مَبْلَغَ الحَقِيقَةِ أظْهَرُ مِنَ الحَمْلِ عَلى مَعْنى مَجْهُولٍ، نَعَمْ لَوْ قِيلَ: إنَّ تَصْوِيرَ العَظَمَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ دالٌّ عَلى أنَّ العَقْلَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِإدْراكِها وأنَّها أجَلُّ مِن أنْ تُحِيطَ بِها العُقُولُ، فالكُنْهُ مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي دَلَّتِ الآيَةُ عَلَيْهِ ويَجِبُ الإيمانُ بِهِ كانَ حَسَنًا، وجَمْعًا بَيْنَ ما عَلَيْهِ السَّلَفُ ومَشى عَلَيْهِ الخَلَفُ وهو الَّذِي يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَ كَيْلا يَلْزَمَ اِزْدِراءٌ بِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ كَما فَعَلَ اِبْنُ القَيِّمِ، حَتّى قالَ: لامُ الأشْعَرِيَّةِ كَنُونِ اليَهُودِيَّةِ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ، وعَلى هَذا يَجِبُ أنْ يُفَسَّرَ المُتَشابِهُ في الآيَةِ بِما يَعُمُّ القِسْمَيْنِ، والمُحْكَمُ (أُمٌّ) يُرْجَعُ إلَيْهِ في تَمْيِيزِ القِسْمَيْنِ أحَدُهُما: فَرْعُهُ الإيمانِيُّ، والثّانِي: فَرْعُهُ الإيقانِيُّ، وابْنُ دَقِيقِ العِيدِ تَوَسَّطَ في مَسْألَةِ التَّأْوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ ما قالَهُ هَذا المُدَقَّقَ أخِيرًا مِنَ المُتَشابِهِ، فَقالَ: إذا كانَ التَّأْوِيلُ قَرِيبًا مِن لِسانِ العَرَبِ لَمْ يُنْكَرْ أوْ بَعِيدًا تَوَقَّفْنا عَنْهُ وآمَنّا بِمَعْناهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ مَعَ التَّنْزِيهِ وما كانَ مَعْناهُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ ظاهِرًا مَعْهُودًا مِن تَخاطُبِ العَرَبِ قُلْنا بِهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ ﴾ فَنَحْمِلُهُ عَلى حَقِّ اللَّهِ تَعالى وما يَجِبُ لَهُ فَلْيُفْهَمْ هَذا المَقامُ فَكَمْ زَلَّتْ فِيهِ أقْوامٌ بَعْدَ أقْوامٍ.

<div class="verse-tafsir"

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ ٨

﴿ رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ مَقالَةِ الرّاسِخِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى التَّعْلِيمِ، أيْ قُولُوا: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا عَنْ نَهْجِ الحَقِّ إلى اِتِّباعِ المُتَشابِهِ بِتَأْوِيلٍ لا تَرْتَضِيهِ بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا إلى مَعالِمِ الحَقِّ مِنَ التَّفْوِيضِ في المُتَشابِهِ أوِ الإيمانِ بِالقَسَمَيْنِ أوِ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ، ويَؤُولُ المَعْنى إلى لا تُضِلَّنا بَعْدَ الهِدايَةِ لِأنَّ زَيْغَ القُلُوبِ في مُقابَلَةِ الهِدايَةِ ومُقابَلَةَ الهِدايَةِ الإضْلالُ، وصِحَّةُ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ في أفْعالِ العِبادِ ظاهِرَةٌ، والمُعْتَزِلَةِ يُؤَوِّلُونَ ذَلِكَ بِنَحْوِ لا تُبْلِنا بِبَلايا تَزِيغُ بِسَبَبِها قُلُوبُنا ولا تَمْنَعْنا ألِطافَكَ بَعْدَ أنْ لَطَفْتَ بِنا، وإنَّما دَعَوْا بِذَلِكَ أوْ أُمِرُوا بِالدُّعاءِ بِهِ لِأنَّ القُلُوبَ لا تَتَقَلَّبُ، فَفي «اَلصَّحِيحِ» عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  كَثِيرًا ما يَدْعُو ”يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أكْثَرَ ما تَدْعُو بِهَذا الدُّعاءِ؟

فَقالَ: لَيْسَ مِن قَلْبٍ إلّا وهو بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ إنْ شاءَ أنْ يُقِيمَهُ أقامَهُ وإنْ شاءَ أنْ يُزِيغَهُ أزاغَهُ“».

وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «إنَّما الإيمانُ بِمَنزِلَةِ القَمِيصِ مَرَّةً تَتَقَمَّصُهُ ومَرَّةً تَنْزِعُهُ» والرِّواياتُ بِمَعْنى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وهي تَدُلُّ عَلى جَوازِ عُرُوضِ الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ بِطُرُوءِ الشَّكِّ مَثَلًا والعِياذُ بِاَللَّهِ تَعالى، وفي كَلامِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي عَطّافٍ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَ يَقُولُ أيْ رَبِّ لا أزْنِيَنَّ أيْ رَبِّ لا أسْرِقَنَّ أيْ رَبِّ لا أكْفُرَنَّ، قِيلَ لَهُ: أوَ تَخافُ؟

قالَ: آمَنتُ بِمُحَرِّفِ القُلُوبِ، ثَلاثًا.

وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ إذا لَقِيَنِي قالَ: اِجْلِسْ يا عُوَيْمِرُ فَلْنُؤْمِن ساعَةً فَنَجْلِسُ فَنَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى عَلى ما يَشاءُ، ثُمَّ قالَ: يا عُوَيْمِرُ هَذِهِ مَجالِسُ الإيمانِ إنَّ مَثَلَ الإيمانِ ومَثَلَكَ كَمَثَلِ قَمِيصِكَ بَيْنا أنْتَ قَدْ نَزَعْتَهُ إذْ لَبِسْتَهُ وبَيْنا أنْتَ قَدْ لَبِسْتَهُ إذْ نَزَعْتَهُ، يا عُوَيْمِرُ لَلْقَلْبُ أسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنَ القِدْرِ إذا اِسْتَجْمَعَتْ غَلَيانًا».

وعَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ «لَيَأْتِيَنَّ عَلى الرَّجُلِ أحايِينُ وما في جِلْدِهِ مَوْضِعُ إبْرَةٍ مِنَ النِّفاقِ ولَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ أحايِينُ وما في جِلْدِهِ مَوْضِعُ إبْرَةٍ مِن إيمانٍ».

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى الإيمانِ الغَيْرِ الكامِلِ وما رَجَعَ مَن رَجَعَ إلّا مِنَ الطَّرِيقِ، وأمّا بَعْدَ حُصُولِ الإيمانِ الكامِلِ والتَّصْدِيقِ الجازِمِ والعِلْمِ الثّابِتِ المُطابِقِ فَلا يُتَصَوَّرُ رَجْعَةٌ وكُفْرٌ أصْلًا لِئَلّا يَلْزَمَ اِنْقِلابُ العِلْمِ جَهْلًا وهو مُحالٌ والتُزِمَ تَأْوِيلُ جَمِيعِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا القَوْلَ مِمّا يَكادُ يَجُرُّ إلى الأمْنِ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى والتِزامِ تَأْوِيلِ النُّصُوصِ لِشُبْهَةٍ اِخْتَلَجَتْ في الصَّدْرِ هي أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ في التَّحْقِيقِ مِمّا لا يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ كَما لا يَخْفى، فَتَدَبَّرْ.

و(بَعْدَ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ والعامِلُ فِيهِ (تُزِغْ)، و(إذْ) مُضافٌ إلَيْهِ وهي مُتَصَرِّفَةٌ كَما ذَكَرَهُ أجِلَّةُ النَّحْوِيِّينَ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّها بِمَعْنى أنِ المَصْدَرِيَّةِ المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى بَعْدَ هِدايَتِنا فَمِمّا ذَكَرَهُ الحَوْفِيُّ في «إعْرابِ القُرْآنِ» ولَمْ يُرَ لِغَيْرِهِ، والمَذْكُورُ في النَّحْوِ أنَّها تَكُونُ حَرْفَ تَعْلِيلٍ فَتُؤَوَّلُ مَعَ ما بَعْدَها بِالمَصْدَرِ نَحْوَ ﴿ ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ ﴾ أيْ لِظُلْمِكم فَإنْ كانَ أُخِذَ مِن هَذا فَهو كَما تَرى، وقُرِئَ (لا تُزِغْ) بِالياءِ والتّاءِ ورَفْعِ (اَلْقُلُوبِ).

﴿ وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ ﴾ كِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِ (هَبْ) وتَقْدِيمُ الأوَّلِ اِعْتِناءً بِهِ وتَشْوِيقًا إلى الثّانِي، ويَجُوزُ تَعَلُّقُ الثّانِي بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ أيْ كائِنَةً مِن لَدُنْكَ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ المَجازِيَّةِ، و(لَدُنْ) ظَرْفٌ، وهي لِأوَّلِ غايَةِ زَمانٍ أوْ مَكانٍ أوْ غَيْرِهِما مِنَ الذَّواتِ نَحْوَ مِن لَدُنْ زَيْدٍ ولَيْسَتْ مُرادِفَةً لِ (عِنْدَ) بَلْ قَدْ تَكُونُ بِمَعْناها، وبَعْضُهم يُقَيِّدُها بِظَرْفِ المَكانِ وهي مُلازِمَةٌ لِلْإضافَةِ فَلا تَنْفَكُّ عَنْها بِحالٍ، فَتارَةً تُضافُ إلى المُفْرَدِ، وتارَةً إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ أوِ الفِعْلِيَّةِ، وقَلَّما تَخْلُو عَنْ (مِن)، وفِيها لُغَتانِ، الإعْرابُ وهي لُغَةُ قَيْسٍ، والبِناءُ وهي اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ وسَبَبُهُ شَبَهُها بِالحَرْفِ في لُزُومِ اِسْتِعْمالِ واحِدٍ وامْتِناعِ الإخْبارِ بِها بِخِلافِ عِنْدَ، ولَدَيَّ فَإنَّهُما لا يَلْزَمانِ اِسْتِعْمالًا واحِدًا إذْ يَكُونانِ فَضْلَةً وعُمْدَةً وغايَةً وغَيْرَ غايَةٍ، قِيلَ: ولِقُوَّةِ هَذا الشَّبَهِ لا تُعْرَبُ إذا أُضِيفَتْ في المَشْهُورِ، واللُّغَتانِ المَذْكُورَتانِ مِنَ الإعْرابِ والبِناءِ مُخْتَصّانِ بِ (لَدُنْ) المَفْتُوحَةِ اللّامِ المَضْمُومَةِ الدّالِ الواقِعِ آخِرَها نُونٌ، وأمّا بَقِيَّةُ لُغاتِها فَإنَّها فِيها مَبْنِيَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِ العَرَبِ وفِيها لُغاتٌ المَشْهُورَةُ مِنها ما تَقَدَّمَ و(لَدُنْ) بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِها و(لَدُنْ) بِفَتْحِ اللّامِ وضَمِّها مَعَ سُكُونِ الدّالِ و(لَدُنْ) بِفَتْحِ اللّامِ وضَمِّ الدّالِ وبِإبْدالِ الدّالِ تاءً ساكِنَةً، ومَتى أُضِيفَتِ المَحْذُوفَةُ النُّونِ إلى ضَمِيرٍ وجَبَ رَدُّ النُّونِ.

﴿ رَحْمَةً ﴾ مَفْعُولٌ لِ (هَبْ) وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ الإحْسانُ والإنْعامُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: الإنْعامُ المَخْصُوصُ وهو التَّوْفِيقُ لِلثَّباتِ عَلى الحَقِّ، وفي سُؤالِ ذَلِكَ بِلَفْظِ الهِبَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنهُ تَعالى تَفَضُّلٌ مَحْضٌ مِن غَيْرِ شائِبَةٍ وُجُوبٌ عَلَيْهِ عِزَّ شَأْنُهُ، وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلتَّشْوِيقِ.

﴿ إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ  ﴾ تَعْلِيلٌ لِلسُّؤالِ أوْ لِإعْطاءِ المَسْؤُولِ، و(أنْتَ) إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ فَصْلٌ أوْ تَأْكِيدٌ لِاسْمِ إنَّ وحُذِفَ المَعْمُولُ لِإفادَةِ العُمُومِ كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي، واخْتِيارُ صِيغَةِ المُبالَغَةِ عَلى فَعّالٍ قِيلَ: لِمُناسَبَةِ رُؤُوسِ الآيِ.

<div class="verse-tafsir"

رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ٩

﴿ رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ ﴾ المُكُلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ ﴿ لِيَوْمٍ ﴾ أيْ لِحِسابِ يَوْمٍ، أوْ لِجَزاءِ يَوْمٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ تَهْوِيلًا لِما يَقَعُ فِيهِ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى أيْ جامِعُهم في القُبُورِ إلى يَوْمٍ ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَرْتابَ في وُقُوعِهِ ووُقُوعِ ما فِيهِ مِنَ الحَشْرِ والحِسابِ والجَزاءِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْحُكْمِ أيْ لا رَيْبَ في هَذا الحُكْمِ، فالجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ صِفَةٌ لِيَوْمٍ، وعَلى الثّانِي لِتَأْكِيدِ الحُكْمِ، ومَقْصُودُهم مِن هَذا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ عَرْضُ كَمالِ اِفْتِقارِهِمْ إلى الرَّحْمَةِ وأنَّها المَقْصِدُ الأسْنى عِنْدَهُمْ، والتَّأْكِيدُ لِإظْهارِ ما هم عَلَيْهِ مِن كَمالِ الطُّمَأْنِينَةِ وقُوَّةِ اليَقِينِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ لِمَزِيدِ الرَّغْبَةِ في اِسْتِنْزالِ طائِرِ الإجابَةِ، وقُرِئَ (جامِعٌ النّاسِ) بِالتَّنْوِينِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ  ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ أوْ لِانْتِفاءِ الرَّيْبِ، وقِيلَ: تَأْكِيدٌ بَعْدَ تَأْكِيدٍ لِلْحُكْمِ السّابِقِ وإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَعَ الِالتِفاتِ لِلْإشارَةِ إلى تَعْظِيمِ المَوْعُودِ والإجْلالِ النّاشِئِ مِن ذِكْرِ اليَوْمِ المَهِيبِ الهائِلِ، ولِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلْإخْلافِ؛ وهَذا بِخِلافِ ما في آخِرِ السُّورَةِ حَيْثُ أتى بِلَفْظِ الخِطابِ فِيهِ لِما أنَّ مَقامَهُ مَقامُ طَلَبِ الإنْعامِ، وقالَ الكَرْخِيُّ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ ما هُنا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ اِتِّصالًا لَفْظِيًّا فَقَطْ وما في الآخِرَةِ مُتَّصِلٌ اِتِّصالًا مَعْنَوِيًّا ولَفْظِيًّا لِتَقَدُّمِ لَفْظِ الوَعْدِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن كَلامِهِ تَعالى لِتَقْرِيرِ قَوْلِ الرّاسِخِينَ لا مِن كَلامِ الرّاسِخِينَ فَلا اِلْتِفاتَ حِينَئِذٍ، قالَ السَّفاقِسِيُّ: وهو الظّاهِرُ.

و(اَلْمِيعادَ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الحَدَثِ لا بِمَعْنى الزَّمانِ والمَكانِ وهو اللّائِقُ بِمَفْعُولِيَّةِ يُخْلِفُ وياؤُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، واسْتَدَلَّ بِها الوَعِيدِيَّةِ عَلى وُجُوبِ العِقابِ لِلْعاصِي عَلَيْهِ تَعالى وإلّا يَلْزَمُ الخُلْفُ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ وعِيدَ الفُسّاقِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ العَفْوِ بِدَلائِلَ مُنْفَصِلَةٍ كَما هو مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ وِفاقًا؛ وقِيلَ: هو إنْشاءٌ فَلا يَلْزَمُ مَحْذُورٌ في تَخَلُّفِهِ، وقِيلَ: ما في الآيَةِ لَيْسَ مَحَلًّا لِلنِّزاعِ لِأنَّ المِيعادَ فِيهِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الوَعْدِ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ خُلْفِ الوَعْدِ عَدَمُ خُلْفِ الوَعِيدِ لِأنَّ الأوَّلَ مُقْتَضى الكَرَمِ كَما قالَ: وإنِّي إذا أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ لَمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي واعْتُرِضَ بِأنَّ الوَعِيدَ الَّذِي هو مَحَلُّ النِّزاعِ داخِلٌ تَحْتِ الوَعْدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا ﴾ وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ الدُّخُولَ، والآيَةُ مِن بابِ التَّهَكُّمِ فَهي عَلى حَدِّ ”فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ“ واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ كَوْنَ الخُلْفِ في الإيعادِ مُقْتَضى الكَرَمِ لا يَجُوزُ الخُلْفُ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ صِحَّةُ أنْ يُسَمّى اللَّهُ تَعالى مُكَذِّبَ نَفْسِهِ وهو مِمّا لا يُقَدِمُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِما تَرْكُهُ أصْوَبُ مِن ذِكْرِهِ فالحَقُّ الرُّجُوعُ إلى الجَوابِ الأوَّلِ.

* * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ الم ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ، وذَكَرَ بَعْضُ ساداتِنا فِيهِ أنَّهُ أُشِيرَ بِهِ إلى كُلِّ الوُجُودِ مِن حَيْثُ هو كُلٌّ لِأنَّ (أ) إشارَةٌ إلى الذّاتِ الَّذِي هو أوَّلُ الوُجُودِ وهو مَرْتَبَةُ الإطْلاقِ، و(ل) إلى العَقْلِ المُسَمّى بِجِبْرِيلَ الَّذِي هو وسَطُ الوُجُودِ الَّذِي يَسْتَفِيضُ مِنَ المَبْدَأِ ويَفِيضُ إلى المُنْتَهى، و(م) إلى مُحَمَّدٍ  الَّذِي هو آخِرُ الوُجُودِ، وبِهِ تَتِمُّ دائِرَتُهُ ولِهَذا كانَ الخَتْمُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ (ل) رُكِّبَتْ مِن ألِفَيْنِ أيْ وُضِعَتْ بِإزاءِ الذّاتِ مَعَ صِفَةِ العِلْمِ اللَّذَيْنِ هُما عالَمانِ مِنَ العَوالِمِ الثَّلاثَةِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها فَهو اِسْمٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وأمّا (م) فَهي إشارَةٌ إلى الذّاتِ مَعَ جَمِيعِ الصِّفاتِ والأفْعالِ الَّتِي اِحْتَجَبَتْ بِها في صُورَةِ المُحَمَّدِيَّةِ الَّتِي هي اِسْمُ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمُ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُها إلّا مَن يَعْرِفُها، ألا تَرى أنَّ (أ) الَّتِي هي لِصُورَةِ الذّاتِ كَيْفَ اِحْتَجَبَتْ فِيها فَإنَّ المِيمَ فِيها الياءُ وفي الياءِ ألِفٌ ولِتَضَمُّنِ (الم) الإشارَةَ إلى مَراتِبِ الوُجُودِ والحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ ناسَبَ أنْ تُفْتَتَحَ بِها هَذِهِ الآياتُ المُتَضَمِّنَةُ لِلرَّدِّ عَلى النَّصارى الَّذِينَ أخْطَأُوا في التَّوْحِيدِ ولَمْ يَعْرِفُوهُ عَلى وجْهِهِ، ولِهَذا أرْدَفَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ إذْ لا مَوْجُودَ في سائِرِ العَوالِمِ حَقِيقَةً إلّا هو إذْ لا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى جَلَّ جَلالُهُ ﴿ الحَيُّ ﴾ أيِ المُتَّصِفُ بِالحَياةِ الكامِلَةِ عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِذاتِهِ ﴿ القَيُّومُ ﴾ القائِمُ بِتَدْبِيرِ الأعْيانِ الثّابِتَةِ بِظُهُورِهِ فِيها حَسَبَ اِسْتِعْدادِها الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ.

﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ وهو العِلْمُ المُفِيدُ لِمَقامِ الجَمْعِ وهو التَّوْحِيدُ الَّذِي تَفْنى فِيهِ الكَثْرَةُ ولا يُشاهَدُ فِيهِ التَّعَدُّدُ مُتَلَبِّسًا ﴿ بِالحَقِّ ﴾ وهو الثّابِتُ الَّذِي لا يَعْتَرِيهِ تَغَيُّرٌ في ذاتِهِ ﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مِنَ التَّوْحِيدِ الأوَّلِ الأزَلِيِّ السّابِقِ المَعْلُومِ في العَهْدِ الأوَّلِ المَخْزُونِ في غَيْبِ الِاسْتِعْدادِ ﴿ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ ﴿ مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ ﴾ إلى مَعالِمِ التَّوْحِيدِ ﴿ وأنْزَلَ الفُرْقانَ ﴾ وهو التَّوْحِيدُ التَّفْصِيلِيُّ الَّذِي هو الحَقُّ بِاعْتِبارِ الفَرْقِ وهو مَنشَأُ الِاسْتِقامَةِ ومَبْدَأُ الدَّعْوَةِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيِ اِحْتَجَبُوا عَنْ هَذَيْنَ التَّوْحِيدَيْنِ بِالمَظاهِرِ والأكْوانِ ورُؤْيَةِ الأغْيارِ ولَمْ يُؤْمِنُوا ﴿ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ تَعالى الدّالَّةِ عَلى أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ رُتْبَةَ الإطْلاقِ ولَهُ الظُّهُورَ والتَّجَلِّيَ بِما شاءَ ﴿ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ في البُعْدِ والحِرْمانِ عَنْ حَظائِرِ العِرْفانِ، ﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ قاهِرٌ ﴿ ذُو انْتِقامٍ ﴾ شَدِيدٌ بِمُقْتَضى صِفاتِهِ الجَلالِيَّةِ.

﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ ﴾ في أرْحامِ الوُجُودِ ﴿ كَيْفَ يَشاءُ ﴾ لِأنَّكُمُ المَظاهِرُ لِأسْمائِهِ والمَجْلى لِذاتِهِ ﴿ لا إلَهَ ﴾ في الوُجُودِ ﴿ إلا هو العَزِيزُ ﴾ القاهِرُ لِلْأعْيانِ الثّابِتَةِ فَلا تُشَمُّ رائِحَةُ الوُجُودِ بِنَفْسِها أبَدًا، ﴿ الحَكِيمُ ﴾ الَّذِي يُظْهَرُها بِوُجُودِهِ الحَقِّ ويَتَجَلّى بِها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.

﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ مُتَنَوِّعًا في الظُّهُورِ ﴿ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ ﴾ أُحْكِمَتْ مِن أنْ يَتَطَرَّقَ إلَيْها الِاحْتِمالُ والِاشْتِباهُ فَلا تَحْتَمِلُ إلّا مَعْنًى واحِدًا ﴿ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ ﴾ والأصْلُ ﴿ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ﴾ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَأكْثَرَ ويَقَعُ فِيها الِاشْتِباهُ، وذَلِكَ أنَّ الحَقَّ تَعالى لَهُ وجْهٌ واحِدٌ وهو المُطْلَقُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ لا يَحْتَمِلُ التَّكَثُّرَ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ ولَهُ وُجُوهٌ مُتَكَثِّرَةٌ بِحَسَبِ المَرايا والمَظاهِرِ، بِها يَقَعُ الِاشْتِباهُ فَوَرَدَ التَّنْزِيلُ كَذَلِكَ ﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ أيْ مَيْلٌ عَنِ الحَقِّ ﴿ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ﴾ لِاحْتِجابِهِمْ بِالكَثْرَةِ عَنِ الوَحْدَةِ ﴿ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ﴾ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ ويَعْلَمُهُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ الَّذِينَ لَمْ يَحْتَجِبُوا بِأحَدِ الأمْرَيْنِ عَنِ الآخَرِ بِعِلْمِهِ الَّذِي مَنَحُوهُ بِواسِطَةِ قُرْبِ النَّوافِلِ لا بِالعِلْمِ الفِكْرِيِّ الحاصِلِ بِواسِطَةِ الأقْيِسَةِ المَنطِقِيَّةِ، وبِهَذا يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الوَقْفِ عَلى ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ والوَقْفِ عَلى ﴿ الرّاسِخُونَ ﴾ .

﴿ وما يَذَّكَّرُ ﴾ بِذَلِكَ العِلْمِ الواحِدِ المُفَصَّلِ في التَّفاصِيلِ المُتَشابِهَةِ المُتَكَثِّرَةِ ﴿ إلا أُولُو الألْبابِ ﴾ الَّذِينَ صَفَتْ عُقُولُهم بِنُورِ الهِدايَةِ وتَجَرَّدَتْ عَنْ قِشْرِ الهَوى والعادَةِ ﴿ رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا ﴾ بِالنَّظَرِ إلى الأكْوانِ والِاحْتِجابِ بِها عَنْ مُكَوِّنِها ﴿ بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا ﴾ بِنُورِكَ إلى صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ ومُشاهَدَتِكَ في مَراتِبِ الوُجُودِ والمَرايا المُتَعَدِّدَةِ ﴿ وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً ﴾ خاصَّةً تَمْحُو صِفاتِنا بِصِفاتِكَ وظُلُماتِنا بِأنْوارِكَ ﴿ إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ ﴾ المُعْطِي لِلْقَوابِلِ حَسَبَ القابِلِيّاتِ ﴿ رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ ﴾ عَلى اِخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ ﴿ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ وهو يَوْمُ الجَمْعِ الَّذِي هو الوُصُولُ إلى مَقامِ الوَحْدَةِ عِنْدَ كَشْفِ اِلْغَطا وطُلُوعِ شَمْسِ العِيانِ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ لِتَظْهَرَ صِفاتُهُ الجَمالِيَّةُ والجَلالِيَّةُ ولِذَلِكَ خَلَقَ الخَلْقَ وتَجَلّى لِلْأعْيانِ فَأظْهَرَها كَيْفَ شاءَ.

هَذا ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانِهِ الدِّينَ الحَقَّ والتَّوْحِيدَ وذَكَرَ أحْوالَ الكُتُبِ النّاطِقَةِ بِهِ وشَرَحَ حالَ القُرْآنِ العَظِيمِ وكَيْفِيَّةَ إيمانِ الرّاسِخِينَ بِهِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِبَيانِ حالِ مَن كَفَرَ بِهِ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: <div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ ١٠

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِمْ جِنْسُ الكَفَرَةِ الشّامِلُ لِجَمِيعِ الأصْنافِ، وقِيلَ: وفْدُ نَجْرانَ، أوِ اليَهُودُ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وحُكِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوْ مُشْرِكُو العَرَبِ ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ ﴾ أيْ لَنْ تَنْفَعَهُمْ، وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ وسُكُونِ الياءِ وهو مِنَ الجِدِّ في اِسْتِثْقالِ الحَرَكَةِ عَلى حُرُوفِ اللِّينِ، ﴿ أمْوالُهُمْ ﴾ الَّتِي أعَدُّوها لِدَفْعِ المَضارِّ وجَلْبِ المَصالِحِ ﴿ ولا أوْلادُهُمْ ﴾ الَّذِينَ يَتَناصَرُونَ بِهِمْ في الأُمُورِ المُهِمَّةِ ويُعَوِّلُونَ عَلَيْهِمْ في المُلِمّاتِ المُدْلَهِمَّةِ، وتَأْخِيرُهم عَنِ الأمْوالِ مَعَ تَوْسِيطِ حَرْفِ النَّفْيِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ إمّا لِعَراقَتِهِمْ في كَشْفِ الكُرُوبِ أوْ لِأنَّ الأمْوالَ أوَّلُ عِدَّةٍ يُفْزَعُ إلَيْها عِنْدَ نُزُولِ الخُطُوبِ ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ مِن عَذابِهِ تَعالى فَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ كَما قالَ المُبَرِّدُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَيْئًا ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِما في (أغْنى) مِن مَعْنى الدَّفْعِ و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ إلّا أنَّها قُدِّمَتْ عَلَيْهِ فَصارَتْ حالًا، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا بِناءً عَلى أنَّ مَعْنى أغْنى عَنْهُ كَفاهُ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (مِن) هُنا بِمَعْنى عِنْدَ وهو ضَعِيفٌ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هي بَدَلِيَّةٌ مِثْلَها في قَوْلِهِ: فَلَيْتَ لَنا (مِن) ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةٌ باتَتْ عَلى طَهَيانِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ  : «ولا يَنْفَعُ ذا الجِدِّ مِنكَ الجِدُّ» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ والمَعْنى لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم بَدَلَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ بَدَلَ طاعَتِهِ سُبْحانَهُ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ، ونَفى ذَلِكَ سُبْحانَهُ مَعَ أنَّ اِحْتِمالَ سَدِّ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ مَسَدَّ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مِمّا يَبْعُدُ بَلْ لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالٍ حَتّى يَتَصَدّى لِنَفْيِهِ - إشارَةً إلى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ قَدْ ألْهَتْهم أمْوالُهم وأوْلادُهم عَنِ اللَّهِ تَعالى والنَّظَرِ فِيما يَنْبَغِي لَهُ إلى حَيْثُ يُخَيَّلُ لِلرّائِي أنَّهم مِمَّنْ يُعْتَقَدُ أنَّها تَسُدُّ مَسَدَّ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ.

وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى ﴾ واعْتُرِضَ بِأنَّ أكْثَرَ النُّحاةِ كَما في «اَلْبَحْرِ» يُنْكِرُونَ إثْباتَ البَدَلِيَّةِ لِمَن، مَعَ أنَّ الأوَّلَ هو الألْيَقُ في الظّاهِرِ بِتَهْوِيلِ أمْرِ الكَفَرَةِ والأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ  ﴾ كَذا بِما بَعُدَ.

والوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ الحَطَبُ أيْ أُولَئِكَ المُتَّصِفُونَ بِالكُفْرِ المُبْعَدُونَ عَنْ عِزِّ الحُضُورِ حَطَبُ النّارِ الَّتِي تُسَعَّرُ بِهِمْ لِكُفْرِهِمْ، وقِيلَ: الوَقُودُ بِالفَتْحِ لُغَةً في الوُقُودِ بِالضَّمِّ وبِهِ قَرَأ الحَسَنُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإيقادِ فَيُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مُضافٌ أيْ أهْلُ وقُودِها، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الأمْرِ وتُقَرِّرِهِ، أوْ لِلْإيذانِ بِأنَّ حَقِيقَةَ حالِهِمْ ذَلِكَ وأنَّهم في حالِ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا وقُودَ النّارِ بِأعْيانِهِمْ، وهي إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرَّرَةٌ لِعَدَمِ الإغْناءِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى الواقِعَةِ خَبَرًا لِأنَّ، و(هُمْ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا.

<div class="verse-tafsir"

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ١١

﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ الدَّأْبُ العادَةُ والشَّأْنُ، وأصْلُهُ مِن دَأبَ في الشَّيْءِ دَأْبًا ودُءُوبًا إذا اِجْتَهَدَ فِيهِ وبالَغَ أيْ حالُ هَؤُلاءِ في الكُفْرِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ كَحالِ آلِ فِرْعَوْنَ فالجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُنْفَصِلَةٌ عَمّا قَبْلَها مُسْتَأْنَفَةٌ اِسْتِئْنافًا بَيانِيًّا بِتَقْدِيرِ ما سَبَبُ هَذا عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرِ ﴿ تُغْنِيَ ﴾ أيْ إغْناءً كائِنًا كَعَدَمِ إغْناءٍ، أوْ بِوَقُودٍ أيْ تُوقَدُ بِهِمْ كَما تُوقَدُ بِأُولَئِكَ ولا يَخْفى ما في الوَجْهَيْنِ أمّا الأوَّلُ: فَقَدْ قالَ فِيهِ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ ضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ، و(أُولَئِكَ) الخ إذا قُدِّرَتْ مَعْطُوفَةً، فَإنْ قُدِّرَتِ اِسْتِئْنافِيَّةً وهو بَعِيدٌ جازَ.

وأمّا الثّانِي: فَقَدِ اِعْتَرَضَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّ الوَقُودَ عَلى المَشْهُورِ الأظْهَرِ فِيهِ اِسْمٌ لِما يُوقَدُ بِهِ وإذا كانَ اِسْمًا فَلا عَمَلَ لَهُ، فَإنْ قِيلَ إنَّهُ مَصْدَرٌ كَما في قِراءَةِ الحَسَنِ صَحَّ لَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ وأُورِدَ عَلَيْهِما مَعًا أنَّهُما خِلافُ الظّاهِرِ لِأنَّ المَذْكُورَ في تَفْسِيرِ الدَّأْبِ إنَّما هو التَّكْذِيبُ والأخْذُ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَدَمِ الإغْناءِ لا سِيَّما عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ (مَن) بَدَلِيَّةً ولا لِإيقادِ النّارِ، فَلْيُفْهَمْ.

﴿ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وهم كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ فالضَّمِيرُ لِآلِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: لِلَّذِينِ كَفَرُوا، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ مُعاصِرُو رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فَعَلُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، والمُرادُ بِالآياتِ إمّا المَتْلُوَّةُ في كُتُبِ اللَّهِ تَعالى أوِ العَلاماتُ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وصِدْقِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ ﴾ تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمُ الَّذِي فَعَلَ بِهِمْ أيْ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَجِدُوا مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى مَحِيصًا، وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ ﴿ كَذَّبُوا ﴾ الخ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ﴿ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ بِإضْمارِ قَدْ، ويَجُوزُ عَلى بُعْدٍ أنْ تَكُونَ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ عَنِ (اَلَّذِينَ)، والِالتِفاتُ لِلتَّكَلُّمِ أوَّلًا: في آياتِنا لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإلى الغَيْبَةِ، ثانِيًا: بِإظْهارِ الجَلالَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، ﴿ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ أيْ بِسَبَبِها أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِها غَيْرَ تائِبِينَ، والمُرادُ مِنَ الذُّنُوبِ عَلى الأوَّلِ: التَّكْذِيبُ بِالآياتِ المُتَعَدِّدَةِ، وجِيءَ بِالسَّبَبِيَّةِ تَأْكِيدًا لِما تُفِيدُهُ الفاءُ، وعَلى الثّانِي: سائِرُ الذُّنُوبِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ لَهم ذُنُوبًا أُخَرَ، وأصْلُ الذَّنْبِ التِّلْوُ والتّابِعُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الجَرِيمَةِ لِأنَّها يَتْلُو أيْ يَتْبَعُ عِقابُها فاعِلَها ﴿ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ  ﴾ ولِمَن كَفَرَ بِآياتِهِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِنَ الأخْذِ.

<div class="verse-tafsir"

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ١٢

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ﴾ رَوى أبُو صالِحٍ «عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّ يَهُودَ أهْلِ المَدِينَةِ قالُوا لَمّا هَزَمَ اللَّهُ تَعالى المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: هَذا واَللَّهِ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ الَّذِي بَشَّرَنا بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَجِدُهُ في كِتابِنا بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ وأنَّهُ لا يُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، وأرادُوا تَصْدِيقَهُ واتِّباعَهُ ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تُعَجِّلُوا حَتّى تَنْظُرُوا إلى وقْعَةٍ لَهُ أُخْرى فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ ونُكِبَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  شَكَوْا وقالُوا: لا واَللَّهِ ما هو بِهِ، وغَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقاءُ فَلَمْ يُسَلِّمُوا، وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  عَهْدٌ إلى مُدَّةٍ فَنَقَضُوا ذَلِكَ العَهْدَ وانْطَلَقَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في سِتِّينَ راكِبًا إلى أهْلِ مَكَّةَ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ فَوافَقُوهم وأجْمَعُوا أمْرَهم وقالُوا: لَتَكُونَنَّ كَلِمَتُنا واحِدَةً ثُمَّ رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ».

وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ إسْحاقَ والبَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أيْضًا: «”أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا أصابَ ما أصابَ مِن بَدْرٍ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ وقالَ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِما أصابَ قُرَيْشًا فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ لا يَغُرُّنَّكَ مِن نَفْسِكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ كانُوا أغْمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ إنَّكَ واَللَّهِ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ وأنَّكَ لَمْ تَكُنْ مِثْلَنا“، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لأُولِي الأبْصارِ ﴾ ».

فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ اليَهُودُ، والسِّينُ لِقُرْبِ الوُقُوعِ أيْ تَغْلِبُونَ عَنْ قَرِيبٍ وأُرِيدَ مِنهُ في الدُّنْيا، وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ تَعالى وعْدَهُ رَسُولَهُ  فَقَتَلَ كَما قِيلَ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ في يَوْمٍ واحِدٍ سِتُّمِائَةٍ جَمَعَهم في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ وأمَرَ السَّيّافَ بِضَرْبِ أعْناقِهِمْ وأمَرَ بِحَفْرِ حُفَيْرَةٍ ورَمْيِهِمْ فِيها وأجْلى بَنِي النَّضِيرِ وفَتَحَ خَيْبَرَ وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ وهَذا مِن أوْضَحِ شَواهِدِ النُّبُوَّةِ.

﴿ وتُحْشَرُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ سَتُغْلَبُونَ ﴾ والمُرادُ في الآخِرَةِ ﴿ إلى جَهَنَّمَ ﴾ وهي غايَةُ حَشْرِهِمْ ومُنْتَهاهُ فَإلى عَلى مَعْناها المُتَبادِرِ، وقِيلَ: بِمَعْنى فِي، والمَعْنى أنَّهم يُجْمَعُونَ فِيها، والآيَةُ كالتَّوْكِيدِ لِما قَبْلَها فَإنَّ الغَلَبَةَ تَحْصُلُ بِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، والحَشْرُ إلى جَهَنَّمَ مَبْدَأُ كَوْنِهِمْ وقُودًا لَها، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ عاصِمٍ (سَيُغْلَبُونَ ويُحْشَرُونَ) بِالياءِ والباقُونَ بِالتّاءِ، وفُرِّقَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ بِأنَّ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ تاءِ الخِطابِ أمَرَ النَّبِيَّ  أنْ يُخْبِرَهم مِن عِنْدِ نَفْسِهِ بِمَضْمُونِ الكَلامِ حَتّى لَوْ كَذَّبُوا كانَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلَيْهِ، وعَلى تَقْدِيرِ ياءِ الغَيْبَةِ أمَرَهُ بِأنْ يُؤَدِّيَ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الحُكْمِ بِأنَّهم سَيُغْلَبُونَ بِحَيْثُ لَوْ كَذَّبُوا كانَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلى اللَّهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وبِئْسَ المِهادُ  ﴾ إمّا مِن تَمامِ ما يُقالُ لَهم أوِ اِسْتِئْنافٌ لِتَهْوِيلِ جَهَنَّمَ وتَفْظِيعِ حالِ أهْلِها، ومِهادٌ كَفِراشٍ لَفْظًا ومَعْنًى، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مُقَدَّرٌ وهو جَهَنَّمُ، أوْ ما مَهَّدُوهُ لِأنْفُسِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌۭ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌۭ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌۭ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ ۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ ١٣

﴿ قَدْ كانَ لَكُمْ ﴾ مِن تَتِمَّةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ وتَحْقِيقِهِ والخِطابُ لِلْيَهُودِ أيْضًا، واخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وذَهَبَ إلَيْهِ البَلْخِيُّ، أيْ قَدْ كانَ لَكم أيُّها اليَهُودُ المُغْتَرُّونَ بِعَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ (آيَةٌ) أيْ عَلامَةٌ عَظِيمَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ ما أقُولُ لَكم أنَّكم سَتُغْلَبُونَ ﴿ فِي فِئَتَيْنِ ﴾ أيْ فِرْقَتَيْنِ أوْ جَماعَتَيْنِ مِنَ النّاسِ كانَتِ المَغْلُوبَةُ مِنهُما مُدِلَّةً بِكَثْرَتِها مُعْجَبَةً بِعِزَّتِها فَأصابَها ما أصابَها ﴿ التَقَتا ﴾ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فَهي في أعْلى دَرَجاتِ الإيمانِ ولَمْ يَقُلْ مُؤْمِنَةً مَدْحًا لَهم بِما يَلِيقُ بِالمَقامِ ورَمْزًا إلى الِاعْتِدادِ بِقِتالِهِمْ، وقُرِئَ يُقاتِلُ عَلى تَأْوِيلِ الفِئَةِ بِالقَوْمِ أوِ الفَرِيقِ ﴿ وأُخْرى كافِرَةٌ ﴾ بِاَللَّهِ تَعالى فَهي أبْعَدُ مِن أنْ تَقاتُلَ في سَبِيلِهِ وإنَّما لَمْ تُوصَفْ بِما يُقابِلُ صِفَةَ الفِئَةِ الأُولى إسْقاطًا لِقِتالِهِمْ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ وإيذانًا بِأنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّوْا لَهُ لِما عَراهم مِنَ الهَيْبَةِ والوَجَلِ.

و(كانَ) ناقِصَةٌ وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُعْرِبِينَ و(آيَةٌ) اِسْمُها وتَرْكُ التَّأْنِيثِ في الفِعْلِ لِأنَّ المَرْفُوعَ غَيْرُ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ ولِأنَّهُ مَفْصُولٌ ولِأنَّ الآيَةَ والدَّلِيلَ بِمَعْنًى، وفي الخَبَرِ وجْهانِ: أحَدُهُما (لَكُمْ)، و ﴿ فِي فِئَتَيْنِ ﴾ نَعْتٌ لِآيَةٍ، والثّانِي أنَّ الخَبَرَ هو هَذا النَّعْتُ و(لَكُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِ (كانَ) عَلى رَأْيِ مَن يَرى ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (لَكُمْ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ وقَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا أنَّ وصْفَ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَ عَلَيْها كانَ حالًا و(اِلْتَقَتا) في حَيِّزِ الجَرِّ نَعْتٌ لِفِئَتَيْنِ، و(فِئَةٌ) خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ إحْداهُما فِئَةٌ وأُخْرى نَعْتٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ وفِئَةٌ أُخْرى والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ ما في الفِئَتَيْنِ مِنَ الآيَةِ، وقِيلَ: فِئَةٌ وما عُطِفَ عَلَيْها بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ التَقَتا ﴾ وما بَعْدَهُما صِفَةٌ فَلا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ عائِدٍ إلى المُبْدَلِ مِنهُ مُسَوِّغٍ لِوَصْفِ البَدَلِ بِالجُمْلَةِ العارِيَةِ عَنْ ضَمِيرً، أيْ فِئَةٌ مِنهُما تُقاتِلُ الخ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُما خَبَرٌ أيْ فِئَةٌ مِنهُما تُقاتِلُ الخ فِئَةً أُخْرى كافِرَةً، وقِيلَ: كُلٌّ مِنهُما مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ مِنهُما فِئَةٌ الخ، وقُرِئَ (وأُخْرى كافِرَةً) بِالنَّصْبِ فِيهِما وهو عَلى المَدْحِ في الأُولى والذَّمِّ في الثّانِيةِ، وقِيلَ: عَلى الِاخْتِصاصِ، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المَنصُوبَ عَلَيْهِ لا يَكُونُ نَكِرَةً، وأُجِيبَ بِأنَّ القائِلَ لَمْ يَعْنِ الِاخْتِصاصَ المُبَوَّبَ لَهُ في النَّحْوِ كَما في «نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» وإنَّما عَنى النَّصْبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ لائِقٍ، وأهْلُ البَيانِ يُسَمُّونَ هَذا النَّحْوَ اِخْتِصاصًا كَما قالَهُ الحَلَبِيُّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا حالَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: اِلْتَقَتا مُؤْمِنَةً وكافِرَةً، وفِئَةٌ وأُخْرى عَلى هَذا تَوْطِئَةٌ لِلْحالِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ فِيهِما عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (فِئَتَيْنِ) بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ والضَّمِيرُ العائِدُ إلى المُبْدَلِ مِنهُ مُقَدَّرٌ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ ويُسَمّى بَدَلًا تَفْصِيلِيًّا كَما في قَوْلِهِ: وكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ورِجْلٍ رَماها صائِبُ الحِدْثانِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ صِفَةٌ لِلْفِئَةِ الأخِيرَةِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ الآيَةِ.

والمُرادُ كَما قالَ السُّدِّيُّ: تَرى الفِئَةُ الأخِيرَةُ الكافِرَةُ الفِئَةَ الأُولى المُؤْمِنَةَ مِثْلَ عَدَدِ الرّائِينَ وقَدْ كانُوا تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ مُقاتِلًا كُلُّهم شاكُو السِّلاحِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ مَسْعُودٍ كانُوا ألْفًا وسَقْفَ بَيْتٍ حَلَّهم ورَبَطَهم عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وفِيهِمْ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ ورُؤَساءِ الضَّلالِ أبُو جَهْلٍ وأبُو سُفْيانَ وغَيْرُهُما، ومِنَ الإبِلِ والخَيْلِ سَبْعُمِائَةِ بَعِيرٍ ومِائَةُ فَرَسٍ، رَوى مُحَمَّدُ بْنُ الفُراتِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أوْسٍ أنَّهُ قالَ: أسَرَ المُشْرِكُونَ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَسَألُوهُ كَمْ كُنْتُمْ؟

قالَ: ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ، قالُوا: ما كُنّا نَراكم إلّا تَضْعُفُونَ عَلَيْنا وأرادُوا ألْفًا وتِسْعَمِائَةٍ وهو المُرادُ مِن ﴿ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ ﴾ وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ يَحْتَمِلُ إرادَةَ ثَلاثَةِ أمْثالِهِمْ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: عِنْدِي ألْفٌ وأحْتاجُ إلى مِثْلَيْها فَإنَّما تُرِيدُ إلى ألْفَيْنِ مُضافَيْنِ إلَيْها لا بَدَلًا مِنها فَهم كانُوا يَرَوْنَهم ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ، وأنْكَرَ هَذا الوَجْهَ الزَّجّاجُ لِمُخالَفَتِهِ لِظاهِرِ الكَلامِ، أوْ مِثْلَيْ عَدَدِ المَرْئِيِّينَ أيْ سِتَّمِائَةٍ ونَيِّفًا وعِشْرِينَ حَيْثُ كانَ عُدَّةُ المُرْسَلِينَ سَبْعَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ ومِائَتَيْنِ وسِتَّةً وثَلاثِينَ مِنَ الأنْصارِ، وكانَ صاحِبُ لِواءِ رَسُولِ اللَّهِ  والمُهاجِرِينَ عَلِيًّا الكَرّارَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وصاحِبُ رايَةِ الأنْصارِ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ، وكانَ مَعَهم مِنَ الإبِلِ سَبْعُونَ بَعِيرًا، ومِنَ الخَيْلِ فَرَسانَ فَرَسٌ لِلْمِقْدادِ بْنِ عَمْرٍو، وفَرَسٌ لِمَرْثَدِ بْنِ أبِي مَرْثَدٍ، ومِنَ السِّلاحِ سِتُّ أدْرُعٍ وثَمانِيَةُ سُيُوفٍ، وكانَ أكْثَرُهم رَجّالَةً، واسْتُشْهِدَ مِنهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا سِتَّةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ وثَمانِيَةٌ مِنَ الأنْصارِ، وقَدْ مَرَّتْ إلَيْهِ الإشارَةُ، وإنَّما أراهُمُ اللَّهُ تَعالى كَذَلِكَ مَعَ أنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ لِيَهابُوهم ويَجْبُنُوا عَنْ قِتالِهِمْ وهو نَوْعٌ مِنَ التَّأْيِيدِ والمَدَدِ المَعْنَوِيِّ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ تَدانِي الفِئَتَيْنِ بَعْدَ أنْ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى في أعْيُنِهِمْ عِنْدَ التَّرائِي لِيَجْتَرِءُوا عَلَيْهِمْ ولا يَرْهَبُوا فَيَهْرُبُوا حَيْثُ يَنْفَعُ الهَرَبُ.

وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ المُرادَ تَرى الفِئَةُ المُؤْمِنَةُ الفِئَةَ الكافِرَةَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ لِيَثْبُتُوا ويَطْمَئِنُّوا بِالنَّصْرِ المَوْعُودِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ .

قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مَوْلانا مُفْتِيَ الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ: والأوَّلُ: هو أوْلى لِأنَّ رُؤْيَةَ المِثْلَيْنِ غَيْرُ مُتَعَيَّنَةٍ مِن جانِبِ المُؤْمِنِينَ بَلْ وقَدْ وقَعَتْ رُؤْيَةُ المِثْلِ بَلْ أقَلُّ مِنهُ أيْضًا فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ اِبْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: نَظَرْنا إلى المُشْرِكِينَ فَرَأيْناهم يَضْعُفُونَ عَلَيْنا ثُمَّ نَظَرْنا إلَيْهِمْ فَلَمّا رَأيْناهم يَزِيدُونَ عَلَيْنا رَجُلًا واحِدًا ثُمَّ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أيْضًا في أعْيُنِهِمْ حَتّى رَأوْهم عَدَدًا يَسِيرًا أقَلَّ مِن أنْفُسِهِمْ قالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَقَدْ قُلِّلُوا في أعْيُنِنا يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: تَراهم سَبْعِينَ؟

قالَ: أراهم مِائَةً فَأسَرْنا مِنهم رَجُلًا فَقُلْنا كَمْ كُنْتُمْ؟

قالَ: ألْفًا، فَلَوْ أُرِيدَ رُؤْيَةَ المُؤْمِنِينَ المُشْرِكِينَ أقَلَّ مِن عَدَدِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ كَما في الأنْفالِ لَكانَتْ رُؤْيَتُهم إيّاهم أقَلَّ مِن أنْفُسِهِمْ أحَقَّ بِالذِّكْرِ في كَوْنِها آيَةً مِن رُؤْيَتِهِمْ مِثْلَيْهِمْ عَلى أنَّ إبانَةَ آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ لِلْكَفَرَةِ بِإراءَتِهِمُ القَلِيلَ كَثِيرًا والضَّعِيفَ قَوِيًّا وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ أدْخَلُ في كَوْنِها آيَةً لَهم وحُجَّةً عَلَيْهِمْ وأقْرَبُ إلى اِعْتِرافِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُخالَطَتِهِمْ لِلْكَفَرَةِ المُشاهِدِينَ لِلْحالِ، وكَذا تَعَلُّقُ الفِعْلِ بِالفاعِلِ أشَدُّ مِن تَعَلُّقِهِ بِالمَفْعُولِ فَجُعِلَ أقْرَبُ المَذْكُورَيْنِ السّابِقَيْنِ فاعِلًا وأبْعَدُهُما مَفْعُولًا سَواءٌ جَعْلُ الجُمْلَةِ صِفَةً أوْ مُسْتَأْنَفَةً أوْلى مِنَ العَكْسِ، اِنْتَهى.

ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ مِن طَرَفِ الجُمْهُورِ الذّاهِبِينَ إلى أنَّ المُرادَ رُؤْيَةُ المُؤْمِنِينَ المُشْرِكِينَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ رُؤْيَتَهم إيّاهم أقَلَّ مِن أنْفُسِهِمْ أحَقُّ بِالذِّكْرِ في كَوْنِها آيَةً مِن رُؤْيَتِهِمْ مِثْلَيْهِمْ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ الآيَةُ والعَلامَةُ لِلْيَهُودِ عَلى أنَّهم سَيُغْلَبُونَ قِتالَ المُؤْمِنِينَ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وغَلَبَتَهم عَلَيْهِمْ مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ العادِيِّ لِلْجُبْنِ وهو رُؤْيَةُ المُؤْمِنِينَ إيّاهم أكْثَرَ مِن أنْفُسِهِمْ وأوْفَرَ مِن عَدَدِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ تَحَقَّقُوا قِتالَ المُسْلِمِينَ لَكم وغَلَبَتَهم عَلَيْكم ولا تَغْتَرُّوا بِعِلْمِهِمْ بِقِلَّتِهِمْ وكَثْرَتِكم فَإنَّهم يُقْدِمُونَ عَلى قِتالِ مَن يَرَوْنَهُ أكْثَرَ مِنهم عَدَدًا ولا يَجْبُنُونَ ولا يَهابُونَ ويَنْتَصِرُونَ فَما ذاكَ إلّا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ مَلَأ قُلُوبَهم إيمانًا وشِدَّةً عَلى مَن خالَفَهم وأحاطَهم بِتَأْيِيدِهِ ونَصْرِهِ ووَعَدَهُمُ الوَعْدَ الجَمِيلَ.

لا يُقالُ: إنَّ الأوْفَقَ لِهَذا الغَرَضِ أنْ يَرى المُؤْمِنُونَ المُشْرِكِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن كَوْنِ المُشْرِكِينَ ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ أوْ يَرَوْنَهم أكْثَرَ مِن ذَلِكَ لِأنَّ إقْدامَهم حِينَئِذٍ عَلى قِتالِهِمْ أدَلُّ عَلى سَبَبِ الغَلَبَةِ عَلى اليَهُودِ لِأنّا نَقُولُ: نَعَمْ، الأمْرُ كَما ذَكَرَ إلّا أنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ لِوَفائِها بِالمَقْصُودِ مَعَ تَضَمُّنِها مَدْحَ المُؤْمِنِينَ بِالثَّباتِ النّاشِئِ مِن قُوَّةِ الإيمانِ بِالنَّصْرِ المَوْعُودِ آخِرًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ اُخْتِيرَتْ عَلى ما لَيْسَ فِيها إلّا أمْرٌ واحِدٌ غَيْرَ مُتَضَمِّنٍ لِذَلِكَ المَدْحِ المَخْصُوصِ، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى اِلْتِزامِ كَوْنِ التَّثْنِيَةِ مَجازًا عَنِ التَّكْثِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ ولا إلى القَوْلِ بِأنَّ ضَمِيرَ ﴿ مِثْلَيْهِمْ ﴾ راجِعٌ إلى الفِئَةِ الأخِيرَةِ أيْ تَرى الفِئَةُ المُؤْمِنَةُ الفِئَةَ الكافِرَةَ مِثْلَيْ عَدَدِ الفِئَةِ الكافِرَةِ أعْنِي قَرِيبًا مِن ألْفَيْنِ وإنْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ البَعْضُ ويُرَدُّ أيْضًا عَلى قَوْلِهِ: عَلى أنَّ إبانَةً الخ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ الإراءَةَ نَفْسَها كانَتْ هي الآيَةَ أنَّ إراءَةَ القَلِيلِ كَثِيرًا لَمْ تَقَعْ لِلْيَهُودِ المُخاطَبِينَ بِصَدْرِ الآيَةِ لِتَكُونَ إبانَةَ آثارِ قُدْرَتِهِ تَعالى بِذَلِكَ أدْخَلَ في كَوْنِها آيَةً لَهم وحُجَّةً عَلَيْهِمْ، وكَوْنُ ذَلِكَ أقْرَبَ لِاعْتِرافِهِمْ لِكَثْرَةِ مُخالَطَتِهِمُ الكَفَرَةَ الرّائِينَ يَتَوَقَّفُ عَلى أنَّ الرّائِينَ قَدْ أخْبَرُوهم بِذَلِكَ وأنَّهم صَدَّقُوا بِهِ ولَمْ يَحْمِلُوهُ عَلى أنَّهُ خُيِّلَ لَهم لِخَوْفِهِمْ بِسَبَبِ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالحَرْبِ والخائِفُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّ أشْجارَ البَيْداءِ شُجْعانٌ شاكِيَةٌ وأُسْدٌ ضارِيَةٌ، وإثْباتُ كُلٍّ مِن هَذِهِ الأُمُورِ صَعْبٌ عَلى أنَّ فِيما رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ اليَهُودَ قالُوا لَهُ  بَعْدَ تِلْكَ الواقِعَةِ: لا يَغُرُّنَّكَ أنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًا أغْمارًا لا عِلْمَ لَهم بِالحَرْبِ فَأصَبْتَ مِنهم فُرْصَةً ولَئِنْ قاتَلْتَنا لَعَلِمْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ، ما يُشْعِرُ في الجُمْلَةِ بِأنَّهم لَوْ أخْبَرُوهم بِذَلِكَ وصَدَّقُوا لَحَمَلُوهُ عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْنا، وما ذُكِرَ مِن أنَّ تَعَلُّقَ الفِعْلِ بِالفاعِلِ أشَدُّ الخ، فَمُسَلَّمٌ إلّا أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَسْتَدْعِي أوْلَوِيَّةَ جَعْلِ أوَّلِ المَذْكُورَيْنِ السّابِقَيْنِ فاعِلًا وأبْعَدِهِما مَفْعُولًا مِنَ العَكْسِ مُطْلَقًا بَلْ ذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنْ في العَكْسِ مَعْنًى لَطِيفٌ تَحْسُنُ مُراعاتُهُ نَظَرًا لِلْمَقامِ، وهُنا قَدْ كانَ ذَلِكَ لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ مَدْحُ الفِئَةِ الأُولى بِالمُقاتِلَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وعُدِلَ عَنْ مَدْحِهِمْ بِالإيمانِ الَّذِي هو الأساسُ إلَيْهِ ولا شَكَّ أنَّ مُقاتَلَتَهم لِلْمُشْرِكِينَ مَعَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاهم أكْثَرَ مِن أنْفُسِهِمْ ومِثْلَيْهِمْ أمْدَحُ وأمْدَحُ كَما لا يَخْفى.

وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ (تَرَوْنَهُمْ) بِالتّاءِ واسْتُشْكِلَتْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الخِطابِ لِلْيَهُودِ بِأنَّهم لَمْ يَرَوُا المُؤْمِنِينَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ ولا مِثْلَيِ الكافِرِينَ ولَمْ يَرَوُا الكافِرِينَ أيْضًا مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ ولا مِثْلَيِ المُؤْمِنِينَ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهم رَأوُا المُؤْمِنِينَ مِثْلَيْ أنْفُسِهِمْ أوْ مِثْلَيِ الكافِرِينَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ حَيْثُ نَزَلَتْ رُؤْيَةُ المُشْرِكِينَ مَنزِلَةَ رُؤْيَتِهِمْ لِما بَيْنَهم مِنَ الِاتِّحادِ في الكُفْرِ والِاتِّفاقِ في الكَلِمَةِ لا سِيَّما بَعْدَ ما وقَعَ بَيْنَهم بِواسِطَةِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ مِنَ العَهْدِ والمِيثاقِ فَأسْنُدِتِ الرُّؤْيَةُ إلَيْهِمْ مُبالَغَةً في البَيانِ وتَحْقِيقًا لِعَرُوضِ مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ لَهُمْ،، وكَذا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهم رَأوْا حَقِيقَةَ الكافِرِينَ مِثْلَيِ المُؤْمِنِينَ، وتُحْمَلُ الرُّؤْيَةُ عَلى العِلْمِ والِاعْتِقادِ النّاشِئِ عَنِ الشُّهْرَةِ والتَّواتُرِ ويُلْتَزَمُ كَوْنُ الآيَةِ لَهم قِتالَ المُؤْمِنِينَ الكافِرِينَ وغَلَبَةَ الأوَّلِينَ الآخَرِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ أكْثَرَ مِنهم إلّا أنَّهُ اُقْتُصِرَ عَلى أقَلِّ اللّازِمِ ويُعْلَمُ مِنهُ كَوْنُ قِتالِ المُؤْمِنِينَ وغَلَبَتِهِمْ عَلى الفِئَةِ الكافِرَةِ مَعَ كَوْنِها ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ المَعْلُومِ لَهم أيْضًا آيَةً مِن بابِ أوْلى.

ولِما في هَذَيْنَ الجَوابَيْنِ كَيْفَما كانَ اِلْتَزِمْ بَعْضُهم كَوْنَ الخِطابِ مِن أوَّلِ الأمْرِ لِلْمُشْرِكِينَ لِيَتَّضِحَ أمْرُ هَذِهِ القِراءَةِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قَدْ كانَ لَكُمْ ﴾ خِطابًا لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ولا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ الأمْرِ بِناءً عَلى أنَّ الوَعِيدَ كانَ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ ولا مَعْنى لِلِاسْتِدْلالِ بِها قَبْلَ وُقُوعِها، وجَعْلُ ذَلِكَ داخِلًا في مَفْعُولِ الأمْرِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.

وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الخِطابَ في قِراءَةِ نافِعٍ لِلْمُؤْمِنِينَ والتَزَمَ كَوْنَ الخِطابِ السّابِقِ لَهم أيْضًا عَلى أنَّهُ اِبْتِداءُ خِطابٍ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِما سَبَقَ الوَعْدُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِجَمِيعِ الكَفَرَةِ، وقالَ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّحْقِيقِ: القَوْلُ بِأنَّ الخِطابَ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ واليَهُودِ ومُشْرِكِي مَكَّةَ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ لِئَلّا يُقْتَطَعَ الكَلامُ ويَقَعُ التَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ يُؤَيِّدُ ﴾ الخ مَوْقِعَ المِسْكِ في الخِتامِ، ثُمَّ إنَّ مَن عَدَّ التَّعْبِيرَ عَنْ جَماعَةٍ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ مَعَ التَّعْبِيرِ بَعْدُ عَنِ البَعْضِ بِطَرِيقٍ آخَرَ يُخالِفُهُ مِنها مِنَ الِالتِفاتِ، قالَ بِوُجُودِهِ في الآيَةِ عَلى بَعْضِ اِحْتِمالاتِها، ومَن لَمْ يُعِدَّ ذَلِكَ مِنهُ كَما هو الظّاهِرُ أنْكَرَ الِالتِفاتَ فِيها، وبِهَذا يُجْمَعُ بَيْنَ أقْوالِ النّاظِرِينَ في الآيَةِ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ واخْتِلافِهِمْ في وُجُودِ الِالتِفاتِ وعَدَمِهِ فِيها، فَأمْعِنِ النَّظَرَ فَإنَّهُ لِمِثْلِ هَذا المَبْحَثِ كُلِّهِ يُدَّخَرُ.

وقَرَأ اِبْنُ مُصَرِّفٍ (يُرَوْنَهُمْ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِالياءِ والتّاءِ أيْ يُرِيهِمُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ.

﴿ رَأْيَ العَيْنِ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِ (يَرَوْنَهُمْ) عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها بَصَرِيَّةٍ فَ (مِثْلَيْهِمْ) حِينَئِذٍ حالٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا تَشْبِيهِيًّا عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها عِلْمِيَّةً اِعْتِقادِيَّةً أيْ رَأْيًا مِثْلَ رَأْيِ العَيْنِ فَ (مِثْلَيْهِمْ) حِينَئِذٍ مَفْعُولٌ ثانٍ، وقِيلَ: إنَّ (رَأْيَ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ في رَأْيِ العَيْنِ ﴿ واللَّهُ ﴾ المُتَّصِفُ بِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ ﴿ يُؤَيِّدُ ﴾ أيْ يُقَوِّي ﴿ بِنَصْرِهِ ﴾ أيْ بِعَوْنِهِ، وقِيلَ: بِحُجَّتِهِ ولَيْسَ بِالقَوِيِّ ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ أنْ يُؤَيِّدَهُ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ كَما أيَّدَ الفِئَةَ المُقاتِلَةَ في سَبِيلِهِ وهو مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ المَذْكُورِ مِنَ النَّصْرِ، وقِيلَ: مِن تِلْكَ الرُّؤْيَةِ ﴿ لَعِبْرَةً ﴾ أيِ اِتِّعاظًا ودَلالَةً، وهي فِعْلَةٌ مِنَ العُبُورِ كالرِّكْبَةِ والجِلْسَةِ وهو التَّجاوُزُ، ومِنهُ عَبَرْتُ النَّهْرَ وسُمِّيَ الِاتِّعاظُ عِبْرَةً لِأنَّ المُتَّعِظَ يَعْبُرُ مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ ومِنَ الهَلاكِ إلى النَّجاةِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ عِبْرَةً عَظِيمَةً كائِنَةً ﴿ لأُولِي الأبْصارِ  ﴾ جَمْعُ بَصَرٍ بِمَعْنى بَصِيرَةٍ مَجازًا أوْ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ أيْ لِذَوِي العُقُولِ والبَصائِرِ أوْ لِمَن أبْصَرَهم ورَآهم بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مِن تَمامِ الكَلامِ الدّاخِلِ تَحْتَ القَوْلِ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها بِطَرِيقِ التَّذْيِيلِ وإمّا وارِدَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَصْدِيقًا لِمَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ  .

<div class="verse-tafsir"

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ ١٤

﴿ زُيِّنَ لِلنّاسِ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِلتَّنْفِيرِ عَنِ الحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي كَثِيرًا ما يَقَعُ القِتالُ بِسَبَبِها إثْرَ بَيانِ حالِ الكَفَرَةِ والتَّنْصِيصِ عَلى عَدَمِ نَفْعِ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ لَهم وقَدْ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِذَلِكَ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ الجِنْسُ، ﴿ حُبُّ الشَّهَواتِ ﴾ أيِ المُشْتَهَياتُ وجَعْلُها نَفْسَ الشَّهَواتِ إشارَةٌ إلى ما رَكَزَ في الطِّباعِ مِن مَحَبَّتِها والحِرْصِ عَلَيْها حَتّى كَأنَّهم يَشْتَهُونَ اِشْتِهاءَها كَما قِيلَ لِمَرِيضٍ: ما تَشْتَهِي؟

فَقالَ: أشْتَهِي أنْ أشْتَهِيَ، أوْ تَنْبِيهًا عَلى خِسَّتِها لِأنَّ الشَّهَواتِ خَسِيسَةٌ عِنْدَ الحُكَماءِ والعُقَلاءِ فَفي ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنْها وتَرْغِيبٌ فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والمُزَيِّنُ هو اللَّهُ تَعالى كَما أخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ الشَّيْطانُ، واَللَّهُ زَيَّنَها لَهم لِأنّا لا نَعْلَمُ أحَدًا أذَمَّ لَها مِن خالِقِها، وفي «اَلِانْتِصافِ» ((اَلتَّزْيِينُ لِلشَّهَواتِ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ خَلْقُ حُبِّها في القُلُوبِ وهو بِهَذا المَعْنى مُضافٌ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً لِأنَّهُ لا خالِقَ إلّا هُوَ، ويُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ الحَضُّ عَلى تَعاطِي الشَّهَواتِ المَحْظُورَةِ فَتَزْيِينُها بِالمَعْنى الثّانِي مُضافٌ إلى الشَّيْطانِ تَنْزِيلًا لِوَسْوَسَتِهِ وتَحْسِينِهِ مَنزِلَةَ الأمْرِ بِها والحَضِّ عَلى تَعاطِيها، وكَلامُ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى التَّزَيُّنِ بِالمَعْنى الثّانِي لا بِالمَعْنى الأوَّلِ فَإنَّهُ يَتَحاشى أنْ يُنْسَبَ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِهِ)) والإسْنادُ في كُلٍّ حَقِيقَةٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ، ومَن قالَ: الظّاهِرُ أنَّهُ مِن قَبِيلِ أقْدِمْنِي بَلَدَكَ حَقٌّ لِي عَلَيْكَ، إذْ لا إقْدامَ هُنا بَلْ قُدُومٌ مَحْضٌ، أثْبَتَ لَهُ مُقْدِمًا لِلْمُبالِغَةِ، والمُرادُ أنَّ الشَّهَواتِ زُيِّنَتْ في أعْيُنِهِمْ لِنُقْصانِهِمْ ولا زِينَةَ لَها في الحَقِيقَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ مُزَيِّنٌ إلّا أنَّهُ أثْبَتَ مُزَيِّنًا مُبالَغَةً في الزِّينَةِ وتَنْزِيلًا لِسَبَبِ الزِّينَةِ مَنزِلَةَ الفاعِلِ فَقَدْ تَعَسَّفَ وتَصَلَّفَ، ومَن قالَ: المُزَيِّنُ في الحَقِيقَةِ هو الشَّيْطانُ لِأنَّ التَّزْيِينَ صِفَةٌ تَقُومُ بِهِ، والقائِلُ بِأنَّهُ هو اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ الخالِقُ لِلْأفْعالِ والدَّواعِي مُخْطِئٌ في الدَّعْوى وغَيْرُ مُصِيبٍ في الدَّلِيلِ فالمُخْطِئُ اِبْنُ أُخْتِ خالَتِهِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ (زَيَّنَ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ (حُبَّ) .

﴿ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ (اَلشَّهَواتِ) وهي مُفَسِّرَةٌ لَها في المَعْنى، وقِيلَ: (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ وقَدَّمَ النِّساءَ لِعَراقَتِهِنَّ في مَعْنى الشَّهْوَةِ وهُنَّ حَبائِلُ الشَّيْطانِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ  أنَّهُ قالَ: «ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ عَلى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ» ويُقالُ: فِيهِنَّ فِتْنَتانِ قَطْعُ الرَّحِمِ وجَمْعُ المالِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، وثَنّى بِالبَنِينَ لِأنَّهم مِن ثَمَراتِ النِّساءِ في الفِتَنِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ  أنَّهُ قالَ: «الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ» ويُقالُ فِيهِمْ فِتْنَةٌ واحِدَةٌ وهي جُمَعُ المالِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ البَناتِ لِعَدَمِ الِاطِّرادِ في حُبِّهِنَّ، وقِيلَ: إنَّ البَنِينَ تَشْمَلُهُنَّ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ.

﴿ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ ﴾ جَمْعُ قِنْطارٍ وهو المالُ الكَثِيرُ كَما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ، وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «”القِنْطارُ اِثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ“،» وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَ: ”القِنْطارُ ألْفَ أُوقِيَّةٍ“،» وفي رِوايَةِ اِبْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: القِنْطارُ ألْفُ دِينارٍ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «”القِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَّةٍ ومِائَتا دِينارٍ“،» وعَنْ مُعاذٍ: ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما اِثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ وألْفُ دِينارٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ: ألْفٌ ومِائَتا دِينارٍ، ومِنَ الفِضَّةِ ألْفٌ ومِائَتا مِثْقالٍ، وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: مَلْءُ جِلْدِ الثَّوْرِ ذَهَبًا، وعَنْ مُجاهِدٍ: سَبْعُونَ ألْفَ دِينارٍ، وعَنِ اِبْنِ المُسَيِّبِ: ثَمانُونَ ألْفًا، وعَنْ أبِي صالِحٍ: مِائَةُ رِطْلٍ، وعَنْ قَتادَةَ قالَ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّ القِنْطارَ مِائَةُ رِطْلٍ مِنَ الذَّهَبِ أوْ ثَمانُونَ ألْفًا مِنَ الوَرَقِ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفَ مِثْقالٍ، والمِثْقالُ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا، وقِيلَ: القِنْطارُ عِنْدَ العَرَبِ وزْنٌ لا يُحَدُّ، وقِيلَ: ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِن مالٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَعَلَّ الأوْلى كَما قِيلَ: ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ: ويُحْمَلُ التَّنْصِيصُ عَلى المِقْدارِ المُعَيَّنِ في هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ لا التَّخْصِيصِ والكَثْرَةُ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الِاعْتِباراتِ والإضافاتِ.

واخْتُلِفَ في وزْنِهِ فَقِيلَ: فِعْلالٌ، وقِيلَ: فِنْعالٌ: فالنُّونُ عَلى الأوَّلِ أصْلِيَّةٌ وعَلى الثّانِي زائِدَةٌ، ولَفْظُ المُقَنْطَرَةِ مَأْخُوذٌ مِنهُ، ومِن عادَةِ العَرَبِ أنْ يَصْفُوا الشَّيْءَ بِما يُشْتَقُّ مِنهُ لِلْمُبالَغَةِ كَظِلٍّ ظَلِيلٍ وهو كَثِيرٌ فِي وزْنِ فاعِلٍ ويَرِدُ في المَفْعُولِ كَ ﴿ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ و ﴿ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ المُضَعَّفَةُ، وخَصَّها بَعْضُهم بِتِسْعَةِ قَناطِيرَ، وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ المُحْكَمَةُ المُحَصَّنَةُ مِن قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ إذا عَقَدْتَهُ وأحْكَمْتَهُ، وقِيلَ: المَضْرُوبَةُ دَنانِيرُ أوْ دَراهِمُ، وقِيلَ: المُنَضَّدَةُ الَّتِي بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وقِيلَ: المَدْفُونَةُ المَكْنُوزَةُ.

﴿ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ﴾ بَيانٌ لِلْقَناطِيرِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنها، والذَّهَبُ مُؤَنَّثٌ يُقالُ: هي الذَّهَبُ الحَمْراءُ ولِذَلِكَ يُصَغَّرُ عَلى ذُهَيْبَةٍ، وقالَ الفَرّاءُ: ورُبَّما ذُكِّرَ، ويُقالُ في جَمْعِهِ: أذْهابٌ وذُهُوبٌ وذُهْبانٌ، وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعٌ في المَعْنى لِذَهَبَةٍ واشْتِقاقُهُ مِنَ الذَّهابِ، والفِضَّةُ تُجْمَعُ عَلى فِضَضٍ واشْتِقاقُهُ مَنِ اِنْفَضَّ الشَّيْءُ إذا تَفَرَّقَ ﴿ والخَيْلِ ﴾ عَطْفٌ عَلى (اَلنِّساءِ) أوِ (اَلْقَناطِيرِ) لا عَلى (اَلذَّهَبِ والفِضَّةِ) لِأنَّها لا تُسَمّى قِنْطارًا، وواحِدُهُ خائِلٌ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الخُيَلاءِ مِثْلَ طائِرٍ وطَيْرٍ، وقالَ قَوْمٌ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ بَلْ هو اِسْمُ جَمْعٍ واحِدُهُ فَرَسٌ ولَفْظُهُ لَفْظُ المَصْدَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِن خَيْلٍ ﴿ المُسَوَّمَةِ ﴾ أيِ الرّاعِيَةِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ فَهي مِن سَوَّمَ ماشَيْتَهُ إذا أرْسَلَها في المَرْعى، أوِ المُطَهَّمَةِ الحِسانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ فَهي مِنَ السِّيما بِمَعْنى الحُسْنِ، أوِ المُعَلَّمَةِ ذاتِ الغُرَّةِ والتَّحْجِيلِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ فَهي مِنَ السِّمَةِ أوِ السُّومَةِ بِمَعْنى العَلامَةِ.

﴿ والأنْعامِ ﴾ أيِ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِنُعُومَةِ مَشْيِها ولِينِهِ، والنَّعَمُ مُخْتَصَّةٌ بِالإبِلِ ﴿ والحَرْثِ ﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ أيِ المَزْرُوعِ سَواءٌ كانَ حُبُوبًا أمْ بَقْلًا أمْ ثَمَرًا.

(ذَلِكَ) أيْ ما زُيِّنَ لَهم مِنَ المَذْكُورِ ولِهَذا ذُكِّرَ وأُفْرِدَ اِسْمُ الإشارَةِ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ وإفْرادِهِ وهو ﴿ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيْ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ أيّامًا قَلائِلَ ثُمَّ يَزُولُ عَنْ صاحِبِهِ ﴿ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ  ﴾ أيِ المَرْجِعِ الحَسَنِ فالمَآبُ مَفْعَلٌ مِن آبَ يَؤُوبُ أيْ رَجَعَ وأصْلُهُ مَأْوَبٌ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ قَبْلَها ثُمَّ قُلِبَتْ ألِفًا وهو اِسْمُ مَصْدَرٍ ويَقَعُ اِسْمَ مَكانٍ وزَمانٍ والمَصْدَرُ أوْبٌ وإيابٌ.

أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: (حُسْنُ المَآبِ) حُسْنُ المُنْقَلَبِ وهي الجَنَّةُ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ وتَفْخِيمٌ ومَزِيدُ اِعْتِناءٍ بِالتَّرْغِيبِ فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والتَّزْهِيدِ في مَلاذِ الدُّنْيا السَّرِيعَةِ الزَّوالِ، ومِن غَرِيبِ ما اُسْتُنْبِطَ مِنَ الآيَةِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ وُجُوبُ الزَّكاةِ في الخَيْلِ السّائِمَةِ لِذِكْرِها مَعَ ما تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ أوِ النَّفَقَةُ، والثّانِي: النِّساءُ والبَنُونَ ولا يَخْفى ما فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍۢ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ١٥

﴿ قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ ﴾ تَقْرِيرٌ وتَثْبِيتٌ لِما فُهِمَ مِمّا قَبْلُ مِن أنَّ ثَوابَ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ مِن مُسْتَلِذّاتِ الدُّنْيا، والمُرادُ مِنَ الإنْباءِ الإخْبارُ و ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ النِّساءِ وما مَعَهُ، والقُرّاءُ فِيما إذا اِجْتَمَعَ هَمْزَتانِ أُولاهُما مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَضْمُومَةٌ كَما هُنا وكَما في سُورَةِ ص [8] ﴿ أأُنْزِلَ ﴾ وسُورَةِ القَمَرِ [25] ﴿ أأُلْقِيَ ﴾ عَلى خَمْسِ مَراتِبَ: إحْداها: مَرْتَبَةُ قالُونَ وهي تَسْهِيلُ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ وإدْخالُ ألِفٍ بَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ.

الثّانِيَةُ: مَرْتَبَةُ ورْشٍ وابْنِ كَثِيرٍ وهي تَسْهِيلُ الثّانِيَةِ أيْضًا بَيْنَ بَيْنَ مِن غَيْرِ إدْخالٍ ألِفٍ بَيْنَهُما.

الثّالِثَةُ: مَرْتَبَةُ الكُوفِيِّينَ وابْنِ ذَكْوانَ عَنِ اِبْنِ عامِرٍ وهي تَحْقِيقُ الثّانِيَةِ مِن غَيْرِ إدْخالِ ألِفٍ.

الرّابِعَةُ: مَرْتَبَةُ هِشامٍ وهي أنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: التَّحْقِيقُ وعَدَمُ إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، الوَجْهُ الثّانِي: التَّحْقِيقُ وإدْخالُ ألِفٍ بَيْنَهُما في السُّوَرِ الثَّلاثِ، الوَجْهُ الثّالِثُ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ السُّوَرِ فَيُحِقِّقُ ويُقَصِّرُ هُنا ويَمُدُّ في الأخِيرَتَيْنِ.

الخامِسَةُ: مَرْتَبَةُ أبِي عَمْرٍو وهي تَسْهِيلُ الثّانِيَةِ مَعَ إدْخالِ الألِفِ وعَدَمِهِ، والظَّرْفُ الأوَّلُ: مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ، والثّانِي: مُتَعَلِّقٌ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً كَما قالَ أبُو البَقاءِ لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ تَكُونَ الجَنَّةُ وما فِيها مِمّا رَغِبُوا فِيهِ بَعْضًا لَمّا زَهِدُوا عَنْهُ مِنَ الأمْوالِ ونَحْوِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ الخَيْرِ المُبْهَمِ عَلى أنَّ ﴿ لِلَّذِينَ ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و ﴿ جَنّاتٌ ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، و ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِلِاسْتِقْرارِ وكَوْنُهُ صِفَةً لِلْجَنّاتِ في الأصْلِ قُدِّمَ فانْتَصَبَ حالًا مِنها، وفي ذِكْرِ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ الجَنّاتِ ورِفْعَةِ شَأْنِها، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُتَّقِينَ إيذانٌ بِمَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِمْ، والمُرادُ مِنهُمُ المُتَبَتِّلُونَ إلَيْهِ تَعالى المُعْرِضُونَ عَمَّنْ سِواهُ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ الأوْصافُ الآتِيَةُ وتَعْلِيقُ حُصُولِ الجَنّاتِ وما يَأْتِي بَعْدُ بِهَذا العُنْوانِ لِلتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِهِ والثَّباتِ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِخَيْرٍ أيْضًا أوْ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٍ لَهُ، و(جَنّاتٌ) حِينَئِذٍ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هي جَنّاتٌ والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِ (خَيْرٍ) و(عِنْدَ رَبِّهِمْ) حِينَئِذٍ إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالفِعْلِ عَلى مَعْنى ثَبُتَ تَقْواهم عِنْدَهُ شَهادَةً لَهم بِالإخْلاصِ، وجازَ أنْ يُجْعَلَ خَبَرًا مُقَدَّمًا فَلا يَحْتاجُ إلى حَذْفِ المُبْتَدَأِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُقالُ: عِنْدَ اللَّهِ تَعالى الثَّوابُ ولا يُقالُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى الجَنَّةُ، وبِذَلِكَ يُصَرِّحُ كَلامُ السَّعْدِ وغَيْرِهِ وفي النَّفْسِ مِنهُ شَيْءٌ، وقُرِئَ (جَنّاتٍ) بِكَسْرِ التّاءِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَجْرُورٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن لَفْظِ خَيْرٍ، وثانِيهُما: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ (أعْنِي مَثَلًا) أوِ البَدَلِيَّةِ مِن مَحَلِّ بِخَيْرٍ.

﴿ تَجْرِي ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ أوِ النَّصْبِ أوِ الجَرِّ صِفَةٌ لِجَنّاتٍ عَلى القِراءَتَيْنِ ﴿ مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ تَقَدَّمَ ما فِيهِ ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في (لِلَّذِينَ) والعامِلُ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الهاءِ في تَحْتِها أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في اِتَّقَوْا ولا يَخْفى ما فِيهِ.

﴿ وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ أيْ مُنَزَّهَةٌ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ النِّساءِ خَلْقًا وخُلُقًا، والعَطْفُ عَلى جَنّاتٍ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ وأمّا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ لَهم في الكَلامِ ﴿ ورِضْوانٌ ﴾ أيْ رِضًا عَظِيمٌ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ التَّنْوِينُ، وقَرَأهُ عاصِمٌ بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ وقِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ﴾ فَإنَّهُ بِالكَسْرِ بِالِاتِّفاقِ، وقِيلَ: المَكْسُورُ اِسْمٌ والمَضْمُومُ مَصْدَرٌ، وهو قَوْلٌ لا ثَبْتَ لَهُ ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ صِفَةٌ لِرِضْوانٍ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ.

﴿ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ  ﴾ أيْ خَبِيرٌ بِهِمْ وبِأحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ فَيُثِيبُ المُحْسِنَ فَضْلًا ويُعاقِبُ المُسِيءَ عَدْلًا، أوْ خَبِيرٌ بِأحْوالِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا فَلِذَلِكَ أعَدَّ لَهم ما أعَدَّ، فالعِبادُ عَلى الأوَّلِ: عامَّ؛ وعَلى الثّانِي: خاصٌّ.

وقَدْ بَدَأ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوَّلًا بِذِكْرِ المَقَرِّ وهو الجَنّاتُ، ثُمَّ ثَنّى بِذِكْرِ ما يَحْصُلُ بِهِ الأُنْسُ التّامُّ وهو الأزْواجُ المُطَهَّرَةُ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِذِكْرِ ما هو الإكْسِيرُ الأعْظَمُ والرُّوحُ لِفُؤادِ الوالِهِ المُغْرَمِ وهو رِضا اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وفي الحَدِيثِ: «أنَّهُ سُبْحانَهُ ”يَسْألُ أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟

فَيَقُولُونَ ما لَنا لا نَرْضى يا رَبُّ وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ فَيَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ ألا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ؟

فَيَقُولُونَ يا رَبُّ وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ قالَ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا“».

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٦

﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ مَن أُولَئِكَ المُتَّقُونَ؟

فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ الخ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، وأنْ يَكُونَ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّهُ تابِعٌ ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ نَعْتًا أوْ بَدَلًا، أوِ العِبادُ كَذَلِكَ، واعْتُرِضَ كَوْنُهُ نَعْتًا لِلْعِبادِ بِأنَّ فِيهِ تَخْصِيصَ الإبْصارِ بِبَعْضِ العِبادِ، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ التَّخْصِيصَ لا يُوهِمُ الِاخْتِصاصَ لِظُهُورِ الأمْرِ بَلْ يُفِيدُ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ ورِفْعَةِ مَكانِهِمْ، واعْتُرِضَ أيْضًا كَوْنُهُ تابِعًا لِلْمُتَّقِينَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لا سِيَّما إذا جُعِلَتِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِخَيْرٍ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا بَأْسَ بِهَذا الفَصْلِ كَما لا بَأْسَ بِالفَصْلِ بَيْنَ المَمْدُوحِ والمَدْحِ إذِ الصِّفَةُ المادِحَةُ المَقْطُوعَةُ تابِعَةٌ في المَعْنى ولِهَذا يَلْزَمُ حَذْفُ النّاصِبِ أوِ المُبْتَدَأِ لِئَلّا يَخْرُجُ الكَلامُ عَنْ صُورَةِ التَّبَعِيَّةِ فالفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وسائِرِ التَّوابِعِ في قُبْحِ الفَصْلِ وعَدَمِهِ خَفِيٌّ لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ نَبِيلٍ، وفِيهِ أنَّ قِياسَ التَّبَعِيَّةِ لَفْظًا ومَعْنًى عَلى التَّبَعِيَّةِ مَعْنًى فَقَطْ مِمّا لا يَنْبَغِي مِن جاهِلٍ فَضْلًا عَنْ عالِمٍ فاضِلٍ، والتِزامُ حَذْفِ النّاصِبِ أوِ المُبْتَدَأِ في صُورَةِ القَطْعِ لِلْمَدْحِ أوْ لِلذَّمِّ قَدْ يُقالُ: إنَّهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الإخْبارِ، والمَقْصُودُ الإنْشاءُ لا لِئَلّا يَخْرُجُ الكَلامُ عَنْ صُورَةِ التَّبَعِيَّةِ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِإظْهارِ أنَّ إيمانَهم ناشِئٌ مِن وُفُورِ الرَّغْبَةِ وكَمالِ النَّشاطِ، وفي تَرْتِيبِ طَلَبِ المَغْفِرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ  ﴾ عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ دَلِيلٌ عَلى كِفايَتِهِ في اِسْتِحْقاقِ المَغْفِرَةِ والوِقايَةِ مِنَ النّارِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى الطّاعاتِ، والمُرادُ مِنَ الذُّنُوبِ الكَبائِرُ والصَّغائِرُ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ ١٧

﴿ الصّابِرِينَ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا صِفَةً لِلَّذِينِ إنْ جَعَلْتَهُ في مَوْضِعِ جَرٍّ أوْ نَصْبٍ وإذا جَعَلْتَهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ كانَ هَذا مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، والمُرادُ بِالصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والصَّبْرُ عَنْ مَحارِمِهِ قالَهُ قَتادَةُ، وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ يُشْعِرُ بِالعُمُومِ فَيَشْمَلُ الصَّبْرَ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ، ﴿ والصّادِقِينَ ﴾ في نِيّاتِهِمْ وأقْوالِهِمْ سِرًّا وعَلانِيَةً وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا ﴿ والقانِتِينَ ﴾ أيِ المُطِيعِينَ قالَهُ اِبْنُ جُبَيْرٍ، أوِ المُداوِمِينَ عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ قالَهُ الزَّجّاجُ، أوِ القائِمَيْنِ بِالواجِباتِ قالَهُ القاضِي، ﴿ والمُنْفِقِينَ ﴾ مِن أمْوالِهِمْ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى قالَهُ اِبْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا، ﴿ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ  ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ وغَيْرُهُما: أيِ المُصَلِّينَ بِالأسْحارِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: هُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ صَلاةَ الصُّبْحِ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلاةً ثُمَّ يَقُولُ: يا نافِعُ أسَحَرَنا؟

فَيَقُولُ: لا، فَيُعاوِدُ الصَّلاةَ فَإذا قالَ: نَعَمْ، قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى ويَدْعُو حَتّى يُصْبِحَ، وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «”أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ  أنْ نَسْتَغْفِرَ بِالأسْحارِ سَبْعِينَ اِسْتِغْفارَةً“،» ورَوى الرِّضا عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ مَنِ اِسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعالى في وقْتِ السَّحَرِ سَبْعِينَ مَرَّةً فَهو مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ» والباءُ في بِالأسْحارِ بِمَعْنى فِي، وهي جَمْعُ سَحَرٍ بِفَتْحِ الحاءِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِها سُمِّيَتْ أواخِرَ اللَّيالِي بِذَلِكَ لِما فِيها مِنَ الخَفاءِ كالسَّحَرِ لِلشَّيْءِ الخَفِيِّ، وقالَ بَعْضُهُمِ: السَّحَرُ مِن ثُلْثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ.

وتَخْصِيصُ الأسْحارِ بِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّ الدُّعاءَ فِيها أقْرَبُ إلى الإجابَةِ إذِ العِبادَةُ حِينَئِذٍ أشَقُّ والنَّفْسُ أصْفى والرُّوعُ أجْمَعُ، وفي «اَلصَّحِيحِ»: «”أنَّهُ تَعالى وتَنَزَّهَ عَنْ سِماتِ الحُدُوثِ يَنْزِلُ إلى سَماءِ الدُّنْيا في ثُلْثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبُ لَهُ، مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيهِ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرُ لَهُ، فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَطْلُعَ الفَجْرُ“،» وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وأحْمَدُ عَنْ سَعِيدٍ الجَرِيرِيِّ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا جِبْرِيلُ أيُّ اللَّيْلِ أفْضَلُ قالَ: يا داوُدُ ما أدْرِي سِوى أنَّ العَرْشَ يَهْتَزُّ في السَّحَرِ».

وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ إمّا لِأنَّ المَوْصُوفَ بِها مُتَعَدِّدٌ وإمّا لِلدَّلالَةِ عَلى اِسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها وكَمالِهِمْ فِيها، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: لا نَعْلَمُ أنَّ العَطْفَ في الصِّفَةِ بِالواوِ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ رَدَّهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّ عُلَماءَ البَيانِ عَلِمُوهُ وهم هم.

* * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ قَدْ كانَ لَكُمْ ﴾ يا مَعْشَرَ السّالِكِينَ إلى مَقْصِدِ الكُلِّ (آيَةٌ) دالَّةٌ عَلى كَمالِكم وبُلُوغِكم إلى ذُرْوَةِ التَّوْحِيدِ ﴿ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتا ﴾ لِلْحَرْبِ (فِئَةٌ) مِنهُما وهي فِئَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي هي جُنْدُ اللَّهِ تَعالى ﴿ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وطَرِيقِ الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿ وأُخْرى ﴾ مِنهُما وهي جُنُودُ النَّفْسِ وأعْوانُ الشَّيْطانِ ﴿ كافِرَةٌ ﴾ ساتِرَةٌ لِلْحَقِّ مَحْجُوبَةٌ عَنْ حَظائِرِ الصِّدْقِ، تَرى الفِئَةُ الأخِيرَةُ الفِئَةَ الأُولى لِحَوَلِ عَيْنِ بَصِيرَتِها ﴿ مِثْلَيْهِمْ ﴾ عِنْدَ الِالتِقاءِ في مَعْرَكَةِ البَدَنِ رُؤْيَةً مَكْشُوفَةً ظاهِرَةً لا خَفاءَ فِيها مِثْلَ رُؤْيَةِ العَيْنِ، وذَلِكَ لِتَأْيِيدِ الفِئَةِ المُؤْمِنَةِ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ والإشْراقاتِ الجَبَرُوتِيَّةِ، وخِذْلانِ الفِئَةِ الكافِرَةِ بِما اِسْتَوْلى عَلَيْها مِن تَراكُمِ ظُلُماتِ الطَّبِيعَةِ وذُلِّ البُعْدِ عَنِ الحَضْرَةِ ﴿ واللَّهُ ﴾ تَعالى ﴿ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ ﴾ تَأْيِيدَهُ لِقَبُولِ اِسْتِعْدادِهِ لِذَلِكَ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ التَّأْيِيدِ ﴿ لَعِبْرَةً ﴾ أيِ اِعْتِبارًا أوْ أمْرًا يُعْتَبَرُ بِهِ في الوُصُولِ إلى حَيْثُ المَأْمُولُ لِلْمُسْتَبْصِرِينَ الفاتِحِينَ أعْيُنَ بَصائِرِهِمْ لِمُشاهَدَةِ الأنْوارِ الأزَلِيَّةِ في آفاقِ المَظاهِرِ الإلَهِيَّةِ.

﴿ زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ﴾ بِسَبَبِ ما فِيهِمْ مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ والغِشاوَةِ الطَّبِيعِيَّةِ والغَواشِي البَدَنِيَّةِ ﴿ مِنَ النِّساءِ ﴾ وهي النُّفُوسُ ﴿ والبَنِينَ ﴾ وهي الخَيالاتُ المُتَوَلِّدَةُ مِنها النّاشِئَةُ عَنْها ﴿ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ﴾ وهي العُلُومُ المُتَداوَلَةُ وغَيْرُ المُتَداوَلَةِ، أوِ الأُصُولُ والفُرُوعُ ﴿ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ ﴾ وهي مَراكِبُ الهَوى وأفْراسُ اللَّهْوِ ﴿ والأنْعامِ ﴾ وهي رَواحِلُ جَمْعِ الحُطامِ وأسْبابُ جَلْبِ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ والحَرْثِ ﴾ وهو زَرْعُ الحِرْصِ وطُولُ الأمَلِ ﴿ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ الزّائِلُ عَمّا قَلِيلٍ بِالرُّجُوعِ إلى المَبْدَأِ الأصْلِيِّ والمَوْطِنِ القَدِيمِ.

ولَكَ أنْ تُبْقِيَ هَذِهِ المَذْكُوراتِ عَلى ظَواهِرِها فَإنَّ النُّفُوسَ المُنْغَمِسَةَ في أوْحالِ الطَّبِيعَةِ لَها مَيْلٌ كُلِّيٌّ إلى ذَلِكَ أيْضًا ﴿ قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ ﴾ المَذْكُورِ ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ النَّظَرَ إلى الأغْيارِ ﴿ جَنّاتٌ ﴾ جَنَّةُ يَقِينٍ وجَنَّةُ مُكاشَفَةٍ وجَنَّةُ مُشاهَدَةٍ وجَنَّةُ رِضًا وجَنَّةٌ لا أقُولُها وهي الَّتِي فِيها ما لا عَيْنَ رَأتْ ولا أُذُنَ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ولَيْسَ في تِلْكَ الجَنَّةِ عِنْدَ العارِفِينَ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها ﴾ أنْهارُ التَّجَلِّياتِ المُتْرَعَةِ بِماءِ الغُيُوبِ ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ بِبَقائِهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ ﴿ وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ وهي الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ عَنْ أدْناسِ الطَّبِيعَةِ المَقْصُورَةِ في خِيامِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ ﴿ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ ﴿ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ في تَقَلُّبِ أرْواحِهِمْ في عالَمِ المَلَكُوتِ، مُحْتَرِقاتٍ مِن سَطَواتِ أنْوارِ الجَبَرُوتِ حُبًّا لِجِوارِهِ وشَوْقًا إلى لِقائِهِ يُجازِيها بِقَدْرِ هُمُومِها في طَلَبِ وجْهِهِ الأزَلِيِّ وجَمالِهِ الأبَدِيِّ ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا ﴾ بِأنْوارِ أفْعالِكَ وصِفاتِكَ ﴿ فاغْفِرْ لَنا ﴾ ذُنُوبَ وُجُوداتِنا بِذاتِكَ ﴿ وقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ نارِ الحِرْمانِ ووُجُودِ البَقِيَّةِ ﴿ الصّابِرِينَ ﴾ عَلى مَضَضِ المُجاهَدَةِ والرِّياضَةِ ﴿ والصّادِقِينَ ﴾ في المَحَبَّةِ والإرادَةِ ﴿ والقانِتِينَ ﴾ في السُّلُوكِ إلَيْهِ ﴿ والمُنْفِقِينَ ﴾ ما عَداهُ فِيهِ ﴿ والمُسْتَغْفِرِينَ ﴾ مِن ذُنُوبِ تَلَوُّناتِهِمْ وتَعَيُّناتِهِمْ في أسْحارِ التَّجَلِّياتِ، ويُقالُ: (اَلصّابِرِينَ) الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى الطَّلَبِ ولَمْ يَحْتَشِمُوا مِنَ التَّعَبِ وهَجَرُوا كُلَّ راحَةٍ وطَرَبٍ فَصَبَرُوا عَلى البَلْوى ورَفَضُوا الشَّكْوى حَتّى وصَلُوا إلى المَوْلى ولَمْ يَقْطَعْهم شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا والعُقْبى، (والصّادِقِينَ) الَّذِينَ صَدَقُوا في الطَّلَبِ فَوَرَدُوا ثُمَّ صَدَقُوا فَشَهِدُوا ثُمَّ صَدَقُوا فَوَجَدُوا ثُمَّ صَدَقُوا فَفُقِدُوا، فَحالُهم قَصْدٌ ثُمَّ وُرُودٌ ثُمَّ شُهُودٌ ثُمَّ وُجُودٌ ثُمَّ خُمُودٌ، (والقانِتِينَ) الَّذِينَ لازَمُوا البابَ وداوَمُوا عَلى تَجَرُّعِ الِاكْتِئابِ وتَرْكِ المَحابِّ إلى أنْ تَحَقَّقُوا بِالِاقْتِرابِ، (والمُنْفِقِينَ) الَّذِينَ جادُوا بِنُفُوسِهِمْ مِن حَيْثُ الأعْمالُ ثُمَّ جادُوا بِمَيْسُورِهِمْ مِنَ الأمْوالِ ثُمَّ جادُوا بِقُلُوبِهِمْ لِصِدْقِ الأحْوالِ ثُمَّ جادُوا بِكُلِّ حَظٍّ لَهم في العاجِلِ والآجِلِ اِسْتِهْلاكًا في أنْوارِ الوِصالِ (والمُسْتَغْفِرِينَ) هُمُ الَّذِينَ يَسْتَغْفِرُونَ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ إذا رَجَعُوا إلى الصَّحْوِ وقْتَ نُزُولِ الرَّبِّ إلى السَّماءِ الدُّنْيا وإشْراقِ أنْوارِ جَمالِهِ عَلى آفاقِ النَّفْسِ ونِدائِهِ «هَلْ مِن سائِلٍ هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِن كَذا هَلْ مِن كَذا» ثُمَّ لَمّا مَدَحَ سُبْحانَهُ أحْبابَهُ أرْبابَ الدِّينِ وذَمَّ أعْداءَهُ الكافِرِينَ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ الدِّينِ الحَقِّ والعُرْوَةِ الوُثْقى عَلى أتَمِّ وجْهٍ وآكِدِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١٨

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: «لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِالمَدِينَةِ قَدِمَ عَلَيْهِ حَبْرانِ مِن أحْبارِ أهْلِ الشّامِ فَلَمّا أبْصَرا المَدِينَةَ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: ما أشْبَهَ هَذِهِ المَدِينَةُ بِصِفَةِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ  الَّذِي يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، فَلَمّا دَخَلا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  عَرَفاهُ بِالصِّفَةِ والنَّعْتِ فَقالا لَهُ: أنْتَ مُحَمَّدٌ؟

قالَ: نَعَمْ، قالا.

أنْتَ أحْمَدُ؟

قالَ: نَعَمْ، قالا: إنّا نَسْألُكَ عَنْ شَهادَةٍ فَإنْ أنْتَ أخْبَرْتَنا بِها آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ  : سَلانِي، فَقالا لَهُ: أخْبِرْنا عَنْ أعْظَمِ شَهادَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ وأسْلَما»، وقِيلَ: نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ لَمّا حاجُّوا في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ ما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ مِنَ الآثارِ، ويَمِيلُ إلَيْهِ كَلامُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى لَمّا تَرَكُوا اِسْمَ الإسْلامِ وتَسَمَّوْا بِاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهم قالُوا: دِينُنا أفْضَلُ مِن دِينِكَ فَنَزَلَتْ.

والجُمْهُورُ عَلى قِراءَةِ (شَهِدَ) بِلَفْظِ الماضِي وفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنَّهُ“ عَلى مَعْنى بِأنَّهُ أوْ عَلى أنَّهُ، وقُرِئَ إنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ إمّا بِإجْراءِ (شَهِدَ) مَجْرى قالَ، وإمّا بِجَعْلِ الجُمْلَةِ اِعْتِراضًا وإيقاعِ الفِعْلِ عَلى ﴿ إنَّ الدِّينَ ﴾ الخ عَلى قِراءَةِ مَن يَفْتَحُ الهَمْزَةَ كَما سَتَراهُ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، وقُرِئَ (شُهَداءَ لِلَّهِ) بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ شَهِيدٍ كَظُرَفاءَ في جَمْعِ ظَرِيفٍ، أوْ جَمْعُ شاهِدٍ كَشُعَراءَ في جَمْعِ شاعِرٍ، والنَّصْبُ إمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المَذْكُورَيْنِ وإمّا عَلى المَدْحِ، والرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ومَآلُهُ المَدْحُ أيْ هم شُهَداءُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ في الوَجْهَيْنِ مَجْرُورٌ بِاللّامِ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وقُرِئَ (شُهَداءُ اللَّهِ) بِالرَّفْعِ والإضافَةِ.

وفي (شَهِدَ) مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى اِسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ سُبْحانَهُ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بَلْ وسائِرِ كِمالاتِهِ بِأفْعالِهِ الخاصَّةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ وما نَصَّبَهُ مِنَ الدَّلائِلِ التَّكْوِينِيَّةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ وبِما أوْحى مِن آياتِهِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ كَسُورَةِ الإخْلاصِ وآيَةِ الكُرْسِيِّ وغَيْرِهِما، فَشَبَّهَ سُبْحانِهِ تِلْكَ الدَّلالَةَ الواضِحَةَ بِشَهادَةِ الشّاهِدِ في البَيانِ والكَشْفِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لَفْظُ المُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبِّهِ ثُمَّ سَرَتِ الِاسْتِعارَةُ مِنَ المَصْدَرِ إلى الفِعْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ تَبَعِيٌّ لِما أنَّ البَيانَ لازِمٌ لِلشَّهادَةِ، وقَدْ ذُكِرَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَنِ المَلْزُومِ وأُرِيدَ بِهِ اللّازِمُ، وهَذا الحَمْلُ ضَرُورِيٌّ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ دُونَ القِراءَةِ الشّاذَّةِ.

﴿ والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ ﴾ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ ولا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن حَمْلِ الشَّهادَةِ عَلى مَعْنًى مَجازِيٍّ شامِلٍ لِما يُسْنَدُ إلى هَذَيْنَ الجَمْعَيْنِ بِطَرِيقِ عُمُومِ المَجازِ أيْ أقَرَّ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ وآمَنَ العُلَماءُ بِهِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ، وبَعْضُهم قَدَّرَ في كُلٍّ مِنَ المَعْطُوفَيْنِ لَفْظَ (شَهِدَ) مُرادًا مِنهُ ما يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلى ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، ولَعَلَّ القَوْلَ بِعُمُومِ المَجازِ أوْلى مِنهُ، قِيلَ: والمُرادُ بِأُولُو العِلْمِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، وقِيلَ: عُلَماءُ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: جَمِيعُ عُلَماءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَرَفُوا وحْدانِيَّتَهُ تَعالى بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ والحُجَجِ الباهِرَةِ، وقَدَّمَ المَلائِكَةَ لِأنَّ فِيهِمْ مَن هو واسِطَةٌ لِإفادَةِ العِلْمِ لِذَوِيهِ، وقِيلَ: لِأنَّ عِلْمَهم كُلَّهُ ضَرُورِيٌّ بِخِلافِ البَشَرِ فَإنَّ عِلْمَهم ضَرُورِيٌّ واكْتِسابِيٌّ، ثُمَّ إنَّ اِرْتِفاعَ هَذَيْنِ المَرْفُوعَيْنِ عَلى ما شَذَّ مِنَ القِراءَةِ عَلى الِابْتِدائِيَّةِ والخَبَرِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، أيْ: والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ شُهَداءُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في شُهَداءَ وصَحَّ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ يُؤَدِّي إلى تَقْيِيدِ حالِ المَذْكُورِينَ بِشَهادَةِ المَلائِكَةِ وأُولُو العِلْمَ ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ كَما لا يَخْفى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قائِمًا بِالقِسْطِ ﴾ بَيانٌ لِكَمالِهِ تَعالى في أفْعالِهِ إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ في ذاتِهِ، واَلْقِسْطُ العَدْلُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ مُقِيمًا بِالعَدْلِ، وفي اِنْتِصابِ ﴿ قائِمًا ﴾ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ حالًا لازِمَةً مِن فاعِلِ (شَهِدَ) ويَجُوزُ إفْرادُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالحالِ دُونَ المَعْطُوفِ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ أوْ لَفْظِيَّةٌ، ومِنهُ ﴿ ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً ﴾ وأُخِّرَتِ الحالُ عَنِ المَعْطُوفَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِما وقُرْبِ مَنزِلَتِهِما، والمُسارَعَةُ إلى إقامَةِ شُهُودِ التَّوْحِيدِ اِعْتِناءً بِشَأْنِهِ ولَعَلَّهُ السِّرُّ في تَقْدِيمِهِ عَلى المَعْطُوفَيْنِ مَعَ الإيذانِ بِأصالَتِهِ تَعالى في الشَّهادَةِ بِهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وهو وإنْ كانَ مَعْرُوفًا في المَعْرِفَةِ لَكِنَّهُ ثابِتٌ في غَيْرِها أيْضًا.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ وصْفًا لِاسْمِ لا المَبْنِيِّ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّهم إنَّما يَتَّسِعُونَ بِالفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ بِفاصِلٍ لَيْسَ أجْنَبِيًّا مِن كُلِّ وجْهٍ، والمَعْطُوفُ عَلى فاعِلِ (شَهِدَ) أجْنَبِيٌّ مِمّا هو في صِلَةِ أنَّ لَفْظًا ومَعْنًى، وبِأنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِالحالِ فَيَنْبَغِي عَلى هَذا أنْ يُرْفَعَ حَمْلًا عَلى مَحَلِّ اِسْمِ لا رَفْعًا لِلِالتِباسِ.

والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ العِلْمِ، أيْ: وأُولُو المَعْرِفَةِ قائِمًا بِالقِسْطِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

الخامِسُ: ولَعَلَّهُ الأوْجَهُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الجُمْلَةِ أيْ تَفَرَّدَ أوْ أحَقَّهُ لِأنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، ولا يَضُرُّ تَخَلُّلُ المَعْطُوفَيْنِ هُنا بِخِلافِهِ في الصِّفَةِ لِأنَّ الحالَ المُؤَكِّدَةَ في هَذا القِسْمِ جارِيَةٌ مَجْرى جُمْلَةٍ مُفَسِّرَةٍ نَوْعَ تَفْسِيرٍ فَناسَبَ أنْ يُقَدَّمَ المَعْطُوفانِ لِأنَّ المَشْهُودَ بِهِ واحِدٌ فَهو نَوْعٌ مِن تَأْكِيدِهِ تُمِّمَ بِالحالِ المُفَسِّرَةِ وعَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِيَّةِ لِلْعِلْمِ لا يَنْدَرِجُ في المَشْهُودِ بِهِ وعَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ يَحْتَمِلُ الِانْدِراجَ وعَدَمَهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ يَنْدَرِجُ لا مَحالَةَ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (اَلْقائِمُ بِالقِسْطِ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وكَوْنُهُ بَدَلًا مِن (هُوَ) لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ ( قَيِّمًا بِالقِسْطِ) .

﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمَشْهُودِ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَعْرِفَةِ أدِلَّتِهِ لِأنَّ تَثْبِيتَ المُدَّعى إنَّما يَكُونُ بِالدَّلِيلِ، والِاعْتِناءُ بِهِ يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ بِأدِلَّتِهِ ولِيَنْبَنِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ العَزِيزُ الحَكِيمُ  ﴾ فَيُعْلَمُ أنَّهُ المَنعُوتُ بِهِما، وقِيلَ: لا تَكْرارَ لِأنَّ الأوَّلَ شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، والثّانِي شَهادَةُ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ، وهو ظاهِرٌ عِنْدَ مَن يَرْفَعُ المَلائِكَةَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، ووَجْهُ التَّرْتِيبِ تَقَدَّمَ العِلْمُ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي يُفْهِمُها (اَلْعَزِيزُ) عَلى العِلْمِ بِحِكْمَتِهِ تَعالى الَّتِي يُؤْذِنُ بِها (اَلْحَكِيمُ) وجَعَلَ بَعْضُهُمُ (اَلْعَزِيزُ) ناظِرًا إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ و(اَلْحَكِيمُ) ناظِرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قائِمًا بِالقِسْطِ ﴾ ورَفْعُهُما عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوِ البَدَلِيَّةِ مِن (هُوَ) أوِ الوَصْفِيَّةِ لَهُ بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ مِن جَوازِ وصْفِ ضَمِيرِ الغائِبِ، وجَعْلُهُما نَعْتًا لِفاعِلِ (شَهِدَ) بَعِيدٌ.

وقَدْ رُوِيَ في فَضْلِ الآيَةِ أخْبارٌ؛ أخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ مَرْفُوعًا: «”لَمّا نَزَلَتْ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ، وآيَةُ الكُرْسِيِّ، و ﴿ شَهِدَ اللَّهُ ﴾ ، و ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ ﴾ إلى ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ تَعَلَّقْنَ بِالعَرْشِ وقُلْنَ: أتُنْزِلُنا عَلى قَوْمٍ يَعْمَلُونَ بِمَعاصِيكَ؟

فَقالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي وارْتِفاعِ مَكانِي لا يَتْلُوكُنَّ عَبْدٌ عِنْدَ دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ إلّا غَفَرْتُ لَهُ ما كانَ فِيهِ وأسْكَنْتُهُ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ ونَظَرْتُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً وقَضَيْتُ لَهُ سَبْعِينَ حاجَةً أدْناها المَغْفِرَةُ“».

وأخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ والخَطِيبُ وابْنُ النَّجّارِ عَنْ غالِبٍ القَطّانِ قالَ: ««أتَيْتُ الكُوفَةَ فَنَزَلْتُ قَرِيبًا مِنَ الأعْمَشِ فَلَمّا كانَ لَيْلَةً أرَدْتُ أنْ أنْحَدِرَ قامَ فَتَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ فَمَرَّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ شَهِدَ اللَّهُ ﴾ الخ، فَقالَ: وأنا أشْهَدُ بِما شَهِدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وأسْتَوْدِعُ اللَّهَ تَعالى هَذِهِ الشَّهادَةَ وهي لِي ودِيعَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى قالَها مِرارًا، فَقُلْتُ: لَقَدْ سَمِعَ فِيها شَيْئًا فَسَألْتُهُ، فَقالَ: حَدَّثَنِي أبُو وائِلِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ”يُجاءُ بِصاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ عَهْدًا وأنا أحَقُّ مَن وفى بِالعَهْدِ أدْخِلُوا عَبْدِي الجَنَّةَ“،» ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: «أنَّهُ كانَ حَوْلَ المَدِينَةِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ خَرَرْنَ سُجَّدًا لِلْكَعْبَةِ».

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ ۗ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ١٩

﴿ إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ وقَعَتْ تَأْكِيدًا لِلْأُولى، وتَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ لِلْحَصْرِ أيْ لا دِينَ مَرْضِيَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى سِوى الإسْلامِ وهو عَلى ما أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ «شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تَعالى والإقْرارُ بِما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وهو دِينُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي شَرَعَ لِنَفْسِهِ وبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ ودَلَّ عَلَيْهِ أوْلِياؤُهُ لا يُقْبَلُ غَيْرُهُ ولا يُجْزى إلّا بِهِ».

ورَوى عَلِيُّ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في خُطْبَةٍ لَهُ لَأنْسُبَنَّ الإسْلامَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْها أحَدٌ قَبْلِي، الإسْلامُ هو التَّسْلِيمُ، والتَّسْلِيمُ هو اليَقِينُ، واليَقِينُ هو التَّصْدِيقُ، والتَّصْدِيقُ هو الإقْرارُ، والإقْرارُ هو الأداءُ، والأداءُ هو العَمَلُ، ثُمَّ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ أخَذَ دِينَهُ عَنْ رَبِّهِ ولَمْ يَأْخُذْهُ عَنْ رَأْيِهِ إنَّ المُؤْمِنَ مَن يُعْرَفُ إيمانُهُ في عَمَلِهِ وإنَّ الكافِرَ يُعْرَفُ كُفْرُهُ بِإنْكارِهِ أيُّها النّاسُ دِينَكم دِينَكم فَإنَّ السَّيِّئَةَ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الحَسَنَةِ في غَيْرِهِ إنَّ السَّيِّئَةَ فِيهِ تُغْفَرُ وإنَّ الحَسَنَةَ في غَيْرِهِ لا تُقْبَلُ.

وقَرَأ أُبَيٌّ (إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ لَلْإسْلامُ)، والكِسائِيُّ (أنَّ الدِّينَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ بَدَلُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ إنْ فُسِّرَ الإسْلامُ بِالإيمانِ وأُرِيدَ بِهِ الإقْرارُ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى والتَّصْدِيقُ بِها الَّذِي هو الجُزْءُ الأعْظَمُ وكَذا إنْ فُسِّرَ بِالتَّصْدِيقِ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ  مِمّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لِأنَّ ذَلِكَ عَيْنُ الشَّهادَةِ بِما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُها فَهي عَيْنُهُ مَآلًا، وأمّا إذا فُسِّرَ بِالشَّرِيعَةِ فالبَدَلُ بَدَلُ اِشْتِمالٍ لِأنَّ الشَّرِيعَةَ شامِلَةٌ لِلْإيمانِ والإقْرارِ بِالوَحْدانِيَّةِ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِعِلْمِ الأحْكامِ وادَّعى أوْلَوِيَّةَ هَذا الشَّقِّ نَظَرًا لِسِياقِ الكَلامِ مُسْتَدِلًّا بِأنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ عِلْمُ الأُصُولِ بِالعِنْدِيَّةِ لِأنَّها أُمُورٌ بِحَسَبِ نَفْسِ الأمْرِ لا تَدُورُ عَلى الِاعْتِبارِ ولِهَذا تَتَّحِدُ فِيها الأدْيانُ الحَقَّةُ كُلُّها، وقُيِّدَ كَوْنُ الدِّينِ الإسْلامَ بِالعِنْدِيَّةِ لِأنَّ الشَّرائِعَ دائِرَةٌ عَلى اِعْتِبارِ الشّارِعِ ولِهَذا تُغَيَّرُ وتُبَدَّلُ بِحَسَبَ المَصالِحِ والأوْقاتِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، أوْ عَلى أنْ (شَهِدَ) واقِعٌ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ قِراءَةِ (إنَّهُ) بِالكَسْرِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، و(عِنْدَ) عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ الثُّبُوتُ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ الجُمْلَةُ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنٍ خاصٍّ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ يُقَدَّرُ مَعْرِفَةً وقَعَ صِفَةً لِلدِّينِ أيْ إنَّ الدِّينَ المَرْضِيَّ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا في الدِّينِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ هَذا الحُكْمُ ثابِتٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأرى الكُلَّ لَيْسَ بِشَيْءٍ أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ خِلافَ القاعِدَةِ المَعْرُوفَةِ في الظُّرُوفِ إذا وقَعَتْ بَعْدَ النَّكِراتِ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ المَشْهُورَ أنْ (إنَّ) لا تَعْمَلُ في الحالِ، وأمّا الثّالِثُ: فَلِأنَّهُ لا وجْهَ لِلتَّعَلُّقِ بِلَفْظِ (اَلدِّينِ) إلّا أنْ يُكْتَفى بِأنَّهُ في الأصْلِ بِمَعْنى الجَزاءِ، وأمّا الرّابِعُ: فَلِأنَّ التَّكَلُّفَ فِيهِ المُسْتَغْنى عَنْهُ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، هَذا وقَدِ اُخْتُلِفَ في إطْلاقِ الإسْلامِ عَلى غَيْرِ ما جاءَ بِهِ نَبِيُّنا  ، والأكْثَرُونَ عَلى الإطْلاقِ وأظُنُّ أنَّهُ بَعْدَ تَحْرِيرِ النِّزاعِ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ اِخْتِلافٌ.

﴿ وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ واخْتَلَفُوا فِيما عَهِدَ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ، قالَ: «إنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما حَضَرَهُ المَوْتُ دَعا سَبْعِينَ حَبْرًا مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ فاسْتَوْدَعَهُمُ التَّوْراةَ وجَعَلَهم أُمَناءَ عَلَيْها واسْتَخْلَفَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ فَلَمّا مَضى القَرْنُ الأوَّلُ والثّانِي والثّالِثُ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بَيْنَهم وهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن أبْناءِ السَّبْعِينَ حَتّى أهَراقُوا بَيْنَهُمُ الدِّماءَ ووَقَعَ الشَّرُّ طَلَبًا لِسُلْطانِ الدُّنْيا ومُلْكِها وخَزائِنِها وزُخْرُفِها فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ جَبابِرَتَهُمْ»، وقِيلَ: النَّصارى واخْتَلَفُوا في التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ اليَهُودُ والنَّصارى، وبِالكِتابِ الجِنْسُ، واخْتَلَفُوا في التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: في نُبُوَّتِهِ  ، وقِيلَ: في الإيمانِ بِالأنْبِياءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ ما يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ، واَلَّذِي اِخْتَلَفُوا فِيهِ الإسْلامُ كَما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ زِيادَةُ تَقْبِيحٍ لَهم فَإنَّ الِاخْتِلافَ بَعْدَ إتْيانِ الكِتابِ أقْبَحُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ زِيادَةٌ أُخْرى فَإنَّ الِاخْتِلافَ بَعْدَ مَجِيءِ العِلْمِ أزِيدُ في القَباحَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوْ أعَمِّ الأوْقاتِ، والمُرادُ مِن مَجِيءِ العِلْمِ التَّمَكُّنُ مِنهُ لِسُطُوعِ بَراهِينِهِ، أوِ المُرادُ مِنهُ حُصُولُ العِلْمِ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ لَهم بِالفِعْلِ ولَمْ يَقُلْ عَلِمُوا مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ إشارَةً إلى أنَّهُ عِلْمٌ بِسَبَبِ الوَحْيِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ زِيادَةُ تَشْنِيعٍ، والِاسْمُ المَنصُوبُ مَفْعُولٌ لَهُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (ما) و(إلّا) مِن ثُبُوتِ الِاخْتِلافِ بَعْدَ مَجِيءِ العِلْمِ كَما تَقُولُ ما ضَرَبْتُ إلّا اِبْنِي تَأْدِيبًا، فَلا دَلالَةَ لِلْكَلامِ عَلى حَصْرِ الباعِثِ، وادَّعاهُ بَعْضُهم أيْ إنَّ الباعِثَ لَهم عَلى الِاخْتِلافِ هو البَغْيُ والحَسَدُ لا الشُّبْهَةُ وخَفاءُ الأمْرِ، ولَعَلَّ اِنْفِهامُ ذَلِكَ مِنَ المَقامِ أوْ مِنَ الكَلامِ بِناءً عَلى جَوازِ تَعَدُّدِ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ أيْ ما اِخْتَلَفُوا في وقْتٍ لِغَرَضٍ إلّا بَعْدَ العِلْمِ لِغَرَضِ البَغِيِّ، كَما تَقُولُ: ما ضَرَبَ إلّا زَيْدٌ عَمْرًا أيْ ما ضَرَبَ أحَدٌ أحَدًا إلّا زِيدٌ عَمْرًا.

﴿ ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِها حُجَجَهُ، وقِيلَ: التَّوْراةُ، وقِيلَ: هي والإنْجِيلُ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: آياتُهُ النّاطِقَةُ بِأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، والظّاهِرُ العُمُومُ أيْ أيَّةُ آيَةٍ كانَتْ، والمُرادُ بِمَن أيْضًا أعَمُّ مِنَ المُخْتَلِفِينَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ، ولَكَ أنْ تَخُصَّهُ بِهِمْ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ  ﴾ قائِمٌ مَقامَ جَوابِ الشَّرْطِ عِلَّةً لَهُ، أيْ: ومَن يَكْفُرْ يُعاقِبْهُ اللَّهُ تَعالى ويُجازِهِ عَنْ قَرِيبٍ، فَإنَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ أيْ يَأْتِي حِسابُهُ عَنْ قَرِيبٍ أوْ يَتِمُّ ذَلِكَ بِسُرْعَةٍ، وقِيلَ: إنَّ سُرْعَةَ الحِسابِ تَقْتَضِي إحاطَةَ العِلْمِ والقُدْرَةِ فَتُفِيدُ الجُمْلَةُ الوَعِيدَ، وبِاعْتِبارِهِ يَنْتَظِمُ الشَّرْطُ والجَزاءُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرٍ، ولَعَلَّهُ أوْلى وأدَقُّ نَظَرًا.

وفي إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ تَرْبِيَةٌ لِلْمَهابَةِ وإدْخالُ الرَّوْعَةِ، وفي تَرْتِيبِ العِقابِ عَلى مُطْلَقِ الكُفْرِ إثْرَ بَيانِ حالِ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ إيذانٌ بِشِدَّةِ عِقابِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ٢٠

﴿ فَإنْ حاجُّوكَ ﴾ أيْ جادَلُوكَ في الدِّينِ بَعْدَ أنْ أقَمْتَ الحُجَجَ، والضَّمِيرَ لِلَّذِينِ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لِجَمِيعِ النّاسِ، وقِيلَ: وفْدُ نَصارى نَجْرانَ؛ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﴿ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ﴾ أيْ أخْلَصْتُ وخَضَعْتُ بِقَلْبِي وقالَبِي لِلَّهِ لا أُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الجِدالَ مَعَهم لَيْسَ في مَوْقِعِهِ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ في أمْرٍ خَفِيٍّ واَلَّذِي جادَلُوا بِهِ أمْرٌ مَكْشُوفٌ، وحُكْمُ حالِهِ مَعْرُوفٌ وهو الدِّينُ القَوِيمُ فَلا تَكُونُ المُحاجَّةُ والمُجادَلَةُ إلّا مُكابَرَةً، وحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا القَوْلُ إعْراضًا عَنْ مُجادَلَتِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحاجَّةٌ وبَيانُهُ أنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الصّانِعِ وكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَذا القَوْلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الكُلِّ فَأنا مُسْتَمْسِكٌ بِهَذا القَدْرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وداعِي الخَلْقِ إلَيْهِ، وإنَّما الخِلافُ في أُمُورٍ وراءَ ذَلِكَ فاليَهُودُ يَدْعُونَ التَّشْبِيهَ والجِسْمِيَّةَ، والنَّصارى يَدْعُونَ إلَهِيَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والمُشْرِكُونَ يَدْعُونَ وُجُوبَ عِبادَةِ الأوْثانِ فَهَؤُلاءِ هُمُ المُدَّعُونَ فَعَلَيْهِمُ الإثْباتَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ﴾ ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ الآيَةَ في هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ نازَعُوكَ يا مُحَمَّدُ في هَذِهِ التَّفاصِيلِ فَقُلْ: أنا مُتَمَسِّكٌ بِطَرِيقِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ كانَ مُحِقًّا في قَوْلِهِ صادِقًا في دِينِهِ فَيَكُونُ مِن بابِ التَّمَسُّكِ بِالإلْزاماتِ وداخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ ولَعَلَّ القَوْلَ بِالإعْراضِ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى سُوءِ حالِهِمْ وحَطِّ مِقْدارِهِمْ، وعَبَّرَ عَنِ الجُمْلَةِ -بِالوَجْهِ- لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ ومَظْهَرُ القُوى والمَشاعِرِ ومَجْمَعُ مُعْظَمِ ما يَقَعُ بِهِ العِبادَةُ وبِهِ يَحْصُلُ التَّوَجُّهُ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وفَتَحَ الياءَ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وسَكَّنَها الباقُونَ.

﴿ ومَنِ اتَّبَعَنِ ﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في ﴿ أسْلَمْتُ ﴾ وحَسُنَ لِلْفَصْلِ، أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وأُورِدُ عَلَيْهِما أنَّهُما يَقْتَضِيانِ اِشْتِراكَهم مَعَهُ  في إسْلامِ وجْهِهِ ولَيْسَ المَعْنى: أسْلَمْتُ وجْهِي وهم أسْلَمُوا وُجُوهَهم إذْ لا يَصِحُّ -أكَلْتُ رَغِيفًا وزَيْدًا، وقَدْ أكَلَ كُلٌّ مِنهُما رَغِيفًا، فالواجِبُ أنْ يَكُونَ (مَن) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومَنِ اِتَّبَعَنِ كَذَلِكَ، أوْ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى الجَلالَةِ وإسْلامِهِ  لِمَنِ اِتَّبَعَهُ بِالحِفْظِ والنَّصِيحَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ فَهْمَ المَعْنى وعَدَمَ الإلْباسِ يُسَوِّغُ كِلا الأمْرَيْنِ ويَسْتَغْنِي بِذَلِكَ عَنْ مَئُونَةِ الحَذْفِ وتَكَلُّفِ خِلافِ الظّاهِرِ جِدًّا، وأثْبَتَ الياءَ في (اِتَّبَعَنِي) عَلى الأصْلِ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ، وحَذَفَها الباقُونَ، وحَذْفُها أحْسَنُ لِمُوافَقَةِ خَطِّ المُصْحَفِ، وقَدْ جاءَ الحَذْفُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرًا كَقَوْلِ الأعْشى: فَهَلْ يَمْنَعُنِي اِرْتِيادِي البِلا دَ مِن حَذَرَ المَوْتِ أنْ (يَأْتِينِ) ﴿ وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، والمَعْنى فَإنْ حاجَّكَ أهْلُ الكِتابِ فَقابِلْهم بِذَلِكَ فَإنْ أجْدى فَعَمِّمِ الدَّعْوَةَ وقُلْ لِلْأسْوَدِ والأحْمَرِ ﴿ أأسْلَمْتُمْ ﴾ مُتَّبِعِينَ لِي كَما فَعَلَ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهُ قَدْ جاءَكم مِنَ الآياتِ ما يُوجِبُهُ ويَقْتَضِيهِ أمْ أنْتُمْ عَلى كُفْرِكم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وإصْرارِكم عَلى العِنادِ، وهَذا كَما تَقُولُ -إذا لَخَّصْتَ لِسائِلٍ مَسْألَةً ولَمْ تَدَعْ مِن طُرُقِ البَيانِ مَسْلَكًا إلّا سَلَكْتَهُ -فَهَلْ فَهِمْتَها؟

عَلى طُرُزِ ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ إثْرَ تَفْصِيلِ الصَّوارِفِ عَنْ تَعاطِي ما حُرِّمَ تَعاطِيهِ، وفي ذَلِكَ تَعْيِيرٌ لَهم بِالمُعانِدَةِ وقِلَّةِ الإنْصافِ وتَوْبِيخٌ بِالبَلادَةِ وجُمُودِ القَرِيحَةِ، والكَثِيرُونَ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّقْرِيرِ وفي ضِمْنِهِ الأمْرُ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِرِعايَةِ التَّقابُلِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ، والمُرادُ مِنَ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَكْتُبُونَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.

﴿ فَإنْ أسْلَمُوا ﴾ أيِ اِتَّصَفُوا بِالإسْلامِ والدِّينِ الحَقِّ ﴿ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى الخُرُوجِ أيِ اِهْتَدَوْا خارِجِينَ مِنَ الضَّلالِ كَذا قِيلَ، وبَعْضٌ يُفَسِّرُ الِاهْتِداءَ بِاللّازِمِ وهو النَّفْعُ أيْ فَقَدْ نَفَعُوا أنْفُسَهم قالُوا: وسَبَبُ إخْراجِهِ عَنْ ظاهِرِهِ أنَّ الإسْلامَ عَيْنُ الِاهْتِداءِ فَإنْ فُسِّرَ عَلى الأصْلِ اِتَّحَدَ الشَّرْطُ والجَزاءُ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ.

﴿ وإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ ولَمْ يَقْبَلُوا ﴿ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ ﴾ قائِمٌ مَقامَ الجَوابِ، أيْ لا يَضُرُّكَ شَيْئًا إذْ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ وقَدْ أدَّيْتَهُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ وأبْلَغِهِ، وهَذا قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ فَهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ﴿ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ  ﴾ تَذْيِيلٌ فِيهِ وعْدٌ عَلى الإسْلامِ ووَعِيدٌ عَلى التَّوَلِّي عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ أيَّةِ آيَةٍ كانَتْ، ويَدْخُلُ فِيهِمُ الكافِرُونَ بِالآياتِ النّاطِقَةِ بِحَقِّيَّةِ الإسْلامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِهِ  إذْ لا مَعْنى لِإنْذارِ الماضِينَ، قالَ القُطْبُ: وإسْنادُ القَتْلِ إلَيْهِمْ ولَمْ يَصْدُرْ مِنهم قَتْلٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لَمّا كانَتْ طَرِيقَةَ أسْلافِهِمْ صَحَّتْ إضافَتُها إلَيْهِمْ إذْ صُنْعُ الأبِ قَدْ يُضافُ إلى الِابْنِ لا سِيَّما إذا كانَ راضِيًا بِهِ، الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن شَأْنِهِمُ القَتْلُ إنْ لَمْ يُوجَدْ مانِعٌ، والتَّقْيِيدُ بِغَيْرِ حَقٍّ لِما تَقَدَّمَ، وتُرِكَتْ ألْ هُنا دُونَ ما سَبَقَ لِتَفاوُتِ مَخْرَجِ الجُمْلَتَيْنِ وقَدْ مَرَّ ما يَنْفَعُكَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَتَذَكَّرْ، وقَرَأ الحَسَنُ (يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ).

﴿ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ الفِعْلِ لِلْإشْعارِ بِما بَيْنَ القَتْلَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ أوْ بِاخْتِلافِهِما في الوَقْتِ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: ”أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ؟

قالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أوْ رَجُلًا أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ  : يا أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا أوَّلَ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ فَقامَ مِائَةُ رَجُلٍ وسَبْعُونَ رَجُلًا مِن عِبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِن آخِرِ النَّهارِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى“،» وقَرَأ حَمْزَةُ (ويُقاتِلُونَ الَّذِينَ) وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (وقاتَلُوا) وقَرَأ أُبَيٌّ (ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ والَّذِينَ يَأْمُرُونَ) .

﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ خَبَرُ (إنَّ) [ 21 ] ودَخَلَتِ الفاءُ فِيهِ لِتَضَمُّنِ الِاسْمِ مَعْنى الشَّرْطِ ولا يَمْنَعُ النّاسِخُ الَّذِي لَمْ يُغَيِّرْ مَعْنى الِابْتِداءِ مِنَ الدُّخُولِ ومَتى غَيَّرَ كَ لِيتَ ولَعَلَّ اِمْتَنَعَ ذَلِكَ إجْماعًا، وسِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ يَمْنَعانِهِ عِنْدَ النُّسَخِ مُطْلَقًا فالخَبَرُ عِنْدَهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ٢٢

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ وجُمْلَةُ ﴿ فَبَشِّرْهُمْ ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بِالفاءِ كَما في قَوْلِكَ: زِيدٌ فافْهَمْ رَجُلٌ صالِحٌ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ في قَوْلِهِ: فاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلَّ ما قُدِرا ومَن لَمْ يَفْهَمْ هَذا قالَ: إنَّ الفاءَ جَزائِيَّةٌ وجَوابُها مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ، والتَّقْدِيرُ زَيْدٌ رَجُلٌ صالِحٌ؛ وإذا قُلْنا لَكَ ذَلِكَ فافْهَمْ وعَلى الأوَّلِ هو اِسْتِئْنافٌ، و ﴿ أُولَئِكَ ﴾ مُبْتَدَأٌ، وما فِيهِ مِنَ البُعْدِ عَلى المَشْهُورِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في فَظاعَةِ الحالِ، والمَوْصُولُ خَبَرُهُ أيْ أُولَئِكَ المُتَّصِفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الشَّنِيعَةِ الَّذِينَ بَطَلَتْ أعْمالُهم وسَقَطَتْ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ وخَلَتْ عَنِ الثَّمَرَةِ في الدُّنْيا حَيْثُ لَمْ تُحْقَنُ دِماؤُهم وأمْوالُهم ولَمْ يَسْتَحِقُّوا بِها مَدْحًا وثَناءً وفي الآخِرَةِ حَيْثُ لَمْ تَدْفَعْ عَنْهُمُ العَذابَ ولَمْ يَنالُوا بِسَبَبِها الثَّوابَ، وهَذا شامِلٌ لِلْأعْمالِ المُتَوَقِّفَةِ عَلى النِّيَّةِ ولِغَيْرِها.

ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ العَمَلَ الغَيْرَ المُتَوَقِّفِ عَلى النِّيَّةِ كالصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ يَنْتَفِعُ بِهِ الكافِرُ في الآخِرَةِ ولا يَحْبِطُ بِالكُفْرِ، فالمُرادُ بِالأعْمالِ هُنا ما كانَ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، وإنْ أُرِيدَ ما يَشْمَلُ القِسْمَيْنِ اُلْتُزِمَ كَوْنُ هَذا الحُكْمِ مَخْصُوصًا بِطائِفَةٍ مِنَ الكُفّارِ وهُمُ المَوْصُوفُونَ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ وفِيهِ تَأمُّلٌ.

﴿ وما لَهم مِن ناصِرِينَ  ﴾ يَنْصُرُونَهم مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ في أحَدِ الدّارَيْنِ، وجُمِعَ النّاصِرُ لِرِعايَةِ ما وقَعَ في مُقابَلَتِهِ لا لِنَفْيِ تَعَدُّدِ الأنْصارِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم وقَدْ يُدَّعى أنَّ مَجِيءَ الجَمْعِ هُنا أحْسَنُ مِن مَجِيءِ المُفْرَدِ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، والمُرادُ مِنَ اِنْتِفاءِ النّاصِرِينَ اِنْتِفاءُ ما يَتَرَتَّبُ عَلى النَّصْرِ مِنَ المَنافِعِ والفَوائِدِ وإذا اِنْتَفَتْ مِن جَمْعٍ فانْتِفاؤُها مِن واحِدٍ أوْلى، ثُمَّ إنَّ هَذا الحُكْمَ وإنْ كانَ عامًّا لِسائِرِ الكُفّارِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ ﴾ إلّا أنَّ لَهُ هُنا مَوْقِعًا حَيْثُ إنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ وُصِفُوا بِأنَّهم يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ وهم ناصِرُو الحَقِّ، عَلى ما أشارَ إلَيْهِ الحَدِيثُ، ولا يُوجَدُ فِيهِمْ ناصِرٌ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ قَتْلِ أُولَئِكَ الكِرامِ فَقُوبِلُوا لِذَلِكَ بِعَذابٍ لا ناصِرَ لَهم مِنهُ ولا مُعْيِنَ لَهم فِيهِ.

ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ في الآيَةِ مُقابَلَةَ ثَلاثَةِ أشْياءَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ؛ الكُفْرِ بِالعَذابِ، وقَتْلِ الأنْبِياءِ بِحَبْطِ الأعْمالِ، وقَتْلِ الآمِرِينَ [بِالقِسْطِ] بِانْتِفاءِ النّاصِرِ وهو كَما تَرى.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَـٰبِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ٢٣

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ ﴾ تَعْجِيبٌ لِلنَّبِيِّ  أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِن حالِ أهْلِ الكِتابِ وأنَّهم إذا عَضَّتْهُمُ الحُجَّةُ فَرُّوا إلى الضَّجَّةِ وأعْرَضُوا عَنِ المَحَجَّةِ، وفِيهِ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن أنَّ الِاخْتِلافَ إنَّما كانَ بَعْدَ مَجِيءِ العِلْمِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَنْوِيرٌ لِنَفِيَ النّاصِرِ لَهم حَيْثُ يَصِيرُونَ مَغْلُوبِينَ عِنْدَ تَحْكِيمِ كِتابِهِمْ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ اليَهُودُ، وبِالنَّصِيبِ الحَظُّ، و(مِن) إمّا لِلتَّبْعِيضِ وإمّا لِلْبَيانِ عَلى مَعْنى (نَصِيبًا) هو الكِتابُ، أوْ نَصِيبًا مِنهُ لِأنَّ الوُصُولَ إلى كُنْهِ كَلامِهِ تَعالى مُتَعَذِّرٌ فَإنْ جُعِلَ بَيانًا كانَ المُرادُ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِمْ وإنْ جُعِلَ تَبْعِيضًا كانَ المُرادُ هِدايَتَهم إلى فَهْمِ ما فِيهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ اللّامُ في (اَلْكِتابِ) لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِ التَّوْراةُ - وهو المَرْوِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ - والتَّنْوِينُ لِلتَّكْثِيرِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ في (اَلْكِتابِ) لِلْعَهْدِ والمُرادُ بِهِ اللَّوْحُ، وأنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ؛ وعَلَيْهِ -اَلنَّصِيبُ- التَّوْراةُ، و(مِن) لِلِابْتِداءِ في الأوَّلِ ويَحْتَمِلُها، والتَّبْعِيضُ في الثّانِي، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عَلى الوَجْهِ السّابِقِ أيْضًا كَذَلِكَ، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرٍ أنْ يُرادَ -بِالنَّصِيبِ- ما حَصَلَ لَهم مِنَ العِلْمِ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ لِلتَّحْقِيرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ مَقامُ المُبالِغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِمْ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ تَعْيِيرَهم بِتَمَرُّدِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ بِالنَّصِيبِ الحَقِيرِ عَنْ مُتابَعَةِ مَن لَهُ عِلْمٌ لا يُوازِنُهُ عُلُومُ المُرْسَلِينَ كُلِّهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَمّا أُوتُوهُ بِالنَّصِيبِ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ اِخْتِصاصِهِ بِهِمْ وكَوْنِهِ حَقًّا مِن حُقُوقِهِمُ الَّتِي يَجِبُ مُراعاتُها والعَمَلُ بِمُوجِبِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَحَلِّ التَّعْجِيبِ، وإمّا حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، والمُرادُ بِكِتابِ اللَّهِ التَّوْراةُ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإيجابِ الإجابَةِ، والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ المُراجَعَةِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وغَيْرُهُ.

وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ إسْحَقَ وجَماعَةٌ عَنْهُ قالَ: «”دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ  بَيْتَ المِدْراسِ عَلى جَماعَةٍ مِن يَهُودَ فَدَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ النُّعْمانُ بْنُ عَمْرٍو والحَرَثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ يا مُحَمَّدُ؟

قالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ، قالا: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ  : فَهَلُمّا إلى التَّوْراةِ فَهي بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ، فَأبَيا عَلَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ“».

وفي «اَلْبَحْرِ»: «”زَنى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ بِاِمْرَأةٍ ولَمْ يَكُنْ بَعْدُ في دِينِنا الرَّجْمُ فَتَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  تَخْفِيفًا عَلى الزّانِيَيْنِ لِشَرَفِهِما، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : إنَّما أحْكَمُ بِكِتابِكم فَأنْكَرُوا الرَّجْمَ فَجِيءَ بِالتَّوْراةِ فَوَضَعَ حَبْرَهُمُ اِبْنُ صُورِيّا يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: جاوَزَها يا رَسُولَ اللَّهِ فَأظْهَرَها فَرُجِما فَغَضِبَتِ اليَهُودُ فَنَزَلَتْ“».

وهُوَ المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ - وحُكِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا - وذَهَبَ الحَسَنُ وقَتادَةُ إلى أنَّ المُرادَ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى القُرْآنُ دَعَوْا إلَيْهِ لِأنَّ ما فِيهِ مُوافِقٌ لِما في التَّوْراةِ مِن أُصُولِ الدِّيانَةِ وأرْكانِ الشَّرِيعَةِ والصِّفَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتِ البِشارَةُ بِها أوْ لِأنَّهم لا يَشُكُّونَ في أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلُ عَلى خاتَمِ رُسُلِهِ.

﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ قِيلَ: أيْ لِيَفْصِلَ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ بَيْنَ الَّذِينَ أُوتُوا -وهُمُ اليَهُودُ - وبَيْنَ الدّاعِي لَهم - وهو النَّبِيُّ  في أمْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ في حُكْمِ الرَّجْمِ، أوْ في شَأْنِ الإسْلامِ، أوْ بَيْنَ مَن أسْلَمَ مِنهم ومَن لَمْ يُسْلِمْ حَيْثُ وقَعَ بَيْنَهُمُ اِخْتِلافٌ في الدِّينِ الحَقِّ، وعَلى هَذا -وهُوَ المَرْضِيُّ عِنْدَ البَعْضِ وإنْ لَمْ يُوافِقْ سَبَبَ النُّزُولِ- ورُبَّما أُحْوِجَ إلى اِرْتِكابِ مَجازٍ في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الدّاعِي رَسُولَ اللَّهِ  ، وقُرِئَ (لِيُحْكَمَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى أبِي حَنِيفَةَ.

﴿ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى (يُدْعَوْنَ)، و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، وفِيهِ اِسْتِبْعادُ تَوَلِّيهِمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِوُجُوبِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، و ﴿ مِنهُمْ ﴾ صِفَةٌ لِفَرِيقٍ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهَذا الفَرِيقِ أكْثَرُهم عِلْمًا لِيُعْلَمَ تَوَلِّي سائِرِهِمْ مِن بابِ الأوْلى، قِيلَ: وهَذا سَبَبُ العُدُولِ عَنْ -ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ- وقِيلَ: الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا، ووَجْهُ العُدُولِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، فَتَدَبَّرْ.

﴿ وهم مُعْرِضُونَ  ﴾ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً مَعْطُوفَةً عَلى الصِّفَةِ قَبْلَها فالواوُ لِلْعَطْفِ، وأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (مِنهُمْ) أوْ مِن (فَرِيقٌ) لِتَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ، فالواوُ حِينَئِذٍ لِلْحالِ وهي إمّا مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ التَّوَلِّيَ والإعْراضَ بِمَعْنًى، وإمّا مُبَيِّنَةٌ لِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْهِما بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ التَّوَلِّيَ عَنِ الدّاعِي والإعْراضَ عَنِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ أوِ التَّوَلِّيَ بِالبَدَنِ والإعْراضَ بِالقَلْبِ، أوِ الأوَّلُ كانَ مِنَ العُلَماءِ، والثّانِي مِن أتْباعِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ لَها مَحَلٍّ مِنَ الإعْرابِ بِأنْ تَكُونَ تَذْيِيلًا أوْ مُعْتَرِضَةً، والمُرادُ وهم قَوْمٌ دَيْدَنُهُمِ الإعْراضُ، وبَعْضُهم فَسَّرَ الجُمْلَةَ بِهَذا مَعَ اِعْتِبارِ الحالِيَّةِ ولَعَلَّهُ رَأى أنَّهُ لا يُمْنَعُ عَنْها.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۖ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٢٤

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ المَذْكُورُ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ وهو مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ ﴾ أيْ حاصِلٌ لَهم بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ الَّذِي رَسَخَ اِعْتِقادُهم لَهُ وهَوَّنُوا بِهِ الخُطُوبَ ولَمْ يُبالُوا مَعَهُ بِارْتِكابِ المَعاصِي والذُّنُوبِ، والمُرادُ بِالأيّامِ المَعْدُوداتِ أيّامُ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وجاءَ هُنا ﴿ مَعْدُوداتٍ ﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ دُونَ ما في البَقَرَةِ [80] فَإنَّهُ ﴿ مَعْدُودَةً ﴾ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ تَفَنُّنًا في التَّعْبِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ جَمْعَ التَّكْسِيرِ لِغَيْرِ العاقِلِ يَجُوزُ أنْ يُعامَلَ مُعامَلَةَ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ تارَةً ومُعامَلَةَ جَمْعِ الإناثِ أُخْرى، فَيُقالُ: هَذِهِ جِبالٌ راسِيَةٌ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: راسِياتٌ، وجِمالٌ ماشِيَةٌ وإنْ شِئْتَ: ماشِياتٌ، وخُصَّ الجَمْعُ هُنا لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القِلَّةِ كَمَوْصُوفِهِ وذَلِكَ ألْيَقُ بِمَقامِ التَّعْجِيبِ والتَّشْنِيعِ.

﴿ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ﴾ أيْ أطْمَعَهم في غَيْرِ مَطْمَعٍ وخَدَعَهم ﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ  ﴾ أيِ اِفْتِراؤُهم وكَذِبُهم أوِ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ ﴾ الخ، قالَهُ مُجاهِدٌ أوْ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ قالَهُ قَتادَةُ، أوْ مِمّا يَشْمَلُ ذَلِكَ ونَحْوَهُ مِن قَوْلِهِمْ: «إنَّ آباءَنا الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَنا وإنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ يَعْقُوبَ أنْ لا يُعَذِّبَ أبْناءَهُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِ (يَفْتَرُونَ) واعْتَرَضَهُ الخَطِيبُ بِأنَّ ما بَعْدَ المَوْصُولِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ؛ وأُجِيبَ بِالتَّوَسُّعِ.

<div class="verse-tafsir"

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٢٥

﴿ فَكَيْفَ ﴾ اِسْتِعْظامٌ وتَهْوِيلٌ وهَدْمٌ لِما اِسْتَنَدُوا إلَيْهِ، وكَلِمَةُ الِاسْتِفْهامِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ أيْ كَيْفَ تَكُونُ حالُهم أوْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ أوْ كَيْفَ يَكُونُونَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ كَيْفَ حالُهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا جَمَعْناهُمْ ﴾ ظَرْفٌ مَحْضٌ مِن غَيْرِ تَضْمِينِ شَرْطٍ والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في (كَيْفَ) إنْ قُدِّرَ أنَّها مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وإنْ قُلْنا: إنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ كانَ العامِلُ في (إذا) ذَلِكَ المُقَدَّرَ، أيْ كَيْفَ حالُهم في وقْتِ جَمْعِهِمْ ﴿ لِيَوْمٍ ﴾ أيْ في يَوْمٍ أوْ لِجَزاءِ يَوْمٍ ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أيْ في وُقُوعِهِ ووُقُوعِ ما فِيهِ، رُوِيَ أنَّهُ أوَّلُ رايَةٍ تُرْفَعُ لِأهْلِ المَوْقِفِ مِن راياتِ الكُفّارِ رايَةُ اليَهُودِ فَيَفْضَحُهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِمْ إلى النّارِ.

﴿ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ﴾ أيْ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والمُرادُ جَزاءُ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ أُقِيمَ المَكْسُوبُ مَقامَ جَزائِهِ إيذانًا بِكَمالِ الِاتِّصالِ والتَّلازُمِ بَيْنَهُما حَتّى كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ ﴿ وهم لا يُظْلَمُونَ  ﴾ شَيْئًا فَلا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِهِمْ ولا يُزادُونَ في عَذابِهِمْ بَلْ يُعْطِي كُلٌّ مِنهم مِقْدارَ ما كَسَبَهُ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى كُلِّ إنْسانٍ المُشْعِرِ بِهِ كُلُّ نَفْسٍ، وكُلٌّ يَجُوزُ مُراعاةُ مَعْناهُ فَيُجْمَعُ ضَمِيرُهُ ووَجْهُ التَّذْكِيرِ ظاهِرٌ.

<div class="verse-tafsir"

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ ۖ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٦

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ ﴾ تَأْكِيدٌ لِما تُشْعِرُ بِهِ الآيَةُ السّابِقَةُ مِن مَزِيدِ عَظَمَتِهِ تَعالى وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ؛ وفِيهِ أيْضًا إفْحامٌ لِمَن كَذَّبَ النَّبِيَّ  ورَدَّ عَلَيْهِ لاسِيَّما المُنافِقِينَ الَّذِينَ هم أسْوَأُ حالًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وبِشارَةٌ لَهُ  بِالغَلَبَةِ الحِسِّيَّةِ عَلى مَن خالَفَهُ كَغَلَبَتِهِ بِالحُجَّةِ عَلى مَن جادَلَهُ، وبِهَذا تَنْتَظِمُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِما قَبْلَها.

رَوى الواحِدِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّهُ لَمّا اِفْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ  مَكَّةَ وعَدَ أُمَّتِهِ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ، قالَتِ المُنافِقُونَ واليَهُودُ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ مِن أيْنَ لِمُحَمَّدٍ مُلْكُ فارِسَ والرُّومِ هم أعَزُّ وأمْنَعُ مِن ذَلِكَ ألَمْ يَكْفِ مُحَمَّدًا مَكَّةُ والمَدِينَةُ حَتّى يَطْمَعَ في مُلْكِ فارِسَ والرُّومِ؟!

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».

ورَوى أبُو الحَسَنِ الثَّعالِبِيُّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي عَنْ أبِيهِ قالَ: «”خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ  الخَنْدَقَ عامَ الأحْزابِ ثُمَّ قَطَعَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ أرْبَعِينَ ذِراعًا قالَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ: كُنْتُ أنا وسَلْمانُ الفارِسِيُّ وحُذَيْفَةُ والنُّعْمانُ بْنُ مُقَرِّنٍ المُزَنِيُّ وسِتَّةٌ مِنَ الأنْصارِ في أرْبَعِينَ ذِراعًا فَحَفَرْنا، فَأخْرَجَ اللَّهُ تَعالى مِن بَطْنِ الخَنْدَقِ صَخْرَةً مُدَوَّرَةً كَسَرَتْ حَدِيدَنا وشَقَّتْ عَلَيْنا، فَقُلْنا: يا سَلْمانُ اِرْقِ إلى رَسُولِ اللَّهِ  وأخْبِرْهُ خَبَرَ هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَإمّا أنْ نَعْدِلَ عَنْها أوْ يَأْمُرُنا فِيها بِأمْرِهِ فَإنّا لا نُحِبُّ أنْ نُجاوِزَ خَطَّهُ، قالَ: فَرَقِيَ سَلْمانُ إلى رَسُولِ اللَّهِ  وهو ضارِبٌ عَلَيْهِ قُبَّةً تُرْكِيَّةً، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَتْ صَخْرَةٌ بَيْضاءُ مُدَوَّرَةٌ مِن بَطْنِ الخَنْدَقِ وكَسَرَتْ حَدِيدَنا وشَقَّتْ عَلَيْنا حَتّى ما يَحْتَكُّ فِيها قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ فَمُرْنا فِيها بِأمْرٍ فَإنّا لا نُحِبُّ أنْ نُجاوِزَ خَطَّكَ، فَهَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ  مَعَ سَلْمانَ الخَنْدَقَ والتِّسْعَةُ عَلى شَفِيرِ الخَنْدَقِ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ  المِعْوَلَ مِن سَلْمانَ فَضَرَبَها ضَرْبَةً صَدَعَها وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ ما بَيْنَ لابَّتَيْها حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ وكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ  تَكْبِيرَ فَتْحٍ فَكَبَّرَ المُسْلِمُونَ ثُمَّ ضَرَبَها  الثّانِيَةَ فَبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ ما بَيْنَ لابَّتَيْها حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ وكَبَّرَ  تَكْبِيرَ فَتْحٍ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ ثُمَّ ضَرَبَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الثّالِثَةَ فَكَسَرَها وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ كَذَلِكَ فَكَبَّرَ  تَكْبِيرَ فَتْحٍ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ وأخَذَ بِيَدِ سَلْمانَ ورَقِيَ، فَقالَ: سَلْمانُ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأيْتُ شَيْئًا ما رَأيْتُ مِثْلَهُ قَطُّ فالتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى القَوْمِ، فَقالَ: رَأيْتُمْ ما يَقُولُ سَلْمانُ؟

قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الأُولى فَبَرَقَ لِي الَّذِي رَأيْتُمْ أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورَ الحَيْرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها ثُمَّ ضَرَبْتُ الثّانِيَةَ فَبَرَقَ لِي الَّذِي رَأيْتُمْ أضاءَتْ لِي مِنها القُصُورَ الحُمْرَ مِن أرْضِ الرُّومِ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الثّالِثَةَ فَبَرَقَ لِي الَّذِي رَأيْتُمْ أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورَ صَنْعاءَ كَأنَّها أنْيابُ الكَلامِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها فَأبْشِرُوا فاسْتَبْشَرَ المُسْلِمُونَ، وقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ مَوْعِدَ صِدْقٍ وعَدَنا النَّصْرَ بَعْدَ الحَفْرِ، فَقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَعْجَبُونَ ويَعِدُكُمُ الباطِلَ ويُخْبِرُكم أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحَيْرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى وأنَّها تُفْتَحُ لَكم وأنْتُمْ إنَّما تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ مِنَ الفَرَقِ لا تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَبْرُزُوا لِلْقِتالِ“، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى القُرْآنَ: ﴿ وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا ﴾ وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ ﴾ الخ».

وأصْلُ (اَللَّهُمَّ) يا اللَّهُ فَحُذِفَتْ (يا) وعُوِّضَ عَنْها المِيمُ وأُوثِرَتْ لِقُرْبِها مِنَ الواوِ الَّتِي هي حَرْفُ عِلَّةٍ، وشُدِّدَتْ لِكَوْنِها عِوَضًا عَنْ حَرْفَيْنِ، وجَمْعُها مَعَ يا كَما في قَوْلِهِ: إنِّي إذا ما حَدَثٌ ألَمّا أقُولُ يا اللَّهُمَّ يا اللَّهُمّا شاذٌّ، وهَذا مِن خَصائِصِ الِاسْمِ الجَلِيلِ كَعَدَمِ حَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ مِنهُ مِن غَيْرِ مِيمٍ، ودُخُولِهِ عَلَيْهِ مَعَ حَرْفِ التَّعْرِيفِ وقَطْعِ هَمْزَتِهِ، ودُخُولِ تاءِ القَسَمِ عَلَيْهِ، واللّامِ في القَسَمِ التَّعَجُّبِيِّ نَحْوَ لَلَّهُ لا يُؤَخِّرُ الأجَلَ، ودُخُولِ اَيْمُنُ ويَمِينٍ عَلَيْهِ في القَسَمِ أيْضًا، ومِيمٍ في م اللَّهِ، ووُقُوعِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ خَلَفًا عَنْ حَرْفِ القَسَمِ نَحْوَ أللَّهِ، وحَرْفِ التَّنْبِيهِ في نَحْوِ لاها اللَّهِ ذا وغَيْرِ ذَلِكَ، فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ كُلُّ شَأْنِهِ غَرِيبٌ، وزَعَمَ الكُوفِيُّونَ أنَّ أصْلَهُ يا اللَّهَ آمَنّا بِخَيْرٍ أيْ أقَصَدْنا بِهِ فَخُفِّفَ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ ومُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ وهَمْزَتِهِ، ويَجُوزُ الجَمْعُ عِنْدَهم بَيْنَ يا والمِيمِ بِلا بَأْسٍ ولا يَخْفى ما فِيهِ، ويَقْتَضِي أنْ لا يَلِيَ هَذِهِ الكَلِمَةَ أمْرٌ دُعائِيٌّ آخَرُ إلّا بِتَكَلُّفِ الإبْدالِ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ أوِ العَطْفِ عَلَيْهِ بِإسْقاطِ حَرْفِ العَطْفِ وألْ في المُلْكِ لِلْجِنْسِ أوِ الِاسْتِغْراقِ.

و(اَلْمُلْكِ) بِالضَّمِّ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ أئِمَّةِ التَّحْقِيقِ نِسْبَةً بَيْنَ مَن قامَ بِهِ ومَن تَعَلَّقَ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالغَيْرِ تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ التّامِّ المُقْتَضِي اِسْتِغْناءَ المُتَصَرِّفِ وافْتِقارَ المُتَصَرِّفِ فِيهِ ولِهَذا لَمْ يَصِحَّ عَلى الإطْلاقِ إلّا لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وهو أخَصُّ مِنَ المِلْكِ بِالكَسْرِ لِأنَّهُ تَعَلُّقٌ بِاسْتِيلاءٍ مَعَ ضَبْطٍ وتَمَكُّنٍ مِنَ التَّصَرُّفِ في المَوْضُوعِ اللُّغَوِيِّ وبِزِيادَةِ كَوْنِهِ حَقًّا في الشَّرْعِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى اِسْتِغْناءٍ وافْتِقارٍ، فَمالِكُ المُلْكِ هو المَلِكُ الحَقِيقِيُّ المُتَصَرِّفُ بِما شاءَ كَيْفَ شاءَ إيجادًا وإعْدامًا إحْياءً وإماتَةً وتَعْذِيبًا وإثابَةً مِن غَيْرِ مُشارِكٍ ولا مُمانِعٍ، ولِهَذا لا يُقالُ: مَلِكُ المُلْكِ إلّا عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ، وحَمْلُ (اَلْمُلْكِ) عَلى هَذا المَعْنى أوْفَقُ بِمَقامِ المَدْحِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ النُّبُوَّةُ وإلَيْهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: المالُ والعَبِيدُ، وقِيلَ: الدُّنْيا والآخِرَةُ.

وانْتِصابُ ﴿ مالِكَ ﴾ عَلى الوَصْفِيَّةِ عِنْدَ المُبَرِّدِ والزَّجّاجِ وسِيبَوَيْهِ يُوجِبُ كَوْنَهُ نِداءً ثانِيًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِ (اَللَّهُمَّ) لِأنَّهُ لِاتِّصالِ المِيمِ بِهِ أشْبَهَ أسْماءَ الأصْواتِ وهي لا تُوصَفُ، ونُقِضَ دَلِيلُ سِيبَوَيْهِ بِسِيبَوَيْهِ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ فِيهِ اِسْمُ صَوْتٍ يُوصَفُ، وأُجِيبَ بِأنَّ اِسْمَ الصَّوْتِ تَرَكَّبَ مَعَهُ وصارَ كَبَعْضِ حُرُوفِ الكَلِمَةِ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ، ومِن هُنا قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ عِنْدِي أصَحُّ لِأنَّهُ لَيْسَ في الأسْماءِ المَوْصُوفَةِ شَيْءٌ عَلى حَدِّ اللَّهُمَّ ولِذَلِكَ خالَفَ سائِرَ الأسْماءِ ودَخَلَ في حَيِّزِ ما لا يُوصَفُ نَحْوَ حَيْهَلَ فَإنَّهُما صارا بِمَنزِلَةِ صَوْتٍ مَضْمُومٍ إلى اِسْمٍ فَلَمْ يُوصَفْ، والعَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ عَلى هَذا، وأُيِّدَ أيْضًا بِأنَّ وُقُوعَ خُلْفِ حَرْفِ النِّداءِ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ كَوُقُوعِ حَرْفِ النِّداءِ بَيْنَهُما فَلَوْ جازَ الوَصْفُ لَكانَ مَكانُ الخُلْفِ بَعْدَهُ.

﴿ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبَعْضِ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ مالِكِيَّةُ المُلْكِ، وجُوِّزَ جَعْلُها حالًا مِنَ المُنادى وفي اِنْتِصابِ الحالِ عَنْهُ خِلافٌ، وصُحِّحَ الجَوازُ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، والحالُ تَأْتِي مِنهُ كَما تَأْتِي مِنَ الفاعِلِ، وجَعْلُ الجُمْلَةِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ أنْتَ تُؤْتِي، وإنِ اِخْتارَهُ أبُو البَقاءِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ نَفْعٍ ﴿ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ تُؤْتِي ﴾ وحُكْمُهُ حُكْمُهُ، ومَفْعُولُ ﴿ تَشاءُ ﴾ في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ أيْ مَن تَشاءُ إيتاءَهُ إيّاهُ ومِمَّنْ تَشاءُ نَزْعَهُ مِنهُ، و(اَلْمُلْكَ) الثّالِثُ هو الثّانِي واللّامُ فِيهِما لِلْجِنْسِ أوِ العَهْدِ ولَيْسا هُما عَيْنُ الأوَّلِ، لِأنَّ الأوَّلَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ حَقِيقِيٌّ عامَّ ومَمْلُوكِيَّتُهُ حَقِيقِيَّةٌ والآخَرانِ مَجازِيّانِ خاصّانِ ونِسْبَتُهُما إلى صاحِبِهِما مَجازِيَّةٌ، واعْتَبَرَ بَعْضُهم في التَّفْرِقَةِ كَوْنَ المُرادِ مِنَ الأوَّلِ الجَمِيعَ ومِنَ الآخِرَيْنَ البَعْضَ، ضَرُورَةَ أنَّ المُؤْتى لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الجَمِيعَ والمَنزُوعُ هو ذاكَ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ مُعادَةٌ، ويُرادُ بِها -إنْ لَمْ يَمْنَعْ مانِعٌ- عَيْنُ الأوَّلِ ولِأنَّهُ إذا لَمْ يُمْكِنُ إيتاءُ الكُلِّ لَمْ يُمْكِنْ نَزْعُ الكُلِّ لِأنَّ الثّانِي مَسْبُوقٌ بِالأوَّلِ.

ومِنَ النّاسِ مِن حَمَلَ (اَلْمُلْكَ) هُنا عَلى النُّبُوَّةِ ومَعْنى نَزْعِها هُنا نَقْلُها مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ أيْ تُؤْتِي النُّبُوَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ وتَنْقُلُها مِنهم إلى العَرَبِ، وقِيلَ: المَعْنى تُعْطِي أسْبابَ الدُّنْيا مُحَمَّدًا  وأُمَّتَهُ وتَسْلُبُها مِنَ الرُّومِ وفارِسَ، فَلا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تُفْتَحَ بِلادُهم ويَمْلِكُ ما في أيْدِيهِمُ المُسْلِمُونَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، وقِيلَ: تَنْزِعُهُ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ.

﴿ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ ﴾ أنْ تُعِزَّهُ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما بِالنَّصْرِ والتَّوْفِيقِ ﴿ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ ﴾ أنْ تُذِلَّهُ في إحْداهُما أوْ فِيهِما مِن غَيْرِ مُمانِعَةِ الغَيْرِ، وقِيلَ: المُرادُ تُعِزُّ مُحَمَّدًا  وأصْحابَهُ بِأنْ تُدْخِلَهم مَكَّةَ ظاهِرِينَ وتُذِلُّ أبا جَهْلٍ وأضْغاثَ الشِّرْكِ بِالقَتْلِ والإلْقاءِ في القَلِيبِ، وقالَ عَطاءٌ: تُعِزُّ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ وتُذِلُّ فارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ: تُعِزُّ المُؤْمِنِينَ بِالظَّفْرِ والغَنِيمَةِ وتُذِلُّ اليَهُودَ بِالقَتْلِ والجِزْيَةِ، وقِيلَ: تُعِزُّ بِالإخْلاصِ وتُذِلُّ بِالرِّياءِ، وقِيلَ: تُعِزُّ الأحْبابَ بِالجَنَّةِ والرُّؤْيَةِ وتُذِلُّ الأعْداءَ بِالنّارِ والحِجابِ؛ وقِيلَ: تُعِزُّ بِالقَناعَةِ والرِّضا وتُذِلُّ بِالحِرْصِ والطَّمَعِ وقِيلَ وقِيلَ، ويَنْبَغِي حَمْلُ سائِرِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ لِأنَّهُ لا مُخَصَّصَ في الآيَةِ، و”تُعِزُّ“ مُضارِعُ أعَزَّ ضِدُّ أذَلَّ، والمُجَرَّدُ مِنَ الهَمْزَةِ مِنهُ عَزَّ ومُضارِعُهُ يُعِزُّ بِكَسْرِ العَيْنِ، ومِنهُ ما في دُعاءِ قُنُوتِ الشّافِعِيَّةِ، ولَهُ اِسْتِعْمالانِ آخَرانِ الضَّمُّ والفَتْحُ، وقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ بِقَوْلِهِ: يا قارِئًا كُتُبَ الآدابِ كُنْ يَقِظًا ∗∗∗ وحَرِّرِ الفَرْقَ في الأفْعالِ تَحْرِيرا (عَزَّ) المُضاعَفُ يَأْتِي في مُضارِعِهِ ∗∗∗ تَثْلِيثُ عَيْنٍ بِفَرْقٍ جاءَ مَشْهُورا فَما كَقَلَّ وضِدُّ (اَلذُّلِّ) مَعَ عِظَمٍ ∗∗∗ كَذا كَرُمْتَ عَلَيْنا جاءَ مَكْسُورا وما كَعَزَّ عَلَيْنا الحالُ أيْ صَعُبَتْ ∗∗∗ فافْتَحْ مُضارِعَهُ إنْ كُنْتَ نِحْرِيرا وهَذِهِ الخَمْسَةُ الأفْعالُ لازِمَةٌ ∗∗∗ واضْمُمْ مُضارِعَ فَعَلَ لَيْسَ مَقْصُورا (عَزَزْتَ) زَيْدًا بِمَعْنى قَدْ غَلَبْتَ كَذا ∗∗∗ أعَنْتَهُ فَكِلا ذا جاءَ مَأْثُورا وقِيلَ: إذا كُنْتَ في ذِكْرِ القُنُوتِ ولا ∗∗∗ (يَعِزُّ) يا رَبِّ مَن عادَيْتَ مَكْسُورا واشْكُرْ لِأهْلِ عُلُومِ الشَّرْعِ إذْ شَرَحُوا ∗∗∗ لَكَ الصَّوابَ وأبْدَوْا فِيهِ تَذْكِيرا ﴿ بِيَدِكَ الخَيْرُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وأجْراها بَعْضُهم عَلى طُرُزِ ما قَبْلَها، وتَعْرِيفُ الخَيْرِ لِلتَّعْمِيمِ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلتَّخْصِيصِ أيْ: بِيَدِكَ الَّتِي لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها وبِقُدْرَتِكَ الَّتِي لا يُقَدَّرُ قَدْرُها الخَيْرُ كُلُّهُ تَتَصَرَّفُ بِهِ أنْتَ وحْدَكَ حَسَبَ مَشِيئَتِكَ لا يَتَصَرَّفُ بِهِ أحَدٌ غَيْرُكُ ولا يَمْلِكُهُ أحَدٌ سِواكَ، وإنَّما خَصَّ الخَيْرَ بِالذِّكْرِ تَعْلِيمًا لِمُراعاةِ الأدَبِ وإلّا فَذِكْرُ الإعْزازِ والإذْلالِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ كِلاهُما بِيَدِهِ سُبْحانَهُ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى المَسُوقُ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ وتَحْقِيقِهِ.

﴿ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ فَلا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ، وقِيلَ: إنَّما اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَمّا أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ ما آتى اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ  مِنَ البِشارَةِ بِالفُتُوحِ وتَرادُفِ الخَيْراتِ، وقِيلَ: لَمّا أنَّ الأشْياءَ بِاعْتِبارِ الشَّرِّ وعَدَمِهِ تَنْقَسِمُ إلى خَمْسَةِ أقْسامٍ: الأوَّلُ: ما لا شَرَّ فِيهِ أصْلًا، والثّانِي: ما يَغْلِبُ خَيْرُهُ عَلى شَرِّهِ، والثّالِثُ: ما يَكُونُ شَرًّا مَحْضًا، والرّابِعُ: ما يَكُونُ شَرُّهُ غالِبًا عَلى خَيْرِهِ، والخامِسُ: ما يَتَساوى الخَيْرُ والشَّرُّ فِيهِ.

والمَوْجُودُ مِن هَذِهِ الأقْسامِ في العالَمِ القِسْمُ الأوَّلُ والثّانِي، والشَّرُّ الَّذِي فِيهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ بَلْ إنَّما قَضاهُ اللَّهُ تَعالى لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وهو وسِيلَةٌ إلى خَيْرٍ أعْظَمَ وأعَمَّ نَفْعًا؛ والشَّرُّ اليَسِيرُ مَتى كانَ وسِيلَةً إلى الخَيْرِ الكَثِيرِ كانَ اِرْتِكابُهُ مَصْلَحَةً تَقْتَضِيها الحِكْمَةُ ولا يَأْباها الكَرَمُ المُطْلَقُ، ألا تَرى أنَّ الفَصْدَ والحِجامَةَ وشُرْبَ الدَّواءِ الكَرِيهِ وقَطْعَ السِّلْعَةِ ونَحْوِها مِنَ الأُمُورِ المُؤْلِمَةِ لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى حُصُولِ الصِّحَّةِ يَحْسُنُ اِرْتِكابُهُ في مُقْتَضى الحِكْمَةِ ويُعَدُّ خَيْرًا لا شَرًّا وصِحَّةً لا مَرَضًا، وكُلُّ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى بِما نَراهُ شَرًّا مِن هَذا القَبِيلِ، ولِهَذا ورَدَ في الحَدِيثِ: «”لا تَتَّهِمُ اللَّهَ تَعالى عَلى نَفْسِكَ“،» ووَرَدَ: «”لا تَكْرَهُوا الفِتَنَ فَإنَّ فِيها حَصادَ المُنافِقِينَ“،» وجاءَ: «”لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَخِفْتُ عَلَيْكم ما هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ العُجْبَ العُجْبَ“،» ومِن هُنا قِيلَ: يا مَن إفْسادُهُ صَلاحٌ فَما قَدَّرَ مِنَ المَفاسِدِ لِتَضَمُّنِهِ المَصالِحَ العَظِيمَةَ اِغْتَفِرْ ذَلِكَ القَدْرَ اليَسِيرَ في جَنْبِها لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلَيْها وما أدّى إلى الخَيْرِ فَهو خَيْرٌ فَكُلُّ شَرٍّ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِكَوْنِهِ لَمْ يُقْصَدْ بِالذّاتِ لِأنَّ أحْكامَ القَضاءِ والقَدَرِ كَما قالُوا جارِيَةٌ عَلى سُنَنِ ما اِتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الشَّرائِعُ كُلُّها مِنَ النَّظَرِ إلى جَلْبِ المَصالِحِ وذَبِّ المَفاسِدِ بَلْ بِالعَرْضِ لِما يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الخَيْرِ الأعْظَمِ والنَّفْعِ الأتَمِّ يَصْدُقُ عَلَيْهِ بِهَذا الِاعْتِبارِ أنَّهُ خَيْرٌ فَدَخَلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِيَدِكَ الخَيْرُ ﴾ فَلِذا اِقْتَصَرَ عَلى الخَيْرِ عَلى وجْهٍ أنَّهُ شامِلٌ لِما قَصَدَ أصْلًا ولِما وقَعَ اِسْتِلْزامًا، وهَذا مِن بابِ لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ، وقَدْ دَرَجَ حُكَماءُ الإسْلامِ عَلَيْهِ ولا يُعْبَأُ بِمَن وجَّهَ سِهامَ الطَّعْنِ إلَيْهِ، وفي «شَرْحِ الهَياكِلِ» أنَّ الشَّرَّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ وصادِرٌ بِالتَّبَعِ، لِما أنَّ بَعْضَ ما يَتَضَمَّنُ الخَيْراتِ الكَثِيرَةَ قَدْ يَسْتَلْزِمُ الشَّرَّ القَلِيلَ فَكانَ تَرْكُ الخَيْراتِ الكَثِيرَةِ لِأجْلِ ذَلِكَ الشَّرِّ القَلِيلِ شَرًّا كَثِيرًا، فَصَدَرَ عَنْكَ ذَلِكَ الخَيْرُ فَلَزِمَهُ حُصُولُ ذَلِكَ الشَّرِّ وهو مِن حَيْثُ صُدُورُهُ عَنْكَ خَيْرٌ إذْ عَدَمُ صُدُورِهِ شَرٌّ لِتَضَمُّنِهِ فَواتَ ذَلِكَ الخَيْرِ فَأنْتَ المُنَزَّهُ عَنِ الفَحْشاءِ مَعَ أنَّهُ لا يَجْرِي في مُلْكِكَ إلّا ما تَشاءُ، ولَيْسَ هَذا مِنَ القَوْلِ بِوُجُوبِ الأصْلَحِ، ولا يُنافِيهِ ﴿ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ﴾ إذْ لا يَفْعَلُ ما يُسْألُ عَنْهُ كَرَمًا وحِكْمَةً وُجُودًا ومِنَّةً «ولَوِ اِطَّلَعْتُمْ عَلى الغَيْبِ لاخْتَرْتُمُ الواقِعَ».

<div class="verse-tafsir"

تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ٢٧

﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ ﴾ الوُلُوجُ في الأصْلِ الدُّخُولُ، والإيلاجُ الإدْخالُ، واسْتُعِيرَ لِزِيادَةِ زَمانِ النَّهارِ في اللَّيْلِ وعَكْسِهِ بِحَسَبِ المَطالِعِ والمَغارِبِ في أكْثَرِ البُلْدانِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ ولا يَضُرُّ تَساوِي اللَّيْلِ والنَّهارِ دائِمًا عِنْدَ خَطِّ الِاسْتِواءِ لِأنَّهُ يَكْفِي الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ فِيهِما في الأغْلَبِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ بِإيلاجِ أحَدِهِما في الآخَرِ إيجادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَقِيبَ الآخَرِ والأوَّلُ أقْرَبُ إلى اللَّفْظِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الظّاهِرُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَيْلُ التَّكْوِيرِ ونَهارُهُ وهُما المَشْهُورانِ عِنْدَ العامَّةِ الَّذِينَ يَفْهَمُونَ ظاهِرَ القَوْلِ، ووَراءَ ذَلِكَ أيّامُ السَّلْخِ الَّتِي يَعْرِفُها العارِفُونَ وأيّامُ الإيلاجِ الشَّأْنِيَّةِ الَّتِي يَعْقِلُها العُلَماءُ الحُكَماءُ.

وبَيانُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاخْتِصارِ أنَّ اليَوْمَ عَلى ما ذَكَرَهُ القَوْمُ الإلَهِيُّونَ عِبارَةٌ عَنْ دَوْرَةٍ واحِدَةٍ مِن دَوْراتِ فَلَكِ الكَواكِبِ، وهو مِنَ النَّطْحِ إلى النَّطْحِ ومِنَ الشَّرْطَيْنِ إلى الشَّرْطَيْنِ ومِنَ البُطَيْنِ إلى البُطَيْنِ وهَكَذا إلى آخِرِ المَنازِلِ، ومِن دَرَجَةِ المَنزِلَةِ ودَقِيقَتِها إلى دَرَجَةِ المَنزِلَةِ ودَقِيقَتِها، وأخْفى مِن ذَلِكَ إلى أقْصى ما يُمْكِنُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ وما مِن يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ العامَّةِ وهي مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ أوْ مِن غُرُوبِها إلى غُرُوبِها أوْ مِنَ اِسْتِوائِها إلى اِسْتِوائِها أوْ ما بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما بَيْنَ ذَلِكَ إلّا وفِيهِ نِهايَةُ ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ يَوْمًا فاليَوْمُ طُولُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ دَرَجَةً لِأنَّهُ يَظْهَرُ فِيهِ الفَلَكُ كُلُّهُ وتَعُمُّهُ الحَرَكَةُ وهَذا هو اليَوْمُ الجُسْمانِيُّ، وفِيهِ اليَوْمُ الرُّوحانِيُّ فِيهِ تَأْخُذُ العُقُولُ مَعارِفَها والبَصائِرُ مَشاهِدَها والأرْواحُ أسْرارَها كَما تَأْخُذُ الأجْسامُ في هَذا اليَوْمِ الجُسْمانِيِّ أغْذِيَتَها وزِيادَتَها ونُمُوَّها وصِحَّتَها وسَقَمَها وحَياتَها ومَوْتَها، فالأيّامُ مِن جِهَةِ أحْكامِها الظّاهِرَةِ في العالَمِ المُنْبَعِثَةِ مِنَ القُوَّةِ الفَعّالَةِ لِلنَّفْسِ الكُلِّيَّةِ سَبْعَةٌ مِن يَوْمِ الأحَدِ إلى آخِرِهِ ولِهَذِهِ الأيّامِ أيّامٌ رُوحانِيَّةٌ لَها أحْكامٌ في الأرْواحِ والعُقُولِ تَنْبَعِثُ مِنَ القُوَّةِ العَلّامَةِ لِلْحَقِّ الَّذِي قامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ وهو الكَلِمَةُ الإلَهِيَّةُ، وعَلى هَذِهِ السَّبْعَةِ الدَّوّارَةِ يَدُورُ فَلَكُ البَحْثِ، فَنَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَعالى في المَشْهُودِ مِنَ الأيّامِ المَحْسُوسَةِ: ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارِ عَلى اللَّيْلَ ﴾ وأبانَ عَنْ حَقِيقَتَيْنِ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ بَعْدَ هَذا فَقالَ في آيَةِ: ﴿ وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ ﴾ فَهَذِهِ أنْبَأتْ أنَّ اللَّيْلَ أصْلٌ والنَّهارُ كانَ غَيْبًا فِيهِ ثُمَّ سُلِخَ، ولَيْسَ مَعْنى السَّلْخِ مَعْنى التَّكْوِيرِ فَلا بُدَّ أنْ يُعْرَفَ لَيْلُ كُلِّ نَهارٍ مِن غَيْرِهِ حَتّى يُنْسَبَ كُلُّ ثَوْبٍ إلى لابِسِهِ ويُرَدُّ كُلُّ فَرْعٍ إلى أصْلِهِ، ويَلْحَقُ كُلُّ اِبْنٍ بِأبِيهِ، وقالَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كاشِفًا عَنْ حَقِيقَةٍ أُخْرى: ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ ﴾ فَجَعَلَ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ نِكاحًا مَعْنَوِيًّا لَمّا كانَتِ الأشْياءُ تَتَوَلَّدُ مِنهُما مَعًا وأكَّدَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ ولِهَذا كانَ كُلٌّ مِنهُما مُولِجًا ومُولَجًا فِيهِ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ أصْلٌ وبَعْلٌ فَكُلَّما تَوَلَّدُ في النَّهارِ فَأُمُّهُ النَّهارُ وأبُوهُ اللَّيْلُ وكُلَّما تَوَلَّدَ في اللَّيْلِ فَأُمُّهُ اللَّيْلُ وأبُوهُ النَّهارُ، فَلَيْسَ إذًا حُكْمُ الإيلاجِ حُكْمَ السَّلْخِ، فَإنَّ السَّلْخَ إنَّما هو في وقْتِ أنْ يَرْجِعَ النَّهارُ مِن كَوْنِهِ مُولِجًا ومُولَجًا فِيهِ، واللَّيْلُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ ذَكَرَ السَّلْخَ الواحِدَ ولَمْ يَذْكُرِ السَّلْخَ الآخَرَ مِن أجْلِ الظّاهِرِ والباطِنِ والغَيْبِ والشَّهادَةِ والرُّوحِ والجِسْمِ والحَرْفِ والمَعْنى وشِبْهِ ذَلِكَ، فالإيلاجُ رُوحٌ كُلُّهُ والتَّكْوِيرُ جِسْمُ هَذا الرُّوحِ الإيلاجِيِّ، ولِهَذا كَرَّرَ اللَّيْلَ والنَّهارَ في الإيلاجِ كَما كَرَّرَهُما في التَّكْوِيرِ هَذا في عالَمِ الجِسْمِ وهَذا في عالَمِ الرُّوحِ، فَتَكْوِيرُ النَّهارِ لِإيلاجِ اللَّيْلِ وتَكْوِيرُ اللَّيْلِ لِإيلاجِ النَّهارِ، وجاءَ السَّلْخُ واحِدًا لِلظّاهِرِ لِأرْبابِهِ.

وقَدِ اِخْتَلَفَ العَجَمُ والعَرَبُ في أصالَةِ، أيُّ المُكَوَّرَيْنِ عَلى الآخَرِ، فالعَجَمُ يُقَدِّمُونَ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وزَمانُهم شَمْسِيٌّ فَلَيْلَةُ السَّبْتِ عِنْدَهم مَثَلًا اللَّيْلَةُ الَّتِي تَكُونُ صَبِيحَتُها يَوْمَ الأحَدِ وهَكَذا، والعَرَبُ يُقَدِّمُونَ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ وزَمانُهم قَمَرِيٌّ ﴿ أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ ﴾ فَلَيْلَةُ الجُمْعَةِ عِنْدَهم مَثَلًا هي اللَّيْلَةُ الَّتِي يَكُونُ صَبِيحَتُها يَوْمَ الجُمْعَةِ وهم أقْرَبُ مِنَ العَجَمِ إلى العِلْمِ فَإنَّهُ يُعَضِّدُهُمُ السَّلْخُ في هَذا النَّظَرِ غَيْرَ أنَّهم لَمْ يَعْرِفُوا الحُكْمَ فَنَسَبُوا اللَّيْلَةَ إلى غَيْرِ يَوْمِها كَما فَعَلَ أصْحابُ الشَّمْسِ وذَلِكَ لِأنَّ عَوامَّهم لا يَعْرِفُونَ إلّا أيّامَ التَّكْوِيرِ، والعارِفُونَ مِن أهْلِ هَذِهِ الدَّوْلَةِ ووَرَثَةِ الأنْبِياءِ يَعْلَمُونَ ما وراءَ ذَلِكَ مِن أيّامِ السَّلْخِ وأيّامِ الإيلاجِ الشَّأْنِيِّ.

ولَمّا كانَتِ الأيّامُ شَيْئًا وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهم ظاهِرٌ وباطِنٌ وغَيْبٌ وشَهادَةٌ ورُوحٌ وجِسْمٌ ومُلْكٌ ومَلَكُوتٌ ولَطِيفٌ وكَثِيفٌ، قالُوا: إنَّ اليَوْمَ نَهارٌ ولَيْلٌ في مُقابَلَةِ باطِنٍ وظاهِرٍ، والأيّامُ سَبْعَةٌ، ولِكُلِّ يَوْمٍ نَهارٌ ولَيْلٌ مِن جِنْسِهِ، والنَّهارُ ظِلُّ ذَلِكَ اللَّيْلِ وعَلى صُورَتِهِ لِأنَّهُ أصْلُهُ المُدْرَجُ هو فِيهِ المُنْسَلِخُ هو مِنهُ بِالنَّفْخَةِ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ أطْلَقَ سُبْحانَهُ في آيَةِ السَّلْخِ ولَمْ يُبَيِّنْ أيَّ نَهارٍ سُلِخَ مِن أيَّةِ لَيْلَةٍ ولَمْ يَقُلْ لَيْلَةَ كَذا سَلَخَ مِنها نَهارَ كَذا لِيَعْقِلُها مَن ألْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى رُشْدَهُ فَيَنالُ فَصْلَ الخِطابِ، فَعَلى المَفْهُومِ مِنَ اللِّسانِ العَرَبِيِّ بِالحِسابِ القَمَرِيِّ، أيْ لَيْلَةُ الأحَدِ سَلَخَ اللَّهُ تَعالى مِنها نَهارَ الأرْبِعاءِ وسَلَخَ مِن لَيْلَةِ الإثْنَيْنِ نَهارَ الخَمِيسِ، ومِن لَيْلَةِ الثُّلاثاءِ نَهارَ الجُمْعَةِ، ومِن لَيْلَةِ الأرْبِعاءِ نَهارَ السَّبْتِ، ومِن لَيْلَةِ الخَمِيسِ نَهارَ الأحَدِ، ومِن لَيْلَةِ الجُمْعَةِ نَهارَ الإثْنَيْنِ، ومِن لَيْلَةِ السَّبْتِ نَهارَ الثُّلاثاءِ، فَجَعَلَ سُبْحانَهُ بَيْنَ كُلِّ لَيْلَةٍ ونَهارِها المَسْلُوخِ مِنها ثَلاثَ لَيالٍ وثَلاثَةَ نَهاراتٍ فَكانَتْ سِتَّةً وهي نَشْأتُكَ ذاتُ الجِهاتِ، فاللَّيالِي مِنها لِلتَّحْتِ والشَّمالِ والخَلْفِ، والنَّهاراتُ مِنها لِلْفَوْقِ واليَمِينِ والأمامِ، فَلا يَكُونُ الإنْسانُ نَهارًا ونُورًا تُشْرِقُ شَمْسُهُ وتُشْرِقُ بِهِ أرْضُهُ حَتّى يَنْسَلِخَ مِن لَيْلِ شَهْوَتِهِ ولا يُقْبَلُ عَلى مَن لا يَقْبَلُ الجِهاتِ حَتّى يَبْعُدَ عَنْ جِهاتِ هَيْكَلِهِ، وإنَّما نَسَبُوا هَذِهِ النِّسْبَةَ مِن جِهَةِ الِاشْتِراكِ في الشَّأْنِ الظّاهِرِ لِسَتْرِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ عَلى يَدِ المُوكَلِينَ بِالسّاعاتِ، وفي اليَوْمِ الإيلاجِيِّ الشَّأْنِيِّ يَعْتَبِرُونَ لَيْلًا ونَهارًا أيْضًا وهو عِنْدَهم أرْبَعٌ وعِشْرُونَ ساعَةً قَدِ اِتَّحَدَ فِيها الشَّأْنُ فَلَمْ يَنْبَعِثْ فِيها إلّا مَعْنًى واحِدٌ ويَتَنَوَّعْ في المَوْجُوداتِ بِحَسَبِ اِسْتِعْداداتِها، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ ولَمْ يَقُلْ في شُؤُونٍ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ الظّاهِرِ بِاخْتِلافِ القَوابِلِ وتَكَثُّرِ الأشْخاصِ، فَإذا ساعاتُ ذَلِكَ اليَوْمِ تَحْتَ حُكْمٍ واحِدٍ ونَظَرٍ والٍ واحِدٍ قَدْ ولّاهُ مَن لا يَكُونُ في مُلْكِهِ إلّا ما يَشاءُ، وتَوَلّاهُ وخَصَّهُ بِتِلْكَ الحَرَكَةِ وجَعَلَهُ أمِيرًا في ذَلِكَ، والمُتَصَرِّفُ الحَقِيقِيُّ هو اللَّهُ تَعالى لا هو مِن حَيْثُ هُوَ، فاليَوْمُ الشَّأْنِيُّ ما كانَتْ ساعاتُهُ كُلُّها سَواءً، ومَتى اِخْتَلَفَتْ فَلَيْسَ بِيَوْمٍ واحِدٍ ولا يُوجَدُ هَذا في أيّامِ التَّكْوِيرِ وكَذا في أيّامِ السَّلْخِ إلّا قَلِيلًا فَطَلَبْنا ذَلِكَ في الأيّامِ الإيلاجِيَّةِ فَوَجَدْناهُ مُسْتَوْفًى فِيهِ، وقَدْ أرْسَلَ سُبْحانَهُ آيَةَ الإيلاجِ ولَمْ يَقُلْ: يُولِجُ اللَّيْلَ الَّذِي صَبِيحَتُهُ الأحَدُ في الأحَدِ ولا النَّهارَ الَّذِي مَساؤُهُ لَيْلَةُ الإثْنَيْنِ في الإثْنَيْنِ فَإذًا لا يُلْتَزَمُ أنَّ لَيْلَةَ الأحَدِ هي لَيْلَةُ الكُوَرِ ولا لَيْلَةُ السَّلْخِ، وإنَّما يُطْلَبُ وحْدانِيَّةُ اليَوْمِ مِن أجْلِ أحَدِيَّةِ الشَّأْنِ، فَلا يُنْظَرُ إلّا إلى اِتِّحادِ السّاعاتِ، والحاكِمُ المَوْلى مِن قِبَلِ المَوْلى فَلَيْلَةُ الأحَدِ الإيلاجِيِّ مُرَكَّبَةٌ مِنَ السّاعَةِ الأُولى مِن لَيْلَةِ الخَمِيسِ، والثّانِيَةِ مِنها، والثّالِثَةِ مِن يَوْمِ الخَمِيسِ، والعاشِرَةِ مِنها، والخامِسَةِ مِن لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، والثّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنها، والسّابِعَةِ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ، والثّامِنَةِ مِن لَيْلَةِ السَّبْتِ، والتّاسِعَةِ مِنها، والرّابِعَةِ مِن يَوْمِ السَّبْتِ، واَلْحادِيَةَ عَشْرَةَ مِنهُ، والسّادِسَةِ مِن لَيْلَةِ الأحَدِ، فَهَذِهِ ساعاتُ لَيْلِهِ.

وأمّا ساعاتُ نَهارِهِ مِن أيّامِ التَّكْوِيرِ فالأُولى مِن يَوْمِ الأحَدِ، والثّامِنَةُ والثّالِثَةُ مِن يَوْمِ الإثْنَيْنِ، والعاشِرَةُ مِنهُ، والخامِسَةُ مِن يَوْمِ الإثْنَيْنِ، والثّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنهُ، والسّابِعَةُ مِن لَيْلَةِ الثُّلاثاءِ، والثّانِيَةُ مِن يَوْمِ الثُّلاثاءِ، والتّاسِعَةُ مِنهُ، والرّابِعَةُ مِن لَيْلَةِ الأرْبِعاءِ، واَلْحادِيَةَ عَشْرَةَ مِنها، والسّادِسَةُ مِن يَوْمِ الأرْبِعاءَ، فَهَذِهِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ساعَةً ظاهِرَةً كالشَّمْسِ لِيَوْمِ الأحَدِ الإيلاجِيِّ الشَّأْنِيِّ كُلُّها كَنَفْسً واحِدَةٍ لِأنَّها مِن مَعْدِنٍ واحِدٍ، وهَكَذا تَقُولُ في سائِرِ الأيّامِ حَتّى تَكْمُلَ سَبْعَةَ أيّامٍ مُتَمَيِّزَةٍ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، مُولَجَةٌ بَعْضُها في بَعْضٍ، نَهارُها في لَيْلِها، ولَيْلُها في نَهارِها لِحِكْمَةِ التَّوالُدِ والتَّناسُلِ، وذَلِكَ كَسَرَيانِ الحُكْمِ الواحِدِ في الأيّامِ، ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن أيّامِ التَّكْوِيرِ.

وقَدْ ذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ الشَّأْنَ في كُلِّ يَوْمٍ في رِسالَتِهِ المُسَمّاةِ «بِالشَّأْنِ الإلَهِيِّ»، ولَعَلِّي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أذْكُرُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ وهَذِهِ الأيّامُ أيْضًا غَيْرُ يَوْمِ المَثَلِ، وهو عُمْرُ الدُّنْيا، ويَوْمُ الرَّبِّ، ويَوْمُ المَعارِجِ، ويَوْمُ القَمَرِ، ويَوْمُ الشَّمْسِ، ويَوْمُ زُحَلَ، ويَوْمُ الحَمَلِ، ولِكُلِّ كَوْكَبٍ مِنَ السَّيّاراتِ والبُرُوجِ يَوْمٌ، وقَدْ ذُكِرَ كُلُّ ذَلِكَ في «اَلْفُتُوحاتِ»، وإنَّما تَعَرَّضْنا لِهَذا المِقْدارِ وإنَّ كانَ الِاسْتِقْصاءُ في بَيانِ مَشْرَبِ القَوْمِ لَيْسَ بِدَعًا في هَذا الكِتابِ تَعْلِيمًا لِبَعْضِ طَلَبَةِ العِلْمِ ما اللَّيْلُ والنَّهارُ إذْ قَدْ ظَنُّوا لِجَهْلِهِمْ بِسَبَبِ بَحْثٍ جَرى بِنا الظُّنُونَ، وفي هَذا كِفايَةٌ لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ فَحَمْدًا لَكَ اللَّهُمَّ عَلى ما عَلَّمْتَ ولَكَ الشُّكْرُ عَلى ما أنْعَمْتَ.

﴿ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ أيْ تَكُونُ الحَيَواناتُ مِن مَوادِّها أوْ مِنَ النُّطْفَةِ، وعَلَيْهِ اِبْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وخَلْقٌ كَثِيرٌ ﴿ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ﴾ أيِ النُّطْفَةِ مِنَ الحَيَواناتِ، كَما قالَ عامَّةُ السَّلَفِ.

وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «”لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ فَقَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ، فَقالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ الجَنَّةِ ولا أُبالِي، وقَبَضَ بِالأُخْرى قَبْضَةً فَجاءَ فِيها كُلُّ رَدِيءٍ، فَقالَ هَؤُلاءِ أهْلُ النّارِ ولا أُبالِي، فَخَلَطَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ فَيُخْرِجُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ والمُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ“ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ الآيَةَ،» وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ ورُوِيَ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ، فالحَيُّ والمَيِّتُ مَجازِيّانِ، وعَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ الأُولى لا يَخْفى، والقائِلُونَ بِعُمُومِ المَجازِ قالُوا: المُرادُ تُخْرِجُ الحَيَواناتِ مِنَ النُّطَفِ، والنُّطَفَ مِنَ الحَيَواناتِ، والنَّخْلَةَ مِنَ النَّواةِ، والنَّواةَ مِنَ النَّخْلَةِ، والطَّيِّبَ مِنَ الخَبِيثِ، والخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، والعالِمَ مِنَ الجاهِلِ، والجاهِلَ مِنَ العالِمِ، والذَّكِيَّ مِنَ البَلِيدِ، والبَلِيدَ مِنَ الذَّكِيِّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

ولا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ أنْ يَكُونَ إخْراجُ كُلِّ حَيٍّ مِن مَيِّتٍ وكُلِّ مَيِّتٍ مِن حَيٍّ لِيَلْزَمَ التَّسَلْسُلُ في جانِبِ المُبْدِئِ إذْ غايَةُ ما تُفْهِمُهُ الآيَةُ أنَّ لِلَّهِ تَعالى هَذِهِ الصِّفَةَ، وأمّا أنَّهُ لا يَخْلُقُ شَيْئًا إلّا مِن شَيْءٍ فَلا، كَما لا يَخْفى، وقُرِئَ المَيْتِ بِالتَّخْفِيفِ في المَوْضِعَيْنِ.

﴿ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ  ﴾ الظَّرْفُ في مَحَلِّ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ تَرْزُقُ مَن تَشاءُ غَيْرَ مُحاسِبٍ لَهُ، أوْ مِنَ الفاعِلِ، أيْ تَرْزُقُهُ غَيْرَ مُحاسِبٍ لَهُ، أوْ غَيْرَ مُضَيِّقٍ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ أيْ رِزْقًا غَيْرَ قَلِيلٍ، وفي ذِكْرِ هَذِهِ الأفْعالِ العَظِيمَةِ الَّتِي تُحَيِّرُ العُقُولَ ونِسْبَتِها إلَيْهِ تَعالى دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لا يُعْجِزُهُ أنْ يَنْزِعَ المُلْكَ مِنَ العَجَمِ ويُذِلَّهم ويُؤْتِيَهُ العَرَبَ ويُعِزَّهُمْ، بَلْ هو أهْوَنُ عَلَيْهِ مِن كُلِّ هَيِّنٍ.

هَذا، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يُشِيرُ إلى فَضْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «”شَكَوْتُ إلى النَّبِيِّ  دَيْنًا كانَ عَلَيَّ فَقالَ: يا مُعاذُ أتُحِبُّ أنْ يُقْضى دَيْنُكَ؟

قُلْتُ: نَعَمْ قالَ: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكِ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكِ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ رَحْمَنُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمُهُما تُعْطِي مِنهُما مَن تَشاءُ وتَمْنَعُ مِنهُما مَن تَشاءُ اِقْضِ عَنِّي دَيْنِي فَلَوْ كانَ عَلَيْكَ مَلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أدّى عَنْكَ“،» وفي رِوايَةٍ لِلطَّبَرانِيِّ، الآيَةَ بِتَمامِها.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ أيْ أبانَ بِدَلائِلِ الآفاقِ والأنْفُسِ أنَّهُ لا إلَهَ في الوُجُودِ سِواهُ، أوْ شَهِدَ بِذاتِهِ في مَقامِ الجَمْعِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، حَيْثُ لا شاهِدَ ولا مَشْهُودَ غَيْرُهُ، وشَهِدَ المَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ بِذَلِكَ وهي شَهادَةُ مَظاهِرِهِ سُبْحانَهُ في مَقامِ التَّفْصِيلِ، ومِنَ القَوْمِ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الشَّهادَتَيْنِ بِأنَّ شَهادَةَ المَلائِكَةِ مِن حَيْثُ اليَقِينُ وشَهادَةُ أُولِي العِلْمِ مِن حَيْثُ المُشاهَدَةَ، وأيْضًا قالُوا: شَهادَةُ المَلائِكَةِ مِن رُؤْيَةِ الأفْعالِ وشَهادَةُ أُولِي العِلْمِ مِن رُؤْيَةِ الصِّفاتِ، وقِيلَ: شَهادَةُ المَلائِكَةِ مِن رُؤْيَةِ العَظَمَةِ، ولِذا يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الخَوْفُ، وشَهادَةُ العُلَماءِ مِن رُؤْيَةِ الجَمالِ، ولِذا يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الرَّجاءُ، وشَهادَةُ العُلَماءِ مُتَفاوِتَةٌ فَشَهادَةُ بَعْضٍ مِنَ الحالاتِ، وشَهادَةُ آخَرِينَ مِنَ المَقاماتِ، وشَهادَةُ طائِفَةٍ مِنَ المُكاشَفاتِ، وشَهادَةُ فِرْقَةٍ مِنَ المُشاهَداتِ؛ وخَواصُّ أهْلِ العِلْمِ يَشْهَدُونَ بِهِ لَهُ بِنَعْتِ إدْراكِ القِدَمِ وبُرُوزِ نُورِ التَّوْحِيدِ مِن جَمالِ الوَحْدانِيَّةِ، فَشَهادَتُهم مُسْتَغْرِقَةٌ في شَهادَةِ الحَقِّ لِأنَّهم في مَحَلِّ المَحْوِ ﴿ قائِمًا بِالقِسْطِ ﴾ أيْ مُقِيمًا لِلْعَدْلِ بِإعْطاءِ كُلٍّ مِنَ الظُّهُورِ ما هو لَهُ بِحَسَبِ الِاسْتِعْدادِ فَيَتَجَلّى عَلَيْهِ عَلى قَدْرِ دُعائِهِ ﴿ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ ﴾ فَلا يَصِلُ أحَدٌ إلى مَعْرِفَةِ كُنْهِهِ وكُنْهِ مَعْرِفَتِهِ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ الَّذِي يُدَبِّرُ كُلَّ شَيْءٍ فَيُعْطِيهِ مِن مَراتِبِ التَّوْحِيدِ ما يُطِيقُ.

﴿ إنَّ الدِّينَ ﴾ المَرْضِيَّ ﴿ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ ﴾ وهو المَقامُ الإبْراهِيمِيُّ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ أسْلَمْتُ وجْهِيَ ﴾ أيْ نَفْسِي وجُمْلَتِي وانْخَلَعْتُ عَنْ آنِيَتِي لِلَّهِ تَعالى فَفَنِيتُ فِيهِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ عَنِ الدِّينِ والسّاتِرُونَ لِلْحَقِّ بِالمَيْلِ مَعَ الشَّهَواتِ ﴿ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ ﴾ الدّاعِينَ إلى التَّوْحِيدِ وهُمُ العِبادُ والواصِلُونَ الكامِلُونَ ﴿ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ ﴾ وهو نَفْيُ الأغْيارِ وقَصْرُ الوُجُودِ الحَقِّ عَلى اللَّهِ تَعالى ﴿ مِنَ النّاسِ ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشارَ بِاَلَّذِينِ كَفَرُوا إلى قُوى النَّفْسِ الأمّارَةِ وبِالنَّبِيِّينَ إلى أنْبِياءِ القُلُوبِ المُشْرِفَةِ بِوَحْيِ إلْهامِ الغُيُوبِ، وبِالآمِرِينَ بِالقِسْطِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي هي مِن جُنُودِ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمْ، فَبَشِّرْ أُولَئِكَ الكافِرِينَ ﴿ بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ وهو عَذابِ الحِجابِ والبُعْدِ عَنْ حَضْرَةِ رَبِّ الأرْبابِ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ ﴾ أيْ بَطَلَتْ وانْحَطَّتْ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ ﴿ أعْمالُهُمْ ﴾ لِعَدَمِ شَرْطِها وهو التَّوْحِيدُ ﴿ فِي الدُّنْيا ﴾ وهي عالَمُ الشَّهادَةِ ﴿ والآخِرَةِ ﴾ وهي عالَمُ الغَيْبِ ﴿ وما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ لِسُوءِ حَظِّهِمْ وقِلَّةِ اِسْتِعْدادِهِمْ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ ﴾ كَعُلَماءِ السُّوءِ وأحْبارِ الضَّلالِ ﴿ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ ﴾ النّاطِقِ بِمَقامِ الجَمْعِ والفَرْقِ ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ وبَيْنَ المُوَحِّدِينَ.

﴿ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ ﴾ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ لِفَرْطِ حِجابِهِمْ واغْتِرارِهِمْ بِما أُوتُوا ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ ﴾ نارُ البُعْدِ ﴿ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ ﴾ أيْ قَلِيلَةً يَسِيرَةً ﴿ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ﴾ الَّذِي هم عَلَيْهِ ﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ مِنَ القَضايا والأقْيِسَةِ الَّتِي جاءَتْ بِها عُقُولُهُمُ المَشُوبَةُ بِظُلُماتِ الوَهْمِ والخَيالِ.

﴿ فَكَيْفَ ﴾ يَكُونُ حالُهم ﴿ إذا جَمَعْناهُمْ ﴾ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ في صَحْراءِ الشُّكُوكِ وتَمْزِيقِ سِباعِ الأوْهامِ لَهم ﴿ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ الكُبْرى الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ الحَقُّ لِمُنْكِرِهِ، ﴿ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ صالِحَةٍ وطالِحَةٍ ﴿ ما كَسَبَتْ ﴾ بِواسِطَةِ اِسْتِعْدادِها ﴿ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ جَزاءَ ذَلِكَ.

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ ﴾ أيِ المُلْكِ المُتَصَرِّفِ في مَظاهِرِكِ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ ولا مُدافِعٍ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ ﴾ وهو مَنِ اِخْتَرْتَهُ لِلرِّياسَةِ الباطِنَةِ وجَعَلْتَهُ مُتَصَرِّفًا بِإرادَتِكَ وقُدْرَتِكَ ﴿ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ﴾ بِأنْ تَنْقُلَهُ إلى غَيْرِهِ بِاسْتِيفاءِ مُدَّةِ إقامَتِهِ في عالَمِ الأجْسامِ وتَكْمِيلِ النَّشْأةِ، أوْ تَحْرِمَ مَن تَشاءُ عَنْ إيتاءِ ذَلِكَ المُلْكِ لِظُلْمِهِ المانِعِ لَهُ مِن أنْ يَنالَ عَهْدَكَ أوْ يُمْنَحَ رِفْدَكَ ﴿ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ ﴾ بِإلْقاءِ نُورٍ مِن أنْوارِ عِزَّتِكَ عَلَيْهِ، فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴿ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ ﴾ بِسَلْبِ لِباسِ عِزَّتِكَ عَنْهُ فَيَبْقى ذَلِيلًا ﴿ بِيَدِكَ الخَيْرُ ﴾ كُلُّهُ وأنْتَ القادِرُ مُطْلَقًا تُعْطِي عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِكَ وتَتَجَلّى طِبْقَ إرادَتِكَ وتَمْنَحُ بِقَدْرِ قابِلِيَّةِ مَظاهِرِكَ.

﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ﴾ تُدْخِلُ ظُلْمَةَ النَّفْسِ في نُورِ القَلْبِ فَيُظْلِمُ ﴿ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ ﴾ وتُدْخِلُ نُورَ القَلْبِ في ظُلْمَةِ النَّفْسِ فَتَسْتَنِيرُ وتَخْلِطُهُما مَعًا مَعَ بُعْدِ المُناسَبَةِ بَيْنَهُما ﴿ وتُخْرِجُ ﴾ حَيَّ القَلْبِ مِن مَيِّتِ النَّفْسِ ومَيِّتَ النَّفْسِ مِن حَيِّ القَلْبِ، أوْ تُخْرِجُ حَيَّ العِلْمِ مِن مَيِّتِ الجَهْلِ ومَيِّتَ الجَهْلِ مِن حَيِّ العِلْمِ ﴿ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ ﴾ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ أوْ مِن إحْداهُما فَقَطْ ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ إذْ لا حَجْرَ عَلَيْكَ.

هَذا ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ إعْطاءَ المُلْكِ والإعْزازِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، نَبَّهَ المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُوالُوا أعْداءَ اللَّهِ تَعالى لِقَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ جاهِلِيَّةٍ أوْ نَحْوِهِما، أوْ أنْ لا يَسْتَظْهِرُوا بِهِمْ لِأنَّهُ تَعالى هو المُعِزُّ والقادِرُ المُطْلَقُ بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: <div class="verse-tafsir"

لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةًۭ ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ٢٨

﴿ لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ ﴾ قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: كانَ الحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو.

وكَهْمَسُ بْنُ أبِي الحَقِيقِ وقَيْسُ بْنُ زَيْدٍ والكُلُّ مِنَ اليَهُودِ يُباطِنُونَ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ فَقالَ رَفاعَةُ بْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ وسَعِيدُ بْنُ خَيْثَمَةَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ: اِجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ واحْذَرُوا لُزُومَهم ومُباطَنَتَهم لا يَفْتِنُوكم عَنْ دِينِكم فَأبى أُولَئِكَ النَّفَرُ إلّا مُباطَنَتَهم ومُلازَمَتَهم فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، كانُوا يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ ويَأْتُونَهم بِالأخْبارِ ويَرْجُونَ أنْ يَكُونَ لَهُمُ الظَّفْرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ ونَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ فِعْلِهِمْ.

ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ «أنَّها نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ الأنْصارِيِّ وكانَ بَدْرِيًّا نَقِيبًا وكانَ لَهُ حُلَفاءُ مِنَ اليَهُودِ، فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ  يَوْمَ الأحْزابِ قالَعُبادَةُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ مَعِي خَمْسَمِائَةٍ مِنَ اليَهُودِ وقَدْ رَأيْتُ أنْ يَخْرُجُوا مَعِي فَأسْتَظْهِرُ بِهِمْ عَلى العَدُوِّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ لا يَتَّخِذِ ﴾ الخ».

والفِعْلُ مَجْزُومٌ بِلا النّاهِيَةِ، وأجازَ الكِسائِيُّ فِيهِ الرَّفْعَ عَلى الخَبَرِ والمَعْنى عَلى النَّهْيِ أيْضًا وهو مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ فَأوْلِياءُ مَفْعُولٌ ثانٍ أوْ حالٌ، وهو جَمْعُ ولِيٍّ بِمَعْنى المُوالِي مِنَ الوَلْيِ وهو القُرْبُ، والمُرادُ لا يُراعُوا أُمُورًا كانَتْ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُراعُوا ما هم عَلَيْهِ الآنَ مِمّا يَقْتَضِيهِ الإسْلامُ مِن بُغْضٍ وحُبٍّ شَرْعِيَّيْنِ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِما، وإنَّما قَيَّدْنا بِذَلِكَ لَمّا قالُوا: إنَّ المَحَبَّةَ لِقَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ قَدِيمَةٍ أوْ جَدِيدَةٍ خارِجَةٌ عَنِ الِاخْتِيارِ مَعْفُوَّةٌ ساقِطَةٌ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ.

وحَمْلُ المُوالاةِ عَلى ما يَعُمُّ الِاسْتِعانَةَ بِهِمْ في الغَزْوِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ ومَذْهَبُنا وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ يَجُوزُ ويَرْضَخُ لَهم لَكِنْ إنَّما يُسْتَعانُ بِهِمْ عَلى قِتالِ المُشْرِكِينَ لا البُغاةِ عَلى ما صَرَّحُوا بِهِ، وما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ  لِبَدْرٍ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مُشْرِكٌ كانَ ذا جَراءَةٍ ونَجْدَةٍ فَفَرِحَ أصْحابُ النَّبِيِّ  حِينَ رَأوْهُ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ  : اِرْجِعْ فَلَنْ أسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» فَمَنسُوخٌ «بِأنَّ النَّبِيَّ  اِسْتَعانَ بِيَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ ورَضَخَ لَهم واسْتَعانَ بِصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ في هَوازِنَ،» وذَكَرَ بَعْضُهم جَوازَ الِاسْتِعانَةِ بِشَرْطِ الحاجَةِ والوُثُوقِ، أمّا بِدُونِهِما فَلا تَجُوزُ وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ خَبَرُ عائِشَةَ، وكَذا ما رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في سَبَبِ النُّزُولِ وبِهِ يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ أدِلَّةِ المَنعِ وأدِلَّةِ الجَوازِ عَلى أنَّ بَعْضَ المُحَقِّقِينَ ذَكَرَ أنَّ الِاسْتِعانَةَ المَنهِيَّ عَنْها إنَّما هي اِسْتِعانَةُ الذَّلِيلِ بِالعَزِيزِ وأمّا إذا كانَتْ مِن بابِ اِسْتِعانَةِ العَزِيزِ بِالذَّلِيلِ فَقَدْ أُذِنَ لَنا بِها، ومِن ذَلِكَ اِتِّخاذُ الكُفّارِ عَبِيدًا وخَدَمًا ونِكاحُ الكِتابِيّاتِ مِنهم وهو كَلامٌ حَسَنٌ كَما لا يَخْفى.

ومِنَ النّاسِ مَنِ اِسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُهم عُمّالًا ولا اِسْتِخْدامُهم في أُمُورِ الدِّيوانِ وغَيْرِهِ، وكَذا أدْخَلُوا في المُوالاةِ المَنهِيِّ عَنْها السَّلامَ والتَّعْظِيمِ والدُّعاءَ بِالكُنْيَةِ والتَّوْقِيرِ بِالمَجالِسِ، وفي «فَتاوى العَلّامَةِ اِبْنِ حَجَرٍ» جَوازُ القِيامِ في المَجْلِسِ لِأهْلِ الذِّمَّةِ وعَدَّ ذَلِكَ مِن بابِ البِرِّ والإحْسانِ المَأْذُونِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهُ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ ولَعَلَّ الصَّحِيحَ أنَّ كُلَّ ما عَدَّهُ العُرْفُ تَعْظِيمًا وحَسِبَهُ المُسْلِمُونَ مُوالاةً فَهو مَنهِيٌّ عَنْهُ ولَوْ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ لا سِيَّما إذا أوْقَعَ شَيْئًا في قُلُوبِ ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ، ولا أرى القِيامَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ في المَجْلِسِ إلّا مِنَ الأُمُورِ المَحْظُورَةِ لِأنَّ دَلالَتَهُ عَلى التَّعْظِيمِ قَوِيَّةٌ وجَعْلَهُ مِنَ الإحْسانِ لا أراهُ مِنَ الإحْسانِ، كَما لا يَخْفى.

﴿ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أيْ مُتَجاوِزِينَ المُؤْمِنِينَ إلى الكافِرِينَ اِسْتِقْلالًا أوِ اِشْتِراكًا ولا مَفْهُومَ لِهَذا الظَّرْفِ إمّا لِأنَّهُ ورَدَ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ والَوُا الكُفّارَ دُونَ المُؤْمِنِينَ فَهو لِبَيانِ الواقِعِ أوْ لِأنَّ ذِكْرَهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الحَقِيقَ بِالمُوالاةِ هُمُ المُؤْمِنُونَ وفي مُوالاتِهِمْ مَندُوحَةٌ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ، وكَوْنُ هَذِهِ النُّكْتَةِ تَقْتَضِي أنْ يُقالَ مَعَ وُجُودِ المُؤْمِنِينَ دُونَ ﴿ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ في حَيِّزِ المَنعِ وكَوْنُهُ إشارَةً إلى أنَّ وِلايَتَهم لا تُجامِعُ وِلايَةَ المُؤْمِنِينَ في غايَةِ الخَفاءِ، وقِيلَ: الظَّرْفُ في حَيِّزِ الصِّفَةِ لِأوْلِياءَ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الِاتِّخاذِ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ لا تَجْعَلُوا اِبْتِداءَ الوِلايَةِ مِن مَكانٍ دُونَ مَكانِ المُؤْمِنِينَ.

﴿ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ أيِ الِاتِّخاذَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالفِعْلِ، كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِلِاخْتِصارِ أوْ لِإيهامِ الِاسْتِهْجانِ بِذِكْرِهِ، و(مَن) شَرْطِيَّةٌ، و ﴿ يَفْعَلْ ﴾ فِعْلُ الشَّرْطِ، وجَوابُهُ ﴿ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ ﴾ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مِن وِلايَتِهِ، أوْ مِن دِينِهِ، والظَّرْفُ الأوَّلُ حالٌ مِن (شَيْءٍ) والثّانِي خَبَرُ لَيْسَ، وتَنْوِينُ (شَيْءٍ) لِلتَّحْقِيرِ أيْ لَيْسَ في شَيْءٍ يَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اِسْمُ الوِلايَةِ أوِ الدِّينِ لِأنَّ مُوالاةَ المُتَضادَّيْنِ مِمّا لا تَكادُ تَدْخُلُ خَيْمَةَ الوُقُوعِ، ولِهَذا قِيلَ: تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أنَّنِي صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعازِبِ وقِيلَ أيْضًا: إذا والى صَدِيقُكَ مَن تُعادِي ∗∗∗ فَقَدْ عاداكَ وانْقَطَعَ الكَلامُ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ تَتَّقُوا ﴾ عَلى صِيغَةِ الخِطابِ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ اِسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ والعامِلُ فِيهِ فِعْلُ النَّهْيِ مُعْتَبِرًا فِيهِ الخِطابَ أيْ لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ اِتِّقائِكُمْ، وقِيلَ: اِسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، أيْ لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُ الكافِرَ ولِيًّا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِلتَّقِيَّةِ (مِنهُمْ) أيْ مِن جِهَتِهِمْ؛ ومِن لِلِابْتِداءِ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تُقاةً ﴾ لِأنَّهُ نَعْتُ النَّكِرَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْها، والمُرادُ بِالتُّقاةِ ما يُتَّقى مِنهُ وتَكُونُ بِمَعْنى اِتِّقاءٍ وهو الشّائِعُ، فَعَلى الأوَّلِ: يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ لِ (تَتَّقُوا)، وعَلى الثّانِي: مَفْعُولًا مُطْلَقًا لَهُ، و(مِنهُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وتَعَدّى بِمِن لِأنَّهُ بِمَعْنى خافَ، وخافَ يُتَعَدّى بِها نَحْوَ: ﴿ وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا ﴾ و ﴿ فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا ﴾ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ، وتُرِكَ المَفْعُولُ الآخَرُ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ ضَرَرًا ونَحْوَهُ، وأصْلُ تُقاةٍ وُقَيَةٌ بِواوٍ مَضْمُومَةٍ وياءٍ مُتَحَرِّكَةٍ بَعْدَ القافِ المَفْتُوحَةِ فَأُبْدِلَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ تاءً كَتُجاهٍ وأُبْدِلَتِ الياءُ المُتَحَرِّكَةُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها ووَزْنُهُ فُعَلَةٌ كَتُخَمَةٍ وتُؤَدَةٍ وهو في المَصادِرِ غَيْرُ مَقِيسٍ وإنَّما المَقِيسُ اِتِّقاءٌ كاقْتِداءٍ، وقَرَأ أبُو الرَّجاءِ وقَتادَةُ (تَقِيَّةً) بِالياءِ المُشَدَّدَةِ ووَزْنُها فَعِيلَةٌ والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ أيْضًا.

وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ التَّقِيَّةِ وعَرَّفُوها بِمُحافَظَةِ النَّفْسِ أوِ العِرْضِ أوِ المالِ مِن شَرِّ الأعْداءِ، والعَدُوُّ قِسْمانِ: الأوَّلُ: مَن كانَتْ عَداوَتُهُ مَبْنِيَّةً عَلى اِخْتِلافِ الدِّينِ كالكافِرِ والمُسْلِمِ، والثّانِي: مَن كانَتْ عَداوَتُهُ مَبْنِيَّةً عَلى أغْراضٍ دُنْيَوِيَّةٍ كالمالِ والمَتاعِ والمُلْكِ والإمارَةِ، ومِن هُنا صارَتِ التَّقِيَّةُ قِسْمَيْنِ: أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فالحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِيهِ أنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ وقَعَ في مَحَلٍّ لا يُمْكِنُ لَهُ أنْ يُظْهِرَ دِينَهُ لِتَعَرُّضِ المُخالِفِينَ وجَبَ عَلَيْهِ الهِجْرَةُ إلى مَحَلٍّ يَقْدِرُ فِيهِ عَلى إظْهارِ دِينِهِ، ولا يَجُوزُ لَهُ أصْلًا أنْ يَبْقى هُناكَ ويُخْفِيَ دِينَهُ ويَتَشَبَّثَ بِعُذْرِ الِاسْتِضْعافِ فَإنَّ أرْضَ اللَّهِ تَعالى واسِعَةٌ، نَعَمْ إنْ كانَ مِمَّنْ لَهم عُذْرٌ شَرْعِيٌّ في تَرْكِ الهِجْرَةِ كالصِّبْيانِ والنِّساءِ والعُمْيانِ والمَحْبُوسِينَ واَلَّذِينَ يُخَوِّفُهُمُ المُخالِفُونَ بِالقَتْلِ أوْ قَتْلِ الأوْلادِ أوِ الآباءِ أوِ الأُمَّهاتِ تَخْوِيفًا يُظَنُّ مَعَهُ إيقاعُ ما خَوَّفُوا بِهِ غالِبًا، سَواءٌ كانَ هَذا القَتْلُ بِضَرْبِ العُنُقِ أوْ بِحَبْسِ القُوتِ أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ المُكْثُ مَعَ المُخالِفِ والمُوافِقَةِ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ ويَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْعى في الحِيلَةِ لِلْخُرُوجِ والفِرارِ بِدِينِهِ ولَوْ كانَ التَّخْوِيفُ بِفَواتِ المَنفَعَةِ أوْ بِلُحُوقِ المَشَقَّةِ الَّتِي يُمْكِنُهُ تَحَمُّلُها كالحَبْسِ مَعَ القُوتِ والضَّرْبِ القَلِيلِ الغَيْرِ المُهْلِكِ لا يَجُوزُ لَهُ مُوافَقَتُهم.

وفِي صُورَةِ الجَوازِ أيْضًا مُوافَقَتُهم رُخْصَةٌ وإظْهارُ مَذْهَبِهِ عَزِيمَةٌ فَلَوْ تَلِفَتْ نَفْسُهُ لِذَلِكَ فَإنَّهُ شَهِيدٌ قَطْعًا، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّها رُخْصَةٌ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: «”أنَّ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ أخَذَ رَجُلَيْنِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ لِأحَدِهِما: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟

قالَ: نَعَمْ، فَقالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟

قالَ: نَعَمْ، ثُمَّ دَعا بِالآخَرِ فَقالَ لَهُ: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟

قالَ:، نَعَمْ فَقالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟

قالَ: إنِّي أصَمُّ، قالَها ثَلاثًا، وفي كُلٍّ يُجِيبُهُ بِأنِّي أصَمُّ فَضَرَبَ عُنُقَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ: أمّا هَذا المَقْتُولُ فَقَدْ مَضى عَلى صِدْقِهِ ويَقِينِهِ وأُخِذَ بِفَضْلِهِ فَهَنِيئًا لَهُ، وأمّا الآخَرُ فَقَدْ رَخَّصَهُ اللَّهُ تَعالى فَلا تَبِعَةَ عَلَيْهِ“».

وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَقَدِ اِخْتَلَفَ العُلَماءُ في وُجُوبِ الهِجْرَةِ وعَدَمِهِ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: تَجِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ ﴾ وبِدَلِيلِ النَّهْيِ عَنْ إضاعَةِ المالِ، وقالَ قَوْمٌ: لا تَجِبُ، إذِ الهِجْرَةُ عَنْ ذَلِكَ المَقامِ مَصْلَحَةٌ مِنَ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولا يَعُودُ مِن تَرْكِها نُقْصانٌ في الدِّينِ لِاتِّحادِ المِلَّةِ وعَدُوُّهُ القَوِيُّ المُؤْمِنُ لا يَتَعَرَّضُ لَهُ بِالسُّوءِ مِن حَيْثُ هو مُؤْمِنٌ، وقالَ بَعْضُهُمِ: الحَقُّ أنَّ الهِجْرَةَ هُنا قَدْ تَجِبُ أيْضًا إذا خافَ هَلاكَ نَفْسِهِ أوْ أقارِبِهِ أوْ هَتْكَ حُرْمَتِهِ بِالإفْراطِ، ولَكِنْ لَيْسَتْ عِبادَةً وقُرْبَةً حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْها الثَّوابُ فَإنَّ وُجُوبَها لِمَحْضِ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ لِذَلِكَ المُهاجِرِ لا لِإصْلاحِ الدِّينِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْها الثَّوابُ ولَيْسَ كُلُّ واجِبٍ يُثابُ عَلَيْهِ لِأنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ كُلَّ واجِبٍ لا يَكُونُ عِبادَةً بَلْ كَثِيرٌ مِنَ الواجِباتِ ما لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوابٌ كالأكْلِ عِنْدَ شِدَّةِ المَجاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَضَرّاتِ المَعْلُومَةِ أوِ المَظْنُونَةِ في المَرَضِ، وعَنْ تَناوُلِ السُّمُومِ في حالِ الصِّحَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهَذِهِ الهِجْرَةِ أيْضًا مِن هَذا القَبِيلِ ولَيْسَتْ هي كالهِجْرَةِ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ  لِتَكُونَ مُسْتَوْجَبَةً بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِثَوابِ الآخِرَةِ.

وعَدَّ قَوْمٌ مِن بابِ التَّقِيَّةِ مُداراةَ الكُفّارِ والفَسَقَةِ والظَّلَمَةِ وإلانَةَ الكَلامِ لَهم والتَّبَسُّمَ في وُجُوهِهِمْ والِانْبِساطَ مَعَهم وإعْطاءَهم لِكَفِّ أذاهم وقَطْعِ لِسانِهِمْ وصِيانَةِ العِرْضِ مِنهم ولا يُعَدُّ ذَلِكَ مِن بابِ المُوالاةِ المَنهِيِّ عَنْها بَلْ هي سُنَّةٌ وأمْرٌ مَشْرُوعٌ، فَقَدْ رَوى الدَّيْلَمِيُّ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «”إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي بِمُداراةِ النّاسِ كَما أمَرَنِي بِإقامَةِ الفَرائِضِ“،» وفي رِوايَةٍ: «”بُعِثْتُ بِالمُداراةِ“،» وفي «اَلْجامِعِ»: «”سَيَأْتِيكم رَكْبٌ مُبْغِضُونَ فَإذا جاءُوكم فَرَحِّبُوا بِهِمْ“،» ورَوى اِبْنُ أبِي الدُّنْيا: «”رَأْسُ العَقْلِ بَعْدَ الإيمانِ بِاَللَّهِ تَعالى مُداراةُ النّاسِ“،» وفي رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ: «”رَأسُ العَقْلِ المُداراةُ“،» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ: «”مُداراةُ النّاسِ صَدَقَةٌ“،» وفي رِوايَةٍ لَهُ: «”ما وقى بِهِ المُؤْمِنُ عِرْضَهُ فَهو صَدَقَةٌ“،» وأخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ: «”مَن عاشَ مُدارِيًا ماتَ شَهِيدًا قُوا بِأمْوالِكم أعْراضِكم ولِيُصانِعْ أحَدُكم بِلِسانِهِ عَنْ دِينِهِ“،» وعَنْ بُرْدَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «”اِسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  وأنا عِنْدَهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : بِئْسَ اِبْنُ العَشِيرَةِ أوْ أخُو العَشِيرَةِ ثُمَّ أذِنَ لَهُ فَألانَ لَهُ القَوْلَ فَلَمّا خَرَجَ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ ما قُلْتَ ثُمَّ ألَنْتَ لَهُ القَوْلَ؟

فَقالَ: يا عائِشَةُ إنَّ مِن أشَرِّ النّاسِ مَن يَتْرُكُهُ النّاسُ أوْ يَدَعُهُ النّاسُ اِتِّقاءَ فُحْشِهِ“».

وفِي «اَلْبُخارِيِّ» عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: ”إنّا لَنُكَشِّرُ في وُجُوهِ أقْوامٍ وإنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَنُهم“، وفي رِوايَةِ الكُشْمَيْهَنِيِّ: ”وإنَّ قُلُوبَنا لَتَقْلِيهِمْ“، وفي رِوايَةِ اِبْنِ أبِي الدُّنْيا وإبْراهِيمَ الحَرَمِيِّ بِزِيادَةٍ: ”ونَضْحَكُ إلَيْهِمْ“، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ لَكِنْ لا تَنْبَغِي المُداراةُ إلى حَيْثُ يُخْدَشُ الدِّينُ ويُرْتَكَبُ المُنْكَرُ وتُسِيءُ الظُّنُونُ.

ووَراءَ هَذا التَّحْقِيقِ قَوْلانِ لِفِئَتَيْنِ مُتَبايِنَتَيْنِ مِنَ النّاسِ وهُمُ الخَوارِجُ والشِّيعَةُ، أمّا الخَوارِجُ فَذَهَبُوا إلى أنَّهُ لا تَجُوزُ التَّقِيَّةُ بِحالٍ ولا يُراعى المالُ وحِفْظُ النَّفْسِ والعِرْضِ في مُقابَلَةِ الدِّينِ أصْلًا ولَهم تَشْدِيداتٌ في هَذا البابِ عَجِيبَةٌ مِنها أنَّ أحَدًا لَوْ كانَ يُصَلِّي وجاءَ سارِقٌ أوْ غاصِبٌ لِيَسْرِقَ أوْ يَغْصِبَ مالَهُ الخَطِيرَ لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُها، وطَعَنُوا عَلى بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ صَحابِيِّ رَسُولِ اللَّهِ  بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ يُحافِظُ فَرَسَهُ فِي صِلاتِهِ كَيْ لا يَهْرُبَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا المَذْهَبَ مِنَ التَّفْرِيطِ بِمَكانٍ، وأمّا الشِّيعَةُ فَكَلامُهم مُضْطَرِبٌ في هَذا المَقامِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها جائِزَةٌ في الأقْوالِ كُلِّها عِنْدَ الضَّرُورَةِ ورُبَّما وجَبَتْ فِيها لِضَرْبٍ مِنَ اللُّطْفِ والِاسْتِصْلاحِ ولا تَجُوزُ في الأفْعالِ كَقَتْلِ المُؤْمِنِ ولا فِيما يُعْلَمُ أوْ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ إفْسادٌ في الدِّينِ؛ وقالَ المُفِيدُ: إنَّها قَدْ تَجِبُ أحْيانًا وقَدْ يَكُونُ فِعْلُها في وقْتٍ أفْضَلَ مِن تَرْكِها وقَدْ يَكُونُ تَرْكُها أفْضَلَ مِن فِعْلِها، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ: إنَّ ظاهِرَ الرِّواياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّها واجِبَةٌ عِنْدَ الخَوْفِ عَلى النَّفْسِ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّها واجِبَةٌ عِنْدَ الخَوْفِ عَلى المالِ أيْضًا ومُسْتَحَبَّةٌ لِصِيانَةِ العِرْضِ حَتّى يُسَنَّ لِمَنِ اِجْتَمَعَ مَعَ أهْلِ السُّنَّةِ أنْ يُوافِقَهم في صَلاتِهِمْ وصِيامِهِمْ وسائِرِ ما يَدِينُونَ بِهِ، ورَوَوْا عَنْ بَعْضِ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ: «مَن صَلّى وراءَ سُنِّيٍّ تَقِيَّةً فَكَأنَّما صَلّى وراءَ نَبِيٍّ»، وفي وُجُوبِ قَضاءِ تِلْكَ الصَّلاةِ عِنْدَهم خِلافٌ، وكَذا في وُجُوبِ قَضاءِ الصَّوْمِ عَلى مَن أفْطَرَ تَقِيَّةً حَيْثُ لا يَحُلُّ الإفْطارُ قَوْلانِ أيْضًا، وفي أفْضَلِيَّةِ التَّقِيَّةِ مِن سُنِّيٍّ واحِدٍ صِيانَةً لِمَذْهَبِ الشِّيعَةِ عَنِ الطَّعْنِ خِلافٌ أيْضًا، وأفْتى كَثِيرٌ مِنهم بِالأفْضَلِيَّةِ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى جَوازِ بَلْ وُجُوبِ إظْهارِ الكُفْرِ لِأدْنى مَخافَةٍ أوْ طَمَعٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِنَ الإفْراطِ بِمَكانٍ، وحَمَّلُوا أكْثَرَ أفْعالِ الأئِمَّةِ مِمّا يُوافِقُ مَذْهَبَ أهْلِ السُّنَّةِ ويَقُومُ بِهِ الدَّلِيلُ عَلى رَدِّ مَذْهَبِ الشِّيعَةِ عَلى التَّقِيَّةِ وجَعَلُوا هَذا أصْلًا أصِيلًا عِنْدَهم وأسَّسُوا عَلَيْهِ دِينَهم وهو الشّائِعُ الآنَ فِيما بَيْنَهم حَتّى نَسَبُوا ذَلِكَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ وجُلُّ غَرَضِهِمْ مِن ذَلِكَ إبْطالُ خِلافَةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ويَأْبى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.

فَفِي كُتُبِهِمْ ما يُبْطِلُ كَوْنَ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وبَنِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَوِي تَقِيَّةٍ بَلْ ويُبْطِلُ أيْضًا فَضْلَها الَّذِي زَعَمُوهُ، فَفي كِتابِ «نَهْجِ البَلاغَةِ» الَّذِي هو أصَحُّ الكُتُبِ بَعْدَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى في زَعْمِهِمْ: أنَّ الأمِيرَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، قالَ: عَلامَةُ الإيمانِ إيثارُكَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلى الكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ، وأيْنَ هَذا مِن تَفْسِيرِهِمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ ﴾ بِأكْثَرِكم تَقِيَّةً؟!

وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: إنِّي واَللَّهِ لَوْ لَقِيتُهم واحِدًا وهم طِلاعُ الأرْضِ كُلِّها ما بالَيْتُ ولا اِسْتَوْحَشْتُ وإنِّي مِن ضَلالَتِهِمُ الَّتِي هم فِيها والهُدى الَّذِي أنا عَلَيْهِ لَعَلى بَصِيرَةٍ مِن نَفْسِي ويَقِينٍ مِن رَبِّي وإلى لِقاءِ اللَّهِ تَعالى وحُسْنِ ثَوابِهِ لَمُنْتَظِرٌ راجٍ.

وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأمِيرَ لَمْ يَخَفْ وهو مُنْفَرِدٌ مِن حَرْبِ الأعْداءِ وهم جُمُوعٌ، ومِثْلُهُ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَتَأتّى فِيما فِيهِ هَدْمُ الدِّينِ.

ورَوى العَيّاشِيُّ عَنْ زُرارَةَ بْنِ أعْيُنٍ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أنَّهُ قالَ: تَوَضَّأ رَجُلٌ ومَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَجاءَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَوَجَأ عَلى رَقَبَتِهِ فَقالَ: ويْلُكَ تُصَلِّي وأنْتَ عَلى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَقالَ: أمَرَنِي عُمَرُ، فَأخَذَ بِيَدِهِ فانْتَهى إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: اُنْظُرْ ما يَقُولُ هَذا عَنْكَ ورَفَعَ صَوْتَهُ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَقالَ عُمَرُ: أنا أمَرْتُهُ بِذَلِكَ فانْظُرْ كَيْفَ رَفَعَ الصَّوْتَ وأنْكَرَ ولَمْ يَتَأقَّ.

ورَوى الرّاوَنْدِيُّ شارِحُ «نَهْجِ البَلاغَةِ» ومُعْتَقِدُ الشِّيعَةِ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ أنَّ عَلِيًّا بَلَغَهُ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ ذَكَرَ شِيعَتَهُ فاسْتَقْبَلَهُ في بَعْضِ طُرُقاتِ بَساتِينِ المَدِينَةِ وفي يَدِ عَلِيٍّ قَوْسٌ فَقالَ: يا عُمَرُ بَلَغَنِي عَنْكَ ذِكْرَكَ لِشِيعَتِي، فَقالَ: أرْبَعٌ عَلى صَلْعَتِكَ، فَقالَ عَلِيٌّ إنَّكَ هَهُنا ثُمَّ رَمى بِالقَوْسِ عَلى الأرْضِ فَإذا هي ثُعْبانٌ كالبَعِيرِ فاغِرًا فاهُ، وقَدْ أقْبَلَ نَحْوَ عُمَرَ لِيَبْتَلِعَهُ، فَقالَ عُمَرُ: اللَّهَ اللَّهَ يا أبا الحَسَنِ لا عُدْتُّ بَعْدَها في شَيْءٍ فَجَعَلَ يَتَضَرَّعُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى الثُّعْبانِ فَعادَتِ القَوْسُ كَما كانَتْ فَمَضى عُمَرُ إلى بَيْتِهِ، قالَ سَلْمانُ: فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ دَعانِي عَلِيٌّ فَقالَ: سِرْ إلى عُمَرَ فَإنَّهُ حُمِلَ إلَيْهِ مالٌ مِن ناحِيَةِ المَشْرِقِ وقَدْ عَزَمَ أنْ يُخَبِّئَهُ فَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ عَلِيٌّ: أخْرِجْ ما حُمِلَ إلَيْكَ مِنَ المَشْرِقِ فَفَرِّقْهُ عَلى مَن هو لَهم ولا، تُخَبِّهِ فَأفْضَحَكَ قالَ سَلْمانُ: فَمَضَيْتُ إلَيْهِ وأدَّيْتُ الرِّسالَةَ فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ أمْرِ صاحِبِكَ مِن أيْنَ عَلِمَ بِهِ؟

فَقُلْتُ وهَلْ يَخْفى عَلَيْهِ مِثْلُ هَذا؟

فَقالَ: يا سَلْمانُ اِقْبَلْ عَنِّي ما أقُولُ لَكَ ما عَلِيٌّ إلّا ساحِرٌ، وإنِّي لِمُسْتَيْقِنٌ بِكَ والصَّوابُ أنْ تُفارِقَهُ وتَصِيرُ مِن جُمْلَتِنا، قُلْتُ: لَيْسَ كَما قُلْتَ لَكِنَّهُ ورِثَ مِن أسْرارِ النُّبُوَّةِ ما قَدْ رَأيْتَ مِنهُ وعِنْدَهُ أكْثَرُ مِن هَذا، قالَ: اِرْجِعْ إلَيْهِ فَقُلِ: السَّمْعُ والطّاعَةُ لِأمْرِكَ فَرَجَعْتُ إلى عَلِيٍّ، فَقالَ: أُحَدِّثُكَ عَمّا جَرى بَيْنَكُما، فَقُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ مِنِّي فَتَكَلَّمَ بِما جَرى بَيْنَنا، ثُمَّ قالَ: إنَّ رُعْبَ الثُّعْبانِ في قَلْبِهِ إلى أنْ يَمُوتَ، وفي هَذِهِ الرِّوايَةِ ضَرْبُ عُنُقِ التَّقِيَّةِ أيْضًا إذْ صاحِبُ هَذِهِ القَوْسِ تُغْنِيهِ قَوْسُهُ عَنْها ولا تَحُوجُهُ أنْ يُزَوِّجَ اِبْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ مِن عُمَرَ خَوْفًا مِنهُ وتَقِيَّةً.

ورَوى الكُلَيْنِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: «إنِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ  كِتابًا فَقالَ جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ هَذِهِ وصَّيْتُكَ إلى النُّجَباءِ فَقالَ: ومَنِ النُّجَباءُ يا جِبْرِيلُ؟

فَقالَ: عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ووَلَدُهُ وكانَ عَلى الكِتابِ خَواتِمُ مِن ذَهَبٍ فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ  إلى عَلِيٍّ وأمَرَهُ أنْ يَفُكَّ خاتَمًا مِنهُ فَيَعْمَلُ بِما فِيهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى الحَسَنِ فَفَكَّ مِنهُ خاتَمًا فَعَمِلَ بِما فِيهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى الحُسَيْنِ فَفَكَّ خاتَمًا فَوَجَدَ فِيهِ أنِ اُخْرُجْ بِقَوْمِكَ إلى الشَّهادَةِ فَلا شَهادَةَ لَهم إلّا مَعَكَ واشْتَرِ نَفْسَكَ لِلَّهِ تَعالى فَفَعَلَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ فَفَكَّ خاتَمًا فَوَجَدَ فِيهِ أنِ اُطْرُقْ واصْمُتْ والزَمْ مَنزِلَكَ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ فَفَعَلَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى اِبْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فَفَكَّ خاتَمًا فَوَجَدَ فِيهِ حَدِّثِ النّاسَ وأفْتِهِمْ وانْشُرْ عُلُومَ أهْلِ بَيْتِكَ وصَدِّقْ آباءَكَ الصّالِحِينَ ولا تَخافَنَّ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى فَإنَّهُ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ عَلَيْكَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى جَعْفَرٍ الصّادِقِ فَفَكَّ خاتَمًا فَوَجَدَ فِيهِ حَدِّثِ النّاسَ وافْتِهِمْ ولا تَخافَنَّ إلّا اللَّهَ تَعالى وانْشُرْ عُلُومَ أهْلِ بَيْتِكَ وصَدِّقْ آباءَكَ الصّالِحِينَ فَإنَّكَ في حِرْزٍ وأمانٍ فَفَعَلَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى مُوسى وهَكَذا إلى المَهْدِيِّ».

ورَواهُ مِن طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ مُعاذٍ أيْضًا عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ، وفي الخاتَمِ الخامِسِ: وقُلِ الحَقَّ في الأمْنِ والخَوْفِ ولا تَخْشَ إلّا اللَّهَ تَعالى، وهَذِهِ الرِّوايَةُ أيْضًا صَرِيحَةٌ بِأنَّ أُولَئِكَ الكِرامَ لَيْسَ دِينُهُمِ التَّقِيَّةَ كَما تَزْعُمُهُ الشِّيعَةُ.

ورَوى سَلِيمُ بْنُ قَيْسٍ الهِلالِيُّ الشِّيعِيُّ مِن خَبَرٍ طَوِيلٍ أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ قالَ: لَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ  ومالَ النّاسُ إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَبايَعُوهُ حَمَلَتْ فاطِمَةُ وأخَذَتْ بِيَدِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ ولَمْ تَدَعْ أحَدًا مِن أهْلِ بَدْرٍ وأهْلِ السّابِقَةِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ إلّا ناشَدَتْهُمُ اللَّهَ تَعالى حَقِّي ودَعَوَتْهم إلى نُصْرَتِي، فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي مِن جَمِيعِ النّاسِ إلّا أرْبَعَةٌ: الزُّبَيْرُ وسَلْمانُ وأبُو ذَرٍّ والمِقْدادُ، وهَذِهِ تَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقِيَّةَ لَمْ تَكُنْ واجِبَةً عَلى الإمامِ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ عِنْدَ مَن بايَعَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيهِ ما فِيهِ.

وفِي «كِتابِ أبانَ بْنِ عَيّاشٍ» أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَعَثَ إلى عَلِيٍّ قُنْفُذًا حِينَ بايَعَهُ النّاسُ ولَمْ يُبايِعْهُ عَلِيٌّ، وقالَ: اِنْطَلِقْ إلى عَلِيٍّ وقُلْ لَهُ أجِبْ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ  ، فانْطَلَقَ فَبَلَّغَهُ، فَقالَ لَهُ: ما أسْرَعَ ما كَذَبْتُمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  وارْتَدَدْتُمْ واَللَّهِ ما اِسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ  غَيْرِي، وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ لَمّا يُجِبْ عَلى غَضَبِ عُمَرَ وأضْرَمَ النّارَ بِبابِ عَلِيٍّ وأحْرَقَهُ ودَخَلَ فاسْتَقْبَلَتْهُ فاطِمَةُ وصاحَتْ يا أبَتاهُ ويا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ عُمَرُ السَّيْفَ وهو في غِمْدِهِ فَوَجَأ بِهِ جَنْبَها المُبارَكَ ورَفَعَ السَّوْطَ فَضَرَبَ بِهِ ضِرْعَها فَصاحَتْ يا أبَتاهُ فَأخَذَ عَلِيٌّ بِتَلابِيبِ عُمَرَ وهَزَّهُ ووَجَأ أنْفَهُ ورَقَبَتَهُ، وفِيهِ أيْضًا أنَّ عُمَرَ قالَ لِعَلِيٍّ: بايِعْ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إنْ لَمْ أفْعَلْ ذَلِكَ؟

قالَ: إذًا واَللَّهِ تَعالى لَأضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، قالَ: كَذَبْتَ واَللَّهِ يا اِبْنِ صُهاكَ لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ أنْتَ ألْأمُ وأضْعَفُ مِن ذَلِكَ، فَهَذِهِ الرِّواياتُ تَدُلُّ صَرِيحًا أنَّ التَّقِيَّةَ بِمَراحِلَ عَنْ ذَلِكَ الإمامِ إذْ لا مَعْنى لِهَذِهِ المُناقَشَةِ والمُسابَّةِ مَعَ وُجُوبِ التَّقِيَّةِ.

ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِنانٍ أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ قالَ لِعُمَرَ: يا مَغْرُورُ إنِّي أراكَ في الدُّنْيا قَتِيلًا بِجِراحَةٍ مِن عِنْدِ أُمِّ مَعْمَرٍ تَحْكُمُ عَلَيْهِ جَوْرًا فَيَقْتُلُكَ ويَدْخُلُ بِذَلِكَ الجَنانَ عَلى رَغْمٍ مِنكَ.

ورَوِيَ أيْضًا أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ مَرَّةً: إنَّ لَكَ ولِصاحِبِكَ الَّذِي قُمْتَ مَقامَهُ هَتْكًا وصَلْبًا تَخْرُجانِ مِن جِوارِ رَسُولِ اللَّهِ  فَتُصْلَبانِ عَلى شَجَرَةٍ يابِسَةٍ فَتُورِقُ فَيُفْتَتَنُ بِذَلِكَ مَن والاكُما ثُمَّ يُؤْتى بِالنّارِ الَّتِي أُضْرِمَتْ لِإبْراهِيمَ ويَأْتِي جُرْجِيسُ ودانْيالُ وكُلُّ نَبِيٍّ وصِدِّيقٍ فَتُصْلَبانِ فِيها فَتُحْرَقانِ وتَصِيرانِ رَمادًا ثُمَّ تَأْتِي رِيحٌ فَتَنْسِفُكُما في اليَمِّ نَسْفًا، فانْظُرْ بِاَللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ مَن يَرْوِي هَذِهِ الأكاذِيبَ عَنِ الإمامِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ هَلْ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَقُولَ بِنِسْبَةِ التَّقِيَّةِ إلَيْهِ سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى، هَذا العَجَبُ العُجابُ والدّاءُ العُضالُ.

ومِمّا يَرُدُّ قَوْلَهم أيْضًا أنَّ التَّقِيَّةَ لا تَكُونُ إلّا لِخَوْفٍ، والخَوْفُ قِسْمانِ: الأوَّلُ: الخَوْفُ عَلى النَّفْسِ وهو مُنْتَفٍ في حَقِّ حَضَراتِ الأئِمَّةِ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ مَوْتَهُمُ الطَّبِيعِيَّ بِاخْتِيارِهِمْ كَما أثْبَتَ هَذِهِ المَسْألَةَ الكُلَيْنِيُّ في «اَلْكافِي»، وعَقَدَ لَها بابًا وأجْمَعَ عَلَيْها سائِرُ الإمامِيَّةِ، وثانِيهُما: أنَّ الأئِمَّةَ يَكُونُ لَهم عِلْمٌ بِما كانَ وما يَكُونُ فَهم يَعْلَمُونَ آجالَهم وكَيْفِيّاتِ مَوْتِهِمْ وأوْقاتَهُ بِالتَّفْصِيلِ والتَّخْصِيصِ فَقَبْلَ وقْتِهِ لا يَخافُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ويَتَأقَّوْنَ في دِينِهِمْ ويَغُرُّونَ عَوامَّ المُؤْمِنِينَ، القِسْمُ الثّانِي: خَوْفُ المَشَقَّةِ والإيذاءِ البَدَنِيِّ والسَّبِّ والشَّتْمِ وهَتْكِ الحُرْمَةِ ولا شَكَّ أنَّ تَحَمُّلَ هَذِهِ الأُمُورِ والصَّبْرَ عَلَيْها وظِيفَةُ الصُّلَحاءِ فَقَدْ كانُوا يَتَحَمَّلُونَ البَلاءَ دائِمًا في اِمْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى ورُبَّما قابَلُوا السَّلاطِينَ الجَبابِرَةَ، وأهْلُ البَيْتِ النَّبَوِيِّ أوْلى بِتَحَمُّلِ الشَّدائِدِ في نُصْرَةِ دَيْنِ جَدِّهِمْ  .

وأيْضًا لَوْ كانَتِ التَّقِيَّةُ واجِبَةً لَمْ يَتَوَقَّفْ إمامُ الأئِمَّةِ عَنْ بَيْعَةِ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ  سِتَّةَ أشْهُرٍ وماذا مَنَعَهُ مِن أداءِ الواجِبِ أوَّلَ وهْلَةٍ.

ومِمّا يَرُدُّ قَوْلَهم في نِسْبَةِ التَّقِيَّةِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالمَعْنى الَّذِي أرادَهُ قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ  : ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِن النّاسِ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، نَعَمْ لَوْ أرادُوا بِالتَّقِيَّةِ المُداراةَ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها لَكانَ لِنِسْبَتِها إلى الأنْبِياءِ والأئِمَّةِ وجْهٌ، وهَذا أحَدُ مَحْمَلَيْنِ لِما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: التَّقِيَّةُ جائِزَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والثّانِي: حَمْلُ التَّقِيَّةِ عَلى ظاهِرِها وكَوْنُها جائِزَةً إنَّما هو عَلى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ.

ومِنَ النّاسِ مَن أوْجَبَ نَوْعًا مِنَ التَّقِيَّةِ خاصًّا بِخَواصِّ المُؤْمِنِينَ وهو حِفْظُ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ عَنِ الإفْشاءِ لِلْأغْيارِ المُوجِبِ لِمَفاسِدَ كُلِّيَّةٍ فَتَراهم مَتى سُئِلُوا عَنْ سِرٍّ أبْهَمُوهُ وتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَوْ عُرِضَ عَلى العامَّةِ بَلْ وعَلى عُلَمائِهِمْ ما فَهِمُوهُ، وأفْرَغُوهُ بِقَوالِبَ لا يَفْهَمُ المُرادَ مِنها إلّا مَن حَسى مِن كَأْسِهِمْ أوْ تَعَطَّرَتْ أرْجاءُ فُؤادِهِ مِن عَبِيرِ عَنْبَرِ أنْفاسِهِمْ، وهَذا وإنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ضَلالُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ وانْجَرَّ إلى الطَّعْنِ بِأُولَئِكَ السّادَةِ الأكْياسِ حَتّى رَمى الكَثِيرَ مِنهم بِالزَّنْدَقَةِ وأفْتى بِقَتْلِهِمْ مَن سَمِعَ كَلامَهم وما حَقَّقَهُ إلّا أنَّهم رَأوْا هَذا دُونَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإفْشاءِ مِنَ المَفاسِدِ الَّتِي تَعُمُّ الأرْضَ: وحَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ وكَتْمُ الأسْرارِ عَنْ أهْلِها فِيهِ فَواتُ خَيْرٍ عَظِيمٍ ومُوجِبٌ لِعَذابٍ ألِيمٍ، وقَدْ يُقالُ: لَيْسَ هَذا مِن بابِ التَّقِيَّةِ في شَيْءٍ إلّا أنَّ القَوْمَ تَكَلَّمُوا بِما طَفَحَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ وظَهَرَ عَلى عَلانِيَتِهِمْ وكانَتِ المَعانِي المُرادَةُ لَهم بِحَيْثُ تَضِيقُ عَنْها العِبارَةُ ولا يَحُومُ حَوْلَ حِماها سِوى الإشارَةِ، ومَن حَذا حَذْوَهم واقْتَفى في التَّجَرُّدِ إثْرَهم فَهِمَ ما قالُوا وتَحَقَّقَ ما إلَيْهِ مالُوا، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ذَكَرَهُ الشَّعَرانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في «اَلدُّرَرُ المَنثُورَةُ في بَيانِ زُبْدَةِ العُلُومِ المَشْهُورَةِ» مِمّا نَصُّهُ، وأمّا زُبْدَةُ عِلْمِ التَّصَوُّفِ الَّذِي وضَعَ القَوْمَ فِيهِ رَسائِلَهم فَهو نَتِيجَةُ العَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ فَمَن عَمِلَ بِما عَلِمَ تَكَلَّمَ كَما تَكَلَّمُوا وصارَ جَمِيعُ ما قالُوهُ بَعْضَ ما عِنْدَهُ لِأنَّهُ كُلَّما تَرَقّى العَبْدُ في بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى دَقَّ كَلامِهِ عَلى الأفْهامِ حَتّى قالَ بَعْضُهم لِشَيْخِهِ: إنَّ كَلامَ أخِي فُلانٍ يَدِقُّ عَلَيَّ فَهْمُهُ فَقالَ: لِأنَّ لَكَ قَمِيصَيْنِ ولَهُ قَمِيصٌ واحِدٌ فَهو أعْلى مَرْتَبَةً مِنكَ، وهَذا هو الَّذِي دَعا الفُقَهاءُ ونَحْوُهم مِن أهْلِ الحِجابِ إلى تَسْمِيَةِ عِلْمِ الصُّوفِيَّةِ بِعِلْمِ الباطِنِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِباطِنٍ إذِ الباطِنُ إنَّما هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى وأمّا جَمِيعُ ما عَلِمَهُ الخَلْقُ عَلى اِخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ فَهو مِن عِلْمِ الظّاهِرِ لِأنَّهُ ظَهَرَ لِلْخَلْقِ فاعْلَمْ ذَلِكَ، اِنْتَهى.

فَعَلى هَذا، الإنْكارُ عَلى القَوْمِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ.

﴿ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ أيْ عِقابَ نَفْسِهِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وفِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ مُشْعِرٌ بِتَناهِي المَنهِيِّ عَنْهُ في القُبْحِ حَيْثُ عَلَّقَ التَّحْذِيرَ بِنَفْسِهِ.

وإطْلاقُ النَّفْسِ عَلَيْهِ تَعالى بِالمَعْنى الَّذِي أرادَهُ جائِزٌ مِن غَيْرِ مُشاكَلَةٍ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: النَّفْسُ بِمَعْنى الذّاتِ وجَوازُ إطْلاقِهِ حِينَئِذٍ بِلا مُشاكَلَةٍ مِمّا لا كَلامَ فِيهِ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ بِعَدَمِ الجَوازِ وإنْ أُرِيدَ بِهِ الذّاتُ إلّا مُشاكَلَةً.

﴿ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ  ﴾ أيِ المَرْجِعُ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، قِيلَ: والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلى حُكْمِهِ أوْ جَزائِهِ ولَيْسَ بِاللّازِمِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ومُحَقِّقٌ لِوُقُوعِهِ حَتْمًا.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ إِن تُخْفُوا۟ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٩

﴿ قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ ﴾ أيْ تَسُرُّوا ما في قُلُوبِكم مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها وِلايَةُ الكُفّارِ، وإنَّما ذَكَرَ الصَّدْرَ لِأنَّهُ مَحَلُّ القَلْبِ ﴿ أوْ تُبْدُوهُ ﴾ أيْ تُظْهِرُوهُ فِيما بَيْنَكم.

﴿ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ فَيُؤاخِذُكم بِهِ عِنْدَ مَصِيرِكم إلَيْهِ ولا يَنْفَعُكم إخْفاؤُهُ، وتَقْدِيمُ الإخْفاءِ عَلى الإبْداءِ قَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلى سِرِّهِ، ﴿ ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ مِن إيرادِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ تَأْكِيدًا لَهُ وتَقْرِيرًا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ إثْباتٌ لِصِفَةِ القُدْرَةِ بَعْدَ إثْباتِ صِفَةِ العِلْمِ وبِذَلِكَ يَكْمُلُ وجْهُ التَّحْذِيرِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ لِأنَّهُ مُتَّصِفٌ بِعِلْمٍ ذاتِيٍّ مُحِيطٍ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها وقُدْرَةٍ ذاتِيَّةٍ شامِلَةٍ لَلْمَقْدُوراتِ بِأسْرِها فَلا تَجْسُرُوا عَلى عِصْيانِهِ ومُوالاةِ أعْدائِهِ إذْ ما مِن مَعْصِيَةٍ خَفِيَّةٍ كانَتْ أوْ ظاهِرَةٍ إلّا وهو مُطَّلِعٌ عَلَيْها وقادِرٌ عَلى العِقابِ بِها، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِما عَلِمْتَ.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍۢ مُّحْضَرًۭا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍۢ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًۭا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ ٣٠

﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ مِنَ النُّفُوسِ المُكَلَّفَةِ ﴿ ما عَمِلَتْ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ مِن خَيْرٍ ﴾ وإنْ كانَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴿ مُحْضَرًا ﴾ لَدَيْها مُشاهَدًا في الصُّحُفِ، وقِيلَ: ظاهِرًا في صُوَرٍ، وقِيلَ: تَجِدُ جَزاءَ أعْمالِها مُحْضَرًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما لَيْسَ في حاضِرًا وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (تَجِدُ)، ﴿ وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ ما عَمِلَتْ ﴾ و ﴿ مُحْضَرًا ﴾ مَحْضَرٌ فِيهِ مَعْنًى إلّا أنَّهُ خُصَّ بِالذِّكْرِ في الخَيْرِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ الخَيْرِ مُرادًا بِالذّاتِ وكَوْنِ إحْضارِ الشَّرِّ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ، وتَقْدِيرُ ﴿ مُحْضَرًا ﴾ في النَّظْمِ وحَذْفُهُ لِلِاقْتِصارِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ في الأوَّلِ مِمّا قالَهُ الأكْثَرُونَ ويَكُونُ مِنَ العَطْفِ عَلى المَفْعُولَيْنِ وهو جائِزٌ كَما في «اَلدُّرِّ المَصُونِ» ولَمْ يَجْعَلُوهُ مِن قَبِيلِ عَلِمْتُ زَيْدًا فاضِلًا وعَمْرًا، وهو لَيْسَ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ بَلْ مِن قَبِيلِ زَيْدٌ قائِمٌ وعَمْرٌو وهو مِمّا حُذِفَ فِيهِ الخَبَرُ، كَما صَرَّحُوا بِهِ فَيَلْزَمُ الِاقْتِصارُ ضَرُورَةً، والفَرْقُ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والمَفْعُولِ في هَذا البابِ وهْمٌ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (تَجِدُ) بِمَعْنى تُصِيبُ فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ، و ﴿ مُحْضَرًا ﴾ حالٌ، ﴿ تَوَدُّ ﴾ أيْ تَتَمَنّى وهو عامِلٌ في الظَّرْفِ أيْ تَتَمَنّى يَوْمَ ذَلِكَ، ﴿ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ ﴾ أيْ بَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿ أمَدًا بَعِيدًا ﴾ ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ (ما عَمِلَتْ) لِقُرْبِهِ ولِأنَّ اليَوْمَ أُحْضِرَ فِيهِ الخَيْرُ والشَّرُّ والمُتَمَنِّي بَعْدَ الشَّرِّ لا ما فِيهِ مُطْلَقًا فَلا يَحْسُنُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ اليَوْمَ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ في «اَلْبَحْرِ»، ورُدَّ بِأنَّهُ أبْلَغَ لِأنَّهُ يَوَدُّ البُعْدَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اليَوْمِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ لِئَلّا يُرى ما فِيهِ مِنَ السُّوءِ.

واَلْأمَدُ غايَةُ الشَّيْءِ ومُنْتَهاهُ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأبَدِ أنَّ الأبَدَ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ، والأمَدُ مُدَّةٌ لَها حَدٌّ مَجْهُولٌ والمُرادُ هُنا الغايَةُ الطَّوِيلَةُ، وقِيلَ: مِقْدارُ العُمْرِ، وقِيلَ: قَدْرُ ما يُذْهَبُ بِهِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ بِالأمَدِ البَعِيدِ المَسافَةُ البَعِيدَةُ، ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، فالتَّمَنِّي هُنا مِن قَبِيلِ التَّمَنِّي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ ﴾ وهَذا الَّذِي ذُكِرَ في نَظْمِ الآيَةِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ الظّاهِرُ في بادِئِ الرَّأْيِ مَبْنِيٌّ عَلى أمْرٍ اِخْتَلَفَ النُّحاةُ في جَوازِهِ وهو كَوْنُ الفاعِلِ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى ما اِتَّصَلَ بِهِ مَعْمُولُ الفِعْلِ المُتَقَدِّمُ نَحْوَ غُلامُ هِنْدٍ ضَرَبَتْ هِيَ، والآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ عَلى ذَلِكَ التَّخْرِيجِ لِأنَّ الفاعِلَ بِ (يَوَدُّ) عائِدٌ عَلى شَيْءٍ اِتَّصَلَ بِمَعْمُولِ (يَوَدُّ) وهو يَوْمٌ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى ﴿ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ ، والتَّقْدِيرُ: تَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ يَوْمَ وِجْدانِها ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ مُحْضَرًا لَوْ أنَّ بَيْنَها الخ؛ وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ عَلى جَوازِ ذَلِكَ وهو الصَّحِيحُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: أجْلُ المَرْءِ يَسْتَحِثُّ ولا يَدْ رِي إذا يَبْتَغِي حُصُولَ الأمانِي أيِ المَرْءُ في وقْتِ اِبْتِغائِهِ حُصُولَ الأمانِي يَسْتَحِثُّ أجْلُهُ ولا يَدْرِي، والفَرّاءُ والأخْفَشُ وغَيْرُهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ عَلى عَدَمِ الجَوازِ لِأنَّ هَذا المَعْمُولَ فَضْلَةٌ فَيَجُوزُ الِاسْتِغْناءُ عَنْهُ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى ما اِتَّصَلَ بِهِ يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَلْزَمُ ذِكْرُ المَعْمُولِ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ الفاعِلُ عَلى ما اِتَّصَلَ بِهِ ولا يَخْفى وهَنُهُ.

وفِي الآيَةِ أوْجُهٌ أُخَرُ: مِنها: أنَّ ناصِبَ الظَّرْفِ ﴿ قَدِيرٌ ﴾ ، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ تَقْيِيدُ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّهُ إذْ قَدِرَ في مِثْلِهِ عُلِمَ قُدْرَتُهُ في غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى.

ومِنها: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالمَصِيرِ أوْ بِالذِّكْرِ أوْ بِ (يُحَذِّرُكُمْ) مُقَدَّرًا فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ أوْ بِالعِقابِ المُضافِ الَّذِي أشْعَرَ بِهِ كَلامُ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وصَرَّحُوا بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِنَحْوِ اُذْكُرُوا يَجُوزُ في ﴿ ما عَمِلَتْ ﴾ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿ تَوَدُّ ﴾ وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (ما) الأُولى، وجُمْلَةُ ﴿ تَوَدُّ ﴾ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّ سائِلًا قالَ حِينَ أُمِرُوا بِذِكْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ: فَماذا يَكُونُ إذْ ذاكَ؟

فَقِيلَ: ﴿ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها ﴾ الخ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِ (تَجِدُ) أيِ اُذْكُرُوا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ مُحْضَرًا، وأدَّتْ تَباعُدَ ما بَيَّنَها وبَيْنَهُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿ عَمِلَتْ ﴾ لِقُرْبِهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الوِدادَ إنَّما هو وقْتُ وِجْدانِ العَمَلِ حاضِرًا في الآخِرَةِ لا وقْتُ العَمَلِ في الدُّنْيا، والحالِيَّةُ مِن ضَمِيرِ ﴿ عَمِلَتْ ﴾ تَقْتَضِيهِ فَلا وجْهَ لَها، وأُجِيبَ بِأنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى مَعْنى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ كَذا مُقَدَّرًا وِدادُهُ، أيْ حالَ كَوْنِهِ ثابِتًا في قَدَرِنا وِدادَهُ، فالوِدادُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُقارِنًا لِلْعَمَلِ إلّا أنَّ كَوْنَ الوِدادِ ثابِتًا في قَدَرِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ مُقارِنٌ لَهُ، وهَذا مِثْلَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ ﴿ عَمِلَتْ ﴾ يَلْزَمُ تَخْصِيصُ العَمَلِ، والمَقامُ لا يُناسِبُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ القَصْدُ التَّخْصِيصَ بَلْ بَيانَ سُوءِ حالِهِمْ وحَسْرَتِهِمْ ولا بَأْسَ بِهِ، وجَوَّزَ أيْضًا أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ (ما) في ”ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ“ [ 30 ] شَرْطِيَّةً وإلى ذَلِكَ مالَ السَّفاقِسِيُّ ورَفَعَ ﴿ تَوَدُّ ﴾ لَيْسَ بِمانِعٍ لِأنَّهُ إذا كانَ الشَّرْطُ ماضِيًا والجَزاءُ مُضارِعًا جازَ في الجَزاءِ الرَّفْعُ والجَزْمُ مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ إنِ الشَّرْطِيَّةَ وأسْماءِ الشَّرْطِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ رَفْعَ المُضارِعِ في الجَزاءِ شاذٌّ كَرَفْعِهِ في الشَّرْطِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ المُبَرِّدُ وشَهِدَ بِهِ الِاسْتِعْمالُ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ إلّا في قَوْلِ زُهَيْرٍ: (وإنْ) أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ∗∗∗ يَقُولُ لا غائِبٌ مالِيَ ولا حَرِمُ فَلا يُسْتَسْهَلُ تَخْرِيجُ القِراءَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها عَلَيْهِ، نَعَمْ لا بَأْسَ بِتَخْرِيجِ الشَّواذِّ كَقِراءَةِ ﴿ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ﴾ بِرَفْعِ يُدْرِكُ عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ الشُّذُوذَ، وقَدْ ذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ الرَّفْعَ مَسْمُوعٌ كَثِيرًا في لِسانِ العَرَبِ حَتّى اِدَّعى بَعْضُ المَغارِبَةِ أنَّهُ أحْسَنُ مِنَ الجَزْمِ، وبَيْتُ زُهَيْرٍ مِثْلُهُ قَوْلُ أبِي صَخْرٍ: ولا بِاَلَّذِي إنْ بانَ مِنهُ حَبِيبُهُ ∗∗∗ يَقُولُ ويُخْفِي الصَّبْرَ إنِّي لَجازِعُ وقَوْلُ الآخَرِ: إنْ يُسْألُوا الخَيْرَ يُعْطُوهُ وإنْ خُبِرُوا ∗∗∗ في الجَهْدِ أُدْرِكُ مِنهم طِيبَ أخْبارِ بِرَفْعِ أُدْرِكُ وهو مُضارِعٌ وقَعَ جَوابَ الشَّرْطِ، وقَوْلُهُ: وإنْ بَعُدُوا لا يَأْمَنُونَ اِقْتِرابَهُ ∗∗∗ تَشَوُّفَ أهْلِ الغائِبِ المُتَنَظِّرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وفي «اَلْبَحْرِ»: إنْ ضَعْفَ تَخْرِيجِ الرَّفْعِ عَلى ذَلِكَ لَيْسَ بِذَلِكَ لِما عَلِمْتَ ولَكِنْ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ما في الآيَةِ جَزاءً لِما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ النِّيَّةَ في المَرْفُوعِ التَّقْدِيمُ ويَكُونُ إذْ ذاكَ دَلِيلًا عَلى الجَوابِ لا نَفْسَ الجَوابِ وحِينَئِذٍ يُؤَدِّي إلى تَقْدِيمِ المُضْمَرِ عَلى ظاهِرِهِ في غَيْرِ الأبْوابِ المُسْتَثْناةِ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ وبَيْنَهُ عائِدٌ عَلى اِسْمِ الشَّرْطِ وهو (ما) فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ تَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، ورَدَّهُ السَّفاقِسِيُّ بِأنّا لَوْ تَنَزَّلْنا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لا يَلْزَمُ مَحْذُورٌ أيْضًا لَأنَّ الجُمْلَةَ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرِ الشَّرْطِ يَلْزَمُ تَأْخِيرُها وإنْ كانَتْ مُتَقَدِّمَةً في النِّيَّةِ ألا تَرى أنَّ الفاعِلَ إذا اِشْتَمَلَ عَلى ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَفْعُولِ يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الأكْثَرِ، وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ في النِّيَّةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ودَّتْ وعَلَيْها يَرْتَفِعُ مانِعُ الِارْتِفاعِ بِالإجْماعِ وتَصِحُّ الشَّرْطِيَّةُ إلّا أنَّ العَلّامَةَ الثّانِي قالَ: إنَّ في الصِّحَّةِ كَلامًا لِأنَّ الجُمْلَةَ عَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولِيَّةِ حالٌ أوْ عَطْفٌ عَلى (تَجِدُ) والشُّرْطِيَّةُ لا تَقَعُ حالًا ولا مُضافًا إلَيْها الظَّرْفُ فَلا يَبْقَ إلّا عَطْفُها عَلى اُذْكُرُوا وهو بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يُخِلُّ بِالمَعْنى وهو كَوْنُ هَذِهِ الحالَةِ والوِدادَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولا مَحِيصَ سِوى جَعْلُها حالًا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، أيْ وهي ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ودَّتْ، ولا يَخْفى ما فِيهِ فَإنَّهم أعْرَبُوا أنَّ الوَصْلِيَّةَ مَعَ جُمْلَتِها عَلى الحالِيَّةِ ولَمْ يَنُصَّ النُّحاةُ عَلى مَنعِ الإضافَةِ إلَيْها، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ: إنَّ المَوْصُولِيَّةَ أوْفَقُ بِقِراءَةِ العامَّةِ وأجْرى عَلى سُنَنِ الِاسْتِقامَةِ لِأنَّهُ كَلامٌ كَحِكايَةِ الحالِ الكائِنَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى ما يُفِيدُ الوُقُوعَ ولا كَذَلِكَ الشَّرْطِيَّةُ عَلى أنَّها تُفِيدُ الِاسْتِقْبالَ ولا عَمَلَ سُوءٍ في اِسْتِقْبالِ ذَلِكَ اليَوْمِ وهَذا لا يَنْفِي الصِّحَّةَ لِأنَّها وإنْ لَمْ تَدُلَّ عَلى الوُقُوعِ لا تُنافِيهِ، وحَدِيثُ الِاسْتِقْبالِ يَدْفَعُهُ تَقْدِيرُ وما كانَ عَمِلَتْ كَما في نَظائِرَ لَهُ، فَتَدَبَّرْ وافْهَمْ فَعَلَّكَ لا يَقْطَعُكَ عَنِ اِخْتِيارِ المَوْصُولِيَّةِ شَيْءٌ.

﴿ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ قِيلَ: ذِكْرُهُ أوَّلًا لِلْمَنعِ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ وهُنا حَثًّا عَلى عَمَلِ الخَيْرِ والمَنعِ مِن عَمَلِ السُّوءِ مُطْلَقًا.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿ تَوَدُّ ﴾ أيْ تَهابُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ ومِنَ العَمَلِ السَّيْءِ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ بِإظْهارِ قَهّارِيَّتِهِ وهو مِمّا لا يَكادُ يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ الكِتابُ العَزِيزُ عَلَيْهِ، وأهْوَنُ مِنهُ عَطْفُهُ عَلى (تَجِدُ) والظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِ (اُذْكُرُوا) أيِ اُذْكُرُوا ذَلِكَ اليَوْمَ واذْكُرُوا يَوْمَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ بِإظْهارِ كِبْرِيائِهِ وقَهّارِيَّتِهِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ تَكْرارٌ لِما سَبَقَ وإعادَةٌ لَهُ لَكِنْ لا لِلتَّأْكِيدِ فَقَطْ بَلْ لِإفادَةِ ما يُفِيدُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ مِن أنَّ تَحْذِيرَهُ تَعالى نَفْسَهُ مِن رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ لِلْعِبادِ لِأنَّهم إذا عَرَفُوهُ وحَذَرُوهُ جَرَّهم ذَلِكَ إلى طَلَبِ رِضاهُ واجْتِنابِ سَخَطِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ، أوْ مِن أنَّ تَحْذِيرَهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى تَناسِي صِفَةِ الرَّحْمَةِ بَلْ هو مُتَحَقِّقٌ مَعَ تَحَقُّقِها أيْضًا.

فالجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ وعَلى الثّانِي حالٌ، وإلى الأوَّلِ يُشِيرُ كَلامُ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وألْ في العِبادِ لِلِاسْتِغْراقِ وتَكْرِيرِ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإذْهابِ الغَفْلَةِ بِتَوَجُّهِ الذِّهْنِ إلى هَذا الحُكْمِ أتَمَّ تَوَجُّهٍ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٣١

﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي ﴾ ذَهَبَ عامَّةُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّ المَحَبَّةَ نَوْعٌ مِنَ الإرادَةِ وهي لا تَتَعَلَّقُ حَقِيقَةً إلّا بِالمَعانِي والمَنافِعِ فَيَسْتَحِيلُ تَعَلُّقُها بِذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ فَهي هُنا بِمَعْنى إرادَةِ العَبْدِ اِخْتِصاصَهُ تَعالى بِالعِبادَةِ وذَلِكَ إمّا مِن بابِ إطْلاقِ المَلْزُومِ وإرادَةِ اللّازِمِ أوْ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ بِأنْ شَبَّهَ إرادَةَ العَبْدِ ذَلِكَ ورَغْبَتَهُ فِيهِ بِمَيْلِ قَلْبِ المُحِبِّ إلى المَحْبُوبِ مَيْلًا لا يُلْتَفَتُ مَعَهُ إلّا إلَيْهِ أوْ مِن بابِ مَجازِ النَّقْصِ أيْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى أوْ ثَوابَهُ فاتَّبَعُونِي فِيما آمُرُكم بِهِ وأنْهاكم عَنْهُ كَذا قِيلَ، وهو خِلافُ مَذْهَبِ العارِفِينَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فَإنَّهم قالُوا: المَحَبَّةُ تَتَعَلَّقُ حَقِيقَةً بِذاتِ اللَّهِ تَعالى ويَنْبَغِي لِلْكامِلِ أنْ يُحِبَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لِذاتِهِ وأمّا مَحَبَّةُ ثَوابِهِ فَدَرَجَةٌ نازِلَةٌ، قالَ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في «اَلْإحْياءِ»: ((اَلْحُبُّ عِبارَةٌ عَنْ مَيْلِ الطَّبْعِ إلى الشَّيْءِ المُلِذِّ فَإنْ تَأكَّدَ ذَلِكَ المَيْلُ وقَوِيَ يُسَمّى عِشْقًا، والبُغْضُ عِبارَةٌ عَنْ نَفْرَةِ الطَّبْعِ عَنِ المُؤْلِمِ المُتْعِبِ فَإذا قَوِيَ سُمِّيَ مَقْتًا، ولا يُظَنَّ أنَّ الحُبَّ مَقْصُورٌ عَلى مُدْرَكاتِ الحَواسِّ الخَمْسِ حَتّى يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُدْرِكُ بِالحَواسِّ ولا يَتَمَثَّلُ بِالخَيالِ فَلا يُحِبُّ، لِأنَّهُ  سَمّى الصَّلاةَ قُرَّةَ عَيْنٍ وجَعَلَها أبْلَغَ المَحْبُوباتِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ لِلْحَواسِّ الخَمْسِ فِيها حَظٌّ بَلْ حِسٌّ سادِسٌ مَظِنَّتُهُ القَلْبُ والبَصِيرَةُ الباطِنَةُ أقْوى مِنَ البَصَرِ الظّاهِرِ، والقَلْبُ أشَدُّ إدْراكًا مِنَ العَيْنِ وجَمالُ المَعانِي المُدْرَكَةِ بِالعَقْلِ أعْظَمُ مِن جَمالِ الصُّوَرِ الظّاهِرَةِ لِلْأبْصارِ، فَتَكُونُ لا مَحالَةَ لَذَّةُ القُلُوبِ بِما تُدْرِكُهُ مِنَ الأُمُورِ الشَّرِيفَةِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي تَجِلُّ أنْ تُدْرِكَها الحَواسُّ أتَمَّ وأبْلَغَ فَيَكُونُ مَيْلُ الطَّبْعِ السَّلِيمِ والعَقْلِ الصَّحِيحِ إلَيْهِ أقْوى، ولا مَعْنى لِلْحُبِّ إلّا المَيْلُ إلى ما في إدْراكِهِ لَذَّةٌ فَلا يُنْكِرُ إذًا حُبَّ اللَّهِ تَعالى إلّا مَن قَعَدَ بِهِ القُصُورُ في دَرَجِ البَهائِمِ فَلَمْ يُجِزْ إدْراكَهُ الحَواسَّ أصْلًا))، نَعَمْ هَذا الحُبُّ يَسْتَلْزِمُ الطّاعَةَ كَما قالَ الوَرّاقُ: تَعْصِي الإلَهَ وأنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ هَذا لَعَمْرِي في القِياسِ بَدِيعُ لَوْ كانَ حُبُّكَ صادِقًا لَأطَعْتَهُ ∗∗∗ إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ والقَوْلُ بِأنَّ المَحَبَّةَ تَقْتَضِي الجِنْسِيَّةَ بَيْنَ المُحِبِّ والمَحْبُوبِ فَلا يُمْكِنُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِاَللَّهِ تَعالى ساقِطٌ مِنَ القَوْلِ لِأنَّها قَدْ تَتَعَلَّقُ بِالأعْراضِ بِلا شُبْهَةٍ ولا جِنْسِيَّةٍ بَيْنَ العَرَضِ والجَوْهَرِ.

﴿ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ جَوابُ الأمْرِ وهو رَأْيُ الخَلِيلِ، وأكْثَرُ المُتَأخِّرِينَ عَلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ، أيْ إنْ تَتْبَعُونِي يُحْبِبْكم أيْ يُقَرِّبْكُمْ، رَواهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وقِيلَ: يَرْضَ عَنْكُمْ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالمَحَبَّةِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ، وجَعَلَ بَعْضُهم نِسْبَةَ المُحِبَّةِ لِلَّهِ تَعالى مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.

﴿ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ ﴾ أيْ يَتَجاوَزُ لَكم عَنْها ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ أيْ لِمَن تَحَبَّبَ إلَيْهِ بِطاعَتِهِ وتَقَرَّبَ إلَيْهِ بِاتِّباعِ نَبِيِّهِ  ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ مَعَ زِيادَةِ وعْدِ الرَّحْمَةِ، ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَعَ الإضْمارِ لِما مَرَّ ولِلْإشْعارِ بِاسْتِتْباعِ وصْفِ الأُلُوهِيَّةِ لِلْمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وقُرِئَ (تُحِبُّونِي)، و(يُحِبَّكُمْ)، و(يُحْبِبْكُمْ) مِن حَبَّهُ يُحِبُّهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: أُحِبُّ أبا ثَرْوانَ مِن حُبِّ تَمْرِهِ ∗∗∗ وأعْلَمُ أنَّ الرِّفْقَ بِالجارِ أرْفَقُ وواللَّهِ لَوْلا تَمْرُهُ ما حَبَبْتُهُ ∗∗∗ ولا كانَ أدْنى مِن عَبِيدٍ ومَشْرِقِ ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها كَما قالَ الطِّيبِيُّ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا عَظَّمَ ذاتَهُ وبَيَّنَ جَلالَةِ سُلْطانِهِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ ﴾ الخ تَعَلَّقَ قَلْبُ العَبْدِ المُؤْمِنِ بِمَوْلًى عَظِيمِ الشَّأْنِ ذِي المُلْكِ والمَلَكُوتِ والجَلالِ والجَبَرُوتِ، ثُمَّ لَمّا ثَنّى بِنَهْيِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ أعْدائِهِ وحَذَّرَ عَنْ ذَلِكَ غايَةَ التَّحْذِيرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿ لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ ﴾ الخ؛ ونَبَّهَ عَلى اِسْتِئْصالِ تِلْكَ المُوالاةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ ﴾ الآيَةَ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ زادَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ أقْصى غايَتَهُ فاسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ﴾ لِيُشِيرَ إلى طَرِيقِ الوُصُولِ إلى هَذا المَوْلى جَلَّ وعَلا فَكَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: بِأيِّ شَيْءٍ يُنالُ كَمالُ المُحِبَّةِ ومُوالاةُ الرَّبِّ؟

فَقِيلَ: بَعْدَ قَطْعِ مُوالاةِ أعْدائِنا تُنالُ تِلْكَ الدَّرَجَةُ بِالتَّوَجُّهِ إلى مُتابَعَةِ حَبِيبِنا إذْ كُلُّ طَرِيقٍ سِوى طَرِيقِهِ مَسْدُودٌ وكُلُّ عَمَلٍ سِوى ما أذِنَ بِهِ مَرْدُودٌ.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها فَقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ: «زَعَمَ أقْوامٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهم يُحِبُّونَ اللَّهَ تَعالى فَقالُوا يا مُحَمَّدُ: إنّا نُحِبُّ رَبَّنا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ««وقَفَ النَّبِيُّ  عَلى قُرَيْشٍ في المَسْجِدِ الحَرامِ وقَدْ نَصَبُوا أصْنامَهم وعَلَّقُوا عَلَيْها بَيْضَ النَّعامِ وجَعَلُوا في آذانِها الشُّنُوفُ وهم يَسْجُدُونَ لَها، فَقالَ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَقَدْ خالَفْتُمْ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ، ولَقَدْ كانا عَلى الإسْلامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: يا مُحَمَّدُ إنَّما نَعْبُدُ هَذِهِ حُبًّا لِلَّهِ تَعالى لِتُقَرِّبَنا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ زُلْفى، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ ﴾ الخ،» وفي رِوايَةِ أبِي صالِحٍ ««إنَّ اليَهُودَ لَمّا قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ فَلَمّا نَزَلَتْ عَرَضَها رَسُولُ اللَّهِ  عَلى اليَهُودِ فَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوها»،» ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: إنَّما نُعَظِّمُ المَسِيحَ ونَعْبُدُهُ حُبًّا لِلَّهِ تَعالى وتَعْظِيمًا لَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ»، يُرْوى أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طاعَتَهُ كَطاعَةِ اللَّهِ تَعالى ويَأْمُرُنا أنْ نُحِبَّهُ كَما أحَبَّ النَّصارى عِيسى فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٣٢

﴿ قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ ﴾ أيْ في جَمِيعِ الأوامِرِ والنَّواهِي ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الأمْرُ السّابِقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَعْيِينِ حَيْثِيَّةِ الإطاعَةِ والإشْعارِ بِعِلَّتِها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى رَدِّ شُبْهَةِ المُنافِقِ كَأنَّهُ يَقُولُ: إنَّما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم مُتابَعَتِي لا لِما يَقُولُ النَّصارى في عِيسى بَلْ لِكَوْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ أعْرَضُوا أوْ تَعَرَّضُوا عَلى أنْ تَكُونَ إحْدى التّائَيْنِ مَحْذُوفَةً فَيَكُونُ حِينَئِذٍ داخِلًا في حَيِّزِ المَقُولِ، وفي تَرْكِ ذِكْرِ اِحْتِمالِ الإطاعَةِ تَلْوِيحٌ إلى أنَّها غَيْرُ مُحْتَمَلَةٍ مِنهم ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ  ﴾ أيْ لا يُقَرِّبُهم أوْ لا يَرْضى عَنْهم بَلْ يُبْعِدُهم عَنْ جُوارِ قُدْسِهِ وحَظائِرِ عِزِّهِ ويَسْخَطُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ رِضاهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ مِنَ الكافِرِينَ مَن تَوَلّى، ولَمْ يُعَبِّرْ بِضَمِيرِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّوالِيَ عَنِ الطّاعَةِ كُفْرٌ وبِأنَّ مَحَبَّتَهُ عَزَّ وجَلَّ مَخْصُوصَةٌ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّ نَفْيَها عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ المُسْتَلْزِمَ لِنَفْيِها عَنْ سائِرِهِمْ لِاشْتِراكِ العِلَّةِ يَقْتَضِي الحَصْرَ في ضِدِّهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًۭا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ٣٣

﴿ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ  ﴾ رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ إبْراهِيمَ وإسْحَقَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَحْنُ عَلى دِينِهِمْ فَنَزَلَتْ، وقِيلَ: إنَّ نَصارى نَجْرانَ لَمّا غَلَوْا في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَعَلُوهُ اِبْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ واِتَّخَذُوهُ إلَهًا نَزَلَتْ رَدًّا عَلَيْهِمْ وإعْلامًا لَهم بِأنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ البَشَرِ المُنْتَقِلِينَ في الأطْوارِ المُسْتَحِيلَةِ عَلى الإلَهِ وهَذا وجْهُ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِما قَبْلَها.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في وجْهِ المُناسَبَةِ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وأنَّ اِخْتِلافَ أهْلِ الكِتابَيْنِ فِيهِ إنَّما هو لِلْبَغْيِ والحَسَدِ وأنَّ الفَوْزَ بِرِضْوانِهِ ومَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ مَنُوطٌ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ  وطاعَتِهِ شَرَعَ في تَحْقِيقِ رِسالَتِهِ وأنَّهُ مِن أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ القَدِيمَةِ فَبَدَأ بِبَيانِ جَلالَةِ أقْدارِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأتْبَعُهُ ذِكْرَ مَبْدَأِ عِيسى وأُمِّهِ وكَيْفِيَّةَ دَعْوَتِهِ النّاسَ إلى الإيمانِ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وإبْطالًا لِما عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابَيْنِ مِنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في شَأْنِهِما ثُمَّ بَيَّنَ بُطْلانَ مُحاجَّتِهِمْ في إبْراهِيمَ وادِّعائِهِمُ الِانْتِماءَ إلى مِلَّتِهِ ونَزَّهَ ساحَتَهُ العَلِيَّةَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ ثُمَّ نَصَّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ دُعاةٌ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ، وأنَّ أُمَمَهم قاطِبَةً مَأْمُورُونَ بِالإيمانِ بِمَن جاءَهم مِن رَسُولٍ مُصَدِّقٍ لِما مَعَهم تَحْقِيقًا لِوُجُوبِ الإيمانِ بِالرَّسُولِ  ، وتَحَتُّمُ الطّاعَةِ لَهُ حَسْبَما يَأْتِي تَفْصِيلُهُ اِنْتَهى وهو وجْهٌ وجِيهٌ.

وبَدَأ بِآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ أوَّلُ النَّوْعِ، وثَنّى بِنُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ آدَمُ الأصْغَرُ والأبُ الثّانِي ولَيْسَ أحَدٌ عَلى وجْهِ البَسِيطَةِ إلّا مِن نَسْلِهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ ﴾ وذَكَرَ آلَ إبْراهِيمَ لِتَرْغِيبِ المُعْتَرِفِينَ بِاصْطِفائِهِمْ في الإيمانِ بِنُبُوَّةٍ واسِطَةِ قِلادَتِهِمْ واسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ الِاعْتِرافِ بِاصْطِفائِهِ بِواسِطَةِ كَوْنِهِ مِن زُمْرَتِهِمْ، وذَكَرَ آلَ عِمْرانَ مَعَ اِنْدِراجِهِمْ في الآلِ الأوَّلِ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَمالِ رُسُوخِ الِاخْتِلافِ في شَأْنِهِ وهَذا هو الدّاعِي إلى إضافَةِ الآلِ في الأخِيرَيْنِ دُونَ الأوَّلَيْنِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالآلِ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى النَّفْسِ، أيِ اِصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وإبْراهِيمَ وعِمْرانَ، وذَكَرَ الآلَ فِيهِما اِعْتِناءً بِشَأْنِهِما ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والمُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ كَما قالَ مُقاتِلٌ: إسْماعِيلُ وإسْحَقُ ويَعْقُوبُ والأسْباطُ، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم مَن كانَ عَلى دِينِهِ كَآلِ مُحَمَّدٍ  في أحَدِ الإطْلاقاتِ، والمُرادُ بِآلِ عِمْرانَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُمُّهُ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بْنِ ماثانَ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ، قالَهُ الحَسَنُ ووَهْبٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ مُوسى وهارُونُ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَعِمْرانُ حِينَئِذٍ هو عِمْرانُ بْنُ يَصْهَرَ أبُو مُوسى قالَهُ مُقاتِلٌ وبَيْنَ العِمْرانَيْنِ ألْفٌ وثَمانُمِائَةِ سَنَةٍ والظّاهِرُ هو القَوْلُ الأوَّلُ لِأنَّ السُّورَةَ تُسَمّى آلَ عِمْرانَ ولَمْ تُشْرَحْ قِصَّةُ عِيسى ومَرْيَمَ في سُورَةٍ أبْسَطَ مِن شَرْحِها في هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا مُوسى وهارُونُ فَلَمْ يُذْكَرْ مِن قِصَّتِهِما فِيها طَرَفٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عِمْرانَ المَذْكُورَ هو أبُو مَرْيَمَ، وأيْضًا يُرَجَّحُ كَوْنُ المُرادِ بِهِ أبا مَرْيَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ اِصْطِفاءَها بَعْدُ ونَصَّ عَلَيْهِ وأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ ﴾ الخ، والظّاهِرُ أنَّهُ شَرَحَ لِكَيْفِيَّةِ الِاصْطِفاءِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وآلَ عِمْرانَ ﴾ فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ تَكْرارِ الِاسْمِ في جُمْلَتَيْنِ فَيَسْبِقُ الذِّهْنُ إلى أنَّ الثّانِي هو الأوَّلُ نَحْوَ أُكْرِمُ زَيْدًا إنَّ زَيْدًا رَجُلٌ فاضِلٌ، وإذا كانَ المُرادِ بِالثّانِي غَيْرَ الأوَّلِ كانَ في ذَلِكَ إلْباسٌ عَلى السّامِعِ، وتَرْجِيحُ القَوْلِ الأخِيرِ بِأنَّ مُوسى يُقْرَنُ بِإبْراهِيمَ في الذِّكْرِ لَيْسَ في القُوَّةِ كَمُرَجِّحِ الأوَّلِ كَما لا يَخْفى.

والِاصْطِفاءُ الِاخْتِيارُ، وأصْلُهُ أخْذُ صَفْوَةِ الشَّيْءِ كالِاسْتِصْفاءِ، ولِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّفْضِيلِ عُدِّيَ بِعَلى، والمُرادُ بِالعالَمِينَ أهْلُ زَمانِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أيِ اِصْطَفى كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَلى عالِمِي زَمانِهِ، ويَدْخُلُ المُلْكُ في ذَلِكَ، والتَّأْوِيلُ خِلافُ الأصْلِ، ومِن هُنا اَسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أفْضَلِيَّةِ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ، ووَجْهُ الِاصْطِفاءِ في جَمِيعِ الرُّسُلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّهم بِالنُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ وما يَلِيقُ بِها مِنَ المَلَكاتِ الرُّوحانِيَّةِ والكِمالاتِ الجُسْمانِيَّةِ حَتّى إنَّهُمُ اِمْتازُوا كَما قِيلَ عَلى سائِرِ الخَلْقِ خَلْقًا وخُلُقًا، وجُعِلُوا خَزائِنَ أسْرارِ اللَّهِ تَعالى ومَظْهَرَ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ ومَحَلَّ تَجَلِّيهِ الخاصِّ مِن عِبادِهِ ومَهْبِطَ وحْيِهِ ومَبْلَغَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وهَذا ظاهِرٌ في المُصْطَفَيْنَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ مِنَ الرُّسُلِ، وأمّا مَرْيَمُ فَلَها الحَظُّ الأوْفَرُ مِن بَعْضِ ذَلِكَ، وقِيلَ: اِصْطَفى آدَمَ بِأنْ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ وعَلَّمَهُ الأسْماءَ وأسْجَدَ لَهُ المَلائِكَةَ وأسْكَنَهُ جِوارَهُ، واصْطَفى نُوحًا بِأنَّهُ أوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأخَواتِ والعَمّاتِ والخالاتِ وسائِرِ ذَوِي المَحارِمِ وأنَّهُ أبُ النّاسِ بَعْدَآدَمَ وبِاسْتِجابَةِ دَعْوَتِهِ في حَقِّ الكَفَرَةِ والمُؤْمِنِينَ، واصْطَفى آلَ إبْراهِيمَ بِأنْ جَعَلَ فِيهِمُ النُّبُوَّةَ والكِتابَ، ويَكْفِيهِمْ فَخْرًا أنَّ سَيِّدَ الأصْفِياءِ مِنهُمْ، واصْطَفى عِيسى وأُمَّهُ بِأنَّ جَعَلَهُما آيَةً لِلْعالَمِينَ.

وإنْ أُرِيدَ بِآلِ عِمْرانَ مُوسى وهارُونُ فَوَجْهُ اِصْطِفاءِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَكْلِيمُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ وكِتابَةُ التَّوْراةِ لَهُ بِيَدِهِ، ووَجْهُ اِصْطِفاءِ هارُونَ جَعْلُهُ وزِيرًا لِأخِيهِ، وأمّا اِصْطِفاءُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَمَفْهُومٌ بِطْرِيقِ الأوْلى، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِهِ لِلْإيذانِ بِالغِنى عَنْهُ لِكَمالِ شُهْرَةِ أمْرِهِ بِالخُلَّةِ وكَوْنِهِ شَيْخَ الأنْبِياءِ وقُدْوَةَ المُرْسَلِينَ، وأمّا اِصْطِفاءُ نَبِيِّنا  فَيُفْهَمُ مِن دُخُولِهِ في آلِ إبْراهِيمَ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ويَنْضَمُّ إلَيْهِ أنَّ سِياقَ هَذا المَبْحَثِ لِأجْلِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ بَيانُ وجْهِ المُناسِبَةِ في كَلامِ شَيْخِ الإسْلامِ، ورُوِيَ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ أنَّهم يَقْرَءُونَ (وآلَ مُحَمَّدٍ عَلى العالَمِينَ) وعَلى ذَلِكَ لا سُؤالَ.

ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ مُحَمَّدٌ  جُعِلَ كَأنَّهُ كُلُّ الآلِ مُبالَغَةً في مَدْحِهِ، وفِيهِ أنَّ نَبِيَّنا وإنْ كانَ في نَفْسِ الأمْرِ بِمَنزِلَةِ الأنْبِياءِ كُلِّهِمْ فَضْلًا عَنْ آلِ إبْراهِيمَ فَقَطْ إلّا أنَّ هَذِهِ الإرادَةَ هُنا بَعِيدَةٌ، ويُشْبِهُ ذَلِكَ في البُعْدِ بَلْ يَزِيدُ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم في الآيَةِ أنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِمُتابَعَتِهِ  وإطاعَتِهِ، وجَعَلَ إطاعَتَهُ ومُتابَعَتَهُ سَبَبًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُمْ، وعَدَمَ إطاعَتِهِ سَبَبًا لِسَخَطِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وسَلْبِ مَحَبَّتِهِ عَنْهُمْ، أكَّدَ ذَلِكَ بِتَعْقِيبِهِ بِما هو عادَةُ اللَّهِ تَعالى مِنَ اِصْطِفاءِ أنْبِيائِهِ عَلى مُخالِفِيهِمْ وقِمْعِهِمْ وتَذْلِيلِهِمْ وإعْدامِهِمْ لَهم تَخْوِيفًا لِهَؤُلاءِ المُتَمَرِّدِينَ عَنْ مُتابَعَتِهِ  فَذَكَرَ اِصْطِفاءَ آدَمَ عَلى العالَمِ الأعْلى، فَإنَّهُ رَجَّحَهُ عَلى سائِرِ المَلائِكَةِ وجَعَلَهم ساجِدِينَ لَهُ وجَعَلَ الشَّيْطانَ في لَعْنَةٍ لِتَمَرُّدِهِ، واصْطِفاءَ نُوحٍ عَلى العالَمِ مَعَ نِهايَةِ كَثْرَتِهِمْ فَأهْلَكَهم بِالطُّوفانِ وحَفِظَ نُوحًا وأتْباعَهُ، واصْطِفاءَ آلِ إبْراهِيمَ عَلى العالَمِ مَعَ أنَّ العالَمَ كانُوا كافِرِينَ فَجَعَلَ دِينَهم شائِعًا وذَلَّلَ مُخالِفِيهِمْ، واصْطِفاءَ مُوسى وهارُونَ عَلى العالَمِ فَجَعَلَ السَّحَرَةَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ مَغْلُوبِينَ لَهُما وفِرْعَوْنَ مَعَ عَظَمَتِهِ وغَلَبَةِ جُنُودِهِ مَغْلُوبًا وأهْلَكَهُمْ، ولِذا خَصَّ آدَمَ بِالذِّكْرِ ونُوحًا والآلِينَ، ولَمْ يَذْكُرْ إبْراهِيمَ ونَبِيَّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِما وسَلَّمَ إذْ إبْراهِيمُ لَمْ يَغْلِبْ، وهَذا الكَلامُ لِبَيانِ أنَّ نَبِيَّنا  سَيَغْلِبُ ولَيْسَ المُرادُ الِاصْطِفاءَ بِالنُّبُوَّةِ حَتّى يَخْفى وجْهُ التَّخْصِيصِ، وبِهَذا ظَهَرَ ضَعْفُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى فَضْلِهِمْ عَلى المَلائِكَةِ، اِنْتَهى.

وفِيهِ أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الِاصْطِفاءِ الِاجْتِباءُ والِاخْتِيارُ لا النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ عَلى أنَّ المَقامَ بِمَراحِلَ عَنْ هَذا الحَمْلِ، وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ فَسَرَّ الِاصْطِفاءِ هُنا بِالِاخْتِيارِ لِلرِّسالَةِ ومِثْلُهُ فِيما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ، وأيْضًا حَمْلُ آلِ عِمْرانَ عَلى مُوسى وهارُونَ مِمّا لا يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ كَما عَلِمْتَ، وكَأنَّ القائِلَ لَمّا لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ إجْراءُ الِاصْطِفاءِ بِالمَعْنى الَّذِي أرادَهُ في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُمِّهِ اُضْطُرَّ إلى الحَمْلِ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ غَنِيَّةٌ عَنِ الوُلُوجِ في مِثْلِ هَذِهِ المَضايِقِ.

<div class="verse-tafsir"

ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍۢ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤

﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ نُصِبَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الآلِينَ أوِ الحالِيَّةِ مِنهُما، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن (نُوحٍ) وما بَعْدَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (آدَمَ) و(ما) عَطْفٌ عَلَيْهِ ورَدَّهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ آدَمَ لَيْسَ بِذُرِّيَّةٍ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ مِن أنَّ الذُّرِّيَّةَ تُطْلَقُ عَلى الآباءِ والأبْناءِ لِأنَّهُ مِنَ الذَّرْءِ بِمَعْنى الخَلْقِ، والأبُ ذُرِئَ مِنهُ الوَلَدُ، والوَلَدُ ذُرِئَ مِنَ الأبِ إلّا أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ النَّسْلُ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ، والمَعْنى أنَّهم ذُرِّيَّةٌ واحِدَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ البَعْضُ مِنَ البَعْضِ في النَّسَبِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِكَوْنِهِمْ ذُرِّيَّةً، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ﴿ بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ في النِّيَّةِ والعَمَلِ والإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ، و(مِن) عَلى الأوَّلِ: اِبْتِدائِيَّةٌ والِاسْتِمالَةُ تَقْرِيبِيَّةٌ وعَلى الثّانِي: اِتِّصالِيَّةٌ والِاسْتِمالَةُ بُرْهانِيَّةٌ، وقِيلَ: هي اِتِّصالِيَّةٌ فِيهِما ﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لِأقْوالِ العِبادِ ﴿ عَلِيمٌ  ﴾ بِأفْعالِهِمْ وما تُكِنُّهُ صُدُورُهم فَيَصْطَفِي مَن يَشاءُ مِنهُمْ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًۭا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٣٥

﴿ إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلِاصْطِفاءِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ، والظَّرْفُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيِ اُذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِها، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِما قَبْلَهُ، وهو ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّنازُلِ أوِ السَّمِيعُ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِالأجْنَبِيِّ لِتَوَسُّعِهِمْ في الظُّرُوفِ، وقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِمَعْنى الِاصْطِفاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِ (اِصْطَفى) المَذْكُورِ كَأنَّهُ قِيلَ: واصْطَفى آلَ عِمْرانَ، ﴿ إذْ قالَتِ ﴾ الخ، فَكانَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ عَلى الجَمَلِ لا المُفْرَداتِ عَلى المُفْرَداتِ لِيَلْزَمُ كَوْنُ اِصْطِفاءِ الكُلِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

واِمْرَأةُ عِمْرانَ هي حَنَّةُ بِنْتُ فاقُوذا كَما رَواهُ إسْحَقُ بْنُ بِشْرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وهي جَدَّةُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ لَها أُخْتٌ اِسْمُها إيشاعُ تَزَوَّجَها زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هي أمُّ يَحْيى، فَعِيسى اِبْنُ بِنْتِ خالَةِ يَحْيى كَما ذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الإخْبارِيِّينَ، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في حَدِيثِ المِعْراجِ مِن قَوْلِهِ  : «”فَإذا أنا بِابْنَيِ الخالَةِ عِيسى اِبْنِ مَرْيَمَ، ويَحْيى بْنِ زَكَرِيّا“،» وأجابَ صاحِبُ «اَلتَّقْرِيبِ» بِأنَّ الحَدِيثَ مُخْرَجٌ عَلى المَجازِ فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يُطْلِقُ الرَّجُلُ اِسْمَ الخالَةِ عَلى بِنْتِ خالَتِهِ لِكَرامَتِها عَلَيْهِ، والغَرَضُ أنَّ بَيْنَهُما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ هَذِهِ الجِهَةَ مِنَ القَرابَةِ وهي جِهَةٌ الخُؤُولَةِ، وقِيلَ: كانَتْ إيشاعُ أُخْتَ حَنَّةَ مِنَ الأُمِّ وأُخْتَ مَرْيَمَ مِنَ الأبِ عَلى أنَّ عِمْرانَ نَكَحَ أوَّلًا أمَّ حَنَّةَ فَوَلَدَتْ لَهُ إيشاعَ ثُمَّ نَكَحَ حَنَّةَ بِناءً عَلى حَلِّ نِكاحِ الرَّبائِبِ في شَرِيعَتِهِمْ فَوَلَدَتْ مَرْيَمَ فَكانَتْ إيشاعُ أُخْتَ مَرْيَمَ مِنَ الأبِ وخالَتَها مِنَ الأُمِّ لِأنَّها أُخْتُ حَنَّةَ مِنَ الأُمِّ، وفِيهِ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ مُحْيِي السُّنَّةِ مِن أنَّ إيشاعَ وحَنَّةَ بِنْتا فاقُوذا عَلى أنَّهُ بَعِيدٌ لِعَدَمِ الرِّوايَةِ في الأمْرَيْنِ.

أخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ حَنَّةَ اِمْرَأةَ عِمْرانَ كانَتْ حُبِسَتْ عَنِ الوَلَدِ والمَحِيضِ فَبَيْنا هي ذاتَ يَوْمٍ في ظِلِّ شَجَرَةٍ إذْ نَظَرَتْ إلى طَيْرٍ يَزُقُّ فَرْخًا لَهُ فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ فَدَعَتِ اللَّهَ تَعالى أنْ يَهَبَ لَها ذَكَرًا فَحاضَتْ مِن ساعَتِها فَلَمّا طَهُرَتْ أتاها زَوْجُها فَلَمّا أيْقَنَتْ بِالوَلَدِ، قالَتْ: لَئِنْ نَجّانِي اللَّهُ تَعالى ووَضَعْتُ ما في بَطْنِي لَأجْعَلَنَّهُ مُحَرَّرًا ولَمْ يَكُنْ يُحَرَّرُ في ذَلِكَ الزَّمانِ إلّا الغِلْمانُ، فَقالَ لَها زَوْجُها: أرَأيْتَ إنْ كانَ ما في بَطْنِكَ أُنْثى والأُنْثى عَوْرَةٌ فَكَيْفَ تَصْنَعِينَ؟

فاغْتَمَّتْ لِذَلِكَ فَقالَتْ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ﴾ وهَذا في الحَقِيقَةِ اِسْتِدْعاءٌ لِلْوَلَدِ الذَّكَرِ لِعَدَمِ قَبُولِ الأُنْثى فَيَكُونُ المَعْنى: رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي فاجْعَلْهُ ذَكَرًا عَلى حَدِّ أعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي.

وجَعَلَهُ بَعْضُ الأئِمَّةِ تَأْكِيدًا لِنَذْرِها وإخْراجًا لَهُ عَنْ صُورَةِ التَّعْلِيقِ إلى هَيْئَةِ التَّنْجِيزِ، واللّامُ مِن (لَكَ) لِلتَّعْلِيلِ، والمُرادُ لِخِدْمَةِ بَيْتِكَ والمُحَرَّرُ مَن لا يَعْمَلُ لِلدُّنْيا ولا يَتَزَوَّجُ ويَتَفَرَّغُ لِعَمَلِ الآخِرَةِ ويَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى ويَكُونُ في خِدْمَةِ الكَنِيسَةِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ مُجاهِدٌ: المُحَرَّرُ الخادِمُ لِلْبَيْعَةِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ الخالِصُ الَّذِي لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أرادَتْ عَتِيقًا خالِصًا لِطاعَتِكَ لا أصْرِفُهُ في حَوائِجِي، وعَلى كُلٍّ هو مِنَ الحُرِّيَّةِ وهي ضَرْبانِ أنْ لا يَجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ السِّبِّيِّ وأنْ لا تَتَمَلَّكَهُ الأخْلاقُ الرَّدِيئَةُ والرَّذائِلُ الدُّنْيَوِيَّةُ.

وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن (ما)، والعامِلُ فِيهِ ﴿ نَذَرْتُ ﴾ ؛ وقِيلَ: مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الجارِّ والمَجْرُورِ، والعامِلُ فِيهِ حِينَئِذٍ الِاسْتِقْرارُ ولا يَخْفى رُجْحانُ الوَجْهِ الأوَّلِ، والحالُ إمّا مُقَدَّرَةٌ أوْ مُصاحِبَةٌ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يُنْصَبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ تَحْرِيرًا لِأنَّهُ بِمَعْنى النَّذْرُ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِلْإيذانِ بِوُفُورِ الرَّغْبَةِ في مَضْمُونِها، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنِ الوَلَدِ بِما لِإبْهامِ أمْرِهِ وقُصُورِهِ عَنْ دَرَجَةِ العُقَلاءِ، والتَّقَبُّلُ أخْذُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الرِّضا وأصْلُهُ المُقابَلَةُ بِالجَزاءِ وتَقَبَّلْ هُنا بِمَعْنى اِقْبَلْ.

﴿ إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ ﴾ لِسائِرِ المَسْمُوعاتِ فَتَسْمَعُ دُعائِي ﴿ العَلِيمُ  ﴾ بِما كانَ ويَكُونُ فَتَعْلَمُ نِيَّتِي وهو تَعْلِيلٌ لِاسْتِدْعاءِ القَبُولِ مِن حَيْثُ إنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِصِحَّةِ نِيَّتِها وإخْلاصِها مُسْتَدْعٍ لِذَلِكَ تَفَضُّلًا وإحْسانًا، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِغَرَضِ قُوَّةِ يَقِينِها بِمَضْمُونِها وقِصَرِ صِفَتَيِ السَّمْعِ والعِلْمِ عَلَيْهِ تَعالى لِغَرَضِ اِخْتِصاصِ دُعائِها وانْقِطاعِ حَبْلِ رَجائِها عَمّا عَداهُ سُبْحانَهُ بِالكُلِّيَّةِ مُبالَغَةً في الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وتَقْدِيمُ صِفَةِ السَّمْعِ لِأنَّ مُتَعَلِّقاتِها وإنْ كانَتْ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ إلّا أنَّها لَيْسَتْ كَمُتَعَلِّقاتِ صِفَةِ العِلْمِ في الكَثْرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٣٦

﴿ فَلَمّا وضَعَتْها ﴾ الضَّمِيرُ -لَمّا- ولَمّا عَلِمَ المُتَكَلِّمُ أنَّ مَدْلُولَها مُؤَنَّثٌ جازَ لَهُ تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ وإنْ كانَ اللَّفْظُ مُذَكَّرًا، وأمّا التَّأْنِيثُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ فَلَيْسَ بِاعْتِبارِ العِلْمِ بَلْ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ ضَمِيرٍ وقَعَ بَيْنَ مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ هُما عِبارَتانِ عَنْ مَدْلُولٍ واحِدٍ جازَ فِيهِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ نَحْوَ: الكَلامُ يُسَمّى جُمْلَةً، و ﴿ أُنْثى ﴾ حالٌ بِمَنزِلَةِ الخَبَرِ فَأنَّثَ العائِدُ إلى (ما) نَظَرًا إلى الحالِ مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَبِرَ فِيهِ مَعْنى الأُنُوثَةِ لِيَلْزِمُ اللَّغْوُ أوْ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِمُؤَنَّثٍ لَفْظِيٍّ يَصْلُحُ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ كالنَّفْسِ والحَبْلَةِ والنَّسَمَةِ، فَلا يُشْكِلُ التَّأْنِيثُ ولا يَلْغُو ﴿ أُنْثى ﴾ بَلْ هي حالَةٌ مُبَيَّنَةٌ كَذا قِيلَ، ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، فالحَقُّ أنَّ الضَّمِيرَ لِ (ما في بَطْنِي) والتَّأْنِيثُ في الأوَّلِ لِما أنَّ المَقامَ يَسْتَدْعِي ظُهُورَ أُنُوثَتِهِ واعْتِبارَهُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ إذْ عَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ جَوابُ (لَمّا) لا عَلى وضْعِ ولَدٍ ما، والتَّأْنِيثُ في الثّانِي لِلْمُسارَعَةِ إلى عَرْضِ ما دَهَمَها مِن خَيْبَةِ الرَّجاءِ وانْقِطاعِ حَبْلِ الأمَلِ، و ﴿ أُنْثى ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ولَيْسَ الغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ الإخْبارَ لِأنَّهُ إمّا لِلْفائِدَةِ أوْ لِلازِمِها، وعِلْمُ اللَّهِ تَعالى مُحِيطٌ بِهِما بَلْ لِمُجَرَّدِ التَّجَسُّرِ والتَّحَزُّنِ، وقَدْ قالَ الإمامُ المَرْزُوقِيُّ: إنَّهُ قَدْ يَرِدُ الخَبَرُ صُورَةً لِأغْراضٍ سِوى الإخْبارِ، كَما في قَوْلِهِ: قَوْمِي هم قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي فَإذا رَمَيْتُ (يُصِيبُنِي سَهْمِي) فَإنَّ هَذا الكَلامَ تَحَزُّنٌ وتَفَجُّعٌ ولَيْسَ بِإخْبارٍ، وحاصِلُ المَعْنى هُنا عَلى ما قَرَّرَ فَلَمّا وضَعَتْ بِنْتًا تَحَسَّرَتْ إلى مَوْلاها وتَفَجَّعَتْ إذْ خابَ مِنها رَجاها وعَلى هَذا لا إشْكالَ أصْلًا في التَّأْنِيثِ ولا في الجَزاءِ نَفْسِهِ، ولا في تَرَتُّبِهِ عَلى الشَّرْطِ، وما قِيلَ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فائِدَةُ هَذا الكَلامِ التَّحْقِيرَ لِلْمُحَرَّرِ اِسْتِجْلابًا لِلْقَبُولِ، لِأنَّهُ مَن تَواضَعَ لِلَّهِ تَعالى رَفَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَمُسْتَحْقَرٌ مِنَ القَوْلِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما ذَكَرْنا؛ والتَّأْكِيدُ هُنا قِيلَ: لِلرَّدِّ عَلى اِعْتِقادِها الباطِلِ ورُبَّما أنَّهُ يَعُودُ إلى الِاعْتِناءِ والمُبالَغَةِ في التَّحَسُّرِ الَّذِي قَصَدَتْهُ، والرَّمْزُ إلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ قَلْبٍ كَسِيرٍ وفُؤادٍ بِقُيُودِ الحِرْمانِ أسِيرٍ.

﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ﴾ لَيْسَ المُرادُ الرَّدَّ عَلَيْها في إخْبارِها بِما هو سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِهِ كَما يَتَراءى مِنَ السِّياقِ بَلِ الجُمْلَةُ اِعْتِراضِيَّةٌ سِيقَتْ لِتَعْظِيمِ المَوْلُودِ الَّذِي وضَعَتْهُ وتَفْخِيمِ شَأْنِهِ والتَّجْهِيلِ لَها بِقَدَرِهِ، أيْ واَللَّهُ أعْلَمُ بِالشَّيْءِ الَّذِي وضَعَتْهُ وما عَلِقَ بِهِ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ ودَقائِقِ الأسْرارِ وواضِحِ الآياتِ، وهي غافِلَةٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، و(ما) عَلى هَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ المَوْضُوعَةِ، قِيلَ: والإتْيانُ بِها دُونَ مَن يُلائِمُ التَّجْهِيلَ فَإنَّها كَثِيرًا ما يُؤْتى بِها لِما يُجْهَلُ بِهِ، وجَعَلَها عِبارَةً عَنِ الواضِعَةِ، أيْ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِشَأْنٍ أُمِّ مَرْيَمَ حِينَ تَحَسُّرِها وتَحَزُّنِها مِن تَوَهُّمِ خَيْبَةِ رَجاها، وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الوَلِيِّ إلى اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ، إذْ لَها مَرْتَبَةٌ عُظْمى وتَحْرِيرُها تَحْرِيرٌ لا يُوجَدُ مِنهُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، وجَزالَةُ النَّظْمِ تَأْباهُ.

وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿ بِما وضَعَتْ ﴾ عَلى خِطابِ اللَّهِ تَعالى لَها، والمُرادُ بِهِ تَعْظِيمُ شَأْنِ المَوْضُوعِ أيْضًا أيْ إنَّكِ لا تَعْلَمِينَ قَدْرَ ما وضَعْتِهِ وما أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ.

وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ (بِما وضَعْتُ) عَلى أنَّهُ مِن كَلامِها، قالَتْهُ اِعْتِذارًا إلى اللَّهِ تَعالى حَيْثُ وضَعَتْ مَوْلُودًا لا يَصْلُحُ لِلْغَرَضِ، أوْ تَسْلِيَةً لِنَفْسِها أيْ ولَعَلَّ لِلَّهِ تَعالى في ذَلِكَ سِرًّا وحِكْمَةً ولَعَلَّ هَذِهِ الأُنْثى خَيْرٌ مِنَ الذَّكَرِ فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ لِنَفْيِ العِلْمِ لا لِلتَّجْهِيلِ لِأنَّ العَبْدَ يَنْظُرُ إلى ظاهِرِ الحالِ ولا يَقِفُ عَلى ما في خِلالِهِ مِنَ الأسْرارِ، وحَمْلُ قِراءَةِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى هَذا المَعْنى بِجَعْلِ الخِطابِ مِنها لِنَفْسِها في غايَةِ البُعْدِ، ووَضُعِ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُخاطَبِ إظْهارًا لِغايَةِ الإجْلالِ.

﴿ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى ﴾ اِعْتِراضٌ آخَرُ مُبَيِّنٌ لِما اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ الأوَّلُ مِنَ التَّعْظِيمِ ولَيْسَ بَيانًا لِمَنطُوقِهِ حَتّى يَلْحَقَ بِعَطْفِ البَيانِ المُمْتَنِعِ فِيهِ العَطْفُ، واللّامُ في الذَّكَرِ والأُنْثى لِلْعَهْدِ، أمّا الَّتِي في الأُنْثى فَلِسَبْقِ ذِكْرِها صَرِيحًا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ حِكايَةً: ﴿ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ وأمّا الَّتِي في الذَّكَرِ فَلِقَوْلِها: ﴿ إنِّي نَذَرْتُ ﴾ الخ، إذْ هو الَّذِي طَلَبَتْهُ والتَّحْرِيرُ لا يَكُونُ إلّا لِلذَّكَرِ، وسُمِّيَ هَذا العَهْدَ التَّقْدِيرِيَّ وهو غَيْرُ الذِّهْنِيِّ لِأنَّ قَوْلَها: ﴿ ما في بَطْنِي ﴾ صالِحٌ لِلصِّنْفَيْنِ، وقَوْلُها: ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ تَمَنٍّ لِأنْ يَكُونَ ذَكَرًا فَأُشِيرَ إلى ما في البَطْنِ حَسَبَ رَجائِها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِها فَيَكُونُ مُرادُها نَفْيَ مُماثَلَةِ الذَّكَرِ لِلْأُنْثى، فاللّامُ لِلْجِنْسِ كَما هو الظّاهِرُ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ خُصُوصَ ذَكَرٍ وأُنْثى، بَلْ إنَّ المُرادَ أنَّ هَذا الجِنْسَ لَيْسَ كَهَذا الجِنْسِ، وأُورِدُ عَلَيْهِ أنَّ قِياسَ كَوْنِ ذَلِكَ مِن قَوْلِها أنْ يَكُونَ، ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَّكَرِ فَإنَّ مَقْصُودَها تَنْقِيصُ الأُنْثى بِالنِّسْبَةِ إلى الذَّكَرِ، والعادَةُ في مَثَلِهِ أنْ يُنْفى عَنِ النّاقِصِ شِبْهُهُ بِالكامِلِ لا العَكْسُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ جارٍ عَلى ما هو العادَةُ في مِثْلِهِ أيْضًا لِأنَّ مُرادَ أُمِّ مَرْيَمَ لَيْسَ تَفْضِيلَ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى بَلِ العَكْسُ، تَعْظِيمًا لِعَطِيَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَطْلُوبِها، أيْ ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي هو مَطْلُوبِي كالأُنْثى الَّتِي وهَبَها اللَّهُ تَعالى لِي عِلْمًا مِنها بِأنَّ ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ خَيْرٌ مِمّا يُرِيدُهُ العَبْدُ وفِيهِ نَظَرٌ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ اللّامَ في الذَّكَرِ والأُنْثى عَلى هَذا يَكُونُ لِلْعَهْدِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّهُ يُنافِي التَّحَسُّرَ والتَّحَزُّنَ المُسْتَفادَ مِن قَوْلِها: ﴿ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ فَإنَّ تَحَزُّنَها ذَلِكَ إنَّما هو لِتَرْجِيحِها الذَّكَرَ عَلى الأُنْثى، والمَفْهُومُ مِن هَذا الجَوابِ تَرْجِيحُها الأُنْثى عَلى الذَّكَرِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُحْمَلَ قَوْلُها ذَلِكَ عَلى تَسْلِيَةِ نَفْسِها بَعْدَ ما تَحَزَّنَتْ عَلى هِبَةِ الأُنْثى بَدَلَ الذَّكَرِ الَّذِي كانَتْ طَلَبَتْهُ، إلّا أنَّهُ تَبْقى مُخالَفَةُ الظّاهِرِ عَلى ما هِيَ، فالأوْلى في الجَوابِ عَدَمُ الخُرُوجِ عَمّا هو الظّاهِرُ والبَحْثُ فِيما اِقْتَضَتْهُ العادَةُ، فَقَدْ قالَ في «اَلِانْتِصافَ» بَعْدَ نَقْلِ الإيرادِ وذِكْرِ القاعِدَةِ: وقَدْ وجَدْتُ الأمْرَ في ذَلِكَ مُخْتَلِفًا فَلَمْ يَثْبُتْ لِي تَعَيُّنُ ما قالُوهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ ﴾ فَنَفى عَنِ الكامِلِ شِبْهَ النّاقِصِ لِأنَّ الكَمالَ لِأزْواجِ النَّبِيِّ  ثابِتٌ بِالنِّسْبَةِ إلى عُمُومِ النِّساءِ وعَلى ذَلِكَ جاءَتْ عِبارَةُ اِمْرَأةِ عِمْرانَ، ومِنهُ أيْضًا ﴿ أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ ﴾ اِنْتَهى.

وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ إذا دَخَلَ نَفْيٌ بِلا أوْ غَيْرِها، أوْ ما في مَعْناهُ عَلى تَشْبِيهٍ مُصَرَّحٍ بِأرْكانِهِ، أوْ بِبَعْضِها اِحْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ تَفْضِيلِ المُشَبَّهِ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ لا يُشَبَّهُ بِكَذا لِأنَّ وجْهَ الشَّبَهِ فِيهِ أوْلى وأقْوى كَقَوْلِكَ لَيْسَ زَيْدٌ كَحاتِمٍ في الجُودِ، ويُحْتَمَلُ عَكْسُهُ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ لا يُشَبَّهُ بِهِ لِبُعْدِ المَسافَةِ بَيْنَهُما كَقَوْلِ العَرَبِ ماءٌ ولا كَصِداءٍ، ومَرْعًى ولا كالسَّعْدانِ، وفَتًى ولا كَمالِكٍ، وقَوْلِهِ: طَرَفُ الخَيالِ ولا كَلَيْلَةِ مُدْلِجٍ ووَقَعَ في «شُرُوحِ المَقاماتِ» وغَيْرِها أنَّ العَرَبَ لَمْ تَسْتَعْمِلِ النَّفْيَ بِلا عَلى هَذا الوَجْهِ إلّا لِلْمَعْنى الثّانِي وأنَّ اِسْتِعْمالَهُ لِتَفْضِيلِ المُشَبَّهِ مِن كَلامِ المُوَلِّدِينَ حَتّى اِعْتَرَضُوا عَلى قَوْلِ الحَرِيرِيِّ في قَوْلِهِ: غَدَوْتَ ولا اِغْتِداءَ الغُرابِ وعِيبٌ قَوْلُ صاحِبِ «اَلتَّلْوِيحِ» في خُطْبَتِهِ: نالَ حَظًّا مِنَ الِاشْتِهارِ ولا اِشْتِهارَ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهارِ، ومَبْنى الِاعْتِراضِ عَلى هَذا، ولَعَلَّهُ لَيْسَ بِلازِمٍ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ «اَلِانْتِصافِ» بِما أوْرَدَ مِنَ الآياتِ، ومِمّا أوْرَدَهُ الثَّعالِبِيُّ مِن خِلافِهِ أيْضًا في كِتابِهِ «اَلْمُنْتَخَبِ» فُلانٌ حَسَنٌ ولا القَمَرَ، وجَوادٌ ولا المَطَرَ عَلى أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ ما ذَكَرُوهُ فالمَعانِي لا حَجْرَ فِيها عَلى أنَّ ما ورَدَ في النَّفْيِ بِلا المُعْتَرِضَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ لا في كُلِّ نَفْيٍ اِنْتَهى.

وهو كَما قالَ: مِن نَفائِسِ المَعانِي الَّتِي يَنْبَغِي حِفْظُها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ المَنصُوبَةِ المَحَلِّ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْقَوْلِ وما بَيْنَهُما كَما عَلِمْتَ اِعْتِراضٌ بِجُمْلَتَيْنِ غَيْرِ مَحْكِيَّتَيْنِ الثّانِيَةُ مِن تَتِمَّةِ الأُولى مَعْنًى عَلى ما بُيِّنَ، ولِهَذا أجْراهُ البَعْضُ مَجْرى الِاعْتِراضِ في الِاعْتِراضِ فَجَعَلَهُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ الِاعْتِراضُ بَيْنَ كَلامَيْ أُمِّ مَرْيَمَ وكَلامِ مُتَكَلِّمٍ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ كَلامَيْ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ، وأُجِيبَ بِأنَّ كَلامَ أُمِّ مَرْيَمَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى نَقْلًا عَنْ أُمِّ مَرْيَمَ ولا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ كَلامُهُ تَعالى اِعْتِراضًا بَيْنَ كَلامَيْها اللَّذَيْنِ هُما مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى نَقْلًا عَنْها، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا تَكُونَ تانِكَ الجُمْلَتانِ مِن كَلامِ أُمِّ مَرْيَمَ، أمّا إذا كانَتا مِن كَلامِها بِناءً عَلى ما سَبَقَ مِنَ القِراءَةِ والِاحْتِمالِ فَلا اِعْتِراضَ.

قِيلَ: والغَرَضُ مِن عَرْضِ التَّسْمِيَةِ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ تَعالى واسْتِدْعاءُ العِصْمَةِ لَها فَإنَّ مَرْيَمَ في لُغَتِهِمْ بِمَعْنى العابِدَةِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ إذْ مُجَرَّدُ ذِكْرِ تَسْمِيَتِها مَرْيَمَ لا يَكادُ يَكُونُ مُقَرِّبًا لَها إلَيْهِ تَعالى لِأنَّ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ تَعالى إنَّما يَكُونُ بِسَبَبِ العِبادَةِ، ومُجَرَّدُ عَرْضِ التَّسْمِيَةِ لَيْسَ بِعِبادَةٍ فَكَيْفَ يَكُونُ مُقَرِّبًا، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ تَعالى بِحُبِّها لِلْعِبادَةِ الَّذِي أشْعَرَ بِهِ تَسْمِيَتُها بِنْتَها عابِدَةً، أوِ اِعْتِقادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُسْتَعاذٌ يُجِيرُ مَن يَسْتَعِيذُ بِهِ عَمّا يَخافُهُ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا لا يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ بَلْ هي باقِيَةٌ أيْضًا لِأنَّ المُقَرَّبَ حِينَئِذٍ ما في القَلْبِ مِنَ الحُبِّ والِاعْتِقادِ لا عَرْضَ ذَلِكَ عَلى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ الغَرَضَ مِن ذَلِكَ إظْهارُ أنَّها غَيْرُ راجِعَةٍ عَنْ نِيَّتِها وإنْ كانَ ما وضَعَتْهُ أُنْثى وأنَّها وإنْ لَمْ تَكُنْ خَلِيقَةً بِسِدانَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَلْتَكُنْ مِنَ العابِداتِ فِيهِ، واسْتِقْلالُها بِالتَّسْمِيَةِ لِكَوْنِ أبِيها قَدْ ماتَ وأُمِّها حامِلٌ بِها، فَتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ يَعْنِي التَّسْمِيَةَ مِنِّي لا يُشارِكُنِي فِيها أبُوها.

قِيلَ: وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِيُتْمِها اِسْتِعْطافًا لَهُ تَعالى وجَعْلًا لِيُتْمِها شَفِيعًا لَها، والقَوْلُ بِأنَّ فائِدَةَ عَرْضِ تَسْمِيَتِها التَّحَسُّرَ والتَّحَزُّنَ أيْضًا أيْ إنِّي سَمَّيْتُها لا أبُوها لِعَدَمِ اِحْتِفالِهِ بِها والتِفاتِهِ إلَيْها لِكَراهَةِ الرِّجالِ في الغالِبِ البَناتِ، فَمَعَ أنَّهُ خِلافُ ما دَلَّ عَلَيْهِ أكْثَرُ الآثارِ ونَطَقَ بِهِ غالِبُ الأخْبارِ مِن مَوْتِ أبِيها وهي حامِلٌ يَجُرُّ إلى ما يَنْبَغِي أنْ تُنَزَّهَ عَنْهُ ساحَةُ الرَّجُلِ الصّالِحِ عِمْرانَ كَما لا يَخْفى.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في مَرْيَمَ وزْنًا ومَعْنًى، وقَدِ اِخْتارَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّها مُعْرَبَةُ مارِيَةَ بِمَعْنى جارِيَةٍ، ويَقْرُبُ أنْ يَكُونَ القَوْلَ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ تَسْمِيَةِ الأطْفالِ يَوْمَ الوِلادَةِ لا يَوْمَ السّابِعِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّها إنَّما قالَتْ ذَلِكَ بِإثْرِ الوَضْعِ، واسْتُدِلَّ بِتَغايُرِ المَفْعُولَيْنِ عَلى تَغايُرِ الِاسْمِ والمُسَمّى، وقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ فِيهِ.

﴿ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ”إنِّي سَمَّيْتُها“ وأتى هُنا بِخَبَرِ إنَّ فِعْلًا مُضارِعًا دَلالَةً عَلى طَلَبِها اِسْتِمْرارَ الِاسْتِعاذَةِ دُونَ اِنْقِطاعِها وهَذا بِخِلافِ (وضَعْتُها، وسَمَّيْتُها) حَيْثُ أتى بِالخَبَرَيْنِ ماضِيَيْنِ لِانْقِطاعِهِما وقَدَّمَ المُعاذَ بِهِ عَلى المَعْطُوفِ الآتِي اِهْتِمامًا بِهِ.

ومَعْنى ﴿ أُعِيذُها بِكَ ﴾ أمْنَعُها وأُجِيرُها بِحِفْظِكَ، وأصِلُ العَوْذِ كَما قالَ الرّاغِبُ: الِالتِجاءُ إلى الغَيْرِ والتَّعَلُّقُ بِهِ، يُقالُ: عاذَ فَلانٌ بِفُلانٍ إذا اِسْتَجارَ بِهِ، ومِنهُ أُخِذَتِ العَوْذَةُ وهي التَّمِيمَةُ والرُّقْيَةُ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ (إنِّيَ) بِفَتْحِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وكَذا في سائِرِ المَواضِعِ الَّتِي بَعْدَ الياءِ ألْفٌ مَضْمُومَةٌ إلّا في مَوْضِعَيْنِ: ﴿ بِعَهْدِي ﴾ و ﴿ آتُونِي أُفْرِغْ ﴾ .

و”ذُرِّيَّتَها“ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، وفي التَّنْصِيصِ عَلى إعاذَتِها وإعاذَةِ ذُرِّيَّتِها رَمْزٌ إلى طَلَبِ بَقائِها حَيَّةً حَتّى تَكْبُرَ، وطَلَبٌ لِلتَّناسُلِ مِنها هَذا إذا أُرِيدَ بِالإعاذَةِ ﴿ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ  ﴾ أيِ المَطْرُودِ، وأصْلُ الرَّجْمِ الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ - الحِفْظَ مِن إغْوائِهِ المُوقِعِ في الخَطايا لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ البُلُوغِ إذْ لا تَكْلِيفَ قَبْلَهُ، وأمّا إذا أُرِيدَ مِنها الحِفْظُ مِنهُ مُطْلَقًا فَيُفْهَمُ طَلَبُ الأمْرَيْنِ مِنَ الأمْرِ الأخِيرِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ مِن مَسِّهِ صارِخًا إلّا مَرْيَمَ وابْنَها ”،» وفي بَعْضِ طُرُقِهِ أنَّهُ ضُرِبَ بَيْنَهُ وبَيْنَها حِجابٌ وأنَّ الشَّيْطانَ أرادَ أنْ يَطْعَنَ بِإصْبَعِهِ فَوَقَعَتِ الطَّعْنَةُ في الحِجابِ، وفي رِوايَةِ إسْحاقَ بْنِ بِشْرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «“ كُلُّ ولَدِ آدَمَ يَنالُ مِنهُ الشَّيْطانُ يَطْعَنُهُ حِينَ يَقَعُ بِالأرْضِ بِإصْبَعِهِ ولِهَذا يَسْتَهِلُّ، إلّا ما كانَ مِن مَرْيَمَ وابْنِها فَإنَّهُ لَمْ يَصِلْ إبْلِيسُ إلَيْهِما».

وطَعَنَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ بِإصْبَعِ فِكْرِهِ في هَذِهِ الأخْبارِ بِأنَّها خَبَرُ واحِدٍ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، وذَلِكَ أنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يَدْعُو إلى الشَّرِّ مَن لَهُ تَمْيِيزٌ، ولِأنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِن هَذا الفِعْلِ لَجازَ أنْ يُهْلِكَ الصّالِحِينَ، وأيْضًا لِمَ خَصَّ عِيسى وأُمَّهُ دُونَ سائِرِ الأنْبِياءِ؟

وأنَّهُ لَوْ وُجِدَ المَسُّ أوِ النَّخْسُ لَدامَ أثَرُهُ ولَيْسَ فَلَيْسَ، واَلزَّمَخْشَرِيُّ زَعَمَ أنَّ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ أنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَطْمَعُ الشَّيْطانُ في إغْوائِهِ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها فَإنَّهُما كانا مَعْصُومَيْنِ، وكَذَلِكَ كُلُّ مَن كانَ في صِفَتِهِما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ واسْتِهْلالُهُ صارِخًا مِن مَسِّهِ تَخْيِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِطَمَعِهِ فِيهِ كَأنَّهُ يَمَسُّهُ ويَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ ونَحْوَهُ مِنَ التَّخْيِيلِ قَوْلُ اِبْنِ الرُّومِيِّ: لَمّا تُؤْذِنُ الدُّنْيا بِهِ مِن صُرُوفِها ∗∗∗ يَكُونُ بُكاءُ الطِّفْلِ ساعَةَ يُولَدُ وأمّا حَقِيقَةُ النَّخْسِ والمَسِّ كَما يَتَوَهَّمُ أهْلُ الحَشْوِ فَكَلّا ولَوْ سُلِّطَ إبْلِيسُ عَلى النّاسِ يَنْخُسُهم لامْتَلَأتِ الدُّنْيا صُراخًا وعِياطًا مِمّا يَبْلُونا بِهِ مِن نَخْسِهِ، اِنْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ الأخْبارَ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ وأكْثَرُها مُدَوِّنٌ في «اَلصِّحاحِ» والأمْرُ لا اِمْتِناعَ فِيهِ، وقَدْ أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلْيُتَلَقَّ بِالقَبُولِ، والتَّخْيِيلُ الَّذِي رَكَنَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ المَسَّ بِاليَدِ رُبَّما يَصْلُحُ لِذَلِكَ أمّا الِاسْتِهْلالُ صارِخًا فَلا عَلى أنَّ أكْثَرَ الرِّواياتِ لا يَجْرِي فِيها مِثْلُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: لامْتَلَأتِ الدُّنْيا عِياطًا، قُلْنا: هي مَلِيئَةٌ فَما مِن مَوْلُودٍ إلّا يَصْرُخُ، ولا يَلْزَمُ مِن تَمَكُّنِهِ مِن تِلْكَ النَّخْسَةِ تَمَكُّنُهُ مِنها في جَمِيعِ الأوْقاتِ كَيْفَ وفي «اَلصَّحِيحِ»: «لَوْلا أنَّ المَلائِكَةَ يَحْفَظُونَكم لاحْتَوَشَتْكُمُ الشَّياطِينُ كَما يَحْتَوِشُ الذُّبابُ العَسَلَ» وفي رِوايَةٍ ««لاخْتَطَفَتْكُمُ الجِنُّ»» وفُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ في أحَدِ الوُجُوهِ بِهِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ أيْضًا قَوْلُ القاضِي مِن أنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِن هَذا الفِعْلِ لَجازَ أنْ يُهْلِكَ الصّالِحِينَ، وبَقاءُ الأثَرِ بَلْ وحُصُولُهُ أيْضًا لَيْسَ أمْرًا ضَرُورِيًّا لِلْمَسِّ ولا لِلنَّخْسِ والحَصْرُ بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ والِاقْتِصارُ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمِّهِ إيذانًا بِاسْتِجابَةِ دُعاءِ اِمْرَأةِ عِمْرانَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ لِيَتَوَجَّهَ أرْبابُ الحاجِّ إلى اللَّهِ تَعالى بِشَراشِرِهِمْ، أوْ يُقَدِّرُ لَهُ ما يُخَصِّصُهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَخْرُجُ النَّبِيُّ  مِنَ العُمُومِ فَلا يَلْزَمُ تَفْضِيلُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في هَذا المَعْنى، ويُؤَيِّدُهُ خُرُوجُ المُتَكَلِّمِ مِن عُمُومِ كَلامِهِ، وقَدْ قالَ بِهِ جَمْعٌ ويَشْهَدُ لَهُ ما رَوى الجَلالُ في «اَلْبَهْجَةِ السَّنِيَّةِ» عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا وُلِدَ النَّبِيُّ  أشْرَقَتِ الأرْضُ نُورًا فَقالَ إبْلِيسُ: لَقَدْ وُلِدَ اللَّيْلَةَ ولَدٌ يُفْسِدُ عَلَيْنا أمْرَنا فَقالَتْ لَهُ جُنُودُهُ: لَوْ ذَهَبْتَ إلَيْهِ، فَجاءَهُ، فَرَكَضَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَقَعَ بِعَدَنَ، وهَذا أوْلى مِن إبْقاءِ العامِّ عَلى عُمُومِهِ.

والقَوْلُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ اِخْتِصاصُ عِيسى وأُمِّهِ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ دُونَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَلْزَمُ مِنهُ تَفْضِيلُهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إذْ قَدْ يُوجَدُ في الفاضِلِ ما لا يُوجَدُ في الأفْضَلِ، وعَلى كِلا الأمْرَيْنِ الفاضِلِ والمَفْضُولِ لا إشْكالَ في الأخْبارِ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، نَعَمْ قَدْ يُشْكِلُ عَلى ظاهِرِها أنَّ إعاذَةَ أُمِّ مَرْيَمَ كانَتْ بَعْدَ الوَضْعِ فَلا يَصِحُّ حَمْلُها عَلى الإعاذَةِ مِنَ المَسِّ الَّذِي يَكُونُ حِينَ الوِلادَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المَسَّ لَيْسَ إلّا بِالِانْفِصالِ وهو الوَضْعُ ومَعَهُ الإعاذَةُ، غايَتُهُ أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالمُضارِعِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ لِقَصْدِ الِاسْتِمْرارِ، فَلْيُتَأمَّلْ.

والعَجَبُ مِن بَعْضِ أهْلِ السُّنَّةِ كَيْفَ يَتْبَعُ المُعْتَزِلَةَ في تَأْوِيلِ مِثْلِ هَذِهِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ لِمُجَرَّدِ المَيْلِ إلى تُرَّهاتِ الفَلاسِفَةِ مَعَ أنَّ إبْقاءَها عَلى ظاهِرِها مِمّا لا يُرَنِّقُ لَهم شُرْبًا ولا يُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ سِرْبًا، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِمَراضِيهِ ويَجْعَلَ مُسْتَقْبَلَ حالِنا خَيْرًا مِن ماضِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍۢ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًۭا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَـٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ٣٧

﴿ فَتَقَبَّلَها ﴾ أيْ رَضِيَ بِمَرْيَمَ في النُّذُرِ مَكانَ الذَّكَرِ، فَفِيهِ تَشْبِيهُ النُّذُرِ بِالهَدِيَّةِ ورِضْوانِ اللَّهِ تَعالى بِالقَبُولِ ﴿ رَبُّها ﴾ أيْ رَبُّ مَرْيَمَ المُبَلِّغُ لَها إلى كَمالِها اللّائِقِ بِها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِاِمْرَأةِ عِمْرانَ بِدَلِيلِ أنَّها الَّتِي خاطَبَتْ ونادَتْ بِقَوْلِها: ﴿ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها ﴾ الخ، والأوَّلُ أوْلى ﴿ بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ الباءُ مِثْلُها في كَتَبْتُ بِالقَلَمِ والقَبُولُ ما يُقْبَلُ بِهِ الشَّيْءُ كالسَّعُوطِ واللَّدُودِ ما يُسْعَطُ بِهِ ويُلَدُّ، أيْ تَقَبَّلَها بِوَجْهٍ حَسَنٍ تُقْبَلُ بِهِ النَّذائِرُ، وهو اِخْتِصاصُهُ سُبْحانَهُ إيّاها بِإقامَتِها مَقامَ الذَّكَرِ في النُّذُرِ ولَمْ يَقْبَلْ قَبْلَها أُنْثى، أوْ تَسَلَّمَها مِن أُمِّها عَقِبَ الوِلادَةِ قَبْلَ أنْ تَنْشَأ وتَصْلُحَ لِلسَّدانَةِ والخِدْمَةِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا وضَعَتْها خَشِيَتْ حَنَّةُ أنْ لا تُقْبَلَ الأُنْثى مُحَرَّرَةً فَلَفَّتْها في الخِرْقَةِ ووَضَعَتْها في بَيْتِ المَقْدِسِ عِنْدَ القُرّاءِ فَتَساهَمَ القُرّاءُ عَلَيْها لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ أيُّهم يَأْخُذُها فَقالَ زَكَرِيّا وهو رَأْسُ الأحْبارِ: أنا آخُذُها وأنا أحَقُّهم بِها لِأنَّ خالَتَها عِنْدِي، فَقالَتِ القُرّاءُ: ولَكُنّا نَتَساهَمُ عَلَيْها فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ فَهو أحَقُّ بِها فَدَعَوا بِأقْلامِهِمُ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها الوَحْيَ وجَمَعُوها في مَوْضِعٍ ثُمَّ غَطَّوْها، وقالَ زَكَرِيّا لِبَعْضٍ مِنَ الغِلْمانِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلْمَ مِمَّنْ في بَيْتِ المَقْدِسِ: أدْخِلْ يَدَكَ فَأخْرِجْ فَأدْخَلَ يَدَهُ فَأخْرَجَ قَلَمَ زَكَرِيّا فَقالُوا: لا نَرْضى ولَكِنْ نُلْقِي الأقْلامَ في الماءِ فَمَن خَرَجَ قَلَمُهُ في جَرْيَةِ الماءِ ثُمَّ اِرْتَفَعَ فَهو يَكْفُلُها فَألْقَوْا أقْلامَهم في نَهْرِ الأُرْدُنِ فارْتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيّا في جَرْيِ الماءِ، فَقالُوا: نَقْتَرِعُ الثّالِثَةَ فَمَن جَرى قَلَمُهُ مَعَ الماءِ فَهو يَكْفُلُها فَألْقَوْا أقْلامَهم فَجَرى قَلَمُ زَكَرِيّا مَعَ الماءِ وارْتَفَعَتْ أقْلامُهم في جَرْيَةِ الماءِ وقَبَضَها عِنْدَ ذَلِكَ زَكَرِيّا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ.

والقَبُولُ مَصْدَرٌ وهو مِنَ المَصادِرِ الشّاذَّةِ وهُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى رَضِيَ بِها مُتَلَبِّسَةً بِأمْرٍ ذِي قَبُولٍ ووَجْهٍ ذِي رِضًا، وهو ما يُقِيمُها مَقامَ الذُّكُورِ لِما اِخْتَصَّتْ بِهِ مِنَ الإكْرامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفَعَّلَ بِمَعْنى اِسْتَفْعَلَ كَ تَعَجَّلَ بِمَعْنى اِسْتَعْجَلَ والمَعْنى فاسْتَقْبَلَها رَبُّها وتَلَقّاها مِن أوَّلِ وهْلَةٍ مِن وِلادَتِها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأظْهَرَ الكَرامَةَ فِيها حِينَئِذٍ وفي المَثَلِ خُذِ الأمْرَ بِقَوابِلِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، والقَبُولُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ السّابِقِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ أيْ قَبِلَها قَبُولًا حَسَنًا، وعُدِلَ عَنِ الظّاهِرِ لِلْإيذانِ بِمُقارَنَةِ التَّقَبُّلِ لِكَمالِ الرِّضا ومُوافَقَتِهِ لِلْعِنايَةِ الذّاتِيَّةِ فَإنَّ صِيغَةَ التَّفَعُّلِ مُشْعِرَةٌ بِحَسَبِ أصْلِ الوَضْعِ بِالتَّكَلُّفِ وكَوْنِ الفِعْلِ عَلى خِلافِ طَبْعِ الفاعِلِ وإنْ كانَ المُرادُ بِها في حَقِّهِ تَعالى ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن كَمالِ قُوَّةِ الفِعْلِ وكَثْرَتِهِ، ويُحْتَمَلُ عَلى بُعْدٍ بَعِيدٍ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ بِمَعْنى مَعَ، أيْ تَقَبَّلَ نَذْرَها مَعَ قَبُولٍ حَسَنٍ لِدُعاءِ أُمِّها في حَقِّها وحَقِّ ذُرِّيَّتِها حَيْثُ أعاذَهُما مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ مِن أوَّلِ الوِلادَةِ إلى خاتِمَةِ الحَياةِ.

﴿ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا ﴾ أيْ رَبّاها الرَّبُّ تَرْبِيَةً حَسَنَةً في عِبادَةٍ وطاعَةٍ لِرَبِّها قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ سَوّى خَلْقَها فَكانَتْ تَشُبُّ في يَوْمِ ما يَشُبُّ غَيْرُها في عامٍ، وقِيلَ: تَعَهَّدَها بِما يُصْلِحُها في سائِرِ أحْوالِها، فَفي الكَلامِ اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ فَإنَّ الزّارِعَ يَتَعَهَّدُ زَرْعَهُ بِسَقْيِهِ عِنْدَ الِاحْتِياجِ وحِمايَتِهِ عَنِ الآفاتِ وقَلْعِ ما يَخْنُقُهُ مِنَ النَّباتِ، و ﴿ نَباتًا ﴾ هُنا مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ المَذْكُورِ وهو نائِبٌ عَنْ إنْباتٍ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَنَبَتَتْ نَباتًا، والنَّباتُ والنَّبْتُ بِمَعْنًى، وقَدْ يُعَبَّرُ بِهِما عَنِ النّابِتِ.

﴿ وكَفَّلَها زَكَرِيّا ﴾ وهو مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ ضَمَّها اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وجَعَلَهُ كافِلًا لَها وضامِنًا لِمَصالِحِها عَلى ما ذُكِرَ في حَدِيثِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ تَعالى، ولَمْ يَكُنْ هُناكَ وحْيٌ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وقَرَأ بِتَشْدِيدِ الفاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ، وقَصَرُوا ”زَكَرِيّا“ غَيْرَ عاصِمٍ في رِوايَةِ اِبْنِ عَيّاشٍ وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِ (كَفَّلَها) وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ الفاءِ ومَدُّوا ”زَكَرِيّا“ ورَفَعُوهُ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وفِيهِ لُغَتانِ أُخْرَيانِ إحْداهُما: زَكَرِيٌّ بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وثانِيَتُهُما: زَكَرَ بِغَيْرِ ياءٍ ومَنعِهِ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وقِيلَ: لِألِفِ التَّأْنِيثِ، وقَرَأ أُبَيٌّ (وأكْفَلَها)، وقَرَأ مُجاهِدٌ (فَتَقَبَّلَها رَبَّها وأنْبِتْها وكَفِّلْها) عَلى صِيغَةِ الدُّعاءِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ ونَصْبِ رَبِّها عَلى النِّداءِ، أيْ فاقْبَلْها يا رَبَّها ورَبِّها، واجْعَلْ زَكَرِيّا كافِلًا لَها، وقَدِ اِسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَها في جَمِيعِ ذَلِكَ، واَلَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ وشَهِدَتْ لَهُ الأخْبارُ أنَّ كَفالَةَ زَكَرِيّا كانَتْ مِن أوَّلِ أمْرِها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ كَفَّلَها بَعْدَ أنْ فُطِمَتْ ونَبَتَتِ النَّباتَ الحَسَنَ ولَيْسَ بِالقَوِيِّ.

﴿ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ ﴾ بَيانٌ لِقَبُولِها ولِهَذا لَمْ يُعْطَفْ، والمِحْرابُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما غُرْفَةٌ بُنِيَتْ لَها في بَيْتِ المَقْدِسِ وجُعِلَتْ بابَها في وسَطِ الحائِطِ وكانَتْ لا يُصْعَدُ عَلَيْها إلّا بِسُلَّمٍ مِثْلَ بابِ الكَعْبَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَسْجِدُ إذْ قَدْ كانَتْ مَساجِدُهم تُسَمّى المَحارِيبَ؛ وقِيلَ: أشْرَفُ مَواضِعِهِ ومُقَدَّمُها وهو مَقامُ الإمامِ مِنَ المَسْجِدِ في رَأْيٍ، وأصْلُهُ مِفْعالٌ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كَمِطْعانٍ فَسُمِّيَ بِهِ المَكانُ لِأنَّ المُحارِبِينَ نُفُوسَهم كَثِيرُونَ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَكُونُ اِسْمَ مَكانٍ وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّ مَحِلَّ مُحارِبَةِ الشَّيْطانِ فِيهِ أوْ لِتَنافُسِ النّاسِ عَلَيْهِ، ولِبَعْضِ المَغارِبَةِ في المَدْحِ: جَمَعَ الشُّجاعَةَ والخُشُوعَ لِرَبِّهِ ما أحْسَنَ المِحْرابَ في المِحْرابِ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الفاعِلِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِأمْرِها، ونَصْبُ ﴿ المِحْرابَ ﴾ عَلى التَّوَسُّعِ إذْ حَقُّ الفِعْلِ أنْ يَتَعَدّى بِ (فِي) أوْ بِ (إلى)، وإظْهارُ الفاعِلِ قِيلَ: لِفَصْلِ الجُمْلَةِ، و ﴿ كُلَّما ﴾ ظَرْفُ عَلى أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، والزَّمانُ مَحْذُوفٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مَعْناها الوَقْتُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ والعامِلُ فِيها جَوابُها بِالِاتِّفاقِ لِأنَّ ما في حَيِّزِ المُضافِ إلَيْهِ لا يَعْمَلُ في المُضافِ ولا يَجْرِي فِيها الخِلافُ المَذْكُورُ في أسْماءِ الشَّرْطِ، ومِنَ النّاسِ مَن وهَمَ، فَقالَ: إنَّ ناصَبَهُ فِعْلُ الشَّرْطِ، وادَّعى أنَّهُ الأنْسَبُ مَعْنًى فَزادَ في الشَّطْرَنْجِ جَمَلًا، والمَعْنى كُلَّ زَمانٍ دَخَلَ عَلَيْها أوْ كُلَّ وقْتٍ دَخَلَ عَلَيْها فِيهِ.

﴿ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا ﴾ أيْ أصابَ ولَقِيَ بِحَضْرَتِها ذَلِكَ أوْ ذَلِكَ كائِنًا بِحَضْرَتِها، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: إنَّهُ كانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها غَيْرُهُ وإذا خَرَجَ أغْلَقَ عَلَيْها سَبْعَةَ أبْوابٍ فَكانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ فَعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ ذَلِكَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ واَلَّذِي عَلَيْهِ الجُلُّ أنَّ ذَلِكَ عُوِّضَ لَها عَنِ الرَّضاعَةِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّها لَمْ تَرْضَعْ ثَدْيًا قَطُّ، وقِيلَ: إنَّ هَذا كانَ بَعْدَ أنْ تَرَعْرَعَتْ، فَفي رِوايَةِ اِبْنِ بِشْرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اِسْتَأْجَرَ لَها ظِئْرًا فَلَمّا تَمَّ لَها حَوْلانِ فُطِمَتْ وتُرِكَتْ في المِحْرابِ وحْدَها وأغْلَقَتْ عَلَيْها البابَ ولَمْ يَتَعَهَّدْ أمْرَها سِواهُ».

﴿ قالَ يا مَرْيَمُ ﴾ اِسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ﴿ أنّى لَكِ هَذا ﴾ أيْ مِن أيْنَ لَكِ هَذا الرِّزْقُ الَّذِي لا يُشْبِهُ أرْزاقَ الدُّنْيا والأبْوابُ مُغْلَقَةٌ دُونَكِ، ومَجِيءُ (أنّى) بِمَعْنى مِن أيْنَ، أوْ كَيْفَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ، واسْتَشْهَدَ لِلْأوَّلِ بِقَوْلِهِ: تَمَنّى بِوادِي الرَّمْثِ زَيْنَبَ ضَلَّةً ∗∗∗ فَكَيْفَ ومِن (أنّى) بِذِي الرَّمْثِ تَطْرُقُ ولِلثّانِي بِقَوْلِهِ: أنّى ومِن أيْنَ آبَكَ الطَّرَبُ ∗∗∗ مِن حَيْثُ لا صَبْوَةٌ ولا رِيَبُ وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِن (أنّى) نَحْوَ حَذْفِ في مِنَ الظُّرُوفِ اللّازِمَةِ لِلظَّرْفِيَّةِ مِن نَحْوِ مَعَ وسَحَرٍ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا عُلِمَ في مَوْضِعٍ جازَ حَذْفُهُ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الظُّرُوفَ مَحَلُّ التَّوَسُّعِ لِكَثْرَةِ اِسْتِعْمالِهِمْ إيّاها وكُلُّ ظَرْفٍ يُسْتَعْمَلُ مَعَ حَرْفِ صِلَتِهِ الَّتِي يَكْثُرُ مَعَها اِسْتِعْمالُها لِأنَّ اِتِّصالَها بِمَظْرُوفِها بِتِلْكَ الحُرُوفِ فَجازَ حَذْفُها كَما جازَ حَذْفُ فِي، إلّا أنَّها لَمّا كانَتِ الأصْلَ لِوَضْعِها لِلظَّرْفِيَّةِ اِطَّرَدَ حَذْفُها مِنَ المُتَصَرِّفَةِ وغَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ، وغَيْرُها مِن صِلاتِ الظُّرُوفِ لا يُحْذَفُ إلّا مَعَ ما يَكْثُرُ مِن غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ حَطًّا لِرُتْبَتِها عَنْ رُتْبَةِ فِي، كَما في «اَلْكَشْفِ».

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ الكَرامَةِ لِلْأوْلِياءِ لِأنَّ مَرْيَمَ لا نُبُوَّةَ لَها عَلى المَشْهُورِ، وهَذا هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ، وخالَفَ في ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ، وأجابَ البَلْخِيُّ مِنهم عَنِ الآيَةِ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ إرْهاصًا وتَأْسِيسًا لِنُبُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّهُ كانَ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَدَّ الأخِيرُ بِأنَّ اِشْتِباهَ الأمْرِ عَلَيْهِ يَأْبى ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الظّاهِرِ، وإلّا فَفي اِقْتِضاءِ هَذِهِ العِبارَةِ في نَفْسِ الأمْرِ الِاشْتِباهَ نَظَرٌ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِإظْهارِ ما فِيها مِنَ العَجَبِ بِتَكَلُّمِها ونَحْوِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ اِشْتِباهَ زَكَرِيّا في أنَّها مُعْجِزَةٌ لا يُنافِي كَوْنَها مُعْجِزَةً لِاشْتِباهِ أنَّهُ مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِن بَساتِينِ الدُّنْيا لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

﴿ قالَتْ ﴾ اِسْتِئْنافٌ كاَلَّذِي قَبْلَهُ ﴿ هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ قِيلَ: أرادَتْ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِمّا رَزَقَنِيهِ هو لا بِواسِطَةِ البَشَرِ فَلا تَعْجَبْ ولا تَسْتَبْعِدْ، وقِيلَ: تَكَلَّمَتْ بِذَلِكَ صَغِيرَةً كَعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ جُمِعَ مَن تَكَلَّمَ كَذَلِكَ فَبَلَغُوا أحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، وقَدْ نَظَمَهُمُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ فَقالَ: تَكَلَّمَ في المَهْدِ النَّبِيُّ (مُحَمَّدٌ) ∗∗∗ (ويَحْيى وعِيسى والخَلِيلُ ومَرْيَمُ) ومِبْرى (جُرَيْجٍ) ثُمَّ (شاهِدُ يُوسُفَ) ∗∗∗ (وطِفْلٌ لِذِي الأُخْدُودِ) يَرْوِيهِ مُسْلِمُ (وطِفْلٌ) عَلَيْهِ مَرَّ بِالأمَةِ الَّتِي ∗∗∗ يُقالُ لَها تَزْنِي ولا تَتَكَلَّمُ وماشِطَةٌ في عَهْدِ فِرْعَوْنَ (طِفْلُها) ∗∗∗ وفي زَمَنِ الهادِي (اَلْمُبارَكُ) يَخْتِمُ ﴿ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ ﴾ مِن عِبادِهِ أنْ يَرْزُقَهُ ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ  ﴾ تَقَدَّمَ مَعْناهُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والظّاهِرُ أنَّها مِن كَلامِ مَرْيَمَ فَحِينَئِذٍ تَكَوْنُ في مَحَلِّ النَّصْبِ داخِلَةً تَحْتَ القَوْلِ، وقالَ الطَّبَرَيُّ: إنَّها لَيْسَتْ مِن كَلامِها بَلْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى إخْبارًا لِنَبِيِّهِ  ، والأوَّلُ أوْلى، وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى عَنْ جابِرٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  أقامَ أيّامًا لَمْ يَطْعَمْ طَعامًا حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَطافَ في مَنازِلِ أزْواجِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ واحِدَةٍ مِنهُنَّ شَيْئًا فَأتى فاطِمَةَ فَقالَ: يا بُنَيَّةُ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ آكُلُهُ فَإنِّي جائِعٌ؟

فَقالَتْ: لا واَللَّهِ، فَلَمّا خَرَجَ مِن عِنْدِها بَعَثَتْ إلَيْها جارَّةٌ لَها بِرَغِيفَيْنِ وقِطْعَةِ لَحْمٍ فَأخَذَتْهُ مِنها فَوَضَعَتْهُ في جَفْنَةٍ لَها، وقالَتْ: لَأُوثِرَنَّ بِهَذا رَسُولَ اللَّهِ  عَلى نَفْسِي ومَن عِنْدِي وكانُوا جَمِيعًا مُحْتاجِينَ إلى شُبْعَةِ طَعامٍ، فَبَعَثَتْ حَسَنًا أوْ حُسَيْنًا إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَرَجَعَ إلَيْها فَقالَتْ لَهُ: بِي أنْتَ وأُمِّي قَدْ أتى اللَّهُ تَعالى بِشَيْءٍ قَدْ خَبَّأْتُهُ لَكَ قالَ: هَلُمِّي يا بُنَيَّةُ بِالجَفْنَةِ فَكَشَفَتْ عَنِ الجَفْنَةِ فَإذا هي مَمْلُوءَةٌ خُبْزًا ولَحْمًا، فَلَمّا نَظَرَتْ إلَيْها بُهِتَتْ وعَرَفَتْ أنَّها بَرَكَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَحَمِدَتِ اللَّهَ تَعالى وقَدَّمَتْهُ إلى النَّبِيِّ  فَلَمّا رَآهُ حَمِدَ اللَّهَ تَعالى، وقالَ: مِن أيْنَ لَكَ هَذا يا بُنَيَّةُ؟

قالَتْ: يا أبَتِي هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكِ شَبِيهَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّها كانَتْ إذا رَزَقَها اللَّهُ تَعالى رِزْقًا فَسُئِلَتْ عَنْهُ قالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ جَمَعَ عَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ وجَمَعَ أهْلَ بَيْتِهِ حَتّى شَبِعُوا وبَقِيَ الطَّعامُ كَما هو فَأوْسَعَتْ فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَلى جِيرانِها.» * * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ نَهى عَنْ مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ الكافِرِينَ لِعَدَمِ المُناسِبَةِ بَيْنَهم في الحَقِيقَةِ ولِفَرْقٍ بَيْنَ الظُّلْمَةِ والنُّورِ والظِّلِّ والحَرُورِ، والوِلايَةُ تَقْتَضِي المُناسَبَةَ ومَتى لَمْ تَحْصُلْ كانَتِ الوِلايَةُ عَنْ مَحْضِ رِياءٍ أوْ نِفاقٍ واَللَّهُ تَعالى لا يُحِبُّ المُرائِينَ ولا المُنافِقِينَ، ومِن هُنا نَهى أهْلُ اللَّهِ تَعالى المُرِيدِينَ عَنْ مُوالاةِ المُنْكِرِينَ لِأنَّ ظُلْمَةَ الإنْكارِ والعِياذُ بِاَللَّهِ تَعالى تُحاكِي ظُلْمَةَ الكُفْرِ ورُبَّما تَراكَمَتْ فَسَدَّتْ طَرِيقَ الإيمانِ، ﴿ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ﴾ وِلايَةِ ﴿ اللَّهِ ﴾ تَعالى ﴿ فِي شَيْءٍ ﴾ مُعْتَدٍّ بِهِ إذْ لَيْسَ فِيهِ نُورِيَّةٌ صافِيَةٌ يُناسِبُ بِها الحَضْرَةَ الإلَهِيَّةَ ﴿ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ﴾ فَحِينَئِذٍ تَجُوزُ المُوالاةُ ظاهِرًا، وهَذا بِالنِّسْبَةِ لِلضُّعَفاءِ وأمّا مَن قَوِيَ يَقِينُهُ فَلا يَخْشى إلّا اللَّهَ تَعالى ﴿ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ أيْ يَدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ العِيانِيِّ لِئَلّا يَكُونَ خَوْفُكم مِن غَيْرِهِ ﴿ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ ﴾ فَلا تَحْذَرُوا إلّا إيّاهُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ هَذا خِطابٌ لِلْخَواصِّ العارِفِينَ إذْ لا يَحْذَرُ نَفْسَهُ مَن لا يَعْرِفُهُ، وقَدْ حَذَّرَ مَن دُونَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ﴾ .

قالَ إبْراهِيمُ الخَوّاصُ: وعَلامَةُ الخَوْفِ في القَلْبِ دَوامُ المُراقَبَةِ وعَلامَةُ المُراقَبَةِ التَّفَقُّدُ لِلْأحْوالِ النّازِلَةِ ﴿ قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ ﴾ مِنَ المُوالاةِ ﴿ أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ لِأنَّهُ مَعَ كُلِّ نَفَسٍ وخَطِرَةٍ ﴿ ويَعْلَمُ ما فِي ﴾ سَماواتِ الأرْواحِ وأرْضِ الأجْسامِ ﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَلا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ ولا يُقَيِّدُهُ مَظْهَرٌ عَنْ مَظْهَرٍ ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ﴾ لِأنَّ كُلَّ ما يَعْمَلُهُ الإنْسانُ أوْ يَقُولُهُ يَنْتَقِشُ مِنهُ أثَرٌ في نَفْسِهِ ويُسَطَّرُ في صَحائِفِ النُّفُوسِ السَّماوِيَّةِ إلّا أنَّهُ لِاشْتِغالِهِ بِالشَّواغِلِ الحِسِّيَّةِ والإدْراكاتِ الوَهْمِيَّةِ والخَيالِيَّةِ لا يَرى تِلْكَ النُّقُوشَ ولا يُبْصِرُ هاتِيكَ السُّطُورَ فَإذا تَجَرَّدَ عَنْ عالَمِ الكَثافَةِ بَصُرَ ورَأى وشاهَدَ ما بِهِ قَلَمُ الِاسْتِعْدادِ جَرى، فَإذا وجَدَ سُوءًا ﴿ تَوَدُّ ﴾ نَفْسُهُ وتَتَمَنّى ﴿ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ﴾ لِتُعَذِّبَها بِهِ ﴿ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِئَلّا يَعْمَلُوا ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ عِقابَهُ ﴿ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ أيْ بِسائِرِهِمْ فَلِهَذا حَذَّرَهُمْ، أوْ بِمَنِ اِتَّصَفَ بِمَقامِ العُبُودِيَّةِ وانْقَطَعَ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي ﴾ لِأنِّي سَيِّدُ المُحِبِّينَ ﴿ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ وحَقِيقَةُ المَحَبَّةِ عِنْدَ العارِفِينَ اِحْتِراقُ القَلْبِ بِنِيرانِ الشَّوْقِ، ورَوْحُ الرُّوحِ بِلَذَّةِ العِشْقِ، واسْتِغْراقُ الحَواسِّ في بَحْرِ الأُنْسِ، وطَهارَةُ النَّفْسِ بِمِياهِ القُدْسِ، ورُؤْيَةُ الحَبِيبِ بِعَيْنِ الكُلِّ، وغَمْضُ عَيْنِ الكُلِّ عَنِ الكَوْنَيْنِ، وطَيَرانُ السِّرِّ في غَيْبِ الغَيْبِ، وتَخَلُّقُ المُحِبِّ بِخُلُقِ المَحْبُوبِ، وهَذا أصْلُ المَحَبَّةِ.

وأمّا فَرْعُها فَهو مُوافَقَةُ المَحْبُوبِ في جَمِيعِ ما يَرْضاهُ، وتَقَبُّلُ بَلائِهِ بِنَعْتِ الرِّضا والتَّسْلِيمُ في قَضائِهِ وقَدَرِهِ بِشَرْطِ الوَفا، ومُتابَعَةُ سُنَّةِ المُصْطَفى  .

وأمّا آدابُها فالِانْقِطاعُ عَنِ الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ المُباحَةِ، والسُّكُونُ في الخَلَواتِ والمُراقَباتِ، واسْتِنْشاقُ نَفَحاتِ الصِّفاتِ، والتَّواضُعُ والذُّلُّ في الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ: مَساكِينُ أهْلِ العِشْقِ حَتّى قُبُورُهم عَلَيْها تُرابُ الذُّلِّ بَيْنَ المَقابِرِ وهَذا لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ أنْ تَرى الرُّوحُ بِعَيْنِ السِّرِّ مُشاهَدَةَ الحَقِّ بِنَعْتِ الجَمالِ وحُسْنِ القِدَمِ لا بِنَعْتِ الآلاءِ والنِّعَمِ لِأنَّ المَحَبَّةَ مَتّى كانَتْ مِن تَوَلُّدِ رُؤْيَةِ النَّعْماءِ كانَتْ مَعْلُولَةً، وحَقِيقَةُ المَحَبَّةِ ما لا عِلَّةَ فِيها بَيْنَ المُحِبِّ والحَبِيبِ سِوى ذاتِ الحَبِيبِ، ولِذا قالُوا: لا تَصِحُّ المَحَبَّةُ مِمَّنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ النّارِ والجَنَّةِ وبَيْنَ السُّرُورِ والمِحْنَةِ وبَيْنَ الفَرْضِ والسُّنَّةِ وبَيْنَ الِاعْتِواضِ والِاعْتِراضِ ولا تَصِحُّ إلّا مِمَّنْ نَسِيَ الكُلَّ واسْتَغْرَقَ في مُشاهَدَةِ المَحْبُوبِ وفَنِيَ فِيهِ: خَلِيلَيَّ لَوْ أحْبَبْتُما لَعَلِمْتُما ∗∗∗ مَحَلَّ الهَوى مِن مُغْرَمِ القَلْبِ صَبِّهِ تَذَكَّرْ والذِّكْرى تَشُوقُ وذُو الهَوى ∗∗∗ يَتُوقُ ومَن يَعْلَقْ بِهِ الحُبُّ يُصْبِهِ غَرامٌ عَلى يَأْسِ الهَوى ورَجائِهِ ∗∗∗ وشَوْقٌ عَلى بُعْدِ المُرادِ وقُرْبِهِ وقَدْ يُقالُ: المَحَبَّةُ ثَلاثَةُ أقْسامٍ، القِسْمُ الأوَّلُ: مَحَبَّةُ العَوامِّ وهي مُطالَعَةُ المِنَّةِ مِن رُؤْيَةِ إحْسانِ المُحْسِنِ، جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلى مَحَبَّةِ مَن أحْسَنَ إلَيْها وهو حُبٌّ يَتَغَيَّرُ وهو لِمُتابِعِي الأعْمالِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ أجْرًا عَلى ما يَعْمَلُونَ، وفِيهِ يَقُولُ أبُو الطَّيِّبِ: وما أنا بِالباغِي عَلى الحُبِّ رِشْوَةً ∗∗∗ ضَعِيفُ هَوًى يُرْجى عَلَيْهِ ثَوابُ القِسْمُ الثّانِي: مَحَبَّةُ الخَواصِّ المُتَّبِعِينَ لِلْأخْلاقِ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ إجْلالًا وإعْظامًا ولِأنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ، وإلى هَذا القَسَمِ أشارَ  بِقَوْلِهِ: «نَعِمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ ”،» وقالَتْ رابِعَةُ رَحِمَها اللَّهُ تَعالى: أُحُبُّكَ حُبَّيْنِ حُبُّ الهَوى ∗∗∗ وحُبٌّ لِأنَّكَ أهْلٌ لِذاكا وهَذا الحُبُّ لا يَتَغَيَّرُ إلى الأبَدِ لِبَقاءِ الجَمالِ والجَلالِ إلى السَّرْمَدِ.

القِسْمُ الثّالِثُ: مُحِبَّةُ خَواصِّ الخَواصِّ المُتَّبِعِينَ لِلْأحْوالِ وهي النّاشِئَةُ مِنَ الجَذْبَةِ الإلَهِيَّةِ في مَكامِنِ ««كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا»» وأهْلُ هَذِهِ المَحَبَّةِ هُمُ المُسْتَعِدُّونَ لِكَمالِ المَعْرِفَةِ، وحَقِيقَتُها أنْ يَفْنى المُحِبُّ بِسَطْوَتِها فَيَبْقى بِلا هو ورُبَّما بَقِيَ صاحِبُها حَيْرانَ سَكْرانَ لا هو حَيٌّ فَيُرْجى ولا مَيِّتٌ فَيُبْكى، وفي مِثْلِ ذَلِكَ قِيلَ: يَقُولُونَ إنَّ الحُبَّ كالنّارِ في الحَشا ∗∗∗ ألا كَذَبُوا فالنّارُ تَذْكُو وتَخْمَدُ وما هو إلّا جَذْوَةُ مَسٍّ عُودُها ∗∗∗ نَدًى فَهي لا تَذْكُو ولا تَتَوَقَّدُ ويَكْفِي في شَرْحِ الحُبِّ لَفْظُهُ، فَإنَّهُ حاءٌ وباءٌ، والحاءُ مِن حُرُوفِ الحَلْقِ، والباءُ شَفَوِيَّةٌ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الهَوى ما لَمْ يَسْتَوْلِ عَلى قَلْبِهِ ولِسانِهِ وباطِنِهِ وظاهِرِهِ وسِرِّهِ وعَلَنِهِ لا يُقالُ لَهُ: حُبٌّ، وشَرْحُ ذاكَ يَطُولُ، وهَذِهِ مُحِبَّةُ العَبْدِ لِرَبِّهِ، وأمّا مَحَبَّةُ رَبِّهِ سُبْحانَهُ لَهُ فَمُخْتَلِفَةٌ أيْضًا، وإنْ صَدَرَتْ مِن مَحَلٍّ واحِدٍ فَتَعَلَّقَتْ بِالعَوامِّ مِن حَيْثُ الرَّحْمَةُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمُ: اِتَّبَعُونِي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ يَخُصَّكُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ، وتَعَلَّقَتْ بِالخَواصِّ مِن حَيْثُ الفَضْلُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمُ: اِتَّبَعُونِي بِمَكارِمِ الأخْلاقِ يَخُصَّكم بِتَجَلِّي صِفاتِ الجَمالِ، وتَعَلَّقَتْ بِخَواصِّ الخَواصِّ مِن حَيْثُ الجَذْبَةُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمُ: اِتَّبَعُونِي بِبَذْلِ الوُجُودِ يَخُصَّكم بِجَذْبِهِ لَكم إلى نَفْسِهِ، وهُناكَ يَرْتَفِعُ البَوْنُ مِنَ البَيْنِ، ويَظْهَرُ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ والقَطْرَةُ مِن هَذِهِ المَحَبَّةِ تُغْنِي عَنِ الغَدِيرِ: وفِي سَكْرَةٍ مِنها ولَوْ عَمَّرَ ساعَةً ∗∗∗ تَرى الدَّهْرَ عَبْدًا طائِعًا ولَهُ الحُكْمُ ﴿ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ ﴾ أيْ مَعاصِيَكُمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنكم عَلى خِلافِ المُتابَعَةِ ولا يُعاقِبُكم عَلَيْها، أوْ يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم بِسَتْرِ ظُلْمَةِ صِفاتِكم بِأنْوارِ صِفاتِهِ، أوْ يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَ وجُودِكم ويُثِيبُكم مَكانَهُ وجُودًا لا يَفْنى كَما قالَ: «“ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ» الحَدِيثَ، ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ ﴾ يُكَفِّرُ خَطاياكم ويَمْحُو ذُنُوبَ صِفاتِكم ووُجُودِكم ﴿ رَحِيمٌ ﴾ يَهَبُ لَكم عِوَضَ ذاكَ حَسَناتٍ وصِفاتٍ ووُجُودًا حَقّانِيَّةً خَيْرًا مِن ذَلِكَ.

﴿ قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ ﴾ فَإنَّ المُرِيدَ يَلْزَمُهُ مُتابَعَةُ المُرادِ ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ فَإنْ أعْرَضُوا فَهم كُفّارٌ مُنْكِرُونَ مَحْجُوبُونَ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ لِقُصُورِ اِسْتِعْدادِهِمْ عَنْ ظُهُورِ جَمالِهِ فِيهِمْ ﴿ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ ﴾ الِاصْطِفاءُ أعَمُّ مِنَ المَحَبَّةِ والخُلَّةِ فَيَشْمَلُ الأنْبِياءَ كُلَّهم وتَتَفاضَلُ فِيهِ مَراتِبُهم كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ فَأخَصُّ المَراتِبِ هو المَحَبَّةُ، وإلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ ﴾ ثُمَّ الخُلَّةُ، وفي لَفْظِها إشارَةٌ إلى ذَلِكَ مِن طَرِيقِ مَخارِجِ الحُرُوفِ، وأعَمُّها الِاصْطِفاءُ، فاصْطَفى آدَمَ بِتَعْلِيمِ الصِّفاتِ وجَمْعِ اليَدَيْنِ وإسْجادِ الأكْوانِ لَهُ، ونُوحًا الَّذِي هو الأبُ الثّانِي بِتِلْكَ الأُبُوَّةِ وبِما كانَ لَهُ مَعَ قَوْمِهِ، واصْطَفى آلَ إبْراهِيمَ وهُمُ الأنْبِياءُ مِن ذُرِّيَّتِهِ بِظُهُورِ أنْوارِ تَجَلِّيهِ الخاصِّ عَلى آفاقِ وُجُودِهِمْ، وآلَ عِمْرانَ بِجَعْلِهِمْ آيَةً لِلْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ في الدِّينِ والحَقِيقَةِ إذِ الوِلادَةُ قِسْمانِ: صُورِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ، وكُلُّ نَبِيٍّ تَبِعَ نَبِيًّا في التَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ وما يَتَعَلَّقُ بِالباطِنِ مِن أُصُولِ الدِّينِ فَهو ولَدُهُ كَأوْلادِ المَشايِخِ والوَلَدُ سِرُّ أبِيهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: آدَمُ هو الرُّوحُ في أوَّلِ مَقاماتِ ظُهُورِها، ونُوحٌ هو هي في مَقامِها الثّانِي مِن مَقاماتِ التَّنَزُّلِ، وإبْراهِيمُ هو القَلْبُ الَّذِي ألْقاهُ نَمْرُودُ النَّفْسِ في نِيرانِ الفِتَنِ ورَماهُ فِيها بِمَنجَنِيقِ الشَّهَواتِ، وآلُهُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ، وعِمْرانُ هو العَقْلُ الإمامُ في بَيْتِ مَقْدِسِ البَدَنِ، وآلُهُ التّابِعُونَ لَهُ في ذَلِكَ البَيْتِ المُقْتَدُونَ بِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ ذُرِّيَّةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِوَحْدَةِ المَوْرِدِ واتِّفاقِ المَشْرَبِ.

﴿ إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا ﴾ عَنْ رِقِّ النَّفْسِ مُخْلِصًا في عِبادَتِكَ عَنِ المَيْلِ إلى السَّوِيِّ ﴿ فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ قالَ الواسِطِيُّ: مَحْفُوظٌ عَنْ إدْراكِ الخَلْقِ ﴿ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا ﴾ حَيْثُ سَقاها مِن مِياهِ القُدْرَةِ وأثْمَرَها شَجَرَةَ النُّبُوَّةِ ﴿ وكَفَّلَها زَكَرِيّا ﴾ لِطِهارَةِ سِرِّهِ، وشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ ﴿ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا ﴾ هو ما عَلِمْتَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الرِّزْقُ الرُّوحانِيُّ مِنَ المَعارِفِ والحَقائِقِ والعُلُومِ والحِكَمِ الفائِضَةِ عَلَيْها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إذِ الِاخْتِصاصُ بِالعِنْدِيَّةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أشْرَفَ مِنَ الأرْزاقِ البَدَنِيَّةِ.

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّهُ قالَ: رِزْقًا أيْ عِلْمًا، وقَدْ يُقالُ عَلى نَحْوِ الأوَّلِ لِيَتِمَّ تَطْبِيقُ ما في الآفاقِ عَلى ما في الأنْفُسِ ﴿ إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ ﴾ وهي النَّفْسُ في أوَّلِ مَراتِبِ طاعَتِها لِعِمْرانَ العَقْلِ ﴿ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي ﴾ وهو غُلامُ القَلْبِ ﴿ مُحَرَّرًا ﴾ لَيْسَ في رِقِّ شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ ﴿ فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعَتْها أُنْثى ﴾ وهي نَفْسٌ أيْضًا إلّا أنَّها أكْمَلُ مِنها في المَرْتَبَةِ، والجِنْسُ يَلِدُ الجِنْسَ ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ﴾ لِعِلْمِهِ أنَّهُ سَيَظْهَرُ مِن هَذِهِ الأُنْثى العَجَبُ العُجابُ، وغَيْرُهُ سُبْحانَهُ تَخْفى عَلَيْهِ الأسْرارُ ﴿ وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ﴾ وهي العابِدَةُ ﴿ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ﴾ وهو الشَّهَواتُ النَّفْسانِيَّةُ الحاجِبَةُ لِلنَّفْسِ القُدْسِيَّةِ عَنْ رِياضِ المَلَكُوتِ ﴿ فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ وهو اِخْتِصاصُهُ إيّاها بِإفاضَةِ أنْوارِهِ عَلَيْها ﴿ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا ﴾ ورَقّاها فِيما تَكْمُلُ بِهِ نَشْأتُها تَرَقِّيًا حَسَنًا غَيْرَ مَشُوبٍ بِالعَوائِقِ والعَلائِقِ ﴿ وكَفَّلَها زَكَرِيّا ﴾ الِاسْتِعْدادَ ﴿ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا ﴾ وتَوَجَّهَ نَحْوَها في مِحْرابِ تَعَبُّدِها المَبْنِيِّ لَها في بَيْتِ مَقْدِسِ القَلْبِ ﴿ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا ﴾ تَتَغَذّى بِهِ الأرْواحُ في عالَمِ المَلَكُوتِ ﴿ قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا ﴾ الرِّزْقُ العَظِيمُ ﴿ قالَتْ هُوَ ﴾ مُفاضٌ ﴿ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ مُنَزَّهٌ عَنِ الحَمْلِ بِيَدِ الأفْكارِ ﴿ إنَّ اللَّهَ ﴾ الجامِعَ لِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ ﴾ ويَفِيضُ عَلَيْهِمْ مِن عِلْمِهِ حَسَبَ قابِلِيَّتِهِمْ ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ وجَوادٍ كَرِيمٍ وهّابٍ.

<div class="verse-tafsir"

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةًۭ طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٨

﴿ هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ ﴾ قِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ سِيقَتْ في أثْناءِ قِصَّةِ مَرْيَمَ لِكَمالِ الِارْتِباطِ مَعَ ما في إيرادِها مِن تَقْرِيرِ ما سِيقَتْ لَهُ، و(هُنا) ظَرْفُ مَكانٍ، واللّامُ لِلْبُعْدِ، والكافُ لِلْخِطابِ، أيْ في ذَلِكَ المَكانِ حَيْثُ هو قاعِدٌ عِنْدَ مَرْيَمَ في المِحْرابِ، وهي ظَرْفٌ مُلازِمٌ لِلظَّرْفِيَّةِ وقَدْ تُجَرُّ بِمِن وإلى؛ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها الزَّمانُ مَجازًا فَإنَّ (هُنا) وثُمَّ وحَيْثُ كَثِيرًا ما تُسْتَعارُ لَهُ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِ (دَعا) وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ أقْبَلَ عَلى الدُّعاءِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ (هُنا) هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْجِهَةِ والحالِ أيْ مِن تِلْكَ الحالِ دَعا زَكَرِيّا كَما تَقُولُ: مِن هَهُنا قُلْتُ كَذا، ومِن هُنالِكَ قُلْتُ كَذا، أيْ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ وتِلْكَ الجِهَةِ.

أخْرَجَ اِبْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا وجَدَ زَكَرِيّا عِنْدَ مَرْيَمَ ثَمَرَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ وثَمَرَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ يَأْتِيها بِهِ جِبْرِيلُ، قالَ لَها: أنّى لَكِ هَذا في غَيْرِ حِينِهِ.

قالَتْ: هو رِزْقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَأْتِينِي بِهِ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، فَطَمِعَ زَكَرِيّا في الوَلَدِ فَقالَ: إنَّ الَّذِي أتى مَرْيَمَ بِهَذِهِ الفاكِهَةِ في غَيْرِ حِينِها لَقادِرٌ عَلى أنْ يُصْلِحَ لِي زَوْجَتِي ويَهَبَ لِي مِنها ولَدًا فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعا رَبَّهُ، وذَلِكَ لِثَلاثِ لَيالٍ بَقَيْنَ مِنَ المُحَرَّمِ، قامَ زَكَرِيّا فاغْتَسَلَ ثُمَّ اِبْتَهَلَ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أطْمَعَهُ في الوَلَدِ فَدَعا مَعَ أنَّهُ كانَ شَيْخًا فانِيًا وكانَتِ اِمْرَأتُهُ عاقِرًا لِما أنَّ الحالَ نَبَّهَتْهُ عَلى جَوازِ وِلادَةِ العاقِرِ مِنَ الشَّيْخِ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: ما أشارَ إلَيْهِ الأثَرُ مِن حَيْثُ أنَّ الوَلَدَ بِمَنزِلَةِ الثَّمَرِ والعُقْرَ بِمَنزِلَةِ غَيْرِ أوانِهِ، والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى تَقَبُّلَ أُنْثى مَكانَ الذَّكَرِ تَنَبَّهَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقُومَ الشَّيْخُ مَقامَ الشّابِّ والعاقِرُ مَقامَ النّاتِجِ، والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا رَأى تَقَبُّلَ الطِّفْلِ مَقامَ الكَبِيرِ لِلتَّحْرِيرِ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ، والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا رَأى تَكَلُّمَ مَرْيَمَ في غَيْرِ أوانِهِ تَنَبَّهَ لِجَوازِ أنْ تَلِدَ اِمْرَأتُهُ في غَيْرِ أوانِهِ، والخامِسُ: أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مِن مَرْيَمَ ﴿ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ تَنَبَّهَ لِجَوازِ أنْ تَلِدَ مِن غَيْرِ اِسْتِعْدادٍ؛ ولا يَخْفى ما في بَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ مِنَ الخَدْشِ، وعَلى العِلّاتِ لَيْسَ ما رَأى فَقَطْ عِلَّةً مُوجِبَةً لِلْإقْبالِ عَلى الدُّعاءِ بَلْ كانَ جُزْءًا مِنَ العِلَّةِ التّامَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها كَبِرُ سِنِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وضَعْفُ قُواهُ وخَوْفُ مَوالِيهِ حَسْبَما فُصِّلَ في سُورَةِ مَرْيَمَ.

(قالَ) شَرْحٌ لِلدُّعاءِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ﴾ الجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِما قَبْلَهُما وجازَ لِاخْتِلافِ المَعْنى، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا أيْ أعْطِنِي مِن عِنْدِكَ ﴿ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ أيْ مُبارَكَةً كَما قالَ السُّدِّيُّ، وقِيلَ: صالِحَةٌ تَقِيَّةٌ نَقِيَّةُ العَمَلِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ الأخِيرُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ذُرِّيَّةٍ، وجاءَ الطَّلَبُ بِلَفْظِ الهِبَةِ لِأنَّ الهِبَةَ إحْسانٌ مَحْضٌ لَيْسَ في مُقابَلَةِ شَيْءٍ وهو يُناسَبُ ما لا دَخْلَ فِيهِ لِلْوالِدِ لِكِبَرِ سِنِّهِ ولا لِلْوالِدَةِ لِكَوْنِها عاقِرَةً لا تَلِدُ فَكَأنَّهُ قالَ: أعْطِنِي ذُرِّيَّةً مِن غَيْرِ وسَطٍ مُعْتادٍ، والذُّرِّيَّةُ في المَشْهُورِ النَّسْلُ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والذَّكَرِ والأُنْثى.

والمُرادُ هَهُنا ولَدٌ واحِدٌ؛ قالَ الفَرّاءُ: وأنَّثَ الطَّيِّبَةَ لِتَأْنِيثِ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ والتَّأْنِيثُ والتَّذْكِيرُ تارَةً يَجِيئانِ عَلى اللَّفْظِ وأُخْرى عَلى المَعْنى وهَذا في أسْماءِ الأجْناسِ كَما في قَوْلِهِ: أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى وأنْتَ خَلِيفَةُ ذاكَ الكَمالِ بِخِلافِ الأعْلامِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: جاءَتْ طَلْحَةُ لِأنَّ اِسْمَ العَلَمِ لا يُفِيدُ إلّا ذَلِكَ الشَّخْصَ فَإذا كانَ مُذَكَّرًا لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلّا التَّذْكِيرُ.

﴿ إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ  ﴾ أرادَ كَثِيرَ الإجابَةِ لِمَن يَدْعُوكَ مِن خَلْقِكَ وهو تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وتَحْرِيكٌ لِسِلْسِلَةِ الإجابَةِ، وفي ذَلِكَ اِقْتِداءٌ بِجَدِّهِ الأعْلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ﴾ قِيلَ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كَيْفِيَّةِ دُعائِهِ ثَلاثَ صِيَغٍ: إحْداها: هَذِهِ، والثّانِيَةُ: ﴿ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي ﴾ الخ، والثّالِثَةُ: ﴿ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا ﴾ الخ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الدُّعاءَ تَكَرَّرَ مِنهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ كُلَّ مَرَّةٍ بِصِيغَةٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ زَمانًا، ويُصَرِّحُ بِهِ ما نُقِلَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ بَيْنَهُما أرْبَعِينَ سَنَةً، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ الصِّيَغُ الثَّلاثُ حِكايَةً لِدُعاءٍ واحِدٍ مُرَّةً عَلى سَبِيلِ الإيجازِ، وتارَةً عَلى سَبِيلِ الإسْهابِ، وأُخْرى عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّطِ، وهَذِهِ الحِكايَةُ في هَذِهِ الصِّيَغِ إنَّما هي بِالمَعْنى إذْ لَمْ يَكُنْ لِسانُهم عَرَبِيًّا؛ ولِهَذا ورَدَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ دَعا قالَ: يا رازِقُ مَرْيَمَ ثِمارَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ وثِمارَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً، ولَمْ يَذْكُرْ في الدُّعاءِ يا رَبِّ، قِيلَ: ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ دُعاءٌ واحِدٌ مُتَعَقِّبٌ بِالتَّبْشِيرِ العَطْفُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌۭ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًۭا وَحَصُورًۭا وَنَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٣٩

﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى ﴾ .

وظاهِرُ قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ في مَرْيَمَ: ﴿ إنّا نُبَشِّرُكَ ﴾ اِعْتِقابُ التَّبْشِيرِ الدُّعاءَ لا تَأخُّرُهُ عَنْهُ، وأثَرُ إنَّ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ نَجِدْ لَهُ أثَرًا في ”الصِّحاحِ“، نَعَمْ رُبَّما تُشْعِرُ بَعْضُ الأخْبارِ المَوْقُوفَةِ أنَّ بَيْنَ الوِلادَةِ والتَّبْشِيرِ مُدَّةً كَما سَنُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والمُرادُ مِنَ المَلائِكَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ المُنادِي وحْدَهُ كَما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ وذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ (فَناداهُ جِبْرِيلُ)، فالجَمْعُ هُنا مَجازٌ عَنِ الواحِدِ لِلتَّعْظِيمِ، أوْ يَكُونُ هَذا مِن إسْنادِ فِعْلِ البَعْضِ لِلْكُلِّ، وقِيلَ: الجَمْعُ فِيهِ مِثْلِهِ في قَوْلِكَ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ ويَلْبَسُ الدِّيباجَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَصِحُّ إذا أُرِيدَ واحِدٌ لا بِعَيْنِهِ، وهَهُنا أُرِيدُ المُعَيَّنُ فَلَعَلَّ ما تَقَدَّمَ أوْلى بِالإرادَةِ، وقِيلَ: الجَمْعُ عَلى حالِهِ والمُنادِي كانَ جُمْلَةً مِنَ المَلائِكَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (فَنادِيَهُ) بِالإمالَةِ والتَّذْكِيرِ.

وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ذَكَرُوا المَلائِكَةَ ثُمَّ تَلا ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى ﴾ وكانَ يَقْرَأُها فَناداهُ المَلائِكَةُ ويُذَكِّرُ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ  كانَ يَقْرَأُ كَذَلِكَ.

﴿ وهُوَ قائِمٌ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن مَفْعُولِ النِّداءِ مُقَرِّرَةٌ لِما أشارَتْ إلَيْهِ الفاءُ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُصَلِّي ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ﴿ قائِمٌ ﴾ أوْ حالٌ أُخْرى مِنَ المَفْعُولِ عَلى القَوْلِ بِجَوازِ تَعَدُّدِها مِن غَيْرِ عَطْفٍ ولا بَدَلِيَّةٍ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ عَلى رَأْيِ مَن يَرى مِثْلَ ذَلِكَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِقائِمٍ والمُرادُ بِالصَّلاةِ ذاتُ الأقْوالِ والأفْعالِ كَما هو الظّاهِرُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ ثابِتٍ، قالَ: الصَّلاةُ خِدْمَةُ اللَّهِ تَعالى في الأرْضِ، ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا أفْضَلَ مِنَ الصَّلاةِ ما قالَ: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي ﴾ ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الدُّعاءُ والأوَّلُ يَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ في شَرِيعَتِهِمْ ﴿ فِي المِحْرابِ ﴾ أيْ في المَسْجِدِ، أوْ في مَوْقِفِ الإمامِ مِنهُ، أوْ في غُرْفَةِ مَرْيَمَ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِ (يُصَلِّي) أوْ بِ (قائِمٌ) عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ﴿ يُصَلِّي ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿ قائِمٌ ﴾ لِأنَّ العامِلَ فِيهِ وفي الحالِ شَيْءٌ واحِدٌ فَلا يَلْزَمُ الفَصْلُ بِالأجْنَبِيِّ كَما يَلْزَمُ عَلى التَّقادِيرِ الباقِيَةِ، كَذا قالُوا: واَلَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَسْألَةَ مِن بابِ التَّنازُعِ فَإنَّ كُلًّا مِن ﴿ قائِمٌ ﴾ و ﴿ يُصَلِّي ﴾ يَصِحُّ أنْ يَتَسَلَّطَ عَلى ﴿ فِي المِحْرابِ ﴾ عَلى أيِّ وجْهٍ تَقَدَّمَ مِن وُجُوهِ الإعْرابِ، فَتَدَبَّرْ.

ثُمَّ اِعْلَمْ أنَّ الصَّلاةَ في المَحارِيبِ المَشْهُورَةِ المَوْجُودَةِ الآنَ في مَساجِدِ المُسْلِمِينَ قَدْ كَرِهَها جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وإبْراهِيمُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُما اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ وهي مِنَ البِدَعِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ في العَصْرِ الأوَّلِ، فَعَنْ أبِي مُوسى الجُهَنِيِّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «لا يَزالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ ما لَمْ يَتَّخِذُوا في مَساجِدِهِمْ مَذابِحَ كَمَذابِحِ النَّصارى ”،» وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «كانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ  يَقُولُونَ: إنَّ مِن أشْراطِ السّاعَةِ أنْ تُتَّخَذَ المَذابِحُ في المَساجِدِ»، وعَنِ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: «“ اِتَّقُوا هَذِهِ المَذابِحَ» يَعْنِي المَحارِيبَ، والرِّواياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، ولِلْإمامِ السُّيُوطِيُّ «رِسالَةً» مُسْتَقِلَّةً فِيها.

﴿ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ﴾ أيْ بِأنَّ اللَّهَ، وبَعْدَ إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ المُطَّرِدِ في أنَّ، وإنْ يَجُوزَ في المُنْسَبِكِ اِعْتِبارُ النَّصْبِ واعْتِبارُ الجَرِّ، والأوَّلُ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، والثّانِي: مَذْهَبُ الخَلِيلِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) وخُرِّجَ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، أوْ عَلى إجْراءِ النِّداءِ مَجْرى القَوْلِ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنهُ وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يُبْشِرُكَ) مِنَ الإبْشارِ، وقَرَأ (يَبْشُرُكَ) مِنَ الثُّلاثِيِّ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعاذٍ الكُوفِيِّ قالَ: مَن قَرَأ (يُبَشِّرُ) مُثْقَلَةً فَإنَّهُ مِنَ البِشارَةِ، ومَن قَرَأ (يَبْشُرُ) مُخَفَّفَةً بِنَصْبِ الياءِ فَإنَّهُ مِنَ السُّرُورِ.

ويَحْيى اِسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: عَرَبِيٌّ مَنقُولٌ مِنَ الفِعْلِ، والمانِعُ لَهُ مِنَ الصَّرْفِ عَلى الأوَّلِ العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ، وعَلى الثّانِي العَلَمِيَّةُ ووَزْنُ الفِعْلِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لا قاطِعَ لِمَنعِ صَرْفِهِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا يَجْعَلُ العَلَمَ جُمْلَةً بِأنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرٌ كَما في قَوْلِهِ: نُبِّئْتُ أخْوالِي بَنِي يَزِيدَ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِما في ذَلِكَ الِاحْتِمالِ مِنَ التَّكَلُّفِ المُسْتَغْنى عَنْهُ ما يَكادُ يَكُونُ دَلِيلًا قَطْعِيًّا لِلْقِطْعِ، والقائِلُونَ بِعَرَبِيَّتِهِ مِنهم مَن وجَّهَ تَسْمِيَتَهُ بِذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا بِهِ عُقْرَ أُمِّهِ، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ومِنهم مَن وجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا قَلْبَهُ بِالإيمانِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وقِيلَ: سُمِّيَ بِيَحْيى لِأنَّهُ عَلَّمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَسْتَشْهِدَ والشُّهَداءُ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَحْيا بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ اللَّتَيْنِ يُؤْتاهُما، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ يُحْيِي بِهِ النّاسَ بِالهُدى، قالَ القُرْطُبِيُّ: ((كانَ اِسْمُهُ في الكِتابِ الأوَّلِ حَيًّا))، ورَأيْتُ في «إنْجِيلِ مَتّى» أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُدْعى يُوحَنّا المُعَمِّدانِيَّ لِما أنَّهُ كانَ يُعَمِّدُ النّاسَ في زَمانِهِ عَلى ما يَحْكِيهِ «كُتُبُ النَّصارى».

وجَمْعُ يَحْيى يَحْيُونَ رَفْعًا ويَحْيِينَ جَرًّا ونَصْبًا، وتَثْنِيَتُهُ كَذَلِكَ يَحْيَيانِ ويَحْيَيَيْنِ، ويُقالُ في النَّسَبِ إلَيْهِ يَحْيِيٌّ بِحَذْفِ الألِفِ ويَحْيَوِيٌّ بِقَلْبِها واوًا ويَحْياوِيٌّ بِزِيادَةِ ألْفٍ قَبْلَ الواوِ المُنْقَلِبَةِ عَنِ الألِفِ الأصْلِيَّةِ، وفي تَصْغِيرِهِ يُحَيِّىٌ، بِوَزْنِ فُعَيْعِلٍ قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ: ويَنْبَغِي أنَّ يَكُونَ هَذا الكَلامُ إلى آخِرِهِ مَحْكِيًّا بِعِبارَةٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى مِنهاجِ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ، كَما يُلَوِّحُ بِهِ مُراجَعَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجَوابِ إلَيْهِ تَعالى بِالذّاتِ لا بِواسِطَةِ المَلَكِ، والعُدُولُ عَنْ إسْنادِ التَّبْشِيرِ بِنُونِ العَظَمَةِ حَسْبَما وقَعَ في سُورَةِ مَرْيَمَ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ، كَما في قَوْلِ الخُلَفاءِ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَرْسُمُ لَكَ كَذا، ولِلْإيذانِ بِأنَّ ما حُكِيَ هُناكَ مِنَ النِّداءِ والتَّبْشِيرِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المُحاوَرَةِ كانَ كُلُّ ذَلِكَ بِواسِطَةِ المَلَكِ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ مِنهُ سُبْحانَهُ لا بِالذّاتِ كَما هو المُتَبادِرُ وبِهَذا يَتَّضِحُ اِتِّحادُ المَعْنى في السُّورَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ، فَتَأمَّلِ، اِنْتَهى.

وكانَ الدّاعِي إلى اِعْتِبارِ ما هُنا مَحْكِيًّا بِعِبارَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى ظُهُورُ عَدَمِ صِحَّةِ كَوْنِ ما في سُورَةِ مَرْيَمَ مِن عِبارَةِ المَلَكِ غَيْرَ مَحْكِيٍّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ الظّاهِرَ اِتِّحادُ الدُّعاءَيْنِ وإلّا فَما هُنا مِمّا لا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى ما ذُكِرَ لَوْلا ذَلِكَ، والمُلَوَّحُ غَيْرُ مُوجَبٍ كَما لا يَخْفى ولا بُدَّ في المَوْضِعَيْنِ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ كالوِلادَةِ إذِ التَّبْشِيرُ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ، ويَؤُولُ في المَعْنى إلى ما هُناكَ، أيْ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِوِلادَةِ غُلامٍ اِسْمُهُ يَحْيى.

﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ مِن (يَحْيى)، والمُرادُ بِالكَلِمَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعَلَيْهِ أجِلَّةُ المُفَسِّرِينَ، وإنَّما سُمِّيَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ وُجِدَ بِكَلِمَةِ كُنْ مِن دُونِ تَوَسُّطِ سَبَبٍ عادِيٍّ فَشابَهَ البَدِيعِيّاتِ الَّتِي هي عالَمُ الأمْرِ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِكَلِمَةٍ أيْ بِكَلِمَةٍ كائِنَةٍ مِنهُ تَعالى، وأُرِيدُ بِهَذا التَّصْدِيقِ الإيمانُ وهو أوَّلُ مَن آمَنَ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وصَدَّقَ أنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ تَعالى ورُوحٌ مِنهُ في المَشْهُورِ.

أخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: «قالَتِ اِمْرَأةُ زَكَرِيّا لِمَرْيَمَ: إنِّي أجِدُ الَّذِي في بَطْنِي يَتَحَرَّكُ لِلَّذِي في بَطْنِكَ».

وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ اِبْنِ جُرَيْجٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ يَحْيى وعِيسى اِبْنَيْ خالَةٍ وكانَتْ أُمُّ يَحْيى تَقُولُ لِمَرْيَمَ إنِّي أجِدُ الَّذِي في بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي في بَطْنِكَ»، فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ لَهُ وكانَ أكْبَرَ مِن عِيسى بِسِتَّةِ أشْهُرٍ، كَما قالَ الضَّحّاكُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: بِثَلاثِ سِنِينَ، قِيلَ: وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَكُونُ بَيْنَ ولّادَةِ يَحْيى وبَيْنَ البِشارَةِ بِها زَمانٌ مَدِيدٌ لِأنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ وهي بِنْتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ بِنْتُ عَشْرِ سِنِينَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ دُعاءُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ زَمَنَ طُفُولِيَّةِ مَرْيَمَ قَبْلَ العَشْرِ أوِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ، ولَيْسَ في الآيَةِ سِوى ما يُشْعِرُ بِأنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَكَرَّرَ مِنهُ الدُّخُولُ عَلى مَرْيَمَ ومُشاهَدَتُهُ الرِّزْقَ لَدَيْها وسُؤالُهُ لَها وسَماعُهُ مِنها ذَلِكَ الجَوابَ اِشْتاقَ إلى الوَلَدِ فَدَعا بِما دَعا، وهَذا الدُّعاءُ كَما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في مَبادِئِ الأمْرِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في أواخِرِهِ قُبَيْلَ حَمْلِ مَرْيَمَ، وكَوْنُهُ في الأواخِرِ غَيْرَ بَعِيدٍ لِما أنَّ الرَّغْبَةَ حِينَئِذٍ أوْفَرُ حَيْثُ شاهَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَوامَ الأمْرِ وثَباتَهُ زَمَنَ الطُّفُولِيَّةِ وبَعْدَها، وهَذا قَلَّما يُوجَدُ في الأطْفالِ إذِ الكَثِيرُ مِنهم قَدْ يُلْقِي اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِهِ في صِغَرِهِ ما قَدْ يَكُونُ عَنْهُ بِمَراحِلَ في كِبَرِهِ، فَلَيْسَ عِنْدَنا ما يَدُلُّ صَرِيحًا عَلى أنَّ بَيْنَ الوِلادَةِ والتَّبْشِيرِ مُدَّةً مَدِيدَةً ولا بَيْنَ الدُّعاءِ والتَّبْشِيرِ أيْضًا، نَعَمْ عِنْدَنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ يَحْيى أكْبَرُ مِن عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ وهو مِمّا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ وغَيْرُهُمْ، فَفي «إنْجِيلِ مَتّى» ما يُصَرِّحُ بِأنَّهُ وُلِدَ قَبْلَهُ وقَتَلَهُ هِيرْدُوسُ قَبْلَ رَفْعِهِ وأنَّهُ عَمَّدَ المَسِيحَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

وحُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْنى ﴿ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ بِكِتابٍ مِنهُ، والمُرادُ بِهِ الإنْجِيلُ وإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ كَإطْلاقِها عَلى القَصِيدَةِ في قَوْلِهِمْ كَلِمَةُ الحُوَيْدِرَةِ لِلْعَيْنِيَّةِ المَعْرُوفَةِ بِالبَلاغَةِ.

﴿ وسَيِّدًا ﴾ عَطْفٌ عَلى (مُصَدِّقًا)، وفَسَّرَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ بِالكَرِيمِ، وقَتادَةُ بِالحَلِيمِ، والضَّحّاكُ بِالحَسَنِ الخُلُقِ، وسالِمٌ بِالتَّقِيِّ، وابْنُ زَيْدٍ بِالشَّرِيفِ، وابْنُ المُسَيِّبِ بِالفَقِيهِ العالِمِ، وأحْمَدُ بْنُ عاصِمٍ بِالرّاضِي بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، والخَلِيلُ بِالمُطاعِ الفائِقِ أقْرانَهُ، وأبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ بِالمُتَوَكِّلِ، واَلتِّرْمِذِيُّ بِالعَظِيمِ الهِمَّةِ، والثَّوْرِيُّ بِمَن لا يَحْسُدُ، وأبُو إسْحَقَ بِمَن يَفُوقُ بِالخَيْرِ قَوْمَهُ، وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ بِالمالِكِ الَّذِي تَجِبُ طاعَتُهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ، وكُلُّ ما فِيها مِنَ الأوْصافِ مِمّا يَصْلُحُ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّها صِفاتُ كَمالٍ، وأحَقُّ النّاسِ بِصِفاتِ الكَمالِ النَّبِيُّونَ إلّا أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ أصْلَ مَعْنى السَّيِّدِ مَن يَسُودُ قَوْمَهُ يَكُونُ لَهُ أتْباعٌ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ فائِقٍ في دِينٍ أوْ دُنْيا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ هُنا الفائِقُ في الدِّينِ حَيْثُ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ أصْلًا كَما ورَدَ ذَلِكَ مِن طُرُقٍ عَدِيدَةٍ.

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: «كُلُّ اِبْنِ آدَمَ يَلْقى اللَّهَ بِذَنْبٍ قَدْ أذْنَبَهُ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ إنْ شاءَ أوْ يَرْحَمُهُ إلّا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا»، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ ما هو أصْلُ مَعْناهُ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ ولَهُ أتْباعٌ مِنهُمْ، غايَةُ الأمْرِ أنَّ تِلْكَ رِياسَةٌ شَرْعِيَّةٌ، والإتْيانُ بِهِ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُصَدِّقًا ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ نَبِيٌّ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ مِن أُمَّتِهِ كَما يُفْهِمُهُ ظاهِرًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ .

﴿ وحَصُورًا ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ مَعَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ، وفي بَعْضِها إنَّهُ العِنِّينُ الَّذِي لا ذَكَرَ لَهُ يَتَأتّى بِهِ النِّكاحَ ولا يُنْزِلُ، ورَوى الحُفّاظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّ ما مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كالأُنْمُلَةِ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ كالقَذاةِ، وفي أُخْرى كالنَّواةِ، وفي بَعْضٍ كَهُدْبَةِ الثَّوْبِ، قِيلَ: والأصَحُّ الأوَّلُ إذِ العُنَّةُ عَيْبٌ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، وبِتَسْلِيمِ أنَّها لَيْسَتْ بِعَيْبٍ فَلا أقَلَّ أنَّها لَيْسَتْ بِصِفَةِ مَدْحٍ، والكَلامُ مَخْرِجُ المَدْحِ، وما أخْرَجَهُ الحافِظُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، والإشارَةُ إلى عَدَمِ اِنْتِفاعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما عِنْدَهُ لِعَدَمِ مَيْلِهِ لِلنِّكاحِ لِما أنَّهُ في شُغْلٍ شاغِلٍ عَنْ ذَلِكَ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ التَّبَتُّلَ لِنَوافِلِ العِباداتِ أفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالنِّكاحِ اِسْتِدْلالًا بِحالِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن ذَهَبَ إلى خِلافِهِ اِحْتَجَّ بِما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «”أرْبَعَةٌ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأمَّنَتِ المَلائِكَةُ، رَجُلٌ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى ذَكَرًا فَأنَّثَ نَفْسَهُ وتَشَبَّهَ بِالنِّساءِ، واِمْرَأةٌ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى أُنْثى فَتَذَكَّرَتْ وتَشَبَّهَتْ بِالرِّجالِ، واَلَّذِي يَضِلُّ الأعْمى، ورَجُلٌ حَصُورٌ ولَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ تَعالى حَصُورًا إلّا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا“،» وفي رِوايَةٍ ««لَعَنَ اللَّهُ تَعالى والمَلائِكَةُ رَجُلًا تَحَصَّرَ بَعْدَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا»،» ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالحَصُورِ المُبالَغُ في حَصْرِ النَّفْسِ وحَبْسِها عَنِ الشَّهَواتِ مَعَ القُدْرَةِ، وقَدْ كانَ حالُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا كَذَلِكَ.

أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ مَوْقُوفًا وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ مَرْفُوعًا: «”أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ في صِباهُ بِصِبْيانٍ يَلْعَبُونَ فَدَعُوهُ إلى اللَّعِبِ فَقالَ: ما لِلَّعِبِ خُلِقْتُ“».

﴿ ونَبِيًّا ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما عُدِّدَ مِنَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ ﴿ مِنَ الصّالِحِينَ  ﴾ أيْ ناشِئًا مِنهم أوْ مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ فَ (مِن) عَلى الأوَّلِ لِلِابْتِداءِ، وعَلى الثّانِي لِلتَّبْعِيضِ، قِيلَ: ومَعْناهُ عَلى الأوَّلِ ذُو نَسَبٍ، وعَلى الثّانِي مَعْصُومٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَلْغُو ذِكْرُهُ بَعْدَ (نَبِيًّا)، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ مِنَ الصَّلاحِ ما فَوْقَ الصَّلاحِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ البَتَّةَ مِن أقاصِي مَراتِبِهِ وعَلَيْهِ مَبْنى دُعاءِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ ﴾ ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا قَبْلُ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌۭ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠

﴿ قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ﴾ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ؟

فَقِيلَ: ﴿ قالَ رَبِّ ﴾ الخ، وخاطَبَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ سُبْحانَهُ ولَمْ يُخاطِبِ المَلَكَ المُنادِيَ طَرْحًا لِلْوَسائِطِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ وجِدًّا في التَّبَتُّلِ، و(أنّى) بِمَعْنى كَيْفَ، أوْ مِن أيْنَ، وكانَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تامَّةً وفاعِلُها ﴿ غُلامٌ ﴾ و(أنّى) واللّامُ مُتَعَلِّقانِ بِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً و(لِي) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٌ وقَعَ حالًا لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، وفي الخَبَرِ حِينَئِذٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: (أنّى) لِأنَّها بِمَعْنى كَيْفَ، أوْ مِن أيْنَ، والثّانِي: أنَّ الخَبَرَ الجارَّ، و(أنّى) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وفي التَّنْصِيصِ عَلى ذِكْرِ الغُلامِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ أُخْبِرَ بِهِ عِنْدَ التَّبْشِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى ﴾ .

﴿ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ ﴾ حالٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، أيْ أدْرَكَنِي الكِبَرُ وأثَّرَ فِيَّ، وأُسْنِدَ البُلُوغُ إلى الكِبَرِ تَوَسُّعًا في الكَلامِ كَأنَّ الكِبَرَ طالِبٌ لَهُ وهو المَطْلُوبُ، رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ بُشِّرَ بِالوَلَدِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً وكانَتِ اِمْرَأتُهُ بِنْتَ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: كانَ لَهُ مِنَ العُمْرِ تِسْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: اِثْنَتانِ وتِسْعُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وثَمانُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وسَبْعُونَ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: سِتُّونَ.

﴿ وامْرَأتِي عاقِرٌ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْضًا إمّا مِن ياءِ (لِي) أوْ ياءِ ﴿ بَلَغَنِيَ ﴾ والعاقِرُ العَقِيمُ الَّتِي لا تَلِدُ مِنَ العُقْرِ وهو القَطْعُ لِأنَّها ذاتُ عُقْرٍ مِنَ الأوْلادِ، وصِيغَةُ فاعِلٍ فِيهِ لِلنَّسَبِ وهو في المَعْنى مَفْعُولٌ أيْ مَعْقُورَةٌ، ولِذَلِكَ لَمْ تَلْحَقُ تاءُ التَّأْنِيثِ، قالَهُ أبُو البَقاءِ، وكانَتِ الجُمْلَةُ الأُولى فِعْلِيَّةً لِأنَّ الكِبَرَ يَتَجَدَّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا ولَمْ يَكُنْ وصْفًا لازِمًا، وكانَتْ الثّانِيَةُ اِسْمِيَّةً لِأنَّ كَوْنَها عاقِرًا وصْفٌ لازِمٌ لَها ولَيْسَ أمْرًا طارِئًا عَلَيْها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ سَبْقِ دُعائِهِ بِذَلِكَ وقُوَّةِ يَقِينِهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ لاسِيَّما بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الشَّواهِدَ السّالِفَةَ اِسْتِفْسارًا عَنْ كَيْفِيَّةِ حُصُولِ الوَلَدِ أيُعْطاهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الشَّيْبِ ونِكاحِ اِمْرَأةٍ عاقِرٍ أمْ يَتَغَيَّرُ الحالُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ: اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ الأمْرُ؛ أيُعْطى الوَلَدَ مِنَ اِمْرَأتِهِ العَجُوزِ أمْ مِنَ اِمْرَأةٍ أُخْرى شابَّةٍ فَقالَ ما قالَ، وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْظامِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّعَجُّبِ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ عِنْدَ ظُهُورِ آيَةٍ عَظِيمَةٍ كَمَن يَقُولُ لِغَيْرِهِ: كَيْفَ سَمَحَتْ نَفْسُكَ بِإخْراجِ ذَلِكَ المُلْكِ النَّفِيسِ مِن يَدِكَ؟!

تَعَجُّبًا مِن جُودِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا بَشَّرَتْهُ بِيَحْيى لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ يُرْزَقُ الوَلَدَ مِن جِهَةِ التَّبَنِّي؛ أوْ مِن صُلْبِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ الكَلامَ لِيَزُولَ هَذا الِاحْتِمالُ، وقِيلَ: إنَّ العَبْدَ إذا كانَ في غايَةِ الِاشْتِياقِ إلى شَيْءٍ وطَلَبَهُ مِنَ السَّيِّدِ ووَعَدَهُ السَّيِّدُ بِإعْطائِهِ رُبَّما تَكَلَّمَ بِما يَسْتَدْعِي إعادَةَ الجَوابِ لِيَلْتَذَّ بِالإعادَةِ وتَسْكُنَ نَفْسُهُ بِسَماعِ تِلْكَ الإجابَةِ مَرَّةً أُخْرى، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا مِن هَذا البابِ، وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ اِسْتِبْعادًا مِن حَيْثُ العادَةُ لِأنَّهُ لَمّا دَعا كانَ شابًّا ولَمّا أُجِيبَ كانَ شَيْخًا بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ بَيْنَ الدُّعاءِ والإجابَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً أوْ سِتِّينَ سَنَةً، كَما حُكِيَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وكانَ قَدْ نَسِيَ دُعاءَهُ ولا يَخْفى ما في أكْثَرِ هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ البُعْدِ.

وأبْعَدُ مِنها ما نُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ سَماعِ البِشارَةِ، فَقالَ: إنَّ هَذا الصَّوْتَ مِنَ الشَّيْطانِ وقَدْ سَخِرَ مِنكَ فاشْتَبَهَ الأمْرُ عَلَيْهِ، فَقالَ: رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ وكانَ مَقْصُودُهُ مِن ذَلِكَ أنْ يُرِيَهُ اللَّهُ تَعالى آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ مِنَ الوَحْيِ لا مِنَ الشَّيْطانِ، ومِثْلُهُ ما رَوى اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: ”أتاهُ الشَّيْطانُ فَأرادَ أنْ يُكَدِّرَ عَلَيْهِ نِعْمَةَ رَبِّهِ، فَقالَ: هَلْ تَدْرِي مَن ناداكَ؟

قالَ: نَعَمْ، نادانِي مَلائِكَةُ رَبِّي، قالَ: بَلْ ذَلِكَ الشَّيْطانُ، ولَوْ كانَ هَذا مِن رَبِّكَ لَأخْفاهُ إلَيْكَ كَما أخْفَيْتَ نِداءَكَ، فَقالَ: رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي الخ“.

واعْتَرَضَهُ القاضِي وغَيْرُهُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَشْتَبِهَ كَلامُ المَلائِكَةِ بِكَلامِ الشَّيْطانِ عِنْدَ الوَحْيِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، إذْ لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لارْتَفَعَ الوُثُوقُ عَنْ كُلِّ الشَّرائِعِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا قامَتِ المُعْجِزاتُ عَلى صِدْقِ الوَحْيِ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ فَلا جَرَمَ يَحْصُلُ الوُثُوقُ هُناكَ بِأنَّ الوَحْيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ المَلَكِ ولا يَدْخُلُ الشَّيْطانُ فِيهِ، وأمّا فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ الدُّنْيا والوَلَدِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِها فَرُبَّما لَمْ يَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِالمُعْجِزِ، فَلا جَرَمَ بَقِيَ اِحْتِمالِ كَوْنِ ذَلِكَ الكَلامِ مِنَ الشَّيْطانِ ولِهَذا رَجَعَ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يُزِيلَ عَنْ خاطِرِهِ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاعْتِراضَ ذَكَرٌ والجَوابُ أُنْثى، ولَعَلَّ هَذا المَبْحَثَ يَأْتِيكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مُسْتَوْفًى عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ ﴾ الآيَةَ.

وبِالجُمْلَةِ القَوْلُ بِاشْتِباهِ الأمْرِ عَلى زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ في غايَةِ البُعْدِ لا سِيَّما وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ”إنَّ المَلائِكَةَ شافَهَتْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ مُشافَهَةً فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيى“.

(قالَ) أيِ الرَّبُّ، والجُمْلَةُ اِسْتِئْنافٌ عَلى طُرُزِ ما مَرَّ ﴿ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ  ﴾ أيْ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ أنْ يَفْعَلَهُ مِنَ الأفْعالِ العَجِيبَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ فِعْلًا مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ العَجِيبِ والصُّنْعِ البَدِيعِ الَّذِي هو خَلْقُ الوَلَدِ مَعَ الحالَةِ الَّتِي يُسْتَبْعَدُ مَعَها الخَلْقُ بِحَسَبِ العادَةِ، فالكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والإشارَةُ لِذَلِكَ المَصْدَرِ، وقَدَّمَ الجارَّ لِإفادَةِ القَصْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو أدْنى مِنَ المُشارِ إلَيْهِ واعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحَمَةً لِتَأْكِيدِ الفَخامَةِ المُشْعِرِ بِها اِسْمُ الإشارَةِ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن قَبْلُ في نَظِيرِهِ، ويَحْتَمِلُ الكَلامُ أوْجُهًا أُخَرُ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ مَعْرِفَةً أيْ يَفْعَلُ الفِعْلَ كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ، الثّانِي: أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و”اللَّهُ“ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، أيْ كَهَذا الشَّأْنِ العَجِيبِ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ بَيانًا لِذَلِكَ الشَّأْنِ المُبْهَمِ، الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ بَيانًا أيْضًا، الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى المَذْكُورِ مِن حالِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ عَلى أيِّ حالٍ يَكُونُ لِي الغُلامُ؟

فَقِيلَ لَهُ: كَما أنْتَ يَكُونُ الغُلامُ لَكَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَها كَذا قالُوا، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ الأوْجُهِ مِنَ البُعْدِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ التَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ رَوْمًا لِلتَّعْظِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةًۭ ۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًۭا ۗ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًۭا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ ٤١

﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ أيْ عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى العُلُوقِ وإنَّما سَألَها اِسْتِعْجالًا لِلسُّرُورِ قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ لِيَتَلَقّى تِلْكَ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ حِينَ حُصُولِها ولا يُؤَخِّرُ حَتّى تَظْهَرَ ظُهُورًا مُعْتادًا، ولَعَلَّ هَذا هو الأنْسَبُ بِحالِ أمْثالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُ السُّدِّيِّ: إنَّهُ سَألَ الآيَةَ لِيَتَحَقَّقَ أنَّ تِلْكَ البِشارَةَ مِنهُ تَعالى لا مِنَ الشَّيْطانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا، والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أوَّلُهُما: (آيَةً)، وثانِيهُما: (لِي)، والتَّقْدِيمُ لِأنَّهُ المُسَوِّغُ لِكَوْنِ (آيَةً) مُبْتَدَأً عِنْدَ الِانْحِلالِ، وإمّا بِمَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو (آيَةً) و(لِي) حِينَئِذٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن (آيَةً) لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ عَنْها كانَ صِفَةً لَها، وصِفَةُ النَّكِرَةِ إذا تَقَدَّمَتْ عَلَيْها أُعْرِبَتْ حالًا مِنها كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ، وتَقْدِيمُهُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ والتَّشْوِيقِ لِما بَعْدَهُ.

﴿ قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ﴾ أيْ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى تَكْلِيمِهِمْ مِن غَيْرِ آفَةٍ وهو الأنْسَبُ بِكَوْنِهِ آيَةً والأوْفَقُ لِما في سُورَةِ مَرْيَمَ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُعْتَمِرٍ قالَ: ”رَبا لِسانُهُ في فِيهِ حَتّى مَلَأهُ فَمَنَعَهُ الكَلامُ“، والآيَةُ فِيهِ عَدَمُ مَنعِهِ مِنَ الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ عَدَمُ التَّكْلِيمِ اِضْطِرارِيٌّ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ اِخْتِيارِيٌّ، والمَعْنى آيَتُكَ أنْ تَصِيرَ مَأْمُورًا بِعَدَمِ التَّكَلُّمِ إلّا بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ هُنا، وعَلَيْهِ وعَلى القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِن عَدَمِ التَّكْلِيمِ ظاهِرُهُ فَقَطْ وهو الظّاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الصِّيامِ لِأنَّهم كانُوا إذْ ذاكَ إذا صامُوا لَمْ يُكَلِّمُوا أحَدًا وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَطاءٌ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ومَعَ هَذا يَتَوَقَّفُ قَبُولُهُ عَلى تَوْقِيفٍ، وإنَّما خَصَّ تَكْلِيمَ النّاسِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنَ التَّكَلُّمِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴾ أيْ مُتَوالِيَةٍ، وقالَ بَعْضُهُمُ المُرادُ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيها، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لَيالِي ثَلاثَةِ أيّامٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿ ثَلاثَ لَيالٍ ﴾ والحَقُّ أنَّ الآيَةَ كانَتْ عَدَمَ التَّكْلِيمِ سِتَّةَ أفْرادٍ إلّا أنَّهُ اِقْتَصَرَ تارَةً عَلى ذِكْرِ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِنها وأُخْرى عَلى ثَلاثِ لَيالٍ، وجَعَلَ ما لَمْ يَذْكُرْ في كُلٍّ تَبَعًا لِما ذَكَرَ، قِيلَ: وإنَّما قَدَّمَ التَّعْبِيرَ بِالأيّامِ لِأنَّ يَوْمَ كُلِّ لَيْلَةٍ قَبْلَها في حِسابِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ، وكَوْنَهُ بَعْدَها إنَّما هو عِنْدَ العَرَبِ خاصَّةً كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ آيَةَ اللَّيالِي مُتَقَدِّمَةٌ نُزُولًا لِأنَّ السُّورَةَ الَّتِي هي فِيها مَكِّيَّةٌ والسُّورَةَ الَّتِي فِيها آيَةُ الأيّامِ مَدَنِيَّةٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ أوَّلُ ظُهُورِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْلًا ويَكُونُ اليَوْمُ تَبَعًا لِلَّيْلَةِ الَّتِي قَبْلَها عَلى ما يَقْتَضِيهِ حِسابُ العَرَبِ، فَتَدَبَّرْ.

فالبَحْثُ مُحْتاجٌ إلى تَحْرِيرٍ بَعْدُ، وإنَّما جُعِلَ عَقْلُ اللِّسانِ آيَةَ العُلُوقِ لِتَخْلُصَ المُدَّةُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وشُكِرِهِ قَضاءً لِحَقِّ النِّعْمَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: آيَةُ حُصُولِ النِّعْمَةِ أنْ تُمْنَعَ عَنِ الكَلامِ إلّا بِشُكْرِها، وأحْسَنُ الجَوابِ عَلى ما قِيلَ ما أُخِذَ مِنَ السُّؤالِ كَما قِيلَ لِأبِي تَمّامٍ لِمَ تَقُولُ ما لا نَفْهَمُ؟

فَقالَ: لِمَ لا نَفْهَمُ ما يُقالُ؟

وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ سُؤالَ الآيَةِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ لِتَلَقِّي النِّعْمَةِ بِالشُّكْرِ، ولَعَلَّ دَلالَةَ كَلامِهِ عَلى ذَلِكَ بِواسِطَةِ المَقامِ وإلّا فَفي ذَلِكَ خَفاءٌ كَما لا يَخْفى.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّ حَبْسَ لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن بابِ العُقُوبَةِ حَيْثُ طَلَبَ الآيَةَ بَعْدَ مُشافَهَةِ المَلائِكَةِ لَهُ بِالبِشارَةِ ولَعَلَّ الجِنايَةَ حِينَئِذٍ مِن بابِ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتِ المُقَرَّبِينَ ومَعَ هَذا حُسْنُ الظَّنِّ يَمِيلُ إلى الأوَّلِ، ومَذْهَبُ قَتادَةَ لا آمَنُ عَلى الأقْدامِ الضَّعِيفَةِ.

﴿ إلا رَمْزًا ﴾ أيْ إيماءً، وأصْلُهُ التَّحَرُّكُ، يُقالُ: اِرْتَمَزَ أيْ تَحَرَّكَ، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَحْرِ الرّامُوزُ، وأخْرَجَ الطِّيبِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنِ الرَّمْزِ فَقالَ: الإشارَةُ بِاليَدِ والوَحْيُ بِالرَّأْسِ، فَقالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟

قالَ: نَعَمْ أما، سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ما في السَّماءِ مِنَ الرَّحْمَنِ (مُرْتَمَزُ) إلّا إلَيْهِ وما في الأرْضِ مِن وزَرُ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الرَّمْزَ هُنا كانَ تَحْرِيكَ الشَّفَتَيْنِ، وقِيلَ: الكِتابَةُ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِالمِسْبَحَةِ، وقِيلَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، وقِيلَ: كُلُّ ما أوْجَبَ اِضْطِرابًا في الفَهْمِ كانَ رَمْزًا، وهو اِسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِناءً عَلى أنَّ الرَّمْزَ الإشارَةُ والإفْهامُ مِن دُونِ كَلامٍ وهو حِينَئِذٍ لَيْسَ مِن قَبِيلِ المُسْتَثْنى مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَلامِ ما فُهِمَ مِنهُ المُرادُ، ولا رَيْبَ في كَوْنِ الرَّمْزِ مِن ذاكَ القَبِيلِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ خِلافُ الظّاهِرِ ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ اِسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا في الدُّنْيا أصْلًا إذْ ما مِنَ اِسْتِثْناءٍ إلّا ويُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِمّا يَجْعَلُهُ مُتَّصِلًا ولا قائِلَ بِهِ، وتَعَقَّبَ اِبْنُ الشَّجَرِيِّ النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ هُنا مُطْلَقًا، وادَّعى أنَّ ﴿ رَمْزًا ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ مُنْتَصِبٌ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الخافِضِ، والأصْلُ أنْ لا تُكَلِّمَ النّاسَ إلّا بِرَمْزٍ، فالعامِلُ الَّذِي قَبْلَ (إلّا) مُفَرَّغٌ في هَذا النَّحْوِ لِلْعَمَلِ فِيما بَعْدَها بِدَلِيلِ أنَّكَ لَوْ حَذَفْتَ (إلّا) وحَرْفَ النَّفْيِ اِسْتَقامَ الكَلامُ، تَقُولُ في نَحْوِ ما لَقِيتُ إلّا زَيْدًا لَقِيتُ زَيْدًا، وفي ما خَرَجَ إلّا زَيْدٌ خَرَجَ زَيْدٌ، وكَذا لَوْ قُلْتَ: آيَتُكُ أنْ تُكَلِّمَ النّاسِ رَمْزًا، اِسْتَقامَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الِاسْتِثْناءُ، فَلَوْ قُلْتَ: لَيْسَ القَوْمُ في الدّارِ إلّا زَيْدًا أوْ إلّا زِيدٌ ثُمَّ حَذَفْتَ النَّفْيَ، وإلّا فَقُلْتَ: القَوْمُ في الدّارِ زَيْدًا أوْ زَيْدٌ، لَمْ يَسْتَقِمْ، فَكَذا المُنْقَطِعُ نَحْوُ: ما خَرَجَ القَوْمُ إلّا حِمارًا، لَوْ قُلْتَ: خَرَجَ القَوْمُ حِمارًا لَمْ يَسْتَقِمْ، قالَهُ السَّفاقِسِيُّ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ (إلّا رُمُزًا) بِضَمَّتَيْنِ، جَمْعُ رُمُوزٍ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ، وقُرِئَ (رَمَزًا) بِفُتْحَتَيْنِ جَمْعُ رامِزٍ كَخادِمٍ وخَدَمٍ وهو مِن نادِرِ الجَمْعِ وعَلى القِراءَتَيْنِ يَكُونُ حالًا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ مَعًا أيْ مُتَرامِزَيْنِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: مَتى ما تَلْقَنِي (فَرْدَيْنِ) تَرْجُفُ ∗∗∗ رَوانِفُ ألْيَتَيْكَ وتُسْتَطارا وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (إلّا رُمُزًا) عَلى قِراءَةِ الضَّمِّ مَصْدَرًا، وجَعَلَهُ مُسَكَّنَ المِيمِ في الأصْلِ والضَّمُّ عارِضٌ لِلِاتِّباعِ كاليُسْرِ واليُسُرِ، وعَلَيْهِ لا يَخْتَلِفُ إعْرابُهُ، فافْهَمْ.

﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ ﴾ أيْ في أيّامِ الحَبْسَةِ شُكْرًا لِتِلْكَ النِّعْمَةِ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ مُطْلَقًا لا في خُصُوصِ تِلْكَ الأيّامِ، وأنْ يَكُونَ في جَمِيعِ أيّامِ الحَمْلِ لِتَعُودَ بَرَكاتُهُ إلَيْهِ، والمُنْساقُ إلى الذِّهْنِ هو الأوَّلُ، والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مُبَيِّنَةٌ لِلْغَرَضِ مِنها، واسْتُشْكِلَ العَطْفُ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ، والثّانِي: عَطْفُ المُؤَكِّدِ عَلى المُؤَكَّدِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، أيِ اُشْكُرْ واذْكُرْ، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُجْعَلَ الأمْرُ بِمَعْنى الخَبَرِ عَطْفًا عَلى (لا تُكَلِّمَ) فَيَكُونُ في تَقْدِيرِ: أنْ لا تُكَلِّمَ وتَذْكُرَ رَبَّكَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ﴿ كَثِيرًا ﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ زَمانٍ كَذَلِكَ أيْ ذِكْرًا كَثِيرًا وزَمانًا كَثِيرًا.

﴿ وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ ﴾ وهو مِنَ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: مِنَ العَصْرِ إلى ذَهابِ صَدْرِ اللَّيْلِ، ﴿ والإبْكارِ  ﴾ أيْ وقْتِهِ وهو مِنَ الفَجْرِ إلى الضُّحى، وإنَّما قُدِّرَ المُضافُ لِأنَّ الإبْكارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مَصْدَرٌ لا وقْتٌ فَلا تَحْسُنُ المُقابَلَةُ كَذا قِيلَ؛ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ العَشِيَّ جَمْعُ عَشِيَّةٍ الوَقْتِ المَخْصُوصِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو البَقاءِ، واَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْظَمُ أنَّهُ مَصْدَرٌ أيْضًا عَلى فَعِيلٍ لا جَمْعٌ‘ وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الجَوْهَرِيِّ فافْهَمْ؛ وقُرِئَ (والأبْكارِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فَهو حِينَئِذٍ جَمْعُ بَكَرٍ كَسَحَرٍ لَفْظًا ومَعْنًى وهو نادِرُ الِاسْتِعْمالِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ بِدَلِيلِ تَقْيِيدِهِ بِالوَقْتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ وقِيلَ: الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ كَما أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ الذِّكْرُ القَلْبِيُّ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لا تَكْرارَ في ذِكْرِ التَّسْبِيحِ مَعَ الذِّكْرِ، وألْ في الوَقْتَيْنِ لِلْعُمُومِ، وأبْعَدُ مِن جَعْلِها لِلْعَهْدِ أيْ عَشِيِّ تِلْكَ الأيّامِ الثَّلاثَةِ وأبْكارِها، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، ولَيْسَ مِن بابِ التَّنازُعِ في المَشْهُورِ، وجَوَّزَهُ بَعْضُهم فَيَكُونُ الأمْرُ بِالذِّكْرِ مُقَيَّدًا بِهَذَيْنَ الوَقْتَيْنِ أيْضًا، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَقْيِيدَهُ بِالكَثْرَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ، وفِيهِ بُعْدٌ تَسْلِيمُ أنَّهُ مُقَيَّدٌ بِهِ فَقَطْ أنَّ الكَثْرَةَ أخَصُّ مِنَ التَّكْرارِ.

هَذا ومِن بابِ البُطُونِ في الآياتِ أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ شَيْخًا مُرْشِدًا لِلنّاسِ فَلَمّا رَأى ما رَأى أيْ تَحَرَّكَتْ غَيْرَةُ النُّبُوَّةِ فَطَلَبَ مِن رَبِّهِ ولَدًا حَقِيقِيًّا يَقُومُ مَقامَهُ في تَرْبِيَةِ النّاسِ وهِدايَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ أيْ مُطَهَّرَةً مِن لَوَثِ الِاشْتِغالِ بِالسِّوى مُنْفَرِدَةً عَنْ إراداتِها مُقَدَّسَةً مِن شَهَواتِها ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ ﴾ عَلى ساقِ الخِدْمَةِ ﴿ يُصَلِّي في المِحْرابِ ﴾ وهو مَحِلُّ المُراقَبَةِ ومُحارِبَةِ النَّفْسِ ﴿ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ﴾ وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّ مَن شاهَدَ الحَقَّ في جَمالِ نُبُوَّتِهِ يَحْيا قَلْبُهُ مِن مَوْتِ الفَتْرَةِ، أوْ لِأنَّهُ هو يَحْيا بِالنُّبُوَّةِ والشَّهادَةِ ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ وهو ما يَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ عَلى القُلُوبِ المُقَدَّسَةِ ﴿ وسَيِّدًا ﴾ وهو الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ نُورُ هَيْبَةِ عِزَّةِ الحَقِّ، وقالَ الصّادِقُ: هو المُبايِنُ لِلْخَلْقِ وصْفًا وحالًا وخَلْقًا؛ وقالَ الجُنَيْدُ: هو الَّذِي جادَ بِالكَوْنَيْنِ طَلَبًا لِرَبِّهِ، وقالَ اِبْنُ عَطاءٍ: هو المُتَحَقِّقُ بِحَقِيقَةِ الحَقِّ، وقالَ اِبْنُ مَنصُورٍ: هو مَن خَلا عَنْ أوْصافِ البَشَرِيَّةِ وحَلى بِنُعُوتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: هو مَنِ اِسْتَوَتْ أحْوالُهُ عِنْدَ المَنعِ والإعْطاءِ والرَّدِّ والقَبُولِ ﴿ وحَصُورًا ﴾ وهو الَّذِي حُصِرَ ومُنِعَ عَنْ جَمِيعِ الشَّهَواتِ وعُصِمَ بِالعِصْمَةِ الأزَلِيَّةِ، وقالَ الإسْكَنْدَرانِيُّ: هو المُنَزَّهُ عَنِ الأكْوانِ وما فِيها ﴿ ونَبِيًّا ﴾ أيْ مُرْتَفَعُ القَدْرِ بِهُبُوطِ الوَحْيِ عَلَيْهِ ومَعْدُودًا ﴿ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ وهم أهْلُ الصَّفِّ الأوَّلِ مِن صُفُوفِ الأرْواحِ المُجَنَّدَةِ المُشاهِدَةِ لِلْحَقِّ في مَرايا الخَلْقِ.

﴿ قالَ ﴾ اِسْتِعْظامًا لِلنِّعْمَةِ: ﴿ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ﴾ والحالُ ”قَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ“ وهو أحَدُ المَوانِعِ العادِيَّةِ ﴿ وامْرَأتِي عاقِرٌ ﴾ وهو مانِعٌ آخَرُ ﴿ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ عَلى العُلُوقِ لِأشْكُرَكَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ إذْ شُكْرُ المُنْعِمِ واجِبٌ وبِهِ تَدُومُ المَواهِبُ الإلَهِيَّةُ.

﴿ قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ﴾ بِأنْ يُحْصَرَ لِسانُكَ عَنْ مُحادَثَتِهِمْ لِيَتَجَرَّدَ سِرُّكَ لِرَبِّكَ ويَكُونُ ظاهِرُكَ وباطِنُكَ مَشْغُولًا بِهِ ﴿ إلا رَمْزًا ﴾ تَدْفَعُ بِهِ ضِيقَ القَلْبِ عِنْدَ الحاجَةِ، وحَقِيقَةُ الرَّمْزِ عِنْدَ العارِفِينَ تَعْرِيضُ السِّرِّ إلى السِّرِّ وإعْلامُ الخاطِرِ لِلْخاطِرِ بِنَعْتِ تَحَرِّيكِ سِلْسِلَةِ المُواصَلَةِ بَيْنَ المُخاطِبِ والمُخاطَبِ ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا ﴾ بِتَخْلِيصِ النِّيَّةِ عَنِ الخَطِراتِ وجَمْعِ الهُمُومِ بِنَعْتِ تَصْفِيَةِ السِّرِّ في المُناجاةِ وتَحَيُّرِ الرُّوحِ في المُشاهَداتِ ﴿ وسَبِّحْ ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَنِ الشَّرِكَةِ في الوُجُودِ ﴿ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ ﴾ بِالفَناءِ والبَقاءِ.

وإنْ أرَدْتَ تَطْبِيقَ ما في الآفاقِ عَلى ما في الأنْفُسِ، فَتَقُولُ: ﴿ هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا ﴾ الِاسْتِعْدادَ ﴿ رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ وهي النَّفْسُ الطّاهِرَةُ المُقَدَّسَةُ عَنِ النَّقائِصِ ﴿ إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ﴾ مِمَّنْ صَدَقَ في الطَّلَبِ ﴿ فَنادَتْهُ ﴾ مَلائِكَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿ وهُوَ قائِمٌ ﴾ مُنْتَهِضٌ لِتَكْمِيلِ النَّشْأةِ ﴿ يُصَلِّي ﴾ ويَدْعُو في مِحْرابِ التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى المُفِيضِ عَلى القَوابِلِ بِحَسَبِ القابِلِيّاتِ ﴿ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ﴾ وهو الرُّوحُ الحَيُّ بِرُوحِ الحَقِّ والصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ وهي ما تُلْقِيها مَلائِكَةُ الإلْهامِ مِن قِبَلِ الفَيّاضِ المُطْلَقِ ﴿ وسَيِّدًا ﴾ لَمْ تَمْلِكْهُ الشَّهَواتُ النَّفْسانِيَّةُ ﴿ وحَصُورًا ﴾ أيْ مُبالِغًا في الِامْتِناعِ عَنِ اللَّذائِذِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ ونَبِيًّا ﴾ بِما يَتَلَقّاهُ مِن عالَمِ المَلَكُوتِ ومَعْدُودًا ﴿ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ لَهاتِيكَ الحَضْرَةِ القائِمِينَ بِحُقُوقِ الحَقِّ والخَلْقِ لِاتِّصافِهِ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ.

﴿ قالَ رَبِّ أنّى ﴾ أيْ كَيْفَ ﴿ يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ ﴾ وضَعْفُ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ ﴿ وامْرَأتِي ﴾ وهي النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ ﴿ عاقِرٌ ﴾ عَقِيمٌ عَنْ وِلادَةِ مِثْلِ هَذا الغُلامِ إذْ لا تَلِدُ الحَيَّةُ إلّا حَيِيَّةً ﴿ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ ﴾ في غَرابَةِ الشَّأْنِ ﴿ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ مِنَ العَجائِبِ الَّتِي يَسْتَبْعِدُها مَن قَيَّدَهُ النَّظَرُ إلى المَأْلُوفاتِ، وبَقِيَ أسِيرًا في سَجْنِ العاداتِ ﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ عَلى ذَلِكَ لِأشْكُرَكَ مُسْتَمْطِرًا زِيادَةَ نِعَمِكَ الَّتِي لا مُنْتَهى لَها ﴿ قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ﴾ وهم ما يَأْنَسُ بِهِ مِنَ اللَّذائِذِ المُباحَةِ ﴿ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴾ وهي يَوْمُ الفَناءِ بِالأفْعالِ ويَوْمُ الفَناءِ بِالصِّفاتِ ويَوْمُ الفَناءِ بِالذّاتِ ﴿ إلا رَمْزًا ﴾ أيْ قَدْرًا يَسِيرًا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ ﴾ الَّذِي رَبّاكَ حَتّى أوْصَلَكَ إلى هَذِهِ الغايَةِ ﴿ كَثِيرًا ﴾ حَيْثُ مَنَّ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ كَثِيرٍ ﴿ وسَبِّحْ ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَنْ نَقائِصِ التَّقَيُّدِ بِالمَظاهِرِ ﴿ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ ﴾ أيْ وقْتَيِ الصَّحْوِ والمَحْوِ.

وبَعْضُ المُلْتَزِمِينَ لِذِكْرِ البُطُونِ ذَكَرَ في تَطْبِيقِ ما في الآفاقِ عَلى ما في الأنْفُسِ أنَّ القُوى البَدَنِيَّةَ اِمْرَأةَ عِمْرانَ الرُّوحَ نَذَرَتْ ما في قُوَّتِها مِنَ النَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ فَوَضَعَتْ أُنْثى النَّفْسِ فَكَفَّلَها زَكَرِيّا الفِكْرُ فَدَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا مِحْرابَ الدِّماغِ فَوَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا مِنَ المَعانِي الحَدْسِيَّةِ الَّتِي اِنْكَشَفَتْ لَها بِصَفائِها فَهُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا الفِكْرُ بِتَرْكِيبِ تِلْكَ المَعانِي واسْتَوْهَبَ ولَدًا مُقَدَّسًا مِن لَوَثِ الطَّبِيعَةِ فَسَمِعَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ فَنادَتْهُ مَلائِكَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ وهو قائِمٌ في أمْرِهِ بِتَرْكِيبِ المَعْلُوماتِ يُناجِي رَبَّهُ بِاسْتِنْزالِ الأنْوارِ في مِحْرابِ الدِّماغِ ﴿ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ﴾ العَقْلِ مُصَدِّقًا بِعِيسى القَلْبِ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِتَقَدُّسِهِ عَنْ عالَمِ الأجْرامِ ﴿ وسَيِّدًا ﴾ لِجَمِيعِ أصْنافِ القُوى ﴿ وحَصُورًا ﴾ عَنْ مُباشَرَةِ الطَّبِيعَةِ ﴿ ونَبِيًّا ﴾ بِالإخْبارِ عَنِ المَعارِفِ والحَقائِقِ وتَعْلِيمِ الأخْلاقِ ومُنْتَظِمًا في سِلْكِ الصّالِحِينَ وهُمُ المُجَرَّداتُ ومُقَرَّبُو الحَضْرَةِ ﴿ قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ ﴾ ذَلِكَ ﴿ وقَدْ بَلَغَنِيَ ﴾ كِبَرُ مُنْتَهى الطَّوْرِ ﴿ وامْرَأتِي ﴾ وهي طَبِيعَةُ الرُّوحِ النَّفْسانِيَّةِ ﴿ عاقِرٌ ﴾ بِالنُّورِ المُجَرَّدِ فَطَلَبَ لِذَلِكَ عَلامَةً فَقِيلَ لَهُ: عَلامَةُ ذَلِكَ الإمْساكُ عَنْ مُكالَمَةِ القُوى البَدَنِيَّةِ في تَحْصِيلِ مَآرِبِهِمْ مَنِ اللَّذائِذِ ﴿ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴾ كُلَّ يَوْمٍ عَقْدٌ تامٌّ مِن أطْوارِ العُمْرِ وهو عَشْرُ سِنِينَ (إلّا) بِالإشارَةِ الخَفِيَّةِ، وأُمِرَ بِالذِّكْرِ في هَذِهِ الأيّامِ الَّتِي هي مَعَ العَشْرِ الأُوَلِ الَّتِي هي سِنُّ التَّمَيُّزِ أرْبَعُونَ سَنَةً اِنْتَهى، وهو قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْتُهُ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْتُهُ عَلى ضَعْفِي أوْلى مِنهُ، وبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ وبُطُونُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا تُحْصى.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَـٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٤٢

﴿ وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ ﴾ تَتِمَّةٌ لِشَرْحِ أحْكامِ اِصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ، ووَقَعَتْ قِصَّةُ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ في البَيْنِ لِما فِيها مِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ الِاصْطِفاءَ، و(إذْ) في المَشْهُورِ مَنصُوبٌ بِالذِّكْرِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وبَيْنَهُما كَمالُ المُناسَبَةِ لِأنَّ تِلْكَ مَسُوقَةٌ أوَّلًا وبِالذّاتِ لِشَرْحِ حالِ الأُمِّ وهَذِهِ لِشَرْحِ حالِ البِنْتِ، والمُرادُ مِنَ المَلائِكَةِ رَئِيسُهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والكَلامُ هُنا كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الظَّرْفِ مَعْطُوفًا عَلى الظَّرْفِ السّابِقِ وناصِبِهِ ناصِبَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والمُرادُ: اُذْكُرْ أيْضًا مِن شَواهِدِ اِصْطِفاءِ أُولَئِكَ الكِرامِ وقْتَ قَوْلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ ﴾ أيِ اِخْتارَكِ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولَطَفَ بِكِ ومَيَّزَكِ عَلى كُلِّ مُحَرَّرٍ وخَصَّكِ بِالكَراماتِ السَّنِيَّةِ، والتَّأْكِيدُ اِعْتِناءٌ بِشَأْنِ الخَبَرِ، وقَوْلُ المَلائِكَةِ لَها ذَلِكَ كانَ شِفاهًا عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ ونَطَقَتْ بِهِ الظَّواهِرُ، وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَقْتَضِي تَكَرُّرَ هَذا القَوْلِ مِنَ المَلائِكَةِ لَها، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ إسْحاقَ أنَّهُ قالَ: كانَتْ مَرْيَمُ حَبِيسًا في الكَنِيسَةِ ومَعَها فِيها غُلامٌ اِسْمُهُ يُوسُفُ وقَدْ كانَ أُمُّهُ وأبُوهُ جَعَلاهُ نَذِيرًا حَبِيسًا فَكانا في الكَنِيسَةِ جَمِيعًا وكانَتْ مَرْيَمُ إذا نَفِدَ ماؤُها وماءُ يُوسُفَ أخَذا قُلَّتَيْهِما فانْطَلَقا إلى المَغارَةِ الَّتِي فِيها الماءُ فَيَمْلَآنِ ثُمَّ يَرْجِعانِ، والمَلائِكَةُ في ذَلِكَ مُقْبِلَةٌ عَلى مَرْيَمَ بِالبِشارَةِ ﴿ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ ﴾ الآيَةَ، فَإذا سَمِعَ ذَلِكَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: إنَّ لِابْنَةِ عِمْرانَ لَشَأْنًا، وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ألْهَمُوها ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ القَوْلِ بِالإلْهامِ وإسْنادَهُ لِلْمَلائِكَةِ خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ كانَ لا مَنعَ مِن أنْ يَكُونَ بِواسِطَتِهِمْ أيْضًا عَلى أنَّهُ قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ خَبَرٌ أصْلًا، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ التَّكْلِيمُ مِن بابِ الكَرامَةِ الَّتِي يَمُنُّ بِها اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى خَواصِّ عِبادِهِ، ومَن أنْكَرَها زَعَمَ أنَّ ذَلِكَ إرْهاصٌ وتَأْسِيسٌ لِنُبُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مُعْجِزَةٌ لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ.

وأُورِدُ عَلى الأوَّلِ أنَّ الإرْهاصَ في المَشْهُورِ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى دَعْوى النُّبُوَّةِ ما يُشْبِهُ المُعْجِزَةَ كَإظْلالِ الغَمامِ لِرَسُولِ اللَّهِ  وتَكَلُّمِ الحَجَرِ مَعَهُ، وهَذا بِظاهِرِهِ يَقْتَضِي وُقُوعَ الخارِقِ عَلى يَدِ النَّبِيِّ لَكِنْ قَبْلَ أنْ يُنَبَّأ لا عَلى يَدِ غَيْرِهِ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُدْفَعَ بِالعِنايَةِ؛ وأُورِدُ عَلى الثّانِي بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا إذْ لَمْ يَقَعِ الكَلامُ مَعَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَقْتَرِنْ ذَلِكَ بِالتَّحَدِّي أيْضًا فَكَيْفَ يَكُونُ مُعْجِزَةً لَهُ.

واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى نُبُوَّةِ مَرْيَمَ لِأنَّ تَكْلِيمَ المَلائِكَةِ يَقْتَضِيها، ومَنَعَهُ اللَّقانِيُّ بِأنَّ المَلائِكَةَ قَدْ كَلَّمُوا مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ إجْماعًا فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم كَلَّمُوا رَجُلًا خَرَجَ لِزِيارَةِ أخٍ لَهُ في اللَّهِ تَعالى وأخْبَرُوهُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُحِبُّهُ كَحُبِّهِ لِأخِيهِ فِيهِ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِنُبُوَّتِهِ، وادَّعى أنَّ مَن تَوَهَّمَ أنَّ النُّبُوَّةَ مُجَرَّدُ الوَحْيِ ومُكالَمَةِ المَلَكِ فَقَدْ حادَ عَنِ الصَّوابِ.

ومِنَ النّاسِ مَنِ اِسْتَدَلَّ عَلى عَدَمِ اِسْتِنْباءِ النِّساءِ بِالإجْماعِ وبُقُولِهِ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا ﴾ ولا يَخْفى ما فِيهِ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ حِكايَةَ الإجْماعِ في غايَةِ الغَرابَةِ فَإنَّ الخِلافَ في نُبُوَّةِ نِسْوَةٍ كَحَوّاءَ وآسِيَةَ وأُمِّ مُوسى وسارَّةَ وهاجَرَ ومَرْيَمَ مَوْجُودٌ خُصُوصًا مَرْيَمَ فَإنَّ القَوْلَ بِنُبُوَّتِها شَهِيرٌ، بَلْ مالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ في «اَلْحَلَبِيّاتِ»، وابْنُ السَّيِّدِ إلى تَرْجِيحِهِ، وذَكَرَ أنَّ ذِكْرَها مَعَ الأنْبِياءِ في سُورَتِهِمْ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ لِذَلِكَ.

وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ لا يَصِحُّ لِأنَّ المَذْكُورَ فِيها الإرْسالُ وهو أخَصُّ مِنَ الِاسْتِنْباءِ عَلى الصَّحِيحِ المَشْهُورِ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الأخَصِّ نَفْيُ الأعَمِّ، فافْهَمْ.

﴿ وطَهَّرَكِ ﴾ أيْ مِنَ الأدْناسِ والأقْذارِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلنِّساءِ مِثْلَ الحَيْضِ والنِّفاسِ حَتّى صِرْتِ صالِحَةً لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ، قالَهُ الزَّجّاجُ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المُرادَ طَهَّرَكِ بِالإيمانِ عَنِ الكُفْرِ وبِالطّاعَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: نَزَّهَكِ عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ والطِّباعِ الرَّدِيئَةِ، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ أيْ طَهَّرَكِ مِنَ الأقْذارِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ والقَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ.

﴿ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ  ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهَذا الِاصْطِفاءِ غَيْرُ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ وهو ما كانَ آخِرًا مِن هِبَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَها مِن غَيْرِ أبٍ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ النِّساءِ، وجَعَلَها وإيّاهُ آيَةً لِلْعالِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأوَّلُ وكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ وتَبْيِينِ مَنِ اِصْطَفاها عَلَيْهِنَّ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ تَقْدِيمُ حِكايَةِ هَذِهِ المُقاوَلَةِ عَلى حِكايَةِ بِشارَتِها بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مُسْتَحِقٌّ لِلِاسْتِقْلالِ بِالتَّذَكُّرِ ولَهُ نَظائِرُ قَدْ مَرَّ بَعْضُها، وعَلى الثّانِي لا إشْكالَ في التَّرْتِيبِ وتَكُونُ حِكْمَةُ تَقَدُّمِ هَذِهِ المُقاوَلَةِ عَلى البِشارَةِ الإشارَةَ إلى كَوْنِها عَلَيْها السَّلامُ قَبْلَ ذَلِكَ مُسْتَعِدَّةً لِفَيَضانِ الرُّوحِ عَلَيْها بِما هي عَلَيْهِ مِنَ التَّبَتُّلِ والِانْقِيادِ حَسَبَ الأمْرِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، كَما قالَ الإمامُ لِما أنَّ التَّأْسِيسَ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ.

والمُرادُ مِن نِساءِ العالَمِينَ قِيلَ: جَمِيعُ النِّساءِ في سائِرِ الأعْصارِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أفْضَلِيَّتِها عَلى فاطِمَةَ وخَدِيجَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ اِبْنُ عَساكِرَ في أحَدِ الطُّرُقِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، ثُمَّ فاطِمَةُ، ثُمَّ خَدِيجَةُ، ثُمَّ آسِيَةُ اِمْرَأةُ فِرْعَوْنَ ”،» وبِما أخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مَكْحُولٍ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «“ خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ نِساءُ قُرَيْشٍ أحَناهُ عَلى ولَدٍ في صِغَرِهِ وأرْعاهُ عَلى بَعْلٍ في ذاتِ يَدِهِ ولَوْ عَلِمْتُ أنَّ مَرْيَمَ اِبْنَةَ عِمْرانَ رَكِبَتْ بَعِيرًا ما فَضَّلْتُ عَلَيْها أحَدًا»، وبِما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ فاطِمَةَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى أبِيها وعَلَيْها وسَلَّمَ أنَّها قالَتْ: «قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ  : أنْتِ سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ إلّا مَرْيَمَ البَتُولَ ”».

وقِيلَ: المُرادُ نِساءُ عالَمِها فَلا يَلْزَمُ مِنهُ أفْضَلِيَّتُها عَلى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «“ أرْبَعُ نِسْوَةٍ ساداتُ عالَمِهِنَّ، مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ  وأفْضَلُهُنَّ عالَمًا فاطِمَةُ ”،» وما رَواهُ الحَرْثُ بْنُ أُسامَةَ في «مُسْنَدِهِ» بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ «“مَرْيَمُ خَيْرُ نِساءِ عالَمِها» وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو المَشْهُورُ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ.

واَلَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ فاطِمَةَ البَتُولَ أفْضَلُ النِّساءِ المُتَقَدِّماتِ والمُتَأخِّراتِ مِن حَيْثُ إنَّها بِضْعَةُ رَسُولِ اللَّهِ  بَلْ ومِن حَيْثِيّاتٍ أُخَرَ أيْضًا، ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ الأخْبارُ السّابِقَةُ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِها أفْضَلِيَّةُ غَيْرِها عَلَيْها مِن بَعْضِ الجِهاتِ وبِحَيْثِيَّةٍ مِنَ الحَيْثِيّاتِ وبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الآثارِ وهَذا سائِغٌ عَلى القَوْلِ بِنُبُوَّةِ مَرْيَمَ أيْضًا إذِ البِضْعِيَّةُ مِن رُوحِ الوُجُودِ وسَيِّدُ كُلِّ مَوْجُودٍ لا أراها تُقابَلُ بِشَيْءٍ.

وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوِلِ ومِن هُنا يُعْلَمُ أفْضَلِيَّتُها عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها الذّاهِبُ إلى خِلافِها الكَثِيرُ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ  : «”خُذُوا ثُلْثَيْ دِينِكم عَنِ الحُمَيْراءِ“،» وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ: «”فَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى الطَّعامِ“،» وبِأنَّ عائِشَةَ يَوْمَ القِيامَةِ في الجَنَّةِ مَعَ زَوْجِها رَسُولِ اللَّهِ  وفاطِمَةُ يَوْمَئِذٍ فِيها مَعَ زَوْجِها عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وفَرْقٌ عَظِيمٌ بَيْنَ مَقامِ النَّبِيِّ  ومَقامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ ما في هَذا الِاسْتِدْلالِ وأنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ عَلى أفْضَلِيَّةِ الحُمَيْراءِ عَلى الزَّهْراءِ؛ أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ قُصارى ما في الحَدِيثِ الأوَّلِ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ إثْباتُ أنَّها عالِمَةٌ إلى حَيْثُ يُؤْخَذُ مِنها ثُلْثا الدِّينِ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ العِلْمِ المُماثِلِ لِعِلْمِها عَنْ بِضْعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِعِلْمِهِ  أنَّها لا تَبْقى بَعْدَهُ زَمَنًا مُعْتَدًّا بِهِ يُمْكِنُ أخْذُ الدِّينِ مِنها فِيهِ لَمْ يَقُلْ فِيها ذَلِكَ، ولَوْ عَلِمَ لَرُبَّما قالَ: خُذُوا كُلَّ دِينِكم عَنِ الزَّهْراءِ، وعَدَمُ هَذا القَوْلِ في حَقِّ مَن دَلَّ العَقْلُ والنَّقْلُ عَلى عِلْمِهِ لا يَدُلُّ عَلى مَفْضُولِيَّتِهِ وإلّا لَكانَتْ عائِشَةُ أفْضَلَ مِن أبِيها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ في الدِّينِ إلّا قَلِيلٌ لِقِلَّةِ لُبْثِهِ وكَثْرَةِ غائِلَتِهِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ  عَلى أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”إنِّي تَرَكْتُ فِيكُمُ الثِّقْلَيْنِ كِتابَ اللَّهِ تَعالى وعِتْرَتِي لا يَفْتَرِقانِ حَتّى يَرِدا عَلى الحَوْضِ“،» يَقُومُ مَقامَ ذَلِكَ الخَبَرِ وزِيادَةً، كَما لا يَخْفى كَيْفَ لا وفاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها سَيِّدَةُ تِلْكَ العِتْرَةِ؟!.

وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ الحَدِيثَ الثّانِيَ مَعارَضٌ بِما يَدُلُّ عَلى أفْضَلِيَّةِ غَيْرِها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَلَيْها، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ سَعْدٍ أنَّهُ قالَ: «قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ  : ”فُضِّلَتْ خَدِيجَةُ عَلى نِساءِ أُمَّتِي كَما فُضِّلَتْ مَرْيَمُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ“،» بَلْ هَذا الحَدِيثُ أظْهَرُ في الأفْضَلِيَّةِ وأكْمَلُ في المَدْحِ عِنْدَ مَنِ اِنْجابَ عَنْ عَيْنِ بَصِيرَتِهِ عَيْنُ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ لِأنَّ ذَلِكَ الخَبَرَ وإنْ كانَ ظاهِرًا في الأفْضَلِيَّةِ لَكِنَّهُ قِيلَ ولَوْ عَلى بُعْدٍ: إنَّ ألْ في النِّساءِ فِيهِ لِلْعَهْدِ؛ والمُرادُ بِها الأزْواجُ الطّاهِراتُ المَوْجُوداتُ حِينَ الإخْبارِ ولَمْ يَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ في هَذا الحَدِيثِ.

وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّ الدَّلِيلَ الثّالِثَ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ سائِرُ زَوْجاتِ النَّبِيِّ  أفْضَلَ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ مَقامَهم بِلا رَيْبٍ لَيْسَ كَمَقامِ صاحِبِ المَقامِ المَحْمُودِ  فَلَوْ كانَتِ الشَّرِكَةُ في المَنزِلِ مُسْتَدْعِيَةً لِلْأفْضَلِيَّةِ لَزِمَ ذَلِكَ قَطْعًا ولا قائِلَ بِهِ.

وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ الَّذِي يَدُورُ في خَلَدِي أنَّ أفْضَلَ النِّساءِ فاطِمَةُ ثُمَّ أُمُّها ثُمَّ عائِشَةُ، بَلْ لَوْ قالَ قائِلٌ إنَّ سائِرَ بَناتِ النَّبِيِّ  أفْضَلُ مِن عائِشَةَ لا أرى عَلَيْهِ بَأْسًا؛ وعِنْدِي بَيْنَ مَرْيَمَ وفاطِمَةَ تَوَقُّفٌ نَظَرًا لِلْأفْضَلِيَّةِ المُطْلَقَةِ، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى الحَيْثِيَّةِ فَقَدْ عَلِمْتَ ما أمِيلُ إلَيْهِ، وقَدْ سُئِلَ الإمامُ السُّبْكِيُّ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ فَقالَ: الَّذِي نَخْتارُهُ ونَدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ  أفْضَلُ ثُمَّ أُمَّها ثُمَّ عائِشَةَ، ووافَقَهُ في ذَلِكَ البُلْقَيْنِيُّ وقَدْ صَحَّحَ اِبْنُ العِمادِ أنَّ خَدِيجَةَ أيْضًا أفْضَلُ مِن عائِشَةَ لِما ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِعائِشَةَ حِينَ قالَتْ: «”قَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ تَعالى خَيْرًا مِنها، فَقالَ لَها: لا واَللَّهِ ما رَزَقَنِي اللَّهُ تَعالى خَيْرًا مِنها، آمَنَتْ بِي حِينَ كَذَّبَنِي النّاسُ وأعْطَتْنِي مالَها حِينَ حَرَمَنِي النّاسُ“،» وأُيِّدَ هَذا بِأنَّ عائِشَةَ أقْرَأها السَّلامَ النَّبِيُّ  مِن جِبْرِيلَ، وخَدِيجَةَ أقْرَأها السَّلامَ جِبْرِيلُ مِن رَبِّها، وبَعْضُهم لَمّا رَأى تَعارُضَ الأدِلَّةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ تَوَقَّفَ فِيها وإلى التَّوَقُّفِ مالَ القاضِي أبُو جَعْفَرٍ الأسْتَرُوشَنِيُّ مِنّا، وذَهَبَ اِبْنُ جَماعَةَ إلى أنَّهُ المَذْهَبُ الأسْلَمُ.

وأشْكَلُ ما في هَذا البابِ حَدِيثُ الثَّرِيدِ ولَعَلَّ كَثْرَةَ الأخْبارِ النّاطِقَةِ بِخِلافِهِ تُهَوِّنُ تَأْوِيلَهُ، وتَأْوِيلُ واحِدٍ لِكَثِيرٍ أهْوَنُ مِن تَأْوِيلِ كَثِيرٍ لِواحِدٍ، واَللَّهُ تَعالى هو الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣

﴿ يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن مَقُولِ المَلائِكَةِ أيْضًا وصَّوْها بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلاةِ بَعْدَ أنْ أخْبَرُوها بِعُلُوِّ دَرَجَتِها وكَمالِ قُرْبِها إلى اللَّهِ تَعالى لِئَلّا تَفْتُرَ ولا تَغْفُلَ عَنِ العِبادَةِ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْإشارَةِ إلى الِاعْتِناءِ بِما يَرِدُ بَعْدُ، كَأنَّهُ هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ.

والقُنُوتُ إطالَةُ القِيامِ في الصَّلاةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ إدامَةُ الطّاعَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الرّاغِبُ، أوِ الإخْلاصُ في العِبادَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، أوْ أصْلُ القِيامِ في الصَّلاةِ، قالَهُ بَعْضُهُمْ، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ وُجُوبِ اِمْتِثالِ الأوامِرِ.

﴿ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ  ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ الأمْرَ بِالصَّلاةِ إلّا أنَّهُ أمَرَ سُبْحانَهُ بِها بِذِكْرِ أرْكانِها مُبالَغَةً في إيجابِ المُحافَظَةِ عَلَيْها لِما أنَّ في ذِكْرِ الشَّيْءِ تَفْصِيلًا تَقْرِيرًا لَيْسَ في الإجْمالِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ السُّجُودِ عَلى الرُّكُوعِ لِأنَّهُ كَذَلِكَ في صَلاتِهِمْ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أفْضَلُ أرْكانِ الصَّلاةِ وأقْصى مَراتِبِ الخُضُوعِ، وفي الخَبَرِ: «”أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ“،» أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الواوَ لا تُوجِبِ التَّرْتِيبَ أوْ لِيَقْتَرِنَ ”ارْكَعِي“ بِالرّاكِعِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَن لَيْسَ في صَلاتِهِمْ رُكُوعٌ لَيْسُوا مُصَلِّينَ، وكُلٌّ مِن هَذِهِ الأوْجُهِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ عَلى القَوْلِ بِأنَّ القِيامَ لَيْسَ أفْضَلَ مِنَ السُّجُودِ كَما نُقِلَ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ خِطابَ القُرْآنِ مَعَ مَن يَعْلَمُ لُغَةَ العَرَبِ لا مَعَ مَن يَتَعَلَّمُ مِنهُ اللُّغَةَ، وأمّا الثّالِثُ: فَلِأنَّ تَمامِيَّتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلى بَيانِ وجْهِ أنَّهُ لَمْ يُعَبِّرْ بِالسّاجِدِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لا سَجْدَةَ في صِلاتِهِ لَيْسَ مِنَ المُصَلِّينَ؟

وكَأنَّ وجْهَ ذَلِكَ ما يُسْتَفادُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ حَيْثُ قالَ: ((ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في زَمانِها مَن كانَ يَقُومُ ويَسْجُدُ في صَلاتِهِ ولا يَرْكَعُ، وفِيهِ مَن يَرْكَعُ، فَأُمِرَتْ بِأنْ تَرْكَعَ مَعَ الرّاكِعِينَ ولا تَكُونَ مَعَ مَن لا يَرْكَعُ))، فالنُّكْتَةُ في التَّعْبِيرِ ما جُعِلَتْ نُكْتَةً في ذِكْرِ ﴿ وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ ﴾ واعْتَرَضَهُ أيْضًا بَعْضُهم بِأنَّهُ إذا قُدِّمَ الرُّكُوعُ، وقِيلَ: (وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ واسْجُدِي) يَحْصُلُ ذَلِكَ المَقْصُودُ، ولا مَدْخَلَ لِلتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ في إفادَةِ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ وحْدَهُ الصَّلاةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأدْبارَ السُّجُودِ ﴾ والتَّعْبِيرُ عَنِ الصَّلاةِ بِذَلِكَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالجُزْءِ عَنِ الكُلِّ، ويُرادُ بِالرُّكُوعِ الخُشُوعُ والتَّواضُعُ وكَأنَّ أمْرَها بِذَلِكَ حِفْظًا لَها مِنَ الوُقُوعِ في مَهاوِي التَّكَبُّرِ والِاسْتِعْلاءِ بِما لَها مِن عُلُوِّ الدَّرَجَةِ، والِاحْتِمالُ الأوَّلُ هو الظّاهِرُ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الأوْزاعِيِّ، قالَ: «كانَتْ تَقُومُ حَتّى يَسِيلَ القَيْحُ مِن قَدَمَيْها» وما أخْرَجَهُ اِبْنُ عَساكِرَ في الآيَةِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ، قالَ: «كانَتْ مَرْيَمُ تُصَلِّي حَتّى تَوَرَّمَ قَدَماها».

والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ فائِدَةَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مَعَ الرّاكِعِينَ ﴾ الإرْشادُ إلى صَلاةِ الجَماعَةِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَلى أنَّ نُكْتَةَ التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ في المَقامِ دُونَ واسْجُدِي مَعَ السّاجِدِينَ الإشارَةُ إلى أنَّ مَن أدْرَكَ الرُّكُوعَ مَعَ الإمامِ فَقَدْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ، وعُورِضَ بِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: واسْجُدِي مَعَ السّاجِدِينَ لَرُبَّما كانَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن أدْرَكَ السُّجُودَ مَعَ الإمامِ فَقَدْ أدْرَكَ الجَماعَةَ، ولَعَلَّ هَذِهِ الإشارَةَ أوْلى مِنَ الأُولى في هَذا المَقامِ، واسْتِلْزامُ ذَلِكَ أنَّ مَن أدْرَكَ ما بَعْدَ السُّجُودِ مَعَهُ لا يُدْرِكُ الجَماعَةَ في حَيِّزِ المَنعِ، ولا يَخْفى أنَّ المُعارِضَ والمُعارَضَ لَيْسا بِشَيْءٍ عِنْدَ المُنْصِفِينَ، وأحْسَنُ مِنهُما ما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ «اَلْكَشّافِ»، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ (مَعَ) مَجازٌ عَنِ المُوافَقَةِ في الفِعْلِ فَقَطْ دُونَ اِجْتِماعٍ، أيِ اِفْعَلِي كَفِعْلِ الرّاكِعِينَ وإنْ لَمْ تُوقِعِي الصَّلاةَ مَعَهُمْ، قالَ: لِأنَّها كانَتْ تُصَلِّي في مِحْرابِها، وأيْضًا أنَّها كانَتْ شابَّةً وصَلاةُ الشَّوابِّ في الجَماعَةِ مَكْرُوهَةٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ اِرْتِكابٌ لِلتَّجَوُّزِ الَّذِي هو خِلافُ الأصْلِ مِن غَيْرِ داعٍ، وكَوْنُها كانَتْ تُصَلِّي في مِحْرابِها أحْيانًا مُسَلَّمٌ لَكِنْ لا يَدُلُّ عَلى المُدَّعى، ودائِمًا مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وبِفَرْضِهِ لا يَدُلُّ عَلى المُدَّعى أيْضًا لِجَوازِ اِقْتِدائِها وهي في المِحْرابِ، وكَراهَةُ صَلاةِ الشّابَّةِ في الجَماعَةِ لَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَنا ثُبُوتُها في شَرْعِ مَن قَبْلَنا، عَلى أنَّ الماتُرِيدِيَّ نَفى كَراهَةَ صَلاةِ مَرْيَمَ في الجَماعَةِ وإنْ كانَتْ شابَّةً، وقُلْنا بِكَراهَةِ صَلاةِ الشَّوابِّ في شَرْعِهِمْ أيْضًا، وعَلَّلَهُ بِكَوْنِ القَوْمِ الَّذِينَ كانَتْ تُصَلِّي مَعَهم كانُوا ذَوِي قَرابَةٍ مِنها ورَحِمٍ، ولِذَلِكَ اِخْتَصَمُوا في ضَمِّها وإمْساكِها، ورُبَّما يُعَلَّلُ بِعَدَمِ خَشْيَةِ الفِتْنَةِ وإنْ كانُوا أجانِبَ، ويَسْتَأْنِسُ لِهَذا بِذَهابِها مَعَ يُوسُفَ لِمَلْءِ القُلَّةِ في المَغارَةِ، ولَعَلَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَرْكَعُ مَعَهم مِن هَذا القَبِيلِ، وإنْ قُلْنا: إنَّها تَقْتَدِي وهي في مِحْرابِها إمّا وحْدَها أوْ مَعَ نِسْوَةٍ زالَ الإشْكالُ.

وجاءَ ﴿ مَعَ الرّاكِعِينَ ﴾ دُونَ الرّاكِعاتِ لِأنَّ هَذا الجَمْعَ أعَمُّ إذْ يَشْمَلُ الرِّجالَ والنِّساءَ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، ولِمُناسَبَةِ رُؤُوسِ الآيِ، ولِأنَّ الِاقْتِداءَ بِالرِّجالِ أفْضَلُ إنْ قُلْنا: إنَّها مَأْمُورَةٌ بِصَلاةِ الجَماعَةِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ في التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ مَدْحًا ضِمْنِيًّا لِمَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ ولَمْ يُقَيِّدِ الأمْرَيْنِ الأخِيرَيْنِ بِما قَيَّدَ بِهِ الأمْرَ الأوَّلَ اِكْتِفاءً بِالتَّقْيِيدِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: ((إنَّ تَجْرِيدَ الأمْرِ بِالرُّكْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ عَمّا قَيَّدَ بِهِ الأوَّلَ لِما أنَّ المُرادَ تَقْيِيدُ الأمْرِ بِالصَّلاةِ بِذَلِكَ، وقَدْ فَعَلَ حَيْثُ قَيَّدَ بِهِ الرُّكْنَ الأوَّلَ مِنها))، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى لِأنَّهُ مُطَّرِدٌ عَلى سائِرِ الأقْوالِ في القُنُوتِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي داوُدَ في «اَلْمَصاحِفِ» عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ (وارْكَعِي واسْجُدِي في السّاجِدِينَ).

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ٤٤

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن تِلْكَ الأخْبارِ البَدِيعَةِ الشَّأْنِ المُرْتَقِيَةِ مِنَ الغَرابَةِ إلى أعْلى مَكانٍ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ أيْ مِن أخْبارِ ما غابَ عَنْكَ وعَنْ قَوْمِكَ مِمّا لا يُعْرَفُ إلّا بِالوَحْيِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ المَقامُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُوحِيهِ إلَيْكَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولى، والإيحاءُ إلْقاءُ المَعْنى إلى الغَيْرِ عَلى وجْهٍ خَفِيٍّ، ويَكُونُ بِمَعْنى إرْسالِ المَلَكِ إلى الأنْبِياءِ، وبِمَعْنى الإلْهامِ، والضَّمِيرُ في نُوحِيهِ عائِدٌ إلى ذَلِكَ في المَشْهُورِ، واسْتُحْسِنَ عُودُهُ إلى الغَيْبِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَشْمَلُ ما تَقَدَّمَ مِنَ القَصَصِ وما لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنها بِخِلافِ ما إذا عادَ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يُوهِمُ الِاخْتِصاصَ بِما مَضى، وجُوِّزَ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ قَبْلَها، و ﴿ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِ (نُوحِيهِ) أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ أيْ: نُوحِيهِ حالَ كَوْنِهِ بَعْضَ أنْباءِ الغَيْبِ، وجَعْلُهُ حالًا مِنَ المُبْتَدَأِ رَأْيُ البَعْضِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكَ فَيَكُونُ (ذَلِكَ) خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنهُ، وهو وجْهٌ مَرْذُولٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ كَلامُ المَلِكِ الجَلِيلِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ عِنْدَ قَوْمٍ لِلْإيذانِ بِأنَّ الوَحْيَ لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدُ.

﴿ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ﴾ أيْ عِنْدِ المُتَنازِعِينَ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ تَحْقِيقُ كَوْنِ الأخْبارَ بِما ذُكِرَ عَنْ وحْيٍ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِمُنْكِرِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ رَسُولَنا أخْبَرَكم بِما لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ بِالعَقْلِ مَعَ اِعْتِرافِكم بِأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ ولَمْ يَقْرَأْهُ في كِتابٍ، وتُنْكِرُونَ أنَّهُ وحْيٌ فَلَمْ يَبْقَ مَعَ هَذا ما يَحْتاجُ إلى النَّفْيِ سِوى المُشاهَدَةِ الَّتِي هي أظْهَرُ الأُمُورِ اِنْتِفاءً لِاسْتِحالَتِها المَعْلُومَةِ عِنْدَ جَمِيعِ العُقَلاءِ، ونَبَّهَ عَلى ثُبُوتِ قِصَّةِ مَرْيَمَ مَعَ أنَّ ما عُلِمَ بِالوَحْيِ قِصَّةُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا لِما أنَّ تِلْكَ هي المَقْصُودَةُ بِالأخْبارِ أوَّلًا، وإنَّما جاءَتِ القِصَّةُ الأُخْرى عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ ولِانْدِراجِ بَعْضِ قِصَّةِ زَكَرِيّا في ذِكْرِ مَن تَكَفَّلَ فَما خَلَتِ الجُمْلَةُ عَنْ تَنْبِيهٍ عَلى قِصَّتِهِ في الجُمْلَةِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ تَعْجِيبُ اللَّهِ سُبْحانُهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن شِدَّةِ حِرْصِ القَوْمِ عَلى كَفالَةِ مَرْيَمَ والقِيامِ بِأمْرِها، وسِيقَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِاصْطِفائِها عَلَيْها السَّلامُ، ويُبْعِدُ هَذا الفَصْلَ بَيْنَ المُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ، ومَعَ هَذا هو أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ مِنها التَّعْجِيبُ مِن تَدافُعِهِمْ لِكَفالَتِها لِشَدَّةِ الحالِ ومَزِيدِ الحاجَةِ الَّتِي لَحِقَتْهم حَتّى وفَّقَ لَها خَيْرَ الكُفَلاءِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ يَكادُ يَكُونُ هَذا غَيْرَ صَحِيحٍ دِرايَةً ورِوايَةً، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا يُشْكِلُ نَفْيُ المُشاهَدَةِ مَعَ ظُهُورِ اِنْتِفائِها عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ.

﴿ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ ﴾ أيْ يَرْمُونَها ويَطْرَحُونَها لِلِاقْتِراعِ، والأقْلامُ جَمْعُ قَلَمٍ وهي الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ واخْتارُوها تَبَرُّكًا بِها، وقِيلَ: هي السِّهامُ مِنَ النُّشّابِ وهي القِداحُ، وحَكى الكازَرُونِيُّ أنَّها كانَتْ مِن نُحاسٍ وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَلْمِ بِمَعْنى القَطْعِ، ومِنهُ قُلامَةُ الظُّفْرِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ كَيْفِيَّةِ الرَّمْيِ وفي عِدَّةِ الأقْلامِ خِلافٌ، وعَنِ الباقِرِ أنَّها كانَتْ سِتَّةً، والظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِلِاسْتِقْرارِ العامِلِ في ﴿ لَدَيْهِمْ ﴾ وجَعْلُهُ ظَرْفًا لِ (كانَ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الأوَّلِ، وجَعْلُهُ اِبْتِداءَ اِسْتِفْهامٍ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى، ولَمّا لَمْ يَصْلُحْ ﴿ يُلْقُونَ ﴾ لِلتَّعَلُّقِ بِالِاسْتِفْهامِ لَزِمَ أنْ يُقَدَّرَ ما يَرْتَبِطُ بِهِ النِّظامُ، فَذَكَرَ الجُلُّ لَهُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يُقَدَّرَ: يَنْظُرُونَ أيُّهم يَكْفُلُ وحَيْثُ كانَ النَّظَرُ مِمّا يُؤَدِّي إلى الإدْراكِ جازَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِاسْمِ الِاسْتِفْهامِ كالأفْعالِ القَلْبِيَّةِ كَما صَرَّحَ بِهِ اِبْنُ الحاجِبِ وابْنُ مالِكٍ في «اَلتَّسْهِيلِ»، وثانِيها: أنْ يُقَدَّرَ: لِيَعْلَمُوا أيُّهم يَكْفُلُ، وعَلى الأوَّلِ الجُمْلَةُ حالٌ مِمّا قَبْلَها، وعَلى الثّانِي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ، ولا يَخْفى أنَّ الإلْقاءَ سَبَبٌ لِنَفْسِ العِلْمِ لَكِنَّهُ سَبَبٌ بَعِيدٌ، والقَرِيبُ هو النَّظَرُ إلى ما اِرْتَفَعَ مِنَ الأقْلامِ، وثالِثُها: أنْ يُقَدَّرَ يَقُولُونَ أوْ لِيَقُولُوا أيُّهُمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ يُعْتَدُّ بِها في تَقْدِيرِ يَقُولُونَ ولا يَنْساقُ المَعْنى إلَيْهِ بَلْ هو مُجَرَّدُ إصْلاحٍ لَفْظِيٍّ لِمَوْقِعِ ﴿ أيُّهُمْ ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّهُ مُفِيدٌ، ويَنْساقُ المَعْنى إلَيْهِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَوْلِ القَوْلُ لِلْبَيانِ والتَّعْيِينِ، واعْتُرِضَ أيْضًا تَقْدِيرُ القَوْلِ مَقْرُونًا بِلامِ التَّعْلِيلِ بِأنَّ هَذا التَّعْلِيلَ هُنا مِمّا لا مَعْنى لَهُ، وأُجِيبَ بِتَأْوِيلِهِ كَما أُوِّلَ في سابِقِهِ، وقِيلَ: يُؤَوَّلُ بِالحُكْمِ، أيْ: لِيَقُولُوا ولِيَحْكُمُوا أيُّهُمِ الخ، والسَّكّاكِيُّ يُقَدِّرُ هَهُنا يَنْظُرُونَ لِيَعْلَمُوا، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِمُراعاةِ المَعْنى واللَّفْظِ، وإلّا فَتَقْدِيرُ النَّظَرِ أوِ العِلْمِ يُغْنِي عَنِ الآخَرِ، وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ لَمْ يُقَدِّرْ شَيْئًا أصْلًا وجَعَلَ ﴿ أيُّهُمْ ﴾ بَدَلًا عَنْ ضَمِيرِ الجَمْعِ، أيْ يُلْقِي كُلَّ مَن يَقْصِدُ الكَفالَةَ وتَتَأتّى مِنهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِنَ التَّكَلُّفِ بِمَكانٍ.

﴿ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ  ﴾ في شَأْنِها تَنافُسًا عَلى كَفالَتِها وكانَ هَذا الِاخْتِصامُ بَعْدَ الِاقْتِراعِ في رَأْيٍ، وقَبْلَهُ في آخَرَ، وتَكْرِيرُ ”ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ“ مَعَ تَحَقُّقِ المَقْصُودِ بِعَطْفِ ﴿ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ عَلى ﴿ إذْ يُلْقُونَ ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن عَدَمِ الحُضُورِ عِنْدَ الإلْقاءِ، وعَدَمِ الحُضُورِ عِنْدَ الِاخْتِصامِ مُسْتَقِلٌّ بِالشَّهادَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ  لا سِيَّما عَلى الرَّأْيِ الثّانِي في وقْتِ الِاخْتِصامِ لِأنَّ تَغْيِيرَ التَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ مُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ.

واخْتُلِفَ في وقْتِ هَذا الِاقْتِراعِ والتَّشاحِّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما، وهو المَشْهُورُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ كانَ حِينَ وِلادَتِها وحَمْلِ أُمِّها لَها إلى الكَنِيسَةِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن قَبْلُ، وثانِيهُما: أنَّهُ كانَ وقْتَ كِبَرِها وعَجْزِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ تَرْبِيَتِها، وهو قَوْلٌ مَرْجُوحٌ، وأوْهَنُ مِنهُ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الِاقْتِراعَ وقَعَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةٌ في الصِّغَرِ وأُخْرى في الكِبَرِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ القُرْعَةَ لَها دَخْلٌ في تَمْيِيزِ الحُقُوقِ، ورُوِيَ عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما تَقارَعَ قَوْمٌ فَفَوَّضُوا أمْرَهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا خَرَجَ سَهْمُ المُحِقِّ، وقالَ أيُّ قَضِيَّةٍ أعْدَلَ مِنَ القَضِيَّةِ إذا فُوِّضَ الأمْرُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ ﴾ وقالَ الباقِرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أوَّلُ مَن سُوهِمَ عَلَيْهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ ثُمَّ تَلا ﴿ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَـٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍۢ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ٤٥

﴿ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ ﴾ شُرُوعٌ في قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المَشْهُورِ، والقَوْلُ شَفاهِيٌّ كَما رَواهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ، و(إذْ) المُضافَةُ إلى ما بَعْدَها بَدَلٌ مِن نَظِيرَتِها السّابِقَةِ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وقِيلَ: بَدَلُ اِشْتِمالٍ، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ إذِ الجُمْلَةُ الفاصِلَةُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلُ مِنهُ اِعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا لِما سَبَقَ، وتَنْبِيهًا عَلى اِسْتِقْلالِهِ وكَوْنِهِ حَقِيقِيًّا بِأنْ يُعَدَّ عَلى حِيالِهِ مِن شَواهِدِ النُّبُوَّةِ، قالُوا: وتُرِكَ العَطْفُ بِناءً عَلى اِتِّحادِ المُخاطَبِ والمُخاطِبِ وإيذانًا بِتَقارُنِ الخِطابَيْنِ أوْ تَقارُبِهِما في الزَّمانِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الظَّرْفَ مَنصُوبًا بِ (اُذْكُرْ) مُقَدَّرًا، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِ (يَخْتَصِمُونَ) وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن (إذْ) المُضافَةِ إلَيْهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ زَمَنَ الِاخْتِصامِ قَبْلَ زَمَنِ البِشارَةِ بِمُدَّةٍ فَلا تَصِحُّ هَذِهِ البَدَلِيَّةُ، والتِزامُ أنَّهُ بَدَلٌ غَلَطٌ إذْ لا يَقَعُ في فَصِيحِ الكَلامِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُعْتَبَرُ زَمانٌ مُمْتَدٌّ يَقَعُ الِاخْتِصامُ في بَعْضِهِ والبِشارَةُ في بَعْضٍ آخَرَ وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُما في زَمانٍ واحِدٍ كَما يُقالُ وقَعَ القِتالُ والصُّلْحُ في سَنَةٍ واحِدَةٍ مَعَ أنَّ القِتالَ واقِعٌ في أوَّلِها مَثَلًا والصُّلْحُ في آخِرِها، قِيلَ: ولا يُحْتاجُ إلى هَذا عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي مِمّا ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّها عَلَيْها السَّلامُ كانَتْ عاقِلَةً في حالِ الصِّغَرِ فَيُحْتَمَلُ أنَّها ورَدَتْ عَلَيْها البُشْرى إذْ ذاكَ، وفِيهِ بَعْدٌ بَلِ الآثارُ ناطِقَةٌ بِخِلافِهِ.

﴿ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ ﴾ كَلِمَةُ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِكَلِمَةٍ وإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلى مَن أُطْلِقَتْ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ خُلِقَ مِن غَيْرِ واسِطَةِ أبٍ بَلْ بِواسِطَةِ كُنْ فَقَطْ عَلى خِلافِ أفْرادِ بَنِي آدَمَ فَكانَ تَأْثِيرُ الكَلِمَةِ في حَقِّهِ أظْهَرَ وأكْمَلَ فَهو كَقَوْلِكَ لِمَن غَلَبَ عَلَيْهِ الجُودُ مَثَلًا: مَحْضُ الجُودِ، وعَلى ذَلِكَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وأيَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ، وقِيلَ: أطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَشَّرَ بِهِ في الكُتُبِ السّالِفَةِ، فَفي «اَلتَّوْراةِ» في الفَصْلِ العِشْرِينَ مِنَ السِّفْرِ الخامِسِ: أقْبَلَ اللَّهُ تَعالى مِن سِينا وتَجَلّى مِن ساعِيرَ وظَهَرَ مِن جِبالِ فارانَ، وسِينا جَبَلُ التَّجَلِّي لِمُوسى وساعِيرُ جَبَلُ بَيْتِ المَقْدِسِ وكانَ عِيسى يَتَعَبَّدُ فِيهِ وفارانُ جَبَلُ مَكَّةَ، وكانَ مُتَحَنَّثَ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ  ، وهَذا كَقَوْلِ مَن يُخْبِرُ بِالأمْرِ إذا خَرَجَ مُوافِقًا لِما أخْبَرَ بِهِ: قَدْ جاءَ كَلامِي، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَهْدِي بِهِ كَما يَهْدِي بِكَلِمَتِهِ.

ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الكَلِمَةَ بِمَعْنى البِشارَةِ كَأنَّهُ قِيلَ بِبِشارَةٍ مِنهُ ويُبْعِدُهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ ولَعَلَّهُ يُرَجِّحُ أوَّلَ الأقْوالِ كَما يُرَجِّحُهُ عَدَمُ اِطِّرادِ الأقْوالِ الأُخَرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لازِمًا في مِثْلِ ذَلِكَ، وفي ﴿ يُبَشِّرُكِ ﴾ هُنا مِنَ القِراءاتِ مِثْلُ ما فِيها، فِيما تَقَدَّمَ.

﴿ اسْمُهُ ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكَلِمَةِ وذِكْرُهُ رِعايَةٌ لِلْمَعْنى لِكَوْنِها عِبارَةً عَنْ مُذَكَّرٍ و(اسْمُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ المَسِيحُ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: (عِيسى) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا، أوْ عَطْفَ بَيانٍ، أوْ تَوْكِيدًا بِالمُرادِفِ كَما أشارَ إلَيْهِ الدَّنُوشَرِيُّ، أوْ خَبَرًا آخَرَ، أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارٍ أعْنِي مَدْحًا، وحَذْفُ المُبْتَدَأِ والفِعْلِ، قِيلَ: عَلى سَبِيلِ الجَوازِ ومُقْتَضى ما ذَكَرُوهُ في النَّعْتِ المَقْطُوعِ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَنصُوبًا يُلْتَزَمُ القَوْلُ بِالقَطْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ومَن جَعَلَ هَذِهِ الثَّلاثَةَ أخْبارًا عَنِ المُبْتَدَأِ أوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ الِاسْمَ في الحَقِيقَةِ عِيسى والمَسِيحَ لَقَبٌ و(ابْنُ) صِفَةٌ، فَكَيْفَ جُعِلَتِ الثَّلاثَةُ خَبَرًا عَنْهُ؟!

وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالِاسْمِ مَعْناهُ المُصْطَلَحُ وهو العَلَمُ مُطْلَقًا ولَيْسَ هو بِمَعْنًى مُقابِلِ اللَّقَبِ بَلْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ، وأنَّ إضافَتَهُ تُفِيدُ العُمُومَ لِأنَّ إضافَةَ اِسْمِ الجِنْسِ قَدْ يُقْصَدُ بِها الِاسْتِغْراقُ، وأنَّ إطْلاقَهُ عَلى اِبْنِ مَرْيَمَ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالِاسْمِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وهو السِّمَةُ والعَلامَةُ المُمَيِّزَةُ لا العَلَمُ، ولا مانِعَ حِينَئِذٍ مِن جَعْلِ مَجْمُوعِ الثَّلاثَةِ خَبَرًا إذِ التَّمْيِيزُ بِذَلِكَ أشَدُّ مِنَ التَّمْيِيزِ بِكُلِّ واحِدٍ فَيَؤُولُ المَعْنى إلى قَوْلِكَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ ويُمَيَّزُ بِهِ عَمّا سِواهُ مَجْمُوعُ الثَّلاثَةِ، وبِهَذا كَما في «اَلِانْتِصافِ»: ((خَلاصٌ مِن إشْكالٍ يُورِدُونَهُ فَيَقُولُونَ: ﴿ المَسِيحُ ﴾ في الآيَةِ إنْ أُرِيدَ بِهِ التَّسْمِيَةُ وهو الظّاهِرُ فَما مَوْقِعُ ﴿ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ والتَّسْمِيَةُ لا تُوصَفُ بِالنُّبُوَّةِ؟!

وإنْ أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ لَمْ يَلْتَئِمْ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اسْمُهُ ﴾ ووَجْهُ الخَلاصِ ظاهِرٌ، ولِعَدَمِ ظُهُورِ هَذا التَّوْجِيهِ لِبَعْضِهِمُ اِلْتُزِمَ الخَلاصُ مِن ذَلِكَ بِأنَّ المَسِيحَ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اسْمُهُ ﴾ والمُرادُ التَّسْمِيَةُ، وأمّا ﴿ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ فَخَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هُوَ، ويَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى المُسَمّى بِالتَّسْمِيَةِ المَذْكُورَةِ مُنْقَطِعًا عَنْ ”المَسِيحُ“ )).

والمَشْهُورُ أنَّ المَسِيحَ لَقَبُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو لَهُ مِنَ الألْقابِ المُشَرِّفَةِ كالفارُوقِ، وأصْلُهُ بِالعِبْرِيَّةِ مَشِيحا ومَعْناهُ المُبارَكُ، وعَنْ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ: الصِّدِّيقُ، وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: المَلِكُ، وعِيسى مُعْرَبُ أيْشُوعَ، ومَعْناهُ السَّيِّدُ، وعَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ المَسِيحَ مُشْتَقٌّ مِنَ المَسْحِ، واخْتَلَفُوا في وجْهِ إطْلاقِهِ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقِيلَ: لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبِرْكَةِ واليُمْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ عَيْنَ الأكْمَهِ فَيُبْصِرُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ ذا عاهَةٍ بِيَدِهِ إلّا بَرِئَ، ورَواهُ عَطاءٌ والضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وقالَ الجُبّائِيُّ: لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ بِدُهْنِ زَيْتٍ بُورِكَ فِيهِ، وكانَتِ الأنْبِياءُ تَتَمَسَّحُ بِهِ، وقِيلَ: لِأنَّ جِبْرِيلَ مَسَحَهُ بِجَناحَيْهِ وقْتَ الوِلادَةِ لِيَكُونَ عَوْذَةً مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ حِينَ مَسَحَ اللَّهُ تَعالى ظَهْرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذَرّاتِ ذُرِّيَّتِهِ لَمْ يَرُدَّهُ إلى مَقامِهِ كَما فَعَلَ بِباقِي الذَّرّاتِ بَلْ حَفِظَهُ عِنْدَهُ حَتّى ألْقاهُ إلى مَرْيَمَ فَكانَ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ اِسْمُ المَسِيحِ أيِ المَمْسُوحِ وقِيلَ وقِيلَ.

وهَذِهِ الأقْوالُ تُشْعِرُ بِأنَّ اللَّفْظَ عَرَبِيٌّ لا عِبْرِيٌّ، وكَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ عَلى الثّانِي، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وعَلَيْهِ لا اِشْتِقاقَ لِأنَّهُ لا يَجْرِي عَلى الحَقِيقَةِ في الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ، وفي «اَلْكَشْفِ»: أنَّ الظّاهِرَ فِيهِ الِاشْتِقاقُ لِأنَّهُ عَرَبِيٌّ دَخَلَ عَلَيْهِ خَواصِّ كَلامِهِمْ جُعِلَ لَقَبَ تَشْرِيفٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كالخَلِيلِ لِإبْراهِيمَ، وجَعْلُهُ مُعْرَبًا ثُمَّ إجْراؤُهُ مَجْرى الصِّفاتِ في إدْخالِ اللّامِ لِأنَّهُ في كَلامِهِمْ بِمَعْنى الوَصْفِ خِلافُ الظّاهِرِ.

ومِنَ النّاسِ مَنِ اِدَّعى أنَّ دُخُولَ اللّامِ لا يُنافِي العُجْمَةَ فَإنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والإسْكَنْدَرَ لَمْ تُسْمَعْ إلّا مَقْرُونَةً بِها مَعَ أنَّها أعْجَمِيَّةٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لا يُنافِي أظَهْرِيَّةَ كَوْنِ مَحَلِّ النِّزاعِ عَرَبِيًّا، نَعَمْ قِيلَ في عِيسى: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العِيسِ وأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ كانَ في لَوْنِهِ عِيسٌ أيْ بَياضٌ تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ خَبَرُ «كَأنَّما خَرَجَ مِن دِيماسٍ»، إلّا أنَّ المُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِيهِ أنَّهُ لا اِشْتِقاقَ لَهُ، وأنَّ القائِلَ بِهِ كالرّاقِمِ عَلى الماءِ، وهَذا الخِلافُ إنَّما هو في هَذا المَسِيحِ، وأمّا المَسِيحُ الدَّجّالُ فَعَرَبِيٌّ إجْماعًا وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ مُسِحَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ، أوْ لِأنَّهُ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ يَقْطَعُها في المُدَّةِ القَلِيلَةِ، وفَرَّقَ النَّخْعِيُّ بَيْنَ لَقَبِ رُوحِ اللَّهِ وعَدُوِّهِ بِأنَّ الأوَّلَ: بِفَتْحِ المِيمِ والتَّخْفِيفِ، والثّانِي: بِكَسْرِ المِيمِ وتَشْدِيدِ السِّينِ كَشِرِّيرٍ، وأنْكَرَهُ غَيْرُهُ وهو المَعْرُوفُ.

ثُمَّ القائِلُونَ بِاللَّقَبِيَّةِ في الآيَةِ وكَوْنِ عِيسى بَدَلًا مَثَلًا خَصَّ الكَثِيرُ مِنهم مَنعَ تَقْدِيمِ اللَّقَبِ عَلى الِاسْمِ بِما إذا لَمْ يَكُنْ أشْهَرَ مِنهُ حَقِيقَةً أوِ اِدِّعاءً أمّا إذا كانَ أشْهَرَ كَما هُنا، فَإنَّهُ يَجُوزُ التَّقْدِيمُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ اِبْنُ الأنْبارِيِّ ولا يُخْتَصُّ بِغَيْرِ الفَصِيحِ كَما فِيما إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، والمَشْهُورُ فِيما إذا كانَ الِاسْمُ واللَّقَبُ مُفْرَدَيْنِ إضافَةُ الأوَّلِ لِلثّانِي، وفي «اَلْمُفَصَّلِ» تَعَيُّنُها، وصَنِيعُ سِيبَوَيْهِ يُشِيرُ إلى ذَلِكَ، ومَن جَوَّزَ التَّبَعِيَّةَ اِسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِمْ: هَذا يَحْيى عَيْنانِ إذْ لَوْ أُضِيفَ لَقِيلَ عَيْنَيْنِ، وحَمْلُهُ عَلى لُغَةِ مَن يُلْزِمُ المُثَنّى الألْفَ يَرُدُّهُ أنَّ الرِّوايَةَ بِضَمِّ النُّونِ ولَوْ كانَتِ الرِّوايَةُ بِالكَسْرِ لَأمْكَنَ ذَلِكَ الحَمْلُ فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ، وكَذا لَوْ كانَتْ بِالفَتْحِ لِأنَّهُ يُمْكِنُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ اللَّقَبُ مَجْرُورًا بِالإضافَةِ إلّا أنَّ الفَتْحَةَ فِيهِ نائِبَةٌ عَنِ الكَسْرَةِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُسَمّى بِهِ يَجُوزُ أنْ يُعْرَبَ كَما لا يَنْصَرِفُ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قُصارى ما يُثْبِتُهُ هَذا الِاسْتِدْلالُ الوُرُودُ في هَذا الجُزْئِيِّ، وأمّا أنَّهُ يُثْبِتُ الِاطِّرادَ فَلا، ولَعَلَّ المانِعَ إنَّما يَمْنَعُ ذَلِكَ، ويَدَّعِي أنَّ المُطَّرِدَ هو الإضافَةُ لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ لا يَمْنَعَ مِنها مانِعٌ فَلا تَجُوزُ فِيما إذا قارَنَتْ ألِ الوَضْعَ لِمَنعِها عَنْ ذَلِكَ فَلا يُقالُ: الحَرْثُ كَرَزٍ بِالإضافَةِ، وكَذا إذا كانَ اللَّقَبُ وصْفًا في الأصْلِ نَحْوَ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ اِبْنُ الحاجِبِ في «شَرْحِ المُفَصَّلِ» لِأنَّ المَوْصُوفَ لا يُضافُ إلى صِفَتِهِ في المَشْهُورِ.

ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: إنَّ المَسِيحَ صِفَةٌ في العَرَبِيَّةِ ومَعَ هَذا في المَسْألَةِ خِلافُ اِبْنِ هِشامٍ فَإنَّهُ يُجَوِّزُ الإضافَةَ في هَذا القِسْمِ أيْضًا وتَمامُ البَحْثِ في «كُتُبِنا النَّحْوِيَّةِ»، فَلْيُفْهَمْ.

وإنَّما قِيلَ: ﴿ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ لَها تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُولَدُ مِن غَيْرِ أبٍ ولَوْ كانَ لَهُ أبٌ لَنُسِبَ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى تَفْضِيلِ الأُمِّ أيْضًا، وقِيلَ: إنَّ في ذَلِكَ رَدًّا لِلنَّصارى، وأبْعَدُ مَنِ اِدَّعى أنَّ هَذِهِ الإضافَةَ لِمَدْحِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ الكَلامَ حِينَئِذٍ في قُوَّةِ اِبْنِ عابِدَةَ، هَذا واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ (ابْنُ) في الآيَةِ يُكْتَبُ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ بِناءً عَلى وُقُوعِهِ صِفَةً بَيْنَ عَلَمَيْنِ، إذِ القاعِدَةُ أنَّهُ مَتى وقَعَ كَذَلِكَ لَمْ تُكْتَبْ هَمْزَتُهُ بَلْ تُحْذَفُ في الخَطِّ تَبَعًا لِحَذْفِها في اللَّفْظِ لِكَثْرَةِ اِسْتِعْمالِهِ كَذَلِكَ ومَتى تَقَدَّمَهُ عَلَمٌ لَكِنْ أُضِيفَ إلى غَيْرِ عَلَمٍ كَزَيْدِ اِبْنِ السُّلْطانِ أوْ تَقَدَّمَهُ غَيْرُ عَلَمٍ، وأُضِيفُ إلى عَلَمٍ كالسُّلْطانِ اِبْنِ زَيْدٍ أوْ وقَعَ بَيْنَ ما لَيْسا عَلَمَيْنِ كَزَيْدٍ العاقِلِ اِبْنِ الأمِيرِ عَمْرٍو كُتِبَتِ الألِفُ ولَمْ تُحْذَفْ في الخَطِّ في جَمِيعِ تِلْكَ الصُّوَرِ، والكُتّابُ كَثِيرًا ما يُخْطِئُونَ في ذَلِكَ فَيَحْذِفُونَ الهَمْزَةَ مِنهُ في الكِتابَةِ أيْنَما وقَعَ، وقَدْ نَصَّ عَلى خَطَئِهِمْ في ذَلِكَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ.

ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الرَّسْمَ يُرَجِّحُ التَّبَعِيَّةَ، نَعَمْ في كَوْنِ ذَلِكَ مُطَّرِدًا فِيما إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ عَلَمَ الأُمِّ خِلافٌ، واَلَّذِي أخْتارُهُ الحَذْفُ أيْضًا إذا كانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا.

﴿ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ الوَجِيهُ ذُو الجاهِ والشَّرَفِ والقَدْرِ، وقِيلَ: الكَرِيمُ عَلى مَن يَسْألُهُ فَلا يَرُدُّ لِكَرَمِ وجْهِهِ عِنْدَهُ خِلافَ مَن يَبْذُلُ وجْهَهُ لِلْمَسْألَةِ فَيَرُدُّ، ووَجاهَتُهُ في الدُّنْيا بِالنُّبُوَّةِ والتَّقَدُّمِ عَلى النّاسِ، وفي الآخِرَةِ بِقَبُولِ شَفاعَتِهِ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ، وقِيلَ: وجاهَتُهُ في الدُّنْيا بِقَبُولِ دُعائِهِ بِإحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وقِيلَ: بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ مُبَرَّءًا مِنَ العُيُوبِ الَّتِي اِفْتَراها اليَهُودُ عَلَيْهِ، وفي الآخِرَةِ ما تَقَدَّمَ، ولَيْسَتِ الوَجاهَةُ بِمَعْنى الهَيْئَةِ والبِزَّةِ لِيُقالَ: كَيْفَ كانَ وجِيهًا في الدُّنْيا مَعَ أنَّ اليَهُودَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ عامَلُوهُ بِما عامَلُوهُ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ لا تَقْدَحُ تِلْكَ المُعامَلَةُ فِيهِ كَما لا تَقْدَحُ عَلى التَّقادِيرِ الأُوَلِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ.

ونَصْبُ ﴿ وجِيهًا ﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ”كَلِمَةٍ“، وسَوَّغَ مَجِيءَ الحالِ مِنها مَعَ أنَّها نَكِرَةٌ وصْفُها بِما بَعْدَها، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما أُشِيرَ إلَيْهِ وجُعِلَتِ الحالُ مَقَدَّرَةً لِأنَّ الوَجاهَةَ كانَتْ بَعْدَ البِشارَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الحالَ مِن (عِيسى) وقالَ أبُو البَقاءِ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ وكَذا لا يَجُوزُ جَعْلُهُ حالًا مِن ﴿ المَسِيحُ ﴾ أوْ مِن ﴿ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ لِأنَّها أخْبارٌ، والعامِلُ فِيها الِابْتِداءُ أوِ المُبْتَدَأُ أوْ هُما ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ يَعْمَلُ في الحالِ، وكَذا لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ في اِسْمِهِ لِلْفَصْلِ الواقِعِ بَيْنَهُما ولِعَدَمِ العامِلِ في الحالِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ.

﴿ ومِنَ المُقَرَّبِينَ  ﴾ أيْ عِنْدِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى رَفْعِهِ إلى السَّماءِ وصُحْبَتِهِ المَلائِكَةَ، وقِيلَ: مِنَ المُقَرَّبِينَ مِنَ النّاسِ بِالقَبُولِ والإجابَةِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ وجِيهًا ﴾ أيْ ومُقَرَّبًا مِن جُمْلَةِ المُقَرَّبِينَ.

<div class="verse-tafsir"

وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٤٦

﴿ ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا ﴾ عَطْفٌ عَلى الحالِ الأُولى أيْضًا، وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ لِتَأْوِيلِهِ بِهِ سائِغٌ شائِعٌ، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ والظَّرْفُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ ولَمْ يُجْعَلْ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِهِ مَعَ صِحَّتِهِ لِعَطْفِ ﴿ وكَهْلا ﴾ عَلَيْهِ، والمُرادُ يُكَلِّمُهم حالَ كَوْنِهِ طِفْلًا وكَهْلًا، والمَقْصُودُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الكَلامِ في حالِ الطُّفُولِيَّةِ وحالِ الكُهُولَةِ، وإلّا فالكَلامُ في الثّانِي لَيْسَ مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ فِيهِ غَرابَةٌ، وعَلى هَذا فالمَجْمُوعُ حالٌ لا كُلٌّ عَلى الِاسْتِقْلالِ، وقِيلَ: إنَّ كُلًّا مِنهُما حالٌ، والثّانِي: تَبْشِيرٌ بِبُلُوغِ سِنِّ الكُهُولَةِ وتَحْدِيدٌ لِعُمْرِهِ، والمَهْدُ مَقَرُّ الصَّبِيِّ في رِضاعِهِ وأصْلُهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ وكانَ كَلامُهُ في المَهْدِ ساعَةً واحِدَةً بِما قَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا، ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتّى بَلَغَ أوانَ الكَلامِ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانَ يَتَكَلَّمُ دائِمًا وكانَ كَلامُهُ فِيهِ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّتِهِ وإرْهاصًا لَها عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ اِبْنُ الإخْشِيدِ وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ إخْبارًا عَمّا يَؤُولُ إلَيْهِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ سُبْحانَهُ أكْمَلَ عَقْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ وأوْحى إلَيْهِ بِما تَكَلَّمَ بِهِ مَقْرُونًا بِالنُّبُوَّةِ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَرامَةً لِمَرْيَمَ دالَّةً عَلى طَهارَتِها وبَراءَةِ ساحَتِها مِمّا نَسَبَهُ أهْلُ الإفْكِ إلَيْها، والقَوْلُ: بِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ لَها بَعِيدٌ وإنْ قُلْنا بِنُبُوَّتِها.

وزَعَمَتِ النَّصارى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ ولَمْ يَنْطِقْ بِبَراءَةِ أُمِّهِ صَغِيرًا بَلْ أقامَ ثَلاثِينَ سَنَةً واليَهُودُ تَقْذِفُ أُمَّهُ بِيُوسُفَ النَّجّارِ وهَذا مِن أكْبَرِ فَضائِحِهِمِ الصّادِحَةِ بِرَدِّ ما هم عَلَيْهِ مِن دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا تَنَقُّلُهُ في الأطْوارِ المُخْتَلِفَةِ المُتَنافِيَةِ لِأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ، واعْتَرَضُوا بِأنَّ كَلامَهُ في المَهْدِ مِن أعْجَبِ الأُمُورِ فَلَوْ كانَ لِنَقْلٍ ولَوْ نُقِلَ لَكانَ النَّصارى أوْلى النّاسِ بِمَعْرِفَتِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الحاضِرِينَ إذْ ذاكَ لَمْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ التَّواتُرِ، ولَمّا نَقَلُوا كُذِّبُوا فَسَكَتُوا، وبَقِيَ الأمْرُ مَكْتُومًا إلى أنْ نَطَقَ القُرْآنُ بِهِ، وهَذا قَرِيبٌ عَلى قَوْلِ اِبْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ وعَلى القَوْلِ الآخَرِ وهو أنَّهُ بَقِيَ يَتَكَلَّمُ يُقالُ: إنَّ النّاسَ اِشْتَغَلُوا بَعْدُ بِنَقْلِ ما هو أعْجَبُ مِن ذَلِكَ مِن أحْوالِهِ كَإحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ والإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ والخَلْقِ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ حَتّى لَمْ يُذْكَرِ التَّكَلُّمَ مِنهم إلّا النَّزْرَ ولا زالَ الأمْرُ بِقِلَّةٍ حَتّى لَمْ يَبْقَ مُخْبِرٌ عَنْ ذَلِكَ وبَقِيَ مَكْتُومًا إلى أنْ أظْهَرَهُ القُرْآنُ، وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ لَكَ أنْ تَقُولَ لا نُسَلِّمُ إجْماعَ النَّصارى عَلى عَدَمِ تَكَلُّمِهِ في المَهْدِ، وظاهِرُ الأخْبارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُها يُشِيرُ إلى أنَّ بَعْضَهم قائِلٌ بِذَلِكَ، وبِفَرْضِ إجْماعِهِمْ نِهايَةَ ما يَلْزَمُ الِاسْتِبْعادُ وهو بَعْدَ إخْبارِ الصّادِقِ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ عِنْدَ مَن رَسَخَ إيمانُهُ وقَوِيَ إيقانُهُ، وكَمْ أجْمَعَ أهْلُ الكِتابَيْنِ عَلى أشْياءَ نَطَقَ القُرْآنُ الحَقُّ بِخِلافِها والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ، ولَعَلَّ مَرامَهم مِن ذَلِكَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ﴿ ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ .

والكَهْلُ ما بَيْنَ الشّابِّ والشَّيْخِ، ومِنهُ اِكْتَهَلَ النَّبْتُ إذا طالَ وقَوِيَ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ اِبْنَ آدَمَ ما دامَ في الرَّحِمِ فَهو جَنِينٌ، فَإذا وُلِدَ فَهو ولِيدٌ؛ ثُمَّ ما دامَ يَرْضَعُ فَهو رَضِيعٌ، ثُمَّ إذا قَطَعَ اللَّبَنَ فَهو فَطِيمٌ، ثُمَّ إذا دَبَّ ونَما فَهو دارِجٌ، فَإذا بَلَغَ خَمْسَةَ أشْبارٍ فَهو خُماسِيٌّ، فَإذا سَقَطَتْ رَواضِعُهُ فَهو مَثْغُورٌ، فَإذا نَبَتَتْ أسْنانُهُ فَهو مُثْغِرٌ بِالتّاءِ والثّاءِ كَما قالَ أبُو عَمْرٍو فَإذا قارَبَ عَشْرَ سِنِينَ أوْ جاوَزَها فَهو مُتَرَعْرِعٌ وناشِئٌ؛ فَإذا كانَ يَبْلُغُ الحُلْمَ أوْ بَلَغَهُ فَهو يافِعٌ ومُراهِقٌ، فَإذا اِحْتَلَمَ واجْتَمَعَتْ قُوَّتُهُ فَهو حَزَوَّرٌ، واسْمُهُ في جَمِيعِ هَذِهِ الأحْوالِ غُلامٌ فَإذا اِخْضَرَّ شارِبُهُ وأخَذَ عِذارُهُ يَسِيلُ قِيلَ: قَدْ بَقَلَ وجْهُهُ، فَإذا صارَ ذا فَتاءٍ فَهو فَتًى وشارِخٌ، فَإذا اِجْتَمَعَتْ لِحْيَتُهُ وبَلَغَ غايَةَ شَبابِهِ فَهو مُجْتِمَعٌ، ثُمَّ ما دامَ بَيْنَ الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ فَهو شابٌّ ثُمَّ كَهْلٌ إلى أنْ يَسْتَوْفِيَ السِّتِّينَ، ويُقالُ لِمَن لاحَتْ فِيهِ أماراتُ الكِبَرِ وخَطَّهُ الشَّيْبُ، ثُمَّ يُقالُ شابَ، ثُمَّ شَمِطَ، ثُمَّ شاخَ، ثُمَّ كَبُرَ، ثُمَّ هَرِمَ، ثُمَّ دَلَفَ، ثُمَّ خَرِفَ، ثُمَّ اِهْتَرَّ، ومَحا ظِلُّهُ إذا ماتَ، وهَذا التَّرْتِيبُ إنَّما هو في الذُّكُورِ، وأمّا في الإناثِ فَيُقالُ لِلْأُنْثى ما دامَتْ صَغِيرَةً طِفْلَةٌ، ثُمَّ ولِيدَةٌ إذا تَحَرَّكَتْ، ثُمَّ كاعِبٌ إذا كَعَبَ ثَدْيُها، ثُمَّ ناهِدٌ، ثُمَّ مُعْصِرٌ إذا أدْرَكَتْ، ثُمَّ عانِسٌ إذا اِرْتَفَعَتْ عَنْ حَدِّ الإعْصارِ، ثُمَّ خَوْدٌ إذا تَوَسَّطَتِ الشَّبابَ، ثُمَّ مُسَلِّفٌ إذا جاوَزَتِ الأرْبَعِينَ، ثُمَّ نَصَفٌ إذا كانَتْ بَيْنَ الشَّبابِ والتَّعْجِيزِ، ثُمَّ شَهْلَةٌ كَهْلَةٌ إذا وجَدَتْ مِنَ الكِبَرِ وفِيها بَقِيَّةٌ وجَلَدٌ، ثُمَّ شَهْرَبَةٌ إذا عَجَزَتْ وفِيها تَماسُكٌ، ثُمَّ حَيْزَبُونٌ إذا صارَتْ عالِيَةَ السِّنِّ ناقِصَةَ العَقْلِ، ثُمَّ قَلْعَمٌ ولِطْلِطٌ إذا اِنْحَنى قَدُّها وسَقَطَتْ أسْنانُها.

وعَلى ما ذُكِرَ في سِنِّ الكُهُولَةِ يُرادُ بِتَكْلِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَهْلًا تَكْلِيمُهُ لَهم كَذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّماءِ وبُلُوغِهِ ذَلِكَ السَّنَّ بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وغَيْرُهُما: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رُفِعَ إلى السَّماءِ وهو اِبْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً وأنَّهُ سَيَنْزِلُ إلى الأرْضِ ويَبْقى حَيًّا فِيها أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً» كَما رَواهُ اِبْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ، قالَ: قَدْ كَلَّمَهم عِيسى في المَهْدِ وسَيُكَلِّمُهم إذا قُتِلَ الدَّجّالُ وهو يَوْمَئِذٍ كَهْلٌ.

﴿ ومِنَ الصّالِحِينَ  ﴾ أيْ ومَعْدُودًا في عِدادِهِمْ وهو مَعْطُوفٌ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌۭ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٧

﴿ قالَتْ ﴾ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ مِنها حِينَ قالَتْ لَها المَلائِكَةُ ذَلِكَ؟

فَقِيلَ: ﴿ قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مَجازِيًّا والمُرادُ التَّعَجُّبُ مِن ذَلِكَ والِاسْتِبْعادُ العادِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا عَلى مَعْنى أنَّهُ يَكُونُ بِتَزَوُّجٍ أوْ غَيْرِهِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اِسْتِفْهامًا عَنْ أنَّهُ مِن أيِّ شَخْصٍ يَكُونُ، وإعْرابُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى نَحْوِ إعْرابِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ في قِصَّةِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُحَقِّقَةٌ لِما مَرَّ ومُقَوِّيَةٌ لَهُ، والمَسِيسُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الوَطْءِ وهَذا نَفْيٌ عامٌّ لِلتَّزَوُّجِ وغَيْرِهِ، والبَشَرُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، والتَّنْكِيرُ لِلْعُمُومِ، والمُرادُ عُمُومُ النَّفْيِ لا نَفْيُ العُمُومِ، وسُمِّيَ بَشَرًا لِظُهُورِ بَشَرَتِهِ أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى باشَرَ أباهُ وخَلَقَهُ بِيَدَيْهِ.

(قالَ) اِسْتِئْنافٌ كَسابِقِهِ، والفاعِلُ ضَمِيرُ الرَّبِّ والمَلَكُ حَكى لَها المَقُولَ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ إمّا بِلا تَغْيِيرٍ فَيَكُونُ فِيهِ اِلْتِفاتٌ، وإمّا بِتَغْيِيرٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَها ذَلِكَ بِلا واسِطَةِ مَلَكٍ، والأوَّلُ: مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُكَلِّمْ غَيْرَ الأنْبِياءِ بَلْ غَيْرَ خاصَّتِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: القائِلُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ ذِكْرُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَهُ، وحَمْلُ ﴿ قالَتْ رَبِّ ﴾ فِيما تَقَدَّمَ عَلى ذَلِكَ أبْعَدُ بِعِيدٍ، وقَدْ مَرَّ عَلَيْكَ الكَلامُ في مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ خَلا أنَّ التَّعْبِيرَ هُنا بِ يَخْلُقُ وهُناكَ بِ يَفْعَلُ لِاخْتِلافِ القِصَّتَيْنِ في الغَرابَةِ فَإنَّ الثّانِيَةَ أغْرَبُ، فالخَلْقُ المُنْبِئُ عَنِ الِاخْتِراعِ أنْسَبُ بِها ولِهَذا عَقَّبَهُ بِبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إذا قَضى أمْرًا ﴾ أيْ أرادَ شَيْئًا، فالأمْرُ واحِدُ الأُمُورِ، والقَضاءُ في الأصْلِ الأحْكامُ، وأُطْلِقَ عَلى الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ القَطْعِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِإيجادِ المَعْدُومِ وإعْدامِ المَوْجُودِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإيجابِها ما تَعَلَّقَتْ بِهِ البَتَّةَ ويُطْلَقُ عَلى الأمْرِ، ومِنهُ ﴿ وقَضى رَبُّكَ ﴾ .

﴿ فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ أيْ فَهو يَكُونُ أيْ يَحْدُثُ، وهَذا عِنْدَ الأكْثَرِينَ تَمْثِيلٌ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ في مُرادِهِ بِأمْرِ المُطاعِ لِلْمُطِيعِ في حُصُولِ المَأْمُورِ مِن غَيْرِ اِمْتِناعٍ وتَوَقُّفٍ وافْتِقارٍ إلى مُزاوَلَةِ عَمَلٍ واسْتِعْمالِ آلَةٍ، فالمُمَثِّلُ الشَّيْءُ المُكَوِّنُ بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ عَمَلٍ وآلَةٍ، والمُمَثَّلُ بِهِ أمْرُ الآمِرِ المُطاعِ لِمَأْمُورٍ بِهِ مُطِيعٍ عَلى الفَوْرِ، وهَذا اللَّفْظُ مُسْتَعارٌ لِذَلِكَ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِأنْ يُرادَ تَعَلُّقَ الكَلامِ النَّفْسِيِّ بِالشَّيْءِ الحادِثِ عَلى أنَّ كَيْفِيَّةَ الخَلْقِ عَلى هَذا الوَجْهِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ المُرادُ مِن هَذا الجَوابِ بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعْجِزُهُ أنْ يَخْلُقَ ولَدًا بِلا أبٍ لِأنَّهُ أمْرٌ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الإرادَةِ والقُدْرَةِ كَيْفَ لا وكَثِيرًا ما نُشاهِدُ حُدُوثَ كَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ عَلى سَبِيلِ التَّوَلُّدِ كَحُدُوثِ الفَأْرِ عَنِ المَدَرِ والحَيّاتِ عَنِ الشَّعْرِ المُتَعَفِّنِ والعَقارِبِ عَنِ البادُورَجِ والذُّبابِ عَنِ الباقِلاءِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ غايَتُهُ الِاسْتِبْعادُ، وهو لا يُوجِبُ ظَنًّا فَضْلًا عَنْ عِلْمٍ، وبَعْدَ إخْبارِ الصّادِقِ عَنْ وُجُودِ ذَلِكَ المُمْكِنِ يَجِبُ القَطْعُ بِصِحَّتِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ المادَّةَ فِيما عُدَّ ونَحْوُهُ مَوْجُودَةٌ وبَعْدَ وُجُودِها لا رَيْبَ في الإمْكانِ دُونَ ما نَحْنُ فِيهِ لِأنَّ مادَّةَ الآدَمِيِّ مَنِيّانِ ولَيْسَ هُناكَ إلّا مَنِيٌّ واحِدٌ أوْ لا مَنِيٌّ أصْلًا فَكَيْفَ يُمْكِنُ الخَلْقُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا عَلى مَذْهَبِنا فَلِأنَّ الإيجادَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى سَبْقِ المادَّةِ وإلّا لِتَسَلْسُلِ الأمْرِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ المُنْكِرِينَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنِيُّ الأُنْثى بِنَفْسِهِ أوْ بِما يَنْضَمُّ إلَيْهِ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى بِحالَةٍ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مادَّةً، وقُصارى ما يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِبْعادُ وهو لا يُجْدِي نَفْعًا في أمْثالِ هَذِهِ المَقاماتِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقِيمَ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ المَنِيِّ مَقامَ المَنِيِّ، وأيُّ مُحالٍ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ، ألّا تَرى كَيْفَ أُقِيمَ التُّرابُ مَقامَ المَنِيِّ في أصْلِ النَّوْعِ ودَعْوى أنَّ الإقامَةَ مَشْرُوطَةٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الغَيْرِ خارِجَ الرَّحِمِ، وأمّا الإقامَةُ في الرَّحِمِ فَمِمّا لا إمْكانَ لَها غَيْرَ بَيِّنَةٍ ولا مُبَيِّنَةٍ بَلِ العَقْلُ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في الإمْكانِ وإنَّما يُفَرِّقُ بَيْنَهُما في مُوافَقَةِ العادَةِ وعَدَمِها وهو أمْرٌ وراءَ ما نَحْنُ فِيهِ.

ومِنَ النّاسِ مَن بَيَّنَ هَذا المَطْلَبَ بِأنَّ التَّخَيُّلاتِ الذِّهْنِيَّةَ كَثِيرًا ما تَكُونُ أسْبابًا لِحُدُوثِ الحَوادِثِ كَتَصَوُّرِ حُضُورِ المُنافِي لِلْغَضَبِ وكَتَصَوُّرِ السُّقُوطِ بِحُصُولِ السُّقُوطِ لِلْماشِي عَلى جِذْعٍ مَمْدُودٍ فَوْقَ فَضاءٍ بِخِلافِهِ لَوْ كانَ عَلى قَرارٍ مِنَ الأرْضِ، وقَدْ جَعَلَتِ الفَلاسِفَةُ هَذا كالأصْلِ في بَيانِ جَوازِ المُعْجِزاتِ والكَراماتِ، فَما المانِعُ أنْ يُقالَ: إنَّها لَمّا تَخَيَّلَتْ صُورَةَ جِبْرِيلَ كَفى ذَلِكَ في عُلُوقِ الوَلَدِ في رَحِمِها لِأنَّ مَنِيَّ الرَّجُلِ لَيْسَ إلّا لِأجْلِ العَقْدِ فَإذا حَصَلَ الِانْعِقادُ لِمَنِيِّ المَرْأةِ بِوَجْهٍ آخَرَ أمْكَنَ عُلُوقُ الوَلَدِ، اِنْتَهى.

ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ يَعُودُ بِالنَّقْصِ لِحَضْرَةِ البَتُولِ وأنَّها لَتُنَزِّهُ ساحَتَها عَنْ مَثَلِ هَذا التَّخَيُّلِ كَما لا يَخْفى، وفي جَوابِ هَذِهِ الطّاهِرَةِ لِيُوسُفَ النَّجّارِ ما يُؤَيِّدُ ما قُلْناهُ، فَقَدْ أخْرَجَ إسْحَقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا اِسْتَقَرَّ حَمْلُ مَرْيَمَ وبَشَّرَها جِبْرِيلُ وثِقَتْ بِكَرامَةِ اللَّهِ تَعالى واطْمَأنَّتْ وطابَتْ نَفْسًا، وأوَّلُ مَنِ اِطَّلَعَ عَلى حَمْلِها اِبْنُ خالٍ لَها يُقالُ لَهُ يُوسُفُ، واهْتَمَّ لِذَلِكَ وأحْزَنَهُ وخَشِيَ البَلِيَّةَ مِنهُ لِأنَّهُ كانَ يَخْدِمُها فَلَمّا رَأى تَغَيُّرَ لَوْنِها وكَبِرَ بَطْنِها عَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقالَ مُعَرِّضًا لَها: هَلْ يَكُونُ زَرْعٌ مِن غَيْرِ بَذْرٍ؟!

قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ قالَتْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ البَذْرَ الأوَّلَ مِن غَيْرِ نَباتٍ وأنْبَتَ الزَّرْعَ الأوَّلَ مِن غَيْرِ بَذْرٍ، ولَعَلَّكَ تَقُولُ: لِمَ يَقْدِرُ أنْ يَخْلُقَ الزَّرْعَ الأوَّلَ إلّا بِالبَذْرِ؟

ولَعَلَّكَ تَقُولُ: لَوْلا أنِ اِسْتَعانَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالبَذْرِ لَغَلَّبَهُ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى أنْ يَخْلُقَهُ ولا يُنْبِتَهُ؟

قالَ يُوسُفُ: أعُوذُ بِاَللَّهِ أنْ أقُولَ ذَلِكَ قَدْ صَدَّقْتُ وقُلْتُ بِالنُّورِ والحُكْمِ، وكَما قَدَرَ أنْ يَخْلُقَ الزَّرْعَ الأوَّلَ ويُنْبِتَهُ مِن غَيْرِ بَذْرٍ يَقْدِرُ أنْ يَجْعَلَ زَرْعًا مِن غَيْرِ بَذْرٍ فَأخْبِرِينِي هَلْ يَنْبُتُ الشَّجَرُ مِن غَيْرِ ماءٍ ولا مَطَرٍ؟

قالَتْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ لِلْبِذْرِ والماءِ والمَطَرِ والشَّجَرِ خالِقًا واحِدًا فَلَعَلَّكَ تَقُولُ: لَوْلا الماءُ والمَطَرُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى أنْ يُنْبِتَ الشَّجَرَ؟

قالَ أعُوذُ بِاَللَّهِ تَعالى أنْ أقُولَ ذَلِكَ قَدْ صَدَقْتِ، فَأخْبِرِينِي خَبَرَكِ، قالَتْ: بَشَّرَنِي اللَّهُ تَعالى بِكَلِمَةٍ مِنهُ اِسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِنَ الصّالِحِينَ ﴾ فَعَلِمَ يُوسُفُ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِسَبَبِ خَيْرٍ أرادَهُ بِمَرْيَمَ فَسَكَتَ عَنْها فَلَمْ تَزَلْ عَلى ذَلِكَ حَتّى ضَرَبَها الطَّلْقُ فَنُودِيَتْ أنِ اُخْرُجِي مِن المِحْرابِ فَخَرَجَتْ.

<div class="verse-tafsir"

وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ٤٨

﴿ ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ يُبَشِّرُكِ ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ ويُعَلِّمُ ذَلِكَ المَوْلُودَ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِالكَلِمَةِ الكِتابَ ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ طُولُ الفَصْلِ، لِأنَّهُ اِعْتِراضٌ لا يَضُرُّ مِثْلُهُ، أوْ عَلى ﴿ يَخْلُقُ ﴾ أيْ كَذَلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويُعَلِّمُهُ أوْ عَلى ”يُكَلِّمُ“ فَتَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ والتَّقْدِيرُ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مُكَلِّمًا النّاسَ ومُعَلِّمًا الكِتابَ أوْ عَلى ﴿ وجِيهًا ﴾ ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً لَيْسَتْ داخِلَةً في حَيِّزِ قَوْلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والواوُ تَكُونُ لِلِاسْتِئْنافِ وتَقَعُ في اِبْتِداءِ الكَلامِ كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ فَلا حاجَةَ كَما قالَ الشِّهابُ إلى التَّأْوِيلِ بِأنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ سابِقَةٍ وهي ﴿ وإذْ قالَتِ ﴾ الخ ولا إلى مُقَدَّرَةٍ، ولا إشْكالَ في العَطْفِ كَما قالَ النِّحْرِيرُ، وكَذا لا يُدَّعى أنَّ الواوَ زائِدَةٌ كَما قالَ أبُو حَيّانَ، فَهَذِهِ أوْجَهٌ مِنَ الإعْرابِ مُخْتَلِفَةٌ بِالأوْلَوِيَّةِ، وأغْرَبُ ما رَأيْتُهُ ما نَقَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ العَطْفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ نُوحِيهِ إلَيْكَ ﴾ بَلْ لا يَكادُ يَسْتَطِيبُهُ مَن سَلِمَ لَهُ ذَوْقُهُ.

و ﴿ الكِتابَ ﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ أيْ يُعَلِّمُهُ الخَطَّ بِاليَدِ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ اِبْنُ جُرَيْجٍ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أعْطى اللَّهُ تَعالى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ تِسْعَةَ أجْزاءٍ مِنَ الخَطِّ وأعْطى سائِرَ النّاسِ جُزْءًا واحِدًا، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بَعْضُ الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى عَلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سِوى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِثْلَ الزَّبُورِ وغَيْرِهِ، وذَهَبَ كَثِيرُونَ إلى أنَّ ألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ والمُرادُ جِنْسُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ إلّا أنَّ المَأْثُورَ هو الأوَّلُ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الجِنْسُ لَكِنْ في ضِمْنِ فَرْدَيْنِ هُما التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وتُجْعَلُ الواوُ فِيما بَعْدُ زائِدَةً مُقْحَمَةً، وما بَعْدَها بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ مِنَ الهَذَيانِ بِمَكانٍ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وعاصِمٌ ويَعْقُوبٌ وسَهْلٌ (ويُعَلِّمُهُ) بِالياءِ، والباقُونَ بِالنُّونِ، قِيلَ: وعَلى ذَلِكَ لا يَحْسُنُ بَعْضُ تِلْكَ الوُجُوهِ إلّا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِعِيسى ويَقُولُ: نُعَلِّمُهُ، أوْ وجِيهًا ومَقُولًا فِيهِ نُعَلِّمُهُ الكِتابَ.

﴿ والحِكْمَةَ ﴾ أيِ الفِقْهَ وعِلْمَ الحَلالِ والحَرامِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: جَمِيعُ ما عَلَّمَهُ مِن أُمُورِ الدِّينِ، وقِيلَ: سُنَنُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: الصَّوابُ في القَوْلِ والعَمَلِ، وقِيلَ: إتْقانُ العُلُومِ العَقْلِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ.

﴿ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ  ﴾ أُفْرِدا بِالذِّكْرِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ ما يَشْمَلُهُما لِوُفُورِ فَضْلِهِما وسُمُوِّ شَأْوِهِما عَلى غَيْرِهِما، وتَعْلِيمُهُ ذَلِكَ قِيلَ: بِالإلْهامِ، وقِيلَ: بِالوَحْيِ، وقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ لِلتَّعَلُّمِ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَرَعْرَعَ، وفي رِوايَةِ الضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ لَمّا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ أسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إلى المُعَلِّمِ، لَكِنِ الرِّواياتُ مُتَضافِرَةً أنَّهُ جَعَلَ يَسْألُ المُعَلِّمَ كُلَّما ذَكَرَ لَهُ شَيْئًا عَمّا هو بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ يَنْبِضَ فِيهِ بِبِنْتِ شَفَةٍ، وذَلِكَ يُؤَيِّدُ أنَّ عِلْمَهُ مَحْضُ مَوْهِبَةٍ إلَهِيَّةٍ وعَطِيَّةٍ رَبّانِيَّةٍ، وذِكْرُ الإنْجِيلِ لِكَوْنِهِ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ مُتَحَقِّقًا لَدَيْهِمْ أنَّهُ سَيَنْزِلُ.

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٤٩

﴿ ورَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَجُرُّ إلَيْهِ المَعْنى مَعْطُوفًا عَلى ”يُعَلِّمُهُ“ أيْ ونَجْعَلُهُ رَسُولًا وهو الَّذِي اِخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْمُولٍ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى يُعَلِّمُهُ، أيْ ويَقُولُ عِيسى أُرْسِلْتُ رَسُولًا، ولا يَخْفى أنَّ عَطْفَ هَذا القَوْلِ عَلى ”يُعَلِّمُهُ“ إذا كانَ مُسْتَأْنَفًا مِمّا لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ بَأْسٍ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ عَطْفِهِ عَلى ﴿ يُبَشِّرُكِ ﴾ أوْ ﴿ يَخْلُقُ ﴾ فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ أوْ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَقُولُعِيسى كَذا، وفِيهِ العَطْفُ عَلى الخَبَرِ ولا رابِطَ بَيْنَهُما إلّا بِتَكَلُّفٍ عَظِيمٍ، وفي «اَلْبَحْرِ»: إنَّ هَذا الوَجْهَ مُطْلَقًا ضَعِيفٌ إذْ فِيهِ إضْمارُ شَيْئَيْنِ القَوْلُ ومَعْمُولُهُ، والِاسْتِغْناءُ عَنْهُما بِاسْمٍ مَنصُوبٍ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ؛ واخْتارَ بَعْضُهم عَطْفَهُ عَلى الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ مُضَمَّنًا مَعْنى النُّطْقِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُها في حُكْمِ الغَيْبَةِ مَعَ كَوْنِ هَذا في حُكْمِ التَّكَلُّمِ إذْ يَكُونُ المَعْنى حالَ كَوْنِهِ وجِيهًا ورَسُولًا ناطِقًا بِكَذا، والرَّسُولُ عَلى سائِرِ التَّقادِيرِ صِفَةٌ كَشَكُورٍ وصَبُورٍ، وفَعُولٌ هُنا بِمَعْنى مُفْعِلٌ، واحْتِمالٌ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قالَ أبُو البَقاءِ مِثْلَهُ في قَوْلِ الشّاعِرِ: أبْلِغْ أبا سَلْمى (رَسُولًا) تَرُوعُهُ ويُجْعَلُ مَعْطُوفًا عَلى ”الكِتابَ“ أيْ، ويُعَلِّمُهُ رِسالَةً - بَعِيدٌ لَفْظًا ومَعْنًى، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ المُتَبادِرَ الوَصْفِيَّةُ لا المَصْدَرِيَّةُ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ تَعْلِيمَ الرِّسالَةِ مِمّا لا يَكادُ يُوجَدُ في كَلامِهِمْ، والظَّرْفُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِ (رَسُولًا) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، أيْ رَسُولًا كائِنًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ كُلِّهِمْ، قِيلَ: وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِلْإيذانِ بِخُصُوصِ بَعْثَتِهِ، أوْ لِلرَّدِّ عَلى مَن زَعَمَ مِنَ اليَهُودِ أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى غَيْرِهِمْ.

ولِي في نِسْبَةِ هَذا الزَّعْمِ لِبَعْضِ اليَهُودِ تَرَدُّدٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الكُتُبِ المَشْهُورَةِ واَلَّذِي رَأيْناهُ فِيها أنَّهم في عِيسى الَّذِي قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا مِن أمْرِهِ ما قَصَّ فِرْقَتانِ: فِرْقَةٌ تَرْمِيهِ وحاشاهُ بِأفْظَعِ ما رَمَتْ بِهِ أُمَّةٌ نَبِيَّها وهم أكْثَرُ اليَهُودِ، وفِرْقَةٌ يُقالُ لَهُمُ (اَلْعَنانِيَّةُ أصْحابُ عَنانَ بْنِ داوُدَ رَأْسِ الجالُوتِ يُصَدِّقُونَهُ في مَواعِظِهِ وإشاراتِهِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ لَمْ يُخالِفِ التَّوْراةَ البَتَّةَ بَلْ قَرَّرَها ودَعا النّاسَ إلَيْها، وإنَّهُ مِنَ المُسْتَجِيبِينَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِن بَنِي إسْرائِيلَ المُتَعَبِّدِينَ ولَيْسَ بِرَسُولٍ ولا نَبِيٍّ، ويَقُولُونَ: إنَّ سائِرَ اليَهُودِ ظَلَمُوهُ حَيْثُ كَذَّبُوهُ أوَّلًا ولَمْ يَعْرِفُوا مُدَّعاهُ وقَتَلُوهُ آخَرًا ولَمْ يَعْرِفُوا مَرامَهُ ومَغْزاهُ) نَعَمْ مِنَ اليَهُودِ فِرْقَةٌ يُقالُ لَهُمُ العِيسَوِيَّةُ أصْحابُ أبِي عِيسى إسْحَقَ بْنِ يَعْقُوبَ الأصْفَهانِيِّ الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُهم (بِعَرْقِيدَ الوَهِيمِ) يَزْعُمُونَ: أنَّ لِلَّهِ تَعالى رَسُولًا بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُسَمّى المَسِيحُ إلّا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ ويَدَّعُونَ أنَّ لَهُ خَمْسَةً مِنَ الرُّسُلِ يَأْتُونَ قَبْلَهُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ وأنَّ صاحِبَهم هَذا، أحَدُ رُسُلِهِ وكُلٌّ مِن هَذِهِ الأقْوالِ بَعِيدٌ عَمّا اِدَّعاهُ صاحِبُ القِيلِ بِمَراحِلَ ولَعَلَّهُ وجَدَ ما يُوافِقُ دَعْواهُ، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ.

هَذا واخْتُلِفَ في زَمَنِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقِيلَ: في الصِّبا وهو اِبْنُ ثَلاثِ سِنِينَ، وفي «اَلْبَحْرِ»: أنَّ الوَحْيَ أتاهُ بَعْدَ البُلُوغِ وهو اِبْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثَ سِنِينَ، قِيلَ: وثَلاثَةَ أشْهُرٍ وثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رُفِعَ إلى السَّماءِ وهو القَوْلُ المَشْهُورُ، وفِيهِ أنَّ أوَّلَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ يُوسُفُ، وقِيلَ: مُوسى وآخِرُهم عِيسى عَلى سائِرِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ، وقَرَأ اليَزِيدِيُّ (ورَسُولٍ) بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (كَلِمَةٍ) أيْ يُبَشِّرُكَ بِكَلِمَةٍ وبِرَسُولٍ.

﴿ أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ مَعْمُولٌ لِ (رَسُولًا) لِما فِيهِ مِن مَعْنى النُّطْقِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ مَعْمُولًا لِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ (رَسُولًا) أيْ رَسُولًا ناطِقًا أوْ مُخْبِرًا بِأنِّي، وكَوْنُهُ بَدَلًا مِن (رَسُولًا) إذا جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا أيْ ونُعَلِّمُهُ أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى تَقْدِيرِ المَصْدَرِيَّةِ أيْضًا، أيْ هو أنِّي، فالمُنْسَبِكُ إمّا في مَحَلِّ جَرٍّ أوْ نَصْبٍ أوْ رَفْعٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِآيَةٍ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُحْتَجًّا أوْ مُتَلَبِّسًا بِآيَةٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِ (جِئْتُكُمْ) والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ دُونَ الوَحْدَةِ لِظُهُورِ ما يُنافِيها، وقُرِئَ (بِآياتٍ).

﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِآيَةٍ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِ (جِئْتُ)، و(مِن) في التَّقْدِيرَيْنِ لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَأْكِيدِ إيجابِ الِامْتِثالِ لِما سَيَأْتِي مِنَ الأوامِرِ، أوْ لِأنَّ وصْفَ الرُّبُوبِيَّةِ يُناسِبُ حالَ الإرْسالِ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ أوْ مِن (آيَةٍ) أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ أيْ أعْنِي، أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: هي أنِّي الخ؛ وقَرَأ نافِعٌ (إنِّي) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمُرادُ بِالخَلْقِ التَّصْوِيرُ والإبْرازُ عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ لا الإيجادُ مِنَ العَدَمِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ذِكْرُ المادَّةِ، والهَيْئَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المُهَيَّأِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وقِيلَ: إنَّها اِسْمٌ لِحالِ الشَّيْءِ ولَيْسَتْ مَصْدَرًا وإنَّما المَصْدَرُ الهَيْءُ والتَّهَيُّؤُ فَهي عَلى الأوَّلِ: جَوْهَرٌ، وعَلى الثّانِي: عَرَضٌ، وفَسَّرُوها بِالكَيْفِيَّةِ الحاصِلَةِ مِن إحاطَةِ الحَدِّ الواحِدِ أوِ الحُدُودِ بِالجِسْمِ، والمَعْنى أنِّي أُقَدِّرُ لِأجْلِ تَحْصِيلِ إيمانِكم ودَفْعِ تَكْذِيبِكم إيّايَ مِنَ الطِّينِ شَيْئًا مِثْلَ الطَّيْرِ المُهَيَّأِ أوْ هَيْئَةً كائِنَةً كَهَيْئَتِهِ، والكافُ إمّا اِسْمٌ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو الحَسَنِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ (أخْلُقُ) أوْ نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ لَهُ، وإمّا حَرْفٌ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا أيْضًا لَمّا وقَعَ هو نَعْتًا لَهُ عَلى تَقْدِيرِ الِاسْمِيَّةِ.

وقَرَأ يَزِيدٌ وحَمْزَةُ (كَهَيَّةِ) بِتَشْدِيدِ الياءِ، وكانَ اِبْنُ المُقْسِمِ يَقُولُ: بَلَغَنِي أنَّ خَلَفًا يَقُولُ: إنَّ حَمْزَةَ يَتْرُكُ الهَمْزَةَ ويُحَرِّكُ الياءَ بِحَرَكَتِها، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ ويَعْقُوبٌ (اَلطّائِرِ) ومِثْلُهُ في المائِدَةِ.

﴿ فَأنْفُخُ فِيهِ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْهَيْئَةِ المُقَدَّرَةِ في نَظْمِ الكَلامِ لَكِنْ بِمَعْنى الشَّيْءِ المُهَيَّأِ لا بِمَعْنى العَرَضِ القائِمِ بِهِ، إذْ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحَلًّا لِلنَّفْخِ، وذُكِرَ الضَّمِيرُ هُنا مُراعاةً لِلْمَعْنى كَما أُنِّثَ في المائِدَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ، قِيلَ: وصَحَّ هَذا لِعَدَمِ الإلْباسِ، ووَقَعَ في كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْكافِ بِناءً عَلى أنَّها اِسْمٌ، ويَعُودُ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ إلى عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى المَوْصُوفِ بِها، واعْتَرَضَهُ اِبْنُ هِشامٍ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَما زَعَمُوا لِسُمِعَ في الكَلامِ مَرَرْتُ بِ كالأسَدِ وبَعْضُهم بِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلَيْها غَيْرُ مَعْهُودٍ، وقُرِئَ فِيها.

﴿ فَيَكُونُ طَيْرًا ﴾ حَيًّا طَيّارًا كَسائِرِ الطُّيُورِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ (فَتَكُونُ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ، ويَعْقُوبٌ وأبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ (طائِرًا) .

﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (يَكُونُ) أوْ بِ (طِيرًا) والمُرادُ بِأمْرِ اللَّهِ، وأشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّ إحْياءَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَكِنْ بِسَبَبِ النَّفْخِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِخُصُوصِيَّةٍ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهي تَكَوُّنُهُ مِن نَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو رُوحٌ مَحْضٌ كَما قِيلَ بَلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الإحْياءَ بِنَفْخِ أيِّ شَخْصٍ كانَ لَكانَ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ ولا اِسْتِعْصاءٍ، قِيلَ: وفي هَذِهِ المُعْجِزَةِ مُناسِبَةٌ لِخَلْقِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، واخْتُلِفَ هَلْ كانَ ذَلِكَ بِطَلَبٍ واقْتِراحٍ أمْ لا؟

فَذَهَبَ المُعْظَمُ إلى الأوَّلِ، قالُوا: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ طَلَبُوا مِنهُ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ جَرْيًا عَلى عادَتِهِمْ مَعَ أنْبِيائِهِمْ أنْ يَخْلُقَ لَهم خُفّاشًا فَلَمّا فَعَلَ قالُوا: ساحِرٌ، وإنَّما طَلَبُوا هَذا النَّوْعَ دُونَ غَيْرِهِ لِأنَّهُ أكْمَلُ الطَّيْرِ خَلْقًا وأبْلَغُ دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ لِأنَّ لَهُ نابًا وأسْنانًا، ويَحِيضُ ويَلِدُ ويَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، ولَهُ آذانٌ وثَدْيٌ وضَرْعٌ ويَخْرُجُ مِنهُ اللَّبَنُ، ويَرى ضاحِكًا كَما يَضْحَكُ الإنْسانُ، ولا يُبْصِرُ في ضَوْءِ النَّهارِ، ولا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وإنَّما يَرى في ساعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ساعَةً وبَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ساعَةً قَبْلَ أنْ يُسْفِرَ جِدًّا، والمَشْهُورُ أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الخُفّاشِ، وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، قالَ وهْبٌ: كانَ يَطِيرُ ما دامَ النّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَإذا غابَ عَنْ أعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّزَ عَنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى بِلا واسِطَةٍ، وقِيلَ: خَلَقَ أنْواعًا مِنَ الطَّيْرِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ إسْحَقَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ جَلَسَ يَوْمًا مَعَ غِلْمانٍ مِنَ الكِتابِ فَأخَذَ طِينًا، ثُمَّ قالَ: أجْعَلُ لَكم مِن هَذا الطِّينِ طائِرًا؟

قالُوا: أوَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟

قالَ: نَعَمْ بِإذْنِ رَبِّي، ثُمَّ هَيَّأهُ حَتّى إذا جَعَلَهُ في هَيْئَةِ الطّائِرِ نَفَخَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: كُنْ طائِرًا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَخَرَجَ يَطِيرُ مِن بَيْنِ كَفَّيْهِ، وخَرَجَ الغِلْمانُ بِذَلِكَ مِن أمْرِهِ فَذَكَرُوهُ لِمُعَلِّمِهِمْ وأفْشَوْهُ في النّاسِ.

﴿ وأُبْرِئُ الأكْمَهَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ أخْلُقُ ﴾ فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ (إنِّي) والأكْمَهُ هو الَّذِي وُلِدَ أعْمى، أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنْهُ أنَّهُ المَمْسُوحُ العَيْنِ الَّذِي لَمْ يُشَقُّ بَصَرُهُ ولَمْ يُخْلَقْ لَهُ حَدَقَةٌ، قِيلَ ولَمْ يَكُنْ في صَدْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ أكْمَهُ بِهَذا المَعْنى غَيْرَ قَتادَةَ بْنِ دِعامَةَ السُّدُوسِيِّ صاحِبِ «اَلتَّفْسِيرِ»، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ الأعْمَشُ، أيْ: أُخَلِّصُ الأكْمَهَ مِنَ الكَمَهِ.

﴿ والأبْرَصَ ﴾ وهو الَّذِي بِهِ الوَضَحُ المَعْرُوفُ، وتَخْصِيصُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لِأنَّهُما أمْرانِ مُعْضِلانِ أعْجَزا الأطِبّاءَ، وكانُوا في غايَةِ الحَذاقَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ في زَمَنِهِ، ولِهَذا أراهُمُ اللَّهُ تَعالى المُعْجِزَةَ مَن جِنْسِ الطِّبِّ كَما أرى قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المُعْجِزَةَ بِالعَصا واليَدِ البَيْضاءِ حَيْثُ كانَ الغالِبُ عَلَيْهِمُ السِّحْرَ، والعَرَبُ المُعْجِزَةَ بِالقُرْآنِ حَيْثُ كانَ الغالِبُ عَلَيْهِمْ عَصْرَ رَسُولِ اللَّهِ  البَلاغَةَ، والِاقْتِصارُ عَلى هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُما فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أبْرَأ أيْضًا غَيْرَهُما، ورُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ رُبَّما اِجْتَمَعَ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَرْضى خَمْسُونَ ألْفًا مَن أطاقَ مِنهم أنْ يَبْلُغَهُ بَلَغَهُ، ومَن لَمْ يُطِقْ ذَلِكَ مِنهم أتاهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَمَشى إلَيْهِ، وكانَ يُداوِيهِمْ بِالدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى بِشَرْطِ الإيمانِ وكانَ دُعاؤُهُ الَّذِي يَدْعُو بِهِ لِلْمَرْضى والزَّمْنى والعُمْيانِ والمَجانِينِ وغَيْرِهِمْ: "اَللَّهُمَّ أنْتَ إلَهُ مَن في السَّماءِ وإلَهُ مَن في الأرْضِ لا إلَهَ فِيهِما غَيْرُكَ، وأنْتَ جَبّارُ مَن في السَّماءِ وجَبّارُ مَن في الأرْضِ لا جَبّارَ فِيهِما غَيْرُكَ، وأنْتَ مَلِكُ مَن في السَّماءِ ومَلِكُ مَن في الأرْضِ لا مَلِكَ فِيهِما غَيْرُكَ، قُدْرَتُكَ في الأرْضِ كَقُدْرَتِكَ في السَّماءِ وسُلْطانُكَ في الأرْضِ كَسُلْطانِكَ في السَّماءِ أسْألُكَ بِاسْمِكَ الكَرِيمِ ووَجْهِكَ المُنِيرِ ومُلْكِكَ القَدِيمِ، إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، ومِن خَواصِّ هَذا الدُّعاءِ كَما قالَ وهْبٌ أنَّهُ إذا قُرِئَ عَلى الفَزِعِ والمَجْنُونِ وكُتِبَ لَهُ وسُقِيَ مِنهُ نَفَعَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

﴿ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى خَبَرِ (إنِّي)، وقُيِّدَ الإحْياءُ بِالإذْنِ كَما فُعِلَ في الأوَّلِ لِأنَّهُ خارِقٌ عَظِيمٌ يَكادُ يُتَوَهَّمُ مِنهُ أُلُوهِيَّةُ فاعِلِهِ، لِأنَّهُ لَيْسَ مِن جِنْسِ أفْعالِ البَشَرِ وكانَ إحْياؤُهُ بِالدُّعاءِ وكانَ دُعاؤُهُ يا حَيُّ يا قَيُّومُ، وخَبَرُ ««إنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُحْيِي المَوْتى صَلّى رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ في الأُولى: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ﴾ ، وفي الثّانِيَةِ: تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، فَإذا فَرَغَ مَدَحَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ دَعا بِسَبْعَةِ أسْماءٍ: يا قَدِيمُ، يا خَفِيُّ، يا دائِمُ، يا فَرْدُ، يا وِتْرُ، يا أحَدُ، يا صَمَدُ»» قالَ البَيْهَقِيُّ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُحْيِي مَيِّتًا ضَرَبَ بِعَصاهُ المَيِّتَ أوِ القَبْرَ أوِ الجُمْجُمَةَ فَيَحْيا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى ويُكَلِّمُهُ ويَمُوتُ سَرِيعًا.

وأخْرَجَ مُحْيِي السُّنَّةِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قَدْ أحْيا عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعَةَ أنْفُسٍ: عازِرَ، وابْنَ العَجُوزِ، وابْنَةَ العاشِرِ، وِسامَ بْنَ نُوحٍ، فَأما عازِرٌ فَكانَ صَدِيقًا لَهُ فَأرْسَلَتْ أُخْتُهُ إلى عِيسى أنَّ أخاكَ عازِرَ ماتَ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عازِرَ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ فَأتاهُ هو وأصْحابُهُ فَوَجَدُوهُ قَدْ ماتَ مُنْذُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَقالَ لِأُخْتِهِ: اِنْطَلِقِي بِنا إلى قَبْرِهِ فانْطَلَقَتْ مَعَهم إلى قَبْرِهِ فَدَعا اللَّهَ تَعالى عِيسى فَقامَ عازِرُ ووَدَكُهُ يَقْطُرُ فَخَرَجَ مِن قَبْرِهِ، وبَقِيَ زَمانًا ووُلِدَ لَهُ، وأمّا اِبْنُ العَجُوزِ فَمَرَّ بِهِ مَيِّتًا عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سَرِيرٍ يُحْمَلُ فَدَعا اللَّهَ تَعالى عِيسى فَجَلَسَ عَلى سَرِيرِهِ ونَزَلَ عَنْ أعْناقِ الرِّجالِ ولَبِسَ ثِيابَهُ وحَمَلَ السَّرِيرَ عَلى عُنُقِهِ ورَجَعَ إلى أهْلِهِ فَبَقِيَ زَمانًا ووُلِدَ لَهُ، وأمّا اِبْنَةُ العاشِرِ فَكانَ أبُوها رَجُلًا يَأْخُذُ العُشُورَ ماتَتْ لَهُ بِنْتُ الأمْسِ فَدَعا اللَّهَ تَعالى وأحْياها وبَقِيَتْ زَمانًا ووُلِدَ لَها، وأمّا سامُ بْنُ نُوحٍ فَإنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ إلى قَبْرِهِ فَدَعا بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمِ فَخَرَجَ مِن قَبْرِهِ وقَدْ شابَ نِصْفُ رَأْسِهِ خَوْفًا مِن قِيامِ السّاعَةِ ولَمْ يَكُونُوا يَشِيبُونَ في ذَلِكَ الزَّمانِ فَقالَ: أقَدْ قامَتِ السّاعَةُ؟

قالَ: لا، ولَكِنْ دَعَوْتُكَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمِ ثُمَّ قالَ لَهُ: مُتْ، قالَ: بِشَرْطِ أنْ يُعِيذَنِي اللَّهُ تَعالى مِن سَكَراتِ المَوْتِ فَدَعا اللَّهَ تَعالى لَهُ فَفَعَلَ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ إحْياءَهُ سامًا كانَ بَعْدَ قَوْلِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّكَ تُحْيِي مَن كانَ قَرِيبَ العَهْدِ مِنَ المَوْتِ ولَعَلَّهم لَمْ يَمُوتُوا بَلْ أصابَتْهم سَكْتَةٌ فَأحْيِ لَنا سامَ بْنِ نُوحٍ فَأحْياهُ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَوْتِهِ أكْثَرُ مِن أرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ، فَقالَ لِلْقَوْمِ: صَدِّقُوهُ فَإنَّهُ نَبِيٌّ فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَذَّبَهُ آخَرُونَ، فَقالُوا: هَذا سِحْرٌ فَأرِنا آيَةً فَنَبَّأهم بِما يَأْكُلُونَ وما يَدَّخِرُونَ، وقَدْ ورَدَ أيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحْيا اِبْنَ مَلِكٍ لِيَسْتَخْلِفَهُ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، وأحْيا خَشْفًا وشاةً وبَقَرَةً، ولَفْظُ ﴿ المَوْتى ﴾ يَعُمُّ كُلَّ ذَلِكَ.

﴿ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ ﴾ (ما) في المَوْضِعَيْنِ مَوْصُولَةٌ، أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ تَأْكُلُونَهُ وتَدَّخِرُونَهُ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ ولَيْسَ مِن بابِ التَّنازُعِ، والِادِّخارُ الخَبْءُ، وأصْلُ تَدَّخِرُونَ تَذْتَخِرُونَ بِذالٍ مُعْجَمَةٍ فَتاءٍ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ ذالًا ثُمَّ أُبْدِلَتِ الذّالُ دالًا وأُدْغِمَتْ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقْلِبُ التّاءَ دالًا ويُدْغِمُ، وقَدْ كانَ هَذا الإخْبارُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وإحْيائِهِ المَوْتى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما في بَعْضِ الأخْبارِ، وقِيلَ: قَبْلُ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ قالَ: كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو غُلامٌ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ يَقُولُ لِأحَدِهِمْ: تُرِيدُ أنْ أُخْبِرَكَ ما خَبَّأتْ لَكَ أُمُّكَ؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيَقُولُ: خَبَّأتْ لَكَ كَذا وكَذا، فَيَذْهَبُ الغُلامُ مِنهم إلى أُمِّهِ، فَيَقُولُ لَها: أطْعِمِينِي ما خَبَّأْتِ لِي، فَتَقُولُ: وأيُّ شَيْءٍ خَبَّأْتُ لَكَ؟

فَيَقُولُ: كَذا وكَذا، فَتَقُولُ: مَن أخْبَرَكَ؟!

فَيَقُولُ: عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ، فَقالُوا: واَللَّهِ لَإنْ تَرَكْتُمْ هَؤُلاءِ الصِّبْيانَ مَعَ عِيسى لَيُفْسِدَنَّهم فَجَمَعُوهم في بَيْتٍ وأغْلَقُوهُ عَلَيْهِمْ فَخَرَجَ عِيسى يَلْتَمِسُهم فَلَمْ يَجِدْهم حَتّى سَمِعَ ضَوْضاهم في بَيْتٍ فَسَألَ عَنْهُمْ، فَقالَ: ما هَؤُلاءِ أكانَ هَؤُلاءِ الصِّبْيانَ؟

قالُوا: لا، إنَّما هي قِرَدَةٌ وخَنازِيرُ، قالَ: اللَّهُمَّ اِجْعَلْهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، فَكانُوا كَذَلِكَ، وذَهَبَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ نُزُولِ المائِدَةِ وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ ﴾ مِنَ المائِدَةِ ﴿ وما تَدَّخِرُونَ ﴾ مِنها، وكانَ أخَذَ عَلَيْهِمْ في المائِدَةِ حِينَ نَزَلَتْ أنْ يَأْكُلُوا ولا يَدَّخِرُوا فادَّخَرُوا وخانُوا فَجُعِلُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ وعَلى سائِرِ التَّقادِيرِ، فالمُرادُ الإخْبارُ بِخُصُوصِيَّةِ هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ كَما يُشْعِرُ بِهِ الظّاهِرُ، وقِيلَ: المُرادُ الإخْبارُ بِالمَغِيباتِ إلّا أنَّهُ قَدِ اِقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ أمْرَيْنِ مِنها، ولَعَلَّ وجْهَ تَخْصِيصِ الإخْبارِ بِأحْوالِهِمْ لِتَيَقُّنِهِمْ بِها فَلا يَبْقى لَهم شُبْهَةٌ، والسِّرُّ في ذِكْرِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ بِخُصُوصِهِما أنَّ غالِبَ سَعْيِ الإنْسانِ وصَرْفِ ذِهْنِهِ لِتَحْصِيلِ الأكْلِ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ والِادِّخارِ الَّذِي يَطْمَئِنُّ بِهِ أكْثَرُ القُلُوبِ ويَسْكُنُ مِنهُ غالِبُ النُّفُوسِ، فَلْيُفْهَمْ.

وقُرِئَ (تَذْخَرُونَ) بِالذّالِ المُعْجَمَةِ والتَّخْفِيفِ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيِ المَذْكُورِ مِنَ الخَوارِقِ الأرْبَعَةِ العَظِيمَةِ، وهَذا مِن كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى سِيقَ لِلتَّوْبِيخِ ﴿ لآيَةً ﴾ أيْ جِنْسَها، وقُرِئَ لَآياتٍ، (لَكُمْ) دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ الرِّسالَةِ دَلالَةً واضِحَةً حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِتَخَلُّلِ آلاتٍ وتَوَسُّطِ أسْبابٍ عادِيَّةٍ كَما يَفْعَلُهُ الأطِبّاءُ والمُنَجِّمُونَ.

ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ عِلْمَ الجَفْرِ وعِلْمَ الفَلَكِ ونَحْوَهُما لَمّا كانَتْ مَقْرُونَةً بِأُصُولٍ وضَوابِطَ لا يُقالُ عَنْها إنَّها عِلْمُ غَيْبٍ أبَدًا، إذْ عِلْمُ الغَيْبِ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ مُجَرَّدًا عَنِ المَوادِّ والوَسائِطِ الكَوْنِيَّةِ، وهَذِهِ العُلُومُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِأنَّها مُرَتَّبَةٌ عَلى قَواعِدَ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ أهْلِها لَوْلاها ما عُلِمَتْ تِلْكَ العُلُومُ، ولَيْسَ ذَلِكَ كالعِلْمِ بِالوَحْيِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ بَلِ اللَّهُ تَعالى يَخْتَصُّ بِهِ مَن يَشاءُ، وكَذا العِلْمُ بِالإلْهامِ فَإنَّهُ لا مادَّةَ لَهُ إلّا المَوْهِبَةُ الإلَهِيَّةُ والمِنحَةُ الأزَلِيَّةُ، عَلى أنَّ بَعْضَهم ذَهَبَ إلى أنَّ تِلْكَ العُلُومَ لا يَحْصُلُ بِها العَلَمُ المُقابِلُ لِلظَّنِّ بَلْ نِهايَةُ ما يَحْصُلُ الظَّنُّ الغالِبُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ عِلْمِ الغَيْبِ بَوْنٌ بَعِيدٌ، وسَيَأْتِي لِهَذا تَتِمَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ فِيهِ مَجازُ المُشارَفَةِ أيْ إنْ كُنْتُمْ مُوَفَّقِينَ لِلْإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَحْذُوفٌ، أيِ اِنْتَفَعْتُمْ بِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠

﴿ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ﴾ عَطْفُ إمّا عَلى المُضْمَرِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِآيَةٍ ﴾ أيْ قَدْ جِئْتُكم مُحْتَجًّا أوْ مُتَلَبِّسًا بِآيَةٍ الخ ومُصَدِّقًا لِما الخ، وإمّا عَلى ”رَسُولًا“ وفِيهِ مَعْنى النُّطْقِ مِثْلَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ أيْ وجِئْتُكم مُصَدِّقًا الخ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنَ التَّوْراةِ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ، أوِ الظَّرْفُ نَفْسُهُ لِقِيامِهِ مَقامَ الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (ما) فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ ”مُصَدِّقًا“ ومَعْنى تَصْدِيقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّوْراةِ الإيمانُ بِأنَّ جَمِيعَ ما فِيها حِكْمَةٌ وصَوابٌ، وقِيلَ: إنَّ تَصْدِيقَهُ لَها مَجِيئُهُ رَسُولًا طِبْقَ ما بَشَّرَتْ بِهِ ﴿ ولأُحِلَّ لَكُمْ ﴾ مَعْمُولٌ لِمُقَدَّرٍ بَعْدَ الواوِ أيْ وجِئْتُكم لِأُحِلَّ، فَهو مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ بِآيَةٍ ﴾ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ جِئْتُكم بِآيَةٍ ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى لِأُظْهِرَ لَكم آيَةً ولِأُحِلَّ فَلا يَرِدُ أنَّهُ لا يَصِحُّ عَطْفُ المَفْعُولِ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ”مُصَدِّقًا“ ويُلْتَزَمُ التَّأْوِيلُ بِما يَجْعَلُهُما مِن بابٍ واحِدٍ، وإنْ كانَ الأوَّلُ حالًا، والثّانِي مَفْعُولًا لَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: جِئْتُكم لِأُصَدِّقَ ولِأُحِلَّ، وقِيلَ: لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ جِئْتُكم فِيها كُلِّها إذْ لا يُعْطَفُ نَوْعٌ مِنَ المَعْمُولاتِ عَلى نَوْعٍ آخَرَ.

﴿ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّهُ قالَ: كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألِينَ مِمّا جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِما فِيما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لُحُومُ الإبِلِ والثُّرُوبِ فَأحَلَّها لَهم عَلى لِسانِ عِيسى وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ شُحُومُ الإبِلِ فَأُحِلَّتْ لَهم فِيما جاءَ بِهِ عِيسى، وفي أشْياءَ مِنَ السَّمَكِ، وفي أشْياءَ مِنَ الطَّيْرِ مِمّا لا صِيصِيَةَ لَهُ، وفي أشْياءَ أُخَرَ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيها، فَجاءَ عِيسى بِالتَّخْفِيفِ مِنهُ في «اَلْإنْجِيلِ»، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.

وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ «اَلْإنْجِيلَ» مُشْتَمِلٌ عَلى أحْكامٍ تُغايِرُ ما في «اَلتَّوْراةِ» وأنَّ شَرِيعَةَ عِيسى نَسَخَتْ بَعْضَ شَرِيعَةِ مُوسى، ولا يَخِلُّ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ فَإنَّ النَّسْخَ بَيانٌ لِانْتِهاءِ زَمانِ الحُكْمِ الأوَّلِ لا رَفْعَ وإبْطالَ كَما تَقَرَّرَ، وهَذا مِثْلُ نَسْخِ القُرْآنِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ «اَلْإنْجِيلَ» لَمْ يَخُصَّ أحْكامًا ولا حَوى حَلالًا وحَرامًا ولَكِنَّهُ رُمُوزٌ وأمْثالٌ ومَواعِظُ وزَواجِرُ، وما سِوى ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ فَمُحالَةٌ عَلى «اَلتَّوْراةِ»، وإلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَنْسَخْ شَيْئًا مِمّا في «اَلتَّوْراةِ»، وكانَ يَسْبِتُ ويُصَلِّي نَحْوَ البَيْتِ المُقَدَّسِ، ويُحَرِّمُ لَحْمَ الخِنْزِيرِ، ويَقُولُ بِالخِتانِ إلّا أنَّ النَّصارى غَيَّرُوا ذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِهِ فاِتَّخَذُوا يَوْمَ الأحَدِ بَدَلَ يَوْمِ السَّبْتِ لِما أنَّهُ أوَّلُ يَوْمٍ في الأُسْبُوعِ ومَبْدَأُ الفَيْضِ، وصَلُّوا نَحْوَ المَشْرِقِ لِما تَقَدَّمَ، وحَمَلُوا الخِتانَ عَلى خِتانِ القَلْبِ وقَطْعِهِ عَنِ العَلائِقِ الدُّنْيَوِيَّةِ والعَوائِقِ عَنِ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ وأحَلُّوا لَحْمَ الخِنْزِيرِ، مَعَ أنَّ مُرْقُسَ حَكى في «إنْجِيلِهِ» أنَّ المَسِيحَ أتْلَفَ الخِنْزِيرَ وغَرَّقَ مِنهُ في البَحْرِ قَطِيعًا كَبِيرًا وقالَ لِتَلامِذَتِهِ: لا تُعْطُوا القُدْسَ الكِلابَ ولا تُلْقُوا جَواهِرَكم قُدّامَ الخَنازِيرِ فَقَرَنَها بِالكِلابِ، وسَبَبُ ذَلِكَ زَعْمُهم أنَّ بُطْرُسَ رَأى في النَّوْمِ صَحِيفَةً نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، وفِيها صُوَرُ الحَيَواناتِ وصُورَةُ الخِنْزِيرِ، وقِيلَ لَهُ: يا بُطْرُسُ كُلْ مِنها ما أحْبَبْتَ ونُسِبَ هَذا القَوْلُ إلى وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، والذّاهِبُونَ إلَيْهِ أوَّلُوا الآيَةَ بِأنَّ المُرادَ ما حَرَّمَهُ عُلَماؤُهم تَشَهِّيًا أوْ خَطَأً في الِاجْتِهادِ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأنَّ المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في «اَلْإنْجِيلِ»: ما جِئْتُ لِأُبْطِلَ التَّوْراةَ بَلْ جِئْتُ لِأُكْمِلَها.

ولا يَخْفى أنَّ تَأْوِيلَ الآيَةِ بِما أوَّلُوهُ بِهِ بِعِيدٌ في نَفْسِهِ، ويَزِيدُهُ بُعْدًا أنَّهُ قُرِئَ (حَرَّمَ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ ما ﴿ بَيْنَ يَدَيَّ ﴾ أوِ اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ أيْضًا (حَرُمَ) بِوَزْنِ كَرُمَ، وأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِن كَلامِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُنافِي النَّسْخَ لِما عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ بِإبْطالٍ وإنَّما هو بَيانٌ لِانْتِهاءِ الحُكْمِ الأوَّلِ، ومَعْنى التَّكْمِيلِ ضَمُّ السِّياسَةِ الباطِنَةِ الَّتِي جاءَ بِها إلى السِّياسَةِ الظّاهِرَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما قِيلَ، أوْ نَسْخُ بَعْضِ أحْكامِ التَّوْراةِ بِأحْكامٍ هي أوْفَقُ بِالحِكْمَةِ وأوْلى بِالمَصْلَحَةِ وأنْسَبُ بِالزَّمانِ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُ المَسِيحِ حُجَّةً لِلْأوَّلِينَ لا عَلَيْهِمْ، ولَعَلَّ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي العِرْفانِ.

﴿ وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في نَظِيرِهِ، وقُرِئَ (بِآياتٍ)، ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في عَدَمِ قَبُولِ ما جِئْتُكم بِهِ ﴿ وأطِيعُونِ  ﴾ فِيما آمُرُكم بِهِ وأنْهاكم [عَنْهُ] بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۗ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ ٥١

﴿ إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ  ﴾ بَيانٌ لِلْآيَةِ المَأْتِيِّ بِها عَلى مَعْنى هي قَوْلِي: إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ، ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ مِمّا أجْمَعَ الرُّسُلُ عَلى حَقِّيَّتِهِ ودَعَوُا النّاسَ إلَيْهِ كانَ آيَةً دالَّةً عَلى رِسالَتِهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالآيَةِ عَلى هَذا المُعْجِزَةَ لِيَرِدَ أنَّ مِثْلَ هَذا القَوْلِ قَدْ يَصْدُرُ عَنْ بَعْضِ العَوامِّ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ النُّبُوَّةِ بِالمُعْجِزَةِ كانَ هَذا القَوْلُ لِكَوْنِهِ طَرِيقَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلامَةً لِنُبُوَّتِهِ تَطْمَئِنُّ بِهِ النُّفُوسُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنَ الآيَةِ المُعْجِزَةُ عَلى طُرُزِ ما مَرَّ، ويُقالُ: إنَّ حُصُولَ المَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ والِاهْتِداءِ لِلطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ في الِاعْتِقاداتِ والعِباداتِ عَمَّنْ نَشَأ بَيْنَ قَوْمٍ غَيَّرُوا دِينَهم وحَرَّفُوا كُتُبَ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلَةَ وقَتَلُوا أنْبِياءَهم ولَمْ يَكُنْ مِمَّنْ تَعَلَّمَ مِن بَقايا أخْبارِهِمْ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ وخَوارِقِ العاداتِ، أوْ يُقالُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في التَّوْراةِ إذا جاءَكم شَخْصٌ مِن نَعْتِهِ كَذا وكَذا يَدْعُوكم إلى كَيْتَ وكَيْتَ فاتَّبَعُوهُ فَإنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إلَيْكُمْ، فَإذا قالَ: أنا الَّذِي ذَكَّرْتُ بِكَذا وكَذا مِنَ النُّعُوتِ كانَ مِن أعْظَمِ الخَوارِقِ، وقُرِئَ (أنَّ اللَّهَ) بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ عَلى أنَّ المُنْسَبِكَ بَدَلٌ مِن (آيَةٍ) أوْ أنَّ المَعْنى: جِئْتُكم بِآيَةٍ دالَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ الخ، ومِثْلُ هَذا مُحْتَمَلٌ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ أيْضًا لَكِنْ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ ﴾ اِعْتِراضًا.

وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ جِئْتُكُمْ ﴾ الأُولى وكُرِّرَتْ لِيَتَعَلَّقَ بِها مَعْنى زائِدٌ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ رَبِّي ﴾ أوْ لِلِاسْتِيعابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ أيْ: جِئْتُكم بِآيَةٍ بَعْدَ أُخْرى مِمّا ذَكَرْتُ لَكم مِن خَلْقِ الطَّيْرِ وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ والإحْياءِ والإنْباءِ بِالمَخْفِيّاتِ ومِن وِلادَتِي بِغَيْرِ أبٍ ومِن كَلامِي في المَهْدِ ونَحْوِ ذَلِكَ، والكَلامُ الأوَّلُ: لِتَمْهِيدِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، والثّانِي: لِتَقْرِيبِها إلى الحُكْمِ وهو إيجابُ حُكْمِ تَقْوى اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِالفاءِ في ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا جِئْتُكم بِالمُعْجِزاتِ الباهِراتِ والآياتِ الظّاهِراتِ فاتَّقُوا اللَّهَ الخ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ ﴾ الخ اِبْتِداءَ كَلامٍ وشُرُوعًا في الدَّعْوَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلٍ مُجْمَلٍ، فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ المُؤَكَّدَةَ بِأنَّ لِلْإشارَةِ إلى اِسْتِكْمالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِالِاعْتِقادِ الحَقِّ الَّذِي غايَتُهُ التَّوْحِيدُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْبُدُوهُ ﴾ إشارَةٌ إلى اِسْتِكْمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَإنَّهُ مُلازِمَةُ الطّاعَةِ الَّتِي هي الإتْيانُ بِالأوامِرِ والِانْتِهاءُ عَنِ المَناهِي.

وتَعْقِيبُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ بِبَيانِ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ الِاعْتِقادُ الحَقُّ، والعَمَلُ الصّالِحُ هو الطَّرِيقُ المَشْهُودُ لَهُ بِالِاسْتِقامَةِ، ومَعْنى قِراءَةِ الفَتْحِ عَلى ما ذُكِرَ لِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ الخ، والإشارَةُ إمّا إلى مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، أوْ إلى الأمْرِ الثّانِي المَعْلُولِ لِلْأمْرِ الأوَّلِ، والتَّنْوِينُ إمّا لِلتَّعْظِيمِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ؛ وجُمْلَةُ (هَذا) الخ عَلى ما قِيلَ: اِسْتِئْنافٌ لِبَيانِ المُتَقَضِّي لِلدَّعْوَةِ.

هَذا والإشارَةُ في هَذِهِ الآياتِ ظاهِرَةٌ كالعِبارَةِ: سِوى أنَّ تَطْبِيقَ ما في الآفاقِ عَلى ما في الأنْفُسِ يَحْتاجُ إلى بَيانٍ، فَنَقُولُ: قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ ﴾ أيْ مَلائِكَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ لِمَرْيَمَ النَّفْسِ الطّاهِرَةِ الزَّكِيَّةِ ﴿ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ ﴾ لِكَمالِ اِسْتِعْدادِكِ ووُفُورِ قابِلِيَّتِكِ ﴿ وطَهَّرَكِ ﴾ عَنِ الرَّذائِلِ والأخْلاقِ الرِّدْيَةِ ﴿ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ ﴾ النُّفُوسِ الشَّهْوانِيَّةِ المُتَدَرِّعَةِ بِجِلْبابِ الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ ﴿ يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ ﴾ أيْ داوِمِي عَلى الطّاعَةِ لَهُ بِالِائْتِمارِ بِما أمَرَ والِانْزِجارِ عَمّا نَهى ﴿ واسْجُدِي ﴾ في مَساجِدِ الذُّلِّ ﴿ وارْكَعِي ﴾ في مَحارِيبِ الخَدُوعِ مَعَ الخاضِعِينَ فَإنَّ في ذَلِكَ إقامَةَ مَراسِمِ العُبُودِيَّةِ وأداءَ حُقُوقِ الرُّبُوبِيَّةِ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: ويَحْسُنُ إظْهارُ التَّجَلُّدِ لِلْعِدا ويَقْبُحُ إلّا العَجْزَ عِنْدَ الحَبائِبِ ﴿ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ أيْ مِن أخْبارِ غَيْبِ وُجُودِكَ ﴿ نُوحِيهِ إلَيْكَ ﴾ يا نَبِيَّ الرُّوحِ ﴿ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ﴾ أيْ لَدى القُوى الرُّوحانِيَّةِ والنَّفْسانِيَّةِ، والمُرادُ ما كُنْتَ مُلْتَفِتًا إلَيْهِمْ بَلْ كُنْتَ في شُغْلٍ شاغِلٍ عَنْهم ﴿ إذْ يُلْقُونَ ﴾ أقْلامَ اِسْتِعْداداتِهِمِ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها صُحُفَ أحْوالِهِمْ وتَوْراةَ أطْوارِهِمْ ويَطْرَحُونَها في بَحْرِ التَّدْبِيرِ ﴿ أيُّهم يَكْفُلُ ﴾ ويُدَبِّرُ ﴿ مَرْيَمَ ﴾ النَّفْسَ بِحَسَبِ رَأْيِهِ ومُقْتَضى طَبْعِهِ ﴿ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ في مَقامِ الصَّدْرِ الَّذِي هو مَحَلُّ اِخْتِصامِ القُوى في طَلَبِ الرِّياسَةِ قَبْلَ الرِّياضَةِ وفي حالِها ﴿ إذْ قالَتِ ﴾ مَلائِكَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ حِينَ غَلَبَتْ ﴿ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ ﴾ بِمُقْتَضى التَّوْجِيهِ إلَيْهِ ﴿ بِكَلِمَةٍ مِنهُ ﴾ جامِعَةٍ لِحُرُوفِ الأكْوانِ وهو القَلْبُ المُحِيطُ بِالعَوالِمِ ﴿ اسْمُهُ المَسِيحُ ﴾ لِأنَّهُ يَمْسَحُكِ بِالنُّورِ، أوْ لِأنَّهُ مُسِحَ بِهِ ﴿ وجِيهًا في الدُّنْيا ﴾ لِتَدْبِيرِهِ أمْرَ المَعاشِ فَيُطِيعُهُ إنْسُ القُوى الظّاهِرَةِ وجِنُّ القُوى الباطِنَةِ، ووَجِيهًا في الآخِرَةِ لِقِيامِهِ بِتَدْبِيرِ المَعادِ فَيُطِيعُهُ مَلَكُوتُ سَماءِ الأرْواحِ، أوْ شَرِيفًا مَرْفُوعًا في الدُّنْيا، وهي عِبارَةٌ عَنْ تَجَلِّي الأفْعالِ، وفي الآخِرَةِ، وهي عِبارَةٌ عَنْ تَجَلِّي الأسْماءِ ﴿ ومِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ أيِ المَعْدُودِينَ مِن جُمْلَةِ مُقَرَّبِي الحَضْرَةِ القابِلَيْنِ لِتَجْلِي الذّاتِ، وفي الخَبَرِ: «ما وسِعَتْنِي أرْضِي ولا سَمائِي ولَكِنْ وسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ».

﴿ ويُكَلِّمُ النّاسَ ﴾ بِما يُرْشِدُهم في مَهْدِ البَدَنِ وقْتَ تَغَذِّيهِ بِلِبانِ السُّلُوكِ إلى مَلِكِ المُلُوكِ ﴿ وكَهْلا ﴾ بالِغًا طَوْرَ شَيْخِ الرُّوحِ وواصِلًا وسَطَ الطَّرِيقِ ﴿ قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ﴾ مِثْلُ هَذا ﴿ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ وهو تَعَجُّبٌ مِن وِلادَتِها ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَرْبِيَةِ مُعَلِّمٍ بِشْرِيٍّ لِما أنَّ العادَةَ جَرَتْ بِأنَّ الوُصُولَ إلى المَقاماتِ العَلِيَّةِ إنَّما هو بِواسِطَةِ شَيْخٍ مُرْشِدٍ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ ويَدْفَعُ الآفاتِ، وقَدْ شاعَ أنَّ الإنْسانَ مَتى سَلَكَ بِنَفْسِهِ ضَلَّ أوْ لَمْ يَفُزْ بِكَثِيرٍ، ومِن كَلامِهِمُ الشَّجَرَةُ الَّتِي تَنْبُتُ بِنَفْسِها لا تُثْمِرُ.

﴿ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ فَلَهُ أنْ يَصْطَفِيَ مَن شاءَ مِن غَيْرِ تَرْبِيَةِ مُرَبٍّ ولا إرْشادِ مُرْشِدٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ الجَذْبَةِ الإلَهِيَّةِ، وهَذا شَأْنُ المُرادِينَ وبَعْضِ المُرِيدِينَ: رُبَّ شَخْصٍ تَقُودُهُ الأقْدارُ ∗∗∗ لِلْمَعالِي وما لِذاكَ اِخْتِيارُ غافِلٌ والسَّعادَةُ اِحْتَضَنَتْهُ ∗∗∗ وهو عَنْها مُسْتَوْحِشٌ نَفّارُ ﴿ ويُعَلِّمُهُ ﴾ بِالتَّعْلِيمِ الإلَهِيِّ الغَنِيِّ عَمّا يَعْهَدُ مِنَ الوَسائِطِ كِتابُ العُلُومِ المَعْقُولَةِ وحُكْمُ الشَّرائِعِ ومَعارِفُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ مِن تَوْراةِ الظّاهِرِ وإنْجِيلِ الباطِنِ، ويَجْعَلُهُ ”رَسُولًا إلى“ الرُّوحانِيِّينَ مِن ﴿ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ الرُّوحِ، قائِلًا: ﴿ أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ مِن عالَمِ الغَيْبِ ﴿ بِآيَةٍ ﴾ عَظِيمَةٍ وهي ﴿ أنِّي أخْلُقُ لَكُمْ ﴾ بِالتَّرْبِيَةِ مِن طِينِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ ﴿ كَهَيْئَةِ ﴾ الطّائِرِ إلى جَنابِ القُدْسِ بِجَناحَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ ﴿ فَأنْفُخُ فِيهِ ﴾ بِنَفْثِ العِلْمِ الإلَهِيِّ ونَفْسِ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ ﴿ فَيَكُونُ طَيْرًا ﴾ أيْ نَفْسًا حَيَّةً طائِرَةً في فَضاءِ الجَمالِ والجَلالِ إلى رِياضِ جَنابِ الحَقِّ سُبْحانَهُ ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الأكْمَهَ ﴾ أيِ الأعْمى المَحْجُوبِ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ عَنْ رُؤْيَةِ نُورِ الأنْوارِ ﴿ والأبْرَصَ ﴾ المُبْتَلى بِأمْراضِ الرَّذائِلِ والعَقائِدِ الفاسِدَةِ الَّتِي أوْجَبَتْ مُخالَفَةَ لَوْنِ بَشَرَتِهِ الفِطْرِيَّةِ ﴿ وأُحْيِي ﴾ مَوْتى الجَهْلِ بِحَياةِ العِلْمِ الحَقِيقِيَّةِ ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ ﴾ أيْ تَتَناوَلُونَ مِنَ الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ ﴿ وما تَدَّخِرُونَ ﴾ في بُيُوتِ نِيّاتِكم مِنَ الآمالِ الَّتِي هي كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ المَذْكُورِ ﴿ لآيَةً لَكُمْ ﴾ نافِعَةً ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، ﴿ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ﴾ تَوْراةِ الظّاهِرِ فَإنَّهُ أحَدُ المَظاهِرِ ﴿ ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ بِسَبَبِ عِنادِكم وقَصْرِكُمُ الحَقَّ عَلى بَعْضِ مَظاهِرِهِ، وأُشِيرَ بِذَلِكَ إلى عِلْمِ الباطِنِ، والمُرادُ مِنَ البَعْضِ إمّا الكُلُّ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ وإمّا ظاهِرُ مَعْناهُ فَيَكُونُ إشارَةً إلى أنَّ مِنَ الباطِنِ ما يَحْرُمُ كَشْفُهُ، فَقَدْ قالَ مَوْلانا زَيْنُ العابِدِينَ: ورُبَّ جَوْهَرِ عَلَمٍ لَوْ أبُوحُ بِهِ ∗∗∗ لَقِيلَ لِي: أنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنا ولا اِسْتَحَلَّ أُناسٌ مُسْلِمُونَ دَمِي ∗∗∗ يَرَوْنَ أقْبَحَ ما يَأْتُونَهُ حَسَنا وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا أبُو حَسَنٍ ∗∗∗ إلى الحُسَيْنِ وأوْصى قَبْلَهُ الحَسَنا ﴿ وجِئْتُكم بِآيَةٍ ﴾ بَعْدَ أُخْرى ﴿ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في مُخالَفَتِي ﴿ وأطِيعُونِ ﴾ فِيما فِيهِ كَمالُ نَشْأتِكم ﴿ إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ ﴾ فَهو الَّذِي يُوصِلُكم إلى ما فِيهِ كَمالِكم ﴿ فاعْبُدُوهُ ﴾ بِالذُّلِّ والِانْكِسارِ والوُقُوفِ عَلى بابِهِ بِالعَجْزِ والِافْتِقارِ، وامْتَثِلُوا أمْرَهُ ونَهْيَهُ ﴿ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ يُوصِلُكم إلَيْهِ ويُفِدُ بِكم عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٥٢

﴿ فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَآلِ أحْوالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلَّهُ مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ شَرْحًا لِطَرَفٍ مِنها داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ورَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ولا يَكُونُ ﴿ أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، ولا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ ويَكُونُ المَحْذُوفُ هُناكَ فَجاءَ عِيسى كَما بَشَّرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمُ الآيَةَ، والفاءُ هُنا مُفْصِحَةٌ بِمِثْلِ المُقَدَّرِ هُناكَ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي، وأصْلُ الإحْساسِ الإدْراكُ بِإحْدى الحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ وقَدِ اُسْتُعِيرَ هُنا اِسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِلْعِلْمِ بِلا شُبْهَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ ذَلِكَ مِن بابِ ذِكْرِ المَلْزُومِ وإرادَةِ اللّازِمِ، والدّاعِي لِذَلِكَ أنَّ الكُفْرَ مِمّا لا يُحَسُّ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ إحْساسُ آثارِ الكُفْرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والمُرادُ مِنَ الكُفْرِ إصْرارُهم عَلَيْهِ وعُتُوُّهم فِيهِ مَعَ العَزِيمَةِ عَلى إيقاعِ مَكْرُوهٍ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَقِيَ مِنَ اليَهُودِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى شَدائِدَ كَثِيرَةً.

أخْرَجَ إسْحَقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «كانَ اليَهُودُ يَجْتَمِعُونَ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَسْتَهْزِءُونَ بِهِ ويَقُولُونَ لَهُ: يا عِيسى ما أكَلَ فُلانٌ البارِحَةَ وما اِدَّخَرَ في بَيْتِهِ لِغَدٍ؟!

فَيُخْبِرُهم ويَسْخَرُونَ مِنهُ حَتّى طالَ ذَلِكَ بِهِ وبِهِمْ، وكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لَهُ قَرارٌ ولا مَوْضِعٌ يُعْرَفُ، إنَّما هو سائِحٌ في الأرْضِ، فَمَرَّ ذاتَ يَوْمٍ بِاِمْرَأةٍ قاعِدَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وهي تَبْكِي فَسَألَها، فَقالَتْ: ماتَتِ اِبْنَةٌ لِي لَمْ يَكُنْ لِي ولَدٌ غَيْرُها فَصَلّى عِيسى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نادى يا فُلانَةُ قُومِي بِإذْنِ الرَّحْمَنِ فاخْرُجِي فَتَحَرَّكَ القَبْرُ، ثُمَّ نادى الثّانِيَةَ فانْصَدَعَ القَبْرُ، ثُمَّ نادى الثّالِثَةَ فَخَرَجَتْ وهي تَنْفُضُ رَأْسَها مِنَ التُّرابِ فَقالَتْ: يا أُمّاهُ ما حَمَلَكِ عَلى أنْ أذُوقَ كَرْبَ المَوْتِ مَرَّتَيْنِ؟

يا أُمّاهُ اِصْبِرِي واحْتَسِبِي فَلا حاجَةَ لِي في الدُّنْيا، يا رُوحَ اللَّهِ سَلْ رَبِّي أنْ يَرُدَّنِي إلى الآخِرَةِ وأنْ يُهَوِّنَ عَلَيَّ كَرْبَ المَوْتِ، فَدَعا رَبَّهُ فَقَبَضَها إلَيْهِ فاسْتَوَتْ عَلَيْها الأرْضُ فَبَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودُ فازْدادُوا عَلَيْهِ غَضَبًا»، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم أرادُوا قَتْلَهُ ولِذَلِكَ اِسْتَنْصَرَ قَوْمَهُ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقٌ بِ (أحَسَّ) أيِ اِبْتَدَأ الإحْساسُ مِن جِهَتِهِمْ؛ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الكُفْرِ أيْ لَمّا أحَسَّ الكُفْرَ حالَ كَوْنِهِ صادِرًا مِنهم.

﴿ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ ﴾ المَقُولُ لَهُمُ الحَوارِيُّونَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ آيَةُ الصَّفِّ [14] ﴿ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ ﴾ الآيَةَ، وكَوْنُهُ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ ﴾ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذِ الآيَةُ لَيْسَتْ بِنَصٍّ في المُدَّعى إذْ يَكْفِي في تَحَقُّقِ الِانْقِسامِ بُلُوغُ الدَّعْوَةِ إلى الجَمِيعِ، والأنْصارُ جَمْعُ نَصِيرٍ كالأشْرافِ جَمْعُ شَرِيفٍ، وقالَ قَوْمٌ: هو جَمْعُ نَصْرٍ، وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ فِيهِ مُضافٌ أيْ مِن صاحِبِ نَصْرِي، أوْ تَجْعَلُهُ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الياءِ وهي مَفْعُولٌ بِهِ مَعْنًى، والمَعْنى مَن يَنْصُرُنِي حالَ كَوْنِي مُلْتَجِئًا إلى اللَّهِ تَعالى أوْ ذاهِبًا إلى اللَّهِ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِأنْصارِي مُضَمَّنًا مَعْنى الإضافَةِ أيْ مِنَ الَّذِينَ يُضِيفُونَ أنْفُسَهم إلى اللَّهِ في نَصْرِي.

وفِي «اَلْكَشّافِ» في تَفْسِيرِ سُورَةِ الصَّفِّ ما حاصِلُهُ مِمّا يُخالِفُ ما ذَكَرَهُ هُنا أنَّ إضافَةَ أنْصارٍ لِلْياءِ إضافَةُ مُلابَسَةٍ، أيْ مِن حِزْبِي ومُشارِكِي في تَوَجُّهِي لِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى لِيُطابِقَ جَوابَهُمُ الآتِيَ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ مَن يَنْصُرُنِي مَعَ اللَّهِ لِعَدَمِ المُطابَقَةِ، وفِيهِ أنَّ عَدَمَ المُطابَقَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، إذْ نُصْرَةُ اللَّهِ تَعالى في الجَوابِ لَيْسَتْ عَلى ظاهِرِها بَلْ لا بُدَّ مِن تَجَوُّزٍ، أوْ إضْمارٍ في نَصْرِهِمْ لِلَّهِ تَعالى، ويُضْمَرُ ما تَحْصُلُ بِهِ المُطابَقَةُ، نَعَمْ كَوْنُ (إلى) بِمَعْنى مَعَ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ ذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّها إنَّما تَكُونُ كَذَلِكَ إذا ضُمَّ شَيْءٌ إلى آخَرَ، نَحْوَ: الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إبِلٌ أيْ إذا ضَمَمْتَهُ إلَيْهِ صارَ إبِلًا، ألا تَراكَ تَقُولُ قَدِمَ زَيْدٌ ومَعَهُ مالٌ، ولا تَقُولُ: وإلَيْهِ وكَذا نَظائِرُهُ فالسّالِمُ عَنْ هَذا الحَمْلِ مِنَ التَّفاسِيرِ مَعَ اِشْتِمالِهِ عَلى قِلَّةِ الإضْمارِ أوْلى، ومِن هُنا اِخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ إلى بِمَعْنى اللّامِ، وآخَرُونَ كَوْنَها بِمَعْنى في.

وقالَ في «اَلْكَشْفِ»: لَعَلَّ الأشْبَهَ في مَعْنى الآيَةِ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى مَن يَنْصُرُنِي مُنْهِيًا نَصْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى كَما يَقْتَضِيهِ حَرْفُ الِانْتِهاءِ دُونَ تَضْمِينٍ، كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنهم أنْ يَنْصُرُوهُ لِلَّهِ تَعالى لا لِغَرَضٍ آخَرَ، مُدْمِجًا أنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ تَعالى في نُصْرَةِ رَسُولِهِ، وجَوابُهُمُ المَحْكِيُّ عَنْهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ ﴾ شَدِيدُ الطِّباقِ لَهُ كَأنَّهم قالُوا: نَحْنُ ناصِرُوكَ لِأنَّهُ نَصْرُ اللَّهِ تَعالى لِلْغَرَضِ الَّذِي رَمَزَ إلَيْهِ، ولَوْ قالُوا مَكانَهُ: نَحْنُ أنْصارُكَ لَما وقَعَ هَذا المَوْقِعَ، اِنْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ جَعْلَ (إلى) بِمَعْنى اللّامِ، أوْ في التَّعْلِيلِيَّتَيْنِ يَحْصُلُ طِلْبَةُ المَسِيحِ الَّتِي أُشِيرُ إلَيْها عَلى وجْهٍ لَعَلَّهُ أقَلُّ تَكَلُّفًا مِمّا ذَكَرَ، وكَأنَّ اِخْتِيارَ ذَلِكَ لِما قالَهُ الزَّجّاجُ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ الحُرُوفِ مِن حُرُوفِ المَعانِي بِمَعْنى الآخَرِ لَكِنَّ الحَرْفَيْنِ قَدْ يَتَقارَبانِ في الفائِدَةِ فَيَظُنُّ الضَّعِيفُ العِلْمِ بِاللُّغَةِ أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ ولَيْسَ بِذَلِكَ، فَلْيُفْهَمْ.

و(اَلْحَوارِيُّونَ) جَمْعُ حَوارِيٍّ، يُقالُ: فُلانٌ حَوارِيُّ فُلانٍ أيْ خاصَّتُهُ مِن أصْحابِهِ وناصِرِهِ، ولَيْسَ الحَوارِيُّ جَمْعًا كَكَراسِيَّ عَلى ما وُهِمَ بَلْ هو مُفْرَدٌ مُنْصَرِفٌ كَما صَرَّحَ بِهِ المُحَقِّقُونَ، وذَكَرَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ أنَّهُ مُفْرَدٌ وألِفُهُ مِن تَغْيِيراتِ النِّسَبِ؛ وفِيهِ أنَّ الألِفَ إذا زِيدَتْ في النِّسْبَةِ وغُيِّرَتْ بِها تُخَفَّفُ الياءُ في الأفْصَحِ في أمْثالِهِ، والحَوارِيُّ بِخِلافِهِ لِأنَّ تَخْفِيفَ يائِهِ شاذٌّ كَما صَرَّحُوا بِهِ، وبِهِ قُرِئَ في الآيَةِ، وأصْلُهُ مِنَ التَّحْوِيرِ أيِ التَّبْيِيضِ، ومِنهُ الخُبْزُ الحَوارِيُّ الَّذِي نَخَلَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى؛ والحَوارِيّاتُ لِلْحَضَرِيّاتِ نِساءُ المُدُنِ والقُرى لِما أنَّهُ يَغْلِبُ فِيهِنَّ البَياضُ لِعَدَمِ البُرُوزِ لِلشَّمْسِ، ويُطْلَقُ الحَوارِيُّ عَلى القَصّارِ أيْضًا لِأنَّهُ يُبَيِّضُ الثِّيابَ وهو بِلُغَةِ النَّبَطِ هُوّارِيٌّ بِضَمِّ الهاءِ وتَشْدِيدِ الواوِ وفَتْحِ الرّاءِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، واخْتُلِفَ في سَبَبِ تَسْمِيَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ وهو المَرْوِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهم كانُوا قَصّارِينَ يُبَيِّضُونَ الثِّيابَ لِلنّاسِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ وجَماعَةٍ، وقِيلَ: لِنَقاءِ قُلُوبِهِمْ وطَهارَةِ أخْلاقِهِمْ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ قَتادَةَ، وفي تَعْيِينِ أنَّهم مِن أيِّ الطَّوائِفِ مِنَ النّاسِ خِلافٌ أيْضًا، فَقِيلَ: قَوْمٌ كانُوا يَصْطادُونَ السَّمَكَ فِيهِمْ يَعْقُوبُ وشَمْعُونُ ويُوحَنّا، فَمَرَّ بِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ لَهُمْ: أنْتُمْ تَصِيدُونَ السَّمَكَ فَإنِ اِتَّبَعْتُمُونِي صِرْتُمْ بِحَيْثُ تَصِيدُونَ النّاسَ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ؟

فَقالُوا لَهُ مَن أنْتَ؟

قالَ: عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ فَطَلَبُوا مِنهُ المُعْجِزَةَ، وكانَ شَمْعُونُ قَدْ رَمى شَبَكَتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَما اِصْطادَ شَيْئًا، فَأمَرَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإلْقائِها في الماءِ مَرَّةً أُخْرى فَفَعَلَ فاصْطادَ ما مَلَأ سَفِينَتَيْنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ آمَنُوا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هُمُ اِثْنا عَشَرَ رَجُلًا، أوْ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ مِن سائِرِ النّاسِ اِتْبَعُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا إذا جاعُوا قالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ جُعْنا فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلى الأرْضِ فَيَخْرُجُ لِكُلٍّ واحِدٍ رَغِيفانِ، وإذا عَطِشُوا قالُوا: عَطِشْنا فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلى الأرْضِ فَيَخْرُجُ الماءُ فَيَشْرَبُونَ، فَقالُوا: مَن أفْضَلُ مِنّا إذا شِئْنا أطْعَمْتَنا وإذا شِئْنا أسْقَيْتَنا وقَدْ آمَنّا بِكَ؟

فَقالَ: أفْضَلُ مِنكم مَن يَعْمَلُ بِيَدِهِ ويَأْكُلُ مِن كَسْبِهِ فَصارُوا يَغْسِلُونَ الثِّيابَ بِالكِراءِ ويَأْكُلُونَ.

وقِيلَ: إنَّ واحِدًا مِنَ المُلُوكِ صَنَعَ طَعامًا وجَمَعَ النّاسَ عَلَيْهِ وكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى قَصْعَةٍ فَكانَتِ القَصْعَةُ لا تَنْقُصُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْمَلِكِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ المَلِكُ مَعَ أقارِبِهِ فَقالُوا لَهُ: مَن أنْتَ؟

قالَ: عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ، فَقالَ المَلِكُ: إنِّي تارِكٌ مُلْكِي ومُتَّبِعُكَ فَتَبِعَهُ مَعَ أقارِبِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الحَوارِيُّونَ، وقِيلَ: إنَّ أمَّهُ دَفَعَتْهُ إلى صَبّاغٍ فَكانَ إذا أرادَ أنْ يُعَلِّمَهُ شَيْئًا وجَدَهُ أعْلَمَ بِهِ مِنهُ فَغابَ الصَّبّاغُ يَوْمًا لَمُهِمٍّ، وقالَ لَهُ: هَهُنا ثِيابٌ مُخْتَلِفَةٌ وقَدْ جَعَلْتُ عَلى كُلٍّ مِنها عَلامَةً فاصْبُغْها بِتِلْكَ الألْوانِ فَطَبَخَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَبًّا واحِدًا وجَعَلَ الجَمِيعَ فِيهِ، وقالَ: كُونِي بِإذْنِ اللَّهِ كَما أُرِيدُ، فَرَجَعَ الصَّبّاغُ فَأخْبَرَهُ بِما فَعَلَ، فَقالَ: أفْسَدْتَ عَلَيَّ الثِّيابَ، قالَ: قُمْ فانْظُرْ، فَكانَ يُخْرِجُ ثَوْبًا أحْمَرَ وثَوْبًا أخْضَرَ وثَوْبًا أصْفَرَ كَما كانَ يُرِيدُ فَتَعَجَّبَ الحاضِرُونَ مِنهُ وآمَنُوا بِهِ وكانُوا الحَوارِيِّينَ.

ونَقَلَ جَمْعٌ عَنِ القَفّالِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم مِنَ المُلُوكِ، وبَعْضُهم مِنَ الصَّيّادِينَ، وبَعْضُهم مِنَ القَصّارِينَ، وبَعْضُهم مِنَ الصَّبّاغِينَ، وبَعْضُهم مِن سائِرِ النّاسِ، وسُمُّوا جَمِيعًا بِالحَوارِيِينَ لِأنَّهم كانُوا أنْصارَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والمُخْلِصِينَ في مَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ، والِاشْتِقاقُ كَيْفَ كانُوا هو الِاشْتِقاقُ، ومَأْخَذُهُ إمّا أنْ يُؤْخَذَ حَقِيقِيًّا وإمّا أنْ يُؤْخَذَ مَجازِيًّا، وهو الأوْفَقُ بِشَأْنِ أُولَئِكَ الأنْصارِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن حارَ بِمَعْنى رَجَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ ﴾ وكَأنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى.

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الحَوارِيَّ بِالمُجاهِدِ فَإنْ أُرِيدَ بِالجِهادِ ما هو المُتَبادِرُ مِنهُ أشْكَلَ ذَلِكَ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ بِهِ؛ وادَّعاهُ بَعْضُهم مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ ﴾ ولا يَخْفى أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا في المَقْصُودِ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِالتَّأْيِيدِ التَّأْيِيدُ بِالحُجَّةِ وإعْلاءُ الكَلِمَةِ، وإنْ أُرِيدَ بِالجِهادِ جِهادُ النَّفْسِ بِتَجْرِيعِها مَرائِرَ التَّكالِيفِ لَمْ يُشْكِلْ ذَلِكَ.

نَعَمْ اُسْتُشْكِلَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِالقِتالِ فَما مَعْنى طَلَبَهُ الأنْصارَ؟

وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّ اليَهُودَ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ اِسْتَنْصَرَ لِلْحِمايَةِ مِنهم كَما قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ ولَمْ يَسْتَنْصِرْ لِلْقِتالِ مَعَهم عَلى الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ، وهَذا هو الَّذِي لَمْ يُؤْمَرُ بِهِ لا ذَلِكَ بَلْ رُبَّما يُدَّعى أنَّ ذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ لِوُجُوبِ المُحافَظَةِ عَلى حِفْظِ النَّفْسِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ لَمّا طَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ قالَ لِلْحَوارِيِّينَ: أيُّكم يُحِبُّ أنْ يَكُونَ رَفِيقِي في الجَنَّةِ عَلى أنْ يَلْقى فِيهِ شَبَهِي فَيُقْتَلَ مَكانِي؟

فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وفي بَعْضِ الأناجِيلِ أنَّ اليَهُودَ لَمّا أخَذُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَلَّ شَمْعُونُ سَيْفَهُ فَضَرَبَ بِهِ عَبْدًا كانَ فِيهِمْ لِرَجُلٍ مِنَ الأحْبارِ عَظِيمٍ فَرَمى بِأُذُنِهِ، فَقالَ لَهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: حَسْبُكَ، ثُمَّ أدْنى أُذُنَ العَبْدِ فَرَدَّها إلى مَوْضِعِها فَصارَتْ كَما كانَتْ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ طَلَبُ النُّصْرَةِ لِلتَّمْكِينِ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ ولِتَمْيِيزِ المُوافِقِ مِنَ المُخالِفِ وذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي الأمْرَ بِالجِهادِ كَما أمَرَ نَبِيُّنا رُوحُ جَسَدِ الوُجُودِ  ، وهو الظّاهِرُ لِمَن أنْصَفَ، والمُرادُ مِن أنْصارِ اللَّهِ أنْصارُ دِينِهِ ورَسُولِهِ وأعْوانِهِما عَلى ما هو المَشْهُورُ.

﴿ آمَنّا بِاللَّهِ ﴾ مُسْتَنَدٌ لِتِلْكَ الدَّعْوى جارِيَةٌ مَجْرى العِلَّةِ لَها ﴿ واشْهَدْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ آمَنّا ﴾ ولا يَضُرُّ اِخْتِلافُهُما إنْشائِيَّةً وإخْبارِيَّةً لِما تَحَقَّقَ في مَحَلِّهِ، وقِيلَ: إنَّ ﴿ آمَنّا ﴾ لِإنْشاءِ الإيمانِ أيْضًا فَلا اِخْتِلافَ ﴿ بِأنّا مُسْلِمُونَ  ﴾ أيْ مُنْقادُونَ لِما تُرِيدُهُ مِنّا ويَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا نُصْرَتُهم لَهُ، أوْ بِأنَّ دِينَنا الإسْلامُ الَّذِي هو دِينُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِكَ فَهو إقْرارٌ مَعْنًى بِنُبُوَّةِ مَن قَبْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا طَلَبٌ مِنهم شَهادَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَشْهَدُ الرُّسُلُ لِقَوْمِهِمْ وعَلَيْهِمْ إيذانًا كَما قالَ الكَرْخِيُّ بِأنَّ مَرْمى غَرَضِهِمِ السَّعادَةُ الأُخْرَوِيَّةُ، وجاءَ في المائِدَةِ [111] ﴿ بِأنَّنا ﴾ لِأنَّ ما فِيها كَما قِيلَ أوَّلُ كَلامِ الحَوارِيِّينَ فَجاءَ عَلى الأصْلِ، وما هُنا تَكْرارٌ لَهُ بِالمَعْنى فَناسَبَ فِيهِ التَّخْفِيفَ، لِأنَّ كُلًّا مِنَ التَّخْفِيفِ والتَّكْرارِ فَرْعٌ، والفَرْعُ بِالفَرْعِ أوْلى.

<div class="verse-tafsir"

رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ٥٣

﴿ رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ ﴾ عَرْضٌ لِحالِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى بَعْدَ عَرْضِها عَلى رَسُولِهِ اِسْتِمْطارًا لِسَحائِبِ إجابَةِ دُعائِهِمُ الآتِي، وقِيلَ: مُبالَغَةٌ في إظْهارِ أمْرِهِمْ ﴿ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ ﴾ أيِ اِمْتَثَلْنا ما أتى بِهِ مِنكَ إلَيْنا ﴿ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ  ﴾ أيْ مُحَمَّدٍ  وأُمَّتِهِ، لِأنَّهم يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ ومُحَمَّدٌ  يَشْهَدُ لَهم بِالصِّدْقِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ورَوى أبُو صالِحٍ عَنْهُ أنَّهم مَن آمَنَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ مِن ﴿ الشّاهِدِينَ ﴾ الأنْبِياءُ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شاهِدٌ لِأُمَّتِهِ وعَلَيْها، وقالَ مُقاتِلٌ: هُمُ الصّادِقُونَ، وقالَ الزَّجّاجُ: هُمُ الشّاهِدُونَ لِلْأنْبِياءِ بِالتَّصْدِيقِ، وقِيلَ: أرادُوا مَعَ المُسْتَغْرِقِينَ في شُهُودِ جَلالِكَ بِحَيْثُ لا نُبالِي بِما يَصِلُ إلَيْنا مِنَ المَشاقِّ والآلامِ فَيَسْهُلُ عَلَيْنا الوَفاءُ بِما اِلْتَزَمْنا مِن نُصْرَةِ رَسُولِكَ، وقِيلَ: أرادُوا اُكْتُبْ ذِكْرَنا في زُمْرَةِ مَن شَهِدَ حَضْرَتَكَ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ ﴾ ولا يَخْفى ما في هَذا الأخِيرِ مِنَ التَّكَلُّفِ، والمَعْنى عَلى ما عَداهُ أدْخِلْنا في عِدادِ أُولَئِكَ، أوْ في عِدادِ أتْباعِهِمْ، قِيلَ: وعَبَّرُوا عَنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ بِهِمْ بِلَفْظِ ﴿ فاكْتُبْنا ﴾ إذْ كانَتِ الكِتابَةُ تُقَيِّدُ وتَضْبُطُ ما يُحْتاجُ إلى تَحْقِيقِهِ وعِلْمِهِ في ثانِي حالٍ، وقِيلَ: المُرادُ اِجْعَلْ ذَلِكَ وقَدِّرْهُ في صَحائِفِ الأزَلِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الكِتابَةَ كِنايَةً عَنْ تَثْبِيتِهِمْ عَلى الإيمانِ في الخاتِمَةِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِ(اُكْتُبْنا) .

<div class="verse-tafsir"

وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ ٥٤

﴿ ومَكَرُوا ﴾ أيِ الَّذِينَ أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ، إذْ وكَّلُوا بِهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً ﴿ ومَكَرَ اللَّهُ ﴾ بِأنْ ألْقى شِبْهَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى غَيْرِهِ فَصُلِبَ ورَفَعَهُ إلَيْهِ، قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أرادَ مَلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ قَتْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ خَوْخَةً وفِيها كُوَّةٌ فَرَفَعَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكُوَّةِ إلى السَّماءِ، فَقالَ المَلِكُ لِرَجُلٍ مِنهم خَبِيثٍ: اُدْخُلْ عَلَيْهِ فاقْتُلْهُ فَدَخَلَ الخَوْخَةَ فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَرَجَ إلى أصْحابِهِ يُخْبِرُهم أنَّهُ لَيْسَ في البَيْتِ، فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ وظَنُّوا أنَّهُ عِيسى، وقالَ وهْبٌ: أسَرُوهُ ونَصَبُوا خَشَبَةً لِيَصْلُبُوهُ فَأظْلَمَتِ الأرْضُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ فَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، فَأخَذُوا رَجُلًا يُقالُ لَهُ يَهُودا وهو الَّذِي دَلَّهم عَلى عِيسى، وذَلِكَ أنَّ عِيسى جَمَعَ الحَوارِيِّينَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وأوْصاهُمْ، ثُمَّ قالَ لِيَكْفُرَنَّ بِي أحَدُكم قَبْلَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ فَيَبِيعُنِي بِدَراهِمَ يَسِيرَةٍ، فَخَرَجُوا وتَفَرَّقُوا وكانَتِ اليَهُودُ تَطْلُبُهُ فَأتى أحَدُ الحَوارِيِّينَ إلَيْهِمْ، وقالَ: ما تَجْعَلُونَ لِي إنْ دَلَلْتُكم عَلَيْهِ؟

فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا فَأخَذَها ودَلَّهم عَلَيْهِ، فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأُدْخِلَ البَيْتَ ورُفِعَ وقالَ: أنا الَّذِي دَلَلْتُكم عَلَيْهِ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى قَوْلِهِ وصَلَبُوهُ وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ عِيسى، فَلَمّا صُلِبَ شِبْهُ عِيسى وأتى عَلى ذَلِكَ سَبْعَةُ أيّامٍ قالَ اللَّهُ تَعالى لِعِيسى: اِهْبِطْ عَلى مَرْيَمَ ثُمَّ لِتَجْمَعْ لَكَ الحَوارِيِّينَ وبُثَّهم في الأرْضِ دُعاةً، فَهَبَطَ عَلَيْها واشْتَعَلَ الجَبَلُ نُورًا فَجَمَعَتْ لَهُ الحَوارِيِّينَ فَبَثَّهم في الأرْضِ دُعاةً ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وتِلْكَ اللَّيْلَةُ هي اللَّيْلَةُ الَّتِي تَدَخَّنَ فِيها النَّصارى فَلَمّا أصْبَحَ الحَوارِيُّونَ قَصَدَ كُلٌّ مِنهم بَلْدَةَ مَن أرْسَلَهُ عِيسى إلَيْهِمْ.

ورُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ اليَهُودَ لَمّا عَزَمُوا عَلى قَتْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ اِجْتَمَعَ الحَوارِيُّونَ في غُرْفَةٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِمُ المَسِيحُ مِن مِشْكاةِ الغُرْفَةِ فَأخْبَرَ بِهِمْ إبْلِيسُ جَمْعَ اليَهُودِ فَرَكِبَ مِنهم أرْبَعَةُ آلافِ رَجُلٍ فَأخَذُوا بابَ الغُرْفَةِ، فَقالَ المَسِيحُ لِلْحَوارِيِّينَ: أيُّكم يَخْرُجُ ويُقْتَلُ ويَكُونُ مَعِي في الجَنَّةِ؟

فَقالَ واحِدٌ مِنهُمْ: أنا يا نَبِيَّ اللَّهِ، فَألْقى عَلَيْهِ مُدَرَّعَةً مِن صُوفٍ وعِمامَةً مِن صُوفٍ وناوَلَهُ عُكّازَهُ وألْقى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَرَجَ عَلى اليَهُودِ فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، وأمّا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَساهُ اللَّهُ النُّورَ وقَطَعَ عَنْهُ شَهْوَةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ ورَفَعَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ أصْحابَهُ لَمّا رَأوْا ذَلِكَ تَفَرَّقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ اللَّهُ تَعالى فِينا فَصَعِدَ إلى السَّماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: كانَ فِينا اِبْنُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى مِنهُمْ: كانَ فِينا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَفَعَهُ إلَيْهِ وهَؤُلاءِ هُمُ المُسْلِمُونَ، فَتَظاهَرَتْ عَلَيْهِمُ الفِرْقَتانِ الكافِرَتانِ فَقَتَلُوهم فَلَمْ يَزَلِ الإسْلامُ مُنْدَرِسَ الآثارِ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا  .

ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ إسْحَقَ أنَّ اليَهُودَ عَذَّبُوا الحَوارِيِّينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَقُوا مِنهُمُ الجَهْدَ فَبَلَغَ ذَلِكَ مِلْكُ الرُّومِ وكانَ مِلْكُ اليَهُودِ مِن رَعِيَّتِهِ واسْمُهُ داوُدُ بْنُ نُوذا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِمَّنْ تَحْتَ أمْرِكَ كانَ يُخْبِرُهم أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى وأراهم إحْياءَ المَوْتى وإبْراءَ الأكْمَهِ والأبْرَصِ فَعَلَ وفَعَلَ، فَقالَ: لَوْ عَلِمْتُ ذَلِكَ ما خَلَّيْتُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إلى الحَوارِيِّينَ فانْتَزَعَهم مِن أيْدِيهِمْ وسَألَهم عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرُوهُ فَبايَعَهم عَلى دِينِهِمْ وأنْزَلَ المَصْلُوبَ فَغَيَّبَهُ وأخَذَ الخَشَبَةَ فَأكْرَمَها ثُمَّ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ فَقَتَلَ مِنهم خَلْقًا عَظِيمًا، ومِنهُ ظَهَرَ أصْلُ النَّصْرانِيَّةِ في الرُّومِ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَهُ مَلِكٌ آخَرُ يُقالُ لَهُ طِيطُوسُ وغَزا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَحْوٍ مَن أرْبَعِينَ سَنَةً فَقَتَلَ وسَبى ولَمْ يَتْرُكْ في بَيْتِ المَقْدِسِ حَجَرًا عَلى حَجَرٍ فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ إلى الحِجازِ.

هَذا وأصْلُ المَكْرِ قِيلَ: الشَّرُّ، ومِنهُ: مَكَرَ اللَّيْلُ إذا أظْلَمَ، وقِيلَ: الِالتِفاتُ ومِنهُ المُكُورُ لِضَرْبٍ مِنَ الشَّجَرِ ذِي اِلْتِفاتٍ، واحِدُهُ مَكْرٌ، والمَمْكُورَةُ مِنَ النِّساءِ لِلْمُلْتَفَّةِ الخَلْقِ مَطْوِيَّتِهِ وفَسَّرَهُ البَعْضُ بِصَرْفِ الغَيْرِ عَمّا يَقْصِدُهُ بِحِيلَةٍ، وآخَرُونَ بِاخْتِداعِ الشَّخْصِ لِإيقاعِهِ في الضَّرَرِ، وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الحِيلَةِ بِأنَّها قَدْ تَكُونُ لِإظْهارِ ما يَعْسُرُ مِنَ الفِعْلِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى الإضْرارِ، والمَكْرُ حِيلَةٌ عَلى الشَّخْصِ تُوقِعُهُ في مِثْلِ الوَهْقِ، وقالُوا: لا يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى إلّا بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مَعْناهُ وغَيْرُ مُحْتاجٍ إلى حِيلَةٍ فَلا يُقالُ اِبْتِداءً مَكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ العَضُدُ وجَماعَةٌ وخالَفَهُمُ الأبْهَرِيُّ وغَيْرُهُ؛ فَجَوَّزُوا الإطْلاقَ بِلا مُشاكَلَةٍ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ ﴾ فَإنَّهُ نُسِبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ اِبْتِداءً.

ونُقِلَ عَنِ الإمامِ أنَّ المَكْرَ إيصالُ المَكْرُوهِ إلى الغَيْرِ عَلى وجْهٍ يَخْفى فِيهِ، وأنَّهُ يَجُوزُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى حَقِيقَةً، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ وهو لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ عَلَيْهِ تَعالى، وفي الحَدِيثِ: «”اللَّهُمَّ اُمْكُرْ لِي ولا تَمْكُرْ بِي“،» ومَن ذَهَبَ إلى عَدَمِ الإطْلاقِ إلّا بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ أجابَ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ ونَحْوِها بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ ولا يَخْفى ما فِيهِ، فالأوْلى القَوْلُ بِصِحَّةِ الإطْلاقِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ اِبْتِداءً بِالمَعْنى اللّائِقِ بِجَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ  ﴾ أيْ أقْواهم مَكْرًا وأشَدُّهُمْ، أوْ أنَّ مَكْرَهُ أحْسَنُ وأوْقَعُ في مَحَلِّهِ لِبُعْدِهِ عَنِ الظُّلْمِ فَإنَّهُ يَبْعُدُ المُشاكَلَةُ.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٥٥

﴿ إذْ قالَ اللَّهُ ﴾ ظَرْفٌ لِمَكْرٍ أوْ لِمَحْذُوفٍ نَحْوَ وقَعَ ذَلِكَ ولَوْ قُدِّرَ أذْكُرُ كَما في أمْثالِهِ لَمْ يَبْعُدْ، وتَعَلُّقُهُ بِالماكِرِينَ بَعِيدٌ إذْ لا يَظْهَرُ وجْهٌ حَسَنٌ لِتَقْيِيدِ قُوَّةِ مَكْرِهِ تَعالى بِهَذا الوَقْتِ.

﴿ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ﴾ أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هَذا مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ، أيْ: رافِعُكَ إلَيَّ ومُتَوَفِّيكَ، وهَذا أحَدُ تَأْوِيلاتٍ اِقْتَضاها مُخالَفَةُ ظاهِرِ الآيَةِ لِلْمَشْهُورِ المُصَرَّحِ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى، وفي قَوْلِهِ  : «”إنَّ عِيسى لَمْ يَمُتْ وإنَّهُ راجِعٌ إلَيْكم قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ“،» وثانِيها: أنَّ المُرادَ إنِّي مُسْتَوْفٍ أجْلَكَ ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنْفِكَ لا أُسَلِّطُ عَلَيْكَ مَن يَقْتُلُكَ، فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ عِصْمَتِهِ مِنَ الأعْداءِ وما هم بِصَدَدِهِ مِنَ الفَتْكِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ اِسْتِيفاءِ اللَّهِ تَعالى أجْلَهُ ومَوْتِهِ حَتْفَ أنْفِهِ ذَلِكَ، وثالِثُها: أنَّ المُرادَ قابِضُكَ ومُسْتَوْفٍ شَخْصَكَ مِنَ الأرْضِ مِن تَوَفّى المالَ بِمَعْنى اِسْتَوْفاهُ وقَبَضَهُ، ورابِعُها: أنَّ المُرادَ بِالوَفاةِ هُنا النَّوْمُ لِأنَّهُما أخَوانِ ويُطْلَقُ كُلٌّ مِنهُما عَلى الآخَرِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى السَّماءِ وهو نائِمٌ رِفْقًا بِهِ، وحُكِيَ هَذا القَوْلُ واَلَّذِي قَبْلَهُ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ، وخامِسُها: أنَّ المُرادَ أجْعَلُكَ كالمُتَوَفّى لِأنَّهُ بِالرَّفْعِ يُشْبِهُهُ، وسادِسُها: أنَّ المُرادَ آخُذُكَ وافِيًا بِرُوحِكَ وبَدَنِكَ فَيَكُونُ ﴿ ورافِعُكَ إلَيَّ ﴾ كالمُفَسِّرِ لِما قَبْلَهُ، وسابِعُها: أنَّ المُرادَ بِالوَفاةِ مَوْتُ القُوى الشَّهْوانِيَّةِ العائِقَةِ عَنْ إيصالِهِ بِالمَلَكُوتِ، وثامِنُها: أنَّ المُرادَ مُسْتَقْبِلٌ عَمَلَكَ، ولا يَخْلُو أكْثَرُ هَذِهِ الأوْجُهِ عَنْ بُعْدٍ لا سِيَّما الأخِيرُ.

وقِيلَ: الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى ظاهِرِها، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبٍ، أنَّهُ قالَ: تَوَفّى اللَّهُ تَعالى عِيسى اِبْنَ مَرْيَمَ ثَلاثَ ساعاتٍ مِنَ النَّهارِ حَتّى رَفَعَهُ إلَيْهِ، وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَفّى عِيسى سَبْعَ ساعاتٍ ثُمَّ أحْياهُ، وأنَّ مَرْيَمَ حَمَلَتْ بِهِ ولَها ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وأنَّهُ رُفِعَ وهو اِبْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ، وأنَّ أُمَّهُ بَقِيَتْ بَعْدَ رَفْعِهِ سِتَّ سِنِينَ، ووَرَدَ ذَلِكَ في رِوايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والصَّحِيحُ كَما قالَهُ القُرْطُبِيُّ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَهُ مِن غَيْرِ وفاةٍ ولا، نَوْمٍ وهو اِخْتِيارُ الطَّبَرِيِّ، والرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وحِكايَةُ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَفّاهُ سَبْعَ ساعاتٍ ذَكَرَ اِبْنُ إسْحَقَ أنَّها مِن زَعْمِ النَّصارى، ولَهم في هَذا المَقامِ كَلامٌ تَقْشَعِرُّ مِنهُ الجُلُودُ، ويَزْعُمُونَ أنَّهُ في الإنْجِيلِ وحاشا اللَّهِ ما هو إلّا اِفْتِراءٌ وبُهْتانٌ عَظِيمٌ، ولا بَأْسَ بِنَقْلِهِ ورَدِّهِ فَإنَّ في ذَلِكَ رَدَّ دَعْواهم فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الرُّبُوبِيَّةَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَنَقُولُ: قالُوا: بَيْنَما المَسِيحُ مَعَ تَلامِيذِهِ جالِسٌ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ لِثَلاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِن شَهْرِ نِيسانَ إذْ جاءَ يَهُودا الأسْخَرْيُوطِيُّ أحَدُ الِاثْنَيْ عَشَرَ ومَعَهُ جَماعَةٌ مَعَهُمُ السُّيُوفُ والعِصِيُّ مِن عِنْدِ رُؤَساءِ الكَهَنَةِ ومَشايِخِ الشَّعْبِ، وقَدْ قالَ لَهم يَهُودا: الرَّجُلُ الَّذِي أقْبَلَ هو فَأمْسِكُوهُ، فَلَمّا رَأى يَهُودا المَسِيحَ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُعَلِّمُ ثُمَّ أمْسَكُوهُ، فَقالَ يَسُوعُ: مِثْلَ ما يُفْعَلُ بِاللُّصُوصِ خَرَجْتُمْ لِي بِالسُّيُوفِ والعِصِيِّ وأنا عِنْدُكم في الهَيْكَلِ كُلَّ يَوْمٍ أُعَلِّمُ فَلَمْ تَتَعَرَّضُوا لِي لَكِنَّ هَذِهِ ساعَةُ سُلْطانِ الظَّلَمَةِ فَذَهَبُوا بِهِ إلى رَئِيسِ الكَهَنَةِ حَيْثُ تَجْتَمِعُ الشُّيُوخُ وتَبِعَهُ بُطْرُسَ مِن بَعِيدٍ ودَخَلَ مَعَهُ الدّارَ لَيْلًا وجَلَسَ ناحِيَةً مِنها مُتَنَكِّرًا لِيَرى ما يَؤُولُ أمْرُهُ إلَيْهِ فالتَمَسَ المَشايِخُ عَلى يَسُوعَ شَهادَةً يَقْتُلُونَهُ بِها فَجاءَ جَماعَةٌ مِن شُهُودِ الزُّورِ فَشَهِدَ مِنهُمُ اِثْنانِ أنَّ يَسُوعَ قالَ: أنا أقْدِرُ أنْ أنْقُضَ هَيْكَلَ اللَّهِ تَعالى وأبْنِيَهُ في ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَقالَ لَهُ الرَّئِيسُ: ما تُجِيبُ عَنْ نَفْسِكَ بِشَيْءٍ؟

فَسَكَتَ يَسُوعُ فَأقْسَمَ عَلَيْهِ رَئِيسُ الكَهَنَةِ بِاَللَّهِ الحَيِّ أنْتَ المَسِيحُ؟

فَقالَ أنْتَ قُلْتَ ذاكَ وأنا أقُولُ لَكم مِنَ الآنِ لا تَرَوْنَ اِبْنَ الإنْسانِ حَتّى تَرَوْهُ جالِسًا عَنْ يَمِينِ القُوَّةِ وآتِيًا في سَحابِ السَّماءِ وأنَّ ناسًا مِنَ القِيامِ هَهُنا لا يَذُوقُونَ المَوْتَ حَتّى يَرَوْنَ اِبْنَ الإنْسانِ آتِيًا في مَلَكُوتِهِ، فَلَمّا سَمِعَ رَئِيسُ الكَهَنَةِ ذَلِكَ شَقَّ ثِيابَهُ وقالَ: ما حاجَتُنا إلى شَهادَةِ يَهُودا قَدْ سَمِعْتُمْ ماذا تَرَوْنَ في أمْرِهِ؟

فَقالُوا: هَذا مُسْتَوْجِبٌ المَوْتَ، فَحِينَئِذٍ بَصَقُوا في وجْهِ البَعِيدِ ولَطَمُوهُ وضَرَبُوهُ وهَزَأُوا بِهِ وجَعَلُوا يَلْطِمُونَهُ ويَقُولُونَ: بَيِّنْ لَنا مَن لَطَمَكَ ولَمّا كانَ مِنَ الغَدِ أسْلَمُوهُ لِفِيلاطِسَ القائِدِ، فَتَصايَحَ الشَّعْبُ بِأسْرِهِ -يُصْلَبُ يُصْلَبُ- فَتَحَرَّجَ فِيلاطِسُ مِن قَتْلِهِ، وقالَ: أيُّ شَرٍّ فَعَلَ هَذا فَقالَ الشُّيُوخُ: دَمُهُ عَلَيْهِمْ وعَلى أوْلادِهِمْ فَحِينَئِذٍ ساقَهُ جُنْدُ القائِدِ إلى الأبَرُوطُورِيُّونَ فاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الشَّعْبُ ونَزَعُوهُ ثِيابَهُ وألْبَسُوهُ لِباسًا أحْمَرَ وضَفَّرُوا إكْلِيلًا مِنَ الشَّوْكِ وتَرَكُوهُ عَلى رَأْسِهِ وجَعَلُوا في يَدِهِ قَصَبَةً ثُمَّ جَثَوا عَلى رَكُبِهِمْ يَهْزَأُونَ بِهِ ويَقُولُونَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا مَلِكَ اليَهُودِ وشَرَعُوا يَبْصُقُونَ عَلَيْهِ ويَضْرِبُونَهُ في رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبُوا بِهِ وهو يَحْمِلُ صَلِيبَهُ إلى مَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِالجُمْجُمَةِ فَصَلَبُوهُ وسَمَّرُوا يَدَيْهِ عَلى الخَشَبَةِ، فَسَألَهم شَرْبَةَ ماءٍ فَأعْطَوْهُ خَلًّا مُضافًا بِمُرٍّ فَذاقَهُ ولَمْ يَسُغْهُ وجَلَسَ الشَّرْطَ فاقْتَسَمُوا ثِيابَهُ بَيْنَهم بِالقُرْعَةِ وجَعَلُوا عِنْدَ رَأْسِهِ لَوْحًا مَكْتُوبًا هَذا يَسُوغُ مَلِكُ اليَهُودِ اِسْتِهْزاءً بِهِ، ثُمَّ جاءُوا بِلِصَّيْنِ فَجَعَلُوهُما عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ تَحْقِيرًا لَهُ وكانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ لَهُ: يا ناقِضَ الهَيْكَلِ وبانِيهِ في ثَلاثَةِ أيّامٍ خَلِّصْ نَفْسَكَ، وإنْ كُنْتَ اِبْنَ اللَّهِ كَما تَقُولُ اِنْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ، وقالَ اليَهُودُ: هَذا يَزْعُمُ أنَّهُ خَلَصَ غَيْرَهُ فَكَيْفَ لَمْ يَقْدِرْ عَلى خَلاصِ نَفْسِهِ إنْ كانَ مُتَوَكِّلًا عَلى اللَّهِ تَعالى فَهو يُنْجِيهِ مِمّا هو فِيهِ؟

ولَمّا كانَ سِتَّ ساعاتٍ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ وهو عَلى الصَّلِيبِ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ (آلوي آلوي إيما صاصا) أيْ إلَهِي إلَهِي لِمَ تَرَكْتَنِي وخَذَلْتَنِي وأخَذَ اليَهُودُ إسْفَنْجَةً فِيها خَلٌّ ورَفَعَها أحَدُهم عَلى قَصَبَةٍ وسَقاهُ، وقالَ آخَرُ: دَعُوهُ حَتّى نَرى مَن يُخَلِّصُهُ فَصَرَخَ يَسُوعُ وأمالَ رَأْسَهُ وأسْلَمَ الرُّوحَ وانْشَقَّ حِجابُ الهَيْكَلِ وانْشَقَّتِ الصُّخُورُ وتَفَتَّحَتِ القُبُورُ وقامَ كَثِيرٌ مِنَ القِدِّيسِينَ مِن قُبُورِهِمْ ودَخَلُوا المَدِينَةَ المُقَدَّسَةَ وظَهَرُوا لِلنّاسِ، ولَمّا كانَ المَساءُ جاءَ رَجُلٌ مِن ألْزامِهِ يُسَمّى يُوسُفُ بِلَفائِفَ نَقِيَّةٍ وتَرَكَهُ في قَبْرٍ كانَ قَدْ نَحَتَهُ في صَخْرَةٍ ثُمَّ جَعَلَ عَلى بابِ القَبْرِ حَجَرًا عَظِيمًا وجاءَ مَشايِخُ اليَهُودِ مِنَ الغَدِ الَّذِي بَعْدَ الجُمْعَةِ إلى فِيلاطِسَ القائِدِ، فَقالُوا: يا سَيِّدِي ذَكَرْنا أنَّ ذاكَ الضّالَّ كانَ قَدْ ذَكَرَ لِتَلامِيذِهِ أنا أقُومُ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ فَلَوْ أمَرْتَ مَن يَحْرُسُ القَبْرَ حَتّى تَمْضِيَ المُدَّةُ كَيْ لا تَأْتِيَ تَلامِيذُهُ ويَسْرِقُوهُ ثُمَّ يُشِيعُوا في الشَّعْبِ أنَّهُ قامَ فَتَكُونُ الضَّلالَةُ الثّانِيَةُ شَرًّا مِنَ الأُولى فَقالَ لَهُمُ القائِدُ: اِذْهَبُوا وسُدُّوا عَلَيْهِ واحْرُسُوهُ كَما تُرِيدُونَ فَمَضَوْا وفَعَلُوا ما أرادُوا، وفي عَشِيَّةِ يَوْمِ السَّبْتِ جاءَتْ مَرْيَمُ المَجْدُلانِيَّةُ ومَرْيَمُ رَفِيقَتُها لِيَنْظُرْنَ إلى القَبْرِ.

وفِي «إنْجِيلِ مُرْقُصَ»: إنَّما جاءَتْ مَرْيَمُ يَوْمَ الأحَدِ بِغَلَسٍ، وإذا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ بِرَجَّةٍ عَظِيمَةٍ فَألْقى الحَجَرَ عَنِ القَبْرِ وجَلَسَ عِنْدَهُ وعَلَيْهِ ثِيابٌ بِيضٌ كالبَرْقِ فَكادَ الحَرَسُ أنْ يَمُوتُوا مِن هَيْبَتِهِ ثُمَّ قالَ لِلنِّسْوَةِ: لا تَخافا قَدْ عَلِمْتُ أنَّكُما جِئْتُما تَطْلُبانِ يَسُوعَ المَصْلُوبَ لَيْسَ هو هَهُنا إنَّهُ قَدْ قامَ، تَعالَيْنَ اُنْظُرْنَ إلى المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ الرَّبُّ واذْهَبا وقُولا لِتَلامِيذِهِ إنَّهُ سَبَقَكم إلى الخَلِيلِ فَمَضَتا وأخْبَرَتا التَّلامِيذَ ودَخَلَ الحُرّاسُ وأخْبَرُوا رُؤَساءَ الكَهَنَةِ الخَبَرَ فَقالُوا: لا تَنْطِقُوا بِهَذا ورَشُّوهم بِفِضَّةٍ عَلى كِتْمانِ القَضِيَّةِ فَقَبِلُوا ذَلِكَ مِنهم وأشاعُوا أنَّ التَّلامِيذَ جاءُوا وسَرَقُوهُ ومَهَّدَتِ المَشايِخُ عُذْرَهم عِنْدَ القائِدِ ومَضَتِ الأحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذًا إلى الخَلِيلِ وقَدْ شَكَّ بَعْضُهُمْ، وجاءَ لَهم يَسُوعُ وكَلَّمَهم وقالَ لَهُمُ: اِذْهَبُوا فَعَمِّدُوا كُلَّ الأُمَمِ وعَلِّمُوهم ما أُوصِيكم بِهِ، وهو ذا أنا مَعَكم إلى اِنْقِضاءِ الدَّهْرِ، اِنْتَهى.

وهَهُنا أُمُورٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ يُقالُ لِلنَّصارى: ما اِدَّعَيْتُمُوهُ مِن قَتْلِ المَسِيحِ وصَلْبِهِ أتَنْقِلُونَهُ تَواتُرًا أوْ آحادًا، فَإنْ زَعَمُوا أنَّهُ آحادٌ لَمْ تَتِمَّ بِذَلِكَ حُجَّةٌ ولَمْ يَثْبُتِ العِلْمُ، إذِ الآحادُ لَمْ يُؤْمَن عَلَيْهِمُ السَّهْوُ والغَفْلَةُ والتَّواطُؤُ عَلى الكَذِبِ، وإذا كانَ الآحادُ يَعْرِضُ لَهم ذَلِكَ فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِمْ في القَطْعِيّاتِ؟!

وإنْ عَزَوْا ذَلِكَ إلى التَّواتُرِ، قُلْنا لَهُمْ: أحَدُ شُرُوطِ التَّواتُرِ اِسْتِواءُ الطَّرَفَيْنِ فِيهِ والواسِطَةِ بِأنْ يَكُونَ الإخْبارُ في كُلِّ طَبَقَةٍ مِمَّنْ لا يُمْكِنُ مُواطَأتُهُ عَلى الكَذِبِ فَإنْ زَعَمْتُمْ أنَّ خَبَرَ قَتْلِ المَسِيحِ كَذَلِكَ، أكَذَّبْتُمْ نُصُوصَ الإنْجِيلِ الَّذِي بِأيْدِيكم إذْ قالَ نَقَلَتْهُ الَّذِينَ دَوَّنُوهُ لَكم وعَلَيْهِ مُعَوَّلُكم: إنَّ المَأْخُوذَ لِلْقَتْلِ كانَ في شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ مِن تَلامِذَتِهِ فَلَمّا قُبِضَ عَلَيْهِ هَرَبُوا بِأسْرِهِمْ ولَمْ يَتْبَعْهُ سِوى بُطْرُسَ مِن بَعِيدٍ، فَلَمّا دَخَلَ الدّارَ حَيْثُ اِجْتَمَعُوا نَظَرَتْ جارِيَةٌ مِنهم إلَيْهِ فَعَرَفَتْهُ فَقالَتْ: هَذا كانَ مَعَ يَسُوعَ فَحَلِفَ أنَّهُ لا يَعْرِفُ يَسُوعَ ولا يَقُولُ بِقَوْلِهِ وخادَعَهم حَتّى تَرَكُوهُ وذَهَبَ، ولَمْ يَكَدْ يَذْهَبُ، وأنَّ شابًّا آخَرَ تَبِعَهُ وعَلَيْهِ إزارٌ فَتَعَلَّقُوا بِهِ فَتَرَكَ إزارَهُ بِأيْدِيهِمْ وذَهَبَ عُرْيانًا، فَهَؤُلاءِ أصْحابُهُ وأتْباعُهُ لَمْ يَحْضُرْ أحَدٌ مِنهم بِشَهادَةِ الإنْجِيلِ، وأمّا أعْداؤُهُ اليَهُودُ الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أنَّهم حَضَرُوا الأمْرَ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهم بَلَغُوا عَدَدَ التَّواتُرِ بَلْ كانُوا آحادًا وهم أعْداءٌ يُمْكِنُ تَواطُؤُهم عَلى الكَذِبِ عَلى عَدُوِّهِمْ إيهامًا مِنهم أنَّهم ظَفِرُوا بِهِ وبَلَغُوا مِنهُ أمانِيَّهُمْ، فانْخَرَمَ شَرْطُ التَّواتُرِ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ رُؤَساءَ الكَهَنَةِ فِيما زَعَمْتُمْ رَشَوُا الحُرّاسَ فَلا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ العِصابَةُ مِنَ اليَهُودِ صَلَبُوا شَخْصًا مِن أصْحابِ يَسُوعَ وأوْهَمُوا النّاسَ أنَّهُ المَسِيحُ لِتَتِمَّ لَهم أغْراضُهم عَلى أنَّ الأخْبارِيِّينَ ذَكَرُوا أنَّ بُخْتَنَصَّرَ قَتَلَ عُلَماءَ اليَهُودِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها لِأنَّهم حَرَّفُوا التَّوْراةَ وزادُوا فِيها ونَقَصُوا حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا شِرْذِمَةٌ، فالمُخْبِرُونَ لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ التَّواتُرِ في الطَّبَقَةِ الوُسْطى أيْضًا.

الثّانِي: أنَّ في هَذا الفَصْلِ ما تَحْكُمُ البَداهَةُ بِكَذِبِهِ، وما تَضْحَكُ الثَّكْلى مِنهُ، وما يُبْعِدُهُ العَقْلُ مِثْلَ قَوْلِهِ لِلْكَهَنَةِ: إنَّكم مِنَ الآنِ ما تُرُونَ اِبْنَ الإنْسانِ يُرِيدُونَ بِالإنْسانِ الرَّبَّ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ لَمْ يَرِدْ إطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ في كِتابٍ، وقَوْلُهُ: إنَّ ناسًا مِنَ القِيامِ هَهُنا الخ، فَإنَّهُ لَمْ يُرَ أحَدٌ مِنَ القِيامِ هُناكَ قَبْلَ مَوْتَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ آتِيًا في مَلَكُوتِهِ، وقَوْلُ المَلَكِ لِلنِّسْوَةِ: تَعالَيْنَ فانْظُرْنَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي كانَ فِيهِ الرَّبُّ، فَإنَّهُ يُقالُ فِيهِ: أرَبٌّ يُقْبِرُ وإلَهٌ يُلْحِدُ، أُفٌّ لِتُرابٍ يُغْشِيَ وجْهَ هَذا الإلَهِ، وتَبًّا لِكَفَنٍ سَتَرَ مَحاسِنَهُ، وعَجَبًا لِلسَّماءِ كَيْفَ لَمْ تُبَدَّ وهو سامِكُها ولِلْأرْضِ لَمْ تُمَدَّ وهو ماسِكُها ولِلْبِحارِ كَيْفَ لَمْ تُغَضَّ وهو مُجْرِيها ولِلْجِبالِ كَيْفَ لَمْ تُسَرَّ وهو مُرْسِيها ولِلْحَيَوانِ كَيْفَ لَمْ يُصْعَقْ وهو مُشْبِعُهُ ولِلْكَوْنِ كَيْفَ لَمْ يُمْحَقْ وهو مُبْدِعُهُ، سُبْحانَ اللَّهِ كَيْفَ اِسْتَقامَ الوُجُودُ والرَّبُّ في اللُّحُودِ، وكَيْفَ ثَبَتَ العالَمُ عَلى نِظامٍ والإلَهُ في الرِّغامِ، إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ عَلى المُصِيبَةِ بِهَذا الرَّبِّ والرَّزِيَّةِ بِهَذا الإلَهِ لَقَدْ ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، وعَدَمَهُ لا أبا لَكَ قَوْمُهُ؟

وقَوْلُهُ: إلَهِي إلَهِي لِمَ خَذَلْتَنِي، فَإنَّهُ يُنافِي الرِّضا بِمُرِّ القَضاءِ، ويُناقِضُ التَّسْلِيمَ لِأحْكامِ الحَكِيمِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالصّالِحِينَ فَضْلًا عَنِ المُرْسَلِينَ عَلى أنَّهُ يُبْطِلُ دَعْوى الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي تَزْعُمُونَها والأُلُوهِيَّةِ الَّتِي تَعْتَقِدُونَها.

وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ قامَ كَثِيرٌ مِنَ القِدِّيسِينَ مِن قُبُورِهِمُ الخ، فَإنَّهُ كَذِبٌ صَرِيحٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ صَحِيحًا لَأطْبَقَ النّاسُ عَلى نَقْلِهِ ولَزالَ الشَّكُّ عَنْ تِلْكَ الجُمُوعِ في أمْرِ يَسُوعَ.

وقَوْلُهُمْ: مَضَتِ الأحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذًا إلى الخَلِيلِ الخ، فَإنَّهُ قَدِ اِنْطَفَأ فِيهِ سِراجُ التِّلْمِيذِ الثّانِيَ عَشَرَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُ المَسِيحِ: ويْلٌ لِمَن يُسَلِّمُ اِبْنَ الإنْسانِ مَعَ أنَّ يَسُوعَ بِزَعْمِكم قالَ لِتَلامِيذِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وفِيهِمْ يَهُودا الأسْخَرْيُوطِيُّ الَّذِي أسْلَمَهُ لِلْقَتْلِ: إنَّكم سَتَجْلِسُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى اِثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ اِثْنَيْ عَشَرَ سِبْطَ بَنِي إسْرائِيلَ.

وقَوْلُهُمْ: إنَّهم سَألَهم شَرْبَةَ ماءٍ فَإنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ الإنْجِيلَ مُصَرِّحٌ بِأنَّ المَسِيحَ كانَ يَطْوِي أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً ومِثْلُهُ لا يَجْزَعُ مِن فِراقِ الماءِ ساعَةً لا سِيَّما وقَدْ كانَ يَقُولُ لِتَلامِيذِهِ: إنَّ لِي طَعامًا لا تَعْرِفُونَهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

الثّالِثُ: إنَّ ما ذَكَرُوا مِن قِيامِ المَسِيحِ مِن قَبْرِهِ لَيْلَةَ السَّبْتِ مَعَ صَلْبِهِ يَوْمَ الجُمْعَةِ مُخالِفٌ لِما رَواهُ «مَتّى في إنْجِيلِهِ» فَإنَّهُ قالَ فِيهِ: سَألَ اليَهُودُ المَسِيحَ أنْ يُرِيَهم آيَةً فَقالَ: الجِيلُ الشِّرِّيرُ الفاسِقُ يَطْلُبُ آيَةً فَلا يُعْطى إلّا آيَةَ يُونِيانَ النَّبِيِّ يَعْنِي يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ أقامَ في بَطْنِ الحُوتِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وثَلاثَ لَيالٍ، وكَذَلِكَ اِبْنُ الإنْسانِ يُقِيمُ في بَطْنِ الأرْضِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وثَلاثَ لَيالٍ.

الرّابِعُ: أنَّ في هَذِهِ القِصَّةِ ما يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ المَصْلُوبَ هو الشِّبْهُ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى حُمى المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الصَّلْبِ، كَما سَيَتَّضِحُ لَكَ مَعَ زِيادَةِ تَحْقِيقٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ .

هَذا وإنَّما أُكِّدَ الحُكْمُ السّابِقُ اِعْتِناءً بِهِ، أوْ لِأنَّ تَسَلُّطَ الكَفّارِ عَلَيْهِ جَعَلَ المَقامَ مَقامَ اِعْتِقادِ أنَّهم يَقْتُلُونَهُ، وأرادَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ورافِعُكَ إلَيَّ ﴾ رافِعُكَ إلى سَمائِي، وقِيلَ: إلى كَرامَتِي، وعَلى كُلٍّ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ البارِئَ سُبْحانَهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ في جِهَةٍ، وفي رَفْعِهِ إلى أيِّ سَماءٍ خِلافٌ، واَلَّذِي اِخْتارَهُ الكَثِيرُ مِنَ العارِفِينَ أنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَهو فِيها يُسَبِّحُ مَعَ المَلائِكَةِ ثُمَّ يُهْبِطُهُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ظُهُورِ الدَّجّالِ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وفي الخازِنِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا رَفَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ كَساهُ الرِّيشَ وألْبَسَهُ النُّورَ وقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ فَطارَ مَعَ المَلائِكَةِ فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ، وصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا أرْضِيًّا سَماوِيًّا.

وأوْرَدَ بَعْضُ النّاسِ هَهُنا إشْكالاتٍ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ أيَّدَهُ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ ثُمَّ إنَّ طَرَفَ جَناحٍ مِن أجْنِحَةِ جِبْرِيلَ كانَ يَكْفِي لِلْعالَمِ فَكَيْفَ لَمْ يَكْفِ في مَنعِ أُولَئِكَ اليَهُودِ عَنْهُ؟

وأيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى إحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ فَكَيْفَ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إماتَتِهِمْ ودَفْعِ شَوْكَتِهِمْ أوْ عَلى إسْقامِهِمْ وإلْقاءِ الزَّمانَةِ والفَلَجِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَصِيرُوا عاجِزِينَ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ؟

وأيْضًا لَمّا خَلَّصَهُ مِنَ الأعْداءِ بِأنْ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ فَما الفائِدَةُ في إلْقاءِ شِبْهِهِ عَلى الغَيْرِ؟

وأُجِيبَ عَنِ الكُلِّ بِأنَّ بِناءَ التَّكْلِيفِ عَلى الِاخْتِيارِ، ولَوْ أقْدَرَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ أوْ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى دَفْعِ الأعْداءِ أوْ رَفْعِهِ مِن غَيْرِ إلْقاءِ شِبْهِهِ إلى السَّماءِ لَبَلَغَتْ مُعْجِزَتُهُ إلى حَدِّ الإلْجاءِ، والقَوْلُ بِأنَّ فَتْحَ بابِ إلْقاءِ الشُّبَهِ يُوجِبُ اِرْتِفاعَ الأمانِ عَنِ المَحْسُوساتِ وأنَّهُ يُفْضِي إلى سُقُوطِ الشَّرائِعِ وإبْطالِ التَّواتُرِ، وأيْضًا أنَّ في ذَلِكَ الإلْقاءِ تَمْوِيهًا وتَخْلِيطًا وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ إلْقاءَ شِبْهِ شَخْصٍ عَلى آخَرَ وإنْ كانَ مُمْكِنًا في نَفْسِهِ إلّا أنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإلْقاءِ واسْتِقْلالُ كُلٍّ مِنَ الحَيَوانِ بِصُورَتِهِ الَّتِي هي لَهُ، نَعَمْ لَوْ أخْبَرَ الصّادِقُ بِإلْقاءِ صُورَةِ شَخْصٍ عَلى آخَرَ قُلْنا بِهِ واعْتَقَدْناهُ، فَحِينَئِذٍ لا يَرْتَفِعُ الأمانُ عَنِ المَحْسُوساتِ بَلْ هي باقِيَةٌ عَلى الأصْلِ فِيها فِيما لَمْ يُخْبِرِ الصّادِقُ بِخِلافِهِ عَلى أنَّ إبْطالَ التَّواتُرِ بِفَتْحِ هَذا البابِ مَمْنُوعٌ، لِأنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ في الخَبَرِ أنْ يَكُونَ عَنْ أمْرٍ ثابِتٍ في نَفْسِ الأمْرِ بَلْ يَكْفِي فِيهِ كَوْنُهُ عَنْ أمْرٍ مَحْسُوسٍ عَلى ما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ التَّمْوِيهَ والتَّلْبِيسَ إنْ كانَ عَلى الأعْداءِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِالحِكْمَةِ، وإنْ كانَتِ النَّجاةُ مِمّا تُمْكِنُ بِدُونِ الإلْقاءِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ عَلى أوْلِيائِهِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ في الإلْقاءِ تَمْوِيهًا لِأنَّهم كانُوا عارِفِينَ يَقِينًا بِأنَّ المَطْلُوبَ الشِّبْهُ لا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما سَتَعْرِفُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

والقَوْلُ بِأنَّ المَطْلُوبَ قَدْ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ أنَّهُ بَقِيَ حَيًّا زَمانًا طَوِيلًا فَلَوْلا أنَّهُ كانَ عِيسى لَأظْهَرَ الجَزَعَ وعَرَّفَ نَفْسَهُ، ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لاشْتُهِرَ وتَواتَرَ، لَيْسَ بِشَيْءٍ أيْضًا، أما أوَّلًا: فَلِأنَّ دَعْوى تَواتُرِ بَقاءِ المَصْلُوبِ حَيًّا زَمانًا طَوِيلًا مِمّا لَمْ يُثْبِتُها بِرِهانٌ والثّابِتُ أنَّ المَصْلُوبَ إنَّما صُلِبَ في السّاعَةِ الثّانِيَةِ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ وماتَ في السّاعَةِ السّادِسَةِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ وأُنْزِلَ ودُفِنَ، ومِقْدارُ أرْبَعِ ساعاتٍ لا يُعَدُّ زَمانًا طَوِيلًا كَما لا يَخْفى، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ عَدَمَ تَعْرِيفِ المَصْلُوبِ نَفْسَهُ إمّا لِأنَّهُ أدْرَكَتْهُ دَهْشَةٌ مَنَعَتْهُ مِنَ البَيانِ والإيضاحِ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ عَلى لِسانِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ صَوْنًا لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُفْصِحَ الرَّجُلُ عَنْ أمْرِهِ، أوْ لِأنَّهُ لِصِدِّيقِيَّتِهِ آثَرَ المَسِيحُ بِنَفْسِهِ وفَعَلَ ذَلِكَ بِعَهْدِ عَهْدِهِ إلَيْهِ رَغْبَةً في الشَّهادَةِ، ولِهَذا ورّى في الجَوابِ الَّذِي نَقَلَتْهُ النَّصارى في القِصَّةِ وقَدْ وعَدَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ التَّلامِيذَ عَلى ما نَقَلُوا قَبْلُ بِقَوْلِهِمْ لَوْ دَفَعْنا إلى المَوْتِ مَعَكَ لَمُتْنا والشِّبْهُ مِن جُمْلَتِهِمْ فَوَفّى بِما وعَدَ مِن نَفْسِهِ عَلى عادَةِ الصِّدِّيقِينَ مِن أصْحابِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهو مِن رِجالٍ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ الشَّبَهَ كانَ مِنَ الأعْداءِ لا مِنَ الأوْلِياءِ رُوِيَ أنَّهُ جَعَلَ يَقُولُ لِلْيَهُودِ عِنْدَ الصَّلْبِ: لَسْتُالمَسِيحَ وإنَّما أنا صاحِبُكم لَكِنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ ولَمْ يُلْتَفَتْ إلى قَوْلِهِ وصَلَبُوهُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَتَواتَرَ لا يَخْفى ما فِيهِ لِمَن أحاطَ بِما ذَكَرْناهُ خَبَرًا، فَتَأمَّلْ.

﴿ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَطْهِيرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَبْعِيدِهِ مِنهم بِالرَّفْعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِنَجاتِهِ مِمّا قَصَدُوا فِعْلَهُ بِهِ مِنَ القَتْلِ، وفي الأوَّلِ: جَعَلَهم كَأنَّهم نَجاسَةً، وفي الثّانِي: جَعَلَ فِعْلَهم كَذَلِكَ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ وإلى الثّانِي ذَهَبَ الجُبّائِيُّ.

والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ اليَهُودُ، وأتى بِالظّاهِرِ عَلى ما قِيلَ دُونَ الضَّمِيرِ إشارَةً إلى عِلَّةِ النَّجاسَةِ وهي الكُفْرُ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ وكُفّارُ قَوْمِهِ.

﴿ وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ ﴾ قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ وخَلْقٌ كَثِيرٌ: هم أهْلُ الإسْلامِ اِتَّبَعُوهُ عَلى مِلَّتِهِ وفِطْرَتِهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ﴿ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهُمُ اليَهُودُ أوْ سائِرُ مَن شَمَلَهُ هَذا المَفْهُومُ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ يَعْلُونَهم بِالحُجَّةِ أوِ السَّيْفِ في غالِبِ الأمْرِ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ النَّصارى، ومِنَ الثّانِي اليَهُودُ وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ النَّصارى فَوْقَ اليَهُودِ فَلَيْسَ بَلَدٌ فِيهِ أحَدٌ مِنَ النَّصارى إلّا وهم فَوْقَ اليَهُودِ في شَرْقِ الدُّنْيا وغَرْبِها، وعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ مِنَ الِاتِّباعِ مُجَرَّدَ الِادِّعاءِ والمَحَبَّةِ ولا يَضُرُّ في غَلَبَتِهِمْ عَلى اليَهُودِ غَلَبَةُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وإذا أُرِيدَ بِالِاتِّباعِ ما يَشْمَلُ اِتِّباعَ المُسْلِمِينَ، وهَذا الِاتِّباعُ يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِالمُتَّبِعِينَ ما يَشْمَلُ المُسْلِمِينَ والنَّصارى مُطْلَقًا مَن آمَنَ بِهِ قَبْلَ مَجِيءِ نَبِيِّنا  ونَسْخِ شَرِيعَتِهِ، ومَن آمَنَ بِزَعْمِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ يُرادُ مِنَ الِاتِّباعِ الِاتِّباعُ بِالمَعْنى الأوَّلِ، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ المُتَّبِعِينَ المُسْلِمُونَ والقِسْمُ الأوَّلُ مِنَ النَّصارى، وتَخْصِيصُ المُتَّبِعِينَ بِهَذِهِ الأُمَّةِ وحَمْلُ الِاتِّباعِ عَلى المَجِيءِ بَعْدُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ الكِتابُ الكَرِيمُ كَجَعْلِ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ  وأنَّ الوَقْفَ عَلى ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ، ﴿ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالجَعْلِ أوْ بِالِاسْتِقْرارِ المُقَدَّرِ في الظَّرْفِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ يَنْتَهِي حِينَئِذٍ ويَتَخَلَّصُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ الذِّلَّةِ بَلِ المُرادُ أنَّ المُتَّبِعِينَ يَعْلُونَهم إلى تِلْكَ الغايَةِ، فَأمّا بَعْدُها فَيَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى ما يُرِيدُ.

ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الفَوْقِيَّةَ عَلى العُلُوِّ الرُّتْبِيِّ، والفَوْقِيَّةُ بِحَسَبِ الشَّرَفِ، وجَعْلُ التَّقْيِيدِ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِلتَّأْيِيدِ كَما في قَوْلِهِمْ ما دامَتِ السَّماءُ، وما دارَ الفَلَكُ، بِناءً عَلى ظَنِّ أنَّ عَدَمَ اِنْتِهاءِ عُلُوِّ المُؤْمِنِينَ وذِلَّةِ الكافِرِينَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ مُوجِبٌ لِهَذا الجَعْلِ ولَيْسَ بِذَلِكَ.

﴿ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ أيْ مَصِيرِكم بَعْدَ يَوْمِ القِيامَةِ ورُجُوعِكُمْ، والضَّمِيرُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والطّائِفَتَيْنِ، وفِيهِ تَغْلِيبٌ عَلى الأظْهَرِ، و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِمَنِ اِتَّبَعَ وكَفَرَ فَقَطْ، وفِيهِ اِلْتِفاتٌ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ إرادَةِ إيصالِ الثَّوابِ والعِقابِ لِدَلالَةِ الخِطابِ عَلى الِاعْتِناءِ.

﴿ فَأحْكُمُ بَيْنَكُمْ ﴾ أيْ فَأقْضِي بَيْنَكم إثْرَ رُجُوعِكم إلَيَّ ومَصِيرِكم بَيْنَ يَدَيَّ ﴿ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ  ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ، أوْ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ وقُدِّمَ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ.

<div class="verse-tafsir"

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ٥٦

﴿ فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأحْكُمُ ﴾ وتَفْصِيلٌ لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّقْسِيمِ بَعْدَ الجَمْعِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الحُكْمَ مُرَتَّبٌ عَلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ في القِيامَةِ لا مَحالَةَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِالعَذابِ المُقَيَّدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ ؟

وأُجِيبَ بِوُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ التَّأْبِيدُ وعَدَمُ الِانْقِطاعِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الدُّنْيا والآخِرَةِ، الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ مَفْهُومُهُما اللُّغَوِيُّ أيِ الأوَّلُ والآخِرُ، ويَكُونُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنِ الدَّوامِ وهَذا أبْعَدُ مِنَ الأوَّلِ جِدًّا، الثّالِثُ: ما ذَكَرَ صاحِبُ «اَلْكَشْفِ» مِن أنَّ المَرْجِعَ أعَمُّ مِنَ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ غايَةُ الفَوْقِيَّةِ لا غايَةُ الجَعْلِ، والرُّجُوعُ مُتَراخٍ عَنِ الجَعْلِ وهو غَيْرُ مَحْدُودٍ عَلى وزانِ قَوْلِكَ: سَأُعِيرُكَ سُكْنى هَذا البَيْتِ إلى شَهْرٍ ثُمَّ أخْلَعُ عَلَيْكَ بِثَوْبٍ مِن شَأْنِهِ كَذا وكَذا، فَإنَّهُ يَلْزَمُ تَأخُّرُ الخَلْعِ عَنِ الإعارَةِ لا الخَلْعِ، وعَلى هَذا تَوْفِيَةُ الأجْرِ لِغُنْمِ الدّارِينَ، ولا يَخْفى أنَّ في لَفْظِ ﴿ كُنْتُمْ ﴾ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ بَعْضُ نُبُوَّةٍ عَنْ هَذا المَعْنى، وأنَّ المَعْنى أحْكَمُ بَيْنِكم في الآخِرَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ في الدُّنْيا، الرّابِعُ: أنَّ العَذابَ في الدُّنْيا هو الفَوْقِيَّةُ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى أضُمُّ إلى عَذابِ الفَوْقِيَّةِ السّابِقَةِ عَذابَ الآخِرَةِ، قالَ في «اَلْكَشْفِ»: وفِيهِ تَقابَلٌ حَسَنٌ وأنَّ هَذِهِ الفَوْقِيَّةَ مُقَدِّمَةُ عَذابٍ الآخِرَةِ ومُؤَكِّدَتُهُ، وإدْماجُ أنَّها فَوْقِيَّةٌ عَدْلٌ لا تَسَلَّطُ وُجُودٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ جِدًّا إذْ مَعْنى أُعَذِّبُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَيْسَ إلّا أنِّي أفْعَلُ عَذابَ الدّارَيْنِ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ اِتِّخاذَ الكُلِّ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ بِاِتِّخاذِ كُلِّ جُزْءٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَفْعَلَ في الآخِرَةِ تَعْذِيبَ الدّارَيْنِ بِأنْ يَفْعَلَ بِهِ عَذابَ الآخِرَةِ وقَدْ فَعَلَ في الدُّنْيا عَذابَ الدُّنْيا، فَيَكُونُ تَمامُ العَذابَيْنِ في الآخِرَةِ، الخامِسُ: أنَّ (فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِشَدِيدٍ، تَشْدِيدًا لِأمْرِ الشِّدَّةِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

والأوْلى مِن هَذا كُلِّهِ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يُحْمَلَ مَعْنى (ثُمَّ) عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ والتَّرَقِّي مِن كَلامٍ إلى آخَرَ لا عَلى التَّراخِي في الزَّمانِ، فَحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ رُجُوعُهم إلى اللَّهِ تَعالى مُتَأخِّرًا عَنِ الجَعْلِ في الزَّمانِ سَواءٌ كانَ قَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ غايَةً لِلْجَعْلِ أوِ الفَوْقِيَّةِ فَلا مَحْذُورَ، ثُمَّ إنَّ المُرادَ بِالعَذابِ في الدُّنْيا إذْلالُهم بِالقَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ وأخْذِ الجِزْيَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ومَن لَمْ يَفْعَلْ مَعَهُ شَيْءٌ مِن وُجُوهِ الإذْلالِ فَهو عَلى وجَلٍ، إذْ يُعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ يَطْلُبُهُ وكَفى بِذَلِكَ عَذابًا، وبِالعَذابِ في الآخِرَةِ عِقابُ الأبَدِ في النّارِ.

﴿ وما لَهم مِن ناصِرِينَ  ﴾ أيْ أعْوانٍ يَدْفَعُونَ عَنْهم عَذابَ اللَّهِ، وصِيغَةُ الجَمْعِ كَما قالَ مَوْلانا مُفْتِي الرُّومِ لِمُقابَلَةِ ضَمِيرِ الجَمْعِ أيْ لَيْسَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم ناصِرٌ واحِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٥٧

﴿ وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ بَيانٌ لِحالِ القِسْمِ الثّانِي، وبَدَأ بِقِسْمِ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لِأنَّ ذِكْرَ ما قَبْلَهُ مِن حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بَيْنَهم أوَّلُ ما يَتَبادَرُ مِنهُ في بادِئِ النَّظَرِ التَّهْدِيدُ فَناسَبَ البُداءَةَ بِهِمْ، ولِأنَّهم أقْرَبُ في الذِّكْرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ولِكَوْنِ الكَلامِ مَعَ اليَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ ﴿ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ أيْ فَيُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ ويُتَمِّمُ جَزاءَ أعْمالِهِمِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ ويُعْطِيهِمْ ثَوابَ ذَلِكَ وافِيًا مِن غَيْرِ نَقْصٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَوْفِيَةَ الأُجُورِ هي قِسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ، والظّاهِرُ أنَّها أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وعَلَّقَ التَّوْفِيَةَ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ولَمْ يُعَلَّقِ العَذابَ بِسِوى الكُفْرِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ في الإيمانِ ودُعاءً إلَيْها وإيذانًا بِعِظَمٍ قُبْحِ الكُفْرِ، وقَرَأ حَفْصٌ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (فَيُوَفِّيهِمْ) بِياءِ الغَيْبَةِ، وزادَ رُوَيْسٌ ضَمَّ الهاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، ولَعَلَّ وجْهَ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى الإيذانُ بِأنَّ تَوْفِيَةَ الأجْرِ مِمّا لا يَقْتَضِي لَها نَصْبُ نَفْسٍ لِأنَّها مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ ولا كَذَلِكَ العَذابُ، والمَوْصُولُ في الآيَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدُ الفاءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما ذُكِرَ، ومَوْضِعُ المَحْذُوفِ بَعْدَ الصِّلَةِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ قَبْلَ المَوْصُولِ لِأنَّ أمّا لا يَلِيها الفِعْلُ.

﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ  ﴾ أيْ لا يُرِيدُ تَعْظِيمَهم ولا يَرْحَمُهم ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، أوِ المُرادُ يُبْغِضُهم عَلى ما هو الشّائِعُ في مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلُ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ ٥٨

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ المَذْكُورُ مِن أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والإتْيانُ بِما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ وبَعْدَ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ ﴿ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ﴾ أيْ نَسْرُدُهُ ونَذْكُرُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، والمُرادُ تَلَوْناهُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ اِسْتِحْضارًا لِلصُّورَةِ الحاصِلَةِ اِعْتِناءً بِها، وقِيلَ: يُمْكِنُ الحَمْلُ عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ قِصَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَفْرَغْ مِنها بَعْدُ ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ أيِ الحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِكَ إذْ أعْلَمَتْهم بِما لا يُعْلِمُهُ إلّا قارِئُ كِتابٍ، أوْ مُعَلِّمٌ ولَسْتَ بِواحِدٍ مِنهُما، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّكَ قَدْ عَرَفْتَهُ مِن طَرِيقِ الوَحْيِ ﴿ والذِّكْرِ ﴾ أيِ القُرْآنِ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وتَفْسِيرُهُ بِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى الأوَّلِ، وابْتِدائِيَّةٌ عَلى الثّانِي وحَمْلُها عَلى البَيانِ وإرادَةُ بَعْضِ مَخْصُوصٍ مِنَ القُرْآنِ بِعِيدٌ، ﴿ الحَكِيمِ  ﴾ أيِ المُحْكِمُ المُتْقِنُ نَظْمَهُ، أوِ المَمْنُوعُ مِنَ الباطِلِ، أوْ صاحِبُ الحِكْمَةِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ اِسْتِعْمالُهُ لِما صَدَرَ عَنْهُ مِمّا اِشْتَمَلَ عَلى حِكْمَتِهِ؛ إمّا عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ في لَفْظِ حَكِيمٍ، أوِ الإسْنادِ المَجازِيِّ بِأنْ أسْنَدَ لِلذِّكْرِ ما هو لِسَبَبِهِ وصاحِبِهِ، وجَعْلُهُ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ التَّخْيِيلِيَّةِ بِأنْ شَبَّهَ القُرْآنَ بِناطِقٍ بِالحِكْمَةِ وأثْبَتَ لَهُ الوَصْفَ بِحَكِيمٍ تَخْيِيلًا - مُحْوَجٌ إلى تَكَلُّفٍ مَشْهُورٍ في دَفْعِ شُبْهَةٍ ذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ حِينَئِذٍ، فَتَأمَّلْ.

وجُوِّزَ في الآيَةِ أوْجَهٌ مِنَ الإعْرابِ، الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ، و ﴿ نَتْلُوهُ ﴾ خَبَرُهُ، و ﴿ عَلَيْكَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ، و ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ هو الخَبَرُ وما بَيْنَهُما حالٌ مِنَ اِسْمِ الإشارَةِ عَلى أنَّ العامِلَ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ لا الجارُّ والمَجْرُورُ، قِيلَ: لِأنَّ الحالَ لا يَتَقَدَّمُ العامِلَ المَعْنَوِيَّ، الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، و ﴿ نَتْلُوهُ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (ذَلِكَ) و ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ، الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ (ذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ نَتْلُو فَيَكُونُ ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ حالًا مِنَ الهاءِ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٥٩

﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى ﴾ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ: «”أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : مالَكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا؟

قالَ: ما أقُولُ؟

قالُوا: تَقُولُ: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، قالَ: أجَلْ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى العَذْراءِ البَتُولِ فَغَضِبُوا وقالُوا: هَلْ رَأيْتَ إنْسانًا قَطُّ مِن غَيْرِ أبٍ فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأرِنا مِثْلَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ“».

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «اَلدَّلائِلِ» مِن طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ يَسُوعَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «”أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  كَتَبَ إلى أهْلِ نَجْرانَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ (طس) (سُلَيْمانَ) (بِسْمِ إلَهِ إبْراهِيمَ وإسْحَقَ ويَعْقُوبَ) مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى أُسْقُفِ نَجْرانَ وأهْلِ نَجْرانَ إنْ أسْلَمْتُمْ فَإنِّي أحْمَدُ اللَّهَ إلَيْكم إلَهَ إبْراهِيمَ وإسْحَقَ ويَعْقُوبَ، أمّا بَعْدُ فَإنِّي أدْعُوكم إلى عِبادَةِ اللَّهِ مِن عِبادَةِ العِبادِ وأدْعُوكم إلى وِلايَةِ اللَّهِ مِن وِلايَةِ العِبادِ، فَإنْ أبَيْتُمْ فالجِزْيَةُ فَإنْ أبَيْتُمْ فَقَدَ آذَنْتُكم بِحَرْبٍ، والسَّلامُ“، فَلَمّا قَرَأ الأُسْقُفُ الكِتابَ فَظِعَ بِهِ وذُعِرَ ذُعْرًا شَدِيدًا فَبَعَثَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ نَجْرانَ يُقالُ لَهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ وداعَةَ فَدَفَعَ إلَيْهِ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ  فَقَرَأهُ، فَقالَ لَهُ الأُسْقُفُ: ما رَأْيُكَ؟

فَقالَ شُرَحْبِيلُ: قَدْ عَلِمْتُ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ في ذُرِّيَّةِ إسْمَعِيلَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَما يُؤْمَنُ أنَّ يَكُونَ هَذا الرَّجُلُ نَبِيًّا ولَيْسَ لِي في النُّبُوَّةِ رَأْيٌ، لَوْ كانَ أمْرٌ مِن أمْرِ الدُّنْيا أشَرْتُ عَلَيْكَ فِيهِ وجَهَدْتُ لَكَ، فَبَعَثَ الأُسْقُفُ إلى واحِدٍ بَعْدَ واحِدٍ مِن أهْلِ نَجْرانَ فَكُلُّهم قالَ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ، فاجْتَمَعَ رَأْيُهم عَلى أنْ يَبْعَثُوا شُرَحْبِيلَ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ وحَيّارَ بْنَ قَنَصٍ فَيَأْتُونَهم بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ  فانْطَلَقَ الوَفْدُ حَتّى أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  فَسَألَهم وسَألُوهُ فَلَمْ تَزَلْ بِهِ وبِهِمُ المَسْألَةُ حَتّى قالُوا: ما تَقُولُ في عِيسى اِبْنِ مَرْيَمَ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ما عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ يَوْمِي هَذا فَأقِيمُوا حَتّى أُخْبِرَكم بِما يُقالُ لِي في عِيسى صُبْحَ الغَداةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ ﴾ فَأبَوْا أنْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ فَلَمّا أصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ  الغَدَ بَعْدَ ما أخْبَرَهُمُ الخَبَرَ أقْبَلَ مُشْتَمِلًا عَلى الحَسَنِ والحُسَيْنِ في خَمِيلَةٍ لَهُ وفاطِمَةُ تَمْشِي عِنْدَ ظَهْرِهِ لِلْمُلاعَنَةِ، ولَهُ يَوْمَئِذٍ عِدَّةُ نِسْوَةٍ، فَقالَ شُرَحْبِيلُ لِصاحِبَيْهِ: إنِّي أرى أمْرًا ثَقِيلًا إنْ كانَ هَذا الرَّجُلُ نَبِيًّا مُرْسَلًا فَتَلاعَناهُ لا يَبْقى عَلى ظَهْرِ الأرْضِ مِنّا شَعْرٌ ولا ظُفْرٌ إلّا هَلَكَ، فَقالا لَهُ: ما رَأْيُكَ؟

فَقالَ: رَأْيِي أنْ أحْكُمَهُ فَإنِّي أرى رَجُلًا لا يَحْكُمُ شَطَطًا أبَدًا، فَقالا لَهُ: أنْتَ وذاكَ، فَتَلَقّى شُرَحْبِيلُ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ: إنِّي رَأيْتُ خَيْرًا مِن مُلاعَنَتِكَ قالَ: وما هُوَ؟

قالَ: حُكْمُكَ اليَوْمَ إلى اللَّيْلِ ولَيْلُكَ إلى الصَّباحِ فَما حَكَمْتَ فِينا فَهو جائِزٌ فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ  ولَمْ يُلاعِنْهم وصالَحَهم عَلى الجِزْيَةِ».

ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، والمَثَلُ هُنا لَيْسَ هو المَثَلَ المُسْتَعْمَلَ في التَّشْبِيهِ، والكافُ زائِدَةٌ كَما قِيلَ بِهِ بَلْ بِمَعْنى الحالِ والصِّفَةِ العَجِيبَةِ، أيْ: إنَّ صِفَةَ عِيسى ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: في تَقْدِيرِهِ وحُكْمِهِ، أوْ فِيما غابَ عَنْكم ولَمْ تَطَّلِعُوا عَلى كُنْهِهِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ فِيما تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَمَثَلِ آدَمَ ﴾ أيْ كَصِفَتِهِ وحالِهِ العَجِيبَةِ الَّتِي لا يَرْتابُ فِيها مُرْتابٌ.

﴿ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ﴾ جُمْلَةٌ اِبْتِدائِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مُبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ بِاعْتِبارِ أنَّ في كُلٍّ الخُرُوجَ عَنِ العادَةِ وعَدَمَ اِسْتِكْمالِ الطَّرَفَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جِيءَ بِها لِبَيانِ أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ أغْرَبُ وأخْرَقُ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أقْطَعَ لِلْخِصْمِ وأحْسَمَ لِمادَّةِ شُبْهَتِهِ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِآدَمَ، والمَعْنى اِبْتَدَأ خَلْقَ قالَبِهِ مِن هَذا الجِنْسِ.

﴿ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ أيْ صِرْ بَشَرًا فَصارَ، فالتَّراخِي عَلى هَذا زَمانِيٌّ إذْ بَيْنَ إنْشائِهِ مِمّا ذَكَرَ وإيجادِ الرُّوحِ فِيهِ وتَصْيِيرِهِ لَحْمًا ودَمًا زَمانٌ طَوِيلٌ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ بَعْدَ أنْ خَلَقَ قالَبَهُ بَقِيَ مُلْقًى عَلى بابِ الجَنَّةِ أرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ تُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ؛ والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ المُضِيِّ لِتَصْوِيرِ ذَلِكَ الأمْرِ الكامِلِ بِصُورَةِ المُشاهَدِ الَّذِي يَقَعُ الآنَ إيذانًا بِأنَّهُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَغْرَبَةِ العَجِيبَةِ الشَّأْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِما أنَّ الكَوْنَ مُسْتَقْبَلٌ بِالنَّظَرِ إلى ما قَبْلَهُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الإخْبارِ لا في المُخْبَرِ بِهِ، وحَمَلُوا الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ، ولا يَضُرُّ تَقَدُّمُ القَوْلِ عَلى الخَلْقِ في هَذا التَّرْتِيبِ والتَّراخِي كَما لا يَخْفى، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ عائِدٌ عَلى عِيسى لَيْسَ بِشَيْءٍ لِما فِيهِ مِنَ التَّفْكِيكِ الَّذِي لا داعِيَ إلَيْهِ ولا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ.

قِيلَ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ اِحْتَجَّ عَلى النَّصارى وأثْبَتَ جَوازَ خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أبٍ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَلَقَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن نُطْفَةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِجَعْلِها قابِلَةً لِذَلِكَ ومُسْتَعِدَّةً لَهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ خُلِقَ مِنَ الهَواءِ كَما خُلِقَ آدَمُ مِنَ التُّرابِ مِمّا لا مُسْتَنَدَ لَهُ مِن عَقْلٍ ولا نَقْلٍ و ﴿ فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا ﴾ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ أصْلًا.

<div class="verse-tafsir"

ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ٦٠

﴿ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ، وهو راجِعٌ إلى البَيانِ والقَصَصِ المَذْكُورِ سابِقًا، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ الحَقُّ ﴾ مُبْتَدَأً، و ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ خَبَرَهُ، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ المَقْصُودَ الدَّلالَةُ عَلى كَوْنِ عِيسى مَخْلُوقًا كَآدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ هو ”الحَقُّ“ لا ما يَزْعُمُهُ النَّصارى، وتَطْبِيقُ كَوْنِهِما مُبْتَدَأً وخَبَرًا عَلى هَذا المَعْنى لا يَتَأتّى إلّا بِتَكَلُّفِ إرادَةِ أنَّ كُلَّ حَقٍّ أوْ جِنْسِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِن جُمْلَتِهِ هَذا الشَّأْنُ أوْ حِمْلُ اللّامِ عَلى العَهْدِ بِإرادَةِ ”الحَقِّ“ المَذْكُورِ، ولا يَخْفى ما في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ  مِنَ اللَّطافَةِ الظّاهِرَةِ.

﴿ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ  ﴾ خِطابٌ لَهُ  ، ولا يَضُرُّ فِيهِ اِسْتِحالَةُ وُقُوعِ الِامْتِراءِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ بَلْ قَدْ ذَكَرُوا في هَذا الأُسْلُوبِ فائِدَتَيْنِ؛ إحْداهُما: أنَّهُ  إذا سَمِعَ مِثْلَ هَذا الخِطابِ تَحَرَّكَتْ مِنهُ الأرْيَحِيَّةُ فَيَزْدادُ في الثَّباتِ عَلى اليَقِينِ نُورًا عَلى نُورٍ وثانِيَتُهُما: أنَّ السّامِعَ يَتَنَبَّهُ بِهَذا الخِطابِ عَلى أمْرٍ عَظِيمٍ فَيَنْزِعُ ويَنْزَجِرُ عَمّا يُورِثُ الِامْتِراءَ لِأنَّهُ  مَعَ جَلالَتِهِ الَّتِي لا تَصِلُ إلَيْها الأمانِيُّ إذا خُوطِبَ بِمِثْلِهِ فَما يَظُنُّ بِغَيْرِهِ فَفي ذَلِكَ زِيادَةُ ثَباتٍ لَهُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ ولُطْفٌ بِغَيْرِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ ويَصْلُحُ لِلْخِطابِ.

<div class="verse-tafsir"

فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ ٦١

﴿ فَمَن حاجَّكَ ﴾ أيْ جادَلَكَ وخاصَمَكَ مِن وفْدِ نَصارى نَجْرانَ إذْ هُمُ المُتَصَدُّونَ لِذَلِكَ (فِيهِ) أيْ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ المُحَدِّثُ عَنْهُ وصاحِبُ القِصَّةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْحَقِّ المُتَقَدِّمِ لِقُرْبِهِ وعَدَمِ بُعْدِ المَعْنى ﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ ﴾ أيِ الآياتِ المُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ، وإطْلاقُ العِلْمِ عَلَيْها إمّا حَقِيقَةٌ لِأنَّها كَما قِيلَ: نَوْعٌ مِنهُ، وإمّا مَجازٌ مُرْسَلٌ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ ذِكْرُ المُحاجَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأدِلَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ الأخِيرُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ جاءَكَ ﴾ الرّاجِعِ إلى (ما) المَوْصُولَةِ، و(مِن) مِن ذَلِكَ تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ.

(فَقُلْ) أيْ لِمَن حاجَّكَ ﴿ تَعالَوْا ﴾ أيْ أقْبِلُوا بِالرَّأْيِ والعَزِيمَةِ، وأصْلُهُ طَلَبُ الإقْبالِ إلى مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في مُجَرَّدِ طَلَبِ المَجِيءِ ﴿ نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ يَدْعُ كُلٌّ مِنّا ومِنكم أبْناءَهُ ونِساءَهُ ونَفْسَهُ لِلْمُباهَلَةِ، وفي تَقْدِيمِ مَن قُدِّمَ عَلى النَّفْسِ في المُباهَلَةِ مَعَ أنَّها مِن مَظانِّ التَّلَفِ والرَّجُلُ يُخاطِرُ لَهم بِنَفْسِهِ إيذانًا بِكَمالِ أمْنِهِ  وكَمالِ يَقِينِهِ في إحاطَةِ حَفْظِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، ولِذَلِكَ -مَعَ رِعايَةِ الأصْلِ في الصِّيغَةِ فَإنَّ غَيْرَ المُتَكَلِّمِ تَبَعٌ لَهُ في الإسْنادِ- قَدَّمَ  جانِبَهُ عَلى جانِبِ المُخاطَبِينَ.

﴿ ثُمَّ نَبْتَهِلْ ﴾ أيْ نَتَباهَلْ، فالِافْتِعالُ هُنا بِمَعْنى المُفاعَلَةِ، وافْتَعَلَ وتَفاعَلَ أخَوانِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ كاشْتَوَرَ وتَشاوَرَ، واجْتَوَرَ وتَجاوَرَ، والأصْلُ في البُهْلَةِ بِالضَّمِّ والفَتْحِ فِيهِ كَما قِيلَ اللَّعْنَةُ، والدُّعاءُ بِها، ثُمَّ شاعَتْ في مُطْلَقِ الدُّعاءِ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَبْتَهِلُ إلى اللَّهِ تَعالى في حاجَتِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: بَهْلُ الشَّيْءِ والبَعِيرِ إهْمالُهُ وتَخْلِيَتُهُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ في الِاسْتِرْسالِ في الدُّعاءِ سَواءٌ كانَ لَعْنًا أوْ لا، إلّا أنَّهُ هُنا يُفَسَّرُ بِاللَّعْنِ لِأنَّهُ المُرادُ الواقِعُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ  ﴾ أيْ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (نَبْتَهِلْ) مُفَسِّرٌ لِلْمُرادِ مِنهُ، أيْ نَقُولُ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ، أوِ اللَّهُمَّ اِلْعَنِ الكاذِبِينَ.

أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ: «”أنَّ العاقِبَ والسَّيِّدَ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ  فَأرادَ أنْ يُلاعِنَهُما فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لا تُلاعِنْهُ فَواَللَّهِ لَئِنْ كانَ نَبِيًّا فَلاعَنَنا لا نُفْلِحُ نَحْنُ ولا عَقْبُنا مِن بَعْدِنا، فَقالُوا لَهُ: نُعْطِيكَ ما سَألْتَ فابْعَثْ مَعَنا رَجُلًا أمِينًا، فَقالَ: قُمْ يا أبا عُبَيْدَةَ، فَلَمّا قامَ قالَ هَذا أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ“».

وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في «اَلدَّلائِلِ» مِن طَرِيقِ عَطاءٍ والضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: ««أنَّ ثَمانِيَةً مِن أساقِفَةِ أهْلِ نَجْرانَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  مِنهُمُ العاقِبُ والسَّيِّدُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ قُلْ تَعالَوْا ﴾ الآيَةَ، فَقالُوا: أخِّرْنا ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَذَهَبُوا إلى بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فاسْتَشارُوهُمْ، فَأشارُوا عَلَيْهِمْ أنْ يُصالِحُوهُ ولا يُلاعِنُوهُ، وقالُوا: هو النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ في التَّوْراةِ فَصالَحُوا النَّبِيَّ  عَلى ألْفِ حُلَّةٍ في صَفَرَ وألْفٍ في رَجَبَ ودَراهِمَ»،» ورُوِيَ أنَّهم صالَحُوهُ عَلى أنْ يُعْطُوهُ في كُلِّ عامٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ وثَلاثًا وثَلاثِينَ دِرْعًا وثَلاثَةً وثَلاثِينَ بَعِيرًا وأرْبَعًا وثَلاثِينَ فَرَسًا.

وأخْرَجَ في «اَلدَّلائِلِ» أيْضًا مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: ««أنَّ وفْدَ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  وهم أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ مِنهُمُ السَّيِّدُ وهو الكَبِيرُ والعاقِبُ وهو الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ وصاحِبُ رَأْيِهِمْ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : أسْلِما، قالا: أسْلَمْنا، قالَ: ما أسْلَمْتُما، قالا: بَلى قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، قالَ: كَذَبْتُما يَمْنَعُكُما مِنَ الإسْلامِ ثَلاثٌ فِيكُما؛ عِبادَتُكُما الصَّلِيبَ، وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ، وزَعْمُكُما أنَّ لِلَّهِ ولَدًا، ونَزَلَ ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا قَرَأها عَلَيْهِمْ، قالُوا: ما نَعْرِفُ ما تَقُولُ، ونَزَلَ ﴿ فَمَن حاجَّكَ ﴾ الآيَةَ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ  : إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أمَرَنِي إنْ لَمْ تَقْبَلُوا هَذا أنْ أُباهِلَكُمْ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ بَلْ نَرْجِعُ فَنَنْظُرُ في أمْرِنا ثُمَّ نَأْتِيكَ، فَخَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ وتَصادَقُوا فِيما بَيْنَهُمْ، قالَ السَّيِّدُ لِلْعاقِبِ: قَدْ واَللَّهِ عَلِمْتُمْ أنَّ الرَّجُلَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَئِنْ لاعَنْتُمُوهُ أنَّهُ لِاسْتِئْصالِكُمْ، وما لاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ، فَبَقِيَ كَبِيرُهم ولا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، فَإنْ أنْتُمْ لَنْ تَتْبَعُوهُ وأبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم فَوادِعُوهُ وارْجِعُوا إلى بِلادِكم وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ  خَرَجَ ومَعَهُ عَلِيٌّ والحَسَنُ والحُسَيْنُ وفاطِمَةُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : إنْ أنا دَعَوْتُ فَأمِّنُوا أنْتُمْ، فَأبَوْا أنْ يُلاعِنُوهُ، وصالَحُوهُ عَلى الجِزْيَةِ»».

وعَنِ الشَّعْبِيِّ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «”لَقَدْ أتانِي البَشِيرُ بِهَلَكَةِ أهْلِ نَجْرانَ حَتّى الطَّيْرُ عَلى الشَّجَرِ لَوْ تَمُّوا عَلى المُلاعَنَةِ“،» وعَنْ جابِرٍ: «”واَلَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لَوْ فَعَلا لَأمْطَرَ الوادِي عَلَيْهِما نارًا“،» ورُوِيَ «أنَّ أُسْقُفَ نَجْرانَ «لَما رَأى رَسُولَ اللَّهِ  مُقْبِلًا ومَعَهُ عَلِيٌّ وفاطِمَةُ والحَسَنانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، قالَ: يا مَعْشَرَ النَّصارى: إنِّي لَأرى وُجُوهًا لَوْ سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُزِيلَ جَبَلًا مِن مَكانِهِ لَأزالَهُ فَلا تُباهِلُوا وتَهْلَكُوا»».

هَذا وإنَّما ضَمَّ رَسُولُ اللَّهِ  إلى النَّفْسِ الأبْناءَ والنِّساءَ مَعَ أنَّ القَصْدَ مِنَ المُباهَلَةِ تَبَيُّنُ الصّادِقِ مِنَ الكاذِبِ وهو يَخْتَصُّ بِهِ وبِمَن يُباهِلُهُ لِأنَّ ذَلِكَ أتَمَّ في الدَّلالَةِ عَلى ثِقَتِهِ بِحالِهِ واسْتِيقانِهِ بِصِدْقِهِ، وأكْمَلَ نِكايَةً بِالعَدُوِّ وأوْفَرَ إضْرارًا بِهِ لَوْ تَمَّتِ المُباهَلَةُ.

وفِي هَذِهِ القِصَّةِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى نُبُوَّتِهِ  وإلّا لَما اِمْتَنَعُوا عَنْ مُباهَلَتِهِ، ودَلالَتُها عَلى فَضْلِ آلِ اللَّهِ ورَسُولِهِ  مِمّا لا يَمْتَرِي فِيها مُؤْمِنٌ، والنَّصْبُ جازِمُ الإيمانِ.

واسْتَدَلَّ بِها الشِّيعَةُ عَلى أوْلَوِيَّةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِالخِلافَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ  بِناءً عَلى رِوايَةِ مَجِيءِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ، ووَجْهِ أنَّ المُرادَ حِينَئِذٍ بِأبْنائِنا الحَسَنُ والحُسَيْنُ وبِنِسائِنا فاطِمَةُ وبِأنْفُسِنا الأمِيرُ وإذا صارَ نَفْسَ الرَّسُولِ، وظاهِرٌ أنَّ المَعْنى الحَقِيقِيَّ مُسْتَحِيلٌ تَعَيُّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المُساواةَ، ومَن كانَ مُساوِيًا لِلنَّبِيِّ  فَهو أفْضَلُ وأوْلى بِالتَّصَرُّفِ مِن غَيْرِهِ، ولا مَعْنى لِلْخَلِيفَةِ إلّا ذَلِكَ.

وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ، أمّا أوَّلًا: فَبِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ بِأنْفُسِنا الأمِيرُ، بَلِ المُرادُ نَفْسُهُ الشَّرِيفَةُ  ، ويُجْعَلُ الأمِيرُ داخِلًا في الأبْناءِ، وفي العُرْفِ يُعَدُّ الخَتَنُ اِبْنًا مِن غَيْرِ رِيبَةٍ، ويُلْتَزَمُ عُمُومُ المَجازِ إنْ قُلْنا: إنَّ إطْلاقَ الِابْنِ عَلى اِبْنِ البِنْتِ حَقِيقَةٌ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ مُجازٌ لَمْ يُحْتَجْ إلى القَوْلِ بِعُمُومِهِ، وكانَ إطْلاقُهُ عَلى الأمِيرِ وابْنَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى حَدٍّ سَواءٍ في المَجازِيَّةِ، وقَوْلُ الطَّبَرْسِيِّ وغَيْرِهِ مِن عُلَمائِهِمْ إنَّ إرادَةَ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ  مِن ”أنْفُسَنا“ لا تَجُوزُ لِوُجُودِ (نَدْعُ) والشَّخْصُ لا يَدْعُو نَفْسَهُ هَذَيانًا مِنَ القَوْلِ، إذْ قَدْ شاعَ وذاعَ في القَدِيمِ والحَدِيثِ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلى كَذا، ودَعَوْتُ نَفْسِي إلى كَذا، وطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، وأمَرْتُ نَفْسِي وشاوَرْتُها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِعْمالاتِ الصَّحِيحَةِ الواقِعَةِ في كَلامِ البُلَغاءِ، فَيَكُونُ حاصِلُ (نَدْعُ أنْفُسَنا) نُحْضِرُ أنْفُسَنا، وأيُّ مَحْذُورٍ في ذَلِكَ عَلى أنّا لَوْ قَرَّرْنا الأمِيرَ مِن قِبَلِ النَّبِيِّ  لَمِصْداقُ أنْفُسِنا فَمَن نُقَرِّرُهُ مِن قِبَلِ الكُفّارِ مَعَ أنَّهم مُشْتَرِكُونَ في صِيغَةِ (نَدْعُ) إذْ لا مَعْنى لِدَعْوَةِ النَّبِيِّ  إيّاهم وأبْناءَهم ونِساءَهم بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ تَعالَوْا ﴾ كَما لا يَخْفى.

وأمّا ثانِيًا: فَبِأنّا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ بِأنْفُسِنا الأمِيرُ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ مِنَ النَّفْسِ ذاتُ الشَّخْصِ إذْ قَدْ جاءَ لَفْظُ النَّفْسِ بِمَعْنى القَرِيبِ والشَّرِيكِ في الدِّينِ والمِلَّةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ ﴾ ، ﴿ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ ، ﴿ لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا ﴾ فَلَعَلَّهُ لَمّا كانَ لِلْأمِيرِ اِتِّصالٌ بِالنَّبِيِّ  في النَّسَبِ والمُصاهَرَةِ واتِّحادٌ في الدِّينِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالنَّفْسِ، وحِينَئِذٍ لا تَلْزَمُ المُساواةُ الَّتِي هي عِمادُ اِسْتِدْلالِهِمْ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مُساواتَهُ في جَمِيعِ الصِّفاتِ يَلْزَمُ الِاشْتِراكُ في النُّبُوَّةِ والخاتَمِيَّةِ والبَعْثَةِ إلى كافَّةِ الخَلْقِ ونَحْوُ ذَلِكَ، وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ لِأنَّ التّابِعَ دُونَ المَتْبُوعِ، ولَوْ كانَ المُرادُ المُساواةَ في البَعْضِ لَمْ يَحْصُلِ الغَرَضُ لِأنَّ المُساواةَ في بَعْضِ صِفاتِ الأفْضَلِ والأوْلى بِالتَّصَرُّفِ لا تَجْعَلُ مَن هي لَهُ أفْضَلُ وأوْلى بِالتَّصَرُّفِ بِالضَّرُورَةِ، وأمّا ثالِثًا: فَبِأنَّ ذَلِكَ لَوْ دَلَّ عَلى خِلافَةِ الأمِيرِ كَما زَعَمُوا لَزِمَ كَوْنُ الأمِيرِ إمامًا في زَمَنِهِ  وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ وإنْ قُيِّدَ بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ فَمَعَ أنَّ التَّقْيِيدَ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ في اللَّفْظِ لا يَكُونُ مُفِيدًا لِلْمُدَّعى إذْ هو غَيْرُ مُتَنازَعٍ فِيهِ، لِأنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ إمامَتَهُ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، فَلَمْ يَكُنْ هَذا الدَّلِيلُ قائِمًا في مَحَلِّ النِّزاعِ، ولِضَعْفِ الِاسْتِدْلالِ بِهِ في هَذا المَطْلَبِ، بَلْ عَدَمُ صِحَّتِهِ كالِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى أفْضَلِيَّةِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِزَعْمِ ثُبُوتِ مُساواتِهِ لِلْأفْضَلِ مِنهم فِيهِ لَمْ يُقِمْهُ مُحَقِّقُو الشِّيعَةِ عَلى أكْثَرَ مِن دَعْوى كَوْنِ الأمِيرِ والبَتُولِ والحُسَيْنِ أعِزَّةً عَلى رَسُولِ اللَّهِ  كَما صَنَعَ عَبْدُ اللَّهِ المُشْهِدِيُّ في كِتابِهِ «إظْهارُ الحَقِّ» .

وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ واَلتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ، قالَ: «”لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ ﴾ الخ، دَعا رَسُولُ اللَّهِ  عَلِيًّا وفاطِمَةَ وحَسَنًا وحُسَيْنًا فَقالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلِي“،» وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن دُعائِهِ  هَؤُلاءِ الأرْبَعَةَ المُتَناسِبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم هو المَشْهُورُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ لَدى المُحْدَثِينَ، وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: ««أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جاءَ بِأبِي بَكْرٍ ووَلَدِهِ وبِعُمَرَ ووَلَدِهِ وبِعُثْمانَ ووَلَدِهِ وبِعَلِيٍّ ووَلَدِهِ»،» وهَذا خِلافُ ما رَواهُ الجُمْهُورُ.

واسْتَدَلَّ اِبْنُ أبِي عِلّانَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ القِصَّةِ أيْضًا عَلى أنَّ الحَسَنَيْنِ كانا مُكُلَّفَيْنِ في تِلْكَ الحالِ لِأنَّ المُباهَلَةَ لا تَجُوزُ إلّا مَعَ البالِغِينَ، وذَهَبَ الإمامِيَّةُ إلى أنَّها يُشْتَرَطُ فِيها كَمالُ العَقْلِ والتَّمْيِيزُ، وحُصُولُ ذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى البُلُوغِ فَقَدْ يَحْصُلُ كَمالٌ قَبْلَهُ رُبَّما يَزِيدُ عَلى كَمالِ البالِغِينَ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الحَسَنانِ إذْ ذاكَ غَيْرَ بالِغَيْنِ إلّا أنَّهُما في سِنٍّ لا يَمْتَنِعُ مَعَها أنْ يَكُونا كامِلَيِ العَقْلِ، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَخْرُقَ اللَّهُ تَعالى العاداتِ لِأُولَئِكَ السّاداتِ ويَخُصَّهم بِما لا يُشارِكُهم فِيهِ غَيْرُهُمْ، فَلَوْ صَحَّ أنَّ كَمالَ العَقْلِ غَيْرُ مُعْتادٍ في تِلْكَ السِّنِّ لَجازَ ذَلِكَ فِيهِمْ إبانَةً لَهم عَمَّنْ سِواهم ودَلالَةً عَلى مَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى واخْتِصاصِهِمْ بِهِ، وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ لا تُحْصى خَصائِصُهم.

وذَهَبَ النَّواصِبُ إلى أنَّ المُباهَلَةَ جائِزَةٌ لِإظْهارِ الحَقِّ إلى اليَوْمِ إلّا أنَّهُ يُمْنَعُ فِيها أنْ يَحْضُرَ الأوْلادُ والنِّساءُ، وزَعَمُوا -رَفَعَهُمِ اللَّهُ تَعالى لا قَدْرًا وحَطَّهم ولا حَطَّ عَنْهم وِزْرًا- أنَّ ما وقَعَ مِنهُ  كانَ لِمُجَرَّدِ إلْزامِ الخِصْمِ وتَبْكِيتِهِ، وأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى فَضْلِ أُولَئِكَ الكِرامِ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الزَّعْمَ ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ، وأثَرٌ مِن مَسِّ الشَّيْطانِ.

ولَيْسَ يَصِحُّ في الأذْهانِ شَيْءٌ إذا اِحْتاجَ النَّهارُ إلى دَلِيلٍ ومَن ذَهَبَ إلى جَوازِ المُباهَلَةِ اليَوْمَ عَلى طُرُزِ ما صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ  اِسْتَدَلَّ بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ آخَرَ شَيْءٌ فَدَعاهُ إلى المُباهَلَةِ، وقَرَأ الآيَةَ ورَفَعَ يَدَيْهِ فاسْتَقْبَلَ الرُّكْنَ وكَأنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى كَيْفِيَّةِ الِابْتِهالِ وأنَّ الأيْدِيَ تُرْفَعُ فِيهِ، وفِيما أخْرَجَهُ الحاكِمُ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ وأنَّها تُرْفَعُ حَذْوَ المَناكِبِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٦٢

﴿ إنَّ هَذا ﴾ أيِ المَذْكُورَ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ ﴿ لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ ﴾ جُمْلَةٌ اِسْمِيَّةٌ خَبَرُ (إنَّ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرَ فَصْلٍ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، و(اَلْقَصَصُ) هو الخَبَرُ، وضَمِيرُ الفَصْلِ يُفِيدُ القَصْرَ الإضافِيَّ كَما يُفِيدُهُ تَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ و(اَلْحَقُّ) صِفَةُ القِصَصِ وهو المَقْصُودُ بِالإفادَةِ، أيْ إنَّ هَذا هو الحَقُّ لا ما يَدَّعِيهِ النَّصارى مِن كَوْنِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَهًا وابْنَ اللَّهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُهُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَصْرِ والتَّأْكِيدِ لَوْ لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ ما يُفِيدُ ذَلِكَ، وإنْ كانَ كَما هُنا فَهو لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، والأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ ولَعَلَّهُ الأوْجُهُ، واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، والأصْلُ فِيها أنْ تَدْخُلَ عَلى المُبْتَدَأِ إلّا أنَّهم يُزَحْلِقُونَها إلى الخَبَرِ لِئَلّا يَتَوالى حَرْفا تَأْكِيدٍ، وإذا جازَ دُخُولُها عَلى الخَبَرِ كانَ دُخُولُها عَلى الفَصْلِ أجْوَزَ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى المُبْتَدَأِ، فافْهَمْ.

و(اَلْقَصَصُ) عَلى ما في «اَلْبَحْرِ» مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ: قَصَّ فُلانٌ الحَدِيثَ يَقُصُّهُ قَصًّا وقَصَصًا؛ وأصْلُهُ تَتَبُّعُ الأثَرِ، يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ يَقُصُّ أثَرَ فُلانٍ، أيْ يَتَتَبِّعُهُ لِيَعْرِفَ أيْنَ ذَهَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ ﴾ أيْ تَتَبَّعِي أثَرَهُ، وكَذَلِكَ القاصُّ في الكَلامِ لِأنَّهُ يَتَتَبَّعُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ يَتَتَبَّعُ المَعانِيَ لِيُورِدَها، وهو هُنا فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيِ المَقْصُوصُ الحَقُّ، وقُرِئَ (لَهْوَ) بِسُكُونِ الهاءِ.

﴿ وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ ﴾ رَدٌّ عَلى النَّصارى في تَثْلِيثِهِمْ، وكَذا فِيهِ رَدٌّ عَلى سائِرِ الثَّنَوِيَّةِ، و(مِن) زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَما هو شَأْنُ الصِّلاتِ، وقَدْ فَهِمَ أهْلُ اللِّسانِ كَما قالَ الشِّهابُ أنَّها لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المَفْهُومِ مِنَ النَّكِرَةِ المَنفِيَّةِ لِاخْتِصاصِها بِذَلِكَ في الأكْثَرِ، وقَدْ تَوَقَّفَ مُحِبُّ الدِّينِ في وجْهِ إفادَةِ الكَلِماتِ المَزِيدَةِ لِلتَّأْكِيدِ بِأيْ طَرِيقٍ هي فَإنَّها لَيْسَتْ وضْعِيَّةً، وأجابَ بِأنَّها ذَوْقِيَّةٌ يَعْرِفُها أهْلُ اللِّسانِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا حَوالَةٌ عَلى مَجْهُولٍ فَلا تُفِيدُ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّها وضْعِيَّةٌ لَكِنَّهُ مِن بابِ الوَضْعِ النَّوْعِيِّ، فَتَدَبَّرْ.

﴿ وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ ﴾ أيِ الغالِبُ غَلَبَةً تامَّةً، أوِ القادِرً قُدْرَةً كَذَلِكَ، أوِ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ ﴿ الحَكِيمُ  ﴾ أيِ المُتْقَنُ فِيما صَنَعَ، أوِ المُحِيطُ بِالمَعْلُوماتِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَقْصُودُ مِنها أيْضًا قَصْرُ الإلَهِيَّةِ عَلَيْهِ تَعالى رَدًّا عَلى النَّصارى، أيْ قَصْرُ إفْرادٍ، فالفَصْلُ والتَّعْرِيفُ هُنا كالفَصْلِ والتَّعْرِيفِ هُناكَ فَما قِيلَ: إنَّهُما لَيْسا لِلْحَصْرِ، إذِ الغالِبُ عَلى الأغْيارِ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا فَيَلْغُو القَصْرُ فِيهِ إلّا أنْ يُجْعَلَ قَصْرَ قَلْبٍ، والمَقامُ لا يُلائِمُهُ مِمّا لا عِصامَ لَهُ كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُفْسِدِينَ ٦٣

﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ اِتِّباعِكَ وتَصْدِيقِكَ بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ ماضِيًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا وحُذِفَتْ مِنهُ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وأصْلُهُ تَتَوَلَّوْا ﴿ فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ  ﴾ أيْ بِهِمْ أوْ بِكُمْ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ في الظّاهِرِ لَكِنَّ المَعْنى عَلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى عِلْمِهِ بِالمُفْسِدِينَ مِن مُعاقَبَتِهِ لَهُمْ، فالكَلامُ لِلْوَعِيدِ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَنْبِيهًا عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْجَزاءِ والعُقابِ وهي الإفْسادُ، وقِيلَ: المَعْنى عَلى أنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِهَؤُلاءِ المُجادِلِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وبِأنَّهم لا يُقْدِمُونَ عَلى مُباهَلَتِكَ لِمَعْرِفَتِهِمْ نُبُوَّتَكَ وثُبُوتَ رِسالَتِكَ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا أيْضًا عِنْدَ التَّحْقِيقِ قائِمَةٌ مَقامَ الجَوابِ إلى أنَّهُ لَيْسَ الجَزاءُ والعِقابُ، والكَلامُ مُنْساقٌ لِتَسْلِيَتِهِ  ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ فَلَمّا أحَسَّ ﴾ أيْ شاهَدَ ﴿ عِيسى ﴾ بِواسِطَةِ النُّورِ الإلَهِيِّ المُشْرِقِ عَلَيْهِ ﴿ مِنهُمُ الكُفْرَ ﴾ أيْ ظُلْمَتَهُ، أوْ نَفْسَهُ، فَإنَّ المَعانِيَ تَظْهَرُ لِلْكُمَّلِ عَلى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ بِاخْتِلافِها فَيَرَوْنَها.

وحُكِيَ عَنِ البازِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ يَأْتِيانِي فَيُخْبِرانِي بِما يَحْدُثُ فِيهِما، وعَنْ بَعْضِ العارِفِينَ أنَّهُ يُشاهِدُ أعْمالَ العِبادِ كَيْفَ تَصْعَدُ إلى السَّماءِ، ويَرى البَلاءَ النّازِلَ مِنها.

﴿ قالَ مَن أنْصارِي ﴾ في حالِ دَعْوَتِي ﴿ إلى اللَّهِ ﴾ سُبْحانَهُ بِأنْ يَلْتَفِتَ إلى الِاشْتِغالِ بِتَكْمِيلِ نَفْسِهِ وتَهْذِيبِ أخْلاقِها حَتّى يَصْلُحَ لِتَرْبِيَةِ النّاقِصِينَ فَيَنْصُرُنِي ويُعِينُنِي في تَكْمِيلِ النّاقِصِ وإرْشادِ الضّالِّ ﴿ قالَ الحَوارِيُّونَ ﴾ المُبَيِّضُونَ ثِيابَ وجُودِهِمْ بِمِياهِ العِبادَةِ ومِطْرَقَةِ المُجاهَدَةِ وشَمْسِ المُراقَبَةِ ﴿ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ ﴾ أيْ أعْوانُ الفانِينَ فِيهِ الباقِينَ بِهِ، ومِنهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ آمَنّا بِاللَّهِ ﴾ الإيمانَ الكامِلَ ﴿ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ ﴾ أيْ مُنْقادُونَ لِأمْرِكَ حَيْثُ إنَّهُ أمْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿ رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ ﴾ وهو ما نَوَّرَتْ بِهِ قُلُوبَ أصْفِيائِكَ مِن عُلُومِ غَيْبِكَ ﴿ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ ﴾ فِيما أظْهَرَ مِن أوامِرِكَ ونَواهِيكَ رَجاءَ أنْ يُوصِلَنا ذَلِكَ إلى مَحَبَّتِكَ ﴿ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ ﴾ أيْ مَعَ مَن يَشْهَدُكَ ولا يَشْهَدُ مَعَكَ سِواكَ، أوِ الحاضِرِينَ لَكَ المُراقَبِينَ لِأمْرِكَ ﴿ ومَكَرُوا ﴾ أيِ الَّذِينَ أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ، واحْتالُوا مَعَ أهْلِ اللَّهِ بِتَدْبِيرِ النَّفْسِ، فَكانَ مَكْرُهم مَكْرَ الحَقِّ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ المُزَيِّنُ ذَلِكَ لَهُمْ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ فَهو الماكِرُ فِي الحَقِيقَةِ، وهَذا مَعْنى ﴿ ومَكَرَ اللَّهُ ﴾ عِنْدَ بَعْضٍ، والأوْلى القَوْلُ بِاخْتِلافِ المَكْرَيْنِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مَقامُ الفَرْقِ، وقَدْ سُئِلَ بَعْضُهم كَيْفَ يَمْكُرُ اللَّهُ؟

فَصاحَ وقالَ: لا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ وأنْشَأ يَقُولُ: فَدَيْتُكَ قَدْ جُبِلْتُ عَلى هَواكا ونَفْسِي لا تُنازِعُنِي سِواكا أُحِبُّكَ لا بِبَعْضِي بَلْ بِكُلِّي ∗∗∗ وإنْ لَمْ يُبْقِ حُبُّكَ لِي حِراكا ويَقْبُحُ مَن سِواكَ الفِعْلُ عِنْدِي ∗∗∗ وتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنكَ ذاكا ﴿ إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ﴾ عَنْ رَسْمِ الحُدُوثِيَّةِ ﴿ ورافِعُكَ إلَيَّ ﴾ بِنَعْتِ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِشَغْلِ سِرِّكَ عَنْ مُطالَعَةِ الأغْيارِ، أوْ مُتَوَفِّيكَ عَنْكَ، وقابِضُكَ مِنكَ، ورافِعُكَ عَنْ نُعُوتِ البَشَرِيَّةِ، ومُطَهِّرُكَ مِن إرادَتِكَ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ وعَلِمَ أنَّهم بَعَثُوا مَن يَقْتُلُهُ قالَ لِلْحَوارِيِّينَ: إنِّي ذاهِبٌ إلى أبِي وأبِيكُمُ السَّماوِيِّ، أيْ مُتَّصِلٌ بِرُوحِ القُدُسِ ومُتَطَهِّرٌ مِن عَلاقَةِ عالَمِ الرِّجْسِ فَأمُدُّكم بِالفَيْضِ كَيْ تُسْتَجابَ دَعْوَتُكُمُ الخَلْقَ بَعْدِي، فَشُبِّهَ لِلْقَوْمِ صُورَةٌ جَسَدانِيَّةٌ هي مَظْهَرُ عِيسى رُوحِ اللَّهِ تَعالى بِصُورَةِ حَقِيقَةِ عِيسى فَظَنُّوها هو فَصَلَبُوها ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَهُ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ الَّتِي هي فَلَكُ الشَّمْسِ، وحِكْمَةُ رَفْعِهِ إلى ذَلِكَ أنَّ رُوحانِيَّتَهُ عِبارَةٌ عَنْ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُشارِكُهُ المَسِيحُ في سِرِّ النَّفْخِ، ومَن قالَ: إنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ الدُّنْيا بَيَّنَ الحِكْمَةَ بِأنَّ إفاضَةَ رُوحِهِ كانَتْ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ رُوحانِيَّةِ فَلَكِ القَمَرِ، وبِأنَّ القَمَرَ في السَّماءِ الدُّنْيا وهو آيَةٌ لَيْلِيَّةٌ تُناسِبُ عِلْمَ الباطِنِ الَّذِي أُوتِيَهُ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ولَمْ يَعْتَبِرِ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمُ القَوْلَ: بِأنَّهُ يَدُورُ حَوْلَ العَرْشِ لِأنَّ ذَلِكَ مَقامُ النِّهايَةِ في الكَمالِ، ولِهَذا لَمْ يُعَرِّجْ إلَيْهِ سِوى صاحِبُ المَقامِ المَحْمُودِ  الجامِعُ بَيْنَ الظّاهِرِ والباطِنِ ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ﴾ في أنَّ كُلًّا مِنهُما خارِقٌ لِلْعادَةِ خارِجٌ عَنْ دائِرَتِها وإنِ اِفْتَرَقا في أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلا ذَكَرٍ بَلْ مِن نُطْفَةِ أُنْثى فَقَطْ كانَ في بَعْضِها قُوَّةُ العَقْدِ وفي البَعْضِ الآخَرِ قُوَّةُ الِانْعِقادِ كَسائِرِ النُّطَفِ المُرَكَّبَةِ مِن مَنِيَّيْنِ في أحَدِهِما القُوَّةُ العاقِدَةُ وفي الأُخْرى المُنْعَقِدَةُ، وأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلا ذَكَرٍ ولا أُنْثى ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ﴾ أيْ صَوَّرَ قالَبَهُ مِن ذَلِكَ ﴿ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ إشارَةً إلى نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وكَوْنِهِ مِن عالَمِ الأمْرِ نَظَرًا إلى رُوحِهِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي لَمْ تَرْتَكِضُ في رَحِمٍ ﴿ فَمَن حاجَّكَ فِيهِ ﴾ أيِ الحَقِّ، أوْ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحُجَجِ الباطِلَةِ ﴿ فَقُلْ تَعالَوْا ﴾ الخ أيْ فادْعُهُ إلى المُباهَلَةِ بِالهَيْئَةِ المَذْكُورَةِ.

قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: اِعْلَمْ أنَّ لِمُباهَلَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَأْثِيرًا عَظِيمًا سَبَبُهُ اِتِّصالُ نُفُوسِهِمْ بِرُوحِ القُدُسِ وتَأْيِيدُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِهِ وهو المُؤَثِّرُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى في العالَمِ العُنْصُرِيِّ فَيَكُونُ اِنْفِعالُ العالَمِ العُنْصُرِيِّ مِنهُ كانْفِعالِ أبْدانِنا مِن رُوحِنا بِالعَوارِضِ الوارِدَةِ عَلَيْهِ كالغَضَبِ والخَوْفِ والفِكْرِ في أحْوالِ المَعْشُوقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وانْفِعالُ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ مِنهُ كانْفِعالِ حَواسِّنا وسائِرِ قُوانا مِن عَوارِضِ أرْواحِنا، فَإذا اِتَّصَلَ نَفْسٌ قُدْسِيٌّ بِهِ، أوْ بِبَعْضِ أرْواحِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ والنُّفُوسِ المَلَكُوتِيَّةِ كانَ تَأْثِيرُها في العالَمِ عِنْدَ التَّوَجُّهِ الِاتِّصالِيِّ تَأْثِيرَ ما يَتَّصِلُ بِهِ فَيَنْفَعِلُ أجْرامُ العَناصِرِ والنُّفُوسِ النّاقِصَةِ الإنْسانِيَّةِ مِنهُ بِما أرادَ حَسَبَ ذَلِكَ الِاتِّصالِ ولِذا اِنْفَعَلَتْ نُفُوسُ النَّصارى مِن نَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالخَوْفِ وأحْجَمَتْ عَنِ المُباهَلَةِ وطَلَبَتِ المُوادَعَةَ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ اِنْتَهى.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ تَأْثِيرًا لَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ حَسَبَ اِخْتِلافِ مَراتِبِ النُّفُوسِ وتَفاوُتِ مَراتِبِ التَّوَجُّهاتِ إلى عامِّ التَّجَرُّدِ، وفِيهِ كَلامٌ طَوِيلٌ ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إلى تَحْقِيقِهِ، هَذا وتَطْبِيقُ ما في الآفاقِ عَلى ما في الأنْفُسِ ظاهِرٌ لِمَن أحاطَ خَبَرًا بِما قَدَّمْناهُ في الآياتِ الأُوَلِ، واَللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًۭٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٦٤

﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ نَزَلَتْ في وفْدِ نَصارى نَجْرانَ، قالَهُ السُّدِّيُّ والحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ وابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّها نَزَلَتْ في يَهُودِ المَدِينَةِ، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في الفَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِعُمُومِهِ ﴿ تَعالَوْا ﴾ أيْ هَلُمُّوا ﴿ إلى كَلِمَةٍ ﴾ أيْ كَلامٍ، كَما قالَ الزَّجّاجُ، وإطْلاقُها عَلى ذَلِكَ في كَلامِهِمْ مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ، وعَلاقَتُهُ تَجُوزُ إطْلاقُها عَلى المُرَكَّبِ النّاقِصِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بِالِاسْتِقْراءِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ وقُرِئَ (كِلْمَةً) بِكَسْرِ الكافِ وإسْكانِ اللّامِ عَلى التَّخْفِيفِ والنَّقْلِ ﴿ سَواءٍ ﴾ أيْ عَدْلٍ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ والرَّبِيعُ وقَتادَةُ، وقِيلَ: إنَّ سَواءً مَصْدَرٌ بِمَعْنى مُسْتَوِيَةٍ، أيْ لا يَخْتَلِفُ فِيها التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ، أوْ لا اِخْتِلافَ فِيها بِكُلِّ الشَّرائِعِ، وهو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِ (كَلِمَةٍ) وقُرِئَ بِنَصْبِهِ عَلى المَصْدَرِ.

﴿ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسَواءٍ ﴿ ألا نَعْبُدَ ﴾ أيْ نَحْنُ وأنْتُمْ ﴿ إلا اللَّهَ ﴾ بِأنْ نُوَحِّدَهُ بِالعِبادَةِ ونُخْلِصَ فِيها، وفي مَوْضِعِ (أنْ) وما بَعْدَها وجْهانِ، كَما قالَ أبُو البَقاءِ، الأوَّلُ: الجَرُّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿ كَلِمَةٍ ﴾ ، والثّانِي: الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ، أيْ هي أنْ لا نَعْبُدُ إلّا اللَّهَ، ولَوْلا عَمَلُ (أنْ) لَجازَ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ عَلى ﴿ سَواءٍ ﴾ ثُمَّ اُسْتُؤْنِفَ فَقِيلَ: ﴿ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ ﴾ ، فالظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و(أنْ) وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ ﴿ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ﴾ مِنَ الأشْياءِ عَلى مَعْنى لا نَجْعَلُ غَيْرَهُ شَرِيكًا لَهُ في اِسْتِحْقاقِ العِبادَةِ ولا نَراهُ أهْلًا لِأنْ يُعْبَدَ، وبِهَذا المَعْنى يَكُونُ الكَلامُ تَأْسِيسًا، والظّاهِرُ أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ إلّا أنَّ التَّأْسِيسَ أكْثَرُ فائِدَةً، وقِيلَ: المُرادُ لا نَشْرُكُ بِهِ شَيْئًا مِنَ الشِّرْكِ وهو بَعِيدٌ جِدًّا.

﴿ ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا يُطِيعُ بَعْضُنا بَعْضًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ اِبْنُ جُرَيْجٍ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ مِن حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «”أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ: ما كُنّا نَعْبُدُهم يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ  : أما كانُوا يُحَلِّلُونَ لَكم ويُحَرِّمُونَ فَتَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِمْ؟

قالَ: نَعَمْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هو ذاكَ“،» قِيلَ: وإلى هَذا أشارَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ هَذا الِاتِّخاذَ هو سُجُودُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقِيلَ: هو مِثْلُ اِعْتِقادِ اليَهُودِ في عُزَيْرٍ أنَّهُ اِبْنُ اللَّهِ، واعْتِقادُ النَّصارى في المَسِيحِ نَحْوُ ذَلِكَ، وضَمِيرُ نا عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لِلنّاسِ لا لِلْمُمْكِنِ وإنْ أمْكَنَ حَتّى يَشْمَلَ الأصْنامَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَعْبُدُوها.

وفِي التَّعْبِيرِ بِالبَعْضِ نُكْتَةٌ وهي الإشارَةُ إلى أنَّهم بَعْضٌ مِن جِنْسِنا فَكَيْفَ يَكُونُونَ أرْبابًا؟!

فَإنْ قُلْتَ: إنَّ المُخاطَبِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا البَعْضَ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ بَلِ اِتَّخَذُوهم آلِهَةً مَعَهُ سُبْحانَهُ، أُجِيبَ: بِأنَّهُ أُرِيدَ مِن دُونِ اللَّهِ وحْدَهُ، أوْ يُقالُ: بِأنَّهُ أتى بِذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الشِّرْكَ لا يُجامِعُ الِاعْتِرافَ بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى عَقْلًا، قالَهُ بَعْضُهُمْ، ولِلنَّصارى -سَوَّدَ اللَّهُ تَعالى حَظَّهُمْ- الحَظُّ الأوْفَرُ مِن هَذِهِ المَنهِيّاتِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُ فِرَقِهِمْ وتَفْصِيلُ كُفْرِهِمْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ.

﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ  ﴾ المُرادُ فَإنْ تَوَلَّوْا عَنْ مُوافَقَتِكم فِيما ذُكِرَ مِمّا اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الكُتُبُ والرُّسُلُ بَعْدَ عَرْضِهِ عَلَيْهِمْ، فاعْلَمُوا أنَّهم لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ وإنَّما أبَوْا عِنادًا فَقُولُوا لَهُمْ: أنْصَفُوا واعْتَرِفُوا بِأنّا عَلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو تَعْجِيزٌ لَهم أوْ هو تَعْرِيضٌ بِهِمْ، لِأنَّهم إذا شَهِدُوا بِالإسْلامِ لَهم فَكَأنَّهم قالُوا: إنّا لَسْنا كَذَلِكَ، وإلى هَذا ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقِيلَ: المُرادُ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا: إنّا لا نَتَحاشى عَنِ الإسْلامِ ولا نُبالِي بِأحَدٍ في هَذا الأمْرِ فاشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ فَإنّا لا نُخْفِي إسْلامَنا كَما أنَّكم تَخافُونَ وتُخْفُونَ كُفْرَكم ولا تَعْتَرِفُونَ بِهِ لِعَدَمِ وُثُوقِكم بِنَصْرِ اللَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ إنَّما يَحْسُنُ لَوْ كانَ الكَلامُ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ لَأنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الَّذِينَ يَخافُونَ فَيُخْفُونَ، وأمّا هَؤُلاءِ فَهم مُعْتَرِفُونَ بِما هم عَلَيْهِ كَيْفَ كانَ فَلا يَحْسُنُ هَذا الكَلامُ فِيهِمْ، و ﴿ تَوَلَّوْا ﴾ هُنا ماضٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ تَتَوَلَّوْا لِفَسادِ المَعْنى لِأنَّ ﴿ فَقُولُوا ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  والمُؤْمِنِينَ، (وتَتَوَلَّوْا) خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وعِنْدَ ذَلِكَ لا يَبْقى في الكَلامِ جَوابٌ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٦٥

﴿ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى ﴿ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ ﴾ أيْ تُنازِعُونَ وتُجادِلُونَ فِيهِ ويَدَّعِي كُلٌّ مِنكم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى دِينِهِ، أخْرَجَ اِبْنُ إسْحَقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ««اِجْتَمَعَتْ نَصارى نَجْرانَ وأحْبارُ يَهُودَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  فَتَنازَعُوا عِنْدَهُ، فَقالَتِ الأحْبارُ: ما كانَ إبْراهِيمُ إلّا يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: ما كانَ إبْراهِيمُ إلّا نَصْرانِيًّا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ»،» والظَّرْفُ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ وكَذا الثّانِي، وما اِسْتِفْهامِيَّةٌ، والغَرَضُ الإنْكارُ والتَّعَجُّبُ عِنْدَ السَّمِينِ، وحُذِفَتْ ألِفُها لَمّا دَخَلَ الجارُّ لِلْفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ المَوْصُولَةِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ دِينِ إبْراهِيمَ أوْ شَرِيعَتِهِ لِأنَّ الذَّواتَ لا مُجادَلَةَ فِيها ﴿ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ ﴾ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ والإنْجِيلُ ﴾ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ إلا مِن بَعْدِهِ ﴾ حَيْثُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ خَمْسُمِائَةٍ وخَمْسٌ وسِتُّونَ سَنَةً، وقِيلَ: سَبْعُمِائَةٍ، وقِيلَ: ألْفُ سَنَةٍ، وبَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ألْفٌ وتِسْعُمِائَةٍ وخَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وقِيلَ: ألْفا سَنَةٍ، وهُناكَ أقْوالٌ أُخَرُ.

﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ  ﴾ الهَمْزَةُ داخِلَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ هو المَعْطُوفُ عَلَيْهِ بِالعاطِفِ المَذْكُورِ عَلى رَأْيٍ، أيْ ألا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ بُطْلانَ قَوْلِكم أوْ أتَقُولُونَ ذَلِكَ فَلا تَعْقِلُونَ بُطْلانَهُ، وهَذا تَجْهِيلٌ لَهم في تِلْكَ الدَّعْوى وتَحْمِيقٌ، وهو ظاهِرٌ إنْ كانُوا قَدِ اِدَّعَوْا كَما قالَ الشِّهابُ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم حَقِيقَةٌ، وإنْ كانَ مُدَعّاهم أنَّ دِينَ إبْراهِيمَ يُوافِقُ دِينَ مُوسى أوْ دِينَ عِيسى فَهو يَهُودِيٌّ أوْ نَصْرانِيٌّ بِهَذا المَعْنى، فَتَجْهِيلُهم ونَفْيُ العَقْلِ عَنْهم بِنُزُولِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بَعْدَهُ مُشْكِلٌ إلّا أنْ يُدَعّى بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التَّوْراةَ، ولا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ الإنْجِيلَ بَلْ كانا يَؤْمُرانِ بِتَبْلِيغِ صُحُفِ إبْراهِيمَ، كَذا قِيلَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يُشْفِي الغَلِيلَ إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: أيُّ مانِعٍ مِنَ اِتِّحادِ الشَّرِيعَةِ مَعَ إنْزالِ هَذَيْنَ الكِتابَيْنِ لِغَرَضٍ آخَرَ غَيْرَ بَيانِ شَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ عَلى أنَّ الصُّحُفَ لَمْ تَكُنْ مُشْتَمِلَةً عَلى الأحْكامِ بَلْ كانَتْ أمْثالًا ومَواعِظَ كَما جاءَ في الحَدِيثِ، ثُمَّ ما قالَهُ الشِّهابُ، وإنْ كانَ وجْهُ التَّجْهِيلِ عَلَيْهِ ظاهِرًا، إلّا أنَّ صُدُورَ تِلْكَ الدَّعْوى مِن أهْلِ الكِتابِ في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا بِهَذِهِ المَثابَةِ مِنَ الجَهالَةِ، وفِيهِمْ أحْبارُ اليَهُودِ ووَفْدُ نَجْرانَ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ الأخِيرَيْنِ كانَتْ لَهم شِدَّةٌ في البَحْثِ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَرَثِ الزُّبَيْدِيِّ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ  يَقُولُ: «”لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَ أهْلِ نَجْرانَ حِجابًا فَلا أراهم ولا يَرَوْنِي“،» مِن شِدَّةِ ما كانُوا يُمارُونَ النَّبِيَّ  اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْمى بَصائِرَهم في هَذِهِ الدَّعْوى لِيَكُونُوا ضِحْكَةً لِأطْفالِ المُؤْمِنِينَ، أوْ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ والعِنادِ لِيَغِيظَ كُلٌّ مِنهم صاحِبَهُ؛ أوْ لِيُوهِمُوا بَعْضَ المُؤْمِنِينَ ظَنًّا مِنهم أنَّهم لِكَوْنِهِمْ أُمِّيِّينَ غَيْرَ مُطَّلِعِينَ عَلى تَوارِيخِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ يُزَلْزِلُهم مِثْلَ ذَلِكَ فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى، أوْ أنَّ القَوْمَ في حَدِّ ذاتِهِمْ جَهَلَةٌ لا يَعْلَمُونَ وإنْ كانُوا أهْلَ كِتابٍ، وما ذَكَرَهُ اِبْنُ الحَرْثِ لا يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِمْ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ مُرادَ اليَهُودِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَهُودِيًّا أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ بَعْثَتِهِ عَلى حَدِّ ما يَقُولُهُ المُسْلِمُونَ في سائِرِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِنَبِيِّنا  قَبْلَ بَعْثَتِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَبْشِيرُهم بِهِ، وأنَّ مُرادَ النَّصارى بِقَوْلِهِمْ: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ نَصْرانِيًّا نَحْوُ ذَلِكَ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ ومِن شَأْنِ المُتَأخِّرِ أنَّ يَشْتَمِلَ عَلى أخْبارِ المُتَقَدِّمِ لا سِيَّما مِثْلُ هَذا الأمْرِ المُهِمِّ والمَفْخَرِ العَظِيمِ والمِنَّةِ الكُبْرى، أفَلا تَعْقِلُونَ ما فِيهِما لِتَعْلَمُوا خُلُوَّهُما عَنِ الإخْبارِ بِيَهُودِيَّتِهِ ونَصْرانِيَّتِهِ اللَّتَيْنِ زَعَمْتُمُوهُما، ثُمَّ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى حَماقَتِهِمْ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: <div class="verse-tafsir"

هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٦٦

﴿ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ ﴾ أيْ: أنْتُمْ هَؤُلاءِ الحَمْقى ﴿ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ ﴾ كَأمْرِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ ﴾ وهو أمْرُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ لا ذِكْرَ لِدِينِهِ في كِتابِكُمْ، أوْ لا تَعَرُّضَ لِكَوْنِهِ آمَنَ بِمُوسى وعِيسى قَبْلَ بَعْثَتَيْهِما أصْلًا، ولَيْسَ المُرادُ وصْفَهم بِالعِلْمِ حَقِيقَةً وإنَّما المُرادُ هَبْ أنَّكم تُحاجُّونَ فِيما تَدَّعُونَ عِلْمَهُ عَلى ما يَلُوحُ لَكم مِن خِلالِ عِباراتِ كِتابِكم وإشاراتِهِ في زَعْمِكم فَكَيْفَ تُحاجُّونَ فِيما لا عِلْمَ لَكم بِهِ ولا ذِكْرَ ولا رَمْزَ لَهُ في كِتابِكُمُ البَتَّةَ؟!

و(ها) حَرْفُ تَنْبِيهٍ، واطَّرَدَ دُخُولُها عَلى المُبْتَدَأِ إذا كانَ خَبَرُهُ اِسْمَ إشارَةٍ، نَحْوَ ها أنا ذا وكُرِّرَتْ هُنا لِلتَّأْكِيدِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ أنَّ الأصْلَ أأنْتُمْ عَلى الِاسْتِفْهامِ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ هاءً، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ عِنْدَهُ التَّعَجُّبُ مِن جَهالَتِهِمْ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ إبْدالُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ هاءً في كَلامِهِمْ إلّا في بَيْتٍ نادِرٍ، ثُمَّ الفَصْلُ بَيْنَ الهاءِ المُبْدَلَةِ وهَمْزَةِ (أنْتُمْ) لا يُناسِبُ، لِأنَّهُ إنَّما يُفْصَلُ لِاسْتِثْقالِ اِجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ، وهُنا قَدْ زالَ الِاسْتِثْقالُ بِإبْدالِ الأُولى هاءً، والإشارَةُ لِلتَّحْقِيرِ والتَّنْقِيصِ، ومِنها فُهِمَ الوَصْفُ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ فائِدَةُ الحَمْلِ، وجُمْلَةُ ﴿ حاجَجْتُمْ ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولى، وقِيلَ: إنَّها حالِيَّةٌ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَقَعُ الحالُ مَوْقِعَها كَثِيرًا نَحْوَ ها أنا ذا قائِمًا وهَذِهِ الحالُ لازِمَةً؛ وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ خَبَرٌ عَنْ (أنْتُمْ) و ﴿ هَؤُلاءِ ﴾ مُنادًى حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، وقِيلَ: ﴿ هَؤُلاءِ ﴾ بِمَعْنى الَّذِينَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وجُمْلَةُ ﴿ حاجَجْتُمْ ﴾ صِلَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ، وقُرّاؤُهم يَقْرَءُونَ ﴿ ها أنْتُمْ ﴾ بِالمَدِّ والهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ هَمْزٍ ولا مَدٍّ إلّا بِقَدْرِ خُرُوجِ الألِفِ السّاكِنِ، وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ بِالهَمْزِ والقَصْرِ بِغَيْرِ مَدٍّ، وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ بِالمَدِّ دُونَ الهَمْزِ.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ حالَ إبْراهِيمَ وما كانَ عَلَيْهِ ﴿ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ  ﴾ ذَلِكَ، ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ المَفْعُولَ عامًّا، ويَدْخُلَ المَذْكُورُ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِنَفِيِ العِلْمِ عَنْهم في شَأْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ صَرَّحَ بِما نَطَقَ بِهِ البُرْهانُ المُقَرَّرُ فَقالَ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّۭا وَلَا نَصْرَانِيًّۭا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًۭا مُّسْلِمًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٦٧

﴿ ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ﴾ كَما قالَتِ اليَهُودُ ﴿ ولا نَصْرانِيًّا ﴾ كَما قالَتِ النَّصارى ﴿ ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا ﴾ أيْ مائِلًا عَنِ العَقائِدِ الزّائِغَةِ ﴿ مُسْلِمًا ﴾ أيْ مُنْقادًا لِطاعَةِ الحَقِّ، أوْ مُوَحِّدًا، لِأنَّ الإسْلامَ يَرِدُ بِمَعْنى التَّوْحِيدِ أيْضًا؛ قِيلَ: ويَنْصُرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ  ﴾ أيْ عَبَدَةِ الأصْنامِ كالعَرَبِ الَّذِي كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى دِينِهِ، أوْ سائِرِ المُشْرِكِينَ لِيَعُمَّ أيْضًا عَبَدَةَ النّارِ كالمَجُوسِ، وعَبَدَةَ الكَواكِبِ كالصّابِئَةِ، وقِيلَ: أرادَ بِهِمُ اليَهُودَ والنَّصارى لِقَوْلِ اليَهُودِ: عُزَيْرٌ اِبْنُ اللَّهِ، وقَوْلِ النَّصارى: المَسِيحُ اِبْنُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وأصِلُ الكَلامِ وما كانَ مِنكُمْ، إلّا أنَّهُ وضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمِرِ لِلتَّعْرِيضِ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَها، وتَفْسِيرُ الإسْلامِ بِما ذُكِرَ هو ما اِخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ وادَّعَوْا أنَّهُ لا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ هُنا بِالدِّينِ المُحَمَّدِيِّ لِأنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ بَعْدَهُ بِكَثِيرٍ فَكَيْفَ يَكُونُ مُسْلِمًا؟

فَيَكُونُ كادِّعائِهِمْ تَهَوُّدَهُ وتَنَصُّرَهُ المَرْدُودِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ ﴾ فَيَرِدُ عَلَيْهِ ما ورَدَ عَلَيْهِمْ، ويَشْتَرِكُ الإلْزامُ بَيْنَهُما، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِذَلِكَ، وأجابَ عَنِ اِشْتِراكِ الإلْزامِ بِأنَّ القُرْآنَ أخْبَرَ بِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ مُسْلِمًا ولَيْسَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا فَظَهَرَ الفَرْقُ.

قالَ العَلّامَةُ النَّيْسابُورِيُّ: فَإنْ قِيلَ: قَوْلُكُمْ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى دِينِ الإسْلامِ إنْ أرَدْتُمْ بِهِ المُوافَقَةَ في الأُصُولِ فَلَيْسَ هَذا مُخْتَصًّا بِدِينِ الإسْلامِ، وإنْ أرَدْتُمْ في الفُرُوعِ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ نَبِيُّنا  صاحِبَ شَرِيعَةٍ بَلْ مُقَرِّرًا لِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ، قِيلَ: يُخْتارُ الأوَّلُ، والِاخْتِصاصُ ثابِتٌ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى مُخالِفُونَ لِلْأُصُولِ في زَمانِنا لِقَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ وإشْراكِ عُزَيْرٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، أوِ الثّانِي، ولا يَلْزَمُ ما ذُكِرَ لِجَوازِ أنَّهُ تَعالى نَسَخَ تِلْكَ الفُرُوعَ بِشَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ نَسَخَ نَبِيُّنا  شَرْعَ مُوسى بِشَرِيعَتِهِ الَّتِي هي مُوافِقَةٌ لِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صاحِبَ شَرِيعَةٍ مَعَ مُوافَقَةِ شَرْعِهِ شَرْعَ إبْراهِيمَ في مُعْظَمِ الفُرُوعِ، اِنْتَهى.

ولا يَخْفى ما في الجَوابِ عَلى الِاخْتِيارِ الثّانِي مِن مَزِيدِ البُعْدِ بَلْ عَدَمِ الصِّحَّةِ، لِأنَّ نَسْخَ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ بِشَرِيعَةِ مُوسى، ثُمَّ نَسْخَ شَرِيعَةِ مُوسى بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُوافِقَةِ لِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ لا يَجْعَلُ نَبِيُّنا صاحِبَ شَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ، بَلْ يُقالُ لَهُ أيْضًا: إنَّهُ مُقَرِّرٌ لِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ وهو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا مُوافَقَةُ جَمِيعِ فُرُوعِ شَرِيعَتِنا لِجَمِيعِ فُرُوعِ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ مِمّا لا يُمْكِنُ بِوَجْهٍ أصْلًا إذْ مِن جُمْلَةِ فُرُوعِ شَرِيعَتِنا فَرْضِيَّةُ قِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلى غَيْرِ نَبِيِّنا  بِالبَدِيهَةِ، ونَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.

ومُوافَقَةُ المُعْظَمِ في حَيِّزِ المَنعِ ودُونَ إثْباتِها الشَّمُّ الرّاسِياتُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ لَيْسَ بِالدَّلِيلِ عَلى المُوافَقَةِ في الفُرُوعِ إذِ المِلَّةُ فِيهِ عِبارَةٌ عَنِ التَّوْحِيدِ أوْ عَنْهُ وعَنِ الأخْلاقِ كالهُدى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ .

واعْتَرَضَ الشِّهابُ عَلى الجَوابِ عَلى الِاخْتِيارِ الأوَّلِ بِالبُعْدِ كاعْتِراضِهِ عَلى الجَوابِ عَلى الِاخْتِيارِ الثّانِي بِمُجَرَّدِهِ أيْضًا، وذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ عُدُولِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ عَمّا يَقْتَضِيهِ كَلامُ هَذا العَلّامَةِ مِن أنَّ المُرادَ بِكَوْنِ إبْراهِيمَ مُسْلِمًا أنَّهُ عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ إلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُنْقادٌ بِحَمْلِ الإسْلامِ عَلى المَعْنى اللُّغَوِيِّ، وادَّعى أنَّهُ سالِمٌ مِنَ القَدْحِ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ أخْذَ الإسْلامِ لُغَوِيًّا لا يُناسِبُ بَحْثَ الأدْيانِ والكَلامَ فِيهِ، فَلا يَخْلُو هَذا الوَجْهُ عَنْ بُعْدٍ، ولَعَلَّهُ لا يُقَصِّرُ عَمّا اِدَّعاهُ مِن بُعْدِ الجَوابِ الأوَّلِ كَما لا يَخْفى عَلى صاحِبِ الذَّوْقِ السَّلِيمِ.

هَذا وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، ولَعَلَّهُ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ وهو أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمّا تَنازَعُوا فَقالَتِ اليَهُودُ إبْراهِيمُ مِنّا، وقالَتِ النَّصارى إنَّهُ مِنّا أرادَتْ كُلُّ طائِفَةٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذْ ذاكَ عَلى ما هو عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الحالِ وهو حالٌ مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ نَبِيُّهم في نَفْسِ الأمْرِ مُوافِقٌ لَهُ زَعْمًا عَلى مَعْنى مُوافَقَةِ الأُصُولِ لِلْأُصُولِ، أوِ المُوافَقَةُ فِيما يُعَدُّ في العُرْفِ مُوافَقَةً ولَوْ لَمْ تَكُنْ في المُعْظَمِ ولَيْسَتْ هَذِهِ الدَّعْوى مِنَ البُطْلانِ بِحَيْثُ لا تَخْفى عَلى أحَدٍ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ، ولَيْسا مُشْتَمِلَيْنِ عَلى ذَلِكَ، وهو مِنَ الحَرِيِّ بِالذِّكْرِ لَوْ كانَ، ثُمَّ أشارَ سُبْحانَهُ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الحَماقَةِ عَلى وجْهٍ أتَمَّ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما أشارَ أوَّلًا فَقالَ: ﴿ ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ﴾ أيْ مِنَ الطّائِفَةِ اليَهُودِيَّةِ المُخالِفَةِ لِما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في نَفْسِ الأمْرِ ﴿ ولا نَصْرانِيًّا ﴾ أيْ مِنَ الطّائِفَةِ النَّصْرانِيَّةِ المُخالِفَةِ لِما جاءَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ ﴿ ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ﴾ أيْ عَلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ دِينٌ مَرْضِيٌّ سِواهُ، وهو دِينُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ أُولَئِكَ اليَهُودَ والنَّصارى لَيْسُوا مِنَ الدِّينِ في شَيْءٍ لِمُخالَفَتِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ لِما عَلَيْهِ النَّبِيّانِ بَلِ الأنْبِياءُ، ثُمَّ أشارَ إلى سَبَبِ ذَلِكَ بِما عَرَّضَ بِهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المُسْلِمُ -كَما قالَ الجَصّاصُ وأشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ مِرارًا- المُؤْمِنَ ولَوْ مِن غَيْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ خِلافًا لِلسُّيُوطِيِّ في زَعْمِهِ أنَّ الإسْلامَ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الأُمَّةِ هَذا ما عِنْدِي في هَذا المَقامِ، فَتَدَبَّرْ، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اِتِّساعٌ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٦٨

﴿ إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ ﴾ أوْلى أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِن ولِيَهُ يَلِيهِ ولْيًا، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ لِأنَّ فاءَهُ واوٌ، فَلا تَكُونُ لامُهُ واوًا، إذْ لَيْسَ في الكَلامِ ما فاؤُهُ ولامُهُ واوانِ إلّا واوٌ، وأصْلُ مَعْناهُ أقْرَبُ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ: «”لِأوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ“،» ويَكُونُ بِمَعْنى أحَقَّ كَما تَقُولُ: العالِمُ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ، وهو المُرادُ هُنا، أيْ أقْرَبَ النّاسِ وأخَصَّهم بِإبْراهِيمَ ﴿ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﴾ أيْ كانُوا عَلى شَرِيعَتِهِ في زَمانِهِ، أوِ اِتَّبَعُوهُ مُطْلَقًا، فالعَطْفُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهَذا النَّبِيُّ ﴾ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ قَبْلَهُ الَّذِي هو خَبَرُ (إنَّ)، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المَفْعُولِ، والتَّقْدِيرُ لَلَّذِينِ اِتَّبَعُوا إبْراهِيمَ واتَّبَعُوا هَذا النَّبِيَّ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى إبْراهِيمَ أيْ إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ، وهَذا النَّبِيُّ لِلَّذِينِ اِتَّبَعُوهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُثَنّى ضَمِيرُ ﴿ اتَّبَعُوهُ ﴾ ويُقالُ اِتَّبَعُوهُما، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مِن بابِ ﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ﴾ إلّا أنَّ فِيهِ عَلى ما قِيلَ الفَصْلُ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إنْ كانَ عَطْفًا عَلى الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ أيْضًا، وإنْ كانَ عَطْفًا عَلى هَذا النَّبِيِّ فَلا فائِدَةَ فِيهِ إلّا أنْ يُدَّعى أنَّها لِلتَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِمْ، وأمّا اِلْتِزامُ أنَّهُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ حِينَئِذٍ فَهو كَما تَرى، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ المُتَّبِعِينَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في زَمانِهِ أوْلى النّاسِ بِهِ ظاهِرٌ، وكَوْنَ نَبِيِّنا  أوْلاهم بِهِ لِمُوافَقَةِ شَرِيعَتِهِ لِلشَّرِيعَةِ الإبْراهِيمِيَّةِ أكْثَرُ مِن مُوافَقَةِ شَرائِعِ سائِرِ المُرْسَلِينَ لَها، وكَوْنَ المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ كَذَلِكَ لِتَبَعِيَّتِهِمْ نَبِيَّهم فِيما جاءَ بِهِ ومِنهُ المُوافِقُ.

﴿ واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ  ﴾ يَنْصُرُهم ويُجازِيهِمْ بِالحُسْنى كَما هو شَأْنُ الوَلِيِّ، ولَمْ يَقُلْ ولِيُّهم تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَكُونُ اللَّهُ تَعالى بِهِ ولِيًّا لِعِبادِهِ وهو الإيمانُ بِناءً عَلى أنَّ التَّعْلِيقَ بِالمُشْتَقِّ يَقْتَضِي عَلَيْهِ مَبْدَأ الِاشْتِقاقِ، ومِن ذَلِكَ يُعْلَمُ ثُبُوتُ الحُكْمِ لِلنَّبِيِّ بِدَلالَةِ النَّصِّ، قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، «قالَ رُؤَساءُ اليَهُودِ: واَللَّهِ يا مُحَمَّدُ لَقَدْ عَلِمْتُ أنا أوْلى بِدِينِ إبْراهِيمَ مِنكَ ومِن غَيْرِكَ وأنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا وما بِكَ إلّا الحَسَدُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: ”حَدَّثَنِي اِبْنُ غَنْمٍ «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ أصْحابُ النَّبِيِّ  إلى النَّجاشِيِّ أدْرَكَهم عَمْرُو بْنُ العاصِ وعِمارَةُ بْنُ أبِي مَعِيطٍ فَأرادُوا عُنَّتَهم والبَغْيَ عَلَيْهِمْ فَقَدِمُوا عَلى النَّجاشِيِّ وأخْبَرُوهُ أنَّ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْكَ مِن أهْلِ مَكَّةَ يُرِيدُونَ أنْ يَخْبِلُوا عَلَيْكَ مُلْكَكَ ويُفْسِدُوا عَلَيْكَ أرْضَكَ ويَشْتُمُوا رَبَّكَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّجاشِيُّ فَلَمّا أنْ أتَوْهُ قالَ: ألا تَسْمَعُونَ ما يَقُولُ صاحِباكم هَذانِ لِعَمْرِو بْنِ العاصِ وعِمارَةَ بْنِ أبِي مَعِيطٍ يَزْعُمانِ أنَما جِئْتُمْ لِتَخْبِلُوا عَلَيَّ مُلْكِي وتُفْسِدُوا عَلَيَّ أرْضِي، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ وحَمْزَةُ: إنْ شِئْتُمْ خَلُّوا بَيْنَ أحَدِنا وبَيْنَ النَّجاشِيِّ فَلْيُكَلِّمْهُ أيُّنا أحْدَثُكم سِنًّا، فَإنْ كانَ صَوابًا فاَللَّهُ يَأْتِي بِهِ، وإنْ كانَ أمْرًا غَيْرَ ذَلِكَ قُلْتُمْ رَجُلٌ شابٌّ لَكم في ذَلِكَ عُذْرٌ، فَجَمَعَ النَّجاشِيُّ قِسِّيسِيهِ ورَهْبانِيَّتَهُ وتَراجِمَتَهُ ثُمَّ سَألَهم أرَأيْتُكم صاحِبَكم هَذا الَّذِي مِن عِنْدِهِ جِئْتُمْ ما يَقُولُ لَكم وما يَأْمُرُكم بِهِ وما يَنْهاكم عَنْهُ هَلْ لَهُ كِتابٌ يَقْرَؤُهُ؟

قالُوا: نَعَمْ، هَذا الرَّجُلُ يَقْرَأُ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وما قَدْ سَمِعَ مِنهُ ويَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَأْمُرُ بِحُسْنِ المُجاوَرَةِ، ويَأْمُرُ بِاليَتِيمِ، ويَأْمُرُ بِأنْ يُعْبَدَ اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ ولا يُعْبَدُ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ، فَقَرَأ عَلَيْهِ سُورَةُ الرُّومِ والعَنْكَبُوتِ وأصْحابِ الكَهْفِ ومَرْيَمَ، فَلَمّا أنْ ذَكَرَ عِيسى في القُرْآنِ أرادَ عَمْرٌو أنْ يُغْضِبَهُ عَلَيْهِمْ، قالَ: واَللَّهِ إنَّهم يَشْتُمُونَ عِيسى ويَسُبُّونَهُ، قالَ النَّجاشِيُّ: ما يَقُولُ صاحِبُكم في عِيسى، قالَ يَقُولُ: إنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، فَأخَذَ النَّجاشِيُّ نَفْثَةً مِن سِواكِهِ قَدْرَ ما يَقْذى العَيْنُ فَحَلَفَ ما زادَ المَسِيحُ عَلى ما يَقُولُ صاحِبُكم بِما يَزِنُ ذَلِكَ القَذى في يَدِهِ مِن نَفْثَةِ سِواكِهِ فَأبْشِرُوا ولا تَخافُوا فَلا (دهونة) يَعْنِي بِلِسانِ الحَبَشَةِ اللَّوْمَ عَلى حِزْبِ إبْراهِيمَ، قالَ عَمْرُو بْنُ العاصِ: ما حِزْبُ إبْراهِيمَ؟

قالَ: هَؤُلاءِ الرَّهْطُ وصاحِبُهُمُ الَّذِي جاءُوا مِن عِنْدِهِ ومَنِ اِتَّبَعَهُمْ، فَأُنْزِلَتْ ذَلِكَ اليَوْمَ في خُصُومَتِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  وهو بِالمَدِينَةِ ﴿ إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ ﴾ الآيَةَ“».

<div class="verse-tafsir"

وَدَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ٦٩

﴿ ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ﴾ المَشْهُورُ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ دَعا اليَهُودُ حُذَيْفَةَ وعَمّارًا ومُعاذًا إلى اليَهُودِيَّةِ، فالمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ ما يَشْمَلُ الفَرِيقَيْنِ، والآيَةُ بَيانٌ لِكَوْنِهِمْ دُعاةً إلى الضَّلالَةِ إثْرَ بَيانِ أنَّهم ضالُّونَ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ قالَ: ”كُلُّ شَيْءٍ في آلِ عِمْرانَ مِن ذِكْرِ أهْلِ الكِتابِ فَهو في النَّصارى“، ولَعَلَّهُ جارٍ مَجْرى الغالِبِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والطّائِفَةُ رُؤَساؤُهم وأحْبارُهُمْ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ، والطّائِفَةُ جَمِيعُ أهْلِ الكِتابِ وفِيهِ بُعْدٌ، و(لَوْ) بِمَعْنى أنِ المَصْدَرِيَّةَ، والمُنْسَبِكُ مَفْعُولُ وُدَّ وجُوِّزَ إقْرارُها عَلى وضْعِها، ومَفْعُولُ ودَّ مَحْذُوفٌ، وكَذا جَوابُ (لَوْ)، والتَّقْدِيرُ: ودَّتْ إضْلالَكم لَوْ يُضِلُّونَكم لَسُرُّوا بِذَلِكَ، ومَعْنى ﴿ يُضِلُّونَكُمْ ﴾ يَرُدُّونَكم إلى كُفْرِكُمْ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ أوْ يُهْلِكُونَكُمْ، قالَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، أوْ يُوقِعُونَكم في الضَّلالِ ويُلْقُونَ إلَيْكم ما يُشَكِّكُونَكم بِهِ في دِينِكُمْ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ.

﴿ وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الإهْلاكِ مِنَ الإضْلالِ أنَّهم ما يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم لِاسْتِحْقاقِهِمْ بِإيثارِهِمْ إهْلاكَ المُؤْمِنِينَ سَخَطَ اللَّهِ تَعالى وغَضَبَهُ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الإهْلاكِ الإيقاعَ في الضَّلالِ فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ لِأنَّ القَوْمَ ضالُّونَ فَيُؤَدِّي إلى جَعْلِ الضّالِّ ضالًّا، فَيُقالُ: إنَّ المُرادَ مِنَ الإضْلالِ ما يَعُودُ مِن وبالِهِ إمّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ أوِ الِاسْتِعارَةِ، أيْ ما يَتَخَطّاهُمُ الإضْلالُ ولا يَعُودُ وبالُهُ إلّا إلَيْهِمْ لِما أنَّهم يُضاعَفُ بِهِ عَذابُهُمْ، أوِ المُرادُ بِأنْفُسِهِمْ أمْثالُهُمُ المُجانِسُونَ لَهُمْ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: الإخْبارُ بِالغَيْبِ فَهو اِسْتِعارَةٌ أوْ تَشْبِيهٌ بِتَقْدِيرِ أمْثالِ أنْفُسِهِمْ، إذْ لَمْ يَتَهَوَّدْ مُسْلِمٌ، ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى إضْلالِهِمْ أنْفُسَهم إصْرارُهم عَلى الضَّلالِ بِما سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ اِتِّباعِ الهُدى بِإيضاحِ الحُجَجِ، ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.

﴿ وما يَشْعُرُونَ  ﴾ أيْ، وما يَفْطَنُونَ بِكَوْنِ الإضْلالِ مُخْتَصًّا بِهِمْ لِما اِعْتَرى قُلُوبَهم مِنَ الغِشاوَةِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقِيلَ: وما يَشْعُرُونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْلِمُ المُؤْمِنِينَ بِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ، وفي نَفْيِ الشُّعُورِ عَنْهم مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ٧٠

﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ  ﴾ أيْ لِمَ تَكْفُرُونَ بِما يُتْلى عَلَيْكم مِن آياتِ القُرْآنِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها ووُجُوبِ الإقْرارِ بِها مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقِيلَ: المُرادُ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِما في كُتُبِكم مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ  وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ الحُجَجَ الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ، أوْ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِما في كُتُبِكم مِن أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وأنْتُمْ تُشاهِدُونَ ذَلِكَ، أوْ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِالحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ  وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنَّ ظُهُورَ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ مُدَّعِي الرِّسالَةِ أوْ أنْتُمْ تَشْهَدُونَ إذا خَلَوْتُمْ بِصِحَّةِ دِينِ الإسْلامِ، أوْ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ جَمِيعًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ حَقِّيَّتَها بِلا شُبْهَةٍ بِمَنزِلَةِ عِلْمِ المُشاهَدَةِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ٧١

﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ ﴾ أيْ تَسْتُرُونَهُ بِهِ، أوْ تَخْلِطُونَهُ بِهِ، والباءُ صِلَةٌ، وفي المُرادِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ تَحْرِيفُهُمُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ، وثانِيها: أنَّ المُرادَ إظْهارُهُمِ الإسْلامَ وإبْطانُهُمُ النِّفاقَ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وثالِثُها: أنَّ المُرادَ الإيمانُ بِمُوسى وعِيسى والكَفْرُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورابِعُها أنَّ المُرادَ ما يَعْلَمُونَهُ في قُلُوبِهِمْ مِن حَقِّيَّةِ رِسالَتِهِ  وما يُظْهِرُونَهُ مِن تَكْذِيبِهِ، عَنْ أبِي عَلِيٍّ وأبِي مُسْلِمٍ، وقُرِئَ (تُلَبِّسُونَ) بِالتَّشْدِيدِ وهو بِمَعْنى المُخَفَّفِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ (تَلْبَسُونَ) وهو مِن لَبِسْتُ الثَّوْبَ، والباءُ بِمَعْنى مَعَ، والمُرادُ مِنَ اللَّبْسِ الِاتِّصافُ بِالشَّيْءِ والتَّلَبُّسُ بِهِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ فِيما رَواهُ البُخارِيُّ في «اَلصَّحِيحِ» عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ  قالَ: «”المُتَشَبِّعُ بِما لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ“».

﴿ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ ﴾ أيْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ  وما وجَدْتُمُوهُ في كُتُبِكم مِن نَعْتِهِ والبِشارَةِ بِهِ ﴿ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ  ﴾ أنَّهُ حَقٌّ، وقِيلَ: تَعْلَمُونَ الأُمُورَ الَّتِي يَصِحُّ بِها التَّكْلِيفُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٧٢

﴿ وقالَتْ طائِفَةٌ ﴾ أيْ جَماعَةٌ وسُمِّيَتْ بِها لِأنَّهُ يُسَوّى بِها حَلْقَةً يُطافُ حَوْلَها ﴿ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ أيِ اليَهُودِ لِبَعْضِهِمْ ﴿ آمِنُوا ﴾ أيْ أظْهِرُوا الإيمانَ ﴿ بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  ، وقِيلَ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابُهُ ﴿ وجْهَ النَّهارِ ﴾ أيْ أوَّلَهُ، كَما في قَوْلِ الرَّبِيعِ بْنِ زِيادٍ: مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا (بِوَجْهِ نَهارِ) وسُمِّيَ وجْهًا لِأنَّهُ أوَّلُ ما يُواجِهُكَ مِنهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كالوَجْهِ في أنَّهُ أعْلاهُ وأشْرَفُ ما فِيهِ، وذَكَرَ الثَّعالِبِيُّ أنَّهُ في ذَلِكَ اِسْتِعارَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴿ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ  ﴾ بِسَبَبِ هَذا الفِعْلِ عَنِ اِعْتِقادِهِمْ حَقِّيَّةَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، قالَ الحَسُنُ والسُّدِّيُّ: ”تَواطَأ اِثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن أحْبارِ يَهُودِ خَبِيرَ وقُرى عُرَيْنَةَ، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اُدْخُلُوا في دِينِ مُحَمَّدٍ أوَّلَ النَّهارِ بِاللِّسانِ دُونَ الِاعْتِقادِ واكْفُرُوا آخِرَ النَّهارِ وقُولُوا إنّا نَظَرْنا في كُتُبِنا وشاوَرْنا عُلَماءَنا فَوَجَدْنا مُحَمَّدًا لَيْسَ بِذاكَ وظَهَرَ لَنا كَذِبُهُ وبُطْلانُ دِينِهِ فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ شَكَّ أصْحابُهُ في دِينِهِمْ، فَقالُوا: إنَّهم أهْلُ الكِتابِ وهم أعْلَمُ بِهِ فَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ إلى دِينِكُمْ“، وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانَ هَذا في شَأْنِ القِبْلَةِ لَمّا حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِ، فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ لِأصْحابِهِ: آمِنُوا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ مِن أمْرِ الكَعْبَةِ وصَلُّوا إلَيْها أوَّلَ النَّهارِ وارْجِعُوا إلى قِبْلَتِكم آخِرَهُ لَعَلَّهم يَشُكُّونَ، والتَّعْبِيرُ بِما أُنْزِلَ بِناءً عَلى ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ وإلّا فَهم يُكَذِّبُونَ ولا يُصَدِّقُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ شَيْئًا عَلى المُؤْمِنِينَ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ أمْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، وأمّا اِمْتِثالُ الأمْرِ مِنَ المَأْمُورِ فَمَسْكُوتٌ عَنْ بَيانِ وُقُوعِهِ وعَدَمِهِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ في الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌۭ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ٧٣

﴿ ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ في نَظْمِ الآيَةِ ومَعْناها أوْجُهٌ لَخَّصَها الشِّهابُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ: أحَدُها: أنَّ التَّقْدِيرَ: ولا تُؤْمِنُوا بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ وهُمُ المُسْلِمُونَ أُوتُوا كِتابًا سَماوِيًّا كالتَّوْراةِ ونَبِيًّا مُرْسَلًا كَمُوسى وبِأنْ يُحاجُّوكم ويَغْلِبُوكم بِالحُجَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا لِاتِّباعِكُمْ، وحاصِلُهُ أنَّهم نَهَوْهم عَنْ إظْهارِ هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ لِلْمُسْلِمِينَ لِئَلّا يَزْدادُوا تَصَلُّبًا ولِمُشْرِكِي العَرَبِ لِئَلّا يَبْعَثُهم عَلى الإسْلامِ وأتى بِ أوْ عَلى وزانِ ﴿ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ وهو أبْلَغُ، والحَمْلُ عَلى مَعْنى حَتّى صَحِيحٌ مَرْجُوحٌ، وأتى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ ﴾ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقِهِ.

وفائِدَةُ الِاعْتِراضِ الإشارَةُ إلى أنَّ كَيْدَهم غَيْرُ ضارٍّ لِمَن لَطَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ، أوْ زِيادَةُ التَّصَلُّبِ فِيهِ، ويُفِيدُ أيْضًا أنَّ الهُدى هُداهُ فَهو الَّذِي يَتَوَلّى ظُهُورَهُ ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ فالمُرادُ بِالإيمانِ إظْهارُهُ كَما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوِ الإقْرارُ اللِّسانِيُّ كَما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، والمُرادُ مِنَ التّابِعِينَ المُتَصَلِّبُ مِنهُمْ، وإلّا وقَعَ ما فَرُّوا مِنهُ.

وثانِيها: أنَّ المُرادَ: ولا تُؤْمِنُوا هَذا الإيمانَ الظّاهِرَ الَّذِي أتَيْتُمْ بِهِ وجْهَ النَّهارِ إلّا لِمَن كانَ تابِعًا لِدِينِكم أوَّلًا، وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنهُمْ، أيْ لِأجْلِ رُجُوعِهِمْ لِأنَّهُ كانَ عِنْدَهم أهَمَّ وأوْقَعَ، وهم فِيهِ أرْغَبُ وأطْمَعُ، وعِنْدَ هَذا تَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ ﴾ أيْ فَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يُؤْتى ﴾ الخ عَلى هَذا مُعَلِّلًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ لِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ولِما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الغَلَبَةِ بِالحُجَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ دَبَّرْتُمْ ما دَبَّرْتُمْ، وحاصِلُهُ أنَّ داعِيَكم إلَيْهِ لَيْسَ إلّا الحَسَدُ، وإنَّما أتى بِ أوْ تَنْبِيهًا عَلى اِسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ في غَيْظِهِمْ وحَمْلِهِمْ عَلى الحَسَدِ حَتّى دَبَّرُوا ما دَبَّرُوا، ولَوْ أتى بِالواوِ لَمْ تَقَعْ هَذا المَوْقِعَ لِلْعِلْمِ بِلُزُومِ الثّانِي لِلْأوَّلِ لِأنَّهُ إذا كانَ ما أُوتُوا حَقًّا غَلَبُوا يَوْمَ القِيامَةِ مُخالِفَهم لا مَحالَةَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ، وأمّا أوْ فَتُشْعِرُ بِأنَّ كُلًّا مُسْتَقِلٌّ في الباعِثِيَّةِ عَلى الحَسَدِ والِاحْتِشادِ في التَّدْبِيرِ، والحَمْلُ عَلى مَعْنى حَتّى لَيْسَ لَهُ مَوْقِعٌ يُرَوِّعُ السّامِعَ وإنْ كانَ وجْهًا ظاهِرًا.

ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ اِبْنِ كَثِيرٍ (أأنْ يُؤْتى) بِزِيادَةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِلدَّلالَةِ عَلى اِنْقِطاعِهِ عَنِ الفِعْلِ واسْتِقْلالِهِ بِالإنْكارِ، وفِيهِ تَقْيِيدُ الإيمانِ بِالصّادِرِ أوَّلَ النَّهارِ بِقَرِينَةِ إنَّ الكَلامَ فِيهِ، وتَخْصِيصُ مَن تَبِعَ بِمُسْلِمِيهِمْ بِقَرِينَةِ المُضِيِّ فَإنَّ غَيْرَهم مُتِّبِعٌ دِينَهُمُ الآنَ أيْضًا، وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ ﴿ أنْ يُؤْتى ﴾ الخ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لَهم هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ، ومَعْناهُ أكَّدَ عَلَيْهِمْ أنَّ الهُدى ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى مِن إيتاءِ الكِتابِ غَيْرَكُمْ، وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ أنْ يَمْتَعِضُوا مِن أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ، وقُلْ لَأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ قُلْتُمْ ما قُلْتُمْ وكِدْتُمْ ما كِدْتُمْ.

وثالِثُها: أنْ يُقَرَّرَ ولا تُؤْمِنُوا عَلى ما قُرِّرَ عَلَيْهِ الثّانِي، ويُجْعَلَ ﴿ أنْ يُؤْتى ﴾ خَبَرَ (إنَّ) و ﴿ هُدى اللَّهِ ﴾ بَدَلًا مِنَ اِسْمِها، وأوْ بِمَعْنى حَتّى عَلى أنَّها غايَةٌ سَبَبِيَّةٌ، وحِينَئِذٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَخُصَّ عِنْدَ رَبِّكم بِيَوْمِ القِيامَةِ بَلْ بِالمُحاجَّةِ الحَقَّةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في البَقَرَةِ، ولَوْ حُمِلَتْ عَلى العَطْفِ لَمْ يَلْتَئِمِ الكَلامُ.

ورابِعُها: أنْ يَكُونَ ﴿ ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن ﴾ الخ باقِيًا عَلى إطْلاقِهِ، أيْ واكْفُرُوا آخِرَهُ واسْتَمِرُّوا عَلى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ اليَهُودِيَّةِ ولا تُقِرُّوا لِأحَدٍ إلّا لِمَن هو عَلى دِينِكم وهو مِن جُمْلَةِ مَقُولِ الطّائِفَةِ، ويَكُونُ ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى ﴾ الخ أمْرًا لِلنَّبِيِّ  أنْ يَقُولَ ذَلِكَ في جَوابِهِمْ، عَلى مَعْنى: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ فَلا تُنْكِرُوا أنْ يُؤْتى حَتّى تُحاجُّوا، وقَرِينَةُ الإضْمارِ إنَّ ﴿ ولا تُؤْمِنُوا ﴾ الخ تَقْرِيرٌ عَلى اليَهُودِيَّةِ، وأنَّهُ لا دِينَ يُساوِيها، فَإذا أُمِرَ  أنْ يُجِيبَهم عُلِمَ أنَّ ما أنْكَرُوهُ غَيْرُ مُنْكَرٍ وأنَّهُ كائِنٌ، وحَمْلُ أوْ عَلى مَعْناها الأصْلِيِّ حِينَئِذٍ أيْضًا حَسَنٌ، لِأنَّهُ تَأْيِيدٌ لِلْإيتاءِ وتَعْرِيضٌ بِأنَّ مَن أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتُوا هُمُ الغالِبُونَ، وقُرِئَ (إنْ يُؤْتى) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، أيْ قُولُوا لَهم ما يُؤْتى، وهو خِطابٌ لِمَن أسْلَمَ مِنهم رَجاءَ العَوْدِ، والمَعْنى لا إيتاءَ ولا مُحاجَّةَ فَأوْ بِمَعْنى حَتّى، وقُدِّرَ قُولُوا تَوْضِيحًا وبَيانًا لِأنَّهُ لَيْسَ اِسْتِئْنافًا تَعْلِيلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى ﴾ الخ اِعْتِراضٌ ذُكِرَ قَبْلَ أنْ يَتِمَّ كَلامُهم لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِ فَسادِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ، وأرْجَحُ الأوْجُهِ الثّانِي لِتَأْيِيدِهِ بِقِراءَةِ اِبْنِ كَثِيرٍ، وأنَّهُ أفْيَدُ مِنَ الأوَّلِ وأقَلُّ تَكَلُّفًا مِن باقِي الأوْجُهِ، وأقْرَبُ إلى المَساقِ، اِنْتَهى.

وأقُولُ: ما ذَكَرَهُ في الوَجْهِ الرّابِعِ مِن تَقْرِيرٍ فَلا تُنْكِرُوا أنْ يُؤْتى الخ، هو قَوْلُ قَتادَةَ والرَّبِيعِ والجُبّائِيِّ لَكِنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا أوْ بِمَعْنى حَتّى، وهو أحَدُ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما، وكَذا القَوْلُ بِإبْدالِ أنْ يُؤْتى مِنَ الهُدى قَوْلُ السُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ إلّا أنَّهم قَدَّرُوا لا بَيْنَ أنْ ويُؤْتى، واعْتَرَضَ عَلَيْهِما أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ بِأنْ لا لَيْسَتْ مِمّا تُحْذَفُ هَهُنا، والتَزَمَ تَقْدِيرَ مُضافٍ شاعَ تَقْدِيرُهُ في أمْثالِ ذَلِكَ وهو كَراهَةُ، والمَعْنى إنَّ الهُدى كَراهَةُ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أيْ مِمَّنْ خالَفَ دِينَ الإسْلامِ لِأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ، فَهُدى اللَّهِ تَعالى بَعِيدٌ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، ولا يَخْفى أنَّهُ مَعْنى مُتَوَعِّرٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ ما قالَهُ قَوْمٌ مِن أنْ ﴿ أنْ يُؤْتى ﴾ الخ تَفْسِيرٌ لِلْهُدى، وأنَّ المُؤْتى هو الشَّرْعُ، وأنَّ ﴿ أوْ يُحاجُّوكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ أُوتِيتُمْ ﴾ ، وأنَّ ما يُحاجُّ بِهِ العَقْلُ، وأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ أنَّ هُدى اللَّهِ تَعالى ما شَرَعَ أوْ ما عَهِدَ بِهِ في العَقْلِ، ومِنَ النّاسِ مِن جَعْلَ الكَلامَ مِن أوَّلِ الآيَةِ إلى آخِرِها مِنَ اللَّهِ تَعالى خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَ: والتَّقْدِيرُ ولا تُؤْمِنُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم وهو دِينُ الإسْلامِ ولا تُصَدِّقُوا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الدِّينِ فَلا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّكم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا شَرِيعَةَ بَعْدَ شَرِيعَتِكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولا تُصَدِّقُوا بِأنْ يَكُونَ لِأحَدٍ حُجَّةٌ عَلَيْكم عِنْدَ رَبِّكم لِأنَّ دِينَكم خَيْرُ الأدْيانِ.

وجَعْلُ ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ ﴾ اِعْتِراضًا لِلتَّأْكِيدِ وتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، واخْتِيارُ البَعْضِ لَهُ والِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ بِما قالَهُ الضَّحّاكُ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنّا نَحُجُّ عِنْدَ رَبِّنا مَن خالَفَنا في دِينِنا فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لَهم أنَّهم هُمُ المُدْحَضُونَ المَغْلُوبُونَ وأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الغالِبُونَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ هَذا البَيانَ لا يَتَعَيَّنُ فِيهِ هَذا الحَمْلُ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ مِن ﴿ يُحاجُّوكُمْ ﴾ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ عائِدٌ إلى (أحَدٌ) لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، إذِ المُرادُ بِهِ غَيْرُ أتْباعِهِمْ.

واسْتَشْكَلَ اِبْنُ المُنِيرِ قَطْعَ ﴿ أنْ يُؤْتى ﴾ عَنْ ﴿ لا تُؤْمِنُوا ﴾ عَلى ما في بَعْضِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ وُقُوعُ (أحَدٍ) في الواجِبِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ هُنا إنْكارٌ، واسْتِفْهامُ الإنْكارِ في مِثْلِهِ إثْباتٌ إذْ حاصِلُهُ أنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ووَبَّخَهم عَلى ما وقَعَ مِنهم وهو إخْفاءُ الإيمانِ بِأنَّ النُّبُوَّةَ لا تَخُصُّ بَنِي إسْرائِيلَ لِأجْلِ العِلَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ فَهو إثْباتٌ مُحَقَّقٌ، ثُمَّ قالَ: ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: رُوعِيَتْ صِيغَةُ الِاسْتِفْهامِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ حَقِيقَتَهُ فَحَسُنَ دُخُولُ (أحَدٍ) في سِياقِهِ لِذَلِكَ وفِيهِ تَأمُّلٌ، فَتَأمَّلْ وتَدَبَّرْ، فَقَدْ قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن مُشْكِلاتِ القُرْآنِ وأصْعَبِهِ تَفْسِيرًا.

﴿ قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما زَعَمُوهُ بِأوْضَحِ حُجَّةٍ، والمُرادُ مِنَ الفَضْلِ الإسْلامُ، قالَهُ اِبْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ غَيْرُهُ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الحُجَجُ الَّتِي أُوتِيَها النَّبِيُّ  والمُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: نِعَمُ الدِّينِ والدُّنْيا، ويَدْخُلُ فِيهِ ما يُناسِبُ المَقامَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ أيْ مِن عِبادِهِ ﴿ واللَّهُ واسِعٌ ﴾ رَحْمَةً، وقِيلَ: واسْعُ القُدْرَةِ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴿ عَلِيمٌ  ﴾ بِمَصالِحِ العِبادِ، وقِيلَ: يَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ.

<div class="verse-tafsir"

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ٧٤

﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ ﴾ قالَ الحَسَنُ: هي النُّبُوَّةُ، وقالَ اِبْنُ جُرَيْجٍ: الإسْلامُ والقُرْآنُ، وقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ هو وكَثْرَةُ الذِّكْرِ لِلَّهِ تَعالى، والباءُ داخِلَةٌ عَلى المَقْصُورِ وتَدْخُلُ عَلى المَقْصُورِ عَلَيْهِ، وقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: والباءُ بَعْدَ الِاخْتِصاصِ يَكْثُرُ دُخُولُها عَلى الَّذِي قَدْ قَصَّرُوا وعَكْسُهُ مُسْتَعْمَلٌ وجَيِّدُ ∗∗∗ ذَكَرَهُ الحَبْرُ الإمامُ السَّيِّدُ ﴿ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ قالَ اِبْنُ جُبَيْرٍ: [ 74 ] يَعْنِي الوافِرِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍۢ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍۢ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًۭا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٌۭ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٧٥

﴿ ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ نَوْعٍ آخَرَ مِن مَعايِبِهِمْ، و ﴿ تَأْمَنهُ ﴾ مِن أمِنتُهُ بِمَعْنى اِئْتَمَنتُهُ، والباءُ قِيلَ: بِمَعْنى عَلى، وقِيلَ: بِمَعْنى فِي، أيْ في حِفْظِ قِنْطارٍ والقِنْطارُ تَقَدَّمَ قِنْطارٌ مِنَ الكَلامِ فِيهِ يُرْوى أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ اِسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيٌّ ألْفًا ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ ذَهَبًا فَأدّاهُ إلَيْهِ، ﴿ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ﴾ كَفِنْحاصَ بْنِ عازُوراءَ فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ اِسْتَوْدَعَهُ قُرَشِيٌّ آخَرُ دِينارًا فَجَحَدَهُ، وقِيلَ: المَأْمُونُ عَلى الكَثِيرِ النَّصارى إذِ الغالِبُ فِيهِمُ الأمانَةُ، والخائِنُونَ في القَلِيلِ اليَهُودُ إذِ الغالِبُ عَلَيْهِمُ الخِيانَةُ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عِكْرِمَةَ.

والدِّينارُ لَفْظٌ أعْجَمِيٌّ وياؤُهُ بَدَلٌ عَنْ نُونٍ وأصْلُهُ دِنّارٌ فَأُبْدِلَ أوَّلُ المِثْلَيْنِ ياءً لِوُقُوعِهِ بَعْدَ كَسْرَةٍ، ويَدُلُّ عَلى الأصْلِ جَمْعُهُ عَلى دَنانِيرَ فَإنَّ الجَمْعَ يَرُدُّ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهو في المَشْهُورِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا والقِيراطُ ثَلاثُ حَبّاتٍ مِن وسَطِ الشَّعِيرِ فَمَجْمُوعُهُ اِثْنَتانِ وسَبْعُونَ حَبَّةً، قالُوا: ولَمْ يَخْتَلِفْ جاهِلِيَّةً ولا إسْلامًا، ومِنَ الغَرِيبِ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ، أنَّهُ قالَ: إنَّما سُمِّيَ الدِّينارُ دِينارًا لِأنَّهُ دِينٌ ونارٌ، ومَعْناهُ أنَّ مَن أخَذَهُ بِحَقِّهِ فَهو دِينُهُ، ومَن أخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ فَلَهُ النّارُ، ولَعَلَّهُ إبْداءُ إشارَةٍ مِن هَذا اللَّفْظِ لا أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى عَلى مالِكِ دِرْهَمٍ مِن عَقْلٍ فَضْلًا عَنْ مالِكِ دِينارٍ، وقُرِئَ (يُؤَدِّهِ) بِكَسْرِ الهاءِ مَعَ وصْلِها بِياءٍ في اللَّفْظِ وبِالكَسْرِ مِن غَيْرِ ياءٍ، وبِالإسْكانِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وبِضَمِّ الهاءِ ووَصْلِها بِواوٍ في اللَّفْظِ وبِضَمِّها مِن غَيْرِ واوٍ.

﴿ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ﴾ اِسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوِ الأوْقاتِ، أيْ: لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، أوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا في حالِ دَوامِ قِيامِكَ، أوْ في وقْتِ دَوامِ قِيامِكَ، والقِيامُ مَجازٌ عَنِ المُبالَغَةِ في المُطالَبَةِ، وفَسَّرَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِالإلْحاحِ، والسُّدِّيُّ بِالمُلازَمَةِ والِاجْتِماعِ مَعَهُ، والحَسَنُ بِالمُلازَمَةِ والتَّقاضِي، والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّ دالِ (دُمْتَ) فَهو عِنْدُهم كَ (قُلْتَ)، وقُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ فَهو حِينَئِذٍ عَلى وزانِ (خِفْتَ) وهو لُغَةٌ، والمُضارِعُ عَلى اللُّغَةِ الأُولى: (يَدُومُ) كَ (يَقُومُ)، وعَلى الثّانِيَةِ: (يَدامُ) كَ (يَخافُ) .

(ذَلِكَ) أيْ تَرْكُ الأداءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ لا يُؤَدِّهِ ﴾ ، ﴿ بِأنَّهم قالُوا ﴾ ضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ عَلى (مَن) في ﴿ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ ﴾ وجُمِعَ حَمْلًا عَلى المَعْنى والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ ﴿ لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ أيْ لَيْسَ عَلَيْنا فِيما أصَبْناهُ مِن أمْوالِ العَرَبِ عِتابٌ وذَمٌّ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ قالَ: بايَعَ اليَهُودُ رِجالًا مِنَ المُسْلِمِينَ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا أسْلَمُوا تَقاضَوْهم عَنْ بَيُوعِهِمْ، فَقالُوا: لَيْسَ عَلَيْنا أمانَةٌ ولا قَضاءٌ لَكم عِنْدَنا لِأنَّكم تَرَكْتُمْ دِينَكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ وادَّعَوْا أنَّهم وجَدُوا ذَلِكَ في كِتابِهِمْ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ  ﴾ أيْ أنَّهم كاذِبُونَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: قالَتِ اليَهُودُ: الأمْوالُ كُلُّها كانَتْ لَنا فَما في أيْدِي العَرَبِ مِنها فَهو لَنا وأنَّهم ظَلَمُونا وغَصَبُونا فَلا إثْمَ عَلَيْنا في أخْذِ أمْوالِنا مِنهُمْ، وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ ﴿ ومِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ قالَ النَّبِيُّ  : ”كَذِبُ أعْداءُ اللَّهِ ما مِن شَيْءٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ إلّا وهو تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ، إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ“،» والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ يَقُولُونَ، والمُرادُ يَفْتَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ﴿ الكَذِبَ ﴾ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، ولَمْ يُجَوِّزْ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِهِ لِأنَّ الصِّلَةَ لا تَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ، وأجازَهُ غَيْرُهُ لِأنَّهُ كالظَّرْفِ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ٧٦

﴿ بَلى ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿ لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ ، وإيجابٌ لِما نَفَوْهُ، والمَعْنى بَلى عَلَيْهِمْ في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، ﴿ مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ  ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها (بَلى) حَيْثُ أفادَتْ بِمَفْهُومِها المُخالِفِ ذَمَّ مَن لَمْ يَفِ بِالحُقُوقِ مُطْلَقًا فَيَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، و(مَن) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ شَرْطِيَّةٌ، و ﴿ أوْفى ﴾ فِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: إثْباتُ الهَمْزَةِ، وحَذْفُها مَعَ تَخْفِيفِ الفاءِ، وتَشْدِيدُها، والضَّمِيرُ في عَهْدِهِ عائِدٌ عَلى (مَن) وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ فَهو عَلى الأوَّلِ: مَصْدَرٌ مُضافٌ لِفاعِلِهِ، وعَلى الثّانِي: مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ أوْ لِفاعِلِهِ ولا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى (مَن) مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، فَإمّا أنْ يُقامَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ في الرَّبْطِ إنْ كانَ ﴿ المُتَّقِينَ ﴾ مِن ﴿ أوْفى ﴾ وإمّا أنْ يُجْعَلَ عُمُومُهُ وشُمُولُهُ رابِطًا إنْ كانَ ﴿ المُتَّقِينَ ﴾ عامًّا؛ وإنَّما وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ عَلى الأوَّلِ تَسْجِيلًا عَلى المُوفِينَ بِالعَهْدِ بِالتَّقْوى وإشارَةً إلى عِلَّةِ الحُكْمِ ومُراعاةً لِرُؤُوسِ الآيِ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِقُوَّةِ الرَّبْطِ فِيهِ، وقالَ اِبْنُ هِشامٍ: الظّاهِرُ أنَّهُ لا عُمُومَ وأنَّ ﴿ المُتَّقِينَ ﴾ مُساوٍ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والجَوابُ لَفْظًا أوْ مَعْنًى مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يُحِبُّهُ اللَّهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ ﴾ الخ، واعْتَرَضَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: الظّاهِرُ أنَّهُ لا عُمُومَ في حَيِّزِ المَنعِ فَإنَّ ضَمِيرَ ﴿ بِعَهْدِهِ ﴾ إذا كانَ لِلَّهِ فالِالتِفاتُ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الظّاهِرِ لِإفادَةِ العُمُومِ كَما هو المَعْهُودُ في أمْثالِهِ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًۭا قَلِيلًا أُو۟لَـٰٓئِكَ لَا خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٧٧

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ أخْرَجَ السِّتَّةُ وغَيْرُهم عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «”مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ هو فِيها فاجِرٌ لِيَقْطَعَ بِها مالَ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ، فَقالَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: فِيَّ واَللَّهِ كانَ ذَلِكَ، كانَ بَيْنِي وبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إلى النَّبِيِّ  فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ  : ألَكَ بَيِّنَةٌ؟

قُلْتُ: لا فَقالَ لِلْيَهُودِيِّ: اِحْلِفْ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إذًا يَحْلِفُ فَيَذْهَبُ مالِي فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ إنَّ الَّذِينَ ﴾ “ الخ،» وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى أنَّ رَجُلًا أقامَ سِلْعَةً لَهُ في السُّوقِ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ لَقَدْ أعْطى بِها ما لَمْ يُعْطَهُ لِيُوقِعَ فِيها رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ واللَّفْظُ لَهُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ قالَ: «”كانَ بَيْنَ اِمْرِئِ القَيْسِ ورَجُلٍ مِن حَضْرَمَوْتَ خُصُومَةٌ فارْتَفَعا إلى النَّبِيِّ  فَقالَ لِلْحَضْرَمِيِّ: بَيِّنَتُكَ وإلّا فَيَمِينُهُ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ حَلَفَ ذَهَبَ بِأرْضِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  :“مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ كاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِها حَقَّ أخِيهِ لَقِيَ اللَّهَ تَعالى وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ، فَقالَ اِمْرُؤُ القَيْسِ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَما لِمَن تَرَكَها وهو يَعْلَمُ أنَّها حَقٌّ؟

قالَ: الجَنَّةُ، قالَ: فَإنِّي أُشْهِدُكَ أنِّي قَدْ تَرَكْتُها، فَنَزَلَتْ"،» وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي رافِعٍ ولُبابَةَ بْنِ أبِي الحُقَيْقِ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ حَرَّفُوا التَّوْراةَ وبَدَّلُوا نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ  وحُكْمَ الأماناتِ وغَيْرِهِما وأخَذُوا عَلى ذَلِكَ رَشْوَةً، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ ولا مانِعَ مِن تَعَدُّدِ سَبَبِ النُّزُولِ كَما حَقَّقُوهُ.

والمُرادُ بِ (يَشْتَرُونَ) يَسْتَبْدِلُونَ، وبِالعَهْدِ أمْرُ اللَّهِ تَعالى وما يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ، وقِيلَ: ما عَهِدَهُ إلى اليَهُودِ في التَّوْراةِ مِن أمْرِ النَّبِيِّ  ، وقِيلَ: ما في عَقْلِ الإنْسانِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الباطِلِ والِانْقِيادِ إلى الحَقِّ، و(بِالأيْمانِ) الأيْمانُ الكاذِبَةُ، وبِالثَّمَنِ القَلِيلِ الأعْواضُ النَّزِرَةُ أوِ الرِّشا، ووَصْفُ ذَلِكَ بِالقِلَّةِ لِقِلَّتِهِ في جَنْبِ ما يَفُوتُهم مِنَ الثَّوابِ ويَحْصُلُ لَهم مِنَ العِقابِ.

﴿ أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ﴾ أيْ لا نَصِيبَ لَهم مِن نَعِيمِها بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِبْدالِ ﴿ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ بِما يَسُرُّهم بَلْ بِما يَسُوؤُهم وقْتَ الحِسابِ لَهُمْ، قالَهُ الجُبّائِيُّ، أوْ لا يُكَلِّمُهم بِشَيْءٍ أصْلًا وتَكُونُ المُحاسَبَةُ بِكَلامِ المَلائِكَةِ لَهم بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُمُ اِسْتِهانَةً بِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ إنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِكَلِماتِ اللَّهِ تَعالى وآياتِهِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، واسْتُظْهِرَ أنْ يَكُونَ هَذا كِنايَةً عَنْ غَضَبِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ.

﴿ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيْ لا يَعْطِفُ عَلَيْهِمْ ولا يَرْحَمُهم كَما يَقُولُ القائِلُ اُنْظُرْ إلَيَّ يُرِيدُ اِرْحَمْنِي، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَجازًا عَنِ الِاسْتِهانَةِ بِهِمْ والسَّخَطِ عَلَيْهِمْ، وفَرَّقَ بَيْنَ اِسْتِعْمالِهِ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ المُفَسِّرُ بِتَقْلِيبِ الحَدَقَةِ وفِيمَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِأنَّ أصْلَهُ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ الكِنايَةُ لِأنَّ مَنِ اِعْتَدَّ بِالإنْسانِ اِلْتَفَتَ إلَيْهِ وأعارَهُ نَظَرَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ عِبارَةً عَنِ الِاعْتِدادِ والإحْسانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَظَرٌ، ثُمَّ جاءَ فِيمَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مُجَرِّدًا لِمَعْنى الإحْسانِ مَجازًا عَمّا وقَعَ كِنايَةً عَنْهُ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ، وفي «اَلْكَشْفِ» إنَّ في هَذا تَصْرِيحًا بِأنَّ الكِنايَةَ يُعْتَبَرُ فِيها صُلُوحُ إرادَةِ الحَقِيقَةِ وإنْ لَمْ تَرِدْ، وأنَّ الكِناياتِ قَدْ تَشْتَهِرُ حَتّى لا تَبْقى تِلْكَ الجِهَةُ مَلْحُوظَةً وحِينَئِذٍ تَلْحَقُ بِالمَجازِ ولا تُجْعَلُ مَجازًا إلّا بَعْدَ الشُّهْرَةِ لِأنَّ جِهَةَ الِانْتِقالِ إلى المَعْنى المَجازِيِّ أوَّلًا غَيْرُ واضِحَةٍ بِخِلافِ المَعْنى المُكَنّى عَنْهُ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُخالَفَةِ بَيْنَ قَوْلَيِ الزَّمَخْشَرِيِّ في جَعْلِ بَسْطِ اليَدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ﴾ مَجازًا عَنِ الجُودِ تارَةً وكِنايَةً أُخْرى إذْ حاصِلُهُ أنَّهُ إنْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنِ المانِعِ الخارِجِيِّ كانَ كِنايَةً ثُمَّ أُلْحِقَ بِالمَجازِ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ كِنايَةٌ بِاعْتِبارِ أصْلِهِ قَبْلَ الإلْحاقِ ومَجازٌ بَعْدَهُ، فَلا تَناقُضَ بَيْنَهم كَما تَوَهَّمُوهُ، فَتَدَبَّرْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلَيْنِ وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْوَعِيدِ.

﴿ ولا يُزَكِّيهِمْ ﴾ أيْ ولا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أزْكِياءُ ولا يُسَمِّيهِمْ بِذَلِكَ بَلْ يَحْكُمُ بِأنَّهم كَفَرَةٌ فَجَرَةٌ، قالَهُ القاضِي، وقالَ الجُبّائِيُّ: لا يُنْزِلُهم مَنزِلَةَ الأزْكِياءِ، وقِيلَ: لا يُطَهِّرُهم عَنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ والأوْزارِ بِالمَغْفِرَةِ ﴿ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ  ﴾ أيْ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ في القِيامَةِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِهِ اِكْتِفاءً بِالأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّهُ في الدُّنْيا بِالإهانَةِ وضَرْبِ الجِزْيَةِ بِناءً عَلى أنَّ الآيَةَ في اليَهُودِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًۭا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٧٨

﴿ وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا ﴾ أيْ إنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ الخائِنِينَ لِجَماعَةٍ ﴿ يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ ﴾ أيْ يُحَرِّفُونَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: أصْلُ اللَّيِّ الفَتْلُ مِن قَوْلِكَ: لَوَيْتُ يَدَهُ إذا فَتَلْتُها، ومِنهُ لَوَيْتُ الغَرِيمَ إذا مَطَلْتُهُ حَقَّهُ، قالَ الشّاعِرُ: تُطِيلِينَ لَيّانِي وأنْتِ (مَلِيَّةٌ) وأُحْسِنُ يا ذاتَ الوِشاحِ التَّقاضِيا وفِي الخَبَرِ: «”لَيُّ الواجِدِ ظُلْمٌ“،» فالمَعْنى يَفْتِلُونَ ألْسِنَتَهم في القِراءَةِ بِالتَّحْرِيفِ في الحَرَكاتِ ونَحْوِها تَغْيِيرًا يَتَغَيَّرُ بِهِ المَعْنى ويَرْجِعُ هَذا في الآخِرَةِ إلى ما قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ يُمِيلُونَ الألْسِنَةَ بِمُشابِهِ الكِتابِ، والألْسِنَةُ جَمْعُ لِسانٍ، وذَكَرَ اِبْنُ الشِّحْنَةِ أنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ونُقِلَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ مَن أنَّثَهُ جَمَعَهُ عَلى ألْسُنٍ، ومَن ذَكَّرَهُ جَمَعَهُ عَلى ألْسِنَةٍ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: اللِّسانُ بِعَيْنِهِ لَمْ أسْمَعْهُ مِنَ العَرَبِ إلّا مُذَكَّرًا ولا يَخْفى أنَّ المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي؛ والباءُ صِلَةٌ أوْ لِلْآلَةِ أوْ لِلظَّرْفِيَّةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنَ الألْسِنَةِ أيْ مُلْتَبِسَةٌ بِالكِتابِ.

وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ (يُلَوُّونَ) بِالتَّشْدِيدِ فَهو عَلى حَدِّ ﴿ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ﴾ ، وعَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ كَثِيرٍ (يَلُونَ) عَلى قَلْبِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً ثُمَّ تَخْفِيفِها بِحَذْفِها وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى السّاكِنِ قَبْلَها كَذا قِيلَ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَوْ نُقِلَتْ ضَمَّةُ الواوِ لِما قَبْلَها فُحِذَفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَفى في التَّوْجِيهِ فَأيُّ حاجَةٍ إلى قَلْبِ الواوِ هَمْزَةً، ورُدَّ بِأنَّهُ فُعِلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلى القاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ بِخِلافِ نَقْلِ حَرَكَةِ الواوِ ثُمَّ حَذْفِها عَلى ما عُرِفَ في التَّصْرِيفِ، ونَظَرَ فِيهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ الواوَ المَضْمُومَةَ إنَّما تُبَدَّلُ هَمْزَةً إذا كانَتْ ضَمَّتُها أصْلِيَّةً فَهو مُخالِفٌ لِلْقِياسِ أيْضًا، نَعَمْ قُرِئَ (يَلْؤُونَ) بِالهَمْزِ في الشَّواذِّ وهو يُؤَيِّدُهُ، وعَلى كُلٍّ فَفِيهِ اِجْتِماعُ إعْلالَيْنِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، وأمّا جَعْلُهُ مِنَ الوَلْيِ بِمَعْنى القُرْبِ أيْ يُقَرِّبُونَ ألْسِنَتَهم بِمَيْلِها إلى المُحَرَّفِ فَبَعِيدٌ مِنَ الصَّحِيحِ قَرِيبٌ إلى المُحَرَّفِ.

﴿ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ ﴾ أيْ لِتَظُنُّوا أيُّها المُسْلِمُونَ أنَّ المُحَرَّفَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِاللَّيِّ أوِ المُشابِهَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلَ عَلى بَعْضِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقُرِئَ (لِيَحْسَبُوهُ) بِالياءِ والضَّمِيرُ أيْضًا لِلْمُسْلِمِينَ، ﴿ وما هو مِنَ الكِتابِ ﴾ ولَكِنَّهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ ﴿ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أيْ ويَزْعُمُونَ صَرِيحًا غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِالتَّوْرِيَةِ والتَّعْرِيضِ أنَّ المُحَرَّفَ أوِ المُشابِهَ نازِلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أيْ ولَيْسَ هو نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واَلْواوُ لِلْحالِ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ في الخَبَرِ، وفي جُمْلَةِ ﴿ ويَقُولُونَ ﴾ الخ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ الَّذِي قَبْلَها ولَيْسَ الغَرَضُ التَّأْكِيدَ فَقَطْ وإلّا لَما تَوَجَّهَ العَطْفُ بَلِ التَّشْنِيعُ أيْضًا بِأنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ التَّعْرِيضِ حَتّى اِرْتَكَبُوا هَذا التَّصْرِيحَ وبِهَذا حَصَلَتِ المُغايَرَةُ المُقْتَضِيَةُ لِلْعَطْفِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ ما قَدِمُوا عَلَيْهِ.

((واسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَيْسَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وإلّا صَدَقَ أُولَئِكَ المُحَرِّفُونَ بِقَوْلِهِمْ ﴿ هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ تَعالى لَكِنَّ اللَّهَ (ورَدَّ) بِأنَّ القَوْمَ ما اِدَّعَوْا أنَّ التَّحْرِيفَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وبِخَلْقِهِ وإنَّما اِدَّعَوْا أنَّ المُحَرَّفَ مَنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ [هُوَ] حُكْمٌ مِن أحْكامِهِ فَتَوَّجَهُ [اَلتَّكْذِيبُ] تَكْذِيبُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم إلى هَذا الَّذِي زَعَمُوا)).

والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ بِالنَّفْيِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ نُزُولُهُ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وهو أخَصُّ مِن كَوْنِهِ مِن فِعْلِهِ وخَلْقِهِ، ونَفْيُ الخاصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ العامِّ فَلا يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهم لا لِلَّهِ تَعالى.

﴿ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ أيْ في نِسْبَتِهِمْ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى تَعْرِيضًا وتَصْرِيحًا ﴿ وهم يَعْلَمُونَ  ﴾ أنَّهم كاذِبُونَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وهو تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ ما اِفْتَرَوْهُ عَنْ عَمْدٍ لا خَطَأٍ، وقِيلَ: يَعْلَمُونَ ما عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ مِنَ العِقابِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى جَمِيعًا، وذَلِكَ أنَّهم حَرَّفُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وألْحَقُوا بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ما لَيْسَ مِنهُ، ورَوى غَيْرُ واحِدٍ أنَّها في طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ، وهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ومالِكٌ وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وأبُو ياسِرٍ وشُعْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الشّاعِرُ غَيَّرُوا ما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ.

واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ المُحَرَّفَ هَلْ كانَ يُكْتَبُ في التَّوْراةِ أمْ لا؟

فَذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ في التَّوْراةِ سِوى كَلامِ اللَّهِ تَعالى وأنَّ تَحْرِيفَ اليَهُودِ لَمْ يَكُنْ إلّا تَغْيِيرًا وقْتَ القِراءَةِ أوْ تَأْوِيلًا باطِلًا لِلنُّصُوصِ، وأمّا أنَّهم يَكْتُبُونَ ما يَرُومُونَ في التَّوْراةِ عَلى تَعَدُّدِ نُسَخِها فَلا، واحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ اِبْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كَما أنْزَلَهُما اللَّهُ تَعالى لَمْ يُغَيَّرْ مِنهُما حَرْفٌ ولَكِنَّهم يَضِلُّونَ بِالتَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ وكُتُبٍ كانُوا يَكْتُبُونَها مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويَقُولُونَ: إنْ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَأمّا كُتُبُ اللَّهِ تَعالى فَإنَّها مَحْفُوظَةٌ لا تُحَوَّلُ، وبِأنَّ النَّبِيَّ  كانَ يَقُولُ لِلْيَهُودِ إلْزامًا لَهُمْ: ﴿ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ وهم يَمْتَنِعُونَ عَنْ ذَلِكَ فَلَوْ كانَتْ مُغَيَّرَةً إلى ما يُوافِقُ مَرامَهم ما اِمْتَنَعُوا بَلْ وما كانَ يَقُولُ لَهم ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ  لِأنَّهُ يَعُودُ عَلى مَطْلَبِهِ الشَّرِيفِ بِالإبْطالِ.

وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهم بَدَّلُوا وكَتَبُوا ذَلِكَ في نَفْسِ كِتابِهِمْ واحْتَجُّوا عَلى ذَلِكَ بِكَثِيرٍ مِنَ الظَّواهِرِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ تَعَدُّدُ النُّسَخِ إمّا لِاحْتِمالِ التَّواطُؤِ أوْ فِعْلُ ذَلِكَ في البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وكَذا لا يَمْنَعُ مِنهُ قَوْلُ الرَّسُولِ لَهم ذَلِكَ لِاحْتِمالِ عِلْمِهِ  بِبَقاءِ بَعْضِ ما يَفِي بِغَرَضِهِ سالِمًا عَنِ التَّغْيِيرِ إمّا لِجَهْلِهِمْ بِوَجْهِ دَلالَتِهِ، أوْ لَصَرْفِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم عَنْ تَغْيِيرِهِ، وأمّا ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ فَهو عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ عَنْهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا عَنِ اِجْتِهادٍ، أوْ ناشِئًا عَنْ عَدَمِ اِسْتِقْراءٍ تامٍّ، ومِمّا يُؤَيِّدُ وُقُوعَ التَّغْيِيرِ في كُتُبِ اللَّهِ تَعالى وأنَّها لَمْ تَبْقَ كَيَوْمِ نَزَلَتْ - وُقُوعُ التَّناقُضِ في الأناجِيلِ وتَعارُضُها وتَكاذُبُها وتَهافُتُها ومُصادَمَتُها بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَإنَّها أرْبَعَةُ أناجِيلَ: الأوَّلُ: «إنْجِيلُ مَتّى» وهو مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ الحَوارِيِّينَ، وإنْجِيلُهُ بِاللُّغَةِ السُّرْيانِيَّةِ كَتَبَهُ بِأرْضِ فِلَسْطِينَ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ إلى السَّماءِ بِثَمانِي سِنِينَ، وعِدَّةُ إصْحاحاتِهِ ثَمانِيَةٌ وسِتُّونَ إصْحاحًا، والثّانِي: «إنْجِيلُ مُرْقُسَ» وهو مِنَ السَّبْعِينَ، وكَتَبَ إنْجِيلَهُ بِاللُّغَةِ الفِرِنْجِيَّةِ بِمَدِينَةٍ رُومِيَّةٍ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وعِدَّةُ إصْحاحاتِهِ ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ إصْحاحًا، والثّالِثُ: «إنْجِيلُ لُوقا» وهو مِنَ السَّبْعِينَ أيْضًا، كَتَبَ إنْجِيلَهُ بِاللُّغَةِ اليُونانِيَّةِ بِمَدِينَةِ الإسْكَنْدَرِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وعِدَّةُ إصْحاحاتِهِ ثَلاثَةٌ وثَمانُونَ إصْحاحًا، والرّابِعُ: «إنْجِيلُ يُوحَنّا» وهو حَبِيبُ المَسِيحِ، كَتَبَ إنْجِيلَهُ بِمَدِينَةِ إقْسِسَ مِن بِلادِ رُومِيَّةَ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ بِثَلاثِينَ سَنَةً، وعِدَّةُ إصْحاحاتِهِ في النُّسَخِ القِبْطِيَّةِ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ إصْحاحًا.

وقَدْ تَضَمَّنَ كُلُّ إنْجِيلٍ مِنَ الحِكاياتِ والقِصَصِ ما أغْفَلَهُ الآخَرُ، واشْتَمَلَ عَلى أُمُورٍ وأشْياءَ قَدِ اِشْتَمَلَ الآخَرُ عَلى نَقِيضِها أوْ ما يُخالِفُها، وفِيها ما تَحْكُمُ الضَّرُورَةُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى أصْلًا، فَمِن ذَلِكَ أنَّ مَتّى ذَكَرَ أنَّ المَسِيحَ صُلِبَ وصُلِبَ مَعَهُ لِصّانِ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ شِمالِهِ، وأنَّهُما جَمِيعًا كانا يَهْزَآنِ بِالمَسِيحِ مَعَ اليَهُودِ ويُعَيِّرانِهِ، وذَكَرَ لُوقا خِلافَ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ أحَدَهُما كانَ يَهْزَأُ بِهِ والآخَرَ يَقُولُ لَهُ: أما تَتَّقِي اللَّهَ تَعالى أمّا نَحْنُ فَقَدَ جُوزِينا وأمّا هَذا فَلَمْ يَعْمَلْ قَبِيحًا، ثُمَّ قالَ لِلْمَسِيحِ: يا سَيِّدِي اُذْكُرْنِي في مَلَكُوتِكَ، فَقالَ: حَقًّا إنَّكَ تَكُونُ مَعِي اليَوْمَ في الفِرْدَوْسِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا يَؤُولُ إلى التَّناقُضِ فَإنَّ اللِّصَّيْنِ عِنْدَ مَتّى كافِرانِ وعِنْدَ لُوقا أحَدُهُما مُؤْمِنٌ والآخَرُ كافِرٌ، وأغْفَلَ هَذِهِ القِصَّةَ مُرْقُسُ ويُوحَنّا.

ومِنهُ أنَّ لُوقا ذَكَرَ أنَّهُ قالَ يَسُوعُ: إنَّ اِبْنَ الإنْسانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ نُفُوسَ النّاسِ ولَكِنْ لِيُحْيِيَ، وخالَفَهُ أصْحابُهُ وقالُوا بَلْ قالَ: إنَّ اِبْنَ الإنْسانِ لَمْ يَأْتِ لِيُلْقِيَ عَلى الأرْضِ سَلامَةً لَكِنْ سَيْفًا ويُضْرِمُ فِيها نارًا، ولا شَكَّ أنَّ هَذا تَناقُضٌ، أحَدُهُما: يَقُولُ جاءَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، والآخَرُ يَقُولُ: جاءَ نِقْمَةً عَلى الخَلائِقِ أجْمَعِينَ.

ومِن ذَلِكَ أنَّ مَتى قالَ: قالَ يَسُوعُ لِلتَّلامِيذِ الِاثْنَيْ عَشَرَ: أنْتُمُ الَّذِينَ تَكُونُونَ في الزَّمَنِ الآتِي جُلُوسًا عَلى اِثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ اِثْنَيْ عَشَرَ سِبْطَ إسْرائِيلَ فَشَهِدَ لِلْكُلِّ بِالفَوْزِ والبِرِّ عامَّةً في القِيامَةِ ثُمَّ نَقَضَ ذَلِكَ مَتّى وغَيْرُهُ وقالَ: مَضى واحِدٌ مِنَ التَّلامِيذِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وهو يَهُوذا صاحِبُ صُنْدُوقِ الصَّدَقَةِ فارْتَشى عَلى يَسُوعَ بِثَلاثِينَ دِرْهَمًا وجاءَ بِالشُّرَطِيِّ فَسَلَّمَ إلَيْهِمْ يَسُوعَ فَقالَ يَسُوعُ: الوَيْلُ لَهُ خَيْرٌ لَهُ أنْ لا يُولَدُ، ومِنهُ أنَّ مَتّى أيْضًا ذَكَرَ أنَّهُ لَمّا حُمِلَ يَسُوعُ إلى فِيلاطِسَ القائِدِ قالَ: أيُّ شَرٍّ فَعَلَ هَذا فَصَرَخَ اليَهُودُ وقالُوا: يُصْلَبُ يُصْلَبُ، فَلَمّا رَأى عَزْمَهم وأنَّهُ لا يَنْفَعُ فِيهِمْ أخَذَ ماءً وغَسَلَ يَدَيْهِ، وقالَ: أنا بَرِيءٌ مِن دَمِ هَذا الصِّدِّيقِ وأنْتُمْ أبْصَرُ، وأكْذَبَ يُوحَنّا ذَلِكَ فَقالَ: لَمّا حُمِلَ يَسُوعُ إلَيْهِ قالَ لِلْيَهُودِ: ما تُرِيدُونَ؟

قالُوا: يُصْلَبُ، فَضَرَبَ يَسُوعَ ثُمَّ سَلَّمَهُ إلَيْهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ، فَإذا وقَعَ هَذا التَّغْيِيرُ والتَّحْرِيفُ في أُصُولِ القَوْمِ ومُتَقَدِّمِيهِمْ فَما ظَنُّكَ في فُرُوعِهِمْ ومُتَأخِّرِيهِمْ.

وإذا كانَ في الأنابِيبِ حَيْفٌ ∗∗∗ وقَعَ الطَّيْشُ في صُدُورِ الصِّعادِ ويا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَنَبَّهَ اِبْنُ مُنَبِّهٍ لِهَذا أمْ لَمْ يَتَنَبَّهْ فَقالَ: إنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كَما أنْزَلَهُما اللَّهُ تَعالى سُبْحانَ اللَّهِ هَذا مِنَ العَجَبِ العُجابِ؟!.

<div class="verse-tafsir"

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًۭا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُوا۟ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ٧٩

﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهُ ﴾ تَنْزِيهٌ لِأنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إثْرَ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ نِسْبَةِ ما اِفْتَراهُ أهْلُ الكِتابِ إلَيْهِ، وقِيلَ: تَكْذِيبٌ ورَدٌّ عَلى عَبَدَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأخْرَجَ اِبْنُ إسْحَقَ وغَيْرُهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «”قالَ أبُو رافِعٍ القُرَظِيُّ حِينَ اِجْتَمَعَتِ الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى مِن أهْلِ نَجْرانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  ودَعاهم إلى الإسْلامِ: أتُرِيدُ يا مُحَمَّدُ أنْ نَعْبُدَكَ كَما تَعْبُدُ النَّصارى عِيسى اِبْنَ مَرْيَمَ؟

فَقالَ رَجُلٌ مِن أهْلِ نَجْرانَ نَصْرانِيٌّ يُقالُ لَهُ الرَّئِيسُ: أوَ ذاكَ تُرِيدُ مِنّا يا مُحَمَّدُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  :“مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ أوْ نَأْمُرَ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ ما بِذَلِكَ بَعَثَنِي ولا بِذَلِكَ أمَرَنِي ”فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ».

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، قالَ: «“ بَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، أفَلا نَسْجُدُ لَكَ؟

قالَ: لا ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى" فَنَزَلَتْ».

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، قالَ: «كانَ ناسٌ مِن يَهُودَ يَتَعَبَّدُونَ النّاسَ مِن دُونِ رَبِّهِمْ بِتَحْرِيفِهِمْ كِتابَ اللَّهِ تَعالى عَنْ مَوْضِعِهِ فَقالَ: ما كانَ لِبَشَرٍ» الخ.

والمَعْنى ما يَصِحُّ، وقِيلَ: ما يَنْبَغِي، وقِيلَ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ، وعَبَّرَ بِالبَشَرِ إيذانًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ البَشَرِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلْأمْرِ الَّذِي أسْنَدَهُ الكَفَرَةُ إلى أُولَئِكَ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

والجارُّ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِ كانَ والمُنْسَبِكُ مِن أنْ والفِعْلِ بَعْدَ اِسْمِها، ولا بُدَّ لِاسْتِقامَةِ المَعْنى مِن مُلاحَظَةِ العَطْفِ إذْ لَوْ سُكِتَ عَنْهُ لَمْ يَصِحَّ لَأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ آتى كَثِيرًا مِنَ البَشَرِ الكِتابَ وأخَوَيْهِ، وعَطْفُ الفِعْلِ عَلى مَنصُوبِ أنْ بِ (ثُمَّ) تَعْظِيمًا لِهَذا القَوْلِ فَإنَّهُ إذا اِنْتَفى بَعْدَ مُهْلَةٍ كانَ اِنْتِفاؤُهُ بِدُونِها أوْلى وأحْرى فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا الإيتاءَ العَظِيمَ لا يُجامِعُ هَذا القَوْلَ أصْلًا وإنْ كانَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن هَذا الإنْعامِ، والحُكْمُ بِمَعْنى الحِكْمَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها، والعِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ، قالَ القاضِيَ: وهو هُنا مِنَ العِبادَةِ ولَمْ يَقُلْ عَبِيدًا لِأنَّهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ وهي لا تَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ولِهَذا يُقالُ: هَؤُلاءِ عَبِيدُ زَيْدٍ، ولا يُقالُ: عِبادُهُ، والظَّرْفُ الَّذِي بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، أيْ عِبادًا كائِنِينَ لِي و ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلَفْظِ ﴿ عِبادًا ﴾ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً ثانِيَةً وأنْ يَكُونَ حالًا لِتَخْصِيصِ النَّكِرَةِ بِالوَصْفِ، أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى إشْراكًا وإفْرادًا كَما قالَ الجُبّائِيُّ فَإنَّ التَّجاوُزَ مُتَحَقِّقٌ فِيهِما حَتْمًا، ثُمَّ إنَّ هَذا الإيتاءَ في الآيَةِ حَقِيقَةٌ عَلى الرِّوايَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مُجازٌ عَلى الرِّوايَةِ الأخِيرَةِ كَما لا يَخْفى.

﴿ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ ﴾ إثْباتٌ لِما نَفى سابِقًا، وهو القَوْلُ المَنصُوبُ بِأنْ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ لِذَلِكَ البَشَرِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ لَكِنْ يَقُولُ كُونُوا رَبّانِيِّينَ، فالفِعْلُ هُنا مَنصُوبٌ أيْضًا عَطْفًا عَلَيْهِ، وجُوِّزَ رَفْعُهُ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ في مَعْنى لا يَقُولُ، وقِيلَ: يَصِحُّ عَدَمُ تَقْدِيرِ القَوْلِ عَلى مَعْنى لا تَكُونُوا قائِلِينَ لِذَلِكَ، ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ وفَسَّرَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ الرَّبّانِيُّ بِالفَقِيهِ العالِمِ، وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ بِالعالِمِ الحَكِيمِ، وابْنُ جُبَيْرٍ بِالحَلِيمِ التَّقِيِّ، وابْنُ زَيْدٍ بِالمُدَبِّرِ أمْرَ النّاسِ، وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ وهو لَفْظٌ عَرَبِيٌّ لا سُرْيانِيٌّ عَلى الصَّحِيحِ، وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ العَرَبَ لا تَعْرِفُهُ [وإنَّما عَرَفَها الفُقَهاءُ وأهْلُ العِلْمِ]، وهو مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ كَإلَهِيٍّ، والألِفُ والنُّونُ يُزادانِ في النَّسَبِ لِلْمُبالَغَةِ كَثِيرًا كَلِحْيانِيٍّ لِعَظِيمِ اللِّحْيَةِ، والجُمّانِيِّ لِوافِرِ الجُمَّةِ، ورَقَبانِيٍّ بِمَعْنى غَلِيظِ الرَّقَبَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنسُوبٌ إلى رَبّانَ صِفَةٌ كَعَطْشانَ بِمَعْنى مُرَّبًى.

﴿ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ  ﴾ الباءُ السَّبَبِيَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِ كُونُوا أيْ كُونُوا كَذَلِكَ بِسَبَبِ مُثابَرَتِكم عَلى تَعْلِيمِكُمُ الكِتابَ ودِراسَتِكم لَهُ، والمَطْلُوبُ أنْ لا يَنْفَكَّ العِلْمُ عَنِ العَمَلِ، إذْ لا يُعْتَدُّ بِأحَدِهِما بِدُونِ الآخَرِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِرَبّانِيِّينَ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، والدِّراسَةُ التَّكْرارُ، يُقالُ: دَرَسَ الكِتابَ أيْ كَرَّرَهُ، وتُطْلَقُ عَلى القِراءَةِ، وتَكْرِيرُ ﴿ بِما كُنْتُمْ ﴾ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ اِسْتِمْرارِ التَّعْلِيمِ واسْتِمْرارِ القِراءَةِ المُشْعِرِ بِهِ جَعْلُ خَبَرِ (كانَ) مُضارِعًا -بِالفَضْلِ وتَحْصِيلِ الرَّبّانِيَّةِ، وقَدَّمَ تَعْلِيمَ الكِتابِ عَلى دِراسَتِهِ لِوُفُورِ شَرَفِهِ عَلَيْها، أوْ لِأنَّ الخِطابَ الأوَّلَ: لِرُؤَسائِهِمْ، والثّانِيَ: لِمَن دُونَهُمْ، وقِيلَ: لِأنَّ مُتَعَلِّقَ التَّعْلِيمِ الكِتابُ بِمَعْنى القُرْآنِ، ومُتَعَلِّقُ الدِّراسَةِ الفِقْهُ، وفِيهِ بُعْدٌ بِعِيدٌ وإنْ أشْعَرَ بِهِ كَلامُ بَعْضِ السَّلَفِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو ومُجاهِدٌ (تَعْلَمُونَ) بِمَعْنى عالِمِينَ، وقُرِئَ (تُدَرِّسُونَ) بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّدْرِيسِ، وتُدْرِسُونَ مِنَ الإدْراسِ بِمَعْناهُ، ومَجِيءُ أفْعَلَ بِمَعْنى فَعَّلَ كَثِيرٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أيْضًا بِهَذا المَعْنى عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ تُدَرِّسُونَهُ لِلنّاسِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ٨٠

﴿ ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا ﴾ قَرَأ اِبْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿ ولا يَأْمُرَكُمْ ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (يَقُولَ)، (ولا) إمّا مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ الشّائِعِ في الِاسْتِعْمالِ سِيَّما عِنْدَ طُولِ العَهْدِ وتَخَلُّلِ الفَصْلِ، والمَعْنى ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ ويُرْسِلَهُ لِلدَّعْوَةِ إلى اِخْتِصاصِهِ بِالعِبادَةِ وتَرْكِ الأنْدادِ ثُمَّ يَأْمُرَ النّاسَ بِأنْ يَكُونُوا عِبادًا لَهُ ويَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا، فَهو كَقَوْلِكَ: ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ أُكْرِمَهُ ثُمَّ يُهِينَنِي ولا يَسْتَخِفَّ بِي، وإمّا غَيْرُ زائِدَةٍ بِناءً عَلى أنَّهُ  كانَ يَنْهى عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: أنَتَّخِذُكَ رَبًّا؟

قِيلَ لَهُمْ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَتَّخِذَهُ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا ثُمَّ يَأْمُرَ النّاسَ بِعِبادَتِهِ ويَنْهاهم عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، مَعَ أنَّ مَن يُرِيدُ أنْ يَسْتَعْبِدَ شَخْصًا يَقُولُ لَهُ: يَنْبَغِي أنْ تَعْبُدَ أمْثالِي وأكْفائِي، وعَلى هَذا يَكُونُ المَقْصُودُ مِن عَدَمِ الأمْرِ النَّهْيَ، وإنْ كانَ أعَمَّ مِنهُ لِكَوْنِهِ أمَسَّ بِالمَقْصُودِ وأوْفَقَ لِلْواقِعِ.

وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (ولا يَأْمُرُكُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويُحْتَمَلُ الحالِيَّةُ، وقِيلَ: والرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ أظْهَرُ، ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ (ولَنْ يَأْمُرَكُمْ) ووَجَهَّتِ الأظْهَرِيَّةُ بِالخُلُوِّ عَنْ تَكَلُّفِ جَعْلِ عَدَمِ الأمْرِ بِمَعْنى النَّهْيِ، وبِأنَّ العَطْفَ يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَهُ عَلى (لَكِنْ) وكَذا الحالِيَّةُ أيْضًا.

وقُرِئَ بِإسْكانِ الرّاءِ فِرارًا مِن تَوالِي الحَرَكاتِ، وعَلى سائِرِ القِراءاتِ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدٌ عَلى بَشَرٍ، وجُوِّزَ عَوْدُهُ في بَعْضِها عَلى اللَّهِ تَعالى، وجُوِّزَ الأمْرانِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ ﴾ والِاسْتِفْهامُ فِيهِ لِلْإنْكارِ، وكَوْنُ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ في أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ نَكِرَةً يَجْعَلُهُ عامًّا ﴿ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ﴾ اِسْتَدَلَّ بِهِ الخَطِيبُ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُسْلِمِينَ القائِلِينَ «أفَلا نَسْجُدُ لَكَ؟» بِناءً عَلى الظّاهِرِ، ووَجْهُ كَوْنِ الخِطابِ لِلْكَفّارِ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِأهْلِ الكِتابِ: ﴿ أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ أيْ مُنْقادُونَ مُسْتَعِدُّونَ لِلدِّينِ الحَقِّ إرْخاءً لِلْعِنانِ واسْتِدْراجًا، والقَوْلُ بِأنَّ كُلَّ مُصَدِّقٍ بِنَبِيِّهِ مُسْلِمٌ، ودَعْواهُ أنَّهُ أمَرَهُ نَبِيُّهُ بِما يُوجِبُ كُفْرَهُ دَعْوى أنَّهُ أمَرَهُ بِالكُفْرِ بَعْدَ إسْلامِهِ فَدَلالَةُ هَذا عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُسْلِمِينَ ضَعِيفَةٌ في غايَةِ السُّقُوطِ، كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـٰبٍۢ وَحِكْمَةٍۢ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مُّصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ ۚ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى ۖ قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَٱشْهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ ٨١

﴿ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُخاطَبٍ بِهِ النَّبِيُّ  ، أيِ اُذْكُرْ وقْتَ ذَلِكَ، واخْتارَ السَّمِينُ كَوْنَهُ مَعْمُولًا لِ (أقْرَرْتُمْ) الآتِي، وضَعَّفَهُ عَبْدُ الباقِي بِأنَّ خِطابَ ﴿ أقْرَرْتُمْ ﴾ بَعْدَ تَحَقُّقِ أخْذِ المِيثاقِ، وفِيهِ تَرَدُّدٌ، وعَطْفُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ ﴾ كَما نَقَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ بَعِيدٌ.

واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنَ الآيَةِ، فَقِيلَ: إنَّها عَلى ظاهِرِها ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، قالَ: ”لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ إلّا أخَذَ عَلَيْهِ العَهْدَ في مُحَمَّدٍ  ، لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، ويَأْمُرُهُ فَيَأْخُذُ العَهْدَ عَلى قَوْمِهِ“ ثُمَّ تَلا الآيَةَ، وعَدَمُ ذِكْرِ الأُمَمِ فِيها حِينَئِذٍ إمّا لِأنَّهم مَعْلُومُونَ بِالطَّرِيقِ الأوْلى أوْ لِأنَّهُ اِسْتَغْنى بِذِكْرِ النَّبِيِّينَ عَنْ ذِكْرِهِمْ، فَفي الآيَةِ اِكْتِفاءٌ ولَيْسَ فِيها الجَمْعُ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ.

وقِيلَ: إنَّ إضافَةَ المِيثاقِ إلى النَّبِيِّينَ إضافَةٌ إلى الفاعِلِ، والمَعْنى وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ الَّذِي وثَّقَهُ النَّبِيُّونَ عَلى أُمَمِهِمْ وإلى هَذا ذَهَبَ اِبْنُ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ أصْحابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَءُونَ (وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَما آتَيْتُكُمْ) الخ، ونَحْنُ نَقْرَأُ ﴿ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ﴾ فَقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ تَعالى مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ، وأشارَ بِذَلِكَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى أنَّهُ لا تَناقُضَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ كَما تُوُهِّمَ حَتّى ظُنَّ أنَّ ذَلِكَ مَنشَأُ قَوْلِ مُجاهِدٍ فِيما رَواهُ عَنْهُ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ أنَّ ﴿ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ﴾ خَطَأٌ مِنَ الكِتابِ، وأنَّ الآيَةَ كَما قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لا يَصْلُحُ ذَلِكَ وحْدَهُ مَنشَأٌ وإلّا لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلا مُرَجِّحٍ بَلِ المَنشَأُ لِذَلِكَ إنْ صَحَّ، ولا أظُنُّ ما يُعْلَمُ بَعْدَ التَّأمُّلِ فِيما أسْلَفْناهُ في المُقَدِّماتِ وبَسَطْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في «اَلْأجْوِبَةُ العِراقِيَّةُ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ».

وقِيلَ: المُرادُ أُمَمُ النَّبِيِّينَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ؛ وقِيلَ: المُضافُ المَحْذُوفُ أوْلادٌ، والمُرادُ بِهِمْ عَلى الصَّحِيحِ بَنُو إسْرائِيلَ لِكَثْرَةِ أوْلادِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، وأنَّ السِّياقَ في شَأْنِهِمْ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ المُشارِ إلَيْها، وهي قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقًا مِثْلَ مِيثاقِ النَّبِيِّينَ أيْ مِيثاقًا غَلِيظًا عَلى الأُمَمِ، ثُمَّ جَعَلَ مِيثاقَهم نَفْسَ مِيثاقِهِمْ بِحَذْفِ أداةِ التَّشْبِيهِ مُبالَغَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ النَّبِيِّينَ بَنُو إسْرائِيلَ وسَمّاهم بِذَلِكَ تَهَكُّمًا لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ لِأنّا أهْلَ الكِتابِ والنَّبِيُّونَ كانُوا مِنّا، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَنِ اِئْتَمَنتَهُ عَلى شَيْءٍ فَخانَ فِيهِ ثُمَّ زَعَمَ الأمانَةَ: يا أمِينُ ماذا صَنَعْتَ بِأمانَتِي؟!

وتَعَقَّبَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا إذْ لا قَرِينَةَ تُبَيِّنُ ذَلِكَ.

وأُجِيبَ بِأنَّ القائِلَ بِهِ لَعَلَّهُ اَتَّخَذَ مَقالَهُمُ المَذْكُورَ قَرِينَةً حالِيَّةً، وقِيلَ: إنَّ الإضافَةَ لِلتَّعْلِيلِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النّاسِ لِأجْلِ النَّبِيِّينَ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَما آتَيْتُكُمْ ﴾ الخ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا أيْضًا مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ، وقالَ الشِّهابُ: لَمْ نَرَ مَن ذَكَرَ أنَّ الإضافَةَ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ في غَيْرِ كَلامِ هَذا القائِلِ.

واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ القَوْلَ الأوَّلَ، وأخْذُ المِيثاقِ مِنَ النَّبِيِّينَ لَهُ  عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ أنَّهم لا يُدْرِكُونَ وقْتَهُ لا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ لِما فِيهِ مَعَ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ  والتَّفْخِيمِ ورِفْعَةِ الشَّأْنِ والتَّنْوِيهِ بِالذِّكْرِ ما لا يَنْبَغِي إلّا لِذَلِكَ الجَنابِ، وتَعْظُمُ الفائِدَةُ إذا كانَ ذَلِكَ الأخْذُ عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِمْ لا في عالَمِ الذَّرِّ فَإنَّهُ بَعِيدٌ كَبُعْدِ ذَلِكَ الزَّمانِ كَما عَلَيْهِ البَعْضُ، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ بِأخْذِ المِيثاقِ مِنَ الأنْبِياءِ المُوجِبِ لِإيمانِ مَن أدْرَكَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم بِهِ ما أخْرَجَهُ أبُو يَعْلى عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «”لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ فَإنَّهم لَنْ يَهْدُوكم وقَدْ ضَلُّوا فَإمّا أنْ تُصَدِّقُوا بِباطِلٍ، وإمّا أنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، وإنَّهُ واَللَّهِ لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا بَيْنَ أظْهُرِكم ما حَلَّ لَهُ إلّا أنْ يَتْبَعَنِي“،» وفي مَعْناهُ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ وهي تُؤَيِّدُ بِظاهِرِها ما قُلْنا، ومِن هُنا ذَهَبَ العارِفُونَ إلى أنَّهُ  هو النَّبِيُّ المُطْلَقُ والرَّسُولُ الحَقِيقِيُّ والمُشَرِّعُ الِاسْتِقْلالِيُّ، وأنَّ مَن سِواهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حُكْمِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ  .

وهَذا وقَدْ عَدُّوا هَذِهِ الآيَةَ مِن مُشْكِلاتِ القُرْآنِ إعْرابًا وقَدْ غاصَ النَّحْوِيُّونَ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ وشَقُّوا الشِّعْرَ فِيهِ، ولْنَذْكُرْ بَعْضَ الكَلامِ في ذَلِكَ، فَنَقُولُ: قالَ غَيْرُ واحِدٍ: اللّامُ في ﴿ لَما آتَيْتُكُمْ ﴾ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ والتَّخْفِيفِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأخْذِ المِيثاقِ لِأنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِحْلافِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُسَهِّلُ تَفَهُّمَ الجَوابِ عَلى السّامِعِ، وعَرَّفَها النُّحاةُ كَما قالَ الشِّهابُ: بِأنَّها اللّامُ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الشَّرْطِ سَواءٌ إنَّ وغَيْرُها لَكِنَّها غَلَبَتْ في إنَّ بَعْدَ تَقَدُّمِ القَسَمِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا لِتُؤْذِنَ أنَّ الجَوابَ لَهُ لا لِلشَّرْطِ كَقَوْلِكَ: لَئِنْ أكْرَمْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ، ولَوْ قُلْتَ: أُكْرِمُكَ، أوْ فَإنِّي أُكْرِمُكَ، أوْ ما أشْبَهَهُ مِمّا يُجابُ بِهِ الشَّرْطُ، لَمْ يَجُزْ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ اِبْنُ الحاجِبِ وخالَفَهُ الفَرّاءُ فِيهِ فَجَوَّزَ أنْ يُجابَ الشَّرْطُ مَعَ تَقَدُّمِ القَسَمِ عَلَيْهِ لَكِنَّ الأوَّلَ هو المُصَحَّحُ، وكَوْنُها يَجِبُ دُخُولُها عَلى الشَّرْطِ هو المَشْهُورُ وخالَفَ فِيهِ بَعْضُ النُّحاةِ، قالَ: يَجُوزُ دُخُولُها عَلى غَيْرِ الشَّرْطِ إمّا مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ مُشابَهَتِهِ لِلشَّرْطِ كَما المَوْصُولَةُ دُونَ الزّائِدَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ هُودٍ: إنَّهُ لا يَجِبُ دُخُولُها عَلى كَلِمِ المُجازاةِ، ونَقَلَهُ الأزْهَرِيُّ عَنِ الأخْفَشِ، وذَكَرَ أنَّ ثَعْلَبًا غَلَّطَهُ فِيهِ فالمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ.

وما شَرْطِيَّةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ (آتَيْتُ) والمَفْعُولُ الثّانِي ضَمِيرُ المُخاطَبِ، و(مِن) بَيانٌ لِما واعْتُرِضَ بِأنَّ حَمْلَ (مِن) عَلى البَيانِ شائِعٌ بَعْدَ المَوْصُولَةِ، وأمّا بَعْدَ الشَّرْطِيَّةِ فَيَحْتاجُ إلى النَّقْلِ، ومِثْلُ ذَلِكَ القَوْلِ بِزِيادَتِها لِأنَّ زِيادَتَها بَعْدَ المَوْصُولَةِ أيْضًا كَزِيادَتِها بَعْدَ الشَّرْطِيَّةِ مُحْتاجٌ لِما ذُكِرَ، وأُجِيبَ بِأنَّ السَّمِينَ نَقَلَ ما يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ عِنْدَ الأئِمَّةِ، وفي «جَنْيِ الدّانِي»: ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ (مِن) تُزادُ بِالشُّرُوطِ في غَيْرِ بابِ التَّمْيِيزِ، وأمّا فِيهِ فَتُزادُ وإنْ لَمْ تَسْتَوْفِ الشُّرُوطَ نَحْوَ لِلَّهِ دَرُّكَ مِن رَجُلٍ، ومِن هُنا قالَ مَوْلانا عَبْدُ الباقِي: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ ذُكِرَتْ لِبَيانِ (ما) الشَّرْطِيَّةِ، أوْ زائِدَةٌ داخِلَةٌ عَلى التَّمْيِيزِ، و ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ ﴾ جَوابُ القَسَمِ وحْدَهُ عَلى الصَّحِيحِ، ولِدَلالَتِهِ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ واتِّحادِ مَعْناهُما تَسامَحَ بَعْضُهم فَجَعَلَهُ سادًّا مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، ولَمْ يَرِدْ أنَّهُ جَوابُ القِسْمِ وجَوابُ الشَّرْطِ لِتَنافِيهِما مِن حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ: لا مَحَلَّ لَهُ، والثّانِي: لَهُ مَحَلٌّ، والقَوْلُ بِأنَّ الجُمْلَةَ الواحِدَةَ قَدْ يُحْكَمُ عَلَيْها بِالأمْرَيْنِ بِاعْتِبارَيْنِ اِلْتِزامٌ لِما لا يَلْزَمُ، وجَوَّزُوا كَوْنَ (ما) مَوْصُولَةً واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلَيْها حِينَئِذٍ لامُ الِابْتِداءِ، ويُشْعِرُ كَلامُ البَعْضِ أنَّ اللّامَ بَعْدُ مُوَطِّئَةٌ وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن جَوَّزَ دُخُولَ المُوَطِّئَةِ عَلى غَيْرِ الشَّرْطِ مِنَ النُّحاةِ كَما مَرَّ وهي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ إمّا مُقَدَّرٌ أوْ جُمْلَةُ ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ ﴾ مَعَ القَسَمِ المُقَدَّرِ، والكَلامُ في مِثْلِهِ شَهِيرٌ.

وأُورِدُ عَلَيْهِ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) إنْ عادَ عَلى المُبْتَدَأِ عَلى ما هو الظّاهِرُ كانَ المِيثاقُ هو إيمانَهم بِما آتاهُمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أخْذُ المِيثاقِ بِالإيمانِ بِالرَّسُولِ  ونَصَّرَتْهُ، وإنْ عادَ عَلى الرَّسُولِ كالضَّمِيرِ الثّانِي المَنصُوبِ العائِدِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا دَفْعًا لِلُزُومِ التَّفْكِيكِ خَلَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي هي خَبَرٌ عَنِ العائِدِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ لَمّا كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى ما هو بِمَعْنى المُبْتَدَأِ المَوْصُولِ، ولِذَلِكَ اِسْتَغْنى عَنْ ضَمِيرِهِ فِيها مَعَ لُزُومِهِ في الصِّلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ في المَشْهُورِ وكانَ ضَمِيرُ (بِهِ) راجِعًا لِلرَّسُولِ مَعَ مُلاحَظَةِ ﴿ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ ﴾ القائِمُ مَقامَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى (ما) اِكْتَفى بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ عَنْ ضَمِيرٍ في خَبَرِها لِارْتِباطِ الكَلامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ الإمامِ السُّهَيْلِيِّ في «اَلرَّوْضِ الأُنُفِ»، ولا يَخْفى أنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ مَبْنِيٌّ عَلى اِتِّحادِ ما أُوتُوهُ، وما هو مَعَهُمْ، وفي ذَلِكَ إشْكالٌ لِأنَّ آتَيْناكم وجاءَكم إنْ كانَ كِلاهُما مُسْتَقْبَلَيْنِ فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِما آتَيْناكُمُ القُرْآنُ لِأنَّهُ الَّذِي يُؤْتُوهُ في المُسْتَقْبَلِ بِاعْتِبارِ إيتائِهِ لِلرَّسُولِ الَّذِي كُلِّفُوا بِاتِّباعِهِ وبِما مَعَهُمُ الكُتُبِ الَّتِي أُوتُوها، وحَمْلُهُ عَلى القُرْآنِ يَأْباهُ الذَّوْقُ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ مَعَهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ لا يَظْهَرُ حُسْنٌ لِكَوْنِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِلْقُرْآنِ وهو لازِمٌ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وإنَّ كانا ماضِيَيْنِ ظَهَرَ الفَسادُ مِن جِهَةِ أنَّ هَذا الرَّسُولَ الَّذِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الإيمانَ بِهِ ونُصْرَتَهُ لَمْ يَجِئْ إذْ ذاكَ، وإنْ كانَ الفِعْلُ الأوَّلُ ماضِيًا، والثّانِي مُسْتَقْبَلًا جاءَ عَدَمُ التَّناسُبِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ وهُما ماضِيانِ لَفْظًا، وفِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ، ولَعَلَّ المُجِيبَ يَخْتارُ هَذا الشَّقَّ ويَتَحَمَّلُ هَذا البُعْدَ لِما أنَّ ثُمَّ مَعَ كَوْنِهِ لا يُعْبَأُ بِمِثْلِهِ لِضَعْفِهِ تُهَوِّنُ أمْرَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ كَوْنَ الخَبَرِ ﴿ مِن كِتابٍ ﴾ أيِ الَّذِي آتَيْتُكُمُوهُ مِنَ الكِتابِ، وجَعَلَ النَّكِرَةَ هُنا كالمَعْرِفَةِ وسَوَّغَ كَوْنَ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ مِنَ المَعْطُوفِ مَحْذُوفًا أيْ جاءَكم بِهِ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ شُرُوطِ حَذْفِ مِثْلَ هَذا الضَّمِيرِ عِنْدَ الجُمْهُورِ بَلْ مَعَ خَلَلٍ في المَعْنى لِأنَّ المُؤْتى كِتابُ كُلِّ نَبِيٍّ في زَمانِ بَعْثَتِهِ وشَرِيعَتِهِ؛ والجائِي بِهِ الرَّسُولُ هو القُرْآنُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لا كِتابُ كُلِّ نَبِيٍّ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ المُقَدَّرِ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ، وعَلى تَقْدِيرِ اِلْتِزامِ كَوْنِ المُؤْتى القُرْآنَ أيْضًا كَما يَقْتَضِيهِ حَمْلُ الفِعْلَيْنِ عَلى الِاسْتِقْبالِ يُرَدُّ أنَّهُ لا مَعْنى لِمَجِيءِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ بَعْدَ إيتائِهِمُ القُرْآنَ بِمُهْلَةٍ، والعَطْفُ بِ ثُمَّ كالنَّصِّ بِهَذا المَعْنى، وعَلى تَقْدِيرِ اِلْتِزامِ كَوْنِ الجائِي بِهِ الرَّسُولُ هو كِتابَ كُلِّ نَبِيٍّ بِنَوْعٍ مِنَ التَّكَلُّفِ يَكُونُ وصْفُ الرَّسُولِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم كالمُسْتَغْنِي عَنْهُ، فَتَدَبَّرْ.

وقَرَأ حَمْزَةُ (لِما آتَيْتُكُمْ) بِكَسْرِ اللّامِ عَلى أنْ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ واللّامُ جارَّةٌ أجَلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِ لَتُؤْمِنُنَّ، أيْ لِأجْلِ إيتائِي إيّاكم بَعْضَ الكِتابِ ثُمَّ مَجِيءِ رَسُولٍ مُصَدِّقٍ لَهُ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ إعْمالُ (ما) بَعْدَ لامِ القَسَمِ فِيما قَبْلَها وهو لا يَجُوزُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَإنَّ ظاهِرَ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ يُشْعِرُ بِجَوازِهِ ولَعَلَّ مَن يَمْنَعُهُ يَخُصُّهُ بِما إذا لَمْ يَكُنِ المَعْمُولُ المُتَقَدِّمُ ظَرْفًا لِأنَّ ذاكَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ، نَعَمِ الأوْلى حَسْمًا لِلنِّزاعِ تَعَلُّقُهُ بِ أُقْسِمُ المَحْذُوفِ، وجُوِّزَ أنَّ تَكُونَ (ما) في هَذِهِ القِراءَةِ مَوْصُولَةً أيْضًا، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ أخَذَ.

ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأ (لَمّا آتَيْتُكُمْ) بِالتَّشْدِيدِ، وفِيها اِحْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنى حِينَ كَما قالَهُ الجُمْهُورُ خِلافًا لِسِيبَوَيْهِ، وجَوابُها مُقَدَّرٌ مِن جِنْسِ جَوابِ القَسَمِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، أيْ لَمّا آتَيْتُكم بَعْضَ الكِتابِ والحِكْمَةِ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ وجَبَ عَلَيْكُمُ الإيمانُ بِهِ ونُصْرَتُهُ، وقَدَّرَهُ اِبْنُ عَطِيَّةَ مِن جِنْسِ ما قَبْلَها أيْ لَمّا كُنْتُمْ بِهَذِهِ الحالِ رُؤَساءَ النّاسِ وأماثِلِهِمْ أُخِذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقُ، وكَذا وقَعَ في «تَفْسِيرِ الزَّجّاجِ»، ومَآلُ مَعْناها التَّعْلِيلُ، الثّانِي: أنَّ أصْلَها مِن (ما) فَأُبْدِلَتِ النُّونُ مِيمًا لِمُشابَهَتِها إيّاها فَتَوالَتْ ثَلاثُ مِيماتٍ فَحُذِفَتِ الثّانِيَةُ لِضَعْفِها بِكَوْنِها بَدَلًا وحُصُولِ التَّكْرِيرِ بِها، ورَجَّحَهُ أبُو حَيّانَ في «اَلْبَحْرِ».

وزَعَمَ اِبْنُ جِنِّيٍّ أنَّها الأوْلى، ونَظَرَ فِيهِ الحَلَبِيُّ، و(مِن) إمّا مَزِيدَةٌ في الإيجابِ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وإمّا تَعْلِيلِيَّةٌ عَلى ما اِخْتارَهُ اِبْنُ جِنِّيٍّ، قِيلَ: وهو الأصَحُّ لِاتِّضاحِ المَعْنى عَلَيْهِ ومُوافَقَتِهِ لِقِراءَةِ التَّخْفِيفِ، واللّامُ إمّا زائِدَةٌ أوْ مُوَطِّئَةٌ بِناءً عَلى عَدَمِ اِشْتِراطِ دُخُولِها عَلى أداةِ الشَّرْطِ.

وقَرَأ نافِعٌ (آتَيْناكُمْ) عَلى لَفْظِ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ، والباقُونَ (آتَيْتُكُمْ) عَلى التَّوْحِيدِ، ولِكُلٍّ مِنَ القِراءَتَيْنِ حُسْنٌ مِن جِهَةٍ، فافْهَمْ ذاكَ، فَبَعِيدٌ أنْ تَظْفَرَ بِمِثْلِهِ يَداكَ.

(قالَ) أيِ اللَّهُ تَعالى لِلنَّبِيِّينَ وهو بَيانٌ لَأخْذِ المِيثاقِ، أوْ مَقُولٌ بَعْدَهُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿ أقْرَرْتُمْ ﴾ بِذَلِكَ المَذْكُورِ ﴿ وأخَذْتُمْ ﴾ أيْ قَبِلْتُمْ عَلى حَدِّ ﴿ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ ﴾ ، وقِيلَ: مَعْناهُ هَلْ أخَذْتُمْ ﴿ عَلى ذَلِكم إصْرِي ﴾ عَلى الأُمَمِ، والإصْرُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ العَهْدُ، كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ، وأصْلُهُ مِنَ الإصارِ وهو ما يُعْقَدُ بِهِ ويُشَدُّ، وكَأنَّهُ إنَّما سُمِّي العَهْدُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهو إمّا لُغَةٌ فِيهِ كَ عُبْرٍ وعُبَّرٍ في قَوْلِهِمْ ناقَةٌ عُبْرُ أسْفارٍ أوْ هو بِالضَّمِّ جَمْعُ إصارٍ اُسْتُعِيرَ لِلْعَهْدِ، وجُمِعَ إمّا لِتَعَدُّدِ المُعاهِدِينَ وهو الظّاهِرُ أوْ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ قالُوا ﴾ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ؟

فَقِيلَ: قالُوا: ﴿ أقْرَرْنا ﴾ ، وكانَ الظّاهِرُ في الجَوابِ أقْرَرْنا عَلى ذَلِكَ إصْرَكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الثّانِيَ اِكْتِفاءً بِالأوَّلِ، (قالَ) أيِ اللَّهُ تَعالى لَهم ﴿ فاشْهَدُوا ﴾ أيْ فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِذَلِكَ الإقْرارِ، فاعْتَبَرَ المُقِرَّ بَعْضًا والشّاهِدَ بَعْضًا آخَرَ، لِئَلّا يَتَّحِدُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ والشّاهِدُ، وقِيلَ: الخِطابُ فِيهِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَطْ أُمِرُوا بِالشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقِيلَ: لِلْمَلائِكَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ ونُسِبَ إلى سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ﴿ وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ  ﴾ أيْ عَلى إقْرارِكم وتَشاهُدِكم عَلى ما يَقْتَضِيهِ المَعْنى لِأنَّهُ لا بُدَّ في الشَّهادَةِ مِن مَشْهُودٍ عَلَيْهِ.

وهُنا ما ذَكَرْناهُ لِلْمَقامِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ اِعْلَمُوا وأنا مَعَكم أعْلَمُ.

وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فِيهِ تَوْكِيدٌ وتَحْذِيرٌ عَظِيمٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ أنا و ﴿ مَعَكُمْ ﴾ حالٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ فاشْهَدُوا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ٨٢

﴿ فَمَن تَوَلّى ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ  ونُصْرَتِهِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيِ المِيثاقِ والإقْرارِ والتَّوْكِيدِ بِالشَّهادَةِ ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى (مَن) مُراعًى مَعْناهُ كَما رُوعِيَ مِن قَبْلُ لَفْظُها ﴿ هُمُ الفاسِقُونَ  ﴾ أيِ الخارِجُونَ في الكُفْرِ إلى أفْحَشِ مَراتِبِهِ، والمَشْهُورُ عَدَمُ دُخُولِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حُكْمِ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ، أوْ ما هي في حُكْمِها لِأنَّهم أجَلُّ قَدْرًا مِن أنْ يُتَصَوَّرَ في حَقِّهِمْ ثُبُوتُ المُقَدَّمِ لِيَتَّصِفُوا، وحاشاهم بِما تَضَمَّنَهُ التّالِي بَلْ هَذا الحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إلى أتْباعِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ العُمُومَ، والآيَةُ مِن قَبِيلِ: ﴿ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُۥٓ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًۭا وَكَرْهًۭا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ٨٣

﴿ أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ ذَكَرَ الواحِدِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ «”اِخْتَصَمَ أهْلُ الكِتابَيْنِ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فِيما اِخْتَلَفُوا بَيْنَهم مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُلُّ فِرْقَةٍ زَعَمَتْ أنَّها أوْلى بِدِينِهِ فَقالَ النَّبِيُّ  : كِلًا الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِن دِينِ إبْراهِيمَ فَغَضِبُوا وقالُوا: واَللَّهِ ما نَرْضى بِقَضائِكَ ولا نَأْخُذُ بِدِينِكَ“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» والجُمْلَةُ في النَّظْمِ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وقِيلَ: عَلى الجَزاءِ فَقَطْ، وعَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ مُغْتَفَرٌ هُنا عِنْدَ المانِعِينَ، والهَمْزَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِلْإنْكارِ، وقِيلَ: إنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ أيَتَوَلَّوْنَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، قالَ اِبْنُ هِشامٍ: والأوَّلُ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ، وجَزَمَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَواضِعَ، وجَوَّزَ الثّانِيَ في بَعْضٍ ويُضَعِّفُهُ ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وأنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، أمّا الأوَّلُ: فَلِدَعْوى حَذْفِ الجُمْلَةِ فَإنْ قُوبِلَ بِتَقْدِيمِ بَعْضِ المَعْطُوفِ فَقَدْ يُقالُ إنَّهُ أسْهَلُ مِنهُ لِأنَّ المُتَجَوِّزَ فِيهِ عَلى قَوْلِهِمْ أقَلُّ لَفْظًا مَعَ أنَّ في هَذا التَّجَوُّزِ تَنْبِيهًا عَلى أصالَةِ شَيْءٍ في شَيْءٍ، أيْ أصالَةِ الهَمْزَةِ في التَّصَدُّرِ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ في نَحْوِ ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ اِنْتَهى.

وتَعَقَّبَهُ الشَّمْسُ بْنُ الصّائِغِ بِأنَّهُ أيُّ مانِعٍ مِن تَقْدِيرِ ألا مُدَبِّرٌ لِلْمَوْجُوداتِ فَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المَقْصُودِ بِهِ تَقْرِيرَ ثُبُوتِ الصّانِعِ، والمَعْنى أيَنْتَفِي المُدَبِّرُ، فَلا أحَدَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ، لا يُمْكِنُ ذَلِكَ، بَلِ المُدَبِّرُ مَوْجُودٌ فالقائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ هو وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ البَدْرِ اِبْنِ الدَّمامِينِيِّ أهم ضالُّونَ فَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لَمْ يُوَحِّدُوهُ، وجَعْلُهُ الهَمْزَةَ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ وعَلى العِلّاتِ يُوشِكُ أنَّ يَكُونَ التَّفْصِيلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أوْلى بِأنْ يُقالَ: إنِ اِنْساقَ ذَلِكَ المُقَدَّرُ لِلذِّهْنِ قِيلَ: بِالتَّقْدِيرِ، وإلّا قِيلَ: بِما قالَهُ الجَماعَةُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالإنْكارِ لا لِلْحَصْرِ كَما تُوُهِّمَ لِأنَّ المُنْكَرَ اِتِّخاذُ غَيْرِ اللَّهِ رَبًّا ولَوْ مَعَهُ، ودَعْوى أنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ دِينَ غَيْرِ اللَّهِ لا يُجامِعُ دِينَهُ في الطَّلَبِ، فالتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ - والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ أيْ أيَخُصُّونَ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ بِالطَّلَبِ - تَكَلُّفٌ، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ تَعْلِيلَ التَّقْدِيمِ بِما تَقَدَّمَ لا تَحْقِيقَ فِيهِ لِأنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو مَعْنى الهَمْزَةِ لا يَتَوَجَّهُ إلى الذَّواتِ، وإنَّما يَتَوَجَّهُ إلى الأفْعالِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فاَلَّذِي أنْكَرَ إنَّما هو الِابْتِغاءُ الَّذِي مُتَعَلِّقُهُ ﴿ أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ ﴾ ، وإنَّما جاءَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ مِن بابِ الِاتِّساعِ، ولِشَبَهِ ﴿ يَبْغُونَ ﴾ بِالفاصِلَةِ لا تَحْقِيقَ فِيهِ عِنْدَ ذَوِي التَّحْقِيقِ لِأنّا لَمْ نَدَّعِ تَوَجُّهَ الإنْكارِ إلى الذَّواتِ، كَما لا يَخْفى.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ لِحَفْصٍ ويَعْقُوبُ يَبْغُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى مَعْنى أتَتَوَلَّوْنَ أوْ أتَفْسُقُونَ وتَكْفُرُونَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ اِلْتِفاتٌ فَعِنْدَهُ لا تَقْدِيرَ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّقْدِيرِ يَجِيءُ قَصْدُ الإنْكارِ فِيما أُشِيرَ إلَيْهِ ولا يُنافِيهِ لِأنَّهُ مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِ.

﴿ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ أيْ كَيْفَ يَبْغُونَ ويَطْلُبُونَ غَيْرَ دِينِهِ، والحالَةُ هَذِهِ ﴿ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ طائِعِينَ وكارِهِينَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ لِأنَّهُ أسْلَمَ بِمَعْنى اِنْقادَ وأطاعَ قِيلَ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ ظاهِرٌ في ﴿ طَوْعًا ﴾ لِمُوافَقَةِ مَعْناهُ ما قَبْلَهُ لا في ”كَرْهًا“ والقَوْلُ بِأنْ يُغْتَفَرَ في الثَّوانِي ما لا يُغْتَفَرُ في الأوائِلِ غَيْرُ نافِعٍ، وقَدْ يُدْفَعُ بِأنَّ الكُرْهَ فِيهِ اِنْقِيادٌ أيْضًا، والطَّوْعُ مَصْدَرُ طاعَ يَطُوعُ، كالإطاعَةِ مَصْدَرُ أطاعَ يُطِيعُ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُما، وقِيلَ: طاعَهُ يَطُوعُهُ اِنْقادَ لَهُ، وأطاعَهُ يُطِيعُهُ بِمَعْنى مَضى لِأمْرِهِ، وطاوَعَهُ بِمَعْنى وافَقَهُ.

وفِي مَعْنى الآيَةِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الإسْلامِ بِالطَّوْعِ الإسْلامُ النّاشِئُ عَنِ العِلْمِ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ حاصِلًا لِلِاسْتِدْلالِ كَما في الكَثِيرِ مِنّا، أوْ بِدُونِ اِسْتِدْلالٍ وإعْمالِ فِكْرٍ كَما في المَلائِكَةِ ومِنَ الإسْلامِ بِالكُرْهِ ما كانَ حاصِلًا بِالسَّيْفِ ومُعايَنَةِ ما يُلْجِئُ إلى الإسْلامِ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ اِنْقادُوا لَهُ تَعالى مُخْتارِينَ لِأمْرِهِ كالمَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ ومُسَخَّرِينَ لِإرادَتِهِ كالكَفَرَةِ فَإنَّهم مُسَخَّرُونَ لِإرادَةِ كُفْرِهِمْ إذْ لا يَقَعُ ما لا يُرِيدُهُ تَعالى، وهَذا لا يُنافِي عَلى ما قِيلَ: الجُزْءُ الِاخْتِيارِيُّ حَتّى لا يَكُونَ لَهُمُ اِخْتِيارٌ في الجُمْلَةِ فَيَكُونُ قَوْلًا بِمَذْهَبِ الجَبْرِيَّةِ، ولا يَسْتَدْعِي عَدَمَ تَوَجُّهِ تَعْذِيبِهِمْ عَلى الكُفْرِ ولا عَدَمَ الفَرْقِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ بِناءً عَلى أنَّ الجَمِيعَ لا يَفْعَلُونَ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ كَما وُهِمَ.

الثّالِثُ: ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ أنَّ الإسْلامَ طَوْعًا هو الِانْقِيادُ والِامْتِثالُ لِما أمَرَ اللَّهُ تَعالى مِن غَيْرِ مُعارَضَةِ ظُلْمَةٍ نَفْسانِيَّةٍ وحَيْلُولَةُ حُجُبِ الأنانِيَّةِ، والإسْلامُ كَرْهًا هو الِانْقِيادُ مَعَ تَوَسُّطِ المُعارَضاتِ والوَساوِسِ وحَيْلُولَةُ الحُجُبِ والتَّعَلُّقُ بِالوَسائِطِ، والأوَّلُ: مِثْلَ إسْلامِ المَلائِكَةِ وبَعْضِ مَن في الأرْضِ مِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ، والثّانِي: مِثْلَ إسْلامِ الكَثِيرِ مِمَّنْ تُقَلِّبُهُ الشُّكُوكُ جَنْبًا إلى جَنْبٍ حَتّى غَدا يَقُولُ: لِقَدْ طُفْتُ في تِلْكَ المَعاهِدِ كُلِّها وسَرَّحْتُ طَرَفِي بَيْنَ تِلْكَ المَعالِمِ فَلَمْ أرَ إلّا واضِعًا كَفَّ حائِرٍ ∗∗∗ عَلى ذَقَنٍ أوْ قارِعًا سِنِّ نادِمِ والكُفّارُ مِنَ القِسْمِ الثّانِي عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهم أثْبَتُوا صانِعًا أيْضًا إلّا أنَّ ظَلَمَةَ أنْفُسِهِمْ حالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الوُقُوفِ عَلى الحَقِّ ﴿ وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ مُجاهِدٍ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ آدَمِيٍّ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى رَبِّي وأنا عَبْدُهُ، فَمَن أشْرَكَ في عِبادَتِهِ فَهَذا الَّذِي أسْلَمَ كَرْهًا، ومَن أخْلَصَ لِلَّهِ تَعالى العُبُودِيَّةَ فَهو الَّذِي أسْلَمَ طَوْعًا، وقَرَأ الأعْمَشُ (كُرْهًا) بِالضَّمِّ.

﴿ وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ  ﴾ أيْ إلى جَزائِهِ تَصِيرُونَ عَلى المَشْهُورِ فَبادِرُوا إلى دِينِهِ، ولا تُخالِفُوا الإسْلامَ، وجَوَّزُوا في الجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِلْإخْبارِ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّهْدِيدِ، وأنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ ولَهُ أسْلَمَ ﴾ فَهي حالِيَّةٌ أيْضًا، وقَرَأ عاصِمٌ بِياءِ الغِيبَةِ، والضَّمِيرُ لِمَن أوْ لِمَن عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿ يَبْغُونَ ﴾ فَإنْ قُرِئَ بِالخِطابِ فَهو اِلْتِفاتٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِالخِطابِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ لِمَن عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿ يَبْغُونَ ﴾ فَعَلى الغَيْبَةِ فِيهِ اِلْتِفاتٌ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ ٨٤

﴿ قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ  أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ والمُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ بِما ذَكَرَ، فَضَمِيرُ (آمَنّا) لِلنَّبِيِّ  والأُمَّةِ، وقالَ المَوْلى عَبْدُ الباقِي: لَمّا أخَذَ اللَّهُ تَعالى المِيثاقَ مِنَ النَّبِيِّينَ أنْفُسَهم أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَنْصُرُوهُ أمَرَ مُحَمَّدًا أيْضًا  أنْ يُؤْمِنَ بِالأنْبِياءِ المُؤْمِنِينَ بِهِ وبِكُتُبِهِمْ فَيَكُونُ ﴿ آمَنّا ﴾ في مَوْضِعِ آمَنتَ لِتَعْظِيمِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ، أوْ لَمّا عَهِدَ مَعَ النَّبِيِّينَ وأُمَمِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا أمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُمَّتَهُ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ وبِكُتُبِهِمْ.

والحاصِلُ أخْذُ المِيثاقِ مِنَ الجانِبَيْنِ عَلى الإيمانِ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ ولَمْ يَتَعَرَّضْ هُنا لِحِكْمَةِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ إمّا لِأنَّ الإيمانَ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ إيمانٌ بِما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ، أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ شَرِيعَتَهم مَنسُوخَةٌ في زَمَنِ هَذا النَّبِيِّ  وكِلاهُما عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الحِكْمَةِ بِمَعْنى الشَّرِيعَةِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم إذْ لا مَجالَ بِوَجْهٍ لِنُصْرَةِ السَّلَفِ، ويُؤَيِّدُ دَعْوى أخْذِ المِيثاقِ مِنَ الجانِبَيْنِ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ طاوُسَ أنَّهُ قالَ: أخَذَ اللَّهُ تَعالى مِيثاقَ النَّبِيِّينَ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا.

﴿ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا ﴾ وهو القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ  أوَّلًا وعَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ تَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، ومِن هُنا أتى بِضَمِيرِ الجَمْعِ، وقَدْ يُعْتَبَرُ الإنْزالُ عَلَيْهِ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وحْدَهُ، ولَكِنْ نُسِبَ إلى الجَمْعِ ما هو مَنسُوبٌ لِواحِدٍ مِنهُ مَجازًا عَلى ما قِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النُّونُ نُونَ العَظَمَةِ لا ضَمِيرَ الجَماعَةِ، وعُدِّيَ الإنْزالُ هُنا بِ عَلى وفي البَقَرَةِ بِ إلى لِأنَّهُ لَهُ جِهَةُ عُلُوٍّ بِاعْتِبارِ اِبْتِدائِهِ وانْتِهاءً بِاعْتِبارِ آخِرِهِ، وقَدْ جُعِلَ الخِطابُ هُنا لِلنَّبِيِّ  فَناسَبَهُ الِاسْتِعْلاءُ وهُناكَ لِلْعُمُومِ فَناسَبَ الِانْتِهاءَ، كَذا قِيلَ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا ﴾ والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المُعَدّى بِ إلى والمُعَدّى بِعَلى إلّا بِالِاعْتِبارِ، فَإنِ اِعْتَبَرْتَ مَبْدَأهُ عَدَّيْتَهُ بِ عَلى لِأنَّهُ فَوْقانِيٌّ، وإنِ اِعْتَبَرْتَ اِنْتِهاءَهُ إلى مَن هو لَهُ عَدَّيْتَهُ بِ إلى، ويُلاحَظُ أحَدُ الِاعْتِبارَيْنِ تارَةً والآخَرُ أُخْرى تَفَنُّنًا بِالعِبارَةِ، وفَرَّقَ الرّاغِبُ بِأنَّ ما كانَ واصِلًا مِنَ المَلَأِ الأعْلى بِلا واسِطَةٍ كانَ لَفْظٌ عَلى المُخْتَصِّ بِالعُلُوِّ أوْلى بِهِ، وما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كانَ لَفْظٌ إلى المُخْتَصِّ بِالإيصالِ أوْلى بِهِ، وقِيلَ: أنْزَلَ عَلَيْهِ يُحْمَلُ عَلى أمْرِ المَنزَلِ عَلَيْهِ أنْ يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، وأنْزَلَ إلَيْهِ يُحْمَلُ عَلى ما خَصَّ بِهِ نَفْسَهُ لِأنَّ إلَيْهِ اِنْتِهاءَ الإنْزالِ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.

﴿ وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ ﴾ قِيلَ: خَصَّ هَؤُلاءِ الكِرامَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّتِهِمْ وكُتُبِهِمْ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الصُّحُفُ كَما هو الظّاهِرُ وقَدَّمَ المَنزَلُ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى المَنزَلِ عَلَيْهِمْ إمّا لِتَعْظِيمِهِ والِاعْتِناءِ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ المُعَرِّفُ لَهُ ومَعْرِفَةُ المُعَرِّفِ تَتَقَدَّمُ عَلى مَعْرِفَةِ المُعَرَّفِ، والأسْباطُ الأحْفادُ لا أوْلادُ البَناتِ، والمُرادُ بِهِمْ عَلى رَأْيِ أبْناءِ يَعْقُوبَ الِاثْنا عَشَرَ وذَرارِيُّهُمْ، ولَيْسَ كُلُّهم أبْناءً خِلافًا لِزاعِمِهِ، ﴿ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وسائِرِ المُعْجِزاتِ كَما يُشْعِرُ بِهِ إيثارُ الإيتاءِ عَلى الإنْزالِ الخاصِّ بِالكِتابِ، وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالكِتابَيْنِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الكِتابَيْنِ، وتَخْصِيصُ هَذَيْنَ النَّبِيَّيْنِ بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿ والنَّبِيُّونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ مُوسى وعِيسى ﴾ أيْ وبِما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ عَلى تَعَدُّدِ أفْرادِهِمْ واخْتِلافِ أسْمائِهِمْ، ﴿ مِن رَبِّهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (أُوتِيَ)، وفي التَّعْبِيرِ بِالرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِمْ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ.

﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ ﴾ أيْ بِالتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ كَما فَعَلَ اليَهُودُ والنَّصارى، والتَّفْرِيقُ بِغَيْرِ ذَلِكَ كالتَّفْضِيلِ جائِزٌ، ﴿ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  ﴾ أيْ مُسْتَسْلِمُونَ بِالطّاعَةِ والِانْقِيادِ في جَمِيعِ ما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ، أوْ مُخْلِصُونَ لَهُ في العِبادَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَدْرَكَةً بَعْدَ جُمْلَةِ الإيمانِ كَما هو ظاهِرٌ، وقِيلَ: إنَّ أهْلَ المِلَلِ المُخالِفَةِ لِلْإسْلامِ كانُوا كُلُّهم يُقِرُّونَ بِالإيمانِ ولَمْ يَكُونُوا يُقِرُّونَ بِلَفْظَةِ الإسْلامِ فَلِهَذا أرْدَفَ تِلْكَ الجُمْلَةَ بِهَذِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَـٰمِ دِينًۭا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٨٥

﴿ ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ ﴾ نَزَلَتْ في جَماعَةٍ اِرْتَدُّوا وكانُوا اِثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وخَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ وأتَوْا مَكَّةَ كُفّارًا، مِنهُمُ الحَرْثُ بْنُ سُوَيْدٍ الأنْصارِيُّ، والإسْلامُ قِيلَ: التَّوْحِيدُ والِانْقِيادُ، وقِيلَ: شَرِيعَةُ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن تَحَرّى بَعْدَ مَبْعَثِهِ  غَيْرَ شَرِيعَتِهِ فَهو غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنهُ، وقَبُولُ الشَّيْءِ هو الرِّضا بِهِ وإثابَةُ فاعِلِهِ عَلَيْهِ، وانْتِصابُ (دِينًا) عَلى التَّمْيِيزِ مِن (غَيْرَ) وهي مَفْعُولُ (يَبْتَغِ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (دِينًا) مَفْعُولُ (يَبْتَغِ) و(غَيْرَ) صِفَةٌ قُدِّمَتْ فَصارَتْ حالًا، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن ﴿ غَيْرَ الإسْلامِ ﴾ والجُمْهُورُ عَلى إظْهارِ الغَيْنَيْنِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الِادِّغامُ، وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ كَسْرَةَ الغَيْنِ الأُولى تَدُلُّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.

﴿ وهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ  ﴾ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ فَتَكُونُ في مَحَلِّ جَزْمٍ، وإمّا في مَحَلِّ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ فَتَكُونُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، و ﴿ فِي الآخِرَةِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ أيْ وهو خاسِرٌ في الآخِرَةِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالخاسِرِينَ عَلى أنَّ الألِفَ واللّامَ لَيْسَتْ مَوْصُولَةً بَلْ هي حَرْفُ تَعْرِيفٍ، والخُسْرانُ في الآخِرَةِ هو حِرْمانُ الثَّوابِ وحُصُولُ العِقابِ، وقِيلَ: أصْلُ الخُسْرانِ ذَهابُ رَأْسِ المالِ، والمُرادُ بِهِ هُنا تَضْيِيعُ ما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ المُشارِ إلَيْها في حَدِيثِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» وعَدَمُ الِانْتِفاعِ بِذَلِكَ وظُهُورُهُ بِتَحَقُّقِ ضِدِّهِ ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ ﴾ ﴿ إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ والتَّعْبِيرُ بِالخاسِرِينَ أبْلَغُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِخاسِرٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما قَبْلُ وهو مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ولِذا تُرِكَ مَفْعُولُهُ، والمَعْنى وهو مِن جُمْلَةِ الواقِعِينَ في الخُسْرانِ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ هو الإسْلامُ إذْ لَوْ كانَ غَيْرُهُ لَمْ يُقْبَلْ، واللّازِمُ باطِلٌ بِالضَّرُورَةِ فالمَلْزُومُ مِثْلُهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ ﴿ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ ﴾ يَنْفِي قَبُولَ كُلِّ دِينٍ يُبايِنُ دِينَ الإسْلامِ والإيمانِ، وإنْ كانَ ﴿ غَيْرَ الإسْلامِ ﴾ لَكِنَّهُ لا يُغايِرُ دِينَ الإسْلامِ بَلْ هو هو بِحَسَبِ الذّاتِ، وإنْ كانَ غَيْرَهُ بِحَسَبِ المَفْهُومِ، وذَكَرَ الإمامُ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المُغايَرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ﴾ يَدُلُّ عَلى المُغايَرَةِ، ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُما أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ الأُولى عَلى العُرْفِ الشَّرْعِيِّ، والثّانِيَةُ عَلى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًۭا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ وَشَهِدُوٓا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٨٦

﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ ﴾ إلى الدِّينِ الحَقِّ ﴿ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى رَأوْا نَعْتَ مُحَمَّدٍ  في كِتابِهِمْ وأقَرُّوا وشَهِدُوا أنَّهُ حَقٌّ، فَلَمّا بُعِثَ مَن غَيْرِهِمْ حَسَدُوا العَرَبَ عَلى ذَلِكَ فَأنْكَرُوهُ وكَفَرُوا بَعْدَ إقْرارِهِمْ حَسَدًا لِلْعَرَبِ حِينَ بُعِثَ مِن غَيْرِهِمْ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هم أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ والحَرْثُ بْنُ سُوَيْدٍ في اِثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ ولَحِقُوا بِقُرَيْشٍ ثُمَّ كَتَبُوا إلى أهْلِهِمْ هَلْ لَنا مِن تَوْبَةٍ؟

فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَلى هَذا، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ اِسْتِبْعادُ أنْ يَهْدِيَهم أيْ يَدُلَّهم دَلالَةً مُوَصِّلَةً لا مُطْلَقَ الدَّلالَةِ، قالَهُ بَعْضُهُمْ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى كَيْفَ يَسَلُكُ بِهِمْ سَبِيلَ المَهْدِيِّينَ بِالإثابَةِ لَهم والثَّناءِ عَلَيْهِمْ وقَدْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ عَلى طَرِيقِ التَّبْعِيدِ كَما يُقالُ: كَيْفَ أهْدِيكَ إلى الطَّرِيقِ وقَدْ تَرَكْتَهُ، أيْ لا طَرِيقَ يَهْدِيهِمْ بِهِ إلى الإيمانِ إلّا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي هَداهم بِهِ، وقَدْ تَرَكُوهُ ولا طَرِيقَ غَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ كَيْفَ يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ ويُثِيبُهم والحالُ ما تَرى؟!

﴿ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ ﴾ وهو مُحَمَّدٌ  (حَقٌّ) لا شَكَّ في رِسالَتِهِ ﴿ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ ﴾ أيِ البَراهِينُ والحُجَجُ النّاطِقَةُ بِحَقِّيَّةِ ما يَدَّعِيهِ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: ما في كُتُبِهِمْ مِنَ البِشارَةِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿ وشَهِدُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى ما في إيمانِهِمْ مِن مَعْنى الفِعْلِ لِأنَّهُ بِمَعْنى آمَنُوا، والظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى المَعْنى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ ﴾ لا عَلى التَّوَهُّمِ كَما تُوُهِّمَ؛ واخْتارَ بَعْضُهم تَأْوِيلَ المَعْطُوفِ لِيَصِحَّ عَطْفُهُ عَلى الِاسْمِ الصَّرِيحِ قَبْلَهُ بِأنْ يُقَدَّرَ مَعَهُ أنِ المَصْدَرِيَّةُ، أيْ: وإنْ شَهِدُوا، أيْ وشَهادَتُهم عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي أحَبُّ إلَيَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ وإلى هَذا ذَهَبُ الرّاغِبُ وأبُو البَقاءِ، وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى ﴿ كَفَرُوا ﴾ وفَسادُ المَعْنى يَدْفَعُهُ أنَّ العَطْفَ لا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فَلْيَكُنِ المُنْكَرُ الشَّهادَةَ المُقارَنَةَ بِالكُفْرِ أوِ المُتَقَدِّمَةَ عَلَيْهِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الظّاهِرَ تَقْيِيدُ المَعْطُوفِ بِما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ وشَهادَتُهم هَذِهِ لَمْ تَكُنْ بَعْدَ إيمانِهِمْ بَلْ مَعَهُ أوْ قَبْلَهُ؛ وأُجِيبَ بِالمَنعِ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ تَقْيِيدُ المَعْطُوفِ بِما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ولَوْ قُصِدَ ذَلِكَ لَأُخِّرَ، وقِيلَ: يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ العَطْفِ أنَّهم لَيْسُوا جامِعِينَ بَيْنَ الشَّهادَةِ والكُفْرِ، وأُجِيبَ بِالمَنعِ بَلْ هم جامِعُونَ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعًا، ومِنَ النّاسِ مِن جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿ كَفَرُوا ﴾ ولَمْ يَتَكَلَّفْ شَيْئًا مِمّا ذَكَرَ، وزُعِمَ أنَّ ذَلِكَ في المُنافِقِينَ وهو خِلافُ المَنقُولِ والمَعْقُولِ، والأكْثَرُونَ مِنَ المُحَقِّقِينَ عَلى اِخْتِيارِ الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ كَفَرُوا ﴾ وقَدْ مَعَهُ مُقَدَّرَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ يَهْدِي لِأنَّهُ يَهْدِي مَن شَهِدَ أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، وعَلَيْهِ وعَلى تَقْدِيرِ العَطْفِ عَلى الإيمانِ اُسْتُدِلَّ عَلى أنَّ الإقْرارَ بِاللِّسانِ خارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الإيمانِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ «اَلْمُغايِرَةَ» بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وأنَّ الحالِيَّةَ تَقْتَضِي التَّقْيِيدَ، ولَوْ كانَ الإقْرارُ داخِلًا في حَقِيقَةِ الإيمانِ لَخَلا ذِكْرُهُ عَنِ الفائِدَةِ، ولَوْ كانَ عَيْنَهُ يَلْزَمُ تَقْيِيدُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ الإيمانِ الإيمانُ بِاَللَّهِ، ومِنَ الشَّهادَةِ المَذْكُورَةِ الإيمانُ بِرَسُولِهِ  ، والأمْرُ حِينَئِذٍ واضِحٌ، فَتَدَبَّرْ.

﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ  ﴾ أيِ الكافِرِينَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالإخْلالِ بِالنَّظَرِ ووَضْعِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الإيمانِ، فَكَيْفَ مَن جاءَهُ الحَقُّ وعَرَفَهُ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهُ؛ ويَجُوزُ حَمْلُ الظُّلْمِ مُطْلَقِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الكَفْرُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ اِعْتِراضِيَّةٌ أوْ حالِيَّةٌ.

<div class="verse-tafsir"

أُو۟لَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ٨٧

﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَذْكُورُونَ المُتَّصِفُونَ بِأشْنَعِ الصِّفاتِ وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ جَزاؤُهُمْ ﴾ أيْ جَزاءُ فِعْلِهِمْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ  ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي، وهو وخَبَرُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، قِيلَ: وهَذا يَدُلُّ بِمَنطُوقِهِ عَلى جَوازِ لَعْنِهِمْ، ومَفْهُومُهُ يَنْفِي جَوازَ لَعْنِ غَيْرِهِمْ، ولَعَلَّ الفَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ حَتّى خَصَّ اللَّعْنَ بِهِمْ أنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ مَمْنُوعُونَ بِسَبَبِ خَباثَةِ ذَواتِهِمْ وقُبْحِ اِسْتِعْدادِهِمْ مِنَ الهُدى آيِسُونَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ غَيْرِهِمْ، والخِلافُ في لَعْنِ أقْوامٍ بِأعْيانِهِمْ مِمَّنْ ورَدَ لَعْنُ أنْواعِهِمْ كَشارِبِ خَمْرٍ مُعَيَّنٍ مَثَلًا مَشْهُورٌ، والنَّوَوِيُّ عَلى جَوازِهِ اِسْتِدْلالًا بِما ورَدَ «أنَّهُ  مَرَّ بِحِمارٍ وُسِمَ في وجْهِهِ فَقالَ: ”لَعَنَ اللَّهُ تَعالى مَن فَعَلَ هَذا“،» وبِما صَحَّ أنَّ المَلائِكَةَ تَلْعَنُ مَن خَرَجَتْ مِن بَيْتِها بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِها، وأُجِيبَ بِأنَّ اللَّعْنَ هُناكَ لِلْجِنْسِ الدّاخِلِ فِيهِ الشَّخْصِ أيْضًا، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ كَتَأْوِيلِ إنَّ وراكِبِها بِذَلِكَ والِاحْتِياطُ لا يَخْفى، والمُرادُ مِنَ النّاسِ إمّا المُؤْمِنُونَ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَلْعَنُونَ الكَفَرَةَ، أوِ المُطْلَقُ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَلْعَنُ مَن لَمْ يَتَّبِعِ الحَقَّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ مُتَّبِعٍ بِناءً عَلى زَعْمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ٨٨

﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلَّعْنَةِ أوْ لِلْعُقُوبَةِ أوْ لِلنّارِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ اِكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللَّعْنَةِ عَلَيْها ﴿ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ  ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ ولا يُؤَخَّرُ عَنْهُمُ العَذابُ مِن وقْتٍ إلى وقْتٍ آخَرَ، أوْ لا يُنْظَرُ إلَيْهِمْ ولا يُعْتَدُّ بِهِمْ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ٨٩

﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أيِ الكُفْرِ الَّذِي اِرْتَكَبُوهُ بَعْدَ الإيمانِ ﴿ وأصْلَحُوا ﴾ أيْ دَخَلُوا في الصَّلاحِ بِناءً عَلى أنَّ الفِعْلَ لازِمٌ مِن قَبِيلِ أصْبَحُوا أيْ دَخَلُوا في الصَّباحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ أصْلَحُوا ما أفْسَدُوا، فَفِيهِ إشارَةٌ كَما قِيلَ إلى أنَّ مُجَرَّدَ النَّدَمِ عَلى ما مَضى مِنَ الِارْتِدادِ والعَزْمَ عَلى تَرْكِهِ في الِاسْتِقْبالِ غَيْرُ كافٍ، لِما أخَلُّوا بِهِ مِنَ الحُقُوقِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مُجَرَّدَ التَّوْبَةِ يُوجِبُ تَخْفِيفَ العَذابِ ونَظَرَ الحَقِّ إلَيْهِمْ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ تَقْيِيدًا بَلْ بَيانًا لِأنْ يُصْلِحَ ما فَسَدَ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِوارِدٍ لِأنَّ مُجَرَّدَ النَّدَمِ والعَزْمِ عَلى تَرْكِ الكُفْرِ في المُسْتَقْبَلِ لا يُخْرِجُهُ مِنهُ فَهو بَيانٌ لِلتَّوْبَةِ المُعْتَدُّ بِها، فالمَآلُ واحِدٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ أيْ فَيَغْفِرُ كُفْرَهم ويُثِيبُهُمْ، وقِيلَ: ﴿ غَفُورٌ ﴾ لَهم في الدُّنْيا بِالسَّتْرِ عَلى قَبائِحِهِمْ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِهِمْ في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ عَنْهم ولا يَخْفى بُعْدُهُ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ ٩٠

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا ﴾ قالَ عَطاءٌ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ كَفَرُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والإنْجِيلِ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِأنْبِيائِهِمْ وكُتُبِهِمْ، ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ  والقُرْآنِ، وقِيلَ: في أهْلِ الكِتابِ آمَنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ  قَبْلَ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا بِالإصْرارِ والعِنادِ والصَّدِّ عَنِ السَّبِيلِ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الحَسَنِ، وقِيلَ: في أصْحابِ الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ فَإنَّهُ لَمّا رَجَعَ قالُوا: نُقِيمُ بِمَكَّةَ عَلى الكُفْرِ ما بَدا لَنا فَمَتى أرَدْنا الرَّجْعَةَ رَجَعْنا فَيَنْزِلُ فِينا ما نَزَلَ في الحَرْثِ، وقِيلَ: في قَوْمٍ مِن أصْحابِهِ مِمَّنْ كانَ يَكْفُرُ ثُمَّ يُراجِعُ الإسْلامَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ، و ﴿ كُفْرًا ﴾ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ فاعِلٍ، والدّالُ الأُولى في ﴿ ازْدادُوا ﴾ بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ لِوُقُوعِها بَعْدَ الزّايِ.

﴿ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والجُبّائِيُّ: لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ إلّا عِنْدُ حُضُورِ المَوْتِ والمُعايَنَةِ وعِنْدَ ذَلِكَ لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الكافِرِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لِأنَّها لَمْ تَكُنْ عَنْ قَلْبٍ، وإنَّما كانَتْ نِفاقًا، وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَبِيلِ: ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ أيْ لا تَوْبَةَ لَهم حَتّى تُقْبَلَ لِأنَّهم لَمْ يُوَفَّقُوا لَها، فَهو مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ، كَما قالَ العَلّامَةُ دُونَ المَجازِ حَيْثُ أُرِيدَ بِالكَلامِ مَعْناهُ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى المَلْزُومِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا يُنافِي هَذا ما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ وتَقَرَّرَ في الشَّرْعِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ لَمْ تَكُنْ عَنِ الكُفْرِ وإنَّما هي عَنْ ذُنُوبٍ كانُوا يَفْعَلُونَها مَعَهُ فَتابُوا عَنْها مَعَ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ فَرُدَّتْ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ والنَّصارى كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْرًا بِذُنُوبٍ أذْنَبُوها ثُمَّ ذَهَبُوا يَتُوبُونَ مِن تِلْكَ الذُّنُوبِ في كُفْرِهِمْ فَلَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُمْ، ولَوْ كانُوا عَلى الهُدى قُبِلَتْ ولَكِنَّهم عَلى ضَلالَةٍ، وتَجِيءُ عَلى هَذا مَسْألَةُ تَكْلِيفِ الكافِرِ بِالفُرُوعِ وقَدْ بُسِطَ الكَلامُ عَلَيْها في الأُصُولِ.

﴿ وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ  ﴾ عَطْفٌ إمّا عَلى خَبَرِ (إنَّ) فَمَحَلُّها الرَّفْعُ، وإمّا عَلى (إنَّ) مَعَ اِسْمِها فَلا مَحَلَّ لَها، و ﴿ الضّالُّونَ ﴾ المُخْطِئُونَ طَرِيقَ الحَقِّ والنَّجاةِ، وقِيلَ: الهالِكُونَ المُعَذَّبُونَ، والحَصْرُ بِاعْتِبارِ أنَّهم كامِلُونَ في الضَّلالِ فَلا يُنافِي وُجُودَ الضَّلالِ في غَيْرِهِمْ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌۭ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًۭا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ ٩١

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ ﴾ أيْ عَلى كُفْرِهِمْ ﴿ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ﴾ مِن مَشْرِقِها إلى مَغْرِبِها ﴿ ذَهَبًا ﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، وقَرَأ الأعْمَشُ (ذَهَبٌ) بِالرَّفْعِ، وخَرَجَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (مِلْءُ) أوْ عَطْفِ البَيانِ أوِ الخَبَرِ لِمَحْذُوفٍ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ وصْفٍ لِيَحْسُنَ البَدَلُ ولا دَلالَةَ عَلَيْهِ ولَمْ يُعْهَدْ بَيانُ المَعْرِفَةِ بِالنَّكِرَةِ، وجَعْلُهُ خَبَرًا إنَّما يَحْسُنُ إذا جُعِلَتِ الجُمْلَةُ صِفَةً أوْ حالًا ولا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ، ومِلْءُ الشَّيْءِ بِالكَسْرِ مِقْدارُ ما يَمْلَؤُهُ، وأمّا مَلْءٌ بِالفَتْحِ فَهو مَصْدَرُ مَلَأهُ مَلْأً، وأمّا المُلاءَةُ بِالضَّمِّ والمَدِّ فَهي المِلْحَفَةُ.

وهَهُنا سُؤالٌ مَشْهُورٌ وهو أنَّهُ لِمَ دَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ (إنَّ) هُنا ولَمْ تَدْخُلْ في الآيَةِ السّابِقَةِ مَعَ أنَّ الآيَتَيْنِ سَواءٌ في صِحَّةِ إدْخالِ الفاءِ لِتَصَوُّرِ السَّبَبِيَّةِ ظاهِرًا؟

وأجابَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ الصِّلَةَ في الآيَةِ الأُولى الكُفْرُ وازْدِيادُهُ، وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَدَمُ قَبُولِ التَّوْبَةِ بَلْ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى المَوْتِ عَلَيْهِ إذْ لَوْ وقَعَتْ عَلى ما يَنْبَغِي لَقُبِلَتْ بِخِلافِ المَوْتِ عَلى الكَفَرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ لَوْ قالَ: مَن جاءَنِي لَهُ دِرْهَمٌ كانَ إقْرارًا بِخِلافِ ما لَوْ قَرَنَهُ بِالفاءِ كَما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ الفُقَهاءِ ولا يَرِدُ أنْ تَرَتُّبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ دَلِيلٌ عَلى السَّبَبِيَّةِ لِأنّا لا نُسَلَّمُ لُزُومَهُ لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِالمَوْصُولِ قَدْ يَكُونُ لِأغْراضٍ كالإيماءِ إلى تَحَقُّقِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ: إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجِرَةً بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ دُونَها غُولُ وقَدْ فُصِّلَ ذَلِكَ في المَعانِي؛ وقُرِئَ (فَلَنْ يَقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءَ الأرْضِ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى ونَصْبِ مِلْءٍ، و(مِلْءَ الأرْضِ) بِتَخْفِيفِ الهَمْزَتَيْنِ.

﴿ ولَوِ افْتَدى بِهِ ﴾ قالَ اِبْنُ المُنِيرِ في «اَلِانْتِصافِ»: إنَّ هَذِهِ الواوَ المُصاحِبَةَ لِلشَّرْطِ تَسْتَدْعِي شَرْطًا آخَرَ تَعْطِفُ عَلَيْهِ الشَّرْطَ المُقْتَرِنَةَ بِهِ ضَرُورَةٌ، والعادَةُ في مِثْلِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَنطُوقُ بِهِ مُنَبِّهًا عَلى المَسْكُوتِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الأوْلى، مِثالُهُ قَوْلُكَ: أُكْرِمُ زَيْدًا ولَوْ أساءَ فَهَذِهِ الواوُ عَطَفَتِ المَذْكُورَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أُكْرِمُ زَيْدًا لَوْ أحْسَنَ ولَوْ أساءَ، إلّا أنَّكَ نَبَّهْتَ بِإيجابِ إكْرامِهِ وإنْ أساءَ عَلى أنَّ إكْرامَهُ إنْ أحْسَنَ بِطْرِيقِ الأوْلى؛ ومِنهُ ﴿ كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ - واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - لَوْ كانَ الحَقُّ عَلى غَيْرِكم ولَوْ كانَ عَلَيْكم ولَكِنَّهُ ذَكَرَ ما هو أعْسَرُ عَلَيْهِمْ فَأوْجَبَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما كانَ أسْهَلَ أوْلى بِالوُجُوبِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُخالَفَةً لِهَذا النَّمَطِ مِنَ الِاسْتِعْمالِ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوِ افْتَدى بِهِ ﴾ يَقْتَضِي شَرْطًا آخَرَ مَحْذُوفًا يَكُونُ هَذا المَذْكُورُ مُنَبِّهًا عَلَيْهِ بِطْرِيقِ الأوْلى، والحالَةُ المَذْكُورَةُ أعْنِي حالَةَ اِفْتِدائِهِمْ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا هي أجْدَرُ الحالاتِ بِقَبُولِ الفِدْيَةِ، ولَيْسَ وراءَها حالَةٌ أُخْرى تَكُونُ أوْلى بِالقَبُولِ مِنها خاضَ المُفَسِّرُونَ بِتَأْوِيلِها فَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ، حاصِلُ الأوَّلِ: أنَّ عَدَمَ قَبُولِ مِلْءِ الأرْضِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ فِدْيَةٍ ما لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّ القَبُولَ يُرادُ لِلْخَلاصِ وإنَّما عَدَلَ تَصْوِيرًا لِلتَّكْثِيرِ لِأنَّهُ الغايَةُ الَّتِي لا مَطْمَحَ وراءَها في العُرْفِ، وفي الضَّمِيرِ يُرادُ ﴿ مِلْءُ الأرْضِ ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ فَيَصِيرُ المَعْنى لا تُقْبَلُ مِنهُ فِدْيَةٌ ولَوِ اِفْتَدى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، فَفي الأوَّلِ نَظَرٌ إلى العُمُومِ وسَدُّهُ مَسَدَّ فِدْيَةٍ ما، وفي الثّانِي إلى الحَقِيقَةِ أوْ لِكَثْرَةِ المُبالَغَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى القِيامِ مَقامَها، وحاصِلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ ولَوِ اِفْتَدى بِمِثْلِهِ مَعَهُ كَما صَرَّحَ بِهِ في آيَةٍ أُخْرى، ولِأنَّهُ عُلِمَ أنَّ الأوَّلَ فِدْيَةٌ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُقْبَلُ مِلْءُ الأرْضِ فِدْيَةً ولَوْ ضُوعِفَ، ويَرْجِعُ هَذا إلى جَعْلِ الباءِ بِمَعْنى مَعَ وتَقْدِيرِ مِثْلٍ بَعْدَهُ أيْ مَعَ مِثْلِهِ، وحاصِلُ الثّالِثِ: أنَّهُ يُقَدَّرُ وصْفٌ يُعَيِّنُهُ المُساقُ مِن نَحْوٍ كانَ مُتَصَدِّقًا بِهِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ الشَّرْطُ المَذْكُورُ مِن قَبْلُ ما يُقْصَدُ بِهِ تَأْكِيدُ الحُكْمِ السّابِقِ بَلْ يَكُونُ شَرْطًا مَحْذُوفَ الجَوابِ ويَكُونُ المَعْنى لا يُقْبَلُ مِنهُ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَوْ تَصَدَّقَ ولَوِ اِفْتَدى بِهِ أيْضًا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، وضَمِيرُ (بِهِ) لِلْمالِ مِن غَيْرِ اِعْتِبارِ وصْفِ التَّصَدُّقِ، فالكَلامُ مِن قَبِيلِ: ﴿ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ ﴾ وعِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، اِنْتَهى.

ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ الخَفاءِ والتَّكَلُّفِ، وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ: إنَّ الواوَ زائِدَةٌ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قُرِئَ في الشَّواذِّ بِدُونِها، وكَذا القَوْلُ: بِأنَّ (لَوْ) لَيْسَتْ وصْلِيَّةً بَلْ شَرْطِيَّةً، والجَوابُ ما بَعْدُ أوْ هو سادٌّ مَسَدَّهُ، وذَكَرَ اِبْنُ المُنِيرِ في الجَوابِ مُدَّعِيًا أنَّ تَطْبِيقَ الآيَةِ عَلَيْهِ أسْهَلُ وأقْرَبُ بَلِ اِدَّعى أنَّهُ مِنَ السَّهْلِ المُمْتَنِعِ أنَّ قَبُولَ الفِدْيَةِ الَّتِي هي مَلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا تَكُونُ عَلى أحْوالٍ، تارَةً تُؤْخَذُ قَهْرًا كَأخْذِ الدِّيَةِ، وكَرَّةً يَقُولُ المُفْتَدِي: أنا أفْدِي نَفْسِي بِكَذا ولا يَفْعَلُ، وأُخْرى يَقُولُ ذَلِكَ والفِدْيَةُ عَتِيدَةٌ ويُسَلِّمُها لِمَن يُؤَمِّلُ قَبُولَها مِنهُ، فالمَذْكُورُ في الآيَةِ أبْلَغُ الأحْوالِ وأجْدَرُها بِالقَبُولِ، وهي أنْ يَفْتَدِيَ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا اِفْتِداءً مُحَقَّقًا بِأنْ يَقْدِرَ عَلى هَذا الأمْرِ العَظِيمِ ويُسَلِّمَهُ اِخْتِيارًا، ومَعَ ذَلِكَ لا يُقْبَلُ مِنهُ فَلَأنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ: أبْذُلُ المالَ وأقْدِرُ عَلَيْهِ، أوْ ما يَجْرِي هَذا المَجْرى بِطَرِيقِ الأوْلى، فَتَكُونُ الواوُ والحالَةُ هَذِهِ عَلى بابِها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ثَمَّ أحْوالًا أُخَرَ لا يَقَعُ فِيها القَبُولُ بِطَرِيقِ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى الحالَةِ المَذْكُورَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى مُصَرِّحٌ بِذَلِكَ، والمُرادُ بِهِ أنَّهُ لا خَلاصَ لَهم مِنَ الوَعِيدِ وإلّا فَقَدَ عُلِمَ أنَّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ أفْلَسَ مِنَ اِبْنِ المُذَلَّقِ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُكَ: لا أبِيعُكَ هَذا الثَّوْبَ بِألْفِ دِينارٍ ولَوْ سَلَّمْتَها إلَيَّ في يَدِي، اِنْتَهى، وقَرِيبٌ مِنهُ ما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ قائِلًا: إنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذا التَّرْكِيبُ ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّ مَن ماتَ كافِرًا لا يُقْبَلُ مِنهُ ما يَمْلَأُ الأرْضَ مِن ذَهَبٍ عَلى كُلِّ حالٍ يَقْصِدُها ولَوْ في حالِ اِفْتِدائِهِ مِنَ العَذابِ لِأنَّ حالَةَ الِافْتِداءِ لا يَمْتَنُّ فِيها المُفْتَدِي عَلى المُفْتَدى مِنهُ، إذْ هي حالَةُ قَهْرٍ مِنَ المُفْتَدى مِنهُ، وقَدْ قَرَّرْنا في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ (لَوْ) تَأْتِي مُنَبِّهَةً عَلى أنَّ ما قَبْلَها جاءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ وما بَعْدَها جاءَ تَنْصِيصًا عَلى الحالَةِ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لا تَنْدَرِجُ فِيما قَبْلَها كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ“،» و«”رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ“،» كَأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُؤْتى بِها لِأنَّ كَوْنَ السّائِلِ عَلى فَرَسٍ يُشْعِرُ بِغِناهُ فَلا يُناسِبُ أنْ يُعْطى، وكَذَلِكَ الظِّلْفُ المُحْرَقُ لا غِناءَ فِيهِ فَكانَ يُناسَبُ أنْ لا يُرَدَّ السّائِلُ بِهِ، وكَذَلِكَ حالَةُ الِافْتِداءِ يُناسِبُ أنْ يُقْبَلَ مِنهُ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَكِنَّهُ لا يُقْبَلُ، ونَظِيرُهُ ﴿ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ لِأنَّهم نَفَوْا أنْ يُصَدِّقَهم عَلى كُلِّ حالٍ حَتّى في حالَةِ صِدْقِهِمْ وهي الحالَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُصَدَّقُوا فِيها ولَوْ لِتَعْمِيمِ النَّفْيِ والتَّأْكِيدِ لَهُ.

هَذا وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وابْنُ جَرِيرٍ واللَّفْظُ لَهُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: «”يُجاءُ بِالكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ لَهُ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقالُ: لَقَدْ سُئِلْتَ ما هو أيْسَرُ مِن ذَلِكَ فَلَمْ تَفْعَلْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ ﴾ “».

﴿ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ اِسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرٌ، ولِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ رَفَعَ الفاعِلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (لَهُمْ) خَبَرًا مُقَدَّمًا، و ﴿ عَذابٌ ﴾ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ اِسْمِ الإشارَةِ، والأوَّلُ أحْسَنُ، وفي تَعْقِيبِ ما ذُكِرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ والإقْناطِ، لِأنَّ مَن لا يُقْبَلُ مِنهُ الفِداءُ رُبَّما يُعْفى عَنْهُ تَكَرُّمًا ﴿ وما لَهم مِن ناصِرِينَ  ﴾ في دَفْعِ العَذابِ أوْ تَخْفِيفِهِ، و(مِن) مَزِيدَةٌ بَعْدَ النَّفْيِ لِلِاسْتِغْراقِ وتُزادُ بَعْدَهُ سَواءٌ دَخَلَتْ عَلى مُفْرَدٍ أوْ جَمْعٍ خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُفْرَدِ، وصِيغَةُ الجَمْعِ لِمُراعاةِ الضَّمِيرِ، وفِيها تَوافُقُ الفَواصِلِ، والمُرادُ لَيْسَ لِواحِدٍ مِنهم ناصِرٌ واحِدٌ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ ﴾ وهي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وتَرْكُ اِتِّباعِ الهَوى والمَيْلُ إلى السِّوى، فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ نَبِيٌّ ولا كِتابٌ قَطُّ.

﴿ ما كانَ إبْراهِيمُ ﴾ الخَلِيلُ ﴿ يَهُودِيًّا ﴾ مُتَعَلِّقًا بِالتَّشْبِيهِ ﴿ ولا نَصْرانِيًّا ﴾ قائِلًا بِالتَّثْلِيثِ ﴿ ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا ﴾ مائِلًا عَنِ الكَوْنِ بِرُؤْيَةِ المُكَوَّنِ ﴿ مُسْلِمًا ﴾ مُنْقادًا عِنْدَ جَرَيانِ قَضائِهِ وقَدَرِهِ، أوْ ذاهِبًا إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ المُصْطَفَوْنَ القائِلُونَ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ .

﴿ إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﴾ بِشَرْطِ التَّجَرُّدِ عَنِ الكَوْنَيْنِ ومَنعِ النُّفُوسِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى العالَمِينَ، فَإنَّ الخَلِيلَ لَمّا بَلَغَ حَضْرَةَ القُدْسِ زاغَ بَصَرُهُ عَنْ عَرائِسِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ، فَقالَ ﴿ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ .

﴿ وهَذا النَّبِيُّ ﴾ العَظِيمُ يَعْنِي مُحَمَّدًا عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ التَّسَلُّمِ أوْلى أيْضًا بِمُتابَعَةِ أبِيهِ الخَلِيلِ وسُلُوكِ مَنهَجِهِ الجَلِيلِ لِأنَّهُ زُبْدَةُ مَخِيضِ مَحَبَّتِهِ وخُلاصَةُ حَقِيقَةِ فِطْرَتِهِ، ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِهِ  وأشْرَقَتْ عَلَيْهِمْ أنْوارُهُ وأيْنَعَتْ في رِياضِ قُلُوبِهِمْ أسْرارُهُ، ﴿ واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ ﴾ كافَّةً يَحْفَظُهم عَنْ آفاتِ القَهْرِ ويُدْخِلُهم في قِبابِ العِصْمَةِ ويُبِيحُ لَهم دِيارَ الكَرامَةِ ﴿ ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ جَعَلَهُ أهْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ كَما قالَ بِذَلِكَ بَعْضُ أهْلِ الظّاهِرِ أيْ لا تُفْشُوا أسْرارَ الحَقِّ إلّا إلى أهْلِهِ ولا تُقِرُّوا بِمَعانِي الحَقِيقَةِ لِلْمَحْجُوبِينَ مِنَ النّاسِ فَيَقَعُونَ فِيكم ويَقْصِدُونَ سَفْكَ دِمائِكُمْ، ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى ﴾ أعْنِي ﴿ هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ﴾ مِن عِلْمِ الباطِنِ، (أوْ) مِثْلَ ما ﴿ يُحاجُّوكُمْ ﴾ بِهِ في زَعْمِهِمْ ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ وهو عِلْمُ الظّاهِرِ.

وحاصِلُ المَعْنى (إنَّ الهُدى) الجَمْعُ بَيْنَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وأمّا الِاقْتِصارُ عَلى عِلْمِ الظّاهِرِ وإنْكارِ الباطِنِ فَلَيْسَ بِهُدًى، ﴿ قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ ﴾ فَيَتَصَرَّفُ بِهِ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ التّابِعَةِ لِعِلْمِهِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ في أزَلِ الآزالِ، ﴿ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ فَكَيْفَ يَتَقَيَّدُ بِالقُيُودِ بَلْ يَتَجَلّى حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ في المَظاهِرِ لِأهْلِ الشُّهُودِ، ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ ﴾ الخاصَّةِ ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ مِن عِبادِهِ وهي المَعْرِفَةُ بِهِ وهي فَوْقَ مُكاشَفَةِ غَيْبِ المَلَكُوتِ ومُشاهَدَةِ سِرِّ الجَبَرُوتِ، ﴿ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ الَّذِي لا يُكْتَنَهُ، ﴿ بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ ﴾ وهو عَهْدُ الرُّوحِ بِنَعْتِ الكَشْفِ وعَهْدُ القَلْبِ بِتَلَقِّي الخِطابِ وعَهْدُ العَقْلِ بِامْتِثالِ الأوامِرِ والنَّواهِي، ﴿ واتَّقى ﴾ مِن خَطِراتِ النُّفُوسِ وطَوارِقِ الشَّهَواتِ، ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ أيْ فَهو بالِغٌ مَقامَ حَقِيقَةِ المَحَبَّةِ، ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ الآيَةُ إشارَةٌ إلى مَن مالَ إلى خُضْرَةِ الدُّنْيا وآثَرَها عَلى مُشاهَدَةِ حَضْرَةِ المَوْلى، وزَيَّنَ ظاهِرَهُ بِعِبادَةِ المُقَرَّبِينَ ومَزَجَها بِحُبِّ الرِّياسَةِ، فَذَلِكَ الَّذِي سَقَطَ عَنْ رُؤْيَةِ اللِّقاءِ ومُخاطَبَةِ الحَقِّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهُ ﴾ لِأنَّ الِاسْتِنْباءَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الفَناءِ في التَّوْحِيدِ فَمَن مَحا اللَّهُ تَعالى بَشَرِيَّتَهُ بِإفْنائِهِ عَنْ نَفْسِهِ وأثابَهُ وُجُودًا نُورانِيًّا حَقِّيًّا قابِلًا لِلْكِتابِ والحِكْمَةِ العَقْلِيَّةِ لا يُمْكِنُ أنْ يَدْعُوَ إلى نَفْسِهِ إذِ الدّاعِي إلَيْها لا يَكُونُ إلّا مَحْجُوبًا بِها، وبَيْنَ الأمْرَيْنِ تَناقُضٌ، ولَكِنْ يَقُولُ: ﴿ كُونُوا رَبّانِيِّينَ ﴾ أيْ مَنسُوبِينَ إلى الرَّبِّ، والمُرادُ عابِدِينَ مُرْتاضِينَ بِالعِلْمِ والعَمَلِ والمُواظَبَةِ عَلى الطّاعاتِ لِتَغْلِبَ عَلى أسْرارِكم أنْوارُ الرَّبِّ.

ولَهم في الرَّبّانِيِّ عِباراتٌ كَثِيرَةٌ، فَقالَ الشِّبْلِيُّ: الرَّبّانِيُّ الَّذِي لا يَأْخُذُ العُلُومَ إلّا مِنَ الرَّبِّ ولا يَرْجِعُ في شَيْءٍ إلّا إلَيْهِ، وقالَ سَهْلٌ: الرَّبّانِيُّ الَّذِي لا يَخْتارُ عَلى رَبِّهِ حالًا، وقالَ القاسِمُ: هو المُتَخَلِّقُ بِأخْلاقِ الرَّبِّ عِلْمًا وحُكْمًا، وقِيلَ: هو الَّذِي مُحِقَ في وُجُودِهِ ومُحِقَ عَنْ شُهُودِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي لا تُؤَثِّرُ فِيهِ تَصارِيفُ الأقْدارِ عَلى اِخْتِلافِها، وقِيلَ وقِيلَ، وكُلُّ الأقْوالِ تَرِدُ مِن مَنهَلٍ واحِدٍ.

﴿ ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا ﴾ فَإنَّها بَعْضُ مَظاهِرِهِ وهو سُبْحانُهُ المُطْلَقُ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ ﴿ أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ أيْ أيَأْمُرُكم بِالِاحْتِجابِ بِرُؤْيَةِ الأشْكالِ والنَّظَرِ إلى الأمْثالِ بَعْدَ أنْ لاحَ في أسْرارِكم أنْوارُ التَّوْحِيدِ وطَلَعَتْ في قُلُوبِكم شُمُوسُ التَّفْرِيدِ ﴿ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ﴾ الآيَةَ، فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أخَذَ العَهْدَ مِن نُوّابِ الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ في الأزَلِ بِالِانْقِيادِ والطّاعَةِ والإيمانِ بِها، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ الصَّفِّ الأوَّلِ ورِجالَ الحَضْرَةِ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقَ التَّعارُفِ بَيْنَهم وإقامَةِ الدِّينِ وعَدَمِ التَّفَرُّقِ وتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ودَعْوَةِ الخَلْقِ إلى التَّوْحِيدِ وتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِاَللَّهِ تَعالى وطاعَةِ النَّبِيِّ وتَعْرِيفِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لِأُمَمِهِمْ، وهَذا غَيْرُ المِيثاقِ العامِّ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ ﴾ الخ.

﴿ فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أيْ بَعْدَ ما عَلِمَ عَهْدَ اللَّهِ تَعالى مَعَ النَّبِيِّينَ وتَبْلِيغِ الأنْبِياءِ إلَيْهِ ما عُهِدَ إلَيْهِمْ ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ أيِ الخارِجُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعالى ولا دِينَ غَيْرُهُ مُعْتَدًّا بِهِ في الحَقِيقَةِ إلّا تَوَهُّمًا، ﴿ أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ مِن في عالَمِ الأرْواحِ وعالَمِ النُّفُوسِ، أوْ مِن في عالَمِ المَلَكُوتِ وعالَمِ المُلْكِ ﴿ طَوْعًا ﴾ بِاخْتِيارِهِ وشُعُورِهِ ﴿ وكَرْهًا ﴾ مِن حَيْثُ لا يَدْرِي ولا يَدْرِي أنَّهُ لا يَدْرِي بِسَبَبِ اِحْتِجابِهِ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ، ولِهَذا سَقَطَ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ ﴿ وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ في العاقِبَةِ حِينَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ، ﴿ ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ ﴾ وهو التَّوْحِيدُ ﴿ دِينًا ﴾ لَهُ ﴿ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ ﴾ لِعَدَمِ وُصُولِهِ إلى الحَقِّ لِمَكانِ الحِجابِ ﴿ وهُوَ في الآخِرَةِ ﴾ ويَوْمَ القِيامَةِ الكُبْرى ﴿ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ، ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا ﴾ الآيَةَ، اِسْتِبْعادٌ لِهِدايَةِ مَن فَطَرَهُ اللَّهُ عَلى غَيْرِ اِسْتِعْدادِ المَعْرِفَةِ، وحُكِمَ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ في سابِقِ الأزَلِ فَإنَّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ اِسْتِعْدادٌ لَمْ يَقَعْ في أنْوارِ التَّجَلِّي، ومَن خاضَ في بَحْرِ القَهْرِ ولَزِمَ قَعْرَ بُعْدِ البُعْدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إلى ساحِلِ قُرْبِ القُرْبِ، واَللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ، ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ: إذا المَرْءُ لَمْ يُخْلَقْ سَعِيدًا تَحَيَّرَتْ ظُنُونُ مُرَبِّيهِ وخابَ المُؤْمَلُ فَمُوسى الَّذِي رَبّاهُ جِبْرِيلُ كافِرٌ ∗∗∗ ومُوسى الَّذِي رَبّاهُ فِرْعَوْنُ مُرْسَلُ هَذا واَللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ ٩٢

﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما يَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ويُقْبَلُ مِنهم إثْرَ بَيانِ ما لا يَنْفَعُ الكُفّارَ ولا يُقْبَلُ مِنهُمْ، وتَنالُ مِن نالَ نَيْلًا إذا أصابَ ووَجَدَ، ويُقالُ: نالَ العِلْمَ إذا وصَلَ إلَيْهِ واتَّصَفَ بِهِ، والبِرُّ الإحْسانُ وكَمالُ الخَيْرِ، وبَعْضُهم يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَيْرِ بِأنَّ البِرَّ هو النَّفْعُ الواصِلُ إلى الغَيْرِ مَعَ القَصْدِ إلى ذَلِكَ، والخَيْرَ هو النَّفْعُ مُطْلَقًا وإنْ وقَعَ سَهْوًا، وضِدُّ البِرِّ العُقُوقُ، وضِدُّ الخَيْرِ الشَّرُّ، وألْ فِيهِ إمّا لِلْجِنْسِ والحَقِيقَةِ، والمُرادُ لَنْ تَكُونُوا أبْرارًا حَتّى تُنْفِقُوا، وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وإمّا لِتَعْرِيفِ العَهْدِ، والمُرادُ لَنْ تُصِيبُوا بِرَّ اللَّهِ تَعالى يا أهْلَ طاعَتِهِ حَتّى تُنْفِقُوا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ مُقاتِلٌ وعَطاءُ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَفْسِيرَ البِرِّ بِالجَنَّةِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مَسْرُوقٍ والسُّدِّيِّ وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونَ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لَنْ تَنالُوا ثَوابَ البِرِّ، وحَتّى بِمَعْنى إلى، ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ (بَعْضَ ما تُحِبُّونَ)، وقِيلَ: بَيانِيَّةٌ، وعَلَيْهِ أيْضًا لا تَخالُفَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى، و(ما) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وجَعْلُها مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ جائِزٌ عَلى رَأْيِ أبِي عَلِيٍّ.

وفِي المُرادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ أقْوالٌ؛ فَقِيلَ: المالُ، وكَنّى بِذَلِكَ عَنْهُ لِأنَّ جَمِيعَ النّاسِ يُحِبُّونَهُ، وقِيلَ: نَفائِسُ الأمْوالِ وكَرائِمُها، وقِيلَ: ما يَعُمُّ ذَلِكَ وغَيْرَهُ مِن سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي يُحِبُّها الإنْسانُ ويَهْواها، والإنْفاقُ عَلى هَذا مَجازٌ، وعَلى الأوَّلَيْنِ حَقِيقَةٌ، وكانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم إذا أحَبُّوا شَيْئًا جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ واَلتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ الأنْصارِ نَخْلًا بِالمَدِينَةِ وكانَ أحَبُّ أمْوالِهِ إلَيْهِ بَيْرُحاءَ وكانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وكانَ النَّبِيُّ  يَدْخُلُها ويَشْرَبُ مِن ماءٍ فِيها طَيِّبٍ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ قالَ أبُو طَلْحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بَيْرُحاءَ وإنَّها صَدَقَةٌ لِلَّهِ تَعالى أرْجُو بِرَّها وذُخْرَها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَضَعْها يا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أراكَ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : بَخٍ بَخٍ، ذَلِكَ مالٌ رابِحٌ، وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ، فَقالَ أبُو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَها أبُو طَلْحَةَ فِي أقارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ ”،» وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ: «“فَجَعَلَها بَيْنَ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ”».

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، قالَ: «“ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ يُقالُ لَها (سَبَلُ)، لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِنها، فَقالَ: هي صَدَقَةٌ فَقَبِلَها رَسُولُ اللَّهِ  ، وحَمَلَ عَلَيْها اِبْنَهُ أُسامَةَ فَرَأى رَسُولُ اللَّهِ  ذَلِكَ في وجْهِ زَيْدٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَبِلَها مِنكَ».

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ، قالَ: ”حَضَرَتْنِي هَذِهِ الآيَةُ ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ ﴾ الخ، فَذَكَرْتُ ما أعْطانِي اللَّهُ تَعالى فَلَمْ أجِدْ أحَبَّ إلَيَّ مِن مَرْجانَةَ جارِيَةٍ لِي رُومِيَّةٍ، فَقُلْتُ هي حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى فَلَوْ أنِّي أعُودُ في شَيْءٍ جَعَلْتُهُ لِلَّهِ تَعالى لَنَكَحْتُها فَأنْكَحْتُها نافِعًا“ .

وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ نافِعٍ قالَ: ”كانَ اِبْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَشْتَرِي السُّكَّرَ يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَنَقُولُ لَهُ: لَوِ اِشْتَرَيْتَ لَهم بِثَمَنِهِ طَعامًا كانَ أنْفَعَ لَهم مِن هَذا، فَيَقُولُ: أنا أعْرِفُ الَّذِي تَقُولُونَ ولَكِنْ سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ وأنَّ اِبْنَ عُمَرَ يُحِبُّ السُّكَّرَ“.

وظاهِرُ هَذِهِ الأخْبارِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْفاقَ في الآيَةِ يَعُمُّ المُسْتَحَبَّ، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِهِ إخْراجُ الزَّكاةِ الواجِبَةِ وما فَرَضَهُ اللَّهُ تَعالى في الأمْوالِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُخْرِجُوا زَكاةَ أمْوالِكُمْ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن (ما تُحِبُّونَ) المالُ لا كَرائِمُهُ، فَقَوْلُ النَّيْسابُورِيِّ: إنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى المُزَكِّي أنْ يُخْرِجَ أشْرَفَ أمْوالِهِ وأكْرَمَها، ناشِئٌ مِن قِلَّةِ التَّأمُّلِ، ولَوْ تَأمَّلَ ما اَعْتَرَضَ عَلى تُرْجُمانِ القُرْآنِ وحَبْرِ الأُمَّةِ، ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ، وضُعِّفَ بِأنَّ إيجابَ الزَّكاةِ لا يُنافِي التَّرْغِيبَ في بَذْلِ المَحْبُوبِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

واسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّ ظاهِرَها يَسْتَدْعِي أنَّ الفَقِيرَ الَّذِي لَمْ يُنْفِقُ طُولَ عُمْرِهِ مِمّا يُحِبُّهُ لِعَدَمِ إمْكانِهِ لا يَكُونُ بارًّا أوْ لا يَنالُهُ بِرُّ اللَّهِ تَعالى بِأهْلِ طاعَتِهِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأُجِيبَ بِأنَّ الكَلامَ خارِجٌ مَخْرَجَ الحَثِّ عَلى الإنْفاقِ وهو مُقَيَّدٌ بِالإمْكانِ وإنَّما أُطْلِقَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ، وقِيلَ: الأوْلى أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَنْ تَنالُوا البِرَّ الكامِلَ الواقِعَ عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ، والفَقِيرُ الَّذِي لَمْ يُنْفِقْ طُولَ عُمْرِهِ لا يَبْعُدُ القَوْلُ بِأنَّهُ لا يَكُونُ بارًّا كامِلًا ولا يَنالُهُ بِرُّ اللَّهِ تَعالى الكامِلُ بِأهْلِ طاعَتِهِ، وقِيلَ: الأوْلى مِن هَذا الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ: لَنْ تَنالُوا البِرَّ عَلى الإنْفاقِ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ.

وحاصِلُهُ أنَّ الإنْفاقَ مِنَ المَحْبُوبِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نَيْلُ البِرِّ وأنَّ الإنْفاقَ مِمّا عَداهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نَيْلُ البِرِّ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى حَصْرِ تَرَتُّبِ البِرِّ عَلى الإنْفاقِ مِنَ المَحْبُوبِ ونَفْيِ تَرَتُّبِ البِرِّ عَلى فِعْلٍ آخَرَ مِنَ الأفْعالِ المَأْمُورِ بِها، وحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الفَقِيرُ الغَيْرُ المُنْفِقِ بارًّا أوْ نائِلًا بِرَّ اللَّهِ تَعالى بِأهْلِ طاعَتِهِ مِن جِهَةٍ أُخْرى، ورُبَّما تَسْتَدْعِي أفْعالُهُ الخالِيَةُ عَنْ إنْفاقِ المالِ مِنَ البِرِّ ما هو أكْمَلُ وأوْفَرُ مِمّا يَسْتَدْعِيهِ الإنْفاقُ المُجَرَّدُ مِنهُ؛ ويَنْجَرُّ الكَلامُ إلى مَسْألَةِ تَفْضِيلِ الفَقِيرِ الصّابِرِ عَلى الغَنِيِّ الشّاكِرِ، وهي مَسْألَةٌ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ قَدْ أُلِّفَتْ فِيها الرَّسائِلُ.

﴿ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُنْفِقُونَهُ مِنَ الأشْياءِ، أوْ أيُّ شَيْءٍ تُنْفِقُوا طَيِّبٍ تُحِبُّونَهُ، أوْ خَبِيثٍ تَكْرَهُونَهُ، فَ (مِن) عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِاسْمِ الشَّرْطِ، وعَلى الثّانِي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى التَّمْيِيزِ، ﴿ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ  ﴾ تَعْلِيلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ واقِعٌ مَوْقِعَهُ، أيْ فَيُجازِيكم بِحَسَبِهِ، فَإنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِكُلِّ ما تُنْفِقُونَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ، والمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُهُ مَوْجُودًا عَلى الحَدِّ الَّذِي تَفْعَلُونَهُ مِن حُسْنِ النِّيَّةِ وقُبْحِها، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، وفي الآيَةِ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ، قِيلَ: وفِيها إشارَةٌ إلى الحَثِّ عَلى إخْفاءِ الصَّدَقَةِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٩٣

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ رَوى الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ «أنَّهُ حِينَ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أنا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ قالَتِ اليَهُودُ: كَيْفَ وأنْتَ تَأْكُلُ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها ؟

فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كانَ ذَلِكَ حَلالًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَحْنُ نُحِلُّهُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: كُلُّ شَيْءٍ أصْبَحْنا اليَوْمَ نُحَرِّمُهُ فَإنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ حَتّى انْتَهى إلَيْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ تَكْذِيبًا لَهم» .

والطَّعامُ بِمَعْنى المَطْعُومِ، ويُرادُ بِهِ هُنا المَطْعُوماتُ مُطْلَقًا أوِ المَأْكُولاتِ، وهو لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا مَنعُوتًا بِهِ مَعْنًى يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ وهو الأصْلُ المُطَّرِدُ، فَلا يُنافِيهِ قَوْلُ الرَّضِيِّ: إنَّهُ يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ ورَجُلانِ عَدْلانِ لِأنَّهُ رِعايَةٌ لِجانِبِ المَعْنى، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ يَجْعَلُ كُلًّا لِلتَّأْكِيدِ لِأنَّ الِاسْتِغْراقَ شَأْنُ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ، والحِلُّ مَصْدَرٌ أيْضًا أُرِيدَ مِنهُ حَلالًا، والمُرادُ الإخْبارُ عَنْ أكْلِ الطَّعامِ بِكَوْنِهِ حَلالًا لا نَفْسَ الطَّعامِ لِأنَّ الحِلَّ كالحُرْمَةِ مِمّا لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ ولا يُقَدَّرُ نَحْوَ الإنْفاقِ، وإنْ صَحَّ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَ الحِلِّ ورُبَّما تَوَهَّمَ بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ لِأنَّهُ خِلافُ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ.

و( إسْرائِيلُ ) هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وعَنْ أبِي مِجْلَزٍ أنَّ مَلِكًا سَمّاهُ بِذَلِكَ بَعْدَ أنْ صَرَعَهُ وضَرَبَ عَلى فَخِذِهِ.

﴿ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: حَرَّمَ لُحُومَ الأنْعامِ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ حَرَّمَ زائِدَتَيِ الكَبِدِ والكُلْيَتَيْنِ والشَّحْمِ إلّا ما كانَ عَلى الظَّهْرِ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّهُ حَرَّمَ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، وسَبَبُ تَحْرِيمِ ذَلِكَ كَما في الحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ الحاكِمُ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ بِهِ عِرْقُ النَّسا فَنَذَرَ إنْ شُفِيَ لَمْ يَأْكُلْ أحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ وكانَ ذَلِكَ أحَبَّ إلَيْهِ، وفي رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أنَّهُ كانَ بِهِ ذَلِكَ الدّاءُ فَأكَلَ مِن لُحُومِ الإبِلِ فَباتَ بِلَيْلَةٍ يَزْقُو فَحَلَفَ أنْ لا يَأْكُلَهُ أبَدًا، وقِيلَ: حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ تَعَبُّدًا وسَألَ اللَّهَ تَعالى أنَّ يُجِيزَ لَهُ فَحَرَّمَ سُبْحانَهُ عَلى ولَدِهِ ذَلِكَ، ونُسِبَ هَذا إلى الحَسَنِ، وقِيلَ: إنَّهُ حَرَّمَهُ وكَفَّ نَفْسَهُ عَنْهُ كَما يُحَرِّمُ المُسْتَظْهِرُ في دِينِهِ مِنَ الزُّهّادِ اللَّذائِذَ عَلى نَفْسِهِ.

وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّ التَّحْرِيمَ كانَ بِنَصٍّ ورَدَ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضٌ: كانَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهادٍ ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ النَّظْمِ، وبِهِ اسْتُدِلَّ عَلى جَوازِهِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والِاسْتِغْناءُ مُتَّصِلٌ لِأنَّ المُرادَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ أنَّهُ حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ وعَلى أوْلادِهِ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ ولَكِنْ حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ خاصَّةً ولَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَيْهِمْ وصَحَّحَ الأوَّلَ.

﴿ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَ حِلا ﴾ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بِالِاسْتِثْناءِ إذْ هو فَصْلٌ جائِزٌ، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ وأبِي الحَسَنِ في جَوازِ أنْ يَعْمَلَ ما قَبْلُ إلّا فِيما بَعْدَها إذا كانَ ظَرْفًا أوْ جارًّا أوْ مَجْرُورًا أوْ حالًا، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِحُرِّمَ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ إذْ هو مِنَ الإخْبارِ بِالواضِحِ المَعْلُومِ ضَرُورَةً ولا فائِدَةَ فِيهِ، واعْتَذَرَ عَنْهُ بِأنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ بَيانُ أنَّ التَّحْرِيمَ مُقَدَّمٌ عَلَيْها، وأنَّ التَّوْراةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مُحَرَّماتٍ أُخَرَ حَدَثَتْ عَلَيْهِمْ حَرَجًا وتَضْيِيقًا، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ كانَ حَلًّا ﴿ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ ﴾ في جَوابِ سُؤالٍ نَشَأ مِن سابِقِ المُسْتَثْنى كَأنَّهُ قِيلَ: مَتى كانَ حِلًّا ؟

فَأُجِيبَ بِهِ، والَّذِي دَعاهُ إلى ذَلِكَ عَدَمُ ظُهُورِ فائِدَةِ تَقْيِيدِ التَّحْرِيمِ ولُزُومِ قَصْرِ الصِّفَةِ قَبْلَ تَمامِها عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ قَيْدًا لِلْحِلِّ.

ولا يَخْفى ما فِيهِ، والمَعْنى عَلى الظّاهِرِ أنَّ كُلَّ الطَّعامِ ما عَدا المُسْتَثْنى كانَ حَلالًا لِبَنِي إسْرائِيلَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ مُشْتَمِلَةً عَلى تَحْرِيمِ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ لِلْيَهُودِ في دَعْواهُمُ البَراءَةَ فِيما نَعى عَلَيْهِمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( وعَلى الَّذِينَ هادَوْا حَرَمنا 0 الآيَتَيْنِ، وتَبْكِيتٌ لَهم في مَنعِ النَّسَخِ ضَرُورَةَ أنَّ تَحْرِيمَ ما كانَ حَلالًا لا يَكُونُ إلّا بِهِ، ودَفْعَ الطَّعْنِ في دَعْوى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُوافَقَتَهُ لِأبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ.

وذَهَبَ السُّدِّيُّ إلى أنَّهُ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ عِنْدَ نُزُولِ التَّوْراةِ إلّا ما كانَ يُحَرِّمُونَهُ قَبْلَ نُزُولِها اقْتِداءً بِأبِيهِمْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: لَمْ يُحِرِّمْ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ ما حُرِّمَ في التَّوْراةِ، وأنَّما حَرَّمَهُ بَعْدَها بِظُلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَقَدْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أصابَتْ ذَنْبًا عَظِيمًا حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ طَعامًا طَيِّبًا وصَبَّ عَلَيْهِمْ رِجْزًا، وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ لَمْ يُحِرِّمِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ في التَّوْراةِ ولا بَعْدَها، وإنَّما هو شَيْءٌ حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمُ اتِّباعًا لِأبِيهِمْ، وإضافَةُ تَحْرِيمِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مَجازٌ وهَذا في غايَةِ البُعْدِ ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها ﴾ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يُحاجَّهم بِكِتابِهِمُ النّاطِقِ بِصِحَّةِ ما يَقُولُ في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، وإظْهارُ اسْمِ التَّوْراةِ لِكَوْنِ الجُمْلَةِ كَلامًا مَعَ اليَهُودِ مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أيْ في دَعْواكم، شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلُهُ عَلَيْهِ أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها، رُوِيَ أنَّهم لَمْ يَجْسُرُوا عَلى الإتْيانِ بِها فَبُهِتُوا وأُلْقِمُوا حَجَرًا.

وفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ عَلِمَ بِأنَّ ما في التَّوْراةِ يَدُلُّ عَلى كَذِبِهِمْ وهو لَمْ يَقْرَأْها ولا غَيْرَها مِن زُبُرِ الأوَّلِينَ، ومِثْلُهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ وحْيٍ.

<div class="verse-tafsir"

فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٩٤

﴿ فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ أيِ اخْتَرَعَ ذَلِكَ بِزَعْمِهِ أنَّ التَّحْرِيمَ كانَ عَلى الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ.

( فَمَن ) عِبارَةٌ عَنْ أُولَئِكَ اليَهُودِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عامَّةً ويَدْخُلُونَ حِينَئِذٍ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأصْلُ الِافْتِراءِ قَطْعُ الأدِيمِ يُقالُ: فَرى الأدِيمَ يَفْرِيهِ فَرْيًا إذا قَطَعَهُ، واسْتُعْمِلَ في الِابْتِداعِ والِاخْتِلاقِ، والجُمْلَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً وأنْ تَكُونَ مَنصُوبَةَ المَحَلِّ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ( فَأْتُوا ) فَتَدْخُلُ تَحْتَ القَوْلِ، ومَن؛ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وقَدْ رُوعِيَ لَفْظُها ومَعْناها ﴿ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أيْ أمْرُهم بِما ذُكِرَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن قِيامِ الحُجَّةِ وظُهُورِ البَيِّنَةِ.

( ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ ) أيِ المُفْتَرُونَ المُبْعَدُونَ عَنْ عِزِّ القُرْبِ ﴿ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِفِعْلِ ما أوْجَبَ العِقابَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ ولِأشْياعِهِمْ بِإضْلالِهِمْ لَهم بِسَبَبِ إصْرارِهِمْ عَلى الباطِلِ وعَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإنَّما قُيِّدَ بِالبُعْدِيَّةِ مَعَ أنَّهُ يَسْتَحِقُّ الوَعِيدَ بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى في كُلِّ وقْتٍ وفي كُلِّ حالٍ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمال القُبْحِ، وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّهُ إنَّما يُؤاخِذُ بِهِ بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ومَن كَذَبَ فِيما لَيْسَ بِمَحْجُوجٍ فِيهِ فَهو بِمَنزِلَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ الوَعِيدَ بِكَذِبِهِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ، ثُمَّ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ الأكْلَ إنْفاقٌ مِمّا يُحِبُّ لَكِنْ عَلى نَفْسِهِ، وإلى ذَلِكَ أشارَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ مُحاجَّتُهم في مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ مِمّا أنْكَرُوا عَلى نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أكْلُ لُحُومِ الإبِلِ وادَّعَوْا أنَّهُ خِلافُ مِلَّةِ إبْراهِيمَ ناسَبَ أنْ يَذْكُرَ رَدَّ دَعْواهم ذَلِكَ عَقِيبَ تِلْكَ المُحاجَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ ۗ فَٱتَّبِعُوا۟ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٩٥

﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ﴾ أيْ ظَهَرَ وثَبَتَ صِدْقُهُ في أنَّ ﴿ كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ ﴾ وقِيلَ: في أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّ دِينَهُ الإسْلامُ، وقِيلَ: في كُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ، ويَدْخُلُ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا وفِيهِ كَما قِيلَ: تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمُ الصَّرِيحِ ﴿ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ وهي دِينُ الإسْلامِ فَإنَّكم غَيْرُ مُتَّبِعِينَ مِلَّتَهُ كَما تَزْعُمُونَ، وقِيلَ: اتَّبِعُوا مِثْلَ مِلَّتِهِ حَتّى تَخَلَّصُوا عَنِ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي اضْطَرَّتْكم إلى الكَذِبِ عَلى اللَّهِ والتَّشْدِيدِ عَلى أنْفُسِكم، وقِيلَ: اتَّبِعُوا مِلَّتَهُ في اسْتِباحَةِ أكْلِ لُحُومِ الإبِلِ وشُرْبِ ألْبانِها مِمّا كانَ حِلًّا لَهُ ( ﴿ حَنِيفًا ﴾ ) أيْ مائِلًا عَنْ سائِرِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، أوْ مُسْتَقِيمًا عَلى ما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الدِّينِ الحَقِّ في حَجِّهِ ونُسُكِهِ ومَأْكَلِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

﴿ وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ .

أيْ في أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ أصْلًا وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِشِرْكِ أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍۢ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًۭا وَهُدًۭى لِّلْعَـٰلَمِينَ ٩٦

﴿ إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ ﴾ .

أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: بَيْتُ المَقْدِسِ أعْظَمُ مِنَ الكَعْبَةِ لِأنَّهُ مُهاجَرُ الأنْبِياءِ ولِأنَّهُ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: بَلِ الكَعْبَةُ أعْظَمُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ إلى ﴿ مَقامُ إبْراهِيمَ ﴾ » .

ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، ووَجْهُ رَبْطِها بِما قَبْلَها أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ الكَفَرَةَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ومِن مَلَّتِهِ تَعْظِيمُ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى الحَرامِ، فَناسَبَ ذِكْرَ البَيْتِ وفَضْلَهَ وحُرْمَتَهُ لِذَلِكَ، وقِيلَ: وجْهُ المُناسِبَةِ أنَّ هَذِهِ شُبْهَةٌ ثانِيَةٌ ادَّعُوها فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيها كَما أكْذَبَهم في سابِقَتِها، والمَعْنى إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِعِبادَةِ النّاسِ رَبَّهم أيْ هُيِّئَ وجُعِلَ مُتَعَبَّدًا؛ والواضِعُ هو اللَّهُ تَعالى كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ ( وضَعَ ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ سُبْحانَهُ صَرِيحًا في الآيَةِ بِناءً عَلى أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، واحْتِمالُ عَوْدِهِ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِاشْتِهارِهِ بِبِناءِ البَيْتِ خِلافُ الظّاهِرِ، وجُمْلَةُ ( وُضِعَ ) في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّها صِفَةُ ( بَيْتٍ ) و( لِلنّاسِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ واللّامُ فِيهِ لِلْعِلَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ﴾ خَبَرُ إنَّ واللّامُ مُزَحْلَقَةٌ، وأخْبَرَ بِالمَعْرِفَةِ عَنِ النَّكِرَةِ لِتَخْصِيصِها، وهَذا في بابِ إنَّ، و- بَكَّةُ - لُغَةٌ في مَكَّةَ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، والباءُ والمِيمُ تَعْقُبُ إحْداهُما الأُخْرى كَثِيرًا، ومِنهُ نَمِيطٌ ونَبِيطٌ، ولازِمٌ ولازِبٌ، وراتِبٌ وراتِمٌ، وقِيلَ: هُما مُتَغايِرانِ؛ فَبَكَّةُ مَوْضِعُ المَسْجِدِ، ومَكَّةُ البَلَدُ بِأسْرِها، وأصْلُها مِنَ البَكِّ بِمَعْنى الزَّحْمِ، يُقالُ بَكَّهُ يَبُكُّهُ بَكًّا إذا زَحَمَهُ، وتَباكَّ النّاسُ إذا ازْدَحَمُوا، وكَأنَّها إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِازْدِحامِ الحَجِيجِ فِيها، وقِيلَ: بِمَعْنى الدَّقِّ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَدَقِّ أعْناقِ الجَبابِرَةِ إذا أرادُوها بِسُوءٍ، وإذْلالِهِمْ فِيها، ولِذا تَراهم في الطَّوافِ كَآحادِ النّاسِ، ولَوْ أمْكَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن تَخْلِيَةِ المَطافِ لَفَعَلُوا؛ وقِيلَ: إنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن بَكَأتِ النّاقَةُ أوِ الشّاةُ إذا قَلَّ لَبَنُها، وكَأنَّها إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقِلَّةِ مائِها وخِصْبِها، قِيلَ: ومِن هُنا سُمِّيَتِ البَلَدُ مَكَّةَ أيْضًا أخْذًا لَها مِن أمْتَكَ الفَصِيلُ ما في الضَّرْعِ إذا امْتَصَّهُ ولَمْ يُبْقِ فِيهِ مِنَ اللَّبَنِ شَيْئًا، وقِيلَ: هي مِن مَكَّهُ اللَّهُ تَعالى إذا اسْتَقْصاهُ بِالهَلاكِ، ثُمَّ المُرادُ بِالأوَّلِيَّةِ الأوَّلِيَّةُ بِحَسَبِ الزَّمانِ، وقِيلَ: بِحَسَبِ الشَّرَفِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ فَقالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، ثُمَّ بَيْتُ المَقْدِسِ.

فَقِيلَ: كَمْ بَيْنَهُما ؟

فَقالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً» .

واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّ بانِيَ المَسْجِدِ الحَرامِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبانِيَ الأقْصى داوُدُ ثُمَّ ابْنُهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِما السَّلامُ، ورَفَعَ قُبَّتَهُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، وبَيْنَ بِناءِ إبْراهِيمَ وبِنائِهِما مُدَّةٌ تَزِيدُ عَلى الأرْبَعِينَ بِأمْثالِها، وأُجِيبَ بِأنَّ الوَضْعَ غَيْرُ البِناءِ، والسُّؤالُ عَنْ مُدَّةِ ما بَيْنَ وضَعَيْهِما لا عَنْ مُدَّةِ ما بَيْنَ بِناءَيْهِما، فَيُحْتَمَلُ أنَّ واضِعَ الأقْصى بَعْضُ الأنْبِياءِ قَبْلَ داوُدَ وابْنِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ ثُمَّ بَنَياهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ولا بُدَّ مِن هَذا التَّأْوِيلِ - قالَهُ الطَّحاوِيُّ - وأجابَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنَ الوَضْعِ البِناءُ بِأنَّ بانِيَ المَسْجِدِ الحَرامِ والمَسْجِدِ الأقْصى هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ بَنى الأقْصى بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن بِنائِهِ المَسْجِدَ الحَرامَ، وادَّعى فَهْمَ ذَلِكَ مِنَ الحَدِيثِ فَتَدَبَّرْ.

ووَرَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ أوَّلَ مَن بَنى البَيْتَ المَلائِكَةُ وقَدْ بَنَوْهُ قَبْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِألْفَيْ عامٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وحُكِيَ أنَّ بِناءَ المَلائِكَةِ لَهُ كانَ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ ثُمَّ بَناهُ آدَمُ ثُمَّ شِيثُ ثُمَّ إبْراهِيمُ ثُمَّ العَمالِقَةُ ثُمَّ جُرْهُمُ ثُمَّ قُصَيٌّ ثُمَّ قُرَيْشٌ ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ثُمَّ الحَجّاجُ، واسْتَمَرَّ بِناءُ الحَجّاجِ إلى الآنِ إلّا في المِيزابِ والبابِ والعَتَبَةِ، ووَقَعَ التَّرْمِيمُ في الجِدارِ والسَّقْفِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وجُدِّدَ فِيهِ الرُّخامُ وقِيلَ: إنَّهُ نَزَلَ مَعَ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ ثُمَّ رُفِعَ بَعْدَ مَوْتِهِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ: بُنِيَ قَبْلَهُ ورُفِعَ في الطُّوفانِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، وقِيلَ: الرّابِعَةِ، وذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ الأخْبارِ أنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِهِ، وقَدْ أسْلَفْنا لَكَ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْ.

( ﴿ مُبارَكًا ﴾ ) أيْ كَثِيرُ الخَيْرِ لِما أنَّهُ يُضاعَفُ فِيهِ ثَوابُ العِبادَةِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يُغْفَرُ فِيهِ الذُّنُوبُ لِمَن حَجَّهُ وطافَ بِهِ واعْتَكَفَ عِنْدَهُ.

وقالَ القَفّالُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَرَكَتُهُ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ وقِيلَ: بَرَكَتُهُ دَوامُ العِبادَةِ فِيهِ ولُزُومُها، وقَدْ جاءَتِ البَرَكَةُ بِمَعْنَيَيْنِ: النُّمُوُّ وهو الشّائِعُ، والثُّبُوتُ ومِنهُ البَرَكَةُ لِثُبُوتِ الماءِ فِيها والبَرَكُ الصَّدْرُ لِثُبُوتِ الحِفْظِ فِيهِ، وتَبارَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِمَعْنى ثَبَتَ ولَمْ يَزُلْ، ووَجَّهَ الكَرْمانِيُّ كَوْنَهُ مُبارَكًا بِأنَّ الكَعْبَةَ كالنُّقْطَةِ وصُفُوفَ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْها في الصَّلَواتِ كالدَّوائِرِ المُحِيطَةِ بِالمَرْكَزِ، ولا شَكَّ أنَّ فِيهِمْ أشْخاصًا أرْواحُهم عُلْوِيَّةٌ وقُلُوبُهم قُدْسِيَّةٌ وأسْرارُهم نُورانِيَّةٌ وضَمائِرُهم رَبّانِيَّةٌ، ومَن كانَ في المَسْجِدِ الحَرامِ يَتَّصِلُ أنْوارُ تِلْكَ الأرْواحِ الصّافِيَةِ المُقَدَّسَةِ بِنُورِ رُوحِهِ فَتَزْدادُ الأنْوارُ الآلِهِيَّةُ في قَلْبِهِ وهَذا غايَةُ البَرَكَةِ، ثُمَّ إنَّ الأرْضَ كُرَيَّةٌ، وكُلُّ آنٍ يُفْرَضُ فَهو صُبْحٌ لِقَوْمٍ ظُهْرٌ لِثانٍ عَصْرٌ لِثالِثٍ وهَلُمَّ جَرّا، فَلَيْسَتِ الكَعْبَةُ مُنْفَكَّةً قَطُّ عَنْ تَوَجُّهِ قَوْمٍ إلَيْها لِأداءِ الفَرائِضِ فَهو دائِمًا كَذَلِكَ، والمَنصُوبُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ صِلَةً.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ جَعْلَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( وُضِعَ ﴿ وهُدًى لِلْعالَمِينَ  ﴾ : أيْ هادٍ لَهم إلى الجَنَّةِ الَّتِي أرادَها سُبْحانَهُ أوْ هادٍ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِما فِيهِ مِنَ الآياتِ العَجِيبَةِ كَما قالَ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

فِيهِ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌۭ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًۭا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٩٧

﴿ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ ﴾ كَإهْلاكِ مَن قَصَدَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ بِسُوءٍ كَأصْحابِ الفِيلِ وغَيْرِهِمْ وعَدَمِ تَعَرُّضِ ضَوارِي السِّباعِ لِلصُّيُودِ فِيهِ، وعَدَمِ نَفْرَةِ الطَّيْرِ مِنَ النّاسِ هُناكَ، وإنَّ أيَّ رُكْنٍ مِنَ البَيْتِ وقَعَ الغَيْثُ في مُقابَلَتِهِ كانَ الخِصْبُ فِيما يَلِيهِ مِنَ البِلادِ، فَإذا وقَعَ في مُقابَلَةِ الرُّكْنِ اليَمانِي كانَ الخِصْبُ بِاليَمَنِ، وإذا كانَ في مُقابَلَةِ الرُّكْنِ الشّامِيِّ كانَ الخِصْبُ بِالشّامِ، وإذا عَمَّ البَيْتَ كانَ في جَمِيعِ البُلْدانِ، وكَقِلَّةِ الجَمَراتِ عَلى كَثْرَةِ الرُّماةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وعَدُّوا مِنهُ انْحِرافَ الطَّيْرِ عَنْ مُوازاتِهِ عَلى مَدى الأعْصارِ، وفِيهِ كَلامٌ لِلْمُحْدَثِينَ لِأنَّ مِنها ما يَعْلُوهُ، وقِيلَ: لا يَعْلُوهُ إلّا ما بِهِ عِلَّةٌ لِلِاسْتِشْفاءِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ العِقابَ عِلَّتُهُ لِأخْذِ الحَيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ الطَّيْرَ المُهْدَرَ دَمُها تَعْلُوهُ، والحَمامُ مَعَ كَثْرَتِهِ لا يَعْلُوهُ، وبِهِ جَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَ الكَلامَيْنِ - ومَعَ هَذا في القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ - فَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ النّاسِ أنَّهُ شاهَدَ أنَّ الطَّيْرَ مُطْلَقًا تَعْلُوهُ في بَعْضِ الأحايِينِ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ عَلى البَيْتِ، والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ وإلّا لَما صَحَّ عَدُّ هَذِهِ الآياتِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها بَيانًا وتَفْسِيرًا لِلْهُدى، وإمّا حالٌ أُخْرى، ولا بَأْسَ في تَرْكِ الواوِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَةِ الحالِيَّةِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ عَبْدُ القاهِرِ وغَيْرُهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في العالَمِينَ، والعامِلُ فِيهِ هُدًى، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( مُبارَكًا ) وهو العامِلُ فِيها، أوْ يَكُونُ صِفَةً لِهُدى كَما أنَّ العالَمِينَ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَقامُ إبْراهِيمَ ﴾ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ أيْ مِنها أوْ أحَدِها مَقامُ إبْراهِيمَ، واخْتارَ الحَلَبِيُّ الأخِيرَ، وقِيلَ: بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ وإلَيْهِ ذَهَبٌ أبُو مُسْلِمٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ، وصَحَّ بَيانُ الجَمْعِ بِالمُفْرَدِ بِناءً عَلى اشْتِمالِ المَقامِ عَلى آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِأنَّ أثَرَ القَدَمَيْنِ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ آيَةٌ، وغَوْصَهُما فِيها إلى الكَعْبَيْنِ آيَةٌ، وإلانَةَ بَعْضِ هَذا النَّوْعِ دُونَ بَعْضٍ آيَةٌ، وإبْقاءَهُ عَلى مَمَرِّ الزَّمانِ آيَةٌ، وحِفْظَهُ مِنَ الأعْداءِ آيَةٌ، أوْ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الواحِدَةَ لِظُهُورِ شَأْنِها وقُوَّةِ دَلالَتِها عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ونُبُوَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ آياتٍ كَثِيرَةٍ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ ) بِالتَّوْحِيدِ، وفِيهِ أنَّ هَذا وإنْ ساغَ مَعْنًى إلّا أنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ ( آياتٌ ) نَكِرَةٌ، و( مَقامُ إبْراهِيمَ ) مَعْرِفَةٌ، وقَدْ صَرَّحَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّخالُفُ في عَطْفِ البَيانِ بِإجْماعِ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ، ثُمَّ إنَّ سَبَبَ هَذا الأثَرِ في هَذا المَقامِ ما ورَدَ في الأثَرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ لَمّا ارْتَفَعَ بُنْيانُ الكَعْبَةِ قامَ عَلى هَذا الحَجَرِ لِيَتَمَكَّنَ مِن رَفْعِ الحِجارَةِ فَغاصَتْ فِيهِ قَدَماهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرُ ذَلِكَ في ذَلِكَ أيْضًا ﴿ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ﴾ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى مَقامِ إبْراهِيمَ بِمَعْنى الحَرَمِ كُلِّهِ عَلى ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ لا مَوْضِعَ القَدَمَيْنِ فَقَطْ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِخْدامٌ.

وقالَ الجَصّاصُ: أوْرَدَ الآياتِ المَذْكُوراتِ في الحَرَمِ ثُمَّ قالَ: ﴿ ومَن دَخَلَهُ ﴾ إلَخْ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمِيعَ الحَرَمِ، والجُمْلَةُ إمّا ابْتِدائِيَّةٌ ولَيْسَتْ بِشَرْطِيَّةٍ، وإمّا شَرْطِيَّةٌ عَطْفٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى ( مَقامُ ) لِأنَّهُ في المَعْنى أمْنُ مَن دَخَلَهُ أيْ ومِنها أوْ ثانِيها أمْنُ مَن دَخَلَهُ أوْ - فِيهِ آياتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ - وأمْنُ مَن دَخَلَهُ وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى ما تُكَلِّفَ في تَوْجِيهِ الجَمْعِيَّةِ؛ لِأنَّ الآيَتَيْنِ نَوْعٌ مِنَ الجُمْلَةِ كالثَّلاثَةِ والأرْبَعَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ هاتانِ الآيَتانِ ويُطْوى ذِكْرُ غَيْرِهِما دَلالَةٌ عَلى تَكاثُرِ الآياتِ، ومِثْلُ هَذا الطَّيِّ واقِعٌ في الأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ والأشْعارِ العَرَبِيَّةِ، فالأوَّلُ كَرِوايَةِ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكم ثَلاثٌ: الطِّيبُ والنِّساءُ وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» .

عَلى ما هو الشّائِعُ، وإنْ صَحَّحُوا عَدَمَ ذِكْرِ ثَلاثٍ، وأمّا الثّانِي فَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: كانَتْ حَنِيفَةُ (أثْلاثًا) فَثُلْثُهم مِنَ العَبِيدِ (وثُلْثٌ مِن مَوالِيها ) و( مَن ) إمّا لِلْعُقَلاءِ أوْ لَهم ولِغَيْرِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ لِأنَّهُ يَأْمَنُ فِيهِ الوَحْشَ والطَّيْرَ بَلْ والنَّباتَ، فَحِينَئِذٍ يُرادُ بِالأمْنِ ما يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلى الجَمِيعِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأمْنِ الأمْنُ في الدُّنْيا مِن نَحْوِ القَتْلِ والقَطْعِ وسائِرِ العُقُوباتِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ ثُمَّ يَدْخُلُ الحَرَمَ فَيْلَقاهُ ابْنُ المَقْتُولِ أوْ أبُوهُ فَلا يُحَرِّكُهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: لَوْ وجَدْتُ فِيهِ قاتِلَ الخَطّابِ ما مَسِسْتُهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِهِ أنَّهُ قالَ: لَوْ وجَدْتُ قاتِلَ عُمَرَ في الحَرَمِ ما هِجْتُهُ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ وجَدْتُ قاتِلَ أبِي في الحَرَمِ لَمْ أتَعَرَّضْ لَهُ.

ومَذْهَبُهُ في ذَلِكَ أنَّ مَن قَتَلَ أوْ سَرَقَ في الحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الحَرَمَ فَإنَّهُ لا يُجالَسُ ولا يُكَلَّمُ ولا يُؤْذى، ولَكِنَّهُ يُناشَدُ حَتّى يَخْرُجَ فَيُؤْخَذَ فَيُقامَ عَلَيْهِ ما جَرَّ، فَإنْ قَتَلَ أوْ سَرَقَ في الحَرَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ في الحَرَمِ، والرِّواياتُ عَنْهُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الأقْوالِ في المَسْألَةِ، وأمّا أنْ يُرادَ بِهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الأمْنُ في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ يَحْيى بْنِ جَعْدَةَ أنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا مِنَ النّارِ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن دَخَلَ البَيْتَ دَخَلَ في حَسَنَةٍ، وخَرَجَ مِن سَيِّئَةٍ مَغْفُورًا لَهُ»، ورُوِيَ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «مَن ماتَ في أحَدِ الحَرَمَيْنِ بُعِثَ مِنَ الآمَنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ»، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: مَن قُبِرَ بِمَكَّةَ مُسْلِمًا بُعِثَ آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ، ويَجُوزُ إرادَةُ العُمُومِ بِأنْ يُفَسَّرَ بِالأمْنِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَعَلَّهُ الظّاهِرُ مِن إطْلاقِ اللَّفْظِ.

﴿ ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ ﴾ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ المُبْتَدَأُ فِيها حِجُّ والخَبَرُ ( لِلَّهِ ) و( عَلى النّاسِ ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( عَلى النّاسِ ) خَبَرًا و( لِلَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِ في النّاسِ لِأنَّ العامِلَ في الحالِ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنًى، والحالُ لا يَتَقَدَّمُ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وجَوَّزَهُ ابْنُ مالِكٍ إذا كانَ الحالُ ظَرْفًا أوْ حَرْفَ جَرٍّ وعامِلُهُ كَذَلِكَ بِخِلافِ الظَّرْفِ وحَرْفِ الجَرِّ فَإنَّهُما لا يَتَقَدَّمانِ عَلى عامِلِهِما المَعْنَوِيِّ، وجُوِّزَ أنْ يَرْتَفِعَ الحَجُّ بِالجارِّ الأوَّلِ أوِ الثّانِي وهو في اللُّغَةِ مُطْلَقُ القَصْدِ أوْ كَثْرَتُهُ إلى مَن يُعَظِّمُ، والمُرادُ بِهِ هُنا قَصْدٌ مَخْصُوصٌ غَلَبَ فِيهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، وألْ في البَيْتِ لِلْعَهْدِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ( حِجُّ ) بِالكَسْرِ كَعِلْمٍ وهو لُغَةُ نَجْدٍ ﴿ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاسِ بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ والضَّمِيرُ في البَدَلِ مُقَدَّرٌ أيْ مِنهم، وقِيلَ: بَدَلُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ خاصٌّ ولا يَحْتاجُ إلى ضَمِيرٍ، وقِيلَ: خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هم مَنِ اسْتَطاعَ أوِ الواجِبُ عَلَيْهِ مَنِ اسْتَطاعَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ أعْنِي أعْنِي، وأنْ يَكُونَ فاعِلُ المَصْدَرِ وهو مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ أيْ - ولِلَّهِ عَلى النّاسِ أنَّ يَحُجَّ مَنِ اسْتَطاعَ مِنهُمُ البَيْتَ - وفِيهِ مُناقَشَةٌ مَشْهُورَةٌ و( مَن ) عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ مَوْصُولَةٌ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والجَزاءُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، أوْ هو نَفْسُهُ عَلى الخِلافِ المُقَرَّرِ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ، ولا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ مِن جُمْلَةِ الشَّرْطِ ( عَلى النّاسِ ) والتَّقْدِيرُ مَنِ اسْتَطاعَ مِنهم إلَيْهِ سَبِيلًا فَلِلَّهِ عَلَيْهِ أنَّ يَحُجَّ، ويَتَرَجَّحُ هَذا بِمُقابَلَتِهِ بِالشَّرْطِ بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْبَيْتِ أوْ لِلْحَجِّ لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِالسَّبِيلِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الإفْضاءِ، وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ، والِاسْتِطاعَةُ في الأصْلِ اسْتِدْعاءُ طَواعِيَةِ الفِعْلِ وتَأتِّيهِ، والمُرادُ بِالِاسْتِدْعاءِ الإرادَةُ وهي تَقْتَضِي القُدْرَةُ فَأُطْلِقَتْ عَلى القُدْرَةِ مُطْلَقًا أوْ بِسُهُولَةٍ فَهي أخَصُّ مِنها وهو المُرادُ هُنا، وسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والقُدْرَةُ إمّا بِالبَدَنِ أوْ بِالمالِ أوْ بِهِما، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ فَيَجِبُ الحَجُّ عِنْدَهُ عَلى مَن قَدَرَ عَلى المَشْيِ والكَسْبِ في الطَّرِيقِ، وإلى الثّانِي ذَهَبَ الإمامُ الشّافِعِيُّ، ولِذا أوْجَبَ الِاسْتِنابَةَ عَلى الزَّمِنِ إذا وجَدَ أُجْرَةَ مَن يَنُوبُ عَنْهُ، وإلى الثّالِثِ ذَهَبَ إمامُنا الأعْظَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: السَّبِيلُ أنْ يَصِحَّ بَدَنُ العَبْدِ ويَكُونَ لَهُ ثَمَنَ زادٍ وراحِلَةٍ مِن غَيْرِ أنْ يُجْحَفَ بِهِ.

واسْتَدَلَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِما أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ قامَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما السَّبِيلُ ؟

قالَ: الزّادُ والرّاحِلَةُ».

ورُوِيَ هَذا مِن طُرُقٍ شَتّى وهو ظاهِرٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ حَيْثُ قَصَرَ الِاسْتِطاعَةَ عَلى المالِيَّةِ دُونَ البَدَنِيَّةِ، وهو مُخالِفٌ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ مالِكٌ مُخالَفَةً ظاهِرَةً، وأمّا إمامُنا فَيُؤَوِّلُ ما وقَعَ فِيهِ بِأنَّهُ بَيانٌ لِبَعْضِ شُرُوطِ الِاسْتِطاعَةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَوْ فُقِدَ أمْنُ الطَّرِيقِ مَثَلًا لَمْ يَجِبِ الحَجُّ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِصِحَّةِ البَدَنِ لِظُهُورِ الأمْرِ، كَيْفَ لا والمُفَسَّرُ في الحَقِيقَةِ هو السَّبِيلُ المُوَصِّلُ لِنَفْسِ المُسْتَطِيعِ إلى البَيْتِ، وذا لا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الصِّحَّةِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنَّ ما في الحَدِيثِ بَيانٌ لِبَعْضِ الشُّرُوطِ أنَّهُ ورَدَ في بَعْضِ الرِّواياتِ الِاقْتِصارُ عَلى واحِدٍ مِمّا فِيهِ، فَقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ السَّبِيلِ فَقالَ: أنْ تَجِدَ ظَهْرَ بَعِيرٍ» ولَمْ يَذْكُرِ الزّادَ.

هَذا واسْتُدِّلَ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ، وفَسادُ القَوْلِ بِأنَّها مَعَهُ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ ظاهِرٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ الِاسْتِطاعَةَ الَّتِي نَدَّعِي أنَّها مَعَ الفِعْلِ هي حَقِيقَةُ القُدْرَةِ الَّتِي يَكُونُ بِها الفِعْلُ وتُطْلَقُ الِاسْتِطاعَةُ عَلى مَعْنًى آخَرَ هو سَلامَةُ الأسْبابِ والآلاتِ والجَوارِحِ، أيْ كَوْنُ المُكَلَّفِ بِحَيْثُ سَلِمَتْ أسْبابُهُ وآلاتُهُ وجَوارِحُهُ، ولا نِزاعَ لَنا في أنَّ هَذِهِ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ وهي مَناطُ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ، وما في الآيَةِ بِهَذا المَعْنى كَذا قالُوا.

وتَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ عَلى ما قالُوا: إنَّ المَشْهُورَ عَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّ القُدْرَةَ مَعَ الفِعْلِ بِمَعْنى أنَّها تُوجَدُ حالَ حُدُوثِهِ وتَتَعَلَّقُ بِهِ في هَذِهِ الحالِ، ولا تُوجَدُ قَبْلَهُ فَضْلًا عَنْ تَعَلُّقِها بِهِ، ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ كالنَّجّارِ ومُحَمَّدِ بْنِ عِيسى وابْنِ الرّاوَنْدِيِّ وأبِي عِيسى الوَرّاقِ وغَيْرِهِمْ، وقالَ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ: القُدْرَةُ قَبْلَ الفِعْلِ، وتَتَعَلَّقُ بِهِ حِينَئِذٍ، ويَسْتَحِيلُ تَعَلُّقُها بِهِ قَبْلَ حُدُوثِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في بَقاءِ القُدْرَةِ فَمِنهم مَن قالَ: بِبَقائِها حالَ وُجُودِ الفِعْلِ، وإنْ لَمْ تَكُنِ القُدْرَةُ الباقِيَةُ قُدْرَةً عَلَيْهِ، ومِنهم مَن نَفاهُ، ودَلِيلُهم عَلى ذَلِكَ وُجُوهٌ.

الأوَّلُ: أنَّ تَعَلُّقَ القُدْرَةِ بِالفِعْلِ مَعْناهُ الإيجادُ، وإيجادُ المَوْجُودِ مُحالٌ لِأنَّهُ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الإيجادُ قَبْلَ الوُجُودِ، ولِهَذا صَحَّ أنْ يُقالَ: أوْجَدَهُ فَوُجِدَ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ القُدْرَةَ الحادِثَةَ مُؤَثِّرَةٌ وهو مَمْنُوعٌ، وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ يُقالُ: إيجادُ المَوْجُودِ بِذَلِكَ الوُجُودِ الَّذِي هو أثَرُ ذَلِكَ الإيجادِ جائِزٌ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوُجُودُ الَّذِي هو بِهِ مَوْجُودٌ في زَمانِ الإيجادِ مُسْتَنِدًا إلى المُوجِدِ ومُتَفَرِّعًا عَلى إيجادِهِ، والمُسْتَحِيلُ هو إيجادُ المَوْجُودِ بِوُجُودِ آخَرَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ التَّأْثِيرَ مَعَ حُصُولِ الأثَرِ بِحَسَبِ الزَّمانِ وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ الذّاتِ وهَذا التَّقَدُّمِ هو المُصَحِّحُ لِاسْتِعْمالِ الفاءِ بَيْنَهُما.

الثّانِي: إنْ جازَ تَعَلُّقُ القُدْرَةِ حالَ الحُدُوثِ يَلْزَمُ القُدْرَةَ عَلى الباقِي حالَ بَقائِهِ والتّالِي باطِلٌ، بَيانُ المُلازِمَةِ أنَّ المانِعَ مِن تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ لَيْسَ إلّا كَوْنُهُ مُتَحَقِّقُ الوُجُودِ، والحادِثُ حالَ حُدُوثِهِ مُتَحَقِّقُ الوُجُودِ أيْضًا، وأُجِيبَ بِأنّا نَلْتَزِمُهُ لِدَوامِ وجُودِهِ بِدَوامِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ أوْ نُفَرِّقُ بِما يَبْطُلُ بِهِ المُلازَمَةُ مِنِ احْتِياجِ المَوْجُودِ عَنْ عَدَمِهِ إلى المُقْتَضِي دُونَ الباقِي، فَلَوْ لَمْ تَتَعَلَّقِ القُدْرَةُ بِالأوَّلِ لَبَقِيَ عَلى عَدَمِهِ، وقَدْ فَرَضَ وُجُودُهُ هَذا خُلْفً، ولَوْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِالثّانِي لَبَقِيَ عَلى الوُجُودِ وهو المُطابِقُ لِلْواقِعِ، أوْ نَنْقُضُ الدَّلِيلَ أوَّلًا بِتَأْثِيرِ العِلْمِ أوِ العالَمِيَّةِ بِالِاتِّفاقِ، فَإنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ حالَ حُدُوثِ الفِعْلِ دُونَ بَقائِهِ، وثانِيًا بِتَأْثِيرِ الفِعْلِ في كَوْنِ الفاعِلِ فاعِلًا، فَإنَّ الفِعْلَ مُؤَثِّرٌ في ذَلِكَ حالَ الحُدُوثِ، وبِتَقْدِيرِ كَوْنِ الفِعْلِ باقِيًا لا يُؤَثِّرُ حالَ البَقاءِ، وثالِثًا بِمُقارَنَةِ الإرادَةِ إذْ يُوجِبُونَها حالَ الحُدُوثِ دُونَ البَقاءِ فَكَذا الحالُ في القُدْرَةِ.

الثّالِثُ: أنَّ كَوْنَ القُدْرَةِ مَعَ الفِعْلِ يُوجِبُ حُدُوثَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ قِدَمَ مَقْدُورِهِ، وكِلاهُما باطِلانِ، بَلْ قُدْرَتُهُ أزَلِيَّةٌ وتَعَلُّقُها في الأزَلِ بِمَقْدُوراتِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ تَعَلُّقُ القُدْرَةِ بِمَقْدُوراتِها قَبْلَ الحُدُوثِ، ولَوْ كانَ مُمْتَنِعًا في القُدْرَةِ الحادِثَةِ لَكانَ مُمْتَنِعًا في القُدْرَةِ القَدِيمَةِ ولَيْسَ فَلَيْسَ، وأُجِيبَ بِأنَّ القُدْرَةَ القَدِيمَةَ الباقِيَةَ مُخالِفَةٌ في الماهِيَّةِ لِلْقُدْرَةِ الحادِثَةِ الَّتِي لا يَجُوزُ بَقاؤُها عِنْدَنا، فَلا يَلْزَمُ مِن جَوازِ تَقَدُّمِها عَلى الفِعْلِ جَوازُ تَقَدُّمِ الحادِثَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ القَدِيمَةَ مُتَعَلِّقَةٌ في الأزَلِ بِالفِعْلِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وُجُودُ الفِعْلِ، ولَها تَعَلُّقٌ آخَرُ بِهِ حالَ حُدُوثِهِ مُوجِبٌ لِوُجُودِهِ فَلا يَلْزَمُ مِن قِدَمِها مَعَ تَعَلُّقِها المَعْنَوِيِّ قِدَمُ آثارِها.

الرّابِعُ: أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أنْ لا يَكُونَ الكافِرُ في زَمانِ كُفْرِهِ مُكَلَّفًا بِالإيمانِ لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ في تِلْكَ الحالَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ بَلْ نَقُولُ: يَلْزَمُ أنْ لا يُتَصَوَّرَ عِصْيانٌ مِن أحَدٍ إذْ مَعَ الفِعْلِ لا عِصْيانَ، وبِدُونِهِ لا قُدْرَةَ، فَلا تَكْلِيفَ فَلا عِصْيانَ، وأيْضًا أقْوى أعْذارِ المُكَلَّفِ الَّتِي يَجِبُ قَبُولُها لِدَفْعِ المُؤاخَذَةِ عَنْهُ هو كَوْنُ ما كُلِّفَ بِهِ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى الفِعْلِ قَبْلَهُ وجَبَ رَفْعُ المُؤاخَذَةِ عَنْهُ بِعَدَمِ الفِعْلِ المُكَلَّفِ بِهِ وهو باطِلٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، وأيْضًا لَوْ جازَ تَكْلِيفُ الكافِرِ بِالإيمانِ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَقْدُورٍ لَهُ فَلْيَجُزْ تَكْلِيفُهُ بِخَلْقِ الجَواهِرِ والإعْراضِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ تَكْلِيفُ المُحالِ عِنْدَنا فَيَلْتَزِمُ جَوازَ التَّكْلِيفِ بِالخَلْقِ المَذْكُورِ، ولَنا أنْ نُفَرِّقَ بِأنَّ تَرْكَ الإيمانِ إنَّما هو بِقُدْرَتِهِ بِخِلافِ عَدَمِ الجَواهِرِ والإعْراضِ، فَإنَّهُ لَيْسَ مَقْدُورًا لَهُ أصْلًا فَلا يَلْزَمُ مِن جَوازِ التَّكْلِيفِ بِالإيمانِ جَوازُ التَّكْلِيفِ بِخَلْقِها، وبِالجُمْلَةِ فَكَوْنُ الشَّيْءِ مَقْدُورًا الَّذِي هو شَرْطُ التَّكْلِيفِ عِنْدَنا أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ أوْ ضِدُّهُ مُتَعَلِّقًا لِلْقُدْرَةِ، وهَذا حاصِلٌ في الإيمانِ لِأنَّ تَرْكَهُ لِتَلَبُّسِهِ بِضِدِّهِ مَقْدُورٌ لَهُ حالَ كُفْرِهِ بِخِلافِ إحْداثِ الجَواهِرِ والأعْراضِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ أصْلًا لا فِعْلًا ولا تَرْكًا، فَلا يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ، وأمّا ما ذُكِرَ مِن قَضِيَّةِ الأعْذارِ ووُجُوبِ قَبُولِها فَمَبْنِيٌّ عَلى قاعِدَةِ التَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ العَقْلِيَّيْنِ، وقَدْ أُقِيمَتِ الأدِلَّةُ عَلى بُطْلانِهِما في مَحَلِّهِ كَذا في المَواقِفِ وشَرْحِهِ.

ودَلِيلُ ما شاعَ عَنِ الأشْعَرِيِّ قِيلَ: هو أنَّ القُدْرَةَ عَرْضٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في الحَيَوانِ يَفْعَلُ بِهِ الأفْعالَ الِاخْتِيارِيَّةَ، فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ مُقارَنَةً لِلْفِعْلِ بِالزَّمانِ لا سابِقَةً عَلَيْهِ، وإلّا لَزِمَ وُقُوعُ الفِعْلِ بِلا قُدْرَةٍ لِما بَرْهَنَ عَلَيْهِ مِنِ امْتِناعِ بَقاءِ الأعْراضِ؛ واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِما في أدِلَّةِ امْتِناعِ بَقاءِ الأعْراضِ مِنَ النَّظَرِ القَوِيِّ، وأنَّهُ قَدْ يُقالُ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الِامْتِناعِ المَذْكُورِ لا نِزاعَ في إمْكانِ تَجَدُّدِ الأمْثالِ عَقِيبَ الزَّوالِ، فَمِن أيْنَ يَلْزَمُ وُقُوعُ الفِعْلِ بِدُونِ القُدْرَةِ ؟

وأُجِيبَ بِأنّا إنَّما نَدَّعِي لُزُومَ ذَلِكَ إذا كانَتِ القُدْرَةُ الَّتِي بِها الفِعْلُ هي القُدْرَةُ السّابِقَةُ، وأمّا إذا جَعَلْتُمُوها المِثْلَ المُتَجَدِّدَ المُقارَنَ فَقَدِ اعْتَرَفْتُمْ بِأنَّ القُدْرَةَ الَّتِي بِها الفِعْلُ لا تَكُونُ إلّا مُقارَنَةً، ثُمَّ إنِ ادْعَيْتُمْ أنَّهُ لا بُدَّ لَها مِن أمْثالٍ تَقَعُ حَتّى لا يُمْكِنَ الفِعْلُ بِأوَّلِ ما يَحْدُثُ مِنَ القُدْرَةِ فَعَلَيْكُمُ البَيانُ.

وفِيهِ أنَّ هَذا قَوْلٌ بِأنَّ نَفْيَ وُجُودِ المِثْلِ السّابِقِ لَيْسَ داخِلًا في دَعْوى الأشْعَرِيِّ وهو خِلافُ ما عُلِمَ مِمّا تَقَدَّمَ في تَقْرِيرِ مَذْهَبِهِ، وذَكَرَ في المَواقِفِ دَلِيلًا آخَرَ لِلْأشْعَرِيِّ عَلى ما ادَّعاهُ ونَظَرَ فِيهِ أيْضًا - هَذا كَلامُهم - والحَقُّ عِنْدِي في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ هو القُوَّةُ الَّتِي تَصِيرُ مُؤَثِّرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ انْضِمامِ الإرادَةِ التّابِعَةِ لِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ وإيضاحُهُ أنَّهُ تَعالى كَما أنَّهُ غَنِيٌّ بِالذّاتِ عَنِ العالَمِينَ كَذَلِكَ حَكِيمٌ جَوادٌ، وكَما أنَّ غِناهُ الذّاتِيَّ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ كَذَلِكَ مُقْتَضى جُودِهِ ورَحْمَتِهِ مُراعاةً ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ كَما أشارَ إلَيْهِ العَضُدُ في عُيُونِ الجَواهِرِ، وأطالَ الكَلامَ فِيهِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ في شِفاءِ العَلِيلِ.

ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحِكْمَةَ لا تَقْتَضِي أنْ يُؤْمَرَ بِالفِعْلِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِثالِ ويُنْهِي عَنْهُ مَن لا يَقْدِرُ عَلى الِاجْتِنابِ، فَلا بُدَّ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ الَّتِي رَعاها سُبْحانَهُ فِيما خَلَقَ وأمَرَ فَضْلًا ورَحْمَةً أنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الوُسْعِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ هو القُوَّةَ الَّتِي تَصِيرُ مُؤَثِّرَةً إذا انْضَمَّ إلَيْها الإرادَةُ، وهَذِهِ قَبْلَ الفِعْلِ والقُدْرَةِ الَّتِي هي مَعَ الفِعْلِ هي القُدْرَةُ المُسْتَجْمِعَةُ لِشَرائِطِ التَّأْثِيرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها انْضِمامُ الإرادَةِ إلَيْها، وبِهَذا جَمَعَ الإمامُ الرّازِيُّ - كَما في المَواقِفِ - بَيْنَ مَذْهَبِ الأشْعَرِيِّ القائِلِ بِأنَّ القُدْرَةَ مَعَ الفِعْلِ، والمُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّها قَبْلَهُ، وقالَ: لَعَلَّ الأشْعَرِيَّ أرادَ بِالقُدْرَةِ القُوَّةَ المُسْتَجْمِعَةَ لِشَرائِطِ التَّأْثِيرِ فَلِذَلِكَ حَكَمَ بِأنَّها مَعَ الفِعْلِ وأنَّها لا تَتَعَلَّقُ بِالضِّدَّيْنِ، والمُعْتَزِلَةَ أرادُوا بِالقُدْرَةِ مُجَرَّدَ القُوَّةِ العَضَلِيَّةِ فَلِذَلِكَ قالُوا بِوُجُودِها قَبْلَ الفِعْلِ وتَعَلُّقِها بِالأُمُورِ المُتَضادَّةِ، وهو جَمْعٌ صَحِيحٌ، وقَوْلُ السَّيِّدِ قُدِّسَ سِرُّهُ - في تَوْجِيهِ البَحْثِ الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ المَواقِفِ فِيهِ بِأنَّ القُدْرَةَ الحادِثَةَ لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً عِنْدَ الشَّيْخِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أرادَ بِالقُدْرَةِ القُوَّةَ المُسْتَجْمِعَةَ لِشَرائِطِ التَّأْثِيرِ - مَدْفُوعٌ بِما تَبَيَّنَ في الإبانَةِ الَّتِي هي آخِرُ مُصَنَّفاتِهِ.

والمُعْتَمَدِ مِن كُتُبِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَساكِرَ والمُجِدُّ بْنُ تَيْمِيَّةَ وغَيْرُهُما أنَّ الشَّيْخَ قائِلٌ بِالتَّأْثِيرِ لِلْقُدْرَةِ المُسْتَجْمِعَةِ لِلشَّرائِطِ لَكِنْ لا اسْتِقْلالًا كَما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، بَلْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وهو مَعْنى الكَسْبِ عِنْدَهُ، وأمّا قَوْلُهُ في شَرْحِ المَواقِفِ: إنَّ أفْعالَ العِبادِ الِاخْتِيارِيَّةَ واقِعَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَها لَيْسَ لِقُدْرَتِهِمْ تَأْثِيرٌ فِيها بَلِ اللَّهُ تَعالى أجْرى عادَتَهُ بِأنْ يُوجِدَ في العَبْدِ قُدْرَةً واخْتِيارًا، فَإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ مانِعٌ أوْجَدَ فِيهِ فِعْلَهُ المَقْدُورَ مُقارِنًا لَهُما، فَيَكُونُ فِعْلُ العَبْدِ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى إبْداعًا وإحْداثًا ومَكْسُوبًا لِلْعَبْدِ، والمُرادُ بِكَسْبِهِ إيّاهُ مُقارَنَتُهُ لِقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ مِنهُ تَأْثِيرٌ ومَدْخَلٌ في وُجُودِهِ سِوى كَوْنِهِ مَحَلًّا لَهُ، وهو مَذْهَبُ الشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ فَفِيهِ بَحْثٌ مِن وُجُوهٍ.

( أمّا أوَّلًا ) فَلِأنَّ هَذا لَيْسَ مَذْهَبَ الشَّيْخِ المَذْكُورِ في آخِرِ تَصانِيفِهِ الَّتِي اسْتَقَرَّ عَلَيْها الِاعْتِمادُ، وذِكْرُهُ في غَيْرِهِ إنْ سُلِّمَ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ مَرْجُوحًا مَرْجُوعًا عَنْهُ.

( وأمّا ثانِيًا ) فَلِأنَّ التَّكْلِيفَ في صَرائِحِ الكِتابِ والسُّنَّةِ إنَّما تَعَلَّقَ أمْرًا أوْ نَهْيًا بِالأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ أنْفُسِها لا بِمُقارَنَةِ القُدْرَةِ والإرادَةِ لَها، فَمَكْسُوبُ العَبْدِ نَفْسُ الفِعْلِ الِاخْتِيارِيِّ، والمُرادُ بِكَسْبِهِ إيّاهُ تَحْصِيلُهُ إيّاهُ بِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا مُسْتَقِلًّا، فالقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِكَسْبِ العَبْدِ لِلْفِعْلِ هو مُقارَنَةُ الفِعْلِ لِقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ لا يُوافِقُ ما اقْتَضاهُ صَرائِحُ الكِتابِ والسُّنَّةِ ونُصُوصُ الإبانَةِ، ويَزِيدُهُ وُضُوحًا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ ﴿ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ ﴾ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ جَثَوْا عَلى الرُّكَبِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ؛ الصَّلاةَ والصِّيامَ والجِهادَ والصَّدَقَةَ، وقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ ولا نُطِيقُها» .

الحَدِيثَ.

فَإنَّهُ صَرِيحٌ بِأنَّ الَّذِي كُلِّفُوا بِهِ ما يُطِيقُونَهُ مِن نَفْسِ الأعْمالِ وهو نَفْسُ الصَّلاةِ وأخَواتِها لا مُقارَنَتُها لِقُدْرَتِهِمْ وإرادَتِهِمْ، وأقَرَّهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ذَلِكَ.

( وأما ثالِثًا ) فَلِأنَّ مُقارَنَةَ الفِعْلِ لِقُدْرَةِ العَبْدِ وإرادَتِهِ لَوْ كانَتْ هي الكَسْبَ لَكانَتْ هي المُكَلَّفَ بِها، ولَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَكانَ التَّكْلِيفُ بِما لا يُطاقُ واقِعًا؛ لِأنَّ المُقارَنَةَ أمْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى أيْ عَلى إيجادِ اللَّهِ تَعالى الفِعْلَ الِاخْتِيارِيَّ مُقارِنًا لَهُما، وما يَتَرَتَّبُ عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ أصْلًا؛ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِ الشَّيْءِ مَقْدُورًا لَهُ أنْ يَكُونَ مُمْكِنَ الإيقاعِ بِقُدْرَتِهِ عِنْدَ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ بِهِ المُوافَقَةِ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى كَما هو واضِحٌ مِن حَدِيثِ «مَن كَظَمَ غَيْظَهُ وهو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْفِذَهُ» وما يَتَرَتَّبُ عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ بِهَذا المَعْنى إذْ لَوْ كانَ مَقْدُورًا لَهُ ابْتِداءً لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ مُتَرَتِّبًا عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِواسِطَةٍ لَزِمَ أنْ يَكُونَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ هَذا مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ، واللّازِمُ باطِلٌ بِشِقَّيْهِ بَعْدَ القَوْلِ بِنَفْيِ التَّأْثِيرِ أصْلًا، فَكَذا المَلْزُومُ.

( وأمّا رابِعًا ) فَلِأنَّ المُقارَنَةَ لِكَوْنِها مُتَرَتِّبَةً عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لا تَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ صُعُوبَةً وسُهُولَةً، فَلَوْ كانَتْ هي المُكَلَّفَ بِها لاسْتَوى بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ التَّكْلِيفُ بِأشَقِّ الأعْمالِ والتَّكْلِيفُ بِأسْهَلِها، مَعَ أنَّ نَصَّ الكِتابِ التَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الوُسْعِ، ونَصُّ السُّنَّةِ أنَّ المَمْلُوكَ لا يُكَلَّفُ إلّا ما يُطِيقُ، شاهِدانِ عَلى التَّفاوُتِ كَما أنَّ البَدِيهَةَ تَشْهَدُ بِذَلِكَ، واعْتُرِضَ هَذا مِن وُجُوهٍ.

الأوَّلُ: أنَّ القَوْلَ بِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحِكْمَةَ لا تَقْتَضِي أنْ يُؤْمَرَ بِالفِعْلِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى الِامْتِثالِ يَقْتَضِي أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى وأحْكامَهُ لا بُدَّ فِيها مِن حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ وهو مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ تَظْهَرَ هَذِهِ المَصْلَحَةُ لَنا، إذِ الحَكِيمُ لا يَلْزَمُهُ إطْلاعُ مَن دُونَهُ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ - كَما قالَهُ القَفّالُ في مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ - وحِينَئِذٍ فَما المانِعُ مِن أنْ يُقالَ هُناكَ مَصْلَحَةٌ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْها، ويُجابُ بِأنّا لَمْ نَدَّعِ سِوى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ راعى الحِكْمَةَ فِيما أمَرَ وخَلَقَ تَفَضُّلًا ورَحْمَةً لا وُجُوبًا، وهَذا ثابِتٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ وبِالإجْماعِ المَعْصُومُ عَنِ الخَطَأِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّ مُقْتَضى الحِكْمَةِ أنْ لا يُطْلَبَ حُصُولُ شَيْءٍ إلّا مِمَّنْ يَتَمَكَّنُ مِنهُ ويَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَما تَشْهَدُ لَهُ النُّصُوصُ، ولَمْ نَدَّعِ وُجُوبَ ظُهُورِ وجْهِ الحِكْمَةِ في جَمِيعِ أفْعالِهِ وأحْكامِهِ ولا ما يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، وبَيانُ وجْهِ الحِكْمَةِ لِحُكْمٍ واحِدٍ لا يَسْتَلْزِمُ دَعْوى الكُلِّيَّةِ، ويَؤُولُ هَذا إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أطْلَعْنا عَلى الحِكْمَةِ في هَذا مَعَ عَدَمِ وُجُوبِ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّ القَوْلَ بِأنَّ التَّكْلِيفَ في صَرائِحِ الكِتابِ والسُّنَّةِ إنَّما تَعَلَّقَ إلَخْ، فِيهِ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مُطْلَقُ المُقارِنَةِ بَلِ المُقارَنَةُ عَلى جِهَةِ التَّعَلُّقِ، فالكَسْبُ عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ الحادِثَةِ بِالمَقْدُورِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ كَما في عِبارَةِ غَيْرِ واحِدٍ، فالأوامِرُ والنَّواهِي مُتَعَلِّقَةٌ بِالأفْعالِ الَّتِي هي اخْتِيارِيَّةٌ في الظّاهِرِ بِاعْتِبارِ هَذا التَّعَلُّقِ الَّذِي لا تَأْثِيرَ مَعَهُ وادِّعاءُ أنَّها صَرائِحُ في التَّعَلُّقِ مَعَ التَّأْثِيرِ مَمْنُوعٌ بَلْ هي مُحْتَمَلَةٌ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّها ظاهِرَةٌ في التَّأْثِيرِ، فالظّاهِرُ قَدْ يُعْدَلُ عَنْهُ لِدَلِيلِ خِلافِهِ، والقَوْلُ بِأنّا لا نَفْهَمُ مِن تَعَلُّقِ القُدْرَةِ إلّا تَأْثِيرَها وإلّا فَلَيْسَتْ بِقُدْرَةٍ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ لِلْقُدْرَةِ تَعَلُّقٌ بِلا تَأْثِيرٍ، سُؤالٌ مَشْهُورٌ ( وجَوابُهُ ) ما في شَرْحِ المَواقِفِ وغَيْرِهِ مِن أنَّ التَّأْثِيرَ مِن تَوابِعِ القُدْرَةِ، وقَدْ يَنْفَكُّ عَنْها، ويُجابُ بِأنَّ تَفْسِيرَ الكَسْبِ - بِالتَّعَلُّقِ الَّذِي لا تَأْثِيرَ مَعَهُ مُرادًا بِهِ التَّحْصِيلُ بِحَسَبِ ظاهِرِ الأمْرِ فَقَطْ - مُصادِمٌ لِلنُّصُوصِ النّاطِقَةِ بِأنَّ العَبْدَ مُتَمَكِّنٌ مِن إيجادِ أفْعالِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، ولا دَلِيلَ عَلى خِلافِهِ يُوجِبُ العُدُولَ، واللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا يُنافِي التَّأْثِيرَ بِالإذْنِ عَلى أنَّ تَعَلُّقَ القُدْرَةِ تابِعٌ لِلْإرادَةِ، وتَعَلُّقُها عَلى القَوْلِ بِنَفْيِ التَّأْثِيرِ بِالكُلِّيَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الجَلالِ الدَّوانِيِّ في بَيانِ مَبادِي الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، ويُوَضِّحُهُ كَلامُ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ في كِتابِ التَّوْحِيدِ والتَّوَكُّلِ مِنَ الإحْياءِ، وأمّا ما في شَرْحِ المَواقِفِ وغَيْرِهِ مِن أنَّ التَّأْثِيرَ قَدْ يَنْفَكُّ عَنِ القُدْرَةِ فَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ إذْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وإنَّما الإنْكارُ عَلى نَفْيِ التَّأْثِيرِ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ القُدْرَةِ الحادِثَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِما ذَكَرَهُ حُجَّةُ الإسْلامِ في الِاقْتِصادِ مِن أنَّ القُدْرَةَ الأزَلِيَّةَ مُتَعَلِّقَةٌ في الأزَلِ بِالحادِثِ ولا حادِثَ فَصَحَّ التَّعَلُّقُ ولا تَأْثِيرَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ القُدْرَةُ الحادِثَةُ كَذَلِكَ، مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّ القُدْرَةَ لا تُؤَثِّرُ إلّا عَلى وفْقِ الإرادَةِ، والإرادَةُ تَعَلَّقَتْ أزَلًا بِإيجادِ الأشْياءِ بِالقُدْرَةِ في أوْقاتِها اللّائِقَةِ بِها في الحِكْمَةِ، فَعَدَمُ تَأْثِيرِها قَبْلَ الوَقْتِ لِكَوْنِها مُؤَثِّرَةً عَلى وفْقِ الإرادَةِ لا مُطْلَقًا، فَلا يَجِبُ تَأْثِيرُها قَبْلَ الوَقْتِ، ويَجِبُ تَأْثِيرُها فِيهِ، والقُدْرَةُ الحادِثَةُ عَلى القَوْلِ بِنَفْيِ تَأْثِيرِها بِالكُلِّيَّةِ لا يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها تُؤَثِّرُ وفْقَ الإرادَةِ فَلا يَصِحُّ قِياسُها عَلى القَدِيمَةِ، والحاصِلُ أنَّ كُلَّ تَعَلُّقٍ لِلْقَدِيمَةِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ التَّأْثِيرُ في وقْتِهِ بِخِلافِ الحادِثَةِ فَإنَّهُ لا تَأْثِيرَ لَها أصْلًا عَلى القَوْلِ بِنَفْيِ التَّأْثِيرِ عَنْها كُلِّيًّا فَلا تَعَلُّقَ لَها بِالتَّأْثِيرِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ.

والثّالِثُ: أنَّ القَوْلَ في الِاعْتِراضِ الثّالِثِ أنَّهُ لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَكانَ التَّكْلِيفُ بِما لا يُطاقُ واقِعًا إلَخْ يُقالُ عَلَيْهِ: نَلْتَزِمُ وُقُوعَهُ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ ولا مَحْذُورَ فِيهِ، ويُجابُ بِأنَّهُ قَدْ حَقَّقَ في مَوْضِعِهِ أنَّ الإمامَ الأشْعَرِيَّ لَمْ يَنُصَّ عَلى ذَلِكَ، ولا يَصِحُّ أخْذُهُ مِن كَلامِهِ، فالتِزامُ وُقُوعِهِ عِنْدَهُ التِزامُ ما لَمْ يَقُلْ بِهِ لا صَرِيحًا ولا التِزامًا، والقَوْلُ أنَّهُ لا مَحْذُورَ فِيهِ، إنَّما يَصِحُّ بِالنَّظَرِ إلى الغِنى الذّاتِيِّ، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى أنَّهُ تَعالى جَوادٌ حَكِيمٌ فالتِزامُهُ مُصادَمَةٌ لِلنَّصِّ وأيُّ مَحْذُورٍ أشْنَعَ مِن هَذا.

والرّابِعُ: أنَّ القَوْلَ هُناكَ أيْضًا أنَّ المُقارَنَةَ لَوْ كانَتْ هي الكَسْبَ لَكانَتْ هي المُكَلَّفَ بِها غَيْرُ لازِمٍ، فَإنَّ الكَسْبَ يُطْلَقُ عَلى المَعْنى المَصْدَرِيِّ، ويُطْلَقُ عَلى المَفْعُولِ أيِ المَكْسُوبِ وهو نَفْسُ الأمْرِ لا الكَسْبُ بِمَعْنى المُقارَنَةِ أوْ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ الحادِثَةِ بِالفِعْلِ، فَمَعْنى كَسْبٌ تَعَلَّقَتْ قُدْرَتُهُ بِالفِعْلِ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: قارَنَتْ قُدْرَتُهُ الفِعْلَ فَكانَ الفِعْلُ مَكْسُوبًا وهو المُكَلَّفُ بِهِ، ويُجابُ بِأنَّ الكَسْبَ الحَقِيقِيَّ الوارِدَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ مَعْناهُ تَحْصِيلُ العَبْدِ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ التّابِعَةُ لِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِقُدْرَتِهِ المُؤَثِّرَةِ بِإذْنِهِ، وإنَّ مَكْسُوبَهُ ما حَصَّلَهُ بِقُدْرَتِهِ المَذْكُورَةِ فَمَعْنى كَوْنُ الفِعْلِ المَكْسُوبِ مُكَلَّفًا بِهِ هو أنَّ العَبْدَ المُكَلَّفَ مَطْلُوبٌ مِنهُ تَحْصِيلُهُ بِالكَسْبِ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ؛ لِأنَّ المَكْسُوبَ هو الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ فَإذا كانَ المَكْسُوبُ مُكَلَّفًا بِهِ كانَ الكَسْبُ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ مُكَلَّفًا بِهِ قَطْعًا؛ لِامْتِناعِ حُصُولِ المَكْسُوبِ مِن غَيْرِ قِيامِ المَعْنى المَصْدَرِيِّ بِالمُكَلَّفِ ضَرُورَةَ انْتِفاءِ الحاصِلِ بِالمَصْدَرِ عِنْدَ انْتِفاءِ قِيامِ المَصْدَرِ بِالمُكَلَّفِ فَظَهَرَتِ المُلازِمَةُ في الشَّرْطِيَّةِ.

( والخامِسُ ) أنَّ القَوْلَ في الِاعْتِراضِ أنَّ المُقارَنَةَ لِكَوْنِها أمْرًا مُتَرَتِّبًا عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لا تَخْتَلِفُ إلَخْ، فِيهِ أمْرانِ: الأوَّلُ: أنّا لا نُسَلِّمُ التَّلازُمَ بَيْنَ كَوْنِ المُقارَنَةِ هي المُكَلَّفُ بِها وبَيْنَ عَدَمِ الِاخْتِلافِ، وأيُّ مانِعٍ مِن أنْ تَكُونَ مُخْتَلِفَةً بِاعْتِبارِ أحْوالِ الشَّخْصِ عِنْدَها، فَتارَةً يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ صَبْرًا وعَزْمًا وتارَةً جَزَعًا وفُتُورًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَرْجِعُ إلى سَلامَةِ البِنْيَةِ ومُقابِلِهِ، أوْ غَيْرَهُما مِنَ الأعْراضِ والأحْوالِ الَّتِي يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى ويُصَرِّفُ عَبْدَهُ فِيها كَيْفَ شاءَ، مِمّا يُوجِبُ ألَمًا أوْ لَذَّةً.

الثّانِي: أنَّ ما ذَكَرْتُمُوهُ مُشْتَرِكُ الإلْزامِ، إذْ يُقالُ: إذا كانَتْ قُدْرَةُ العَبْدِ مُؤَثِّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَبِأيِّ وجْهٍ وقَعَ الِاخْتِلافُ حَتّى كانَ هَذا سَهْلًا وهَذا صَعْبًا، وكِلاهُما مَقْدُورٌ، وهُما مُتَساوِيانِ في الإمْكانِ ؟

ويُجابُ: أمّا عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ التَّلازُمَ بَيْنَ كَوْنِها مُتَرَتِّبَةً عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ عَدَمِ اخْتِلافِها مُتَحَقِّقٌ لِأنَّها إذا كانَتِ الكَسْبُ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ كانَتْ تَحْصِيلًا لِلْمَكْسُوبِ، والتَّحْصِيلُ لِكَوْنِهِ قائِمًا بِالمُكَلَّفِ تَتَفاوَتُ دَرَجاتُهُ صُعُوبَةً وسُهُولَةً قَطْعًا، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «صَلِّ قائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ ”».

والمُقارِنَةُ لِكَوْنِها أمْرًا مُرَتَّبًا عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَتْ قائِمَةً بِالعَبْدِ فَلا تَتَفاوَتُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أصْلًا، والإيرادُ بِتَجْوِيزِ اخْتِلافِها بِكَوْنِ بَعْضِها بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَهُ صَبْرًا في العَبْدِ إلَخْ خارِجٌ عَنِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّ العِبارَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّ المَقْصُودَ عَدَمُ اخْتِلافِها بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ صُعُوبَةً وسُهُولَةً لا مُطْلَقَ الِاخْتِلافِ، وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّهُ قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلى تَفاوُتِ دَرَجاتِ القُوَّةِ والبَطْشِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ﴾ وبِاخْتِلافِ دَرَجاتِ ذَلِكَ في الأقْوِياءِ التّابِعِ لِاسْتِعْداداتِهِمُ الذّاتِيَّةِ الغَيْرِ المَجْعُولَةِ، وقَعَ الِاخْتِلافُ في الأعْمالِ صُعُوبَةً وسُهُولَةً، هَذا ما ظَفِرْنا بِهِ مِن تَحْقِيقِ الحَقِّ مِن كُتُبِ ساداتِنا قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم، وجَعَلَ أعْلى الفِرْدَوْسِ قَرارَهم، وإنَّما اسْتَطْرَدْتُ هَذا المَبْحَثَ هُنا مَعَ تَقَدُّمِ إشاراتٍ جُزْئِيَّةٍ إلى بَعْضٍ مِنهُ لِأنَّهُ أمْرٌ مُهِمٌّ جِدًّا لا تَنْبَغِي الغَفْلَةُ عَنْهُ فاحْفَظْهُ فَإنَّهُ مِن بَناتِ الحِقاقِ لا مِن حَوانِيتِ الأسْواقِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لا رَبَّ غَيْرُهُ.

﴿ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ (79) يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِمَن كَفَرَ مَن لَمْ يَحُجَّ وعَبَّرَ عَنْ تَرْكِ الحَجِّ بِالكُفْرِ تَغْلِيظًا وتَشْدِيدًا عَلى تارِكِهِ، كَما وقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِيما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي أُمامَةَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «“ مَن ماتَ ولَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإسْلامِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حابِسٌ أوْ سُلْطانٌ جائِرٌ أوْ حاجَةٌ ظاهِرَةٌ فَلْيَمُتْ عَلى أيِّ حالَةٍ شاءَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا» .

ومِثْلُهُ ما رُوِيَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أبْعَثَ رِجالًا إلى هَذِهِ الأمْصارِ فَلْيَنْظُرُوا كُلَّ مَن كانَ لَهُ جُدَّةٌ فَلَمْ يَحُجَّ فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ ما هم بِمُسْلِمِينَ، ويُحْتَمَلُ إبْقاءُ الكُفْرِ عَلى ظاهِرِهِ بِناءً عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُما عَنْ عِكْرِمَةَ " أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿ ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا ﴾ الآيَةَ.

قالَ اليَهُودُ: فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَضَ عَلى المُسْلِمِينَ حَجَّ البَيْتِ، فَقالُوا: لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنا وأبَوْا أنْ يَحُجُّوا، فَنَزَلَ: ﴿ ومَن كَفَرَ ﴾ الآيَةَ» .

ومِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحَجِّ، جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أهْلَ المِلَلِ مُشْرِكِي العَرَبِ والنَّصارى واليَهُودَ والمَجُوسَ والصّابِئِينَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا البَيْتَ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ إلّا المُسْلِمُونَ، وكَفَرَتْ بِهِ خَمْسُ مِلَلٍ قالُوا: لا نُؤْمِنُ بِهِ ولا نُصْلِي إلَيْهِ ولا نَسْتَقْبِلُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن كَفَرَ ﴾ إلَخْ» .

وإلى إبْقائِهِ عَلى ظاهِرِهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ( ﴿ ومِن كَفْرٍ ﴾ ) بِالحَجِّ فَلَمْ يَرَ حَجَّهُ بِرًّا ولا تَرْكَهُ مَأْثَمًا، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ «أنَّ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ قامَ رَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن تَرَكَهُ كَفَرَ ؟

قالَ: مَن تَرَكَهُ لا يَخافُ عُقُوبَتَهُ، ومَن حَجَّ لا يَرْجُو ثَوابَهُ فَهو ذاكَ».

وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا تَصْلُحُ الآيَةُ دَلِيلًا لِمَن زَعَمَ أنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ كافِرٌ، و ( مَن ) تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وهو الظّاهِرُ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ اسْتَغْنى فِيما بَعْدَ الفاءِ عَنِ الرّابِطِ بِإقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، إذِ الأصْلُ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم.

ويَجُوزُ أنْ يَبْقى الجَمْعُ عَلى عُمُومِهِ، ويُكْتَفى عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ بِدُخُولِ المَذْكُورِينَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا والِاسْتِغْناءُ في هَذا المَقامِ كِنايَةٌ عَنِ السُّخْطِ عَلى ما قِيلَ، ولِهَذا صَحَّ جَعْلُهُ جَزاءً وإنْ أبَيْتَ فَهو دَلِيلُهُ، وفي الآيَةِ كَما قالُوا فُنُونٌ مِنَ الِاعْتِباراتِ المُعْرِبَةِ عَنْ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الحَجِّ والتَّشْدِيدِ عَلى تارِكِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وعَدُّوا مِن ذَلِكَ إيثارَ صِيغَةِ الخَبَرِ وإبْرازَها في صُورَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ والدَّوامِ عَلى وجْهٍ يُفِيدُ أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لِلَّهِ تَعالى في ذِمَمِ النّاسِ، وتَعْمِيمُ الحُكْمِ أوَّلًا، وتَخْصِيصُهُ ثانِيًا، وتَسْمِيَةُ تَرْكِ الحَجِّ كُفْرًا مِن حَيْثُ إنَّهُ فِعْلُ الكَفَرَةِ، وذِكْرُ الِاسْتِغْناءِ والعالَمِينَ.

وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّ في تَخْصِيصِ اسْمِ الذّاتِ الجامِعِ وتَقْدِيمِ الخَبَرِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ ذَلِكَ عِبادَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ تَخْتَصَّ إلّا بِمَعْبُودٍ جامِعٍ لِلْكِمالاتِ بِأسْرِها، وأنَّ في إقامَةِ المُظْهَرِ وهو البَيْتُ مَقامَ المُضْمَرِ بَعْدَ سَبْقِهِ مُنْكَرًا المُبالَغَةَ في وصْفِهِ أقْصى الغايَةِ، كَأنَّهُ رَتَّبَ الحُكْمَ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ، وكَذا في ذِكْرِ النّاسِ بَعْدَ ذِكْرِهِ مُعَرَّفًا الإشْعارُ بِعِلْيَةِ الوُجُوبِ وهو كَوْنُهم ناسًا، وفي تَذْيِيلِ: ﴿ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ لِأنَّها في المَعْنى تَأْكِيدُ الإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ هو الإيمانُ عَلى الحَقِيقَةِ وهو النِّعْمَةُ العَظِيمَةُ، وأنَّ مُباشِرَهُ مُسْتَأْهِلٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بِجَلالَتِهِ وعَظَمَتِهِ يَرْضى عَنْهُ رِضًا كامِلًا، كَما كانَ ساخِطًا عَلى تارِكِهِ سُخْطًا عَظِيمًا، وفي تَخْصِيصِ هَذِهِ العِبادَةِ وكَوْنِها مُبَيِّنَةً لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الرَّدِّ عَلى أهْلِ الكِتابِ فِيما سَبَقَ مِنَ الآياتِ والعُودِ إلى ذِكْرِهِمْ بَعْدَ خَطْبٍ جَلِيلٍ وشَأْنٍ خَطِيرٍ لِتِلْكَ العِبادَةِ العَظِيمَةِ، واسْتَأْنَسَ بَعْضُهم لِكَوْنِهِ عِبادَةً عَظِيمَةً بِأنَّهُ مِنَ الشَّرائِعِ القَدِيمَةِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَجَّ أرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ الهِنْدِ ماشِيًا، وأنَّ جِبْرِيلَ قالَ لَهُ: إنَّ المَلائِكَةَ كانُوا يَطُوفُونَ قَبْلَكَ بِهَذا البَيْتِ سَبْعَةَ آلافِ سَنَةٍ، وادَّعى ابْنُ إسْحاقَ أنَّهُ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا بَعْدَ إبْراهِيمَ إلّا حَجَّ، والَّذِي صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ أنَّهُ ما مِن نَبِيٍّ إلّا حَجَّ خِلافًا لِمَنِ اسْتَثْنى هُودًا وصالِحًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي وُجُوبِهِ عَلى مَن قَبْلَنا وجْهانِ قِيلَ: الصَّحِيحُ أنَّهُ لَمْ يَجِبْ إلّا عَلَيْنا واسْتُغْرِبَ، وادَّعى جَمْعٌ أنَّهُ أفْضَلُ العِباداتِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المالِ والبَدَنِ، وفي وقْتِ وُجُوبِهِ خِلافٌ فَقِيلَ: قَبْلَ الهِجْرَةِ، وقِيلَ: أوَّلَ سِنِيها وهَكَذا إلى العاشِرَةِ، وصَحَّحَ أنَّهُ في السّادِسَةِ، نَعَمْ حَجَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها وقَبْلَ الهِجْرَةِ حِجَجًا لا يُدْرى عَدَدُها والتَّسْمِيَةُ مَجازِيَّةٌ بِاعْتِبارِ الصُّورَةِ بَلْ قِيلَ ذَلِكَ في حَجَّةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا في التّاسِعَةِ، لَكِنَّ الوَجْهَ خِلافُهُ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يُؤْمَرُ إلّا بِحَجٍّ شَرْعِيٍّ، وكَذا يُقالُ في الثّامِنَةِ الَّتِي أُمِّرَ فِيها عَتّابُ بْنُ أسِيدٍ أمِيرُ مَكَّةَ، وبَعْدَ ذَلِكَ حَجَّةَ الوَداعِ لا غَيْرَ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ ٩٨

﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ خاطَبَهم بِعُنْوانِ أهْلِيَّةِ الكِتابِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِهِ وبِما يُصَدِّقُهُ مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ بِذَلِكَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والإشارَةِ إلى تَعْجِيزِهِمْ عَنْ إقامَةِ العُذْرِ في كُفْرِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: هاتُوا عُذْرَكم إنْ أمْكَنَكم.

والمُرادُ مِنَ الآياتِ مُطْلَقُ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وصِدْقِ مُدَّعاهُ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الحَجُّ وأمْرُهُ بِهِ، وبِهِ تَظْهَرُ مُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها، وسَبَبُ نُزُولِها ما أخْرَجَهُ ابْنُ إسْحاقَ وجَماعَةٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: «مَرَّ شَمّاسُ بْنُ قَيْسٍ وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ عَظِيمَ الكُفْرِ شَدِيدَ الضَّغَنِ عَلى المُسْلِمِينَ شَدِيدَ الحَسَدِ لَهم عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ في مَجْلِسٍ قَدْ جَمَعَهم يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ، فَغاظَهُ ما رَأى مِن أُلْفَتِهِمْ وجَماعَتِهِمْ وصَلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ عَلى الإسْلامِ بَعْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ في الجاهِلِيَّةِ فَقالَ: قَدِ اجْتَمَعَ مَلَأُ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلادِ واللَّهِ ما لَنا مَعَهم إذا اجْتَمَعَ مَلَؤُهم بِها مِن قَرارٍ، فَأمَرَ فَتًى شابًّا مَعَهُ مِن يَهُودَ فَقالَ: اعْمِدْ إلَيْهِمْ فاجْلِسْ مَعَهم ثُمَّ ذَكِّرْهم يَوْمَ بُعاثَ وما كانَ قَبْلَهُ وأنْشِدْهم بَعْضَ ما كانُوا تَقاوَلُوا فِيهِ مِنَ الأشْعارِ، وكانَ يَوْمُ بُعاثَ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ فِيهِ الأوْسُ والخَزْرَجُ وكانَ الظُّفْرُ فِيهِ لِلْأوْسِ عَلى الخَزْرَجِ، فَفَعَلَ، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ وتَنازَعُوا وتَفاخَرُوا حَتّى تَواثَبَ رَجُلانِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلى الرُّكَبِ - أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ أحَدُ بَنِي حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ، وهَبّارُ بْنُ صَخْرٍ أحَدُ بَنِي سَلِمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ - فَتَقاوَلا ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ واللَّهِ رَدَدْناها الآنَ وغَضِبَ الفَرِيقانِ جَمِيعًا وقالُوا قَدْ فَعَلْنا السِّلاحَ السِّلاحَ مَوْعِدُكُمُ الظّاهِرَةُ - والظّاهِرَةُ الحَرَّةُ - فَخَرَجُوا إلَيْها وانْضَمَّتِ الأوْسُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ والخَزْرَجُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ عَلى دَعْواهُمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ مِن أصْحابِهِ حَتّى جاءَهم فَقالَ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ اللَّهَ اللَّهَ أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم بَعْدَ إذْ هَداكُمُ اللَّهُ تَعالى إلى الإسْلامِ وأكْرَمَكم بِهِ وقَطَعَ بِهِ عَنْكم أمْرَ الجاهِلِيَّةِ واسْتَنْقَذَكم بِهِ مِنَ الكُفْرِ وألَّفَ بِهِ بَيْنَكم تَرْجِعُونَ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ كُفّارًا، فَعَرَفَ القَوْمُ أنَّها نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ وكَيْدٌ لَهم مِن عَدُوِّهِمْ فَألْقَوُا السِّلاحَ مِن أيْدِيهِمْ وبَكَوْا وعانَقَ الرِّجالُ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سامِعِينَ مُطِيعِينَ، قَدْ أطْفَأ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَيْدَ عَدُوِّ اللَّهِ تَعالى شَمّاسٍ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِ شَمّاسٍ وما صَنَعَ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ وأنْزَلَ في أوْسِ بْنِ قَيْظِيٍّ وهَبّارٍ ومَن كانَ مَعَهُما مِن قَوْمِهِما الَّذِينَ صَنَعُوا ما صَنَعُوا ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا ﴾ الآيَةَ»، وعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ مِن أهْلِ الكِتابِ ظاهِرًا اليَهُودُ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ ما يَشْمَلُ اليَهُودَ والنَّصارى.

﴿ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ﴾ ( 98 ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ العامِلُ فِيها تَكْفُرُونَ، وهي مُفِيدَةٌ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ، والشَّهِيدُ العالِمُ المُطَّلِعُ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ، وجَعْلُ الشَّهِيدِ بِمَعْنى الشّاهِدَ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ، و( ما ) إمّا عِبارَةٌ عَنْ كُفْرِهِمْ، وإمّا عَلى عُمُومِها وهو داخِلٌ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمَعْنى لِأيِّ سَبَبٍ تَكْفُرُونَ، والحالُ أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ جَمِيعُ أعْمالِكم وهو مُجازِيكم عَلَيْها عَلى أتَمِّ وجْهٍ، ولا مِرْيَةَ في أنَّ هَذا مِمّا يَسُدُّ عَلَيْكم طُرُقَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ويَقْطَعُ أسْبابَ ذَلِكَ أصْلًا.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٩٩

﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ ﴾ أيْ تَصْرِفُونَ ﴿ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ طَرِيقِهِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ وهي مِلَّةُ الإسْلامِ ﴿ مَن آمَنَ ﴾ أيْ بِاللَّهِ وبِما جاءَ مِن عِنْدِهِ أوْ مَن صَدَّقَ بِتِلْكَ السَّبِيلِ وآمَنَ بِذَلِكَ الدِّينِ بِالفِعْلِ أوْ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ بِأنْ أرادَ ذَلِكَ وصَمَّمَ عَلَيْهِ وهو مَفْعُولٌ لِتَصُدُّونَ قُدِّمَ عَلَيْهِ الجارُّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.

( ﴿ تَبْغُونَها ﴾ ) أيِ السَّبِيلَ.

( ﴿ عِوَجًا ﴾ ) أيِ اعْوِجاجًا ومَيْلًا عَنِ الِاسْتِواءِ، ويَسْتَعْمِلُ مَكْسُورَ العَيْنِ في الدِّينِ والقَوْلِ والأرْضِ، ومِنهُ ﴿ لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا ﴾ ويُسْتَعْمَلُ المَفْتُوحُ في مَيْلِ كُلِّ شَيْءٍ مُنْتَصِبٍ كالقَناةِ والحائِطِ مَثَلًا، وهو أحَدُ مَفْعُولَيْ: تَبْغُونَ، فَإنَّ بَغى يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما بِنَفْسِهِ والآخَرُ بِاللّامِ كَما صَرَّحَ بِهِ اللُّغَوِيُّونَ، وتَعْدِيَتُهُ لِلْهاءِ مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ أيْ تَبْغُونَ لَها كَما في قَوْلِهِ: فَتَوَلّى غُلامُهم ثُمَّ نادى أظَلِيمًا أصِيدُكم أمْ حِمارا أرادَ أصِيدُ لَكم، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: الأحْسَنُ جَعْلُ الهاءِ مَفْعُولًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرِ الجارِّ، و( عِوَجًا ) حالٌ وقَعَ مَوْقِعَ الِاسْمِ مُبالَغَةً كَأنَّهم طَلَبُوا أنْ تَكُونَ الطَّرِيقَةُ القَوِيمَةُ نَفْسَ المُعْوَجِّ، وادَّعى الطِّيبِيُّ أنَّ فِيهِ نَظَرًا إذْ لا يَسْتَقِيمُ المَعْنى إلّا عَلى أنْ يَكُونَ ( عِوَجًا ) هو المَفْعُولُ بِهِ لِأنَّهُ مَطْلُوبُهم فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ الجارِّ وفِيهِ تَأمُّلٌ، وقِيلَ: ( عِوَجًا ) حالٌ مِن فاعِلِ تَبْغُونَ، والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في سابِقِهِ، وجُمْلَةُ: تَبْغُونَ - عَلى كُلِّ حالٍ إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ ( تَصُدُّونَ ) أوْ مِنَ - السَّبِيلِ - وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها كالبَيانِ لِذَلِكَ الصَّدِّ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ كانَ بِالتَّحْرِيشِ والإغْراءِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ لِتَخْتَلِفَ كَلِمَتُهم ويَخْتَلَّ أمْرُ دِينِهِمْ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما أوْرَدْناهُ في بَيانِ سَبَبِ النُّزُولِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُمُ اليَهُودُ أيْضًا، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ لِما تَقَدَّمَ، وإعادَةُ الخِطابِ والِاسْتِفْهامِ مُبالَغَةً في التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم عَلى قَبائِحِهِمْ وتَفْصِيلِها ولَوْ قِيلَ: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ التَّوْبِيخَ عَلى مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا وكانَ صَدُّهم عَنِ السَّبِيلِ بَهْتَهم وتَغْيِيرَهم صِفَةَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وعَنِ السُّدِّيِّ كانُوا إذا سَألَهم أحَدٌ هَلْ تَجِدُونَ مُحَمَّدًا في كُتُبِكم ؟

قالُوا: لا، فَيَصُدُّونَهُ عَنِ الإيمانِ بِهِ وهَذا ذَمٌّ لَهم بِالإضْلالِ إثْرَ ذَمِّهِمْ بِالضَّلالِ.

وقُرِئَ ( تَصُدُّونَ ) مَن أصُدُّ ﴿ وأنْتُمْ شُهَداءُ ﴾ حالٌ إمّا مِن فاعِلِ ( تَصُدُّونَ ) أوْ مِن فاعِلِ ( تَبْغُونَ )، والِاسْتِئْنافُ خِلافُ الظّاهِرِ أيْ كَيْفَ تَفْعَلُونَ هَذا وأنْتُمْ عُلَماءُ عارِفُونَ بِتَقَدُّمِ البِشارَةِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُطَّلِعُونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، أوْ وأنْتُمْ عُدُولٌ عِنْدَ أهْلِ مِلَّتِكم يَثِقُونَ بِأقْوالِكم ويَسْتَشْهِدُونَكم في القَضايا وصِفَتُكم هَذِهِ تَقْتَضِي خِلافَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴿ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ ( 99 ) تَهْدِيدٌ لَهم عَلى ما صَنَعُوا قِيلَ: لَمّا كانَ كُفْرُهم ظاهِرًا ناسَبَ ذِكْرَ الشَّهادَةِ مَعَهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّها تَكُونُ لِما يَظْهَرُ ويُعْلَمُ، أوْ ما هو بِمَنزِلَتِهِ - وصَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ - وما مَعَهُ لَمّا كانَ بِالمَكْرِ والحِيلَةِ الخَفِيَّةِ الَّتِي تَرُوجُ عَلى الغافِلِ ناسَبَ ذِكْرَ الغَفْلَةِ مَعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ فَلِهَذا خَتَمَ كُلًّا مِنَ الآيَتَيْنِ بِما خَتَمَ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ ١٠٠

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ ﴾ ( 100 ) خِطابٌ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ، ويَدْخُلُ غَيْرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ في عُمُومِ اللَّفْظِ، وخاطَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ بَعْدَ ما أمَرَ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِخِطابِ أهْلِ الكِتابِ إظْهارًا لِجَلالَةِ قَدْرِهِمْ وإشْعارًا بِأنَّهم هُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يُخاطِبَهُمُ اللَّهُ تَعالى ويُكَلِّمَهم فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ المُخاطَبُ الرَّسُولُ بِتَقْدِيرِ قُلْ لَهم.

والمُرادُ مِنَ الفَرِيقِ بَعْضٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ أوْ هو شَمّاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وفي الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ؛ ولِهَذا عَلى ما قِيلَ حُذِفَ مُتَعَلِّقُ الفِعْلِ، وقالَ بَعْضُهم: هو عَلى مَعْنى إنْ تُطِيعُوهم في قَبُولِ قَوْلِهِمْ بِإحْياءِ الضَّغائِنِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَكم في الجاهِلِيَّةِ، و( كافِرِينَ ) إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَرُدُّوكم عَلى تَضْمِينِ الرَّدِّ مَعْنى التَّصْيِيرِ كَما في قَوْلِهِ: رَمى الحَدَثانِ نِسْوَةَ آلِ سَعْدٍ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، قالُوا: والأوَّلُ أدْخَلُ في تَنْزِيهِ المُؤْمِنِينَ عَنْ نِسْبَتِهِمْ إلى الكُفْرِ لِما فِيهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِكَوْنِ الكُفْرِ المَفْرُوضِ بِطَرِيقِ القَسْرِ، وبَعْدَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِيَرُدُّوكم، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِكافِرِينَ، وإيرادُهُ مَعَ عَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ لِإغْناءِ ما في الخِطابِ عَنْهُ، واسْتِحالَةِ الرَّدِّ إلى الكُفْرِ بِدُونِ سَبْقِ الإيمانِ وتَوْسِيطِهِ بَيْنَ المَنصُوبَيْنِ لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ الكُفْرِ، وغايَةُ بُعْدِهِ مِنَ الوُقُوعِ إمّا لِزِيادَةِ قُبْحِهِ أوْ لِمُمانَعَةِ الإيمانِ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إيمانِكُمُ الرّاسِخِ، وفي ذَلِكَ مِن تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ ما لا يَخْفى، وقَدَّمَ تَوْبِيخَ الكُفّارِ عَلى هَذا الخِطابِ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا كالعِلَّةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ١٠١

﴿ وكَيْفَ تَكْفُرُونَ ﴾ أيْ عَلى أيِّ حالٍ يَقَعُ مِنكُمُ الكُفْرُ ﴿ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ ﴾ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِهِ ونُبُوَّةِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ وفِيكم رَسُولُهُ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُعْلِمُكُمُ الكِتاب والحِكْمَة ويُزَكِّيكم بِتَحْقِيقِ الحَقِّ وإزاحَةِ الشُّبَهِ، والجُمْلَةُ وقَعَتْ حالًا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في ( تَكْفُرُونَ ) والمُرادُ اسْتِبْعادُ أنْ يَقَعَ مِنهُمُ الكُفْرُ وعِنْدَهم ما يَأْباهُ.

وقِيلَ: المُرادُ التَّعْجِيبُ أيْ لا يَنْبَغِي لَكم أنْ تَكْفُرُوا في سائِرِ الأحْوالِ لا سِيَّما في هَذِهِ الحالِ الَّتِي فِيها الكُفْرُ أفْظَعُ مِنهُ في غَيْرِها؛ ولَيْسَ المُرادُ إنْكارَ الواقِعِ كَما في ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ الآيَةَ، وقِيلَ: المُرادُ بِكُفْرِهِمْ فِعْلُهم أفْعالَ الكَفَرَةِ كَدَعْوى الجاهِلِيَّةِ، فَلا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الواقِعِ، والأوَّلُ أوْلى، وفي الآيَةِ تَأْيِيسٌ لِلْيَهُودِ مِمّا رامُوهُ، والأكْثَرُونَ عَلى تَخْصِيصِ هَذا الخِطابِ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، أوِ الأوْسِ والخَزْرَجِ مِنهم، ومِنهم مَن جَعَلَهُ عامًا لِسائِرِ المُؤْمِنِينَ وجَمِيعِ الأُمَّةِ، وعَلَيْهِ مَعْنى كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ، إنَّ آثارَهُ وشَواهِدَ نُبُوَّتِهِ فِيهِمْ؛ لِأنَّها باقِيَةٌ حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ، ولَمْ يُسْنِدْ سُبْحانَهُ التِّلاوَةَ إلى رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إشارَةً إلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ في البابِ، وإيذانًا بِأنَّ التِّلاوَةَ كافِيَةٌ في الغَرَضِ مِن أيِّ تالٍ كانَتْ.

﴿ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ﴾ إمّا أنْ يُقَدَّرَ مُضافٌ أيْ ومَن يَعْتَصِمْ بِدِينِ اللَّهِ، والِاعْتِصامُ بِمَعْنى التَّمَسُّكِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وإمّا أنْ لا يُقَدَّرَ فَيُجْعَلُ الِاعْتِصامُ بِاللَّهِ اسْتِعارَةً لِلِالتِجاءِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، قالَ الطِّيبِيُّ: وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ كَيْفَ تَكْفُرُونَ، أيْ والحالُ أنَّ القُرْآنَ يُتْلى عَلَيْكم وأنْتُمْ عالِمُونَ بِحالِ المُعْتَصَمِ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا ﴾ إلَخْ؛ لِأنَّ مَضْمُونَهُ أنَّكم إنَّما تُطِيعُونَهم لِما تَخافُونَ مِن شُرُورِهِمْ ومَكايِدِهِمْ فَلا تَخافُوهم والتَجِئُوا إلى اللَّهِ تَعالى في دَفْعِ شُرُورِهِمْ ولا تُطِيعُوهم، أما عَلِمْتُمْ أنَّ مَنِ التَجَأ إلى اللَّهِ تَعالى كَفاهُ شَرَّ ما يَخافُهُ فَعَلى الأوَّلِ جِيءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِإنْكارِ الكُفْرِ مَعَ هَذا الصّارِفِ القَوِيِّ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ إلَخْ، وعَلى الثّانِي لِلْحَثِّ عَلى الِالتِجاءِ، ويُحْتَمَلُ عَلى الأوَّلِ التَّذْيِيلُ، وعَلى الثّانِي الحالُ أيْضًا فافْهَمْ، و( مَن ) شَرْطِيَّةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ( 101 ) جَوابُ الشَّرْطِ، ولِكَوْنِهِ ماضِيًا مَعَ قَدْ أفادَ الكَلامُ تَحَقُّقَ الهُدى حَتّى كَأنَّهُ قَدْ حَصَلَ، قِيلَ: والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، ووَصْفُ الصِّراطِ بِالِاسْتِقامَةِ لِلتَّصْرِيحِ بِالرَّدِّ عَلى الَّذِينَ يَبْغُونَ لَهُ عِوَجًا، والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ وإنْ كانَ هو الدِّينَ الحَقَّ في الحَقِيقَةِ، والِاهْتِداءُ إلَيْهِ هو الِاعْتِصامُ بِهِ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ لَمّا اخْتَلَفَ الِاعْتِبارانِ وكانَ العُنْوانُ الأخِيرُ مِمّا يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ أُبْرِزَ في مَعْرِضِ الجَوابِ لِلْحَثِّ والتَّرْغِيبِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ﴾ انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ إنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الِاعْتِصامِ بِاللَّهِ الإيمانَ بِهِ سُبْحانَهُ والتَّمَسُّكَ بِدِينِهِ كَما قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ مِنهُ الثِّقَةَ بِاللَّهِ تَعالى والتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ والِالتِجاءَ إلَيْهِ كَما رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ فَيَبْعُدُ الِاحْتِياجُ، وعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ مَنَ الِاهْتِداءِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ النَّجاةَ والظَّفَرَ بِالمَخْرَجِ، فَقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما مِن عَبْدٍ يَعْتَصِمُ بِي مِن دُونِ خَلْقِي وتَكِيدُهُ السَّمَواتُ والأرْضُ إلّا جَعَلْتُ لَهُ مِن ذَلِكَ مَخْرَجًا، وما مِن عَبْدٍ يَعْتَصِمُ بِمَخْلُوقٍ مِن دُونِي إلّا قَطَعْتُ أسْبابَ السَّماءِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وأسَخْتُ الأرْضَ مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ١٠٢

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ كَرَّرَ الخِطابَ بِهَذا العُنْوانِ تَشْرِيفًا لَهم ولا يَخْفى ما في تَكْرارِهِ مِنَ اللُّطْفِ بَعْدَ تَكْرارِ خِطابِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ أيْ حَقَّ تَقْواهُ، رَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا: «هُوَ أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ» .

وادَّعى كَثِيرٌ نَسْخَ هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتِ اشْتَدَّ عَلى القَوْمِ العَمَلُ فَقامُوا حَتّى ورِمَتْ عَراقِيبُهم وتَقَرَّحَتْ جِباهُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَخْفِيفًا عَلى المُسْلِمِينَ ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ فَنَسَخَتِ الآيَةَ الأُولى.

ومِثْلُهُ عَنْ أنَسٍ وقَتادَةَ.

وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ مِن بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَمْ تُنْسَخْ، ولَكِنَّ حَقَّ تُقاتِهِ أنْ يُجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، ولا تَأْخُذُهم في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ، ويَقُومُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِالقِسْطِ ولَوْ عَلى أنْفُسِهِمْ وآبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ، ومَن قالَ بِالنَّسْخِ جَنَحَ إلى أنَّ المُرادَ مِن حَقِّ تُقاتِهِ ما يَحِقُّ لَهُ ويَلِيقُ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، ومَن قالَ بِعَدَمِ النَّسْخِ جَنَحَ إلى أنَّ ( حَقَّ ) مِن حَقَّ الشَّيْءُ بِمَعْنى وجَبَ وثَبَتَ، والإضافَةُ مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى مَوْصُوفِها، وأنَّ الأصْلَ اتَّقُوا اللَّهَ اتْقاءً حَقًّا أيْ ثابِتًا وواجِبًا عَلى حَدِّ ضَرَبْتُ زَيْدًا شَدِيدَ الضَّرْبِ تُرِيدُ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ وادَّعى أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّ القَوْلَ بِالنَّسْخِ باطِلٌ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن إباحَةِ بَعْضِ المَعاصِي، وتَعَقَّبَهُ الرُّمّانِيُّ بِأنَّهُ إذا وُجِّهَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ عَلى أنْ يَقُومُوا بِالحَقِّ في الخَوْفِ والأمْنِ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّقُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى كُلِّ حالٍ، ثُمَّ أباحَ تَرْكَ الواجِبِ عِنْدَ الخَوْفِ عَلى النَّفْسِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ إنَّما يَخْطِرُ بِالبالِ حَتّى يُجابَ عَنْهُ إذا فُسِّرَ ﴿ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ النَّسْخِ بِما فَسَّرَهُ هو بِهِ مِن تَرْكِ جَمِيعِ المَعاصِي ونَحْوِهِ، وإنْ لَمْ يُفَسَّرْ بِذَلِكَ بَلْ فُسِّرَ بِما جَنَحَ إلَيْهِ القائِلُ بِالنَّسْخِ فَلا يَكادُ يَخْطِرُ ما ذَكَرَهُ بِبالٍ لِيَحْتاجَ إلى الجَوابِ، نَعَمْ يَكُونُ القَوْلُ بِإنْكارِ النَّسْخِ حِينَئِذٍ مَبْنِيًّا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ مِنِ امْتِناعِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ ابْتِداءً كَما لا يَخْفى، وأصْلُ ( تُقاةٍ ) وُقَيَةٌ قُلِبَتْ واوُها المَضْمُومَةُ تاءً كَما في تُهَمَةٍ وتُخَمَةٍ وياؤُها المَفْتُوحَةُ ألِفًا، وأجازَ فِيها الزَّجّاجُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: تُقاةٌ ووِقاةٌ وإقاةٌ.

﴿ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ (201) أيْ مُخْلِصُونَ نُفُوسَكم لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لا تَجْعَلُونَ فِيها شَرِكَةً لِسِواهُ أصْلًا، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الإسْلامَ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لا يُرادُ بِهِ الأعْمالُ بَلِ الإيمانُ القَلْبِيُّ؛ لِأنَّ الأعْمالَ حالَ المَوْتِ مِمّا لا تَكادُ تَتَأتّى، ولِذا ورَدَ في دُعاءِ صَلاةِ الجِنازَةِ: «اللَّهُمَّ مَن أحْيَيْتَهُ مِنّا فَأحْيِهِ عَلى الإسْلامِ، ومَن أمَتَّهُ مِنّا فَأمِتْهُ عَلى الإيمانِ».

فَأخَذَ الإسْلامَ أوَّلًا والإيمانَ ثانِيًا لِما أنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا، والِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ لا تَمُوتُنَّ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا عَلى حالِ تَحَقُّقِ إسْلامِكم وثَباتِكم عَلَيْهِ كَما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، ولَوْ قِيلَ: إلّا مُسْلِمِينَ لَمْ يَقَعْ هَذا المَوْقِعَ، والعامِلُ في الحالِ ما قَبْلَ ( إلّا ) بَعْدَ النَّقْضِ، والمَقْصُودُ النَّهْيُ عَنِ الكَوْنِ عَلى حالٍ غَيْرِ حالِ الإسْلامِ عِنْدَ المَوْتِ، ويُؤَوَّلُ إلى إيجابِ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ إلى المَوْتِ، إلّا أنَّهُ وجَّهَ النَّهْيَ إلى المَوْتِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ قَيْدِهِ المَذْكُورِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ النَّهْيَ عَنْهُ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَقْدُورٍ لَهم حَتّى يَنْهَوْا عَنْهُ، وفي التَّحْبِيرِ لِلْإمامِ السُّيُوطِيِّ: ومِن عَجِيبِ ما اشْتُهِرَ في تَفْسِيرِ ( مُسْلِمُونَ ) قَوْلُ العَوامِّ: أيْ مُتَزَوِّجُونَ وهو قَوْلٌ لا يُعْرَفُ لَهُ أصْلٌ، ولا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلى تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِمُجَرَّدِ ما يُحَدَّثُ في النَّفْسِ أوْ يُسْمَعُ مِمَّنْ لا عُهْدَةَ عَلَيْهِ انْتَهى.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ( مُسْلِمُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ ومَعْناهُ مُسْتَسْلِمُونَ لِما أتى بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُنْقادُونَ لَهُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ إطاعَةِ أهْلِ الكِتابِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءًۭ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًۭا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍۢ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١٠٣

﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ ﴾ أيِ القُرْآنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «كِتابُ اللَّهِ هو حَبْلُ اللَّهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ».

وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنِّي تارِكٌ فِيكم خَلِيفَتَيْنِ؛ كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَمْدُودٌ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وإنَّهُما لَنْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ» .

ووَرَدَ بِمَعْنى ذَلِكَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِحَبْلِ اللَّهِ الطّاعَةُ والجَماعَةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ ثابِتِ بْنِ قُطْنَةَ المُزَنِيِّ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَخْطُبُ وهو يَقُولُ: أيُّها النّاسُ عَلَيْكم بِالطّاعَةِ والجَماعَةِ، فَإنَّهُما حَبْلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أمَرَ بِهِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: حَبْلُ اللَّهِ تَعالى الجَماعَةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأبِي العالِيَةِ: أنَّهُ الإخْلاصُ لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ طاعَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ الإسْلامُ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ عَهْدُ اللَّهِ تَعالى وأمْرُهُ، وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ.

وفِي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ شَبَّهَتِ الحالَةَ الحاصِلَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنِ اسْتِظْهارِهِمْ بِأحَدِ ما ذَكَرَ ووُثُوقِهِمْ بِحِمايَتِهِ بِالحالَةِ الحاصِلَةِ مِن تَمَسُّكِ المُتَدَلِّي مِن مَكانٍ رَفِيعٍ بِحَبْلٍ وثِيقٍ مَأْمُونِ الِانْقِطاعِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ مَجازٍ في المُفْرَداتِ، واسْتُعِيرَ ما يُسْتَعْمَلُ في المُشَبَّهِ بِهِ مِنَ الألْفاظِ لِلْمُشَبَّهِ، وقَدْ يَكُونُ في الكَلامِ اسْتِعارَتانِ مُتَرادِفَتانِ بِأنْ يُسْتَعارَ الحَبَلُ لِلْعَهْدِ مَثَلًا اسْتِعارَةً مُصَرِّحَةً أصْلِيَّةً، والقَرِينَةُ الإضافَةُ، ويُسْتَعارُ الِاعْتِصامُ لِلْوُثُوقِ بِالعَهْدِ والتَّمَسُّكِ بِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ التَّبَعِيَّةِ، والقَرِينَةُ اقْتِرانُها بِالِاسْتِعارَةِ الثّانِيَةِ، وقَدْ يَكُونُ في ( اعْتَصَمُوا ) مَجازٌ مُرْسَلٌ تَبَعِيٌّ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ، وقَدْ يَكُونُ مَجازًا بِمَرْتَبَتَيْنِ لِأجْلِ إرْسالِ المَجازِ، وقَدْ تَكُونُ الِاسْتِعارَةُ في الحَبْلِ فَقَطْ ويَكُونُ الِاعْتِصامُ باقِيًا عَلى مَعْناهُ تَرْشِيحًا لَها عَلى أتَمِّ وجْهٍ، والقَرِينَةُ قَدْ تَخْتَلِفُ بِالتَّصَرُّفِ، فَبِاعْتِبارٍ قَدْ تَكُونُ مانِعَةً، وبِاعْتِبارٍ آخَرَ قَدْ لا تَكُونُ، فَلا يَرِدُ أنَّ احْتِمالَ المَجازِيَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلى قَرِينَةٍ مانِعَةٍ عَنْ إرادَةِ المَوْضِعِ لَهُ، فَمَعَ وُجُودِها كَيْفَ يَتَأتّى إرادَةُ الحَقِيقَةِ لِيَصِحَّ الأمْرانِ في ( اعْتَصَمُوا ) وقَدْ تَكُونُ الِاسْتِعارَتانِ غَيْرُ مُسْتَقِلَّتَيْنِ بِأنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ في الحَبْلِ مَكْنِيَّةً، وفي الِاعْتِصامِ تَخْيِيلِيَّةً؛ لِأنَّ المَكْنِيَّةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلتَّخْيِيلِيَّةِ، قالَهُ الطِّيبِيُّ، ولا يَخْفى أنَّهُ أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ.

وقَدْ ذَكَرْنا في حَواشِينا عَلى رِسالَةِ ابْنِ عِصامٍ ما يَرُدُّ عَلى بَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ مَعَ الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَهُ.

( ﴿ جَمِيعًا ﴾ ) حالٌ مِن فاعِلِ ( اعْتَصِمُوا ) كَما هو الظّاهِرُ المُتَبادَرُ أيْ مُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَفَرَّقُوا ﴾ تَأْكِيدًا بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى: ولا تَتَفَرَّقُوا عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِالِاعْتِصامِ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى لا يَقَعُ بَيْنَكم شِقاقٌ وحُرُوبٌ كَما هو مُرادُ المُذَكِّرِينَ لَكم بِأيّامِ الجاهِلِيَّةِ الماكِرِينَ بِكم، وقِيلَ: المَعْنى لا تَتَفَرَّقُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ.

﴿ واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ جِنْسَها، ومِن ذَلِكَ الهِدايَةُ والتَّوْفِيقُ لِلْإسْلامِ المُؤَدِّي إلى التَّآلُفِ وزَوالِ الأضْغانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها ما بَيَّنَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إذْ كُنْتُمْ أعْداءً ﴾ أيْ في الجاهِلِيَّةِ ﴿ فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾ بِالإسْلامِ، و( نِعْمَةَ ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، و( عَلَيْكم ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ حالٌ مِنهُ، و( إذْ ) إمّا ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ أوْ لِلِاسْتِقْرارِ في ( عَلَيْكم ) إذا جَعَلْتَهُ حالًا، قِيلَ: وأرادَ سُبْحانَهُ بِما ذَكَرَ ما كانَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ مِنَ الحُرُوبِ الَّتِي تَطاوَلَتْ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً إلى أنْ ألَّفَ سُبْحانَهُ بَيْنَهم بِالإسْلامِ فَزالَتِ الأحْقادُ - قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ - وكانَ يَوْمُ بُعاثَ آخَرَ الحُرُوبِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهم، وقَدْ فُصِّلَ ذَلِكَ في الكامِلِ، وقِيلَ: أرادَ ما كانَ بَيْنَ مُشْرِكِي العَرَبِ مِنَ التَّنازُعِ الطَّوِيلِ والقِتالِ العَرِيضِ، ومِنهُ حَرْبُ البَسُوسِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

﴿ فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا ﴾ أيْ فَصِرْتُمْ بِسَبَبِ نِعْمَتِهِ الَّتِي هي ذَلِكَ التَّأْلِيفُ مُتَحابِّينَ، فَأصْبَحَ ناقِصَةٌ، و( إخْوانًا ) خَبَرُهُ، وقِيلَ: ( أصْبَحْتُمْ ) أيْ دَخَلْتُمْ في الصَّباحِ، فالباءُ حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الفاعِلِ، وكَذا إخْوانًا أيْ فَأصْبَحْتُمْ مُتَلَبِّسِينَ بِنِعْمَتِهِ حالَ كَوْنِكم إخْوانًا، والإخْوانُ جَمْعُ أخٍ وأكْثَرُ ما يُجْمَعُ أخُو الصَّداقَةِ عَلى ذَلِكَ عَلى الصَّحِيحِ، وفي الإتْقانِ الأخُ في النَّسَبِ جَمْعُهُ إخْوَةٌ وفي الصَّداقَةِ إخْوانٌ، قالَهُ ابْنُ فارِسٍ - وخالَفَهُ غَيْرُهُ - وأوْرَدَ في الصَّداقَةِ: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ ﴾ وفي النَّسَبِ: ( أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم ) .

﴿ وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ ﴾ أيْ وكُنْتُمْ عَلى طَرَفِ حُفْرَةٍ مِن جَهَنَّمَ، إذْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَها إلّا المَوْتُ، وتَفْسِيرُ الشَّفا بِالطَّرَفِ مَأْثُورٌ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ ووارِدٌ عَنِ العَرَبِ، ويُثَنّى عَلى شَفَوانِ، ويُجْمَعُ عَلى أشْفاءٍ، ويُضافُ إلى الأعْلى كَـ ( شَفا جُرْفٍ هارٍ ) وإلى الأسْفَلِ قِيلَ: كَما هُنا وكَوْنُ المُرادِ مِنَ النّارِ ما ذَكَرْنا هو الظّاهِرُ وحَمْلُها عَلى نارِ الحَرْبِ بَعِيدٌ.

﴿ فَأنْقَذَكم مِنها ﴾ أيْ بِمُحَمَّدٍ  - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إمّا عَلى النّارِ أوْ عَلى ( حُفْرَةٍ ) أوْ عَلى ( شَفا ) لِأنَّهُ بِمَعْنى الشَّفَةِ، أوْ لِاكْتِسابِهِ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ: وتَشْرَقُ بِالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتَهُ كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ فَإنَّ المُضافَ يَكْتَسِبُ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا كانَ بَعْضًا مِنهُ أوْ فِعْلًا لَهُ أوْ صِفَةً كَما صَرَّحُوا بِهِ وما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الأوَّلِ، ومَن أطْلَقَ لَزِمَهُ جَوازُ قامَتْ غُلامُ هِنْدٍ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ الِاحْتِمالَ الأخِيرَ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الحُفْرَةِ أتَمُّ لِأنَّها الَّتِي يُمْتَنُّ بِالإنْقاذِ مِنها حَقِيقَةً، وأمّا الِامْتِنانُ بِالإنْقاذِ مِنَ الشَّفا قَلَّما يَسْتَلْزِمُهُ الكَوْنُ عَلى الشَّفا غالِبًا مِنَ الهَوى إلى الحُفْرَةِ فَيَكُونُ الإنْقاذُ مِنَ الشَّفا إنْقاذًا مِنَ الحُفْرَةِ الَّتِي يُتَوَقَّعُ الهَوى فِيها، فَإضافَةُ المِنَّةِ إلى الإنْقاذِ مِنَ الحُفْرَةِ أبْلَغُ وأوْقَعُ مَعَ أنَّ اكْتِسابَ التَّأْنِيثِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ قَدْ عَدَّهُ أبُو عَلِيٍّ في التَّعالِيقِ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ خِلافَ رَأْيِهِ في الإيضاحِ، وما حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى إعادَةِ الضَّمِيرِ إلى الشَّفا إلّا أنَّهُ هو الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَكُونُوا في الحُفْرَةِ حَتّى يَمْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِالإنْقاذِ مِنَ الحُفْرَةِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهم كانُوا صائِرِينَ إلَيْها لَوْلا الإنْقاذُ الرَّبّانِيُّ فَبُولِغَ في الِامْتِنانِ بِذَلِكَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”«الرّاتِعُ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ“»، وإلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ ﴾ فانْظُرُ كَيْفَ جَعَلَ تَعالى كَوْنَ البُنْيانِ عَلى الشَّفا سَبَبًا مُؤَدِّيًا إلى انْهِيارِهِ في نارِ جَهَنَّمَ مَعَ تَأْكِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( هارٍ ) انْتَهى، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ أبِي حَيّانَ مِن أنَّهُ لا يَحْسُنُ عَوْدُهُ إلّا إلى الشَّفا؛ لِأنَّ كَيْنُونَتَهم عَلَيْهِ هو أحَدُ جُزْأيِ الإسْنادِ، فالضَّمِيرُ لا يَعُودُ إلّا إلَيْهِ لا عَلى الحُفْرَةِ؛ لِأنَّها غَيْرُ مُحَدَّثٍ عَنْها، ولا عَلى النّارِ لِأنَّهُ إنَّما جِيءَ بِها لِتَخْصِيصِ الحُفْرَةِ.

وأيْضًا فالإنْقاذُ مِنَ الشَّفا أبْلَغُ مِنَ الإنْقاذِ مِنَ الحُفْرَةِ ومِنَ النّارِ، والإنْقاذُ مِنهُما لا يَسْتَلْزِمُ الإنْقاذَ مِنَ الشَّفا فَعَوْدُهُ عَلى الشَّفا هو الظّاهِرُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ومِن حَيْثُ المَعْنى، نَعَمْ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ عَوْدَهُ عَلى الشَّفا هو الظّاهِرُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ظاهِرٌ بِناءً عَلى أنَّ الأصْلَ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى المُضافِ دُونَ المُضافِ إلَيْهِ إذا صَلَحَ لِكُلٍّ مِنهُما ولَوْ بِتَأْوِيلٍ، إلّا أنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ ذَلِكَ فَيَعُودُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ إمّا مُطْلَقًا - كَما هو قَوْلُ ابْنِ المُنِيرِ - أوْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ بَعْضَهُ أوْ كَبَعْضِهِ كَقَوْلِ جَرِيرٍ.

أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي فَإنَّ مَرَّ السِّنِينَ مِن جِنْسِها، وإلَيْهِ ذَهَبَ الواحِدِيُّ، والشَّرْطُ مَوْجُودٌ فِيما نَحْنُ فِيهِ.

( ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ) أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّبْيِينِ الواضِحِ ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ ﴾ أيْ دَلائِلَهُ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ ﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ (103) أيْ لِكَيْ تَدُومُوا عَلى الهُدى، وازْدِيادُكم فِيهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ كَوْنُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ صِيغَةُ المُضارِعِ مِنَ الِافْتِعالُ.

<div class="verse-tafsir"

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌۭ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ١٠٤

﴿ ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ﴾ أمَرَهم سُبْحانَهُ بِتَكْمِيلِ الغَيْرِ إثْرَ أمْرِهِمْ بِتَكْمِيلِ النَّفْسِ لِيَكُونُوا هادِينَ مَهْدِيِّينَ عَلى ضِدِّ أعْدائِهِمْ، فَإنَّ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِمْ فِيما سَبَقَ بَدُلُّ عَلى أنَّهم ضالُّونَ مُضِلُّونَ، والجُمْهُورُ عَلى إسْكانِ لامِ الأمْرِ، وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى الأصْلِ، وتَكُنْ إمّا مِن كانَ التّامَّةِ فَتَكُونُ ( أُمَّةٌ ) فاعِلًا، وجُمْلَةُ ( يَدْعُونَ ) صِفَتُهُ، و( مِنكم ) مُتَعَلِّقٌ بِتَكُنْ أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً - لِأُمَّةٍ - قُدِّمَ عَلَيْها فَصارَ حالًا، وإمّا مِن كانَ النّاقِصَةِ فَتَكُونُ ( أُمَّةٌ ) اسْمَها و( يَدْعُونَ ) خَبَرَها، و( مِنكم ) إمّا حالٌ مِن أُمَّةٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بَكانَ النّاقِصَةِ، والأُمَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي تَؤُمُّ أيْ تَقْصِدُ لِأمْرٍ ما، وتُطْلَقُ عَلى أتْباعِ الأنْبِياءِ لِاجْتِماعِهِمْ عَلى مَقْصِدٍ واحِدٍ وعَلى القُدْوَةِ، ومِنهُ ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً ﴾ وعَلى الدِّينِ والمِلَّةِ، ومِنهُ ﴿ إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ﴾ وعَلى الزَّمانِ، ومِنهُ ﴿ وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَعانِيها، والمُرادُ مِنَ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ الدُّعاءُ إلى ما فِيهِ صَلاحٌ دِينِيٌّ أوْ دُنْيَوِيٌّ، فَعَطْفُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ إيذانًا بِمَزِيدِ فَضْلِهِما عَلى سائِرِ الخَيْراتِ كَذا قِيلَ، قالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تِلْكَ البابِ لِأنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ العامِّ جَمِيعَ ما يَتَناوَلُهُ إذِ الخَيْرُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ إمّا فِعْلٌ مَأْمُورٌ أوْ تَرْكٌ مَنهِيٌّ لا يَعْدُو واحِدًا مِن هَذَيْنِ حَتّى يَكُونَ تَخْصِيصُهُما بِتَمَيُّزِهِما عَنْ بَقِيَّةِ المُتَناوِلاتِ، فالأوْلى أنْ يُقالَ فائِدَةُ هَذا التَّخْصِيصِ ذِكْرُ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ عامًّا ثُمَّ مُفَصَّلًا، وفي تَثْنِيَةِ الذِّكْرِ عَلى وجْهَيْنِ ما لا يَخْفى مِنَ العِنايَةِ إلّا إنْ ثَبَتَ عُرْفٌ يَخُصُّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ بِبَعْضِ أنْواعِ الخَيْرِ وحِينَئِذٍ يَتَّمُ ما ذَكَرَ، وما أرى هَذا العُرْفَ ثابِتًا انْتَهى، ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ لِأنَّ الدُّعاءَ إلى الخَيْرِ لَوْ فُسِّرَ بِما يَشْمَلُ أُمُورَ الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِها أمْرٌ أوْ نَهْيٌ كانَ أعَمَّ مِن فَرْضِ الكِفايَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، عَلى أنَّهُ قَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ﴾ ثُمَّ قالَ: الخَيْرُ اتِّباعُ القُرْآنِ وسُنَّتِي» وهَذا يَدُلُّ أنَّ الدُّعاءَ إلى الخَيْرِ لا يَشْمَلُ الدُّعاءَ إلى أُمُورِ الدُّنْيا.

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الخَيْرَ بِمَعْرُوفٍ خاصٍّ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وجَعَلَ المَعْرُوفَ في الآيَةِ ما عَداهُ مِنَ الطّاعاتِ، فَحِينَئِذٍ لا يَتَأتّى ما قالَهُ ابْنُ المُنِيرِ أيْضًا، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الخَيْرَ الإسْلامُ، والمَعْرُوفَ طاعَةُ اللَّهِ، والمُنْكَرَ مَعْصِيَتُهُ، وحَذْفُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ إمّا لِلْإعْلامِ بِظُهُورِهِ، أيْ يَدْعُونَ النّاسَ ولَوْ غَيْرَ مُكَلَّفِينَ ويَأْمُرُونَهم ويَنْهَوْنَهم، وإمّا لِلْقَصْدِ إلى إيجادِ نَفْسِ الفِعْلِ عَلى حَدِّ: فُلانٌ يُعْطِي، أيْ يَفْعَلُونَ الدُّعاءَ والأمْرَ والنَّهْيَ ويُوقِعُونَها، والخِطابُ قِيلَ مُتَوَجِّهٌ إلى مَن تُوَجِّهَ الخِطابُ الأوَّلُ إلَيْهِ في رَأْيٍ وهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً وهُمُ الرُّواةُ، والأكْثَرُونَ عَلى جَعْلِهِ عامًّا، ويَدْخُلُ فِيهِ مَن ذَكَرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، و( مِن ) هُنا قِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: لِلتَّبْيِينِ، وهي تَجْرِيدِيَّةٌ كَما يُقالُ لِفُلانٍ مِن أوْلادِهِ جُنْدٌ، ولِلْأمِيرِ مِن غِلْمانِهِ عَسْكَرٌ، يُرادُ بِذَلِكَ جَمِيعَ الأوْلادِ والغِلْمانِ.

ومَنشَأُ الخِلافِ في ذَلِكَ أنَّ العُلَماءَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ، ولَمْ يُخالِفْ في ذَلِكَ إلّا النَّزْرُ، ومِنهُمُ الشَّيْخُ أبُو جَعْفَرٍ مِنَ الإمامِيَّةِ قالُوا: إنَّها مِن فُرُوضِ الأعْيانِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الواجِبَ عَلى الكِفايَةِ هَلْ هو واجِبٌ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، ويَسْقُطُ عَنْهم بِفِعْلِ بَعْضِهِمْ أوْ هو واجِبٌ عَلى البَعْضِ، ذَهَبَ الإمامُ الرّازِيُّ وأتْباعُهُ إلى الثّانِي لِلِاكْتِفاءِ بِحُصُولِهِ مِنَ البَعْضِ، ولَوْ وجَبَ عَلى الكُلِّ لَمْ يَكْتَفِ بِفِعْلِ البَعْضِ، إذْ يُسْتَبْعَدُ سُقُوطُ الواجِبِ عَلى المُكَلَّفِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وذَهَبَ إلى الأوَّلِ الجُمْهُورُ وهو ظاهِرُ نَصِّ الإمامِ الشّافِعِيِّ في الأُمِّ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِإثْمِ الجَمِيعِ بِتَرْكِهِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ واجِبًا عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ لَما أثِمُوا بِالتَّرْكِ.

وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا بِأنَّ إثْمَهم بِالتَّرْكِ لِتَفْوِيتِهِمْ ما قُصِدَ حُصُولُهُ مِن جِهَتِهِمْ في الجُمْلَةِ لا لِلْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ مِن طَرَفِ الجُمْهُورِ بِأنَّ هَذا هو الحَقِيقُ بِالِاسْتِبْعادِ أعْنِي إثْمَ طائِفَةٍ بِتَرْكِ أُخْرى فِعْلًا كُلِّفَتْ بِهِ.

والجَوابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لَيْسَ الإسْقاطُ عَنْ غَيْرِهِمْ بِفِعْلِهِمْ أوْلى مِن تَأْثِيمِ غَيْرِهِمْ بِتَرْكِهِمْ يُقالُ فِيهِ: بَلْ هو أوْلى لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ نَظِيرُهُ شَرْعًا مِن إسْقاطِ ما عَلى زَيْدٍ بِأداءِ عَمْرٍو، ولَمْ يَثْبُتْ تَأْثِيمُ إنْسانٍ بِتَرْكِ آخَرَ فَيَتِمُّ ما قالَهُ الجُمْهُورُ.

واعْتُرِضَ القَوْلُ بِأنَّ هَذا هو الحَقِيقُ بِالِاسْتِبْعادِ بِأنَّهُ إنَّما يَتَأتّى لَوِ ارْتَبَطَ التَّكْلِيفُ في الظّاهِرِ بِتِلْكَ الطّائِفَةِ الأُخْرى بِعَيْنِها وحْدَها لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كِلْتا الطّائِفَتَيْنِ مُتَساوِيَتانِ في احْتِمالِ الأمْرِ لَهُما وتَعَلُّقِهِ بِهِما مِن غَيْرِ مَزِيَّةٍ لِإحْداهُما عَلى الأُخْرى، فَلَيْسَ في التَّأْثِيمِ المَذْكُورِ تَأْثِيمُ طائِفَةٍ بِتَرْكِ أُخْرى فِعْلًا كُلِّفَتْ بِهِ، إذْ كَوْنُ الأُخْرى كُلِّفَتْ بِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ كِلْتا الطّائِفَتَيْنِ مُتَساوِيَتانِ في احْتِمالِ كُلٍّ أنْ تَكُونَ مُكَلَّفَةً بِهِ، فالِاسْتِبْعادُ المَذْكُورُ لَيْسَ في مَحَلِّهِ، عَلى أنَّهُ إذا قُلْنا بِما اخْتارَهُ جَماعَةٌ مِن أصْحابِ المَذْهَبِ الثّانِي مِن أنَّ البَعْضَ مُبْهَمُ آلَ الحالُ إلى أنَّ المُكَلَّفَ طائِفَةٌ لا بِعَيْنِها، فَيَكُونُ المُكَلَّفُ القَدْرُ المُشْتَرِكُ بَيْنَ الطَّوائِفِ، الصّادِقُ بِكُلِّ طائِفَةٍ، فَجَمِيعُ الطَّوائِفِ مُسْتَوِيَةٌ في تَعَلُّقِ الخِطابِ بِها بِواسِطَةِ تَعَلُّقِهِ بِالقَدْرِ المُشْتَرِكِ المُسْتَوِي فِيها فَلا إشْكالَ في اسْمِ الجَمِيعِ، ولا يَصِيرُ النِّزاعُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ لَفْظِيًّا حَيْثُ إنَّ الخِطابَ حِينَئِذٍ عَمَّ الجَمِيعَ عَلى القَوْلَيْنِ، وكَذا الإثْمُ عِنْدَ التَّرْكِ لِما أنَّ في أحَدِهِما دَعْوى التَّعْلِيقِ بِكُلِّ واحِدٍ بِعَيْنِهِ، وفي الآخَرِ دَعْوى تَعَلُّقِهِ بِكُلٍّ بِطْرِيقِ السِّرايَةِ مَن تُعَلِّقِهِ بِالمُشْتَرِكِ، وثَمَرَةُ ذَلِكَ أنَّ مَن شَكَّ أنَّ غَيْرَهُ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ الواجِبَ لا يَلْزَمُهُ عَلى القَوْلِ بِالسِّرايَةِ، ويَلْزَمُهُ عَلى القَوْلِ بِالابْتِداءِ، ولا يَسْقُطُ عَنْهُ إلّا إذا ظَنَّ فِعْلَ الغَيْرِ، ومِن هُنا يَسْتَغْنِي عَنِ الجَوابِ عَمّا اعْتُرِضَ بِهِ مِن طَرَفِ الجُمْهُورِ، فَلا يَضُرُّنا ما قِيلَ فِيهِ، عَلى أنَّهُ يُقالُ عَلى ما قِيلَ: لَيْسَ الدَّيْنُ نَظِيرَ ما نَحْنُ فِيهِ كُلِّيًّا؛ لِأنَّ دَيْنَ زَيْدٍ واجِبٌ عَلَيْهِ وحْدَهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِغَيْرِهِ؛ فَلِذا صَحَّ أنْ يَسْقُطَ عَنْهُ بِأداءِ غَيْرِهِ ولَمْ يَصِحَّ أنْ يَأْثَمَ غَيْرُهُ بِتَرْكِ أدائِهِ، بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ فَإنَّ نِسْبَةَ الواجِبِ في الظّاهِرِ إلى كِلْتا الطّائِفَتَيْنِ عَلى السَّواءِ فِيهِ، فَجازَ أنْ يَأْثَمَ كُلُّ طائِفَةٍ بِتَرْكِ غَيْرِها لِتَعَلُّقِ الوُجُوبِ بِها بِحَسَبِ الظّاهِرِ واسْتِوائِها مَعَ غَيْرِها في التَّعَلُّقِ.

وأمّا قَوْلُهم: ولَمْ يَثْبُتْ تَأْثِيمُ إنْسانٍ بِأداءِ آخَرَ فَهو لا يُطابِقُ البَحْثَ إذْ لَيْسَ المُدَّعى تَأْثِيمَ أحَدٍ بِأداءِ غَيْرِهِ، بَلْ تَأْثِيمُهُ بِتَرْكٍ، فالمُطابِقُ، ولَمْ يَثْبُتْ تَأْثِيمُ إنْسانٍ بِتَرْكِ أداءِ آخَرَ، ويُتَخَلَّصُ مِنهُ حِينَئِذٍ بِأنَّ التَّعَلُّقَ في الظّاهِرِ مُشْتَرِكٌ في سائِرِ الطَّوائِفِ، فَيَتِمُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ الرّازِيُّ وأتْباعُهُ - وهو مُخْتارُ ابْنِ السُّبْكِيِّ - خِلافًا لِأبِيهِ، إذا تَحَقَّقَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ المُكَلَّفَ البَعْضُ قالُوا: إنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ، وأنَّ القائِلِينَ بِأنَّ المُكَلَّفَ الكُلُّ قالُوا: إنَّها لِلتَّبْيِينِ، وأيَّدُوا ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أثْبَتَ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ لِكُلِّ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَوْنَ الدُّعاءِ فَرْضَ عَيْنٍ، فَإنَّ الجِهادَ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ بِالإجْماعِ مَعَ ثُبُوتِهِ بِالخِطاباتِ العامَّةِ فَتَأمَّلْ.

( ﴿ وأُولَئِكَ ﴾ ) أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الكامِلَةِ.

﴿ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ (104) أيِ الكامِلُونَ في الفَلاحِ، وبِهَذا صَحَّ الحَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ الفَصْلِ وتَعْرِيفِ الطَّرَفَيْنِ، أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى عَنْ دُرَّةَ بِنْتِ أبِي لَهَبٍ قالَتْ: ”«سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: مَن خَيْرُ النّاسِ ؟

قالَ: آمَرُهم بِالمَعْرُوفِ وأنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ وأتْقاهم لِلَّهِ تَعالى وأوْصَلَهم لِلرَّحِمِ“».

ورَوى الحَسَنُ: مَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ فَهو خَلِيفَةُ اللَّهِ تَعالى وخَلِيفَةُ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وخَلِيفَةُ كِتابِهِ، - ورُوِيَ -: «لَتَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُّنَ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم سُلْطانًا ظالِمًا لا يُجِلُّ كَبِيرَكم ولا يَرْحَمُ صَغِيرَكم، ويَدْعُو خِيارُكم فَلا يُسْتَجابُ لَهم، وتَسْتَنْصِرُونَ فَلا تُنْصَرُونَ».

والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ يَكُونُ واجِبًا ومَندُوبًا عَلى حَسَبِ ما يُؤْمَرُ بِهِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ كَذَلِكَ أيْضًا إنْ قُلْنا: إنَّ المَكْرُوهَ مُنْكَرٌ شَرْعًا، وأمّا إنْ فُسِّرَ بِما يَسْتَحِقُّ العِقابَ عَلَيْهِ كَما أنَّ المَعْرُوفَ ما يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ عَلَيْهِ فَلا يَكُونُ إلّا واجِبًا، وبِهِ قالَ بَعْضُهم إلّا أنَّهُ يَرِدُ أنَّهُما لَيْسا عَلى طَرَفَيْ نَقِيضٍ، والأظْهَرُ أنَّ العاصِيَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُنْهى عَمّا يَرْتَكِبُهُ؛ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نَهْيُ كُلِّ فاعِلٍ، وتَرْكُ نَهْيِ بَعْضٍ وهو نَفْسُهُ لا يُسْقِطُ عَنْهُ وُجُوبَ نَهْيِ الباقِي، وكَذا يُقالُ في جانِبِ الأمْرِ ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ﴾ لِأنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِأنَّ المُرادَ نَهْيُهُ عَنْ عَدَمِ الفِعْلِ لا عَنِ القَوْلِ، ولا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ ﴾ لِأنَّ التَّوْبِيخَ إنَّما هو عَلى نِسْيانِ أنْفُسِهِمْ لا عَلى أمْرِهِمْ بِالبِرِّ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: مُرُوا بِالخَيْرِ وإنْ لَمْ تَفْعَلُوا.

نَعَمْ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ شُرُوطٌ مَعْرُوفَةٌ مَحَلُّها، والأصْلُ فِيهِما افْعَلْ كَذا ولا تَفْعَلْ كَذا، والقِتالُ لِيَمْتَثِلَ المَأْمُورُ والمَنهِيُّ أمْرَ وراءِ ذَلِكَ، ولَيْسَ داخِلًا في حَقِيقَتِهِما، وإنْ وجَبَ عَلى بَعْضٍ كالأُمَراءِ في بَعْضِ الأحْيانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ آخَرُ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مُرُوا أوْلادَكم بِالصَّلاةِ وهم أبْناءُ سَبْعِ سِنِينَ، واضْرِبُوهم عَلَيْها وهم أبْناءُ عَشْرِ سِنِينَ، وفَرِّقُوا بَيْنَهم في المَضاجِعِ» .

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ١٠٥

﴿ ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا ﴾ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ والرَّبِيعُ.

وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَواحِدَةٌ في الجَنَّةِ وسَبْعُونَ في النّارِ، وافْتَرَقَتِ النَّصارى عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً فَإحْدى وسَبْعُونَ في النّارِ وواحِدَةٌ في الجَنَّةِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَواحِدَةٌ في الجَنَّةِ وثِنْتانِ وسَبْعُونَ في النّارِ.

قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مِن هم ؟

قالَ: الجَماعَةُ».

وفِي رِوايَةِ أحْمَدَ عَنْ مُعاوِيَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا في دِينِهِمْ عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ مِلَّةً، وتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ كُلُّها في النّارِ إلّا واحِدَةً».

وفِي رِوايَةٍ لَهُ أُخْرى عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا أيْضًا: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَفَرَّقَتْ إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَهَلَكَتْ سَبْعُونَ فِرْقَةً، وخَلَصَتْ فِرْقَةٌ واحِدَةٌ، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً تَهْلِكُ إحْدى وسَبْعُونَ فِرْقَةً وتَخْلُصُ فِرْقَةٌ» .

ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ؛ لِأنَّ الِافْتِراقَ حَصَلَ لِمَن حَصَلَ عَلى طِبْقِ ما وقَعَ فِيها في بَعْضِ الأوْقاتِ وهو يَكْفِي لِلصِّدْقِ وإنْ زادَ العَدَدُ أوْ نَقَصَ في وقْتٍ آخَرَ.

( ﴿ واخْتَلَفُوا ﴾ ) في التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ وأحْوالِ المَعادِ، قِيلَ: وهَذا مَعْنى تَفَرَّقُوا وكَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ: التَّفَرُّقُ بِالعَداوَةِ، والِاخْتِلافُ بِالدِّيانَةِ.

﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ ﴾ أيِ الآياتُ والحُجَجُ المُبَيِّنَةُ لِلْحَقِّ المُوجِبَةُ لِاتِّحادِ الكَلِمَةِ، وقالَ الحَسَنُ: التَّوْراةُ، وقالَ قَتادَةُ وأبُو أُمامَةَ: القُرْآنُ.

( ﴿ وأُولَئِكَ ﴾ ) إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ ﴿ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ (501) لا يَكْتَنِهُ عَلى تَفَرُّقِهِمْ واخْتِلافِهِمُ المَذْكُورُ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ لِلْمُتَشَبِّهِينَ بِهِمْ لِأنَّ التَّشْبِيهَ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِ يَسْتَدْعِي الغَضَبَ، ثُمَّ إنَّ هَذا الِاخْتِلافَ المَذْمُومَ مَحْمُولٌ كَما قِيلَ عَلى الِاخْتِلافِ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ، ويُؤْخَذُ هَذا التَّخْصِيصُ مِنَ التَّشْبِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ شامِلٌ لِلْأُصُولِ والفُرُوعِ لِما نَرى مِنِ اخْتِلافِ أهْلِ السُّنَّةِ فِيها - كالماتُرِيدِيِّ والأشْعَرِيِّ - فالمُرادُ حِينَئِذٍ بِالنَّهْيِ عَنِ الِاخْتِلافِ النَّهْيُ عَنِ الِاخْتِلافِ فِيما ورَدَ فِيهِ نَصٌّ مِنَ الشّارِعِ أوْ أجْمَعَ عَلَيْهِ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ.

واسْتُدِلَّ عَلى عَدَمِ المَنعِ مِنَ الِاخْتِلافِ في الفُرُوعِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»، وبِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَهْما أُوتِيتُمْ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى فالعَمَلُ بِهِ لا عُذْرَ لِأحَدٍ في تَرْكِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَسُنَّةٌ مِنِّي ماضِيَةٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ سُنَّةٌ مِنِّي فَما قالَ أصْحابِي بِمَنزِلَةِ النُّجُومِ في السَّماءِ، فَأيُّما أخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ، واخْتَلافُ أصْحابِي لَكم رَحْمَةٌ».

وأرادَ بِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَواصَّهُمُ البالِغِينَ رُتْبَةَ الِاجْتِهادِ، والمَقْصُودُ بِالخِطابِ مَن دُونَهم فَلا إشْكالَ فِيهِ خِلافًا لِمَن وهِمَ، والرِّواياتُ عَنِ السَّلَفِ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ.

فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: اخْتِلافُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةٌ لِعِبادِ اللَّهِ تَعالى، وأخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقاتِهِ بِلَفْظِ: كانَ اخْتِلافُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةً لِلنّاسِ، وفي المَدْخَلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ قالَ: ما سَرَّنِي لَوْ أنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَخْتَلِفُوا؛ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمْ تَكُنْ رُخْصَةٌ.

واعْتَرَضَ الإمامُ السُّبْكِيُّ بِأنَّ: «اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» لَيْسَ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُحَدِّثِينَ ولَمْ أقِفْ لَهُ عَلى سَنَدٍ صَحِيحٍ ولا ضَعِيفٍ ولا مَوْضُوعٍ، ولا أظُنُّ لَهُ أصْلًا إلّا أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ النّاسِ، بِأنْ يَكُونَ أحَدٌ قالَ: ”اخْتِلافُ الأُمَّةِ رَحْمَةٌ“ فَأخَذَهُ بَعْضُهم فَظَنَّهُ حَدِيثًا فَجَعَلَهُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ، وما زِلْتُ أعْتَقِدُ أنَّ هَذا الحَدِيثَ لا أصْلَ لَهُ، واسْتَدِلَّ عَلى بُطْلانِهِ بِالآياتِ والأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ النّاطِقَةِ بِأنَّ الرَّحْمَةَ تَقْتَضِي عَدَمَ الِاخْتِلافِ، والآياتُ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، ومِنَ الأحادِيثِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّما هَلَكَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ»، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكم“» وهو وإنْ كانَ وارِدًا في تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَقْطَعُ بِهِ أنَّ الِاتِّفاقَ خَيْرٌ مِنَ الِاخْتِلافِ، وأنَّ الِاخْتِلافَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها في الأُصُولِ ولا شَكَّ أنَّهُ ضَلالٌ وسَبَبُ كُلِّ فَسادٍ وهو المُشارُ إلَيْهِ في القُرْآنِ، والثّانِي في الآراءِ والحُرُوبِ، ويُشِيرُ إلَيْهِ «قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِمُعاذٍ وأبِي مُوسى لَمّا بَعَثَهُما إلى اليَمَنِ: ”تَطاوَعا ولا تَخْتَلِفا“»، ولا شَكَّ أيْضًا أنَّهُ حَرامٌ لِما فِيهِ مِن تَضْيِيعِ المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، والثّالِثُ في الفُرُوعِ كالِاخْتِلافِ في الحَلالِ والحَرامِ ونَحْوِهِما، والَّذِي نَقْطَعُ بِهِ أنَّ الِاتِّفاقَ خَيْرٌ مِنهُ أيْضًا لَكِنْ هَلْ هو ضَلالٌ كالقِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ أمْ لا ؟

فِيهِ خِلافٌ، فَكَلامُ ابْنِ حَزْمٍ ومَن سَلَكَ مَسْلَكَهُ مِمَّنْ يَمْنَعُ التَّقْلِيدَ يَقْتَضِي الأوَّلَ، وأمّا نَحْنُ فَإنّا نُجَوِّزُ التَّقْلِيدَ لِلْجاهِلِ والأخْذَ عِنْدَ الحاجَةِ بِالرُّخْصَةِ مِن أقْوالِ بَعْضِ العُلَماءِ مِن غَيْرِ تَتَبُّعِ الرُّخَصِ وهو يَقْتَضِي الثّانِي، ومِن هَذا الوَجْهِ قَدْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: الِاخْتِلافُ رَحْمَةٌ، فَإنَّ الرُّخَصَ مِنها بِلا شُبْهَةٍ، وهَذا لا يُنافِي قَطْعًا القَطْعَ بِأنَّ الِاتِّفاقَ خَيْرٌ مِنَ الِاخْتِلافِ، فَلا تَنافِيَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ لِأنَّ جِهَةَ الخَيْرِيَّةِ تَخْتَلِفُ، وجِهَةَ الرَّحْمَةِ تَخْتَلِفُ، فالخَيْرِيَّةُ في العِلْمِ بِالدِّينِ الحَقِّ الَّذِي كَلَّفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ وهو الصَّوابُ عِنْدَهُ، والرَّحْمَةُ في الرُّخْصَةِ لَهُ وإباحَةُ الإقْدامِ بِالتَّقْلِيدِ عَلى ذَلِكَ، ورَحْمَةٌ نَكِرَةٌ في سِياقِ الإثْباتِ لا تَقْتَضِي العُمُومُ فَيَكْتَفِي في صِحَّتِهِ أنْ يَحْصُلَ في الِاخْتِلافِ رَحْمَةٌ ما في وقْتٍ ما في حالَةٍ ما عَلى وجْهٍ ما، فَإنْ كانَ ذَلِكَ حَدِيثًا فَيُخَرَّجُ عَلى هَذا، وكَذا إنْ لَمْ يَكُنْهُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا نَقُولُ إنَّ الِاخْتِلافَ مَأْمُورٌ بِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ الِاتِّفاقَ مَأْمُورٌ بِهِ يَلْتَفِتُ إلى أنَّ المُصِيبَ واحِدٌ أمْ لا ؟

فَإنْ قُلْنا: إنَّ المُصِيبَ واحِدٌ وهو الصَّحِيحُ فالحَقُّ في نَفْسِ الأمْرِ واحِدٌ، والنّاسُ كُلُّهم مَأْمُورُونَ بِطَلَبِهِ واتِّفاقِهِمْ عَلَيْهِ مَطْلُوبٌ، والِاخْتِلافُ حِينَئِذٍ مَنهِيٌّ عَنْهُ، وإنْ عُذِرَ المُخْطِئُ وأُثِيبَ عَلى اجْتِهادِهِ وصَرْفِ وُسْعِهِ لِطَلَبِ الحَقِّ.

فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنِّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: ”«إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجْتَهَدَ وأصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ فَأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ“» وكَذَلِكَ إذا قُلْنا بِالشَّبَهِ كَما هو قَوْلُ بَعْضِ الأُصُولِيِّينَ، وأمّا إذا قُلْنا: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، فَكُلُّ أحَدٍ مَأْمُورٌ بِالِاجْتِهادِ، وبِاتِّباعِ ما غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا كُلَّهم مَأْمُورِينَ بِالِاتِّفاقِ ولا أنْ لا يَكُونَ اخْتِلافُهم مَنهِيًّا عَنْهُ، وإطْلاقُ الرَّحْمَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ فِي الِاخْتِلافِ أقْوى مِن إطْلاقِها عَلى قَوْلِنا: المُصِيبُ واحِدٌ، هَذا كُلُّهُ إذا حَمَلْنا الِاخْتِلافَ في الخَبَرِ عَلى الِاخْتِلافِ في الفُرُوعِ، وأمّا إذا قُلْنا المُرادُ الِاخْتِلافُ في الصَّنائِعِ والحِرَفِ فَلا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي يُطْلَبُ مِنَ العَبْدِ شُكْرُها كَما قالَ الحَلِيمِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، لَكِنْ كانَ المُناسِبُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ اخْتِلافُ النّاسِ رَحْمَةٌ إذْ لا خُصُوصِيَّةَ لِلْأُمَّةِ بِذَلِكَ، فَإنَّ كُلَّ الأُمَمِ مُخْتَلِفُونَ في الصَّنائِعِ والحِرَفِ لا هَذِهِ الأُمَّةُ فَقَطْ، فَلا بُدَّ لِتَخْصِيصِ الأُمَّةِ مِن وجْهٍ، ووَجَّهَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ بِأنَّ المَراتِبَ والمَناصِبَ الَّتِي أُعْطِيَتْها أُمَّتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ تُعْطَها أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، فَهي مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَهم وفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّهُ لا يَسْبِقُ مِن لَفْظِ الِاخْتِلافِ إلى ذَلِكَ ولا إلى الصَّنائِعِ والحِرَفِ، فالحِرْفَةُ الإبْقاءُ عَلى الظّاهِرِ المُتَبادَرِ، وتَأْوِيلُ الخَبَرِ بِما تَقَدَّمَ.

هَذِهِ خُلاصَةُ كَلامِهِ ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، نَعَمْ كَوْنُ الحَدِيثِ لَيْسَ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُحَدِّثِينَ أصْلًا لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، فَقَدْ عَزاهُ الزَّرْكَشِيُّ في الأحادِيثِ المُشْتَهِرَةِ إلى كِتابِ الحُجَّةِ لِنَصْرٍ المَقْدِسِيِّ، ولَمْ يَذْكُرْ سَنَدَهُ ولا صِحَّتَهَ، لَكِنْ ورَدَ ما يُقَوِّيهِ في الجُمْلَةِ مِمّا نُقِلَ مِن كَلامِ السَّلَفِ، والحَدِيثُ الَّذِي أوْرَدْناهُ قَبْلُ وإنْ رَواهُ الطَّبَرِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى أنَّهُ يَكْفِي في هَذا البابِ الحَدِيثُ الَّذِي أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما، فالحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنَّ المُرادَ اخْتِلافُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ومَن شارَكَهم في الِاجْتِهادِ كالمُجْتَهِدِينَ المُعْتَدُّ بِهِمْ مِن عُلَماءِ الدِّينِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِمُبْتَدِعِينَ وكَوْنُ ذَلِكَ رَحْمَةً لِضُعَفاءِ الأُمَّةِ، ومَن لَيْسَ في دَرَجَتِهِمْ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ فِيهِ كَبْشانِ ولا يَتَنازَعَ فِيهِ اثْنانِ فَلْيُفْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌۭ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌۭ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ١٠٦

﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ نُصِبَ بِما في لَهم مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ أوْ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ مُقَدَّرًا، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ عَذابٌ، وضُعِّفَ بِأنَّ المَصْدَرَ المَوْصُوفَ لا يَعْمَلُ وقِيلَ: عَظِيمٌ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَلْزَمُ تَقْيِيدُ عَظَمَتِهِ بِهَذا ولا مَعْنى لَهُ، ورُدَّ بِأنَّهُ إذا عَظُمَ فِيهِ، وفِيهِ كُلُّ عَظِيمٍ، فَفي غَيْرِهِ أوْلى إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ بِمُرادٍ، والمُرادُ بِالبَياضِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ أوْ لازِمُهُ مِنَ السُّرُورِ والفَرَحِ، وكَذا يُقالُ في السَّوادِ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ قالُوا: يُوسَمُ أهْلُ الحَقِّ بِبَياضِ الوَجْهِ وإشْراقِ البَشَرَةِ تَشْرِيفًا لَهم وإظْهارًا لِآثارِ أعْمالِهِمْ في ذَلِكَ الجَمْعِ، ويُوسَمُ أهْلُ الباطِلِ بِضِدِّ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ الِابْيِضاضَ والِاسْوِدادَ يَكُونُ لِجَمِيعِ الجَسَدِ إلّا أنَّهُما أُسْنِدا لِلْوُجُوهِ لِأنَّ الوَجْهَ أوَّلُ ما يَلْقاكَ مِنَ الشَّخْصِ وتَراهُ وهو أشْرَفُ أعْضائِهِ.

واخْتُلِفَ في وقْتِ ذَلِكَ فَقِيلَ: وقْتُ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وقِيلَ: وقْتُ قِراءَةِ الصُّحُفِ، وقِيلَ: وقْتُ رُجْحانِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ في المِيزانِ، وقِيلَ: عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ ﴾ وقِيلَ: وقْتَ أنْ يُؤْمَرَ كُلُّ فَرِيقٍ بِأنْ يَتْبَعَ مَعْبُودَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ في كُلِّ مَوْقِفٍ مِن هَذِهِ المَواقِفِ يَحْصُلُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلى أنْ يَصِلَ إلى حَدٍّ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِهِ، إذِ البَياضُ والسَّوادُ مِنَ المُشَكَّكِ دُونَ المُتَواطِئِ، كَما لا يَخْفى، وقَرَأ - تَبْيِضُّ وتَسْوِدُّ - بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وهي لُغَةٌ - وتَبْياضُّ وتَسْوادُّ.

﴿ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ﴾ تَفْصِيلٌ لِأحْوالِ الفَرِيقَيْنِ وابْتَدَأ بِحالِ الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم لِمُجاوَرَتِهِ ﴿ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ ولِيَكُونَ الِابْتِداءُ والِاخْتِتامُ بِما يَسُرُّ الطَّبْعَ ويَشْرَحُ الصَّدْرَ.

﴿ أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ المَقْرُونِ بِالفاءِ أيْ فَيُقالُ لَهم ذَلِكَ، وحَذْفُ القَوْلِ واسْتِتْباعُ الفاءِ لَهُ في الحَذْفِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وإنَّما المَمْنُوعُ حَذْفُها وحْدَها في جَوابِ أمّا، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، والكَلامُ حِكايَةٌ لِما يُقالُ لَهم فَلا التِفاتَ فِيهِ خِلافًا لِلسَّمِينِ، والظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ أنَّ هَؤُلاءِ أهْلُ الكِتابِ، وكُفْرَهم بَعْدَ إيمانِهِمْ كُفْرُهم بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ الإيمانِ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ - وإلَيْهِ ذَهَبَ عِكْرِمَةُ - واخْتارَهُ الزَّجّاجُ والجُبّائِيُّ.

وقِيلَ: هم جَمِيعُ الكُفّارِ لِإعْراضِهِمْ عَمّا وجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى ﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالإيمانِ الإيمانُ بِالقُوَّةِ والفِطْرَةِ، وكُفْرُ جَمِيعِ الكُفّارِ كانَ بَعْدَ هَذا الإيمانِ لِتَمَكُّنِهِمْ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ والدَّلائِلِ الواضِحَةِ والآياتِ البَيِّنَةِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ المُنافِقُونَ أُعْطُوا كَلِمَةَ الإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ وأنْكَرُوها بِقُلُوبِهِمْ وأعْمالِهِمْ، فالإيمانُ عَلى هَذا مَجازِيٌّ، وقِيلَ: إنَّهم أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وأبِي أُمامَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

﴿ فَذُوقُوا العَذابَ ﴾ أيِ المَعْهُودَ المَوْصُوفَ بِالعِظَمِ، والأمْرُ لِلْإهانَةِ لِتُقَرُّرِ المَأْمُورِ بِهِ وتَحَقُّقِهِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرَ تَسْخِيرٍ بِأنْ يَذُوقَ العَذابَ كُلُّ شَعَرَةٍ مِن أعْضائِهِمْ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن غَضَبِهِ، والفاءُ لِلْإيذانِ بِأنَّ الأمْرَ بِذَوْقِ العَذابِ مُتَرَتِّبٌ عَلى كُفْرِهِمُ المَذْكُورِ كَما يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ فالباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وقِيلَ: لِلْمُقابَلَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى التَّسَبُّبِ ولَيْسَتْ بِمَعْنى اللّامِ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ ( بَعْدَ إيمانِكم ) والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ كُفْرِهِمْ أوْ عَلى مُضِيِّهِ في الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ١٠٧

﴿ وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ أيِ الجَنَّةِ، فَهو مِنَ التَّعْبِيرِ بِالحالِ عَنِ المَحَلِّ، والظَّرْفِيَّةُ حَقِيقِيَّةٌ، وقَدْ يُرادُ بِها الثَّوابُ، فالظَّرْفِيَّةُ حِينَئِذٍ مَجازِيَّةٌ كَما يُقالُ: في نَعِيمٍ دائِمٍ وعَيْشٍ رَغْدٍ وفِيهِ إشارَةٌ إلى كَثْرَتِهِ وشُمُولِهِ لِلْمَذْكُورِينَ شُمُولَ الظَّرْفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرَّحْمَةِ ما هو صِفَةٌ لَهُ تَعالى؛ إذْ لا يَصِحُّ فِيها الظَّرْفِيَّةُ ويَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ مُقابَلَتُها بِالعَذابِ ومُقارَنَتُها لِلْخُلُودِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ (107) وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالرَّحْمَةِ إشْعارًا بِأنَّ المُؤْمِنَ وإنِ اسْتَغْرَقَ عُمُرَهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ لا يَنالُ ما يَنالُ إلّا بِرَحْمَتِهِ تَعالى، ولِهَذا ورَدَ في الخَبَرِ: «لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُمُ الجَنَّةَ عَمَلُهُ، فَقِيلَ لَهُ: حَتّى أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟

فَقالَ: حَتّى أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ».

وجُمْلَةُ ( هم فِيها خالِدُونَ ) اسْتِئْنافِيَّةٌ وقَعَتْ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِنَ السِّياقِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُونَ فِيها ؟

فَأُجِيبَ بِما تَرى، وفِيها تَأْكِيدٌ في المَعْنى لِما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُءُوسِ الآيِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلرَّحْمَةِ، ومِن أبْعَدِ البَعِيدِ جَعْلُهُ لِلدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ خِلافًا لِمَن قالَ بِهِ، وجَعَلَ الكَلامَ عَلَيْهِ بَيانًا لِسَبَبِ كَوْنِهِمْ في رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وكَوْنِ مُقابِلِهِمْ في العَذابِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهم في رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى ؟

فَأُجِيبَ بِأنَّهم كانُوا خالِدِينَ في الخَيْراتِ، وقُرِئَ: ابْياضَّتْ واسْوادَّتْ.

<div class="verse-tafsir"

تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعَـٰلَمِينَ ١٠٨

( ﴿ تِلْكَ ﴾ ) أيِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها وعَظُمَ قَدْرُها ﴿ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ ﴾ أيْ نَقْرَؤُها شَيْئًا فَشَيْئًا، وإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ إذِ التّالِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي عُدُولِهِ عَنِ الحَقِيقَةِ مَعَ الِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ ما لا يَخْفى مِنَ العِنايَةِ بِالتِّلاوَةِ والمَتْلُوِّ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الآياتِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِتِلْكَ، و( آياتُ ) بَدَلٌ مِنهُ، وقُرِئَ ( يَتْلُوها ) عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ.

( ﴿ بِالحَقِّ ﴾ ) أيْ مُتَلَبِّسَةً أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِالصِّدْقِ أوْ بِالعَدْلِ في جَمِيعِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الآياتُ ونَطَقَتْ بِهِ، فالظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ المُؤَكَّدَةِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ ﴿ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ ﴾ (801) بِأنْ يُحِلَّهم مِنَ العِقابِ ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ عَدْلًا أوْ يَنْقُصَهم مِنَ الثَّوابِ عَمًّا اسْتَحَقُّوهُ فَضْلًا، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها عَلى أتَمِّ وجْهٍ حَيْثُ نَكَّرَ ظُلْمًا ووَجَّهَ النَّفْيَ إلى إرادَتِهِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُفِيدِ بِمَعُونَةِ المَقامِ دَوامَ الِانْتِفاءِ، وعَلَّقَ الحُكْمَ بِآحادِ الجَمْعِ المُعَرَّفِ والتَفَتَ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، والظُّلْمُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ اللّائِقِ بِهِ أوْ تَرْكُ الواجِبِ وهو يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعالى؛ لِلْأدِلَّةِ القائِمَةِ عَلى ذَلِكَ، ونَفْيُ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي إمْكانَهُ، فَقَدْ يُنْفى المُسْتَحِيلُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ﴾ ، وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ لا يُرِيدُ ما هو ظُلْمٌ مِنَ العِبادِ فِيما بَيْنَهم لا أنَّ كَلَّ ما يَفْعَلُ لَيْسَ ظُلْمًا مِنهُ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ بَيانٍ أنَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ولا يُهْمِلُ الكافِرَ ويُجازِيهِ بِكُفْرِهِ، ولَوْ كانَ المُرادُ أنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُ لَيْسَ ظُلْمًا لا يُسْتَفادُ هَذا، وفِيهِ ما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ١٠٩

﴿ ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ أيْ لَهُ سُبْحانَهُ وحْدَهُ ما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ مِلْكًا وخَلْقًا وتَصَرُّفًا، والتَّعْبِيرِ بِـ ( ما ) لِلتَّغْلِيبِ أوْ لِلْإيذانِ بِأنَّ غَيْرَ العُقَلاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَتِهِ كَغَيْرِهِمْ ﴿ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ (901) أيْ أُمُورُهم فَيُجازِي كُلًّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِلْحَصْرِ أيْ إلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ لا إلى غَيْرِهِ شَرِكَةً أوِ اسْتِقْلالًا، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما ورَدَ في جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِهِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ( تَرْجِعُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

<div class="verse-tafsir"

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ١١٠

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى الحَقِّ والدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ كَذا قِيلَ، وقِيلَ: هو مِن تَتِمَّةِ الخِطابِ الأوَّلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ وتَوالَتْ بَعْدَ هَذا خِطاباتُ المُؤْمِنِينَ مِن أوامِرَ ونَواهِيَ، واسْتَطْرَدَ بَيْنَ ذَلِكَ مِن يَبْيَضُّ وجْهُهُ ومَن يَسْوَدُّ، وشَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ في الآخِرَةِ، ثُمَّ عادَ إلى الخِطابِ الأوَّلِ تَحْرِيضًا عَلى الِانْقِيادِ والطَّواعِيَةِ، وكانَ ناقِصَةٌ ولا دَلالَةَ لَها في الأصْلِ عَلى غَيْرِ الوُجُودِ في الماضِي مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى انْقِطاعٍ أوْ دَوامٍ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْأزَلِيَّةِ كَما في صِفاتِهِ تَعالى نَحْوَ ( وكانَ الله بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا ) وقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلُزُومِ الشَّيْءِ وعَدَمِ انْفِكاكِهِ نَحْوَ ﴿ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ﴾ وذَهَبَ بَعْضُ النُّحاةِ إلى أنَّها تَدُلُّ بِحَسَبِ الوَضْعِ عَلى الِانْقِطاعِ كَغَيْرِها مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، والمُصَحَّحُ هو الأوَّلُ وعَلَيْهِ لا تُشْعِرُ الآيَةُ بِكَوْنِ المُخاطَبِينَ لَيْسُوا خَيْرَ أُمَّةٍ الآنَ، وقِيلَ: المُرادُ كُنْتُمْ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ أيْ في عِلْمِهِمْ كَذَلِكَ، وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ أنْتُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَسْتَدْعِي زِيادَةَ كانَ وهي لا تُزادُ في أوَّلِ الجُمْلَةِ.

( ﴿ أُخْرِجَتْ ﴾ ) أيْ أُظْهِرَتْ وحُذِفَ الفاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ ( ﴿ لِلنّاسِ ﴾ ) مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وقِيلَ: بِخَيْرِ أُمَّةٍ، وجُمْلَةُ ( أُخْرِجَتْ ) صِفَةٌ لِأُمَّةٍ، وقِيلَ: لِـ ( خَيْرِ )، والأوَّلُ أوْلى، والخِطابُ قِيلَ: لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً، وإلَيْهِ ذَهَبُ الضَّحّاكُ، وقِيلَ: لِلْمُهاجِرِينَ مِن بَيْنِهِمْ وهو أحَدُ خَبَرَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي آخَرَ أنَّهُ عامٌّ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي الحَسَنِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”أُعْطِيتُ ما لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ؛ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُعْطِيتُ مَفاتِيحَ الأرْضِ، وسُمِّيتُ أحْمَدَ، وجُعِلَ التُّرابُ لِي طَهُورًا، وجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ“».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّ الآيَةَ في أهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: أنَّها نَزَلَتْ في ابْنِ مَسْعُودٍ وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ وإنْ كانَ خاصًّا بِمَن شاهَدَ الوَحْيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ بِبَعْضِهِمْ، لَكِنَّ حُكْمَهُ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِلْكُلِّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما حَكى قَتادَةُ: ”يا أيُّها النّاسُ مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ مِن تِلْكُمُ الأُمَّةِ فَلْيُؤَدِّ شَرْطَ اللَّهِ تَعالى مِنها“ وأشارَ بِذَلِكَ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ فَإنَّهُ وإنْ كانَ اسْتِئْنافًا مُبَيِّنًا لِكَوْنِهِمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، أوْ صِفَةً ثانِيَةً لِأُمَّةٍ عَلى ما قِيلَ إلّا أنَّهُ يُفْهَمُ الشَّرْطِيَّةُ، والمُتَبادِرُ مِنَ المَعْرُوفِ الطّاعاتُ، ومِنَ المُنْكَرِ المَعاصِي الَّتِي أنْكَرَها الشَّرْعُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ أنَّ المَعْنى تَأْمُرُونَهم أنْ يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويُقِرُّوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، وتُقاتِلُونَهم عَلَيْهِمْ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ هو أعْظَمُ المَعْرُوفِ، وتَنْهَوْنَهم عَنِ المُنْكَرِ والمُنْكَرِ هو التَّكْذِيبُ وهو أنْكَرُ المُنْكَرِ، وكَأنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَمَلَ المُطْلَقَ عَلى الفَرْدِ الكامِلِ، وإلّا فَلا قَرِينَةَ عَلى هَذا التَّخْصِيصِ ﴿ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ أُرِيدَ بِالإيمانِ بِهِ سُبْحانَهُ الإيمانُ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ؛ لِأنَّ الإيمانَ إنَّما يُعْتَدُّ بِهِ ويَسْتَأْهِلُ أنْ يُقالَ لَهُ إيمانٌ إذا آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى عَلى الحَقِيقَةِ، وحَقِيقَةُ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى أنْ يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، فَلَوْ أخَلَّ بِشَيْءٍ مِنهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ، والمَقامُ يَقْتَضِيهِ لِكَوْنِهِ تَعْرِيضًا بِأهْلِ الكِتابِ وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ التَّعْقِيبُ بِنَفْيِ الإيمانِ عَنْهم، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهم مُؤْمِنُونَ في الجُمْلَةِ، وأيْضًا المَقامُ مَقامُ مَدْحٍ لِلْمُؤْمِنِينَ بِكَوْنِهِمْ ( ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ ﴾ ) وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها المُعَلِّلِ لِلْخَبَرِيَّةِ، فَلَوْ لَمْ يُرِدِ الإيمانَ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ لَمْ يَكُنْ مَدْحًا، فَلا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ والعَطْفِ يَقْتَضِيهِ، وإنَّما أخَّرَ الإيمانَ عَنِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِما وُجُودًا ورُتْبَةً كَما هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ الإيمانَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَمِ دُونَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهُما أظْهَرُ في الدَّلالَةِ عَلى الخَيْرِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ قَدَّمَهُما عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ وكَوْنِ سَوْقِ الكَلامِ لِأجْلِهِما، وأمّا ذِكْرُهُ فَكالتَّتْمِيمِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ جَدْوى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ في الدِّينِ أظْهَرُ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ مِن وظِيفَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَوْ قِيلَ قُدِّما - وأُخِّرَ لِلِاهْتِمامِ ولِيَرْتَبِطَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ لَمْ يَبْعُدْ، أيْ لَوْ آمَنُوا إيمانًا كَما يَنْبَغِي لَكانَ ذَلِكَ الإيمانُ ( خَيْرًا لَهم ) مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الرِّياسَةِ في الدُّنْيا لِدَفْعِ القَتْلِ والذُّلِّ عَنْهم، والآخِرَةِ لِدَفْعِ العَذابِ المُقِيمِ، وقِيلَ: لَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنَ الإيمانِ بِمُوسى وعِيسى فَقَطْ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقِيلَ: المُفَضَّلُ عَلَيْهِ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، فالخَيْرِيَّةُ إنَّما هي بِاعْتِبارِ زَعْمِهِمْ وفِيهِ ضَرْبُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ مُرْتَبِطَةٌ بِها عَلى مَعْنى ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ كَما آمَنتُمْ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ كَما أمَرْتُمْ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ كَما نَهَيْتُمْ ﴿ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ .

﴿ مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأخِيهِ، وثَعْلَبَةَ بْنِ شُعْبَةَ.

﴿ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ ﴾ (110) أيِ الخارِجُونَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَبَّرَ عَنِ الكُفْرِ بِالفِسْقِ إيذانًا بِأنَّهم خَرَجُوا عَمّا أوْجَبَهُ كِتابُهم، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم في - الكُفّارِ - بِمَنزِلَةِ الكُفّارِ في العُصاةِ لِخُرُوجِهِمْ إلى الحالِ الفاحِشَةِ الَّتِي هي مِنهم أشْنَعُ وأفْظَعُ.

<div class="verse-tafsir"

لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًۭى ۖ وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١١١

﴿ لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِأنَّ الأذى بِمَعْنى الضَّرَرِ اليَسِيرِ كَما يَشْهَدُ بِهِ مَواقِعُ الِاسْتِعْمالِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ ﴾ ضَرَرًا ما إلّا ضَرَرًا يَسِيرًا، وقِيلَ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ الأذى لَيْسَ بِضَرَرٍ وفِيهِ نَظَرٌ، والآيَةُ كَما قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ لَمّا عَمَدَ رُؤَساءُ اليَهُودِ مِثْلَ كَعْبٍ وأبِي رافِعٍ وأبِي ياسِرٍ وكِنانَةَ وابْنِ صُورِيّا إلى مُؤْمِنِيهِمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، وآذَوْهم لِإسْلامِهِمْ وكانَ إيذاءً قَوْلِيًّا عَلى ما يُفْهِمُهُ كَلامُ قَتادَةَ وغَيْرِهِ، وكانَ ذَلِكَ الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ تَعالى كَما قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ﴾ أيْ يَنْهَزِمُوا مِن غَيْرِ أنْ يَظْفَرُوا مِنكم بِشَيْءٍ، وتَوْلِيَةُ الأدْبارِ كِنايَةٌ عَنِ الِانْهِزامِ مَعْرُوفَةٌ.

﴿ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ (111) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ و( ثُمَّ ) لِلتَّرْتِيبِ والتَّراخِي الإخْبارِيِّ أيْ لا يَكُنْ لَهم نَصْرٌ مِن أحَدٍ ثُمَّ عاقِبَتُهُمُ العَجْزُ والخِذْلانُ إنْ قاتَلُوكم أوْ لَمْ يُقاتِلُوكم، وفِيهِ تَثْبِيتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ.

وقُرِئَ: ( ثُمَّ لا يُنْصَرُوا ) والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى جَزاءِ الشَّرْطِ، و( ثُمَّ ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ بَيْنَ الخِبْرَيْنِ لا في الزَّمانِ لِمُقارَنَتِهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها لِلتَّراخِي في الزَّمانِ عَلى القِراءَتَيْنِ بِناءً عَلى اعْتِبارِهِ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وآخِرِ أجْزاءِ المَعْطُوفِ، وقِراءَةُ الرَّفْعِ أبْلَغُ لِخُلُوِّها عَنِ القَيْدِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولِكَوْنِها مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ الَّذِي وافَقَهُ الواقِعُ؛ لِأنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقاعَ وبَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، ويَهُودَ خَيْبَرَ حارَبُوا المُسْلِمِينَ ولَمْ يَثْبُتُوا، ولَمْ يَنالُوا شَيْئًا مِنهم، ولَمْ تَخْفُقْ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ رايَةٌ ولَمْ يَسْتَقِمْ أمْرٌ ولَمْ يَنْهَضُوا بِجَناحٍ.

<div class="verse-tafsir"

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟ إِلَّا بِحَبْلٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍۢ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ١١٢

﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾ أيْ ذِلَّةُ هَدْرِ النَّفْسِ والمالِ والأهْلِ، وقِيلَ: ذِلَّةُ التَّمَسُّكِ بِالباطِلِ وإعْطاءِ الجِزْيَةِ، قالَ الحَسَنُ: أذَلَّهُمُ اللَّهُ تَعالى فَلا مَنَعَةَ لَهم، وجَعَلَهم تَحْتَ أقْدامِ المُسْلِمِينَ، وهَذا مِن ضَرْبِ الخِيامِ والقِبابِ كَما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، قِيلَ: فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، وقَدْ يُشَبَّهُ إحاطَهُ الذِّلَّةِ واشْتِمالِها عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ فَلانٌ الضَّرِيبَةَ عَلى عَبْدِهِ أيْ ألْزَمَها إيّاهُ، فالمَعْنى ألْزَمُوا الذِّلَّةَ وثَبَتَتْ فِيهِمْ فَلا خَلاصَ لَهم مِنها ﴿ أيْنَ ما ثُقِفُوا ﴾ أيْ وُجِدُوا، وقِيلَ: أُخِذُوا وظُفِرَ بِهِمْ، و( أيْنَما ) شَرْطٌ، و( ما ) زائِدَةٌ، وثُقِفُوا في مَوْضِعِ جَزْمٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أوْ هو بِنَفْسِهِ عَلى رَأْيٍ.

﴿ إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، والمَعْنى عَلى النَّفْيِ أيْ لا يَسْلَمُونَ مِنَ الذِّلَّةِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ أنْ يَكُونُوا مُعْتَصِمِينَ بِذِمَّةِ اللَّهِ تَعالى أوْ كِتابِهِ الَّذِي أتاهم وذِمَّةِ المُسْلِمِينَ، فَإنَّهم بِذَلِكَ يَسْلَمُونَ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وسَبْيِ الذَّرارِيِّ واسْتِئْصالِ الأمْوالِ.

وقِيلَ: أيْ إلّا في حالِ أنْ يَكُونُوا مُتَلَبِّسِينَ بِالإسْلامِ واتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم حِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ عَنْهم ذُلُّ التَّمَسُّكِ والإعْطاءِ.

﴿ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ رَجَعُوا بِهِ وهو كِنايَةٌ عَنِ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ واسْتِيجابِهِمْ إيّاهُ مِن قَوْلِهِمْ باءَ فُلانٌ بِفُلانٍ إذا صارَ حَقِيقًا أنْ يُقْتَلَ بِهِ، فالمُرادُ صارُوا أحِقّاءَ بِغَضَبِهِ سُبْحانَهُ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، والوَصْفُ مُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ.

﴿ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ﴾ فَهم في الغالِبِ مَساكِينُ وقَلَّما يُوجَدُ يَهُودِيٌّ يُظْهِرُ الغِنى.

( ﴿ ذَلِكَ ﴾ ) أيِ المَذْكُورُ مِنَ المَذْكُوراتِ ﴿ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ أصْلًا، ونِسْبَةُ القَتْلِ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّهُ فِعْلُ أسْلافِهِمْ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

﴿ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ ( 211 ) إشارَةً إلى كُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ القُرْبُ فَلا تَكْرارَ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ ضَرْبَ الذِّلَّةِ وما يَلِيهِ كَما هو مُعَلَّلٌ بِكُفْرِهِمْ وقَتْلِهم فَهو مُعَلَّلٌ بِعِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الماضِي والمُضارِعِ لِما مَرَّ، ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ( ﴿ مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ ﴾ ) وكَذا جُمْلَةُ ( ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ ﴾ ) وما عَطْفٌ عَلَيْها وارِدَتانِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ ولِذا لَمْ يُعْطَفا عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ قَبْلَهُما، وإنَّما لَمْ يَعْطِفِ الِاسْتِطْرادَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِتَباعُدِهِما وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما نَوْعًا مِنَ الكَلامِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ مَعَ ما بَعْدَهُما مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ آمَنَ ﴾ مُبَيِّنٌ لَهُ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ ﴾ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ المَفْرُوضَ إيمانُ الجَمِيعِ، وإلّا فَبَعْضُهم مُؤْمِنُونَ رَفْعًا لِسُوءِ الظَّنِّ بِالبَعْضِ، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ ﴾ بَيانٌ لِما هو خَيْرٌ لَهم وهو أنَّهم لِعَدَمِ إيمانِهِمْ مُبْتَلَوْنَ بِمَشَقَّةِ التَّدْبِيرِ لِإضْرارِكم وبِالحُزْنِ عَلى الخَيْبَةِ وتَدْبِيرِ الغَلَبَةِ عَلَيْكم بِالمُقابَلَةِ والغَلَبَةِ لَكم، وفي طَلَبِ الرِّياسَةِ بِمُخالَفَتِكم، وضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ لِتِلْكَ المُخالَفَةِ، وفي طَلَبِ المالِ بِأخْذِ الرِّشْوَةِ بِتَحْرِيفِ كِتابِهِمْ وضَرْبِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةَ، ولَوْ آمَنُوا لَنَجَوْا مِن جَمِيعِ ذَلِكَ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ قَبُولِهِ وتَحَمُّلِ بُعْدِهِ لا يَأْبى القَوْلَ بِالِاسْتِطْرادِ لِأنَّهُ أنْ يُذْكَرَ في أثْناءِ الكَلامِ ما يُناسِبُهُ ولَيْسَ السِّياقُ لَهُ، وإنَّما يَأْبى الِاعْتِراضَ ولا نَقُولُ بِهِ فَتَأمَّلْ.

* * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ ﴾ الَّذِي هو القُرْبُ مِنَ اللَّهِ ﴿ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ أيْ بَعْضَهُ، والإشارَةُ بِهِ إلى النَّفْسِ فَإنَّها إذا أنْفَقَتْ في سَبِيلِ اللَّهِ زالَ الحِجابُ الأعْظَمُ وهانَ إنْفاقُ كُلٍّ بَعْدَها ﴿ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ فَيَنْبَغِي تَحَرِّي ما يُرْضِيهِ، ويُحْكى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: المُنْفِقُونَ عَلى أقْسامٍ: فَمِنهم مَن يُنْفِقُ عَلى مُلاحَظَةِ الجَزاءِ والعِوَضِ، ومِنهم مَن يُنْفِقُ عَلى مُراقَبَةِ رَفْعِ البَلاءِ والمِحَنِ، ومِنهم مَن يُنْفِقُ اكْتِفاءً بِعِلْمِهِ، ولِلَّهِ تَعالى دُرُّ مَن قالَ: ويَهْتَزُّ لِلْمَعْرُوفِ في طَلَبِ العُلا لِتُذْكَرَ يَوْمًا عِنْدَ سَلْمى شَمائِلُهْ ﴿ كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ ﴾ قِيلَ: فائِدَةُ الإخْبارِ بِذَلِكَ تَعْلِيمُ أهْلِ المَحَبَّةِ أنْ يَتْرُكُوا ما حُبِّبَ إلَيْهِمْ مِنَ الأطْعِمَةِ الشَّهِيَّةِ واللَّذائِذِ الدُّنْيَوِيَّةِ رَغْبَةً فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

﴿ إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ﴾ وهو الكَعْبَةُ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ المَظاهِرِ لَهُ تَعالى حَتّى قالُوا: إنَّها لِلْمُحَمِّدِيِينَ كالشَّجَرَةِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ( ﴿ مُبارَكًا ﴾ ) بِما كَساهُ مِن أنْوارِ ذاتِهِ ( ﴿ وهُدًى ﴾ ) بِما كَساهُ مِن أنْوارِ صِفاتِهِ ( ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ ) عَلى حَسْبِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ﴾ المُشْتَمِلُ عَلى الرِّضا والتَّسْلِيمِ والِانْبِساطِ واليَقِينِ والمُكاشَفَةِ والمُشاهَدَةِ والخُلَّةِ والفُتُوَّةِ، أوِ المَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ والفَناءِ والبَقاءِ والسُّكْرِ والصَّحْوِ، أوْ جَمِيعِ ذَلِكَ.

﴿ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ﴾ مِن غَوائِلِ نَفْسِهِ لِأنَّهُ مَقامُ التَّمْكِينِ ( وتَطْبِيقُ ذَلِكَ عَلى ما في الأنْفُسِ ) أنَّ البَيْتَ إشارَةٌ إلى القَلْبِ الحَقِيقِيِّ، ويُحْمَلُ ما ورَدَ أنَّ البَيْتَ أوَّلُ ما ظَهَرَ عَلى وجْهِ الماءِ عِنْدَ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ، وخُلِقَ قَبْلَ الأرْضِ بِألْفَيْ عامٍ وكانَ زُبْدَةً بَيْضاءَ عَلى وجْهِ الماءِ فَدَحِيَتِ الأرْضُ تَحْتَهُ عَلى ذَلِكَ، وظُهُورُهُ عَلى الماءِ حِينَئِذٍ تَعَلُّقُهُ بِالنُّطْفَةِ عِنْدَ خَلْقِ سَماءِ الرُّوحِ الحَيَوانِ وأرْضِ البَدَنِ، وخَلْقُهُ قَبْلَ الأرْضِ إشارَةٌ إلى قِدَمِهِ وحُدُوثِ البَدَنِ، وتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِألْفَيْ عامٍ إشارَةٌ إلى تَقَدُّمِهِ عَلى البَدَنِ بِطَوْرَيْنِ طَوْرِ النَّفْسِ وطَوْرِ القَلْبِ تَقَدُّمًا بِالرُّتْبَةِ، إذِ الألْفُ رُتْبَةٌ تامَّةٌ، وكَوْنُهُ زُبْدَةً بَيْضاءَ إشارَةً إلى صَفاءِ جَوْهَرِهِ، ودَحْوُ الأرْضِ تَحْتَهُ إشارَةً إلى تَكَوُّنِ البَدَنِ مِن تَأْثِيرِهِ، وكَوْنِ أشْكالِهِ وصُوَرِ أعْضائِهِ تابِعَةً لِهَيْئاتِهِ، ولا يَخْفى أنَّ مَحَلَّ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِالبَدَنِ واتِّصالِ القَلْبِ الحَقِيقِيِّ بِهِ أوَّلًا هو القَلْبُ الصَّنَوْبَرِيُّ وهو أوَّلُ ما يَتَكَوَّنُ مِنَ الأعْضاءِ، وأوَّلُ عُضْوٍ يَتَحَرَّكُ، وآخِرُ عُضْوٍ يَسْكُنُ، فَيَكُونُ ﴿ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ﴾ الصَّدْرُ صُورَةٌ، أوْ أوَّلُ مُتَعَبَّدٍ وُضِعَ لَهم لِلْقَلْبِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو بِبَكَّةَ الصَّدْرِ المَعْنَوِيِّ الَّذِي هو أشْرَفُ مَقامٍ في النَّفْسِ ومَوْضِعِ ازْدِحامِ القُوى إلَيْهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ ( مُبارَكًا ) أنَّهُ ذُو بَرَكَةٍ إلَهِيَّةٍ بِسَبَبِ فَيْضِ الخَيْرِ عَلَيْهِ، وكَوْنُهُ ( هُدًى ) أنَّهُ يُهْتَدى بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى -والآياتُ - الَّتِي فِيهِ هي العُلُومُ والمَعارِفُ والحِكَمُ والحَقائِقُ، و ﴿ مَقامُ إبْراهِيمَ ﴾ إشارَةٌ إلى العَقْلِ الَّذِي هو مَقامُ قَدَمِ إبْراهِيمَ الرُّوحِ يَعْنِي مَحَلَّ اتِّصالِ نُورِهِ مِنَ القَلْبِ، ولا شَكَّ أنْ مَن دَخَلَ ذَلِكَ ( كانَ آمِنًا ) مِن أعْداءِ سِعالى المُتَخَيَّلَةِ وعَفارِيتِ أحادِيثِ النَّفْسِ واخْتِطافِ شَياطِينِ الوَهْمِ وجِنِّ الخَيالاتِ واغْتِيالِ سِباعِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ وصِفاتِها.

﴿ ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ وهم أهْلُ مَعْرِفَتِهِ عَزِّ شَأْنُهُ، وأمّا الجاهِلُونَ بِهِ فَلا قامُوا ولا قَعَدُوا، يُحْكى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِلشِّبْلِيِّ: إنِّي حَجَجْتُ فَقالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ ؟

فَقُلْتُ: اغْتَسَلْتُ وأحْرَمْتُ وصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ ولَبَّيْتُ، فَقالَ لِي: عَقَدْتَ بِهِ الحَجَّ ؟

فَقُلْتُ: نَعَمْ.

قالَ: فَسَخْتَ بِعَقْدِكَ كُلَّ عَقْدٍ عَقَدْتَ مُنْذُ خُلِقْتَ مِمّا يُضادُّ هَذا العَقْدَ ؟

قُلْتُ: لا.

قالَ: فَما عَقَدْتَ، ثُمَّ قالَ: نَزَعْتَ ثِيابَكَ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ.

قالَ: تَجَرَّدْتَ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ فَعَلْتَ ؟

قُلْتُ: لا.

قالَ: ما نَزَعْتَ، فَقالَ: تَطَهَّرْتَ ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: أزَلْتَ عَنَّكَ كُلَّ عِلَّةٍ ؟

فَقُلْتُ: لا، قالَ: فَما تَطَهَّرْتَ، قالَ: لَبَّيْتَ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ.

قالَ: وجَدْتَ جَوابَ التَّلْبِيَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ؟

قُلْتُ: لا.

قالَ: ما لَبَّيْتَ، قالَ: دَخَلْتَ الحَرَمَ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ.

قالَ: اعْتَقَدْتَ بِدُخُولِكَ تَرْكَ كُلِّ مُحَرَّمٍ ؟

قُلْتُ: لا.

قالَ: ما دَخَلْتَ، قالَ: أشْرَفْتَ عَلى مَكَّةَ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ.

قالَ: أشْرَفَ عَلَيْكَ حالٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ؟

قُلْتُ: لا.

قالَ: ما أشْرَفْتَ.

قالَ: دَخَلْتَ المَسْجِدَ الحَرامَ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ.

قالَ: دَخَلْتَ الحَضْرَةَ ؟

قُلْتُ: لا.

قالَ: ما دَخَلْتَ المَسْجِدَ الحَرامَ، قالَ: رَأيْتَ الكَعْبَةَ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: رَأيْتَ ما قَصَدْتَ لَهُ ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: ما رَأيْتَ الكَعْبَةَ، قالَ: رَمَلْتَ وسَعَيْتَ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: هَرَبْتَ مِنَ الدُّنْيا ووَجَدْتَ أمْنًا مِمّا هَرَبْتَ ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: ما فَعَلْتَ شَيْئًا، قالَ: صافَحْتَ الحَجَرَ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: مَن صافَحَ الحَجَرَ فَقَدْ صافَحَ الحَقَّ، ومَن صافَحَ الحَقَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُ الأمْنِ أفَظَهَرَ عَلَيْكَ ذَلِكَ ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: ما صافَحْتَ، قالَ: أصْلَيْتَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدُ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أوَجَدْتَ نَفْسَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: ما صَلَّيْتَ، قالَ: خَرَجْتَ إلى الصَّفا ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أكَبَّرْتَ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ.

فَقالَ: أصَفا سِرُّكَ وصَغُرَتْ في عَيْنِكَ الأكْوانُ ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: ما خَرَجْتَ ولا كَبَّرْتَ، قالَ: هَرْوَلْتَ في سَعْيِكَ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: هَرَبَتْ مِنهُ إلَيْهِ ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: ما هَرْوَلْتَ، قالَ: وقَفْتَ عَلى المَرْوَةِ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: رَأيْتَ نُزُولَ السَّكِينَةِ عَلَيْكَ وأنْتَ عَلَيْها ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: ما وقَفْتَ عَلى المَرْوَةِ، قالَ: خَرَجْتَ إلى مِنًى؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أعْطَيْتَ ما تَمَنَّيْتَ ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: ما خَرَجْتَ، قالَ: دَخَلْتَ مَسْجِدَ الخَيْفِ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: تَجَدَّدَ لَكَ خَوْفٌ ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: ما دَخَلْتَ، قالَ: مَضَيْتَ إلى عَرَفاتٍ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: عَرَفْتَ الحالَ الَّذِي خُلِقْتَ لَهُ والحالَ الَّذِي تَصِيرُ إلَيْهِ ؟

وهَلْ عَرَفْتَ مَن رَبَّكَ ما كُنْتَ مُنْكِرًا لَهُ ؟

وهَلْ تَعْرِفُ الحَقَّ إلَيْكَ بِشَيْءٍ ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: ما مَضَيْتَ، قالَ: نَفَرْتَ إلى المَشْعَرِ الحَرامِ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: ذَكَرْتَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ ذِكْرًا أنْساكَ ذِكْرَ ما سِواهُ ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: ما نَفَرْتَ، قالَ: ذَبَحْتَ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أفْنَيْتَ شَهَواتِكَ وإراداتِكَ في رِضاءِ الحَقِّ ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: ما ذَبَحْتَ، قالَ: رَمَيْتَ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: رَمَيْتَ جَهْلَكَ مِنكَ بِزِيادَةِ عِلْمٍ ظَهَرَ عَلَيْكَ ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: ما رَمَيْتَ، قالَ: زُرْتَ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: كُوشِفْتَ عَنِ الحَقائِقِ ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: ما زُرْتَ، قالَ: أحْلَلْتَ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: عَزَمْتَ عَلى الأكْلِ مِنَ الحَلالِ قَدْرَ ما تَحْفَظُ بِهِ نَفْسَكَ؟

قُلْتُ: لا.

قالَ: ما أحْلَلْتَ، قالَ: ودَّعْتَ ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: خَرَجْتَ مِن نَفْسِكَ ورُوحِكَ بِالكُلِّيَّةِ ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: ما ودَّعْتَ ولا حَجَجْتَ وعَلَيْكَ العَوْدُ إنْ أحْبَبْتَ وإذا حَجَجْتَ فاجْتَهِدْ أنْ تَكُونَ كَما وصَفْتُ لَكَ انْتَهى.

فَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الشِّبْلِيُّ هو الحَجُّ الَّذِي يَسْتَأْهِلُ أنْ يُقالَ لَهُ حَجٌّ، ولِلَّهِ تَعالى عِبادٌ أهَّلَهم لِذَلِكَ وأقْدَرَهم عَلى السُّلُوكِ في هاتِيكَ المَسالِكِ فَحَجُّهم في الحَقِيقَةِ مِنهُ إلَيْهِ ولَهُ فِيهِ، فَمَطافُهم حَظائِرُ القَرْيَةِ عَلى بِساطِ الحِشْمَةِ ومَوْقِفُهم عَرَفَةُ العِرْفانِ عَلى ساقِ الخِدْمَةِ، لَيْسَ لَهم غَرَضٌ في الجُدْرانِ والأحْجارِ، وهَيْهاتَ هَيْهاتَ ما غَرَضُ المَجْنُونِ مِنَ الدِّيارِ إلّا الدِّيارُ، ومِن كَفَرَ وأعْرَضَ عَنِ المَوْلى بِهَوى النَّفْسِ، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ فَهو سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنْهُ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ.

﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ ﴿ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ﴾ إذْ هو أقْرَبُ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ بِالإنْكارِ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴿ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ بِإيرادِ الشُّبَهِ الباطِلَةِ ﴿ وأنْتُمْ شُهَداءُ ﴾ عالِمُونَ بِأنَّها حَقٌّ لا اعْوِجاجَ فِيها ﴿ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ فَيُجازِيكم بِهِ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿ إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ خَوْفًا مِن إنْكارِهِمْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِيقَةِ والطَّرِيقِ المُوصِلِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكُمْ ﴾ الرّاسِخِ فِيكم ﴿ كافِرِينَ ﴾ لِأنَّ إنْكارَ الحَقِيقَةِ كُفْرٌ كَإنْكارِ الشَّرِيعَةِ، ﴿ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ أيْ مَن يَعْتَصِمْ بِهِ مِنهُ فَقَدَ اهْتَدى إلَيْهِ بِهِ، قالَ الواسِطِيُّ: ومَن زَعَمَ أنَّهُ يَعْتَصِمُ بِهِ مِن غَيْرِهِ فَقَدْ جَهِلَ عَظَمَةَ الرُّبُوبِيَّةِ، وحَقِيقَةُ الِاعْتِصامِ عِنْدَ بَعْضِهِمُ انْجِذابُ القَلْبِ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي هي الأصْنامُ المَعْنَوِيَّةُ والتَّبَرِّي إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وقِيلَ: الِاعْتِصامُ لِلْمُحِبِّينَ هو اللَّجَأُ بِطَرْحِ السَّوِيِّ، ولِأهْلِ الحَقائِقِ رَفْعُ الِاعْتِصامِ لِمُشاهَدَتِهِمْ أنَّهم في القَبْضَةِ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ بِصَوْنِ العُهُودِ وحِفْظِ الحُدُودِ والخُمُودِ تَحْتَ جَرَيانِ القَضاءِ بِنَعْتِ الرِّضا، وقِيلَ: حَقُّ التَّقْوى عَدَمُ رُؤْيَةِ التَّقْوى ﴿ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ أيْ لا تَمُوتُنَّ إلّا عَلى حالِ إسْلامِ الوُجُودِ لَهُ أيْ لِيَكُنْ مَوْتُكم هو الفَناءَ في التَّوْحِيدِ.

﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ﴾ وهو عَهْدُهُ الَّذِي أخَذَهُ عَلى العِبادِ يَوْمَ ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ ، ﴿ ولا تَفَرَّقُوا ﴾ بِاخْتِلافِ الأهْواءِ ﴿ واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ بِالهِدايَةِ إلى مَعالِمِ التَّوْحِيدِ المُفِيدِ لِلْمَحَبَّةِ في القُلُوبِ ﴿ إذْ كُنْتُمْ أعْداءً ﴾ لِاحْتِجابِكم بِالحُجُبِ النَّفْسانِيَّةِ والغَواشِي الطَّبِيعِيَّةِ ﴿ فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾ بِالتَّحابِّ في اللَّهِ تَعالى لِتَنَوُّرِها بِنُورِهِ ﴿ فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ ﴾ عَلَيْكم ﴿ إخْوانًا ﴾ في الدِّينِ ﴿ وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ ﴾ وهي مَهْوى الطَّبِيعَةِ الفاسِقَةِ وجَهَنَّمُ الحِرْمانِ ﴿ فَأنْقَذَكم مِنها ﴾ بِالتَّواصُلِ الحَقِيقِيِّ بَيْنَكم إلى سِدْرَةِ مَقامِ الرُّوحِ ورُوحِ جَنَّةِ الذّاتِ.

﴿ ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ ﴾ كالعُلَماءِ العارِفِينَ أرْبابِ الِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ ﴿ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ﴾ أيْ يُرْشِدُونَ النّاسَ إلى الكَمالِ المُطْلَقِ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ تَعالى والوُصُولِ إلَيْهِ ﴿ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ﴾ المُقَرَّبِ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ المُبْعِدِ عَنْهُ تَعالى ﴿ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ الَّذِينَ لَمْ يَبْقَ لَهم حِجابٌ وهم خُلَفاءُ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ.

﴿ ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا ﴾ واتَّبَعُوا الأهْواءَ والبِدَعَ ﴿ واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ ﴾ الحُجَجُ العَقْلِيَّةُ والشَّرْعِيَّةُ المُوجِبَةُ لِلِاتِّحادِ واتِّفاقِ الكَلِمَةِ ﴿ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ وهو عَذابُ الحِرْمانِ مِنَ الحَضْرَةِ.

﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ قالُوا: ابْيِضاضُ الوَجْهِ عِبارَةٌ عَنْ تَنَوُّرِ وجْهِ القَلْبِ بِنُورِ الحَقِّ المُتَوَجِّهِ إلَيْهِ والإعْراضِ عَنِ الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ النَّفْسانِيَّةِ المُظْلِمَةِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِالتَّوْحِيدِ، واسْوِدادُهُ ظُلْمَةُ وجْهِ القَلْبِ بِالإقْبالِ عَلى النَّفْسِ الطّالِبَةِ لِحُظُوظِها والإعْراضِ عَنِ الجِهَةِ العُلْوِيَّةِ النُّورانِيَّةِ.

﴿ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ﴾ فَيُقالُ لَهم ﴿ أكَفَرْتُمْ ﴾ أيِ احْتَجَبْتُمْ عَنِ الحَقِّ بِصِفاتِ النَّفْسِ ﴿ بَعْدَ إيمانِكُمْ ﴾ أيْ تَنَوُرِّكم بِنُورِ الِاسْتِعْدادِ وصَفاءِ الفِطْرَةِ وهِدايَةِ العَقْلِ ﴿ فَذُوقُوا العَذابَ ﴾ وهو عَذابُ الِاحْتِجابِ عَنِ الحَقِّ ﴿ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ بِهِ ﴿ وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ الخاصَّةِ الَّتِي هي شُهُودُ الجَمالِ ﴿ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ باقُونَ بَعْدَ الفَناءِ.

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ ﴾ مِن مَكانِ الأزَلِ ﴿ لِلنّاسِ ﴾ أيْ لِنَفْعِهِمْ ﴿ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ﴾ المُوصِلِ إلى مَقامِ التَّوْحِيدِ ﴿ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ وهو القَوْلُ بِتَحَقُّقِ الكَثْرَةِ عَلى الحَقِيقَةِ.

﴿ ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ ﴾ كَإيمانِكم ﴿ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ مِمّا هم عَلَيْهِ ﴿ مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ ﴾ كَإيمانِكم ﴿ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ ﴾ الخارِجُونَ عَنْ حَرَمِ الحَقِّ.

﴿ لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى ﴾ وهو الإنْكارُ عَلَيْكم بِالقَوْلِ ﴿ وإنْ يُقاتِلُوكُمْ ﴾ ولَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ الإيذاءِ ﴿ يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ﴾ ولا يَنالُونَ مِنكم شَيْئًا لِقُوَّةِ بَواطِنِكم وضَعْفِهِمْ ﴿ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ لا يَنْصُرُهم أحَدٌ أصْلًا بَلْ يَبْقُونَ مَخْذُولِينَ لِعَدَمِ ظُهُورِ أنْوارِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

<div class="verse-tafsir"

۞ لَيْسُوا۟ سَوَآءًۭ ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌۭ قَآئِمَةٌۭ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ١١٣

﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ أخَرَجَ ابْنُ إسْحاقَ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ شُعْبَةَ وأُسَيْدُ بْنُ شُعْبَةَ وأُسَيْدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَن أسْلَمَ مِن يَهُودَ مَعَهم فَآمَنُوا وصَدَّقُوا ورَغِبُوا في الإسْلامِ، قالَتْ أحْبارُ يَهُودَ وأهْلُ الكُفْرِ مِنهم: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ وتَبِعَهُ إلّا أشْرارُنا، ولَوْ كانُوا مِن خِيارِنا ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ وذَهَبُوا إلى غَيْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ ﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ والجُمْلَةُ عَلى ما قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ تَمْهِيدٌ لِتَعْدادِ مَحاسِنِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِأهْلِ الكِتابِ جَمِيعًا لا لِلْفاسِقِينَ خاصَّةً وهو اسْمُ - لَيْسَ - و( سَواءً ) خَبَرُهُ، وإنَّما أُفْرِدَ لِكَوْنِهِ في الأصْلِ مَصْدَرًا، والوَقْفُ هُنا تامٌّ عَلى الصَّحِيحِ، والمُرادُ بِنَفْيِ المُساواةِ نَفْيُ المُشارَكَةِ في أصْلِ الِاتِّصافِ بِالقَبائِحِ لا نَفْيَ المُساواةِ في الِاتِّصافِ بِمَراتِبِها مَعَ تَحَقُّقِ المُشارَكَةِ في أصْلِ الِاتِّصافِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.

﴿ مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ التَّساوِي ومُزِيلٌ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ مَعَ الأوَّلِ كَلامٌ واحِدٌ، وجَعَلَ ( أُمَّةٌ ) اسْمَ - لَيْسَ - والخَبَرُ ( سَواءً ) فَهو عَلى حَدِّ أكَلُونِي البَراغِيثُ، وقِيلَ: ( أُمَّةٌ ) مَرْفُوعٌ - بِسَواءً - وضَعْفُ كِلا القَوْلَيْنِ ظاهِرٌ، ووَضْعُ ( أهْلِ الكِتابِ ) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ زِيادَةٌ في تَشْرِيفِهِمْ والِاعْتِناءِ بِهِمْ - والقائِمَةُ - مِن قامَ اللّازِمِ بِمَعْنى اسْتَقامَ أيْ ( أُمَّةٌ ) مُسْتَقِيمَةٌ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ثابِتَةٌ عَلى أمْرِهِ لَمْ تَنْزِعْ عَنْهُ وتَتْرُكْهُ كَما تَرَكَهُ الآخَرُونَ وضَيَّعُوهُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ ذُو أُمَّةٍ قائِمَةٍ أيْ ذُو طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، وفِيهِ أنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.

والمُرادُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وجَعَلَ بَعْضُهم ( أهْل الكِتابِ ) عامًّا لِلْيَهُودِ والنَّصارى، وعُدَّ مِنَ الأُمَّةِ المَذْكُورَةِ نَحْوِ النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ مِمَّنْ أسْلَمَ مِنَ النَّصارى ﴿ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ ﴾ صِفَةٌ لِأُمَّةٍ بَعْدَ وصْفِها بِقائِمَةٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( قائِمَةٌ ) أوْ مِنَ الأُمَّةِ لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ الواقِعِ خَبْرًا عَنْها، والمُرادُ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ ﴿ آناءَ اللَّيْلِ ﴾ أيْ ساعاتِهِ، وواحِدُهُ أنى بِوَزْنِ عَصا، وقِيلَ: أنى كَمَعا، وقِيلَ: أنى بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أوْ كَسْرٍ فَسُكُونٍ، وحَكى الأخْفَشُ أنْوٌ كَجَرْوٍ؛ فالهَمْزَةُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ أوْ واوٍ وهو مُتَعَلِّقٌ - بِيَتْلُونَ - أوْ بِـ (قائِمَةٌ) - ومَنَعَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِالثّانِي بِناءً عَلى أنَّهُ قَدْ وُصِفَ فَلا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ الصِّفَةِ ﴿ وهم يَسْجُدُونَ ﴾ ( 311 ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يَتْلُونَ ) عَلى ما هو الظّاهِرُ، والمُرادُ وهم يُصَلُّونَ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنْ لا قِراءَةَ في السُّجُودِ وكَذا الرُّكُوعُ بَلْ وقَعَ النَّهْيُ عَنْها فِيهِما كَما في الخَبَرِ، والمُرادُ بِصَلاتِهِمْ هَذِهِ التَّهَجُّدُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ وعُلِّلَ بِأنَّهُ أُدْخِلَ في المَدْحِ وفِيهِ تَتَيَسَّرُ لَهُمُ التِّلاوَةُ؛ لِأنَّها في المَكْتُوبَةِ وظِيفَةُ الإمامِ، واعْتِبارُ حالِهِمْ عِنْدَ الصَّلاةِ عَلى الِانْفِرادِ يَأْباهُ مَقامُ المَدْحِ وهو الأنْسَبُ بِالعُدُولِ عَنْ إيرادِها بِاسْمِ الجِنْسِ المُتَبادِرِ مِنهُ الصَّلَواتُ المَكْتُوبَةُ، وبِالتَّعْبِيرِ عَنْ وقْتِها بِالآناءِ المُبْهَمَةِ، وإنَّما لَمْ يُعَبِّرْ عَلى هَذا بِالتَّهَجُّدِ دَفْعًا لِاحْتِمالِ المَعْنى اللُّغَوِيِّ الَّذِي لا مَدْحَ فِيهِ، والَّذِي عَلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ أنَّها صَلاةُ العَتَمَةِ.

واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدِ حَسَنٍ، واللَّفْظُ لِلْأخِيرَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «أخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةً صَلاةَ العِشاءِ ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ، فَإذا النّاسُ يَنْتَظِرُونَ الصَّلاةَ فَقالَ: أما إنَّهُ لا يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَ: وأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ » وعَلَيْهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ يَتْلُونَ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ، ويَكُونُ المَدْحُ لَهم بِذَلِكَ لِتَمَيُّزِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِتِلْكَ الصَّلاةِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ الَّتِي لَمْ يَتَشَرَّفُ بِأدائِها أهْلُ الكِتابِ كَما نَطَقَ بِهِ الحَدِيثُ، بَلْ ولا سائِرُ الأُمَمِ، فَقَدْ رَوى الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أيْضًا عَنِ المُنْكَدِرِ أنَّهُ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذاتَ لَيْلَةٍ، وأنَّهُ أخَّرَ صَلاةَ العِشاءِ حَتّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ هُنَيْهَةٌ أوْ ساعَةٌ، والنّاسُ يَنْتَظِرُونَ في المَسْجِدِ فَقالَ: أما إنَّكم لَنْ تَزالُوا في صَلاةٍ ما انْتَظَرْتُمُوها ثُمَّ قالَ: أما إنَّها صَلاةٌ لَمْ يُصَلِّها أحَدٌ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ»، ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في تَقْدِيمِ هَذا الحُكْمِ عَلى الحُكْمِ بِالإيمانِ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التِّلاوَةَ لا تَتَيَسَّرُ لَهم إلّا بِصَلاتِهِمْ مُنْفَرِدِينَ، ولا تُمْدَحُ في الِانْفِرادِ مَعَ أنَّهُ خِلافُ الواقِعِ مِن حالِ القَوْمِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ الخِبْرانِ لِأنَّهُ لَمْ تُقَيَّدِ التِّلاوَةُ فِيهِ بِالصَّلاةِ، وإنَّما يَلْزَمُ التَّقْيِيدَ لَوْ كانَتِ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ كَما سَبَقَ ولَيْسَ فَلَيْسَ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ الصَّلاةِ بِالسُّجُودِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى كَمالِ الخُضُوعِ وهو سِرُّ التَّعْبِيرِ بِهِ عَنْها في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِمَن طَلَبَ أنْ يَدْعُوَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ رَفِيقَهُ في الجَنَّةِ؛ لِفَرْطِ حُبِّهِ لَهُ وخَوْفِ حَيْلُولَةِ الفِراقِ يَوْمَ القِيامَةِ «أعْنِي بِكَثْرَةِ السُّجُودِ»، وكَذا في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الصَّلاةُ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ وهي المُسَمّاةُ بِصَلاةِ الغَفْلَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ سُجُودُ التِّلاوَةِ، وقِيلَ: الخُضُوعُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ واخْتِيرَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وكُرِّرَ الإسْنادُ تَقْوِيَةً لِلْحُكْمِ وتَأْكِيدًا لَهُ، واخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ.

<div class="verse-tafsir"

يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١١٤

﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِأُمَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا عَلى طُرُزِ ما قَبْلَها وإنْ شِئْتَ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ: اسْتَأْنَفَتْها، والمُرادُ بِهَذا الإيمانِ الإيمانُ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ عَلى الوَجْهِ المَقْبُولِ، وخَصَّ اللَّهُ تَعالى اليَوْمَ الآخِرَ بِالذِّكْرِ إظْهارًا لِمُخالَفَتِهِمْ لِسائِرِ اليَهُودِ فِيما عَسى أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مُشارَكَتَهم لَهم فِيهِ لِأنَّهم يَدَّعُونَ أيْضًا الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِمْ: ( ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ ) وكُفْرِهِمْ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُّسُلِ ووَصْفِهِمُ اليَوْمَ الآخِرَ بِخِلافِ ما نَطَقَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ المُصْطَفَوِيَّةِ جُعِلَ هو والعَدَمُ سَواءً ﴿ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ إشارَةٌ إلى وُفُورِ نَصِيبِهِمْ مِن فَضِيلَةِ تَكْمِيلِ الغَيْرِ إثْرَ الإشارَةِ إلى وُفُورِهِ مِن فَضِيلَةِ تَكْمِيلِ النَّفْسِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُداهِنِينَ الصّادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ أيْ يُبادِرُونَ إلى فِعْلِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ خَوْفَ الفَواتِ بِالمَوْتِ مَثَلًا، أوْ يَعْمَلُونَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ راغِبِينَ فِيها غَيْرَ مُتَثاقِلِينَ لِعِلْمِهِمْ بِجَلالَةِ مَوْقِعِها وحُسْنِ عاقِبَتِها، وهَذِهِ صِفَةٌ جامِعَةٌ لِفُنُونِ الفَضائِلِ والفَواضِلِ، وفي ذِكْرِها تَعْرِيضٌ بِتَباطُؤِ اليَهُودِ وتَثاقُلِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وأصْلُ المُسارِعَةِ المُبادَرَةُ وتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الرَّغْبَةِ، واخْتِيارُ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ، قِيلَ: ولَمْ يُعَبِّرْ بِالعَجَلَةِ لِلْفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ السُّرْعَةِ، فَإنَّ السُّرْعَةَ التَّقَدُّمُ فِيما يَجُوزُ أنْ يُتَقَدَّمَ فِيهِ وهي مَحْمُودَةٌ وضِدُّها الإبْطاءُ وهو مَذْمُومٌ، والعَجَلَةُ التَّقَدُّمُ فِيما لا يَنْبَغِي أنْ يُتَقَدَّمَ فِيهِ وهِيَ مَذْمُومَةٌ وضِدَّها الأناةُ وهي مَحْمُودَةٌ، وإيثارُ ( في ) عَلى - إلى - وكَثِيرًا ما تَتَعَدّى المُسارِعَةُ بِها لِلْإيذانِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: بِأنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في أصْلِ الخَيْرِ مُتَقَلِّبُونَ في فُنُونِهِ لا أنَّهم خارِجُونَ مُنْتَهُونَ إلَيْها؛ وصِيغَةُ جَمْعِ القِلَّةِ هُنا تُغْنِي عَنْ جَمْعِ الكَثْرَةِ كَما لا يَخْفى.

( ﴿ وأُولَئِكَ ﴾ ) أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الجَلِيَّةِ الشَّأْنِ بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِها كَما يُشْعِرُ بِهِ العُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ ﴿ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيْ مِن عِدادِ الَّذِينَ صَلَحَتْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى حالُهم، وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِ اليَهُودِ: ما آمَنَ بِهِ آلا شِرارُنا.

وقَدْ ذَهَبَ الجُلُّ إلى أنَّ في الآيَةِ اسْتِغْناءً بِذِكْرِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَنِ الآخَرِ عَلى عادَةِ العَرَبِ مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ، والمُرادُ ومِنهم مَن لَيْسُوا كَذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا يَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ ١١٥

﴿ وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ ﴾ أيْ طاعَةٍ مُتَعَدِّيَةٍ أوْ سارِيَةٍ ﴿ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾ أيْ لَنْ يُحْرَمُوا ثَوابَهُ البَتَّةَ، وأصِلُ الكُفْرِ السَّتْرُ، ولِتَفْسِيرِهِ بِما ذَكَرْنا تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والخِطابُ قِيلَ: لِهَذِهِ الأُمَّةِ وهو مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ وجَمِيعُ ما بَيْنَهُما اسْتِطْرادٌ، وقِيلَ: لِأُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ وفِيهِ التِفاتٌ؛ ونُكْتَتُهُ الخاصَّةُ هُنا الإشارَةُ إلى أنَّهم لِاتِّصافِهِمْ بِهَذِهِ المَزايا أهْلٌ لِأنَّ يُخاطَبُوا، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا أبا بَكْرٍ بِالياءِ في الفِعْلَيْنِ، والباقُونَ بِالتّاءِ فِيهِما غَيْرُ أبِي عَمْرٍو فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يُخْبِرُ بِهِما، وعَلى قِراءَةِ الغَيْبَةِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الضَّمِيرِ ما أُرِيدَ مِن نَظائِرِهِ فِيما قَبْلُ، ويَكُونُ الكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ لِلْأُمَّةِ، ويَكُونُ العُدُولُ إلى الغَيْبَةِ مُراعاةً لِلْأُمَّةِ كَما رُوعِيَتْ أوَّلًا في التَّعْبِيرِ -بِأُخْرِجَتْ - دُونَ أُخْرِجْتُمْ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ لِلْعَرَبِ في مِثْلِ ذَلِكَ.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ ( 511 ) أيْ بِأحْوالِهِمْ فَيُجازِيهِمْ وهَذا تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.

والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ إمّا عامٌّ ويَدْخُلُ المُخاطَبُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا خاصٌّ بِالمُتَقَدِّمِينَ، وفي وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانٌ بِالعِلَّةِ، وأنَّهُ لا يَفُوزُ عِنْدَهُ إلّا أهْلُ التَّقْوى، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ١١٦

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ ولِهَذا فَصْلٌ.

والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ إمّا سائِرُ الكُفّارِ فَإنَّهم فاخَرُوا بِالأمْوالِ والأوْلادِ حَيْثُ قالُوا: ﴿ نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِما تَرى عَلَيْهِمْ، وإمّا بَنُو قُرَيْظَةَ وبَنُو النَّضِيرِ حَيْثُ كانَتْ مُعالَجَتُهم بِالأمْوالِ والأوْلادِ.

ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ( وقِيلَ: وقِيلَ: ) ولَعَلَّ مِن أدْعى العُمُومِ - وهو الظّاهِرُ - قالَ: بِدُخُولِ المَذْكُورِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ مِنَ الإغْناءِ الدَّفْعُ، ويُقالُ: أغْنى عَنْهُ إذا دَفَعَ عَنْهُ ضَرَرًا لَوْلاهُ لَنَزَلَ بِهِ، أيْ لَنْ تَدْفَعَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْوالُهُمُ الَّتِي عَوَّلُوا عَلَيْها في المُهِمّاتِ ولا مَن هو أرْجى مِن ذَلِكَ وأعْظَمُ عِنْدَهم وهم أوْلادُهم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى لَهم شَيْئًا يَسِيرًا مِنهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِالإغْناءِ الإجْزاءُ، ويُقالُ: ما يُغْنِي عَنْكَ هَذا أيْ ما يُجْزِي عَنْكَ وما يَنْفَعُكَ، و( مِن ) لِلْبَدَلِ أوِ الِابْتِداءِ، و( شَيْئًا ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيْ لَنْ يُجْزِيَ عَنْهم ذَلِكَ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا مِنَ الإجْزاءِ، وعَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لِلْإغْناءِ وجَعْلِ هَذا مَعْنًى حَقِيقِيًّا لَهُ دُونَهُ يُقالُ بِالتَّضْمِينِ، وأمْرُ المَفْعُولِيَّةِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ لِتَعَدِّيهِ حِينَئِذٍ ( ﴿ وأُولَئِكَ ﴾ ) أيِ المَوْصُوفُونَ بِالكُفْرِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ﴿ أصْحابُ النّارِ ﴾ أيْ مُلازِمُوها وهو مَعْنى الأصْحابِ عُرْفًا.

﴿ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ( 611 ) تَأْكِيدٌ لِما يُرادُ مِنَ الجُمْلَةِ الأوْلى، واخْتِيارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْإيذانِ بِالدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ مُحافَظَةً عَلى رُؤْسِ الآيِ.

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍۢ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍۢ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ١١٧

﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ كالدَّلِيلِ لِعَدَمِ إغْناءِ الأمْوالِ، ولَعَلَّ عَدَمَ بَيانِ إغْناءِ الأوْلادِ ظاهِرٌ لِأنَّهم إنْ كانُوا كُفّارًا - وهو الظّاهِرُ - كانَ حُكْمُهم حُكْمَهم وإنْ كانُوا مُسْلِمِينَ كانُوا عَلَيْهِمْ لا لَهم في الدُّنْيا، وبُغْضُهم لَهم في الآخِرَةِ ﴿ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ ﴾ ، و ﴿ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ﴾ وتَبِرِّيهِمْ مِنهم حِينَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أُمِّهِ وأبِيهِ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، و( ما ) مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يُنْفِقُونَهُ والإشارَةُ لِلتَّحْقِيرِ، والمُرادُ تَمْثِيلُ جَمِيعِ صَدَقاتِ الكُفّارِ ونَفَقاتِهِمْ كَيْفَ كانَتْ - وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ - وقِيلَ: مَثَلٌ لِما يُنْفِقُهُ الكُفّارُ مُطْلَقًا في عَداوَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِما أنْفَقَهُ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ وأُحُدٍ لَمّا تَظاهَرُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: لِما أنْفَقَهُ سِفْلَةُ اليَهُودِ عَلى عُلَمائِهِمُ المُحَرِّفِينَ أيْ حالَ ذَلِكَ وقِصَّتِهِ العَجِيبَةِ ﴿ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ ﴾ أيْ بَرْدٌ شَدِيدٌ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وجَماعَةٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: الصِّرُّ صَوْتُ لَهِيبِ النّارِ وقَدْ كانَتْ في تِلْكَ الرِّيحِ، وقِيلَ: أصْلُ الصِّرُّ كالصَّرْصَرِ؛ الرِّيحُ البارِدَةُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ مَعْنى النَّظْمِ رِيحٌ فِيها رِيحٌ بارِدَةٌ، وهو كَما تَرى مُحْتاجٌ إلى التَّوْجِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ فِيهِ أنَّهُ وارِدٌ عَلى التَّجْرِيدِ كَقَوْلِهِ: ولَوْلا ذاكَ قَدْ سَوَّمْتُ مُهْرِي وفي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفاءِ كافِ أيْ هو كافٍ، ومَنَعَ بَعْضُهم كَوْنَهُ في الأصْلِ الرِّيحَ البارِدَةَ وإنَّما هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى البَرْدِ كَما قالَ الحَبْرُ، واسْتِعْمالُهُ فِيما ذُكِرَ مَجازٌ ولَيْسَ بِمُرادٍ، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةٌ بِمَعْنى بارِدٍ إلّا أنَّ مَوْصُوفَهُ مَحْذُوفٌ أيْ بَرْدٌ بارِدٌ فَهو مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ كَظِلٍّ ظَلِيلٍ - وفِيهِ بُعْدٌ - لَأنَّ المَعْرُوفَ في مِثْلِهِ ذِكْرُ المَوْصُوفِ، وأمّا حَذْفُهُ وتَقْدِيرُهُ فَلَمْ يُعْهَدْ، وقِيلَ: هو في الأصْلِ صَوْتُ الرِّيحِ البارِدَةِ مِن صَرِّ القَلَمِ والبابِ صَرِيرًا إذا صَوَّتَ، أوْ مِنَ الصَّرَّةِ الضَّجَّةِ والصَّيْحَةِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ هُنا عَلى أصْلِهِ، وفِيهِ أنَّ هَذا المَعْنى مِمّا لَمْ يُعْهَدْ في الِاسْتِعْمالِ، والرِّيحُ واحِدَةُ الرِّياحِ، وفي الصِّحاحِ والأرْياحِ، وقَدْ تُجْمَعُ عَلى أرْواحٍ لِأنَّ أصْلَها الواوُ، وإنَّما جاءَتْ بِالياءِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، فَإذا رَجَعُوا إلى الفَتْحِ عادَتْ إلى الواوِ كَقَوْلِكَ: أرْوَحَ الماءُ وتَرَوَّحَتْ بِالمِرْوَحَةِ، ويُقالُ أيْضًا: رِيحٌ ورِيحَةٌ كَما قالُوا: دارٌ ودارَةٌ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِلْعُلَماءِ مِنَ الكَلامِ في هَذا المُقامِ، وأفْرَدَ الرِّيحَ لِما في البَحْرِ أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالعَذابِ، والجَمْعُ مُخْتَصٌّ بِالرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ رُوِيَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا.

﴿ أصابَتْ حَرْثَ ﴾ أيْ زَرْعَ.

﴿ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي فَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما وُصِفُوا بِذَلِكَ لِما قِيلَ: إنَّ الإهْلاكَ عَنْ سُخْطٍ أشَدُّ وأفْظَعُ أوْ لِأنَّ المُرادَ الإشارَةُ إلى عَدَمِ الفائِدَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو إنَّما يَكُونُ في هَلاكِ مالِ الكافِرِ، وأمّا غَيْرُهُ فَقَدْ يُثابُ عَلى ما هَلَكَ لَهُ لِصَبْرِهِ، وقِيلَ: المُرادُ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ زَرَعُوا في غَيْرِ مَوْضِعِ الزِّراعَةِ وفي غَيْرِ وقْتِها ( ﴿ فَأهْلَكَتْهُ ﴾ ) عَنْ آخِرِهِ ولَمْ تَدَعْ لَهُ عَيْنًا ولا أثَرًا عُقُوبَةً لَهم عَلى مَعاصِيهِمْ، وقِيلَ: تَأْدِيبًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم في وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ الَّذِي هو حَقُّهُ، وهَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ الَّذِي تُوجَدُ فِيهِ الزُّبْدَةُ مِنَ الخُلاصَةِ والمَجْمُوعِ، ولا يَلْزَمُ فِيهِ أنْ يَكُونَ ما يَلِي الأداةُ هو المُشَبَّهُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ ﴾ وإلّا لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: كَمَثَلِ حَرْثٍ لِأنَّهُ المُشَبَّهُ بِهِ المُنْفَقُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِثْلُ إهْلاكِ ما يُنْفِقُونَ كَمِثْلِ إهْلاكِ رِيحٍ، أوْ مِثْلِ ما يُنْفِقُونَ كَمَهْلَكِ رِيحٍ، والمَهْلَكُ اسْمُ مَفْعُولٍ هو الحَرْثُ، والوَجْهُ عِنْدَ كَوْنِهِ مُرَكَّبًا قِلَّةُ الجَدْوى والضَّياعُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ فَيُشَبَّهُ إهْلاكُ اللَّهِ تَعالى بِإهْلاكِ الرِّيحِ، والمُنْفَقِ بِالحَرْثِ، وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى أعْمالَهم هَباءً مَنثُورًا بِما في الرِّيحِ البارِدَةِ مِن جَعْلِهِ حُطامًا، وقُرِئَ - تُنْفِقُونَ - بِالتّاءِ.

﴿ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْمُنْفِقِينَ أيْ ما ظَلَمَهم بِضَياعِ نَفَقاتِهِمُ الَّتِي أنْفَقُوها عَلى غَيْرِ الوَجْهِ اللّائِقِ المُعْتَدِّ بِهِ، وإمّا لِلْقَوْمِ المَذْكُورِينَ أيْ ما ظَلَمَ اللَّهُ تَعالى أصْحابَ الحَرْثِ بِإهْلاكِهِ لِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا النَّفْيُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ( 711 ) تَأْكِيدًا لِما فُهِمَ مِن قَبْلُ إشْعارًا وتَصْرِيحًا، وقُرِئَ ( ولَكِنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّ أنْفُسَهُمُ اسْمُها، وجُمْلَةَ ( يَظْلِمُونَ ) خَبَرُها والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ يَظْلِمُونَها ولَيْسَ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا كَما في قِراءَةِ التَّخْفِيفِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: وما كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُ ∗∗∗ ولَكِنْ مَن يُبْصِرْ جُفُونَكِ يَعْشَقُ وتَعَيَّنَ حَذْفُهُ فِيهِ لِمَكانِ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي لا تَدْخُلُ عَلَيْها النَّواسِخُ، وتَقْدِيمُ ( أنْفُسَهم ) عَلى الفِعْلِ لِلْفاصِلَةِ لا لِلْحَصْرِ وإلّا لا يَتَطابَقُ الكَلامُ لِأنَّ مُقْتَضاهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ هم يَظْلِمُونَ أنْفُسَهم لا أنَّهم يَظْلِمُونَ أنْفُسَهم لا غَيْرَهم وهو في الحَصْرِ لازِمٌ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةًۭ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًۭا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ١١٨

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُواصِلُونَ رِجالًا مَن يَهُودَ لِما كانَ بَيْنَهم مِنَ الجِوارِ والحِلْفِ في الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ يَنْهاهم عَنْ مُباطَنَتِهِمْ تُخَوِّفُ الفِتْنَةَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، نُهِيَ المُؤْمِنُونَ أنْ يَتَوَلَّوْهم، وظاهِرُ ما يَأْتِي يُؤَيِّدُهُ، والبِطانَةُ خاصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ أمْرَهُ مَأْخُوذٌ مِن بِطانَةِ الثَّوْبِ لِلْوَجْهِ الَّذِي يَلِي البَدَنَ لِقُرْبِهِ وهي نَقِيضُ الظِّهارَةِ ويُسَمّى بِها الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.

و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( لا تَتَّخِذُوا ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِبِطانَةٍ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، و-دُونَ - إمّا بِمَعْنى غَيْرِ أوْ بِمَعْنى الأدْوَنِ والدَّنِيءِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ المُضافُ إلَيْهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى ( لا تَتَّخِذُوا ) الكافِرِينَ كاليَهُودِ والمُنافِقِينَ أوْلِياءَ وخَواصَّ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ أوْ مِمَّنْ لَمْ تَبْلُغْ مَنزِلَتُهُ مَنزِلَتَكم في الشَّرَفِ والدِّيانَةِ، والحُكْمُ عامٌّ، وإنْ كانَ سَبَبُ النُّزُولِ خاصًّا فَإنَّ اتِّخاذَ المُخالِفِ ولِيًّا مَظِنَّةُ الفِتْنَةِ والفَسادِ، ولِهَذا ورَدَ تَفْسِيرُ هَذِهِ البِطانَةِ بِالخَوارِجِ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «لا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكم عَرَبِيًّا، ولا تَسْتَضِيئُوا بِنارِ المُشْرِكِينَ» فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ فَقالَ: نَعَمْ لا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكم مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ولا تَسْتَسِرُّوا المُشْرِكِينَ في شَيْءٍ مِن أُمُورِكم، ثُمَّ قالَ الحَسَنُ: وتَصْدِيقُ ذَلِكَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ ﴾ ﴿ لا يَأْلُونَكم خَبالا ﴾ أصْلُ الألْوِ التَّقْصِيرُ يُقالُ: ألا كَغَزا يَأْلُو ألْوًا إذا قَصَّرَ وفَتَرَ وضَعُفَ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وما المَرْءُ ما دامَتْ حَشاشَةُ نَفْسِهِ بِمُدْرِكٍ أطْرافَ الخُطُوبِ ولا (آلى) أرادَ ولا مُقَصِّرٌ في الطَّلَبِ وهو لازِمٌ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِالحَرْفِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا ولا آلُوكَ جُهْدًا عَلى تَضْمِينِ مَعْنى المَنعِ أيْ لا أمْنَعُكَ ذَلِكَ، وقَدْ يُجْعَلُ بِمَنعِ التَّرْكِ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وفي القامُوسِ: ما ألَوْتَ الشَّيْءَ أيْ ما تَرَكْتَهُ، والخَبالُ في الأصْلِ الفَسادُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ فَيُورِثُهُ اضْطِرابًا كالمَرَضِ والجُنُونِ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الشَّرِّ والفَسادِ مُطْلَقًا، ومَعْنى الآيَةِ عَلى الأوَّلِ لا يُقَصِّرُونَ لَكم في الفَسادِ والشَّرِّ بَلْ يَجْهَدُونَ في مَضَرَّتِكم، وعَلَيْهِ يَكُونُ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ والِاسْمُ الظّاهِرُ مَنصُوبَيْنِ بِنَزْعِ الخافِضِ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الثّانِي مَنصُوبًا عَلى الحالِ أيْ مُخْبَلِينَ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ.

واعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا إبْهامَ في نِسْبَةِ التَّقْصِيرِ إلى الفاعِلِ، ولا يَصِحُّ جَعْلُهُ فاعِلًا إلّا عَلى اعْتِبارِ الإسْنادِ المَجازِيِّ والنَّصْبِ بِنَزْعِ الخافِضِ، ووُقُوعُ المَصْدَرِ حالًا لَيْسَ بِقِياسٍ إلّا فِيما يَكُونُ المَصْدَرُ نَوْعًا مِنَ العامِلِ نَحْوَ أتانِي سُرْعَةً وبُطْئًا كَما نَصَّ عَلَيْهِ الرَّضِيُّ في بَحْثِ المَفْعُولِ بِهِ والحالِ، واعْتَمَدَهُ السَّيالَكُوتِي، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ أنَّ التَّمْيِيزَ هُنا مُحَوَّلٌ عَنِ المَفْعُولِ نَحْوَ ﴿ وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا ﴾ وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ لِأنَّ المَفْرُوضَ أنَّ الفِعْلَ لازِمٌ فَمِن أيْنَ يَكُونُ لَهُ مَفْعُولٌ لِيُحَوَّلَ عَنْهُ ؟!

ومُلاحَظَةُ تَعِدِّيهِ إلَيْهِ بِتَقْدِيرِ الحَرْفِ قَوْلٌ بِالنَّصْبِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ.

وأُجِيبَ بِالتِزامِ أحَدِ الأمْرَيْنِ الحالِيَّةِ أوْ كَوْنِهِ مَنصُوبًا عَلى النَّزْعِ مَعَ القَوْلِ بِالسَّماعِ هُنا والمَعْنى عَلى الثّانِي لا يَمْنَعُونَكم خَبالًا أيْ أنَّهم يَفْعَلُونَ مَعَكم ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ، ولا يُبْقُونَ عِنْدَهم شَيْئًا مِنهُ في حَقِّكم وهو وجْهٌ وجِيهٌ، والتَّضْمِينُ قِياسِيٌّ عَلى الصَّحِيحِ والخِلافُ فِيهِ واهٍ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، والمَعْنى والإعْرابُ عَلى الثّالِثِ ظاهِرانِ بَعْدَ الإحاطَةِ بِما تَقَدَّمَ ﴿ ودُّوا ما عَنِتُّمْ ﴾ أيْ أحَبُّوا عَنَتَكم أيْ مَشَقَّتَكُمُ الشَّدِيدَةَ وضَرَرَكم.

وقالَ السُّدِّيُّ: تَمَنَّوْا ضَلالَتَكم عَنْ دِينِكم، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ.

﴿ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ أيْ ظَهَرَتْ أماراتُ العَداوَةِ لَكم مِن فَلَتاتِ ألْسِنَتِهِمْ وفَحْوى كَلِماتِهِمْ لِأنَّهم لِشِدَّةِ بُغْضِهِمْ لَكم لا يَمْلِكُونَ أنْفُسَهم ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَحْفَظُوا ألْسِنَتَهم، وقالَ قَتادَةُ: ظُهُورُ ذَلِكَ فِيما بَيْنَهم حَيْثُ أبْدى كُلٌّ مِنهم ما يَدُلُّ عَلى بُغْضِهِ لِلْمُسْلِمِينَ لِأخِيهِ، وفِيهِ بُعْدٌ، إذْ لا يُناسِبُهُ ما بَعْدَهُ، والأفْواهُ جَمْعُ فَمٍ وأصْلُهُ فُوهٌ، فَلامُهُ هاءٌ، والجُمُوعُ تَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا تَصْغِيرُهُ عَلى فُوَيْهٍ والنِّسْبَةُ إلَيْهِ فُوهِيٌّ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ قَدْ بَدا البَغْضاءُ ﴿ وما تُخْفِي صُدُورُهُمْ ﴾ مِنَ البَغْضاءِ ( ﴿ أكْبَرُ ﴾ ) أيْ أعْظَمُ مِمّا بَدا لِأنَّهُ كانَ عَنْ فَلْتَةٍ، ومِثْلُهُ لا يَكُونُ إلّا قَلِيلًا ﴿ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ ﴾ أيْ أظْهَرْنا لَكُمُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى النَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ قَدْ أظْهَرْنا لَكُمُ الدَّلالاتِ الواضِحاتِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الوَلِيُّ مِنَ العَدُّوِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ (811) أيْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العَقْلِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الفَضْلَ بَيْنَ الوَلِيِّ والعَدُّوِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَواعِظَ اللَّهِ تَعالى ومَنافِعَها، وجَوابُ إنْ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الجُمَلَ ما عَدا ﴿ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ ﴾ لِأنَّها حالٌ لا غَيْرَ جاءَتْ مُسْتَأْنَفاتٌ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ عَنِ النَّهْيِ، وتَرْكُ العَطْفِ بَيْنَها إيذانًا بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها في ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّها في مَوْضِعٍ النَّعْتِ - لِبِطانَةٍ - إلّا ( قَدْ بَيَّنّا ) لِظُهُورِ أنَّها لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، والأوَّلُ أحْسَنُ لِما في الِاسْتِئْنافِ مِنَ الفَوائِدِ، وفي الصِّفاتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى خِلافِ المَقْصُودِ أوْ إيهامِهِ لا أقَلَّ وهو تَقْيِيدُ النَّهْيِ ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ ﴿ ودُّوا ما عَنِتُّمْ ﴾ بَيانٌ وتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَأْلُونَكم خَبالا ﴾ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ، وما عَدا ذَلِكَ مُسْتَأْنَفٌ لِلتَّعْلِيلِ عَلى طَرِيقِ التَّرْتِيبِ بِأنْ يَكُونَ اللّاحِقُ عِلَّةً لِلسّابِقِ إلى أنْ تَكُونَ الأُولى عِلَّةً لِلنَّهْيِ، ويَتِمُّ التَّعْلِيلُ بِالمَجْمُوعِ أيْ لا تَتَّخِذُوهم بِطانَةً لِأنَّهم لا يَأْلُونَكم خَبالًا لِأنَّهم يَوَدُّونَ شِدَّةَ ضَرَرِكم بِدَلِيلِ أنَّهم قَدْ تَبْدُو البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ، وإنْ كانُوا يُخْفُونَ الكَثِيرَ، ولا بُدَّ عَلى هَذا مِنِ اسْتِثْناءِ ( قَدْ بَيَّنّا ) إذْ لا يَصِحُّ تَعْلِيلًا لِبُدُوِّ البَغْضاءِ، ويَصْلُحُ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ فافْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

هَـٰٓأَنتُمْ أُو۟لَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ عَضُّوا۟ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا۟ بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩

﴿ ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُخاطَبِينَ مُخْطِئُونَ في اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً، وفي إعْرابِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مَذاهِبُ لِلنَّحْوِيِّينَ، فَقالَ الأزْهَرِيُّ وابْنُ كَيْسانَ وجَماعَةٌ: إنَّ ( ها ) لِلتَّنْبِيهِ، و( أنْتُمْ ) مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ( تُحِبُّونَهم ) خَبَرٌ، و( أُولاءِ ) مُنادى أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، وضُعِّفَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، والِاخْتِصاصُ لا يَكُونُ بِاسْمِ الإشارَةِ، وقِيلَ: ( أنْتُمْ ) مُبْتَدَأٌ و( أُولاءِ ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ بَعْدُ مُسْتَأْنَفَةٌ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قالَهُ الرَّضِيُّ مِن أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن: ها أنا ذا أفْعَلُ، وها أنْتَ ذا تَفْعَلُ، تَعْرِيفُ نَفْسِكَ أوِ المُخاطَبِ، إذْ لا فائِدَةَ فِيهِ بَلِ اسْتِغْرابُ وُقُوعِ مَضْمُونِ وُقُوعِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدُ مِنَ المُتَكَلِّمِ أوِ المُخاطَبِ، فالجُمْلَةُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لازِمَةٌ لِبَيانِ الحالِ المُسْتَغْرَبَةِ ولا مَحَلَّ لَها إذْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: هي في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ أيْ ها أنْتَ ذا قائِلًا، والحالُ هَهُنا لازِمَةٌ لِأنَّ الفائِدَةَ مَعْقُودَةٌ بِها وبِها تَتِمُّ، والعامِلُ فِيها حَرْفُ التَّنْبِيهِ أوِ اسْمُ الإشارَةِ.

واعْتَرَضَهُ الرَّضِيُّ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْحالِ إذْ لَيْسَ المَعْنى أنْتَ المُشارُ إلَيْهِ في حالِ فِعْلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ ما قالَهُ البَصْرِيُّونَ هو الظّاهِرُ مِن كَلامِ العَرَبِ لِأنَّهم قالُوا: ها أنْتَ ذا قائِمًا فَصَرَّحُوا بِالحالِيَّةِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى الإخْبارِ بِالحالِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالِاسْتِبْعادِ، ومَدْلُولُ الضَّمِيرِ واسْمُ الإشارَةِ مُتَّحِدٌ، واعْتِبارُ مَعْنى الإشارَةِ لِمُجَرَّدِ تَصْحِيحِ العَمَلِ لا أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ، وبِهِ يَنْدَفِعُ بَحْثُ الرَّضِيُّ، عَلى أنَّهُ قَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أُولاءِ ) بِمَعْنى الَّذِينَ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ، و( تُحِبُّونَهم ) في مَوْضِعِ الصِّلَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: ( أنْتُمْ ) مُبْتَدَأٌ أوَّلُ و( أُولاءِ ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وتُحِبُّونَهم خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ عَلى حَدِّ أنْتَ زَيْدٌ تُحِبُّهُ، وقِيلَ: إنَّ ( أُولاءِ ) هو الخَبَرُ، والجُمْلَةُ ما بَعْدَهُ خَبَرٌ ثانٍ، وقِيلَ: ( أُولاءِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والإشارَةُ لِلتَّحْقِيرِ فاسْتُعْمِلَتْ هُنا لِلتَّوْبِيخِ كَأنَّهُ ازْدَرى بِهِمْ لِظُهُورِ خَطَئِهِمْ في ذَلِكَ الِاتِّخاذِ.

والمُرادُ بِمَحَبَّةِ المُؤْمِنِينَ لَهُمُ المَحَبَّةُ العادِيَةُ النّاشِئَةُ مِن نَحْوِ الإحْسانِ والصَّداقَةِ، ومِثْلُها وإنْ كانَ غَرِيبًا يُلامُ عَلَيْهِ إذا وقَعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في حَقِّ أعْداءِ الدِّينِ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِهِمْ رَيْبَ المَنُونِ، لَكِنْ لا يَصِلُ إلى الكُفْرِ، وإنَّما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ بِاعْتِبارٍ آخَرَ لا يَكادُ يَقَعُ مِن أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ، وقِيلَ المُرادُ (تُحِبُّونَهُمْ) لِأنَّكم تُرِيدُونَ الإسْلامَ لَهم وتَدْعُونَهم إلى الجَنَّةِ، ولا يُحِبُّونَكم لِأنَّهم يُرِيدُونَ لَكُمُ الكُفْرَ والضَّلالَ وفي ذَلِكَ الهَلاكُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

﴿ وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ ﴾ أيِ الجِنْسِ كُلِّهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ أنْتَ الرَّجُلُ أيِ الكامِلُ في الرُّجُولِيَّةِ، ويَكُونُ الكِتابُ حِينَئِذٍ إشارَةً إلى القُرْآنِ تَعَسُّفٌ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في ( لا يُحِبُّونَكم ) واعْتَرَضَهُ في البَحْرِ بِأنَّ المُضارِعَ المُثْبَتَ إذا وقَعَ حالًا لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ واوُ الحالِ ولِهَذا تَأوَّلُوا - قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَيْهِ - عَلى حَذْفِ المُبْتَدَأِ أيْ قُمْتُ وأنا أصُكُّ عَيْنَيْهِ، ومِثْلُ هَذا التَّأْوِيلِ وإنْ جاءَ هُنا أيْ ولا يُحِبُّونَكم وأنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ، إلّا أنَّ العَطْفَ عَلى تُحِبُّونَهم أُولى لِسَلامَتِهِ مِنَ الحَذْفِ، وفِيهِ أنَّ الكَلامَ في مَعْرِضِ التَّخْطِئَةِ ولا كَذَلِكَ الإيمانُ بِالكِتابِ كُلِّهِ فَإنَّهُ مَحْضُ الصَّوابِ، والحَمْلُ - عَلى أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِنهُ لِأنَّ إيمانَهم كَلا إيمانٍ فَلا يُجامِعُ المُحِبَّةَ - سَدِيدٌ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي في تَقْرِيرِ الحالِيَّةِ دُونَ العِطْفِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما في البَحْرِ مِنَ الِاعْتِذارِ، والمَعْنى يُحِبُّونَكم والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ فَما بالُكم تُحِبُّونَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِكِتابِكم.

﴿ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا ﴾ نِفاقًا ﴿ وإذا خَلَوْا ﴾ أيْ خَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ ﴿ عَضُّوا عَلَيْكُمُ ﴾ أيْ لِأجْلِكُمُ ﴿ الأنامِلَ ﴾ أيْ أطْرافَ الأصابِعِ ﴿ مِنَ الغَيْظِ ﴾ أيْ لِأجْلِ الغَضَبِ والحَنَقِ لِما يَرَوْنَ مِنِ ائْتِلافِ المُؤْمِنِينَ واجْتِماعِ كَلِمَتِهِمْ ونُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِحَيْثُ عَجَزَ أعْداؤُهم عَنْ أنْ يَجِدُوا سَبِيلًا إلى التَّشَفِّي واضْطَرُّوا إلى مُداراتِهِمْ، وعَضُّ الأنامِلِ عادَةُ النّادِمِ الأسِيفِ العاجِزِ، ولِهَذا أُشِيرَ بِهِ إلى حالِ هَؤُلاءِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ هُناكَ عَضًّا بِالفِعْلِ ( قُلْ ) يا مُحَمَّدُ بِلِسانِكَ، وقِيلَ: المُرادُ حَدِّثْ نَفْسَكَ بِإذْلالِهِمْ وإعْزازِ الإسْلامِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وتَحْرِيضٌ لَهم عَلى عَداوَتِهِمْ وحَثٌّ لَهم عَلى خِطابِهِمْ خِطابَ الخُصَماءِ، فَإنَّهُ لا أقْطَعَ لِلْمَحَبَّةِ مِن جِراحَةِ اللِّسانِ، فالمَقْصُودُ عَلى هَذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾ مُجَرَّدُ الخِطابِ بِما يُكْرِهُونَهُ، والصَّحِيحُ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَتُهم أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ وكَوْنُ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ خَفاءٌ، إذْ لا يُخاطَبُ المَدْعُوُّ عَلَيْهِ بَلِ اللَّهُ تَعالى، ويُسْألُ مِنهُ ابْتِلاؤُهُ لا خَفاءَ في خَفائِهِ وأنَّهُ غَفْلَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: قاتَلَكَ اللَّهُ تَعالى، وقَوْلِهِمْ: دُمْ بِعِزٍّ، وبِتْ قَرِيرَ عَيْنٍ، وغَيْرِهِ مِمّا لا يُحْصى، والمُرادُ كَما قِيلَ: الدُّعاءُ بِدَوامِ الغَيْظِ وزِيادَتِهِ بِتَضاعُفِ قُوَّةِ الإسْلامِ وأهْلِهِ حَتّى يَهْلِكُوا بِهِ، وهَذا عِنْدَ العَلّامَةِ الثّانِي مِن كِنايَةِ الكِنايَةِ حَيْثُ عَبَّرَ بِدُعاءِ مَوْتِهِمْ بِالغَيْظِ عَنْ مَلْزُومِهِ الَّذِي هو دُعاءُ ازْدِيادِ غَيْظِهِمْ إلى حِينِ الهَلاكِ وبِهِ عَنْ مَلْزُومِهِ الَّذِي هو قُوَّةُ الإسْلامِ وعِزُّ اسْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُجَرَّدَ المَوْتِ بِالغَيْظِ أوِ ازْدِيادِهِ لَيْسَ مِمّا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَبَ ويُدْعى بِهِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَجازَ مَذْكُورٌ، وأمّا الكِنايَةُ عَلى الكِنايَةِ فَنادِرَةٌ وقَدْ صَرَّحَ بِها السُّبْكِيُّ في قَواعِدِهِ الأُصُولِيَّةِ ونَقَلَ فِيها خِلافًا، ومَعَ هَذا الفَرْقِ بَيْنَ الكِنايَةِ بِالوَسائِطِ والكِنايَةِ عَلى الكِنايَةِ مِمّا يَحْتاجُ إلى التَّأمُّلِ الصّادِقِ، ولَعَلَّهُ فَرْقٌ اعْتِبارِيٌّ، وأيْضًا ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ مُجَرَّدَ المَوْتِ بِالغَيْظِ إلَخْ مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُحَسِّنُ لِذَلِكَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى ذَمِّهِمْ حَيْثُ إنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا هَذا المَوْتَ الفَظِيعَ والحالَ الشَّنِيعَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ (911) أيْ بِما خَفِيَ فِيها، وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ المَقُولِ أيْ قُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُخْفُونَهُ مِن عَضِّ الأنامِلِ إذا خَلَوْتُمْ فَيُجازِي بِهِ، وأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهُ، أيْ قُلْ لَهم ما تَقَدَّمَ ولا تَتَعَجَّبْ مِن إطْلاعِي إيّاكَ عَلى أسْرارِهِمْ، فَإنِّي عَلِيمٌ بِالأخْفى مِن ضَمائِرِهِمْ، والنَّهْيُ عَنِ التَّعَجُّبِ حِينَئِذٍ إمّا خارِجٌ مَخْرَجَ العادَةِ مَجازًا بِناءً عَلى أنَّ المُخاطَبَ عالِمٌ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وإمّا باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ إنْ كانَ المُخاطَبُ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّنْ يَقِفُ عَلى هَذا الخِطابِ، فَلا إشْكالَ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ خِلافًا لِمَن وهِمَ في ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌۭ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌۭ يَفْرَحُوا۟ بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ ١٢٠

﴿ إنْ تَمْسَسْكُمْ ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ نِعْمَةٌ مِن رَبِّكم كالأُلْفَةِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ والظَّفَرِ بِالأعْداءِ ﴿ تَسُؤْهُمْ ﴾ أيْ تُحْزِنْهم وتُغِظْهم ﴿ وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ ﴾ أيْ مِحْنَةٌ كَإصابَةِ العَدُوِّ مِنكم واخْتِلافِ الكَلِمَةِ فِيما بَيْنَكم ﴿ يَفْرَحُوا ﴾ أيْ يَبْتَهِجُوا ( بِها ) وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَناهِي عَداوَتِهِمْ إلى حَدِّ الحَسَدِ والشَّماتَةِ، والمَسُّ قِيلَ: مُسْتَعارٌ لِلْإصابَةِ فَهُما هُنا بِمَعْنى، وقَدْ سَوّى بَيْنَهُما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ ﴾ ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴾ ﴿ وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ والتَّعْبِيرُ هُنا بِالمَسِّ مَعَ الحَسَنَةِ وبِالإصابَةِ مَعَ السَّيِّئَةِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ في التَّعْبِيرِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الأحْسَنُ والأنْسَبُ بِالمَقامِ ما قِيلَ: إنَّهُ لِلدَّلالَةِ عَلى إفْراطِهِمْ في السُّرُورِ والحُزْنِ؛ لِأنَّ المَسُّ أقَلُّ مِنَ الإصابَةِ كَما هو الظّاهِرُ، فَإذا ساءَهم أقَلُّ خَيْرٍ نالَهم فَغَيْرُهُ أوْلى مِنهُ، وإذا فَرِحُوا بِأعْظَمِ المَصائِبِ مِمّا يَرْثى لَهُ الشّامِتُ ويَرِقُّ الحاسِدُ فَغَيْرُهُ أوْلى، فَهم لا تُرْجى مُوالاتُهم أصْلًا فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَهم بِطانَةً ؟!

والقَوْلُ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ ما يُصِيبُهم مِنَ الخَيْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى لُطْفِ اللَّهِ تَعالى مَعَهم خَيْرٌ قَلِيلٌ، وما يُصِيبُهم مِنَ السَّيِّئَةِ بِالنِّسْبَةِ لِما يُقابَلُ بِهِ مِنَ الأجْرِ الجَزِيلِ عَظِيمٌ بَعِيدٌ كَما لا يَخْفى ﴿ وإنْ تَصْبِرُوا ﴾ عَلى أذاهم أوْ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ومَضَضِ الجِهادِ في سَبِيلِهِ ﴿ وتَتَّقُوا ﴾ ما حُرِّمَ عَلَيْكم ﴿ لا يَضُرُّكم كَيْدُهُمْ ﴾ أيْ مَكْرُهم، وأصْلُ الكَيْدِ المَشَقَّةُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ( لا يَضِرْكم ) بِكَسْرِ الضّادِ وجَزْمِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ مِن ضارَّهُ يَضِيرُهُ بِمَعْنى ضَرَّهُ يَضُرُّهُ، وضَمُّ الرّاءِ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ لِاتِّباعِ ضَمَّةِ الضّادِ كَما في الأمْرِ المُضاعَفِ المَضْمُومِ العَيْنِ كَمُدَّ، والجَزْمُ مُقَدَّرٌ، وجَوَّزُوا في مَثَلِهِ الفَتْحَ لِلْخِفَّةِ والكَسْرِ لِأجْلِ تَحْرِيكِ السّاكِنِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَرْفُوعٌ بِتَقْدِيرِ الفاءِ وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ( ﴿ شَيْئًا ﴾ ) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ ( لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا ) مِنَ الضَّرَرِ لا كَثِيرًا ولا قَلِيلًا بِبَرَكَةِ الصَّبْرِ والتَّقْوى لِكَوْنِهِما مِن مَحاسِنِ الطّاعاتِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، ومَن تَحَلّى بِذَلِكَ كانَ في كَنَفِ اللَّهِ تَعالى وحِمايَتِهِ مِن أنْ يَضُرَّهُ كَيْدُ عَدُوٍّ، وقِيلَ: ( لا يَضُرُّكم كَيْدُهم ) لِأنَّهُ أحاطَ بِكم فَلَكُمُ الأجْرُ الجَزِيلُ، إنْ بَطَلَ فَهو النِّعْمَةُ الدُّنْيا فَأنْتُمْ لا تُحْرَمُونَ الحُسْنى عَلى كِلْتا الحالَتَيْنِ وفِيهِ بُعْدٌ ﴿ إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الكَيْدِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حاتِمٍ ( تَعْمَلُونَ ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ ما تَعْمَلُونَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى ( ﴿ مُحِيطٌ ﴾ ) عِلْمًا أوْ بِالمَعْنى اللّائِقِ بِجَلالِهِ فَيُعاقِبُهم بِهِ أوْ فَيُثِيبُكم عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَـٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١

﴿ وإذْ غَدَوْتَ ﴾ أيْ واذْكُرْ إذْ خَرَجْتَ غَدْوَةً ( ﴿ مِن ﴾ ) عِنْدِ ( ﴿ أهْلِكَ ﴾ ) والخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً، والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِلِاسْتِشْهادِ بِما فِيهِ مِنِ اسْتِتْباعِ عَدَمِ الصَّبْرِ والتَّقْوى لِلضَّرَرِ عَلى أنَّ وُجُودَهُما مُسْتَتْبِعٌ لِما وعَدَ مِنَ النَّجاةِ عَنْ مَضَرَّةِ كَيْدِ الأعْداءِ، وكانَ الخُرُوجُ مِن حُجْرَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ﴿ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ تُوطِنُهم قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: تُنْزِلُهم، وقِيلَ: تُسَوِّي وتُهَيِّئُ لَهم، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ - لِلْمُؤْمِنِينَ - إذْ لَيْسَ مَحَلُّ التَّقْوِيَةِ والزِّيادَةِ غَيْرَ فَصِيحَةٍ ﴿ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ﴾ أيْ مَواطِنَ ومَواقِفَ ومَقاماتٍ لَهُ، وأصْلُ المَقْعَدِ والمَقامِ مَحَلُّ القُعُودِ والقِيامِ ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ بِطَرِيقِ المَجازِ عَلى المَكانِ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِيامٌ وقُعُودٌ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى مَن بِهِ كَقَوْلِهِمُ المَجْلِسُ السّامِيُّ والمَقامُ الكَرِيمُ، وجُمْلَةُ ( ﴿ تُبَوِّئُ ﴾ ) حالٌ مِن فاعِلِ ( ﴿ غَدَوْتَ ﴾ ) ولِكَوْنِ المَقْصُودِ تَذْكِيرُ الزَّمانِ المُمْتَدِّ المُتَّسِعِ لِابْتِداءِ الخُرُوجِ والتَّبْوِئَةِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها إذْ هو المُذَكِّرُ لِلْقِصَّةِ لَمْ يَحْتَجْ إلى القَوْلِ بِأنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ ناوِيًا وقاصِدًا لِلتَّبْوِئَةِ، و( مَقاعِدَ ) مَفْعُولٌ ثانٍ - لِتُبَوِّئُ - والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَقاعِدَ، ولا يَجُوزُ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ المَكانُ وهو لا يَعْمَلُ.

رَوى ابْنُ إسْحاقَ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى والحُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وغَيْرِهِمْ، وكُلٌّ قَدْ حَدَّثَ بَعْضَ الحَدِيثِ " «أنَّهُ لَمّا أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ أصْحابِ القَلِيبِ ورَجَعَ فَلُّهم إلى مَكَّةَ، ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ بَعِيرِهِ مَشى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ في رِجالٍ مِن قُرَيْشٍ مِمَّنْ أُصِيبَتْ آباؤُهم وأبْناؤُهم وإخْوانُهم يَوْمَ بَدْرٍ فَكَلَّمُوا أبا سُفْيانَ، ومَن كانَتْ لَهُ في تِلْكَ العِيرِ مِن قُرَيْشٍ تِجارَةٌ فَقالُوا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وتَرَكم وقَتَلَ أخْيارَكم فَأعِينُونا بِهَذا المالِ عَلى حَرْبِهِ لَعَلَّنا نُدْرِكُ بِهِ ثَأْرَنا بِمَن أصابَ مِنّا فَفَعَلُوا، فاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وخَرَجَتْ بِجِدِّها وجَدِيدِها وأحابِيشِها ومَن تابَعَها مِن بَنِي كِنانَةَ وأهْلِ تِهامَةَ، وخَرَجُوا مَعَهم بِالظَّعْنِ التِماسَ الحَفِيظَةِ وأنْ لا يَفِرُّوا، وخَرَجَ أبُو سُفْيانَ وهو قائِدُ النّاسِ بِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ، وخَرَجَ آخَرُونَ بِنِساءٍ أيْضًا، فَأقْبَلُوا حَتّى نَزَلُوا بِعَيْنَيْنِ بِجَبَلٍ بِبَطْنِ السَّبْخَةِ مِن قَناةٍ عَلى شَفِيرِ الوادِي مُقابِلَ المَدِينَةِ، فَلَمّا سَمَّعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ  والمُسْلِمُونَ قَدْ نَزَلُوا حَيْثُ نَزَلُوا، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنِّي رَأيْتُ بَقَرًا تُنْحَرُ، ورَأيْتُ في ذُبابِ سَيْفِي ثَلْمًا، ورَأيْتُ أنِّي أدْخَلْتُ يَدِي في دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأوَّلْتُها المَدِينَةَ، فَإنْ رَأيْتُمْ أنْ تُقِيمُوا بِالمَدِينَةِ وتَدْعُوهم حَيْثُ نَزَلُوا، فَإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مُقامٍ، وإنْ هم دَخَلُوا عَلَيْنا قاتَلْناهم فِيها، وكانَ رَأْيُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ مَعَ رَأْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَرى رَأْيَهُ في ذَلِكَ أنْ لا يَخْرُجَ إلَيْهِمْ، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَكْرَهُ الخُرُوجَ، فَقالَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِمَّنْ أكْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِالشَّهادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وغَيْرُهم مِمَّنْ كانَ فاتَهُ يَوْمُ بَدْرٍ: اخْرُجْ بِنا يا رَسُولَ اللَّهِ إلى أعْدائِنا لا يَرَوْنَ أنا جَبُنّا عَنْهم وضَعُفْنا، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أقِمْ بِالمَدِينَةِ لا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ، فَواللَّهِ ما خَرَجْنا مِنها إلى عَدُوٍّ لَنا قَطُّ إلّا أصابَ مِنّا ولا دَخَلَ عَلَيْنا إلّا أصَبْنا مِنهُ فَدَعْهم، يا رَسُولَ اللَّهِ فَإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مَحْبَسٍ، وإنْ دَخَلُوا قاتَلَهُمُ الرِّجالُ مِن فَوْقِهِمْ، وإنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خائِبِينَ كَما جاءُوا، فَلَمْ يَزَلِ النّاسُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِينَ كانَ مِن أمْرِهِمْ حُبُّ لِقاءِ القَوْمِ حَتّى دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَلَبِسَ لَأْمَةَ حَرْبِهِ وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وقَدْ نَدِمَ النّاسُ وقالُوا: اسْتَكْرَهْنا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَمْ يَكُنْ لَنا ذَلِكَ، فَإنْ شِئْتَ فاقْعُدْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ: ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُقاتِلَ، فَخَرَجَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِألْفٍ مِن أصْحابِهِ وقَدْ وعَدَهُمُ الفَتْحَ أنْ يَصْبِرُوا، واسْتَعْمَلَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلى الصَّلاةِ بِالنّاسِ حَتّى إذا كانَ بِالشَّوْطِ بَيْنَ المَدِينَةِ وأُحُدٍ انْخَذَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بِثُلُثِ النّاسِ وقالَ: أطاعَهم وعَصانِي وما نَدْرِي عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا هَهُنا أيُّها النّاسُ، فَرَجَعَ بِمَن تَبِعَهُ مِن قَوْمِهِ مِن أهْلِ النِّفاقِ والرَّيْبِ، واتَّبَعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حِزامٍ أخُو بَنِي سَلِمَةَ يَقُولُ: يا قَوْمِ أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ تَعالى أنْ تَخْذُلُوا قَوْمَكم ونَبِيَّكم عِنْدَ ما حَضَرَ مِن عَدُوِّهِمْ، قالَ: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ لَما أسْلَمْناكم، ولَكِّنا لا نَرى أنَّهُ يَكُونُ قِتالٌ، فَلَمّا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ وأبَوْا إلّا الِانْصِرافَ، قالَ: أبْعَدَكُمُ اللَّهُ تَعالى أعْداءَ اللَّهِ فَسَيُغْنِي اللَّهُ تَعالى عَنْكم نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَضى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَتّى سَلَكَ في حَرَّةِ بَنِي حارِثَةَ فَذَبَّ فَرَسٌ بِذَنَبِهِ فَأصابَ كُلابَ سَيْفٍ فاسْتَلَّهُ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ يُحِبُّ الفَأْلَ ولا يَعْتافُ لِصاحِبِ السَّيْفِ: شُمَّ سَيْفَكَ فَإنِّي أرى السُّيُوفَ سَتُسَلُّ اليَوْمَ، ومَضى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى نَزَلَ الشِّعْبَ مِن أُحُدٍ مِن عَدْوَةِ الوادِي إلى الجَبَلِ فَجَعَلَ ظَهْرَهُ وعَسْكَرَهُ إلى أُحُدٍ وقالَ: لا يُقاتِلُ أحَدٌ حَتّى نَأْمُرَهُ بِالقِتالِ، وتَعَبَّأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْقِتالِ ومَشى عَلى رِجْلَيْهِ وجَعَلَ يَصُفُّ أصْحابَهُ فَكَأنَّما يُقَوِّمُ بِهِمُ القَدَحَ إنْ رَأى صَدْرًا خارِجًا قالَ: تَأخَّرْ، وهو في سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، وأمَّرَ عَلى الرُّماةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وهو مُعَلَّمٌ يَوْمَئِذَ بِثِيابٍ بِيضٍ وكانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا وقالَ: انْضَحِ الخَيْلَ عَنّا بِالنَّبْلِ لا يَأْتُونا مَن خَلْفِنا إنْ كانَ عَلَيْنا أوْ لَنا فاثْبُتْ مَكانَكَ لا يُؤْتَيَنَّ مِن قِبَلَكَ، وظاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ ودَفَعَ اللِّواءَ إلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وتَعَبَّأتْ قُرَيْشٌ وهم ثَلاثَةُ آلافٍ فِيهِمْ مِائَتا فَرَسٍ قَدْ جَنَّبُوها، ووَقَعَ القِتالُ وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ وكانَ ما كانَ، وأشارَ اللَّهُ تَعالى إلى هَذا اليَوْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ»، والقَوْلُ بِأنَّها إشارَةٌ إلى يَوْمِ بَدْرٍ كَقَوْلِ مُقاتِلٍ بِأنَّها إشارَةٌ إلى يَوْمِ الأحْزابِ خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ.

﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لِسائِرِ المَسْمُوعاتِ، ويَدْخُلُ ما وقَعَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مِنَ الأقْوالِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ عَلِيمٌ ﴾ (121) بِسائِرِ المَعْلُوماتِ، ومِنها ما في ضَمائِرِ القَوْمِ يَوْمَئِذٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ قَدْ قَدَّرَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ما لا يَنْبَغِي صُدُورُهُ مِنهم، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ حِينَ رَأوْا غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ: قَدْ غَنِمَ أصْحابُنا ونَبْقى نَحْنُ بِلا غَنِيمَةٍ وجَعَلُوا يَنْسَلُّونَ رَجُلًا فَرَجُلًا حَتّى أخْلَوْا مَراكِزَهم ولَمْ يَبْقَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ سِوى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مَعَ إيصاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِثُبُوتِهِمْ مَكانَهم.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ١٢٢

﴿ إذْ هَمَّتْ ﴾ قِيلَ: بَدَلٌ مِن إذْ غَدَوْتَ مُبَيِّنٌ لِما هو المَقْصُودُ بِالتَّذْكِيرِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا - لِتُبَوِّئُ - أوْ - لِغَدَوْتَ - أوْ - لِسَمِيعٌ عَلِيمٌ - عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ أوْ لَهُما مَعًا في رَأْيٍ، ولَيْسَ المُرادُ تَقْيِيدَ كَوْنِهِ سَمِيعًا عَلِيمًا بِذَلِكَ الوَقْتِ ﴿ طائِفَتانِ مِنكُمْ ﴾ أيْ فِرْقَتانِ مِنَ المُسْلِمِينَ وهُما حَيّانِ مِنَ الأنْصارِ بَنُو سَلِمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ وكانا جَناحَيْ عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنُ وخَلْقٌ كَثِيرٌ، وقالَ الجُبّائِيُّ: هَمَّتْ طائِفَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ وطائِفَةٌ مِنَ الأنْصارِ ﴿ أنْ تَفْشَلا ﴾ أيْ تَضْعُفا وتَجْبُنا حِينَ رَأوُا انْخِذالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ مَعَ مَن مَعَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُنْسَبِكُ مِن أنْ والفِعْلِ مُتَعَلِّقٌ بِهَمَّتْ، والباءُ مَحْذُوفَةٌ أيْ هَمَّتْ بِالفَشَلِ، وكانَ المُرادُ بِهِ هُنا لازِمَهُ؛ لِأنَّ الفِعْلَ الِاخْتِيارِيَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ الهَمُّ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الهَمَّ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ عَلى مُخالَفَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومُفارَقَتِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصْدُرُ مِثْلُهُ عَنْ مُؤْمِنٍ بَلْ كانَ مُجَرَّدَ حَدِيثِ نَفْسٍ ووَسْوَسَةٍ كَما في قَوْلِهِ: أقُولُ لَها إذا جَشَأتْ وجاشَتْ مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ ولِيُّهُما ﴾ أيْ ناصِرُهُما، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ( ﴿ هَمَّتْ ﴾ ) أوْ مِن ضَمِيرِهِ في ( ﴿ تَفْشَلا ﴾ ) مُفِيدَةٌ لِاسْتِبْعادِ فَشَلِهِما أوْ هَمِّهِما مَعَ كَوْنِهِما في وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ( واللَّهُ ولِيُّهم ) بِضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى حَدِّ ﴿ وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ﴾ .

﴿ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ ( 221 ) أيْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لا عَلى غَيْرِهِ كَما يُؤْذَنُ بِهِ تَقْدِيمُ المَعْمُولِ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ والتَّعْلِيلِ وألْ في ( المُؤْمِنُونَ ) لِلْجِنْسِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الطّائِفَتانِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفي هَذا العُنْوانِ إشْعارٌ بِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى مِن مُوجِباتِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ التَّوَكُّلِ لِيُفِيدَ العُمُومَ أيْ لِيَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ جَلِيلِها وحَقِيرِها سَهْلِها وحَزَنِها.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍۢ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌۭ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٢٣

﴿ ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ﴾ بَيانٌ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى الصَّبْرِ والتَّقْوى إثْرَ بَيانِ ما تَرَتَّبَ عَلى عَدَمِهِما، أوْ مُساقَةٌ لِإيجابِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِتَذْكِيرِ ما يُوجِبُهُ، وبَدْرٌ كَما قالَ الشَّعْبِيُّ بِئْرٌ لِرَجُلٍ مِن جُهَيْنَةَ يُقالُ لَهُ بَدْرٌ فَسُمِّيَتْ بِهِ، وقالَ الواقِدِيُّ: اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ، وقِيلَ: لِلْوادِي وكانَتْ كَما قالَ عِكْرِمَةُ: مَتْجَرًا في الجاهِلِيَّةِ.

وقالَ قَتادَةُ: إنَّ بَدْرًا ماءٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ التَقى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُشْرِكُونَ، وكانَ أوَّلَ قِتالٍ قاتَلَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكانَ ذَلِكَ في السّابِعَ عَشَرَ مِن شَهْرِ رَمَضانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، والباءُ بِمَعْنى في؛ أيْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في بَدْرٍ، ﴿ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( نَصَرَكم ) و( أذِلَّةٌ ) جَمْعُ قِلَّةٍ لِذَلِيلٍ، واخْتِيرَ عَلى ذَلائِلَ لِيَدُلَّ عَلى قِلَّتِهِمْ مَعَ ذِلَّتِهِمْ، والمُرادُ بِها عَدَمُ العُدَّةِ لا الذُّلُّ المَعْرُوفُ، فَلا يَشْكُلُ دُخُولُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذا الخِطابِ إنْ قُلْنا بِهِ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ المَعْنى المَعْرُوفُ، ويَكُونُ المُرادُ ﴿ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ ﴾ في أعْيُنِ غَيْرِكم وإنْ كُنْتُمْ أعِزَّةً في أنْفُسِكم، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى عَدَدِهِمْ وعَدَدِ المُشْرِكِينَ إذْ ذاكَ ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ بِاجْتِنابِ مَعاصِيهِ والصَّبْرِ عَلى طاعَتِهِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ اكْتِفاءً بِما سَبَقَ وما لَحِقَ مَعَ الإشْعارِ - عَلى ما قِيلَ - بِشَرَفِ التَّقْوى وأصالَتِها وكَوْنِ الصَّبْرِ مِن مَبادِيها اللّازِمَةِ لَها، وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ بِها عَلى الإخْبارِ بِالنَّصْرِ إعْلامٌ بِأنَّ نَصْرَهُمُ المَذْكُورَ كانَ بِسَبَبِ تَقْواهم، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ( 321 ) لَعَلَّكم تَقُومُونَ بِشُكْرِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِنَ النَّصْرِ القَرِيبِ بِسَبَبِ تَقْواكم إيّاهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً أوْ مَجازًا عَنْ نَيْلِ نِعْمَةٍ أُخْرى تُوجِبُ الشُّكْرَ كَأنَّهُ قِيلَ: فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَنالُونَ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى فَتَشْكُرُونَهُ عَلَيْها، فَوَضَعَ الشُّكْرَ مَوْضِعَ الإنْعامِ لِأنَّهُ سَبَبٌ لَهُ ومُسْتَعِدٌّ إيّاهُ.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ١٢٤

﴿ إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ظَرْفٌ لِنَصْرِكم، والمُرادُ بِهِ وقْتٌ مُمْتَدٌّ، وقَدَّمَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِالتَّقْوى إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ، وقِيلَ: بَدَلٌ ثانٍ مِن ( إذْ غَدَوْتَ ) وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ هَذا القَوْلُ بِبَدْرٍ، وعَلى ذَلِكَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ المُسْلِمِينَ بَلَغَهم يَوْمَ بَدْرٍ أنَّ كُرْزَ بْنَ جابِرٍ المُحارِبِيَّ يُرِيدُ أنْ يَمُدَّ المُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ ﴾ إلَخْ، فَبَلَغَتْ كُرْزًا الهَزِيمَةُ فَلَمْ يَمُدَّ المُشْرِكِينَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ القَوْلُ بِأُحُدٍ، وكانَ مَعَ اشْتِراطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى عَنِ المُخالَفَةِ ولَمْ يُوجِدا مِنهم فَلَمْ يَمُدُّوا، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى عِكْرِمَةَ وقَتادَةَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ.

﴿ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ الكِفايَةُ سَدُّ الحاجَةِ وفَوْقَها الغِنى بِناءً عَلى أنَّهُ الزِّيادَةُ عَلى نَفْيِ الحاجَةِ، والإمْدادُ في الأصْلِ إعْطاءُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، ويُقالُ مَدَّ في السَّيْرِ إذا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، وامْتَدَّ بِهِمُ السَّيْرُ إذا طالَ واسْتَمَرَّ، وعَنْ بَعْضِهِمْ ما كانَ بِطَرِيقِ التَّقْوِيَةِ والإعانَةِ، يُقالُ فِيهِ أمَدَّهُ يُمِدُّهُ إمْدادًا، وما كانَ بِطَرِيقِ الزِّيادَةِ يُقالُ فِيهِ: مَدَّهُ مَدًّا، وقِيلَ: يُقالُ: مَدَّهُ في الشَّرِّ وأمَدَّهُ في الخَيْرِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ لا يَكْفِيَهم ذَلِكَ، وأتى بِلَنْ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ كالآيِسِينَ مِنَ النَّصْرِ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ، وفي التَّعْبِيرِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ وتَقْوِيَةِ الإنْكارِ و ﴿ أنْ يُمِدَّكُمْ ﴾ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ فاعِلٌ بِيَكْفِيكم و( مِنَ المَلائِكَةِ ) بَيانٌ أوْ صِفَةٌ لِآلافٍ أوْ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ، و( مُنْزِلِينَ ) صِفَةٌ لِثَلاثَةِ آلافٍ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ وفي وصْفِهِمْ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم مَنَّ أشْرَفِ المَلائِكَةِ، وقَدْ أُنْزِلُوا عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ مِنَ السَّماءِ الثّالِثَةِ، وذَكَرَ سِرَّ ذَلِكَ في الفُتُوحاتِ، وقُرِئَ ( مُنَزَّلِينَ ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ أوْ لِلتَّدْرِيجِ، وقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِنَ الصِّيغَتَيْنِ عَلى مَعْنى ( مُنْزِلِينَ ) الرُّعْبَ في قُلُوبِ أعْدائِكم أوِ النَّصْرَ لَكم، والجُمْهُورُ عَلى كَسْرِ التّاءِ مِن ثَلاثَةٍ، وقَدْ أُسْكِنَتْ في الشَّواذِّ، ووُقِفَ عَلَيْها بِإبْدالِها هاءً أيْضًا عَلى أنَّهُ أُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ فِيهِما، ويُضَعِّفُ ذَلِكَ أنَّ المُضافَ والمُضافَ إلَيْهِ كالشَّيْءِ الواحِدِ.

<div class="verse-tafsir"

بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥

( ﴿ بَلى ﴾ ) إيجابٌ لِما بَعْدَ ( لَنْ ) أيْ بَلى ( يَكْفِيكم ) ذَلِكَ، ثُمَّ وعَدَهُمُ الزِّيادَةَ بِالشَّرْطِ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ إنْ تَصْبِرُوا ﴾ عَلى مَضَضِ الجِهادِ وما أُمِرْتُمْ بِهِ ( ﴿ وتَتَّقُوا ﴾ ) رَبَّكم بِالِاجْتِنابِ عَنْ مَعاصِيهِ وعَدَمِ المُخالَفَةِ لَهُ ( ﴿ ويَأْتُوكُمْ ﴾ ) أيِ المُشْرِكُونَ أوْ أصْحابُ كُرْزٍ كَما قالَ الشَّعْبِيُّ.

﴿ مِن فَوْرِهِمْ هَذا ﴾ أصْلُ الفَوْرِ مَصْدَرٌ مِن فارَتِ القِدْرُ إذا اشْتَدَّ غَلَيانُها ومِنهُ أنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَوْرِ جَهَنَّمَ، ويُطْلَقُ عَلى الغَضَبِ لِأنَّهُ يُشْبِهُ فَوْرَ القِدْرِ وعَلى أوَّلِ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ إنَّهُ اسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الحالِ الَّتِي لا بُطْءَ فِيها ولا تَراخِيَ، والمَعْنى ويَأْتُوكم في الحالِ، ووُصِفَ بِهَذا لِتَأْكِيدِ السُّرْعَةِ بِزِيادَةِ التَّعْيِينِ والتَّقْرِيبِ ونَظْمِ إتْيانِهِمْ بِسُرْعَةٍ في سِلْكِ شَرْطَيِ الإمْدادِ ومَدارَيْهِ مَعَ تَحَقُّقِ الإمْدادِ لا مَحالَةَ أسْرَعُوا أوْ أبْطَأُوا إيذانًا بِتَحَقُّقِ سُرْعَةِ الإمْدادِ لا لِتَحْقِيقِ أصْلِهِ، أوْ لِبَيانِ تَحَقُّقِهِ عَلى أيِّ حالٍ فُرِضَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدَهُ، حَيْثُ عَلَّقَهُ بِأبْعَدِ التَّقادِيرِ لِيُعْلَمَ تَحَقُّقُهُ عَلى سائِرِها بِالأوْلى، فَإنَّ هُجُومَ الأعْداءِ بِسُرْعَةٍ مِن مَظانِّ عَدَمِ لُحُوقِ المَدَدِ عادَةً، فَمَتى عُلِّقَ بِهِ تَحَقَّقَ الإمْدادُ مَعَ مُنافاتِهِ لَهُ أفادَ تَحَقُّقَهُ لا مَحالَةَ مَعَ ما هو غَيْرُ مُنافٍ لَهُ كَذا قِيلَ، ورُبَّما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الإمْدادَ المُرَتَّبَ عَلى الشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ ﴾ وقَعَ لَهم وفي ذَلِكَ تَرْدِيدٌ وتَرَدُّدٌ لِأنَّ هَذا الكَلامَ إنْ كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ فَلا شُبْهَةَ في عَدَمِ وُقُوعِ ذَلِكَ ولا بِمِلْكِ واحِدٍ لِعَدَمِ وُقُوعِ الشَّرْطِ؛ ولِذا وقَعَتِ الهَزِيمَةُ، وإنْ كانَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ كَما هو المُعْتَمِدُ فَقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في أنَّهم أُمِدُّوا بِهَذِهِ الخَمْسَةِ الآلافِ أوْ لا، فَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ إلى أنَّهم أُمِدُّوا بِغَيْرِها ولَمْ يُمَدُّوا بِها بِناءً عَلى تَعْلِيقِ الإمْدادِ بِها بِمَجْمُوعِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ وهي الصَّبْرُ والتَّقْوى وإيتاءُ أصْحابِ كُرْزٍ، وقَدْ فُقِدَ الأمْرُ الثّالِثُ كَما نَقَلْناهُ أوَّلًا، فَلَمْ يُوجَدِ المَجْمُوعُ لِانْعِدامِهِ بِانْعِدامِ بَعْضِ أجْزائِهِ، فَلَمْ يُوجَدِ الإمْدادُ المَذْكُورُ كَما صَرَّحَ بِهِ الشَّعْبِيُّ، نَعَمْ ذَهَبَ جَمْعٌ إلى خِلافِهِ، ولَعَلَّهُ مَبْنى صاحِبِ القِيلِ، لَكِنْ يَبْقى أنَّ تَفْسِيرَ الفَوْرِ بِما فُسِّرَ بِهِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، بَلْ لَمْ يُوجَدْ صَرِيحًا في كَلامِ السَّلَفِ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ أنَّهُ بِمَعْنى الغَضَبِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ مِن لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ يَأْتُوكم بِسَبَبِ غَضَبِهِمْ عَلَيْكم، والإشارَةُ إمّا لِتَعْظِيمِ ذَلِكَ الغَضَبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ شَدِيدٌ ومُتَمَكِّنٌ في القُلُوبِ، وإمّا لِتَحْقِيرِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ والطَّرِيقِ المَحْمُودِ، فَإنَّهُ إنَّما كانَ عَلى مُخالَفَةِ المُسْلِمِينَ لَهم في الدِّينِ وتَسْفِيهِ آرائِهِمْ وذَمِّ آلِهَتِهِمْ، أوْ عَلى ما أوْقَعُوا فِيهِمْ وحَطَّمُوا رُءُوسَ رُؤَسائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وإلى الثّانِي ذَهَبَ عِكْرِمَةُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ في أُحُدٍ.

وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ إلى تَفْسِيرِهِ بِالسَّفَرِ أيْ ويَأْتُوكم مِن سَفَرِهِمْ هَذا، قِيلَ: وهو مَبْنِيٌّ أيْضًا عَلى ما بُنِيَ عَلَيْهِ سابِقُهُ؛ «لِأنَّ الكُفّارَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ نَدِمُوا بَعْدَ انْصِرافِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْبُرُوا عَلى المَدِينَةِ وهَمُّوا بِالرُّجُوعِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَأْمُرَ أصْحابَهُ بِالتَّهَيُّؤِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: إنْ صَبَرْتُمْ عَلى الجِهادِ واتَّقَيْتُمْ وعادُوا إلَيْكم مِن سَفَرِهِمْ هَذا أمَدَّكُمُ اللَّهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَأخَذُوا في الجِهادِ وخَرَجُوا يَتْبَعُونَ الكُفّارَ عَلى ما كانَ بِهِمْ مِنَ الجِراحِ، فَأخْبَرَ المُشْرِكِينَ مَن مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ خَرَجَ يَتْبَعُكم فَخافَ المُشْرِكُونَ إنْ رَجَعُوا أنْ تَكُونَ الغَلَبَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وأنْ يَكُونَ قَدِ التَأمَ إلَيْهِمْ مَن كانَ تَأخَّرَ عَنْهم وانْضَمَّ إلَيْهِمْ غَيْرُهم، فَدَسُّوا نُعَيْمًا الأشْجَعِيَّ حَتّى يَصُدَّهم بِتَعْظِيمِ أمْرِ قُرَيْشٍ وأسْرَعُوا بِالذَّهابِ إلى مَكَّةَ، وكَفى اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ أمْرَهم»، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، ثُمَّ إنَّ تَفْسِيرَ الفَوْرِ بِالسَّفَرِ مِمّا لَمْ نَظْفَرْ بِهِ فِيما بَيْنَ أيْدِينا مِنَ الكُتُبِ اللُّغَوِيَّةِ، فَلَعَلَّ الفَوْرَ بِمَعْنى الحالِ الَّتِي لا بُطْءَ فِيها، وهَذا التَّفْسِيرُ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، وذَهَبَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ وغَيْرُهم أنَّ مِن ( ﴿ فَوْرِهِمْ ﴾ ) بِمَعْنى وجْهِهِمْ، ولَيْسَ بِنَصٍّ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ مُتَأخِّرُو المُفَسِّرِينَ أصْحابُ القِيلِ؛ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الوَجْهِ الجِهَةَ الَّتِي يَقْصِدُها المُسافِرُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن وجْهِ الدَّهْرِ بِمَعْنى أوَّلِهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا لَكِنَّهُ ظاهِرٌ قَرِيبٌ مِنَ النَّصِّ؛ لِأنَّ كَوْنَ الوَجْهِ بِمَعْنى الجِهَةِ المَذْكُورَةِ، وإنْ جاءَ في اللُّغَةِ، إلّا أنَّ كَوْنَ الفَوْرِ كَذَلِكَ في حَيِّزِ المَنعِ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ مِن وجْهِ الدَّهْرِ بِمَعْنى أوَّلِهِ يَرْجِعُ إلى ما قالُوا فَتَدَبَّرْ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الإمْدادَ وقَعَ تَدْرِيجًا فَكانَ أوَّلًا بِألْفٍ ثُمَّ صارُوا ألْفَيْنِ ثُمَّ صارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ، ثُمَّ صارُوا خَمْسَةَ آلافٍ لا غَيْرَ، فَمَعْنى يُمْدِدُكم بِخَمْسَةِ آلافٍ يُمْدِدُكم بِتَمامِ خَمْسَةِ آلافٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ، وقالَ غَيْرُهُ: كانَتِ المَلائِكَةُ ثَمانِيَةَ آلافٍ، فالمَعْنى يُمْدِدُكم بِخَمْسَةِ آلافٍ أُخَرَ ( ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾ ) (521) مِنَ التَّسْوِيمِ وهو إظْهارُ عَلامَةِ الشَّيْءِ، والمُرادُ مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم أوْ خَيْلَهم، وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في ذَلِكَ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ الزُّبَيْرَ كانَتْ عَلَيْهِ عِمامَةٌ صَفْراءُ مُعْتَجِرًا بِها، فَنَزَلَتِ المَلائِكَةُ وعَلَيْهِمْ عَمائِمُ صُفْرٌ، وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَتْ سِيماءُ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عَمائِمَ بِيضً قَدْ أرْسَلُوها في ظُهُورِهِمْ، ويَوْمَ حُنَيْنَ عَمائِمُ حُمْرٌ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ لَكِنْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: أنَّها كانَتْ يَوْمَ بَدْرٍ بِعَمائِمَ سُودٍ، ويَوْمَ أُحُدٍ بِعَمائِمَ حُمْرٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: كانَتْ سِيماءُ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ الصُّوفَ الأبْيَضَ في نَواصِي الخَيْلِ وأذْنابِها، وكانُوا كَما قالَ الرَّبِيعُ: عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّهم كانُوا مُسَوَّمِينَ بِالعِهْنِ الأحْمَرِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: كانُوا مُعَلَّمِينَ مَجْزُوزَةً أذْنابُ خُيُولِهِمْ ونَواصِيها فِيها الصُّوفُ والعِهْنِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونُوا مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم وخُيُولَهم أيْضًا، وهَذا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ ( ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾ ) بِكَسْرِ الواوِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الباقِينَ ( مُسَوَّمِينَ ) بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُعَلَّمِينَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: مُرْسَلِينَ مُطْلَقِينَ، ومِنهُ قَوْلُهم: ناقَةٌ سائِمَةٌ أيْ مُرْسَلَةٌ في المَرْعى، وإلَيْهِ ذَهَبَ السُّدِّيُّ، والمُتَبادَرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ الإسامَةَ لَهم، وأمّا أنَّها كانَتْ لِخَيْلِهِمْ فَغَيْرُ ظاهِرٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ ۗ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ١٢٦

﴿ وما جَعَلَهُ اللَّهُ ﴾ أيِ الإمْدادُ المَفْهُومُ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقُوَّةِ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأمَدَّكُمُ اللَّهُ تَعالى بِما ذُكِرَ، وما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الإمْدادَ إلّا بُشْرى لَكم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْوَعْدِ بِالإمْدادِ، وقِيلَ: لِلتَّسْوِيمِ أوْ لِلتَّنْزِيلِ أوْ لِلنَّصْرِ المَفْهُومِ مِن نَصْرِكُمُ السّابِقِ، ومُتَعَلِّقُ البِشارَةِ غَيْرُهُ، وقِيلَ: لِلْإمْدادِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأحَدِ الفِعْلَيْنِ، والكُلُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، والبُشْرى إمّا مَفْعُولٌ لَهُ، وجَعَلَ مُتَعَدِّيَةٌ لِواحِدٍ أوْ مَفْعُولٌ لَها إنْ جُعِلَتْ مُتَعَدِّيَةً لِاثْنَيْنِ، وعَلى الأوَّلِ الِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، أيْ وما جَعَلَ إمْدادَكم بِإنْزالِ المَلائِكَةِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا البِشارَةَ لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ، وعَلى الثّانِي مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ أيْ وما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا بُشْرى لَكم.

والجُمْلَةُ ابْتِداءُ كَلامٍ غَيْرِ داخِلٍ في حَيِّزِ القَوْلِ، بَلْ مَسُوقٌ مِن جَنابِهِ تَعالى لِبَيانِ أنَّ الأسْبابَ الظّاهِرَةَ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّأْثِيرِ بِدُونِ إذْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّ حَقِيقَةَ النَّصْرِ مُخْتَصٌّ بِهِ عَزَّ اسْمُهُ لِيَثِقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، ولا يَقْنَطُوا مِنهُ عِنْدَ فُقْدانِ أسْبابِهِ وأماراتِهِ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، ووَجَّهَ الخِطابَ نَحْوَ المُؤْمِنِينَ تَشْرِيفًا لَهم وإيذانًا بِأنَّهم هُمُ المُحْتاجُونَ لِما ذُكِرَ، وأمّا رَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَغَنِيٌّ عَنْهُ بِما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ التَّأْيِيدِ الرَّوْحانِيِّ والعِلْمِ الرَّبّانِيِّ.

﴿ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ ﴾ أيْ ولِتَسْكُنَ قُلُوبُكم بِالإمْدادِ فَلا تَخافُوا كَثْرَةَ عَدَدِ العَدُوِّ وقِلَّةَ عَدَدِكم، وهَذا إمّا مَعْطُوفٌ عَلى (بُشْرى) بِاعْتِبارِ المَوْضِعِ وهو كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لِلْجَعْلِ إلّا أنَّهُ نُصِبَ الأوَّلُ لِاجْتِماعِ شَرائِطِهِ، ولَمْ يُنْصَبِ الثّانِي لِفُقْدانِها، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ أيْضًا إلى أصالَتِهِ في العِلِيَّةِ وأهَمِّيَتِهِ في نَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ﴾ وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى الكَلامِ السّابِقِ أيْ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ، وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ بَشَّرَكم كَما فَعَلَ أبُو البَقاءِ، والثّانِي مُتَعَيِّنٌ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي في الأوَّلِ.

﴿ وما النَّصْرُ ﴾ أيْ عَلى الإطْلاقِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ النَّصْرُ المَعْهُودُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ المُودِعِ في الأسْبابِ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ قُوَّةً لا تَأثَّرُ إلّا بِهِ أوْ وما النَّصْرُ المَعْهُودُ إلّا مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا مِنَ المَلائِكَةِ لِأنَّ قُصارى أمْرِهِمْ ما ذُكِرَ مِنَ البِشارَةِ وتَقْوِيَةِ القُلُوبِ ولَمْ يُقاتِلُوا، أوْ لِأنَّ قُصارى أمْرِهِمْ أنَّهم قاتَلُوا بِتَمْكِينِ اللَّهِ تَعالى لَهم، ولَمْ يَكُنْ لَهم فِعْلٌ اسْتِقْلالًا، ولَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما فَعَلُوا، عَلى أنَّ مُجَرَّدَ قِتالِهِمْ لا يَسْتَدْعِي النَّصْرَ بَلْ لا بُدَّ مِنِ انْضِمامِ ضَعْفِ المُقابِلِينَ المُقاتِلِينَ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَسَلَّطَهم عَلَيْهِمْ، فَحَيْثُ أضْعَفَ وقَوّى ومَكَّنَ وما مَكَّنَ وبِهِ حَصَلَ النَّصْرُ، كانَ ذَلِكَ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والآيَةُ عَلى هَذا لا تَكُونُ دَلِيلًا لِمَن زَعَمَ أنَّ المُسَبِّباتِ عِنْدَ الأسْبابِ لا بِها، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ فَتَذَكَّرْ، وكَذا لا دَلِيلَ فِيها عَلى وُقُوعِ قِتالِهِمْ ولا عَلى عَدَمِهِ لِاحْتِمالِها الأمْرَيْنِ، وبِكُلٍّ قالَ بَعْضٌ.

والمُخْتارُ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يُقاتِلُوا في غَزَواتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وإنَّما حَضَرُوا في بَعْضِها بِمُقْتَضى ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَصْلَحَةِ مِثْلَ حُضُورِهِمْ حِلَقَ أهْلِ الذِّكْرِ، ورُبَّما أعانُوا بِغَيْرِ القِتالِ كَما صَنَعُوا في غَزْوَةِ أُحُدٍ عَلى قَوْلٍ، فَعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ سَعْدَ بْنَ مالِكٍ كانَ يَرْمِي في غَزْوَةِ أُحُدٍ وفَتًى شابٌّ كانَ يَنْبُلُ لَهُ، كُلَّما فَنِيَ النَّبْلُ أتاهُ بِهِ وقالَ لَهُ: ارْمِ أبا إسْحاقَ، فَلَمّا انْجَلَتِ المَعْرَكَةُ سَألَ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَلَمْ يُعْرَفْ، وأنْكَرَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ الإمْدادَ بِالمَلائِكَةِ وقالَ: إنَّ المَلَكَ الواحِدَ يَكْفِي في إهْلاكِ سائِرِ أهْلِ الأرْضِ كَما فَعَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ، فَإذا حَضَرَ هو مَأْمُورًا بِالقِتالِ فَأيُّ حاجَةٍ إلى مُقاتَلَةِ النّاسِ مَعَ الكُفّارِ، وأيْضًا أيُّ فائِدَةٍ في إرْسالِ سائِرِ المَلائِكَةِ مَعَهُ وهو القَوِيُّ الأمِينُ، وأيْضًا إنَّ أكابِرَ الكُفّارِ المَوْجُودِينَ في غَزْوَةِ القِتالِ قاتِلُ كُلٍّ مِنهم مِنَ الصَّحابَةِ مَعْلُومٌ، ولَمْ يُعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِنَ المَلائِكَةِ قَتَلَ أحَدًا مِنهم، وأيْضًا لَوْ قاتَلُوا فَإمّا أنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ يَراهُمُ النّاسُ أوْ لا، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المُشاهَدُ مِن عَسْكَرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ أُلُوفًا عَدِيدَةً، ولَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أحَدٌ وهو أيْضًا خِلافُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ ﴾ ولَوْ كانُوا في غَيْرِ صُورَةِ ابْنِ آدَمَ لَزِمَ وُقُوعُ الرُّعْبِ الشَّدِيدِ في قُلُوبِ الخَلْقِ ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ ولَوْ كانَ لَنُقِلَ البَتَّةَ، وعَلى الثّانِي يَلْزَمُ حَزُّ الرُّءُوسِ وتَمْزِيقُ البُطُونِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الكُفّارِ مِن غَيْرِ مُشاهَدَةِ فاعِلٍ لِهَذِهِ الأفْعالِ، ومِثْلُ هَذا يَكُونُ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، وقَدْ وقَعَ بَيْنَ جَمْعَيْنِ سالِمٍ ومُكَسَّرٍ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَتَواتَرَ ويَشْتَهِرَ لَدى المُوافِقِ والمُخالِفِ، فَحَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ، وأيْضًا أنَّهم لَوْ كانُوا أجْسامًا كَثِيفَةً وجَبَ أنْ يَراهُمُ الكُلُّ، وإنْ كانُوا أجْسامًا لَطِيفَةً هَوائِيَّةً تَعَذَّرَ ثُبُوتُهم عَلى الخَيْلِ انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الشُّبَهَ لا يَلِيقُ إيرادُها بِقَوانِينِ الشَّرِيعَةِ ولا بِمَن يَعْتَرِفُ بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى ما يَشاءُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ، فَما كانَ يَلِيقُ بِالأصَمِّ إلّا أنْ يَكُونَ أخْرَسَ عَنْ ذَلِكَ إذْ نَصُّ القُرْآنِ ناطِقٌ بِالإمْدادِ، ووُرُودُهُ في الأخْبارِ قَرِيبٌ مِنَ المُتَواتِرِ فَكَأنَّ الأصَمَّ أصَمُّ عَنْ سَماعِهِ أوْ أعْمى عَنْ رُؤْيَةِ رَباعِهِ، وقَدْ رَوى عَبْدُ بْنُ عُمَيْرٍ قالَ: لَمّا رَجَعَتْ قُرَيْشٌ مِن أُحُدٍ جَعَلُوا يَتَحَدَّثُونَ في أنْدِيَتِهِمْ بِما ظَفِرُوا ويَقُولُونَ لَمْ نَرَ الخَيْلَ البُلْقَ ولا الرِّجالَ البِيضَ الَّذِينَ كُنّا نَراهم يَوْمَ بَدْرٍ، والتَّحْقِيقُ في هَذا المَقامِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ التَّكْلِيفَ يُنافِي الإلْجاءَ، وأنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ وإنْ كانَ قادِرًا عَلى إهْلاكِ جَمِيعِ الكُفّارِ في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ بِمَلَكٍ واحِدٍ، بَلْ بِأدْنى مِن ذَلِكَ بَلْ بِلا سَبَبٍ، وكَذا هو قادِرٌ عَلى أنْ يُجْبِرَهم عَلى الإسْلامِ ويُقْسِرَهم، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ إظْهارَ هَذا الدِّينِ عَلى مَهْلٍ وتَدْرِيجٍ بِواسِطَةِ الدَّعْوَةِ وبِطْرِيقِ الِابْتِلاءِ والتَّكْلِيفِ، فَلا جَرَمَ أجْرى الأُمُورَ عَلى ما أجْرى، فَلَهُ الحَمْدُ عَلى ما أوْلى، ولَهُ الحُكْمُ في الآخِرَةِ والأُولى، وبِهَذا يَنْدَفِعُ كَثِيرٌ مِن تِلْكَ الشُّبَهِ، وإهْلاكُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ بَعْدَ انْقِضاءِ تَكْلِيفِهِمْ وهو حِينَ نُزُولِ البَأْسِ، فَلا جَرَمَ أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى القُدْرَةَ وجَعَلَ عالِيَها سافِلَها، وفي غَزْوَةِ أُحُدٍ كانَ الزَّمانُ زَمانَ تَكْلِيفٍ، فَلا جَرَمَ أظْهَرَ الحِكْمَةَ لِيَتَمَيَّزَ المُوافِقُ عَنِ المُنافِقِ، والثّابِتُ عَنِ المُضْطَرِبِ، ولَوْ أجْرى الأمْرَ فِيها كَما أجْرى في بَدْرٍ أشْبَهَ أنْ يُفْضى الأمْرُ إلى حَدِّ الإلْجاءِ، ونافى التَّكْلِيفَ ونَوْطَ الثَّوابِ والعِقابِ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ المَلائِكَةَ إمّا أجْسامٌ لَطِيفَةٌ نُورانِيَّةٌ، وإمّا أرْواحٌ شَرِيفَةٌ قُدْسِيَّةٌ.

وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَهُمُ الظُّهُورُ في صُوَرِ بَنِي آدَمَ مَثَلًا مِن غَيْرِ انْقِلابِ العَيْنِ وتَبَدُّلِ الماهِيَّةِ، كَما قالَ ذَلِكَ العارِفُونَ مِنَ المُحَقِّقِينَ في ظُهُورِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في صُورَةِ دَحْيَةَ الكَلْبِيِّ، ومِثْلُ هَذا مِن وجْهٍ، ولِلَّهِ تَعالى المَثَلُ الأعْلى ما صَحَّ مِن تَجَلِّي اللَّهُ تَعالى لِأهْلِ المَوْقِفِ بِصُورَةٍ فَيَقُولُ لَهم: أنا رَبُّكم، فَيُنْكِرُونَهُ، فَإنَّ الحُكْمَ في تِلْكَ القَضِيَّةِ صادِقٌ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى وتَقَدَّسَ وراءَ ذَلِكَ وهو سُبْحانَهُ في ذَلِكَ التَّجَلِّي باقٍ عَلى إطْلاقِهِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ، ومَن سَلَّمَ هَذا - ولا يُسَلِّمُهُ إلّا ذُو قَلْبٍ سَلِيمٍ - لَمْ يَشْكُلْ عَلَيْهِ الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ وظُهُورُهم عَلى خُيُولٍ غَيْبِيَّةٍ ثابِتِينَ عَلَيْها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الآلِهِيَّةُ والمَصْلَحَةُ الرَّبّانِيَّةُ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ رُؤْيَةُ كُلِّ ذِي بَصَرٍ لَهم لِجَوازِ إحْداثِ أمْرٍ مانِعٍ عَنْها، إمّا في الرّائِي أوْ في المَرْئِيِّ، ولا مانِعَ مِن أنَّهم يُرَوْنَ أحْيانًا ويُخْفَوْنَ أحْيانًا، ويُرى البَعْضُ ويُخْفى البَعْضُ، وزِمامُ ذَلِكَ بِيَدِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، والشَّيْءُ مَتى أمْكَنَ ووَرَدَ بِهِ النَّصُّ عَنِ الصّادِقِ وجَبَ قَبُولُهُ، ومُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ لا يُجْدِي نَفْعًا، ولَوْ ساغَ التَّأْوِيلُ لِذَلِكَ لَزِمَ تَأْوِيلُ أكْثَرِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ بَلِ الشَّرائِعُ بِأسْرِها، ورُبَّما أفْضى ذَلِكَ إلى أمْرٍ عَظِيمٍ، فالواجِبُ تَسْلِيمُ كُلِّ مُمْكِنِ جاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَفْوِيضُ تَفْصِيلِ ذَلِكَ وكَيْفِيَّتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ العَزِيزِ ﴾ أيِ الغالِبُ الَّذِي لا يُغالَبُ فِيما قَضى بِهِ، وقِيلَ: القادِرُ عَلى انْتِقامِهِ مِنَ الكُفّارِ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ، وفي إجْراءِ هَذا الوَصْفِ هُنا عَلَيْهِ تَعالى إيذانًا بِعِلَّةِ اخْتِصاصِ النَّصْرِ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿ الحَكِيمِ ﴾ (126) أيِ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها ويَفْعَلُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ في سائِرِ أفْعالِهِ، ومِن ذَلِكَ نَصْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِواسِطَةِ إنْزالِ المَلائِكَةِ، وفي الإتْيانِ بِهَذا الوَصْفِ رَدٌّ عَلى أمْثالِ الأصَمِّ في إنْكارِهِمْ ما نَطَقَتْ بِهِ الظَّواهِرُ، فَسُبْحانَهُ مِن عَلِيمٍ حَكِيمٍ وعَزِيزٍ حَلِيمٍ.

<div class="verse-tafsir"

لِيَقْطَعَ طَرَفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا۟ خَآئِبِينَ ١٢٧

﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ﴾ وما بَيْنَهُما تَحْقِيقٌ لَحَقِّيَتِهِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿ إذْ تَقُولُ ﴾ ظَرْفًا لِنَصَرَكم لا بَدَلًا مِن ( إذْ غَدَوْت ) لِئَلّا يُفْصَلَ بِأجْنَبِيٍّ، ولِأنَّهُ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ.

والظّاهِرُ أنَّ هَذا في شَأْنِ بَدْرٍ، والمَقْصُورُ عَلى التَّعْلِيلِ بِما ذُكِرَ مِنَ البُشْرى والِاطْمِئْنانِ إنَّما هو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، فَلا يَقْدَحُ في تَعْلِيلِ أصْلِ النَّصْرِ بِالقَطْعِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ النَّصْرِ المَعْهُودِ، والمُعَلَّلُ بِالبِشارَةِ والِاطْمِئْنانِ إنَّما هو الإمْدادُ الصُّورِيُّ لا ما في ضِمْنِهِ مِنَ النَّصْرِ المَعْنَوِيِّ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ وعَمُودُهُ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الصَّبْرِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ هو الخَبَرُ مُخِلٌّ بِسِدادِ المَعْنى، كَيْفَ لا ومَعْناهُ قَصْرُ النَّصْرِ المَخْصُوصِ المُعَلَّلِ بِعِلَّةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلى الحُصُولِ مِن جِهَتِهِ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ إلّا قَصْرُ حَقِيقَةِ النَّصْرِ كَما في الأوَّلِ، أوِ النَّصْرُ المَعْهُودُ كَما في الثّانِي عَلى ذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ فَعَلَ ذَلِكَ التَّدْبِيرَ، أوْ أمَدَّكم بِالمَلائِكَةِ لِيَقْطَعَ مُنْقَطِعٌ عَنِ القَبُولِ، والقَطْعُ الإهْلاكُ، والمُرادُ مِنَ الطَّرَفِ طائِفَةٌ مِنهم قِيلَ: ولَمْ يُعَبِّرْ عَنْ تِلْكَ الطّائِفَةِ بِالوَسَطِ بَلْ بِالطَّرَفِ لِأنَّ أطْرافَ الشَّيْءِ يُتَوَصَّلُ بِها إلى تَوْهِينِهِ وإزالَتِهِ، وقِيلَ: لِأنَّ الطَّرَفَ أقْرَبُ إلى المُؤْمِنِينَ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ﴾ ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم كانُوا أشْرافًا، فَفي الأساسِ هو مِن أطْرافِ العَرَبِ أيْ أشْرافِها، ولَعَلَّ إطْلاقَ الأطْرافِ عَلى الأشْرافِ لِتَقَدُّمِهِمْ في السَّيْرِ، ومِن ذَلِكَ قالُوا: الأطْرافُ مَنازِلُ الأشْرافِ، فَلا يَرِدُ أنَّ الوَسَطَ أيْضًا يُشْعِرُ بِالشَّرَفِ، فالمَعْنى لِيُهْلِكَ صَنادِيدَ الَّذِينَ كَفَرُوا ورُؤَساءَهُمُ المُتَقَدِّمِينَ فِيهِمْ بِقَتْلٍ وأسْرٍ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ في بَدْرٍ كَما قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ وقَتادَةُ، فَقَدْ قُتِلَ مِن أُولَئِكَ سَبْعُونَ وأُسِرَ سَبْعُونَ، واعْتِبارُ ذَلِكَ في أُحُدٍ حَيْثُ قُتِلَ فِيهِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن رُؤَسائِهِمْ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، وقَدِ اسْتَبْعَدُوهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ﴿ أوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ أيْ يُخْزِيَهم قالَهُ قَتادَةُ والرَّبِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرِّمَّةِ: لَمْ أنْسَ مِن شَجَنٍ لَمْ أنْسَ مَوْقِفَنا في حَيْرَةٍ بَيْنَ مَسْرُورٍ ومَكْبُوتِ وقالَ الجُبّائِيُّ والكَلْبِيُّ: أيْ يَرُدُّهم مُنْهَزِمِينَ، وقالَ السُّدِّيُّ: أيْ يَلْعَنُهم وأصْلُ الكَبْتِ الغَيْظُ والغَمُّ المُؤَثِّرُ، وقِيلَ: صَرْعُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِهِ، وقِيلَ: إنَّ كَبَتَهُ يَكُونُ بِمَعْنى كَبِدِهِ أيْ أصابَ كَبِدَهُ كَرَآهُ بِمَعْنى أصابَ رِئَتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَنَبِّي: لِأكْبِتَ حاسِدًا وأرى عَدُوًّا ∗∗∗ كَأنَّهُما وداعَكِ والرَّحِيلُ والآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ قُرِئَ: أوْ يَكْبِدَهم، وأوْ لِلتَّنْوِيعِ دُونَ التَّرْدِيدِ لِوُقُوعِ الأمْرَيْنِ ﴿ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ﴾ (127) أيْ فَيَنْهَزِمُوا مُنْقَطِعِي الآمالِ فالخَيْبَةُ انْقِطاعُ الأمَلِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ اليَأْسِ بِأنَّ الخَيْبَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الأمَلِ، واليَأْسُ يَكُونُ بَعْدَهُ وقَبْلَهُ، ونَقِيضُ الخَيْبَةِ الظَّفَرُ، ونَقِيضُ اليَأْسِ الرَّجاءُ.

<div class="verse-tafsir"

لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ ١٢٨

﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ «أنَّ رَباعِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ السُّفْلى اليُمْنى أُصِيبَتْ يَوْمَ أُحُدٍ أصابَها عُتْبَةُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وشَجَّهُ في وجْهِهِ، فَكانَ سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ أوْ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَغْسِلُ الدَّمَ، والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ صَنَعُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ: اللَّهُمَّ العَنْ أبا سُفْيانَ، اللَّهُمَّ العَنِ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ العَنْ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، اللَّهُمَّ العَنْ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ إلَخْ فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ».

وعَنِ الجُبّائِيِّ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْتَأْذِنُ يَوْمَ أُحُدٍ أنْ يَدْعُوَ عَلى الكُفّارِ لَما آذَوْهُ حَتّى إنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ صَلّى الظَّهْرُ ذَلِكَ اليَوْمَ قاعِدًا مِنَ الجِراحِ وصَلّى المُسْلِمُونَ وراءَهُ قُعُودًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ والشَّعْبِيُّ «لَمّا رَأى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُسْلِمُونَ ما فَعَلَ الكُفّارُ بِأصْحابِهِ وبِعَمِّهِ حَمْزَةَ مِن جَدْعِ الأُنُوفِ والآذانِ وقَطْعِ المَذاكِيرِ قالُوا: لَئِنْ أدالَنا اللَّهُ تَعالى مِنهم لَنَفْعَلَنَّ بِهِمْ مِثْلَ ما فَعَلُوا بِنا ولَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْها أحَدٌ مِنَ العَرَبِ قَطُّ، فَنَزَلَتْ» .

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «أرادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَدْعُوَ عَلى المُنْهَزِمِينَ عَنْهُ مِن أصْحابِهِ يَوْمَ أُحُدٍ فَنَهاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ وتابَ عَلَيْهِمْ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

وهَذِهِ الرِّواياتُ كُلُّها مُتَضافِرَةٌ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُحُدٍ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِنها أنَّها بِسَبَبِ المُشْرِكِينَ.

وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أرْسَلَ أرْبَعِينَ، وقِيلَ: سَبْعِينَ رَجُلًا مِن قُرّاءِ أصْحابِهِ، وأمَّرَ عَلَيْهِمُ المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو إلى بِئْرِ مَعُونَةَ عَلى رَأْسِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ مِن أُحُدٍ لِيُعَلِّمُوا النّاسَ القُرْآنَ والعِلْمَ، فاسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّ اللَّهِ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ قَبائِلَ مِن سُلَيْمٍ مِن عُصَيَّةَ ورِعْلٍ وذَكْوانَ فَأحاطُوا بِهِمْ في رِحالِهِمْ فَقاتَلُوا حَتّى قُتِلُوا مِن عِنْدِ آخِرِهِمْ إلّا كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ أخا بِنَيِ النَّجّارِ فَإنَّهم تَرَكُوهُ وبِهِ رَمَقٌ، فَلَمّا عَلِمَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجَدَ وجْدًا شَدِيدًا وقَنَتَ عَلَيْهِمْ شَهْرًا يَلْعَنُهم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَتَرَكَ ذَلِكَ»، والمَعْنى لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِ هَؤُلاءِ شَيْءٌ وإنْ قَلَّ.

﴿ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ عَطْفٌ إمّا عَلى الأمْرِ أوْ عَلى شَيْءٍ بِإضْمارِ أنْ أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ أوْ مِنَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أوْ مِن تَعْذِيبِهِمْ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ أوِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أوْ تَعْذِيبِهِمْ، وفَرَّقُوا بَيْنَ الوَجْهَيْنِ بِأنَّهُ عَلى الأوَّلِ سَلَبَ ما يَتْبَعُ التَّوْبَةَ والتَّعْذِيبَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالكُلِّيَّةِ مِنَ القَبُولِ والرَّدِّ والخَلاصِ مِنَ العَذابِ والمَنعِ مِنَ النَّجاةِ.

وعَلى الثّانِي سَلَبَ نَفْسَ التَّوْبَةِ والتَّعْذِيبِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْنِي لا يَقْدِرُ أنْ يُجْبِرَهم عَلى التَّوْبَةِ ولا يَمْنَعَهم عَنْها ولا يَقْدِرَ أنْ يُعَذِّبَهم ولا أنْ يَعْفُوَ عَنْهم، فَإنَّ الأُمُورَ كُلَّها بِيَدِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي، لَكِنْ في مَجِيءِ مِثْلِ هَذا العَطْفِ بِكَلِمَةِ ( أوْ ) نَظَرٌ، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ هَذا إذا كانَ الأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ بِمَعْنى التَّكْلِيفِ والإيجابِ أيْ لَيْسَ ما تَأْمُرُهم بِهِ مِن عِنْدِكَ ولَيْسَ الأمْرُ بِيَدِكَ ولا التَّوْبَةُ ولا التَّعْذِيبُ، فَلَيْسَ هُناكَ عَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ، وفِيهِ أنَّ الحَمْلَ عَلى التَّكْلِيفِ تَكَلُّفٌ، والحَمْلَ عَلى الشَّأْنِ أرْفَعُ شَأْنًا.

ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ وابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ ( أوْ ) بِمَعْنى إلّا أنْ، والمَعْنى لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ إلّا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ فَتَفْرَحَ، أوْ يُعَذِّبَهم فَتَشْتَفِيَ بِهِمْ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ بَعْضِ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِغَزْوَةِ أُحُدٍ أوْ ما يُشْبِهُها إثْرَ بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِغَزْوَةِ بَدْرٍ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّناسُبِ مِن حَيْثُ أنَّ كُلًّا مِنهُما مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِصاصِ الأمْرِ كُلِّهِ بِاللَّهِ تَعالى، ومَبْنِيٌّ عَلى سَلْبِهِ عَمَّنْ سِواهُ، وقِيلَ: إنَّ كُلَّ ما في هَذِهِ الآياتِ في غَزْوَةِ أُحُدٍ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أوْ يَتُوبَ ﴾ إلَخْ عَطْفٌ عَلى يَنْقَلِبُوا أيْ يَكُونُ ثَمَرَةُ خِزْيِهِمُ انْقِلابَهم خائِبِينَ أوِ التَّوْبَ عَلَيْهِمْ أوْ تَعْذِيبَهم أوْ عَطْفٌ عَلى ( يَكْبِتَهم ) و ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ المُتَعَلِّقِ بِالعاجِلِ والمَعْطُوفِ المُتَعَلِّقِ لِتَحْقِيقٍ أنْ لا تَأْثِيرَ لِلْمَنصُورِ إثْرَ بَيانِ أنْ لا تَأْثِيرَ لِلنّاصِرِينَ، وتَخْصِيصُ النَّفْيِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى طَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْتِفاءِ مِن غَيْرِهِ مِن بابِ أوْلى، وإنَّما خُصَّ الِاعْتِراضُ بِمَوْقِعِهِ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِنَ القَطْعِ والكَبْتِ مِن مَظانِّ أنْ يَكُونَ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِسائِرِ مُباشِرِي القِتالِ مَدْخَلٌ في الجُمْلَةِ، والمَعْنى إنَّ مالِكَ أمْرِهِمْ عَلى الإطْلاقِ وهو اللَّهُ تَعالى نَصَرَكم عَلَيْهِمْ لِيُهْلِكَهم أوْ يَكْبِتَهم أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ أسْلَمُوا أوْ يُعَذِّبَهم إنْ أصَرُّوا، ولَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ إنْ أنْتَ إلّا عَبْدٌ مَأْمُورٌ بِإنْذارِهِمْ وجِهادِهِمْ.

والمُرادُ بِتَعْذِيبِهِمُ التَّعْذِيبَ الشَّدِيدَ الأُخْرَوِيَّ المَخْصُوصَ بِأشَدِّ الكَفَرَةِ كُفْرًا، وإلّا فَمُطْلَقُ التَّعْذِيبِ الأُخْرَوِيِّ مُتَحَقِّقٌ في الفَرِيقَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وحَمْلُهُ عَلى التَّعْذِيبِ الدُّنْيَوِيِّ بِالأسْرِ واسْتِيلاءِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ خِلافُ المُتَبادَرِ مِنَ التَّعْذِيبِ عِنْدَ الإطْلاقِ، وكَذا لا يُلائِمُ ظاهِرَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنَّهم ظالِمُونَ ﴾ فَإنَّهُ في مَقامِ التَّعْلِيلِ لِهَذا التَّعْذِيبِ.

وأكْثَرُ ما يُعَلَّلُ بِهِ التَّعْذِيبُ الأُخْرَوِيُّ، نَعَمْ حَمْلُهُ عَلى التَّعْذِيبِ الدُّنْيَوِيِّ أوْفَقُ بِالمَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الفَرّاءُ وابْنُ الأنْبارِيِّ؛ لِأنَّ التَّشَفِّيَ في الغالِبِ إنَّما يَكُونُ في الدُّنْيا، ونَظْمُ التَّوْبَةِ والتَّعْذِيبِ الأُخْرَوِيِّ في سِلْكِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ لِلنَّصْرِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ في الوُجُودِ مِن حَيْثُ إنَّ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ فَرْعُ تَحَقُّقِها النّاشِئِ مِن عِلْمِهِمْ بِحَقِّيَةِ الإسْلامِ بِسَبَبِ غَلَبَةِ أهْلِهِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى النَّصْرِ الَّذِي هو مِنَ الآياتِ الغُرِّ المُحَجَّلَةِ، وأنَّ تَعْذِيبَهُمُ المَذْكُورَ شَيْءٌ مُسَبَّبٌ عَلى إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الحَقِّ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ وإنْ فُسِّرَ بِالأسْرِ مَثَلًا كانَ أمْرُ التَّسَبُّبِ مَكْشُوفًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، واسْتَشْكَلَتُ هَذِهِ الآيَةُ بِناءً عَلى أنَّها تَدُلُّ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ فَعَلَ فِعْلًا ومُنِعَ مِنهُ، بِأنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ مَنَعَهُ مِنهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فَهو قادِحٌ بِالعِصْمَةِ ومُنافٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ ما وقَعَ كانَ مِن بابِ خِلافِ الأوْلى نَظَرًا إلى مَنصِبِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والنَّهْيُ المَفْهُومُ مِنَ الكَلامِ مِن بابِ الإرْشادِ إلى اخْتِيارِ الأفْضَلِ، ولا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الهَوى في شَيْءٍ، بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ يَصِحُّ لِلنَّبِيِّ أنْ يَجْتَهِدَ ويَعْمَلَ بِما أدّى إلَيْهِ اجْتِهادُهُ المَأْذُونُ بِهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفِعْلُ نَفْسُهُ عَنْ وحْيٍ وإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِ، وأنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ كانَ نَسْخًا لِذَلِكَ الإذْنِ، وأيًّا ما كانَ لا يُنافِي العِصْمَةَ الثّابِتَةَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فافْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٢٩

﴿ ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ اخْتِصاصِ مِلْكِيَّةِ جَمِيعِ الكائِناتِ بِهِ تَعالى إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ طَرَفٍ مِن ذَلِكَ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ تَقْرِيرًا لِما سَبَقَ وتَكْمِلَةً لَهُ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلْقَصْرِ، (وما) عامَّةٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ تَغْلِيبًا أيْ لَهُ سُبْحانَهُ ما في هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، أوْ ما في هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ مُلْكًا ومِلْكًا وخَلْقًا واقْتِدارًا لا مَدْخَلَ لِأحَدٍ مَعَهُ في ذَلِكَ، فالأمْرُ كُلُّهُ لَهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.

﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلا يُعاقِبُهُ عَلى ذَنْبِهِ فَضْلًا مِنهُ ﴿ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ عَدْلًا مِنهُ، وإيثارُ كَلِمَةِ ( مَن ) في المَوْضِعَيْنِ لِاخْتِصاصِ المَغْفِرَةِ والتَّعْذِيبِ بِالعُقَلاءِ، وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ لِلْإيذانِ بِسَبْقِ رَحْمَتِهِ تَعالى عَلى غَضَبِهِ.

وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعالى وتَعْذِيبَهُ غَيْرُ مُقَيَّدَيْنِ بِشَيْءٍ، بَلْ قَدْ يُدَّعى أنَّ التَّقْيِيدَ مُنافٍ لِلسَّوْقِ إذْ هو لِإثْباتِ أنَّهُ سُبْحانَهُ المالِكُ عَلى الإطْلاقِ، فَلَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ لا مانِعَ لَهُ مِن مَشِيئَتِهِ ولَوْ كانَتْ مَغْفِرَتُهُ مُقَيَّدَةً بِالتَّوْبَةِ، وتَعْذِيبُهُ بِالظُّلْمِ لَمْ يَكُنْ فاعِلًا لِما يَشاءُ، بَلْ لِما تَسْتَدْعِيهِ التَّوْبَةُ أوِ الظُّلْمُ، فالآيَةُ ظاهِرَةٌ في نَفْيِ الوُجُوبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَغْفِرَ سُبْحانَهُ لِلْمُذْنِبِ ويُعَذِّبَ المُصْلِحَ، وهو مَذْهَبُ الجَماعَةِ، وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّ المَغْفِرَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالتَّوْبَةِ، فَمَن لَمْ يَتُبْ لا يَجُوزُ أنْ يُغْفَرَ لَهُ أصْلًا، وتَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: الآياتُ والأحادِيثُ النّاطِقَةُ بِوَعِيدِ العُصاةِ، الثّانِي: أنَّ المُذْنِبَ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يُعاقَبُ عَلى ذَنْبِهِ كانَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لَهُ وإغْراءً لِلْغَيْرِ عَلَيْهِ، وهَذا يُنافِي حِكْمَةَ إرْسالِ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، وحَمَلُوا هَذِهِ الآيَةَ عَلى التَّقْيِيدِ وخَصُّوا أمْثالَها مِنَ المُطْلَقاتِ بِالصَّغائِرِ أوِ الكَبائِرِ المَقْرُونَةِ بِالتَّوْبَةِ وقالُوا: إنَّ المُرادَ: ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ إذا تابَ، وجَعَلُوا القَرِينَةَ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى عَقَّبَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَإنَّهم ظالِمُونَ ﴾ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الظُّلْمَ هو السَّبَبُ المُوجِبُ فَلا تَعْذِيبَ بِدُونِهِ، ولا مَغْفِرَةَ مَعَ وُجُودِهِ، فَهو مُفَسِّرٌ ( لِمَن يَشاءُ ) وأيَّدُوا كَوْنَ المُرادِ ذَلِكَ بِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ بِالتَّوْبَةِ، ولا يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ إلّا لِلتّائِبِينَ ﴿ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ ولا يَشاءُ أنْ يُعَذِّبَ إلّا لِلْمُسْتَوْجِبِينَ، وبِما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ ﴿ يَغْفِرُ لِمَن ﴾ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴿ ويُعَذِّبُ مَن ﴾ لَقِيَهُ ظالِمًا، والجَماعَةُ تَمَسَّكُوا بِإطْلاقِ الآياتِ، وأجابُوا عَنْ مُتَمَسِّكِ المُخالِفِ، أمّا عَنِ الأوَّلِ فَبِأنَّ تِلْكَ الآياتِ والأحادِيثَ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِها إنَّما تَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ دُونَ الوُجُوبِ، والنِّزاعُ فِيهِ عَلى أنَّ كَثْرَةَ النُّصُوصِ في العَفْوِ تُخَصِّصُ المُذْنِبَ المَغْفُورَ عَنْ عُمُوماتِ الوَعِيدِ، وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّ مُجَرَّدَ جَوازِ العَفْوِ لا يُوجِبُ ظَنَّ عَدَمِ العِقابِ فَضْلًا عَنِ الجَزْمِ بِهِ، وكَيْفَ يُوجِبُ جَوازَ العَفْوِ العِلْمُ بِعَدَمِ العِقابِ، والعُمُوماتُ الوارِدَةُ في الوَعِيدِ المَقْرُونَةُ بِغايَةٍ مِنَ التَّهْدِيدِ تُرَجِّحُ جانِبَ الوُقُوعِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ واحِدٍ وكَفى بِهِ زاجِرًا، فَكَيْفَ يَكُونُ العِلْمُ بِجَوازِ العَفْوِ تَقْرِيرًا وإغْراءً عَلى الذَّنْبِ مَعَ هَذا الزّاجِرِ.

وأيْضًا إنَّ الكَثِيرَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ خَصُّوا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ بِالصَّغائِرِ، فَلَوْ كانَ جَوازُ العَفْوِ مُسْتَلْزِمًا كَما زَعَمُوا لِلْعِلْمِ بِعَدَمِ العِقابِ لَزِمَ اشْتِراكُ الإلْزامِ بِأنْ يُقالَ: إنَّ المُرْتَكِبَ لِلصَّغائِرِ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يُعاقَبُ عَلى ذَنْبِهِ كانَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لَهُ وإغْراءً لِلْغَيْرِ عَلَيْهِ وفِيهِ مِنَ الفَسادِ ما فِيهِ، وما جَعَلُوهُ قَرِينَةً عَلى التَّقْيِيدِ مُعارَضٌ بِما يَدُلُّ عَلى الإطْلاقِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ مَعْنًى عَلى قَوْلِهِ جَلَّ اسْمُهُ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ ويَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ التَّصَرُّفَ المُطْلَقَ وهو عَلى خِلافِ ما يَقُولُونَ حَيْثُ جَعَلُوا تَصَرُّفَهُ ومَشِيئَتَهُ مُقَيَّدًا بِأنْ يَكُونَ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، والحِكْمَةُ تَقْتَضِي عَدَمَ غُفْرانِ مَن لَمْ يَتُبْ، ولا يَخْفى أنَّهُ في حَيِّزِ المَنعِ؛ لِأنَّ المَشِيئَةَ والحِكْمَةَ كِلاهُما مِن صِفاتِهِ تَعالى لا تَتْبَعُ إحْداهُما الأُخْرى، وبِتَقْدِيرِ الِاسْتِتْباعِ لا نُسَلِّمُ أنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي عَدَمَ غُفْرانِ مَن لَمْ يَتُبْ عَلى أنَّ تَعْقِيبَ ﴿ أوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنَّهم ظالِمُونَ ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِن أنَّ الظُّلْمَ مُفْضٍ إلى التَّعْذِيبِ، ومَن يَمْنَعُ الإفْضاءَ، إنَّما المَنعُ عَلى أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا ( لِمَن يَشاءُ ) وأيْنَ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ كُلَّ ظُلْمٍ كَذَلِكَ ولا عُمُومَ لِلَّفْظِ ولا هو مِن قَبِيلِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ لِيَصْلُحَ مُتَمَسِّكًا في الجُمْلَةِ، وما نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ، لا يُعْرَفُ لَهُ سَنَدٌ أصْلًا، ومَنِ ادَّعاهُ فَلْيَأْتِ بِهِ إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى كَذِبِهِ أنَّ فِيهِ حَجْرًا عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ وتَضْيِيقَ مَسالِكِها مِن غَيْرِ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، ولا يُظَنُّ بِمِثْلِ الحَسَنِ هَذا القَبِيحُ، سَلَّمْنا الصِّدْقَ وعَدَمَ لُزُومِ ما ذُكِرَ، لَكِنْ قَوْلُ الحَسَنِ ونَحْوُهُ لا يُتْرَكُ لَهُ ظاهِرُ الكِتابِ، والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ.

فَإنْ قالَ الخَصْمُ: نَحْنُ نَتَمَسَّكُ في هَذا المَطْلَبِ بِلُزُومِ الخُلْفِ، قُلْنا: يَكُونُ رُجُوعًا إلى الِاسْتِدْلالِ بِالمَعْقُولِ، وقَدْ أذَقْناكُمُ المَوْتَ الأحْمَرَ فِيهِ لا بِالآياتِ فَتَبْقى دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عُمُومِها وهو مَطْلُوبُنا هُنا، عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وارِدَةٌ في الكُفّارِ عَلى أكْثَرِ الرِّواياتِ، ومُعْتَقَدُ الجَماعَةِ أنَّ المَغْفِرَةَ في حَقِّهِمْ مَشْرُوطَةٌ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ والرُّجُوعِ إلى الإيمانِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ ولَيْسُوا مَحَلَّ خِلافٍ بَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِها مِنَ المُعْتَزِلَةِ عَلى غَرَضِهِ الفاسِدِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (129) تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ( يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ) مَعَ زِيادَةٍ، وفي تَخْصِيصِ التَّذْيِيلِ بِهِ إشارَةٌ إلى تَرْجِيحِ جِهَةِ الإحْسانِ والإنْعامِ، وفِيهِ ما يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ الجَماعَةِ.

* * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ ) ﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ مِن حَيْثُ الِاسْتِعْدادُ وظُهُورُ الحَقِّ فِيهِمْ ﴿ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ الَّذِينَ ظَهَرَتْ فِيهِمْ نُقُوشُ الكِتابِ الآلِهِيِّ الأزَلِيِّ ﴿ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ﴾ بِاللَّهِ تَعالى لَهُ ﴿ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ ﴾ أيْ يُظْهِرُونَ لِلْمُسْتَعِدِّينَ ما فاضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأسْرارِ ﴿ آناءَ اللَّيْلِ ﴾ أوْقاتَ لَيْلِ الجَهالَةِ وظُلْمَةِ الحَيْرَةِ ﴿ وهم يَسْجُدُونَ ﴾ أيْ يُخْضِعُونَ لِلَّهِ تَعالى، ولا يَحْدُثُ فِيهِمُ الأنانِيةَ أنَّهم عالِمُونَ وأنَّ مَن سِواهم جاهِلُونَ ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ أيْ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ ﴿ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ حَسْبَما اقْتَضاهُ الشَّرْعُ، ولِكَوْنِ ما تَقَدَّمَ نَظَرًا لِلْخُصُوصِ؛ لِأنَّ إيداعَ الأسْرارِ عِنْدَ الأحْرارِ، وهَذا بِالنَّظَرِ إلى العُمُومِ لِأنَّ الشَّرِيعَةَ أوْسَعُ دائِرَةً مِنَ الحَقِيقَةِ قَدَّمَ وأخَّرَ ﴿ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ مِن تَكْمِيلِ أنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ ﴿ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ القائِمِينَ بِحُقُوقِ الحَقِّ والخَلْقِ ﴿ وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ ﴾ يُقَرِّبُكم إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾ فَقَدْ جاءَ: ”«مَن تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، ومَن تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً“» ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ أيِ الَّذِينَ اتَّقَوْا ما يَحْجُبُهم عَنْهُ فَيَتَجَلّى لَهم بِقَدْرِ زَوالِ الحِجابِ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ واحْتَجَبُوا عَنِ الحَقِّ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ وأشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعالى ما لا وُجُودَ لَهُ في عِيرٍ ولا نَفِيرٍ ﴿ لَنْ تُغْنِيَ ﴾ لَنْ تَدْفَعَ ﴿ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ عَذابَهُ ﴿ شَيْئًا ﴾ مِنَ الدَّفْعِ؛ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ أصْنامِهِمُ الَّتِي عَبَدُوها ﴿ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ ﴾ وهي الحِجابُ والبُعْدُ عَنِ الحَضْرَةِ ﴿ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ لِاقْتِضاءِ صِفَةِ الجَلالِ مَعَ اسْتِعْدادِهِمْ ذَلِكَ.

﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ الفانِيَةِ الدَّنِيَّةِ ولَذّاتِها السَّرِيعَةِ الزَّوالِ طَلَبًا لِلشَّهَواتِ ومَحْمَدَةِ النّاسِ لا يَطْلُبُونَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى ﴿ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ ﴾ أيْ بَرْدٌ شَدِيدٌ ﴿ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِالشِّرْكِ والكُفْرِ ﴿ فَأهْلَكَتْهُ ﴾ عُقُوبَةً لَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى لِظُلْمِهِمْ ﴿ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴾ بِإهْلاكِ حَرْثِهِمْ ﴿ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ الغَيْرِ المَقْبُولِ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً ﴾ أيْ خاصَّةً تُطْلِعُونَهُ عَلى أسْرارِكم ﴿ مِن دُونِكُمْ ﴾ كالمُنْكِرِينَ المَحْجُوبِينَ إذِ المَحَبَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لا تَكُونُ إلّا بَيْنَ المُوَحِّدِينَ لِكَوْنِها ظِلَّ الوَحْدَةِ، ولا تَكُونُ بَيْنَ المَحْجُوبِينَ لِكَوْنِهِمْ في عالَمِ التَّضادِّ والظُّلْمَةِ، ولا يَتَأتّى الصَّفاءُ والوِفاقُ الَّذِي هو ثَمَرَةُ المَحَبَّةِ في ذَلِكَ العالَمِ، فَلِذا تَرى مَحَبَّةَ غَيْرِ أهْلِ اللَّهِ تَعالى تَدُورُ عَلى الأغْراضِ، ومِن هُنا تَتَغَيَّرُ لِأنَّ اللَّذّاتِ النَّفْسانِيَّةَ لا تَدُومُ، فَإذا كانَ هَذا حالُ المَحْجُوبِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ فَكَيْفَ تَتَحَقَّقُ المَحَبَّةُ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن يُخالِفُهم في الأصْلِ والوَصْفِ، وأنّى يَتَجانَسُ النُّورُ والظُّلْمَةُ، وكَيْفَ يَتَوافَقُ مَشْرِقٌ ومَغْرِبٌ ؟

!

أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيّا سُهَيْلًا عَمْرُكَ اللَّهُ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ هِيَ شامِيَّةٌ إذا ما اسْتَقَلَّتْ ∗∗∗ وسُهَيْلٌ إذا اسْتَقَلَّ يَمانِي فَفِي الحَقِيقَةِ بَيْنَهُما عَداوَةٌ حَقِيقَةٌ وبُعْدٌ كُلِّيٌّ إلى حَيْثُ لا تَتَراءى ناراهُما، وآثارُ ذَلِكَ ظاهِرَةٌ كَما بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ لِامْتِناعِ إخْفاءِ الوَصْفِ الذّاتِيِّ ﴿ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ ﴾ لِأنَّهُ المَنشَأُ لِذَلِكَ فَهو نارٌ وذاكَ شِرارٌ وهو جَبَلٌ والظّاهِرُ غُبارٌ ﴿ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ ﴾ وهي العَلاماتُ الدّالَّةُ عَلى المَحَبَّةِ والعَداوَةِ وأسْبابُهُما ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ وتَفْهَمُونَ مِن فَحْوى الكَلامِ.

﴿ ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ بِمُقْتَضى ما عِنْدَكم مِنَ التَّوْحِيدِ لِأنَّ المُوَحِّدَ يُحِبُّ النّاسَ كُلَّهم بِالحَقِّ لِلْحَقِّ، ويَرى الكُلَّ مَظْهَرًا لِحَبِيبِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، فَيَرْحَمُ الجَمِيعَ، ويَعْلَمُ أنَّ البَعْضَ مِنهم قَدِ اشْتَغَلَ بِباطِلٍ نَظَرًا إلى بَعْضِ الحَيْثِيّاتِ وابْتُلِيَ بِالقَدَرِ، وهَذا لا يُنافِي ما قَدَّمْنا آنِفًا عِنْدَ التَّأمُّلِ ﴿ ولا يُحِبُّونَكُمْ ﴾ بِمُقْتَضى الحِجابِ والظُّلْمَةِ الَّتِي ضَرَبَتْ عَلَيْهِمْ ﴿ وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ ﴾ أيْ جِنْسِهِ ﴿ كُلِّهِ ﴾ لِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ المُقْتَضِي لِذَلِكَ ﴿ وهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ بِذَلِكَ لِلِاحْتِجابِ بِما هم عَلَيْهِ.

﴿ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا ﴾ لِما فِيهِمْ مِنَ النِّفاقِ المُسْتَجْلِبِ لِلْأغْراضِ العاجِلَةِ ﴿ وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ ﴾ الكامِنِ في صُدُورِهِمْ ﴿ إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ ﴾ كَآثارِ تَجَلِّي الجَمالِ ﴿ تَسُؤْهُمْ ﴾ ويَحْزَنُوا لَها ﴿ وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ ﴾ أيْ ما يَظُنُّونَ أنَّهُ سَيِّئَةٌ كَآثارِ تَجَلِّي الجَلالِ ﴿ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا ﴾ عَلى ما ابْتُلِيتُمْ بِهِ وتَثْبُتُوا عَلى التَّوْحِيدِ ﴿ وتَتَّقُوا ﴾ الِاسْتِعانَةَ بِالسَّوِيِّ ﴿ لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا ﴾ لِأنَّ الصّابِرَ عَلى البَلاءِ المُتَوَكِّلَ عَلى اللَّهِ تَعالى المُسْتَعِينَ بِهِ المُعْرِضَ عَمَّنْ سِواهُ ظافِرٌ بِطِلْبَتِهِ، غالِبٌ عَلى خَصْمِهِ مَحْفُوفٌ مَحْفُوظٌ بِعِنايَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَخْذُولُ مَنِ اسْتَعانَ بِغَيْرِهِ وقَصَدَ سِواهُ، كَما قِيلَ: مَنِ اسْتَعانَ بِغَيْرِ اللَّهِ في طَلَبٍ ∗∗∗ فَإنَّ ناصِرَهُ عَجْزٌ وخِذْلانُ ﴿ إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ المَكايِدِ ﴿ مُحِيطٌ ﴾ فَيُبْطِلُها ويُطْفِئُ نارَها.

﴿ ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ ﴾ لِلَّهِ تَعالى تَحْتَ ظِلِّ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ ﴿ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ذَلِكَ وبِالشُّكْرِ تُزادُ النِّعَمُ ﴿ إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ لِما رَأيْتَ مِن حالِهِمْ ﴿ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ السِّكِّينَةَ عَلَيْكم، أوْ (مُنْزَلِينَ) عَلى صِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ مِن جانِبِ المَلَكُوتِ إلَيْكم ﴿ بَلى إنْ تَصْبِرُوا ﴾ عَلى صَدَماتِ تَجَلِّيهِ سُبْحانَهُ ﴿ وتَتَّقُوا ﴾ مَن سِواهُ ﴿ ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا ﴾ أيْ بِلا بُطْءٍ ﴿ يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ أيْ مُعَلِّمِينَ أرْواحَكم بِعَلائِمِ الطُّمَأْنِينَةِ أوْ ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾ عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ بِعَمائِمَ بِيضٍ، وهي إشارَةٌ إلى الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ الظّاهِرَةِ عَلَيْهِمْ، وتَخْصِيصُ الخَمْسَةِ آلافٍ بِالذِّكْرِ لَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى إمْدادِ كُلِّ لَطِيفَةٍ مِنَ اللَّطائِفِ الخَمْسِ بِألْفٍ، والألْفُ إشارَةٌ إلى الإمْدادِ الكامِلِ حَيْثُ إنَّها نِهايَةُ مَراتِبِ الأعْدادِ، وشَرْطُ ذَلِكَ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى لِأنَّ النَّصْرَ عَلى الأعْداءِ - وأعْدى أعْدائِكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ - لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ تَقْوى القَلْبِ، وكَذا سائِرُ جُنُودِ الرُّوحِ، بَلْ والرُّوحُ نَفْسُها أيْضًا بِتَأْيِيدِ الحَقِّ والتَّنُّورِ بِنُورِ اليَقِينِ، فَتَحْصُلُ المُناسَبَةُ بَيْنَ القَلْبِ مَثَلًا وبَيْنَ مَلَكُوتِ السَّماءِ، وبِذَلِكَ التَّناسُبِ يَسْتَنْزِلُ قُواها وأوْصافَها في أفْعالِهِ، ورُبَّما يَسْتَمِدُّ مِن قُوى قَهْرِها عَلى مَن يَغْضَبُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ عِبارَةٌ عَنْ نُزُولِ المَلائِكَةِ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِالصَّبْرِ عَلى تَحَمُّلِ المَكْرُوهِ طَلَبًا لِرِضا اللَّهِ تَعالى والتَّقْوى مِن مُخالَفَةِ أمْرِ الحَقِّ والمَيْلِ إلى نَحْوِ النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ واللَّذّاتِ الفانِيَةِ.

وأمّا إذا جَزِعَ وهَلَعَ ومالَ إلى الدُّنْيا فَلا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ حِينَئِذٍ تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ وتَحْجُبُهُ بِظُلْمَةِ صِفاتِها عَنِ النُّورِ، فَلَمْ تَبْقَ تِلْكَ المُناسَبَةُ وانْقَطَعَ المَدَدُ ولَمْ تَنْزِلِ المَلائِكَةُ، ﴿ وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى لَكُمْ ﴾ أيْ إلّا لِتَسْتَبْشِرُوا بِهِ فَيَزْدادَ نَشاطُكم في التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ ﴿ ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ﴾ فَيَتَحَقَّقُ الفَيْضُ بِقَدْرِ التَّصْفِيَةِ ﴿ وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ لا مِنَ المَلائِكَةِ فَلا تَحْتَجِبُوا بِالكَثْرَةِ عَنِ الوَحْدَةِ، وبِالخَلْقِ عَنِ الحَقِّ، فالكُلُّ مِنهُ تَعالى وإلَيْهِ ﴿ العَزِيزِ ﴾ فَلا يُعْجِزُهُ الظُّهُورُ بِما شاءَ وكَيْفَ شاءَ ﴿ الحَكِيمِ ﴾ الَّذِي سَتَرَ نَصْرَهُ بِصُوَرِ المَلائِكَةِ لِحِكْمَةٍ ﴿ لِيَقْطَعَ ﴾ أيْ يُهْلِكَ ﴿ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهم أعْداءُ اللَّهِ تَعالى ﴿ أوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ يُخْزِيَهِمْ ويُذِلَّهم ﴿ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ﴾ فَيَرْجِعُوا غَيْرَ ظافِرِينَ بِما أمَّلُوا.

﴿ لَيْسَ لَكَ ﴾ مِن حَيْثُ أنْتَ ﴿ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ وكُلُّهُ لَكَ مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى ﴿ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ إذا أسْلَمُوا فَتَفْرَحَ لِأنَّكَ المُظْهِرُ لِلرَّحْمَةِ الواسِعَةِ ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ .

﴿ أوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ لِأجْلِكَ فَتَشْتَفِيَ بِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم خالَفُوا الأمْرَ الَّذِي بُعِثْتَ بِهِ إلى النّاسِ كافَّةً فَإنَّهم ظالِمُونَ بِتِلْكَ المُخالَفَةِ.

﴿ ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ ﴾ مِن عالَمِ الأرْواحِ ﴿ وما في الأرْضِ ﴾ مِن عالَمِ الطَّبِيعِيّاتِ يَتَصَرَّفُ فِيهِما كَيْفَما يَشاءُ ويَخْتارُ ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ لِأنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ المُطْلَقَ في المُلْكِ والمَلَكُوتِ ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.

نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَغْفِرَ لَنا ويَرْحَمَنا.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَـٰفًۭا مُّضَـٰعَفَةًۭ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ١٣٠

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ مُشْتَمِلٍ عَلى أمْرٍ ونَهْيٍ وتَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ تَتْمِيمًا لِما سَلَفَ مِنَ الإرْشادِ إلى ما هو الأصْلَحُ في أمْرِ الدِّينِ وفي بابِ الجِهادِ، ولَعَلَّ إيرادَ النَّهْيِ عَنِ الرِّبا بِخُصُوصِهِ هُنا لِما أنَّ التَّرْغِيبَ في الإنْفاقِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ الَّذِي عُمْدَتُهُ الإنْفاقُ في سَبِيلِ الجِهادِ مُتَضَمِّنٌ لِلتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِ المالِ، فَكانَ مَظِنَّةَ مُبادَرَةِ النّاسِ إلى طُرُقِ الِاكْتِسابِ ومِن جُمْلَتِها بَلْ أسْهَلُها الرِّبا فَنُهُوا عَنْهُ.

وقَدَّمَهُ عَلى الأمْرِ اعْتِناءً بِهِ ولِيَجِيءَ ذَلِكَ الأمْرُ بَعْدَ سَدِّ ما يَخْدِشُهُ، وقالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ مِن جِهَةِ أنَّ أكْثَرَ أمْوالِ المُشْرِكِينَ قَدِ اجْتَمَعَتْ مِنَ الرِّبا، وكانُوا يُنْفِقُونَ تِلْكَ الأمْوالَ عَلى العَساكِرِ، وكانَ مِنَ المُمْكِنِ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لِلْمُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلَيْهِ كَيْ يَجْمَعُوا الأمْوالَ ويُنْفِقُوها عَلى العَساكِرِ أيْضًا ويَتَمَكَّنُوا مِنَ الِانْتِقامِ مِن عَدُوِّهِمْ، فَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ رَحْمَةً عَلَيْهِمْ ولُطْفًا بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ لَهُ التَّعْذِيبَ لِمَن يَشاءُ والمَغْفِرَةَ لِمَن يَشاءُ وصَلَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَمّا لَوْ فَعَلُوهُ لاسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ العِقابَ وهو الرِّبا، وخَصَّهُ بِالنَّهْيِ لِأنَّهُ كانَ شائِعًا إذْ ذاكَ ولِلِاعْتِناءِ بِذَلِكَ لَمْ يَكْتَفِ بِما دَلَّ عَلى تَحْرِيمِهِ مِمّا في سُورَةِ البَقَرَةِ بَلْ صَرَّحَ بِالنَّهْيِ، وساقَ الكَلامَ لَهُ أوَّلًا وبِالذّاتِ إيذانًا بِشِدَّةِ الحَظْرِ.

والمُرادُ مِنَ الأكْلِ الأخْذُ، وعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ لِما أنَّهُ مُعْظَمُ ما يُقْصَدُ بِهِ ولِشُيُوعِهِ في المَأْكُولاتِ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ التَّشْنِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الرِّبا ﴿ أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ حالٌ مِنَ الرِّبا، والأضْعافُ جَمْعُ ضِعْفٍ، وضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلُهُ، وضِعْفاهُ مِثْلاهُ، وأضْعافُهُ أمْثالُهُ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الضَّعْفُ اسْمُ ما يُضْعِفُ الشَّيْءَ، كالثَّنْيِ اسْمُ ما يُثْنِيهِ، مِن ضَعَفْتُ الشَّيْءَ بِالتَّخْفِيفِ فَهو مَضْعُوفٌ عَلى ما نَقَلَهُ الرّاغِبُ بَمَعْنى ضَعَّفْتُهُ وهو اسْمٌ يَقَعُ عَلى العَدَدِ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ مَعَهُ عَدَدٌ آخَرُ فَأكْثَرُ، والنَّظَرُ فِيهِ إلى فَوْقٍ بِخِلافِ الزَّوْجِ فَإنَّ النَّظَرَ فِيهِ إلى ما دُونَهُ فَإذا قِيلَ: ضِعْفُ العَشَرَةِ لَزِمَ أنْ تَجْعَلَها عِشْرِينَ بِلا خِلافٍ لِأنَّهُ أوَّلُ مَراتِبِ تَضْعِيفِها، ولَوْ قالَ: لَهُ عِنْدِي ضِعْفُ دِرْهَمٍ لَزِمَهُ دِرْهَمانِ ضَرُورَةَ الشَّرْطِ المَذْكُورِ، كَما إذا قِيلَ: هو أخُو زَيْدٍ اقْتَضى أنْ يَكُونَ زَيْدٌ أخاهُ، وإذا لَزِمَ المُزاوَجَةُ دَخَلَ في الإقْرارِ، وعَلى هَذا لَهُ ضِعْفا دِرْهَمٍ مُنَزَّلٌ عَلى ثَلاثَةِ دَراهِمَ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِناءً عَلى ما يُتَوَهَّمُ أنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ مَوْضُوعُهُ مِثْلاهُ وضِعْفَيْهِ ثَلاثَةُ أمْثالِهِ، بَلْ ذَلِكَ لِأنَّ مَوْضُوعَهُ المِثْلَ بِالشَّرْطِ المَذْكُورِ.

وهَذا مِعْزى الفُقَهاءِ في الأقارِيرِ والوَصايا، ومِنَ البَيِّنِ أنَّهم ألْزَمُوا في ضِعْفَيِ الشَّيْءِ ثَلاثَةَ أمْثالِهِ، ولَوْ كانَ مَوْضُوعُ الضِّعْفِ المِثْلَيْنِ لَكانَ الضِّعْفانِ أرْبَعَةَ أمْثالٍ، ولَيْسَ مَبْناهُ العُرْفَ العامِّيَّ بَلِ المَوْضُوعَ اللُّغَوِيَّ، كَما قالَ الأزْهَرِيُّ.

ومِن هُنا ظَهَرَ أنَّهُ لَوْ قالَ: لَهُ عَلَيَّ الضِّعْفانِ دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ أوِ الضِّعْفانِ مِنَ الدَّراهِمِ لَمْ يَلْزَمْ إلّا دِرْهَمانِ كَما لَوْ قالَ الأخَوانِ، ثُمَّ قالَ: والحاصِلُ أنَّ تَضْعِيفَ الشَّيْءِ ضَمُّ عَدَدٍ آخَرَ إلَيْهِ، وقَدْ يُزادُ، وقَدْ يُنْظَرُ إلى أوَّلِ مَراتِبِهِ؛ لِأنَّهُ المُتَيَقَّنُ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ المُضاعَفُ مَأْخُوذًا مَعَهُ فَيَكُونُ ضِعْفاهُ ثَلاثَةً، وقَدْ لا يَكُونُ فَيَكُونُ اثْنَيْنِ وهَذا كُلُّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ في اللُّغَةِ لا العُرْفِ، ولَيْسَ هَذِهِ الحالُ لِتَقْيِيدِ المَنهِيِّ عَنْهُ لِيَكُونَ أصْلُ الرِّبا غَيْرَ مَنهِيٍّ بَلْ لِمُراعاةِ الواقِعِ، فَقَدْ رَوى غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ يُرْبِي إلى أجَلٍ، فَإذا حَلَّ قالَ لِلْمَدِينِ: زِدْنِي في المالِ حَتّى أزِيدَكَ بِالأجَلِ فَيَفْعَلُ وهَكَذا عِنْدَ كُلِّ أجَلٍ، فَيَسْتَغْرِقُ بِالشَّيْءِ الضَّعِيفِ مالَهُ بِالكُلِّيَّةِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ونَزَلَتِ الآيَةُ، وقُرِئَ - مُضَعَّفَةً - بِلا ألِفٍ مَعَ تَشْدِيدِ العَيْنِ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أيْ فِيما نُهِيتُمْ عَنْهُ ومِن جُمْلَتِهِ أكْلُ الرِّبا ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ (130) أيْ لِكَيْ تُفْلِحُوا أوْ راجِينَ الفَلاحَ، فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ في مَوْضِعِ الحالِ قِيلَ: ولا يَخْفى أنَّ اقْتِرانَ الرَّجاءِ بِالتَّخْوِيفِ يُفِيدُ أنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ فَهُما جَناحاهُ اللَّذانِ يَطِيرُ بِهِما إلى حَضائِرِ القُدُسِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىٓ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ ١٣١

﴿ واتَّقُوا النّارَ ﴾ أيِ احْتَرِزُوا عَنْ مُتابَعَةِ المُرابِينَ وتَعاطِي ما يَتَعاطَوْنَهُ مِن أكْلِ الرِّبا المُفْضِي إلى دُخُولِ النّارِ ﴿ الَّتِي أُعِدَّتْ ﴾ أيْ هُيِّئَتْ ﴿ لِلْكافِرِينَ ﴾ (131) وهي الطَّبَقَةُ الَّتِي اشْتَدَّ حَرُّها وتَضاعَفَ عَذابُها وهي غَيْرُ النّارِ الَّتِي يَدْخُلُها عُصاةُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّها دُونَ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أكَلَةَ الرِّبا عَلى شَفا حُفْرَةِ الكَفَرَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّ النّارَ مُطْلَقًا مَخْلُوقَةٌ لِلْكافِرِينَ مُعَدَّةٌ لَهم أوَّلًا وبِالذّاتِ، وغَيْرُهم يَدْخُلُها عَلى وجْهِ التَّبَعِ فالصِّفَةُ لَيْسَتْ لِلتَّخْصِيصِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُلُّ مِنَ العُلَماءِ، رُوِيَ عَنِ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي أخْوَفُ آيَةٍ في القُرْآنِ حَيْثُ أوْعَدَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالنّارِ المُعَدَّةِ لِلْكافِرِينَ إنْ لَمْ يَتَّقُوهُ في اجْتِنابِ مَحارِمِهِ ولَيْسَ بِنَصٍّ في التَّخْصِيصِ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٣٢

﴿ وأطِيعُوا اللَّهَ ﴾ في جَمِيعِ ما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ الأمْرِ بِالتَّقْوى السّابِقِ ﴿ والرَّسُولَ ﴾ أيِ الَّذِي شَرَعَ لَكُمُ الدِّينُ وبَلَّغَكُمُ الرِّسالَةَ فَإنَّ طاعَتَهُ طاعَةُ اللَّهِ تَعالى.

﴿ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ ( 132 ) أيْ لِكَيْ تَنالُوا رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى أوْ راجِينَ رَحْمَتَهُ، وعَقَّبَ الوَعِيدَ بِالوَعْدِ تَرْهِيبًا عَنِ المُخالَفَةِ وتَرْغِيبًا في الطّاعَةِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: هَذِهِ الآيَةُ مُعاتَبَةٌ لِلَّذِينَ عَصَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ أمَرَهم بِما أمَرَهم في أُحُدٍ ولَعَلَّهُمُ الرُّماةُ الَّذِينَ فارَقُوا المَرْكَزَ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ١٣٣

﴿ وسارِعُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى أطِيعُوا أوِ اتَّقُوا.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ واوٍ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ والعِراقِ أيْ بادِرُوا وسابِقُوا، وقُرِئَ بِالأخِيرِ ﴿ إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ ﴾ أيْ أسْبابِهِما مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: سارِعُوا إلى أداءِ الفَرائِضِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلى الإسْلامِ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ: إلى الهِجْرَةِ، وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: إلى التَّكْبِيرَةِ الأُولى، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إلى أداءِ الطّاعاتِ، وعَنْ يَمانٍ: إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وعَنِ الضَّحّاكِ: إلى الجِهادِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: إلى التَّوْبَةِ، والظّاهِرُ العُمُومُ ويَدْخُلُ فِيهِ سائِرُ الأنْواعِ، وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى الجَنَّةِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، وقِيلَ: لِأنَّها كالسَّبَبِ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لِمَغْفِرَةٍ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِمْ، ووَصْفُ المَغْفِرَةِ بِكَوْنِها مِنَ الرَّبِّ دُونَ الجَنَّةِ تَعْظِيمًا لِأمْرِها وتَنْوِيهًا بِشَأْنِها، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: «أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَنُو إسْرائِيلَ كانُوا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنّا، كانُوا إذا أذْنَبَ أحَدُهم ذَنْبًا أصْبَحَتْ كَفّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً في عَتَبَةِ دارِهِ: اجْدَعْ أنْفَكَ، اجْدَعْ أُذُنَكَ، افْعَلْ كَذا وكَذا، فَسَكَتَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ الآيَةَ.

فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، ثُمَّ تَلاها عَلَيْهِمْ» .

والتَّنْوِينُ في مَغْفِرَةٍ لِلتَّعْظِيمِ ويُؤَيِّدُهُ الوَصْفُ، وكَذا في ( جَنَّةٍ ) ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا وصْفُها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ ﴾ والمُرادُ كَعَرْضِ السَّمَواتِ والأرْضِ فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: حَسِبْتُ بُغامَ راحِلَتِي عَناقًا وما هي ويْبَ غَيْرِكَ بِالعَناقِ فَإنَّهُ أرادَ كَصَوْتِ عَناقٍ، والعَرْضُ أقْصَرُ الِامْتِدادَيْنِ، وفي ذِكْرِهِ دُونَ ذِكْرِ الطُّولِ مُبالَغَةٌ، وزادَ في المُبالَغَةِ بِحَذْفِ أداةِ التَّشْبِيهِ وتَقْدِيرِ المُضافِ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ تَحْدِيدَ عَرْضِها حَتّى يَمْتَنِعَ كَوْنُها في السَّماءِ، بَلِ الكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ السَّعَةِ بِما هو في تَصْوِيرِ السّامِعِينَ، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تَصِفُ الشَّيْءَ بِالعَرْضِ إذا أرادُوا وصْفَهُ بِالسَّعَةِ، ومِنهُ قَوْلُهم: أعْرَضَ في المَكارِمِ إذا تَوَسَّعَ فِيها، والمُرادُ مِنَ ( السَّمَواتِ والأرْضِ ) السَّمَواتُ السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: تُقْرَنُ السَّمَواتُ السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ كَما تُقْرَنُ الثِّيابُ بَعْضُها بِبَعْضٍ فَذاكَ عَرْضُ الجَنَّةِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها فَوْقَ السَّمَواتِ السَّبْعِ تَحْتَ العَرْشِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وقِيلَ: إنَّها في السَّماءِ الرّابِعَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ، وقِيلَ: إنَّها خارِجَةٌ عَنْ هَذا العالَمِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ومَعْنى كَوْنِها في السَّماءِ أنَّها في جِهَةِ العُلُوِّ ولا مانِعَ عِنْدَنا أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في العُلُوِّ أمْثالَ السَّمَواتِ والأرْضِ بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، ولا يُنافِي هَذا خَبَرَ أنَّها في السَّماءِ الرّابِعَةِ إنْ صَحَّ ولا ما حُكِيَ عَنِ الأكْثَرِ لِأنَّ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِكَ: في الدّارِ بُسْتانٌ إذا كانَ لَهُ بابٌ مِنها يَشْرَعُ إلَيْهِ مَثَلًا، فَإنَّهُ لا يُنافِي خُرُوجَ البُسْتانِ عَنْها، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ لا يُنافِي الخَبَرَ أيْضًا كَوْنُ عَرْضِ الجَنَّةِ كَعَرْض السَّماوات والأرْض مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى القَوْلِ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ (السَّمَواتِ) السَّمَواتِ السَّبْعَ كَما قِيلَ بِهِ.

ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ أوِ الرّابِعَةِ إلّا أنَّ هَذا العَرْضَ إنَّما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ حَيْثُ يَزِيدُ اللَّهُ تَعالى فِيها ما يَزِيدُ.

وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ أحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ قِيلَ: وبِذَلِكَ يُدْفَعُ السُّؤالُ بِأنَّهُ إذا كانَ عَرْضُ الجَنَّةِ ( كَعَرْضِ السَّمَواتِ والأرْضِ ) فَأيْنَ تَكُونُ النّارُ، ووَجْهُ الدَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأمّا الآنُ فَهي دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، ويَوْمَ يَثْبُتُ لَها ذَلِكَ لا تَكُونُ فِيهِ السَّمَواتُ والأرْضُ كَهَذِهِ السَّمَواتِ والأرْضِ المُشَبَّهِ بِعَرْضِهِما عَرْضُها، ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ: بِالزِّيادَةِ في السَّعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ وإنَّ سَلِمَ إلّا أنَّ كَوْنَها اليَوْمَ دُونَ هَذِهِ السَّمَواتِ والأرْضِ بِكَثِيرٍ في حَيِّزِ المَنعِ ولا يَكادُ يُقْبَلُ، والسُّؤال المَذْكُورُ أجابَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ التَّنُوخِيِّ رَسُولِ هِرَقْلَ «قالَ: قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِكِتابِ هِرَقْلَ وفِيهِ: إنَّكَ كَتَبْتَ تَدْعُونِي إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَواتِ والأرْضِ فَأيْنَ النّارُ ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: سُبْحانَ اللَّهِ فَأيْنَ اللَّيْلُ إذا جاءَ النَّهارُ ؟» ولَعَلَّ المَقْصُودَ مِنَ الجَوابِ إسْقاطُ المَسْألَةِ وبَيانُ أنَّ القادِرَ عَلى أنْ يُذْهِبَ اللَّيْلَ حَيْثُ شاءَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ النّارَ حَيْثُ شاءَ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ خَبَرُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ إلى أنَّ العَرْضَ هَهُنا لَيْسَ مُقابِلَ الطُّولِ بَلْ هو مِن قَوْلِكَ عَرَضْتُ المَتاعَ لِلْبَيْعِ، والمَعْنى أنَّ ثَمَنَها لَوْ بِيعَتْ كَثَمَنِ السَّمَواتِ والأرْضِ، والمُرادُ بِذَلِكَ عِظَمُ مِقْدارِها وجَلالَةُ قَدْرِها، وأنَّهُ لا يُساوِيها شَيْءٌ وإنْ عَظُمَ، فالعَرْضُ بِمَعْنى ما يُعْرَضُ مِنَ الثَّمَنِ في مُقابَلَةِ المَبِيعِ، ورُبَّما يُسْتَغْنى عَلى هَذا عَنْ تَقْدِيرِ ذَلِكَ المُضافِ، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ خِلافُ المَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ مِن أنَّ المُرادَ وصْفُها بِأنَّها واسِعَةٌ ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أيْ هُيِّئَتْ لِلْمُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالذّاتِ، وأنَّ دُخُولَ غَيْرِهِمْ كَعُصاةِ المُؤْمِنِينَ والأطْفالِ والمَجانِينِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ، وإذا حُمِلَتِ التَّقْوى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وأمّا فِيهِ فَبَعِيدٌ عَلى التَّقْوى عَنِ الشِّرْكِ لا ما يَعُمُّهُ وسائِرَ المُحَرَّماتِ لَمْ نَسْتَغْنِ عَنْ هَذا القَوْلِ أيْضًا؛ لِأنَّ المَجانِينَ مَثَلًا لا يَتَّصِفُونَ بِالتَّقْوى حَقِيقَةً ولَوْ كانَتْ عَنِ الشِّرْكِ كَما لا يَخْفى.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ جَنّاتٌ مُتَفاوِتَةٌ، وأنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ لِلْمُتَّقِينَ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ لا يُشارِكُهم فِيها غَيْرُهم لا بِالذّاتِ ولا بِالتَّبَعِ، ولَعَلَّها الفِرْدَوْسُ المُصَرَّحُ بِها في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ الجَنَّةَ فَأسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ» وفِيهِ تَأمُّلٌ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ الماضِي، وجَعْلُهُ مِن بابِ ( ونُفِخَ في الصُّورِ ) خِلافُ الظّاهِرِ ولا داعِيَ إلَيْهِ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، ومِثْلُ ذَلِكَ ( أُعِدَّتْ ) السّابِقُ في حَقِّ النّارِ.

وأمّا دَلالَةُ الآيَةِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ خارِجَةٌ عَنْ هَذا العالَمِ بِناءً عَلى أنَّها تَقْتَضِي أنَّ الجَنَّةَ أعْظَمُ مِنهُ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِها فَفِيهِ نَظَرٌ كَما يُرْشِدُكَ إلَيْهِ النَّظَرُ فِيما تَقَدَّمَ.

والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لَجْنَةٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِنها لِأنَّها قَدْ وصِفَتْ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ لِثَلاثَةِ أُمُورٍ: أحَدُها أنَّهُ لا عَمَلَ لَهُ وما جاءَ مِن ذَلِكَ مُتَأوَّلٌ عَلى ضَعْفِهِ، والثّانِي أنَّ العَرْضَ هُنا لا يُرادُ بِهِ المَصْدَرُ الحَقِيقِيُّ بَلِ المَسافَةُ، والثّالِثُ أنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنهُ الفَصْلُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ١٣٤

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ﴾ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمُتَّقِينَ مادِحٌ لَهم، وقِيلَ: مُخَصَّصٌ أوْ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إضْمارِ الفِعْلِ أوْ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ ( هم ) ومَفْعُولُ ( يُنْفِقُونَ ) مَحْذُوفٌ لِيَتَناوَلَ كُلَّ ما يَصْلُحُ لِلْإنْفاقِ المَحْمُودِ أوْ مَتْرُوكٌ بِالكُلِّيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي.

﴿ فِي السَّرّاءِ والضَّرّاءِ ﴾ أيْ في اليُسْرِ والعُسْرِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: في حالِ السُّرُورِ والِاغْتِمامِ، وقِيلَ: في الحَياةِ وبَعْدَ المَوْتِ بِأنْ يُوصِي، وقِيلَ: فِيما يَسُرُّ كالنَّفَقَةِ عَلى الوَلَدِ والقَرِيبِ، وفِيما يَضُرُّ كالنَّفَقَةِ عَلى الأعْداءِ، وقِيلَ: في ضِيافَةِ الغَنِيِّ والإهْداءِ إلَيْهِ، وفِيما يُنْفِقُهُ عَلى أهْلِ الضُّرِّ ويَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وأصْلُ السَّرّاءِ الحالَةُ الَّتِي تَسُرُّ، والضَّرّاءِ الحالَةُ الَّتِي تَضُرُّ، والمُتَبادِرُ ما قالَهُ الحَبْرُ، والمُرادُ إمّا ظاهِرُهُما أوِ التَّعْمِيمُ كَما عُهِدَ في أمْثالِهِ، أيْ أنَّهم لا يَخْلُونَ في حالٍ ما بِإنْفاقِ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن كَثِيرٍ أوْ قَلِيلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها تَصَدَّقَتْ بِحَبَّةِ عِنَبٍ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ تَصَدَّقَ بِبَصَلَةٍ، وفي الخَبَرِ: «اتَّقُوا النّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ،» «ورُدُوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحَرَّقٍ».

﴿ والكاظِمِينَ الغَيْظَ ﴾ أصْلُ الكَظْمِ شَدُّ رَأْسِ القِرْبَةِ عِنْدَ امْتِلائِها، ويُقالُ: فَلا كَظِيمٌ أيْ مُمْتَلِئٌ حُزْنًا و( الغَيْظُ ) هَيَجانُ الطَّبْعِ عِنْدَ رُؤْيَةِ ما يُنْكِرُ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الغَضَبِ عَلى ما قِيلَ: إنَّ الغَضَبَ يَتْبَعُهُ إرادَةَ الِانْتِقامِ البَتَّةَ، ولا كَذَلِكَ الغَيْظُ، وقِيلَ: الغَضَبُ ما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ والبَشَرَةِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ، والغَيْظُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: هُما مُتَلازِمانِ إلّا أنَّ الغَضَبَ يَصِحُّ إسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، والغَيْظُ لا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ.

والمُرادُ والمَتْجَرِّعِينَ لِلْغَيْظِ المُمْسِكِينَ عَلَيْهِ عِنْدَ امْتِلاءِ نُفُوسِهِمْ مِنهُ فَلا يُنْفِقُونَ مِمَّنْ يُدْخِلُ الضَّرَرَ عَلَيْهِمْ ولا يُبْدُونَ لَهُ ما يَكْرَهُ، بَلْ يَصْبِرُونَ عَلى ذَلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى الإنْفاذِ والِانْتِقامِ وهَذا هو المَمْدُوحُ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ تَعالى قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا» .

وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْفِذَهُ دَعاهُ اللَّهُ تَعالى عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ حَتّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أيِّ الحُورِ شاءَ» وفي الأوَّلِ جَزاءٌ مِن جِنْسِ العَمَلِ، وفي الثّانِي ما هو مِن تَوابِعِهِ، وهَذا الوَصْفُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الفاعِلِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وأمّا الإنْفاقُ فَحَيْثُ كانَ أمْرًا مُتَجَدِّدًا عَبَّرَ عَنْهُ بِما يُفِيدُ التَّجَدُّدَ والحُدُوثَ ﴿ والعافِينَ عَنِ النّاسِ ﴾ أيِ المُتَجاوِزِينَ عَنْ عُقُوبَةِ مَنِ اسْتَحَقُّوا مُؤاخَذَتَهُ إذا لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ إخْلالٌ بِالدِّينِ، وقِيلَ: عَنِ المَمْلُوكِينَ إذا أساءُوا، والعُمُومُ أوْلى.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ: ”أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى أجْرٌ فَلا يَقُومُ إلّا إنْسانٌ عَفا“ .

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن سَرَّهُ أنْ يُشْرِفَ لَهُ البُنْيانُ، وتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجاتُ، فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ ويُعْطِ مَن حَرَمَهُ ويَصِلْ مَن قَطَعَهُ» ”.

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في الآيَةِ:“ إنَّ هَؤُلاءِ في أُمَّتِي قَلِيلٌ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ كانُوا كَثِيرًا في الأُمَمِ الَّتِي مَضَتْ " .

والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ إنْ كانَتِ القِلَّةُ عَلى ظاهِرِها ومُتَّصِلٌ إنْ كانَتْ بِمَعْنى العَدَمِ، وكَوْنُ بَعْضِ الخَصائِصِ كَثِيرًا في الأُمَمِ السّابِقَةِ لا يَقْتَضِي تَفْضِيلَهم عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ومَن ظَنَّ ذَلِكَ تَكَلَّفَ في تَوْجِيهِ الحَدِيثِ بِأنَّ المُرادَ أنَّ الكاظِمِينَ الغَيْظَ في أُمَّتِي قَلِيلٌ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِغَلَبَةِ الغَيْظِ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانُوا كَثِيرًا في الأُمَمِ السّالِفَةِ لِقِلَّةِ حَمِيَّتِهِمْ ولِذا كانَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ فِيما بَيْنَهم قَلِيلًا، ولِما تَمَرَّنَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ في الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى، والتَزَمُوا الِاجْتِنابَ عَنِ المُداهَنَةِ صارَ إنْفاذُ الغَيْظِ عادَتَهم فَلا يَكْظِمُونَ إذا ابْتُلُوا إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فالقَلِيلُ في الخَبَرِ هُمُ الَّذِينَ يَكْظِمُونَ لِقِلَّةِ الحَمِيَّةِ وهُمُ الكَثِيرُونَ في الأُمَمِ السّالِفَةِ فَلا اخْتِصاصَ لَهم بِمَزِيَّةٍ لِيُتَوَهَّمَ تَفْضِيلُهم عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ ولَوْ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّوْجِيهَ مِمّا تَأْباهُ الإشارَةُ والعِبارَةُ، وأحْسَنُ مِنهُ بَلْ لا نِسْبَةَ أنَّ الكَثْرَةَ نَظَرًا إلى مَجْمُوعِ الأُمَمِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ أُمَّةٍ أُمَّةٍ، ولا يَضُرُّ قِلَّةُ وُجُودِ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فِينا بِالنَّظَرِ إلى مَجْمُوعِ الخَلائِقِ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ بُعِثَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ بِأسْرِها قَلِيلَةٌ بِالنَّظَرِ إلى مَجْمُوعِ الأُمَمِ فَضْلًا عَنْ خِيارِها فَتَدَبَّرْ، وفي ذِكْرِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إشْعارٌ بِكَمالِ حُسْنِ مَوْقِعِ عَفْوِهِ عَلَيْهُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الرُّماةِ، وتَرْكِ مُؤاخَذَتِهِمْ بِما فَعَلُوا مِن مُخالَفَةِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونُدِبَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى تَرْكِ ما عَزَمَ عَلَيْهِ مِن مُجازاةِ المُشْرِكِينَ بِما فَعَلُوا بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَتّى قالَ حِينَ رَآهُ قَدْ مُثِّلَ بِهِ: «لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مَكانَكَ» .

ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ هُنا بِصِيغَةِ الفاعِلِ أيْضًا دُونَ الفِعْلِ لِأنَّ العَفْوَ أشْبَهُ بِالكَظْمِ مِنهُ بِالإنْفاقِ.

﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ (134) تَذْيِيلٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، و(ال) إمّا لِلْجِنْسِ والمَذْكُورُونَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا لِلْعَهْدِ، وعَبَّرَ عَنْهم بِالمُحْسِنِينَ عَلى ما قِيلَ: إيذانًا بِأنَّ النُّعُوتَ المَعْدُودَةَ مِن بابِ الإحْسانِ الَّذِي هو الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ «تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .

ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الإحْسانُ هُنا بِمَعْنى الإنْعامِ عَلى الغَيْرِ عَلى وجْهٍ عارٍ عَنْ وُجُوهِ القُبْحِ، وعَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم في جَمِيعِ تِلْكَ النُّعُوتِ مُحْسِنُونَ إلى الغَيْرِ لا في الإنْفاقِ فَقَطْ.

ومِمّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الإحْسانِ هُنا بِمَعْنى الإنْعامِ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ أنَّ جارِيَةً لِعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما جَعَلَتْ تَسْكُبُ عَلَيْهِ الماءَ لِيَتَهَيَّأ لِلصَّلاةِ فَسَقَطَ الإبْرِيقُ مِن يَدِها فَشَجَّهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَيْها فَقالَتْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ والكاظِمِينَ الغَيْظَ ﴾ فَقالَ لَها: قَدْ كَظَمْتُ غَيْظِي، قالَتْ: ﴿ والعافِينَ عَنِ النّاسِ ﴾ قالَ: قَدْ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْكِ، قالَتْ: ﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ قالَ: اذْهَبِي فَأنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ١٣٥

ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ العَهْدَ عَلى الجِنْسِ بِأنَّهُ أدْخَلُ في المَدْحِ وأنْسَبُ بِذِكْرِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ مِن تَتِمَّةِ ما نَزَلَ حِينَ قالَ المُسْلِمُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”بَنُو إسْرائِيلَ كانُوا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِنّا“ إلَخْ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ «ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حالُ بَنِي إسْرائِيلَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولَمْ يَذْكُرْ صَدْرَ الآيَةِ» .

وفِي رِوايَةِ الكَلْبِيِّ «أنَّ رَجُلَيْنِ أنْصارِيًّا وثَقَفِيًّا آخى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْنَهُما فَكانا لا يَفْتَرِقانِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ مَغازِيهِ وخَرَجَ مَعَهُ الثَّقَفِيُّ وخَلَّفَ الأنْصارِيَّ في أهْلِهِ وحاجَتِهِ، فَكانَ يَتَعاهَدُ أهْلَ الثَّقَفِيِّ فَأقْبَلَ ذاتَ يَوْمٍ فَأبْصَرَ امْرَأةَ صاحِبِهِ قَدِ اغْتَسَلَتْ وهي ناشِرَةٌ شَعْرَها فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ فَدَخَلَ ولَمْ يَسْتَأْذِنْ حَتّى انْتَهى إلَيْها، فَذَهَبَ لِيَلْثَمَها فَوَضَعَتْ كَفَّها عَلى وجْهِها فَقَبَّلَ ظاهِرَ كَفِّها ثُمَّ نَدِمَ واسْتَحْيا فَأدْبَرَ راجِعًا فَقالَتْ: سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى خُنْتَ أمانَتَكَ وعَصَيْتَ رَبَّكَ ولَمْ تَصِلْ إلى حاجَتِكَ، قالَ: ونَدِمَ عَلى صَنِيعِهِ فَخَرَجَ يَسِيحُ في الجِبالِ ويَتُوبُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن ذَنْبِهِ حَتّى وافى الثَّقَفِيُّ فَأخْبَرَتْهُ أهْلُهُ بِفِعْلِهِ، فَخَرَجَ يَطْلُبُهُ حَتّى دُلَّ عَلَيْهِ فَوافَقَهُ ساجِدًا وهو يَقُولُ: رَبِّ ذَنْبِي ذَنْبِي قَدْ خُنْتُ أخِي فَقالَ لَهُ: قُمْ يا فُلانُ فانْطَلِقْ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاسْألْهُ عَنْ ذَنْبِكَ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَكَ فَرَجًا وتَوْبَةً، فَأقْبَلَ مَعَهُ حَتّى رَجَعَ إلى المَدِينَةِ وكانَ ذاتَ يَوْمٍ عِنْدَ صَلاةِ العَصْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَوْبَتِهِ فَتَلا: ﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ﴾ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألِهَذا الرَّجُلِ خاصَّةً أمْ لِلنّاسِ عامَّةً ؟

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً» .

وفِي رِوايَةِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ تَيِّهانَ التَّمّارَ أتَتْهُ امْرَأةٌ حَسْناءُ تَبْتاعُ مِنهُ تَمْرًا فَضَمَّها إلى نَفْسِهِ وقَبَّلَها ثُمَّ نَدِمَ عَلى ذَلِكَ فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن تَعَدُّدِ سَبَبِ النُّزُولِ، وأيًّا ما كانَ فَبِإطْلاقِ اللَّفْظِ يَنْتَظِمُ ما فَعَلَهُ الرُّماةُ انْتِظامًا أوَّلِيًّا، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَطّافِ بْنِ خالِدٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها لَمّا نَزَلَتْ صاحَ إبْلِيسُ بِجُنُودِهِ وحَثا عَلى رَأْسِهِ التُّرابَ ودَعا بِالوَيْلِ والثُّبُورِ حَتّى جاءَتْهُ جُنُودُهُ مِن كُلِّ بَرٍّ وبَحْرٍ فَقالُوا: ما لَكَ يا سَيِّدَنا ؟

قالَ: آيَةٌ نَزَلَتْ في كِتابِ اللَّهِ لا يَضُرُّ بَعْدَها أحَدًا مِن بَنِي آدَمَ ذَنْبٌ.

قالُوا: وما هي ؟

فَأخْبَرَهم، قالُوا: نَفْتَحُ لَهم بابَ الأهْواءِ فَلا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ ولا يَرَوْنَ إلّا أنَّهم عَلى الحَقِّ، فَرَضِيَ مِنهم بِذَلِكَ، والمَوْصُولُ إمّا مَفْصُولٌ عَمّا قَبْلَهُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن صِفاتِ المُتَّقِينَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَهُما مُشِيرٌ إلى ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ، فَإنَّ دَرَجَةَ الأوَّلِينَ مِنَ التَّقْوى أعْلى، وحَظَّهم أوْفى، أوْ عَلى المُتَّقِينَ، فَيَكُونُ التَّفاوُتُ أظْهَرَ وأكْثَرَ، والفاحِشَةُ: الكَبائِرُ، وظُلْمُ النَّفْسِ الصَّغائِرُ قالَهُ القاضِي عَبْدِ الجَبّارِ الهَمْدانِيُّ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ المَعْصِيَةُ الفِعْلِيَّةُ، وظُلْمُ النَّفْسِ المَعْصِيَةُ القَوْلِيَّةُ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ ما يَتَعَدّى، ومِنهُ إفْشاءُ الذَّنْبِ لِأنَّهُ سَبَبُ اجْتِراءِ النّاسِ عَلَيْهِ ووُقُوعِهِمْ فِيهِ، وظُلْمُ النَّفْسِ ما لَيْسَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ كُلُّ ما يَشْتَدُّ قُبْحُهُ مِنَ المَعاصِي والذُّنُوبِ وتُقالُ لِكُلِّ خَصْلَةٍ قَبِيحَةٍ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، وكَثِيرًا ما تَرِدُ بِمَعْنى الزِّنا، وأصْلُ الفُحْشِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في السُّوءِ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ يَعْنِي الَّذِي جاوَزَ الحَدَّ في البُخْلِ، فَلَعَلَّ المُرادَ مِنها هُنا المَعْصِيَةُ البالِغَةَ في القُبْحِ، والظُّلْمُ الذَّنْبُ مُطْلَقًا، وذِكْرُهُ بَعْدَها مِن ذِكْرِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ، وأوْ عَلى الوُجُوهِ لِلتَّنْوِيعِ ولا يَرِدُ أنَّهُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ التَّرْدِيدُ بَيْنَ الخاصِّ والعامِّ، وقَدْ تُوُقِّفَ في قَبُولِهِ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا تَرْدِيدٌ بَيْنَ فِرْقَتَيْنِ مَن يَسْتَغْفِرُ لِلْفاحِشَةِ ومَن يَسْتَغْفِرُ لِأيِّ ذَنْبٍ صَدَرَ عَنْهُ وكَمْ بَيْنَهُما، وجَوابُ (إذا) قَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾ أيْ تَذَكَّرُوا حَقَّهُ العَظِيمَ ووَعِيدَهُ، أوْ ذَكَرُوا العَرْضَ عَلَيْهِ، أوْ سُؤالَهُ عَنِ الذَّنْبِ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ نَهْيِهِ أوْ غُفْرانِهِ، وقِيلَ: ( ذَكَرُوا ) جَمالَهُ فاسْتَحْيَوْا، وجَلالَهُ فَهابُوا، وقِيلَ: ( ذَكَرُوا ) ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ عَنْ جَمِيعِ القَبائِحِ وأحَبُّوا التَّقَرُّبَ إلَيْهِ بِالمُناسِبَةِ لَهُ بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذَّمائِمِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ ذِكْرِ اسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿ فاسْتَغْفَرُوا ﴾ أيْ طَلَبُوا المَغْفِرَةَ مِنهُ تَعالى ﴿ لِذُنُوبِهِمْ ﴾ كَيْفَما كانَتْ، ومَفْعُولُ ( فاستغفروا ) مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى أيِ اسْتَغْفَرُوهُ، ولَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ طَلَبِ المَغْفِرَةِ بَلْ مَعَ التَّوْبَةِ وإلّا فَطَلَبُ المَغْفِرَةِ مَعَ الإصْرارِ كالِاسْتِهْزاءِ بِالرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ، ومِن هُنا قالَتْ رابِعَةُ العَدَوِيَّةُ: اسْتِغْفارُنا هَذا يَحْتاجُ إلى اسْتِغْفارٍ ﴿ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ أوْ بَيْنَ الحالِ وذِيها، والتَّرْكِيبُ عَلى ما أفادَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ يَدُلُّ عَلى أُمُورٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى وأُمُورٍ مِن جِهَةِ العَبْدِ.

أمّا الأوَّلُ فَعَلى وُجُوهٍ: أحَدُها دَلالَةُ اسْمِ الذّاتِ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِن مَعْنى الغُفْرانِ الواسِعِ، وإيرادُ التَّرْكِيبِ عَلى صِيغَةِ الإنْشاءِ دُونَ الإخْبارِ بِأنْ لَمْ يَقُلْ وما يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ المَعْنى وتَأْكِيدٌ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ تَعْرِفُونَ أحَدًا يَقْدِرُ عَلى غَفْرِ الذُّنُوبِ كُلِّها صَغِيرِها وكَبِيرِها سالِفِها وغابِرِها غَيْرَ مَن وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وثانِيها تَقْدِيمُهُ عَنْ مَكانِهِ وإزالَتِهِ عَنْ مَقَرِّهِ لِأنَّهُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وهو ( الَّذِينَ ) والخَبَرُ الآتِي، ثُمَّ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أوِ الحالِ وصاحِبِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ كُلَّما وُجِدَ الِاسْتِغْفارُ لَمْ يَتَخَلَّفِ الغُفْرانَ، وثالِثُها الإتْيانُ بِالجَمْعِ المُحَلّى بِاللّامِ إعْلامًا بِأنَّ التّائِبَ إذا تَقَدَّمَ بِالِاسْتِغْفارِ يُتَلَقّى بِغُفْرانِ ذُنُوبِهِ كُلِّها فَيَصِيرُ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ، ورابِعُها دَلالَةُ النَّفْيِ بِالحَصْرِ والإثْباتِ عَلى أنَّهُ لا مَفْزَعَ لِلْمُذْنِبِينَ إلّا كَرَمُهُ وفَضْلُهُ، وذَلِكَ أنَّ مَن وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ في نَشْرِها كَرَمًا وفَضْلًا، وخامِسُها إسْنادُ غُفْرانِ الذُّنُوبِ إلى نَفْسِهِ سُبْحانَهُ وإثْباتُهُ لِذاتِهِ المُقَدَّسِ بَعْدَ وُجُودِ الِاسْتِغْفارِ وتَنَصُّلِ عَبِيدِهِ يَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ ذَلِكَ قَطْعًا، إمّا بِحَسَبِ الوَعْدِ كَما نَقُولُ أوْ بِحَسَبِ العَدْلِ كَما يَزْعُمُهُ المُعْتَزِلَةُ.

وأمّا الثّانِي فَفِيهِ وُجُوهٌ أيْضًا: الأوَّلُ: إنَّ في إبْداءِ سَعَةِ الرَّحْمَةِ واسْتِعْجالِ المَغْفِرَةِ بِشارَةً عَظِيمَةً وتَطْيِيبًا لِلنُّفُوسِ، والثّانِي: أنَّ العَبْدَ إذا نَظَرَ إلى هَذِهِ العِنايَةِ الشَّدِيدَةِ والِاهْتِمامِ العَظِيمِ في شَأْنِ التَّوْبَةِ يَتَحَرَّكُ نَشاطُهُ ويَهْتَزُّ عَطْفُهُ فَلا يَتَقاعَدُ عَنْها، والثّالِثُ: أنَّ في ضِمْنِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ قَلْعُ اليَأْسِ والقُنُوطِ ولِهَذا عَلَّلَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ .

والرّابِعُ: أنَّهُ أُطْلِقَتِ الذُّنُوبُ وعَمَّتْ بَعْدَ ذِكْرِ الفاحِشَةِ وظُلْمِ النَّفْسِ وتَرْكِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِيَدُلَّ بِهِ عَلى عَدَمِ المُبالاةِ في الغُفْرانِ، فَإنَّ الذُّنُوبَ وإنْ كَبُرَتْ فَعَفْوُ اللَّهِ تَعالى أكْبَرُ.

والخامِسُ: أنَّ الِاسْمَ الجامِعَ في التَّرْكِيبِ كَما دَلَّ عَلى سِعَةِ الغُفْرانِ بِحَسَبِ المَقامِ يَدُلُّ أيْضًا مَعَ إرادَةِ الحَصْرِ عَلى أنَّهُ تَعالى وحْدَهُ مَعَهُ مُصَحِّحاتُ المَغْفِرَةِ مِن كَوْنِهِ عَزِيزًا لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ فَيَرُدَّ عَلَيْهِ حُكْمَهُ، وكَوْنُهُ حَكِيمًا يَغْفِرُ لِمَن تَقْتَضِي حِكْمَتُهُ غُفْرانَهُ.

وقَدِ التَزَمَ بَعْضُهم كَوْنَ ( ألْ ) في (الذُّنُوبِ) لِلْجِنْسِ لِتُفِيدَ الآيَةُ امْتِناعُ صُدُورِ مَغْفِرَةِ فَرْدٍ مِنها مِن غَيْرِهِ تَعالى، وهَذا عَلى ظَنِّهِ لا تُفِيدُهُ الآيَةُ عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ كُلِّ (الذُّنُوبِ) وحِينَئِذٍ يَزْدادُ أمْرُ المُبالَغَةِ، وأمّا جَعْلُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً بِتَقْدِيرِ قائِلِينَ ذَلِكَ فَتَعَسُّفٌ يَذْهَبُ بِكَثِيرٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ اللَّطِيفَةِ كَما لا يَخْفى، و(مَن) مُبْتَدَأٌ (ويَغْفِرُ) خَبَرُهُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلٌ مِنَ المَسْتَكِنِ في يَغْفِرُ أوْ فاعِلٌ لَهُ ﴿ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ فاسْتَغْفَرُوا ﴾ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ لَمْ يُقِيمُوا أوْ غَيْرُ مُقِيمِينَ عَلى الَّذِي فَعَلُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ فاحِشَةً كانَتْ أوْ ظُلْمًا أوْ عَلى فِعْلِهِمْ، وأصْلُ الإصْرارِ الشَّدُّ مِنَ الصَّرِّ، وقِيلَ: الثَّباتُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ يَصِفُ الخَيْلَ: عَوابِسَ بِالشُّعْثِ الكُماةِ إذا ابْتَغَوْا ∗∗∗ غُلالَتَها بِالمُحْصَداتِ (أصَرَّتِ) ويُسْتَعْمَلُ شَرْعًا بِمَعْنى الإقامَةِ عَلى القَبِيحِ مِن غَيْرِ اسْتِغْفارٍ ورُجُوعٍ بِالتَّوْبَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَصِحُّ إرادَةُ هَذا المَعْنى لِئَلّا يَتَكَرَّرَ ما في المَفْهُومِ مَعَ ما في المَنطُوقِ، فَلَعَلَّهُ فِيهِ بِمَعْنى الإقامَةِ، وإذا حُمِلَ الِاسْتِغْفارُ عَلى مُجَرَّدِ طَلَبِ المَغْفِرَةِ فَقَطْ كانَ هَذا مُشِيرًا لِلتَّوْبَةِ الَّتِي هي مِلاكُ الأمْرِ إلّا أنَّهُ قَدَّمَ الِاسْتِغْفارَ؛ لِأنَّهُ دالٌّ عَلَيْها في الظّاهِرِ، وإذا حُمِلَ عَلى الحالِ الَّذِي يَنْضَمُّ إلَيْهِ التَّوْبَةُ كانَ هَذا تَصْرِيحًا بِبَعْضِ ما أُرِيدَ مِنهُ إشارَةً إلى الِاعْتِناءِ بِهِ كَما قالُوا في ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ.

أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا:“ كُلُّ ذَنْبٍ أصَرَّ عَلَيْهِ العَبْدُ كَبِيرٌ، ولَيْسَ بِكَبِيرٍ ما تابَ مِنهُ العَبْدُ " .

وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكم، ويْلٌ لِأقْماعِ القَوْلِ ويْلٌ لِلْمُصِرِّينَ» .

﴿ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ (135) قِيلَ: الجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ اسْتَغْفَرُوا وفِيهِ بُعْدٌ لَفْظِيٌّ، والمَشْهُورُ أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ أصَرُّوا، ومَفْعُولُ (يَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ أيْ يَعْلَمُونَ قُبْحَ فِعْلِهِمْ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ الحالَ بَعْدَ الفِعْلِ المَنفِيِّ وكَذا جَمِيعُ القُيُودِ قَدْ يَكُونُ راجِعًا إلى النَّفْيِ قَيْدًا لَهُ دُونَ المَنفِيِّ، مِثْلُ: ما جِئْتُكَ مُشْتَغِلًا بِأُمُورِكَ بِمَعْنى تَرَكْتُ المَجِيءَ مُشْتَغِلًا بِذَلِكَ، وقَدْ يَكُونُ راجِعًا إلى ما دَخَلَهُ النَّفْيُ مِثْلُ: ما جِئْتُكَ راكِبًا، ولِهَذا مَعْنَيانِ: أحَدُهُما وهو الأكْثَرُ أنْ يَكُونُ النَّفْيُ راجِعًا إلى القَيْدِ فَقَطْ ويَثْبُتُ أصْلُ الفِعْلِ فَيَكُونُ المَعْنى جِئْتُ غَيْرَ راكِبٍ، وثانِيهِما: أنْ يَقْصِدَ نَفْيَ الفِعْلِ والقَيْدِ مَعًا بِمَعْنى انْتِفاءِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ فالمَعْنى في المِثالِ لا مَجِيءَ ولا رُكُوبَ، وقَدْ يَكُونُ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا لِلْفِعْلِ فَقَطْ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لِنَفْيِ القَيْدِ وإثْباتِهِ.

قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ لا يَصِحُّ فِيها أنْ يَكُونَ وهم ( يَعْلَمُونَ ) قَيْدًا لِلنَّفْيِ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِأنَّ تَرْكَ الإصْرارِ مُوجِبٌ لِلْأجْرِ والجَزاءِ سَواءٌ كانَ مَعَ العِلْمِ بِالقُبْحِ أوْ مَعَ الجَهْلِ، بَلْ مَعَ الجَهْلِ أوْلى، ولا يَصِحُّ أيْضًا فِيها أنْ يَتَوَجَّهَ النَّفْيُ إلى القَيْدِ فَقَطْ مَعَ إثْباتِ أصْلِ الفِعْلِ إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى إثْباتِ الإصْرارِ ونَفْيِ العِلْمِ، وكَذا لا يَصِحُّ تَوَجُّهُهُ إلى الفِعْلِ والقَيْدِ مَعًا إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى نَفْيِ العِلْمِ، والظّاهِرُ أنَّ المُناسِبَ فِيها تَوَجُّهُهُ إلى الفِعْلِ فَقَطْ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لِنَفْيِ القَيْدِ وإثْباتِهِ، والمُرادُ لَمْ يُصِرُّوا عالِمِينَ بِمَعْنى أنَّ عَدَمَ الإصْرارِ مُتَحَقِّقٌ البَتَّةَ.

ولَكَ أنْ تَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحالُ هُنا قَيْدًا لِلنَّفْيِ ويَكُونُ المَعْنى تَرَكُوا الإصْرارَ عَلى الذَّنْبِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ الذَّنْبَ قَبِيحٌ؛ فَإنَّ الحالَ قَدْ يَجِيءُ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ.

وحَدِيثُ إنَّ تَرْكَ الإصْرارِ مُوجِبٌ لِلْأجْرِ والجَزاءِ، سَواءٌ كانَ مَعَ العِلْمِ بِالقُبْحِ أوْ مَعَ الجَهْلِ، فَلا دَخْلَ لِمَضْمُونِ الحالِ في إيجابِ الأجْرِ، مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الحالِ تَقْيِيدَ الإصْرارِ بِها لِإيجابِ الأجْرِ حَتّى يَرِدَ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ، بَلِ المُرادُ مَدْحُهم بِأنَّ تَرْكَهُمُ الإصْرارَ عَلى الذَّنْبِ لِأجْلِ أنَّ فِيهِمْ ما هو زاجِرٌ عَنْهُ وهو عِلْمُهم بِقُبْحِ الذَّنْبِ، فَيَكُونُ مَدْحًا لَهم بِأنَّ مِن صِفاتِهِمُ التَّحَرُّزَ عَنِ القَبائِحِ، وادَّعى بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ تَعَيُّنَ كَوْنِ الحالِ قَيْدًا لِلْمَنفِي وأنَّ النَّفْيَ راجِعٌ إلى القَيْدِ، والمَعْنى لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الإصْرارُ مَعَ العِلْمِ بِقُبْحِ الجَزاءِ؛ لِأنَّ المُصِرَّ مَعَ عَدَمِ العِلْمِ بِالقُبْحِ لا يُحْرَمُ الجَزاءَ، وغَيْرَ المُصِرِّ لِكَسالَةٍ أوْ لِعَدَمِ مَيْلِ الطَّبْعِ لا يَبْلُغُهُ؛ لِأنَّ الجَزاءَ عَلى الكَفِّ لا عَلى العَدَمِ، وإلّا لَكانَ لِكُلِّ أحَدٍ أجِزْيَةٌ لا تَتَناهى لِعَدَمِ فِعْلِ قَبائِحَ لا تَتَناهى لَمْ تَخْطِرْ بِبالِهِ، ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِ: وغَيْرُ المُصِرِّ إلَخْ، وقَوْلُهُ: لِأنَّ الجَزاءَ إلَخْ مِنَ النَّظَرِ، وكَأنَّ مِن جَعَلَهُ حالًا مِن ضَمِيرِ اسْتَغْفَرُوا أرادَ الفِرارَ مِن هَذِهِ الدَّغْدَغَةِ، وأنا أقُولُ: إنَّ الحالَ قُيِّدَ لِلنَّفْيِ ومُتَعَلِّقِ العِلْمِ، ولَيْسَ هو القُبْحَ بَلْ إنَّهُ يَغْفِرُ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ ويَتُوبُ عَلى مَن تابَ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ كَما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْهُ، وحُكِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا، والمَعْنى أنَّهم تَرَكُوا الإقامَةَ عَلى الذَّنْبِ عالِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِن عِبادِهِ ويَغْفِرُ لَهم، وهو إيذانٌ بِأنَّهم لا يَيْأسُونَ مِن رَوْحِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ولا يَرِدُ عَلى هَذا دَعْوى عَدَمِ الفائِدَةِ كَما أُورِدَ أوَّلًا، إذْ مِنَ المَعْلُومِ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ أنَّ تَرْكَ الإصْرارِ إنَّما يُوجِبُ الأجْرُ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ يَأْسٌ، فَإنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ، ولَعَلَّ مَدْحَهم بِأنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ أوْلى مِن مَدْحِهِمْ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ قُبْحَ الفِعْلِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ الجُمْلَةَ سِيقَتْ مُعْتَرِضَةً لِذَلِكَ كَما سِيقَتْ كَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ ﴾ لِما سِيقَتْ لَهُ، وأمّا جَعْلُها مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ لَمْ يُصِرُّوا، ورُبَّ شَيْءٍ يَصِحُّ تَبَعًا ولا يَصِحُّ اسْتِقْلالًا فَلَيْسَ بِالَّذِي تَمِيلُ النَّفْسُ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

أُو۟لَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّـٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ ١٣٦

( ﴿ أُولَئِكَ ﴾ ) إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ أخِيرًا بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، والبُعْدُ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُعْظَمُ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ وهم طائِفَةٌ واحِدَةٌ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَزاؤُهُمْ ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ أوْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( مَغْفِرَة ) خَبَرُ ( أُولَئِكَ ) أوْ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ ( ﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا ﴾ ) إلَخْ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وادَّعى مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ الأظْهَرُ الأنْسَبُ بِنَظْمِ المَغْفِرَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ سابِقَةِ الذَّنْبِ في سِ لْكِ الجَزاءِ إذْ عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ ( أُولَئِكَ ) إلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها كاشِفَةٌ عَنْ حالِ كِلا الفَرِيقَيْنِ المُحْسِنِينَ والتّائِبِينَ، ولَمْ يَذْكُرْ ما هو مِن أوْصافِ الأوَّلِينَ ما فِيهِ شائِبَةُ الذَّنْبِ حَتّى يَذْكُرَ في مَطْلَعِ الجَزاءِ الشّامِلِ لَهُما المَغْفِرَةَ، وتَخْصِيصُ الإشارَةِ بِالأخِيرَيْنِ مَعَ اشْتِراكِهِما في حُكْمِ إعْدادِ الجَنَّةِ لَهُما تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ انْتَهى.

والَّذِي يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ ﴾ الآيَةَ ثُمَّ قَرَأ ﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً ﴾ الآيَةَ فَقالَ: إنَّ هَذَيْنِ النَّعْتَيْنِ لِنَعْتِ رَجُلٍ واحِدٍ أحَدُ الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ أشارَ إلَيْهِما بَلِ الأوَّلِ مِنهُما، وتَكُونُ هَذِهِ الإشارَةُ كَما قالَ صاحِبُ القِيلِ، وهَذِهِ المَغْفِرَةُ هي المَغْفِرَةُ الَّتِي أُمِرَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ مِن لَهُ ذَنْبٌ ومَن لا ذَنْبَ لَهُ مِنهم بِالمُسارَعَةِ إلى ما يُؤَدِّي إلَيْها، فَلا يَضُرُّ وُقُوعُها في مَطْلَعِ الجَزاءِ ( مِن رَبِّهِمْ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْمَغْفِرَةِ مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ مَغْفِرَةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِن جِهَتِهِ تَعالى، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ مَعَ التَّشْرِيفِ ﴿ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( مَغْفِرَةٌ ) والمُرادُ بِها جَنّاتٌ في ضِمْنِ تِلْكَ الجَنَّةِ الَّتِي أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ عَرْضَها السَّمَوات والأرْض ولَيْسَ جَنّاتٌ وراءَها عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ صاحِبِ القِيلِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِإعْدادِ ما وُصِفَ أوَّلًا تَنْصِيصًا عَلى وصْفِها بِاشْتِمالِها عَلى ما يَزِيدُها بَهْجَةً مِنَ الأنْهارِ الجارِيَةِ بَعْدَ وصْفِها بِالسِّعَةِ، والإخْبارُ بِأنَّها جَزاؤُهم وأجْرُهُمُ الَّذِي لا بُدَّ بِمُقْتَضى الفَضْلِ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ، وهَذا فَوْقَ الإخْبارِ بِالإعْدادِ أوْ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ عَلى طُرُزِ ما ذُكِرَ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وادَّعى شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ التَّنْكِيرَ يُشْعِرُ بِكَوْنِها أدْنى مِنَ الجَنَّةِ السّابِقَةِ، وإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُؤَيِّدُ رُجْحانَ الوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ وفِيهِ تَرَدُّدُ ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( جَزاؤُهم ) لِأنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ مَعْنًى إذْ هو في قُوَّةِ يَجْزِيهِمُ اللَّهُ جَنّاتٍ خالِدِينَ فِيها، ولا مَساغَ لِأنْ يَكُونَ حالًا مِن جَنّاتٍ في اللَّفْظِ وهي لِأصْحابِها في المَعْنى إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأُبْرِزَ الضَّمِيرُ عَلى ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ ﴿ ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ﴾ (136) المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ الجَنَّةُ، وعَلى ذَلِكَ اقْتَصَرَ مُقاتِلٌ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ ذَلِكَ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ المَغْفِرَةِ والجَنّاتِ.

وفِي الجُمْلَةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وُجُوهٌ مِنَ المُحَسِّناتِ: أحَدُها أنَّها كالتَّذْيِيلِ لِلْكَلامِ السّابِقِ فَيُفِيدُ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ لِلِاسْتِلْذاذِ بِذِكْرِ الوَعْدِ، وثانِيها في إقامَةِ الأجْرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الجَزاءِ لِأنَّ الأصْلَ ( ونِعْمَ ) هو أيْ جَزاؤُهم إيجابُ إنْجازِ هَذا الوَعْدِ، وتَصْوِيرُ صُورَةِ العَمَلِ في العِمالَةِ تَنْشِيطًا لِلْعامِلِ، وثالِثُها في تَعْمِيمِ العامِلِينَ وإقامَتِهِ مَقامَ الضَّمِيرِ الدَّلالَةُ عَلى حُصُولِ المَطْلُوبِ لِلْمَذْكُورِينَ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ.

والمُرادُ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ الَّذِي جُعِلَ هَذا كالتَّذْيِيلِ لَهُ إمّا الكَلامُ الَّذِي في شَأْنِ التّائِبِينَ، أوْ جَمِيعُ الكَلامِ السّابِقِ عَلى الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا، ومَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ قالَ: وكَفاكَ في الفَرْقِ بَيْنَ القَبِيلَيْنِ وهُما المُتَّقُونَ الَّذِينَ أتَوْا بِالواجِباتِ بِأسْرِها واجْتَنَبُوا المَعاصِيَ بِرُمَّتِها، والمُسْتَغْفِرُونَ لِذُنُوبِهِمْ بَعْدَما أذْنَبُوا وارْتَكَبُوا الفَواحِشَ والظُّلْمَ أنَّهُ تَعالى فَصَّلَ آيَةَ الأوَّلِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ المُشْعِرُ بِأنَّهم مُحْسِنُونَ مَحْبُوبُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وفَصَّلَ آيَةَ الآخَرِينَ بِقَوْلِهِ جَلَ وعَلا: ﴿ ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ﴾ المُشْعِرُ بِأنَّ هَؤُلاءِ أُجَراءٌ وأنَّ ما أُعْطُوا مِنَ الأجْرِ جَزاءٌ لَتَدارُكِهِمْ بَعْضَ ما فَوَّتُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأيْنَ هَذا مِن ذاكَ وبَعِيدٌ ما بَيْنَ السَّمَكِ والسَّمّاكِ، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ النَّعْتَيْنِ نَعْتَ رَجُلٍ واحِدٍ كَما حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِيبَ تِلْكَ لِما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وأيُّ مانِعٍ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّهم مَحْبُوبُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ اللَّهَ تَعالى مُنْجِزٌ ما وعَدَهم بِهِ ولا بُدَّ وكَوْنَهم إذا أذْنَبُوا اسْتَغْفَرُوا وتابُوا لا يُنافِي كَوْنَهم مُحْسِنِينَ، أمّا إذا أُرِيدَ مِنَ الإحْسانِ الإنْعامُ عَلى الغَيْرِ فَظاهِرٌ، وأمّا إذا أُرِيدَ بِهِ الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، أوْ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ، كَما صُرِّحَ بِهِ في الصَّحِيحِ، فَلِأنَّ ذَلِكَ لَوْ نافى لَزِمَ أنْ لا يَصْدُقَ المُحْسِنُ إلّا عَلى نَحْوِ المَعْصُومِ، ولا يَصْدُقُ عَلى مَن عَبَدَ اللَّهَ تَعالى وأطاعَهُ مُدَّةً مَدِيدَةً عَلى ألْيَقِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ ثُمَّ عَصاهُ لَحْظَةً فَنَدِمَ أشَدَّ النَّدَمِ واسْتَغْفَرَ سَيِّدَ الِاسْتِغْفارِ، ولا أظُنُّ أحَدًا يَقُولُ بِذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.

ثُمَّ إنَّ في هَذِهِ الآياتِ - عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْظَمُ - دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ ثَلاثُ طَبَقاتٍ، مُتَّقِينَ وتائِبِينَ، ومُصِرِّينَ، وعَلى أنَّ غَيْرَ المُصِرِّينَ تُغْفَرُ ذُنُوبُهم ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وأمّا أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ المُصِرِّينَ لا تُغْفَرُ ذُنُوبَهم ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ كَما زَعَمَهُ البَعْضُ فَلا لِأنَّ السُّكُوتَ عَنِ الحُكْمِ لَيْسَ بَيانًا لِحُكْمِهِمْ عِنْدَ بَعْضٍ، ودالٌّ عَلى المُخالَفَةِ عِنْدَ آخَرِينَ، وكَفى في تَحَقُّقِها أنَّهم مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ وأنَّهم لا يَخْلُونَ عَنْ تَعْنِيفٍ أقَلُّهُ تَعْيِيرُهم بِما أذْنَبُوهُ مُفَصَّلًا - ويا لَهُ مِن فَضِيحَةٍ - وهَذا ما لا بُدَّ مِنهُ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الكِتابِ والسُّنَّةِ وحِينَئِذٍ لَمْ يَتِمَّ لَهُمُ المَغْفِرَةُ الكامِلَةُ كَما لِلتّائِبِينَ عَلى أنَّ مُقْتَضى ما في الآياتِ أنَّ الجَنَّةَ لا تَكُونُ جَزاءً لِلْمُصِرِّ، وكَذَلِكَ المَغْفِرَةُ، أمّا نَفْيَ التَّفَضُّلِ بِهِما فَلا، وهَذا عَلى أصْلِ المُعْتَزِلَةِ واضِحٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الجَزاءِ والتَّفَضُّلِ وُجُوبًا وعَدَمَ وُجُوبٍ، وأمّا عَلى أصْلِ أهْلِ السُّنَّةِ فَكَذَلِكَ لِأنَّ التَّفَضُّلَ قِسْمانِ: قِسْمٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى العَمَلِ تَرَتُّبَ الشِّبَعِ عَلى الأكْلِ يُسَمّى أجْرًا وجُزْءًا، وقِسْمٌ لا يَتَرَتَّبُ عَلى العَمَلِ فَمِنهُ ما هو تَتْمِيمٌ لِلْأجْرِ كَمًّا أوْ كَيْفًا كَما وعَدَهُ مِنَ الأضْعافِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِنهُ ما هو مَحْضُ التَّفَضُّلِ حَقِيقَةً واسْمًا كالعَفْوِ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ ورُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى في دارِ القَرارِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ ورَدَتْ خِطابًا لِآكِلِي الرِّبا مِنَ المُؤْمِنِينَ ورَدْعًا لَهم عَنِ الإصْرارِ عَلى ما يُؤَدِّيهِمْ إلى دَرَكاتِ الهالِكِينَ مِنَ الكافِرِينَ وتَحْرِيضًا عَلى التَّوْبَةِ والمُسارَعَةِ إلى نَيْلِ الدَّرَجاتِ مَعَ الفائِزِينَ مِنَ المُتَّقِينَ والتّائِبِينَ، فَإدْراجُ المُصِرِّينَ في هَذا المَقامِ بَعِيدُ المَرْمى لِأنَّهُ إغْراءٌ وتَشْجِيعٌ عَلى الذَّنْبِ، لا زَجْرٌ ولا تَرْهِيبٌ، فَبَيَّنَ بِالآياتِ مَعْنى المُتَّقِينَ لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ ومَزِيدَ تَصْوِيرِ مَقاماتِ الأوْلِياءِ ومَراتِبِهِمْ لِيَكُونَ حَثًّا لَهم عَلى الِانْخِراطِ في سِلْكِهِمْ، ولا بُدَّ مِن ذِكْرِ التّائِبِينَ واسْتِغْفارِهِمْ وعَدَمِ الإصْرارِ لِيَكُونَ لُطْفًا لِهَؤُلاءِ، وجَمِيعُ الفَوائِدِ الَّتِي ذُكِرَتْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ ﴾ تَدْخُلُ في المَعْنى، فَعُلِمَ مِن هَذا أنَّ دَلالَةَ ﴿ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ﴾ مَهْجُورَةٌ لِأنَّ مَقامَ التَّحْرِيضِ والحَثِّ أخْرَجَ المُصِرِّينَ، والحاصِلُ أنَّ شَرْطَ دَلالَةِ المَفْهُومِ هُنا مُنْتَفٍ فَلا يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِذَلِكَ لِلْمُعْتَزِلَةِ أصْلًا.

<div class="verse-tafsir"

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌۭ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ١٣٧

﴿ قَدْ خَلَتْ ﴾ أيْ مَضَتْ ﴿ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ ﴾ أيْ وقائِعُ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ أجْراها اللَّهُ تَعالى حَسَبَ عادَتِهِ، وقالَ المُفَضَّلُ: إنَّ المُرادَ بِها الأُمَمُ، وقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ بِمَعْنى الأُمَّةِ في كَلامِهِمْ ومِنهُ قَوْلُهُ: ما عايَنَ النّاسُ مِن فَضْلٍ كَفَضْلِكم ولا رَأوْا مِثْلَكم في سالِفِ السُّنَنِ وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ بِها الشَّرائِعُ والأدْيانُ، فالمَعْنى قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ وأدْيانٌ نُسِخَتْ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أنْسَبُ بِالمَقامِ لِأنَّ هَذا إمّا مُساقٌ لِحَمْلِ المُكَلَّفِينَ أوْ آكِلِي الرِّبا عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ أوْ عَلى التَّوْبَةِ مِنَ المَعْصِيَةِ أوْ عَلى كِلَيْهِما بِنَوْعٍ غَيْرِ ما سَبَقَ - كَما قِيلَ - وإمّا عَوْدٌ إلى تَفْصِيلِ بَقِيَّةِ القِصَّةِ بَعْدَ تَمْهِيدِ مَبادِي الرَّشَدِ والصَّلاحِ وتَرْتِيبِ مُقَدِّماتِ الفَوْزِ والفَلاحِ عَلى رَأْيٍ، وذِكْرُ مُضِيِّ الأدْيانِ لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ ارْتِباطٍ بِذَلِكَ، وإنْ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ فِيهِ تَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى دِينِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِئَلّا يَهِنُوا بِقَوْلِ اليَهُودِ أنَّ دِينَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُنْسَخُ ولا يَجُوزُ النَّسْخُ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ بَداءٌ، وتَحْرِيضًا لِلْيَهُودِ وحَثًّا عَلى قَبُولِ دِينِ الإسْلامِ، وإنْذارًا لَهم مِن أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ مِثْلُ ما وقَعَ عَلى المُكَذِّبِينَ، وتَقْوِيَةً لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَنْصُرُهم عَلى المُكَذِّبِينَ، نَعَمْ إطْلاقُ السُّنَّةِ عَلى الشَّرِيعَةِ أقْرَبُ مِن إطْلاقِها عَلى الوَقْعَةِ لِأنَّها في الأصْلِ الطَّرِيقَةُ والعادَةُ ومِنهُ قَوْلُهم: سُنَّةُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِخَلَتْ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( سُنَنٌ ) أيْ سُنَنٌ كائِنَةٌ مِن قَبْلِكم ﴿ فَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ أيْ بِأقْدامِكم أوْ بِأفْهامِكم ﴿ فانْظُرُوا ﴾ أيْ تَأمَّلُوا.

﴿ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ (137) أيْ آخِرُ أمْرِهِمُ الَّذِي أدّى إلَيْهِ تَكْذِيبُهم لِأنْبِيائِهِمْ، والفاءُ لِلْإيذانِ بِسَبَبِيَّةِ الخُلُوِّ لِلسَّيْرِ والنَّظَرِ أوِ الأمْرِ بِهِما، وقِيلَ: المَعْنى عَلى الشَّرْطِ أيْ إنْ شَكَكْتُمْ ( فَسِيرُوا ) إلَخْ، والخِطابُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُساقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقالَ النَّقّاشُ: لِلْكُفّارِ - وفِيهِ بُعْدٌ - و( كَيْفَ ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ - لِكانَ - مُعَلَّقٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ لِأنَّ الأصْلَ اسْتِعْمالُهُ بِالجارِّ وتَجْرِيدُ الفِعْلِ عَنْ تاءِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ المَرْفُوعَ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ.

<div class="verse-tafsir"

هَـٰذَا بَيَانٌۭ لِّلنَّاسِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةٌۭ لِّلْمُتَّقِينَ ١٣٨

﴿ هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ (138) الِإشارَةُ إمّا إلى القُرْآنِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وخُدِشَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ السِّياقِ، وإمّا إلى ما لَخَّصَ مِن أمْرِ الكُفّارِ والمُتَّقِينَ والتّائِبِينَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قَدْ خَلَتْ ﴾ الآيَةُ اعْتِراضٌ لِلْحَثِّ عَلى الإيمانِ والتَّقْوى والتَّوْبَةِ - كَما قِيلَ - ووَجْهُ الِاعْتِراضِ لِدَفْعِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ المُعْتَرِضَةَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْمُعْتَرَضِ فِيهِ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ بِأنَّ تِلْكَ الآياتِ وارِدَةٌ عَلى سَبِيلِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ لِآكِلِي الرِّبا، وهَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى التَّرْهِيبِ، ومَعْناهُ راجِعٌ إلى التَّرْغِيبِ بِحَسَبِ التَّضادِّ، كَما أنَّ بَعْضَ الآياتِ الوارِدَةِ في الرَّحْمَنِ لِلْوَعِيدِ تُعَدُّ مِنَ الآلاءِ بِحَسَبِ الزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي فَيَتَأتّى التَّوْكِيدُ دُونَ نَقْصٍ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ تَعَسُّفٌ، وإمّا إلى ما سَلَفَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( قَدْ خَلَتْ ) إلَخْ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي إسْحاقَ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ والبَلْخِيُّ وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ - وألْ - في النّاسِ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِمُ المُكَذِّبُونَ، والظَّرْفُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِبَيانٍ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهم أيْ هَذا إيضاحٌ لِسُوءِ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَإنَّ الأمْرَ السّابِقَ وإنْ كانَ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ عَلى المُخْتارِ، لَكِنَّ العَمَلَ بِمُوجِبِهِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِمْ فَفِيهِ حَمْلٌ لِلْمُكَذِّبِينَ أيْضًا عَلى أنْ يَنْظُرُوا في عاقِبَةِ أسْلافِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ، والمَوْعِظَةُ ما يُلِينُ القَلْبَ ويَدْعُو إلى التَّمَسُّكِ بِما فِيهِ طاعَةٌ، والهُدى بَيانُ طَرِيقِ الرُّشْدِ لِيُسْلَكَ دُونَ طَرِيقِ الغَيِّ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيانِ أنَّ الثّانِي إظْهارُ المَعْنى كائِنًا ما كانَ، ولِكَوْنِ المُرادِ بِهِ هُنا ما كانَ عارِيًا عَنِ الهُدى والعِظَةِ خَصَّهُ بِالنّاسِ مَعَ أنَّ ظاهِرَهُ شامِلٌ لِلْمُتَّقِينَ.

والمُرادُ بِهِمْ مُقابِلُ المُكَذِّبِينَ وكَأنَّهُ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى وزِيادَةُ بَصِيرَةٍ ومَوْعِظَةٍ لَكم لِلْإيذانِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ مَدارَ ذَلِكَ كَوْنُهُ هُدًى ومَوْعِظَةً لَهم، إنَّما هو تَقْواهم وعَدَمُ تَكْذِيبِهِمْ، وقَدَّمَ بَيانَ كَوْنِهِ بَيانًا لِلْمُكَذِّبِينَ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ مَسُوقٍ لَهُ عَلى بَيانِ كَوْنِهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالسِّياقِ لِأنَّ أوَّلَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى مُشاهَدَةِ آثارِ هَلاكِ أسْلافِهِمْ ظُهُورُ حالِ أخْلافِهِمْ، وأمّا الهُدى فَأمْرٌ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، والِاقْتِصارُ عَلى الأمْرَيْنِ في جانِبِ المُتَّقِينَ مَعَ تَرَتُّبِهِما عَلى البَيانِ لِما أنَّهُما المَقْصِدُ الأصْلِيُّ، وقِيلَ: ألْ في النّاسِ لِلْجِنْسِ.

والمُرادُ بَيانٌ لِجَمِيعِ النّاسِ لَكِنَّ المُنْتَفِعَ بِهِ المُتَّقُونَ لِأنَّهم يَهْتَدُونَ بِهِ ويَنْتَجِعُونَ بِوَعْظِهِ، ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يُرادَ مِنَ المُتَّقِينَ الصّائِرُونَ إلى التَّقْوى فَيَبْقى الهُدى والمَوْعِظَةُ بِلا زِيادَةٍ، وإنْ يُرادُ بِهِمْ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِنَ المُتَّقِينَ بِالفِعْلِ، فَيَحْتاجُ الهُدى وما عُطِفَ عَلَيْهِ إلى اعْتِبارِ ما يَعُمُّ الِابْتِداءَ والزِّيادَةَ فِيهِ، ولا يَخْفى ما في الثّانِي مِن زِيادَةِ البُعْدِ لِارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ في مَوْضِعَيْنِ، وأمّا الأوَّلُ فَفِيهِ بُعْدٌ مِن جِهَةِ الِارْتِكابِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ وهو وإنْ شارَكَ ما قُلْناهُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ، إلّا أنَّ ما ارْتَكَبْناهُ يَهْدِي إلَيْهِ في الجُمْلَةِ التَّنْوِينُ الَّذِي في الكَلِمَةِ ولا كَذَلِكَ ما ارْتَكَبُوهُ، بَلِ اعْتِبارُ الكَمالِ المُشْعِرُ بِهِ الإطْلاقُ رُبَّما يَأْباهُ، ولَعَلَّهُ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ هانَ أمْرُ نَزْعِ الخُفِّ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ١٣٩

﴿ ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا ﴾ أخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «انْهَزَمَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ أقْبَلَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ بِخَيْلِ المُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَعْلُوا عَلَيْهِمُ الجَبَلَ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اللَّهُمَّ لا قُوَّةَ لَنا إلّا بِكَ، اللَّهُمَّ لَيْسَ يَعْبُدُكَ بِهَذِهِ البَلْدَةِ غَيْرُ هَؤُلاءِ النَّفَرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وثابَ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَصَعِدُوا الجَبَلَ ورَمَوْا خَيْلَ المُشْرِكِينَ حَتّى هَزَمُوهم» .

وعَنِ الزُّهْرِيِّ وقَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ تَسْلِيَةً لِلْمُسْلِمِينَ لِما نالَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ القَتْلِ والجِراحِ.

وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ حِينَ «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْحابَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِطَلَبِ القَوْمِ، وقَدْ أصابَهم مِنَ الجِراحِ ما أصابَهم، وقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”لا يَخْرُجُ إلّا مَن شَهِدَ مَعَنا بِالأمْسِ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»“ وأيًّا ما كانَ فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( سِيرُوا في الأرْضِ ) بِحَسَبِ اللَّفْظِ، ومُرْتَبِطَةٌ بِهِ بِحَسَبِ المَعْنى إنْ قُلْنا إنَّهُ عَوْدٌ إلى التَّفْصِيلِ، وبِما تَقَدَّمَ مِن قِصَّةِ أُحُدٍ - إنْ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ - وبِهِ قالَ جَمْعٌ، وجَعَلُوا تَوْسِيطَ حَدِيثِ الرِّبا اسْتِطْرادًا أوْ إشارَةً إلى نَوْعٍ آخَرَ مِن عَداوَةِ الدِّينِ ومُحارَبَةِ المُسْلِمِينَ، وبِهِ يَظْهَرُ الرَّبْطُ، وقَدْ مَرَّ تَوْجِيهُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ أيْضًا.

ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ارْتِباطَ هَذِهِ الآيَةِ لَفْظًا بِمَحْذُوفٍ أيْ كُونُوا مُجِدِّينَ ولا تَهِنُوا، ومَضى عَلى الخِلافِ وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، والوَهْنُ الضَّعْفُ أيْ لا تَضْعُفُوا عَنْ قِتالِ أعْدائِكم والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى بِما نالَكم مِنَ الجِراحِ ﴿ ولا تَحْزَنُوا ﴾ عَلى ما أصَبْتُمْ بِهِ مِن قَتْلِ الأعِزَّةِ، وقَدْ قُتِلَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ خَمْسَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ صاحِبُ رايَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعُثْمانُ بْنُ شَمّاسٍ، وسَعْدٌ مَوْلى عُتْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وسَبْعُونَ مِنَ الأنْصارِ، وقِيلَ: ( لا تَحْزَنُوا ) عَلى ما فاتَكم مِنَ الغَنِيمَةِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، والظّاهِرُ أنَّ حَقِيقَةَ النَّهْيِ غَيْرُ مُرادَةٍ هُنا، بَلِ المُرادُ التَّسْلِيَةُ والتَّشْجِيعُ، وإنْ أُرِيدَتِ الحَقِيقَةُ فَلَعَلَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى الوَهْنِ والحُزْنِ مِنَ الآثارِ الِاخْتِيارِيَّةِ أيْ لا تَفْعَلُوا ما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ ﴿ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ الفِعْلَيْنِ أيْ والحالُ أنَّكُمُ ( الأعْلَوْنَ ) الغالِبُونَ دُونَ أعْدائِكم، فَإنَّ مَصِيرَهم مَصِيرُ أسْلافِهِمُ المُكَذِّبِينَ فَهو تَصْرِيحٌ بَعْدَ الإشْعارِ بِالغَلَبَةِ والنَّصْرِ.

حَكى القُرْطُبِيُّ أنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ظَفِرُوا في كُلِّ عَسْكَرٍ كانَ في عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا في كُلِّ عَسْكَرٍ كانَ بَعْدُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلّا واحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، أوِ المُرادُ والحالُ أنَّكم أعْلى مِنهم شَأْنًا، فَإنَّكم عَلى الحَقِّ وقِتالُكم لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى، وقَتْلاكم في الجَنَّةِ، وأنَّهم عَلى الباطِلِ وقِتالُهم لِنُصْرَةِ كَلِمَةِ الشَّيْطانِ وقَتْلاهم في النّارِ، واشْتِراكُهم عَلى هَذا في العُلُوِّ بِناءً عَلى الظّاهِرِ وزَعْمِهِمْ، وإذا أُخِذَ العُلُوُّ بِمَعْنى الغَلَبَةِ لا يَحْتاجُ إلى هَذا لِما أنَّ الحَرْبَ سِجالٌ، وأنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وقِيلَ: المُرادُ ﴿ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ حالًا مِنهم حَيْثُ أصَبْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ أكْبَرَ مِمّا أصابُوا مِنكُمُ اليَوْمَ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ الجُمْلَةِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وجَعَلَها مُعْتَرِضَةً بَيْنَ النَّهْيِ المَذْكُورِ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (139) لِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ مَعْنًى، وإنْ كانَ الجَوابُ مَحْذُوفًا أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا، فَإنَّ الإيمانَ يُوجِبُ قُوَّةَ القَلْبِ ومَزِيدَ الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَعالى وعَدَمَ المُبالاةِ بِأعْدائِهِ، ولا يَخْفى أنَّ دَعْوى التَّعَلُّقِ مِمّا لا بَأْسَ بِها، لَكِنَّ الحُكْمَ - بِكَوْنِ تِلْكَ الجُمْلَةِ مُعْتَرِضَةً - مُعْتَرِضٌ بِالبُعْدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الشَّرْطُ مُتَعَلِّقًا بِالأعْلَوْنَ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْضًا أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ، فَإنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى يَقْتَضِي العُلُوَّ لا مَحالَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالإيمانِ التَّصْدِيقُ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى بِالنُّصْرَةِ والظَّفَرِ عَلى أعْداءِ اللَّهِ تَعالى ولا اخْتِصاصَ لِهَذا الِاحْتِمالِ بِالِاحْتِمالِ الأخِيرِ مِنِ احْتِمالَيِ التَّعَلُّقِ كَما يُوهِمُهُ صَنِيعُ بَعْضِهِمْ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرِ المَقْصُودُ مِنَ الشَّرْطِ هُنا تَحْقِيقُ المُعَلِّقِ بِهِ كَما في قَوْلِ الأجِيرِ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَأعْطِنِي أجْرِي، أوْ مِن قَبِيلِ قَوْلِكَ لِوَلَدِكَ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَلا تَعْصِنِي، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الشَّرْطَ عَلى التَّعْلِيلِ، أيْ لا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا لِإجْلِ كَوْنِكم مُؤْمِنِينَ، أوْ ( وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) لِأجْلِ ذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ إنْ بَقِيتُمْ عَلى الإيمانِ لَيْسَ لَهُ كَمالُ مُلاءَمَةٍ لِلْمَقامِ.

<div class="verse-tafsir"

إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌۭ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٤٠

﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ القافِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، وهُما لُغَتانِ كالدُّفِّ والدَّفِّ، والضُّعْفِ والضَّعْفِ، وقالَ الفَرّاءُ: القَرْحُ بِالفَتْحِ الجِراحَةُ، وبِالضَّمِّ ألَمُها، ويُقْرَأُ بِضَمِّ القافِ والرّاءِ عَلى الإتْباعِ كاليُسْرِ واليُسُرِ، والطُّنْبِ والطُّنُبِ، وقَرَأ أبُو السِّمالِ بِفَتْحِهِما، وهو مَصْدَرُ قَرِحَ يَقْرَحُ إذا صارَ لَهُ قُرْحَةٌ، والمَعْنى إنْ نالُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ نِلْتُمْ مِنهم قَبْلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ لَمْ يُضْعِفُ ذَلِكَ قُلُوبَهم ولَمْ يُثَبِّطْهم عَنْ مُعاوَدَتِكم بِالقِتالِ وأنْتُمْ أحَقُّ بِأنْ لا تَضْعُفُوا؛ فَإنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما لا يَرْجُونَ، والمُضارِعُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ لِحِكايَةِ الحالِ لِأنَّ المَساسَ مَضى، وأمّا اسْتِعْمالُ إنْ فِبَتَقْدِيرِ كانَ أيْ إنْ كانَ مَسَّكم قَرْحٌ، و(إنْ) لا تَتَصَرَّفُ في كانَ لِقُوَّةِ دَلالَتِهِ عَلى المُضِيِّ، أوْ عَلى ما قِيلَ: إنَّ ( إنْ ) قَدْ تَجِيءُ لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ مِن غَيْرِ نَقْلِ فِعْلِهِ مِنَ الماضِي إلى المُسْتَقْبَلِ، وما وقَعَ في مَوْضِعِ جَوابِ الشَّرْطِ لَيْسَ بِجَوابِ حَقِيقَةٍ لِتَحَقُّقِهِ قَبْلَ هَذا الشَّرْطِ، بَلْ دَلِيلُ الجَوابِ، والمُرادُ إنْ كانَ مَسَّكم قَرْحٌ فَذَلِكَ لا يُصَحِّحُ عُذْرَكم وتَقاعُدَكم عَنِ الجِهادِ بَعْدُ؛ لِأنَّهُ قَدْ مَسَّ أعْداءَكم مِثْلُهُ وهم عَلى ما هم عَلَيْهِ، أوْ يُقالُ: إنْ مَسَّكم قَرْحٌ فَتَسَلَّوْا فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، والمِثْلِيَّةُ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ القَتْلى في الجُمْلَةِ فَلا يَرِدُ أنَّ المُسْلِمِينَ قَتَلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ، وقَتَلَ المُشْرِكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ خَمْسَةً وسَبْعِينَ وجَرَحُوا سَبْعِينَ، والتَزَمَ بَعْضُهم تَفْسِيرَ القَرْحِ بِمُجَرَّدٍ الِانْهِزامِ دُونَ تَكْثِيرِ القَتْلى فِرارًا مِن هَذا الإيرادِ، وأبْعَدَ بَعْضٌ في تَوْجِيهِ الآيَةِ وحَمَلَها عَلى ما لا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: الأوْجَهُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ ﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ ﴾ فَلا تَهِنُوا لِأنَّهُ ﴿ مَسَّ القَوْمَ ﴾ أيِ الرِّجالَ ﴿ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ والقَرْحُ لِلرِّجالِ لا لِلنِّساءِ، فَمَن هو مِن زُمْرَةِ الرِّجالِ يَنْبَغِي أنْ لا يُعْرِضَ عَمّا هو سَمْتُهُ بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَسْعى لَهُ، وبِهَذا يَظْهَرُ بَقاءُ وجْهِ التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ، وأنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ، وكَذا يَنْدَفِعُ ما قِيلَ: إنَّ قَرْحَ القَوْمِ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ قَرْحِهِمْ، ولا يَحْتاجُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الجَوابِ.

وقِيلَ: إنْ كِلا المَسَّيْنِ كانَ في أُحُدٍ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ نالُوا مِنهم قَبْلَ أنْ يُخالِفُوا أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَإنَّهم قَتَلُوا مِنهم نَيِّفًا وعِشْرِينَ رَجُلًا أحَدَهم صاحِبَ لِوائِهِمْ، وجَرَحُوا عَدَدًا كَثِيرًا، وعَقَرُوا عامَّةَ خَيْلِهِمْ بِالنَّبْلِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ القَرْحَ الَّذِي مَسَّهم أنَّهم رَجَعُوا خائِبِينَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وغَلَبَتِهِمْ بِحِفْظِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ.

﴿ وتِلْكَ الأيّامُ ﴾ اسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى ما بَعْدَهُ كَما في الضَّمائِرِ المُبْهَمَةِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها نَحْوُ - رَبَّهُ رَجُلًا - ومِثْلُهُ يُفِيدُ التَّفْخِيمَ والتَّعْظِيمَ، و( الأيّامُ ) بِمَعْنى الأوْقاتِ لا الأيّامُ العُرْفِيَّةُ، وتَعْرِيفُها لِلْعَهْدِ إشارَةٌ إلى أوْقاتِ الظَّفَرِ والغَلَبَةِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ والآتِيَةِ، ويَوْما بَدْرٍ وأُحُدٍ داخِلانِ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ﴾ نُصَرِّفُها بَيْنَهم فَنُدِيلُ لِهَؤُلاءِ مَرَّةً ولِهَؤُلاءِ أُخْرى كَما وقَعَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ أُحُدٍ، والمُداوَلَةُ نَقْلُ الشَّيْءِ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ، يُقالُ: تَداوَلَتْهُ الأيْدِي إذا انْتَقَلَ مِن واحِدٍ إلى واحِدٍ، و(النّاسِ) عامٌّ، وفَسَّرَهُ ابْنُ سِيرِينَ بِالأُمَراءِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، و(الأيّامُ) خَبَرُهُ، و(نُداوِلُها) في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (الأيّامُ) صِفَةً أوْ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ، و ﴿ نُداوِلُها ﴾ هو الخَبَرُ، و(بَيْنَ النّاسِ) ظَرْفٌ لِنُداوِلُها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ الدّالَّةُ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ لِلْإعْلامِ بِأنَّ تِلْكَ المُداوَلَةَ سُنَّةٌ مَسْلُوكَةٌ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ قاطِبَةً إلى أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى، ومِن كَلامِهِمُ: الأيّامُ دُوَلٌ والحَرْبُ سِجالٌ، وفي هَذا ضَرْبٌ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقُرِئَ يُداوِلُها.

﴿ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ تَعْلِيلٌ لِما هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ مُطْلَقِ المُداوَلَةِ المُشارِ إلَيْها فِيما قَبْلُ، وهي المُداوَلَةُ المَعْهُودَةُ الجارِيَةُ بَيْنَ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ المُطْلَقُ مِنَ الفِعْلِ المُقَيَّدِ بِالوُقُوعِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، أوْ بِنَفْسِ الفِعْلِ المُطْلَقِ بِاعْتِبارِ وُقُوعِهِ بَيْنَهُما، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى لَها مُعْتَبَرَةٍ، إمّا عَلى الخُصُوصِ والتَّعْيِينِ لِلدَّلالَةِ المَذْكُورَةِ عَلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ نُداوِلُها ﴾ بَيْنَكم وبَيْنَ عَدُوِّكم لِيَظْهَرَ أمْرُكم ولِيُعْلَمَ، وإمّا عَلى العُمُومِ والإبْهامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العِلَلَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيما عُدَّ مِنَ الأُمُورِ، وأنَّ العَبْدَ يَسْؤُوهُ ما يَجْرِي عَلَيْهِ ولا يَشْعُرُ بِما لِلَّهِ في طَيِّهِ مِنَ الألْطافِ كَأنَّهُ قِيلَ: نَجْعَلُها دُوَلًا بَيْنَكم لِتَكُونَ حِكَمًا وفَوائِدَ جَمَّةً ﴿ ولِيَعْلَمَ ﴾ إلَخْ وفِيهِ مِن تَأْكِيدِ التَّسْلِيَةِ ما لا يَخْفى، وتَخْصِيصُ البَيانِ بِعِلَّةِ هَذا الفَرْدِ مِن مُطْلَقِ المُداوَلَةِ دُونَ سائِرِ أفْرادِها الجارِيَةِ بَيْنَ بَقِيَّةِ الأُمَمِ تَعْيِينًا أوْ إيهامًا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ العِلْمِيِّ بِبَيانِها، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ المَحْذُوفَ المُبْهَمَ عِبارَةٌ عَنْ عِلَلِ سائِرِ أفْرادِها لِلْإشارَةِ إجْمالًا إلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِها لَهُ عِلَّةٌ داعِيَةٌ في الظّاهِرِ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ﴾ كافَّةً لِيَكُونَ كَيْتَ وكَيْتَ مِنَ الحِكَمِ الدّاعِيَةِ إلى تِلْكَ الإفْرادِ، ﴿ ولِيَعْلَمَ ﴾ إلَخْ فاللّامُ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُطْلَقِ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِتِلْكَ الأفْرادِ، والثّانِيَةُ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِالفَرْدِ المَعْهُودِ، قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: داوَلَتْ بَيْنَكُمُ الأيّامُ لِأنَّ هَذِهِ عادَتُنا (ولِيَعْلَمَ) إلَخْ، وقِيلَ: إنَّ الفِعْلَ المُعَلَّلَ بِهِ مَحْذُوفٌ ويُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا، والتَّقْدِيرُ ( ﴿ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ) فِعْلَ ذَلِكَ، ومِنهم مَن زَعَمَ زِيادَةَ الواوِ وهو مِن ضِيقِ المَجالِ، والكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ أيْ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ المُخْلِصِينَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ، والعِلْمُ فِيهِ مَجازٌ عَنِ التَّمْيِيزِ مِن بابِ إطْلاقٍ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ أيْ لِيَمِيزَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ.

وحَمْلُ العِلْمِ عَلى التَّمْيِيزِ في حالِ التَّمْثِيلِ تَطْوِيلٌ مِن غَيْرِ طائِلٍ، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ حَمْلَ العِلْمِ عَلى التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزَيِّ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الجَزاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في البَقَرَةِ.

وبِالجُمْلَةِ لا يَرِدُ لُزُومُ حُدُوثِ العِلْمِ الَّذِي هو صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ تَعالى وإطْلاقُ الإيمانِ مَعَ أنَّ المُرادَ هو الرُّسُوخُ والإخْلاصُ فِيهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ اسْمَ الإيمانِ لا يَنْطَلِقُ عَلى غَيْرِهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ التَّقْدِيرَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ المُؤْمِنَ مِنَ المُنافِقِ إلّا أنَّهُ اسْتَغْنى بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ ولا حاجَةَ إلَيْهِ، ومِثْلُهُ القَوْلُ بِحَذْفِ المُضافِ أيْ صَبْرَ الَّذِينَ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ بِإسْنادِهِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والإشْعارِ بِأنَّ صُدُورَ كُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ بِصَدَدِ التَّعْلِيلِ مِن أفْعالِهِ تَعالى بِاعْتِبارِ مَنشَأِ مُعَيَّنٍ مِن صِفاتِهِ الَّتِي اسْتَجْمَعَها هَذا الِاسْمُ الأعْظَمُ مُغايِرٌ لِمَنشَأِ الآخَرِ.

﴿ ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ ﴾ جَمْعُ شَهِيدٍ وهو قَتِيلُ المَعْرَكَةِ وأرادَ بِهِمْ شُهَداءَ أُحُدٍ كَما قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ، و(مِن): ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَتَّخِذَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (شُهَداءَ)، وقِيلَ: جَمْعُ شاهِدٍ أيْ ويَتَّخِذَ مِنكم شُهُودًا مُعَدَّلِينَ بِما ظَهَرَ مِنَ الثَّباتِ عَلى الحَقِّ والصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شَواهِدِ الصِّدْقِ لِيَشْهَدُوا عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ، و(مِن) عَلى هَذا بَيانِيَّةٌ لِأنَّ تِلْكَ الشَّهادَةَ وظِيفَةُ الكُلِّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَما أبْطَأ عَلى النِّساءِ الخَبَرُ خَرَجْنَ يَسْتَخْبِرْنَ، فَإذا رَجُلانِ مَقْتُولانِ عَلى دابَّةٍ أوْ عَلى بَعِيرٍ، فَقالَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ: مَن هَذانِ ؟

قالُوا: فُلانٌ وفُلانٌ أخُوها وزَوْجُها أوْ زَوْجُها وابْنُها، فَقالَتْ: ما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟

قالُوا: حَيٌّ، قالَتْ: فَلا أُبالِي يَتَّخِذُ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ الشُّهَداءَ، ونَزَلَ القُرْآنُ عَلى ما قالَتْ، ﴿ ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ ﴾ وكَنّى بِالِاتِّخاذِ عَنِ الإكْرامِ لِأنَّ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا لِنَفْسِهِ فَقَدِ اخْتارَهُ وارْتَضاهُ، فالمَعْنى لِيُكْرِمَ أُناسًا مِنكم بِالشَّهادَةِ ﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ (140) أيْ يُبْغِضُهم، والمُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ إمّا المُنافِقُونَ كابْنِ أُبَيٍّ وأتْباعَهُ الَّذِينَ فارَقُوا جَيْشَ الإسْلامِ عَلى ما نَقَلْناهُ فِيما قَبْلُ فَهم في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِينَ فِيما تَقَدَّمَ المُفَسَّرُ بِالثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ الرّاسِخِينَ فِيهِ الَّذِينَ تُوافِقُ ظَواهِرُهم بَواطِنَهم، وإمّا بِمَعْنى الكافِرِينَ المُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِتَقْرِيرٍ مَضْمُونِ ما قَبْلَها، وفِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَنْصُرُ الكافِرَ عَلى الحَقِيقَةِ وإنَّما يُغَلِّبُهُ أحْيانًا اسْتِدْراجًا وابْتِلاءً لِلْمُؤْمِنِ، وأيْضًا لَوْ كانَتِ النُّصْرَةُ دائِمًا لِلْمُؤْمِنِينَ لَكانَ النّاسُ يَدْخُلُونَ في الإيمانِ عَلى سَبِيلِ اليُمْنِ والفَأْلِ، والمَقْصُودُ غَيْرُ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ١٤١

﴿ ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ لِيُطَهِّرَهم مِنَ الذُّنُوبِ، ويُصَفِّيَهم مِنَ السَّيِّئاتِ.

وأصْلُ التَّمْحِيصِ كَما قالَ الخَلِيلُ: تَخْلِيصُ الشَّيْءِ مِن كُلِّ عَيْبٍ يُقالُ: مَحَّصْتُ الذَّهَبَ إذا أزَلْتَ خُبْثَهُ.

والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَتَّخِذَ) وتَكْرِيرُ اللّامِ لِلِاعْتِناءِ بِهَذِهِ العِلَّةِ ولِذَلِكَ أظْهَرَ الِاسْمَ الجَلِيلَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ أوْ لِتَذْكِيرِ التَّعْلِيلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالِاعْتِراضِ، وهَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ كَما قالَ مَوْلانا شَيْخَ الإسْلامِ عِلَلٌ لِلْمُداوَلَةِ المَعْهُودَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلى المُؤْمِنِينَ قُدِّمَتْ في الذِّكْرِ لِأنَّها المُحْتاجَةُ إلى البَيانِ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ العِلَّةِ الأخِيرَةِ عَنِ الِاعْتِراضِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ انْدِراجُ المُذْنِبِينَ في الظّالِمِينَ، أوْ لِتَقْتَرِنَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ويَمْحَقَ الكافِرِينَ ﴾ (141) لِما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ حَيْثُ إنَّ في كُلٍّ مِنَ التَّمْحِيصِ والمَحْقِ إزالَةٌ إلّا أنَّ في الأوَّلِ إزالَةَ الآثارِ وإزاحَةَ الأوْضارِ، وفي الثّانِي إزالَةَ العَيْنِ وإهْلاكَ النَّفْسِ، وأصْلُ المَحْقِ تَنْقِيصُ الشَّيْءِ قَلِيلًا قَلِيلًا، ومِنهُ المِحاقُ، والمَعْنى: ويُهْلِكَ الكافِرِينَ، ولا يُبْقِيَ مِنهم أحَدًا، يَنْفُخُ النّارَ، وهَذا عِلَّةٌ لِلْمُداوَلَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلَيْهِمْ، والمُرادُ مِنهم هُنا طائِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ وهُمُ الَّذِينَ حارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى مَحَقَهم جَمِيعًا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا عِلَّةٌ لِلْمُداوَلَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلى المُؤْمِنِينَ أيْضًا، فَإنَّ الكُفّارَ إذا غَلَبُوا أحْيانًا اغْتَرُّوا وأوْقَعَهُمُ الشَّيْطانُ في أوْحالِ الأمَلِ، ووَسْوَسَ لَهم فَبَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذُنُوبِهِمْ وخَلَّدَهم في النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ١٤٢

﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ خِطابٌ لِلْمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ ما هي الغايَةُ القُصْوى مِنَ المُداوَلَةِ، والنَّتِيجَةُ لِما ذُكِرَ مِنَ العِلَلِ الثَّلاثِ الأُوَلِ، و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وكَوْنُها مُتَّصِلَةً، وعَدِيلُها مُقَدَّرٌ تَكَلُّفٌ، والإضْرابُ عَنِ التَّسْلِيَةِ بِبَيانِ العِلَلِ فِيما لَقُوا مِنَ الشِّدَّةِ إلى تَحْقِيقٍ أنَّها مِن مَبادِي الفَوْزِ بِالمَطْلَبِ الأسْنى والمَقامَ الأعْلى، والمَعْنى بَلْ لا يَنْبَغِي مِنكم أنْ تَظُنُّوا أنَّكم تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وتَفُوزُونَ بِنَعِيمِها وما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ فِيها، ﴿ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( تَدْخُلُوا ) مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ، فَإنَّ رَجاءَ الأجْرِ مِن غَيْرِ عَمَلٍ مِمَّنْ يَعْلَمُ أنَّهُ مَنُوطٌ بِهِ مُسْتَبْعَدٌ عِنْدَ العُقُولِ، ولِهَذا قِيلَ: تَرْجُو النَّجاةَ ولَمْ تَسْلَكْ مَسالِكَها إنَّ السَّفِينَةَ لا تَجْرِي عَلى اليَبَسِ ووَرَدَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: طَلَبُ الجَنَّةِ مِن غَيْرِ عَمَلٍ ذَنْبٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وانْتِظارُ الشَّفاعَةِ بِلا سَبَبٍ نَوْعٌ مِنَ الغُرُورِ، وارْتِجاءُ الرَّحْمَةِ مِمَّنْ لا يُطاعُ حُمْقٌ وجَهالَةٌ، ونَفْيُ العِلْمِ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ التَّنْجِيزِيِّ كَما مَرَّ في الإثْباتِ عَلى رَأْيٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ لِأنَّ نَفْيَ العِلْمِ مِن لَوازِمِ نَفْيِ التَّحَقُّقِ إذِ التَّحَقُّقُ مَلْزُومُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، ونَفْيُ اللّازِمِ لازِمٌ نَفْيَ المَلْزُومِ، وكَثِيرًا ما يُقالُ: ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى في فُلانٍ خَيْرًا ويُرادُ ما فِيهِ خَيْرٌ حَتّى يَعْلَمَهُ، وهَلْ يَجْرِي ذَلِكَ في نَفْيِ عِلْمِنا أمْ لا، فِيهِ تَرَدُّدٌ، والَّذِي قَطَعَ بِهِ صاحِبُ الِانْتِصافِ الثّانِي، وإيثارُ الكِنايَةِ عَلى التَّصْرِيحِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ المَعْنى المُرادِ، وهو عَدَمُ تَحَقُّقِ الجِهادِ الَّذِي هو سَبَبٌ لِلْفَوْزِ الأعْظَمِ مِنهم، لِما أنَّ الكَلامَ عَلَيْها كَدَعْوى الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ، وفي ذَلِكَ رَمْزٌ أيْضًا إلى تَرْكِ الرِّياءِ، وأنَّ المَقْصُودَ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى لا النّاسُ، وإنَّما وُجِّهَ النَّفْيُ إلى المَوْصُوفِينَ مَعَ أنَّ المَنفِيَّ هو الوَصْفُ الَّذِي هو الجِهادُ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ انْتِفاءِ ذَلِكَ، وعَدَمِ تَحَقُّقِهِ أصْلًا، وكَيْفَ تُحَقَّقُ صِفَةٌ بِدُونِ مَوْصُوفٍ، وفي اخْتِيارِ (لَمّا) عَلى لَمْ إشارَةٌ إلى أنَّ الجِهادَ مُتَوَقَّعٌ مِنهم فِيما يُسْتَقْبَلُ بِناءً عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ( لَمّا ) تَدُلُّ عَلى تَوَقُّعِ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِها، وقَدْ ذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّهُ إذا قِيلَ: قَدْ فَعَلَ فُلانٌ فَجَوابُهُ: لَمّا يَفْعَلُ، وإذا قِيلَ: فَعَلَ ؟

فَجَوابُهُ: لَمْ يَفْعَلْ، فَإذا قِيلَ: لَقَدْ فَعَلَ، فَجَوابُهُ ما فَعَلَ، كَأنَّهُ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ فَعَلَ، فَقالَ المُجِيبُ: واللَّهِ ما فَعَلَ، وإذا قِيلَ: هو يَفْعَلُ يُرِيدُ ما يُسْتَقْبَلُ، فَجَوابُهُ لا يَفْعَلُ، وإذا قِيلَ: سَيَفْعَلُ فَجَوابُهُ لَنْ يَفْعَلَ، فَقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ القَوْلَ بِأنْ (لَمّا) تَدُلُّ عَلى تَوَقُّعِ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِها فِيما يُسْتَقْبَلُ لا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرَهُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِهِ، نَعَمْ هَذا التَّوَقُّعُ هُنا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في تَأْكِيدِ الإنْكارِ، وقُرِئَ (ويَعْلَمَ) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّ أصْلَهُ يَعْلَمْنَ بِنُونٍ خَفِيفَةٍ فَحُذِفَتْ في الدَّرَجِ، وقَدْ أجازُوا حَذْفَها إمّا بِشَرْطِ مُلاقاةِ ساكِنٍ بَعْدَها أوْ مُطْلَقًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: إذا قُلْتُ قَدْنِي قالَ بِاللَّهِ حَلْفَةً ∗∗∗ لَتُغْنِي عَنِّي ذا أنائِكَ أجْمَعا عَلى رِوايَةِ فَتْحِ اللّامِ، وقِيلَ: إنَّ فَتْحَ المِيمِ لِإتْباعِ اللّامِ لِيَبْقى تَفْخِيمُ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، و(مِنكُمْ) حالٌ مِنَ الَّذِينَ، و(مِن) فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ، فَيُؤْذِنُ بِأنَّ الجِهادَ فَرْضُ كِفايَةٍ ﴿ ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ ﴾ (142) نُصِبَ بِإضْمارِ إنْ، وقِيلَ: بِواوِ الصَّرْفِ، والكَلامُ عَلى طَرْزِ، لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، أيْ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ، والحالُ أنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنكُمُ الجِهادُ والصَّبْرُ أيِ الجَمْعُ بَيْنَهُما، وإيثارُ الصّابِرِينَ عَلى الَّذِينَ صَبَرُوا لِلْإيذانِ بِأنَّ المُعْتَبَرَ هو الِاسْتِمْرارُ عَلى الصَّبْرِ ولِلْمُحافَظَةِ عَلى رُءُوسِ الآيِ، وقِيلَ: الفِعْلُ مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى المَجْزُومِ قَبْلَهُ وحُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ بِالفَتْحَةِ لِلْخِفَّةِ والإتْباعِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ الحَسَنِ: (ويَعْلَمِ الصّابِرِينَ) بِكَسْرِ المِيمِ، وقُرِئَ (ويَعْلَمُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الواوَ لِلِاسْتِئْنافِ أوْ لِلْحالِ بِتَقْدِيرِ وهو يَعْلَمُ، وصاحِبُ الحالِ المَوْصُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا تُجاهِدُوا وأنْتُمْ صابِرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ١٤٣

﴿ ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ ﴾ خِطابٌ لِطائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْهَدُوا غَزْوَةَ بَدْرٍ لِعَدَمِ ظَنِّهِمُ الحَرْبَ حِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْها، فَلَمّا وقَعَ ما وقَعَ نَدِمُوا فَكانُوا يَقُولُونَ: لَيْتَنا نُقْتَلُ كَما قُتِلَ أصْحابُ بَدْرٍ، ونُسْتَشْهَدَ كَما اسْتَشْهَدُوا، فَلَمّا أشْهَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى أُحُدًا لَمْ يَلْبَثْ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنهم.

فالمُرادُ بِالمَوْتِ هُنا المَوْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وهي الشَّهادَةُ، ولا بَأْسَ بِتَمَنِّيها، ولا يَرِدُ أنَّ في تَمَنِّي ذَلِكَ غَلَبَةَ الكُفّارِ؛ لِأنَّ قَصْدَ المُتَمَنِّي الوُصُولُ إلى نَيْلِ كَرامَةِ الشُّهَداءِ لا غَيْرَ، ولا يَذْهَبُ إلى ذَلِكَ وهْمُهُ كَما أنَّ مَن يَشْرَبُ دَواءَ النَّصْرانِيِّ مَثَلًا يَقْصِدُ الشِّفاءَ لا نَفْعَهُ ولا تَرْوِيجَ صِناعَتِهِ، وقَدْ وقَعَ هَذا التَّمَنِّي مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ مِن كِبارِ الصَّحابَةِ ولَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَوْتِ الحَرْبُ فَإنَّها مِن أسْبابِهِ، وبِهِ يُشْعِرُ كَلامُ الرَّبِيعِ وقَتادَةَ فَحِينَئِذٍ المُتَمَنّى الحَرْبُ لا المَوْتُ.

﴿ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( تمنونَ ) مُبَيِّنٌ لِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى التَّمَنِّي أيْ مِن قَبْلِ أنْ تُشاهِدُوا وتَعْرِفُوا هَوْلَهُ، وقُرِئَ بِضَمِّ اللّامِ عَلى حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ ونِيَّةِ مَعْناهُ، وأنْ تَلْقَوْهُ حِينَئِذٍ بَدَلٌ مِنَ المَوْتِ بَدَلُ اشْتِمالٍ أيْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ أنْ تَلْقَوْهُ مِن قَبْلِ ذَلِكَ، وقُرِئَ تَلاقَوْهُ مِنَ المُفاعَلَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وما لَقِيَكَ فَقَدْ لَقِيتَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ سافَرْتَ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إلى العَدُوِّ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ ﴾ أيْ ما تَمَنَّيْتُمُوهُ مِنَ المَوْتِ بِمُشاهَدَةِ أسْبابِهِ أوْ أسْبابِهِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في تَمَنِّيكم ذَلِكَ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ، وإيثارُ الرُّؤْيَةِ عَلى المُلاقاةِ إمّا لِلْإشارَةِ إلى انْهِزامِهِمْ أوْ لِلْمُبالَغَةِ في مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ كَتَقْيِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ (143) لِأنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أيْ رَأيْتُمُوهُ مُعايِنِينَ لَهُ وهَذا عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: رَأيْتُهُ ولَيْسَ في عَيْنِي عِلَّةٌ أيْ رَأيْتُهُ رُؤْيَةً حَقِيقِيَّةً لا خَفاءَ فِيها ولا شُبْهَةً، وقِيلَ: ( تَنْظُرُونَ ) بِمَعْنى تَتَأمَّلُونَ وتَتَفَكَّرُونَ أيْ وأنْتُمْ تَتَأمَّلُونَ الحالَ كَيْفَ هي، وقِيلَ: مَعْناهُ ( وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) إلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ عِتابُ المُنْهَزِمِينَ عَلى تَمَنِّيهِمُ الشَّهادَةَ وهم لَمْ يَثْبُتُوا حَتّى يَسْتَشْهِدُوا، أوْ عَلى تَمَنِّيهِمُ الحَرْبَ وتَسَبُّبِهِمْ لَها ثُمَّ جُبْنِهِمْ وانْهِزامِهِمْ لا عَلى تَمَنِّي الشَّهادَةِ نَفْسِها لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا عِتابَ عَلَيْهِ كَما وُهِمَ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ ١٤٤

﴿ وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا التَقى الفِئَتانِ يَوْمَ أُحُدٍ وحَمِيَتِ الحَرْبُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: " مَن يَأْخُذُ هَذا السَّيْفَ بِحَقِّهِ ويَضْرِبُ بِهِ العَدُوَّ حَتّى يَنْحَنِيَ ؟

فَأخَذَهُ أبُو دُجانَةَ سِماكُ بْنُ خَرَشَةَ الأنْصارِيُّ، ثُمَّ تَعَمَّمَ بِعِمامَةٍ حَمْراءَ وجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ ويَقُولُ: أنا الَّذِي عاهَدَنِي خَلِيلِي ونَحْنُ بِالسَّفْحِ لَدى النَّحِيلِ أنْ لا أقُومَ الدَّهْرَ في الكُبُولِ ∗∗∗ أضْرِبُ بِسَيْفِ اللَّهِ والرَّسُولِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّها لِمِشْيَةٌ يُبْغِضُها اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، فَجَعَلَ لا يَلْقى أحَدًا إلّا قَتَلَهُ، وقاتَلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قِتالًا شَدِيدًا حَتّى التَوى سَيْفَهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ عَلى المُسْلِمِينَ، وأدْبَرَ المُشْرِكُونَ، فَلَمّا نَظَرَ الرُّماةُ إلى القَوْمِ قَدِ انْكَشَفُوا والمُسْلِمُونَ يَنْتَهِبُونَ الغَنِيمَةَ خالَفُوا أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا قَلِيلًا مِنهم فانْطَلَقُوا إلى العَسْكَرِ، فَلَمّا رَأى خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ قِلَّةَ الرُّماةِ واشْتِغالَ النّاسِ بِالغَنِيمَةِ ورَأى ظُهُورَهم خالِيَةً صاحَ في خَيْلِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ وحَمَلَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن خَلْفِهِمْ في مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ فارِسًا فَفَرَّقُوهم وقَتَلُوا نَحْوًا مِن ثَلاثِينَ رَجُلًا، ورَمى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَمِيئَةَ الحارِثِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحَجَرٍ فَكَسَرَ رَباعِيَتَهُ وشَجَّ وجْهَهُ الكَرِيمَ، وأقْبَلَ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَذَبَّ عَنْهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ صاحِبُ الرّايَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَتّى قَتَلَهُ ابْنُ قَمِيئَةَ.

وقِيلَ: إنَّ الرّامِيَ عُتْبَةُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، فَرَجَعَ وهو يَرى أنَّهُ قَتَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنِّي قَتَلْتُ مُحَمَّدًا، وصَرَخَ صارِخٌ لا يُدْرى مَن هو حَتّى قِيلَ: إنَّهُ إبْلِيسٌ ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فانْكَفَأ النّاسُ، وجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَدْعُو: إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ فاجْتَمَعَ إلَيْهِ ثَلاثُونَ رَجُلًا فَحَمَوْهُ حَتّى كَشَفُوا عَنْهُ المُشْرِكِينَ، ورَمى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ حَتّى انْدَقَّتْ سِيَةُ قَوْسِهِ، ونَثَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كِنانَتَهُ وكانَ يَقُولُ: ارْمِ فِداكَ أبِي وأُمِّي، وأُصِيبَتْ يَدُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فَيَبِسَتْ، وعَيْنُ قَتادَةَ حَتّى وقَعَتْ عَلى وجْنَتِهِ فَأعادَها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَعادَتْ كَأحْسَنِ ما كانَتْ، فَلَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أدْرَكَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ وهو يَقُولُ: لا نَجَوْتَ إنْ نَجَوْتَ، فَقالَ القَوْمُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا يَعْطِفُ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنّا، فَقالَ: دَعَوْهُ حَتّى إذا دَنا مِنهُ تَناوَلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الحَرْبَةَ مِنَ الحارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ فَطَعَنَهُ في عُنُقِهِ وخَدَشَهَ خَدْشَةً فَتَدَهْدى مِن فَرَسِهِ وهو يَخُورُ كَما يَخُورُ الثَّوْرُ وهو يَقُولُ: قَتَلَنِي مُحَمَّدٌ، وكانَ أُبَيٌّ قَبْلَ ذَلِكَ يَلْقى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَقُولُ: عِنْدِي رَمْكَةٌ أعْلِفُها كُلَّ يَوْمٍ فَرَقَ ذُرَةٍ أقْتُلُكَ عَلَيْها، ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ: بَلْ أنا أقْتُلُكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فاحْتَمَلَهُ أصْحابُهُ وقالُوا: لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ، قالَ: بَلى لَوْ كانَتْ هَذِهِ الطَّعْنَةُ بِرَبِيعَةَ ومُضَرَ لَقَتَلَتْهم، ألَيْسَ قالَ لِي: أقْتُلُكَ فَلَوْ بَزَقَ عَلَيَّ بَعْدَ تِلْكَ المَقالَةِ قَتَلَنِي، فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا يَوْمًا حَتّى ماتَ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ سَرِفُ، ولَمّا فَشا في النّاسِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ قالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: لَيْتَ لَنا رَسُولًا إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَيَأْخُذَ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ، وبَعْضُهم جَلَسُوا وألْقَوْا بِأيْدِيهِمْ، وقالَ أُناسٌ مِن أهْلِ النِّفاقِ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ فالحَقُوا بِدِينِكُمُ الأوَّلِ، فَقالَ أنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أنِسِ بْنِ مالِكٍ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ وما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟

فَقاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ ومُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا قالَ هَؤُلاءِ يَعْنِي المُسْلِمِينَ، وأبْرَأُ إلَيْكَ عَمّا قالَ هَؤُلاءِ يَعْنِي المُنافِقِينَ، ثُمَّ شَدَّ بِسَيْفِهِ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

ورُوِيَ أنَّ أوَّلَ مَن عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ قالَ: عَرَفْتُ عَيْنَيْهِ تَحْتَ المِغْفَرِ تُزْهِرانِ فَنادَيْتُ بِأعْلى صَوْتِي: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ أبْشِرُوا هَذا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأشارَ إلَيَّ: أنِ اسْكُتْ، فانْحازَتْ إلَيْهِ طائِفَةٌ مِن أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَلامَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الفِرارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَدَيْناكَ بِآبائِنا وأبْنائِنا أتانا الخَبَرُ بِأنَّكَ قُتِلْتَ فَرَعِبَتْ قُلُوبُنا فَوَلَّيْنا مُدْبِرِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، و(مُحَمَّدٌ) عَلَمٌ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَنقُولٌ مِنِ اسْمِ المَفْعُولِ مِن حَمَّدَ المُضاعَفُ لُغَةً سَمّاهُ بِهِ جَدَّهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ السّابِعَ وِلادَتَهُ لِمَوْتِ أبِيهِ قَبْلَها، ولَمّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قالَ لِرُؤْيَةٍ رَآها: رَجَوْتَ أنْ يُحْمَدَ في السَّماءِ والأرْضِ، ومَعْناهُ قَبْلَ النَّقْلِ مَن يُحْمَدُ كَثِيرًا وضِدُّهُ المُذَمَّمُ، وفي الخَبَرِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ صَرَفَ اللَّهُ تَعالى عَنِّي لَعْنَ قُرَيْشٍ وشَتْمَهم يَشْتُمُونَ مُذَمَّمًا وأنا مُحَمَّدٌ».

وقَدْ جَمَعَ هَذا الِاسْمُ الكَرِيمُ مِنَ الأسْرارِ ما لا يُحْصى حَتّى قِيلَ: إنَّهُ يُشِيرُ إلى عِدَّةِ الأنْبِياءِ كَإشارَتِهِ إلى المُرْسَلِينَ مِنهم عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَبَّرَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهَذا الِاسْمِ هُنا لِأنَّهُ أوَّلُ أسْمائِهِ وأشْهَرُها وبِهِ صَرَخَ الصّارِخُ، وهو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَ إلّا، ولا عَمَلَ لِما بِالِاتِّفاقِ لِانْتِقاضِ نَفْيِهِ بِإلّا، واخْتَلَفُوا في القَصْرِ هَلْ هو قَصْرُ قَلْبٍ أمْ قَصْرُ إفْرادٍ ؟

فَذَهَبَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ قَصْرُ قَلْبٍ لِأنَّهُ جَعَلَ المُخاطَبُونَ بِسَبَبِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ النُّكُوصِ عَلى أعْقابِهِمْ عِنْدَ الإرْجافِ بِقَتْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَ سائِرِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمَةِ في وُجُوبِ اتِّباعِ دِينِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، بَلْ حُكْمُهُ عَلى خِلافِ حُكْمِهِمْ فَأنْكَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وبَيَّنَ أنَّ حُكْمَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حُكْمَ مَن سَبَقَ مِنَ الأنْبِياءِ صَلَواتِ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ في أنَّهم ماتُوا وبَقِيَ أتْباعُهم مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ ثابِتِينَ عَلَيْهِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ ( قَدْ خَلَتْ ) إلَخْ صِفَةً لِرَسُولِ مُنْبِئَةً عَنْ كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في شَرَفِ الخُلُوِّ، فَإنَّ خُلُوَّ مُشارِكِيهِ في مَنصِبِ الرِّسالَةِ مِن شَواهِدِ خُلُوِّهِ لا مَحالَةَ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ أمْثالُهُ فَسَيَخْلُو كَما خَلَوْا، والقَصْرُ مُنْصَبٌّ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فَلا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن قَصْرِ القَلْبِ أنْ يَكُونَ المُخاطِبُونَ مُنْكِرِينَ لِلرِّسالَةِ لِأنَّ ذَلِكَ ناشِئٌ مِنَ الذُّهُولِ عَنِ الوَصْفِ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في رَسُولٍ، والِانْصِبابُ هو الِانْصِبابُ.

وذَهَبَ صاحِبُ المِفْتاحِ إلى أنَّهُ قَصْرُ إفْرادٍ إخْراجًا لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِتَنْزِيلِ اسْتِعْظامِهِمْ عَدَمُ بَقائِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَنزِلَةَ اسْتِبْعادِهِمْ إيّاهُ وإنْكارِهِمْ لَهُ حَتّى كَأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِ وصْفَيْنِ الرِّسالَةَ والبُعْدَ عَنِ الهَلاكِ فَقُصِرَ عَلى الرِّسالَةِ نَفْيًا لِلْبُعْدِ عَنِ الهَلاكِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلى هَذا جَعْلُ جُمْلَةِ ( قَدْ خِلْت ) مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ بَعِيدًا عَنْ عَدَمِ البَقاءِ كَسائِرِ الرُّسُلِ إذْ عَلى اعْتِبارِ الوَصْفِ لا يَكُونُ إلّا قَصْرُ قَلْبٍ لِانْصِبابِ القَصْرِ عَلَيْهِ، وكَوْنُ الجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفَةً بَعِيدٌ لِمُخالَفَتِهِ القاعِدَةَ في الجُمَلِ بَعْدَ النَّكِراتِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ لِجَوازٍ أنْ تَكُونَ صِفَةً أيْضًا مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى القَصْرِ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ في التَّقْدِيرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( رُسُلٌ ) بِالتَّنْكِيرِ.

﴿ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ اسْتِئْنافِيَّةٌ أوْ لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ، والِانْقِلابُ عَلى الأعْقابِ في الأصْلِ الرُّجُوعُ القَهْقَرى، وأُرِيدَ بِهِ الِارْتِدادُ والرُّجُوعُ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ في المَشْهُورِ، والغَرَضُ إنْكارِ ارْتِدادِهِمْ عَنِ الدِّينِ بِخُلُوِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَوْتٍ أوْ قَتْلٍ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِخُلُوِّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ وبَقاءِ دِينِهِمْ مُتَمَسَّكًا بِهِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ القَوْمَ لَمْ يَرْتَدُّوا فَكَيْفَ عَبَّرَ بِالِانْقِلابِ عَلى الأعْقابِ المُتَبادَرُ مِنهُ ذَلِكَ ؟

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ ارْتِدادًا حَقِيقَةً، وإنَّما هو تَغْلِيظٌ عَلَيْهِمْ فِيما كانَ مِنهم مِنَ الفِرارِ والِانْكِشافِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإسْلامِهِمْ إيّاهُ لِلْهَلَكِ، وقِيلَ: الإنْكارُ هُنا بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ولا يَنْبَغِي لا إنْكارًا لِما وقَعَ، وقِيلَ: هو إخْبارٌ عَمّا وقَعَ لِأهْلِ الرِّدَّةِ بَعْدَ مَوْتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَعْرِيضٌ بِما وقَعَ مِنَ الهَزِيمَةِ لِشَبَهِهِ بِهِ.

وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الِانْقِلابَ هُنا عَلى نَقْصِ الإيمانِ لا الكُفْرُ بَعْدَهُ احْتِجاجًا بِما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنا أنَّ الإيمانَ يَزْدادُ فَهَلْ يَنْقُصُ ؟

قالَ: أيْ والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ إنَّهُ لَيَنْقُصُ، قالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ دَلالَةٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ؟

قالَ: نَعَمْ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ ﴾ » والِانْقِلابُ نُقْصانٌ لا كُفْرٌ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا الخَبَرَ لَيْسَ مِنَ القُوَّةِ إلى حَيْثُ يُحْتَجُّ بِهِ وإنِّي لا أجِدُ عَلَيْهِ طَلاوَةَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الفاءَ مُعَلَّقَةٌ لِلْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها عَلى مَعْنى التَّسَبُّبِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ ذَلِكَ أيْ لا يَنْبَغِي أنْ تَجْعَلُوا خُلُوَّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ سَبَبًا لِانْقِلابِكم عَلى أعْقابِكم بَعْدَ مَوْتِهِ أوْ قَتْلِهِ بَلِ اجْعَلُوهُ سَبَبًا لِلتَّمَسُّكِ بِدِينِهِ كَما هو حُكْمُ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَفي انْقِلابِكم عَلى أعْقابِكم تَعْكِيسٌ لِمُوجَبِ القَضِيَّةِ المُحَقَّقَةِ الَّتِي هي كَوْنُهُ رَسُولًا يَخْلُو كَما خَلَتِ الرُّسُلُ، وإيرادُ المَوْتِ بِكَلِمَةِ (إنْ) مَعَ العِلْمِ البَتَّةَ لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِينَ فِيهِ لِما ذُكِرَ مِنِ اسْتِعْظامِهِمْ إيّاهُ، قالَ المَوْلى: وهَكَذا الحالُ في سائِرِ المَوارِدِ فَإنَّ كَلِمَةَ (إنْ) في كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا تَجْرِي عَلى ظاهِرِها أصْلًا ضَرُورَةُ عِلْمِهِ تَعالى بِالوُقُوعِ أوِ اللّاوُقُوعِ بَلْ تُحْمَلُ عَلى اعْتِبارِ حالِ السّامِعِ، أوْ أمْرٍ آخَرَ يُناسِبُ المَقامَ، والمُرادُ مِنَ المَوْتِ المَوْتُ عَلى الفِراشِ، وبِالقَتْلِ المَوْتُ بِواسِطَةِ نَقْضِ البِنْيَةِ، وقُدِّمَ تَقْدِيرُ المَوْتِ مَعَ أنَّ تَقْدِيرَ القَتْلِ هو الَّذِي كادَ يَجُرُّ المَوْتَ الأحْمَرَ، لِما أنَّ المَوْتَ في شَرَفِ الوُقُوعِ، فَزَجْرُ النّاسِ عَنِ الِانْقِلابِ عِنْدَهُ وحَمْلُهم عَلى الثَّباتِ هُناكَ أهَمُّ، ولِأنَّ الوَصْفَ الجامِعَ في نَفْسِ الأمْرِ بَيْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو المَوْتُ دُونَ القَتْلِ خِلافًا لِمَن زَعَمَهُ مُسْتَدِلًّا بِما ورَدَ مِن أكْلَةِ خَيْبَرَ، وإنْ كانَ قَدْ وقَعَ فِيهِمْ قَتْلٌ ومَوْتٌ، وإنَّما ذَكَرَ القَتْلَ مَعَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يُقْتَلُ لِتَجْوِيزِ المُخاطَبِينَ لَهُ وآيَةِ ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ نُزُولِها قَبْلَ أُحُدٍ يَحْتَمِلُ أنَّها لَمْ تَصِلْ هَؤُلاءِ المُنْهَزِمِينَ، وبِتَقْدِيرِ وُصُولِها احْتِمالُ أنْ لا تَحْضُرَهم قائِمٌ في مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الهائِلِ، وقَدْ غَفَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

فَقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قامَ يَوْمَئِذٍ فَقالَ: إنَّ رِجالًا مِنَ المُنافِقِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تُوُفِّيَ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واللَّهِ ما ماتَ ولَكِنْ ذَهَبَ إلى رَبِّهِ كَما ذَهَبَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ، فَقَدْ غابَ عَنْ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ قِيلَ: قَدْ ماتَ واللَّهِ لَيَرْجِعَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما رَجَعَ مُوسى، فَلْيَقْطَعَنَّ أيْدِي رِجالٍ وأرْجُلَهم زَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ماتَ، فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ: عَلى رِسْلِكَ يا عُمَرُ أنْصِتْ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ماتَ، ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى حَيٌّ لا يَمُوتُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ ﴾ إلى آخِرِها فَواللَّهِ لَكَأنَّ النّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ حَتّى تَلاها أبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ فَأخَذَها النّاسُ مِن أبِي بَكْرٍ، وقالَ عُمَرُ: فَواللَّهِ ما هو إلّا أنْ سَمِعْتُ أبا بَكْرٍ تَلاها فَعَقَرْتُ حَتّى وقَعَتْ إلى الأرْضِ ما تَحْمِلُنِي رِجْلايَ، وعَرَفْتُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ ماتَ، والِاعْتِذارُ بِاخْتِصاصِ فَهْمِ آيَةِ العِصْمَةِ بِالعُلَماءِ مِنَ الصَّحابَةِ، وذَوِي البَصِيرَةِ مِنهم مَعَ ظُهُورِ مَعْنى اللَّفْظِ كَما اعْتَذَرَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يَخْفى ما فِيهِ، وكَوْنُ المُرادِ مِنها العِصْمَةَ مِن فِتْنَةِ النّاسِ وإضْلالِهِمْ لا يَخْفى بَعْدَهُ لِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ، وإنَّما يَرِدُ مِثْلُهُ في مَعْرِضِ الإلْهابِ والتَّعْرِيضِ ﴿ ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ ﴾ بِما فَعَلَ مِنَ الِانْقِلابِ لِأنَّهُ تَعالى لا تَجُوزُ عَلَيْهِ المَضارُّ ( ﴿ شَيْئًا ﴾ ) مِنَ الضَّرَرِ وإنْ قَلَّ، وإنَّما يَضُرُّ نَفْسَهُ بِتَعْرِيضِها لِلسُّخْطِ والعَذابِ أوْ بِحِرْمانِها مَزِيدَ الثَّوابِ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ تَوَجُّهُ النَّفْيِ إلى المَفْعُولِ فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ يَضُرُّ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ إلّا نَفْسَهُ ﴿ وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ ﴾ (144) أيْ سَيُثِيبُ الثّابِتِينَ عَلى دِينِ الإسْلامِ، ووَضَعَ الشّاكِرِينَ مَوْضِعَ الثّابِتِينَ لِأنَّ الثَّباتَ عَنْ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ تَيَقُّنِ حَقِيَّتِهِ وذَلِكَ شُكْرٌ لَهُ، وفِيهِ إيماءٌ إلى كُفْرانِ المُنْقَلِبِينَ، وإلى تَفْسِيرِ الشّاكِرِينَ بِالثّابِتِينَ ذَهَبَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقَدْ رَواهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وكانَ يَقُولُ: الثّابِتُونَ هم أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ.

وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أمِيرُ الشّاكِرِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ بِهِمُ الطّائِعُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وإظْهارُ الِاسْمُ الجَلِيلُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلْإعْلانِ بِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ جَزائِهِمْ، واتِّصالُ هَذا بِما قَبْلَهُ اتِّصالُ الوَعْدِ بِالوَعِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَـٰبًۭا مُّؤَجَّلًۭا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نُؤْتِهِۦ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ ١٤٥

﴿ وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِلْحَضِّ عَلى الجِهادِ واللَّوْمِ عَلى تَرْكِهِ خَشْيَةَ القَتْلِ مَعَ قَطْعِ عُذْرِ المُنْهَزِمِينَ خَشْيَةَ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَسْلِيَةً عَمّا لَحِقَ النّاسَ بِمَوْتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإشارَةً إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَغَيْرِهِ لا يَمُوتُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَلا عُذْرَ لِأحَدٍ بِتَرْكِ دِينِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.

والمُرادُ بِالنَّفْسِ الجِنْسُ وتَخْصِيصُها بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والمَوْتُ هُنا أعَمُّ مِنَ المَوْتِ حَتْفَ الأنْفِ، والمَوْتِ بِالقَتْلِ كَما سَنُحَقِّقُهُ، و(كانَ) ناقِصَةٌ اسْمُها (أنْ تَمُوتَ) (ولِنَفْسٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لَها، والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ الأسْبابِ.

وذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلى أنَّ بِإذْنِ اللَّهِ خَبَرُ كانَ، و(لِنَفْسٍ) مُتَعَلِّقٌ بِها واللّامُ لِلتَّبْيِينِ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ المَوْتُ لِنَفْسٍ، و(أنْ تَمُوتَ) تَبْيِينٌ لِلْمَحْذُوفِ، وحُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ وبَعْضٍ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ التَّقْدِيرَ: وما كانَ نَفْسٌ لِتَمُوتَ، ثُمَّ قُدِّمَتِ اللّامُ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ أوْهَنُ مِنَ الوَهَنِ لا سِيَّما الأخِيرَ، والمَعْنى ما كانَ المَوْتُ حاصِلًا لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ مُطْلَقًا بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ، والإذْنُ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِهِ، وظاهِرُ التَّرْكِيبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْتَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي يُقْدَمُ عَلَيْها اخْتِيارًا فَقَدْ شاعَ ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ يَفْعَلَ كَذا فِيما إذا كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ اخْتِيارِيًّا، لَكِنَّ الظّاهِرَ هُنا مَتْرُوكٌ بِأنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ بِأنَّ صُوَرَ المَوْتِ بِالنِّسْبَةِ إلى النُّفُوسِ بِصُورَةِ الفِعْلِ الِاخْتِيارِيِّ الَّذِي لا يُقْدَمُ عَلَيْهِ إلّا بِالإذْنِ.

والمُرادُ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلَيْهِ أوْ بِتَنْزِيلِ إقْدامِ النُّفُوسِ عَلى مَبادِيهِ كالقِتالِ مَثَلًا مَنزِلَةَ الإقْدامِ عَلَيْهِ نَفْسَهُ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ المَرامِ، فَإنَّ مَوْتَها لَمّا اسْتَحالَ وُقُوعُهُ عِنْدَ إقْدامِها عَلَيْهِ أوْ عَلى مَبادِيهِ وسَعْيِها في إيقاعِهِ، فَلِأنْ يَسْتَحِيلَ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ أوْلى وأظْهَرُ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَبْقى الإذْنُ عَلى حَقِيقَتِهِ ومَفْعُولِهِ مُقَدَّرٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، والمُرادُ بِإذْنِهِ تَعالى إذْنُهُ لِمَلَكِ المَوْتِ فَإنَّهُ الَّذِي يَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ ذِي رُوحٍ بَشَرًا كانَ أوْ لا شَهِيدًا كانَ أوْ غَيْرَ شَهِيدٍ بَرًّا أوْ بَحْرًا حَتّى قِيلَ: إنَّهُ يَقْبِضُ رُوحَ نَفْسِهِ، واسْتَثْنى بَعْضُهم أرْواحَ شُهَداءِ البَحْرِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي يَقْبِضُها بِلا واسِطَةٍ، واسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ جُوَيْبِرٍ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، وفِيهِ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ انْقِطاعٌ، وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّ مَلَكَ المَوْتِ إنَّما يَقْبِضُ أرْواحَ الثَّقَلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وقالَ بَعْضُ المُبْتَدِعَةِ: إنَّهُ يَقْبِضُ الجَمِيعَ سِوى أرْواحِ البَهائِمِ فَإنَّ أعْوانَهُ هُمُ الَّذِينَ يَقْبِضُونَها، ولا تَعارُضُ بَيْنَ ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ﴾ ، و ﴿ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ ﴾ ، و ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ﴾ لِأنَّ إسْنادَ ذَلِكَ لَهُ تَعالى بِطَرِيقِ الخَلْقِ والإيجادِ الحَقِيقِيِّ، وإلى المَلَكِ لِأنَّهُ المُباشِرُ لَهُ، وإلى الرُّسُلِ لِأنَّهم أعْوانُهُ المُعالِجُونَ لِلنَّزْعِ مِنَ العَصَبِ والعَظْمِ واللَّحْمِ والعُرُوقِ (كِتابًا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ المُسْتَفادِ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ والمَعْنى كُتِبَ ذَلِكَ المَوْتُ المَأْذُونُ فِيهِ كِتابًا ﴿ مُؤَجَّلا ﴾ أيْ مُوَقَّتًا بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، وقِيلَ: حُكْمًا لازِمًا مُبْرَمًا وهو صِفَةُ (كِتابًا) ولا يَضُرُّ التَّوْصِيفُ بِكَوْنِ المَصْدَرِ مُؤَكِّدًا بِناءً عَلى أنَّهُ مَعْلُومٌ مِمّا سَبَقَ ولَيْسَ كُلُّ وصْفٍ يَخْرُجُ عَنِ التَّأْكِيدِ، ولَكَ لِما في ذَلِكَ مِنَ الخَفاءِ أنْ تَجْعَلَ المَصْدَرَ لِوَصْفِهِ مُبَيِّنًا لِلنَّوْعِ وهو أوْلى مِن جَعْلِهِ مُؤَكِّدًا، وجُعِلَ (مُؤَجَّلًا) حالًا مِنَ المَوْتِ لا صِفَةً لَهُ لِبُعْدِ ذَلِكَ غايَةَ البُعْدِ فَتَدَبَّرْ.

وقُرِئَ (مُؤَجَّلًا) بِالواوِ بَدَلَ الهَمْزَةِ عَلى قِياسِ التَّخْفِيفِ، وظاهِرُ الآيَةِ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ أهْلِ السُّنَّةِ القائِلِينَ إنَّ المَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأجَلِهِ أيْ بِوَقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ وأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَجازَ أنْ يَمُوتَ في ذَلِكَ الوَقْتِ وأنْ لا يَمُوتَ مِن غَيْرِ قَطْعٍ بِامْتِدادِ العُمْرِ ولا بِالمَوْتِ بَدَلَ القَتْلِ، إذْ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ القَتْلِ لا قَطْعَ بِوُجُودِ الأجَلِ وعَدَمِهِ فَلا قَطْعَ بِالمَوْتِ ولا بِالحَياةِ، وخالَفَ في ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ فَذَهَبَ الكَعْبِيُّ مِنهم إلى أنَّ المَقْتُولَ لَيْسَ بِمَيِّتٍ لِأنَّ القَتْلَ فِعْلُ العَبْدِ والمَوْتَ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ أيْ مَفْعُولُهُ وأثَرُ صِفَتِهِ، وأنَّ لِلْمَقْتُولِ أجَلَيْنِ: أحَدُهُما القَتْلُ والآخَرُ المَوْتُ وأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَعاشَ إلى أجْلِهِ الَّذِي هو المَوْتُ، وذَهَبَ أبُو الهُذَيْلِ إلى أنَّ المَقْتُولَ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَماتَ البَتَّةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنهم إلى أنَّ القاتِلَ قَدْ قَطَعَ عَلى المَقْتُولِ أجَلَهُ، وأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَعاشَ إلى أمَدٍ هو أجَلُهُ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مَوْتَهُ فِيهِ لَوْلا القَتْلُ، ولَيْسَ النِّزاعُ بَيْنَ الأصْحابِ والجُمْهُورِ لَفْظِيًّا كَما رَآهُ الأُسْتاذُ وكَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ حَيْثُ قالُوا: إنَّهُ إذا كانَ الأجَلُ زَمانَ بُطْلانِ الحَياةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ المَقْتُولُ مَيِّتًا بِأجَلِهِ بِلا خِلافٍ مِنَ المُعْتَزِلَةِ في ذَلِكَ إذْ هم لا يُنْكِرُونَ كَوْنَ المَقْتُولِ مَيِّتًا بِالأجَلِ الَّذِي عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى وهو الأجَلُ بِسَبَبِ القَتْلِ، وإنْ قُيِّدَ بُطْلانُ الحَياةِ بِأنْ لا يَتَرَتَّبَ عَلى فِعْلٍ مِنَ العَبْدِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بِلا خِلافٍ مِنَ الأصْحابِ فِيهِ إذْ هم يَقُولُونَ بِعَدَمِ كَوْنِ المَقْتُولِ مَيِّتًا بِالأجَلِ غَيْرِ المُرَتِّبِ عَلى فِعْلِ العَبْدِ، لِأنّا نَقُولُ حاصِلُ النِّزاعِ أنَّ المُرادَ بِأجَلِ المَقْتُولِ المُضافِ إلَيْهِ زَمانُ بُطْلانِ حَياتِهِ بِحَيْثُ لا مَحِيصَ عَنْهُ ولا تَقَدُّمَ ولا تَأخُّرَ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ويَرْجِعُ الخِلافُ إلى أنَّهُ هَلْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ في حَقِّ المَقْتُولِ أمِ المَعْلُومُ في حَقِّهِ أنَّهُ إنْ قُتِلَ ماتَ وإنْ لَمْ يُقْتَلْ يَعِشْ كَذا في شَرْحِ المَقاصِدِ، ولَعَلَّهُ جَوابٌ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ وهو أنَّ المُرادَ زَمانُ بُطْلانِ الحَياةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لَكِنَّهُ لا مُطْلَقًا بَلْ عَلى ما عَلِمَهُ تَعالى وقَدَّرَهُ بِطَرِيقِ القَطْعِ، وحِينَئِذٍ يَصْلُحُ مَحَلًّا لِلْخِلافِ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ في المَقْتُولِ كَما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ تَخَلُّفُ العِلْمِ عَنِ المَعْلُومِ لِجَوازِ أنْ يُعْلَمَ تَقَدُّمُ مَوْتِهِ بِالقَتْلِ مَعَ تَأخُّرِ الأجَلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ تَخَلُّفُهُ عَنْهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابًا بِاخْتِيارِ شِقٍّ ثالِثٍ وهو المُقَدَّرُ بِطَرِيقِ القَطْعِ إذْ لا تَعَرُّضَ في تَقْرِيرِ الجَوابِ لِلْعِلْمِ، والمُقَدَّرُ أخَصُّ مِنَ الأجَلِ المَعْلُومِ مُطْلَقًا، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ كَوْنِهِ جَوابًا بِاخْتِيارِ الأوَّلِ، لَكِنْ لا مُطْلَقًا اعْتِبارُ قَيْدِ العِلْمِ في الأجَلِ الَّذِي هو مَحَلُّ النِّزاعِ عَلى تَقْدِيرِ اخْتِيارِ الأوَّلِ وعَدَمِ اعْتِبارِهِ فِيهِ عَلى اخْتِيارِ الثّالِثِ، وإنْ كانَ مَعْلُومًا في الواقِعِ أيْضًا فافْهَمْ، ثُمَّ إنَّ أبا الحُسَيْنِ، ومَن تابَعَهُ يَدَّعُونَ الضَّرُورَةَ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وكَذا الجُمْهُورُ في رَأْيِ البَعْضِ، وعِنْدَ البَعْضِ الآخَرِ هي عِنْدَهُمُ اسْتِدْلالِيَّةٌ.

واحْتَجُّوا عَلى مَذْهَبِهِمْ بِالأحادِيثِ الوارِدَةِ في أنَّ بَعْضَ الطّاعاتِ تَزِيدُ في العُمُرِ، وبِأنَّهُ لَوْ كانَ المَقْتُولُ مَيِّتًا بِأجَلِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ القاتِلُ ذَمًّا ولا عِقابًا، ولَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ قِصاصٌ ولا غُرْمُ دِيَةٍ ولا قِيمَةٌ في ذَبْحِ شاةِ الغَيْرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ أجَلًا، ولَمْ يُحْدِثْ بِفِعْلِهِ مَوْتًا، وبِأنَّهُ رُبَّما يُقْتَلُ في المَلْحَمَةِ والحَرْبِ أُلُوفٌ تَقْضِي العادَةُ بِامْتِناعِ اتِّفاقِ مَوْتِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِآجالِهِمْ، وتَمَسَّكَ أبُو الهُذَيْلِ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَمُتِ المَقْتُولُ لَكانَ القاتِلُ قاطِعًا لِأجَلٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، ومُغَيِّرًا لَأمْرٍ عَلِمَهُ وهو مُحالٌ، والكَعْبِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ ﴾ حَيْثُ جَعَلَ القَتْلَ قَسِيمًا لِلْمَوْتِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَتْلِ المَقْتُولِيَّةُ وأنَّها نَفْسُ بُطْلانِ الحَياةِ، وأنَّ المَوْتَ خاصٌّ بِما لا يَكُونُ عَلى وجْهِ القَتْلِ، ومَتى كانَ المَوْتُ غَيْرَ القَتْلِ كانَ لِلْمَقْتُولِ أجَلانِ: أحَدُهُما القَتْلُ والآخَرُ المَوْتُ، وأُجِيبَ عَنْ مُتَمَسِّكِ الأوَّلِينَ الأوَّلَ بِأنَّ تِلْكَ الأحادِيثَ أخْبارُ آحادٍ فَلا تُعارِضُ الآياتِ القَطْعِيَّةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ أوْ بِأنَّ المُرادَ مِن أنَّ الطّاعَةَ تَزِيدُ في العُمُرِ أنَّها تَزِيدُ فِيما هو المَقْصُودُ الأهَمُّ مِنهُ وهو اكْتِسابُ الكَمالاتِ والخَيْراتِ والبَرَكاتِ الَّتِي بِها تُسْتَكْمَلُ النُّفُوسُ الإنْسانِيَّةُ، وتَفُوزُ بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، أوْ بِأنَّ العُمُرَ غَيْرُ الأجَلِ لِأنَّهُ لُغَةً الوَقْتُ، وأجَلُ الشَّيْءِ يُقالُ لِجَمِيعِ مُدَّتِهِ ولِآخِرِها كَما يُقالُ أجَلُ الدَّيْنِ شَهْرانِ أوَآخِرُ شَهْرِ كَذا، ثُمَّ شاعَ اسْتِعْمالُهُ في آخِرِ مُدَّةِ الحَياةِ، ومِن هُنا يُفَسَّرُ بِالوَقْتِ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ حَياةِ الحَيَوانِ عِنْدَهُ عَلى ما قَرَّرْناهُ.

والعُمُرُ لُغَةً مُدَّةُ الحَياةِ كَعُمُرِ زَيْدٍ كَذا، ومُدَّةُ البَقاءِ - كَعُمُرِ الدُّنْيا - وكَثِيرًا ما يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنْ مُدَّةِ بَقاءِ ذِكْرِ النّاسِ الشَّخْصَ لِلْخَيْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ذِكْرُ الفَتى عُمُرُهُ الثّانِي، ومِن هُنا يُقالُ لِمَن ماتَ وأعْقَبَ ذِكْرًا حَسَنًا وأثَرًا جَمِيلًا: ما ماتَ، فَلَعَلَّهُ أرادَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّ تِلْكَ الطّاعاتِ تَزِيدُ في هَذا العُمُرِ لِما أنَّها تَكُونُ سَبَبًا لِلذِّكْرِ الجَمِيلِ، وأكْثَرُ ما ورَدَ ذَلِكَ في الصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وكَوْنِهِما مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما ثَناءُ النّاسِ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ قِيلَ: ولِهَذا لَمْ يَقُلْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في ذَلِكَ إنَّهُ يَزِيدُ في الأجَلِ، أوْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يَعْلَمُ أنَّ هَذا المُطِيعَ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ هَذِهِ الطّاعَةَ لَكانَ عُمُرُهُ أرْبَعِينَ مَثَلًا لَكِنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُها ويَكُونُ عُمُرُهُ سَبْعِينَ سَنَةً، فَنِسْبَةُ هَذِهِ الزِّيادَةِ إلى تِلْكَ الطّاعَةِ بِناءً عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ لَوْلاها لَما كانَتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ، ومُحَصِّلُ هَذا أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّرَ عُمُرَهُ سَبْعِينَ بِحَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ عَنْهُ لِعِلْمِهِ بِأنَّ طاعَتَهُ تَصِيرُ سَبَبًا لِثَلاثِينَ فَتَصِيرُ مَعَ أرْبَعِينَ مِن غَيْرِ الطّاعَةِ سَبْعِينَ، ولَيْسَ مُحَصِّلُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قَدَّرَهُ سَبْعِينَ عَلى تَقْدِيرٍ وأرْبَعِينَ عَلى تَقْدِيرٍ حَتّى يَلْزَمَ تَعَدُّدُ الأجَلِ، والأصْحابُ لا يَقُولُونَ بِهِ.

والثّانِي بِأنَّ اسْتِحْقاقَ الذَّمِّ والعِقابِ وتَوَجُّهَ القِصاصِ أوْ غُرْمَ الدِّيَةِ مَثَلًا عَلى القاتِلِ لَيْسَ بِما يَثْبُتُ في المَحَلِّ مِنَ المَوْتِ، بَلْ هو بِما اكْتَسَبَهُ وارْتَكَبَهُ مِنَ الإقْدامِ عَلى الفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ الَّذِي يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى بِهِ المَوْتَ كَما في سائِرِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ لا سِيَّما عِنْدَ ظُهُورِ أماراتِ البَقاءِ وعَدَمِ ما يُظَنُّ مَعَهُ حُضُورُ الأجَلِ حَتّى لَوْ عُلِمَ مَوْتُ شاةٍ بِإخْبارِ صادِقٍ مَعْصُومٍ، أوْ ظَهَرَتِ الأماراتُ المُفِيدَةُ لِلْيَقِينِ لَمْ يَضْمَن عِنْدَ بَعْضِ الفُقَهاءِ، والثّالِثُ بِأنَّ العادَةَ مَنقُوضَةٌ أيْضًا بِحُصُولِ مَوْتِ أُلُوفٍ في وقْتٍ واحِدٍ مِن غَيْرِ قِتالٍ ولا مُحارِبَةٍ كَما في أيّامِ الوَباءِ مَثَلًا عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ بِمِثْلِ هَذا الدَّلِيلِ في مِثْلِ هَذا المَطْلَبِ في غايَةِ السُّقُوطِ، وأُجِيبَ عَنْ مُتَمَسَّكِ أبِي الهُذَيْلِ بِأنَّ عَدَمَ القَتْلِ إنَّما يُتَصَوَّرُ عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ لا يُقْتَلُ، وحِينَئِذٍ لا نُسَلِّمُ لُزُومَ المُحالِ، وبِأنَّهُ لا اسْتِحالَةَ في قَطْعِ الأجَلِ المُقَدَّرِ الثّابِتِ لَوْلا القَتْلُ، لِأنَّهُ تَقْرِيرٌ لِلْمَعْلُومِ لا تَغْيِيرٌ لَهُ، وعَنْ مُتَمَسَّكِ الكَعْبِيِّ المُخالِفِ لِلْمُعْتَزِلَةِ والأشاعِرَةِ في إثْباتِ الأجَلَيْنِ بِأنَّ القَتْلَ قائِمٌ بِالقاتِلِ وحالٌ لَهُ لا لِلْمَقْتُولِ، وإنَّما حالُهُ المَوْتُ وانْزِهاقُ الرُّوحِ الَّذِي هو بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى وإذْنِهِ ومَشِيئَتِهِ وإرادَةِ المَقْتُولِيَّةِ المُتَوَلِّدَةِ عَنْ قَتْلِ القاتِلِ بِالقَتْلِ وهي حالُ المَقْتُولِ، إذْ هي بُطْلانُ الحَياةِ والتَّخْصِيصُ بِما لا يَكُونُ عَلى وجْهِ القَتْلِ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ.

﴿ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ ﴾ خِلافُ مَذْهَبِهِ مِن إنْكارِ القَضاءِ والقَدَرِ في أفْعالِ العِبادِ إذْ بُطْلانُ الحَياةِ المُتَوَلِّدُ مِن قَتْلِ القاتِلِ أجَلٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وعَيَّنَهُ وحَدَّدَهُ، ومَعْنى الآيَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ: أفِئْنَ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ بِلا سَبَبٍ، أوْ ماتَ بِسَبَبِ القَتْلِ، فَتَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ بُطْلانِ الحَياةِ مَوْتٌ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ في المَقْتُولِ مَعْنَيَيْنِ قَتْلًا هو مِن فِعْلِ الفاعِلِ، ومَوْتًا هو مِنَ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وذَهَبَتِ الفَلاسِفَةُ إلى مِثْلِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَعْبِيُّ مِن تَعَدُّدِ الأجَلِ فَقالُوا: إنَّ لِلْحَيَوانِ أجَلًا طَبِيعِيًّا بِتَحَلُّلِ رُطُوبَتِهِ وانْطِفاءِ حَرارَتِهِ الغَرِيزِيَّتَيْنِ، وآجالًا اخْتِرامِيَّةً تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أسْبابٍ لا تُحْصى مِنَ الأمْراضِ والآفاتِ، وبَيانُهُ أنَّ الجَواهِرَ الَّتِي غَلَبَتْ عَلَيْها الأجْزاءُ الرَّطْبَةُ رُكِّبَتْ مَعَ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ فَصارَتْ لَها بِمَنزِلَةِ الدُّهْنِ لِلْفَتِيلَةِ المُشْعِلَةِ، وكُلَّما انْتُقِصَتْ تِلْكَ الرُّطُوباتُ تَبِعَتْها الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ في ذَلِكَ حَتّى إذا انْتَهَتْ في الِانْتِقاصِ وتَزايَدَ الجَفافُ انْطَفَأتِ الحَرارَةُ كانْطِفاءِ السِّراجِ عِنْدَ نَفاذِ دُهْنِهِ فَحَصَلَ المَوْتُ الطَّبِيعِيُّ، وهو مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأمْزِجَةِ وهو في الإنْسانِ في الأغْلَبِ تَمامُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً.

وقَدْ يَعْرِضُ مِنَ الآفاتِ مِثْلُ البَرْدِ المُجَمِّدِ والحَرْبِ المُذَوِّبِ وأنْواعِ السُّمُومِ وأنْواعِ تَفَرُّقِ الِاتِّصالِ وسُوءِ المِزاجِ ما يُفْسِدُ البَدَنَ ويُخْرِجُهُ عَنْ صَلاحِهِ لِقَبُولِ الحَياةِ إذْ شَرْطُها اعْتِدالُ المِزاجِ فَيَهْلِكُ بِسَبَبِهِ وهَذا هو الأجَلُ الِاخْتِرامِيُّ، ويَرُدُّ ذَلِكَ أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى قَواعِدِهِمْ مِن تَأْثِيرِ الطَّبِيعَةِ والمِزاجِ وهو باطِلٌ عِنْدَنا إذْ لا تَأْثِيرَ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، وتِلْكَ الأُمُورُ عِنْدَنا أسْبابٌ عادِيَّةٌ لا عَقْلِيَّةٌ كَما زَعَمُوا، وادَّعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ النِّزاعَ بَيْنَنا وبَيْنَ الفَلاسِفَةِ كالنِّزاعِ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ - عَلى رَأْيٍ الأُسْتاذِ - لَفْظِيٌّ، إذْ هم لا يُنْكِرُونَ القَضاءَ والقَدَرَ، فالوَقْتُ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ الحَياةِ فِيهِ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ واحِدٌ عِنْدَهم أيْضًا، وما ذَكَرُوهُ مِنَ الأجَلِ الطَّبِيعِيِّ نَحْنُ لا نُنْكِرُهُ أيْضًا، لَكِنَّهم يَجْعَلُونَ اعْتِدالَ المِزاجِ واسْتِقامَةَ الحَرارَةِ والرُّطُوبَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ شُرُوطًا حَقِيقَةً عَقْلِيَّةً لِبَقاءِ الحَياةِ، ونَحْنُ نَجْعَلُها أسْبابًا عادِيَّةً، وذَلِكَ بَحْثٌ آخَرُ وسَيَأْتِي تَتِمَّةُ الكَلامِ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ، إذِ الأُمُورُ مَرْهُونَةٌ لِأوْقاتِها، ولِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ.

﴿ ومَن يُرِدْ ﴾ أيْ بِعَمَلِهِ كالجِهادِ ﴿ ثَوابَ الدُّنْيا ﴾ كالغَنِيمَةِ ﴿ نُؤْتِهِ ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ ﴿ مِنها ﴾ أيْ شَيْئًا مِن ثَوابِها إنْ شِئْنا فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ﴾ وهَذا تَعْرِيضٌ بِمَن شَغَلَتْهُمُ الغَنائِمُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ مَصْلَحَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ.

﴿ ومَن يُرِدْ ﴾ أيْ بِعَمَلِهِ كالجِهادِ أيْضًا والذَّبِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

﴿ ثَوابَ الآخِرَةِ ﴾ مِمّا أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ فِيها مِنَ النَّعِيمِ ﴿ نُؤْتِهِ مِنها ﴾ أيْ مِن ثَوابِها ما نَشاءُ حَسْبَما جَرى بِهِ قَلَمُ الوَعْدِ الكَرِيمِ، وهَذا إشارَةٌ إلى مَدْحِ الثّابِتِينَ يَوْمَئِذٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في الجِهادِ خاصَّةً لَكِنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الأعْمالِ.

﴿ وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ ﴾ (145) يَحْتَمِلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِمُ المُرِيدُونَ لِلْآخِرَةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِمْ جِنْسُ الشّاكِرِينَ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ووَعْدٌ بِالمَزِيدِ عَلَيْهِ وفي تَصْدِيرِها بِالسِّينِ وإبْهامِ الجَزاءِ مِنَ التَّأْكِيدِ والدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ شَأْنِ الجَزاءِ وكَوْنِهِ بِحَيْثُ يَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ البَيانِ ما لا يَخْفى، وبِذَلِكَ جُبِرَ اتِّحادُ العِبادَتَيْنِ في شَأْنِ الفَرِيقَيْنِ واتَّضَحَ الفَرْقُ لِذِي عَيْنَيْنِ، وقُرِئَتِ الأفْعالُ الثَّلاثَةُ بِالياءِ.

* * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ ) ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ إمّا إشارَةٌ إلى الأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى في طَلَبِ الرِّزْقِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ، أوْ رَمْزٌ إلى الأمْرِ بِالإحْسانِ إلى عِبادِ اللَّهِ المُحْتاجِينَ مِن غَيْرِ طَلَبِ نَفْعٍ مِنهم، فَقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ «القَرْضَ أفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ»، أوْ إيماءٌ إلى عَدَمِ طَلَبِ الأجْرِ عَلى الأعْمالِ بِأنْ يَفْعَلَها مَحْضًا لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ مِن أكْلِ الرِّبا ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ أيْ تَفُوزُونَ بِالحَقِّ.

﴿ واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ أيِ اتَّقُونِي في النّارِ لِأنَّ إحْراقَها وعَذابَها مِنِّي، وهَذا سِرُّ عَيْنِ الجَمْعِ قالُوا: ويَرْجِعُ في الحَقِيقَةِ إلى تَجَلِّي القَهْرِ وهو بِظاهِرِهِ تَخْوِيفٌ لِلْعَوامِّ، والتَّخْوِيفُ الأوَّلُ لِلْخَواصِّ وقَلِيلٌ ما هم.

﴿ وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ وهي سَتْرُ أفْعالِكُمُ الَّتِي هي حِجابُكُمُ الأعْظَمُ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ ﴿ وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ ﴾ وهي جَنَّةُ تَوْحِيدِ الأفْعالِ وهو تَوْحِيدُ عالَمِ المُلْكِ، ولِذا ذَكَرَ سُبْحانَهُ السَّمَواتِ والأرْضَ، وذَكَرَ العَرْضَ دُونَ الطُّولِ؛ لِأنَّ الأفْعالَ بِاعْتِبارِ السِّلْسِلَةِ العَرْضِيَّةِ وهي تُوقِفُ كُلَّ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ آخَرَ تَنْحَصِرُ في عالَمِ المُلْكِ الَّذِي تَصِلُ إلَيْهِ أفْهامُ النّاسِ ويُقَدِّرُونَهُ، وأمّا بِاعْتِبارِ الطُّولِ فَلا تَنْحَصِرُ فِيهِ ولا يُقَدَّرُ قَدْرُها، إذِ الفِعْلُ مَظْهَرُ الوَصْفِ، والوَصْفُ مَظْهَرُ الذّاتِ، والذّاتُ لا نِهايَةَ لَها ولا حَدَّ.

﴿ وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقّ قَدْرِهِ ﴾ فالمَحْجُوبُونَ عَنِ الذّاتِ والصِّفاتِ لا يَرَوْنَ إلّا هَذِهِ الجَنَّةَ، وأمّا البارِزُونَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ فَعَرْضُ جَنَّتِهِمْ عَيْنُ طُولِها ولا حَدَّ لِطُولِها فَلا يُقَدَّرُ قَدْرُها طُولًا وعَرْضًا ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ حَجَبَ أفْعالَهم وتَرَكَ نِسْبَةَ الأفْعالِ إلى غَيْرِ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ دَعا خَلْقَهُ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ إلى فِعْلِ ما يُؤَدِّي إلى المَغْفِرَةِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها فَإنَّ الذَّنْبَ مُخْتَلِفٌ وذَنْبُ المَعْصُومِ قِلَّةُ مَعْرِفَتِهِ بِرَبِّهِ بِالنَّظَرِ إلى عَظَمَةِ جِمالِهِ وجَلالِهِ في نَفْسِ الأمْرِ.

وفِي الخَبَرِ عَنْ سَيِّدِ العارِفِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «سُبْحانَكَ ما عَرَفْناكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ» فَما عَرَفَهُ العارِفُونَ مِن حَيْثُ هو، وإنَّما عَرَفُوهُ مِن حَيْثُ هم، وفَرْقٌ بَيْنَ المَعْرِفَتَيْنِ، ولِهَذا قِيلَ: ما عَرَفَ اللَّهَ تَعالى إلّا اللَّهُ تَعالى، ودَعاهم أيْضًا إلى ما يَجُرُّهم إلى الجَنَّةِ، والخِطابُ بِذَلِكَ إنْ كانَ لِلْعارِفِينَ فَهو دُعاءٌ إلى عَيْنِ الجَمْعِ لِيَتَجَلّى لَهم بِالوَسائِطِ لِبَقائِهِمْ في المَعْرِفَةِ وفي الحَقِيقَةِ مَعْرِفَتُهُ قُرْبَتُهُ، وجَنَّتُهُ مُشاهَدَتُهُ، وفي حَقِيقَةِ الحَقِيقَةِ هي الذّاتُ الجامِعُ الَّتِي لا يَصِلُ إلَيْها الأغْيارُ، ومِن هُنا قِيلَ: لَيْسَ في الجَنَّةِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وإنْ كانَ الخِطابُ بِالنَّظَرِ إلى آحادِ المُؤْمِنِينَ، فالمُرادُ بِها أنْواعُ التَّجَلِّياتِ الجَمالِيَّةِ أوْ ظاهِرُها الَّذِي أفْصَحَ بِهِ لِسانُ الشَّرِيعَةِ، ودُعاؤُهم إلَيْهِ مِن بابِ التَّرْبِيَةِ وجَلْبِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُفْطَمْ بَعْدُ مِن رَضْعِ ثَدْيِ اللَّذائِذِ إلى ما يُرَغِّبُها في كَسْبِ الكَمالاتِ الإنْسانِيَّةِ والتَّرَقِّي إلى ذُرْوَةِ المَعارِجِ الإلَهِيَّةِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ نَفائِسَ نُفُوسِهِمْ لِمَوْلاهم في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ في حالَتَيِ الجَمالِ والجَلالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الَّذِينَ لا تَمْنَعُهُمُ الأحْوالُ المُتَضادَّةُ عَنِ الإنْفاقِ فِيما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى لِصِحَّةِ تَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِرُؤْيَةِ جَمِيعِ الأفْعالِ مِنهُ.

﴿ والكاظِمِينَ الغَيْظَ ﴾ الَّذِي يَعْرِضُ لِلْإنْسانِ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ، وكَظْمُهم لَهُ قَدْ يَكُونُ بِالشَّدِّ عَلَيْهِ بِوِكاءِ التَّسْلِيمِ والرِّضا، وذَلِكَ بِالنَّظَرِ لِمَن هو في مَقامِ جَنَّةِ الصِّفاتِ، وأمّا مَن دُونَهم فَكَظْمُهم دُونَ هَذا الكَظْمِ، وسَبَبُ الكَظْمِ أنَّهم يَرَوْنَ الجِنايَةَ عَلَيْهِمْ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ لِلْخَلْقِ مَدْخَلٌ فِيها.

﴿ والعافِينَ عَنِ النّاسِ ﴾ إمّا لِأنَّهم في مَقامِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ، أوْ لِأنَّهم في مَقامِ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ.

﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ حَسَبِ مَراتِبِهِمْ في الإحْسانِ ﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً ﴾ أيْ كَبِيرَةً مِنَ الكَبائِرِ وهي رُؤْيَةُ أفْعالِهِمُ المُحَرَّمَةِ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمَ رُؤْيَةِ الأجْنَبِيّاتِ بِشَهْوَةٍ ﴿ أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِنَقْصِهِمْ حُقُوقَها والتَّثَبُّطِ عَنْ تَكْمِيلِها ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾ أيْ تَذَكَّرُوا عَظَمَتَهُ وعَلِمُوا أنَّهُ لا فاعِلَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ ﴿ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ أيْ طَلَبُوا سَتْرَ أفْعالِهِمْ عَنْهم بِالتَّبَرِّي عَنِ الحَوْلِ والقُوَّةِ إلّا بِاللَّهِ ﴿ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ﴾ وهي رُؤْيَةُ الأفْعالِ، أوِ النَّظَرُ إلى سائِرِ الأغْيارِ ﴿ إلا اللَّهُ ﴾ وهو المَلِكُ العَظِيمُ الَّذِي لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ ﴿ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ﴾ في غَفْلَتِهِمْ ونَقْصِ حَقِّ نُفُوسِهِمْ ﴿ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ حَقِيقَةَ الأمْرِ وأنْ لا فِعْلَ لِغَيْرِهِ ﴿ أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ ﴾ وهو سَتْرُهُ لِوُجُودِهِمْ بِوُجُودِهِ وتَرَقِّيهِمْ مِن مَقامِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ إلى ما فَوْقَهُ ﴿ وجَنّاتٌ ﴾ أيْ أشْياءُ خَفِيَّةٌ وهي جَنّاتُ الغَيْبِ وبَساتِينُ المُشاهَدَةِ والمُداناةِ الَّتِي هي عُيُونُ صِفاتِ الذّاتِ ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ أيْ تَجْرِي مِنها أنْهارُ الأوْصافِ الأزَلِيَّةِ ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ بِلا مُكْثٍ ولا قَطْعٍ ولا خَطَرِ الزَّمانِ ولا حَجْبِ المَكانِ ولا تَغَيُّرٍ ﴿ ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ﴾ ومِنهُمُ الواقِفُونَ بِشَرْطِ الوَفاءِ في العِشْقِ عَلى الحَضْرَةِ القَدِيمَةِ بِلا نَقْضٍ لِلْعُهُودِ ولا سَهْوٍ في الشُّهُودِ.

﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ ﴾ بَطَشاتٌ ووَقائِعُ في الَّذِينَ كَذَّبُوا الأنْبِياءَ في دُعائِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ ﴿ فَسِيرُوا ﴾ بِأفْكارِكم ﴿ فِي الأرْضِ فانْظُرُوا ﴾ وتَأمَّلُوا في آثارِها لِتَعْلَمُوا ﴿ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ أيْ آخِرُ أمْرِهِمْ ونِهايَتُهُ الَّتِي اسْتَدْعاها التَّكْذِيبُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا أمْرًا لِلنُّفُوسِ بِأنْ تَنْظُرَ إلى آثارِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي في أرْضِ الطَّبِيعَةِ لِتَعْلَمَ ماذا عَراها وكَيْفَ انْتَهى حالُها فَلَعَلَّها تَرْقى بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ حَضِيضِ اللُّحُوقِ بِها ﴿ هَذا ﴾ أيْ كَلامُ اللَّهِ تَعالى ﴿ بَيانٌ لِلنّاسِ ﴾ يُبَيِّنُ لَهم حَقائِقَ أُمُورِ الكَوْنَيْنِ ﴿ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ ﴾ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ وهم أهْلُ اللَّهِ تَعالى وخاصَّتُهُ.

واخْتَلَفَ الحالُ لِاخْتِلافِ اسْتِعْدادِ المُسْتَمِعِينَ لِلْكَلامِ إذْ مِنهم قَوْمٌ يَسْمَعُونَهُ بِأسْماعِ العُقُولِ، ومِنهم قَوْمٌ يَسْمَعُونَهُ بِأسْماعِ الأسْرارِ، وحَظُّ الأوَّلِينَ مِنهُ الِامْتِثالُ والِاعْتِبارُ، وحَظُّ الآخِرِينَ مَعَ ذَلِكَ الكَشْفُ ومُلاحَظَةُ الأنْوارِ، وقَدْ تَجَلّى الحَقُّ فِيهِ لِخَواصِّ عِبادِهِ ومُقْرَبِّي أهْلِ اصْطِفائِهِ، فَشاهَدُوا أنْوارًا تَجَلّى وصِفَةً قَدِيمَةً وراءِ عالَمِ الحُرُوفِ تُتْلى.

﴿ ولا تَهِنُوا ﴾ أيْ لا تَضْعُفُوا في الجِهادِ ﴿ ولا تَحْزَنُوا ﴾ عَلى ما فاتَكم مِنَ الفَتْحِ ونالَكم مِن قَتْلِ الإخْوانِ ﴿ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ في الرُّتْبَةِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ مُوَحِّدِينَ حَيْثُ إنَّ المُوَحِّدَ يَرى الكُلَّ مِن مَوْلاهُ فَأقَلُّ دَرَجاتِهِ الصَّبْرُ.

﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ ولَمْ يُبالُوا مَعَ أنَّهم دُونَكم ﴿ وتِلْكَ الأيّامُ ﴾ أيِ الوَقائِعُ ﴿ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ﴾ فَيَوْمٌ لِطائِفَةٍ وآخَرُ لِأُخْرى ﴿ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ لِيَظْهَرَ عِلْمُهُ التَّفْصِيلِيُّ التّابِعُ لِوُقُوعِ المَعْلُومِ ﴿ ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الحَقَّ فَيَذْهَلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ أيِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وأضاعُوا حَقَّها ولَمْ يُكْمِلُوا نَشْأتَها.

﴿ ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ لِيُخَلِّصَهم مِنَ الذُّنُوبِ والغَواشِي الَّتِي تُبْعِدُهم مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالعُقُوبَةِ والبَلِيَّةِ ﴿ ويَمْحَقَ ﴾ أيْ يُهْلِكَ ﴿ الكافِرِينَ ﴾ بِنارِ أنانِيَّتِهِمْ.

﴿ أمْ حَسِبْتُمْ ﴾ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ أيْ تَلِجُوا عالَمَ القُدُسِ ﴿ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ ﴾ أيْ ولَمْ يَظْهَرْ مِنكم مُجاهَداتٌ تُورِثُ المُشاهَداتِ وصَبْرٌ عَلى تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وتَصْفِيَةِ القُلُوبِ عَلى وفْقِ الشَّرِيعَةِ وقانُونِ الطَّرِيقَةِ لِيَتَجَلّى لِلْأرْواحِ أنْوارُ الحَقِيقَةِ.

﴿ ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ ﴾ أيْ مَوْتِ النُّفُوسِ عَنْ صِفاتِها ﴿ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ ﴾ بِالمُجاهَداتِ والرِّياضاتِ ﴿ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ ﴾ بِرُؤْيَةِ أسْبابِهِ وهي الحَرْبُ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى ﴿ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ الجِهادَ أحَدُ أسْبابِهِ مَوْتُ النَّفْسِ عَنْ صِفاتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُوقِنَ إذا لَمْ يَكُنْ يَقِينُهُ مِلْكُهُ تَمَنّى أُمُورًا وادَّعى أحْوالًا حَتّى إذا امْتُحِنَ ظَهَرَ مِنهُ ما يُخالِفُ دَعْواهُ ويُنافِي تَمَنِّيهِ ومِن هُنا قِيلَ: وإذا ما خَلا الجَبانُ بِأرْضٍ طَلَبَ الطَّعْنَ وحْدَهُ والنِّزالا ومَتى رَسَخَ ذَلِكَ اليَقِينُ وتَمَكَّنَ وصارَ مَلَكَةً ومَقامًا ولَمْ يَبْقَ حالًا لَمْ يَخْتَلِفِ الأمْرُ عَلَيْهِ عِنْدَ الِامْتِحانِ، والآيَةُ تُشِيرُ إلى تَوْبِيخِ المُنْهَزِمِينَ بِأنَّ يَقِينَهم كانَ حالًا ولَمْ يَكُنْ مَقامًا.

﴿ وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ أيْ أنَّهُ بَشَرٌ كَسائِرِ إخْوانِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ فَكَما خَلَوْا مِن قَبْلِهِ سَيَخْلُو هو مِن بَعْدِهِمْ ﴿ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ ﴾ ورَجَعْتُمُ القَهْقَرى، والإشارَةُ في ذَلِكَ إلى أنَّهُ تَعالى عاتَبَ مِن تَزَلْزَلَ لِذَهابِ الواسِطَةِ العُظْمى عَنِ البَيْنِ وهو مُنافٍ لِمُشاهَدَةِ الحَقِّ ومُعايَنَتِهِ، ولِهَذا قالَ الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ماتَ، ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى حَيٌّ لا يَمُوتُ، ﴿ ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾ لِفَنائِهِ الذّاتِيِّ ﴿ وسَيَجْزِي اللَّهُ ﴾ بِالإيمانِ الحَقِيقِيِّ ﴿ الشّاكِرِينَ ﴾ بِالإيمانِ التَّقْلِيدِيِّ بِأداءِ حُقُوقِهِ مِنَ الِائْتِمارِ بِأوامِرِ الشَّرْعِ والِانْتِهاءِ عَنْ نَواهِيهِ ﴿ وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ ﴾ هَذا المَوْتَ المَعْلُومَ، أوِ المَوْتَ عَنْ أوْصافِها الدَّنِيَّةِ وأخْلاقِها الرَّدِّيَةِ ﴿ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ ومَشِيئَتِهِ أوْ جَذْبِهِ بِإشْراقِ نُورِهِ ﴿ ومَن يُرِدْ ﴾ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ ﴿ ثَوابَ الدُّنْيا ﴾ جَزاءً لِعَمَلِهِ ﴿ نُؤْتِهِ مِنها ﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿ ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ ﴾ جَزاءً لِعَمَلِهِ ﴿ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ ﴾ ولَعَلَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا الثَّوابَيْنِ ولَمْ يَكُنْ لَهم غَرَضٌ سِوى العُبُودِيَّةِ، وأبْهَمَ جَزاءَهم لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ أمْرٌ وراءَ العِبارَةِ، ولَعَلَّهُ تَجَلِّي الحَقِّ لَهم، وهَذا غايَةُ مُتَمَنِّي المُحِبِّينَ ونِهايَةُ مَطْلَبِ السّالِكِينَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى رِضاهُ وتَوْفِيقَهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّۢ قَـٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌۭ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ ١٤٦

﴿ وكَأيِّنْ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ سِيقَ تَوْبِيخًا لِلْمُنْهَزِمِينَ أيْضًا حَيْثُ لَمْ يَسْتَنُّوا بِسُنَنِ الرَّبّانِيِّينَ المُجاهِدِينَ مَعَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَعَ أنَّهم أوْلى بِذَلِكَ حَيْثُ كانُوا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الكَلِمَةِ فَقِيلَ: إنَّها بَسِيطَةٌ وُضِعَتْ كَذَلِكَ ابْتِداءً والنُّونُ أصْلِيَّةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَيّانَ وغَيْرُهُ، وعَلَيْهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ مُوافِقٌ لِلرَّسْمِ، وقِيلَ وهو المَشْهُورُ: إنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن (أيٍّ) المُنَوَّنَةِ وكافِ التَّشْبِيهِ، واخْتُلِفَ في (أيٍّ) هَذِهِ فَقِيلَ: هي أيُّ الَّتِي في قَوْلِهِمْ: أيُّ الرِّجالِ، وقالَ ابْنُ جِنِّي: إنَّها مَصْدَرٌ أوى يَأْوِي إذا انْضَمَّ واجْتَمَعَ، وأصْلُهُ أوْيٍ فاجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتْ وادْغِمَتْ مِثْلَ طَيٍّ وشَيٍّ، وحَدَثَ فِيها بَعْدَ التَّرْكِيبِ مَعْنى التَّكْثِيرِ المَفْهُومِ مِن كَمْ كَما حَدَثَ في كَذا بَعْدَ التَّرْكِيبِ مَعْنًى آخَرَ، فَكَمْ وكَأيِّنْ بِمَعْنى واحِدٍ قالُوا: وتُشارِكُها في خَمْسَةِ أُمُورٍ: الإبْهامُ والِافْتِقارُ إلى التَّمْيِيزِ والبِناءُ ولُزُومُ التَّصْدِيرِ، وإفادُهُ التَّكْثِيرِ وهو الغالِبُ، والِاسْتِفْهامُ وهو نادِرٌ، ولَمْ يُثْبِتْهُ إلّا ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ عُصْفُورٍ وابْنُ مالِكٍ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كائِنٌ تَقْرَأُ سُورَةَ الأحْزابِ آيَةً فَقالَ: ثَلاثًا وسَبْعِينَ، وتُخالِفُها في خَمْسَةِ أُمُورٍ أيْضًا: أحَدُها أنَّها مُرَكَّبَةٌ في المَشْهُورِ، وكَمْ بَسِيطَةٌ فِيهِ خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِنَ الكافِ وما الِاسْتِفْهامِيَّةِ، ثُمَّ حُذِفَتْ ألِفُها لِدُخُولِ الجارِ، وسُكِّنَتْ لِلتَّخْفِيفِ لِثِقَلِ الكَلِمَةِ بِالتَّرْكِيبِ، والثّانِي أنَّ مُمَيِّزَها مَجْرُورٌ بِمِن غالِبًا حَتّى زَعَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ لُزُومَ ذَلِكَ، ويَرُدُّهُ نَصُّ سِيبَوَيْهِ عَلى عَدَمِ اللُّزُومِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: اطْرُدِ اليَأْسَ بِالرَّجاءِ فَكائِنٌ آلِمًا حُمَّ يُسْرُهُ بَعْدَ عُسْرِ والثّالِثُ أنَّها لا تَقَعُ اسْتِفْهامِيَّةً عِنْدَ الجُمْهُورِ، والرّابِعُ أنَّها لا تَقَعُ مَجْرُورَةً خِلافًا لِابْنِ قُتَيْبَةَ وابْنِ عُصْفُورٍ أجازا بِكايِنٍ تَبِيعُ الثَّوْبَ، والخامِسُ أنَّ خَبَرَها لا يَقَعُ مُفْرَدًا، وقالُوا: إنَّ بَيْنَها وبَيْنَ - كَذا - مُوافَقَةً ومُخالَفَةً أيْضًا، فَتَوافُقُها -كَذا - في أرْبَعَةِ أُمُورٍ: التَّرْكِيبُ والبِناءُ والإبْهامُ والِافْتِقارُ إلى التَّمْيِيزِ، وتَخالُفُها في ثَلاثَةِ أُمُورٍ: الأوَّلُ أنَّها لَيْسَ لَها الصَّدْرُ تَقُولُ: قَبَضْتُ كَذا وكَذا دِرْهَمًا، الثّانِي أنَّ تَمْيِيزَها واجِبُ النَّصْبِ فَلا يَجُوزُ جَرُّهُ بِمِنِ اتِّفاقًا ولا بِالإضافَةِ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ أجازُوا في غَيْرِ تَكْرارٍ ولا عَطْفٍ أنْ يُقالَ: كَذا ثَوْبٍ وكَذا أثْوابٍ قِياسًا عَلى العَدَدِ الصَّرِيحِ، ولِهَذا قالَ فُقَهاؤُهم: إنَّهُ يَلْزَمُ بِقَوْلِ القائِلِ لَهُ عِنْدِي كَذا دِرْهَمٍ مِائَةٍ وبِقَوْلِهِ: كَذا دِرْهَمٍ ثَلاثَةٍ وبِقَوْلِهِ: كَذا كَذا دِرْهَمًا أحَدَ عَشَرَ، وبِقَوْلِهِ: كَذا دِرْهَمًا عِشْرُونَ، وبِقَوْلِهِ: كَذا وكَذا دِرْهَمًا أحَدٌ وعِشْرُونَ حَمْلًا عَلى المُحَقَّقِ مِن نَظائِرِهِنَّ مِنَ العَدَدِ الصَّرِيحِ، ووافَقَهم عَلى هَذا التَّفْصِيلِ - غَيْرَ مَسْألَتَيِ الإضافَةِ - المُبَرِّدُ والأخْفَشُ والسِّيرافِيُّ وابْنُ عُصْفُورٍ، ووَهِمَ ابْنُ السَّيِّدِ في نَقْلِ الإجْماعِ عَلى إجازَةِ ما أجازَهُ المُبَرِّدُ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، الثّالِثُ أنَّها لا تُسْتَعْمَلُ غالِبًا إلّا مَعْطُوفًا عَلَيْها كَقَوْلِهِ: عِدِ النَّفْسَ نُعْمى بَعْدَ بُؤْسِكَ ذاكِرًا ∗∗∗ كَذا وكَذا لُطْفًا بِهِ نُسِيَ الجَهْدُ وزَعَمَ ابْنُ خَرُوفٍ أنَّهم لَمْ يَقُولُوا كَذا دِرْهَمًا، وذَكَرَ ابْنُ مالِكٍ أنَّهُ مَسْمُوعٌ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ قالَهُ ابْنُ هِشامٍ، ثُمَّ إنَّ إثْباتَ تَنْوِينِ (كَأيِّنْ) عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ في الوَقْفِ والخَطِّ عَلى خِلافِ القِياسِ لِما أنَّهُ نَسْخُ أصْلِها، وفِيهِ لُغاتٌ وكُلُّها قَدْ قُرِئَ بِهِ: أحَدُها (كَأيِّنْ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى الأصْلِ وهي اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ، والثّانِيَةُ - كائِنٌ - بِألِفٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ مِن غَيْرِ ياءٍ عَلى وزْنِ كاعِنٍ كاسْمِ الفاعِلِ، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: وكائِنٌ لَنا فَضْلًا عَلَيْكم ومِنَّةٌ ∗∗∗ قَدِيمًا ولا تَدْرُونَ ما مِن مُنْعِمِ واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِها فَعَنِ المُبَرِّدِ أنَّها اسْمُ فاعِلٍ مِن كانَ يَكُونُ وهو بَعِيدُ الصِّحَّةِ إذْ لا وجْهَ لِبِنائِها حِينَئِذٍ ولا لِإفادَتِها التَّكْثِيرَ، وقِيلَ: أصْلُها المُشَدَّدَةُ فَقُدِّمَتِ الياءُ المُشَدَّدَةُ عَلى الهَمْزَةِ وصارَ - كَيَئِنٍ - بِكافٍ وياءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ونُونٍ ووَزْنُهُ كَعَلَفٍ، ونَظِيرُ هَذا التَّصَرُّفِ في المُفْرَدِ تَصَرُّفُهم في المُرَكَّبِ كَما ورَدَ في لُغَةٍ نادِرَةٍ رَعَمْلِي بِتَقْدِيمِ الرّاءِ في لَعَمْرِي ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ الأُولى لِلتَّخْفِيفِ فَقُلِبَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها أوْ حُذِفَتِ الياءُ الثّانِيَةُ لِثِقَلِها بِالحَرَكَةِ والتَّضْعِيفِ، وقُلِبَتِ الياءُ السّاكِنَةُ ألِفًا كَما في آيَةٍ، ونَظِيرُهُ في حَذْفِ إحْدى الياءَيْنِ وقَلْبِ الأُخْرى ألِفًا طائِيٌّ في النِّسْبَةِ إلى طَيٍّ اسْمِ قَبِيلَةٍ، فَإنَّ أصْلَهُ طَيِّئِيٌّ بِياءَيْنِ مُشَدَّدَتَيْنِ بَيْنَهُما هَمْزَةٌ، فَحُذِفَتْ إحْدى الياءَيْنِ وقُلِبَتِ الأُخْرى، والثّالِثَةُ - كَأْيٍ - بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وبِها قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَجْهُها أنَّها حُذِفَتِ الياءُ الثّانِيَةُ وسُكِّنَتِ الهَمْزَةُ لِاخْتِلاطِ الكَلِمَتَيْنِ وجَعْلِهِما كالكَلِمَةِ الواحِدَةِ كَما سَكَّنُوا الهاءَ في لَهْوٍ وفَهْوٍ، وحُرِّكَتِ الياءُ لِسُكُونِ ما قَبْلَها، والرّابِعَةُ - كَيْئِنٍ - بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ، والخامِسَةُ كَئِنْ بِكافٍ مَفْتُوحَةٍ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ونُونٍ، ووَزْنُهُ كَعٍ، ووَرَدَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: كَئِنْ مِن صَدِيقٍ خِلْتُهُ صادِقَ الإخا ∗∗∗ أبانَ اخْتِبارِي إنَّهُ لَمُداهِنُ ووَجْهُهُ أنَّهُ حُذِفَتْ إحْدى الياءَيْنِ ثُمَّ حُذِفَتِ الأُخْرى لِلتَّنْوِينِ أوْ حُذِفَتا دُفْعَةً واحِدَةً، واحْتُمِلَ ذَلِكَ لَمّا امْتَزَجَ الحَرْفانِ والكافُ لا مُتَعَلِّقَ لَها لِخُرُوجِها عَنْ مَعْناها، ومَن قالَ بِهِ كالحَوْفِيِّ فَقَدْ تَعَسَّفَ، ومَوْضِعُهُما رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن نَبِيٍّ ﴾ تَمْيِيزٌ لَهُ كَتَمْيِيزِ كَمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ في ذَلِكَ، ولَعَلَّ المُرادَ مِنَ النَّبِيِّ هُنا الرَّسُولُ وبِهِ صَرَّحَ الطَّبَرْسِيُّ ﴿ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ أيْ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، وهو التَّفْسِيرُ المَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، واسْتَشْهَدَ لَهُ كَما رَواهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ حِينَ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ بِقَوْلٍ حَسّانَ: وإذا مَعْشَرٌ تَجافَوْا عَنِ القَصْـ ∗∗∗ ـدِ أمَلْنا عَلَيْهِمْ رِبِّيّا وعَلَيْهِ فَهو مَنسُوبٌ إلى رِبَّةٍ بِكَسْرِ الرّاءِ، وكَوْنُ الضَّمِّ فِيها لُغَةً غَيْرُ مُتَحَقَّقٍ - وهي الجَماعَةُ - لِلْمُبالَغَةِ وخَصَّها الضَّحّاكُ بِألِفٍ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ العُلَماءُ الفُقَهاءُ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضٍا وعَلَيْهِ فَهو مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ - كَرَبّانِيٍّ عَلى خِلافِ القِياسِ كَقِراءَةِ الضَّمِّ، والمُوافِقُ لَهُ الفَتْحُ، وبِهِ قُرِئَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرِّبِّيُّونَ هُمُ الأتْباعُ، والرَّبّانِيُّونَ الوُلاةُ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ: قُتِلَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفي خَبَرِ المُبْتَدَأِ أوْجُهٌ: أحَدُها أنَّهُ الفِعْلُ مَعَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ الرّاجِعِ إلى (كَأيِّنْ) أوْ إلى (نَبِيٍّ) وحِينَئِذٍ - فَمَعَهُ رِبِّيُّونَ - جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أوْ مِن (نَبِيٍّ) لِتَخْصِيصِهِ مَعْنًى، أوْ (مَعَهُ) حالٌ، و ﴿ رِبِّيُّونَ ﴾ فاعِلُهُ.

وثانِيها أنَّهُ جُمْلَةٌ ﴿ مَعَهُ رِبِّيُّونَ ﴾ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ جُمْلَةُ الفِعْلِ مَعَ مَرْفُوعِهِ صِفَةً لِنَبِيٍّ.

وثالِثُها أنَّهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ مَضى ونَحْوُهُ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ صِفَةً لِنَبِيٍّ، و ﴿ مَعَهُ رِبِّيُّونَ ﴾ حالًا عَلى ما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُسْنَدًا لِرِبِّيُّونَ فَلا ضَمِيرَ فِيهِ والجُمْلَةُ صِفَةً لِنَبِيٍّ.

ورابِعُها أنْ يَكُونَ رِبِّيُّونَ مَرْفُوعًا بِالفِعْلِ فَلا ضَمِيرَ، والجُمْلَةُ هي الخَبَرُ.

وقُرِئَ قُتِّلَ بِالتَّشْدِيدِ، قالَ ابْنُ جِنِّي: وحِينَئِذٍ فَلا ضَمِيرَ في الفِعْلِ لِما في التَّضْعِيفِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّكْثِيرِ وهو يُنافِي إسْنادَهُ إلى الواحِدِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ الأوَّلِ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تُؤَيِّدُ إسْنادَ قُتِلَ إلى الرِّبِّيِّينَ، ويُؤَيِّدُها أيْضًا ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ما سَمِعْنا قَطُّ أنَّ نَبِيًّا قُتِلَ في القِتالِ، وقَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٌ: لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ في الحَرْبِ قَطُّ، ثُمَّ إنَّ مَنِ ادَّعى إسْنادَ القَتْلِ إلى النَّبِيِّ وأنَّهُ في الحَرْبِ أيْضًا عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ المَقامَ، حَمَلَ النُّصْرَةَ المَوْعُودَ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا ﴾ عَلى النُّصْرَةِ بِإعْلاءِ الكَلِمَةِ ونَحْوِهِ لا عَلى الأعْداءِ مُطْلَقًا لِئَلّا تَتَنافى الآيَتانِ، وهَذا أحَدُ أجْوِبَةٍ في هَذا المَقامِ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْها فَتَذَكَّرْ، والتَّنْوِينُ في نَبِيٍّ لِلتَّعْظِيمِ، وزَعَمَ الأجْهُورِيُّ أنَّهُ لِلتَّكْثِيرِ.

﴿ فَما وهَنُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى قاتَلُوا عَلى أنَّ المُرادَ عَدَمُ الوَهْنِ المُتَوَقَّعِ مِنَ القِتالِ والتَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِ ما يَسْتَدْعِي خِلافَهُ، وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لَكِنَّهُ بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ كَما قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ: صُنْعٌ جَدِيدٌ، ومِن هُنا صَحَّ دُخُولُ الفاءِ المُؤْذِنَةِ بِتَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ، وزَجَرْتُهُ فَلَمْ يَنْزَجِرْ، وأصْلُ الوَهْنِ الضَّعْفُ، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ وابْنُ أبِي مالِكٍ هُنا بِالعَجْزِ، والزُّجاجُ بِالجُبْنِ أيْ فَما عَجَزُوا أوْ فَما جَبُنُوا.

﴿ لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ في أثْناءِ القِتالِ وهَذا عِلَّةٌ لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ، نَعَمْ يُفْهَمُ المَنفِيُّ مِن تَقْيِيدِ المُثْبَتِ بِهَذا الظَّرْفِ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، فَإنْ جُعِلَ الضَّمِيرانِ لِجَمِيعِ الرِّبِّيِّينَ فَهي عِبارَةٌ عَما عَدا القَتْلِ مِن مَكارِهِ الحُرُوبِ الَّتِي تَعْتَرِي الكُلَّ، وإنَّ جُعِلا لِلْبَعْضِ الباقِينَ بَعْدَ قَتْلِ الآخَرِينَ وهو الأنْسَبُ كَما قِيلَ: بِمَقامِ تَوْبِيخِ المُنْخَذِلِينَ بَعْدَ ما اسْتُشْهِدَ الشُّهَداءُ، فَهي عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا مَعَ ما اعْتَراهم بَعْدَ قَتْلِ إخْوانِهِمْ مِن نَحْوِ الخَوْفِ والحُزْنِ، هَذا عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، وأمّا عَلى القِراءَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ أعْنِي: قُتِلَ وقُتِّلَ، عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفَةً ومُشَدَّدَةً فَقَدْ قالُوا: إنْ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الظّاهِرِ فالضَّمِيرانِ لِلْباقِينَ حَتْمًا والكَلامُ حِينَئِذٍ مِن قَبِيلِ: قُتِلَ بَنُو فَلانٍ إذا وقَعَ القَتْلُ فِيهِمْ ولَمْ يَسْتَأْصِلْهم، وإنْ أُسْنِدَ إلى الضَّمِيرِ كَما هو الظّاهِرُ الأنْسَبُ عِنْدَ البَعْضِ بِالتَّوْبِيخِ عَلى الِانْخِذالِ بِسَبَبِ الإرْجافِ بِقَتْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وإلَيْهِ ذَهَبُ قَتادَةُ والرَّبِيعُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والسُّدِّيُّ - كَما قِيلَ - فَهُما لِلْباقِينَ أيْضًا إنِ اعْتُبِرَ كَوْنُ الرِّبِّيِّينَ مَعَ النَّبِيِّ في القَتْلِ ولِلْجَمِيعِ إنِ اعْتُبِرَ كَوْنُهم مَعَهُ في القِتالِ ﴿ وما ضَعُفُوا ﴾ أيْ ما فَتَرَوْا عَنِ الجِهادِ قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: ما عَراهم ضَعْفٌ في الدِّينِ بِأنَّ تَغَيَّرَ اعْتِقادُهم لِعَدَمِ النَّصْرِ ﴿ وما اسْتَكانُوا ﴾ أيْ ما ارْتَدُّوا عَنْ بَصِيرَتِهِمْ ولا عَنْ دِينِهِمْ قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: ما خَضَعُوا لِعَدُوِّهِمْ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ اسْتَكانَ بِهَذا المَعْنى، وكَذا بِمَعْنى تَضَرَّعَ، واخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هو مِنَ السُّكُونِ فَوَزْنُهُ افْتَعَلَ لِأنَّ الخاضِعَ يَسْكُنُ لِمَن خَضَعَ لَهُ فَألِفُهُ لِلْإشْباعِ وهو كَثِيرٌ ولَيْسَ بِخَطَأٍ خِلافًا لِأبِي البَقاءِ، ولا يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ خِلافًا لِأبِي حَيّانَ، أوْ مِنَ الكَوْنِ فَوَزْنُهُ اسْتَفْعَلَ وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ والسِّينُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَأنَّهُ طَلَبَ مِن نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ لِمَن قَهَرَهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كالعَدَمِ فَهو يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ الوُجُودَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ العَرَبِ: باتَ فُلانٌ - بِكَيْنَةِ سُوءٍ - أيْ بِحالَةِ سُوءٍ، أوْ مِن - كانَهُ يَكِينُهُ - إذا أذَلَّهُ، وعُزِيَ ذَلِكَ إلى الأزْهَرِيِّ وأبِي عَلِيٍّ، وحِينَئِذٍ فَألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِ الهاءِ مِن ﴿ وهَنُوا ﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ والفَتْحُ أشْهَرُ، وقُرِئَ بِإسْكانِها عَلى تَخْفِيفِ المَكْسُورِ، وفي الكَلامِ تَعْرِيضٌ لا يَخْفى.

﴿ واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ ﴾ (146) عَلى مُقاساةِ الشَّدائِدِ ومُعاناةِ المَكارِهِ في سَبِيلِهِ فَيَنْصُرُهم ويُعَظِّمُ قَدْرَهم.

والمُرادُ بِالصّابِرِينَ إمّا الرِّبِّيُّونَ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّصْرِيحِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ مَعَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وإمّا ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم وهم داخِلُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ١٤٧

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كانَ قَوْلَهُمْ ﴾ كالتَّتْمِيمِ والمُبالَغَةِ في صَلابَتِهِمْ في الدِّينِ وعَدَمِ تَطَرُّقِ الوَهْنِ والضَّعْفِ إلَيْهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: كَلامٌ مُبَيِّنٌ لِمَحاسِنِهِمُ القَوْلِيَّةِ إثْرَ بَيانِ مَحاسِنِهِمُ الفِعْلِيَّةِ، و(قَوْلَهُمْ) بِالنَّصْبِ خَبَرٌ لِكانَ واسْمُها المَصْدَرُ المُتَحَصِّلُ مِن (أنْ) وما بَعْدَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا أنْ قالُوا ﴾ والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: ما كانَ قَوْلَهم، في ذَلِكَ المَقامِ واشْتِباكِ أسِنَّةِ الشَّدائِدِ والآلامِ ﴿ إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ﴾ أيْ صَغائِرَنا ﴿ وإسْرافَنا في أمْرِنا ﴾ أيْ تَجاوُزَنا عَنِ الحَدِّ، والمُرادُ كَبائِرُنا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: الإسْرافُ تَجاوُزٌ في فِعْلِ ما يَجِبُ، والذَّنْبُ عامٌّ فِيهِ وفي التَّقْصِيرِ، وقِيلَ: إنَّهُ يُقابِلُ الإسْرافَ وكِلاهُما مَذْمُومٌ، وسَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إطْلاقُ الذُّنُوبِ عَلى الكَبائِرِ فافْهَمْ.

والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ حالٌ مِنهُ، وإنَّما أضافُوا ذَلِكَ إلى أنْفُسِهِمْ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهم بُرَآءُ مِنَ التَّفْرِيطِ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى هَضْمًا لِأنْفُسِهِمْ واسْتِقْصارًا لِهَمِّهِمْ وإسْنادًا لِما أصابَهم إلى أعْمالِهِمْ، عَلى أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِتِلْكَ الذُّنُوبِ وذَلِكَ الإسْرافِ ما كانَ ذَنْبًا وإسْرافًا عَلى الحَقِيقَةِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وقِيلَ: أرادُوا مِن طَلَبِ المَغْفِرَةِ طَلَبَ قَبُولِ أعْمالِهِمْ حَيْثُ إنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، وقَدَّمُوا الدُّعاءَ بِالمَغْفِرَةِ عَلى ما هو الأهَمُّ بِحَسَبِ الحالِ مِنَ الدُّعاءِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وثَبِّتْ أقْدامَنا ﴾ أيْ عِنْدِ جِهادِ أعْدائِكَ بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِنا وإمْدادِنا بِالمَدَدِ الرُّوحانِيِّ مِن عِنْدِكَ ﴿ وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ (147) تَقْرِيبًا لَهُ إلى حَيِّزِ القَبُولِ، فَإنَّ الدُّعاءَ المَقْرُونَ بِالخُضُوعِ الصّادِرَ عَنْ زَكاءٍ وطَهارَةٍ أقْرَبُ إلى الِاسْتِجابَةِ.

ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مَن (ثَبِّتْ أقْدامَنا) ثَبِّتْنا عَلى دِينِكَ الحَقِّ فَيَكُونُ تَقْدِيمُ طَلَبِ المَغْفِرَةِ عَلى هَذا التَّثْبِيتِ مِن بابِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيةِ، وتَقْدِيمُهُما عَلى طَلَبِ النُّصْرَةِ لِما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: إنَّهم طَلَبُوا الغُفْرانَ أوَّلًا لِيَسْتَحِقُّوا طَلَبَ النَّصْرِ عَلى الكافِرِينَ بِتَرَجُّحِهِمْ بِطَهارَتِهِمْ عَنِ الذُّنُوبِ عَلَيْهِمْ وهم مُحاطُونَ بِالذُّنُوبِ، وفي طَلَبِهِمُ النَّصْرَ مَعَ كَثْرَتِهِمُ المُفْرِطَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها ما سَبَقَ إيذانٌ بِأنَّهم لا يَنْظُرُونَ إلى كَثْرَتِهِمْ ولا يُعَوِّلُونَ عَلَيْها، بَلْ يُسْنِدُونَ ثَباتَ أقْدامِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى ويَعْتَقِدُونَ أنَّ النَّصْرَ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهُ ما كانَ قَوْلُهم إلّا هَذا دُونَ ما فِيهِ شائِبَةُ جَزَعٍ وخَوَرٍ وتَزَلْزُلٍ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالمُنْهَزِمِينَ ما لا يَخْفى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما بِرَفْعِ (قَوْلُهُمْ) عَلى أنَّهُ الِاسْمُ والخَبَرُ إنْ وما في حَيِّزِها أيْ ما كانَ قَوْلُهم شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا هَذا القَوْلَ المُنْبِئَ عَنْ أحاسِنِ المَحاسِنِ، قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ: وهَذا كَما تَرى أقْعَدُ بِحَسَبِ المَعْنى وأوْفَقُ بِمُقْتَضى المَقامِ لِما أنَّ الإخْبارَ بِكَوْنِ قَوْلِهِمُ المُطْلَقِ خُصُوصِيَّةَ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ عَنْهم مُفَصَّلًا كَما تُفِيدُهُ قِراءَتُهُما أكْثَرَ إفادَةً لِلسّامِعِ مِنَ الإخْبارِ بِكَوْنِ خُصُوصِيَّةِ قَوْلِهِمُ المَذْكُورِ قَوْلَهم لِما أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ ومَوْقِعَ البَيانِ في الجُمَلِ الخَبَرِيَّةِ هو الخَبَرُ، فالأحَقُّ بِالخَبَرِيَّةِ ما هو أكْثَرُ إفادَةً وأظْهَرُ دَلالَةً عَلى الحَدَثِ وأوْفَرُ اشْتِمالًا عَلى نِسَبٍ خاصَّةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الوُقُوعِ في الخارِجِ وفي ذِهْنِ السّامِعِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ هَهُنا في أنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها أتَمَّ وأكْمَلَ، وأمّا ما تُفِيدُهُ الإضافَةُ مِنَ النِّسْبَةِ المُطْلَقَةِ الإجْمالِيَّةِ فَحَيْثُ كانَتْ سَهْلَةَ الحُضُورِ خارِجًا وذِهْنًا كانَ حَقُّها أنْ تُلاحَظَ مُلاحَظَةً إجْمالِيَّةً وتُجْعَلَ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ لا مَقْصُودًا بِالذّاتِ في بابِ البَيانِ، وإنَّما اخْتارَ الجُمْهُورُ ما اخْتارَ، والقاعِدَةُ صِناعِيَّةٌ هي أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ مَعْرِفَتانِ فالأعْرَفُ مِنهُما أحَقُّ بِالِاسْمِيَّةِ، ولا رَيْبَ في أعْرَفِيَّةِ (أنْ قالُوا) لِدَلالَتِهِ عَلى جِهَةِ النِّسْبَةِ وزَمانِ الحَدَثِ، ولِأنَّهُ يُشْبِهُ المُضْمَرَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يُوصِفُ ولا يُوصَفُ بِهِ، و(قَوْلَهُمْ) مُضافٌ إلى مُضْمَرٍ وهو بِمَنزِلَةِ العِلْمِ فَتَأمَّلِ انْتَهى.

وقالَ أبُو البَقاءِ: جُعِلَ ما بَعْدَ إلّا اسْمًا لِكانَ، والمَصْدَرُ الصَّرِيحُ خَبَرًا لَها أقْوى مِنَ العَكْسِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ (أنْ قالُوا) يُشْبِهُ المُضْمَرَ في أنَّهُ لا يُوصَفُ وهو أعْرَفُ، والثّانِي أنَّ ما بَعْدَ (إلّا) مُثْبَتٌ، والمَعْنى كانَ قَوْلَهم رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إلَخْ دَأْبَهم في الدُّعاءِ، وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: كَأنَّ المَعْنى ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ مِنَ الرَّبّانِيِّينَ في ذَلِكَ المَقامِ إلّا هَذا القَوْلُ وكَأنَّ غَيْرَ هَذا القَوْلِ مُنافٍ لِحالِهِمْ، وهَذِهِ الخاصِّيَّةُ يُفِيدُها إيقاعُ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ اسْمًا لِكانَ، وتَحْقِيقُهُ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ الِانْتِصافِ مِن أنَّ فائِدَةَ دُخُولِ (كانَ) المُبالَغَةُ في نَفْيِ الفِعْلِ الدّاخِلِ عَلَيْهِ بِتَعْدِيدِ جِهَةِ فِعْلِهِ عُمُومًا بِاعْتِبارِ الكَوْنِ وخُصُوصًا بِاعْتِبارِ خُصُوصِيَّةِ المَقالِ فَهو نَفْيٌ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قالَ: فَعَلى هَذا لَوْ جَعَلْتَ رَبَّ الجُمْلَةِ (أنْ قالُوا) واعْتَمَدْتَ عَلَيْهِ وجَعَلْتَ (قَوْلَهُمْ) كالفَضْلَةِ حَصَلَ لَكَ ما قَصَدْتَهُ، ولَوْ عَكَسْتَ رَكِبْتَ التَّعَسُّفَ، ألا تَرى إلى أبِي البَقاءِ كَيْفَ جَعَلَ الخَبَرَ نَسْيًا مَنسِيًّا في الوَجْهِ الثّانِي واعْتَمَدَ عَلى ما بَعْدَ (إلّا) انْتَهى.

ومِنهُ يُعْلَمُ ما في كَلامِ مَوْلانا شَيْخِ الإسْلامِ فَإنَّهُ مَتى أمْكَنَ اعْتِبارُ جَزالَةِ المَعْنى مَعَ مُراعاةِ القاعِدَةِ الصِّناعِيَّةِ لا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ لا سِيَّما وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ جَعْلَ الِاسْمِ غَيْرِ الأعْرَفِ ضَعِيفٌ، قالَ في المُغْنِي: واعْلَمْ أنَّهم حَكَمُوا لِأنْ وإنِ المُقَدَّرَتَيْنِ بِمَصْدَرٍ مُعَرَّفٍ بِحُكْمِ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ لا يُوصَفُ، كَما أنَّ الضَّمِيرَ أيْضًا كَذَلِكَ فَلِهَذا قَرَأتِ السَّبْعَةُ ﴿ ما كانَ حُجَّتَهم إلا أنْ قالُوا ﴾ ، ﴿ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ﴾ والرَّفْعُ ضَعِيفٌ كَضَعْفِ الإخْبارِ بِالضَّمِيرِ عَمّا دُونَهُ في التَّعْرِيفِ انْتَهى، وعَلَّلَ بَعْضُهم أعْرَفِيَّةَ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ بِأنَّهُ لا يُنْكَرُ.

وقَدِ اعْتَرَضُوا عَلى كُلٍّ مِن تَعْلِيلَيِ ابْنِ هِشامٍ والبَعْضِ.

أمّا الِاعْتِراضُ عَلى الأوَّلِ فَبِأنَّ كَوْنَهُ لا يُوصَفُ لا يَقْتَضِي تَنْزِيلَهُ مَنزِلَةَ الضَّمِيرِ فَكَمِ اسْمٌ لا يُوصَفُ بَلْ ولا يُوصَفُ بِهِ ولَيْسَ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ ؟

وأُجِيبَ بِأنَّهُ جازَ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ الِاسْمِ مانِعٌ مِن جَعْلِهِ بِمَنزِلَةِ الضَّمِيرِ لِأنَّ عَدَمَ المانِعِ لَيْسَ جُزْءًا مِنَ المُقْتَضى ولا شَرْطًا في وُجُودِهِ، وأمّا الِاعْتِراضُ عَلى الثّانِي فَبِأنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأنَّهُ قَدْ يُنَكَّرُ كَما في ﴿ وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى ﴾ أيِ افْتِراءً قالَهُ الشِّهابُ.

وأُجِيبَ بِأنَّ مُرادَ مَن قالَ: إنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ لا يُنَكَّرُ أنَّهُ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لا يُنَكَّرُ لا أنَّ الحَرْفَ المَصْدَرِيَّ لا يُؤَوَّلُ بِمَصْدَرٍ مُنَكَّرٍ أصْلًا، ويُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِتَقْيِيدِ المَصْدَرِ بِالمُعَرَّفِ في عِبارَةِ المُغْنِي حَيْثُ يُفْهَمُ مِنها أنَّ أنْ وإنْ تارَةً يُقَدَّرانِ بِمَصْدَرٍ مُعَرَّفٍ وتارَةً بِمَصْدَرٍ مُنَكَّرٍ، وأنَّهُما إذا قُدِّرا بِمَصْدَرٍ مُعَرَّفٍ كانَ لَهُ حُكْمُ الضَّمِيرِ، ومِن هُنا قالَ صاحِبُ المَطْلَعِ في مَعْنى ذَلِكَ التَّعْلِيلِ: إنَّ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إنِ اخْتُزِلَ عَنِ الإضافَةِ يَبْقى مُنَكَّرًا بِخِلافِ (أنْ قالُوا) بَقِيَ في كَلامِ المُغْنِي أُمُورٌ: الأوَّلُ: أنَّ التَّقْيِيدَ بِأنْ وإنْ هَلْ هو اتِّفاقِيٌّ أمِ احْتِرازِيٌّ ؟

الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ (الأوَّلُ) احْتِجاجًا بِأنَّهُ أُطْلِقَ في الجِهَةِ السّادِسَةِ مِنَ البابِ الخامِسِ أنَّ الحَرْفَ المَصْدَرِيَّ وصِلَتَهُ في نَحْوِ ذَلِكَ مَعْرِفَةٌ فَلا يَقَعُ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، ولَمْ يُخَصَّ بِأنْ وإنْ، ولِلذّاهِبِ إلى الثّانِي أنْ يَقُولَ فَرْقٌ بَيْنَ مُطْلَقِ التَّعْرِيفِ وكَوْنِهِ في حُكْمِ الضَّمِيرِ كَما لا يَخْفى، وابْنُ هِشامٍ قَدْ أخَذَ المُطْلَقَ في المُطْلَقِ وقَيَّدَ المُقَيَّدَ بِالمُقَيَّدِ فَلا بَأْسَ بِإبْقاءِ كِلا العِبارَتَيْنِ عَلى ما يَتَراءى مِنهُما.

(الثّانِي) أنَّهُ يُفْهَمُ مِن ظاهِرِهِ أنَّ الأداتَيْنِ لَوْ قُدِّرَتا بِمَصْدَرٍ مُنَكَّرٍ لا يَكُونُ في حُكْمِ الضَّمِيرِ، وظاهِرُ هَذا أنَّهُ يَجُوزُ الوَصْفُ حِينَئِذٍ وفِيهِ تَرَدُّدٌ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ: لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ ثُبُوتِ مَرْتَبَةِ الضَّمِيرِ لِذَلِكَ جَوازُ الوَصْفِ، لِأنَّ امْتِناعَ الوَصْفِ أعَمُّ مِن مَرْتَبَةِ الضَّمِيرِ، ونَفْيُ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأعَمِّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ يُفْهَمُ مِن كَلامِهِ أنَّ المَصْدَرَ المُقَدَّرَ المُعَرَّفَ بِالإضافَةِ سَواءٌ أُضِيفَ إلى ضَمِيرٍ أوْ غَيْرِهِ بِمَثابَةِ الضَّمِيرِ، ولَمْ يُصَرِّحْ أحَدٌ مِنَ الأئِمَّةِ بِذَلِكَ، لَكِنْ حَيْثُ إنَّ ابْنَ هِشامٍ ثِقَةٌ وإمامٌ في الفَنِّ ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ أئِمَّتِهِ ما يُخالِفُهُ يُقْبَلُ مِنهُ ما يَقُولُ.

الرّابِعُ: أنَّ ما حَكَمَ بِهِ مِن أنَّ الرَّفْعَ ضَعِيفٌ كَضَعْفِ الإخْبارِ بِالضَّمِيرِ عَمّا دُونَهُ في التَّعْرِيفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ مِن جَوازِ الإخْبارِ بِالمَعْرِفَةِ عَنِ النَّكِرَةِ المَحْضَةِ في بابِ النَّواسِخِ بَوْنٌ عَظِيمٌ، ويُؤَيِّدُ كَلامَ ابْنِ مالِكٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ﴾ وكَأنَّهُ لِتَحْقِيقِ هَذا المَقامِ ولِما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا في تَحْقِيقِ مَعْنى الآيَةِ، قالَ المَوْلى قُدِّسَ سِرُّهُ: فَتَأمَّلْ فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلْـَٔاخِرَةِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ١٤٨

﴿ فَآتاهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ كَما تُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ ﴿ ثَوابَ الدُّنْيا ﴾ أيِ النَّصْرَ والغَنِيمَةَ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ قَتادَةُ: الفَتْحُ والظُّهُورُ والتَّمَكُّنُ والنَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ، قِيلَ: وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ ثَوابًا لِأنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى طاعَتِهِمْ، وفِيهِ إجْلالٌ لَهم وتَعْظِيمٌ، وقِيلَ: تَسْمِيَةُ ذَلِكَ ثَوابًا مَجازٌ لِأنَّهُ يُحاكِيهِ.

واسْتَشْكَلَ تَفْسِيرُ ابْنِ جُرَيْجٍ بِأنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَ الإسْلامِ بَلْ كانَتِ الأنْبِياءُ إذا غَنِمُوا مالًا جاءَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأخَذَتْهُ فَكَيْفَ تَكُونُ الغَنِيمَةُ ثَوابًا دُنْيَوِيًّا ولَمْ يَصِلْ لِلْغانِمِينَ مِنها شَيْءٌ ؟!

وأُجِيبَ بِأنَّ المالَ الَّذِي تَأْخُذُهُ النّارُ غَيْرُ الحَيَوانِ، وأمّا الحَيَوانُ فَكانَ يَبْقى لِلْغانِمِينَ دُونَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكانَ ذَلِكَ هو الثَّوابَ الدُّنْيَوِيَّ.

﴿ وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ ﴾ أيْ وثَوابَ الآخِرَةِ الحَسَنَ، وهو عِنْدَ ابْنِ جُرَيْجٍ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتُهُ، وعِنْدَ قَتادَةَ هي الجَنَّةُ، وتَخْصِيصُ الحَسَنِ بِهَذا الثَّوابِ لِلْإيذانِ بِفَضْلِهِ ومَزِيَّتِهِ وأنَّهُ المُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَهُ تَعالى، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ ثَوابِ الدُّنْيا عَلَيْهِ مُراعاةً لِلتَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ، أوْ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِما قَبْلَهُ مِنَ الدُّعاءِ بِالنَّصْرِ عَلى الكافِرِينَ.

﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ (148) تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْعَبْدِ مَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ وسَعادَةٍ، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانًا بِأنَّ ما حُكِيَ عَنْهم مِن بابِ الإحْسانِ، وإمّا لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وفِيهِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في تَحْصِيلِ ما حُكِيَ مِنَ المَناقِبِ الجَلِيلَةِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ ١٤٩

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ شُرُوعٌ في زَجْرِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُتابَعَةِ الكُفّارِ بِبَيانِ مَضارِّها إثْرَ تَرْغِيبِهِمْ في الِاقْتِداءِ بِأنْصارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِبَيانِ فَضائِلِهِ، وتَصْدِيرُ الخِطابِ بِالنِّداءِ والتَّنْبِيهِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِما في حَيِّزِهِ، ووَصْفُهم بِالإيمانِ لِتَذْكِيرِهِمْ بِحالٍ يُنافِي تِلْكَ الطّاعَةَ فَيَكُونُ الزَّجْرُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ، والمُرادُ مِنَ ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) إمّا المُنافِقُونَ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ - كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - حِينَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الهَزِيمَةِ: ارْجِعُوا إلى إخْوانِكم وادْخُلُوا في دِينِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ قَصْدًا إلى مَزِيدِ التَّنْفِيرِ عَنْهم والتَّحْذِيرِ عَنْ طاعَتِهِمْ، وإمّا أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ وحِينَئِذٍ فالمُرادُ بِإطاعَتِهِمُ الِاسْتِكانَةُ لَهم وطَلَبُ الأمانِ مِنهم، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ السُّدِّيُّ، وإمّا اليَهُودُ والنَّصارى فالمُرادُ حِينَئِذٍ لا تَنْتَصِحُوا اليَهُودَ والنَّصارى عَلى دِينِكم ولا تُصَدِّقُوهم بِشَيْءٍ في ذَلِكَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وحَكى أنَّهم كانُوا يُلْقُونَ إلَيْهِمُ الشُّبَهَ في الدِّينِ ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَبِيًّا حَقًّا لَما غُلِبَ ولَما أصابَهُ وأصْحابَهُ ما أصابَهم وإنَّما هو رَجُلٌ حالُهُ كَحالِ غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ يَوْمًا عَلَيْهِ ويَوْمًا لَهُ، فَنُهُوا عَنِ الِالتِفاتِ إلَيْها، وإمّا سائِرُ الكُفّارِ.

وذَهَبَ إلى جَوازِ ذَلِكَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، وأُتِي بِإنْ لِلْإيذانِ بِأنَّ الإطاعَةَ بَعِيدَةُ الوُقُوعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

﴿ يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ ﴾ أيْ يُرْجِعُوكم إلى أوَّلِ أمْرِكم وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى، والفِعْلُ جَوابُ الشَّرْطِ.

وصَحَّ ذَلِكَ بِناءً عَلى المَأْثُورِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ أنَّ الكَلامَ مَعَهُ في قُوَّةٍ ﴿ إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في قَوْلِهِمُ: ارْجِعُوا إلى إخْوانِكم وادْخُلُوا في دِينِهِمْ يُدْخِلُوكم في دِينِهِمْ، ويُؤَوَّلُ إلى قَوْلِكَ: إنْ تَدْخُلُوا في دِينِهِمْ تَدْخُلُوا في دِينِهِمْ، وفِيهِ اتِّحادُ الشَّرْطِ والجَزاءِ بِناءً عَلى أنَّ الِارْتِدادَ عَلى العَقِبِ عَلَمٌ في انْتِكاسِ الأمْرِ، ومَثَلٌ في الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالإطاعَةِ الهَمُّ بِها والتَّصْمِيمُ عَلَيْها أيْ إنْ تُصَمِّمُوا عَلى إطاعَتِهِمْ في ذَلِكَ تُرَدُّوا وتَرْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وهَذا أبْلَغُ في الزَّجْرِ إلّا أنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ اللَّفْطِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جَوابِيَّتَهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ﴾ (149) أيْ فَتَرْجِعُوا خاسِرِينَ لِخَيْرِ الدُّنْيا وسَعادَةِ الآخِرَةِ وذَلِكَ أعْظَمُ الخُسْرانِ.

<div class="verse-tafsir"

بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ ١٥٠

﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ ﴾ إضْرابٌ وتَرْكٌ لِلْكَلامِ الأوَّلِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ، والمَعْنى لَيْسَ الكُفّارُ أوْلِياءً فَيُطاعُوا في شَيْءٍ ولا يَنْصُرُونَكم، بَلِ اللَّهُ ناصِرُكم لا غَيْرُهُ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقُرِئَ بِنَصْبِ الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى فَلا تُطِيعُوهم بَلْ أطِيعُوا اللَّهَ مَوْلاكم ﴿ وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ ﴾ (150) لِأنَّهُ القَوِيُّ الَّذِي لا يُغْلَبُ والنّاصِرُ في الحَقِيقَةِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُخَصَّ بِالطّاعَةِ والِاسْتِعانَةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها.

وجُوِّزَ عَلى القِراءَةِ الشّاذَّةِ الِاسْتِئْنافُ والحالِيَّةُ.

<div class="verse-tafsir"

سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًۭا ۖ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٥١

﴿ سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ كالبَيانِ لِما قَبْلُ، وعَبَّرَ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والسِّينُ لِتَأْكِيدِ الإلْقاءِ، و(الرُّعْبَ) بِسُكُونِ العَيْنِ: الخَوْفُ والفَزَعُ، أيْ سَنَقْذِفُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا ارْتَحَلَ أبُو سُفْيانَ والمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ مَكَّةَ انْطَلَقَ أبُو سُفْيانَ حَتّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ ثُمَّ إنَّهم نَدِمُوا فَقالُوا: بِئْسَ ما صَنَعْتُمْ إنَّكم قَتَلْتُمُوهم حَتّى إذا لَمْ يَبْقَ إلّا الشَّرِيدُ تَرَكْتُمُوهُمُ ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوا، فَقَذَفَ اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فانْهَزَمُوا فَلَقُوا أعْرابِيًّا فَجَعَلُوا لَهُ جُعْلًا فَقالُوا لَهُ: إنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ فَأخْبِرْهم بِما قَدْ جَمَعْنا لَهم، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَطَلَبَهم حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةَ يَذْكُرُ فِيها أمْرَ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ»، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في يَوْمِ الأحْزابِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ عَلى العَدُوِّ» .

وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ يُقْذَفُ في قُلُوبِ أعْدائِي» .

وقُرِئَ ( سَيُلْقِي ) بِالياءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ (الرُّعُبَ) بِضَمِّ العَيْنِ وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقِيلَ: الضَّمُّ هو الأصْلُ والسُّكُونُ لِلتَّخْفِيفِ، وقِيلَ: الأصْلُ السُّكُونُ والضَّمُّ لِلْإتْباعِ.

﴿ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴾ أيْ بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ بِالذّاتِ الواجِبِ الوُجُودِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ولِإشْعارِ هَذا الِاسْمِ بِالعَظَمَةِ المُنافِيَةِ لِلشَّرِكَةِ أتى بِهِ، والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (سَنُلْقِي) دُونَ (الرُّعْبِ) ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ تَعَلُّقُ (فِي) بِهِ لِاخْتِلافِ المَعْنى، والثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وكانَ الإشْراكُ سَبَبًا لِإلْقاءِ الرُّعْبِ لِأنَّهُ مِن مُوجِباتِ خِذْلانِهِمْ ونَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ وكِلاهُما مِن دَواعِي الرُّعْبِ ﴿ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ ﴾ أيْ بِإشْراكِهِ، وقِيلَ: بِعِبادَتِهِ، و(ما) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ ولَيْسَتْ مَصْدَرِيَّةً ﴿ سُلْطانًا ﴾ أيْ حُجَّةً، والإتْيانُ بِها لِلْإشارَةِ بِأنَّ المُتَّبَعَ في بابِ التَّوْحِيدِ هو البُرْهانُ السَّماوِيُّ دُونَ الآراءِ والأهْواءِ الباطِلَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ بِها يُتَقَوّى عَلى الخَصْمِ، ويُتَسَلَّطُ عَلَيْهِ، والنُّونُ زائِدَةٌ، وقِيلَ: أصْلِيَّةٌ، وذِكْرُ عَدَمِ إنْزالِ الحُجَّةِ مَعَ اسْتِحالَةِ تُحَقُّقِها مِن بابِ انْتِفاءِ المُقَيَّدِ لِانْتِفاءِ قَيْدِهِ اللّازِمِ، أيْ لا حُجَّةَ حَتّى يُنْزِلَها، فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في وصْفِ مَفازَةٍ: لا يُفْزِعُ الأرْنَبَ أهْوالُها ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ إذِ المُرادُ لا ضَبَّ بِها حَتّى يَنْجَحِرَ، فالمُرادُ نَفْيُهُما جَمِيعًا وهَذا كَقَوْلِهِمُ: السّالِبَةُ لا تَقْتَضِي وُجُودَ المَوْضُوعِ، وما ذَكَرْنا مِنِ اسْتِحالَةِ تَحَقُّقِ الحُجَّةِ عَلى الإشْراكِ يَكادُ يَكُونُ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أمّا في الإشْراكِ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَظاهِرٌ، إذْ كَيْفَ يَأْمُرُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِاعْتِقادِ أنَّ خالِقَ العالَمِ اثْنانِ مُشْتَرِكانِ في وُجُوبِ الوُجُودِ والِاتِّصافِ بِكُلِّ كَمالٍ، وأمّا الإشْراكُ في الأُلُوهِيَّةِ الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ المُشْرِكِينَ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلِأنَّهُ يُفْضِي إلى الأمْرِ بِاعْتِقادِ أشْياءَ خِلافَ الواقِعِ مِمّا كانَ المُشْرِكُونَ يَعْتَقِدُونَهُ في أصْنامِهِمْ، وقَدْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقَوْلُ عِصامِ المِلَّةِ: ونَحْنُ نَقُولُ: الحُجَّةُ عَلى الإشْراكِ تَحْتَ قُدْرَتِهِ تَعالى لَوْ شاءَ أنْزَلَها إذْ لَوْ أمَرَ بِإشْراكِ الأصْنامِ بِهِ في العِبادَةِ لَوَجَبَتِ العِبادَةُ لا أراهُ إلّا حَلًّا لِعِصامِ الدِّينِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ المُخاطَبُ بِها الثَّنَوِيَّةُ والوَثَنِيَّةُ تَأْبى إمْكانَ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى عَلى مَنِ اطَّلَعَ عَلى مَعْنى هَذِهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى المَوْتَ عَلَيْها، ولا جَعَلَنا مِمَّنْ أشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعالى ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا.

﴿ ومَأْواهُمُ ﴾ أيْ ما يَأْوُونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ ﴿ النّارُ ﴾ لا مَأْوى لَهم غَيْرُها.

﴿ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ ﴾ (151) أيْ مَثْواهم، وإنَّما وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّغْلِيظِ والتَّعْلِيلِ والإشْعارِ بِأنَّهم في إشْراكِهِمْ ظالِمُونَ واضِعُونَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والمَثْوى مَكانُ الإقامَةِ عَلى وزْنِ مَفْعَلٍ مَن ثَوَيْتُ، ولامُهُ ياءٌ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ بِئْسَ مَثْواهُمُ النّارُ، ولَمْ يُعَبِّرْ بِالمَأْوى لِلْإيذانِ بِالخُلُودِ إذِ الإقامَةُ مَأْخُوذَةٌ في المَثْوى دُونَهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٥٢

﴿ ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ ﴾ أخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «لَما رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى المَدِينَةِ، وقَدْ أُصِيبُوا بِما أُصِيبُوا يَوْمَ أُحُدٍ، قالَ ناسٌ مِن أصْحابِهِ: مِن أيْنَ أصابَنا هَذا وقَدْ وعَدَنا اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»، ووَعْدَهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِصَدَقَ صَرِيحًا فَإنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ في مِثْلِ هَذا النَّحْوِ، وقَدْ يَتَعَدّى إلى الثّانِي بِحَرْفِ الجَرِّ فَيُقالُ: صَدَقْتُ زَيْدًا في الحَدِيثِ، ومِن هُنا جَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِنَزْعِ الخافِضِ، والمُرادُ بِهَذا الوَعْدِ ما وعَدَهم سُبْحانَهُ مِنَ النَّصْرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿ إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ﴾ إلَخْ، وعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ قالَ لِلرُّماةِ: ”«لا تَبْرَحُوا مَكانَكم فَلَنْ نَزالَ غالِبِينَ ما ثَبَتُّمْ مَكانَكم“» .

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى: ”«لا تَبْرَحُوا عَنْ هَذا المَكانِ فَإنّا لا نَزالُ غالِبِينَ ما دُمْتُمْ في هَذا المَكانِ“» .

وأُيِّدَ الأوَّلُ بِما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى وعَدَهم عَلى الصَّبْرِ والتَّقْوى أنْ يَمُدَّهم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وكانَ قَدْ فَعَلَ، فَلَمّا عَصَوْا أمْرَ الرَّسُولِ وتَرَكُوا مَصافَّهم، وتَرَكَتِ الرُّماةُ عَهْدَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْهِمْ أنْ لا يَبْرَحُوا مَنازِلَهم وأرادُوا الدُّنْيا؛ رَفَعَ اللَّهُ تَعالى مَدَدَ المَلائِكَةِ.

واخْتارَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ الثّانِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ما يَنْفَعُكَ هُنا.

والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ ما وعَدَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما نَصَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ في مَوْطِنٍ كَما نَصَرَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأنْكَرُوا ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيْنِي وبَيْنَ مَن أنْكَرَ ذَلِكَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿ ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُمْ ﴾ أيْ تَقْتُلُونَهم وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ، واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ الحَبْرُ بِقَوْلِ عُتْبَةَ اللَّيْثِيِّ: (نَحُسُّهُمْ) بِالبَيْضِ حَتّى كَأنَّنا نَفْلِقُ مِنهم بِالجَماجِمِ حَنْظَلا وبِقَوْلِهِ: ومِنّا الَّذِي لاقى بِسَيْفِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ (فَحَسَّ) بِهِ الأعْداءَ عَرْضَ العَساكِرِ وأصْلُ مَعْنى حَسَّهُ أصابَ حاسَّتَهُ بِآفَةٍ فَأبْطَلَها مِثْلَ كَبِدِهِ، ولِذا عُبِّرَ بِهِ عَنِ القَتْلِ، ومِنهُ جَرادٌ مَحْسُوسٌ وهو الَّذِي قَتَلَهُ البَرْدُ، وقِيلَ: هو الَّذِي مَسَّتْهُ النّارُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ الحَسُّ بِالقَتْلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْصالِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ صَدَقَكُمُ ﴾ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْوَعْدِ ﴿ بِإذْنِهِ ﴾ أيْ بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ، والتَّقْيِيدُ بِهِ لِتَحْقِيقِ أنَّ قَتْلَهم بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النَّصْرِ ﴿ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ ﴾ أيْ فَزِعْتُمْ وجَبُنْتُمْ عَنْ عَدُوِّكم ﴿ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ﴾ أيْ أمْرِ الحَرْبِ أوْ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَكم في سَدِّ ذَلِكَ الثَّغْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ ﴿ وعَصَيْتُمْ ﴾ إذْ لَمْ تَثْبُتُوا هُناكَ ومِلْتُمْ إلى الغَنِيمَةِ ﴿ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ ﴾ مِنِ انْهِزامِ المُشْرِكِينَ وغَلَبَتِكم عَلَيْهِمْ.

قالَ مُجاهِدٌ: نَصَرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ حَتّى رَكِبَ نِساءُ المُشْرِكِينَ عَلى كُلِّ صَعْبٍ وزَلُولٍ ثُمَّ أُدِيلَ عَلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ بِمَعْصِيَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ أنَّ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ أقْبَلَ بِخَيْلِ المُشْرِكِينَ ومَعَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنِ احْمِلْ عَلَيْهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَهَزَمَهُ ومَن مَعَهُ، فَلَمّا رَأى الرُّماةُ ذَلِكَ انْكَفَأُوا إلّا قَلِيلًا ودَخَلُوا العَسْكَرَ وخالَفُوا الأمْرَ وأخْلَوُا الخَلَّةَ الَّتِي كانُوا فِيها، فَدَخَلَتْ خُيُولُ المُشْرِكِينَ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ عَلى الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، فَضَرَبَ بَعْضُهم بَعْضًا والتَبَسُوا، وقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ أُناسٌ كَثِيرٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

﴿ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ﴾ وهُمُ الرُّماةُ الَّذِينَ طَمِعُوا في النَّهْبِ وفارَقُوا المَرْكَزَ لَهُ ﴿ ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ أمِيرِ الرُّماةِ ومَن ثَبَتَ مَعَهُ مُمْتَثِلًا أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى اسْتُشْهِدَ ﴿ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ ﴾ أيْ كَفِّكم عَنْهم حَتّى تَحَوَّلَتِ الحالُ مِنَ الغَلَبَةِ إلى ضِدِّها ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ أيْ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يُمْتَحَنُ لِيَبِينَ أمْرُكم وثَباتُكم عَلى الإيمانِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وإلّا فالِامْتِحانُ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وفي (حَتّى) هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّها حَرْفُ جَرٍّ بِمَنزِلَةِ إلى ومُتَعَلِّقُها ﴿ تَحُسُّونَهُمْ ﴾ أوْ ﴿ صَدَقَكُمُ ﴾ أوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ دامَ لَكم ذَلِكَ، وثانِيهِما أنَّها حَرْفُ ابْتِداءٍ دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ مِن إذا وما بَعْدَها، وجَوابُ (إذا) قِيلَ: ﴿ تَنازَعْتُمْ ﴾ والواوُ زائِدَةٌ واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ: ﴿ صَرَفَكُمْ ﴾ ، و(ثُمَّ) زائِدَةٌ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، والصَّحِيحُ أنَّهُ مَحْذُوفٌ وعَلَيْهِ البَصْرِيُّونَ، وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ: بِأنْ أمَرَكم، وأبُو حَيّانَ: انْقَسَمْتُمْ إلى قِسْمَيْنِ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، والزَّمَخْشَرِيُّ: مَنَعَكم نَصْرَهُ، وابْنُ عَطِيَّةَ: انْهَزَمْتُمْ، ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ، وبَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: امْتَحَنَكم، ورُدَّ بِجَعْلِ الِابْتِداءِ غايَةً لِلصَّرْفِ المُتَرَتِّبِ عَلى مَنعِ النَّصْرِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَكُونُ ﴿ صَرَفَكُمْ ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ، وقِيلَ: إنَّ (إذا) اسْمٌ كَما في قَوْلِهِمْ: إذا يَقُومُ زَيْدٌ إذا يَقُومُ عَمْرٌو، و(حَتّى) حَرْفُ جَرٍّ بِمَعْنى إلى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (صَدَقَكُمْ) بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ مَعْنى النَّصْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ تَعالى إلى وقْتِ فَشَلِكم وتَنازُعِكم إلَخْ، و ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ ﴾ حِينَئِذٍ عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ، وهاتانِ الجُمْلَتانِ الظَّرْفِيَّتانِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.

﴿ ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ﴾ بِمَحْضِ التَّفَضُّلِ أوْ لِما عَلِمَ مِن عَظِيمِ نَدَمِكم عَلى المُخالَفَةِ، قِيلَ: والمُرادُ بِذَلِكَ العَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ وهو عامٌّ لِسائِرِ المُنْصَرِفِينَ.

ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مَوْهَبٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقالَ: إنِّي سائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي بِهِ أنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذا البَيْتِ أتَعْلَمُ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْها ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: فَتَعْلَمُ أنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ فَلَمْ يَشْهَدْها ؟

قالَ: نَعَمْ.

فَكَبَّرَ.

فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعالَ لِأُخْبِرَكَ ولِأُبَيِّنَ لَكَ عَمّا سَألْتَنِي عَنْهُ، أمّا فِرارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأشْهَدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَفا عَنْهُ، وأمّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإنَّهُ كانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَتْ مَرِيضَةً، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ لَكَ أجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وسَهْمَهُ.

وأمّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ فَلَوْ كانَ أحَدٌ أعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن عُثْمانَ لَبَعَثَهُ مَكانَهُ، فَبَعَثَ عُثْمانَ فَكانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ بَعْدَ ما ذَهَبَ عُثْمانُ إلى مَكَّةَ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِيَدِهِ اليُمْنى وضَرَبَ بِها عَلى يَدِهِ فَقالَ: هَذِهِ يَدُ عُثْمانَ اذْهَبْ بِها الآنَ مَعَكَ، وقالَ البَلْخِيُّ: إنَّهُ عَفْوٌ عَنِ الِاسْتِئْصالِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وزَعَمَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّهُ خاصٌّ بِمَن لَمْ يَعْصِ اللَّهَ تَعالى بِانْصِرافِهِ، والكُلُّ خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ يُقالُ: الدّاعِي لِقَوْلِ البَلْخِيِّ: إنَّ العَفْوَ عَنِ الذَّنْبِ سَيَأْتِي ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِأصْرَحِ وجْهٍ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، وكَلامُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى عَفا عَنْ ذَنْبِ الفارِّينَ وهو صَرِيحُ الآيَةِ الآتِيَةِ، وأمّا أنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ ولَوْ بِالإشْعارِ أنَّ المُرادَ مِنَ العَفْوِ هُنا العَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ فَلا أظُنُّ مُنْصِفًا يَدَّعِيهِ.

﴿ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ (152) تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ العَفْوَ ولَوْ كانَ بَعْدَ التَّوْبَةِ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ لا الوُجُوبِ أيْ شَأْنُهُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعَفْوِ أوْ في جَمِيعِ الأحْوالِ أُدِيلَ لَهم أوْ أُدِيلَ عَلَيْهِمْ، إذِ الِابْتِلاءُ أيْضًا رَحْمَةٌ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ إمّا المُخاطَبُونَ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّشْرِيفِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وإمّا الجِنْسُ ويَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ولَعَلَّ التَّعْمِيمَ هُنا وفِيما قَبْلَهُ أوْلى مِنَ التَّخْصِيصِ، وتَخْصِيصُ الفَضْلِ بِالعَفْوِ أوْلى مِن تَخْصِيصِهِ بِعَدَمِ الِاسْتِئْصالِ كَما زَعَمَهُ البَعْضُ.

<div class="verse-tafsir"

۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍۢ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّۢ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَـٰبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٥٣

﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِصَرَفَكم أوْ بِيَبْتَلِيَكم، وتَعَلُّقُهُ بِعَفا كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ تَعَلُّقُهُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ بِعَصَيْتُمْ، أوْ (تَنازَعْتُمْ) أوْ (فَشِلْتُمْ)، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ كاذْكُرْ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ ﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ﴾ وفِيهِ خِطابانِ بِدُونِ عَطْفٍ، فالصَّوابُ اذْكُرُوا.

وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ - بِاذْكُرْ - جِنْسُ هَذا الفِعْلِ فَيُقَدَّرُ - اذْكُرُوا - لا اذْكُرْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مِن قَبِيلِ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وأجابَ الشِّهابُ بِأنَّ اذْكُرْ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى القَوْلِ، والمَعْنى قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ حِينَ يُصْعِدُونَ إلَخْ، ومِثْلُهُ لا مَنعَ فِيهِ كَما تَقُولُ لِزَيْدٍ: أتَقُولُ كَذا، فَإنَّ الخِطابَ المَحْكِيَّ مَقْصُودُ لَفْظِهِ فَلا يُنافِي القاعِدَةَ المَذْكُورَةَ وهم غَفَلُوا عَنْهُ فَتَأمَّلْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا، والإصْعادُ الذَّهابُ والإبْعادُ في الأرْضِ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الإصْعادِ والصُّعُودِ بِأنَّ الإصْعادَ في مُسْتَوى الأرْضِ والصُّعُودَ في ارْتِفاعٍ، وقِيلَ: لا فَرْقَ بَيْنَ أصْعَدَ وصَعِدَ سِوى أنَّ الهَمْزَةَ في الأوَّلِ لِلدُّخُولِ نَحْوَ أصْبَحَ إذا دَخَلَ في الصَّباحِ والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ (تَصْعَدُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ والعَيْنِ وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى صُعُودِ الجَبَلِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (تَصَعَّدُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ العَيْنِ وهو إمّا مِن تَصَعَّدَ في السُّلَّمِ إذا رَقى أوْ مِن صَعَّدَ في الوادِي تَصْعِيدًا إذا انْحَدَرَ فِيهِ، فَقَدْ قالَ الأخْفَشُ: أصْعَدَ في الأرْضِ إذا مَضى وسارَ وأصْعَدَ في الوادِي وصَعَّدَ فِيهِ إذا انْحَدَرَ وأنْشَدَ: فَإمّا تَرَيْنِي اليَوْمَ مُزْجِي ظَعِينَتِي أُصَعِّدُ طَوْرًا في البِلادِ وأُفْرِعُ وقالَ الشَّمّاخُ: فَإنْ كَرِهْتَ هِجائِي فاجْتَنِبْ سَخَطِي لا ∗∗∗ يَدْهَمَنَّكَ إفْراعِي وتَصْعِيدِي ووَرَدَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ القَوْمَ لِما امْتُحِنُوا ذَهَبُوا فِرارًا في وادِي أُحُدٍ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ صَعَّدَ في السُّلَّمِ صُعُودًا وصَعَّدَ في الجَبَلِ أوْ عَلى الجَبَلِ تَصْعِيدًا ولَمْ يَعْرِفُوا فِيهِ صَعِدَ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (إذْ تُصْعِدُونَ) في الوادِي وهي تُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الإصْعادَ الذَّهابُ في مُسْتَوى الأرْضِ دُونَ الِارْتِفاعِ، وقُرِئَ (يُصْعِدُونَ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وأمْرُ تَعَلُّقِ إذْ بِاذْكُرْ عَلَيْهِ ظاهِرٌ.

﴿ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ ﴾ أيْ لا تُقِيمُونَ عَلى أحَدٍ ولا تُعَرِّجُونَ وهو مِن لَوى بِمَعْنى عَطَفَ وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى وقَفَ وانْتَظَرَ لِأنَّ مِن شَأْنِ المُنْتَظِرَ أنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ، وفُسِّرَ أيْضًا بِلا تَرْجِعُونَ وهو قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ، وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ هَذا الفِعْلَ لا يُذْكَرُ إلّا في النَّفْيِ فَلا يُقالُ لَوَيْتُ عَلى كَذا، وقَرَأ الحَسَنُ تَلُونُ بِواوٍ واحِدَةٍ بِقَلْبِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً وحَذْفِها تَخْفِيفًا.

وقُرِئَ ( تَلْوُونَ ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى أنَّهُ مِن ألْوى لُغَةً في لَوى، ويُلْوُونَ بِالياءِ كَيُصْعِدُونَ، قالَ أبُو البَقاءِ ويُقْرَأُ (عَلى أُحُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ وهو الجَبَلُ، والتَّوْبِيخُ عَلَيْهِ غَيْرُ ظاهِرٍ، ووَجَّهَهُ بَعْضُهم بِأنَّ المُرادَ أصْحابُ أُحُدٍ أوْ مَكانُ الوَقْعَةِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى إبْعادِهِمْ في اسْتِشْعارِ الخَوْفِ وجَدِّهِمْ في الهَزِيمَةِ حَتّى لا يَلْتَفِتُونَ إلى نَفْسِ المَكانِ.

﴿ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ ﴾ أيْ يُنادِيكم في ساقَتِكم أوْ جَماعَتِكُمُ الأُخْرى أوْ يَدْعُوكم مِن ورائِكم فَإنَّهُ يُقالُ: جاءَ فَلانٌ في آخِرِ النّاسِ وأخِرَتِهِمْ وأُخْراهم إذا جاءَ خَلْفَهم، وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ دَعْوَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَتْ بِطَرِيقِ الرِّسالَةِ مِن جِهَتِهِ تَعالى مُبالَغَةً في تَوْبِيخِ المُنْهَزِمِينَ، رُوِيَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يُنادِي: إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ أنا رَسُولُ اللَّهِ، مَن يَكِرُّ فَلَهُ الجَنَّةُ» .

وكانَ ذَلِكَ حِينَ انْهَزَمَ القَوْمُ وجَدُّوا في الفِرارِ قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلى مَدًى لا يُسْمَعُ فِيهِ الصَّوْتُ، فَلا يُنافِي ما تَقَدَّمَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ لَمّا عَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونادى بِأعْلى صَوْتِهِ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ أبْشِرُوا هَذا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أشارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ أنْصِتْ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ آخِرَ الأمْرِ حَيْثُ أبْعَدَ المُنْهَزِمُونَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿ فَأثابَكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ صَرَفَكُمْ ﴾ والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى والتَّعْبِيرُ بِالإثابَةِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ.

تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ.

أوْ أنَّها مُجازٌ عَنِ المُجازاةِ أيْ فَجازاكُمُ اللَّهُ تَعالى بِما عَصَيْتُمْ ﴿ غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ أيْ كَرْبًا بِكَرْبٍ والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الغَمِّ والحُزْنِ، والباءُ إمّا لِلْمُصاحَبَةِ والظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ أيْ جازاكم ﴿ غَمًّا ﴾ مُتَّصِلًا ﴿ بِغَمٍّ ﴾ ، والغَمُّ الأوَّلُ ما حَصَلَ لَهم مِنَ القَتْلِ والجَرْحِ وغَلَبَةِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ، والغَمُّ الثّانِي ما حَصَلَ لَهم مِنَ الإرْجافِ بِقَتْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفَوْتِ الغَنِيمَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ قَتادَةُ والرَّبِيعُ.

وقِيلَ: الغَمُّ الثّانِي إشْرافُ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ عَلَيْهِمْ وهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الصَّخْرَةِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ: المُرادُ مُجَرَّدُ التَّكْثِيرِ أيْ جازاكم بِغُمُومٍ كَثِيرَةٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ، وإمّا لِلسَّبَبِيَّةِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِأثابَكم، والغَمُّ الأوَّلُ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِالقَتْلِ نَحْوَهُ، والغَمُّ الثّانِي لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ أيْ أثابَكم غَمًّا بِسَبَبِ غَمٍّ أذَقْتُمُوهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعِصْيانِكم لَهُ ومُخالَفَتِكم أمْرَهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ المَغْرِبِيُّ: الغَمُّ الأوَّلُ لِلْمُشْرِكِينَ بِما رَأوْا مِن قُوَّةِ المُسْلِمِينَ عَلى طَلَبِهِمْ وخُرُوجِهِمْ إلى حَمْراءِ الأسَدِ، والغَمُّ الثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ بِما نِيلَ مِنهم أيْ فَجازاكم بِغَمِّ أعْدائِكُمُ المُشْرِكِينَ بِسَبَبِ غَمٍّ أذاقُوهُ إيّاكم، وقِيلَ: الباءُ عَلى هَذا لِلْبَدَلِ، وكِلا القَوْلَيْنِ بَعِيدٌ، والعَطْفُ عَلَيْهِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ، والغَمَّ الثّانِي لِلْمُشْرِكِينَ بِما نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ، والمَعْنى فَجازاكم غَمًّا يَوْمَ أُحُدٍ بِالقَتْلِ والجَرْحِ بِسَبَبِ غَمٍّ أذَقْتُمُوهُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَذَلِكَ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ ما لَحِقَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن جِهَةِ المُسْلِمِينَ إنَّما يُوجِبُ المُجازاةَ بِالكَرامَةِ دُونَ الغَمِّ، وقِيلَ الضَّمِيرُ المَسْتَكِنُّ في أثابَكم لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأثابَكم بِمَعْنى آساكم أيْ جَعَلَكم أُسْوَةً لَهُ مُتَساوِيَيْنِ في الحُزْنِ، فاغْتَمَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما نَزَلَ عَلَيْكم كَما اغْتَمَمْتُمْ بِما نَزَلَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَثِرْ بِكم عَلى عِصْيانِكم تَسْلِيَةً لَكم وتَنْفِيسًا عَنْكم، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ لِلُزُومِ التَّفْكِيكِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى صَرَفَكم، وعَدَمُ ظُهُورِ التَّرَتُّبِ إلّا بِتَكَلُّفٍ إنْ كانَ العَطْفُ عَلى (يَدْعُوكُمْ) نَعَمِ التَّعْلِيلُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكُمْ ﴾ ظاهِرٌ إذِ المَعْنى آساكم بِذَلِكَ لِيَكِلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ النَّصْرِ ولا ما أصابَكم مِنَ الشَّدائِدِ، وكَذا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المَغْرِبِيُّ، وأمّا عَلى الأوْجُهِ الأُخَرِ فالمَعْنى لِتَتَمَرَّنُوا عَلى الصَّبْرِ في الشَّدائِدِ فَلا تَحْزَنُوا عَلى نَفْعٍ ما فاتَ أوْ ضُرٍّ آتٍ، وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ لِأنَّ المُجازاةَ بِالغَمِّ إنَّما تَكُونُ سَبَبًا لِلْحُزْنِ لا لِعَدَمِهِ.

وقِيلَ: (لا) زائِدَةٌ والمَعْنى لِكَيْ تَأْسَفُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ وعَلى ما أصابَكم مِنَ الجِراحِ والهَزِيمَةِ عُقُوبَةً لَكم، فالتَّعْلِيلُ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، ولا يَخْفى أنَّ تَأْكِيدَ لا وتَكْرِيرَها يُبْعِدُ القَوْلَ بِزِيادَتِها، وقِيلَ: التَّعْلِيلُ عَلى ظاهِرِهِ، و(لا) لَيْسَتْ زائِدَةً، والكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ﴾ أيْ ولَقَدْ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْكم لِئَلّا تَحْزَنُوا إلَخْ، فَإنَّ عَفْوَ اللَّهِ تَعالى يُذْهِبُ كُلَّ حُزْنٍ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ أمْرَ التَّعْلِيلِ ظاهِرٌ أيْضًا عَلى ما حُكِيَ عَنِ السُّدِّيِّ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّأْوِيلِ ولا القَوْلِ بِزِيادَةِ - لا - ويُوَضِّحُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أصابَ النّاسَ غَمٌّ وحُزْنٌ عَلى ما أصابَهم في أصْحابِهِمُ الَّذِينَ قُتِلُوا، فَلَمّا اجْتَمَعُوا في الشِّعْبِ وقَفَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ بِبابِ الشِّعْبِ، فَظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهم سَوْفَ يَمِيلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقْتُلُونَهم أيْضًا فَأصابَهم حُزْنٌ أنْساهم حُزْنَهم في أصْحابِهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ إلَخْ، وحَدِيثُ: إنَّ المُجازاةَ بِالغَمِّ إنَّما تَكُونُ سَبَبًا لِلْحُزْنِ لا لِعَدَمِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلى الإطْلاقِ، وأيُّ مانِعٍ مِن أنْ يَكُونَ غَمٌّ مَخْصُوصٌ سَبَبًا لِزَوالِ غَمٍّ آخَرَ مَخْصُوصٍ أيْضًا بِأنْ يَعْظُمَ الثّانِي فَيُنْسِيَ الأوَّلَ فَتَدَبَّرْ.

﴿ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ (153) عَلِيمٌ بِأعْمالِكم وبِما قَصَدْتُمْ بِها، وفي المَقْصِدِ الأسْنى: الخَبِيرُ بِمَعْنى العَلِيمِ، لَكِنَّ العِلْمَ إذا أُضِيفَ إلى الخَفايا الباطِنَةِ سُمِّيَ خِبْرَةً، وسُمِّيَ صاحِبُها خَبِيرًا، وفِيهِ تَرْغِيبٌ في الطّاعَةِ وتَرْهِيبٌ عَنِ المَعْصِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةًۭ نُّعَاسًۭا يَغْشَىٰ طَآئِفَةًۭ مِّنكُمْ ۖ وَطَآئِفَةٌۭ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍۢ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌۭ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٥٤

﴿ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ فَأثابَكُمْ ﴾ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقًّا، والمَعْنى ثُمَّ وهَبَ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿ مِن بَعْدِ الغَمِّ ﴾ الَّذِي اعْتَراكم، والتَّصْرِيحُ بِتَأخُّرِ الإنْزالِ عَنْهُ مَعَ دَلالَةِ ثُمَّ عَلَيْهِ وعَلى تَراخِيهِ عَنْهُ لِزِيادَةِ البَيانِ، وتَذْكِيرِ عِظَمِ المِنَّةِ.

﴿ أمَنَةً ﴾ مَصْدَرٌ كالمَنَعَةِ وهو مَفْعُولُ (أنْزَلَ) أيْ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم أمْنًا ﴿ نُعاسًا ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنها، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ نُعاسًا ﴾ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، و(أمَنَةً) حالٌ مِنهُ، والمُرادُ ذا أمَنَةٍ، ولا يَضُرُّ كَوْنُها مِنَ النَّكِرَةِ لِتَقَدُّمِها أوْ حالٌ مِنَ المُخاطَبِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَوِي أمَنَةٍ، أوْ عَلى أنَّهُ جَمْعُ آمِنٍ كَبارٍّ وبَرَرَةٍ.

وقِيلَ: إنَّ أمَنَةً مَفْعُولٌ لَهُ لِنُعاسًا، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى ظاهِرِهِ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، وإنِ التَزَمَ تَقْدِيرُ فِعْلٍ أيْ نَعَسْتُمْ أمَنَةً، ورُدَّ أنَّهُ لَيْسَ لِلْفِعْلِ مَوْقِعٌ حَسَنٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِأنْزَلَ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ فاسِدٌ لِاخْتِلافِ شَرْطِهِ وهو اتِّحادُ الفاعِلِ إذْ فاعِلُ أنْزَلَ هو اللَّهُ تَعالى وفاعِلُ الأمَنَةِ هو المُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ، ورُدَّ بِأنَّ الأمَنَةَ كَما يَكُونُ مَصْدَرًا لِمَن وقَعَ بِهِ الأمْنُ يَكُونُ مَصْدَرًا لِمَن أوْقَعَهُ، والمُرادُ هُنا الثّانِي كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلَ عَلَيْكُمُ النُّعاسَ لِيُؤَمِّنَكم بِهِ وحِينَئِذٍ لا شُبْهَةَ في اتِّحادِ الفاعِلِ، وقُرِئَ بِسُكُونِ المِيمِ كَأنَّها لِوُقُوعِها في زَمَنٍ يَسِيرٍ مَرَّةً مِنَ الأمْنِ، فَلا يُنافِي كَوْنُ المَقْصُودِ مُطْلَقَ الأمْنِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وتَخْصِيصِ الخَوْفِ مِن بَيْنِ فُنُونِ الغَمِّ بِالإزالَةِ لِأنَّهُ المُهِمُّ عِنْدَهم في ذَلِكَ المَقامِ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُشْرِكِينَ انْصَرَفُوا يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ الَّذِي كانَ مِن أمْرِهِمْ وأمْرِ المُسْلِمِينَ فَواعَدُوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَدْرًا مِن قابِلٍ فَقالَ لَهم: نَعَمْ فَتَخَوَّفَ المُسْلِمُونَ أنْ يَنْزِلُوا المَدِينَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَجُلًا فَقالَ: انْظُرْ فَإنْ رَأيْتَهم قَدْ قَعَدُوا عَلى أثْقالِهِمْ وجَنَّبُوا خُيُولَهم فَإنَّ القَوْمَ ذاهِبُونَ، وإنْ رَأيْتَهم قَدْ قَعَدُوا عَلى خُيُولِهِمْ وجَنَّبُوا أثْقالَهم فَإنَّ القَوْمَ يَنْزِلُونَ المَدِينَةَ، فاتَّقُوا اللَّهَ تَعالى واصْبِرُوا، ووَطَّنَهم عَلى القِتالِ، فَلَمّا أبْصَرَهُمُ الرَّسُولُ قَعَدُوا عَلى الأثْقالِ سِراعًا عِجالًا نادى بِأعْلى صَوْتِهِ بِذَهابِهِمْ، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ ذَلِكَ صَدَّقُوا نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنامُوا، وبَقِيَ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَظُنُّونَ أنَّ القَوْمَ يَأْتُونَهم فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ ﴾ إلَخْ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: آمَنُهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ بِنُعاسٍ غَشّاهم، وإنَّما يَنْعَسُ مَن يَأْمَنُ، والخائِفُ لا يَنامُ.

وأخْرَجَ خَلْقٌ كَثِيرٌ عَنْ أنَسٍ أنَّ أبا طَلْحَةَ قالَ: غَشِيَنا النُّعاسُ يَوْمَ أُحُدٍ ونَحْنُ في مَصافِّنا، وكُنْتَ مِمَّنْ غَشِيَهُ النُّعاسُ يَوْمَئِذٍ، فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِن يَدِي، وآخُذُهُ ويَسْقُطُ وآخُذُهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ وما مِنهم مَن أحَدٍ إلّا وهو يَمِيدُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ - أيْ تُرْسَهُ - مِنَ النُّعاسِ، وعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ مِثْلَهُ.

قِيلَ: وهَذِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى مَعَ المُؤْمِنِينَ جَعْلُ النُّعاسِ في الحَرْبِ عَلّامَةً لِلظَّفَرِ، وقَدْ وقَعَ كَذَلِكَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ في صِفِّينَ، وهو مِنَ الوارِداتِ الرَّحْمانِيَّةِ والسِّكِّينَةِ الإلَهِيَّةِ ﴿ يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ المُهاجِرُونَ وعامَّةُ الأنْصارِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ لَمْ يَغْشَ الكُلَّ ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في عُمُومِ الإنْزالِ لِلْكُلِّ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِنُعاسًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَغْشى) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ (لِلْأمَنَةِ) والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ مُسْتَأْنَفَةٌ وقَعَتْ جَوابًا لِسُؤالٍ تَقْدِيرُهُ ما حُكْمُ هَذِهِ الأمَنَةِ ؟

فَأُجِيبَ بِأنَّها تَغْشى طائِفَةً، وقِيلَ: إنَّها في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأمَنَةٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الصِّفَةَ حَقُّها أنْ تَتَقَدَّمَ عَلى البَدَلِ وعَطْفِ البَيانِ، وأنْ لا يَفْصِلَ بَيْنَها وبَيْنَ المَوْصُوفِ بِالمَفْعُولِ لَهُ، وأنَّ المَعْهُودَ أنْ يُحَدَّثَ عَنِ البَدَلِ دُونَ المُبْدَلِ مِنهُ ﴿ وطائِفَةٌ ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ.

﴿ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ ﴾ أيْ جَعَلَتْهم ذَوِي هَمٍّ وأوْقَعَتْهم فِيهِ أوْ ما يُهِمُّهم إلّا أنْفُسُهم لا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا غَيْرُهُ، مِن أهَمَّهُ بِمَعْنى جَعَلَهُ مُهِمًّا لَهُ ومَقْصُودًا، والحُصْرُ مُسْتَفادٌ مِنَ المَقامِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ هَذا اللَّفْظَ عَلى الخائِفِ الَّذِي شَغَلَهُ هَمُّ نَفْسِهِ عَنْ غَيْرِهِ، و ﴿ طائِفَةً ﴾ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿ قَدْ أهَمَّتْهُمْ ﴾ إلَخْ خَبَرُهُ، وجازَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِها نَكِرَةً لِوُقُوعِها بَعْدَ واوِ الحالِ كَما في قَوْلِهِ: سَرَيْنا ونَجْمٌ قَدْ أضاءَ فَمُذْ بَدا مُحَيّاكِ أخْفى ضَوْءَ كُلِّ شارِقِ أوْ لِوُقُوعِها مَوْقِعَ التَّفْصِيلِ كَما في قَوْلِهِ: إذا مُتُّ كانَ النّاسُ صِنْفانِ شامِتٌ ∗∗∗ وآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي أنا صانِعُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ نَعْتًا لَها والخَبَرُ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ أيْ ومَعَكم، أوْ وهُناكَ طائِفَةٌ، وتَقْدِيرُ - ومِنكم طائِفَةٌ - يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُنافِقُونَ داخِلِينَ في الخِطابِ بِإنْزالِ الأمَنَةِ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ إمّا حالِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِفَظاعَةِ الهَوْلِ مُؤَكِّدَةٌ لِعِظَمِ النِّعْمَةِ في الخَلاصِ عَنْهُ، وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ حالِ المُنافِقِينَ، فالواوُ إمّا حالِيَّةٌ وإمّا اسْتِئْنافِيَّةٌ، وكَوْنُها بِمَعْنى إذْ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ.

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ أهَمَّتْهُمْ ﴾ لا مِن ﴿ طائِفَةً ﴾ وإنْ تَخَصَّصَتْ لِما في مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ مِنَ المَقالِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً بَعْدَ صِفَةٍ لِطائِفَةٍ، أوْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ هي الخَبَرُ، و ﴿ قَدْ أهَمَّتْهُمْ ﴾ صِفَةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، وغَيْرَ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وهو بِحَسَبِ ما يُضافُ إلَيْهِ أيْ غَيْرَ الظَّنِّ الحَقِّ وهو الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُظَنَّ بِهِ تَعالى، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نَوْعِيٌّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ ﴾ بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ.

وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: (غَيْرَ الحَقِّ)، و(ظَنَّ) مَصْدَرانِ أحَدُهُما لِلتَّشْبِيهِ والآخِرُ تَأْكِيدٌ لِغَيْرِهِ، أيْ يَقُولُونَ غَيْرَ الحَقِّ، ومَفْعُولا (يَظُنُّونَ) مَحْذُوفانِ أيْ يَظُنُّونَ أنَّ إخْلافَ وعْدِهِ سُبْحانَهُ حاصِلٌ، وأبُو البَقاءِ يَجْعَلُ (غَيْرَ الحَقِّ) مَفْعُولًا أوَّلًا أيْ أمْرًا غَيْرَ الحَقِّ، و(بِاللَّهِ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، وإضافَةُ (ظَنَّ) إلى الجاهِلِيَّةِ قِيلَ: إمّا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى مَصْدَرِ صِفَتِهِ ومَعْناها الِاخْتِصاصُ بِالجاهِلِيَّةِ كَرَجُلِ صِدْقٍ وحاتِمِ الجُودِ، فَهي عَلى مَعْنى اللّامِ أيِ المُخْتَصِّ بِالصِّدْقِ والجُودِ، فالياءُ مَصْدَرِيَّةٌ، والتّاءُ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ لَهُ، وإمّا مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ ظَنَّ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ أيِ الشِّرْكِ والجَهْلِ بِاللَّهِ تَعالى، وهي اخْتِصاصِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ أيْضًا.

﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ: هَلْ لَنا مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ والظَّفَرِ نَصِيبٌ أيْ لَيْسَ لَنا مِن ذَلِكَ شَيْءٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ يَقُولُ الحاضِرُونَ مِنهم لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى صُورَةِ الِاسْتِرْشادِ: هَلْ لَنا مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى ووَعْدِهِ بِالنَّصْرِ شَيْءٌ، واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

والجُمْلَةُ قِيلَ: إمّا حالٌ أوْ خَبَرٌ إثْرَ خَبَرٍ، أوْ صِفَةٌ إثْرَ صِفَةٍ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، أوْ بَدَلٌ مِن (يَظُنُّونَ) وهو بَدَلُ الكُلِّ بِحَسَبِ الصِّدْقِ، وبَدَلُ الِاشْتِمالِ بِحَسَبِ المَفْهُومِ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنا ﴾ إلَخْ تَفْسِيرٌ (لِيَظُنُّونَ) وتَرْجَمَةٌ لَهُ، والِاسْتِفْهامُ لا يَكُونُ تَرْجَمَةً لِلْخَبَرِ كَما لا يَصِحُّ أنْ تَقُولَ: أخْبَرَنِي زَيْدٌ قالَ: لا تَذْهَبْ أوْ أمَرَنِي قالَ: لا تَضْرِبْ، أوْ نَهانِي قالَ: اضْرِبْ، فَإنَّ المُطابَقَةَ بَيْنَ الحِكايَةِ والمَحْكِيِّ واجِبَةٌ.

وحاصِلُ الإشْكالِ أنَّ مُتَعَلِّقَ الظَّنِّ النِّسْبَةُ التَّصْدِيقِيَّةُ فَكَيْفَ يَقَعُ اسْتِفْهامُ تَرْجَمَةٍ لَهُ ؟

وأُجِيبَ بِأنَّ الِاسْتِفْهامَ طَلَبُ عِلْمٍ فِيما يُشَكُّ ويُظَنُّ، فَجازَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَ الظَّنِّ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الظَّنَّ أوِ العِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِما يُقالُ في جَوابِ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ عَلى ما ذُكِرَ في بابِ تَعْلِيقِ أفْعالِ القُلُوبِ بِاسْتِفْهامٍ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِفْهامِ حَقِيقِيًّا، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ إنْكارِيًّا فَلا إشْكالَ، ولا قِيلَ ولا قالَ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ فَيَتَطابَقُ مَعَ ما قَبْلَهُ في الخَبَرِيَّةِ، وبَعْضُ مَن جَعَلَهُ إنْكارِيًّا ذَهَبَ إلى أنَّ المَعْنى إنّا مَنَعْنا تَدْبِيرَ أنْفُسِنا وتَصْرِيفَها بِاخْتِيارِنا فَلَمْ يَبْقَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ حِينَ أخْبَرَهُ المُنافِقُونَ بِقَتْلِ بَنِي الخَزْرَجِ ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، قِيلَ: وظَنُّهُمُ السُّوءَ عَلى هَذا تَصْوِيبُهم رَأْيَ عَبْدِ اللَّهِ ومَن تَبِعَهُ، وقِيلَ: الِاسْتِفْهامُ عَلى ظاهِرِهِ والمَعْنى هَلْ يَزُولُ عَنّا هَذا القَهْرُ فَيَكُونُ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، و(مِنَ) الثّانِيَةُ سَيْفُ خَطِيبٍ، و(شَيْءٌ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وفي خَبَرِهِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ: وجْهانِ: أحَدُهُما (لَنا) فَمِنَ الأمْرِ حالٌ، والثّانِي (مِنَ الأمْرِ) فَلَنا تَبْيِينٌ وبِهِ تَتِمُّ الفائِدَةُ ﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ أيْ إنَّ الشَّأْنَ والغَلَبَةَ الحَقِيقِيَّةَ لِحِزْبِ اللَّهِ تَعالى وأوْلِيائِهِ، فَيَنْصُرُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ، ويَخْذُلُ أعْداءَهُ ويَقْهَرُهم، وكَنّى بِكَوْنِ الغَلَبَةِ لِلَّهِ تَعالى عَنْ كَوْنِها لِأوْلِيائِهِ لِكَوْنِهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِمَكانٍ، أوْ أنَّ القَضاءَ أوِ التَّدْبِيرَ لَهُ تَعالى مَخْصُوصٌ بِهِ لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَيَفْعَلُ ما يَشاءُ، ويُجْرِي الأُمُورَ حَسْبَما جَرى بِهِ القَلَمُ في سابِقِ القَضاءِ / وعَلى هَذا لا كِنايَةَ في الكَلامِ، وجاءَ مُؤَكِّدًا لِما أنَّ الكَلامَ الَّذِي وقَعَ هو في مُقابَلَتِهِ كَذَلِكَ.

واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ مِن هَذا الأمْرِ كَوْنُ الِاسْتِفْهامِ فِيما تَقَدَّمَهُ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ، إذْ لَوْ كانَ مَعْناهُ نَفى أنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ مِنَ الأمْرِ لَمْ يُجابُوا بِإثْباتِ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ مَعَ جُمْلَةِ النَّفْيِ جُمْلَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ لِيَكُونَ المَعْنى لَيْسَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، بَلْ لِغَيْرِنا مِمَّنْ حَمَلَنا عَلى الخُرُوجِ وأكْرَهَنا عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَوابًا لِهَذا المُقَدَّرِ، وفِيهِ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أيْضًا، أمّا إذا كانَ مُرادُهم نَفْيَ نَصْرِ اللَّهِ تَعالى نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَن مَعَهُ فَواضِحٌ؛ لِأنَّ في هَذا القَوْلِ إثْباتَ ذَلِكَ النَّصْرِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وأمّا إذا كانَ مُرادُهم أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ حَيْثُ مُنِعُوا تَدْبِيرَ أنْفُسِهِمْ؛ فَلِأنَّ في ذَلِكَ النَّفْيِ إشْعارًا بِأنَّ لَهم تَدْبِيرًا، وأنَّهم لَوْ تُرِكُوا وتَدْبِيرَهم ما غُمِزَتْ قَناتُهم، وهَذا الإثْباتُ مُتَكَفِّلٌ بِرَدِّ ذَلِكَ وإبْطالِهِ عَلى وجْهِ سُتْرَةٍ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى، فَلا أرى التَّقْدِيرَ عَلى ما فِيهِ إلّا مِن ضِيقِ العَطَنِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (كُلُّهُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ)، وأمّا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ فَكُلَّ تَوْكِيدٌ لِاسْمِ (إنَّ)، و(لِلَّهِ) خَبَرُها.

وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كُلَّهُ) بَدَلًا مِنَ (الأمْرَ) وفِيهِ بُعْدٌ.

﴿ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ يُضْمِرُونَ فِيها أوْ يُسِرُّونَ فِيما بَيْنَهم ﴿ ما لا يُبْدُونَ لَكَ ﴾ أيْ ما لا يَسْتَطِيعُونَ إظْهارَهُ لَكَ، والجُمْلَةَ إمّا اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَقُولُونَ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها أيْ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ مُظْهِرِينَ أنَّهم مُسْتَرْشِدُونَ طالِبُونَ لِلنَّصْرِ مُبْطِنِينَ الإنْكارَ والتَّكْذِيبَ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي في الآيَةِ الأُولى، والذّاهِبُ إلى حَمْلِ الِاسْتِفْهامِ فِيها عَلى الإنْكارِ يَتَعَيَّنُ عِنْدَهُ الِاسْتِئْنافُ أوْ يَجُوزُ الخَبَرِيَّةُ ونَحْوُها أيْضًا عَلى ما مَرَّ، والجُمْلَةُ الجَوابِيَّةُ اعْتِراضِيَّةٌ في كُلِّ حالٍ سِوى احْتِمالِ الِاسْتِئْنافِيَّةِ عَلى الصَّحِيحِ، وأمّا جَعْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ حالًا مِن ضَمِيرِ (قُلْ) والرّابِطُ لَكَ، فَلا يَخْفى حالُهُ ( يَقُولُونَ ) أيْ في أنْفُسِهِمْ أوْ خِفْيَةً لِبَعْضِهِمْ إذْ لَوْ كانَ القَوْلُ جِهارًا لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، والجُمْلَةُ إمّا بَدَلٌ مِن (يُخْفُونَ) أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي أخْفَوْهُ ؟

فَقِيلَ ذَلِكَ، ورَجَّحَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّهُ أكْثَرُ فائِدَةٍ، وبِأنَّ القَوْلَ إذا حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ لَمْ يَتَفاوَتِ القَوْلانِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿ هَلْ لَنا ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ في حالِ قَوْلِهِمْ ﴿ لَوْ كانَ لَنا ﴾ لِأصْحابِهِمْ، وبَدَلُ الحالِ حالٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الأخِيرَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ قَوْلانِ مِن مُتَكَلِّمٍ واحِدٍ، وفِيهِ أنَّ زَمانَ الحالِ المُقارَنِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى التَّضْيِيقِ كَما لا يَخْفى، ومِن هُنا عَلَّلَ بَعْضُ الفُضَلاءِ نَفْيَ المُقارَنَةِ بِتَرَتُّبِ هَذا عَلى ما قَبْلَهُ وعَدَلَ عَنْ هَذا التَّعْلِيلِ، فَإنَّ.

﴿ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا ﴾ عَلى مَعْنى لَوْ كانَ لَنا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ كَما وعَدَ مُحَمَّدٌ وادَّعى أنَّ الأمْرَ لِلَّهِ تَعالى ولِأوْلِيائِهِ ﴿ ما قُتِلْنا ﴾ فَكَأنَّ هَذا في زَعْمِهِمْ رَدٌّ لِما أُجِيبُوا بِهِ أوَّلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَوْ كانَ لَنا اخْتِيارٌ وتَدْبِيرٌ لَمْ نَبْرَحْ كَما كانَ رَأْيُ ابْنِ أُبَيٍّ وأتْباعِهِ، ومَعْنى ﴿ ما قُتِلْنا ﴾ ما غُلِبْنا لِأنَّ القائِلِينَ لَيْسُوا مِمَّنْ قُتِلَ لِاسْتِحالَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا بِإسْنادِ ما لِلْبَعْضِ لِلْكُلِّ، فالمَعْنى لَوْ كانَ لَنا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِنّا في هَذِهِ المَعْرَكَةِ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِالتَّرَتُّبِ يَسْتَدْعِي سَبْقَ نُزُولِ الآيَةِ الجَوابِيَّةِ وسَماعِهِمْ لَها حَتّى يَتَأتّى القَوْلُ بِزَعْمِ رَدِّها بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الفاسِدَةِ، والظّاهِرُ مِنَ الآثارِ عَدَمُ نُزُولِها إذْ ذاكَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: لِما قُتِلَ مَن قُتِلَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أتَوْا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فَقالُوا لَهُ: ما تَرى ؟

فَقالَ: إنّا واللَّهِ ما نُؤامِرُ ( ﴿ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا ﴾ ) .

وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ اشْتَدَّ الخَوْفُ عَلَيْنا أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا النَّوْمَ فَما مَنّا مِن رَجُلٍ إلّا ذَقْنُهُ في صَدْرِهِ، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ ما أسْمَعُهُ إلّا كالحُلُمِ: ﴿ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا ﴾ فَحَفِظْتُها مِنهُ، وفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ أنْزَلَ إلى (هَهُنا) وقَدْ يُقالُ: إنَّ هَذا القَوْلَ مِنهم كالِاسْتِدْلالَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وإنَّ كِلا القَوْلَيْنِ وقَعَ مِنهُمُ ابْتِداءً وقَصَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا رادًّا لَهُ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا فَفِيهِ خَفاءٌ فَتَأمَّلْ، ﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ في جَوابِ ذَلِكَ ﴿ لَوْ كُنْتُمْ ﴾ أيُّها المُنافِقُونَ ﴿ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ ومَنازِلِكم بِالمَدِينَةِ ولَمْ تَخْرُجُوا لِلْقِتالِ بِحَمْلَتِكم ﴿ لَبَرَزَ ﴾ أيْ لَخَرَجَ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الدّاعِيَةِ إلى البُرُوزِ ﴿ الَّذِينَ كُتِبَ ﴾ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ قُدِّرَ في سابِقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ﴿ عَلَيْهِمُ القَتْلُ ﴾ في تِلْكَ المَعْرَكَةِ ﴿ إلى مَضاجِعِهِمْ ﴾ أيْ مَصارِعِهِمُ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى وقَدَّرَ قَتْلَهم فِيها وقُتِلُوا هُناكَ البَتَّةَ، فَإنَّ قَضاءَ اللَّهِ تَعالى لا يُرَدُّ، وحُكْمُهُ لا يُعَقَّبُ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في رَدِّ مَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ ما لا يَخْفى، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ الظّاهِرَ الأبْلَغَ أنْ يُرادَ بِمَن كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ الكُفّارُ القاتِلُونَ، أيْ لَخَرَجَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ مِن بَيْنِ قَوْمِهِمْ إلى مَضاجِعِ المَقْتُولِينَ ولَمْ يَنْجُ أحَدٌ مِنهم مَعَ تَحَصُّنِهِمْ بِالمَدِينَةِ وتَحَفُّظِهِمْ في بُيُوتِهِمْ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ لِما فِيهِ مِنَ التَّفْكِيكِ، ولِأنَّ الظّاهِرَ مِن (عَلَيْهِمْ) أنَّهم مَقْتُولُونَ لا قاتِلُونَ، وقِيلَ: المَعْنى لَوْ لَزِمْتُمْ مَنازِلَكم أيُّها المُنافِقُونَ والمُرْتابُونَ وتَخَلَّفْتُمْ عَنِ القِتالِ لَخَرَجَ إلى البِرازِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمُ القِتالُ صابِرِينَ مُحْتَسِبِينَ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ ويَؤُوَّلُ إلى قَوْلِنا: لَوْ تَخَلَّفْتُمْ عَنِ القِتالِ لا يَتَخَلَّفُ المُؤْمِنُونَ، والمُضاجِعُ جَمْعُ مَضْجَعٍ، فَإنْ كانَ بِمَعْنى المَرْقَدِ فَهو اسْتِعارَةٌ لِلْمَصْرَعِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى مَحَلِّ امْتِدادِ البَدَنِ مُطْلَقًا لِلْحَيِّ والمَيِّتِ فَهو حَقِيقَةٌ، وقُرِئَ ( كَتَبَ ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، ونَصْبِ ( القَتْلَ )، و(كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ)، و(لَبُرِّزَ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

﴿ ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ ﴾ أيْ لِيَخْتَبِرَ اللَّهُ تَعالى ما في صُدُورِكم بِأعْمالِكم، فَإنَّهُ قَدْ عَلِمَهُ غَيْبًا ويُرِيدُ أنْ يَعْلَمَهُ شَهادَةً لِتَقَعَ المُجازاةُ عَلَيْهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ المُبْتَلى المُمْتَحَنِ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ ومَدْخُولُها عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَ مَعْطُوفٍ عَلى عِلَلٍ أُخْرى مَطْوِيَّةٍ لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِها كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلَ ما فَعَلَ لِمَصالِحَ جَمَّةٍ ﴿ ولِيَبْتَلِيَ ﴾ إلَخْ، أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَ أيْ، ولِلِابْتِلاءِ المَذْكُورِ: فَعَلَ ما فَعَلَ لا لِعَدَمِ العِنايَةِ بِشَأْنِ أوْلِيائِهِ وأنْصارِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَثَلًا.

والعَطْفُ عَلى هَذا عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( أنْزَلَ عَلَيْكم ) والفَصْلُ بَيْنَهُما مُغْتَفَرٌ؛ لِأنَّ الفاصِلَ مِن مُتَعَلِّقاتِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لَفْظًا أوْ مَعْنًى، وقِيلَ: إنَّهُ لا حَذْفَ في الكَلامِ وإنَّما هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا تَحْزَنُوا ﴾ أيْ أثابَكم بِالغَمِّ لِأمْرَيْنِ: عَدَمِ الحُزْنِ والِابْتِلاءِ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّ تَوَسُّطَ تِلْكَ الأُمُورِ مُحْتاجٌ إلى نُكْتَةٍ حِينَئِذٍ وهي غَيْرُ ظاهِرَةٍ، وأبْعَدُ مِنهُ بَلْ لا يَكادُ يُقْبَلُ العَطْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ أيْ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكم ولِيَبْتَلِيَ ما في صُدُورِكم، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مَعْطُوفًا عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ وكِلْتا العِلَّتَيْنِ ﴿ لَبَرَزَ الَّذِينَ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ﴾ لِنَفاذِ القَضاءِ، أوْ لِمَصالِحَ جَمَّةٍ ولِلِابْتِلاءِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ الذَّوْقَ السَّلِيمَ يَأْباهُ؛ فَإنَّ مُقْتَضى المَقامِ بَيانُ حِكْمَةِ ما وقَعَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الشِّدَّةِ والهَوْلِ لا بَيانُ حِكْمَةِ البُرُوزِ المَفْرُوضِ، وإنَّما جُعِلَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُعْتَدُّ بِهِمْ، ولِأنَّ إظْهارَ حالِهِمْ مُظْهِرٌ لِغَيْرِهِمْ.

وقِيلَ: إنَّهُ لَهم ولِلْمُنافِقِينَ أيْ لِيَبْتَلِيَ ما في سَرائِرِكم مِنَ الإخْلاصِ والنِّفاقِ، وقِيلَ: لِلْمُنافِقِينَ خاصَّةً لِأنَّ سَوْقَ الآيَةِ لَهم، وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ ﴾ أيْ لِيُخَلِّصَ ما فِيها مِنَ الِاعْتِقادِ مِنَ الوَسْواسِ يُرَجِّحُ الأوَّلَ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ لا اعْتِقادَ لَهم لِيُمَحَّصَ مِنَ الوَساوِسِ ويُخَلَّصَ مِنها، ولَعَلَّ القائِلِينَ بِكَوْنِ الخِطابِ لِلْمُنافِقِينَ فَقَطْ أوْ مَعَ المُؤْمِنِينَ يُفَسِّرُونَ التَّمْحِيصَ بِالكَشْفِ والتَّمْيِيزِ، أيْ لِيَكْشِفَ ما في قُلُوبِكم مِن مُخْفَياتِ الأُمُورِ أوِ النِّفاقِ ويُمَيِّزَها، إلّا أنَّ حَمْلَ التَّمْحِيصِ عَلى هَذا المَعْنى يَجْعَلُ هَذِهِ الجُمْلَةَ كالتَّأْكِيدِ لِما قَبْلَها، وإنَّما عَبَّرَ بِالقُلُوبِ هُنا كَما قِيلَ لِأنَّ التَّمْحِيصَ مُتَعَلِّقٌ بِالِاعْتِقادِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ القَلْبِ مَعَ ذَلِكَ فَيُقالُ: اعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ، ولا تَكادُ تَسْمَعُهم يَقُولُونَ اعْتَقَدَ بِصَدْرِهِ أوْ آمَنَ بِصَدْرِهِ، وفي القُرْآنِ: ﴿ أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ ﴾ ولَيْسَ فِيهِ كَتَبَ في صُدُورِهِمُ الإيمانَ، نَعَمْ يُذْكَرُ الصَّدْرُ مَعَ الإسْلامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ ومِن هُنا قالَ بَعْضُ السّاداتِ: القَلْبُ مَقَرُّ الإيمانِ، والصَّدْرُ مَحَلُّ الإسْلامِ، والفُؤادُ مَشْرِقُ المُشاهَدَةِ، واللُّبُّ مَقامُ التَّوْحِيدِ الحَقِيقِيِّ، ولَعَلَّ الآيَةَ عَلى هَذا تُؤَوَّلُ إلى قَوْلِنا: لِيَبْتَلِيَ إسْلامَكم ولِيُمَحِّصَ إيمانَكم، ورُبَّما يُقالُ عَبَّرَ بِذَلِكَ مَعَ التَّعْبِيرِ فِيما قَبْلُ بِالصُّدُورِ لِلتَّفَنُّنِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالجَمْعَيْنِ واحِدٌ.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ (154) أيْ بِما في القُلُوبِ الَّتِي في الصُّدُورِ مِنَ الضَّمائِرِ الخَفِيَّةِ، ووُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها لِتَمَكُّنِها مِنَ الصُّدُورِ جُعِلَتْ كَأنَّها مالِكَةٌ لَها، فَذاتُ بِمَعْنى صاحِبَةٌ لا بِمَعْنى ذاتِ الشَّيْءِ ونَفْسِهِ، وفي الآيَةِ وعْدٌ ووَعِيدٌ أوْ أحَدُهُما فَقَطْ عَلى الخِلافِ في الخِطابِ، وفِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الِابْتِلاءِ، وإنَّما يُبْرِزُ صُورَةَ الِابْتِلاءِ لِحِكَمٍ يَعْلَمُها كَتَمْرِينِ المُؤْمِنِينَ أوْ إظْهارِ حالِ المُنافِقِينَ، واخْتارَ الصُّدُورَ هَهُنا لِأنَّ الِابْتِلاءَ الغَنِيَّ عَنْهُ سُبْحانَهُ كانَ مُتَعَلِّقًا بِما فِيها، والتَّمْحِيصُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ تَصْفِيَةٌ وتَطْهِيرٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا تُشْعِرُ بِهِ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنْهُ، وإنَّما فَعَلَهُ لِحِكْمَةٍ، نَعَمْ إذا أُرِيدَ بِهِ الكَشْفُ والتَّمْيِيزُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ أيْضًا.

ومِن هُنا جَوَّزَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَوْنَها حالًا مِن مُتَعَلِّقِ الفِعْلَيْنِ، أيْ فَعَلَ ما فَعَلَ لِلِابْتِلاءِ والكَشْفِ، والحالُ أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْهُما مُحِيطٌ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ، إلّا أنَّهُ لا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ سِرُّ التَّعْبِيرِ عَنِ الإسْرارِ والخَفِيّاتِ بِذاتِ الصُّدُورِ دُونَ ذاتِ القُلُوبِ، مَعَ أنَّ التَّعْبِيرَ الثّانِيَ أوْلى بِها لِأنَّ القُلُوبَ مَحَلُّها بِلا واسِطَةٍ، ومَحَلِّيَّةُ الصُّدُورِ لَها بِحَسَبِ الظّاهِرِ بِواسِطَةِ القُلُوبِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ذاتَ الصُّدُورِ بِمَعْنى الأشْياءِ الَّتِي لا تَكادُ تُفارِقُ الصُّدُورَ لِكَوْنِها حالَّةً فِيها بَلْ تَلازُمُها وتُصاحُبُها أشْمَلُ مِن ذاتِ القُلُوبِ لِصِدْقِ الأُولى عَلى الأسْرارِ الَّتِي في القُلُوبِ وعَلى القُلُوبِ أنْفُسِها، لِأنَّ كُلًّا مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مُلازِمٌ لِلصُّدُورِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ حالًّا فِيها دُونَ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّها لا تَصْدُقُ إلّا عَلى الأسْرارِ لِأنَّها الحالَّةُ فِيها دُونَ الصُّدُورِ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِن ذاتِ الصُّدُورِ هَذا المَعْنى الشّامِلُ، ويَكُونُ التَّعْبِيرُ بِها لِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ ١٥٥

﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا ﴾ الدُّبُرَ عَنِ المُشْرِكِينَ بِأُحُدٍ ﴿ مِنكُمْ ﴾ أيُّها المُسْلِمُونَ، أوْ إنَّ الَّذِينَ هَرَبُوا مِنكم إلى المَدِينَةِ ﴿ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ وهُما جَمْعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجَمْعُ أبِي سُفْيانَ.

﴿ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الزَّلَلَ ودَعاهم إلَيْهِ ﴿ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ﴾ مِن ذُنُوبِهِمْ يَعْنِي إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا كانَ السَّبَبُ في تَوْلِيَتِهِمْ أنَّهم كانُوا أطاعُوا الشَّيْطانَ فاقْتَرَفُوا ذُنُوبًا فَمُنِعُوا مِنَ التَّأْيِيدِ وتَقْوِيَةِ القُلُوبِ حَتّى تَوَلَّوْا، وعَلى هَذا لا يَكُونُ الزَّلَلُ هو التَّوَلِّي بَلِ الذُّنُوبُ المُفْضِيَةُ إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الزَّلَلُ الَّذِي أوْقَعَهُمُ الشَّيْطانُ فِيهِ ودَعاهم إلَيْهِ هو التَّوَلِّيَ نَفْسَهُ، وحِينَئِذٍ يُرادُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا إمّا الذُّنُوبُ السّابِقَةُ، ومَعْنى السَّبَبِيَّةِ انْجِرارُها إلَيْهِ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ يَجُرُّ الذَّنْبَ كَما أنَّ الطّاعَةَ تَجُرُّ الطّاعَةَ، وإمّا قَبُولُ ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مِنَ الهَزِيمَةِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وإمّا مُخالَفَةُ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالثَّباتِ في المَرْكَزِ فَجَرَّهم ذَلِكَ إلى الهَزِيمَةِ، وإمّا الذُّنُوبُ السّابِقَةُ لا بِطْرِيقِ الِانْجِرارِ بَلْ لِكَراهَةِ الجِهادِ مَعَها، فَقَدْ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الشَّيْطانَ ذَكَّرَهم خَطايا لَهم كَرِهُوا لِقاءَ اللَّهِ تَعالى مَعَها فَأخَّرُوا الجِهادَ وتَوَلَّوْا حَتّى يُصْلِحُوا أمْرَهم ويُجاهِدُوا عَلى حالٍ مَرْضِيَّةٍ، والتَّرْكِيبُ عَلى الوَجْهَيْنِ مِن بابِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ: إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجِرَةً بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ وُدَّها غُولُ ولَيْسَ مِن بابِ أنَّ الصِّفَةَ عِلَّةٌ لِلْخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ ﴾ لِأنَّ ﴿ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ﴾ يَأْباهُ ويُحَقِّقُ التَّحْقِيقَ، وهو أيْضًا مِن بابِ التَّرْدِيدِ لِلتَّعْلِيقِ كَقَوْلِهِ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها ∗∗∗ لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ لَأنَّ ﴿ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ ﴾ إلَخْ خَبَرُ إنَّ، وزِيدَ إنَّ للتَّوْكِيدِ وطُولِ الكَلامِ، وما لِتَكُفَّها عَنِ العَمَلِ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ: إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما تَوَلَّوْا لِأنَّ الشَّيْطانَ اسْتَزَلَّهم بِبَعْضِ إلَخْ، فَهو كَقَوْلِكَ: إنَّ الَّذِي أكْرَمَكَ إنَّما أكْرَمَكَ لِأنَّكَ تَسْتَحِقُّهُ، وذِكْرُ بَعْضٍ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ في كَسْبِهِمْ ما هو طاعَةٌ لا يُوجِبُ الِاسْتِزْلالِ، أوْ لِأنَّ هَذِهِ العُقُوبَةَ لَيْسَتْ بِكُلِّ ما كَسَبُوا لِأنَّ الكُلَّ يَسْتَدْعِي زِيادَةً عَلَيْها لَكِنَّهُ تَعالى مَنَّ بِالعَفْوِ عَنْ كَثِيرٍ ﴿ ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ ﴾ .

﴿ ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ أعادَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ العَفْوِ تَأْكِيدًا لِطَمَعِ المُذْنِبِينَ فِيهِ ومَنعًا لَهم عَنِ اليَأْسِ وتَحْسِينًا لِلظُّنُونِ بِأتَمِّ وجْهٍ، وقَدْ يُقالُ: هَذا تَأْسِيسٌ لا تَأْكِيدٌ فَتَذَكَّرْ.

﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لِلذُّنُوبِ صَغائِرِها وكَبائِرِها ﴿ حَلِيمٌ ﴾ (155) لا يُعاجِلُ بِعُقُوبَةِ المُذْنِبِ، وقَدْ جاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِلْعَفْوِ عَنْ هَؤُلاءِ المُتَوَلِّينَ وكانُوا أكْثَرَ القَوْمِ، فَقَدْ ذَكَرَ أبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ إلّا ثَلاثَةَ عَشَرَ نَفْسًا؛ خَمْسَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ وطِلْحَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، والباقُونَ مِنَ الأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، ومِن مَشاهِيرِ المُنْهَزِمِينَ: عُثْمانُ ورافِعُ بْنُ المُعَلّى وخارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وسَعْدٌ وعُقْبَةُ ابْنا عُثْمانَ مِنَ الأنْصارِ مِن بَنِي زُرَيْقٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ الأُوَلِ، وعَنْ غَيْرِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، ولَمْ يُوجَدْ في الآثارِ تَصْرِيحٌ بِأكْثَرَ مِن هَؤُلاءِ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم بالَغُوا في الفِرارِ ولَمْ يَرْجِعُوا إلّا بَعْدَ مُضِيِّ وقْتٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، حَتّى إنَّ مِنهم مَن لَمْ يَرْجِعْ إلّا بَعْدَ ثَلاثٍ، فَزَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: لَقَدْ ذَهَبْتُمْ بِها عَرِيضَةً، وأمّا سائِرُ المُنْهَزِمِينَ فَقَدِ اجْتَمَعُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى الجَبَلِ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ مِن هَذا الصِّنْفِ كَما في خَبَرِ ابْنِ جَرِيرٍ خِلافًا لِلشِّيعَةِ، وبِفَرْضِ التَّسْلِيمِ لا تَعْيِيرَ بَعْدَ عَفْوِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الجَمِيعِ، ونَحْنُ لا نَدَّعِي العِصْمَةَ في الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ولا نَشْتَرِطُها في الخِلافَةِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّۭى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ١٥٦

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ قالَهُ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ، وإنَّما ذُكِرَ في صَدْرِ الجُمْلَةِ كُفْرُهم تَصْرِيحًا بِمُبايَنَةِ حالِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ وتَنْفِيرًا عَنْ مُماثَلَتِهِمْ وهم هم، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ الإقْرارِ بِاللِّسانِ كَما يَقُولُهُ الكَرّامِيَّةُ، وإلّا لَما سُمِيَّ المُنافِقُ كافِرًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا سائِرُ الكُفّارِ عَلى العُمُومِ، أيْ لا تَكُونُوا كالكَفَرَةِ في نَفْسِ الأمْرِ ﴿ وقالُوا لإخْوانِهِمْ ﴾ في المَذْهَبِ أوِ النَّسَبِ، واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ أيْ قالُوا لِأجْلِهِمْ، وجَعَلَها ابْنُ الحاجِبِ بِمَعْنى عَنْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُخاطَبَةَ الإخْوانِ كَما هو المُتَبادَرُ لِدَلالَةِ ما بَعْدُ عَلى أنَّهم كانُوا غائِبِينَ حِينَ هَذا القَوْلِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَعَلَ القَوْلَ لِإخْوانِهِمْ بِاعْتِبارِ البَعْضِ الحاضِرِينَ، والضَّرْبُ الآتِي لِضَرْبٍ آخَرَ تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ سِوى كَثْرَةِ الفُضُولِ.

﴿ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ ﴾ أيْ سافَرُوا فِيها لِتِجارَةٍ أوْ طَلَبِ مَعاشٍ فَماتُوا قالَهُ السُّدِّيُّ، وأصْلُ الضَّرْبِ إيقاعُ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ واسْتُعْمِلَ في السَّيْرِ لِما فِيهِ مِن ضَرْبِ الأرْضِ بِالرِّجْلِ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً فِيهِ، وقِيلَ: أصْلُ الضَّرْبِ في الأرْضِ الإبْعادُ في السَّيْرِ وهو مَمْنُوعٌ، وخَصَّ الأرْضَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ أكْثَرَ أسْفارِهِمْ كانَ في البَرِّ، وقِيلَ: اكْتَفى بِذِكْرِ الأرْضِ مُرادًا بِها البَرُّ عَنْ ذِكْرِ البَحْرِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأرْضِ ما يَشْمَلُ البَرَّ والبَحْرَ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، وجِيءَ بِإذا، وحَقُّ الكَلامِ إذْ كَما قالُوا لَقالُوا الدّالُّ بِهَيْئَةٍ عَلى الزَّمانِ المُنافِي لِلزَّمانِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ (إذا) مُراعاةً لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنْ تُقَدِّرَ نَفْسَكَ كَأنَّكَ مَوْجُودٌ في ذَلِكَ الزَّمانِ الماضِي أوْ تُقَدِّرَ ذَلِكَ الزَّمانَ كَأنَّهُ مَوْجُودٌ الآنَ وهَذا كَقَوْلِكَ: قالُوا ذَلِكَ حِينَ يَضْرِبُونَ، والمَعْنى حِينَ ضَرَبُوا إلّا أنَّكَ جِئْتَ بِلَفْظِ المُضارِعِ اسْتِحْضارًا لِصُورَةِ ضَرْبِهِمْ في الأرْضِ، واعْتُرِضَ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ حِكايَةَ الحالِ إنَّما تَكُونُ حَيْثُ يُؤْتى بِصِيغَةِ الحالِ وهَذِهِ صِيغَةُ اسْتِقْبالٍ لِأنَّ مَعْنى ﴿ إذا ضَرَبُوا ﴾ حِينَ يَضْرِبُونَ فِيما يُسْتَقْبَلُ، الثّانِي أنَّ قَوْلَهم: لَوْ كانُوا عِنْدَنا إنَّما هو بَعْدَ مَوْتِهِمْ فَكَيْفَ يَتَقَيَّدُ بِالضَّرْبِ في الأرْضِ.

وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ ﴿ إذا ضَرَبُوا ﴾ في مَعْنى الِاسْتِمْرارِ كَما في ﴿ وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فَيُفْسِدُ الِاسْتِحْضارَ نَظَرًا لِلْحالِ، وعَنِ الثّانِي بِأنْ ﴿ قالُوا لإخْوانِهِمْ ﴾ في مَوْقِعِ جَزاءِ الشَّرْطِ مِن جِهَةِ المَعْنى فَيَكُونُ المَعْنى لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا، وإذا ضُرِبَ إخْوانُهم فَماتُوا ﴿ أوْ كانُوا غُزًّى ﴾ فَقُتِلُوا قالُوا ﴿ لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا ﴾ فالضَّرْبُ والقَتْلُ كِلاهُما في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وتَقْيِيدُ القَوْلِ بِالضَّرْبِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ الجُزْءِ الأخِيرِ وهو المَوْتُ، والقَتْلُ فَإنَّهُ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لَفْظًا لِدَلالَةِ ما في القَوْلِ عَلَيْهِ فَهو مُرادٌ مَعْنًى، والمُعْتَبَرُ المُقارَنَةُ عُرْفًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ ﴾ وكَقَوْلِكَ: إذا طَلَعَ هِلالُ المُحَرَّمِ؛ أتَيْتُكَ في مُنْتَصَفِهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: (إذا) هُنا تَنُوبُ عَمّا مَضى مِنَ الزَّمانِ وما يُسْتَقْبَلُ يَعْنِي أنَّها لِمُجَرَّدِ الوَقْتِ أوْ لِقَصْدِ الِاسْتِمْرارِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الصّائِبُ أنْ لا يُجْعَلَ ﴿ إذا ضَرَبُوا ﴾ ظَرْفًا لِقالُوا، بَلْ ظَرْفٌ لِما يَحْصُلُ لِلْإخْوانِ حِينَ يُقالُ لِأجْلِهِمْ وفي حَقِّهِمْ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: قالُوا لِأجْلِ الأحْوالِ العارِضَةِ لِلْإخْوانِ ﴿ إذا ضَرَبُوا ﴾ بِمَعْنى حِينَ كانُوا يَضْرِبُونَ قالَهُ العَلّامَةُ الثّانِي، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَجْرِيدَ (إذا) عَنْ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ وجَعْلَها بِمَعْنى الوَقْتِ مُطْلَقًا كافٍ في تَوْجِيهِ الآيَةِ مُزِيلٌ لِإشْكالِها، وقَصْدُ الِاسْتِمْرارِ مِنها لا يَدْفَعُ الِاعْتِراضَ عَنْ ذَلِكَ التَّوْجِيهِ؛ لِأنَّها إذا كانَتْ لِلِاسْتِمْرارِ تَشْمَلُ الماضِي فَلا تَكُونُ لِحِكايَةِ الحالِ، وكَذا إذا كانَ قالُوا جَوابًا إذْ يَصِيرُ مُسْتَقْبَلًا فَلا تَتَأتّى فِيهِ الحِكايَةُ المَذْكُورَةُ أيْضًا، ويَرُدُّ عَلى ما اقْتَضاهُ النَّظَرُ الصّائِبُ أنَّ دُونَ إثْباتِ صِحَّةِ مِثْلِهِ في العَرَبِيَّةِ خَرْطَ القَتادِ، وأقْعَدُ مِنهُ - وإنْ كانَ بَعِيدًا - ما قالَهُ أبُو حَيّانَ مِن أنَّهُ يُمْكِنُ إقْرارُ (إذا) عَلى الِاسْتِقْبالِ بِأنْ يُقَدَّرَ العامِلُ فِيها مُضافٌ مُسْتَقْبَلٌ عَلى أنَّ ضَمِيرَ لَوْ كانُوا عائِدًا عَلى إخْوانِهِمْ لَفْظًا لا مَعْنًى عَلى حَدِّ عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، والتَّقْدِيرُ (وقالُوا) مَخافَةَ هَلاكِ إخْوانِهِمْ ﴿ إذا ضَرَبُوا ﴾ ﴿ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا ﴾ أيْ إخْوانُنا الآخَرُونَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ مَوْتُهم وقَتْلُهم ﴿ عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا ﴾ فَتَكُونُ هَذِهِ المَقالَةُ تَثْبِيطًا لِإخْوانِهِمُ الباقِينَ عَنِ السَّفَرِ والغَزْوِ لِئَلّا يُصِيبَهم ما أصابَ الأوَّلِينَ، وإنَّما لَمْ يَحْمِلُوا (إذا) هُنا عَلى الحالِ كَما قِيلَ بِحَمْلِها عَلَيْهِ بَعْدَ القَسَمِ نَحْوِ ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ لِتَصْفُوَ لَهم دَعْوى حِكايَةِ الحالِ عَنِ الكَدَرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ هُناكَ، فَقَدْ صَحَّحُوا فِيهِ بَقاءَها عَلى الِاسْتِقْبالِ مِن غَيْرِ مَحْذُورٍ، وجُوِّزَ في الآيَةِ كَوْنُ قالُوا بِمَعْنى يَقُولُونَ، وقَدْ جاءَ في كَلامِهِمُ اسْتِعْمالُ الماضِي بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ ومِنهُ قَوْلُهُ: وإنِّي لَآتِيكم تَشَكُّرَ ما مَضى مِنَ الأمْرِ واسْتِيجابَ ما كانَ في غَدِ وكَذا جُوِّزَ بَقاؤُهُ عَلى مَعْناهُ وحَمْلُ (إذا) عَلى الماضِي فَإنَّها تَجِيءُ لَهُ كَما جاءَتْ إذْ لِلْمُسْتَقْبَلِ في قَوْلِ البَعْضِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها ﴾ وقَوْلِهِ: ونَدْمانٍ يَزِيدُ الكَأْسَ طِيبًا ∗∗∗ سَقَيْتُ (إذا) تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ وحِينَئِذٍ لا مُنافاةَ بَيْنَ زَمانَيِ القَيْدِ والمُقَيَّدِ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ كُلَّهُ، والجُمْلَةُ المُعَيِّنَةُ لِوَجْهِ الشَّبَهِ والمُماثِلَةِ الَّتِي نُهُوا عَنْها هي الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ، والمَعْنى لا تَتَشَبَّهُوا بِالكُفّارِ في قَوْلِهِمْ لِإخْوانِهِمْ إذا سافَرُوا ﴿ أوْ كانُوا غُزًّى ﴾ جَمْعُ غازٍ كَعافٍ وعُفًّى وهو مِن نَوادِرِ الجَمْعِ في المُعْتَلِّ، واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بَعْضُهم بِقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ومُغْبَرَّةِ الآفاقِ خاشِعَةِ الصُّوى ∗∗∗ لَها قَلْبٌ عُفّى الحِياضِ أجْوَنُ ويُجْمَعُ عَلى غُزاةٍ كَقاضٍ وقُضاةٍ، وعَلى غَزِي مِثْلِ حاجٍّ وحَجِيجٍ وقاطِنٍ وقَطِينٍ، وعَلى غُزّاءٍ مِثْلِ فاسِقٍ وفُسّاقٍ، وأنْشَدُوا لَهُ قَوْلَ تَأبَّطَ شَرًّا.

فَيَوْمًا بِغُزّاءٍ ويَوْمًا بِسُرْيَةٍ ∗∗∗ ويَوْمًا بِخَشْخاشٍ مِنَ الرَّجْلِ هَيْضَلِ وعَلى غازُونَ مِثْلِ ضارِبٍ وضارِبُونَ، وهو مَنصُوبٌ بِفَتْحَةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلى الألِفِ المُنْقَلِبَةِ عَنِ الواوِ المَحْذُوفَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ إذْ أصْلُهُ غَزُوا تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فَقُلِبَتْ ألْفًا ثُمَّ حُذِفَتْ وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الزّايِ، قالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ أصْلَهُ غُزّاةً فَحُذِفَتِ الهاءُ تَخْفِيفًا لِأنَّ التّاءَ دَلِيلُ الجَمْعِ، وقَدْ حَصَلَ مِن نَفْسِ الصِّيغَةِ.

والثّانِي أنَّهُ أُرِيدَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَحُذِفَتْ إحْدى الزّاءَيْنِ كَراهِيَةَ التَّضْعِيفِ، وذُكِرَ هَذا الشِّقُّ مَعَ دُخُولِهِ فِيما قَبْلَهُ لِأنَّهُ المَقْصُودُ في المَقامِ وما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ عَلى أنَّهُ قِيلَ: قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الضَّرْبِ في الأرْضِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ السَّفَرُ البَعِيدُ فَبُيِّنَ الضَّرْبُ عَلى هَذا، وكَوْنُهم غُزاةً عُمُومٌ مِن وجْهٍ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ أوْ غَزْوًا لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ اتِّصافِهِمْ بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ غُزاةً أوْ لِانْقِضاءِ ذَلِكَ، أيْ كانُوا غُزاةً فِيما مَضى.

﴿ لَوْ كانُوا ﴾ مُقِيمِينَ ﴿ عِنْدَنا ﴾ بِأنْ لَمْ يُسافِرُوا أوْ يَغْزُوا ﴿ ما ماتُوا وما قُتِلُوا ﴾ بَلْ كانُوا يَبْقَوْنَ زِيادَةً عَلى ما بَقُوا، والجُمْلَةُ الِامْتِناعِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ لِقالُوا ودَلِيلٌ عَلى أنَّ في الكَلامِ السّابِقِ مُضْمَرًا قَدْ حُذِفَ أيْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ فَماتُوا ﴿ أوْ كانُوا غُزًّى ﴾ فَقُتِلُوا، وتَقْدِيرُ فَماتُوا، أوْ قَتَلُوا في كُلٍّ مِنَ الشِّقَّيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا داخِلٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ ومِن جُمْلَةِ المُشَبَّهِ بِهِ، والإشارَةُ إلى القَوْلِ لَكِنْ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الِاعْتِقادِ، واللّامُ لامُ العاقِبَةِ، والمَعْنى لا تَكُونُوا مِثْلَهم في القَوْلِ الباطِلِ والمُعْتَقَدِ الفاسِدِ المُؤَدِّيَيْنِ إلى الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ والدَّمارِ في العاقِبَةِ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الزَّجّاجِ وأبِي عَلِيٍّ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِلا تَكُونُوا عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ فَهو خارِجٌ عَنْ جُمْلَةِ المُشَبَّهِ بِهِ، لَكِنَّ القَوْلَ والمُعْتَقَدِ داخِلانِ فِيهِ، أيْ لا تَكُونُوا مِثْلَهم في النُّطْقِ بِذَلِكَ القَوْلِ واعْتِقادِهِ لِيَجْعَلَ انْتِفاءَ كَوْنِكم مَعَهم في ذَلِكَ القَوْلِ والِاعْتِقادِ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ خاصَّةً، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ قَوْلٌ لا تَحْقِيقَ فِيهِ لِأنَّ جَعْلَ الحَسْرَةِ لا يَكُونُ سَبَبًا لِلنَّهْيِ، إنَّما يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ امْتِثالِ النَّهْيِ، وهو انْتِفاءُ المُماثِلَةِ، فَحُصُولُ ذَلِكَ الِانْتِفاءِ والمُخالَفَةِ فِيما يَقُولُونَ ويَعْتَقِدُونَ يَحْصُلُ عَنْهُ ما يَغِيظُهم ويَغُمُّهم، إذْ لَمْ يُوافِقُوهم فِيما قالُوهُ واعْتَقَدُوهُ، فَيُتْرَكُ الضَّرْبُ في الأرْضِ والغَزْوِ، وكَأنَّ القائِلَ التَبَسَ عَلَيْهِ اسْتِدْعاءُ انْتِفاءِ المُماثِلَةِ بِحُصُولِ الِانْتِفاءِ، وفَهْمُ هَذا فِيهِ خَفاءٌ ودِقَّةٌ.

وتَعَقَّبَهُ السَّفاقُسِيُّ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا الِاعْتِراضِ أنْ لا يَجُوزَ نَحْوُ لا تَعْصِ لِتَدْخُلَ الجَنَّةَ؛ لِأنَّ النَّهْيَ لَيْسَ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ، وكَذا لا يَجُوزُ أطِعِ اللَّهَ تَعالى لِتَدْخُلَ الجَنَّةَ؛ لِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ سَبَبًا لِدُخُولِها، ثُمَّ قالَ: والحَقُّ أنَّ اللّامَ تَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ والمَأْمُورِ بِهِ عَلى مَعْنى أنَّ الكَفَّ عَنِ الفِعْلِ أوِ الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ سَبَبٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ ونَحْوِهِ، وهَذا لا إشْكالَ فِيهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ بِلا تَكُونُوا، والإشارَةُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ، والكُلُّ خارِجٌ عَنِ المُشَبَّهِ بِهِ، والمَعْنى لا تَكُونُوا مِثْلَهم لِيَجْعَلَ اللَّهُ انْتِفاءَ كَوْنِكم مِثْلَهم حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، وعَلى هَذا يَكُونُ (وقالُوا) ابْتِداءَ كَلامٍ مَعْطُوفًا عَلى مُقَدَّراتٍ شَتّى كَما يَقْتَضِيهِ أقْوالُ المُنافِقِينَ وأحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، ووَجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّهُ لَمّا وقَعَ التَّنْبِيهُ عَلى عَدَمِ الكَوْنِ مِثْلَهم عَمَّ جَمِيعَ ما يَتَّصِلُ بِهِمْ مِنَ الرَّذائِلِ، وخُصَّ المَذْكُورُ لِكَوْنِهِ أشْنَعَ وأبِينَ لِنِفاقِهِمْ أيْ أنَّهم أعْداءُ الدِّينِ لَمْ يُقَصِّرُوا في المَضارَةِ والمُضادَّةِ، بَلْ فَعَلُوا كَيْتَ وكَيْتَ وقالُوا كَذا وكَذا، ومِن هَذا يُعْلَمُ ما في تِلْكَ المُقَدَّراتِ، وعَلى كُلٍّ مِنَ الأوْجِهِ الثَّلاثَةِ يَكُونُ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ في قُلُوبِهِمْ عائِدًا إلى الكافِرِينَ، وذَكَرَ القُلُوبَ مَعَ أنَّ الحَسْرَةَ لا تَكُونُ إلّا فِيها لِإرادَةِ التَّمَكُّنِ والإيذانِ بِعَدَمِ الزَّوالِ.

وجَوَّزَ ابْنُ تَمْجِيدٍ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى المُؤْمِنِينَ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقالُوا حِينَئِذٍ لا غَيْرَ، ووَجَّهَ الآيَةَ بِما يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ.

﴿ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ الباطِلِ إثْرَ بَيانِ غائِلَتِهِ أيْ واللَّهُ هو المُؤَثِّرُ الحَقِيقِيُّ في الحَياةِ والمَماتِ وحْدَهُ لا الإقامَةُ أوِ السَّفَرُ، فَإنَّهُ تَعالى قَدْ يُحْيِي المُسافِرَ والغازِيَ مَعَ اقْتِحامِهِما مَوارِدَ الحُتُوفِ، ويُمِيتُ المُقِيمَ والقاعِدَ وإنْ كانا تَحْتَ ظِلالِ النَّعِيمِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُوجِدُ الحَياةَ والمَماتَ وإنْ كانَ هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ فِيهِ ولا يَحْصُلُ بِهِ الرَّدُّ، وإنَّما الكَلامُ في إحْداثِ ما يُؤَثِّرُهُما، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُحْيِي ويُمِيتُ في السَّفَرِ والحَضَرِ عِنْدَ حُضُورِ الأجَلِ، ولا مُؤَخِّرَ لِما قَدَّمَ، ولا مُقَدِّمَ لِما أخَّرَ، ولا رادَّ لِما قَضى، ولا مَحِيصَ عَمّا قَدَّرَ، وفِيهِ مَنعُ المُؤْمِنِينَ عَنِ التَّخَلُّفِ في الجِهادِ لِخَشْيَةِ القَتْلِ، والواوُ لِلْحالِ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ لا يَصِحُّ عَطْفُ الإخْبارِ عَلى الإنْشاءِ.

﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ (156) تَرْغِيبٌ في الطّاعَةِ، وتَرْهِيبٌ عَنِ المَعْصِيَةِ، أوْ تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أنْ يُماثِلُوا الكُفّارَ؛ لِأنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى كَعِلْمِهِ تُسْتَعْمَلُ في القُرْآنِ لِلْمُجازاةِ عَلى المَرْئِيِّ كالمَعْلُومِ، والمُؤْمِنُونَ وإنْ لَمْ يُماثِلُوهم فِيما ذُكِرَ، لَكِنْ نَدَمُهم عَلى الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ يَقْتَضِيهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ - غَيْرُ عاصِمٍ - يَعْمَلُونَ بِالياءِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ حِينَئِذٍ لِلْكُفّارِ، والعَمَلُ عامٌّ مُتَناوِلٌ لِلْقَوْلِ المَذْكُورِ ولِمُنْشِئِهِ الَّذِي هو الِاعْتِقادُ الفاسِدُ ولِما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ، ولِذَلِكَ تَعَرَّضَ لِعُنْوانِ البَصَرِ لا لِعُنْوانِ السَّمْعِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ وكَذا تَقْدِيمُ الظَّرْفِ.

* * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ) ﴿ وكَأيِّنْ ﴾ وكَمْ ﴿ مِن نَبِيٍّ ﴾ مُرْتَفِعِ القَدْرِ جَلِيلِ الشَّأْنِ وهو في الأنْفُسِ الرُّوحُ القُدُسِيَّةِ ﴿ قاتَلَ مَعَهُ ﴾ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى أعْنِي النَّفْسَ الأمّارَةَ ﴿ رِبِّيُّونَ ﴾ مُتَخَلِّقُونَ بِأخْلاقِ الرَّبِّ وهُمُ القُوى الرُّوحانِيَّةُ ﴿ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وطَرِيقُ الوُصُولِ إلَيْهِ مِن تَعَبِ المُجاهَداتِ ﴿ وما ضَعُفُوا ﴾ في طَلَبِ الحَقِّ ﴿ وما اسْتَكانُوا ﴾ وما خَضَعُوا لِلسِّوى ﴿ واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ ﴾ عَلى مُقاساةِ الشَّدائِدِ في جِهادِ النَّفْسِ ﴿ وما كانَ قَوْلَهم إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ﴾ اسْتُرُ لَنا وُجُوداتِنا بِإفاضَةِ أنْوارِ الوُجُودِ الحَقِيقِيِّ عَلَيْنا ﴿ وإسْرافَنا في أمْرِنا ﴾ أيْ تَجاوُزَنا حُدُودَ ظاهِرِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ صَدَماتِ التَّجَلِّياتِ ﴿ وثَبِّتْ أقْدامَنا ﴾ في مَواطِنِ حُرُوبِ أنْفُسِنا ﴿ وانْصُرْنا ﴾ بِتَأْيِيدِكَ وإمْدادِكَ ﴿ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ السّاتِرِينَ لِرُبُوبِيَّتِكَ.

﴿ فَآتاهُمُ اللَّهُ ﴾ بِسَبَبِ دُعائِهِمْ بِألْسِنَةِ الِاسْتِعْداداتِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ تَعالى ﴿ ثَوابَ الدُّنْيا ﴾ وهو مَرْتَبَةُ تَوْحِيدِ الأفْعالِ وتَوْحِيدِ الصِّفاتِ ﴿ وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ ﴾ وهو مَقامُ تَوْحِيدِ الذّاتِ ﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ في الطَّلَبِ الَّذِينَ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الأغْيارِ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿ إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهُمُ النُّفُوسُ الكافِرَةُ وصِفاتُها ﴿ يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ ﴾ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ وهو سَجِينُ البَهِيمِيَّةِ ﴿ فَتَنْقَلِبُوا ﴾ تَرْجِعُوا القَهْقَرى ﴿ خاسِرِينَ ﴾ أنْفُسَكم.

﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ ﴾ ناصِرُكم ﴿ وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ ﴾ لِمَن عَوَّلَ عَلَيْهِ وقَطَعَ نَظَرَهُ عَمَّنْ سِواهُ.

﴿ سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ أيِ الخَوْفَ ﴿ بِما أشْرَكُوا ﴾ أيْ بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ ﴿ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ ﴾ أيْ بِوُجُودِهِ ﴿ سُلْطانًا ﴾ أيْ حُجَّةً إذْ لا حُجَّةَ عَلى وُجُودِهِ حَتّى يُنْزِلَها لِتَحَقُّقِ عَدَمِهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ، وجَعَلَ سُبْحانَهُ إلْقاءَ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ مُسَبَّبًا عَنْ شِرْكِهِمْ لِأنَّ الشَّجاعَةَ وسائِرَ الفَضائِلِ اعْتِدالاتٌ في قُوى النَّفْسِ عِنْدَ تَنُّورِها بِنُورِ القَلْبِ المُنَوَّرِ بِنُورِ التَّوْحِيدِ، فَلا تَكُونُ تامَّةً حَقِيقِيَّةً إلّا لِلْمُوَحِّدِ المُوقِنِ، وأمّا المُشْرِكُ فَمَحْجُوبٌ عَنْ مَنبَعِ القُوَّةِ بِما أشْرَكَ ما لا وُجُودَ ولا ذاتَ في الحَقِيقَةِ لَهُ فَهو ضَعِيفٌ عاذَ بَقَرْمَلَةٍ ﴿ ومَأْواهُمُ النّارُ ﴾ وهي نارُ الحِرْمانِ ﴿ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ ﴾ الَّذِينَ وضَعُوا الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وعَبَدُوا أسْماءً سَمَّوْها ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِها مِن كِتابٍ.

﴿ ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ ﴾ المَشْرُوطَ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى ﴿ إذْ تَحُسُّونَهُمْ ﴾ أيْ تَقْتُلُونَ جُنُودَ الصِّفاتِ البَشَرِيَّةِ قَتْلًا ذَرِيعًا ﴿ بِإذْنِهِ ﴾ وأمْرِهِ لا عَلى وفْقِ الطَّبْعِ ﴿ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ ﴾ جَبُنْتُمْ عِنْدَ تَجَلِّي الجِلالِ ﴿ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ﴾ وخالَفْتُمْ في أمْرِ الطَّلَبِ ﴿ وعَصَيْتُمْ ﴾ المُرْشِدَ المُرَبِّي ﴿ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ ﴾ مِنَ الفَوْزِ بِأنْوارِ الحَضْرَةِ ﴿ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ﴾ لِقُصُورِ هِمَّتِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ ﴿ ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ لِطُولِ باعِهِ وقُوَّةِ عَقْلِهِ ﴿ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ ﴾ أيْ عَنْ أعْداءِ نُفُوسِكم وجُنُودِها ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ أيْ يَمْتَحِنَكم بِالسَّتْرِ بَعْدَ التَّجَلِّي بِأنْوارِ المُشاهِداتِ والصَّحْوِ بَعْدَ السُّكْرِ بِأقْداحِ الوارِداتِ والفِطامِ بَعْدَ إرْضاعِ ألْبانِ المُلاطَفاتِ كَما يَقْتَضِي ذَلِكَ الجَلالُ ﴿ ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ فانْقَطَعْتُمْ إلَيْهِ كَما هو مُقْتَضى الجَمالِ ﴿ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ عَلى المُؤْمِنِينَ في طَوْرَيِ التَّقْرِيبِ والإبْعادِ، وما ألْطَفَ قَوْلَ مَن قالَ: فَقَسا لِيَزْدَجِرُوا ومَن يَكُ حازِمًا فَلْيَقْسُ أحْيانًا عَلى مَن يَرْحَمُ ﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ﴾ في جَبَلِ التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ ﴿ ولا تَلْوُونَ ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتُونَ ﴿ عَلى أحَدٍ ﴾ مِنَ الأمْرَيْنِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ والرَّسُولُ ﴾ أيْ رَسُولُ الوارِداتِ ﴿ يَدْعُوكُمْ ﴾ إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ﴿ فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ فَجازاكم بَدَلَ غَمِّ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِغَمِّ طَلَبِ الحَقِّ ﴿ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ ﴾ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا ﴿ ولا ما أصابَكُمْ ﴾ مِن صَدَماتِ تَجَلِّي القَهْرِ ﴿ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أقْرَبُ إلَيْكم مِنكم.

﴿ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا ﴾ أيْ وارِادًا مِن ألْطافِهِ ظَهَرَ في صُورَةِ النُّعاسِ وهو السِّكِّينَةُ الرَّحْمانِيَّةُ ﴿ يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ ﴾ وهُمُ الصّادِقُونَ في الطَّلَبِ ﴿ وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ ﴾ وهم أرْبابُ النُّفُوسِ فَإنَّهم لا هَمَّ لَهم سِوى حَظِّ نُفُوسِهِمْ واسْتِيفاءِ لَذّاتِها ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ﴾ بِمُقْتَضى سُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ أيْ إنَّ الخَلْقَ حالُوا بَيْنَنا وبَيْنَ التَّدْبِيرِ ولَوْ لَمْ يَحُولُوا لَفَعَلْنا ما بِهِ صَلاحُنا ﴿ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ فَهو المُتَصَرِّفُ وحْدَهُ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الِاسْتِعْدادُ فَلا تَدْبِيرَ مَعَ تَدْبِيرِهِ، ولا وُجُودَ لِأحَدٍ سِواهُ ﴿ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ﴾ الخَبِيثَةِ ﴿ ما لا يُبْدُونَ ﴾ بِزَعْمِهِمْ لَكَ أيُّها المُرْشِدُ الكامِلُ ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ﴾ بِسَيْفِ الشَّهَواتِ ( ﴿ ها هُنا ﴾ ) أيْ في هَذِهِ النَّشْأةِ ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ ﴾ وهي مَنازِلُ العَدَمِ الأصْلِيِّ قَبْلَ ظُهُورِ هَذِهِ التَّعْيِناتِ ﴿ لَبَرَزَ ﴾ عَلى حَسَبِ العِلْمِ ﴿ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ ﴾ في لَوْحِ الأزَلِ ﴿ إلى مَضاجِعِهِمْ ﴾ وهي بَيْداءُ الشَّهَواتِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها ﴾ أيْ نُظْهِرَها بِهَذا التَّعَيُّنِ، وإنَّما فَعَلَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ لِحِكَمٍ شَتًّى ﴿ ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ﴾ تَعالى ﴿ ما في صُدُورِكُمْ ﴾ أيْ لِيَمْتَحِنَ ما في اسْتِعْدادِكم مِنَ الصِّدْقِ والإخْلاصِ والتَّوَكُّلِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأخْلاقِ ويُخْرِجَها مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ ﴿ ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ ﴾ أيْ يُخَلِّصَ ما بَرَزَ مِن مَكْمَنِ الصَّدْرِ إلى مَخْزَنِ القَلْبِ مِن غِشِّ الوَساوِسِ وخَواطِرِ النَّفْسِ، فَإنَّ البَلاءَ سَوْطٌ يَسُوقُ اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ إلَيْهِ، ولِهَذا ورَدَ: «أشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأنْبِياءُ ثُمَّ الأوْلِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» .

ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: لِلَّهِ دَرُّ النّائِباتِ فَإنَّها ∗∗∗ صَدَأُ اللِّئامِ وصَيْقَلُ الأحْرارِ ما كُنْتُ إلّا زُبْرَةً فَطَبَعْنَنِي ∗∗∗ سَيْفًا وأطْلَعَ صَرْفَهُنَّ غِرارِي وذَلِكَ لِأنَّهم حِينَئِذٍ يَنْقَطِعُونَ إلى الحَقِّ، ولا يَظْهَرُ عَلى كُلٍّ مِنهم إلّا ما في مَكْمَنِ اسْتِعْدادِهِ كَما قِيلَ: عِنْدَ الِامْتِحانِ يُكْرَمُ الرَّجُلُ أوْ يُهانُ، والخِطابُ في كِلا المَوْضِعَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ الأوَّلَ لِلْمُنافِقِينَ، والثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما خَصَّ الصُّدُورَ بِالأوَّلِينَ لِأنَّ الصَّدْرَ مَعْدِنُ الغِلِّ والوَسْوَسَةِ فَهو أوْفَقُ بِحالِ المُنافِقِينَ، وخَصَّ القُلُوبَ بِالآخَرِينَ لِأنَّ القَلْبَ مَقَرُّ الإيمانِ والِاطْمِئْنانِ وهو أوْفَقُ بِحالِ المُؤْمِنِينَ، وأنَّ نِسْبَةَ الإسْلامِ بِاللِّسانِ إلى الإيمانِ بِالجَنانِ كَنِسْبَةِ الصَّدْرِ إلى القَلْبِ قِيلَ: ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ التَّرْهِيبُ والتَّحْذِيرُ عَنِ الِاتِّصالِ بِما لا يَرْضى مِن تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي يَكُونُ الصَّدْرُ مَكْمَنًا لَها.

﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ جَمْعُ الرُّوحِ وقُواها وجَمْعُ النَّفْسِ وقُواها ﴿ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ لِأنَّها تُورِثُ الظُّلْمَةَ، والشَّيْطانُ لا مَجالَ لَهُ عَلى ابْنِ آدَمَ بِالتَّزْيِينِ والوَسْوَسَةِ إلّا إذا وجَدَ ظُلْمَةً في القَلْبِ، ولَكَ أنْ تُبْقِيَ الجَمْعَيْنِ عَلى ظاهِرِهِما وباقِي الإشارَةِ بِحالِهِ ﴿ ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ حِينَ اسْتَنارَتْ قُلُوبُهم بِنُورِ النَّدَمِ والتَّوْبَةِ ﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ وبِمُقْتَضى ذَلِكَ ظَهَرَتِ المُخالَفاتُ وأُرْدِفَتْ بِالتَّوْبَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مِرْآةً لِظُهُورِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.

ومِن هُنا جاءَ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَأتى اللَّهُ تَعالى بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيُغْفَرُ لَهم» .

وحُكِيَ أنَّ إبْراهِيمَ بْنَ أدْهَمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أكْثَرَ لَيْلَةً في الطَّوافِ مِن قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الذُّنُوبِ، فَسَمِعَ هاتِفًا مَن قَلْبِهِ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ أنْتَ تَسْألُهُ العِصْمَةَ، وكُلُّ عِبادِهِ يَسْألُونَهُ العِصْمَةَ، فَإذا عَصَمَكم عَلى مَن يَتَفَضَّلُ وعَلى مَن يَتَكَرَّمُ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ واعْتِقادِ تَأْثِيرِ السِّوى، وقالُوا لِأجْلِ إخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ إذا فارَقُوهم بِتَرْكِ ما هم عَلَيْهِ وسافَرُوا في أرْضِ نُفُوسِهِمْ وسَلَكُوا سَبِيلَ الرَّشادِ ﴿ أوْ كانُوا غُزًّى ﴾ أيَّ مُجاهِدِينَ مَعَ أعْدى أعْدائِهِمْ وهي نُفُوسُهُمُ الَّتِي بَيْنَ جُنُوبِهِمْ وقُواها وجُنُودُها مِنَ الهَوى والشَّيْطانِ ﴿ لَوْ كانُوا ﴾ مُقِيمِينَ ﴿ عِنْدَنا ﴾ مُوافِقِينَ لَنا ﴿ ما ماتُوا ﴾ بِمُقاساةِ الرِّياضَةِ ﴿ وما قُتِلُوا ﴾ بِسَيْفِ المُجاهِدَةِ، ولاسْتَراحُوا مِن هَذا النَّصَبِ ﴿ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ ﴾ أيْ عَدَمِ الكَوْنِ مِثْلَهم ﴿ حَسْرَةً ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ حِينَ يَرَوْنَ ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَكم واللَّهُ يُحْيِي مَن يَشاءُ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ ويُمِيتُ مَن يَشاءُ بِمَوْتِ الجَهْلِ والبُعْدِ عَنِ الحَضْرَةِ ﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ تَحْذِيرٌ عَنِ المَيْلِ إلى قَوْلِ المُنْكِرِينَ واعْتِقادِهِمْ <div class="verse-tafsir"

وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ١٥٧

﴿ ولَئِنْ قُتِلْتُمْ ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ في الجِهادِ ﴿ أوْ مُتُّمْ ﴾ حَتْفَ الأنْفِ وأنْتُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِهِ فِعْلًا أوْ نِيَّةً.

﴿ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ (157) أيِ الكُفّارُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا ولَذّاتِها مُدَّةَ أعْمارِهِمْ، وهَذا تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في الجِهادِ، وأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يَتَنافَسَ فِيهِ المُتَنافِسُونَ، وفِيهِ تَعْزِيَةٌ لَهم وتَسْلِيَةٌ مِمّا أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى إثْرَ إبْطالِ ما عَسى أنْ يُثَبِّطَهم عَنْ إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى، واللّامُ الأُولى هي مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، والثّانِيَةُ واقِعَةٌ في جَوابِ القَسَمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ ووَفائِهِ بِمَعْناهُ، ومَغْفِرَةٌ مُبْتَدَأٌ، و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها، ووُصِفَتْ بِذَلِكَ إظْهارًا لِلِاعْتِناءِ بِها ورَمْزًا إلى تَحَقُّقِ وُقُوعِها، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى تَقْدِيرِ صِفَةٍ أُخْرى أيْ لَمَغْفِرَةٌ لَكم مِنَ اللَّهِ، وحُذِفَتْ صِفَةُ رَحْمَةٍ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْها، والتَّنْوِينُ فِيهِما لِلتَّقْلِيلِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ ما يُشِيرُ إلَيْهِ الوَصْفُ، وثُبُوتُ أصْلِ الخَيْرِيَّةِ لِما يَجْمَعُهُ الكُفّارُ كَما يَقْتَضِيهِ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، إمّا بِناءً عَلى أنَّ الَّذِي يَجْمَعُونَهُ في الدُّنْيا قَدْ يَكُونُ مِنَ الحَلالِ الَّذِي يُعَدُّ خَيْرًا في نَفْسِ الأمْرِ، وإمّا أنَّ ذَلِكَ وارِدٌ عَلى حَسَبِ قَوْلِهِمْ ومُعْتَقَدِهِمْ أنَّ تِلْكَ الأمْوالَ خَيْرٌ، وجُوِّزَ في (ما) أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، أوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ ويَكُونُ المَفْعُولُ حِينَئِذٍ مَحْذُوفًا أيْ مِن جَمْعِهِمُ المالَ، وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ الكُوفَةِ - غَيْرُ عاصِمٍ - (مِتُّمْ) بِالكَسْرِ، ووافَقَهم حَفْصٌ في سائِرِ المَواضِعِ إلّا هَهُنا، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ المِيمِ وهو عَلى الأوَّلِ مِن ماتَ يَماتُ مِثْلُ خِفْتُمْ مَن خافَ يَخافُ، وعَلى الثّانِي مِن ماتَ يَمُوتُ مِثْلُ كُنْتُمْ مَن كانَ يَكُونُ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (يَجْمَعُونَ) بِالياءِ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ، وقَرَأ الباقُونَ (تَجْمَعُونَ) بِالتّاءِ عَلى صِيغَةِ الخِطابِ، والضَّمِيرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَدَّمَ القَتْلَ عَلى المَوْتِ لِأنَّهُ أكْثَرُ ثَوابًا وأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَتَرَتُّبُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلَيْهِ أقْوى.

<div class="verse-tafsir"

وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ ١٥٨

وعَكَسَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾ (158) لِأنَّ المَوْتَ أكْثَرُ مِنَ القَتْلِ وهُما مُسْتَوَيانِ في الحَشْرِ، والمَعْنى أنَّكم بِأيِّ سَبَبٍ اتَّفَقَ هَلاكُكم تُحْشَرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى لا إلى غَيْرِهِ فَيَجْزِي كُلًّا مِنكم كَما يَسْتَحِقُّ فَيُجازِي المُحْسِنَ عَلى إحْسانِهِ والمُسِيءَ عَلى إساءَتِهِ، ولَيْسَ غَيْرُهُ يُرْجى مِنهُ ثَوابٌ أوْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ دَفْعُ عِقابٍ، فَآثِرُوا ما يُقَرِّبُكم إلَيْهِ ويَجُرُّ لَكم رِضاهُ مِنَ العَمَلِ بِطاعَتِهِ والجِهادِ في سَبِيلِهِ ولا تَرْكَنُوا إلى الدُّنْيا، ومِمّا يُنْسَبُ لِلْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: فَإنْ تَكُنِ الأبْدانُ لِلْمَوْتِ أُنْشِئَتْ فَقَتْلُ امْرِئٍ بِالسَّيْفِ واللَّهِ أفْضَلُ والكَلامُ في اللّامَيْنِ كالكَلامِ في أُخْتَيْهِما بِلامَيْنِ، وإدْخالُ لامِ القَسَمِ عَلى المَعْمُولِ المُقَدَّمِ مُشْعِرٌ بِتَأْكِيدِ الحَصْرِ والِاخْتِصاصِ بِأنَّ أُلُوهِيَّتَهُ تَعالى هي الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ تَقْدِيمَ هَذا المَعْمُولَ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ ويَزِيدُهُ حُسْنًا وُقُوعُ ما بَعْدَهُ فاصِلَةً، وما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا أوْلى، قالُوا: ولَوْلا هَذا التَّقْدِيمُ لَوَجَبَ تَوْكِيدُ الفِعْلِ بِالنُّونِ لِأنَّ المُضارِعَ المُثْبَتَ إذا كانَ مُسْتَقْبَلًا وجَبَ تَوْكِيدُهُ مَعَ اللّامِ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ حَيْثُ يُجَوِّزُونَ التَّعاقُبَ بَيْنَهُما، وظاهِرُ صَنِيعِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ يُشْعِرُ بِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مُقَدَّرًا بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ، أيْ ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولَعَلَّ الحَمْلَ عَلى العُمُومِ أوْلى، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ في الآيَةِ تَقْسِيمَ مَقاماتِ العُبُودِيَّةِ إلى ثَلاثِ أقْسامٍ، فَمَن عَبَدَ اللَّهَ تَعالى خَوْفًا مِن نارِهِ آمَنَهُ مِمّا يَخافُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ ومَن عَبَدَ اللَّهَ تَعالى شَوْقًا إلى جَنَّتِهِ أنالَهُ ما يَرْجُو وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ورَحْمَةٌ ﴾ لِأنَّ الرَّحْمَةَ مِن أسْماءِ الجَنَّةِ، ومَن عَبَدَ اللَّهَ تَعالى شَوْقًا إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ لا يُرِيدُ غَيْرَهُ فَهو العَبْدُ المُخْلِصُ الَّذِي يَتَجَلّى عَلَيْهِ الحَقُّ جَلَّ جَلالُهُ في دارِ كَرامَتِهِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿ لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ولا يَخْفى أنَّهُ مِن بابِ التَّأْوِيلِ لا مِن قَبِيلِ التَّفْسِيرِ.

<div class="verse-tafsir"

فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩

﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ الكَلامِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ السِّياقُ مِنِ اسْتِحْقاقِ الفارِّينَ المَلامَةَ والتَّعْنِيفَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمُقْتَضى الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ حَيْثُ صَدَرُوا عَنْهُ وحِياضُ الأهْوالِ مُتْرَعَةٌ، وشَمَّرُوا لِلْهَزِيمَةِ والحَرْبُ قائِمَةٌ عَلى ساقٍ، أوْ مِن سَعَةِ فَضاءِ مَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِلِنْتَ، والتَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ، وما: مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وعَلَيْهِ أجِلَّةُ المُفَسِّرِينَ، وهو المَأْثُورُ عَنْ قَتادَةَ، وحَكى الزَّجّاجُ الإجْماعَ عَلَيْهِ وفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ قالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً بِمَعْنى شَيْءٍ، (ورَحْمَةٍ) بَدَلٌ مِنها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً لَها، وقِيلَ: إنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلتَّعَجُّبِ، والتَّقْدِيرُ فَبِأيِّ رَحْمَةٍ لِنْتَ لَهم، والتَّنْوِينُ في رَحْمَةٍ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لِلتَّفْخِيمِ، (ومِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها أيْ ﴿ فَبِما رَحْمَةٍ ﴾ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى كُنْتَ لَيِّنَ الجانِبِ لَهم ولَمْ تُعَنِّفْهم، ولَعَلَّ المُرادَ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ رَبْطُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى جَأْشِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَخْصِيصِهِ لَهُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، وجُعِلَ الرِّفْقُ ولِينُ الجانِبِ مُسَبِّبًا عَنْ رَبْطِ الجَأْشِ؛ لِأنَّ مَن مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ كانَ كامِلَ الشَّجاعَةِ.

قِيلَ: وأفادَ الكَلامُ في هَذا المَقامِ فائِدَتَيْنِ: إحْداهُما ما يَدُلُّ عَلى شَجاعَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والثّانِيَةُ ما يَدُلُّ عَلى رِفْقِهِ فَهو مِن بابِ التَّكْمِيلِ، وقَدِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هاتانِ الصِّفَتانِ يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ ثَبَتَ حَتّى كَرَّ عَلَيْهِ أصْحابُهُ مَعَ أنَّهُ عَراهُ ما عَراهُ ثُمَّ ما زَجَرَهم ولا عَنَّفَهم عَلى الفِرارِ، بَلْ آساهم في الغَمِّ ﴿ ولَوْ كُنْتَ فَظًّا ﴾ أيْ خَشِنَ الجانِبِ شَرِسَ الأخْلاقِ جافِيًا في المُعاشَرَةِ قَوْلًا وفِعْلًا ﴿ غَلِيظَ القَلْبِ ﴾ أيْ قاسِيَهُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿ فَظًّا ﴾ في الأقْوالِ ﴿ غَلِيظَ القَلْبِ ﴾ في الأفْعالِ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الفَظَّ سَيِّئُ الخُلُقِ في الأُمُورِ الظّاهِرَةِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، و ﴿ غَلِيظَ القَلْبِ ﴾ السَّيِّئَ في الأُمُورِ الباطِنَةِ، والثّانِي سَبَبٌ لِلْأوَّلِ، وقُدِّمَ المُسَبِّبُ لِظُهُورِهِ إذْ هو الَّذِي يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ لَوْ كُنْتَ عَلى خِلافِ تَيْنِكَ الصِّفَتَيْنِ المُعَبَّرُ عَنْهُما بِالرَّحْمَةِ وهو التَّهَوُّرُ المُشارُ إلَيْهِ بِالفَظاظَةِ وسُوءِ الأخْلاقِ المَرْمُوزِ إلَيْهِ بِغِلَظِ القَلْبِ، فَإنَّ قَساوَةَ القَلْبِ وعَدَمَ تَأثُّرِهِ يَتْبَعُها كُلُّ صِفَةٍ ذَمِيمَةٍ، ولِهَذا ورَدَ: «أبْعَدُ القُلُوبِ عَنِ اللَّهِ تَعالى القُلُوبُ القاسِيَةُ» .

وكَأنَّهُ لِبُعْدِهِ صُدِّرَ بِيُمْكِنُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ فَلَمْ تَلِنْ لَهم وأغْلَظْتَ عَلَيْهِمْ ﴿ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ ﴾ أيْ لَتَفَرَّقُوا عَنْكَ ونَفَرُوا مِنكَ ولَمْ يَسْكُنُوا إلَيْكَ وتَرَدَّوْا في مُهاوِي الرَّدى ولَمْ يَنْتَظِمْ أمْرُ ما بُعِثْتَ بِهِ مِن هِدايَتِهِمْ وإرْشادِهِمْ إلى الصِّراطِ.

﴿ فاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاعْفُ عَنْهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِكَ ﴿ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ اللَّهَ تَعالى فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إتْمامًا لِلشَّفَقَةِ وإكْمالًا لِلتَّرْبِيَةِ ﴿ وشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ أيْ في الحَرْبِ.

أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ، وهو المُناسِبُ لِلْمَقامِ، أوْ فِيهِ وفي أمْثالِهِ مِمّا تَجْرِي فِيهِ المُشاوَرَةُ عادَةً، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ، واخْتُلِفَ في مُشاوَرَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في أمْرِ الدِّينِ إذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ وحْيٌ فَمَن أبى الِاجْتِهادَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَهَبَ إلى عَدَمِ جَوازِها، ومَن لا يَأْباهُ - وهو الأصَحُّ - ذَهَبَ إلى جَوازِها، وفائِدَتُها الِاسْتِظْهارُ بِرَأْيِهِمْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: ”لَوِ اجْتَمَعْتُما في مَشُورَةٍ ما خالَفْتُكُما»“ أوِ التَّطْيِيبُ لِأنْفُسِهِمْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُشاوِرَ أصْحابَهُ في الأُمُورِ وهو يَأْتِيهِ وحْيُ السَّماءِ لِأنَّهُ أطْيَبُ لِأنْفُسِ القَوْمِ، أوْ أنْ تَكُونَ سُنَّةً بَعْدَهُ لِأُمَّتِهِ»، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى ما بِهِ إلَيْهِمْ حاجَةٌ، ولَكِنْ أرادَ أنْ يَسْتَنَّ بِهِ مَن بَعْدَهُ، ويُؤَيِّدَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”أما إنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَغَنِيّانِ عَنْها، ولَكِنْ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى رَحْمَةً لِأُمَّتِي، فَمَنِ اسْتَشارَ مِنهم لَمْ يَعْدَمْ رَشَدًا، ومَن تَرَكَها لَمْ يَعْدَمْ غَيًّا»“ .

وقِيلَ: فائِدَةُ ذَلِكَ أنْ يَمْتَحِنَهم فَيَتَمَيَّزَ النّاصِحُ مِنَ الغاشِّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وادَّعى الجَصّاصُ أنَّ كَوْنَ الأمْرِ بِالمُشاوَرَةِ عَلى جِهَةِ تَطْيِيبِ النُّفُوسِ مَثَلًا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم أنَّهم إذا اسْتَفْرَغُوا مَجْهُودَهم في اسْتِنْباطِ الصَّوابِ عَمّا سُئِلُوا عَنْهُ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ مَعْمُولًا بِهِ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَطْيِيبُ نُفُوسِهِمْ، بَلْ فِيهِ إيحاشُهم بِأنَّ آراءَهم غَيْرُ مَقْبُولَةٍ ولا مُعَوَّلٌ عَلَيْها، وجَزَمَ بِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِمُشاوَرَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهم فائِدَةٌ هِيَ الِاسْتِظْهارُ بِما عِنْدَهم، وأنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَهم ضَرْبٌ مِنَ الِاجْتِهادِ، فَما وافَقَ رَأْيَهُ عَمِلَ بِهِ، وما خالَفَهُ تُرِكَ مِن غَيْرِ لَوْمٍ، وفِيهِ إرْشادٌ لِلِاجْتِهادِ وجَوازِهِ بِحَضْرَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإشْعارٌ بِمَنزِلَةِ الصَّحابَةِ وأنَّهم كُلَّهم أهْلُ اجْتِهادٍ، وأنَّ باطِنَهم مَرْضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى انْتَهى.

وفِيهِ نَظَرٌ إذْ لا خَفاءَ عَلى مَن راجَعَ وِجْدانَهُ أنَّ في قَوْلِ الكَبِيرِ لِلصَّغِيرِ ماذا تَرى في أمْرِ كَذا وماذا عِنْدَكَ فِيهِ تَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ وتَنْشِيطًا لَها لِاكْتِسابِ الآراءِ وإعْمالِ الفِكْرِ لا سِيَّما إذا صادَفَ رَأْيُهُ رَأْيَ الكَبِيرِ أحْيانًا، وإنْ لَمْ يَكُنِ العَمَلُ بِرَأْيِهِ المُوافِقِ، بَلِ العَمَلُ بِالرَّأْيِ المُوافِقِ، وما ادَّعاهُ مِن أنَّ الرَّأْيَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعْمُولًا بِهِ كانَ فِيهِ إيحاشٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لا سِيَّما فِيما نَحْنُ فِيهِ لِعِلْمِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِعُلُوِّ شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأنَّ عُقُولَهم بِالنِّسْبَةِ إلى عَقْلِهِ الشَّرِيفِ كالسُّها بِالنِّسْبَةِ إلى شَمْسِ الضُّحى، عَلى أنَّ مَن قالَ: إنَّ فائِدَةَ المُشاوَرَةِ تَطْيِيبُ النَّفْسِ أشارَ إلى أنَّ الوَحْيَ يَأْتِيهِ فَهو غَنِيٌّ عَنْها، وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَصْدُ التَّطْيِيبِ أتَمَّ وأظْهَرَ لِما في المُشاوَرَةِ إذْ ذاكَ مِن تَعْرِيضِهِمْ لِما يُمْكِنُ أنْ يُوافِقَ الوَحْيَ، والإيحاشُ بِعَدَمِ العَمَلِ هُنا أبْعَدُ لِأنَّ مُسْتَنَدَهُ اتِّباعُ الوَحْيِ، ومَعْلُومٌ لَدَيْهِمْ أنَّهُ أوْلى بِالِاتِّباعِ لِأنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ ما ذُكِرَ مِن أنَّ في ذَلِكَ إشْعارًا بِأنَّ الصَّحابَةَ كُلَّهم أهْلُ اجْتِهادٍ في حَيِّزِ المَنعِ؛ لِأنَّ أمْرَ السُّلْطانِ مَثَلًا لِعامِلِهِ أنْ يُشاوِرَ أهْلَ بَلَدِهِ في أُمُورِهِ لا يَسْتَدْعِي أنْ يُشاوِرَ كُلَّ واحِدٍ واحِدٍ مِنهم في ذَلِكَ، بَلْ لا يَكادُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرادًا أصْلًا، بَلِ المُرادُ أنْ يُشاوِرَ أهْلَ الآراءِ مِنهم والمُتَدَرِّبِينَ فِيهِمْ، وكَوْنُ الصَّحابَةِ كُلِّهِمْ كَذَلِكَ أوَّلُ المُدَّعى، ودُونَ إثْباتِهِ وقْعَةُ الجَمَلِ وحَرْبُ صِفِّينَ.

ويُؤَيِّدُ كَوْنَ المُرادِ مِنَ الصَّحابَةِ المَأْمُورُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمُشاوَرَتِهِمْ أهْلُ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ لا مُطْلَقًا بِما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ﴿ وشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ : أبُو بَكْرٍ وعُمَرَ، ومِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِما، نَعَمْ لَوْ كانَتِ المُشاوَرَةُ لِمُجَرَّدِ تَطْيِيبِ النُّفُوسِ دُونَ الِاسْتِظْهارِ كانَ لِمُشاوَرَةِ أيِّ واحِدٍ مِنهم، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أرْبابِ الرَّأْيِ وجْهٌ، لَكِنَّ الجَصّاصَ لَمْ يَبْنِ كَلامَهُ عَلى ذَلِكَ.

بَقِيَ أنَّ بَيْنَ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ مِن «قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْعُمَرَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لَوِ اجْتَمَعْتُما عَلى مَشُورَةٍ ما خالَفْتُكُما»، وما أخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ والبَيْهَقِيُّ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ: «أما إنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَغَنِيّانِ عَنْها، ولَكِنْ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى رَحْمَةً لِأُمَّتِي» تَنافِيًا إلّا أنْ يُحْمَلَ خَبَرُ عَدَمِ مُخالَفَتِهِما لَوِ اجْتَمَعا عَلى الإشارَةِ إلى رِفْعَةِ قَدْرِهِما وعُلُوِّ شَأْنِهِما، وأنَّ اجْتِماعَهُما عَلى أمْرٍ لا يَكُونُ إلّا مُوافِقًا لِما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وهو الَّذِي عَلَيْهِ المُعَوَّلُ وبِهِ العَمَلُ، وكَأنَّ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما خالَفْتُكُما دُونَ لَعَمِلْتُ بِقَوْلِكُما مَثَلًا نَوْعُ إشْعارٍ بِما قُلْنا فَتَدَبَّرْ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ كَما أخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْهُ ﴿ وشاوِرْهم فِي ﴾ بَعْضِ ﴿ الأمْرِ ﴾ ﴿ فَإذا عَزَمْتَ ﴾ أيْ إذا عَقَدْتَ قَلْبَكَ عَلى الفِعْلِ وإمْضائِهِ بَعْدَ المُشاوَرَةِ كَما تُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ.

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ﴾ أيْ فاعْتَمِدْ عَلَيْهِ وثِقْ بِهِ وفَوَّضْ أمْرَكَ إلَيْهِ فَإنَّهُ الأعْلَمُ بِما هو الأصْلَحُ، وأصْلُ التَّوَكُّلِ إظْهارُ العَجْزِ والِاعْتِمادُ عَلى الغَيْرِ والِاكْتِفاءُ بِهِ في فِعْلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وهو عِنْدَنا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لا يُنافِي مُراعاةَ الأسْبابِ، بَلْ يَكُونُ بِمُراعاتِها مَعَ تَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ، و(اعْقِلْها وتَوَكَّلْ) يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ، وعِنْدَ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ هو إهْمالُ التَّدْبِيرِ بِالكُلِّيَّةِ، وعَنْ خالِدِ بْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قَرَأ (فَإذا عَزَمْتُ) بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ والمَعْنى فَإذا قَطَعْتُ لَكَ بِشَيْءٍ وعَيَّنْتُهُ لَكَ فَتَوَكُّلْ عَلَيَّ ولا تُشاوِرْ بِهِ أحَدًا، والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ التَّوَكُّلِ والأمْرِ بِهِ، فَإنَّ عُنْوانَ الأُلُوهِيَّةِ الجامِعَةِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَلامِ مُسْتَدْعٍ لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ والأمْرِ بِهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ ﴾ عَلَيْهِ الواثِقِينَ بِهِ المُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ فَيَنْصُرُهم ويُرْشِدُهم إلى ما هو خَيْرٌ لَهم كَما تَقْتَضِيهِ المُحِبَّةُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ رُوعِيَ في الآيَةِ حُسْنُ التَّرْتِيبِ وذَلِكَ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمِرَ أوَّلًا بِالعَفْوِ عَنْهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِخاصَّةِ نَفْسِهِ، فَإذا انْتَهَوْا إلى هَذا المَقامِ أُمِرَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم ما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى لِتَنْزاحَ عَنْهُمُ التَّبِعَتانِ، فَلَّما صارُوا إلى هُنا أُمِرَ بِأنْ يُشاوِرَهم في الأمْرِ إذْ صارُوا خالِصِينَ مِنَ التَّبِعَتَيْنِ مُصَفَّيْنَ مِنهُما، ثُمَّ أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى والِانْقِطاعِ إلَيْهِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ السَّنَدُ الأقْوَمُ والمَلْجَأُ الأعْظَمُ الَّذِي لا تُؤَثِّرُ الأسْبابُ إلّا بِهِ، ولا تَنْقَضِي الحاجُ إلّا عِنْدَ بابِهِ.

<div class="verse-tafsir"

إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ١٦٠

﴿ إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِإيجابِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَّرْغِيبِ في طاعَتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها النُّصْرَةَ، والتَّحْذِيرِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها الخِذْلانَ، أيْ إنْ يُرِدْ نَصْرَكم كَما أرادَهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَلا أحَدَ يَغْلِبُكم عَلى طَرِيقِ نَفْيِ الجِنْسِ المُنْتَظِمِ بِجَمِيعِ أفْرادِ الغالِبِ ذاتًا وصِفَةً، فَهو أبْلَغُ مِن لا يَغْلِبُكم أحَدٌ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى نَفْيِ الصِّفَةِ فَقَطْ.

ثُمَّ المَفْهُومُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ، وإنْ كانَ نَفْيُ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ المُساواةِ أيْضًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ، لَكِنَّ المَفْهُومَ مِنهُ فَهْمًا قَطْعِيًّا هو نَفْيُ المُساواةِ وإثْباتُ الغالِبِيَّةِ لِلْمُخاطَبِينَ، فَإذا قُلْتُ: لا أكْرَمَ مِن فُلانٍ ولا أفْضَلَ مِنهُ، فالمَفْهُومُ مِنهُ حَتْمًا أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ، وهَذا أمْرٌ مُطَّرِدٌ في جَمِيعِ اللُّغاتِ، ولا اخْتِصاصَ بِالنَّفْيِ الصَّرِيحِ بَلْ هو مُطَّرِدٌ فِيما ورَدَ عَلى طَرِيقٍ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( فَمَن أظْلِمُ مِمَّنْ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ) في مَواقِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّنْزِيلِ، وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَبْحَثِ فِيما تَقَدَّمَ.

﴿ وإنْ يَخْذُلْكُمْ ﴾ أيْ وإنْ يُرِدْ خِذْلانُكم ويَمْنَعْكم مَعُونَتَهُ كَما فَعَلَ يَوْمَ أُحُدٍ.

وقُرِئَ ( يَخْذُلُكم ) مِن أخْذَلَهُ إذا جَعَلَهُ مَخْذُولًا.

﴿ فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مُفِيدٌ لِانْتِفاءِ النّاصِرِ عَلى نَحْوِ انْتِفاءِ الغالِبِ، وقِيلَ: وجاءَ جَوابُ الشَّرْطِ في الأوَّلِ صَرِيحَ النَّفْيِ، ولَمْ يَجِئْ في الثّانِي كَذَلِكَ تَلَطُّفًا بِالمُؤْمِنِينَ حَيْثُ صَرَّحَ لَهم بِعَدَمِ الغَلَبَةِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهُ لا ناصِرَ لَهم، وإنْ كانَ الكَلامُ مُفِيدًا لَهُ.

﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ أوْ مِن بَعْدِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى إذا جاوَزْتُمُوهُ فَعَلى الأوَّلِ - بَعْدَ - ظَرْفُ زَمانٍ وهو الأصْلُ فِيها، وعَلى الثّانِي مُسْتَعارٌ لِلْمَكانِ ﴿ وعَلى اللَّهِ ﴾ لا عَلى غَيْرِهِ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ تَقْدِيمُ المَعْمُولِ.

﴿ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ (160) المُرادُ بِهِمْ إمّا جِنْسُ المُؤْمِنِينَ، والمُخاطَبُونَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا المُخاطَبُونَ خاصَّةً بِطْرِيقِ الِالتِفاتِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِن تَشْرِيفِ المُخاطَبِينَ مَعَ الإيماءِ إلى تَعْلِيلِ تَحَتُّمِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى، والفاءُ كَما قالُوا: لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها أوِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما مَرَّ مِن غَلَبَةِ المُؤْمِنِينَ ومَغْلُوبِيَّتِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ نَصْرِ اللَّهِ تَعالى لَهم وخِذْلانِهِ إيّاهم، فَإنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِمّا يَسْتَدْعِي قَصْرَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لا مَحالَةَ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ١٦١

﴿ وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَخُونَ في المَغْنَمِ؛ لِأنَّ الخِيانَةَ تُنافِي النُّبُوَّةَ، وأصْلُ الغُلِّ الأخْذُ بِخَفِيَّةٍ ولِذا اسْتَعْمِلُ في السَّرِقَةِ ثُمَّ خُصَّ في اللُّغَةِ بِالسَّرِقَةِ مِنَ المَغْنَمِ قَبْلَ القِسْمَةِ، وتُسَمّى غُلُولًا أيْضًا، قِيلَ: وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الأيْدِيَ فِيها مَغْلُولَةٌ أيْ مَمْنُوعَةٌ مَجْعُولُ فِيها غُلٌّ وهي الحَدِيدَةُ الَّتِي تَجْمَعُ يَدَ الأسِيرِ إلى عُنُقِهِ، ويُقالُ لَها: جامِعَةٌ أيْضًا، وقالَ الرُّمّانِيُّ وغَيْرُهُ: أصْلُ الغُلُولِ مِنَ الغَلَلِ وهو دُخُولُ الماءِ في خَلَلِ الشَّجَرِ، وسُمِّيَتِ الخِيانَةُ غُلُولًا لِأنَّها تَجْرِي في المِلْكِ عَلى خَفاءٍ مِن غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي يَحِلُّ، ومِن ذَلِكَ الغِلُّ لِلْحِقْدِ، والغَلِيلُ لِحَرارَةِ العَطَشِ، والغِلالَةُ لِلشِّغارِ، والمُرادُ تَنْزِيهُ ساحَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عَمّا ظَنَّ بِهِ الرُّماةُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَدْ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ «أنَّ الرُّماةَ حِينَ تَرَكُوا المَرْكَزَ يَوْمَئِذٍ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ قالُوا: نَخْشى أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ، وأنْ لا يُقَسِّمَ الغَنائِمَ كَما لَمْ يُقَسَّمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ظَنَنْتُمْ أنّا نَغُلُّ ولا نَقْسِمُ لَكم، ولِهَذا نَزَلَتِ الآيَةُ»، أوْ تَنْزِيهُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا اتَّهَمَهُ بِهِ بَعْضُ المُنافِقِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وحَسَّناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخَذَها، والرِّوايَةُ الأُولى أوْفَقُ بِالمَقامِ، وارْتِباطُ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلَيْها أتَمُّ؛ لِأنَّ القِصَّةَ أُحُدِيَّةٌ إلّا أنَّ فِيها إشْعارًا بِأنَّ غَنائِمَ بَدْرٍ لَمْ تُقْسَمْ وهو مُخالِفٌ لِما سَيَأْتِي في الأنْفالِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ، والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ أوْلى بِالقَبُولِ عِنْدَ أرْبابِ هَذا الشَّأْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المُبالَغَةُ في النَّهْيِ عَنِ الغُلُوِّ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ جَرِيرٍ مُرْسَلًا عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَلائِعَ فَغَنِمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَنِيمَةً، فَقَسَّمَ بَيْنَ النّاسِ ولَمْ يُقَسِّمْ لِلطَّلائِعِ شَيْئًا، فَلَمّا قَدَمَتِ الطَّلائِعُ قالُوا: قَسَمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَقْسِمْ لَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»، فالمَعْنى ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُعْطِيَ قَوْمًا مِنَ العَسْكَرِ ويَمْنَعَ آخَرِينَ بَلْ عَلَيْهِ أنَّ يَقْسِمَ بَيْنَ الكُلِّ بِالسَّوِيَّةِ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنْ حِرْمانِ بَعْضِ الغُزاةِ بِالغُلُولِ فَطْمًا عَنْ هَذا الفِعْلِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ عَلى حَدِّ ﴿ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ خُوطِبَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُرِيدَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذا بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ - ولا يَخْفى بُعْدُهُ - والصِّيغَةُ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ إخْبارٌ لَفْظًا ومَعْنًى، لَكِنَّها لا تَخْلُو عَنْ رَمْزٍ إلى نَهْيٍ عَنِ اعْتِقادِ ذَلِكَ في تِلْكَ الحَضْرَةِ المُقَدَّسَةِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الأخِيرِ خَبَرٌ أُجْرِيَ مَجْرى الطَّلَبِ، وقَدْ ورَدَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ نَهْيًا في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى ﴾ ، و ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ، و ﴿ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﴾ وكَذا لِلِامْتِناعِ العَقْلِيِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ ﴾ ، و ﴿ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ﴾ .

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: ﴿ أنْ يَغُلَّ ﴾ عَلى صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفي تَوْجِيهِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ ماضِيهِ أغْلَلْتُهُ أيْ نَسَبْتُهُ إلى الغُلُولِ كَما تَقُولُ أكْفَرْتُهُ أيْ نَسَبْتُهُ إلى الكُفْرِ، قالَ الكُمَيْتُ: وطائِفَةٌ قَدْ (أكْفَرَتْنِي) بِحُبِّكم وطائِفَةٌ قالَتْ مُسِيءٌ ومُذْنِبُ والمَعْنى ما صَحَّ لِنَبِيٍّ أنْ يَنْسِبَهُ أحَدٌ إلى الغُلُولِ، وثانِيها أنْ يَكُونَ مِن أغْلَلْتُهُ إذا وجَدْتَهُ غالًّا كَقَوْلِهِمْ أحَمَدْتُهُ وأبْخَلْتُهُ وأجْبَنْتُهُ بِمَعْنى وجَدْتُهُ كَذَلِكَ، والمَعْنى ما صَحَّ لِنَبِيٍّ أنْ يُوجَدَ غالًّا، وثالِثُها أنَّهُ مِن غُلٍّ إلى أنَّ المَعْنى ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّهُ غَيْرُهُ أيْ يَخُونُهُ ويَسْرِقُ مِن غَنِيمَتِهِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ النَّبِيِّ بِذَلِكَ وإنْ كانَ لا يَجُوزُ أنْ يَغُلَّ غَيْرُهُ مِن إمامٍ أوْ أمِيرٍ إمّا لِعِظَمِ خِيانَتِهِ أوْ لِأنَّهُ القائِمُ بِأمْرِ الغَنائِمِ، فَإذا حَرُمَتِ الخِيانَةُ عَلَيْهِ وهو صاحِبُ الأمْرِ فَحُرْمَتُها عَلى غَيْرِهِ أوْلى كَذا قِيلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَوْجِيهِ التَّخْصِيصِ بِما ذُكِرَ بَعْدَ الِالتِفاتِ إلى سَبَبِ النُّزُولِ والنَّظَرِ إلى ما سَيَأْتِي بَعْدُ.

ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أداءِ الوَحْيِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ القُرْآنَ وفِيهِ عَيْبُ دِينِهِمْ وسَبُّ آلِهَتِهِمْ فَسَألُوهُ أنْ يُطْوى ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»، ولا يَخْفى أنَّهُ بِعِيدٌ جِدًّا، ولا أدْرِي كَيْفَ سَنَدُ هَذِهِ الرِّوايَةِ، ولا أظُنُّ الخَبَرَ إلّا مَوْضُوعًا، ويَزِيدُهُ بُعْدًا بَلْ لا يَكادُ يُجَوِّزُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ وهو جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وما مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ بِالَّذِي غَلَّهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا ويَكُونُ التَّقْدِيرُ في حالِ عَلِمَ الغالُّ بِعُقُوبَةِ الغُلُولِ، وظاهِرُ الآثارِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإتْيانَ عَلى ظاهِرِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمًا فَذَكَرَ الغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وعَظَّمَ أمْرَهُ ثُمَّ قالَ: ألا لا أُلْفِيَّنَ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَّنَ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَها حَمْحَمَةٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَّنَ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ رِقاعٌ تَخْفِقُ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَّنَ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ صامِتٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغَتْكَ» .

والأخْبارُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ، ولَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ أنْ يُفْضَحَ بِهِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ زِيادَةً في عُقُوبَتِهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُبّائِيُّ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ عَقْلًا.

والِاسْتِبْعادُ غَيْرُ مُفِيدٍ، وقَدْ وقَعَ ما يُشْعِرُ بِالِاسْتِبْعادِ قَدِيمًا، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ هَذا يَغُلُّ ألْفَ دِرْهَمٍ وألْفَيْ دِرْهَمٍ يَأْتِي بِها أرَأيْتَ مَن يَغُلُّ مِائَةَ بَعِيرٍ أوْ مِائَتَيْ بَعِيرٍ كَيْفَ يَصْنَعُ بِها ؟

!

قالَ: أرَأيْتَ مَن كانَ ضِرْسُهُ مِثْلَ أُحُدٍ، وفَخِذُهُ مِثْلَ ورِقانَ، وساقُهُ مِثْلَ بَيْضاءَ، ومَجْلِسُهُ ما بَيْنَ الرَّبَذَةِ إلى المَدِينَةِ، ألا يَحْمِلُ مِثْلَ هَذا.

ووَرَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ الإتْيانَ بِالغُلُولِ مِنَ النّارِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ في الآيَةِ حَذْفٌ أيْ يَأْتِ بِما غَلَّ مِنَ النّارِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ الحَجَرَ لَيَزِنُ سَبْعُ خَلِفاتٍ، فَيُلْقى في جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا، ويُؤْتى بِالغُلُولِ فَيُلْقى مَعَهُ ثُمَّ يُكَلَّفُ صاحِبُهُ أنْ يَأْتِيَ بِهِ وهو قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ » .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: لَوْ كُنْتُ مُسْتَحِلًّا مِنَ الغُلُولِ القَلِيلَ لاسْتَحْلَلْتُ مِنهُ الكَثِيرَ، ما مِن أحَدٍ يَغُلُّ إلّا كُلِّفَ أنْ يَأْتِيَ بِهِ مِن أسْفَلِ دَرْكِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ: الإتْيانُ بِهِ مَجازٌ عَنِ الإتْيانِ بِإثْمِهِ تَعْبِيرًا بِما عَمِلَ عَمّا لَزِمَهُ مِنَ الإثْمِ أيْ يَأْتِ بِما احْتَمَلَ مِن وبالِهِ وإثْمِهِ، واخْتارَهُ البَلْخِيُّ، وقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما تَضَمَّنَتْهُ الأخْبارُ جاءَ عَلى وجْهِ المَثَلِ كَأنَّ اللَّهَ تَعالى إذْ فَضَحَ الغالَّ وعاقَبَهُ العُقُوبَةَ الشَّدِيدَةَ جَرى مَجْرى أنْ يَكُونَ آتِيًا بِهِ وحامِلًا لَهُ ولَهُ صَوْتٌ، ولا يَخْفى أنَّ جَوابَ أبِي هُرَيْرَةَ لِلرَّجُلِ يَأْبى هَذا التَّأْوِيلَ.

وقِيلَ: إنَّ المَعانِيَ تَظْهَرُ في صُوَرٍ جُسْمانِيَّةٍ يَوْمَ القِيامَةِ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ خَبَرُ مَجِيءِ المَوْتِ في صُورَةِ كَبْشٍ، وتَلَقِّي القُرْآنِ صاحِبَهُ في صُورَةِ الرَّجُلِ الشّاحِبِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لا يَبْعُدُ ظُهُورُ الأعْمالِ مِنَ الطّاعاتِ والمَعاصِي بِصُوَرٍ تُناسِبُها فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَعْصِيَةَ كُلِّ غالٍّ تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ غُلُولِهِ، فَيَأْتِي بِها هُناكَ، وعَلَيْهِ تَكُونُ الأخْبارُ عَلى ظاهِرِها مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى ارْتِكابِ التَّمْثِيلِ، وجَوابُ أبِي هُرَيْرَةَ لا يَأْباهُ، وإلْقاؤُهُ في النّارِ أيْضًا غَيْرُ مُشْكِلٍ، وأهْلُ الظّاهِرِ لَعَلَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ يُلْقى مِن غَيْرِ تَعْذِيبٍ، وبِتَقْدِيرِهِ لا مَحْذُورَ أيْضًا فِيهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ خَلْقًا حِينَ قَوْلِ جَهَنَّمَ: ﴿ هَلْ مِن مَزِيدٍ ﴾ فَيَضَعُهم فِيها، ومَعَ هَذا وتَسْلِيمِ صِحَّةِ الخَبَرِ لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِاسْتِثْناءِ بَعْضِ الغُلُولِ عَنِ الإلْقاءِ إذْ قَدْ يَكُونُ الغُلُولُ مُصْحَفًا ولا أظُنُّ أحَدًا يَتَجاسَرُ عَلى القَوْلِ بِإلْقائِهِ.

﴿ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ﴾ أيْ تُعْطى كُلُّ نَفْسٍ مُكَلَّفَةٍ جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ تامًّا وافِيًا، فَفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أوْ أنَّهُ أُقِيمَ المَكْسُوبُ مَقامَ جَزائِهِ، وفي تَعْلِيقِ التَّوْفِيَةِ بِكُلِّ مَكْسُوبٍ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِ الغالِّ عِنْدَ إتْيانِهِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ شَأْنِ اليَوْمِ والمُبالَغَةِ في بَيانِ فَظاعَةِ حالِ الغالِّ ما لا يَخْفى، فَإنَّهُ إذا كانَ كُلُّ كاسِبٍ مَجْزِيًّا بِعَمَلِهِ لا يَنْقُصُ مِنهُ شَيْءٌ، وإنْ كانَ جُرْمُهُ في غايَةِ القِلَّةِ والحَقارَةِ، فالغالُّ مَعَ عِظَمِ جُرْمِهِ بِذَلِكَ أوْلى، وهَذا سَبَبُ العُدُولِ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِن نَحْوِ ثُمَّ يُوَفّى ما كَسَبَ؛ لِأنَّهُ اللّائِقُ بِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَرادُ ثُمَّ تُوَفّى مِنهُ كُلُّ نَفْسٍ لَها حَقٌّ في تِلْكَ الغَنِيمَةِ ما كَسَبَتْ مِن نُقْصانِ حَقِّها مِن غُلِّهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ النَّظْمُ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، وكَلِمَةُ (ثُمَّ) لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ حَمْلِهِ ما غَلَّ وبَيْنَ جَزائِهِ، أوْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أيْ بَعْدِ حَمْلِهِ ما غَلَّهُ بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ، وجَعَلَهُ مُنْتَظَرًا فِيما بَيْنَ النّاسِ مُفْتَضَحًا حامِلًا ما غَلَّهُ تُوَفّى مِنهُ كُلُّ نَفْسٍ، ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا الِاحْتِمالِ مِمّا يُصانُ عَنْهُ كَلامُ المَلِكِ المُتَعالِ، فالحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ هو القَوْلُ الأوَّلُ المُتَضَمِّنُ لِنُكْتَةِ العُدُولِ، وأمْرُ (ثُمَّ) عَلَيْهِ ظاهِرٌ سَواءٌ جُعِلَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، أوِ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ.

أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ الإتْيانَ بِما غَلَّ عِنْدَ قِيامِهِ مِنَ القَبْرِ عَلى ما هو الظّاهِرُ والجَزاءُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.

وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ جَزاءَ الغالِّ وعُقُوبَتَهُ أشَدُّ فَظاعَةً مِن حَمْلِ ما غَلَّهُ والفَضِيحَةُ بِهِ، بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحَمْلُ كالعِلاوَةِ عَلى الحَمْلِ، بَلْ يَكادُ أنْ يَكُونَ نَعِيمًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلْقى بَعْدُ، والجُمْلَةُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ.

﴿ وهُمْ ﴾ أيْ كُلُّ النّاسِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ نَفْسٍ ﴿ لا يُظْلَمُونَ ﴾ أيْ لا يَنْقُصُ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ والعَدْلِ ثَوابُ مُطِيعِهِمْ ولا يُزادُ عِقابُ عاصِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ١٦٢

﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ ﴾ أيْ سَعى في تَحْصِيلِهِ وانْتَحى نَحْوَهُ كَمَن باءَ أيْ رَجَعَ ﴿ بِسَخَطٍ ﴾ أيْ غَضَبٍ عَظِيمٍ جِدًّا وهو بِفَتْحَتَيْنِ مَصْدَرٌ قِياسِيٌّ ويُقالُ: بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وهو غَيْرُ مَقِيسٍ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ أيْ رَجَعَ مُصاحِبًا لِسَخَطٍ.

﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ كائِنٌ مِنهُ تَعالى.

وفِي المُرادِ مِنَ الآيَةِ أقْوالٌ: أحَدُها أنَّ المَعْنى ﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ ﴾ تَعالى في العَمَلِ بِالطّاعَةِ ﴿ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ ﴾ مِنهُ سُبْحانَهُ في العَمَلِ بِالمَعْصِيَةِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ.

ثانِيها: أنَّ مَعْناهُ ﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ ﴾ في تَرْكِ الغُلُولِ كالنَّبِيِّ ومَن يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ ﴿ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ تَعالى بِفِعْلِ الغُلُولِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِالمَقامِ.

ثالِثُها: أنَّ المُرادَ ﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ ﴾ تَعالى بِالجِهادِ في سَبِيلِهِ ﴿ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ ﴾ مِنهُ جَلَّ جَلالُهُ في الفِرارِ عَنْهُ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ والزَّجّاجِ، وقِيلَ: وهو المُطابِقُ لِما حُكِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلى أُحُدٍ قَعَدَ عَنْهُ جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ واتَّبَعَهُ المُؤْمِنُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ - وفِيهِ بُعْدٌ - وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

﴿ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ ﴾ أيْ مَصِيرُهُ ذَلِكَ، وفي الجُمْلَةِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِبَيانِ حالِ مَن باءَ بِسَخَطٍ، ويُفْهَمُ مِن مُقابِلِهِ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الرِّضْوانَ كانَ مَأْواهُ الجَنَّةُ، ولَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الزَّجْرِ، وقِيلَ: لَمْ يُذْكَرْ مَعَ الرِّضْوانِ الجَنَّةُ لِأنَّ رِضْوانَ اللَّهِ تَعالى أكْبَرُ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِكُلِّ نَعِيمٍ، وكَوْنُ السَّخَطِ مُسْتَلْزِمًا لِكُلِّ عِقابٍ فَيَقْتَضِي أنْ تُذْكُرَ مَعَهُ جَهَنَّمُ في حَيِّزِ المَنعِ لِسَبْقِ الجَمالِ الجَلالِ فافْهَمْ، والثّانِي: أنَّها داخِلَةٌ في حَيِّزِ المَوْصُولِ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ باءَ بِسَخَطٍ ﴾ عَطْفَ الصِّلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ ﴿ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ إمّا تَذْيِيلٌ أوِ اعْتِراضٌ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ بِتَقْدِيرٍ، ويُقالُ: في حَقِّهِمْ ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فالمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ جَهَنَّمُ، و(المَصِيرُ) اسْمُ مَكانٍ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرِيَّةُ، وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ المَرْجِعِ بِأنَّ المَصِيرَ يَقْتَضِي مُخالَفَةَ ما صارَ إلَيْهِ مِن جَهَنَّمَ لِما كانَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الصَّيْرُورَةَ تَقْتَضِي الِانْتِقالَ مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى كَصارَ الطِّينُ خَزَفًا، والمَرْجِعُ انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها كَقَوْلِكَ: مَرْجِعُ ابْنِ آدَمَ إلى التُّرابِ، وأمّا قَوْلُهم مَرْجِعُ العِبادِ إلى اللَّهِ تَعالى فَبِاعْتِبارِ أنَّهم يَنْقَلِبُونَ إلى حالٍ لا يَمْلِكُونَ فِيها لِأنْفُسِهِمْ شَيْئًا كَما كانَ قَبْلَ ما مَلَكُوا.

<div class="verse-tafsir"

هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ١٦٣

﴿ هُمْ ﴾ عائِدٌ عَلى المَوْصُولِينَ بِاعْتِبارِ المَعْنى وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَرَجاتٌ ﴾ خَبَرُهُ، والمُرادُ هم مُتَفاوِتُونَ إطْلاقًا لِلْمَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ، أوْ شَبَّهَهم بِالدَّرَجِ في تَفاوُتِهِمْ عُلُوًّا وسُفْلًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، أوْ جَعَلَهم نَفْسَ الدَّرَجاتِ مُبالَغَةً في التَّفاوُتِ، فَيَكُونُ تَشْبِيهًا بَلِيغًا بِحَذْفِ الأداةِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ ولا تَشْبِيهَ أيْ (هُمْ) ذَوُو دَرَجاتٍ أيْ مَنازِلَ أوْ أحْوالٍ مُتَفاوِتَةٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: لَهم دَرَجاتٌ، وذَهَبُ بَعْضُهم أنَّ في الآيَةِ حِينَئِذٍ تَغْلِيبَ الدَّرَجاتِ عَلى الدِّرْكاتِ، إذِ الأوَّلُ لِلْأوَّلِ، والثّانِي لِلثّانِي.

﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ في عِلْمِهِ وحُكْمِهِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِدَرَجاتٍ عَلى المَعْنى، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها.

﴿ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الأعْمالِ ودَرَجاتِها فَيُجازِيهِمْ بِحَسَبِها، والبَصِيرُ كَما قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ: هو الَّذِي يُشاهِدُ ويَرى حَتّى لا يَعْزُبُ عَنْهُ ما تَحْتَ الثَّرى، وإبْصارُهُ أيْضًا مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ بِحَدَقَةٍ وأجْفانٍ، ومُقَدَّسٌ عَنْ أنْ يَرْجِعَ إلى انْطِباعِ الصُّوَرِ والألْوانِ في ذاتِهِ كَما يَنْطَبِعُ في حَدَقَةِ الإنْسانِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّأثُّرِ المُقْتَضِي لَلْحَدَثانِ، وإذا نُزِّهَ عَنْ ذَلِكَ كانَ البَصَرُ في حَقِّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنِ الصِّفَةِ الَّتِي يَنْكَشِفُ بِها كَمالُ نُعُوتِ المُبْصَراتِ، وذَلِكَ أوْضَحَ وأجْلى مِمّا نَفْهَمُهُ مِن إدْراكِ البَصَرِ القاصِرِ عَلى ظَواهِرِ المَرْئِيّاتِ انْتَهى.

ويَفْهَمُ مِنهُ أنَّ البَصَرَ صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى العِلْمِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنّا، ومِنَ المُعْتَزِلَةِ والكَرّامِيَّةِ قالُوا: لِأنّا إذا عَلِمْنا شَيْئًا عِلْمًا جَلِيًّا ثُمَّ أبْصَرْناهُ نَجِدُ فَرْقًا بَيْنَ الحالَتَيْنِ بِالبَدِيهَةِ، وإنَّ في الحالَةِ الثّانِيَةِ حالَةً زائِدَةً هي الإبْصارُ.

وقالَ الفَلاسِفَةُ والكَعْبِيُّ وأبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ والغَزالِيُّ عِنْدَ بَعْضٍ وادَّعى أنَّ كَلامَهُ هَذا مُشِيرٌ إلَيْهِ أنَّ بَصَرَهُ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ تَعالى بِالمُبْصَراتِ، ومِثْلُ هَذا الخِلافِ في السَّمْعِ، والحَقُّ أنَّهُما زائِدانِ عَلى صِفَةِ العِلْمِ، وأنَّهُما لا يُكَيَّفانِ ولا يُحَدّانِ، والإقْرارُ بِهِما واجِبٌ كَما وصَفَ بِهِما سُبْحانَهُ نَفْسَهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ السَّلَفُ الصّالِحُ وإلَيْهِ يَنْشَرِحُ الصَّدْرُ.

<div class="verse-tafsir"

لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ١٦٤

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ ﴾ أيْ أنْعَمَ وتَفَضَّلَ، وأصْلُ المَنِّ القَطْعُ، وسُمِّيَتِ النِّعْمَةُ مِنَّةً لِأنَّهُ يُقْطَعُ بِها عَنِ البَلِيَّةِ، وكَذا الِاعْتِدادُ بِالصَّنِيعَةِ مَنًّا لِأنَّهُ قَطْعٌ لَها عَنْ وُجُوبِ الشُّكْرِ عَلَيْها، والجُمْلَةُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ ﴿ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ مِن قَوْمِهِ أوْ مِنَ العَرَبِ مُطْلَقًا أوْ مِنَ الإنْسِ - وخَيْرُ الثَّلاثَةِ الوَسَطُ - وإلَيْهِ ذَهَبَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: هَذِهِ لِلْعَرَبِ خاصَّةً - والأوَّلُ خَيْرٌ مِنَ الثّالِثِ، وأيّا ما كانَ فالمُرادُ بِهِمْ عَلى ما قالَ الأجْهُورِيُّ: المُؤْمِنُونَ مِن هَؤُلاءِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوِ الَّذِينَ آلَ أمْرُهم إلى الإيمانِ ﴿ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ ﴾ أيْ بَيْنَهم ﴿ رَسُولا ﴾ عَظِيمَ القَدْرِ جَلِيلَ الشَّأْنِ ﴿ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ مِن نَسَبِهِمْ، أوْ مِن جِنْسِهِمْ عَرَبِيًّا مِثْلَهم أوْ مِن بَنِي آدَمَ لا مَلِكًا ولا جِنِّيًّا، و(إذْ) ظَرْفٌ لِمَنَّ، وهو وإنْ كانَ بِمَعْنى الوَقْتِ، لَكِنْ وقَعَ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ مُعْظَمُ المُحَقِّقِينَ، والجارُّ إمّا مُتَعَلِّقٌ ( بِبَعَثَ ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً - لِرَسُولًا - والِامْتِنانُ بِذَلِكَ إمّا لِحُصُولِ الأُنْسِ بِكَوْنِهِ مِنَ الإنْسِ فَيَسْهُلُ التَّلَقِّي مِنهُ وتَزُولُ الوَحْشَةُ والنَّفْرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ الَّتِي بَيْنَ الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ، وإمّا لِيَفْهَمُوا كَلامَهُ بِسُهُولَةٍ ويَفْتَخِرُوا عَلى سائِرِ أصْنافِ نَوْعِ بَنِي آدَمَ، وإمّا لِيَفْهَمُوا ويَفْتَخِرُوا ويَكُونُوا واقِفِينَ عَلى أحْوالِهِ في الصِّدْقِ والأمانَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى تَصْدِيقِهِ والوُثُوقِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالِامْتِنانِ مَعَ عُمُومِ نِعْمَةِ البَعْثَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ لِمَزِيدِ انْتِفاعِهِمْ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ فِيهِمْ بِها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .

وقُرِئَ (لِمِن مَنِّ اللَّهِ) بِمِنِ الجارَّةِ ومَنَّ المُشَدِّدَةِ النُّونِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مِثْلِ مَنُّهُ أوْ بَعْثُهُ، وحُذِفَ لِقِيامِ الدَّلالَةِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ إذْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ كَإذا في قَوْلِكَ: أخْطَبُ ما يَكُونُ الأمِيرُ إذا كانَ قائِمًا، بِمَعْنى لِمِن مَنِّ اللَّهِ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ وقْتُ بَعْثِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ (إذْ) مُبْتَدَأً والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرًا، (وقَدِ اعْتُرِضَ ذَلِكَ) بِأنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ قالَ بِوُقُوعِ إذْ كَذَلِكَ، وما في المِثالِ إذا لا إذْ، وهي أيْضًا فِيهِ لَيْسَتْ مُبْتَدَأً أصْلًا، وإنَّما جَوَّزُوا فِيها وجْهَيْنِ: النَّصْبَ عَلى أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ وهي سادَّةٌ مَسَدَّهُ، والرَّفْعَ عَلى أنَّها هي الخَبَرُ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الكَلامُ مِن بابِ: جَدَّ جَدُّهُ لِأنَّ الأمِيرَ أخْطَبُ في حالِ القِيامِ لا كَوْنُهُ، وعَلى الثّانِي مِن بابِ: نَهارُهُ صائِمٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وجَوَّزَ الثّانِي عَبْدُ القاهِرِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: أخْطَبُ ما يَكُونُ الأمِيرُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالرَّفْعِ، فَكَأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قاسَ إذْ عَلى إذا والمُبْتَدَأ عَلى الخَبَرِ.

وانْتَصَرَ بَعْضُهم لِلزَّمَخْشَرِيِّ بِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ جَماعَةٌ مِن مُحَقِّقِي النُّحاةِ بِخُرُوجِ إذْ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ فَتَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ وبَدَلًا مِنَ المَفْعُولِ، وهَذا في قُوَّةِ تَصْرِيحِهِمْ بِوُقُوعِها مُبْتَدَأً وخَبَرًا مَثَلًا، إذْ هو قَوْلٌ بِتَصَرُّفِها، ومَتى قِيلَ بِهِ كانَتْ جَمِيعُ الأحْوالِ مُسْتَوِيَةً في جَوازِ الإقْدامِ عَلَيْها مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ حالٍ وحالٍ إلّا لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ الحالِ فِيها وفي غَيْرِها مِن سائِرِ الأسْماءِ، وهو أمْرٌ آخَرُ وراءَ ما نَحْنُ فِيهِ، نَعَمْ حَكى الشَّلُوبِينُ في شَرْحِ الجَزُولِيَّةِ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ مَأْخَذَ التَّصَرُّفِ في الظُّرُوفِ هو السَّماعُ، فَإنْ كانَ هَذا حُكْمَ أصْلِ التَّصَرُّفِ فَقَطْ دُونَ أنْواعِهِ ارْتَفَعَ الغُبارُ عَمّا قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِناءً عَلى ما ذَكَرْنا بِلا خَفاءٍ، وإنْ كانَ حُكْمُ الأنْواعِ أيْضًا كَذَلِكَ فَلا يُقْدَمُ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِمُجَرَّدِ ثُبُوتِ المَفْعُولِيَّةِ، ولا عَلى الِابْتِدائِيَّةِ بِمُجَرَّدِ ثُبُوتِ الخَبَرِيَّةِ مَثَلًا إلّا بِوُرُودِ سَماعٍ في ذَلِكَ، فَفي صِحَّةِ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ تَرَدُّدٌ بَيِّنٌ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ تَصْرِيحِهِمْ حِينَئِذٍ بِوُقُوعٍ إذْ مَفْعُولًا وبَدَلًا، وبِوُقُوعِ إذا خَبَرًا مَثَلًا لا يُجْدِي نَفْعًا لِجَوازِ وُرُودِ السَّماعِ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ كَما لا يَخْفى.

وفِي قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ وفاطِمَةَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وعَلَيْها وسَلَّمَ (مِن أنْفَسِهِمْ) بِفَتْحِ الفاءِ أيْ مِن أشْرَفِهِمْ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أشْرَفِ القَبائِلِ وبُطُونِها وهو أمْرٌ مَعْلُومٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ.

وقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ العِراقِيُّ: هَلِ العِلْمُ بِكَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَشَرًا ومِنَ العَرَبِ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ أوْ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ ؟

فَأجابَ بِأنَّهُ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ ثُمَّ قالَ: فَلَوْ قالَ شَخْصٌ: أُومِنُ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ لَكِنْ لا أدْرِي هَلْ هو مِنَ البَشَرِ أوْ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِنَ الجِنِّ أوْ لا أدْرِي هَلْ هو مِنَ العَرَبِ أوِ العَجَمِ ؟

فَلا شَكَّ في كُفْرِهِ لِتَكْذِيبِهِ القُرْآنَ وجَحْدِهِ ما تَلَقَّتْهُ قُرُونُ الإسْلامِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ وصارَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ عِنْدَ الخاصِّ والعامِّ، ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا، فَلَوْ كانَ غَبِيًّا لا يَعْرِفُ ذَلِكَ وجَبَ تَعْلِيمُهُ إيّاهُ، فَإنْ جَحَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَكَمْنا بِكُفْرِهِ انْتَهى، وهَلْ يُقاسُ اعْتِقادُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أشْرَفِ القَبائِلِ والبُطُونِ عَلى ذَلِكَ، فَيَجِبُ ذَلِكَ في صِحَّةِ الإسْلامِ، أوْ لا يُقاسُ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ إيمانُ مَن لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ مُنَزِّهٌ تِلْكَ السّاحَةَ العَلِيَّةَ عَنْ كُلِّ وصْمَةٍ ؟

فِيهِ تَأمُّلٌ، والظّاهِرُ الثّانِي وهو الأوْفَقُ بِعَوامِّ المُؤْمِنِينَ.

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ﴾ إمّا صِفَةٌ أوْ حالٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ وفِيهِ بُعْدٌ أيْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ بَعْدَ ما كانُوا أهْلَ جاهِلِيَّةٍ لَمْ يَطْرُقْ أسْماعَهم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ، أوْ بَعْدَ ما كانَ بَعْضُهم كَذَلِكَ وبَعْضُهم مُتَشَوِّقًا إلَيْهِ حَيْثُ أخْبَرَ كِتابُهُ الَّذِي بِيَدِهِ بِنُزُولِهِ وبَشَّرَ بِهِ.

﴿ ويُزَكِّيهِمْ ﴾ أيْ يَدْعُوهم إلى ما يَكُونُونَ بِهِ زاكِينَ طاهِرِينَ مِمّا كانَ فِيهِمْ مِن دَنَسِ الجاهِلِيَّةِ أوْ مِن خَبائِثِ الِاعْتِقاداتِ الفاسِدَةِ كالِاعْتِقاداتِ الَّتِي كانَ عَلَيْها مُشْرِكُو العَرَبِ وأهْلُ الكِتابَيْنِ، أوْ يَشْهَدُ بِأنَّهم أزْكِياءُ في الدِّينِ، أوْ يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَّكاةَ الَّتِي يُطَهِّرُهم بِها، قالَهُ الفَرّاءُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، ومِثْلُهُ القَرِيبُ إلَيْهِ ﴿ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.

وهَذا التَّعْلِيمُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى التِّلاوَةِ، وإنَّما وسَّطَ بَيْنَهُما التَّزْكِيَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ تَكْمِيلِ النَّفْسِ بِحَسَبِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ وتَهْذِيبِها المُتَفَرِّعِ عَلى تَكْمِيلِها بِحَسَبِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ الحاصِلِ بِالتَّعْلِيمِ المُتَرَتِّبِ عَلى التِّلاوَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المُتَرَتِّبَةِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ عَلى حِيالِها مُسْتَوْجِبَةٌ لِلشُّكْرِ، ولَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ ﴾ لَتَبادَرَ إلى الفَهْمِ عَدُّ الجَمِيعِ نِعْمَةً واحِدَةً وهو السِّرُّ في التَّعْبِيرِ عَنِ القُرْآنِ بِالآياتِ تارَةً، وبِالكِتابِ والحِكْمَةِ أُخْرى، رَمْزًا إلى أنَّهُ بِاعْتِبارِ كُلِّ عُنْوانٍ نِعْمَةً عَلى حِدَةٍ، قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ مِن تِلاوَةِ الآياتِ تِلاوَةُ ما يُوحى إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، ومِنَ التَّزْكِيَةِ الدُّعاءُ إلى الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلشَّهادَةِ لِلَّهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ ولِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالرِّسالَةِ، وبِتَعْلِيمِ الكِتابِ تَعْلِيمُ ألْفاظِ القُرْآنِ وكَيْفِيَّةُ أدائِهِ لِيَتَهَيَّأ لَهم بِذَلِكَ إقامَةُ عِمادِ الدِّينِ، وبِتَعْلِيمِ الحِكْمَةِ الإيقافُ عَلى الأسْرارِ المَخْبُوءَةِ في خَزائِنِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ أمْرُ تَرْتِيبِ هَذِهِ المُتَعاطِفاتِ ظاهِرٌ، إذْ حاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُمَهِّدُ سُبُلَ التَّوْحِيدِ ويَدْعُو إلَيْهِ ويَعْلَمُ ما يَلْزَمُ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ، ويَزِيدُ عَلى الزَّبَدِ شَهْدًا، فَتَقْدِيمُ التِّلاوَةِ لِأنَّها مِن بابِ التَّمْهِيدِ، ثُمَّ التَّزْكِيَةُ لِأنَّها بَعْدَهُ وهي أوَّلُ أمْرٍ يَحْصُلُ مِنهُ صِفَةٌ يَتَلَبَّسُ بِها المُؤْمِنُونَ وهي مِن قَبِيلِ التَّخْلِيَةِ المُقَدَّمَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ؛ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ، ثُمَّ التَّعْلِيمُ لِأنَّهُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ بَعْدَ الإيمانِ، بَقِيُ أمْرُ تَقْدِيمِ التَّعْلِيمِ عَلى التَّزْكِيَةِ في آيَةِ البَقَرَةِ، ولَعَلَّهُ كانَ إيذانًا بِشَرافَةِ التَّحْلِيَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ هُناكَ فَتَأمَّلْ.

﴿ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ بَعْثَةِ الرَّسُولِ ﴿ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ (164) ظاهِرٍ (وإنْ) هي المُخَفَّفَةُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ، والمَعْنى إنَّ الشَّأْنَ كانُوا مِن قَبْلِ إلَخْ.

وإلى هَذا ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وذَكَرَ مِثْلَهُ مَكِّيٌّ إلّا أنَّهُ قالَ: التَّقْدِيرُ وإنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ، فَجُعِلَ اسْمُها ضَمِيرًا عائِدًا عَلى المُؤْمِنِينَ، قالَ أبُو حَيّانَ: وكِلا الوَجْهَيْنِ لا نَعْرِفُ نَحْوِيًّا ذَهَبَ إلَيْهِ، وإنَّما تَقَرَّرَ عِنْدَنا في كُتُبِ النَّحْوِ، ومِنَ الشُّيُوخِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: إنَّ زَيْدًا قائِمٌ ثُمَّ خَفَّفْتَ فَمَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: جَوازُ الإعْمالِ ويَكُونُ حالَها، وهي مُخَفَّفَةٌ كَحالِها وهي مُشَدَّدَةٌ إلّا أنَّها لا تَعْمَلُ في مُضْمَرٍ، ومَنَعَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، وهم مَحْجُوجُونَ بِالسَّماعِ الثّابِتِ مِن لِسانِ العَرَبِ.

والوَجْهُ الثّانِي: وهو الأكْثَرُ عِنْدَهم أنْ تُهْمَلَ فَلا تَعْمَلُ لا في ظاهِرٍ ولا مُضْمَرٍ لا مَلْفُوظٍ ولا مُقَدَّرٍ البَتَّةَ، فَإنْ ولِيَها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ ارْتَفَعَتْ بِالِابْتِداءِ والخَبَرِ، ولَزِمَتِ اللّامُ في ثانِي مَصْحُوبَيْها إنْ لَمْ يُنْفَ، وفي أوَّلِهِما إنْ تَأخَّرَ فَتَقُولُ: إنَّ زَيْدٌ لِقائِمٌ ومَدْلُولُهُ مَدْلُولُ إنَّ زَيْدًا قائِمٌ، وإنْ ولِيَها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ فَلا بُدَّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أنْ تَكُونَ مِن نَواسِخِ الِابْتِداءِ، وإنْ جاءَ الفِعْلُ مِن غَيْرِها فَهو شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ.

وأجابَ الحَلَبِيُّ عَمَّنْ قَدَّرَ الشَّأْنَ بِأنَّهُ تَفْسِيرُ مَعْنًى لا بَيانُ إعْرابٍ، وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: إنَّ مَن قالَ: إنَّ الشَّأْنَ لَمْ يُرِدْ تَقْدِيرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ بَلْ جَعَلَ الجُمْلَةَ حالًا بِتَأْوِيلِ القِصَّةِ ذَلِكَ لِئَلّا يَخْتَلِفَ زَمانُ الحالِ، والعامِلُ فَإنَّ زَمانَ الكَوْنِ في ضَلالٍ مُبِينٍ قَبْلَ زَمانِ التَّعْلِيمِ لَكِنْ كَوْنُ القِصَّةِ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ، ثُمَّ قالَ: وهَذا تَأْوِيلٌ شائِعٌ مَشْهُورٌ في الحالِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ زَمانُ تَحَقُّقِهِ زَمانَ تَحَقُّقِ العامِلِ فاحْفَظْهُ ولا تَلْفِظْهُ انْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ الحَلَبِيُّ خِلافُ الظّاهِرِ، وكَلامُ عِصامِ المِلَّةِ مَنظُورٌ فِيهِ لِأنَّ المُناسِبَ لِما ذَكَرَهُ عَلى تَقْدِيرِ تَعَيُّنِهِ تَقْدِيرَ الشَّأْنِ قَبْلَ - أنْ - لا بَعْدَها كَما لا يَخْفى، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، والأكْثَرُونَ عَلى الحالِيَّةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهي مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ النِّعْمَةِ وتَمامِها.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١٦٥

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِإبْطالِ بَعْضِ ما نَشَأ مِنَ الظُّنُونِ الفاسِدَةِ إثْرَ إبْطالِ بَعْضٍ آخَرَ، والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّقْرِيرِ، والواوُ عاطِفَةٌ لِمَدْخُولِها عَلى مَحْذُوفٍ قَبْلَها، و(لَمّا) ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ مُضافَةٌ إلى ما بَعْدَها مُسْتَعْمَلَةٌ في الشَّرْطِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الفارِسِيُّ وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وناصِبُها (قُلْتُمْ) وهو الجَزاءُ و ﴿ قَدْ أصَبْتُمْ ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ - لِمُصِيبَةٍ - وجَعْلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، والمُرادُ بِالمُصِيبَةِ ما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم - وبِمِثْلَيْها - ما أصابَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم وأسْرِ سَبْعِينَ، وجُعِلَ ذَلِكَ مِثْلَيْنِ بِجَعْلِ الأسْرِ كالقَتْلِ أوْ لِأنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى القَتْلِ وكانَ مَرْضى اللَّهِ تَعالى، فَعَدَمُهُ كانَ مِن عِنْدِهِمْ، فَتَرْكُهُ مَعَ القُدْرَةِ لا يُنافِي الإصابَةَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالمِثْلَيْنِ المِثْلانِ في الهَزِيمَةِ لا في عَدَدِ القَتْلى، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ هَزَمُوا الكُفّارَ يَوْمَ بَدْرٍ وهَزَمُوهم أيْضًا يَوْمَ أُحُدٍ أوَّلَ الأمْرِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ بِالمُصِيبَةِ هَزِيمَةُ الكُفّارِ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أنْ فارَقُوا المَرْكَزَ، و ﴿ أنّى هَذا ﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مُقَدِّمَةُ الخَبَرِ، والمَعْنى مِن أيْنَ هَذا لا كَيْفَ هَذا لِدَلالَةِ الجَوابِ مَفْعُولِ القَوْلِ، وقِيلَ (أنّى) مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ -لَأصابَنا- المُقَدَّرُ، و(هَذا) فاعِلٌ لَهُ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قُلْتُمْ، وتَوْسِيطُ الظَّرْفِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهَمْزَةِ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ إنْكارُهُ والمَعْطُوفُ بِالواوِ حَقِيقَةً لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ، فَإنَّ فِعْلَ القَبِيحِ في غَيْرِ وقْتِهِ أقْبَحُ.

والإنْكارُ عَلى فاعِلِهِ أدْخَلُ، والمَعْنى أحِينَ نالَكم مِنَ المُشْرِكِينَ نِصْفُ ما قَدْ نالَهم مِنكم قَبْلَ ذَلِكَ رَجَعْتُمْ وقُلْتُمْ مِن أيْنَ هَذا ونَحْنُ مُسْلِمُونَ نُقاتِلُ غَضَبًا لِلَّهِ تَعالى وفِينا رَسُولُهُ، وهَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ أعْداءُ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ  ، أوْ قَدْ وعَدَنا اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ ؟

وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ تَوْجِيهِ الإنْكارِ والتَّقْرِيعِ إلى صُدُورِ ذَلِكَ القَوْلِ عَنْهم في ذَلِكَ الوَقْتِ خاصَّةً بِناءً عَلى عَدَمِ كَوْنِهِ مَظِنَّةً لَهُ داعِيًا إلَيْهِ، بَلْ عَلى كَوْنِهِ داعِيًا إلى عَدَمِهِ، فَإنَّ كَوْنَ مُصِيبَةِ عَدُوِّهِمْ مِثْلَيْ مُصِيبَتِهِمْ مِمّا يُهَوِّنُ الخَطْبَ ويُورِثُ السَّلْوَةَ، أوْ أفَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ أوِ الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ والإلْحاحِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَمّا أصابَتْكم غائِلَةُ ذَلِكَ قُلْتُمْ (أنّى هَذا) وهَذا عَلى تَقْدِيرِ تَوْجِيهِ الإنْكارِ لِاسْتِبْعادِهِمُ الحادِثَةَ مَعَ مُباشَرَتِهِمْ لِسَبَبِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ القَوْلُ إشارَةً إلى أنَّ قَوْلَهم كانَ غَيْرَ واحِدٍ بَلْ قالُوا أقْوالًا لا يَنْبَغِي أنْ يَقُولُوها.

وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ ما مَضى مِن قَوْلِهِ تَعالى ( لَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وعْده ) إلى هُنا، ولِلتَّعَلُّقِ بِقِصَّةٍ واحِدَةٍ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُما أجْنَبِيٌّ لِيَكُونَ القَوْلُ بِذَلِكَ بَعِيدًا كَما ادَّعاهُ أبُو حَيّانَ، والهَمْزَةُ حِينَئِذٍ مُتَخالَّةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ لِلتَّقْرِيرِ بِمَعْنى التَّثْبِيتِ أوِ الحَمْلِ عَلى الإقْرارِ والتَّقْرِيعِ عَلى مَضْمُونِ المَعْطُوفِ، والمَعْنى أكانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى الوَعْدُ بِالنَّصْرِ بِشَرْطِ الصَّبْرِ والتَّقْوى فَحِينَ فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ وعَصَيْتُمْ وأصابَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِما أصابَكم ﴿ قُلْتُمْ أنّى هَذا ﴾ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ، والواوَ أصْلُها التَّقْدِيمُ، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِ، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها واخْتارَ هَذا في البَحْرِ، وإسْنادُ الإصابَةِ إلى المُصِيبَةِ مَجازٌ، وإلى المُخاطَبِينَ حَقِيقَةٌ، ولَمْ يُؤْتَ بِالِاسْنادَيْنِ مِن بابٍ واحِدٍ زِيادَةً في التَّقْرِيعِ، وتَذْكِيرُ اسْمِ الإشارَةِ في ﴿ أنّى هَذا ﴾ مُراعاةً لِمَعْنى المُصِيبَةِ المُشارِ إلَيْها وهو المَشْهُورُ، أوْ لِما أنَّ إشارَتَهم لَيْسَتْ إلّا لِما شاهَدُوهُ في المَعْرَكَةِ مِن حَيْثُ هو هو مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ تَسْمِيَتُهُ بِاسْمٍ ما، فَضْلًا عَنْ تَسْمِيَتِهِ بِاسْمِ المُصِيبَةِ، وإنَّما هي عِنْدَ الحِكايَةِ، وفي الآيَةِ عَلى ما قِيلَ: جَوابٌ ضِمْنِيٌّ عَنِ اسْتِبْعادِهِمْ تِلْكَ الإصابَةَ، يَعْنِي أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا لا تَدُومُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، فَإذا أصَبْتُمْ مِنهم مِثْلَ ما أصابُوا مِنكم وزِيادَةً، فَما وجْهُ الِاسْتِبْعادِ ؟

لَكِنْ صَرَّحَ بِجَوابٍ آخَرَ يُبْرِئُ العَلِيلَ ويَشْفِي الغَلِيلَ، وتَطَأْطَأُ مِنهُ الرُّءُوسُ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ في جَوابِ سُؤالِهِمُ الفاسِدِ ﴿ هُوَ ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أصابَكم كائِنٌ ﴿ مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ أنَّها السَّبَبُ لَهُ حَيْثُ خالَفَ الرُّماةُ أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَرْكِهِمُ المَرْكَزَ وحَرَصُوا عَلى الغَنِيمَةِ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، أوْ حَيْثُ إنَّكم قَدِ اخْتَرْتُمْ قَبْلَ أنْ يُقْتَلَ مِنكم سَبْعُونَ في مُقابَلَةِ الفِداءِ الَّذِي أخَذْتُمُوهُ مِن أُسارى بَدْرٍ، وعُزِيَ هَذا إلى الحَسَنِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وآخَرُونَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ كَرِهَ ما فَعَلَ قَوْمُكَ في أخْذِهِمُ الأُسارى، وقَدْ أمَرَكَ أنْ تُخَيِّرَهم بَيْنَ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يُقَدَّمُوا فَتَضْرِبَ أعْناقَهم، وإمّا أنْ يَأْخُذُوا الفِداءَ عَلى أنْ يُقْتَلَ مِنهم عِدَّتُهم، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ النّاسَ فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ عَشائِرُنا وإخْوانُنا نَأْخُذُ فِداءَهم نَتَقَوّى بِهِ عَلى قِتالِ عَدُوِّنا، ويُسْتَشْهَدُ مِنّا عِدَّتُهم فَلَيْسَ ذَلِكَ ما نَكْرَهُ، فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رَجُلًا عِدَّةُ أُسارى أهْلِ بَدْرٍ، أوْ حَيْثُ اخْتَرْتُمُ الخُرُوجَ مِنَ المَدِينَةِ ولَمْ تَبْقَوْا حَتّى تُقاتِلُوا المُشْرِكِينَ فِيها»، قالَهُ الرَّبِيعُ وغَيْرُهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ قَدِمَ أبُو سُفْيانَ والمُشْرِكُونَ: إنّا في جَنَّةٍ حَصِينَةٍ - يَعْنِي بِذَلِكَ المَدِينَةَ - فَدَعُوا القَوْمَ يَدْخُلُوا عَلَيْنا نُقاتِلُهم، فَقالَ لَهُ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ: إنّا نَكْرَهُ أنْ نَقْتُلَ في طُرُقِ المَدِينَةِ، وقَدْ كُنّا نَمْتَنِعُ مِن ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ فَبِالإسْلامِ أحَقُّ أنْ نَمْتَنِعَ، فابْرُزْ بِنا إلى القَوْمِ، فانْطَلَقَ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ فَتَلاوَمَ القَوْمُ فَقالُوا: عَرَضَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِأمْرٍ وعَرَضْتُمْ بِغَيْرِهِ، اذْهَبْ يا حَمْزَةُ فَقُلْ لَهُ أمْرُنا لِأمْرِكَ تَبَعٌ، فَأتى حَمْزَةُ، فَقالَ لَهُ: إنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُناجِزَ، وإنَّهُ سَيَكُونُ فِيكم مُصِيبَةٌ، قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ خاصَّةً أوْ عامَّةً ؟

قالَ: سَتَرَوْنَها»، واعْتُرِضَ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ يَأْباهُ أنَّ الوَعْدَ بِالنَّصْرِ كانَ بَعْدَ اخْتِيارِ الخُرُوجِ، وأنَّ عَمَلَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِمُوجَبِهِ قَدْ رَفَعَ الخَطَرَ عَنْهُ، وخَفَّفَ جِنايَتَهم فِيهِ عَلى أنَّ اخْتِيارَ الخُرُوجِ والإصْرارَ عَلَيْهِ كانَ مِمَّنْ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالشَّهادَةِ يَوْمَئِذٍ، وأيْنَ هم مِنَ التَّفَوُّهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ ؟

وأُجِيبَ بِأنَّ الإباءَ المَذْكُورَ في حَيِّزِ المَنعِ كَيْفَ والنَّصْرُ المَوْعُودُ كانَ مَشْرُوطًا بِما يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى عَدَمَ حُصُولِهِ، وبِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وإنْ كانَ قَدْ عَمِلَ بِمُوجَبِهِ، لَكِنْ لَمْ تَكُنْ نَفْسُهُ الكَرِيمَةُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُنْبَسِطَةً لِذَلِكَ، ولا قَلْبُهُ الشَّرِيفُ مائِلًا إلَيْهِ، وكَأنَّ سِهامَ الأقْدارِ نَفَذَتْ حِينَ خالَفُوا رَأْيَهُ السّامِيَ، وعَدَلُوا عَنِ الوُرُودِ مِن عَذْبِ بَحْرِ عَقْلِهِ الطّامِيِّ كَما يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ أنْ لَبِسَ لَأْمَتَهُ: ”وإنَّهُ سَيَكُونُ فِيكم مُصِيبَةٌ“ وقَوْلُهُ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ عَنْها: خاصَّةً أوْ عامَّةً ؟

”سَتَرَوْنَها“ فَإنَّ ذَلِكَ كالصَّرِيحِ في عَدَمِ الرِّضا والفَصِيحِ في اسْتِيجابِ ذَلِكَ الِاخْتِيارِ نُزُولَ القَضاءِ، وبِأنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ ﴾ لَيْسَ نَصًّا في أنَّ المُتَسَبِّبِينَ هُمُ المُتَفَوِّهُونَ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ لِيَضُرَّ اسْتِشْهادُ المُخْتارِينَ لِلْخُرُوجِ في المَقْصُودِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ قَوْلِكَ لِقَبِيلَةٍ: أنْتُمْ قَتَلْتُمْ فُلانًا، والقاتِلُ مِنهم أُناسٌ مَخْصُوصُونَ لَمْ يُوجَدُوا وقْتَ الخِطابِ، ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في المُحاوَراتِ، عَلى أنَّ كَوْنَ مُصِيبَةِ المُتَفَوِّهِينَ هي قَتْلُ أُولَئِكَ المُسْتَشْهَدِينَ نَصٌّ في التَّأسُّفِ عَلَيْهِمْ، فَيُناسِبُهُ التَّعْرِيضُ بِهِمْ بِنِسْبَةِ القُصُورِ إلَيْهِمْ لِيَهُونَ هَذا التَّأسُّفُ، ولِيَعْلَمُوا أنَّ شُؤْمَ الِانْحِرافِ عَنْ سَمْتِ إرادَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعُمُّ الكَبِيرَ والصَّغِيرَ، بَلْ رُبَّما يُقالُ: إنَّ اسْتِشْهادَ أُولَئِكَ المُصِرِّينَ شاهِدٌ عَلى أنَّهم هُمُ الَّذِينَ كانُوا سَبَبًا في تِلْكَ المُصِيبَةِ، ولِهَذا اسْتَشُهِدُوا لِيَذْهَبُوا إلى رَبِّهِمْ عَلى أحْسَنِ حالٍ.

هَذا ولا يَخْفى أنَّ هَذا الجَوابَ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، وكَأنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ أنَّ الذّاهِبِينَ إلى تَفْسِيرِ ﴿ مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ ﴾ بِالخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ وتَبَعِيَّةِ أبِي سُفْيانَ وقَوْمِهِ جَماعَةٌ أجِلّاءُ يَبْعُدُ نِسْبَةُ الغَلَطِ إلَيْهِمْ، فَقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَتَدَبَّرْ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (165) ومِن جُمْلَتِهِ النَّصْرُ عِنْدَ المُوافَقَةِ، والخِذْلانُ عِنْدَ المُخالَفَةِ، وحَيْثُ خالَفْتُمْ أصابَكم سُبْحانَهُ بِما أصابَكم، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها داخِلٌ تَحْتِ الأمْرِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنها تَطْيِيبُ أنْفُسِهِمْ ومَزْجُ مَرارَةِ التَّقْرِيعِ بِحَلاوَةِ الوَعْدِ أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى نُصْرَتِكم بَعْدُ لِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، فَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ، واعْتِناءً بِشَأْنِ التَّطْيِيبِ وإرْشادًا لَهم إلى حَقِيقَةِ الحالِ فِيما سَألُوا عَنْهُ، وبَيانًا لِبَعْضِ ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٦٦

ورَفْعًا لِما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِنَ الجَوابِ مِنِ اسْتِقْلالِهِمْ في وُقُوعِ الحادِثَةِ رَجَعَ إلى خِطابِهِمْ بِرَفْعِ الواسِطَةِ وجَوابِ سُؤالِهِمْ بِأبْسَطِ عِبارَةٍ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أصابَكُمْ ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّكْبَةِ بِقَتْلِ مَن قُتِلَ مِنكم ﴿ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ أيُّ جَمْعُكم وجَمْعُ أعْدائِكُمُ المُشْرِكِينَ، والمُرادُ بِذَلِكَ اليَوْمِ يَوْمُ أُحُدٍ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ - لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِهِ يَوْمُ أُحُدٍ، ويَوْمُ بَدْرٍ - بَعِيدٌ جِدًّا ﴿ فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ بِإرادَتِهِ، وقِيلَ: بِتَخْلِيَتِهِ، و(ما) اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ (أصابَكُمْ) صِلَتُهُ، وبِإذْنِ اللَّهِ: خَبَرُهُ.

والمُرادُ بِإذْنِ اللَّهِ يَكُونُ ويَحْصُلُ، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ مَعْنى الشَّرْطِ، ووَجْهُ السَّبَبِيَّةِ لَيْسَ بِظاهِرٍ إذِ الإصابَةُ لَيْسَتْ سَبَبًا لِلْإرادَةِ ولا لِلتَّخْلِيَةِ، بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ فَهو مِن قَبِيلِ ﴿ وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلْإخْبارِ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّ قَيْدَ الأوامِرِ قَدْ يَكُونُ لِلْمَطْلُوبِ وقَدْ يَكُونُ لِلطّالِبِ، وكَذا الإخْبارُ، وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وادَّعى السَّمِينُ أنَّ في الكَلامِ إضْمارًا أيْ فَهو بِإذْنِ اللَّهِ، ودُخُولُ الفاءِ لِما تَقَدَّمَ، ثُمَّ قالَ: وهَذا مُشْكِلٌ عَلى ما قَرَّرَهُ الجُمْهُورُ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَهم دُخُولُ هَذِهِ الفاءِ زائِدَةً في الخَبَرِ إلّا بِشُرُوطٍ، مِنها أنْ تَكُونَ الصِّلَةُ مُسْتَقْبَلَةً في المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ الفاءَ إنَّما دَخَلَتْ لِلشَّبَهِ بِالشَّرْطِ، والشَّرْطُ إنَّما يَكُونُ في الِاسْتِقْبالِ لا في الماضِي، فَلَوْ قُلْتَ: الَّذِي أتانِي أمْسِ فَلَهُ دِرْهَمٌ لَمْ يَصِحَّ، و(أصابَكُمْ) هُنا ماضٍ مَعْنًى كَما أنَّهُ ماضٍ لَفْظًا؛ لِأنَّ القِصَّةَ ماضِيَةٌ فَكَيْفَ جازَ دُخُولُ هَذِهِ الفاءِ ؟

وأجابُوا عَنْهُ بِأنَّهُ يُحْمَلُ عَلى التَّبَيُّنِ أيْ وما يَتَبَيَّنُ إصابَتُهُ إيّاكم فَهو بِإذْنِ اللَّهِ كَما تَأوَّلُوا ﴿ وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ ﴾ بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: وإذا صَحَّ هَذا التَّأْوِيلُ فَلْيُجْعَلْ (ما) هُنا شَرْطًا صَرِيحًا، وتَكُونُ الفاءُ داخِلَةً وُجُوبًا لِكَوْنِها واقِعَةً جَوابًا لِلشَّرْطِ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

﴿ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ ﴾ (166) عَطْفٌ عَلى بِإذْنِ اللَّهِ، مِن عَطْفِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، والمُرادُ لِيَظْهَرَ لِلنّاسِ ويَثْبُتَ لَدَيْهِمْ إيمانُ المُؤْمِنِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًۭا لَّٱتَّبَعْنَـٰكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَـٰنِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ١٦٧

﴿ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، وهَذا عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مِثْلِهِ، وإعادَةُ الفِعْلِ إمّا لِلِاعْتِناءِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، أوْ لِتَشْرِيفِ المُؤْمِنِينَ وتَنْزِيهِهِمْ عَنِ الِانْتِظامِ في قَرْنِ المُنافِقِينَ، ولِلْإيذانِ بِاخْتِلافِ حالِ العِلْمِ بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ بِالفَرِيقَيْنِ، فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى نَهْجِ تَعَلُّقِهِ السّابِقِ، وبِالمُنافِقِينَ عَلى نَهْجٍ جَدِيدٍ وهو السِّرُّ - كَما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ - في إيرادِ الأوَّلِينَ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ المُنْبِئَةِ عَنِ الِاسْتِمْرارِ، والآخِرِينَ بِمَوْصُولٍ صِلَتُهُ فِعْلٌ دالٌّ عَلى الحُدُوثِ، ﴿ وقِيلَ لَهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى نافَقُوا مُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ نِفاقًا خاصًّا أظْهَرُوهُ في ذَلِكَ المَقامِ.

وقِيلَ: ابْتِداءُ كَلامٍ مَعْطُوفٍ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهُ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، ووَجْهُهُ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ وما جَرى لَهم وعَلَيْهِمْ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ وبَيَّنَ أنَّ الدّائِرَةَ إنَّما كانَتْ لِلِابْتِلاءِ ولِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ عَنِ المُنافِقِينَ، ولِيَعْلَمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أنَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن إصابَةِ المُؤْمِنِينَ كائِنٌ لا مَحالَةَ أوْرَدَ قِصَّةً مِن قَصَصِهِمْ مُناسِبَةً لِهَذا المَقامِ مُسْتَطْرَدَةً، وجِيءَ بِالواوِ لِأنَّها مُلائِمَةٌ لِأصْلِ الكَلامِ، والنِّفاقُ عَلى هَذا مُطْلَقٌ مُتَعارَفٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَيْفِيَّةِ ظُهُورِ نِفاقِهِمْ أوْ عَدَمِ ثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ.

وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، القائِلُ إمّا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإلَيْهِ ذَهَبُ الأصَمُّ، وإمّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُ، ومَقُولُ القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا ﴾ قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿ أوِ ادْفَعُوا ﴾ عَنّا العَدُوَّ بِتَكْثِيرِ السَّوادِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: إنَّهم خُيِّرُوا بَيْنَ أنْ يُقاتِلُوا لِلْآخِرَةِ أوْ لِدَفْعِ الكُفّارِ عَنْ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ أوْ بَيْنَ الأوَّلِ وبَيْنَ دَفْعِ المُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: قاتِلُوا لِلَّهِ تَعالى أوْ لِلنِّفاقِ الدّافِعِ عَنْ أنْفُسِكم وأمْوالِكم، وتُرِكَ العاطِفُ الفاءُ أوِ الواوُ بَيْنَ (تَعالَوْا)، و(قاتِلُوا) لِما أنَّ المَقْصُودَ بِهِما واحِدٌ وهو الثّانِي، وذُكِرَ الأوَّلُ تَوْطِئَةً لَهُ وتَرْغِيبًا فِيهِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّظاهُرِ والتَّعاوُنِ، وقِيلَ: تُرِكَ العاطِفُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: الأمْرُ الثّانِي حالٌ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

﴿ قالُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ فَما صَنَعُوا حِينَ قِيلَ لَهم ذَلِكَ ؟

فَقِيلَ قالُوا: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ ﴾ أيْ لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ ما أسْلَمْناكم، ولَكِنْ لا نَرى أنْ يَكُونَ قِتالٌ.

أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، وقِيلَ: أرادُوا إنّا لا نُحْسِنُ القِتالَ ولا نَقْدِرُ عَلَيْهِ لِأنَّ العِلْمَ بِالفِعْلِ الِاخْتِيارِيِّ مِن لَوازِمِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَعَبَّرَ بِنَفْيِهِ عَنْ نَفْيِها، ويُحْتَمَلُ أنَّهم جَعَلُوا نَفْيَ عِلْمِ القِتالِ كِنايَةً عَنْ أنَّ ما هم فِيهِ لَيْسَ قِتالًا بِناءً عَلى نَفْيِ العِلْمِ بِنَفْيِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّ القِتالَ يَسْتَدْعِي التَّكافُؤَ مِنَ الجانِبَيْنِ مَعَ رَجاءِ مُدافَعَةٍ أوْ مُغالَبَةٍ، ومَتى لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ كانَ إلْقاءُ الأنْفُسِ إلى التَّهْلُكَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتالا ﴾ في سَبِيلِ اللَّهِ لاتَّبَعْناكم، أوْ لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا مَعَنا لاتَّبَعْناكم، لَكِنْ لَيْسَ لِلْمُخالِفِ مَعَنا مُضادَّةٌ ولا قَصْدٌ لَهُ إلّا مَعَكم، ولا يَخْفى أنَّ هَذا الكَلامَ عَلى جَمِيعِ تَقادِيرِهِ يَصْلُحُ وُقُوعُهُ جَوابًا لِما قِيلَ لَهم عَلى جَمِيعِ تَقادِيرِهِ ما عَدا الأوَّلِ، وعَلى الأوَّلِ يَصْلُحُ هَذا جَوابًا لَهُ عَلى جَمِيعِ تَقادِيرِهِ ما عَدا الثّانِي، إذْ عَدَمُ المَعْرِفَةِ بِالقِتالِ لا يَكُونُ عُذْرًا في عَدَمِ تَكْثِيرِ السَّوادِ إلّا عَلى بُعْدٍ، ومِن كَلامِهِمْ: إنْ لَمْ تُقاتِلْ يا جَبانُ فَشَجِّعْ.

والمُرادُ بِالِاتِّباعِ إمّا الذَّهابُ لِلْقِتالِ ولَمْ يُعَبِّرُوا بِهِ لِأنَّ ألْسِنَتَهم لِكَمالِ تَثَبُّطِ قُلُوبِهِمْ عَنْهُ لا تُساعِدُهم عَلى الإفْصاحِ بِهِ، وأمّا الذَّهابُ مَعَ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ لِلْقِتالِ أوْ لِلدَّفْعِ وتَكْثِيرِ السَّوادِ وحَمْلُهُ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ أيْ لَوْ كُنّا نَعْلَمُ قِتالًا لامْتَثَلْنا أمْرَكم لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

﴿ هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ ﴾ أيْ هم يَوْمَ إذْ قالُوا ﴿ لَوْ نَعْلَمُ ﴾ إلَخْ أقْرَبُ لِلْكُفْرِ مِنهم قَبْلَ ذَلِكَ لِظُهُورِ أمارَتِهِ عَلَيْهِمْ بِانْخِذالِهِمْ عَنْ نُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ واعْتِذارِهِمْ لَهم عَلى وجْهِ الدَّغَلِ والِاسْتِهْزاءِ.

والظُّرُوفُ كُلُّها في المَشْهُورِ عِنْدَ المُعَرِّبِينَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأقْرَبَ، ومِن قَواعِدِهِمْ أنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ حَرْفا جَرٍّ أوْ ظَرْفانِ بِمَعْنًى بِمُتَعَلِّقٍ واحِدٍ إلّا في ثَلاثِ صُوَرٍ: إحْداها أنْ يَتَعَلَّقَ أحَدُهُما بِهِ مُطْلَقًا ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِهِ الآخَرُ بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِالأوَّلِ، وثانِيَتُها أنْ يَكُونَ الثّانِي تابِعًا لِلْأوَّلِ بِبَدَلِيَّةٍ ونَحْوِها، وثالِثَتُها أنْ يَكُونَ المُتَعَلِّقُ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ لِتَضَمُّنِهِ الفاضِلَ والمَفْضُولَ الَّذِي يَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ تَعَدُّدِ المُتَعَلِّقِ كَما في المُقَيَّدِ والمُطْلَقِ، وما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ قُرْبُهم مِنَ الكُفْرِ يَزِيدُ عَلى قُرْبِهِمْ مِنَ الإيمانِ، واللّامُ الجارَّةُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى إلى بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ صِلَةَ القُرْبِ تَكُونُ مِن وإلى لا غَيْرَ، تَقُولُ: قَرُبَ مِنهُ وإلَيْهِ، ولا تَقُولُ لَهُ، أوْ عَلى حالِها بِناءً عَلى ما في الدُّرِّ المَصُونِ أنَّ القُرْبَ الَّذِي هو ضِدُّ البُعْدِ يَتَعَدّى بِثَلاثَةِ أحْرُفٍ: اللّامُ وإلى ومِن، وقِيلَ: إنَّ (أقْرَبَ) هُنا مِنَ القَرْبِ بِفَتْحِ الرّاءِ وهو طَلَبُ الماءِ ومِنهُ القارِبُ لِسَفِينَتِهِ، ولَيْلَةُ القَرْبِ أيِ الوُرُودِ، والمَعْنى هم أطْلُبُ لِلْكُفْرِ، وحِينَئِذٍ يُتَعَدّى بِاللّامِ اتِّفاقًا.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ اللّامَ هُنا لِلتَّعْلِيلِ، والتَّقْدِيرُ هم لِأجْلِ كُفْرِهِمْ يَوْمَئِذٍ (أقْرَبُ) مِنَ الكافِرِينَ مِنهم مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأجْلِ إيمانِهِمْ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ لِمَزِيدِ بُعْدِهِ ورَكاكَةِ نَظْمِهِ لَوْ صَرَّحَ بِما حُذِفَ فِيهِ.

وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ مُضافٌ وهو أهْلٌ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَمْيِيزٍ مَحْذُوفٍ وهو نُصْرَةٌ، والمَعْنى هم لِأهْلِ الكُفْرِ (أقْرَبُ) نُصْرَةً مِنهم لِأهْلِ الإيمانِ، إذْ كانَ انْخِذالُهم ومَقالُهم تَقْوِيَةً لِلْمُشْرِكِينَ وتَخْذِيلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وهَذا كَما تَقُولُ: أنا لِزَيْدٍ أشَدُّ ضَرْبًا مِنِّي لِعَمْرٍو، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يُمْكِنُ تَعَلُّقُ اللّامِ بِالتَّمْيِيزِ عِنْدَ عَدَمِ اعْتِبارِ حَذْفِ المُضافِ أيْضًا، وادَّعى الواحِدِيُّ أنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الآتِيَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ لا يُكَفَّرُ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُظْهِرِ القَوْلَ بِتَكْفِيرِهِمْ.

وقالَ الحَسَنُ: إذا قالَ اللَّهُ تَعالى: (أقْرَبُ) فَهو لِلْيَقِينِ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ، ولا يَخْفى أنَّ الآيَةَ كالصَّرِيحِ في كُفْرِهِمْ، لَكِنَّهم مَعَ هَذا لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُعامَلُوا بِذَلِكَ مُعامَلَةَ الكُفّارِ ولَعَلَّهُ لِأمْرٍ آخَرَ.

﴿ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِحالِهِمْ مُطْلَقًا لا في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقَطْ ولِذا فُصِّلَتْ، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ (أقْرَبُ) وتَقْيِيدُ القَوْلِ بِالأفْواهِ إمّا بَيانٌ لِأنَّهُ كَلامٌ لَفْظِيٌّ لا نَفْسِيٌّ، وإمّا تَأْكِيدٌ عَلى حَدِّ ﴿ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ﴾ والمُرادُ أنَّهم يُظْهِرُونَ خِلافَ ما يُضْمِرُونَ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ ذِكْرَ الأفْواهِ والقُلُوبِ تَصْوِيرٌ لِنِفاقِهِمْ وتَوْضِيحٌ لِمُخالَفَةِ ظاهِرِهِمْ لِباطِنِهِمْ، وإنَّ (ما) عِبارَةٌ عَنِ القَوْلِ، والمُرادُ بِهِ إمّا نَفْسُ الكَلامِ الظّاهِرِ في اللِّسانِ تارَةً، وفي القَلْبِ أُخْرى، فالمُثْبَتُ والمَنفِيُّ مُتَّحِدانِ ذاتًا وصِفَةً، وإنِ اخْتَلَفا مَظْهَرًا، وإمّا القَوْلُ المَلْفُوظُ فَقَطْ فالمَنفِيُّ حِينَئِذٍ مَنشَؤُهُ الَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنْهُ القَوْلُ أصْلًا، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِهِ إبانَةً لِما بَيْنَهُما مِن شَدَّةِ الِاتِّصالِ، والمَعْنى يَتَفَوَّهُونَ بِقَوْلٍ لا وُجُودَ لَهُ أوْ لِمَنشَئِهِ في قُلُوبِهِمْ أصْلًا مِنَ الأباطِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حَكى عَنْهم آنِفًا، فَإنَّهم أظْهَرُوا فِيهِ أمْرَيْنِ لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ شَيْءٌ مِنهُما، أحَدُهُما عَدَمُ العِلْمِ بِالقِتالِ، والآخَرُ الِاتِّباعُ عَلى تَقْدِيرِ العِلْمِ بِهِ، وقَدْ كَذَبُوا فِيهِما كَذِبًا بَيِّنًا، حَيْثُ كانُوا عالِمِينَ بِهِ مُصِرِّينَ مَعَ ذَلِكَ عَلى الِانْخِذالِ عازِمِينَ عَلى الِارْتِدادِ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ (ما) عِبارَةً عَنِ القَوْلِ المَلْفُوظِ، ومَعْنى كَوْنِهِ لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقَدٍ لَهم ولا مُتَصَوَّرٍ عِنْدَهم إلّا كَتَصَوُّرِ زَوْجِيَّةِ الثَّلاثَةِ مَثَلًا، والحُكْمُ عامٌّ، ويَدْخُلُ فِيهِ حُكْمُ ما تَفَوَّهُوا بِهِ مِن مَجْمُوعِ القَضِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ لا خُصُوصَ المُقَدَّمِ فَقَطْ، ولا خُصُوصَ التّالِي فَقَطْ، ولا الأمْرانِ مَعًا دُونَ الهَيْئَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ المُعْتَبَرَةِ في القَضِيَّةِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أوْلى.

﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ﴾ زِيادَةُ تَحْقِيقٍ لِكُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ بِبَيانِ اشْتِغالِ قُلُوبِهِمْ بِما يُخالِفُ أقْوالَهم مِن فُنُونِ الشَّرِّ والفَسادِ إثْرَ بَيانِ خُلُّوِهِمْ عَمّا يُوافِقُها، والمُرادُ أعْلَمُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُهُ مُفَصَّلًا بِعِلْمٍ واجِبٍ، والمُؤْمِنُونَ يَعْلَمُونَهُ مُجْمَلًا بِأماراتٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الحالِيَّةُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ النِّفاقُ، وأنَّ المُرادَ أعْلَمُ مِنهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ نَتِيجَةَ أسْرارِهِمْ وآمالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ ۗ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٦٨

﴿ الَّذِينَ قالُوا ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن واوِ يَكْتُمُونَ كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُ الَّذِينَ قالُوا، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هُمُ الَّذِينَ، وقِيلَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قُلْ فادْرَءُوا بِحَذْفِ العائِدِ أيْ قُلْ لَهم إلَخْ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلَّذِينَ نافَقُوا، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ أفْواهِهِمْ أوْ قُلُوبِهِمْ، وجاءَ إبْدالُ المُظْهَرِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: عَلى حالَةٍ لَوْ أنَّ في القَوْمِ حاتِمًا عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمُ بِجَرِّ حاتِمٍ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ جُودِهِ لِأنَّ القَوافِيَ مَجْرُورَةٌ، والمَعْنى يَقُولُونَ بِأفْواهِ الَّذِينَ قالُوا، أوْ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِ الَّذِينَ قالُوا، والكَلامُ عَلى الوَجْهَيْنِ مِن بابِ التَّجْرِيدِ كَقَوْلِهِ: يا خَيْرَ مَن يَرْكَبُ المَطِيَّ ولا ∗∗∗ يَشْرَبُ كَأْسًا مِن كَفِّ مَن بَخِلا والقائِلُ كَما قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، وقَدْ قالُوا ذَلِكَ في يَوْمِ أُحُدٍ ﴿ لإخْوانِهِمْ ﴾ أيْ لِأجْلِ إخْوانِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقُتِلُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ، والمُرادُ لِذَوِي قَرابَتِهِمْ أوْ لِمَن هو مِن جِنْسِهِمْ ﴿ وقَعَدُوا ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( قالُوا ) وقَدْ مُرادُهُ أيْ قالُوا وقَدْ قَعَدُوا عَنِ القِتالِ بِالِانْخِذالِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الصِّلَةِ فَيَكُونَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ قالُوا ومَعْمُولِها وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ أطاعُونا ﴾ أيْ في تَرْكِ القِتالِ ﴿ ما قُتِلُوا ﴾ كَما لَمْ نُقْتَلْ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم أمَرُوهم بِالِانْخِذالِ حِينَ انْخَذَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في ألْفِ رَجُلٍ وقَدْ وعَدَهُمُ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا، فَلَّما خَرَجُوا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في ثَلَثِمِائَةٍ، فَتَبِعَهم أبُو جابِرٍ السَّلَمِيُّ يَدْعُوهم، فَلَمّا غَلَبُوهُ وقالُوا لَهُ: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ ﴾ قالُوا لَهُ: ولَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنا»، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى نَعْيَ قَوْلِهِمْ لَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( الَّذِينَ قالُوا ) إلَخْ، وبَعْضُهم حَمَلَ القُعُودَ عَلى ما اسْتَصْوَبَهُ ابْنُ أُبَيٍّ عِنْدَ المُشاوَرَةِ مِنَ المُقامَةِ بِالمَدِينَةِ ابْتِداءً، وجَعَلَ الإطاعَةَ عِبارَةً عَنْ قَبُولِ رَأْيِهِ والعَمَلِ بِهِ - ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ - بَلْ قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ: يَرُدُّهُ كَوْنُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً فَإنَّها لِتَعْيِينِ ما فِيهِ العِصْيانُ والمُخالَفَةُ مَعَ أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ لَيْسَ مِنَ القاعِدِينَ فِيها بِذَلِكَ المَعْنى عَلى أنَّ تَخْصِيصَ عَدَمِ الطّاعَةِ بِإخْوانِهِمْ يُنادِي بِاخْتِصاصِ الأمْرِ أيْضًا بِهِمْ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يُحْمَلَ عَلى ما خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِنْدَ المُشاوَرَةِ.

﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِكَذِبِهِمْ ﴿ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ ﴾ أيْ فادْفَعُوا عَنْها ذَلِكَ وهو جَوابٌ لِشَرْطٍ قَدْ حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ (168) عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ شَرْطُ حَذْفِ جَوابِهِ لِدَلالَةِ ﴿ فادْرَءُوا ﴾ عَلَيْهِ، ومَن جَوَّزَ تَقَدُّمَ الجَوابِ لَمْ يَحْتَجْ لِما ذُكِرَ، ومُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم مِن أنَّ سَبَبَ نَجاتِهِمُ القُعُودُ عَنِ القِتالِ، والمُرادُ أنَّ ما ادَّعَيْتُمُوهُ سَبَبَ النَّجاةِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ، ولَوْ فُرِضَ اسْتِقامَتُهُ فَلَيْسَ بِمُفِيدٍ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ أسْبابَ النَّجاةِ كَثِيرَةٌ غايَتُهُ أنَّ القُعُودَ والنَّجاةَ وُجِدا مَعًا وهو لا يَدُلُّ عَلى السَّبَبِيَّةِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ المَهْرُوبَ عَنْهُ بِالذّاتِ هو المَوْتُ الَّذِي القَتْلُ أحَدُ أسْبابِهِ، فَإنْ صَحَّ ما ذَكَرْتُمْ فادْفَعُوا سائِرَ أسْبابِهِ، فَإنَّ أسْبابَ المَوْتِ في إمْكانِ المُدافِعَةِ بِالحِيَلِ وامْتِناعِها سَواءٌ، وأنْفُسَكم أعَزُّ عَلَيْكم، وأمْرَها أهَمُّ لَدَيْكم، وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ ما صُرِّحَ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا ﴾ والمَعْنى أنَّهم لَوْ أطاعُوكم وقَعَدُوا لَقُتِلُوا قاعِدِينَ كَما قُتِلُوا مُقاتِلِينَ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ ﴿ فادْرَءُوا ﴾ إلَخِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ أيْ إنْ كُنْتُمْ رِجالًا دَفّاعِينَ لِأسْبابِ المَوْتِ ﴿ فادْرَءُوا ﴾ جَمِيعَ أسْبابِهِ حَتّى لا تَمُوتُوا كَما دَرَأْتُمْ بِزَعْمِكم هَذا السَّبَبَ الخاصَّ، وفي الكَشّافِ: رُوِيَ أنَّهُ ماتَ يَوْمَ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ مِنهم سَبْعُونَ مُنافِقًا بِعَدَدِ مَن قُتِلَ بِأُحُدٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ١٦٩

﴿ ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا ﴾ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ وحُسْنَ مَقِيلِهِمْ قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ تَعالى لَنا» وفي لَفْظٍ: «قالُوا: مَن يُبَلِّغُ إخْوانَنا أنَّنا أحْياءٌ في الجَنَّةِ نُرْزَقُ لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ، ولا يُنَكِّلُوا عَنِ الحَرْبِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكم، فَأنْزَلَ هَؤُلاءِ الآياتِ» .

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وغَيْرُهُما عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ يا جابِرُ ما لِي أراكَ مُنْكَسِرًا ؟

فَقُلْتَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أبِي وتَرَكَ عِيالًا ودَيْنًا، فَقالَ: ألا أُبَشِّرُكَ بِما لَقِيَ اللَّهُ تَعالى بِهِ أباكَ ؟

قُلْتُ: بَلى.

قالَ: ما كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى أحَدًا قَطُّ إلّا مِن وراءِ حِجابٍ، وأحْيا أباكَ فَكَلَّمَهُ كِفاحًا وقالَ: يا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قالَ: يا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثانِيَةً، قالَ الرَّبُّ تَعالى: قَدْ سَبَقَ مِنِّي أنَّهم لا يَرْجِعُونَ.

قالَ: أيْ رَبِّي فَأبْلِغْ مَن ورائِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ "» .

ولا تَنافِيَ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ كِلا الأمْرَيْنِ قَدْ وقَعَ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ لَهُما، والأخْبارُ مُتَضافِرَةٌ عَلى نُزُولِها في شُهَداءِ أُحُدٍ، وفي رِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ قالَ: «حَدَّثَنِي أنَسٌ في أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى بِئْرِ مَعُونَةَ وساقَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ - إلى أنْ قالَ - وحَدَّثَنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ فِيهِمْ قُرْآنًا: بَلِّغُوا عَنّا قَوْمَنا أنّا قَدْ لَقِينا رَبَّنا فَرَضِيَ عَنّا ورَضِينا عَنْهُ، ثُمَّ نُسِخَتْ فَرُفِعَتْ بَعْدَما قَرَأْناهُ زَمانًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ولا تَحْسَبَنَّ ﴾ إلَخْ» .

ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الخَبَرَ لَيْسَ نَصًّا في ذَلِكَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها نَزَلَتْ في شُهَداءِ بَدْرٍ، وادَّعى العَلّامَةُ السُّيُوطِيُّ أنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ، وأنَّ آيَةَ البَقَرَةِ هي النّازِلَةُ فِيهِمْ، وهي كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ إثْرَ بَيانِ أنَّ الحَذَرَ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي لِبَيانِ أنَّ القَتْلَ الَّذِي يَحْذَرُونَهُ ويُحَذِّرُونَ مِنهُ لَيْسَ مِمّا يُحْذَرُ، بَلْ هو مِن أجَلِّ المَطالِبِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلى الخِطابِ مُطْلَقًا.

وقِيلَ: مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ قالُوا: ( لَوْ أطاعُونا وقَعَدُوا ) وإنَّما عَبَّرَ عَنِ اعْتِقادِهِمْ بِالظَّنِّ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِ، وقُرِئَ ( يَحْسَبَنَّ ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ عَلى الإسْنادِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ ضَمِيرِ مَن يُحْسَبُ عَلى طَرَزِ ما ذُكِرَ في الخِطابِ، وقِيلَ: إلى الَّذِينَ قُتِلُوا والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ في الأصْلِ مُبْتَدَأٌ جائِزُ الحَذْفِ عِنْدَ القَرِينَةِ أيْ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا أنْفُسُهم أمْواتًا.

واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ إنَّما يَتَمَشّى عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ فَإنَّهم يُجَوِّزُونَ هَذا الحَذْفَ لَكِنَّهُ عِنْدَهم عَزِيزٌ جِدًّا، ومَنَعَهُ إبْراهِيمُ بْنُ مَلَكُونَ الإشْبِيلِيُّ البَتَّةَ، وما كانَ مَمْنُوعًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَزِيزًا عِنْدَ الجُمْهُورِ يَنْبَغِي أنْ لا يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّعَصُّبِ لِأنَّ حَذْفَ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ في بابِ الحُسْبانِ لا يَمْنَعُ اخْتِصارًا عَلى الصَّحِيحِ بَلِ اقْتِصارًا، و(ما) هُنا مِنَ الأوَّلِ فَيَجُوزُ مَعَ أنَّهُ جَوَّزَ الِاقْتِصارَ بَعْضُهم ويَكْفِي لِلتَّخْرِيجِ مِثْلُهُ.

وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ حَذْفَ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ في هَذا البابِ مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وظاهِرُ صَنِيعِ البَعْضِ يُفْهَمُ مِنهُ تَقْدِيرُهُ مُضْمَرًا، أيْ ولا يَحْسَبَنَّهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا، والمُرادُ لا يَحْسَبَنَّ أنْفُسَهم، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِشَيْءٍ آخَرَ أيْضًا، وهو أنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ المُضْمَرِ عَلى مُفَسِّرِهِ، وهو مَحْصُورٌ في أماكِنَ لَيْسَ هَذا مِنها، ورَدَّهُ السَّفاقُسِيُّ بِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا مِنها، لَكِنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ عَلى الفاعِلِ لَفْظًا جائِزٌ، لِأنَّهُ مُقَدَّمٌ مَعْنًى، وتَعَدِّي أفْعالِ القُلُوبِ إلى ضَمِيرِ الفاعِلِ جائِزٌ، وقَدْ ظَنَّ السِّيرافِيُّ وغَيْرُهُ عَلى جَوازِ ظَنِّهِ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا وظَنَّهُما الزَّيْدانِ مُنْطَلِقَيْنِ، وهَذا نَظِيرُهُ ما ذَكَرَهُ هَذا البَعْضُ، فالِاعْتِراضُ عَلَيْهِ في غايَةِ الغَرابَةِ، ثُمَّ المُرادُ مِن تَوْجِيهِ النَّهْيِ إلى المَقْتُولِينَ تَنْبِيهُ السّامِعِينَ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يَتَسَلَّوْا بِذَلِكَ، ويُبَشَّرُوا بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، لَكِنْ لا في جَمِيعِ أوْقاتِهِمْ، بَلْ عِنْدَ ابْتِداءِ القَتْلِ، إذْ بَعُدَ تَبَيُّنِ حالِهِمْ لَهم لا تَبْقى لِاعْتِبارِ تَسْلِيَتِهِمْ وتَبْشِيرِهِمْ فائِدَةٌ، ولا لِتَنْبِيهِ السّامِعِينَ وتَذْكِيرِهِمْ وجْهٌ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ.

وقِيلَ: هو نَهْيٌ في مَعْنى النَّفْيِ وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ، وإنْ قَلَّ، أوْ هو نَهْيٌ عَنْ حُسْبانِهِمْ أنْفُسَهم أمْواتًا في وقْتٍ ما، وإنْ كانُوا وقْتَ الخِطابِ عالِمِينَ بِحَياتِهِمْ، وقُرِئَ (ولا تَحْسِبَنَّ) بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (قُتِّلُوا) بِالتَّشْدِيدِ لِكَثْرَةِ المَقْتُولِينَ.

﴿ بَلْ أحْياءٌ ﴾ أيْ بَلْ هم أحْياءٌ مُسْتَمِرُّونَ عَلى ذَلِكَ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ، وخَرَّجَهُ الزَّجّاجُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ بَلِ احْسَبْهم أحْياءً، ورَدَّهُ الفارِسِيُّ بِأنَّ الأمْرَ يَقِينٌ فَلا يُؤْمَرُ فِيهِ بِحُسْبانٍ، وإضْمارُ غَيْرِ فِعْلِ الحُسْبانِ كاعْتَقِدْهم أوِ اجْعَلْهم ضَعِيفٌ إذْ لا دَلالَةَ عَلَيْهِ، عَلى أنَّ تَقْدِيرَ اجْعَلْهم قالَ فِيهِ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ لا يَصِحُّ البَتَّةَ سَواءٌ جَعَلْتَهُ بِمَعْنى أخْلَقَهم أوْ صَيَّرَهم أوْ سَمَّهم أوْ ألَّفَهم، نَعَمْ قالَ السَّفاقُسِيُّ: يَصِحُّ إذا كانَ بِمَعْنى اعْتَقِدْهم، لَكِنْ يَبْقى حَدِيثُ عَدَمِ الدَّلالَةِ عَلى حالِهِ، وأجابَ الجَلَبِيُّ بِأنَّ عَدَمَ الدَّلالَةِ اللَّفْظِيَّةِ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ إذا أرْشَدَ المَعْنى إلى شَيْءٍ قُدِّرَ مِن غَيْرِ ضَعْفٍ، وإنْ كانَتْ دَلالَةُ اللَّفْظِ أحْسَنَ، وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: لا مَنعَ مِنَ الأمْرِ بِالحُسْبانِ لِأنَّهُ ظَنٌّ لا شَكٌّ، والتَّكْلِيفُ بِالظَّنِّ واقِعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ أمْرًا بِالقِياسِ وتَحْصِيلِ الظَّنِّ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ اليَقِينُ، ويُقَدَّرُ أحْسَبُهم لِلْمُشاكَلَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَعَسُّفٌ؛ لِأنَّ الحَذْفَ في المُشاكَلَةِ لَمْ يُعْهَدْ.

﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ، أوْ صِفَةٌ لِأحْياءٍ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (أحْياءٌ) .

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ ظَرْفًا لَهُ أوْ لِلْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، و(عِنْدَ) هُنا لَيْسَتْ لِلْقُرْبِ المَكانِيِّ لِاسْتِحالَتِهِ ولا بِمَعْنى في عِلْمِهِ وحُكْمِهِ كَما تَقُولُ: هَذا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَذا لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِلْمَقامِ، بَلْ بِمَعْنى القُرْبِ والشَّرَفِ أيْ ذَوُو زُلْفى ورُتْبَةٍ سامِيَةٍ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مَعْنى في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مُناسِبٌ لِلْمَقامِ لِدَلالَتِهِ عَلى التَّحَقُّقِ، أيْ أنَّ حَياتَهم مُتَحَقِّقَةٌ لا شُبْهَةَ فِيها، ولا يَخْفى أنَّ المَقامَ مَقامُ مَدْحٍ، فَتَفْسِيرُ العِنْدِيَّةِ بِالقُرْبِ أنْسَبُ بِهِ.

وفِي الكَلامِ دَلالَةٌ عَلى التَّحَقُّقِ مِن وُجُوهٍ أُخَرَ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ مَزِيدُ تَكْرِمَةٍ لَهم.

﴿ يُرْزَقُونَ ﴾ صِفَةٌ لِأحْياءٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ في الظَّرْفِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِمْ أحْياءً، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في حَياتِهِمْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، والقَوْلُ بِأنَّ أرْواحَهم تَتَعَلَّقُ بِالأفْلاكِ والكَواكِبِ فَتَلْتَذُّ بِذَلِكَ وتَكْتَسِبُ زِيادَةَ كَمالٍ قَوْلٌ هابِطٌ إلى الثَّرى، ولا أظُنُّ القائِلَ بِهِ قَرَعَ سَمْعَهُ الرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ والأخْبارُ الصَّرِيحَةُ، بَلْ لَمْ يَذُقْ طَعْمَ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ، ولا تَراءى لَهُ مَنهَجُ المَحَجَّةِ البَيْضاءِ، وخَبَرُ القَنادِيلِ لا يُنَوِّرُ كَلامَهُ، ولا يُزِيلُ ظَلامَهُ.

فَلَعَمْرِي إنَّ حالَ الشُّهَداءِ وحَياتَهم وراءَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ١٧٠

﴿ فَرِحِينَ ﴾ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يُرْزَقُونَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (أحْياءٌ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ، وأنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَدْحِ، أوِ الوَصْفِيَّةِ لِأحْياءٍ في قِراءَةِ النَّصْبِ ومَعْناهُ مَسْرُورِينَ.

﴿ بِما آتاهُمُ اللَّهُ ﴾ بَعْدَ انْتِقالِهِمْ مِنَ الدُّنْيا ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِآتاهم، و(مِن) إمّا لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والتَّقْدِيرُ بِما آتاهُمُوهُ حالَ كَوْنِهِ كائِنًا بَعْضُ فَضْلِهِ.

والمُرادُ بِهَذا المُؤْتى ضُرُوبُ النِّعَمِ الَّتِي يَنالُها الشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ بَعْدَ الشَّهادَةِ، أوْ نَفْسُ الفَوْزِ بِالشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ ويَسْتَبْشِرُونَ ﴾ أيْ يُسَرُّونَ بِالبِشارَةِ، وأصْلُ الِاسْتِبْشارِ طَلَبُ البِشارَةِ وهو الخَبَرُ السّارُّ إلّا أنَّ المَعْنى هُنا عَلى السُّرُورِ اسْتِعْمالًا لِلَّفْظِ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو اسْتِئْنافٌ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى فَرِحِينَ لِتَأْوِيلِهِ بِيَفْرَحُونَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وهم يَسْتَبْشِرُونَ فَتَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ فَرِحِينَ ﴾ أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في آتاهم، وإنَّما احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ عِنْدَ جَعْلِها حالًا لِأنَّ المُضارِعَ المُثْبَتَ إذا كانَ حالًا لا يَقْتَرِنُ بِالواوِ.

﴿ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾ أيْ بِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا بَعْدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَيَلْحَقُوا بِهِمْ ﴿ مِن خَلْفِهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَلْحَقُوا، والمَعْنى أنَّهم بَقُوا بَعْدَهم وهم قَدْ تَقَدَّمُوهم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ يَلْحَقُوا أيْ لَمْ يَلْحَقُوهم مُتَخَلِّفِينَ عَنْهم باقِينَ بَعْدُ في الدُّنْيا.

﴿ ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ بَدَلُ اشْتِمالٍ مُبَيِّنٌ لِكَوْنِ اسْتِبْشارِهِمْ بِحالِ إخْوانِهِمْ لا بِذَواتِهِمْ، أيْ يَسْتَبْشِرُونَ بِما تَبَيَّنَ لَهم مِن حُسْنِ حالِ إخْوانِهِمُ الَّذِينَ تَرَكُوهم أحْياءً، وهو أنَّهم عِنْدَ قَتْلِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى يَفُوزُونَ كَما فازُوا، ويَحُوزُونَ مِنَ النَّعِيمِ كَما حازُوا، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ لِئَلّا، أوْ بِأنْ لا وهو مَعْمُولٌ لَيَسْتَبْشِرُونَ واقِعٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ أيْ يَسْتَبْشِرُونَ بِقُدُومِ إخْوانِهِمُ الباقِينَ بَعْدَهم إلَيْهِمْ لِأنَّهم لا خَوْفٌ عَلَيْهِمُ إلَخْ، فالِاسْتِبْشارُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِالأحْوالِ.

ويُؤَيِّدُ هَذا ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ يُؤْتى الشَّهِيدُ بِكِتابٍ فِيهِ ذِكْرُ مَن يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِن إخْوانِهِ يُبَشَّرُ بِذَلِكَ فَيَسْتَبْشِرُ كَما يَسْتَبْشِرُ أهْلُ الغائِبِ بِقُدُومِهِ في الدُّنْيا، فَضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) وما بَعْدَهُ عَلى هَذا راجِعٌ إلى (الَّذِينَ) الأوَّلِ، وعَلى الأوَّلِ إلى الثّانِي.

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ - الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا - بِالمُتَخَلِّفِينَ في الفَضْلِ عَنْ رُتْبَةِ الشُّهَداءِ وهُمُ الغُزاةُ الَّذِينَ جاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يُقْتَلُوا بَلْ بَقُوا حَتّى ماتُوا في مَضاجِعِهِمْ، فَإنَّهم وإنْ لَمْ يَنالُوا مَراتِبَ الشُّهَداءِ إلّا أنَّ لَهم أيْضًا فَضْلًا عَظِيمًا بِحَيْثُ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ لِمَزِيدِ فَضْلِ الجِهادِ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ مِنَ الآيَةِ، وإنْ كانَ فَضْلُ الغُزاةِ وإنْ لَمْ يُقْتَلُوا مِمّا لا يَتَناطَحُ فِيهِ كَبْشانِ.

و(أنْ) عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ هي المُخَفَّفَةُ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وخَبَرُها الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ، والمَعْنى (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) فِيمَن خَلَّفُوهُ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَوَلّاهم.

﴿ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ عَلى ما خَلَّفُوا مِن أمْوالِهِمْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أجْزَلَ لَهُمُ العِوَضَ، أوْ (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) فِيما يَقْدَمُونَ عَلَيْهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَحَّصَ ذُنُوبَهم بِالشَّهادَةِ، ﴿ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ عَلى مُفارَقَةِ الدُّنْيا فَرَحًا بِالآخِرَةِ، أوْ (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ فَإنَّهُ عَيْنُ الحَياةِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يُرْغَبَ فِيها فَضْلًا عَنْ أنْ يُخافَ ويُحْذَرَ ﴿ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ عَلى المُفارَقَةِ، وقِيلَ: إنَّ كِلا هَذَيْنِ المَنفِيَّيْنِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ، والمَعْنى أنَّهم لا يَخافُونَ وُقُوعَ مَكْرُوهٍ مِن أهْوالِها، ولا يَحْزَنُونَ مِن فَواتِ مَحْبُوبٍ مِن نَعِيمِها وهو وجْهٌ وجِيهٌ.

والمُرادُ بَيانُ دَوامِ انْتِفاءِ ذَلِكَ لا بِيانُ انْتِفاءِ دَوامِهِ كَما يُوهِمُهُ كَوْنُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًا، فَإنَّ النَّفْيَ وإنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ يُفِيدُ الدَّوامَ والِاسْتِمْرارَ بِحَسَبِ المَقامِ، وقَدْ تَقَدَّمْتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٧١

﴿ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِيَتَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهِ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ ﴾ (171) فَحِينَئِذٍ يَكُونُ بَيانًا وتَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ لِأنَّ الخَوْفَ غَمٌّ يَلْحَقُ الإنْسانَ مِمّا يَتَوَقَّعُهُ مِنَ السُّوءِ، والحُزْنَ غَمٌّ يَلْحَقُهُ مِن فَواتِ نافِعٍ أوْ حُصُولِ ضارٍّ، فَمَن كانَ مُتَقَلِّبًا في نِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وفَضْلٍ مِنهُ سُبْحانَهُ فَلا يَحْزَنُ أبَدًا، ومَن جُعِلَتْ أعْمالُهُ مَشْكُورَةً غَيْرَ مُضَيَّعَةٍ فَلا يَخافُ العاقِبَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانُ ذَلِكَ النَّفْيِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ ﴾ مِن غَيْرِ ضَمِّ ما بَعْدَهُ إلَيْهِ، وقِيلَ: الِاسْتِبْشارُ الأوَّلُ بِدَفْعِ المَضارِّ ولِذا قُدِّمَ، والثّانِي بِوُجُودِ المَسارِّ، أوِ الأوَّلُ لِإخْوانِهِمْ والثّانِي لَهم أنْفُسُهم، ومِنَ النّاسِ مَن أعْرَبَ ( يَسْتَبْشِرُونَ ) بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، ولِذا لَمْ تَدْخُلْ واوُ العَطْفِ عَلَيْهِ، و( مِنَ اللَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً - لِنِعْمَةٍ - مُؤَكَّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، وجُمِعَ الفَضْلُ والنِّعْمَةُ مَعَ أنَّهُما كَثِيرًا ما يُعَبَّرُ بِهِما عَنْ مَعْنًى واحِدٍ، إمّا لِلتَّأْكِيدِ وإمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ ما خَصَّهم بِهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ نِعْمَةً عَلى قَدْرِ الكِفايَةِ مِن غَيْرِ مُضاعَفَةِ سُرُورٍ ولَذَّةٍ، بَلْ زائِدٌ عَلَيْها مُضاعِفٌ فِيها ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ﴾ وعَطَفَ وأنَّ عَلى ( فَضْلٍ ) أوْ عَلى (نِعْمَةٍ) وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَضْمُونُ ما بَعْدَها داخِلٌ في المُسْتَبْشَرِ بِهِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ (وإنَّ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ تَذْيِيلٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ، أوِ اعْتِراضٌ بَيْنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ بِناءً عَلى أنَّ المَوْصُولَ الآتِيَ تابِعٌ لِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا، والمُرادُ مِنَ المُؤْمِنِينَ إمّا الشُّهَداءُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإعْلامِ بِسُمُوِّ مَرْتَبَةِ الإيمانِ وكَوْنِهِ مَناطًا لِما نالُوهُ مِنَ السَّعادَةِ، وإمّا كافَّةُ المُؤْمِنِينَ، وذُكِرَتْ تَوْفِيَةُ أُجُورِهِمْ وعُدَّتْ مِن جُمْلَةِ المُسْتَبْشَرِ بِهِ عَلى ما اقْتَضاهُ العَطْفُ بِحُكْمِ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ، واخْتارَ هَذا الوَجْهَ كَثِيرٌ.

ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ جَمَعَتِ المُؤْمِنِينَ كُلَّهم سِوى الشُّهَداءِ، وقَلَّ ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى فَضْلًا ذَكَرَ بِهِ الأنْبِياءَ وثَوابًا أعْطاهم إلّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أعْطى اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ مِن بَعْدِهِمْ، وفي الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن لا إيمانَ لَهُ أعْمالُهُ مُحْبَطَةٌ وأُجُورُهُ مُضَيَّعَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ ١٧٢

﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ أيْ أطاعُوا ﴿ لِلَّهِ والرَّسُولِ ﴾ بِامْتِثالِ الأوامِرِ ﴿ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ ﴾ أيْ نالَهُمُ الجِراحُ يَوْمَ أُحُدٍ، والمَوْصُولُ في مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ هم، أوْ مُبْتَدَأٌ أوَّلٌ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ (172) قالَ الطَّبَرْسِيُّ: وهو الأشْبَهُ.

و(مِنهُمْ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (أحْسَنُوا) و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ - وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم - وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّها لِلْبَيانِ، فالكَلامُ حِينَئِذٍ فِيهِ تَجْرِيدٌ جَرَّدَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ المُحْسِنَ المُتَّقِيَ، والمَقْصُودُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المَدْحُ والتَّعْلِيلُ لا التَّقْيِيدُ؛ لِأنَّ المُسْتَجِيبِينَ كُلَّهم مُحْسِنُونَ ومُتَّقُونَ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: «لَمّا كانَ يَوْمُ الأحَدِ لِسِتَّ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن شَوّالٍ وكانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنهُ أذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِطَلَبِ العَدُوِّ، وأنْ لا يَخْرُجَ مَعَنا أحَدٌ إلّا أحَدٌ حَضَرَ يَوْمَنا بِالأمْسِ، فَكَلَّمَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حِزامٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي كانَ خَلَّفَنِي عَلى أخَواتٍ لِي سَبْعٍ وقالَ: يا بُنَيَّ لا يَنْبَغِي لِي ولا لَكَ أنْ نَتْرُكَ هَؤُلاءِ النِّسْوَةَ لا رَجُلَ فِيهِنَّ ولَسْتُ بِالَّذِي أُوثِرُكَ بِالجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى نَفْسِي، فَتَخَلَّفْ عَلى أخَواتِكَ، فَتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ، فَأذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إرْهابًا لِلْعَدُوِّ حَتّى انْتَهى إلى حَمْراءِ الأسَدِ عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ مِنَ المَدِينَةِ فَأقامَ بِها يَوْمَ الإثْنَيْنِ والثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ، وقَدْ مَرَّ بِهِ مَعْبَدُ بْنُ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيُّ، وكانَتْ خُزاعَةُ مُسْلِمُهم ومُشْرِكُهم عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِتِهامَةَ صَفْقَتُهم مَعَهُ لا يُخْفُونَ عَنْهُ شَيْئًا كانَ بِها، ومَعْبَدٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أما واللَّهِ لَقَدْ عَزَّ عَلَيْنا ما أصابَكَ في أصْحابِكَ ولَوَدِدْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى عافاكَ فِيهِمْ، ثُمَّ ذَهَبَ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِحَمْراءِ الأسَدِ حَتّى لَقِيَ أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ بِالرَّوْحاءِ، وقَدْ أجْمَعُوا الرَّجْعَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ وقالُوا: أصَبْنا أجَلَّ أصْحابِهِ وقادَتَهم وأشْرافَهم ثُمَّ نَرْجِعُ قَبْلَ أنْ نَسْتَأْصِلَهم لَنَكُرَّنَّ عَلَيْهِمْ فَلَنَفْرَغَنَّ مِنهم، فَلَمّا رَأى أبُو سُفْيانَ مَعْبَدًا قالَ: ما وراءَكَ يا مَعْبَدُ ؟

قالَ: مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ في أصْحابِهِ يَطْلُبُكم في جَمْعٍ لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ وهم يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكم تَحَرُّقًا، وقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَن كانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ في يَوْمِكم، ونَدِمُوا عَلى ما صَنَعُوا فِيهِمْ مِنَ الحَنَقِ عَلَيْكم شَيْءٌ لَمْ أرَ مِثْلَهُ.

قالَ: ويْلَكَ ما تَقُولُ ؟

قالَ: ما أرى واللَّهِ أنْ تَرْتَحِلَ حَتّى تَرى نَواصِيَ الخَيْلِ.

قالَ: فَواللَّهِ لَقَدْ أجْمَعْنا الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهم.

قالَ: فَإنِّي أنْهاكَ عَنْ ذَلِكَ، واللَّهِ لَقَدْ حَمَلَنِي ما رَأيْتُ عَلى أنْ قُلْتُ فِيهِمْ أبْياتًا مِنَ الشِّعْرِ.

قالَ: وما قُلْتَ ؟

قالَ قُلْتُ: كادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجُرْدِ الأبابِيلِ تَرْمِي بِأُسْدٍ كِرامٍ لا تَنابِلَةٍ ∗∗∗ عِنْدَ اللِّقاءِ ولا مِيلٍ مَعازِيلِ فَظَلَّتْ عَدْوًا كَأنَّ الأرْضَ مائِلَةٌ ∗∗∗ لَمّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ وقُلْتُ ويْلَ ابْنِ حَرْبٍ مِن لِقائِهِمْ ∗∗∗ إذا تَغَطْمَطَتِ البَطْحاءُ بِالخَيْلِ إنِّي نَذِيرٌ لِأهْلِ النَّبْلِ ضاحِيَةً ∗∗∗ لِكُلِّ آرِبَةٍ مِنهم ومَعْقُولِ مِن خَيْلِ أحْمَدَ لا وخْشًا تَنابِلَةً ∗∗∗ ولَيْسَ يُوصَفُ ما أنْذَرْتُ بِالقِيلِ فَثَنى عِنْدَ ذَلِكَ أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ، ومَرَّ بِهِ رَكْبٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ فَقالَ: أيْنَ تُرِيدُونَ ؟

قالُوا: نُرِيدُ المَدِينَةَ.

قالَ: ولِمَ ؟

قالُوا: نُرِيدُ المِيرَةَ.

قالَ: فَهَلْ أنْتُمْ مُبَلِّغُونَ عَنِّي مُحَمَّدًا رِسالَةً أُرْسِلُكم بِها إلَيْهِ وأحْمِلُ هَذِهِ لَكم غَدًا زَبِيبًا بِعُكاظٍ إذا وافَيْتُمُوهُ ؟

قالُوا: نَعَمْ.

قالَ: إذا وافَيْتُمُوهُ فَأخْبِرُوهُ أنْ قَدْ أجْمَعْنا السَّيْرَ إلَيْهِ وإلى أصْحابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهم، فَمَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِحَمْراءِ الأسَدِ فَأخْبَرُوهُ بِالَّذِي قالَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، فَقالَ: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» .

وأخْرَجَ ابْنُ هِشامٍ «أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا أرادَ الرُّجُوعَ إلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لَهم صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ: لا تَفْعَلُوا فَإنَّ القَوْمَ قَدْ جَرَّبُوا، وقَدْ خَشِينا أنْ يَكُونَ لَهم قِتالٌ غَيْرَ الَّذِي كانَ فارْجِعُوا إلى مَحالِّكم، فَرَجَعُوا، فَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِحَمْراءِ الأسَدِ أنَّهم هَمُّوا بِالرَّجْعَةِ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَوَّمْتُ لَهم حِجارَةً لَوْ صَبَّحُوا بِها لَكانُوا كَأمْسِ الذّاهِبِ، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابُهُ إلى المَدِينَةِ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ»، وإلى هَذا ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ ١٧٣

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسُ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنَ ( ﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ ) أوْ صِفَةٌ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ: الأوَّلُ: رَكْبُ عَبْدِ قَيْسٍ، ومِنَ الثّانِي: أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ، فَألْ فِيهِما لِلْعَهْدِ، والنّاسُ الثّانِي غَيْرُ الأوَّلِ.

ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ وغَيْرِهِمْ أنَّهم قالُوا: والخَبَرُ مُتَداخِلٌ، «نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى، وذَلِكَ أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ أرادَ أنْ يَنْصَرِفَ: يا مُحَمَّدُ مَوْعِدُ ما بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْسِمُ بَدْرٍ القابِلُ إنْ شِئْتَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ذَلِكَ بَيْنَنا وبَيْنَكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ في أهْلِ مَكَّةَ حَتّى نَزَلَ مَجَنَّةَ مِن ناحِيَةِ مَرِّ الظَّهْرانِ، وقِيلَ: بَلَغَ عُسْفانَ، فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الرُّعْبَ فَبَدا لَهُ الرُّجُوعُ، فَلَقِيَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيَّ وقَدْ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فَقالَ لَهُ أبُو سُفْيانَ: إنِّي واعَدْتُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أنَّ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ، وإنَّ هَذِهِ عامُ جَدْبٍ، ولا يَصْلُحُنا إلّا عامٌ نَرْعى فِيهِ الشَّجَرَ ونَشْرَبُ فِيهِ اللَّبَنَ، وقَدْ بَدا لِي، وأكْرَهُ أنْ يَخْرُجَ مُحَمَّدٌ ولا أخْرُجُ أنا فَيَزِيدُهم ذَلِكَ جُرْأةً، فالحَقِ المَدِينَةَ فَتُثَبِّطُهم ولَكَ عِنْدِي عَشَرَةٌ مِنَ الإبِلِ أضَعُها عَلى يَدَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، فَأتى نُعَيْمٌ المَدِينَةَ فَوَجَدَ النّاسَ يَتَجَهَّزُونَ لِمِيعادِ أبِي سُفْيانَ فَقالَ لَهم: بِئْسَ الرَّأْيُ رَأْيُكم أتَوْكم في دِيارِكم وقَرارِكم فَلَمْ يُفْلِتْ مِنكم إلّا شَرِيدٌ، فَتُرِيدُونَ أنْ تَخْرُجُوا إلَيْهِمْ وقَدْ جَمَعُوا لَكم عِنْدَ المَوْسِمِ، فَواللَّهِ لا يُفْلِتُ مِنكم أحَدٌ، فَكَرِهَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الخُرُوجَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ وحْدِي، فَخَرَجَ ومَعَهُ سَبْعُونَ راكِبًا يَقُولُونَ: (حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ) حَتّى وافى بَدْرًا فَأقامَ بِها ثَمانِيَةَ أيّامٍ يَنْتَظِرُ أبا سُفْيانَ، وقَدِ انْصَرَفَ أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِن مَجَنَّةَ إلى مَكَّةَ فَسَمّاهم أهْلُ مَكَّةَ جَيْشَ السَّوِيقِ يُرِيدُونَ أنَّكم لَمْ تَفْعَلُوا شَيْئًا سِوى شُرْبِ السَّوِيقِ، ولَمْ يَلْقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ فَكَرَّ راجِعًا إلى المَدِينَةِ»، وفي ذَلِكَ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ أوْ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: وعَدْنا أبا سُفْيانَ وعْدًا فَلَمْ نَجِدْ لِمِيعادِهِ صِدْقًا وما كانَ وافِيا فَأُقْسِمُ لَوْ وافَيْتَنا فَلَقِيتَنا ∗∗∗ لَأُبْتَ ذَمِيمًا وافْتَقَدْتَ المَوالِيا تَرَكْنا بِهِ أوْصالَ عُتْبَةَ وابْنَهُ ∗∗∗ وعَمْرًا أبا جَهْلٍ تَرَكْناهُ ثاوِيا عَصَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ أُفٍّ لِدِينِكم ∗∗∗ وأمْرِكُمُ الشَّيْءَ الَّذِي كانَ غاوِيا وإنِّي وإنْ عَنَّفْتُمُونِي لَقائِلٌ ∗∗∗ فِدًى لِرَسُولِ اللَّهِ أهْلِي ومالِيا أطَعْناهُ لَمْ نَعْدِلْهُ فِينا بِغَيْرِهِ ∗∗∗ شِهابًا لَنا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ هادِيا فَعَلى هَذا المُرادُ مِنَ النّاسِ الأوَّلُ نُعَيْمٌ، وأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَما يُطْلَقُ الجَمْعُ واسْمُ الجَمْعِ المُحَلّى بِألِ الجِنْسِيَّةِ عَلى الواحِدِ مِنهُ مَجازًا كَما صَرَّحُوا بِهِ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ المُذِيعِينَ لَهُ كالقائِلِينَ لَهم لَكِنْ في كَوْنِ القائِلِ نُعَيْمًا مَقالٌ.

وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقاتِهِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ القائِلِينَ أُناسٌ مِن عَبْدِ قَيْسٍ.

﴿ فَزادَهم إيمانًا ﴾ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ لِلْمَقُولِ أوْ لِمَصْدَرٍ قالَ: أوْ لِفاعِلِهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ نُعَيْمٌ وحْدَهُ، أوْ لِلَّهِ تَعالى، وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ الأوَّلَ بِأنَّهُ ضَعِيفٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَزِيدُ إيمانًا إلّا النُّطْقُ بِهِ لا هو في نَفْسِهِ، وكَذا الثّالِثُ بِأنَّهُ إذا أُطْلِقَ عَلى المُفْرَدِ لَفْظُ الجَمْعِ مَجازًا فَإنَّ الضَّمائِرَ تَجْرِي عَلى ذَلِكَ الجَمْعِ لا عَلى المُفْرَدِ فَيُقالُ: مَفارِقُهُ شابَتْ، بِاعْتِبارِ الإخْبارِ عَنِ الجَمْعِ، ولا يَجُوزُ: مَفارِقُهُ شابَ، بِاعْتِبارِ مَفْرِقُهُ شابَ، وفي كِلا التَّعْقِيبَيْنِ نَظَرٌ، أمّا الأوَّلُ فَقَدْ نَظَرَ فِيهِ الحَلَبِيُّ بِأنَّ المَقُولَ هو الَّذِي في الحَقِيقَةِ حَصَلَ بِهِ زِيادَةُ الإيمانِ، وأمّا الثّانِي فَقَدْ نَظَرَ فِيهِ السَّفاقُسِيُّ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ جَوازُهُ بِناءً عَلى ما عُلِمَ مِنِ اسْتِقْراءِ كَلامِهِمْ فِيما لَهُ لَفْظٌ ولَهُ مَعْنًى مِنِ اعْتِبارِ اللَّفْظِ تارَةً والمَعْنى أُخْرى.

والمُرادُ أنَّهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى ذَلِكَ بَلْ ثَبَتَ بِهِ يَقِينُهم بِاللَّهِ تَعالى، وازْدادُوا طُمَأْنِينَةً وأظْهَرُوا حَمِيَّةَ الإسْلامِ.

واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَن قالَ: إنَّ الإيمانَ يَتَفاوَتُ زِيادَةً ونُقْصانًا، وهَذا ظاهِرٌ إنْ جُعِلَتِ الطّاعَةُ مِن جُمْلَةِ الإيمانِ، وأمّا إنْ جُعِلَ الإيمانُ نَفْسَ التَّصْدِيقِ والِاعْتِقادِ فَقَدْ قالُوا في ذَلِكَ: إنَّ اليَقِينَ مِمّا يَزْدادُ بِالأُلْفِ وكَثْرَةِ التَّأمُّلِ وتَناصُرِ الحُجَجِ بِلا رَيْبٍ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، ومَن جَعَلَ الإيمانَ نَفْسَ التَّصْدِيقِ وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ يُؤَوِّلُ ما ورَدَ في ذَلِكَ بِاعْتِبارِ المُتَعَلِّقِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّ زِيادَتَهُ مَجازٌ عَنْ زِيادَةِ ثَمَرَتِهِ وظُهُورِ آثارِهِ وإشْراقِ نُورِهِ وضِيائِهِ في القَلْبِ، ونُقْصانُهُ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ، وكَأنَّ الزِّيادَةَ هُنا مَجازٌ عَنْ ظُهُورِ الحَمِيَّةِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما يُثَبِّطُهم، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّأْوِيلَ الأوَّلَ هُنا خَفِيٌّ جِدًّا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لِلْقَوْمِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ عِنْدَ ذَلِكَ القَوْلِ شَيْءٌ يَجِبُ الإيمانُ بِهِ كَوُجُوبِ صَلاةٍ أوْ صَوْمٍ مَثَلًا لِيُقالَ: إنَّ زِيادَةَ إيمانِهِمْ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ المُتَعَلِّقِ، وكَذا التِزامُ التَّأْوِيلِ الثّانِي في الآياتِ والآثارِ الَّتِي لَمْ تَكَدْ تَتَمَنطَقُ بِمِنطَقَةِ الحَصْرِ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ.

فالأوْلى القَوْلُ بِقَبُولِ الإيمانِ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ نَفْسُ التَّصْدِيقِ، وكَوْنُهُ إذا نَقَصَ يَكُونُ ظَنًّا أوْ شَكًّا، ويَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ إيمانًا وتَصْدِيقًا مِمّا لا ظَنَّ ولا شَكَّ في أنَّهُ عَلى إطْلاقِهِ مَمْنُوعٌ.

نَعَمْ قَدْ يَكُونُ التَّصْدِيقُ بِمَرْتَبَةٍ إذا نَزَلَ عَنْها يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ تَصْدِيقًا، وذاكَ مِمّا لا نِزاعَ لِأحَدٍ في أنَّهُ لا يَقْبَلُ النُّقْصانَ مَعَ بَقاءِ كَوْنِهِ تَصْدِيقًا، وإلى هَذا أشارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

﴿ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ﴾ أيْ مُحْسِبُنا وكافِينا مِن أحْسَبَهُ إذا كَفاهُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ حَسْبَ بِمَعْنى مُحْسِبٌ اسْمُ فاعِلٍ وُقُوعُهُ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ في هَذا رَجُلٌ حَسْبُكَ مَعَ إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ، فَلَوْلا أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ وإضافَتُهُ لَفْظِيَّةٌ لا تُفِيدُهُ تَعْرِيفًا كَإضافَةِ المَصْدَرِ ما صَحَّ كَوْنُهُ صِفَةً لِرَجُلٍ كَذا قالُوا، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ بِاسْمِ الفاعِلِ لَهُ حُكْمُهُ في الإضافَةِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها.

﴿ ونِعْمَ الوَكِيلُ ﴾ (172) أيِ المَوْكُولُ إلَيْهِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ هو ضَمِيرُهُ تَعالى، والظّاهِرُ عَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ الَّتِي قَبْلَها، والواوُ إمّا مِنَ الحِكايَةِ أوْ مِنَ المَحْكِيِّ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وقُلْنا: بِجَوازِ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ فِيما لَهُ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ لِكَوْنِهِما حِينَئِذٍ في حُكْمِ المُفْرَدَيْنِ، فَأمْرُ العَطْفِ ظاهِرٌ مِن غَيْرِ تَكَلُّفِ التَّأْوِيلِ لِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَ عَلَيْها في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ.

(قالُوا) لَكِنَّ القَوْلَ بِجَوازِ هَذا العَطْفِ بِدُونِ التَّأْوِيلِ عِنْدَ الجُمْهُورِ مَمْنُوعٌ لا بُدَّ لَهُ مِن شاهِدٍ ولَمْ يَثْبُتْ.

وإنْ كانَ الثّانِي وقُلْنا بِجَوازِ عِطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ مُطْلَقًا - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الصَّفّارُ - أوْ قُلْنا: بِجَوازِ عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ أعْنِي عَطْفَ حاصِلِ مَضْمُونِ إحْدى الجُمْلَتَيْنِ عَلى حاصِلِ مَضْمُونِ الأُخْرى مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى اللَّفْظِ - كَما أشارَ إلى ذَلِكَ العَلّامَةُ الثّانِي - فالأمْرُ أيْضًا ظاهِرٌ، وإنْ قُلْنا: بِعَدَمِ جَوازِ ذَلِكَ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ إمّا في جانِبِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أوْ في جانِبِ المَعْطُوفِ، والذّاهِبُونَ إلى الأوَّلِ قالُوا: إنَّ الجُمْلَةَ الأُولى وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً صُورَةٌ، لَكِنَّ المَقْصُودَ مِنها إنْشاءُ التَّوَكُّلِ أوِ الكِفايَةُ لا الإخْبارُ بِأنَّهُ تَعالى كافٍ في نَفْسِ الأمْرِ، والذّاهِبُونَ إلى الثّانِي اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قَدَّرَ قُلْنا أيْ - وقُلْنا نِعْمَ الوَكِيلُ -.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ تَقْدِيرٌ لا يَنْساقُ الذِّهْنُ إلَيْهِ، ولا دَلالَةَ لِلْقَرِينَةِ عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ لا يُوجَدُ بَيْنَ الإخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى كافِيهِمْ والإخْبارِ بِأنَّهم قالُوا - نِعْمَ الوَكِيلُ - مُناسَبَةٌ مُعْتَدٌّ بِها يَحْسُنُ بِسَبَبِها العَطْفُ بَيْنَهُما، ومِنهم مَن جَعَلَ مَدْخُولَ الواوِ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ إمّا مُؤَخَّرًا لِتَناسُبِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإنَّ (حَسْبُنا) خَبَرٌ، و(اللَّهُ) مُبْتَدَأٌ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ومَجِيءِ حَذْفِهِ في الِاسْتِعْمالِ وانْتِقالِ الذِّهْنِ إلَيْهِ، وإمّا مُقَدَّمًا رِعايَةً لِقُرْبِ المَرْجِعِ مَعَ ما سَبَقَ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّهُ بَعْدَ تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ لَوْ لَمْ يُؤَوَّلْ - نِعْمَ الوَكِيلُ - بِمَقُولٍ في حَقِّهِ ذَلِكَ تَكُونُ الجُمْلَةُ أيْضًا إنْشائِيَّةً، إذِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الَّتِي خَبَرُها إنْشاءٌ إنْشائِيَّةٌ كَما أنَّ الَّتِي خَبَرُها فِعْلٌ فِعْلِيَّةٌ بِحَسَبِ المَعْنى، كَيْفَ لا ولا فَرْقَ بَيْنَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، وزَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلِ، في أنَّ مَدْلُولَ كُلٍّ مِنهُما نِسْبَةٌ غَيْرُ مُحْتَمِلَةٍ لِلصِّدْقِ والكَذِبِ، وبَعْدَ التَّأْوِيلِ لا يَكُونُ المَعْطُوفُ جُمْلَةَ (نِعْمَ الوَكِيلِ)، بَلْ جُمْلَةَ مُتَعَلِّقِ خَبَرِها (نِعْمَ الوَكِيلُ) والإشْكالُ إنَّما هو في عَطْفِ (نِعْمَ الوَكِيلُ) إلّا أنْ يُقالَ يُخْتارُ هَذا، ويُقالُ: الجَوابُ عَنْ شَيْءٍ قَدْ يَكُونُ بِتَقْرِيرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وإبْداءِ شَيْءٍ آخَرَ، وقَدْ يَكُونُ بِتَغْيِيرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وما هَهُنا مِنَ الثّانِي، فَمِن حَيْثُ الظّاهِرُ المَعْطُوفُ هو جُمْلَةُ (نِعْمَ الوَكِيلُ) فَيَعُودُ الإشْكالُ، ومِن حَيْثُ الحَقِيقَةُ هو جُمْلَةُ هو مَقُولٌ، فَلا إشْكالَ، لَكِنْ يُرَدُّ أنَّهُ بَعْدَ التَّأْوِيلِ يَفُوتُ إنْشاءُ المَدْحِ العامِّ الَّذِي وُضِعَ أفْعالُ المَدْحِ لَهُ، بَلْ يَصِيرُ لِلْإخْبارِ بِالمَدْحِ الخاصِّ، وهو أنَّهُ مَقُولٌ في حَقِّهِ (نِعْمَ الوَكِيلُ) وأيْضًا مَقُولِيَّةُ المَقُولِ المَذْكُورِ فِيهِ إنَّما تَكُونُ بِطَرِيقِ الحَمْلِ والإخْبارِ عَنْهُ بِنِعَمَ الوَكِيلِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مَقُولٍ في حَقِّهِ مَرَّةً أُخْرى، ويَلْزَمُ تَقْدِيراتٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وكَأنَّهُ لِهَذا لَمْ يُؤَوِّلِ الجُمْهُورُ الإنْشاءَ الواقِعَ خَبَرًا بِذَلِكَ، وإنَّما هو مُخْتارُ السَّعْدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الواوِ مِنَ المَحْكِيِّ عَطَفَ (نِعْمَ الوَكِيلُ) عَلى (حَسْبُنا) بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ في مَعْنى الفِعْلِ كَما عُطِفَ (جَعَلَ) عَلى (فالِقُ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ﴾ عَلى رَأْيٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الَّتِي لَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ عَلى المُفْرَدِ؛ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ خَبَرٌ عَنِ المُفْرَدِ، وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ لا مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ، وهَذا وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ لا غُبارَ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ أمْرَ العَطْفِ عَلى الخَبَرِ بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الرَّضِيُّ مِن أنَّ نِعْمَ الرَّجُلُ بِمَعْنى المُفْرَدِ وتَقْدِيرُهُ أيْ رَجُلٌ جَيِّدٌ، أظْهَرُ، كَما لا يَخْفى.

ومِنَ النّاسِ مَنِ ادَّعى أنَّ الآيَةَ شاهِدٌ عَلى جَوازِ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ فِيما لَهُ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ بِناءً عَلى أنَّ الواوَ مِنَ الحِكايَةِ لا غَيْرَ.

ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ الواوِ كَذَلِكَ فِيها لا تَصْلُحُ شاهِدًا عَلى ما ذُكِرَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ (قالُوا) مُقَدَّرًا في المَعْطُوفِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ كَما يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ في الآيَةِ عَطْفٌ عَلى الإخْبارِ، وفِيهِ الخِلافُ الَّذِي عَرَفْتَ، كَذَلِكَ يَقْتَضِي عَطْفَ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ، وفِيهِ أيْضًا خِلافٌ مَشْهُورٌ كَعَكْسِهِ، ومِمّا ذَكَرْنا في أمْرِ الإنْشاءِ والإخْبارِ يُسْتَخْرَجُ الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ، وقَدْ أطالَ العُلَماءُ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، وما ذَكَرْناهُ قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، ووَشْلٌ مِن غَدِيرٍ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ كانَتْ آخِرَ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَبْدِ الرَّزّاقِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: " «إذا وقَعْتُمْ في الأمْرِ فَقُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا اشْتَدَّ غَمُّهُ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلى رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ ثُمَّ تَنَفَّسَ الصُّعَداءَ وقالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» .

وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ أمانُ كُلِّ خائِفٍ».

<div class="verse-tafsir"

فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌۭ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ١٧٤

﴿ فانْقَلَبُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ أيْ فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ ورَجَعُوا ﴿ بِنِعْمَةٍ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (انْقَلَبُوا)، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، والباءُ عَلى الأوَّلِ لِلتَّعْدِيَةِ، وعَلى الثّانِي لِلْمُصاحَبَةِ، والتَّنْوِينُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لِلتَّفْخِيمِ أيْ (بِنِعْمَةٍ) عَظِيمَةٍ لا يُقَدَّرُ قَدْرُها، ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ صِفَةٌ لِنِعْمَةٍ مُؤَكِّدَةٌ لِفَخامَتِها، والمُرادُ مِنها السَّلامَةُ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الثَّباتُ عَلى الإيمانِ وطاعَةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ إذْلالُهم أعْداءَ اللَّهِ تَعالى عَلى بُعْدٍ كَما قِيلَ، أوْ مَجْمُوعُ هَذِهِ الأُمُورِ عَلى ما نَقُولُ.

﴿ وفَضْلٍ ﴾ وهو الرِّبْحُ في التِّجارَةِ، فَقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عِيرًا مَرَّتْ وكانَ في أيّامِ المَوْسِمِ فاشْتَراها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَرَبِحَ مالًا فَقَسَّمَهُ بَيْنَ أصْحابِهِ فَذَلِكَ الفَضْلُ» .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «أعْطى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ خَرَجَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى بِبَدْرٍ أصْحابَهُ دَراهِمَ ابْتاعُوا بِها في المَوْسِمِ فَأصابُوا تِجارَةً» .

وعَنْ مُجاهِدٍ: الفَضْلُ ما أصابُوا مِنَ التِّجارَةِ والأجْرِ.

﴿ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ ﴾ أيْ لَمْ يُصِبْهم قَتْلٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ، أوْ لَمْ يُؤْذِهِمْ أحَدٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَبْرِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ (انْقَلَبُوا)، أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ في (بِنِعْمَةٍ) إذا كانَ حالًا، والمَعْنى (فانْقَلَبُوا) مُنَعَّمِينَ مُبَرَّئِينَ مِنَ السُّوءِ، والجُمْلَةُ الحالِيَّةُ إذا كانَ فِعْلُها مُضارِعًا مَنفِيًّا بِلَمْ، وفِيها ضَمِيرُ ذِي الحالِ جازَ فِيها دُخُولُ الواوِ وعَدَمُهُ.

﴿ واتَّبَعُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى انْقَلَبُوا، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِهِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أيْ وقَدِ اتَّبَعُوا في كُلِّ ما أُوتُوا، أوْ في الخُرُوجِ إلى لِقاءِ العَدُوِّ، ﴿ رِضْوانَ اللَّهِ ﴾ الَّذِي هو مَناطُ كُلِّ خَيْرٍ ﴿ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ (174) حَيْثُ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِما تَفَضَّلَ، وفِيما تَقَدَّمَ مَعَ تَذْيِيلِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الِاسْمِ الكَرِيمِ الجامِعِ وإسْنادِ (ذُو فَضْلٍ) إلَيْهِ ووَصْفِ الفَضْلِ بِالعِظَمِ إيذانٌ بِأنَّ المُتَخَلِّفِينَ فَوَّتُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أمْرًا عَظِيمًا لا يُكْتَنُهُ كُنْهُهُ، وهم أحِقّاءُ بِأنْ يَتَحَسَّرُوا عَلَيْهِ تَحَسُّرًا لَيْسَ بَعْدَهُ.

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ١٧٥

﴿ إنَّما ذَلِكُمُ ﴾ الإشارَةُ إلى المُثَبِّطِ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ الشَّيْطانُ ﴾ بِمَعْنى إبْلِيسَ لِأنَّهُ عَلَمٌ لَهُ بِالغَلَبَةِ خَبَرُهُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِشَيْطَنَتِهِ، أوْ حالٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً ﴾ .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّيْطانُ صِفَةً لِاسْمِ الإشارَةِ عَلى التَّشْبِيهِ أيْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا حَيْثُ جَعَلَهُ هو ويُخَوِّفُ هو الخَبَرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذا إشارَةً إلى قَوْلِ المُثَبِّطِ فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ قَوْلُ الشَّيْطانِ، والمُرادُ بِهِ إبْلِيسُ أيْضًا، ولا تَجَوُّزَ فِيهِ عَلى الصَّحِيحِ، وإنَّما التَّجَوُّزُ في الإضافَةِ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ القَوْلُ بِوَسْوَسَتِهِ وسَبَبِهِ جُعِلَ كَأنَّهُ قَوْلُهُ، والمُسْتَكِنُّ في (يُخَوِّفُ) إمّا لِلْمُقَدَّرِ وإمّا لِلشَّيْطانِ بِحَذْفِ الرّاجِعِ إلى المُقَدَّرِ أيْ يُخَوِّفُ بِهِ، والمُرادُ بِأوْلِيائِهِ إمّا أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، فالمَفْعُولُ الأوَّلُ لِيُخَوِّفُ مَحْذُوفٌ أيْ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ بِأنْ يُعَظِّمَهم في قُلُوبِكم، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا ﴾ وبِذِكْرِ هَذا المَفْعُولِ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقَرَأُ بَعْضُهم يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ، وعَلى هَذا المَعْنى أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُما، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَخافُوهُمْ ﴾ أيْ فَلا تَخافُوا أوْلِياءَهُ الَّذِينَ خَوَّفَكم إيّاهم ﴿ وخافُونِ ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِي، وإمّا المُتَخَلِّفُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَأوْلِياءَهُ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، والمَفْعُولُ الثّانِي إمّا مَتْرُوكٌ أوْ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ يُوقِعُهم في الخَوْفِ، أوْ يُخَوِّفُهم مِن أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، وعَلى هَذا لا يَصِحُّ عَوْدُ ضَمِيرِ ﴿ تَخافُوهُمْ ﴾ إلى الأوْلِياءِ بَلْ هو راجِعٌ إلى النّاسِ.

الثّانِي كَضَمِيرِ -اخْشَوْهم - فَهو رَدٌّ لَهُ أيْ فَلا تَخافُوا النّاسَ وتَقْعُدُوا عَنِ القِتالِ وتَجْبُنُوا ﴿ وخافُونِ ﴾ فَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي وسارِعُوا إلى امْتِثالِ ما يَأْمُرُكم بِهِ، وإلى هَذا الوَجْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ، وادَّعى الطِّيبِيُّ أنَّ النَّظْمَ يُساعِدُ عَلَيْهِ، والخِطابُ حِينَئِذٍ لِفَرِيقَيِ الخارِجِينَ والمُتَخَلِّفِينَ، والقَصْدُ التَّعْرِيضُ بِالطّائِفَةِ الأخِيرَةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لَها، و ﴿ أوْلِياءَهُ ﴾ إذْ ذاكَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أوْلِياءُ الشَّيْطانِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم هَذا القِيلَ مُطْلَقًا مُعَلِّلًا لَهُ بِأنَّ الخارِجِينَ لَمْ يَخافُوا إلّا اللَّهَ تَعالى.

﴿ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قِيامَ احْتِمالِ التَّعْرِيضِ يُمْرِضَ هَذا التَّعْلِيلِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ أوِ الِانْتِهاءِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ كَوْنَ المُخَوِّفِ شَيْطانًا أوْ قَوْلًا لَهُ مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ الخَوْفِ والنَّهْيِ عَنْهُ، وأثْبَتَ أبُو عَمْرٍو ياءَ (وخافُونِ) وصْلًا، وحَذَفَها وقْفًا، والباقُونَ يَحْذِفُونَها مُطْلَقًا وهي ضَمِيرُ المَفْعُولِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (175) إنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُتَخَلِّفِينَ فالأمْرُ فِيهِ واضِحٌ، وإنْ كانَ لِلْخارِجِينَ كانَ مُساقًا لِلْإلْهابِ والتَّهْيِيجِ لَهم لِتَحَقُّقِ إيمانِهِمْ، وإنْ كانَ لِلْجَمِيعِ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ، وأيًّا ما كانَ فالجَزاءُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: إنْ كانَ الخِطابُ فِيما تَقَدَّمَ لِلْمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ لَمْ يَفْتَقِرْ إلى الجَزاءِ لِكَوْنِهِ في مَعْنى التَّعْلِيلِ، وإنْ كانَ لِلْآخَرِينَ افْتُقِرَ إلَيْهِ، وكَأنَّ المَعْنى إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَخافُونِي وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي؛ لِأنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي أنْ تُؤْثِرُوا خَوْفَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَوْفِ النّاسِ.

* * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ) في الآياتِ ﴿ ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ بِسَيْفِ المَحَبَّةِ ﴿ أوْ مُتُّمْ ﴾ بِالمَوْتِ الِاخْتِبارِيِّ ﴿ لَمَغْفِرَةٌ ﴾ أيْ سَتْرٌ لِوُجُودِكم ﴿ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ ﴾ مِنهُ تَعالى بِتَحَلِّيكم بِصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ أيْ أهْلُ الكَثْرَةِ.

﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ بِاتِّصافِكَ بِرَحْمَةٍ رَحِيمِيَّةٍ أيْ رَحْمَةٍ تابِعَةٍ لِوُجُودِكَ المَوْهُوبِ الإلَهِيِّ لا الوُجُودِ البَشَرِيِّ ﴿ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا ﴾ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ النَّفْسِ كالفَظاظَةِ والغِلَظِ ﴿ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ ﴾ ولَمْ يَتَحَمَّلُوا مُؤْنَةَ ذَلِكَ، أوْ يُقالُ: لَوْ لَمْ تَغْلِبْ صِفاتُ الجَمالِ فِيكَ عَلى نُعُوتِ الجَلالِ لَتَفَرَّقُوا عَنْكَ ولَما صَبَرُوا مَعَكَ، أوْ يُقالُ: لَوْ سَقَيْتَهم صَرْفَ شَرابِ التَّوْحِيدِ غَيْرَ مَمْزُوجٍ بِما فِيهِ لَهم حَظٌّ لَتَفَرَّقُوا هائِمِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ غَيْرَ مُطِيقِينَ الوُقُوفَ مَعَكَ لَحْظَةً، أوْ يُقالُ: لَوْ كُنْتَ مُدَقِّقًا عَلَيْهِمْ أحْكامَ الحَقائِقِ لَضاقَتْ صُدُورُهم ولَمْ يَتَحَمَّلُوا أثْقالَ حَقِيقَةِ الآدابِ في الطَّرِيقِ، ولَكِنْ سامَحْتَهم بِالشَّرِيعَةِ والرُّخَصِ.

﴿ فاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ فِيما يَتَعَلَّقُ بِكَ مِن تَقْصِيرِهِمْ مَعَكَ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ وكَوْنِكَ لا تَرى في الوُجُودِ غَيْرَ اللَّهِ ﴿ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ فِيما يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى لِاعْتِذارِهِمْ أوِ اسْتَغْفِرْ لَهم ما يَجْرِي في صُدُورِهِمْ مِنَ الخَطِراتِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِالمَعْرِفَةِ ﴿ وشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ إذا كُنْتَ في مَقامِ الفِعْلِ اخْتِبارًا لَهم وامْتِحانًا لِمَقامِهِمْ ﴿ فَإذا عَزَمْتَ ﴾ وذَلِكَ إذا كُنْتَ في مَقامِ مُشاهِدَةِ الرُّبُوبِيَّةِ والخُرُوجِ مِنَ التَّفْرِقَةِ إلى الجَمْعِ، ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ﴾ فَإنَّهُ حَسْبُكَ فِيما يُرِيدُ مِنكَ وتُرِيدُ مِنهُ، وذَكَرَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُفْهَمَ مِنَ الآيَةِ كَوْنُ الخِطابِ مَعَ الرُّوحِ الإنْسانِيِّ، وأنَّهُ لِأنَّ لِصِفاتِ النَّفْسِ وقُواها الشَّهَوِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ لِتَسْتَوْفِيَ حَظَّها، ويَرْتَبِطُ بِذَلِكَ بَقاءُ النَّسْلِ وصَلاحُ المَعاشِ، ولَوْلا ذَلِكَ لاضْمَحَلَّتْ تِلْكَ القُوى وتَلاشَتْ واخْتَلَّتِ الحِكْمَةُ وفُقِدَتِ الكِمالاتُ الَّتِي خُلِقَ الإنْسانُ لِأجْلِها.

﴿ إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ﴾ تَحْقِيقٌ لِمَعْنى التَّوَكُّلِ والتَّوْحِيدِ في الأفْعالِ.

وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السّادَةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم أنَّ نَصْرَ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ مُتَفاوِتُ المَراتِبِ، فَنَصْرُهُ المُرِيدِينَ بِتَوْفِيقِهِمْ لِقَمْعِ الشَّهَواتِ، ونَصْرُهُ المُحِبِّينَ بِنَعْتِ المُداناتِ، ونَصْرُهُ العارِفِينَ بِكَشْفِ المُشاهِداتِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّما يُدْرِكُ نَصْرَ اللَّهِ تَعالى مَن تَبَرَّأ مِن حَوْلِهِ وقَوَّتِهِ واعْتَصَمَ بِرَبِّهِ في جَمِيعِ أسْبابِهِ، ﴿ وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ لِكَمالِ قُدُسِهُ وغايَةِ أمانَتِهِ فَلَمْ يُخْفِ حَقَّ اللَّهِ تَعالى عَنْ عِبادِهِ، وأعْطى عِلْمَ الحَقِّ لِأهْلِ الحَقِّ، ولَمْ يَضَعْ أسْرارَهُ إلّا عِنْدَ الأُمَناءِ مِن أمَتِّهِ.

﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ ﴾ أيِ النَّبِيِّ في مَقامِ الرِّضْوانِ الَّتِي هي جَنَّةُ الصِّفاتِ، لِاتِّصافِهِ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى ﴿ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ وهو الغالُّ المُحْتَجِبُ بِصِفاتِ نَفْسِهِ ﴿ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ ﴾ وهي أسْفَلُ حَضِيضِ النَّفْسِ المُظْلِمَةِ ﴿ هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ كُلٌّ مِن أهْلِ الرِّضا والسُّخْطِ مُتَفاوِتُونَ في المَراتِبِ حَسْبَ الِاسْتِعْداداتِ.

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مَنَّ أنْفُسِهِمْ ﴾ إذْ هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِرْآةُ الحَقِّ يَتَجَلّى مِنهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولَوْ تَجَلّى لَهم صِرْفًا لاحْتَرَقُوا بِأوَّلِ سَطَواتِ عَظَمَتِهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (مِن أنْفُسِهِمْ) كَوْنُهُ في لِباسِ البَشَرِ ظاهِرًا بِالصُّورَةِ الَّتِي هم عَلَيْها، وحَمْلُ المُؤْمِنِينَ عَلى العارِفِينَ، والرَّسُولُ عَلى الرُّوحِ الإنْسانِيِّ المُنَوَّرِ بِنُورِ الأسْماءِ والصِّفاتِ المَبْعُوثِ لِإصْلاحِ القُوى غَيْرُ بَعِيدٍ في مَقامِ الإشارَةِ ﴿ أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ ﴾ في أثْناءِ السَّيْرِ في اللَّهِ تَعالى وهي مُصِيبَةُ الفَتْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم ﴿ قَدْ أصَبْتُمْ ﴾ قُوى النَّفْسِ ﴿ مِثْلَيْها ﴾ مَرَّةً عِنْدَ وُصُولِكم إلى مَقامِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ، ومَرَّةً عِنْدَ وُصُولِكم إلى مَقامِ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ ﴿ قُلْتُمْ أنّى ﴾ أصابَنا هَذا ونَحْنُ في بَيْداءِ السَّيْرِ في اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ، ﴿ قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ ﴾ لِأنَّهُ بَقِيَ فِيها بَقِيَّةٌ ما مِن صِفاتِها، ولا يُنافِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّ السَّبَبَ الفاعِلَ في الجَمِيعِ هو الحَقُّ جَلَّ شَأْنُهُ، والسَّبَبَ القابِلِيَّ أنْفُسُهم، ولا يَفِيضُ مِنَ الفاعِلِ إلّا ما يَلِيقُ بِالِاسْتِعْدادِ، ويَقْتَضِيهِ، فَبِاعْتِبارِ الفاعِلِ يَكُونُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبِاعْتِبارِ القابِلِ يَكُونُ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ورُبَّما يُقالُ ما يَكُونُ مِن أنْفُسِهِمْ أيْضًا يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعالى نَظَرًا إلى التَّوْحِيدِ إذْ لا غَيْرَ ثَمَّةَ.

﴿ ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ سَواءٌ قُتِلُوا بِالجِهادِ الأصْغَرِ وبَذْلِ الأنْفُسِ طَلَبًا لِرِضا اللَّهِ تَعالى، أوْ بِالجِهادِ الأكْبَرِ وكَسْرِ النَّفْسِ وقَمْعِ الهَوى بِالرِّياضَةِ ﴿ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ مُقَرَّبِينَ في حَضْرَةِ القُدُسِ ﴿ يُرْزَقُونَ ﴾ مِنَ الأرْزاقِ المَعْنَوِيَّةِ وهي المَعارِفُ والحَقائِقُ، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ «أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجُوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَدُورُ في أنْهارِ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ»، ونَقَلَ ذَلِكَ بِهَذا اللَّفْظِ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ، وجَعَلَ الطَّيْرَ الخُضْرَ إشارَةً إلى الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ، والقَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ إشارَةً إلى الكَواكِبِ، وأنْهارَ الجَنَّةِ مَنابِعَ العُلُومِ ومَشارِعَها، وثِمارَها الأحْوالَ والمَعارِفَ.

والمَعْنى أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تَتَعَلَّقُ بِالنَّيِّراتِ مِنَ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ بِنَزاهَتِها، وتَرِدُ مَشارِعُ العُلُومِ وتَكْتَسِبُ هُناكَ المَعارِفَ والأحْوالَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما سَبَقَ، فَإنْ كانَ ولا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ فَلْيُجْعَلِ الطَّيْرُ إشارَةً إلى الصُّوَرِ الَّتِي تَظْهَرُ بِها الأرْواحُ بِناءً عَلى أنَّها جَواهِرُ مُجَرَّدَةٌ، وأُطْلِقَ اسْمُ الطَّيْرِ عَلَيْها إشارَةً إلى خِفَّتِها ووُصُولِها بِسُرْعَةٍ حَيْثُ أذِنَ لَها.

ونَظِيرُ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَدِيثِ: ”«الأطْفالُ هم دَعامِيصُ الجَنَّةِ“» والدَّعامِيصُ جَمْعُ دُعْمُوصٍ وهي دُوْيَّبَةٌ تَكُونُ في مُسْتَنْقَعِ الماءِ كَثِيرَةُ الحَرَكَةِ لا تَكادُ تَسْتَقِرُّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الأطْفالَ لَيْسُوا تِلْكَ الدُّوْيَّبَةَ في الجَنَّةِ، لَكِنَّهُ أرادَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الإخْبارَ بِأنَّهم سَيّاحُونَ في الجَنَّةِ، فَعَبَّرَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، ووَصْفُ الطَّيْرِ بِالخُضْرِ إشارَةٌ إلى حُسْنِها وطَراوَتِها، ومِنهُ خَبَرُ: «إنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ» .

وقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ الغَزْوَ حُلْوٌ خَضِرٌ.

ومِن أمْثالِهِمُ: النَّفْسُ خَضْراءُ، وقَدْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أنَّها تَمِيلُ لِكُلِّ شَيْءٍ وتَشْتَهِيهِ، وأمْرُ الظَّرْفِيَّةِ في الخَبَرِ سَهْلٌ، وباقِي ما فِيهِ إمّا عَلى ظاهِرِهِ، وإمّا مُؤَوَّلٌ، وعَلى الثّانِي يُرادُ مِنَ الجَنَّةِ الجَنَّةُ المَنَوِيَّةُ وهي جَنَّةُ الذّاتِ والصِّفاتِ، ومِن أنْهارِها ما يَحْصُلُ مِنَ التَّجَلِّياتِ، ومِن ثِمارِها ما يُعَقِّبُ تِلْكَ التَّجَلِّياتِ مِنَ الآثارِ، ومِنَ القَنادِيلِ المُعَلَّقَةِ في ظِلِّ العَرْشِ مَقاماتٌ لا تَكْتَنِهُ مُعَلَّقَةٌ في ظِلِّ عَرْشِ الوُجُودِ المُطْلَقِ المُحِيطِ، وكَوْنُها مِن ذَهَبٍ إشارَةً إلى عَظَمَتِها، وأنَّها لا تُنالُ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ.

وحاصِلُ المَعْنى عَلى هَذا أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ الَّذِينَ جادُوا بِأنْفُسِهِمْ في مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ قَتَلَهُمُ الشَّوْقُ إلَيْهِ -عَزَّ شَأْنُهُ- تَتَمَثَّلُ صُوَرًا حَسَنَةً ناعِمَةً طَرِيَّةً يَسْتَحْسِنُها مَن رَآها، تَطِيرُ بِجَناحِيِ القَبُولِ والرِّضا في أنْواعِ التَّجَلِّياتِ الإلَهِيَّةِ، وتَكْتَسِبُ بِذَلِكَ أنْواعًا مِنَ اللَّذائِذِ المَعْنَوِيَّةِ، الَّتِي لا يُقَدِّرُ قَدْرَها، ويَتَجَدَّدُ لَها في مِقْدارِ كَلِّ لَيْلَةٍ مَقامٌ جَلِيلٌ، لا يُنالُ إلّا بِمِثْلِ أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ هو النَّعِيمُ المُقِيمُ، والفَوْزُ العَظِيمُ، وكَأنَّ مَن أوَّلَ هَذا الخَبَرَ وأمْثالَهُ قَصَدَ سَدَّ بابِ التَّناسُخُ، ولَعَلَّهُ بِالمَعْنى الَّذِي يَقُولُ بِهِ أهْلُ الضَّلالِ غَيْرُ لازِمٍ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ في آيَةِ البَقَرَةِ ﴿ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ مِنَ الكَرامَةِ والنِّعْمَةِ والزُّلْفى عِنْدَهُ، ﴿ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ﴾ وهُمُ الغُزاةُ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا بَعْدُ، أوِ السّالِكُونَ المُجاهِدُونَ أنْفُسَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَهم إلى ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿ ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ لِفَوْزِهِمْ بِالمَأْمَنِ الأعْظَمِ، والحَبِيبِ الأكْرَمِ ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ عَظِيمَةٍ، وهي جَنَّةُ الصِّفاتِ ﴿ وفَضْلٍ ﴾ أيْ: زِيادَةٍ عَلَيْها، وهي جَنَّةُ الذّاتِ، ومَعَ ذَلِكَ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ ﴾ أجْرَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي هو جَنَّةُ الأفْعالِ، وثَوابُ الأعْمالِ، ﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ ﴾ بِالفَناءِ بِالوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ، والقِيامِ بِحَقِّ الِاسْتِقامَةِ ﴿ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ ﴾ أيْ: كَسْرُ النَّفْسِ ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهُمْ ﴾ وهُمُ الثّابِتُونَ في مَقامِ المُشاهِدَةِ وأتْقَنُوا النَّظَرَ إلى نُفُوسِهِمْ لَهم ﴿ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ وراءَ أجْرِ الإيمانِ، ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ ﴾ المُنْكِرُونَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى المُشاهَدَةِ ﴿ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ﴾ وتَحَشَّدُوا لِلْإنْكارِ عَلَيْكم ﴿ فاخْشَوْهُمْ ﴾ ، واتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴿ فَزادَهُمْ ﴾ ذَلِكَ القَوْلُ ﴿ إيمانًا ﴾ ، أيْ يَقِينًا وتَوْحِيدًا بِنَفْيِ الغَيْرِ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِ، وتَوَصَّلُوا بِنَفْيِ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إلى إثْباتِهِ ﴿ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ﴾ فَشاهَدُوهُ ثُمَّ رَجَعُوا إلى تَفاصِيلِ الصِّفاتِ بِالِاسْتِقامَةِ، وقالُوا: نِعْمَ الوَكِيلُ ﴿ فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ ﴾ أيْ: رَجَعُوا بِالوُجُودِ الحَقّانِيِّ في جَنَّةِ الصِّفاتِ والذّاتِ ﴿ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ ﴾ : لَمْ يُؤْذِهِمْ أحَدٌ؛ إذْ لا أحَدَ إلّا الأحَدُ، ﴿ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ ﴾ في حالِ سُلُوكِهِمْ حَتّى فازُوا بِجَنَّةِ الذّاتِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ﴿ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ ﴾ المَحْجُوبِينَ بِأنْفُسِهِمْ ﴿ فَلا تَخافُوهُمْ ﴾ المُنْكِرِينَ ﴿ وخافُونِ ﴾ ؛ إذْ لَيْسَ في الوُجُودِ سِوايَ ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ مُوَحِّدِينَ تَوْحِيدًا حَقِيقِيًّا، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، وهو حَسْبُنا ونِعْمَ الوَكِيلُ <div class="verse-tafsir"

وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّۭا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦

﴿ ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَوْجِيهُهُ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَهُ بِالتَّسْلِيَةِ، مَعَ الإيذانِ بِأنَّهُ الرَّئِيسُ المُعْتَنى بِشُئُونِهِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ: إمّا المُنافِقُونَ المُتَخَلِّفُونَ وإلَيْهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وابْنُ إسْحاقَ، وإمّا قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ ارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ؛ لِمُقارَبَةِ عَبَدَةِ الأوْثانِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، وإمّا سائِرُ الكُفّارِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ، وإمّا المُنافِقُونَ وطائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ حَسْبَما عُيِّنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ومِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم، ومَعْنى ( يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ) يَقَعُونَ فِيهِ سَرِيعًا لِغايَةِ حِرْصِهِمْ عَلَيْهِ، وشَدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِ؛ ولِتَضَمُّنِ المُسارَعَةِ مَعْنى الوُقُوعِ تَعَدَّتْ ”بِفِي“ دُونَ ”إلى“، الشّائِعُ تَعْدِيَتُها بِها كَما في ﴿ وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ ﴾ وغَيْرِهِ وأُوثِرَ ذَلِكَ؛ قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْرارِهِمْ في الكُفْرِ، ودَوامِ مُلابَسَتِهِمْ لَهُ في مَبْدَأِ المُسارَعَةِ ومُنْتَهاها، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، وأمّا إيثارُ كَلِمَةِ ”إلى“ في آيَتِها؛ فَلِأنَّ المَغْفِرَةَ والجَنَّةَ مُنْتَهى المُسارِعَةِ وغايَتُها، والمَوْصُولُ فاعِلُ (يَحْزُنُكَ)، ولَيْسَتِ الصِّلَةُ عِلَّةً لِعَدَمِ الحُزْنِ، كَما هو المَعْهُودُ في مِثْلِهِ؛ لِأنَّ الحُزْنَ مِنَ الوُقُوعِ في الكُفْرِ هو الأمْرُ اللّائِقُ؛ لِأنَّهُ قَبِيحٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، يَجِبُ أنْ يَحْزَنَ مِن مُشاهَدَتِهِ، فَلا يَصِحُّ النَّهْيُ عَنِ الحُزْنِ مِن ذَلِكَ، بَلِ العِلَّةُ هُنا ما يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ المُسارَعَةِ مِن مُراغَمَةِ المُؤْمِنِينَ، وإيصالِ المَضَرَّةِ إلَيْهِمْ، إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ مُبالَغَةً في النَّهْيِ.

والمُرادُ: لا يَحْزُنُكَ خَوْفُ أنْ يَضُرُّوكَ، ويُعِينُوا عَلَيْكَ، ويَدُلَّ عَلى ذَلِكَ إيلاءُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ رَدًّا وإنْكارًا لِظَنِّ الخَوْفِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمُرادُ أوْلِياءُ اللَّهِ؛ مَثَلًا لِلْقَرِينَةِ العَقْلِيَّةِ عَلَيْهِ، وفي حَذْفِ ذَلِكَ، وتَعْلِيقِ نَفْيِ الضَّرَرِ بِهِ تَعالى تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإيذانٌ بِأنَّ مُضارَّتَهم بِمَنزِلَةِ مُضارَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي ذَلِكَ مَزِيدُ مُبالَغَةٍ في التَّسْلِيَةِ.

( وشَيْئًا ) في مَوْضِعِ المَصْدَرِ أيْ: لَنْ يَضُرُّوهُ ضَرَرًا ما، وقِيلَ: مَفْعُولٌ بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لَنْ يَضُرُّوهُ بِشَيْءٍ ما أصْلًا، وتَأْوِيلُ يَضُرُّوا بِما يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولَيْنِ مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ، ولَعَلَّ المَقامَ يَدْعُو إلى خِلافِهِ، وقَرَأ نافِعٌ يُحْزِنُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ ﴾ فَإنَّهُ فَتَحَها، وضَمَّ الزّايَ، وقَرَأ الباقُونَ كَما قَرَأ نافِعٌ في المُسْتَثْنى، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ عَكْسَ ما قَرَأ نافِعٌ، والماضِي عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ حَزِنَ، وعَلى قِراءَةِ الضَّمِّ مِن أحْزَنَ، ومَعْناهُما واحِدٌ إلّا أنَّ حَزَنَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وقِيلَ: حَزَنْتُهُ بِمَعْنى أحْدَثْتُ لَهُ حُزْنًا، وأحْزَنْتُهُ بِمَعْنى عَرَّضْتُهُ لِلْحُزْنِ، وقالَ الخَلِيلُ: خَزَنْتُهُ بِمَعْنى جَعَلْتُ فِيهِ حُزْنًا، كَدَهَنْتُهُ بِمَعْنى: جَعَلْتُ فِيهِ دُهْنًا وأحْزَنْتُهُ بِمَعْنى جَعَلْتُهُ حَزِينًا، وقُرِئَ: (يُسْرِعُونَ) بِغَيْرِ ألْفٍ مِن أسْرَعِ، ويُسارِعُونَ بِالإمالَةِ والتَّفْخِيمِ.

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ المُوجِبِ لِمُسارَعَتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مَعَ أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ ؟

فَأُجِيبَ بِأنَّهُ تَعالى يُرِيدُ أنْ لا يَجْعَلَ لَهم نَصِيبًا ما مِنَ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، فَهو يُرِيدُ ذَلِكَ مِنهم، فَكَيْفَ لا يُسارِعُونَ ؟

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ عاقَبَ فاعِلَهُ وذَمَّهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ المُقْتَضِي إفاضَةَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ في ذِكْرِ الإرادَةِ إيذانًا بِكَمالِ خُلُوصِ الدّاعِي إلى حِرْمانِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ، حَيْثُ تَعَلَّقَتْ بِهِما إرادَةُ أرْحَمِ الرّاحِمِينَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: لَمْ يُرِدْ كُفْرَهم، ولا رَمَزَ إلَيْهِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ الإرادَةِ واسْتِمَرارِها، ويَرْجِعُ إلى دَوامِ واسْتِمَرارِ مَنشَأِ هَذا المُرادِ، وهو الكُفْرُ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى بَقائِهِمْ عَلى الكُفْرِ حَتّى يُهْلَكُوا فِيهِ، ولَهم مَعَ هَذا الحِرْمانِ مِنَ الثَّوابِ بِالكُلِّيَّةِ عَذابٌ عَظِيمٌ، لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ.

نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ المُسارَعَةُ في الشَّيْءِ عَلى عِظَمِ شَأْنِهِ، وجَلالَةِ قَدْرِهِ عِنْدَ المُسارِعِ وصِفَ عَذابُهُ بِالعِظَمِ؛ رِعايَةً لِلْمُناسَبَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى حَقارَةِ ما سارَعُوا فِيهِ وخَساسَتِهِ في نَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ عَلى عِظَمِ قَدْرِ مَن قَصَدُوا إضْرارَهُ وُصِفَ العَذابُ بِالعِظَمِ؛ إيذانًا بِأنَّ قَصْدَ إضْرارِ العَظِيمِ أمْرٌ عَظِيمٌ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العَذابُ العَظِيمُ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ”لَهُمْ“ أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ تَعالى حِرْمانَهم مِنَ الثَّوابِ مُعَدًّا لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ، وإمّا مُبْتَدَأةً لِحَظِّهِمْ مِنَ العَذابِ إثْرَ بَيانِ أنْ لا شَيْءَ لَهم مِنَ الثَّوابِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ؛ لِلنَّهْيِ السّابِقِ، وأنَّ المَعْنى: ولا يَحْزُنُكَ أنَّهم يُسارِعُونَ في إعْلاءِ الكُفْرِ وهَدْمِ الإسْلامِ لا خَوْفًا عَلى الإسْلامِ ولا تَرَحُّمًا عَلَيْهِمْ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا، فَلا يَقْدِرُونَ عَلى هَدْمِ دِينِهِ الَّذِي يُرِيدُ إعْلاءَهُ، وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى إرادَةِ أوْلِياءِ اللَّهِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ يُرِيدُ اللَّهُ أنْ لا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ، ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ.

وأسْتَأْنِسُ لَهُ بِأنَّهُ كَثِيرًا ما وقَعَ نَهْيُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ إيقاعِهِ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ في المَشَقَّةِ لِهِدايَتِهِمْ وعَنْ كَوْنِهِ ضَيِّقَ الصَّدْرِ لِكُفْرِهِمْ، وخُوطِبَ بِأنَّهُ: ( ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ )، ولَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَـٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١٧٧

﴿ إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ ﴾ ، أيْ: أخَذُوا الكُفْرَ بَدَلًا مِنَ الإيمانِ رَغْبَةً فِيما أخَذُوا، وإعْراضًا عَمّا تَرَكُوا؛ ولِهَذا وضَعَ ”اشْتَرَوْا“ مَوْضِعَ ”بَدَّلُوا“ فَإنَّ الأوَّلَ أظْهَرُ في الرَّغْبَةِ، وأدُلُّ عَلى سُوءِ الِاخْتِيارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ، وفِيهِ هُنا تَعْرِيضٌ ظاهِرٌ؛ بِاقْتِصارِ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ هُنا ما أُرِيدَ مِنهُ هُناكَ، والتَّكْرِيرُ؛ لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ بِبَيانِ عِلَّتِهِ، بِتَغْيِيرِ عُنْوانِ المَوْضُوعِ فَإنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ لِكَوْنِهِ عِلْمًا في الخُسْرانِ الكُلِّيِّ.

والحِرْمانُ الأبَدِيُّ صَرِيحٌ في لُحُوقِ ضَرَرِهِ بِأنْفُسِهِمْ، وعَدَمُ تَعَدِّيهِ إلى غَيْرِهِمْ أصْلًا، ودالٌّ عَلى كَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ، ورَكاكَةِ آرائِهِمْ، فَكَيْفَ يَتَأتّى مِنهم ما يَتَوَقَّفُ عَلى قُوَّةِ الحَزْمَ ورَزانَةِ الرَّأْيِ ورَصانَةِ التَّدْبِيرِ مِن مُضارَةِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى الَّذِينَ تَكَفَّلَ سُبْحانَهُ لَهم بِالنَّصْرِ ؟

وهي أعَزُّ مِن جَلِيمَةَ وأمْنَعُ مِن لَهاةِ اللَّيْثِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ هُنا عامٌّ، ويُرادَ بِهِ هُناكَ خاصٌّ، وهو ما عَدا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ فِيهِ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ تَقْرِيرُ القَواعِدِ الكُلِّيَّةِ لِما انْدَرَجَ تَحْتَها مِن جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ عامًّا لِلْكَفّارِ، وهَذا خاصًّا بِالمُنافِقِينَ، وأفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم أشَدُّ مِنهم في الضَّرَرِ والكَيْدِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ إرادَةَ العامِّ هُناكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِفَخامَةِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ؛ لِما أنَّ صُدُورَ المُسارِعَةِ في الكُفْرِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، وكَوْنَها مَظِنَّةً لِإيراثِ الحُزْنِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما يُفْهَمُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ إنَّما يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ عُلِمَ اتِّصافُهُ بِها، وأمّا مَن لا يُعْرَفُ حالَهُ مِنَ الكَفَرَةِ الكائِنِينَ في الأماكِنِ البَعِيدَةِ، فَإسْنادُ المُسارِعَةِ المَذْكُورَةِ إلَيْهِمْ واعْتِبارُ كَوْنِها مِن مَبادِئِ حُزْنِهِ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا وجْهَ لَهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ القائِلَ بِالعُمُومِ في الأوَّلِ لَمْ يُرِدْ بِالكُفّارِ مُقابِلَ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ كانُوا، وعَلى أيِّ حالٍ وُجِدُوا، بَلْ ما يَشْمَلُ المُتَخَلِّفِينَ والمُرْتَدِّينَ مَثَلًا مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ إضْرارُهم لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحِينَئِذٍ لا يُرَدُّ هَذا الِاعْتِراضُ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأوَّلِ المُنافِقُونَ، أوْ مَنِ ارْتَدُّوا مِمّا هُنا اليَهُودُ، والمُرادُ مِنَ الإيمانِ إمّا الإيمانُ الحاصِلُ بِالفِعْلِ -كَما هو حالُ المُرْتَدِّينَ- أوْ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ الحاصِلَةِ بِمُشاهَدَةِ دَلائِلِهِ في التَّوْراةِ، كَما شَأْنُ اليَهُودِ مَثَلًا، وإمّا الإيمانُ الِاسْتِعْدادِيُّ، الحاصِلُ بِمُشاهَدَةِ الوَحْيِ النّاطِقِ والدَّلائِلِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفَسِ، كَما هو دَأْبُ جَمِيعِ الكَفَرَةِ مِمّا عَدا ذَلِكَ، وإمّا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الجَمِيعِ كَما هو دَأْبُ الجَمِيعِ؛ فَتَفَطَّنْ.

﴿ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ أيْ: مُؤْلِمٌ والجُمْلَةُ مُبْتَدَأةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ فَظاعَةِ عَذابِهِمْ بِذِكْرِ غايَةِ إيلامِهِ بَعْدَ ذِكْرِ نِهايَةِ عِظَمِهِ، أوْ مُقَرِّرَةٌ لِلضَّرَرِ الَّذِي آذَنَتْ بِهِ الجُمْلَةُ الأُولى، قِيلَ: لَمّا جَرَتِ العادَةُ بِاغْتِباطِ المُشْتَرِي بِما اشْتَراهُ، وسُرُورِهِ بِتَحْصِيلِهِ عِنْدَ كَوْنِ الصَّفْقَةِ رابِحَةٌ، وبِتَألُّمِهِ عِنْدَ كَوْنِها خاسِرَةٌ وُصِفَ عَذابُهم بِالإيلامِ؛ مُراعاةً لِذَلِكَ، نَقَلَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌۭ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًۭا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ١٧٨

﴿ ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَحْزُنْكَ ﴾ والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى المَوْصُولِ، ”وأنَّ“ وما عَمِلَتْ فِيهِ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ لِحُصُولِ المَقْصُودِ، وهو تَعَلُّقُ أفْعالِ القُلُوبِ بِنِسْبَةٍ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وعِنْدَ الأخْفَشِ المَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، ”وما“ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ وكانَ حَقُّها في الوَجْهَيْنِ أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً، لَكِنَّها كُتِبَتْ في ”الإمامِ“ مَوْصُولَةً، واتِّباعُ ”الإمامِ“ لازِمٌ، ولَعَلَّ وجْهَهُ مُشاكَلَةُ ما بَعْدَهُ، والحَمْلُ عَلى الأكْثَرِ فِيها، ”وخَيْرٌ“ خَبَرٌ، وقُرِئَ: (خَيْرًا) بِالنَّصْبِ عَلى أنْ يَكُونَ لِأنْفُسِهِمْ هو الخَبَرُ، ”ولَهُمْ“ تَبْيِينٌ أوْ حالٌ مِن خَيْرٍ، والإمْلاءُ في الأصْلِ إطالَةُ المُدَّةِ، والمَلَأُ: الحِينُ الطَّوِيلُ، ومِنهُ المَلَوانُ لِلَّيْلِ والنَّهارِ لِطُولِ تَعاقُبِهِما، وأمّا إمْلاءُ الكِتابِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِطُولِ المُدَّةِ بِالوُقُوفِ عِنْدَ كُلِّ كَلِمَةٍ.

وقِيلَ: الإمْلاءُ التَّخْلِيَةُ، والشَّأْنُ يُقالُ: أمْلى لِفَرَسِهِ إذا أرْخى لَهُ الطُّولَ لِيَرْعى كَيْفَ شاءَ.

وحاصِلُ التَّرْكِيبِ: لا يَحْسَبَنَّ الكافِرُونَ أنَّ إمْلاءَنا لَهم، أوْ أنَّ الَّذِي نُمْلِيهِ خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ، أوْ لا يَحْسَبَنَّ الكافِرُونَ خَيْرِيَّةَ إمْلائِنا لَهم، أوْ خَيْرِيَّةَ الَّذِي نُمْلِيهِ لَهم ثابِتَةٌ أوْ واقِعَةٌ، ومَآلُ ذَلِكَ نَهْيُهم عَنِ السُّرُورِ بِظاهِرِ إطالَةِ اللَّهِ تَعالى أعْمارَهم وإمْهالَهم عَلى ما هم فِيهِ، أوْ بِتَخْلِيَتِهِمْ وشَأْنِهِمْ بِناءً عَلى حُسْبانِ خَيْرِيَّتِهِ لَهم، وتَحْسِيرِهِمْ بِبَيانِ أنَّهُ سِرٌّ بَحْتٌ، وضَرَرٌ مَحْضٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ: (ولا تَحْسَبَنَّ) بِالتّاءِ والخِطابُ: إمّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ التَّسْلِيَةِ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ التَّعْرِيضُ بِهِمْ؛ إذْ حَسِبُوا ما ذُكِرَ.

وإمّا لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الحُسْبانُ قَصْدًا إلى إشاعَةِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، والمَوْصُولُ مَفْعُولٌ، ( وأنَّما نُمْلِي ) إلَخْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ، وحَيْثُ كانَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ هو البَدَلُ، وكانَ هُنا مِمّا يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ جازَ الِاقْتِصارُ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإلّا فالِاقْتِصارُ لَوْلا ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلى الصَّحِيحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّما نُمْلِي مَفْعُولًا ثانِيًا، إلّا أنَّهُ لِكَوْنِهِ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ لا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى الذَّواتِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ؛ أمّا في الأوَّلِ أيْ: لا تَحْسَبَنَّ حالَ الَّذِينَ كَفَرُوا وشَأْنَهم، وأمّا في الثّانِي أيْ: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أصْحاب (أنَّما نُمْلِي لَهُمْ) إلَخْ، وإنَّما قَيَّدَ الخَيْرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( لِأنْفُسِهِمْ ) لِأنَّ الإمْلاءَ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ الجَمَّةِ، ومَن جَعَلَ خَيْرًا -فِيما نَحْنُ فِيهِ- أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، وجَعَلَ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ القَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى جَعَلَ التَّفْضِيلَ مَبْنِيًّا عَلى اعْتِبارِ الزَّعْمِ والمُماشاةِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، وهو المُرْوى عَنْ مُقاتِلٍ، أوْ في قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَطاءٍ ﴿ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ﴾ اسْتِئْنافٌ بِما هو العِلَّةُ لِلْحُكْمِ قَبْلَها، والقائِلُونَ بِأنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ بِإرادَتِهِ تَعالى يُجَوِّزُونَ التَّعْلِيلَ بِمِثْلِ هَذا إمّا لِأنَّهُ غَرَضٌ، وإمّا لِأنَّهُ مُرادٌ مَعَ الفِعْلِ، فَيُشْبِهُ العِلَّةَ عِنْدَ مَن لَمْ يُجِزْ تَعْلِيلَ أفْعالِهِ بِالأغْراضِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم وإنْ قالُوا بِتَعْلِيلِها لَكِنَّ القَبِيحَ لَيْسَ مُرادًا لَهُ تَعالى عِنْدَهم ومَطْلُوبًا وغَرَضًا، ولِهَذا جَعَلُوا ازْدِيادَ الإثْمِ هُنا باعِثًا نَحْوَ: قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا لا غَرَضًا يُقْصَدُ حُصُولُهُ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ الِازْدِيادُ مُتَقَدِّمًا عَلى الإمْلاءِ هُنا، والباعِثُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا جَعَلُوهُ اسْتِعارَةً بِناءً عَلى أنَّ سَبْقَهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى القَدِيمِ الَّذِي لا يَجُوزُ تَخَلُّفُ المَعْلُومِ عَنْهُ شَبَّهَهُ بِتَقَدُّمِ الباعِثِ في الخارِجِ، ولا يَخْفى تَعَسُّفُهُ؛ ولِذا قِيلَ: إنَّ الأسْهَلَ القَوْلُ بِأنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ وإنْ كانَ أقَلَّ تَكَلُّفًا إلّا أنَّ القَوْلَ بِها غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، فَلَوْ كانَ الإمْلاءُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ هَذا الأمْرُ الفاسِدُ القَبِيحُ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، ولَمْ يَصْلُحْ هَذا تَعْلِيلًا؛ لِنَهْيِهِمْ عَنْ حُسْبانِ الإمْلاءِ لَهم خَيْرًا، فَتَأمَّلْ.

قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِ (أنَّما) هَذِهِ، وكَسْرِ الأُولى، وبِياءِ الغَيْبَةِ في (يَحْسَبَنَّ) عَلى أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فاعِلُ يَحْسَبَنَّ، وأنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا قائِمٌ مَقامَ مَفْعُولَيِ الحُسْبانِ، والمَعْنى: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ إمْلاءَنا لَهم لِازْدِيادِ الإثْمِ، بَلْ لِلتَّوْبَةِ والدُّخُولِ في الإيمانِ، وتَدارُكِ ما فاتَ، وإنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الفِعْلِ ومَعْمُولِهِ، ومَعْناهُ: أنَّ إمْلاءَنا خَيْرٌ لَهم إنِ انْتَبَهُوا، وتابُوا.

والفَرْقُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ: أنَّ الإمْلاءَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِإرادَةِ التَّوْبَةِ، والإمْلاءَ لِلِازْدِيادِ مَنفِيٌّ، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى هو مُثْبَتٌ، والآخَرُ مَنفِيٌّ ضِمْنًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَهُما؛ لِأنَّهُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ يَجُوزُ إرادَةُ كُلٍّ مِنهُما، ولا يَلْزَمُ تَخَلُّفُ المُرادِ عَنِ الإرادَةِ؛ لِأنَّهُ مَشْرُوطٌ بِشُرُوطٍ كَما عَلِمْتَ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ جُمْلَةَ ﴿ أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ ﴾ إلَخْ حالِيَّةٌ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ في هَذِهِ الحالَةِ هَذا، وهَذِهِ الحالَةُ مُنافِيَةٌ لَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُبَيِّنَةٌ لِحالِهِمْ في الآخِرَةِ إثْرَ بَيانِ حالِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ حالٍ مِنَ الواوِ، أيْ: لِيَزْدادُوا إثْمًا مُعَدًّا لَهم عَذابٌ مُهِينٌ، وهَذا مُتَعَيِّنٌ في القِراءَةِ الأخِيرَةِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ؛ لِيَكُونَ مَضْمُونُ ذَلِكَ داخِلًا في حَيِّزِ النَّهْيِ عَنِ الحُسْبانِ بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: لِيَزْدادُوا إثْمًا، ولِيَكُونَ لَهم عَذابٌ، وجَعَلَها بَعْضُهم مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةَ لِيَزْدادُوا، بِأنْ يَكُونَ عَذابٌ مُهِينٌ فاعِلَ الظَّرْفِ، بِتَقْدِيرٍ: ويَكُونُ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ، وهو مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، نَعَمْ قِيلَ: بِجَوازِ كَوْنِها اعْتِراضِيَّةً، ولَهُ وجْهٌ في الجُمْلَةِ، هَذا وإنَّما وصَفَ عَذابَهم بِالإهانَةِ؛ لِأنَّهُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: لَمّا تَضَمَّنَ الإمْلاءُ التَّمَتُّعَ بِطَيِّباتِ الدُّنْيا، وزِينَتِها، وذَلِكَ مِمّا يَسْتَدْعِي التَّعَزُّزَ، والتَّجَبُّرَ وصَفَهُ بِهِ؛ لِيَكُونَ جَزاؤُهم جَزاءً وِفاقًا، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رَدِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَنشَأً لِحُسْبانِهِمْ، وهو أنَّهم أعِزَّةٌ لَدَيْهِ عَزَّ وجَلَّ إثْرَ الإشارَةِ إلى رَدِّهِ بِنَوْعٍ آخَرَ.

<div class="verse-tafsir"

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ ١٧٩

﴿ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ ووَعِيدِ المُنافِقِينَ بِالعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وهي الفَضِيحَةُ والخِزْيُ إثْرَ بَيانِ عُقُوبَتِهِمُ الأُخْرَوِيَّةِ، وقَدَّمَ بَيانَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أمَسُّ بِالإمْلاءِ لِازْدِيادِ الآثامِ، وفي هَذا الوَعْدِ والوَعِيدِ أيْضًا ما لا يُخْفى مِنَ التَّسْلِيَةِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَما في الكَلامِ السّابِقِ، وقِيلَ: الآيَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ الحِكْمَةِ في إمْلائِهِ تَعالى لِلْكَفَرَةِ إثْرَ بَيانٍ شِرْيَتِهِ لَهم، ولا يَخْفى أنَّهُ بَعِيدٌ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أقْرَبُ، والمُرادُ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصُونَ، والخِطابُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الذَّوْقُ لِعامَّةِ المُخْلِصِينَ، والمُنافِقِينَ؛ فَفِيهِ التِفاتٌ في ضِمْنِ التَّلْوِينِ، والمُرادُ بِما هم عَلَيْهِ اخْتِلاطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، واسْتِواؤُهم في إجْراءِ أحْكامِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ، وإلى هَذا جَنَحَ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، وقالَ أكْثَرُهم: إنَّ الخِطابَ لِلْمُنافِقِينَ لَيْسَ إلّا، فَفِيهِ تَلْوِينٌ فَقَطْ، وذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ المَعانِي إلى أنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً، فَفِيهِ تَلْوِينٌ والتِفاتٌ أيْضًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلَيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِ، عَنْ قَتادَةَ: أنَّهُ لِلْكَفّارِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِمُ المُنافِقُونَ، وإلّا فَهو بَعِيدٌ جِدًّا، واللّامُ في ﴿ لِيَذَرَ ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، هو الخَبَرُ لِكانَ، والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِأنْ مُضْمَرَةً بَعْدَها، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ أيْ ما كانَ اللَّهُ مُرِيدًا لِأنْ يَذَرَ المُؤْمِنِينَ إلَخْ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: اللّامُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ بِنَفْسِها، والخَبَرُ هو الفِعْلُ، ولا يُقْدَحُ في عَمَلِها زِيادَتُها؛ إذِ الزّائِدُ قَدْ يَعْمَلُ، كَما في حُرُوفِ الجَرِّ المَزِيدَةِ، فَلا ضَعْفَ في مَذْهَبِهِمْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ كَما وُهِمَ، وأصْلُ ”يَذَرَ“ يَوْذَرَ فَحُذِفَتِ الواوُ مِنها؛ تَشْبِيهًا لَها ”بِيَدَعَ“، ولَيْسَ لِحَذْفِها عِلَّةٌ هُناكَ؛ إذْ لَمْ تَقَعْ بَيْنَ ياءٍ وكَسْرَةٍ، ولا ما هو في تَقْدِيرِ الكَسْرَةِ، بِخِلافِ ”يَدَعَ“ فَإنَّ الأصْلَ ”يَوْدَعَ“ فَحُذِفَتِ الواوُ لِوُقُوعِها بَيْنَ الياءِ وما هو في تَقْدِيرِ الكَسْرَةِ، وإنَّما فُتِحَتِ الدّالُ؛ لِأنَّ لامَهُ حَرْفٌ حَلْقِيٌّ فَيُفْتَحُ لَهُ ما قَبْلَهُ، ومِثْلُهُ: يَسَعُ، ويَطَأُ، ويَقَعُ.

ولَمْ يَسْتَعْمِلُوا مِن ”يَذْرُ“ ماضِيًا ولا مَصْدَرًا، ولا اسْمَ فاعِلٍ مَثَلًا اسْتِغْناءً بِتَصَرُّفِ مُرادِفِهِ، وهو يَتْرُكُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ غايَةً لِما يُفْهِمُهُ النَّفْيُ السّابِقُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَتْرُكُهم عَلى ذَلِكَ الِاخْتِلافِ، بَلْ يُقَدِّرُ الأُمُورَ ويُرَتِّبُ الأسْبابَ حَتّى يَعْزِلَ المُنافِقَ مِنَ المُؤْمِنِ ولَيْسَ غايَةً لِلْكَلامِ السّابِقِ نَفْسِهِ؛ إذْ يَصِيرُ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يَتْرُكُ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ إلى هَذِهِ الغايَةِ، ويُفْهَمُ مِنهُ كَما قالَ السَّمِينُ: إنَّهُ إذا وُجِدَتِ الغايَةُ تَرَكَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ بِالطَّيِّبِ والخَبِيثِ؛ تَسْجِيلًا عَلى كُلٍّ مِنهُما بِما يَلِيقُ بِهِ، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وأفْرَدَ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ مَعَ تَعَدُّدِ ما أُرِيدَ بِكُلٍّ؛ إيذانًا بِأنَّ مَدارَ إفْرازِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الآخَرِ هو اتِّصافُهُما بِوَصْفِهِما لا خُصُوصِيَّةَ ذاتِهِما وتَعَدُّدَ آحادِهِما، وتَعْلِيقَ المَيْزِ بِالخَبِيثِ، مَعَ أنَّ المُتَبادِرَ -مِمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ تَرْكِ المُؤْمِنِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ- تَعْلِيقُهُ بِهِمْ، وإفْرازُهم عَنِ المُنافِقِينَ؛ لِما أنَّ المَيْزَ الواقِعَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ إنَّما هو بِالتَّصَرُّفِ في المُنافِقِينَ، وتَغْيِيرُهم مَن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى، مَعَ بَقاءِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مَن أصْلِ الإيمانِ وإنْ ظَهَرَ مَزِيدُ إخْلاصِهِمْ لا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِمْ، وتَغْيِيرُهم مِن حالٍ إلى حالٍ مَعَ بَقاءِ المُنافِقِينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِتارِ، وإنَّما لَمْ يُنْسَبْ عَدَمُ التَّرْكِ إلَيْهِمْ لِما أنَّهُ مُشْعِرٌ بِالِاعْتِناءِ بِشَأْنِ مَن نُسِبَ إلَيْهِ؛ فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنهُ عَدَمُ التَّرْكِ عَلى حالَةٍ غَيْرِ مُلائِمَةٍ، كَما يَشْهَدُ بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقِيلَ: إنَّما قَدَّمَ الخَبِيثَ عَلى الطِّيِّبِ، وعَلَّقَ بِهِ فِعْلَ المَيْزِ؛ إشْعارًا بِمَزِيدِ رَداءَةِ ذَلِكَ الجِنْسِ، فَإنَّ المُلْقى مِنَ الشَّيْئَيْنِ هو الأدْوَنُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يُمَيِّزُ“ بِالتَّشْدِيدِ وماضِيهِ مَيَّزَ، وماضِيَ المُخَفَّفِ مازَ، وهُما كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، ولَيْسَ التَّضْعِيفُ لِتَعَدِّ الفِعْلَ، كَما في فَرِحَ وفَرَّحَ؛ لِأنَّ مازَ ومَيَّزَ يَتَعَدِّيانِ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ونَظِيرُ ذَلِكَ عاضَ وعَوَّضَ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ ”يُمِيزَ“ بِضَمِّ أوَّلِهِ، مَعَ التَّخْفِيفِ عَلى أنَّهُ مِن أمازَ بِمَعْنى مَيَّزَ، واخْتُلِفَ بِمَ يَحْصُلُ هَذا المَيْزُ، فَقِيلَ: بِالمِحَنِ والمَصائِبِ، كَما وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقِيلَ: بِإعْلاءِ كَلِمَةِ الدِّينِ وكَسْرِ شَوْكَةِ المُخالِفِينَ، وقِيلَ: بِالوَحْيِ إلى النَّبِيِّ، ولِهَذا أرْدَفَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ، ومِن هُنا جَعَلَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ ما قَبْلَ الِاسْتِدْراكِ تَمْهِيدًا لِبَيانِ المَيْزِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى طَرِيقِ تَجْرِيدِ الخِطابِ لِلْمُخْلِصِينَ؛ تَشْرِيفًا لَهم والِاسْتِدْراكِ إشارَةً إلى كَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وأنَّ المَعْنى ما كانَ اللَّهُ لِيَتْرُكَ المُخَلِّصِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ بِالمُنافِقِينَ، بَلْ يُرَتِّبُ المَبادِئَ حَتّى يُخْرِجَ المُنافِقِينَ مِن بَيْنِهِمْ، وما يَفْعَلُ ذَلِكَ بِإطْلاعِكم عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يُوحِي إلى رَسُولِهِ، فَيُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وبِما ظَهَرَ مِنهم مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ حَسْبَما حَكى عَنْهم بَعْضَهُ فِيما سَلَفَ فَيَفْضَحُهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ويُخَلِّصُكم مِمّا تَكْرَهُونَ، وذَكَرَ أنَّهُ قَدْ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَتْرُكُكم مُخْتَلِطِينَ حَتّى يُمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيِّبِ بِأنْ يُكَلِّفَكُمُ التَّكالِيفَ الصَّعْبَةَ الَّتِي لا يَصْبِرُ عَلَيْها إلّا الخُلَّصُ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهم بَدَلَ الأرْواحِ في الجِهادِ وإنْفاقِ الأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ عِيارًا عَلى عَقائِدِكم وشاهِدًا بِضَمائِرِكم حَتّى يَعْلَمَ بَعْضُكم بِما في قَلْبِ بَعْضِ بِطْرِيقِ الِاسْتِدْلالِ لا مِن جِهَةِ الوُقُوفِ عَلى ذاتِ الصُّدُورِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وتَعَقَّبَهُ بِأنَّ الِاسْتِدَراكَ -بِاجْتِباءِ الرُّسُلِ المُنْبِئَ عَنْ مَزِيدِ مَزِيَّتِهِمْ،وفَضْلِ مَعْرِفَتِهِمْ عَلى الخَلْقِ إثْرَ بَيانِ قُصُورِ رُتْبَتِهِمْ عَنِ الوُقُوفِ عَلى خَفايا السَّرائِرِ- صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ إظْهارُ تِلْكَ السَّرائِرِ، أُثِرَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ لا بِطَرِيقِ التَّكْلِيفِ، بِما يُؤَدِّي إلى خُرُوجِ أسْرارِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخَفاءِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ دَعْوى أنَّ الِاسْتِدْراكَ صَرِيحٌ -فِيما ادَّعاهُ- مِنَ المُرادِ مِمّا لا يَكادُ يُثْبِتُهُ الدَّلِيلُ، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ حاصِلَ المَعْنى لَيْسَ لَكم رُتْبَةُ الإطْلاعِ عَلى الغَيْبِ، وإنَّما لَكم رُتْبَةُ العِلْمِ الِاسْتِدْلالِيِّ الحاصِلِ مِن نَصْبِ العَلاماتِ والأدِلَّةِ، واللَّهُ تَعالى سَيَمْنَحُكم بِذَلِكَ، فَلا تَطْمَعُوا في غَيْرِهِ؛ فَإنَّ رُتْبَةَ الإطْلاعِ عَلى الغَيْبِ لِمَن شاءَ مِن رُسُلِهِ، وأيْنَ أنْتُمْ مِن أُولَئِكَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ!؟

نَعَمْ ما ذَكَرَهُ هَذا المَوْلى أظْهَرُ وأوْلى، وقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ أبُو حَيّانَ والمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيُطْلِعَكُمْ ﴾ : إمّا لِيُؤْتى أحَدُكم عِلْمَ الغَيْبِ، فَيُطْلَعَ عَلى ما في القُلُوبِ، أوْ لِيُطْلِعَ جَمِيعَكم، أيْ: أنَّهُ تَعالى لا يُطْلِعُ جَمِيعَكم عَلى ذَلِكَ، بَلْ يَخْتَصُّ بِهِ مَن أرادَ، وأُيِّدَ الأوَّلُ بِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ أكْثَرُ مُلاءَمَةً لَهُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّ الكَفَرَةَ قالُوا: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُخْبِرْنا مَن يُؤْمِنُ مِنّا ومَن يَكْفُرُ فَنَزَلَتْ» .

ونَقَلَ الواحِدِيُّ، عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي في صُوَرِها، كَما عُرِضَتْ عَلى آدَمَ، وأُعْلِمْتُ مَن يُؤْمِنُ بِي ومَن يَكْفُرُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ المُنافِقِينَ فاسْتَهْزَءُوا، وقالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّهُ يَعْلَمُ مَن يُؤْمِنُ بِهِ، ومَن يَكْفُرُ، ونَحْنُ مَعَهُ، ولا يَعْرِفُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وقالَ الكَلْبِيُّ: «قالَتْ قُرَيْشٌ: ”تَزْعُمُ يا مُحَمَّدُ، أنَّ مَن خالَفَكَ فَهو في النّارِ، واللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ غَضْبانُ، وأنَّ مَن تَبِعَكَ عَلى دِينِكَ فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ، واللَّهُ تَعالى عَنْهُ راضٍ؛ فَأخْبِرْنا بِمَن يُؤْمِنُ بِكَ، ومَن لا يُؤْمِنُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ“»، وأُيِّدَ الثّانِي بِأنَّ ظاهِرَ السَّوْقِ يَقْتَضِيهِ قِيلَ: والحَقُّ اتِّباعُ السَّوْقِ، ويَكْفِي أدْنى مُناسَبَةٍ بِالقِصَّةِ في كَوْنِها سَبَبًا لِلنُّزُولِ، عَلى أنَّ في سَنَدِ هَذِهِ الآثارِ مَقالًا، حَتّى قالَ بَعْضُ الحُفّاظِ في بَعْضِها: إنِّي لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ ما يُخالِفُها، وهو أنَّ المُؤْمِنِينَ سُئِلُوا أنْ يُعْطَوْا عَلامَةً يُفَرِّقُونَ بِها بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ، فَنَزَلَتْ.

والِاجْتِباءُ: الِاسْتِخْلاصُ، كَما رُوِيَ عَنْ أبِي مالِكٍ، ويُؤَوَّلُ إلى الِاصْطِفاءِ والِاخْتِيارِ، وهو المَشْهُورُ في تَفْسِيرِهِ، ويُقالُ جَبَوْتُ المالَ، وجَبَيْتُهُ بِالواوِ والياءِ، فَياءُ يَجْتَبِي هُنا إمّا عَلى أصْلِها، أوْ مُنْقَلِبَةٌ مِن واوٍ لِانْكِسارِ ما قَبِلَها، وعَبَّرَ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الوُقُوفَ عَلى الأسْرارِ الغَيْبِيَّةِ لا يَتَأتّى إلّا مِمَّنْ رَشَّحَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَنصِبٍ جَلِيلٍ تَقاصَرَتْ عَنْهُ هِمَمُ الأُمَمِ، واصْطَفاهُ عَلى الجَماهِيرِ لِإرْشادِهِمْ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وتَعْمِيمُ الِاجْتِباءِ لِسائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في هَذا البابِ أمْرٌ مُبَيَّنٌ، لَهُ أصْلٌ أصِيلٌ جارٍ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى المَسْلُوكَةِ فِيما بَيْنَ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ: إنَّها لِلتَّبْعِيضِ؛ فَإنَّ الإطْلاعُ عَلى المُغَيَّباتِ مُخْتَصٌّ بِبَعْضِ الرُّسُلِ، وفي بَعْضِ الأوْقاتِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأوْقاتِ مُسَلَّمٌ، وأمّا كَوْنُهُ مُخْتَصًّا بِبَعْضِ الرُّسُلِ فَفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ.

ولَعَلَّ الصَّوابَ خِلافُهُ، ولا يُشْكِلُ عَلى هَذا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُطْلِعُ عَلى الغَيْبِ بَعْضَ أهْلِ الكَشْفِ ذَوِي الأنْفُسِ القُدْسِيَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الوِراثَةِ لا اسْتِقْلالًا، وهم يَقُولُونَ: إنَّ المُخْتَصَّ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هو الثّانِي، عَلى أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ ما أيَّدَهُ السَّوْقُ بَعْدَ هَذا الِاسْتِشْكالِ وإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَوْضِعَيْنِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، ومَثَلُهُ عَلى ما قِيلَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ﴾ والمُرادُ آمَنُوا بِصِفَةِ الإخْلاصِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُ الخِطابِ عامًّا لِلْمُنافِقِينَ وهم مُؤْمِنُونَ ظاهِرًا.

وتَعْمِيمُ الأمْرِ مَعَ أنَّ سَوْقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْإيمانِ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِإيجابِ الإيمانِ بِهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، والإشْعارُ بِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإيمانِ بِالكُلِّ؛ لِأنَّهُ مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الرُّسُلِ، وهم شُهَداءُ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، والمَأْمُورُ بِهِ الإيمانُ بِكُلِّ ما جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ تَصْدِيقُهُ فِيما أخْبَرَ بِهِ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَدْ يُقالُ: إنَّ المُرادَ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى أنْ يَعْلَمُوهُ وحْدَهُ مُطَّلِعًا عَلى الغَيْبِ.

ومِنَ الإيمانِ بِرُسُلِهِ أنْ يَعْلَمُوهم عِبادًا مُجْتَبِينَ إلّا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَقُولُونَ إلّا ما يُوحى إلَيْهِمْ في أمْرِ الشَّرائِعِ، وكَوْنُ المُرادِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى الإيمانُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَتْرُكُ المُخْلِصِينَ عَلى الِاخْتِلاطِ ﴿ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ بِنَصْبِ العَلاماتِ، وتَحْصِيلِ العِلْمِ الِاسْتِدْلالِيِّ بِمَعْرِفَةِ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ.

ومِنَ الإيمانِ بِرُسُلِهِ الإيمانُ بِأنَّهُمُ المُتَرَشِّحُونَ لِلْإطْلاعِ عَلى الغَيْبِ لا غَيْرَهم بَعِيدٌ كَما لا يَخْفى.

﴿ وإنْ تُؤْمِنُوا ﴾ أيْ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ حَقَّ الإيمانِ ﴿ وتَتَّقُوا ﴾ المُخالَفَةَ في الأمْرِ والنَّهْيِ، أوْ تَتَّقُوا النِّفاقَ ﴿ فَلَكُمْ ﴾ بِمُقابَلَةِ ذَلِكَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ لا يُكْتَنَهُ ولا يُحَدُّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًۭا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّۭ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ١٨٠

﴿ ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ ﴾ بَيانٌ لِحالِ البُخْلِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ وتَخْطِئَةٌ لِأهْلِهِ في دَعْواهم خَيْرِيَّتَهُ حَسْبَ بَيانِ حالِ الإمْلاءِ، وبِهَذا تَرْتَبِطُ الآيَةُ بِما قَبْلَها وقِيلَ: وجْهُ الِارْتِباطِ أنَّهُ تَعالى؛ لَمّا بالَغَ في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ شَرَعَ هَهُنا في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ المالِ، وبَيَّنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَن يَبْخَلُ، وإيرادِ ما بَخِلُوا بِهِ بِعُنْوانِ إيتاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مِن فَضْلِهِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ بَذْلِهِ في سَبِيلِهِ سُبْحانَهُ، وفِعْلُ الحُسْبانِ مُسْنَدٌ إلى المَوْصُولِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلَيْهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ المَفْعُولَ في هَذا البابِ مَطْلُوبٌ مِن جِهَتَيْنِ: مِن جِهَةِ العامِلِ فِيهِ، ومِن جِهَةِ كَوْنِهِ أحَدَ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، فَلَمّا تَكَرَّرَ طَلَبَهُ امْتُنِعَ حَذْفُهُ، ونَقْضُ ذَلِكَ بِخَبَرِ كانَ فَإنَّهُ مَطْلُوبٌ مِن جِهَتَيْنِ أيْضًا، ولا خِلافَ في جَوازِ حَذْفِهِ إذا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.

ونَقَلَ الطَّيِّبِيُّ عَنْ صاحِبِ الكَشّافِ أنَّ حَذْفَ أحَدِ مَفْعُولىْ حَسِبَ إنَّما يَجُوزُ إذا كانَ فاعِلُ حَسِبَ ومَفْعُولاهُ شَيْئًا واحِدًا في المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا ﴾ عَلى القِراءَةِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ بِأنْ يُقالَ: ( إنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) الفاعِلُ لَمّا اشْتَمَلَ عَلى البُخْلِ كانَ في حُكْمِ اتِّحادِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ، ولِذَلِكَ حُذِفَ، وقِيلَ: إنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ كَنّى عَنْ قُوَّةِ القَرِينَةِ بِالِاتِّحادِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وكِلا القَوْلَيْنِ لَيْسا بِشَيْءٍ، والصَّحِيحُ أنَّ مَدارَ صِحَّةِ الحَذْفِ القَرِينَةُ، فَمَتى وُجِدَتْ جازَ الحَذْفُ، ومَتى لَمْ تُوجَدْ لَمْ يَجُزْ.

والقَوْلُ بِأنَّ هو ضَمِيرُ رَفْعٍ اسْتُعِيرَ في مَكانِ المَنصُوبِ، وهو راجِعٌ إلى البُخْلِ أوِ الإيتاءِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلًا تَعَسُّفٌ جِدًّا، لا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ، -وإنْ جَوَّزَهُ المَوْلى عِصامُ الدِّينِ تَبَعًا لِأبِي البَقاءِ- حَتّى قالَ في الدُّرِّ المَصُونِ: إنَّهُ غَلَطٌ، والصَّحِيحُ أنَّهُ ضَمِيرُ فَصْلٍ بَيْنَ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، لا تَوْكِيدٌ لِلْمُظْهَرِ كَما تُوِهِّمَ، وقِيلَ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ ضَمِيرِ مَن يَحْسَبُ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو المَوْصُولُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: بُخْلَ الَّذِينَ، والثّانِي: خَيْرًا كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، نَعَمْ إنَّهُ مُتَعَيِّنٌ عَلى قِراءَةِ الخِطابِ.

وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يُقَدَّرُ بَيْنَ الباءِ ومَجْرُورِها مُضافٌ، أيْ: لا يَحْسَبَنَّ، أوْ ( لا يحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) بِإنْفاقِ أوْ زَكاةِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو صِفَةٌ حَسَنَةٌ ( أوْ خَيْرًا ) لَهم مِنَ الإنْفاقِ ﴿ بَلْ هو شَرٌّ ﴾ عَظِيمٌ ﴿ لَهُمْ ﴾ ، والتَّنْصِيصُ عَلى ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ مِمّا تَقَدَّمَ لِلْمُبالَغَةِ ﴿ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ شَرْيَتِهِ لَهم، والسِّينُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والكَلامُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ إمّا مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن آتاهُ اللَّهُ تَعالى مالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ مُثِّلَ لَهُ شُجاعٌ أقْرَعُ، لَهُ زَبِيبَتانِ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ، يَقُولُ: أنا مالُكَ أنا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ» ”.

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «ما مِن ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذا رَحِمَهُ، فَيَسْألُهُ مِن فَضْلِ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ فَيَبْخَلُ عَلَيْهِ إلّا خَرَجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن جَهَنَّمَ شُجاعٌ يَتَلَمَّظُ حَتّى يُطَوِّقَهُ»، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وغَيْرُهُ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ أنَّهُ قالَ: يُجْعَلُ ما بَخِلُوا بِهِ طَوْقًا مِن نارٍ في أعْناقِهِمْ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ، والمَعْنى كَما قالَ مُجاهِدٌ: سَيُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما بَخِلُوا بِهِ مِن أمْوالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ عُقُوبَةً لَهم، فَلا يَأْتُونَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: سَيُلْزَمُونَ وبالَ ما بَخِلُوا بِهِ إلْزامَ الطَّوْقِ عَلى أنَّهُ حُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ لِلْإيذانِ بِكَمالِ المُناسَبَةِ بَيْنَهُما، ومِن أمْثالِهِمْ تُقَلِّدُها طَوْقَ الحَمامَةِ، وكَيْفَما كانَ فالآيَةُ نَزَلَتْ في مانِعِي الزَّكاةِ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الصّادِقِ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والشَّعْبِيِّ، والسُّدِّيِّ، وخَلْقٍ آخَرِينَ، وهو الظّاهِرُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونُبُوَّتَهُ، الَّتِي نَطَقَتْ بِها التَّوْراةُ، فالمُرادُ بِالبُخْلِ: كِتْمانُ العِلْمِ، وبِالفَضْلِ: التَّوْراةُ الَّتِي أُوتُوها، ومَعْنى ﴿ سَيُطَوَّقُونَ ﴾ ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، أوِ المُرادُ أنَّهم يُطَوَّقُونَ طَوْقًا مِنَ النّارِ جَزاءَ هَذا الكِتْمانِ.

فالآيَةُ حِينَئِذٍ نَظِيرَ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «“مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ»، وعَلَيْهِ يَكُونُ هَذا عَوْدًا إلى ما انْجَرَّ مِنهُ الكَلامُ إلى قِصَّةِ أُحُدٍ، وذَلِكَ هو شَرْحُ أحْوالِ أهْلِ الكِتابِ، قِيلَ: ويُعَضِّدُهُ أنَّ كَثِيرًا مِن آياتِ بَقِيَّةِ السُّورَةِ فِيهِمْ: ﴿ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ: لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ لا لِأحَدٍ غَيْرِهِ -اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا- ما في السَّمَواتِ والأرْضِ مِمّا يُتَوارَثُ مِن مالِ وغَيْرِهِ، كالأحْوالِ الَّتِي تَنْتَقِلُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ كالرِّسالاتِ الَّتِي يَتَوارَثُها أهْلُ السَّماءِ مَثَلًا فَما لِهَؤُلاءِ القَوْمِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ بِمُلْكِهِ ولا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِهِ وابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ، فالمِيراثُ مَصْدَرٌ كالمِيعادِ، وأصْلُهُ مِوْراثٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءًا لِانْكِسارِ ما قَبِلَها، والمُرادُ بِهِ: ما يُتَوارَثُ، والكَلامُ جارٍ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولا مَجازَ فِيهِ، ويَجُوزُ أنَّهُ تَعالى يَرِثُ مِن هَؤُلاءِ ما في أيْدِيهِمْ مِمّا بَخِلُوا بِهِ ويَنْتَقِلُ مِنهم إلَيْهِ حِينَ يُهْلِكُهم ويُفْنِيهِمْ وتَبْقى الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ عَلَيْهِمْ فَفي الكَلامِ عَلى هَذا مَجازٌ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُفْنِي أهْلَهُما فَيَبْقَيانِ بِما فِيهِما لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِما مِلْكٌ، فَخُوطِبُوا بِما يَعْلَمُونَ؛ لِأنَّهم يَجْعَلُونَ ما يَرْجِعُ إلى الإنْسانِ مِيراثًا مِلْكًا لَهُ ﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ المَنعِ والبُخْلِ ﴿ خَبِيرٌ ﴾ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ؛ لِأنَّ تَهْدِيدَ العَظِيمِ بِالمُواجَهَةِ أشَدُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ وحَمْزَةِ والكِسائِيُّ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءُ عَلى الغِيبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌۭ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ١٨١

﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ”«دَخَلَ أبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بَيْتَ المِدْراسِ فَوَجَدَ يَهُودَ قَدِ اجْتَمَعُوا إلى رَجُلٍ مِنهم، يُقالُ لَهُ فِنْحاصُ، وكانَ مِن عُلَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ويَحُكُّ يا فِنْحاصُ، اتَّقِ اللَّهَ تَعالى، وأسْلِمْ، فَواللَّهِ، إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكم في التَّوْراةِ، فَقالَ فِنْحاصُ: واللَّهِ يا أبا بَكْرٍ، ما بِنا إلى اللَّهِ تَعالى مِن فَقْرٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لَفَقِيرٌ، وما نَتَضَرَّعُ إلَيْهِ كَما تُضِرِّعَ إلَيْنا، وإنّا عَنْهُ لَأغْنِياءُ، ولَوْ كانَ غَنِيًّا عَنّا ما اسْتَقْرَضَ مِنّا، كَما يَزْعُمُ صاحِبُكم، وأنَّهُ يَنْهاكم عَنِ الرِّبا ويُعْطِينا، ولَوْ كانَ غَنِيًّا عَنّا ما أعْطانا الرِّبا، فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَضَرَبَ وجْهْ فِنْحاصَ ضَرْبَةً شَدِيدَةً، وقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ يا عَدُوَّ اللَّهِ تَعالى، فَذَهَبَ فِنْحاصُ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، انْظُرْ ما صَنَعَ صاحِبُكَ بِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:“ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟

قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ قَوْلًا عَظِيمًا، يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنَهُ فَقِيرٌ، وهم عَنْهُ أغْنِياءُ، فَلَمّا قالَ ذَلِكَ غَضِبْتُ لِلَّهِ تَعالى مِمّا قالَ فَضَرَبْتُ وجْهَهُ، فَجَحَدَ فِنْحاصُ، فَقالَ: ما قَلْتُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيما قالَ فِنْحاصُ تَصْدِيقًا لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ هَذِهِ الآيَةَ، وأنْزَلَ في أبِي بَكْرٍ، وما بَلَغَهُ في ذَلِكَ مِنَ الغَضَبِ ﴿ ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا ﴾ الآيَةَ» .

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها نَزَلَتْ في حُيَيِ بْنِ أخْطَبَ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً ﴾ قالَ: يَسْتَقْرِضُنا رَبُّنا، إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ.

وأخْرَجَ الضِّياءُ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أتَتِ اليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَقِيرٌ رَبُّكَ يَسْألُ عِبادَهُ القَرْضَ ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ "، والجَمْعُ عَلى الرِّوايَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مَعَ كَوْنِ القائِلِ واحِدًا لِرِضا الباقِينَ بِذَلِكَ، وتَخْصِيصُ هَذا القَوْلِ بِالسَّماعِ مَعَ أنَّهُ تَعالى سَمِيعٌ لِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةً عَنِ الوَعِيدِ؛ لِأنَّ السَّماعَ لازِمُ العِلْمِ بِالمَسْمُوعِ، وهو لازِمُ الوَعِيدِ في هَذا المَقامِ؛ فَهو سَماعُ ظُهُورٍ وتَهْدِيدٍ لا سَماعَ قَبُولٍ ورِضًا -كَما في سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهْ- وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالسَّماعِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِنَ الشَّناعَةِ والسَّماحَةِ بِحَيْثُ لا يَرْضى قائِلُهُ بِأنْ يَسْمَعَهُ سامِعٌ، ولِهَذا أنْكَرُوهُ، ولِكَوْنِ إنْكارِهِمُ القَوْلَ بِمَنزِلَةِ إنْكارِ السَّمْعِ أكَّدَهُ تَعالى بِالتَّأْكِيدِ القَسَمِيِّ، وفِيهِ أيْضًا مِنَ التَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ، والمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ ما لا يَخْفى، والعامِلُ في مَوْضِعٍ إنَّ وما عَمِلَتْ فِيهِ، قالُوا: فَهي المَحْكِيَّةُ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْمُولًا لِقَوْلِ المُضافِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، قالَ أبُو البَقاءِ: وهَذا يَخْرُجُ عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ في إعْمالِ الأوَّلِ، وهو أصْلٌ ضَعِيفٌ، ويَزْدادُ هُنا ضَعْفًا بِأنَّ الثّانِي فِعْلُ والأوَّلَ مَصْدَرٌ وإعْمالُ الفِعْلِ لِكَوْنِهِ أقْوى أوْلى.

﴿ سَنَكْتُبُ ما قالُوا ﴾ أيْ سَنَكْتُبُهُ في صَحائِفِ الكَتَبَةِ، فالإسْنادُ مَجازِيٌّ، والكِتابَةُ حَقِيقَةٌ، أوْ سَنَحْفَظُهُ في عِلْمِنا ولا نُهْمِلُهُ، فالإسْنادُ حَقِيقَةٌ، والكِتابَةُ مَجازٌ، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: لَنْ يَفُوتَنا أبَدًا تَدْوِينُهُ وإثْباتُهُ؛ لِكَوْنِهِ في غايَةِ العِظَمِ والهَوْلِ، كَيْفَ لا وهو كُفْرٌ بِاللَّهِ تَعالى، سَواءٌ كانَ عَنِ اعْتِقادٍ، أوِ اسْتِهْزاءٍ بِالقُرْآنِ !

وهو الظّاهِرُ، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ ؛ إيذانًا بِأنَّهُما في العِظَمِ إخْوانٌ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِأوَّلِ جَرِيمَةٍ ارْتَكَبُوها ومَعْصِيَةٍ اسْتَباحُوها، وأنَّ مَنِ اجْتَرَأ عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ بِغَيْرِ حَقٍّ في اعْتِقادِهِ أيْضًا، كَما هو في نَفْسِ الأمْرِ لَمْ يُسْتَبْعَدْ مِنهُ أمْثالُ هَذا القَوْلِ، ونِسْبَةُ القَتْلِ إلى هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِاعْتِبارِ الرِّضا بِفِعْلِ القاتِلِينَ مِن أسْلافِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى سَنَجْمَعُ ما قالُوا ﴿ وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ ﴾ في مَقامِ العَذابِ ونَجْزِيهِما جَزاءً مُماثِلًا لِتَشارُكِهِما في أنَّ في كُلٍّ مِنهُما إبْطالًا لِما جاءَ بِهِ المُرْسَلُونَ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ.

﴿ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ أيْ: ونَنْتَقِمُ مِنهم بِواسِطَةِ هَذا القَوْلِ الَّذِي لا يُقالُ إلّا وقَدْ وُجِدَ العَذابُ.

والحَرِيقُ بِمَعْنى المُحْرَقِ، وإضافَةُ العَذابِ إلَيْهِ مِنَ الإضافَةِ البَيانِيَّةِ، أيِ العَذابُ الَّذِي هو المُحْرِقُ؛ لِأنَّ المُعَذِّبَ هو اللَّهُ تَعالى لا الحَرِيقُ أوِ الإفاضَةُ لِلسَّبَبِ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةِ الفاعِلِ، كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، -والذَّوْقُ - كَما قالَ الرّاغِبُ، وجَوْدُ الطَّعْمِ في الفَمِ، وأصْلُهُ فِيما يَقِلُّ تَناوُلُهُ دُونَ ما يَكْثُرُ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: أكْلٌ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ؛ لِإدْراكِ سائِرِ المَحْسُوساتِ والحالاتِ، وذِكْرُهُ هُنا -كَما قالَ ناصِرُ الدِّينِ -لِأنَّ العَذابَ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِمُ النّاشِئِ عَنِ البُخْلِ والتَّهالُكِ عَلى المالِ وغالِبِ حاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ؛ لِتَحْصِيلِ المَطاعِمِ، ومُعْظَمُ بُخْلِهِ لِلْخَوْفِ مِن فُقْدانِهِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ ذِكْرُ الأكْلِ مَعَ المالِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ اليَهُودَ لَمّا قالُوا ما قالُوا، وقَتَلُوا مَن قَتَلُوا فَقَدْ أذاقُوا المُسْلِمِينَ وأتْباعَ الأنْبِياءِ غُصَصًا وشَبُّوا في أفْئِدَتِهِمْ نارَ الغَيْرَةِ والأسَفَ، وأحْرَقُوا قُلُوبَهم بِلَهَبِ الإيذاءِ والكَرْبِ فَعُوِّضُوا هَذا العَذابَ الشَّدِيدَ، وقِيلَ لَهم: ﴿ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ كَما أذَقْتُمْ أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى في الدُّنْيا ما يَكْرَهُونَ، والقائِلُ لَهم ذَلِكَ -كَما قالَ الضَّحّاكُ- خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، فالإسْنادُ حِينَئِذٍ مَجازِيٌّ وفي هَذِهِ الآيَةِ مُبالَغاتٌ في الوَعِيدِ حَيْثُ ذُكِرَ فِيها العَذابُ والحَرِيقُ والذَّوْقُ المُنْبِئُ عَنِ اليَأْسِ، فَقَدْ قالَ الزَّجّاجُ: ذُقْ كَلِمَةٌ تُقالُ لِمَن أيِسَ عَنِ العَفْوِ، أيْ: ذُقْ ما أنْتَ فِيهِ، فَلَسْتَ بِمُتَخَلِّصٍ مِنهُ، والمُؤْذِنُ بِأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ والهَوانِ يَعْقُبُهُ ما هو أشَدُّ مِنهُ وأدْهى، والقَوْلُ لِلتَّشَفِّي المُنْبِئُ عَنْ كَمالِ الغَيْظِ والغَضَبِ، وفِيما قَبْلَها ما لا يَخْفى أيْضًا مِنَ المُبالَغاتِ، وقَرَأ حَمْزَةُ (سَيُكْتَبُ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ (وقَتْلُهُمْ) بِالرَّفْعِ، ويَقُولُ بِصِيغَةِ الغَيْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍۢ لِّلْعَبِيدِ ١٨٢

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى العَذابِ المُحَقَّقِ المُنْزَلِ مَنزِلَةِ المَحْسُوسِ المُشاهَدِ، ولِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ شَأْنِهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَظاعَةِ أتى بِاسْمِ الإشارَةِ مَقْرُونًا بِاللّامِ والكافِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ أيْ بِسَبَبِ أعْمالِكُمُ الَّتِي قَدَّمْتُمُوها؛ كَقَتْلِ الأنْبِياءِ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي تَكادُ السَّمَواتُ يَتَفَطَّرُنَّ مِنهُ، والمُرادُ مِنَ الأيْدِي الأنْفُسُ، والتَّعْبِيرُ بِها عَنْها مِن قَبِيلِ التَّعْبِيرِ عَنِ الكُلِّ بِالجُزْءِ الَّذِي مَدارُ جُلِّ العَمَلِ عَلَيْهِ، يَجُوزُ أنْ لا يُتَجَوَّزَ في الأيْدِي بَلْ يُجْعَلُ تَقْدِيمُها الَّذِي هو عَمَلُها عِبارَةً عَنْ جَمِيعِ الأعْمالِ الَّتِي أكْثَرُها أوِ الكَثِيرُ مِنها يُزاوَلُ بِاليَدِ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ، ﴿ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَدَّمَتْ فَهو داخِلٌ تَحْتِ حُكْمِ باءِ السَّبَبِيَّةِ، وسَبَبِيَّتُهُ لِلْعَذابِ مِن حَيْثُ أنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ يَسْتَلْزِمُ العَدْلَ المُقْتَضِي إثابَةَ المُحْسِنِ، ومُعاقَبَةَ المُسِيءِ، -وإلَيْهِ ذَهَبَ الفُحُولُ مِنَ المُفَسِّرِينَ- وتَعَقَّبَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: وفَسادُهُ ظاهِرٌ فَإنَّ تَرْكَ التَّعْذِيبِ مِن مُسْتَحَقِّهِ لَيْسَ بِظُلْمٍ شَرْعًا ولا عَقْلًا حَتّى يَنْتَهِضَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا لِلتَّعْذِيبِ.

وخُلاصَتُهُ المُعارَضَةُ بِطَرِيقِ القِياسِ الِاسْتِثْنائِيِّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ تَرْكُ التَّعْذِيبِ ظُلْمًا لَكانَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا لِلتَّعْذِيبِ، لَكِنَّ تَرْكَ التَّعْذِيبِ لَيْسَ بِظُلْمٍ، فَنَفْيُ الظُّلْمِ لا يَكُونُ سَبَبًا لَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ مَنشَأ هَذا الِاعْتِراضِ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ السَّبَبِ والعِلَّةِ المُوجِبَةِ، والفَرْقُ مِثْلَ الصُّبْحِ ظاهِرٌ، فَإنَّ السَّبَبَ وسِيلَةٌ مَحْضَةٌ لا يُوجِبُ حُصُولَ المُسَبِّبِ كَما أنَّ القَلَمَ -سَبَبُ الكِتابَةِ- غَيْرُ مُوجِبٍ إيّاها، والعَدْلُ اللّازِمُ مِن نَفْيِ الظُّلْمِ سَبَبٌ لِعَذابِ المُسْتَحِقِّ وإنْ لَمْ يُوجِبْهُ.

فالِاسْتِدْلالُ بِعَدَمِ الإيجابِ عَلى عَدَمِ السَّبَبِيَّةِ فاسِدٌ جِدًّا، وأمّا قَوْلُهم في العَدْلِ المُقْتَضِي إلَخْ فَهو بَيانٌ لِمُقْتَضاهُ إذا خَلى وطَبْعَهُ، وتَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِ وسِيلَةً، ولا يَلْزَمُ مِنهُ إيجابُ الإثابَةِ والمُعاقَبَةِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» وخُلاصَةُ هَذا أنَّ المُلازِمَةَ بَيْنَ المُقَدَّمِ والتّالِي في القِياسِ الِاسْتِثْنائِيِّ مَمْنُوعَةٌ بِأنَّهُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ تَرْكُ التَّعْذِيبِ ظُلْمًا، ويَكُونَ نَفْيُ الظُّلْمِ سَبَبًا بِأنْ يَكُونَ السَّبَبُ سَبَبًا غَيْرَ مُوجِبٍ ولا مَحْذُورٍ حِينَئِذٍ.

لا يُقالُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَبْنى ذَلِكَ الِاعْتِراضِ عَلى المَفْهُومِ المُعْتَبَرِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ لا عَلى كَوْنِ السَّبَبِ مُوجِبًا لِأنّا نَقُولُ: إنْ أُرِيدَ بِالمَفْهُومِ مَفْهُومُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنَّ اللَّهَ ﴾ إلَخْ فَنَقُولُ: حاصِلُهُ أنَّ العَدْلَ سَبَبٌ لِعَذابِ المُسْتَحِقِّينَ، والمَفْهُومُ مِنهُ أنَّ العَدْلَ لا يَكُونُ سَبَبًا لِعَذابِ غَيْرِ المُسْتَحِقِّينَ، وهو مَعْنًى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لا نِزاعَ فِيهِ، وإنْ أُرِيدَ أنَّ المَفْهُومَ مِن قَوْلِنا سَبَبُ تَعْذِيبِهِمْ كَوْنُهُ تَعالى غَيْرُ ظالِمٍ أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يُعَذِّبْهم لَكانَ ظالِمًا، فَنَقُولُ: هو مَعَ بُعْدِهِ عَنْ سِياقِ كَلامِ المُعْتَرِضِ مِن قُبَيْلِ الِاسْتِدْلالِ بِانْتِفاءِ السَّبَبِ عَلى انْتِفاءِ المُسَبِّبِ، فَيَكُونُ مَبْنِيًّا عَلى كَوْنِ المُرادِ بِالسَّبَبِ السَّبَبُ المُوجِبُ كَما قُلْنا ويُرَدُّ عَلَيْهِ ما أوْرَدْناهُ، ولا يَكُونُ مِن بابِ المَفْهُومِ في شَيْءٍ، وإنْ أُرِيدَ غَيْرُ هَذا وذاكَ فَلْيُبَيَّنْ حَتّى نَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن دَفَعَ الِاعْتِراضَ بِأنَّ حاصِلَ مَعْنى الآيَةِ وقْعُ العَذابِ عَلَيْكم ولَمْ يُتْرَكْ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ، وهو بِمَنطُوقِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ لا يَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعْذِيبِ مِن مُسْتَحِقِّهِ، ولا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الظُّلْمِ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعْذِيبِ، بَلْ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ، وهو لُطْفُهُ تَعالى فَلا يُرَدُّ الِاعْتِراضُ، وأنْتَ تَعْلَمُ بِأنَّ هَذا ذُهُولٌ عَنْ مَقْصُودِ المُعْتَرِضِ أيْضًا، فَإنَّ دَلالَةَ الكَلامِ عَلى كَوْنِ الظُّلْمِ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعْذِيبِ، وعَدَمَها خارِجٌ عَنْ مَطْمَحِ نَظَرِهِ عَلى ما عَرَفْتَ مِن تَقْرِيرِ كَلامِهِ، عَلى أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ بِالسَّبَبِ السَّبَبَ المُوجِبَ عَلى ما هو مَبْنى كَلامِ ذَلِكَ المَوْلى، فَدَلالَتُهُ عَلَيْهِ ظاهِرَةٌ؛ فَإنَّ وُجُودَ السَّبَبِ المُوجِبِ كَما يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُودِ المُسَبِّبِ يَكُونُ عَدَمُهُ سَبَبًا لِعَدَمِهِ -كَما في طُلُوعِ الشَّمْسِ ووُجُودِ النَّهارِ، فالعَدْلُ أعْنِي نَفْيَ الظُّلْمِ إذا كانَ سَبَبًا لِتَعْذِيبِ المُسْتَحِقِّ يَكُونُ عَدَمُهُ أعْنِي الظُّلْمَ سَبَبًا لِعَدَمِ التَّعْذِيبِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما قَدَّمْتُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّةَ ذُنُوبِهِمْ لِعَذابِهِمْ مُقَيَّدَةٌ بِانْتِفاءِ ظُلْمِهِ تَعالى إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ لا أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ.

وتَعَقَّبَهُ أيْضًا مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ إمْكانَ تَعْذِيبِهِ تَعالى لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، بَلْ وُقُوعُهُ لا يُنافِي كَوْنَ تَعْذِيبِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ حَتّى يَحْتاجَ إلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ مَعَهُ، وإنَّما يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ إنْ كانَ المُدَّعِي أنَّ جَمِيعَ تَعْذِيباتِهِ تَعالى بِسَبَبِ ذُنُوبِ المُعَذَّبِينَ انْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ في كَلامِ القِيلِ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنَّ يُعَذِّبَهم، والمَعْنى أنَّ ذِكْرَ هَذا القَيْدِ رَفْعُ احْتِمالِ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ذُنُوبِهِمْ لِاحْتِمالِ أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ؛ فَإنَّهُ أمْرٌ حَسَنٌ شَرْعًا وعَقْلًا، وقَوْلُهُ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّةَ ذُنُوبِهِمْ لِعَذابِهِمْ مُقَيَّدَةٌ إلَخْ، أرادَ بِهِ أنَّ تَعَيُّنَهُ لِلسَّبَبِيَّةِ إنَّما يَحْصُلُ بِهَذا القَيْدِ إذْ بِإمْكانِ تَعْذِيبِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ التَّعْذِيبِ إرادَةَ العَذابِ بِلا ذَنْبٍ، فَيَكُونُ حاصِلُ مَعْنى الآيَةِ إنَّ عَذابَكم هَذا إنَّما نَشَأ مِن ذُنُوبِكم لا مِن شَيْءٍ آخَرَ، فَإذا عَلِمْتَ هَذا ظَهَرَ لَكَ أنَّ تَزْيِيفَ المَوْلى كَلامَ صاحِبِ القِيلِ بِأنَّ إمْكانَ تَعْذِيبِهِ تَعالى إلَخْ ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْ مُرادِهِ؛ فَإنَّ كَلامَهُ لَيْسَ في مُنافاةِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ بِحَسَبِ ذاتِهِما، بَلْ في مُنافاةِ احْتِمالِ التَّعْذِيبِ بِلا ذَنْبٍ لِتَعَيُّنِ سَبَبِيَّةِ الذُّنُوبِ لَهُ، وكَذا قَوْلُهُ عَقِيبَ ذَلِكَ، وإنَّما يُحْتاجُ إلى ذَلِكَ إنْ كانَ المُدَّعِي إلَخْ ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ الِاحْتِياجِ إلى ذَلِكَ القَيْدِ في كُلٍّ مِنَ الصُّورَتَيْنِ إنَّما هو لِتَقْرِيعِ المُخاطَبِينَ وتَبْكِيتِهِمْ في الِاعْتِرافِ بِتَقْصِيراتِهِمْ بِأنَّهُ لا سَبَبَ لِلْعَذابِ إلّا مِن قِبَلِهِمْ.

فالقَوْلُ بِالِاحْتِياجِ في صُورَةِ وعَدَمُهُ في صُورَةٍ رَكِيكٌ جِدًّا، ثُمَّ إنَّهُ لا تَدافُعَ بَيْنَ هَذا القِيلِ، وبَيْنَ ما نُقِلَ أوَّلًا عَنْ فُحُولِ المُفَسِّرِينَ حَيْثُ جُعِلَ المَعْطُوفُ هُناكَ سَبَبًا وهَهُنا قَيْدًا لِلسَّبَبِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالسَّبَبِ الوَسِيلَةُ المَحْضَةُ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما سَبَقَ، فَهو وسِيلَةٌ سَواءٌ اعْتُبِرَ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا، أوْ قَيْدًا لِلسَّبَبِ، نَعَمْ بَيْنَهُما عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَدافُعٌ يَتَراءى مِن وجْهٍ آخَرَ، لَكِنَّهُ أيْضًا غَيْرُ وارِدٍ كَما سَنُحَقِّقُهُ بِحَوْلِهِ تَعالى.

والحاصِلُ أنَّ العَطْفَ هُنا مِمّا لا بَأْسَ بِهِ وهو الظّاهِرُ -وإلَيْهِ ذَهَبَ مَن ذَهَبَ- ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ -وإلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ - (أنْ) وما بَعْدَها في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تِذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، أيْ: والأمْرُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ مِن قِبَلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الظُّلْمِ مَعَ أنَّ تَعْذِيبَهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ لَيْسَ بِظُلْمٍ عَلى ما تُقَرِّرُ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ ظالِمًا بالِغًا لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى مِنَ الظُّلْمِ، كَما يُعَبِّرُ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ عَلى الأعْمالِ بِإضاعَتِها مَعَ أنَّ الأعْمالَ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَلْزَمَ مِن تَخَلُّفِهِ عَنْها إضاعَتُها، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في صُورَةِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ، ومِن هُنا يُعْلَمُ الجَوابُ عَمّا قِيلَ: إنَّ نَفْيَ نَفْسِ الظُّلْمِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ كَثْرَتِهِ، ونَفْيَ الكَثْرَةِ لا يَنْفِي أصْلَهُ، بَلْ رُبَّما يُشْعَرُ بِوُجُودِهِ، وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا بِأنَّهُ نَفْيٌ لِأصِلِ الظُّلْمِ وكَثْرَتِهِ بِاعْتِبارِ آحادِ مَن ظُلِمَ، فالمُبالَغَةُ في ( ظَلّامٍ ) بِاعْتِبارِ الكِمِّيَّةِ لا الكَيْفِيَّةِ، وبِأنَّهُ إذا انْتَفى الظُّلْمُ الكَثِيرُ انْتَفى القَلِيلُ؛ لِأنَّ مَن يَظْلِمْ يَظْلِمْ لِلِانْتِفاعِ بِالظُّلْمِ، فَإذا تُرِكَ كَثِيرُهُ مَعَ زِيادَتِهِ نَفَعَهُ في حَقِّ مَن يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّفْعُ والضُّرُّ كانَ لِقَلِيلِهِ مَعَ قِلَّةِ نَفْعِهِ أكْثَرُ تَرْكًا، وبِأنَّ ( ظَلّامٍ ) لِلنَّسَبِ كَعَطّارٍ، أيْ: لا يُنْسَبُ إلَيْهِ الظُّلْمُ أصْلًا، وبِأنَّ كُلَّ صِفَةٍ لَهُ تَعالى في أكْمَلِ المَراتِبِ، فَلَوْ كانَ تَعالى ظالِمًا سُبْحانَهُ لَكانَ ظَلّامًا، فَنَفْيُ اللّازِمِ لِنَفْيِ المَلْزُومِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ صِفاتِهِ تَعالى في أقْصى مَراتِبِ الكَمالِ كَوْنَ المَفْرُوضِ ثُبُوتَهُ كَذَلِكَ، بَلِ الأصْلُ في صِفاتِ النَّقْصِ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِها أنْ تَكُونَ ناقِصَةً، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إذا فُرِضَ ثُبُوتُ صِفَةٍ لَهُ تَعالى تُفْرَضُ بِما يَلْزَمُها مِنَ الكَمالِ، والقَوْلُ بِأنَّ هَذا في صِفاتِ الكَمالِ دُونَ صِفاتِ النَّقْصِ إنَّما يُوجِبُ عَدَمَ ثُبُوتِها لا ثُبُوتُها ناقِصَةً، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍۢ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٨٣

﴿ الَّذِينَ قالُوا ﴾ نُصِبَ أوْ رُفِعَ عَلى الذَّمِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ.

والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ووَهْبُ بْنُ يَهُوذا، وزَيْدُ بْنُ التّابُوهِ، وفِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ، وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا هَذا القَوْلَ: ﴿ إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ﴾ ، أيْ: أمَرَنا في التَّوْراةِ وأوْصانا ﴿ ألا نُؤْمِنَ ﴾ أيْ: بِأنْ لا نُصَدِّقَ، ونَعْتَرِفَ ﴿ لِرَسُولٍ ﴾ يَدَّعِي الرِّسالَةَ إلَيْنا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ ﴾ وهو ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن نِعَمٍ وغَيْرِها كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقُرِئَ (بِقُرُبانٍ) بِضَمَّتَيْنِ ﴿ تَأْكُلُهُ النّارُ ﴾ أُرِيدَ بِهِ نارٌ بَيْضاءُ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ولَها دَوِيٌّ، والمُرادُ مِن أكْلِ النّارِ لِلْقُرْبانِ إحالَتُها إلى طَبْعِها بِالإحْراقِ، واسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ إمّا مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ، أوِ المَجازِ المُرْسَلِ، وقَدْ كانَ أمْرُ إحْراقِ النّارِ لِلْقُرْبانِ إذا قُبِلَ شائِعًا في زَمَنِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ، إلّا أنَّ دَعْوى أُولَئِكَ اليَهُودِ هَذا العَهْدُ مِن مُفْتَرِياتِهِمْ وأباطِيلِهِمْ؛ لِأنَّ أكْلَ النّارِ القُرْبانَ لَمْ يُوجِبِ الإيمانَ إلّا لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً، فَهو وسائِرُ المُعْجِزاتِ شَرْعٌ في ذَلِكَ، ولَمّا كانَ مَرامُهم مِن هَذا الكَلامِ الباطِلِ عَدَمَ الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِعَدَمِ إتْيانِهِ بِما قالُوا، ولَوْ تَحَقَّقَ الإتْيانُ بِهِ لَتَحَقَّقَ الإيمانُ بِزَعْمِهِمْ رَدِّ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ، لِهَؤُلاءِ القائِلِينَ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِكَذِبِهِمْ ﴿ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ ﴾ كَثِيرَةُ العَدَدِ كَبِيرَةُ المِقْدارِ مِثْلَ زَكَرِيّا، ويَحْيى وغَيْرِهِمْ ﴿ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ ﴾ أيِ المُعْجِزاتِ الواضِحَةِ والحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ وصِحَّةِ رِسالَتِهِمْ، وحَقِيَةِ قَوْلِهِمْ كَما كُنْتُمْ تَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِمْ، وتَطْلُبُونَ مِنهم ﴿ وبِالَّذِي قُلْتُمْ ﴾ بِعَيْنِهِ وهو القُرْبانُ الَّذِي تَأْكُلُهُ النّارُ ﴿ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ ﴾ ، أيْ: فَما لَكم لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِمْ حَتّى اجْتَرَأْتُمْ عَلى قَتْلِهِمْ، مَعَ أنَّهم جاءُوا بِما قُلْتُمْ مَعَ مُعْجِزاتٍ أُخَرَ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أيْ: فِيما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُكم مِن أنَّكم تُؤْمِنُونَ لِرَسُولٍ يَأْتِيكم بِما اقْتَرَحْتُمُوهُ، والخِطابُ لِمَن في زَمَنِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإنْ كانَ الفِعْلُ لِأسْلافِهِمْ لِرِضاهم بِهِ -عَلى ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ - وإنَّما لَمْ يَقْطَعْ سُبْحانَهُ عُذْرَهم بِما سَألُوهُ مِنَ القُرْبانِ المَذْكُورِ لِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ في الإتْيانِ بِهِ مَفْسَدَةً لَهم، والمُعْجِزاتِ تابِعَةٌ لِلْمَصالِحِ، ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ هَذا الشَّرْطَ جاءَ في التَّوْراةِ هَكَذا: مَن جاءَ يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى فَلا تُصَدِّقُوهُ حَتّى يَأْتِيَكم بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ إلّا المَسِيحَ ومُحَمَّدًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإذا أتَياكم فَآمِنُوا بِهِما؛ فَإنَّهُما يَأْتِيانِ بِغَيْرِ قُرْبانٍ، والظّاهِرُ عَدَمُ ثُبُوتِ هَذا الشَّرْطِ أصْلًا.

<div class="verse-tafsir"

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ جَآءُو بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ ١٨٤

﴿ فَإنْ كَذَّبُوكَ ﴾ فِيما جِئْتَهم بِهِ ﴿ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ ﴾ جاءُوا بِمِثْلِ ما جِئْتَ بِهِ والجُمْلَةُ جَوابٌ لِلشَّرْطِ، لَكِنْ بِاعْتِبارِ لازِمِها الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، فَإنَّهُ لِتَسْلِيَتِهِ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ واليَهُودِ لَهُ، واقْتَصَرَ مُجاهِدٌ عَلى الثّانِي، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ كَذَّبُوكَ فَلا تَحْزَنْ وتَسَلْ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الجَوابَ مَحْذُوفًا، وهَذا تَعْلِيلًا لَهُ، ومَثَلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.

وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ والقَوْلِ بِالحَذْفِ إذِ المَعْنى إنْ يُكَذِّبُوكَ فَتَكْذِيبُكُ تَكْذِيبُ رُسُلٍ مِن قَبْلِكَ حَيْثُ أخْبَرُوا بِبَعْثَتِكَ وفي ذَلِكَ كَمالُ تَوْبِيخِهِمْ وتَوْضِيحُ صِدْقِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَسْلِيَةٌ لَهُ لَيْسَ فَوْقَها تَسْلِيَةٌ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ التَّسْلِيَةَ -عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ- أتَمُّ إذْ عَلَيْهِ تَكُونُ المُشارَكَةُ بَيْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ إخْوانِهِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ شِفاهًا وصَرِيحًا، وعَلى الثّانِي لا شَرِكَةَ إلّا في التَّكْذِيبِ، لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شِفاهِيٌّ وصَرِيحٌ، وبِالنِّسْبَةِ إلى المُرْسَلِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، ولا شَكَّ لِذِي ذَوْقٍ أنَّ الأوَّلَ أبْلَغُ في التَّسْلِيَةِ، وعَلَيْهِ يَجُوزُ في (مِن) أنْ تَتَعَلَّقَ -بِكُذِّبَ- وأنْ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً -لِرُسِلٍ- أيْ كائِنَةً مِن قَبْلِكَ.

وعَلى الثّانِي يَتَعَيَّنُ الثّانِي، ويُشْعِرُ بِالأوَّلِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وصْفُ الرُّسُلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ جاءُوا بِالبَيِّناتِ ﴾ أيِ المُعْجِزاتِ الواضِحاتِ الباهِراتِ ﴿ والزُّبُرِ ﴾ جَمْعُ زَبُورٍ، كالرَّسُولِ والرُّسُلِ، وهو الكِتابُ المَقْصُورُ عَلى الحُكْمِ مِن زَبَرْتُهُ بِمَعْنى حَسَّنْتُهُ قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: الزُّبُرُ المَواعِظُ والزَّواجِرُ مِن زَبَرْتُهُ إذا زَجَرْتُهُ، ﴿ والكِتابِ المُنِيرِ ﴾ أيِ المُوَضِّحِ أوِ الواضِحِ المُسْتَنِيرِ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ القُرْآنُ، ومَعْنى مَجِيءُ الرُّسُلِ بِهِ مَجِيئُهم بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن أُصُولِ الدِّينِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيهِ: ﴿ وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ ﴾ عَلى وجْهٍ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِهِ الزُّبُرُ والشَّيْءُ يُضاعَفُ بِالِاعْتِبارِ، وهو واحِدٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، والزَّبُورُ وهو في عُرْفِ القُرْآنُ ما يَتَضَمَّنُ الشَّرائِعَ والأحْكامَ، ولِذَلِكَ جاءَ هو والحِكْمَةُ مُتَعاطِفَيْنِ في عامَّةِ المَواقِعِ، ووَجْهُ إفْرادِ الكِتابِ بِناءً عَلى القَوْلِ الأوَّلِ ظاهِرٌ، ولَعَلَّ وجْهَ إفْرادِهِ بِناءً عَلى القَوْلِ الثّانِي والثّالِثِ، وإنْ أُرِيدَ مِنهُ الجِنْسُ الصّادِقُ بِالواحِدِ والمُتَعَدِّدِ الرَّمْزُ إلى أنَّ الكُتُبَ السَّماوِيَّةَ وإنْ تَعَدَّدَتْ فَهي مِن بَعْضِ الحَيْثِيّاتِ كَشَيْءٍ واحِدٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (وبِالزُّبُرِ) بِإعادَةِ الجارِّ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها مُغايِرَةٌ لِلْبَيِّناتِ بِالذّاتِ بِأنْ يُرادَ بِها المُعْجِزاتِ غَيْرِ الكُتُبِ؛ لِأنَّ إعادَةَ العامِلِ تَقْتَضِي المُغايِرَةَ ولَوْلاها لَجازَ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ.

ومِنَ الغَرِيبِ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِالبَيِّناتِ الحُرُوفُ بِاعْتِبارِ أسْمائِها كَألِفٍ ولامٍ، وبِالزُّبُرِ الحُرُوفُ بِاعْتِبارِ مُسَمَّياتِها ورَسْمِها، كَأبٍ، وبِالكُتّابِ الحُرُوفُ المُجْتَمِعَةُ المُتَلَفَّظُ بِها كَلِمَةً وكَلامًا.

وادَّعى أهْلُ هَذا القَوْلِ: إنَّ لِكُلٍّ مِن ذَلِكَ مَعانِيَ وأسْرارًا لا يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ، فَهم يَبْحَثُونَ عَنِ الكَلِمَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وبِاعْتِبارِ كُلِّ حَرْفٍ مِن حُرُوفِها المَرْسُومَةِ، وبِاعْتِبارِ اسْمِ كُلِّ حَرْفٍ مِنها الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ ثَلاثَةِ حُرُوفٍ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا اصْطِلاحٌ لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ.

والظّاهِرُ مِن تَتَبُّعِ الآثارِ الصَّحِيحَةِ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عَنِ الشّارِعِ الأعْظَمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْءٌ، ودُونَ إثْباتِ ذَلِكَ المَوْتُ الأحْمَرُ ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ أيْ نازِلٌ بِها لا مَحالَةَ، فَكَأنَّها ذائِقَتُهُ وهو وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْمُصَدِّقِ والمُكَذِّبِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلتَّسْلِيَةِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ لِأنَّ تَذَكُّرَ المَوْتِ واسْتِحْضارَهُ مِمّا يُزِيلُ الهُمُومَ والأشْجانَ الدُّنْيَوِيَّةَ.

وفِي الخَبَرِ: «أكْثِرُوا ذِكْرُ هاذِمِ اللَّذّاتِ فَإنَّهُ ما ذُكِرَ في كَثِيرٍ إلّا وقَلَّلَهُ، ولا في قَلِيلٍ إلّا وكَثَّرَهُ» .

وكَذا العِلْمُ بِأنَّ وراءَ هَذِهِ الدّارِ دارًا أُخْرى يَتَمَيَّزُ فِيها المُحْسِنُ عَنِ المُسِيءِ، ويَرى كُلٌّ مِنهُما جَزاءَ عَمَلِهِ، وهَذِهِ القَضِيَّةُ الكُلِّيَّةُ لا يُمْكِنُ إجْراؤُها عَلى عُمُومِها لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ وإذا أُرِيدَ بِالنَّفْسِ الذّاتُ كَثُرَتِ المُسْتَثْنَياتُ جِدًّا، وهَلْ تَدْخُلُ المَلائِكَةُ في هَذا العُمُومِ ؟

قَوْلانِ، والجُمْهُورُ عَلى دُخُولِهِمْ.

فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: ماتَ أهْلُ الأرْضِ فَلَمّا نَزَلَ.

<div class="verse-tafsir"

كُلُّ نَفْسٍۢ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ ١٨٥

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: مُتْنا.

ووُقُوعُ المَوْتِ لِلْأنْفُسِ في هَذِهِ النَّشْأةِ الحَيَوانِيَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ إلّا أنَّ الحُكَماءَ بَنَوْا ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الحَياةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِالرُّطُوبَةِ والحَرارَةِ الغَرِيزِيَّتَيْنِ.

ثُمَّ إنَّ الحَرارَةَ تُؤَثِّرُ في تَحْلِيلِ الرُّطُوبَةِ، فَإذا قَلَّتِ الرُّطُوبَةُ ضَعُفَتِ الحَرارَةُ، ولا تَزالُ هَذِهِ الحالُ مُسْتَمِرَّةً إلى أنْ تَفْنى الرُّطُوبَةُ الأصْلِيَّةُ فَتَنْطَفِئَ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ ويَحْصُلَ المَوْتُ، ومِن هُنا قالُوا: إنَّ الأرْواحَ المُجَرَّدَةَ لا تَمُوتُ ولا يُتَصَوَّرُ مَوْتُها إذْ لا حَرارَةَ هُناكَ ولا رُطُوبَةَ، وقَدْ ناقَشَهُمُ المُسْلِمُونَ في ذَلِكَ والمَدارُ عِنْدَهم عَلى الحَرارَةِ الكافُ ورُطُوبَةُ النُّونِ، ولَعَلَّهم يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَوْتٍ ومَوْتٍ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَقْتُولَ مَيِّتٌ، وعَلى أنَّ النَّفْسَ باقِيَةٌ بَعْدَ البَدَنِ؛ لِأنَّ الذّائِقَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ باقِيًا حالَ حُصُولِ المَذُوقِ فَتَدَبَّرْ.

وقَرَأ اليَزِيدِيُّ: (ذائِقَةً المَوْتَ) بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ المَوْتِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: (ذائِقَةَ المَوْتَ) بِطَرْحِ التَّنْوِينِ مَعَ النَّصْبِ كَما في قَوْلِهِ: فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرًا لِلَّهِ إلّا قَلِيلا وعَلى القِراءاتِ الثَّلاثِ (كُلُّ نَفْسٍ) مُبْتَدَأٌ وجازَ ذَلِكَ وإنْ كانَ نَكِرَةً لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ، و(ذائِقَةُ) الخَبَرُ، وأُنِّثَ عَلى مَعْنى (كُلُّ) لِأنَّ (كُلُّ نَفْسٍ) نُفُوسٌ، ولَوْ ذُكِرَ في غَيْرِ القُرْآنِ عَلى لَفْظِ (كُلُّ) جازَ.

﴿ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ ﴾ أيْ تُعْطَوْنَ أجْزِيَةَ أعْمالِكم وافِيَةً تامَّةً ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيْ وقْتَ قِيامِكم مِنَ القُبُورِ، فالقِيامَةُ مَصْدَرٌ والوَحْدَةُ لِقِيامِهِمْ دَفْعَةً واحِدَةً، وفي لَفْظِ التَّوْفِيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ بَعْضَ أُجُورِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ تَصِلُ إلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النِّيرانِ»، وقِيلَ: النُّكْتَةُ في ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ يَقَعُ الجَزاءُ بِبَعْضِ الأعْمالِ في الدُّنْيا، ولَعَلَّ مَن يُنْكِرُ عَذابَ القَبْرِ تَتَعَيَّنُ عِنْدَهُ هَذِهِ النُّكْتَةُ.

﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ ﴾ أيْ بَعْدَ يَوْمِئِذٍ عَنْ نارِ جَهَنَّمَ، وأصْلُ الزَّحْزَحَةِ تَكْرِيرُ الزَّحِّ، وهو الجَذْبُ بِعَجَلَةٍ، وقَدْ أُرِيدَ هُنا المَعْنى اللّازِمُ ﴿ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ﴾ أيْ سَعِدَ ونَجا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأصْلُ الفَوْزِ الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، وبَعْضُ النّاسِ قَدَّرَ لَهُ هُنا مُتَعَلِّقًا أيْ فازَ بِالنَّجاةِ ونِيلِ المُرادِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ حُذِفَ لِلْعُمُومِ أيْ بِكُلِّ ما يُرِيدُ، وفي الخَبَرِ: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أحَدِكم في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ».

وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ويَأْتِي إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ».

وذِكْرُ دُخُولِ الجَنَّةِ بَعْدَ البُعْدِ عَنِ النّارِ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ البُعْدِ عَنْها دُخُولُ الجَنَّةِ كَما هو ظاهِرٌ.

﴿ وما الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ أيْ لِذاتِها وشَهَواتِها وزِينَتِها ﴿ إلا مَتاعُ الغُرُورِ ﴾ (185) المَتاعُ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ بِهِ مِمّا يُباعُ ويَشْتَرى، وقَدْ شَبَّهَها سُبْحانَهُ بِذَلِكَ المَتاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلى المُسْتامِ ويُغَيِّرُ حَتّى يَشْتَرِيَهُ إشارَةً إلى غايَةِ رَداءَتِها عِنْدَ مَن أمْعَنَ النَّظَرَ فِيها: إذا امْتَحَنَ الدُّنْيا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ ∗∗∗ لَهُ عَنْ عَدُوٍّ في ثِيابِ صَدِيقِ وعَنْ قَتادَةَ: هي مَتاعٌ مَتْرُوكٌ أوْشَكَتْ واللَّهِ أنْ تَضْمَحِلَّ عَنْ أهْلِها، فَخُذُوا مِن هَذا المَتاعِ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى إنِ اسْتَطَعْتُمْ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: هي لَيِّنٌ مَسُّها، قاتِلٌ سُمُّها.

وقِيلَ: الدُّنْيا ظاهِرُها مَظِنَّةُ السُّرُورِ، وباطِنُها مَطِيَّةُ الشُّرُورِ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ بِالنِّسْبَةِ لِمَن آثَرَها عَلى الآخِرَةِ، وأمّا مَن طَلَبَ بِها الآخِرَةَ فَهي لَهُ مَتاعُ بِلاغٍ.

وفِي الخَبَرِ: «" نِعْمَ المالُ الصّالِحُ لِلرَّجُلِ الصّالِحِ».

والغُرُورُ مَصْدَرٌ أوْ جَمْعُ غارٍ.

<div class="verse-tafsir"

۞ لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًۭى كَثِيرًۭا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ١٨٦

﴿ لَتُبْلَوُنَّ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لَتُخْتَبَرُنَّ، والمُرادُ لَتُعامَلُنَّ مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ لِيَظْهَرَ ما عِنْدَكم مِنَ الثَّباتِ عَلى الحَقِّ والأفْعالِ الحَسَنَةِ، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الِابْتِلاءِ عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّهُ مُحالٌ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ كَما مَرَّ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ لَهم مَعَهُ  ، وإنَّما أخْبَرَهم سُبْحانَهُ بِما سَيَقَعُ لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى احْتِمالِهِ عِنْدَ وُقُوعِهِ، ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ ويُقابِلُوهُ بِحُسْنِ الصَّبْرِ والثَّباتِ، فَإنَّ هُجُومَ البَلاءِ مِمّا يَزِيدُ في اللَّأْواءِ والِاسْتِعْدادِ لِلْكَرْبِ مِمّا يُهَوِّنُ الخَطْبَ، ولِتَحْقِيقِ مَعْنى الِابْتِلاءِ لِهَذا التَّهْوِينِ أتى بِالتَّأْكِيدِ، وقَدْ يُقالُ: أتى بِهِ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ المُبْتَلى بِهِ مُبالَغَةً في الحَثِّ عَلى ما أُرِيدَ مِنهم مِنَ التَّهَيُّؤِ والِاسْتِعْدادِ، وعَلى أيِّ وجْهٍ، فالجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى عَمّا سَيَلْقَوْنَهُ مِن جِهَةِ أعْدائِهِ سُبْحانَهُ إثْرَ تَسْلِيَتِهِمْ عَمّا وقَعَ مِنهم، وقِيلَ: إنَّما سِيقَتْ لِبَيانِ أنَّ الدُّنْيا دارُ مِحْنَةٍ وابْتِلاءٍ، وأنَّها إنَّما زُوِيَتْ عَنِ المُؤْمِنِينَ لِيَصْبِرُوا فَيُؤْجَرُوا إثْرَ بَيانِ أنَّها (مَتاعُ الغُرُورِ)، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى كَما لا يَخْفى، والواوُ المَضْمُومَةُ ضَمِيرُ الرَّفْعِ، ولامُ الكَلِمَةِ مَحْذُوفَةٌ لِعِلَّةٍ تَصْرِيفِيَّةٍ، وإنَّما حُرِّكَتْ هَذِهِ الواوُ دَفْعًا لِلثِّقَلِ الحاصِلِ مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وكانَ ذَلِكَ بِالضَّمِّ لِيَدُلَّ عَلى المَحْذُوفِ في الجُمْلَةِ، ولَمْ تُقْلَبِ الواوُ ألِفًا مَعَ تَرْكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها لِعُرُوضِ ذَلِكَ ﴿ فِي أمْوالِكُمْ ﴾ بِالفَرائِضِ فِيها والجَوائِحِ، واقْتَصَرَ بَعْضٌ عَلى الثّانِي مُدَّعِيًا أنَّ الأوَّلَ المُمَثَّلَ في كَلامِهِمْ بِالإنْفاقِ المَأْمُورِ بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، والزَّكاةُ لا يَلِيقُ نَظْمُهُ في سِلْكِ الِابْتِلاءِ لِما أنَّهُ مِن بابِ الإضْعافِ لا مِن قَبِيلِ الإتْلافِ، وفِيهِ نَظَرٌ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وعَنِ الحَسَنِ الِاقْتِصارُ عَلى الأوَّلِ، والأوْلى القَوْلُ بِالعُمُومِ (و) في (أنْفُسِكُمْ) بِالقَتْلِ والجِراحِ والأسْرِ والأمْراضِ وفَقْدِ الأقارِبِ وسائِرِ ما يَرِدُ عَلَيْها مِن أصْنافِ المَتاعِبِ والمَخاوِفِ والشَّدائِدِ، وقَدَّمَ الأمْوالَ عَلى الأنْفُسِ لِلتَّرَقِّي إلى الأشْرَفِ، أوْ لِأنَّ الرَّزايا في الأمْوالِ أكْثَرُ مِنَ الرَّزايا في الأنْفُسِ.

﴿ ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إيتائِكُمُ القُرْآنَ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ إمّا لِلْإشْعارِ بِمَدارِ الشِّقاقِ، والإيذانِ بِأنَّ ما يَسْمَعُونَهُ مِنهم مُسْتَنِدٌ عَلى زَعْمِهِمْ إلى الكِتابِ، وإمّا لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ صُدُورِ ذَلِكَ المَسْمُوعِ مِنهم، وشِدَّةِ وقْعِهِ عَلى الأسْماعِ حَيْثُ إنَّهُ كَلامٌ صَدَرَ مِمَّنْ لا يُتَوَقَّعُ صُدُورُهُ مِنهُ لِوُجُودِ زاجِرٍ عَنْهُ مَعَهُ، وهو إيتاؤُهُ الكِتابَ كَما قِيلَ، والتَّصْرِيحُ بِالقَبْلِيَّةِ إمّا لِتَأْكِيدِ الإشْعارِ وتَقْوِيَةِ المَدارِ، وإمّا لِلْمُبالَغَةِ في أمْرِ الزّاجِرِ عَنْ صُدُورِ ذَلِكَ المَسْمُوعِ مِن أُولَئِكَ المُسْمِعِينَ.

﴿ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ وهم كُفّارُ العَرَبِ ﴿ أذًى كَثِيرًا ﴾ كالطَّعْنِ في الدِّينِ وتَخْطِئَةِ مَن آمَنَ والِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّشْبِيبِ بِنِساءِ المُؤْمِنِينَ.

﴿ وإنْ تَصْبِرُوا ﴾ عَلى تِلْكَ الشَّدائِدِ عِنْدَ وُرُودِها ﴿ وتَتَّقُوا ﴾ أيْ تَتَمَسَّكُوا بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ والتَّبَتُّلِ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ والإعْراضِ عَمّا سِواهُ بِالمَرَّةِ بِحَيْثُ يَسْتَوِي عِنْدَكم وُصُولُ المَحْبُوبِ ولِقاءُ المَكْرُوهِ ﴿ فَإنَّ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ ضِمْنًا مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ إمّا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَذْكُورٍ صَرِيحًا عَلى ما قِيلَ، أوْ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَةِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِما.

وتَوْحِيدُ حَرْفِ الخِطابِ إمّا بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ اعْتِناءً بِشَأْنِ المُخاطَبِ بِهِ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالخِطابِ مُجَرَّدُ التَّنْبِيهِ مِن غَيْرِ خُصُوصِيَّةِ أحْوالِ المُخاطَبِينَ.

﴿ مِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ (186) أيِ الأُمُورُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يَعْزِمَها كُلُّ أحَدٍ لِما فِيهِ مِن كَمالِ المَزِيَّةِ والشَّرَفِ والعِزِّ، أوْ مِمّا عَزَمَهُ اللَّهُ تَعالى وأوْجَبَهُ عَلى عِبادِهِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فالعَزْمُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَعْزُومِ وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: عَزَمْتُ الأمْرَ - كَما نَقَلَهَ الرّاغِبُ - والأشْهَرُ: عَزَمْتُ عَلى الأمْرِ، ودَعْوى أنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ سِواهُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ كَدَعْوى عَدَمِ صِحَّةِ نِسْبَةِ العَزْمِ إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَوْطِينُ النَّفْسِ وعَقْدُ القَلْبِ عَلى ما يُرى فِعْلُهُ وهو مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى، ومِمّا يُؤَيِّدُ صِحَّةُ النِّسْبَةِ أنَّهُ قُرِئَ: (فَإذا عَزَمْتُ) بِضَمِّ التّاءِ وهو حِينَئِذٍ بِمَعْنى الإرادَةِ والإيجابِ، ومِنهُ قَوْلُ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «نُهِينا عَنِ اتِّباعِ الجَنائِزِ، ولَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنا»، وما في حَدِيثٍ آخَرَ يُرَغِّبُنا في قِيامِ رَمَضانَ مِن غَيْرِ عَزِيمَةٍ.

وقَوْلُهم: عَزَماتُ اللَّهِ تَعالى - كَما نَقَلَهُ الأزْهَرِيُّ - ومِن هَذا البابِ قَوْلُ الفُقَهاءِ: تَرْكُ الصَّلاةِ زَمَنَ الحَيْضِ عَزِيمَةٌ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِجَوابٍ واقِعٍ مَوْقِعَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: (وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ) أوْ فَقَدْ أحْسَنْتُمْ، أوْ نَحْوُهُما ﴿ فَإنَّ ذَلِكَ ﴾ إلَخْ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى صَبْرِ المُخاطَبِينَ وتَقْواهم، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الجُمْلَةُ بِنَفْسِها جَوابَ الشَّرْطِ، وفي إبْرازِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى في صُورَةِ الشَّرْطِيَّةِ مِن إظْهارِ كَمالِ اللُّطْفِ بِالعِبادِ ما لا يَخْفى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ كانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ القِتالِ، وبِنُزُولِها نُسِخَ ذَلِكَ، وصُحِّحَ عَدَمُ النَّسْخِ وأنَّ الأمْرَ بِما ذُكِرَ كانَ مِن بابِ المُداراةِ الَّتِي لا تُنافِي الأمْرَ بِالقِتالِ، وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلٍ ما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.

وأخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ أخْبَرَهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  رَكِبَ عَلى حِمارٍ عَلى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وأرْدَفَ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ وسارَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ في بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ قَبْلَ وقْعَةِ بَدْرٍ حَتّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ، فَإذا في المَجْلِسِ أخْلاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأوْثانِ واليَهُودِ، وفي المَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، فَلَمّا غَشّى المَجْلِسَ عَجاجَةُ الدّابَّةِ خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أنْفَهُ بِرِدائِهِ ثُمَّ قالَ: لا تُغَبِّرُوا عَلَيْنا، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ وقَفَ فَنَزَلَ ودَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أيُّها المَرْءُ إنَّهُ لا أحْسَنُ مِمّا تَقُولُ إنْ كانَ حَقًّا فَلا تُؤْذِنا بِهِ في مَجالِسِنا، ارْجِعْ إلى رَحْلِكَ فَمَن جاءَكَ فاقْصُصْ عَلَيْهِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ فاغْشَنا بِهِ في مَجالِسِنا فَإنّا نُحِبُّ ذَلِكَ، واسْتَبَّ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ حَتّى كادُوا يَتَساوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُخَفِّضُهم حَتّى سَكَنُوا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دابَّتَهُ فَسارَ حَتّى دَخَلَ عَلى سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ فَقالَ لَهُ: يا سَعْدُ ألَمْ تَسْمَعْ ما قالَ أبُو حُبابٍ - يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ - قالَ: كَذا وكَذا ؟

فَقالَ سَعْدٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ اعْفُ عَنْهُ واصْفَحْ، فَوالَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ لَقَدْ جاءَ اللَّهُ تَعالى بِالحَقِّ الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْكَ، وقَدِ اصْطَلَحَ أهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ عَلى أنْ يُتَوِّجُوهُ ويَعْصِبُوهُ بِالعِصابَةِ، فَلَمّا رَدَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِالحَقِّ الَّذِي أعْطاكَهُ شَرِقَ فَغَصَّ بِذَلِكَ، فَعَفا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ» .

ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّ كانَ شاعِرًا وكانَ يَهْجُو النَّبِيَّ  ويُحَرِّضُ عَلَيْهِ كُفّارَ قُرَيْشٍ في شِعْرِهِ، وكانَ النَّبِيُّ  قَدِمَ المَدِينَةَ وأهْلُها أخْلاطٌ، مِنهُمُ المُسْلِمُونَ ومِنهُمُ المُشْرِكُونَ ومِنهُمُ اليَهُودُ، فَأرادَ النَّبِيُّ  أنْ يَسْتَصْلِحَهم كُلَّهم، فَكانَ المُشْرِكُونَ واليَهُودُ يُؤْذُونَهُ ويُؤْذُونَ أصْحابَهُ أشَدَّ الأذى، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ  بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ، وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ ولَتَسْمَعُنَّ ﴾ الآيَةَ.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الزَّهْرِيِّ «أنَّ كَعْبًا هَذا كانَ يَهْجُو النَّبِيَّ  ويُشَبِّبُ بِنِساءِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ  : " مَن لِي بِابْنِ الأشْرَفِ ؟

فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَخَرَجَ هو ورَضِيعُهُ أبُو نائِلَةَ مَعَ جَماعَةٍ فَقَتَلُوهُ غِيلَةً، وأتَوْا بِرَأْسِهِ إلى النَّبِيِّ  آخِرَ اللَّيْلِ وهو قائِمٌ يُصَلِّي» .

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ١٨٧

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ بَعْضَ أذِيّاتِ أهْلِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ والمُرادُ بِهِمْ إمّا أحْبارُ اليَهُودِ خاصَّةً - وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ - وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، وإمّا ما يَشْمَلُهم وأحْبارَ النَّصارى - وهو المَرْوِيُّ عَنْهُ مِن طَرِيقِ عَلْقَمَةَ - وإنَّما ذُكِرُوا بِعُنْوانِ إيتاءِ الكِتابِ مُبالَغَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ، وقِيلَ: رَمْزًا إلى أنْ أخْذَ المِيثاقِ كانَ في كِتابِهِمُ الَّذِي أُوتُوهُ.

ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّ أصْحابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَءُونَ: وإذْ أخَذَ رَبَّكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِيثاقَهم.

﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ﴾ جَوابُ مِيثاقٍ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى القَسَمِ، والضَّمِيرُ لِلْكِتابِ أيْ بِاللَّهِ لَتُظْهِرُنَّ جَمِيعَ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والأخْبارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو المَقْصُودُ بِالحِكايَةِ، وظاهِرُ كَلامِ السُّدِّيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِمُحَمَّدٍ  وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ: لَيُبَيِّنُنَّهُ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَدْ قَرَّرَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ أنَّكَ إذا أخْبَرْتَ عَنْ يَمِينِ حُلِفَ بِها فَلَكَ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحُدُها: أنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الغائِبِ كَأنَّكَ تُخْبِرُ عَنْ شَيْءٍ كَأنْ تَقُولَ: اسْتَحْلَفْتُهُ لَيَقُومَنَّ.

الثّانِي: أنْ تَأْتِيَ بِلَفْظِ الحاضِرِ تُرِيدُ اللَّفْظَ الَّذِي قِيلَ لَهُ فَتَقُولُ: اسْتَحْلَفْتُهُ لَتَقُومَنَّ كَأنَّكَ قُلْتَ: قُلْتُ لَهُ: لَتَقُومَنَّ.

الثّالِثُ: أنْ تَأْتِيَ بِلَفْظِ المُتَكَلِّمِ فَتَقُولَ: اسْتَحْلَفْتُهُ لَأقُومَنَّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ﴾ بِالنُّونِ والياءِ والتّاءِ، ولَوْ كانَ تَقاسَمُوا أمْرًا لَمْ يَجِئْ فِيهِ الياءُ التَّحْتِيَّةُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِغائِبٍ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

﴿ ولا تَكْتُمُونَهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ، وإنَّما لَمْ يُؤَكَّدْ بِالنُّونِ لِكَوْنِهِ مَنفِيًّا، وقالَ أبُو البَقاءِ: اكْتِفاءً بِالتَّوْكِيدِ في الفِعْلِ الأوَّلِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إمّا عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ بَعْدَ الواوِ، أيْ وأنْتُمْ لا تَكْتُمُونَهُ، وإمّا عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ دُخُولَ الواوِ عَلى المُضارِعِ المَنفِيِّ عِنْدَ وُقُوعِهِ حالًا أيْ لَتُظْهِرُنَّهُ غَيْرَ كاتِمِينَ، والنَّهْيُ عَنِ الكِتْمانِ بَعْدَ الأمْرِ بِالبَيانِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ المَأْمُورِ بِهِ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ - أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالبَيانِ المَأْمُورِ بِهِ ذِكْرُ الآياتِ النّاطِقَةِ بِنُبُوَّتِهِ  ، وبِالكِتْمانِ المَنهِيِّ عَنْهُ إلْغاءُ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ والشُّبَهاتِ الباطِلَةِ كَما قِيلَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ يُفَسِّرُ ﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ ﴾ بِقَوْلِهِ لَتَتَكَلَّمَنَّ بِالحَقِّ ولَتَصْدُقَنَّهُ بِالعَمَلِ، وأمْرُ النَّهْيِ بَعْدَ الأمْرِ عَلى هَذا ظاهِرٌ أيْضًا، ولَعَلَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أفْيَدُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ومَن مَعَهُ ولا يَكْتُمُونَهُ بِالياءِ كَما في سابِقِهِ ﴿ فَنَبَذُوهُ ﴾ أيْ طَرَحُوا ما أُخِذَ مِنهم مِنَ المِيثاقِ ﴿ وراءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ ولَمْ يُراعُوهُ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ أصْلًا، فَإنَّ النَّبْذَ وراءَ الظَّهْرِ تَمْثِيلٌ واسْتِعارَةٌ لِتَرْكِ الِاعْتِدادِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ وعَكْسُهُ جَعْلُ الشَّيْءِ نُصْبَ العَيْنِ ومُقابِلَها.

﴿ واشْتَرَوْا بِهِ ﴾ أيْ بِالكِتابِ الَّذِي أُمِرُوا بِبَيانِهِ ونُهُوا عَنْ كِتْمانِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْعَهْدِ والأوَّلُ أوْلى، والمَعْنى أخَذُوا بَدَلَهُ ﴿ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ مِن حُطامِ الدُّنْيا الفانِيَةِ وأغْراضِها الفاسِدَةِ ﴿ فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ﴾ (187) أيْ بِئْسَ شَيْئًا يَشْتَرُونَهُ ذَلِكَ الثَّمَنُ، فَما نَكِرَةٌ مَنصُوبَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ، وجُمْلَةُ يَشْتَرُونَهُ صِفَتُهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ فاعِلُ بِئْسَ، والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْ بِئْسَ شِراؤُهم هَذا الشِّراءَ لِاسْتِحْقاقِهِمْ بِهِ العَذابَ الألِيمَ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ إظْهارِ العِلْمِ وحُرْمَةِ كِتْمانِ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ لِغَرَضٍ فاسِدٍ مِن تَسْهِيلٍ عَلى الظَّلَمَةِ وتَطْيِيبٍ لِنُفُوسِهِمْ واسْتِجْلابٍ لِمَسارِهِمْ واسْتِجْذابٍ لِمَبارِّهِمْ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي الخَبَرِ: ”«مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ“».

ورَوى الثَّعْلَبِيُّ بِإسْنادِهِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُمارَةَ قالَ: أتَيْتُ الزُّهْرِيَّ بَعْدَ أنْ تَرَكَ الحَدِيثَ فَألْفَيْتُهُ عَلى بابِهِ فَقُلْتُ: إنْ رَأيْتَ أنْ تُحَدِّثَنِي ؟

فَقالَ: أما عَلِمْتَ أنِّي تَرَكْتُ الحَدِيثَ ؟

فَقُلْتُ: إمّا إنْ تُحَدِّثَنِي، وإمّا أنْ أُحَدِّثَكَ، فَقالَ: حَدِّثْنِي، فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ نَجْمٍ الخَرّازِ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَقُولُ: ما أخَذَ اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِ الجَهْلِ أنْ يَتَعَلَّمُوا حَتّى أخَذَ عَلى أهْلِ العِلْمِ أنْ يَعْلَمُوا، قالَ: فَحَدَّثَنِي أرْبَعِينَ حَدِيثًا.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: لَوْلا ما أخَذَ اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِ الكِتابِ ما حَدَّثْتُكم، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الحَسَنِ: لَوْلا المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِ العِلْمِ ما حَدَّثْتُكم بِكَثِيرٍ مِمّا تَسْألُونَ عَنْهُ.

ويُؤَيِّدُ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى قَوْمٍ في المَسْجِدِ وفِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنَّ كَعْبًا يُقْرِئُكُمُ السَّلامَ ويُبَشِّرُكم أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ إلَخْ.

لَيْسَتْ فِيكم، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: وأنْتَ فَأقْرِئْهُ السَّلامَ أنَّها نَزَلَتْ - وهو يَهُودِيٌّ - وأرادَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ كَعْبًا لَمْ يَعْرِفْ ما أشارَتْ إلَيْهِ وإنْ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ.

<div class="verse-tafsir"

لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا۟ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا۟ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا۟ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍۢ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١٨٨

﴿ لا تَحْسَبَنَّ ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ أيْ لا تَظُنَّنَّ.

﴿ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ﴾ أيْ بِما فَعَلُوا، وبِهِ قَرَأ أُبَيٌّ، وقُرِئَ: (بِما آتَوْا) و(بِما أُوتُوا) ورُوِيَ الثّانِي عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

﴿ ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا ﴾ أيْ أنْ يَحْمَدُهُمُ النّاسُ، وقِيلَ: المُسْلِمُونَ، وقِيلَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ بِما لَمْ يَفْعَلُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ: هم أهْلُ الكِتابِ أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الكِتابُ فَحَكَمُوا بِغَيْرِ الحَقِّ وحَرَّفُوا الكَلامَ عَنْ مَواضِعِهِ وفَرِحُوا بِذَلِكَ وأحَبُّوا ﴿ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ﴾ مِنَ الصَّلاةِ والصِّيامِ، وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنْهُ ”«أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَألَهم عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إيّاهُ وأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَخَرَجُوا وقَدْ أرَوْهُ أنْ قَدْ أخْبَرُوهُ بِما سَألَهم عَنْهُ، واسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إلَيْهِ وفَرِحُوا بِما أتَوْا مِن كِتْمانِ ما سَألَهم عَنْهُ“».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهم (يَفْرَحُونَ) بِكِتْمانِهِمْ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّتِي نَطَقَ بِها كُتّابُهم ﴿ ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا ﴾ بِأنَّهم مُتَّبِعُونَ دِينَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ المَذْكُورِينَ سابِقًا الَّذِينَ أخَذَ مِيثاقَكم، وقَدْ وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ، وسِيقَتِ الجُمْلَةُ لِبَيانِ ما يَسْتَتْبِعُ أعْمالَهُمُ المَحْكِيَّةَ مِنَ العَذابِ إثْرَ بَيانِ قَباحَتِها، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّسْلِيَةِ أيْضًا ما لا يَخْفى، وقَدْ أُدْمِجَ فِيها بَيانُ بَعْضٍ آخَرَ مِن شَنائِعِهِمْ وفَضائِحِهِمْ وهو إصْرارُهم عَلى القَبِيحِ وفَرَحُهم بِذَلِكَ ومَحَبَّتُهم لِأنْ يُوصَفُوا بِما لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الأوْصافِ الجَمِيلَةِ، وأخْرَجَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ مَخْرَجَ المَعْلُومِ إيذانًا بِشُهْرَةِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ عِبارَةٌ عَنْ أُناسٍ مُنافِقِينَ وهم طائِفَةٌ مَعْهُودُونَ مِنَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رِجالًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَإذا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ  مِنَ الغَزْوِ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وحَلَفُوا وأحَبُّوا ﴿ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وغَيْرِهِما، وقِيلَ: المُرادُ بِهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ كافَّةً، وقَدْ كانَ أكْثَرُهم مِنَ اليَهُودِ.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ الأنْسَبُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِشُهْرَةِ أنَّهم كانُوا يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِن إظْهارِ الإيمانِ وقُلُوبُهم مُطْمَئِنَّةٌ بِالكُفْرِ، ويَسْتَحْمِدُونَ إلى المُسْلِمِينَ بِالإيمانِ وهم عَنْ فِعْلِهِ بِألْفِ مَنزِلٍ، وكانُوا يُظْهِرُونَ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِينَ وهم في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ العَداوَةِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ وإنْ سُلِّمَ كَوْنُهُ أنْسَبَ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيما نَعْلَمُ مِنَ الآثارِ الصَّحِيحَةِ ما يُؤَيِّدُهُ، ومِن هُنا يُعْلَمُ بَعْدَ القَوْلِ بِأنَّ الأوْلى إجْراءُ المَوْصُولِ عَلى عُمُومِهِ شامِلًا لِكُلِّ مَن يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنَ الحَسَناتِ فَيَفْرَحُ بِهِ فَرَحَ إعْجابٍ، ويَوَدُّ أنْ يَمْدَحَهُ النّاسُ بِما هو عارٍ مِنهُ مِنَ الفَضائِلِ مُنْتَظِمًا لِلْمَعْهُودِينَ انْتِظامًا أوَّلِيًّا عَلى أنَّهُ قَدِ اعْتُرِضَ بِأنَّ انْتِظامَ المَعْهُودِينَ مُطْلَقًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أوَّلِيًّا غَيْرُ مُسَلَّمٍ إلّا إذا عُمِّمَ ما في ﴿ بِما أتَوْا ﴾ بِحَيْثُ يَشْمَلُ الحَسَناتِ الحَقِيقِيَّةَ وغَيْرَها، أمّا إذا خُصَّ بِالحَسَناتِ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ هَذا القَوْلِ فَلا يُسَلَّمُ الِانْتِظامُ لِأنَّ أُولَئِكَ الفَرِحِينَ لَمْ يَأْتُوا بِحَسَنَةٍ في نَفْسِ الأمْرِ لِيَفْرَحُوا بِها فَرَحَ إعْجابٍ كَما لا يَخْفى، ولَعَلَّ الأمْرَ في هَذا سَهْلٌ، نَعَمْ يَزِيدُهُ بُعْدًا ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ مَرْوانَ قالَ لِبَوّابِهِ: اذْهَبْ يا رافِعُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقُلْ: لَئِنْ كانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنّا فَرِحَ بِما أُوتِيَ وأحَبَّ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أجْمَعُونَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما لَكم ولِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ تَلا: ﴿ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الأوْلى إجْراءَ المَوْصُولِ عَلى عُمُومِهِ لَأجْراهُ حَبْرُ الأُمَّةِ وتَرْجُمانُ القُرْآنِ، وأزالَ الإشْكالَ بِتَقْيِيدِ الفَرَحِ بِفَرَحِ الإعْجابِ كَما فَعَلَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَلامِ الحَبْرِ عَلى هَذا عَدَمُ حُرْمَةِ الفَرَحِ فَرَحَ إعْجابٍ، وحُبُّ الحَمْدِ بِما لَمْ يَفْعَلْ بِالمَرَّةِ، بَلْ قُصارى ما يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ كَوْنِ ذَلِكَ مَفادَ الآيَةِ - كَما قِيلَ - وهو لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ كَوْنِهِ مَفادَ شَيْءٍ أصْلًا لِيَكُونَ ذَلِكَ قَوْلًا بِعَدَمِ الحُرْمَةِ، كَيْفَ وكَثِيرٌ مِنَ النُّصُوصِ ناطِقٌ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ حَتّى عَدَّهُ البَعْضُ مِنَ الكَبائِرِ ؟!

فَلْيُفْهَمْ، وأيًّا ما كانَ فالمَوْصُولُ مَفْعُولٌ أوَّلُ - لِتَحْسَبَنَّ - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ ﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ، والعَرِبُ - كَما قالَ الزَّجّاجُ - إذا أطالَتِ القِصَّةَ تُعِيدُ حَسِبْتَ وما أشْبَهَها إعْلامًا بِأنَّ الَّذِي جَرى مُتَّصِلٌ بِالأوَّلِ وتَوْكِيدٌ لَهُ فَتَقُولُ: لا تَظُنَّنَّ زَيْدًا إذا جاءَكَ وكَلَّمَكَ بِكَذا وكَذا فَلا تَظُنَّهُ صادِقًا فَيُفِيدُ لا تَظُنَّنَّ تَوْكِيدًا وتَوْضِيحًا، والفاءُ زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: فَإذا هَلَكْتُ (فَعِنْدَ) ذَلِكَ فاجْزَعِي والمَفْعُولُ الثّانِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ﴾ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِنَجاةٍ مِنهُ عَلى أنَّ المَفازَةَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الفَوْزِ، والتّاءُ لَيْسَتْ لِلْوَحْدَةِ لِبِناءِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ، و(مِنَ العَذابِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ المَفازَةُ اسْمَ مَكانٍ أيِّ مَحَلَّ فَوْزٍ ونَجاةٍ، وأنْ يُسْتَعارَ مِنَ المَفازَةِ لِلْقَفْرِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مِنَ العَذابِ صِفَةً لَهُ؛ لِأنَّ اسْمَ المَكانِ لا يَعْمَلُ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ خاصًّا أيْ مُنْجِيَةٍ ﴿ مِنَ العَذابِ ﴾ وتَقْدِيرُهُ عامًّا - أيْ بِمَفازَةٍ كائِنَةٍ مِنَ العَذابِ - غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ المَفازَةَ لَيْسَتْ مِنَ العَذابِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ تَقْدِيرَهُ خاصًّا مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الأصْلِ تَعَسُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ المُوَحَّدَةِ في الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّ الخِطابَ شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا، وبِياءِ الغَيْبَةِ وفَتْحِ الباءِ فِيهِما عَلى أنَّ الفِعْلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الحُسْبانُ ومَفْعُولاهُ في القِراءَتَيْنِ كَما ذُكِرَ مِن قَبْلُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ وفَتْحِ الباءِ في الفِعْلِ الأوَّلِ، وبِالياءَ وضَمِّ الباءِ في الفِعْلِ الثّانِي عَلى أنَّ فاعِلَ (لا يَحْسَبُنَّ الَّذِينَ) بَعْدَهُ ومَفْعُولاهُ مَحْذُوفانِ يَدُلُّ عَلَيْهِما مَفْعُولا مُؤَكِّدِهِ، وفاعِلَ مُؤَكِّدِهِ ضَمِيرُ المَوْصُولِ ومَفْعُولاهُ ضَمِيرُهم، و(بِمَفازَةٍ) أيْ (لا يَحْسَبُنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا) فَلا (يَحْسَبُنَّ) أنْفُسَهم بِمَفازَةٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ - لِلا يَحْسَبَنَّ - مَحْذُوفًا، والمَفْعُولُ الثّانِي مَذْكُورًا أيْ أعْنِي (بِمَفازَةٍ) أنَّ (لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) أنْفُسَهم فائِزِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: (فَلا يَحْسَبَنَّهُمْ) مُؤَكِّدٌ والفاءُ زائِدَةٌ كَما مَرَّ، وأنْ يَكُونَ كِلا مَفْعُولَيْ (لا يَحْسَبَنَّ) مَذْكُورًا، الأوَّلُ ضَمِيرَهُمُ المُتَّصِلُ بِالفِعْلِ الثّانِي، والثّانِي ﴿ بِمَفازَةٍ ﴾ وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَعْلِ التَّأْكِيدِ هو الفِعْلُ والفاعِلُ فَقَطْ عَلى ما هو الأنْسَبُ، إذْ لَيْسَ المَذْكُورُ سابِقًا سِواهُما، ورُدَّ بِأنَّ فِيهِ اتِّصالَ ضَمِيرِ المَفْعُولِ بِغَيْرِ عامِلِهِ أوْ فاعِلِهِ المُتَّصِلِ بِعامِلِهِ ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ، وإنْ كانَ فِيهِ تَحاشٍ عَنِ الحَذْفِ في هَذا البابِ، وفِيهِ نَظَرٌ إذْ قَدْ صَرَّحَ كَثِيرٌ بِجَوازٍ ذَلِكَ، وقَدْ أفْرَدْتُ هَذِهِ المَسْألَةَ بِالتَّدْوِينِ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الفِعْلُ الأوَّلُ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ كُلِّ حاسِبٍ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ المَوْصُولَ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ مَفْعُولِ الفِعْلِ الثّانِي عَلَيْهِ، والفِعْلُ الثّانِي مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ المَوْصُولِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ لِظُهُورِ تَفَرُّعِ عَدَمِ حُسْبانِهِمْ عَلى عَدَمِ حُسْبانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ عَدَمِ حُسْبانِ كُلِّ حاسِبٍ، ومَفْعُولاهُ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ و ﴿ بِمَفازَةٍ ﴾ .

وتَصْدِيرُ الوَعِيدِ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الحُسْبانِ المَذْكُورِ - عَلى ما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُطْلانِ آرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ وقَطْعِ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَنْجُونَ بِما صَنَعُوا مِن عَذابِ الآخِرَةِ كَما نَجَوْا بِهِ مِنَ المُؤاخَذَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وعَلَيْهِ كانَ مَبْنى فَرَحِهِمْ، وأمّا نَهْيُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّم َفَلِلتَّعْرِيضِ بِحُسْبانِهِمُ المَذْكُورِ لا لِاحْتِمالِ وُقُوعِ الحُسْبانِ مِن جِهَتِهِ  .

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَعْلِيلَ التَّصْدِيرِ بِما ذُكِرَ عَلى تَقْدِيرِ إجْراءِ المَوْصُولِ عَلى عُمُومِهِ عَلى ما مَرَّ غَيْرُ ظاهِرٍ إلّا أنْ يُقالَ بِالتَّغْلِيبِ.

﴿ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ (188) بَيانٌ لِثُبُوتِ فَرْدٍ مِنَ العَذابِ لا غايَةً لَهُ في المُدَّةِ والشَّدَّةِ إثْرَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن عَدَمِ نَجاتِهِمْ مِن مُطْلَقِ العَذابِ، ويُلَوِّحُ بِذَلِكَ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، والتَّنْكِيرُ التَّفْخِيمِيُّ، والوَصْفُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا إشارَةً إلى العَذابِ الأُخْرَوِيِّ، ويُحْمَلُ نَفْيُ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ فِيما تَقَدَّمَ عَلى نَفْيِ العَذابِ العاجِلِ، وهو كَوْنُهم مَذْمُومِينَ مَرْدُودِينَ فِيما بَيْنَ النّاسِ؛ لِأنَّ لِباسَ الزُّورِ لا يَبْقى ويَنْكَشِفُ حالُ صاحِبِهِ ويَفْتَضِحُ.

<div class="verse-tafsir"

وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ١٨٩

﴿ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ حَيْثُ أفادَ أنَّ لِلَّهِ وحْدَهُ السُّلْطانَ القاهِرَ في جَمِيعِ العالَمِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَما يَشاءُ ويَخْتارُ إيجادًا وإعْدامًا، إحْياءً وإماتَةً، تَعْذِيبًا وإثابَةً، ومَن هو كَذَلِكَ فَهو مالِكُ أمْرِهِمْ لا رادَّ لَهُ عَمّا أرادَ بِهِمْ.

﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (189) تَقْرِيرٌ إثْرَ تَقْرِيرٍ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ مَعَ الإشْعارِ بِمَناطِ الحُكْمِ، فَإنَّ شُمُولَ القُدْرَةِ لِجَمِيعِ الأشْياءِ مِن أحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ والرَّمْزِ إلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ بِالتَّقْرِيرِ، وقِيلَ: مَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ مَسُوقٌ لِرَدِّ قَوْلِ اليَهُودِ السّابِقِ ﴿ إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ ﴾ وضُعِّفَ بِالبُعْدِ - ولَوْ قِيلَ -: وفِيهِ رَدٌّ لَهانَ الأمْرُ.

* * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ﴿ ولا يَحْزُنْكَ ﴾ لِتَوَقُّعِ الضَّرَرِ أوْ لِشِدَّةِ الغَيْرَةِ ﴿ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ ﴾ لِحِجابِهِمُ الأصْلِيِّ وظُلْمَتِهِمُ الذّاتِيَّةِ ﴿ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ فَإنَّ ساحَةَ الكِبْرِياءِ مُقَدَّسَةٌ عَنْ هُجُومِ ظِلالِ الضَّلالِ، أوِ المُرادُ لَنْ يَضُرُّوكَ أيُّها المُظْهِرُ الأعْظَمُ إلّا أنَّهُ تَعالى أقامَ نَفْسَهُ تَعالى مَقامَ نَفْسِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى الفَرْقِ والجَمْعِ ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ ﴾ إظْهارًا لِصِفَةِ قَهْرِهِ ﴿ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ لِعِظَمِ حِجابِهِمْ ونَظَرِهِمْ إلى الأغْيارِ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ ﴾ وأخَذُوهُ بِالإيمانِ بَدَلَهُ لِقُبْحِ اسْتِعْدادِهِمْ وسُوءِ اخْتِيارِهِمُ الغَيْرِ المَجْعُولِ ﴿ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ ولَكِنْ يَضُرُّونَ أنْفُسَهم لِحِرْمانِها تَجَلِّي الجَمالِ ﴿ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ لِكَوْنِهِمْ غَدَوْا بِذَلِكَ مَظْهَرَ الجَلالِ.

﴿ ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهُمْ ﴾ ونَزِيدُ في مَدَدِهِمْ ﴿ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ ﴾ يَنْتَفِعُونَ بِهِ في القُرْبِ إلَيْنا ﴿ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ لِازْدِيادِهِمْ حِجابًا عَلى حِجابٍ وبُعْدًا عَلى بُعْدٍ ﴿ ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ لِفَرْطِ بُعْدِهِمْ عَنْ مَنبَعِ العِزِّ.

﴿ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ مِن ظاهِرِ الإسْلامِ وتَصْدِيقِ اللِّسانِ ﴿ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ ﴾ مِن صِفاتِ النَّفْسِ وحُظُوظِ الشَّيْطانِ ودَواعِي الهَوى ﴿ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ وهو صِفاتُ القَلْبِ كالإخْلاصِ واليَقِينِ والمُكاشَفَةِ ومُشاهَدَةِ الرُّوحِ ومُناغاةِ السِّرِّ ومُسامَراتِهِ، وذَلِكَ بِوُقُوعِ الفِتَنِ والمَصائِبِ بَيْنَكم ﴿ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ﴾ أيْ غَيْبِ وُجُودِكم مِنَ الحَقائِقِ الكامِنَةِ فِيكم بِلا واسِطَةِ الرَّسُولِ لِلْبُعْدِ وعَدَمِ المُناسِبَةِ وانْتِفاءِ اسْتِعْدادِ التَّلَقِّي مِنهُ سُبْحانَهُ ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مِن يَشاءُ ﴾ فَيُطْلِعُهُ عَلى ذَلِكَ ويَهْدِيكم إلى ما غابَ عَنْكم مِن كُنُوزِ وجُودِكم وأسْرارِهِ لِلْجِنْسِيَّةِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهُ.

﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ﴾ بِالتَّصْدِيقِ والتَّمَسُّكِ بِالشَّرِيعَةِ لِيُمْكِنُكُمُ التَّلَقِّي مِنهم ﴿ وإنْ تُؤْمِنُوا ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ الإيمانِ الحَقِيقِيِّ الحاصِلِ بِالسُّلُوكِ والمُتابَعَةِ في الطَّرِيقَةِ ﴿ وتَتَّقُوا ﴾ الحُجُبَ والمَوانِعَ ﴿ فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ مِن كَشْفِ الحَقِيقَةِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى غُيُوبًا: غَيْبَ الظّاهِرِ وغَيْبَ الباطِنِ وغَيْبَ الغَيْبِ وسِرَّ الغَيْبِ وغَيْبَ السِّرِّ، فَغَيْبُ الظّاهِرِ هو ما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ، وغَيْبُ الباطِنِ هو غَيْبُ المَقْدُوراتِ المَكْنُونَةِ عَنْ قُلُوبِ الأغْيارِ، وغَيْبُ الغَيْبِ هو سِرُّ الصِّفاتِ في الأفْعالِ، وسِرُّ الغَيْبِ هو نُورُ الذّاتِ في الصِّفَةِ، وغَيْبُ السِّرِّ هو غَيْبُ القِدَمِ وسِرِّ الحَقِيقَةِ والِاطِّلاعِ بِالواسِطَةِ عَلى ما عَدا الأخِيرِ واقِعٌ لِلسّالِكِينَ عَلى حَسَبِ مَراتِبِهِمْ، وأمّا الِاطِّلاعُ عَلى الأخِيرِ فَغَيْرُ واقِعٍ لِأحَدٍ أصْلًا، فَإنَّ الأزَلِيَّةَ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الإدْراكٍ وخاصَّةٌ بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، مِن ذَلِكَ المَعْنى رُؤْيَتُهُ بِنَعْتِ الكَشْفِ لَهُ وابْتِسامِ صَباحِ الأزَلِ في وجْهِهِ لا بَنَعْتِ الإحاطَةِ والإدْراكِ.

﴿ ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ مِنَ المالِ أوِ العِلْمِ أوِ القُدْرَةِ أوِ النَّفْسِ فَلا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ عَلى المُسْتَحِقِّينَ أوِ المُسْتَعِدِّينَ أوِ الأنْبِياءِ والصِّدِّيقِينَ في الذَّبِّ عَنْهم، أوْ في الفَناءِ في اللَّهِ تَعالى ﴿ هُوَ خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ ﴾ لِاحْتِجابِهِمْ بِهِ ﴿ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ ويُلْزَمُونَ وبالَهُ ويَبْقى ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ عِنْدَ هَلاكِهِمْ عَلى ما يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ أنَّ مِن أعْظَمِ أنْواعِ البُخْلِ كَتْمَ الأسْرارِ عَنْ أهْلِها وعَدَمَ إظْهارِ مَواهِبِ اللَّهِ تَعالى عَلى المُرِيدِينَ وإبْقائِهِمْ في مَهامِهِ الطَّرِيقِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِن إرْشادِهِمْ ويُقالُ: إنَّ مَبْنى الطَّرِيقِ عَلى السَّخاءِ، وإنَّ السَّخاءَ بِالمالِ وصْفُ المُرِيدِينَ، والسَّخاءَ بِالنَّفْسِ وصْفُ المُحِبِّينَ، وبِالرُّوحِ وصْفُ العارِفِينَ.

وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: السَّخاءُ بَذْلُ النَّفْسِ والسِّرِّ والرُّوحِ والكُلِّ، ومَن بَخِلَ في طَرِيقِ الحَقِّ بِمالِهِ حُجِبَ وبَقِيَ مَعَهُ، ومَن نَظَرَ إلى الغَيْرِ حُرِمَ فَوائِدَ الحَقِّ وسَواطِعَ أنْوارِ القُرْبِ.

﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ ﴾ وهُمُ اليَهُودُ حَيْثُ سَمِعُوا الِاسْتِقْراضَ ولَمْ يَفْهَمُوا سِرَّهُ فَوَقَعُوا فِيما وقَعُوا وقالُوا ما قالُوا، وهَذا القَوْلَ إنَّما يَجُرُّ إلَيْهِ الطُّغْيانُ وغَلَبَةُ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ واسْتِيلاءُ سُلْطانِ الهَوى عَلى النَّفْسِ الأمّارَةِ، فَتَطْلُبُ حِينَئِذٍ الِارْتِداءَ بِرِداءِ الرُّبُوبِيَّةِ، ومِن هُنا تَقُولُ: (أنا رَبُّكُمُ الأعْلى) أحْيانًا مَعَ حِجابِها وبُعْدِها عَنِ الحَضْرَةِ ﴿ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ ﴾ قِيلَ: إنَّهُ رُوِيَ «أنَّ أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ مُعْجِزَتُهم أنْ يَأْتُوا بِقُرْبانٍ فَيَدْعُوا اللَّهَ تَعالى فَتَأْتِيَ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلَهُ، وتَأْوِيلُهُ أنْ يَأْتُوا بِنُفُوسِهِمْ يَتَقَرَّبُونَ بِها إلى اللَّهِ تَعالى ويُدْعَوْنَ بِالزُّهْدِ والعِبادَةِ فَتَأْتِي نارُ العِشْقِ مِن سَماءِ الرُّوحِ فَتَأْكُلُهُ وتُفْنِيهِ في الوَحْدَةِ، وبَعْدَ ذَلِكَ تَصِحُّ نُبُوَّتُهم وتَظْهَرُ، فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ عَوامُّ بَنِي إسْرائِيلَ اعْتَقَدُوا ظاهِرَهُ المُمْكِنَ في عالَمِ القُدْرَةِ فاقْتَرَحُوا عَلى كُلِّ نَبِيٍّ تِلْكَ الآيَةَ إلى أنَّ جاءَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فاقْتَرَحُوا عَلَيْهِ، ونَقَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لَنا ورَدَّهُ عَلَيْهِمْ»، وأوْلى مِن هَذا في بابِ التَّأْوِيلِ أنَّ يَهُودَ صِفاتِ النَّفْسِ البَهِيمِيَّةِ والشَّيْطانِيَّةِ قالُوا لِرَسُولِ الخاطِرِ الرَّحْمانِيِّ والإلْهامِ الرَّبّانِيِّ لا نَنْقادُ لَكَ ﴿ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ ﴾ هو الدُّنْيا وما فِيها تَجْعَلُها نَسِيكَةً لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَتَأْكُلُها نارُ المَحَبَّةِ ﴿ قُلْ ﴾ يا وارِدَ الحَقِّ ﴿ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي ﴾ أيْ وارِداتُ الحَقِّ ﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ بِالحُجَجِ الباهِرَةِ ﴿ وبِالَّذِي قُلْتُمْ ﴾ وهو جَعْلُ الدُّنْيا وما فِيها قُرْبانًا ﴿ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ ﴾ أيْ غَلَبْتُمُوهم ومَحَوْتُمُوهم حَتّى لَمْ تُبْقُوا أثَرًا لِتِلْكَ الوارِداتِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في أنَّكم تُؤْمِنُونَ لِمَن يَأْتِيكم بِذَلِكَ.

﴿ فَإنْ كَذَّبُوكَ ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ الأعْظَمِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ ﴾ لِلْعَوامِّ ﴿ والزُّبُرِ ﴾ لِلْمُتَوَسِّطِينَ ﴿ والكِتابِ المُنِيرِ ﴾ لِلْخَواصِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ إشارَةً إلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ، والثّانِي إلى تَوْحِيدِ الصِّفاتِ، والثّالِثُ إلى تَوْحِيدِ الذّاتِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ولِهَذا أتى بِالكِتابِ مُفْرَدًا ووَصَفَهُ بِالمُنِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْوارِدِ الرَّحْمانِيِّ والرُّسُلِ إشارَةً إلى الوارِداتِ المُخْتَلِفَةِ المُتَنَوِّعَةِ.

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ حُكْمٌ شامِلٌ لِجَمِيعِ الأنْفُسِ مُجَرَّدَةً كانَتْ أوْ بَسِيطَةً بِحَمْلِ المَوْتِ عَلى ما يَشْمَلُ المَوْتَ الطَّبِيعِيَّ والفَناءَ في اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ثُمَّ ﴿ تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ ﴾ عَلى اخْتِلافِها يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ ﴾ أيْ نارِ الحِجابِ أوْ ما يَعُمُّها والنّارَ المَعْرُوفَةَ ﴿ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ ﴾ المُتَنَوِّعَةَ إلى ما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، أوِ الجَنَّةَ بِالمَعْنى الأعَمِّ ﴿ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ ولَذّاتُها الفانِيَةُ ﴿ إلا مَتاعُ الغُرُورِ ﴾ لِأنَّها الحِجابُ الأعْظَمُ لِمَن نَظَرَ إلَيْها مِن حَيْثُ هي ﴿ لَتُبْلَوُنَّ ﴾ لَتُخْتَبَرُنَّ في أمْوالِكم بِإيجابِ إنْفاقِها مَعَ مَيْلِكم إلَيْها، وأنْفُسِكم بِتَعْرِيضِها لِما يَكادُ يَجُرُّ إلى إتْلافِها مَعَ حُبِّكم لَها.

وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أظْهَرَ النَّفْسَ وزَيَّنَها بِكِسْوَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ومَلَأها بِاللُّطْفِ والقَهْرِ وكَساها زِينَةَ المُلْكِ مِنَ الأمْوالِ ابْتِلاءً وامْتِحانًا، فَمَن نَظَرَ إلى نَفْسِهِ بِعَيْنِ زِينَةِ الرُّبُوبِيَّةِ فَنِيَتْ نَفْسُهُ فِيها ونَطَقَ لِسانُ الرُّبُوبِيَّةِ مِنهُ وصارَ كَشَجَرَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ نَطَقَ الحَقُّ مِنها، وذَلِكَ مِثْلُ الحَلّاجِ القائِلِ: أنا الحَقُّ، ومَن نَظَرَ إلى زِينَةِ الأمْوالِ الَّتِي هي زِينَةُ المُلْكِ صارَ حالُهُ كَحالِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ كانَ يَنْظُرُ إلى عِظَمِ جَلالِ المَوْلى مِن خِلالِ تِلْكَ الزِّينَةِ، ومَن نَظَرَ إلى نَفْسِهِ مِن حَيْثُ إنَّها نَفْسُهُ واغْتَرَّ بِالسَّرابِ ولَمْ يُحَقِّقْ بِالذَّوْقِ ما عِنْدَهُ صارَ حالُهُ كَحالِ فِرْعَوْنَ إذْ نادى ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ ، ومَن نَظَرَ إلى خُضْرَةِ الدُّنْيا وحَسا كَأْسَ شَهَواتِها وسَكِرَ بِها صارَ كَبِلْعامَ ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾ وهَذا وجْهُ الِابْتِلاءِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ، وأيُّ ابْتِلاءٍ أعْظَمُ مِن رُؤْيَةِ المَلِكِ ورُؤْيَةِ الرُّبُوبِيَّةِ في الكَوْنِ الَّذِي هو مَحَلُّ الِالتِباسِ ﴿ ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ ﴾ وهم أهْلُ مَقامِ الجَمْعِ ﴿ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ وهم أهْلُ الكَثْرَةِ ﴿ أذًى كَثِيرًا ﴾ لِنُطْقِهِمْ بِما يُخالِفُ مَشْرَبَكم والخِطابُ لِلْمُتَوَسِّطِينَ مِنَ السّالِكِينَ، فَإنَّهم يُنْكِرُونَ عَلى أهْلِ مَقامِ الجَمْعِ وعَلى أهْلِ الكَثْرَةِ جَمِيعًا ما دامُوا غَيْرَ واصِلِينَ إلى تَوْحِيدِ الذّاتِ وغَيْرِ كارِعِينَ مِن بِحارِ الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ ﴿ وإنْ تَصْبِرُوا ﴾ عَلى مُجاهَدَةِ أنْفُسِكم ﴿ وتَتَّقُوا ﴾ النَّظَرَ إلى الأغْيارِ ﴿ فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ أيْ مِنَ الأُمُورِ المَطْلُوبَةِ الَّتِي تَجُرُّ إلى المَقْصُودِ والفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ.

﴿ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ ﴾ الظّاهِرُ هُنا عَدَمُ صِحَّةِ إرادَةِ المَعْنى الَّذِي أُرِيدَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكُتّابَ آنِفًا، ومَن حَمَلَهُ عَلَيْهِ تَكَلَّفَ جِدًّا، فَلَعَلَّهُ باقٍ عَلى ظاهِرِهِ، أوْ أنَّهُ إشارَةٌ إلى العُلَماءِ مُطْلَقًا وضَمِيرُ ﴿ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ إلَخْ راجِعٌ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ البَعْضِ فَتَدَبَّرْ.

﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ﴾ أيْ يَعْجَبُونَ بِما فَعَلُوا مِن طاعَةٍ ويُحْجَبُونَ بِرُؤْيَتِهِ ﴿ ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا ﴾ أيْ يَحْمَدُهُمُ النّاسُ فَهم مَحْجُوبُونَ بِغَرَضِ الحَمْدِ والثَّناءِ مِنَ النّاسِ، أوْ أنْ يَكُونُوا مَحْمُودِينَ عِنْدَ اللَّهِ ﴿ بِما لَمْ يَفْعَلُوا ﴾ بَلْ فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أيْدِيهِمْ إذْ لا فِعْلَ حَقِيقَةً إلّا لِلَّهِ تَعالى ﴿ فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ وهو عَذابُ الحِرْمانِ والحِجابِ.

﴿ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِما شَيْءٌ وهو المُتَصَرِّفُ فِيهِما وفِيما اشْتَمَلَتا عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَعْجَبُ مِن ظَهَرَ عَلى يَدِهِ فِعْلٌ بِما ظَهَرَ ﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ لا يَقْدِرُ سِواهُ عَلى فِعْلٍ ما حَتّى يُحْجَبَ بِرُؤْيَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ١٩٠

﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ وإقامَةُ دَلِيلٍ عَلَيْهِ ولِذا لَمْ يَعْطِفْ، وأتى بِكَلِمَةِ إنَّ اعْتِناءً بِتَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ أيْ: إنَّ في إيجادِهِما وإنْشائِهِما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ العَجائِبِ والبَدائِعِ ﴿ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ أيْ تَعاقُبُها ومَجِيءُ كُلٍّ مِنهُما خَلْفَ الآخَرِ بِحَسَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها التّابِعِينَ لِسِباحَتِها في بَحْرِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ حَسَبَ إرادَتِهِ، وخَبَرُ الخَرَزَتَيْنِ خارِجٌ عَنْ سِلْكِ القَبُولِ وبِفَرْضِ نَظْمِهِ فِيهِ مُؤَوَّلٌ، وثُقْبُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ، وكَوْنُ ذَلِكَ تابِعًا لِحَرَكَةِ السَّمَواتِ وسُكُونِ الأرْضِ - كَما قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ - مُخالِفٌ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ مِنَ المُحَدِّثِينَ وغَيْرِهِمْ مِن سُكُونِ السَّمَواتِ وتَحَرُّكِ النُّجُومِ أنْفُسِها بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى العَلِيمِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ هو مَذْهَبُ الحُكَماءِ المَشْهُورُ بَيْنَ النّاسِ، وقَدْ ذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - ما يُخالِفُهُ أيْضًا حَيْثُ قالَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ هَذِهِ السَّمَواتِ ساكِنَةً وخَلَقَ فِيها نُجُومًا تَسْبَحُ بِها وجَعَلَ لَها في سِباحَتِها حَرَكاتٍ مُقَدَّرَةً لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ، وجَعَلَها تَسِيرُ في جِرْمِ السَّماءِ الَّذِي هو مِساحَتُها فَتَخْرُقُ الهَواءَ المُماسَّ لَها فَيَحْدُثُ بِسَيْرِها أصْواتٌ ونَغَماتٌ مُطْرِبَةٌ لِكَوْنِ سَيْرِها عَلى وزْنٍ مَعْلُومٍ فَتِلْكَ نَغَماتُ الأفْلاكِ الحادِثَةِ مِن قَطْعِ الكَواكِبِ المَسافاتِ السَّماوِيَّةَ، وجَعَلَ أصْحابُ عِلْمِ الهَيْئَةِ لِلْأفْلاكِ تَرْتِيبًا مُمْكِنًا في حُكْمِ العَقْلِ، وجَعَلُوا الكَواكِبَ في الأفْلاكِ كالشّاماتِ عَلى سَطْحِ الجِسْمِ، وكُلُّ ما قالُوهُ يُعْطِيهِ مِيزانَ حَرَكاتِها، وإنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كَما ذَكَرُوهُ لَكانَ السَّيْرُ السَّيْرَ بِعَيْنِهِ، ولِذَلِكَ يُصِيبُونَ في عِلْمِ الكُسُوفاتِ ونَحْوِهِ، وقالُوا: إنَّ السَّمَواتِ كالأُكُرِ وأنَّ الأرْضَ في جَوْفِها، وذَلِكَ كُلُّهُ تَرْتِيبٌ وضْعِيٌّ يَجُوزُ في الإمْكانِ غَيْرُهُ وهم مُصِيبُونَ في الأوْزانِ مُخْطِئُونَ في أنَّ الأمْرَ كَما رَتَّبُوهُ، فَلَيْسَ الأمْرُ إلّا عَلى ما ذَكَرْناهُ شُهُودًا انْتَهى.

ويُؤَيِّدُ دَعْوى أنَّهُ يَجُوزُ في الإمْكانِ غَيْرُهُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أصْحابُ الزِّيجِ الجَدِيدِ مِن أنَّ الشَّمْسَ ساكِنَةٌ لا تَتَحَرَّكُ أصْلًا وأنَّها مَرْكَزُ العالَمِ، وأنَّ الأرْضَ وكَذا سائِرُ السَّيّاراتِ والثَّوابِتِ تَتَحَرَّكُ عَلَيْها، وأقامُوا عَلى ذَلِكَ الأدِلَّةَ والبَراهِينَ بِزَعْمِهِمْ، وبَنَوْا عَلَيْهِ الكُسُوفَ والخُسُوفَ ونَحْوَهُما، ولَمْ يَتَخَلَّفْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا قَطْعَ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ أصْحابُ الهَيْئَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ تَفاوُتُهُما بِازْدِيادِ كُلٍّ مِنهُما بِانْتِقاصِ الآخَرِ وانْتِقاصِهِ بِازْدِيادِهِ بِاخْتِلافِ حالِ الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا قُرْبًا وبُعْدًا بِحَسَبِ الأزْمِنَةِ، أوْ في اخْتِلافِهِما وتَفاوُتِهِما بِحَسَبِ الأمْكِنَةِ إمّا في الطُّولِ والقِصَرِ، فَإنَّ البِلادَ القَرِيبَةَ مِن قُطْبِ الشَّمالِ أيّامُها الصَّيْفِيَّةُ أطْوَلُ ولِيالِيها الصَّيْفِيَّةُ أقْصَرُ مِن أيّامِ البِلادِ البَعِيدَةِ مِنهُ ولَيالِيها، وإمّا في أنْفُسِهِما فَإنَّ كُرَيَّةَ الأرْضِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَعْضُ الأوْقاتِ في بَعْضِ الأماكِنِ لَيْلًا وفي مُقابِلِهِ نَهارًا، وفي بَعْضِها صَباحًا، وفي بَعْضِها ظُهْرًا أوْ عَصْرًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وهَذا مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ أيْضًا - ولَيْسَ بِالبَعِيدِ - بَلِ اخْتِلافُ الأوْقاتِ في الأماكِنِ مُشاهَدٌ مَحْسُوسٌ لا يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنانِ إلّا أنَّ في كُرَيَّةِ الأرْضَ اخْتِلافًا، فَقَدْ ذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنْ خَلَقَ الفَلَكَ المُكَوْكَبَ في جَوْفِ الفَلَكِ الأطْلَسِ خَلَقَ الأرْضَ سَبْعَ طَبَقاتٍ، وجَعَلَ كُلَّ أرْضٍ أصْغَرَ مِنَ الأُخْرى لِيَكُونَ عَلى كُلِّ أرْضٍ قُبَّةُ سَماءٍ، فَلَمّا تَمَّ خَلْقُها وقُدِّرَ فِيها أقْواتُها واكْتَسى الهَواءُ صُورَةَ البُخارِ الَّذِي هو الدُّخانُ فَتَقَ ذَلِكَ الدُّخانُ سَبْعَ سَمَواتٍ طِباقًا وأجْسامًا شَفّافَةً، وجَعَلَها عَلى الأرَضِينَ كالقِبابِ عَلى كُلِّ أرْضٍ سَماءٌ أطْرافُها عَلَيْها نِصْفُ كُرَةٍ، وكُرَةُ الأرْضِ لَها كالبِساطِ فَهي مَدْحِيَّةٌ دَحاها مِن أجْلِ السَّماءِ أنْ تَكُونَ عَلَيْها، وجَعَلَ في كُلِّ سَماءٍ مِن هَذِهِ واحِدَةً مِنَ الجَوارِي عَلى التَّرْتِيبِ المَعْرُوفِ انْتَهى، والقَلْبُ يَمِيلُ إلى الكُرَيَّةِ، واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أمْرٌ شُهُودِيٌّ وفِيهِ المُوافِقُ والمُخالِفُ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ مُعْظَمُ المُحَدِّثِينَ، وأكْثَرُ عُلَماءِ الدِّينِ.

والَّذِي قَطَعَ بِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المَرْفُوعَةِ ما يُفَصِّلُ أمْرَ السَّمَواتِ والأرْضِ أتَمَّ تَفْصِيلٍ، إذْ لَيْسَتِ المَسْألَةُ مِنَ المُهِمّاتِ في نَظَرِ الشّارِعِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُهِمُّ في نَظَرِهِ مِنها واضِحٌ لا مِرْيَةَ فِيهِ، وسُبْحانَ مَن لا يَتَعاصى قُدْرَتَهُ شَيْءٌ، واللَّيْلُ واحِدٌ بِمَعْنى جَمْعٍ وواحِدُهُ لَيْلَةٌ مِثْلُ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، وقَدْ جُمِعَ عَلى لَيالٍ فَزادُوا فِيها الياءَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ ونَظِيرُهُ أهْلٍ وأهالٍ، ويُقالُ: كانَ الأصْلُ فِيها لَيْلاةً فَحُذِفَتْ لِأنَّ تَصْغِيرَها لُيَيْلِيَةٌ كَذا في الصِّحاحِ، وصَحَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ مُفْرَدٌ ولا يُحْفَظُ لَهُ جَمْعٌ، وأنَّ القَوْلَ بِأنَّهُ جَمْعٌ واللَّيالِي جَمْعُ جَمْعٍ غَيْرُ مَرْضِيٍّ فافْهَمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في اللَّيْلِ والنَّهارِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي.

﴿ لآياتٍ ﴾ أيْ دَلالاتٍ عَلى وحْدَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وهو اسْمُ إنَّ وقَدْ دَخَلَهُ اللّامُ لِتَأخُّرِهِ عَنْ خَبَرِها، والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا أيْ آياتٍ كَثِيرَةٍ عَظِيمَةٍ، وجَمْعُ القِلَّةِ هُنا قائِمٌ مَقامَ جَمْعِ الكَثْرَةِ، قِيلَ: وفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى أنَّ الآياتِ الظّاهِرَةَ وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً في نَفْسِها إلّا أنَّها قَلِيلَةٌ في جَنْبِ ما خَفِيَ مِنها في خَزائِنِ العِلْمِ ومَكامِنِ الغَيْبِ ولَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ ﴿ لأُولِي الألْبابِ ﴾ أيْ لِأصْحابِ العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الحِسِّ والوَهْمِ، ومِنهُ خَبَرُ: «”إنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَ مِنِّي بَنِي مُدْلِجٍ لِصِلَتِهِمُ الرَّحِمَ وطَعْنِهِمْ في ألْبابِ الإبِلِ»“ أيْ خالِصِ إبِلِهِمْ وكَرائِمِها، ويُقالُ: لَبَّ يَلَبُّ كَعَضَّ يَعَضُّ إذا صارَ لَبِيبًا وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: لَبَّ يَلِبُّ كَفَرَّ يَفِرُّ، ويُقالُ: لَبِبَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ يَلَبُّ بِالفَتْحِ إذا صارَ ذا لُبٍّ، وحُكِيَ لَبُبَ بِالضَّمِّ وهو نادِرٌ لا نَظِيرَ لَهُ في المُضاعَفِ.

ووَجْهُ دَلالَةِ المَذْكُوراتِ عَلى وحْدَتِهِ تَعالى أنَّها تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ لِتَغَيُّرِها المُسْتَلْزِمِ لِحُدُوثِها واسْتِنادِها إلى مُؤَثِّرٍ قَدِيمٍ، ومَتى دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ لَزِمَ مِنهُ الوَحْدَةُ، ووَجْهُ دَلالَتِها عَلى ما بَعْدُ أنَّها في غايَةِ الإتْقانِ ونِهايَةِ الإحْكامِ لِمَن تَأمَّلَ فِيها، وتَفَكَّرَ في ظاهِرِها وخافِيها، وذَلِكَ يَسْتَدْعِي كَمالَ العِلْمِ والقُدْرَةِ كَما لا يَخْفى، ولِلْمُتَكَلِّمِينَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِمِثْلِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ طَرِيقانِ: أحَدُهُما طَرِيقُ التَّغَيُّرِ، والثّانِي طَرِيقُ الإمْكانِ، والأكْثَرُونَ عَلى تَرْجِيحٍ الثّانِي، والبَحْثُ مُفَصَّلٌ في مَوْضِعِهِ.

وإنَّما اقْتَصَرَ سُبْحانَهُ هُنا عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ بَعْدَ ما زادَهُ في البَقَرَةِ لِأنَّ الآياتِ عَلى كَثْرَتِها مُنْحَصِرَةٌ في السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ والمُرَكَّبَةِ مِنهُما، فَأشارَ إلى الأوَّلَيْنِ بِخَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وإلى الثّالِثَةِ بِاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِأنَّهُما مِن دَوَرانِ الشَّمْسِ عَلى الأرْضِ، أوْ لِأنَّهُما بِواسِطَةِ مُفِيضٍ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وهو الجِرْمُ العُلْوِيُّ، وقابِلٌ لِلْإفاضَةِ وهو الجِرْمُ السُّفْلِيُّ القابِلُ لِلظُّلْمَةِ والضِّياءِ قالَهُ بَعْضُهم، وقالَ ناصِرُ الدِّينِ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ مَناطَ الِاسْتِدْلالِ هو التَّغَيُّرُ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ مُتَعَرِّضَةٌ لِجُمْلَةِ أنْواعِهِ فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ في ذاتِ الشَّيْءِ كَتَغَيُّرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، أوْ جُزْئِهِ كَتَغَيُّرِ العَناصِرِ بِتَبَدُّلِ صُوَرِها، أوِ الخارِجِ عَنْهُ كَتَغَيُّرِ الأفْلاكِ بِتَبَدُّلِ أوْضاعِها، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الحُكَماءِ في إثْباتِ الهَيُولِيِّ والصُّورَةِ والأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ، فَلا يُناسِبُ تَخْرِيجَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ ولَعَلَّ الأوْلى مِن هَذا وذاكَ ما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ في عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِما ذُكِرَ في تِلْكَ السُّورَةِ مِن أنَّ المَقْصُودَ هَهُنا بَيانُ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ المُلْكِ والقُدْرَةِ، والثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ مُعْظَمُ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ فاكْتَفى بِها، وأمّا هُناكَ فَقَدْ قَصَدَ في ضِمْنِ بَيانٍ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ بَيانَ اتِّصافِهِ تَعالى بِالرَّحْمَةِ الواسِعَةِ فَنُظِّمَتْ دَلائِلُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ في سِلْكِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، فَإنَّ ما فُصِّلَ هُناكَ مِن آياتِ رَحْمَتِهِ تَعالى كَما أنَّهُ مِن آياتِ أُلُوهِيَّتِهِ ووَحْدَتِهِ.

ومِمّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ المَذْكُوراتِ مُعْظَمَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «أتَتْ قُرَيْشٌ اليَهُودَ فَقالُوا: ما جاءَكم بِهِ مُوسى مِنَ الآياتِ ؟

قالُوا: عَصاهُ ويَدُهُ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ، وأتَوُا النَّصارى فَقالُوا: كَيْفَ كانَ عِيسى فِيكم ؟

قالُوا: كانَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويُحْيِي المَوْتى، فَأتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَجْعَلُ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، فَدَعا رَبَّهُ فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ ﴾ » .

وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ وابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُما عَنْ عَطاءٍ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: أخْبِرِينِي بِأعْجَبِ ما رَأيْتِ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَتْ: وأيُّ شَأْنِهِ لَمْ يَكُنْ عَجَبًا ؟!

إنَّهُ أتانِي لَيْلَةً فَدَخَلَ مَعِي في لِحافِي ثُمَّ قالَ ذَرِينِي أتَعَبَّدُ لِرَبِّي، فَقامَ فَتَوَضَّأ ثُمَّ قامَ يُصَلِّي فَبَكى حَتّى سالَتْ دُمُوعُهُ عَلى صَدْرِهِ ثُمَّ رَكَعَ فَبَكى ثُمَّ سَجَدَ فَبَكى ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَبَكى فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى جاءَ بِلالٌ فَأذَّنَهُ بِالصَّلاةِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما يُبْكِيكَ وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ؟

قالَ: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ولِمَ لا أفْعَلُ وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ ثُمَّ قالَ: ويْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها»، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ تَسَوَّكَ ثُمَّ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ ﴾ الآيَةَ» .

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظُ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وجْهِهِ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَرَأ العَشْرَ الآياتِ الأواخِرَ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ حَتّى خَتَمَ» .

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًۭا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١

﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ (لِأُولِي) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ أوْ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، وجَعْلُهُ مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرِهِ يَقُولُونَ ( رَبَّنا آمِنًا ) بَعِيدٌ لِما فِيهِ مِن تَفْكِيكِ النَّظْمِ، ويَزِيدُهُ بُعْدًا ما أخْرَجَهُ الأصْبَهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ أيْنَ أُولُو الألْبابِ ؟

قالُوا: أيُّ أُولِي الألْبابِ تُرِيدُ ؟

قالَ: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا ﴾ إلَخْ.

عَقَدَ لَهم لِواءً فاتَّبَعَ القَوْمُ لِواءَهم وقالَ لَهُمُ ادْخُلُوها خالِدِينَ» .

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الذِّكْرِ الذِّكْرُ بِاللِّسانِ لَكِنْ مَعَ حُضُورِ القَلْبِ إذْ لا تُمْدَحُ بِالذِّكْرِ بِدُونِهِ، بَلْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا ثَوابَ لِذاكِرٍ غافِلٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ، وعَدَّ ابْنُ جُرَيْجٍ قِراءَةَ القُرْآنِ ذِكْرًا فَلا تُكْرَهُ لِلْمُضْطَجِعِ القادِرِ، نَعَمْ نَصَّ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ عَلى كَراهَتِها لَهُ إذا غَطّى رَأسَهُ لِلنَّوْمِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المُرادُ بِهِ ذِكْرَهُ تَعالى مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ الذّاتُ أوْ مِن حَيْثُ الصِّفاتِ والأفْعالِ، وسَواءٌ قارَنَهُ ذِكْرُ اللِّسانِ أوَّلًا، والمَعْنى عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يَغْفُلُونَ عَنْهُ تَعالى في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ بِاطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِذِكْرِهِ واسْتِغْراقِ سَرائِرِهِمْ في مُراقَبَتِهِ، وعَلَيْهِ فَيُحْمَلُ ما حُكِيَ عَنِ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وجَماعَةٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن أنَّهم خَرَجُوا يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلّى فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ بَعْضُهم: أما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا ﴾ فَقامُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى عَلى أقْدامِهِمْ عَلى أنَّ مُرادَهم بِذَلِكَ التَّبَرُّكُ بِنَوْعِ مُوافَقَةٍ لِلْآيَةِ في ضِمْنِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ مَدْلُولِها ولَيْسَ مُرادُهم بِهِ تَفْسِيرَها وتَحْقِيقَ مِصْداقِها عَلى التَّعْيِينِ وإلّا لاضْطَجَعُوا وذَكَرُوا أيْضًا لِيَتِمَّ التَّفْسِيرُ وتَحْقِيقُ المِصْداقِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: إنَّما هَذا في الصَّلاةِ إذا لَمْ تَسْتَطِعْ قائِمًا فَقاعِدًا، وإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ قاعِدًا فَعَلى جَنْبٍ.

وكَذَلِكَ أمَرَ  عِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ وكانَتْ بِهِ بَواسِيرُ - كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْهُ - وبِهَذا الخَبَرِ احْتَجَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى أنَّ المَرِيضَ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا عَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ مُسْتَقْبِلًا بِمَقادِمِ بَدَنِهِ، ولا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَسْتَلْقِيَ عَلى ظَهْرِهِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وجَعَلَ الآيَةَ حُجَّةً عَلى ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ لَمّا حَصَرَ أمْرَ الذّاكِرِ في الهَيْئاتِ المَذْكُورَةِ دَلَّ عَلى أنَّ غَيْرَها لَيْسَ مِن هَيْئَتِهِ، والصَّلاةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الذِّكْرِ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ عَلى غَيْرِ هَيْئَتِهِ مَحَلَّ تَأمُّلٍ، وتَخْصِيصُ ابْنِ مَسْعُودٍ الذِّكْرَ بِالصَّلاةِ لا يَنْتَهِضُ حُجَّةً عَلى أنَّهُ بَعِيدٌ مِن سِياقِ النَّظْمِ الجَلِيلِ وسِباقِهِ.

والقِيامُ والقُعُودُ جَمْعُ قائِمٍ وقاعِدٍ - كَنِيامٍ ورُقُودٍ جَمْعُ نائِمٍ وراقِدٍ - وانْتِصابُهُما عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ( يذَكرُونَ ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ مُؤَوَّلَيْنِ بِقائِمِينَ وقاعِدِينَ لِتَتَأتّى الحالِيَّةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وعَلى جُنُوبِهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى الحالِ أيْ وكائِنَيْنِ عَلى جُنُوبِهِمْ أيْ مُضْطَجِعِينَ، وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ المُتَعَلِّقُ المَعْطُوفُ خاصًّا أيْ ومُضْطَجِعِينَ عَلى جُنُوبِهِمْ، والمُرادُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأحْوالِ الإشارَةُ إلى الدَّوامِ وانْفِهامِهِ مِنها عُرْفًا مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ ولَيْسَ المُرادُ الدَّوامَ الحَقِيقِيَّ لِاسْتِحالَتِهِ، بَلْ في غالِبِ أحْوالِهِمْ، وبَعْضُهم يَأْخُذُ الدَّوامَ مِنَ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِمْرارِ وكَيْفَما كانَ فالمُرادُ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى كَثِيرًا.

﴿ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( يَذْكُرُونَ ) وعَطْفُهُ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وتَقْدِيمُ الذِّكْرِ في تِلْكَ الحالاتِ عَلى التَّفَكُّرِ لِما أنَّ فِيهِما الِاعْتِرافَ بِالعُبُودِيَّةِ، والعَبْدُ مُرَكَّبٌ مِنَ النَّفْسِ الباطِنَةِ والبَدَنِ الظّاهِرِ، وفي الأوَّلِ إشارَةٌ إلى عُبُودِيَّةِ الثّانِي، وفي الثّانِي إشارَةٌ إلى عُبُودِيَّةِ الأوَّلِ لِأنَّ التَّفَكُّرَ إنَّما يَكُونُ بِالقَلْبِ والرُّوحِ، وفي بَيانِ العُبُودِيَّةِ بَعْدَ الفَراغِ مِن آياتِ الرُّبُوبِيَّةِ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ، وقِيلَ: قَدَّمَ الأوَّلَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّظَرِ في الأنْفُسِ، وأخَّرَ الثّانِي لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّظَرِ في الآفاقِ ولا شُبْهَةَ في تَقَدُّمِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي، وصَرَّحَ مَوْلاناشَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّ هَذا بَيانٌ لِلتَّفَكُّرِ في أفْعالِهِ تَعالى، وما تَقَدَّمَ بَيانٌ لِلتَّفَكُّرِ في ذاتِهِ تَعالى عَلى الإطْلاقِ، والَّذِي عَلَيْهِ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما خَصَّصَ التَّفَكُّرَ بِالخَلْقِ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّفَكُّرِ في الخالِقِ لِعَدَمِ الوُصُولِ إلى كُنْهِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَزَّ سُلْطانُهُ، وقَدْ ورَدَ هَذا النَّهْيُ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والأصْبِهانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى أصْحابِهِ وهم يَتَفَكَّرُونَ فَقالَ: لا تَفَكَّرُوا في اللَّهِ تَعالى ولَكِنْ تَفَكَّرُوا فِيما خَلَقَ».

وعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى قَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فَقالَ: ”تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تَفَكَّرُوا في الخالِقِ»“ .

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تَفَكَّرُوا في آلاءِ اللَّهِ تَعالى ولا تَفَكَّرُوا في اللَّهِ تَعالى» .

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَفَكَّرُوا في كُلِّ شَيْءٍ ولا تَفَكَّرُوا في ذاتِ اللَّهِ تَعالى - إلى غَيْرِ ذَلِكَ - فَفي كَوْنِ الأوَّلِ بَيانًا لِلتَّفَكُّرِ في ذاتِهِ سُبْحانَهُ عَلى الإطْلاقِ نَظَرٌ عَلى أنَّ بَعْضَ الفُضَلاءِ ذَكَرَ في تَفْسِيرِهِ أنَّ التَّفَكُّرَ في اللَّهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ لِما أنَّهُ يَسْتَدْعِي الإحاطَةَ بِمَن هو بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ فَتَدَبَّرْ.

وقِيلَ: قَدَّمَ الذِّكْرَ عَلى الدَّوامِ عَلى التَّفَكُّرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَقْلَ لا يَفِي بِالهِدايَةِ ما لَمْ يَتَنَوَّرْ بِنُورِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وهِدايَتِهِ، فَلا بُدَّ لِلْمُتَفَكِّرِ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى ورِعايَةِ ما شُرِعَ لَهُ، وأنَّ العَقْلَ المُخالِفَ لِلشَّرْعِ لَبِسَ الضَّلالَ ولا نَتِيجَةَ لِفِكْرِهِ إلّا الضَّلالُ، و(الخَلْقُ) إمّا بِمَعْنى المَخْلُوقِ عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى في أيْ يَتَفَكَّرُونَ فِيما خَلَقَ في السَّمَواتِ والأرْضِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما أوْ بِطَرِيقِ الحُلُولِ فِيهِما، أوْ عَلى أنَّها بَيانِيَّةٌ أيْ في المَخْلُوقِ الَّذِي هو السَّمَواتُ والأرْضُ، وإمّا باقٍ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ أيْ يَتَفَكَّرُونَ في إنْشائِهِما وإبْداعِهِما بِما فِيهِما مِن عَجائِبِ المَصْنُوعاتِ ودَقائِقِ الأسْرارِ ولَطائِفِ الحِكَمِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ الذّاتِيَّةِ وأنَّهُ المَلِكُ القاهِرُ والعالِمُ القادِرُ والحَكِيمُ المُتْقِنُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ، ويَجُرُّهم ذَلِكَ إلى مَعْرِفَةِ صَدْقِ الرُّسُلِ وحَقِيَةِ الكُتُبِ النّاطِقَةِ بِتَفاصِيلِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ وتَحْقِيقِ المَعادِ وثُبُوتِ الجَزاءِ، ولِشَرافَةِ هَذِهِ الثَّمَرَةِ الحاصِلَةِ مِنَ التَّفَكُّرِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الأعْمالِ المَخْصُوصَةِ بِالقَلْبِ البَعِيدَةِ عَنْ مَظانِّ الرِّياءِ كانَ مِن أفْضَلِ العِباداتِ، وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَفَكُّرُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن قِيامِ لَيْلَةٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.

وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فِكْرَةُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سِتِّينَ سَنَةً».

وعَنْهُ أيْضًا مَرْفُوعًا: «بَيْنَما رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ يَنْظُرُ إلى النُّجُومِ وإلى السَّماءِ فَقالَ: واللَّهِ إنِّي لَأعْلَمُ أنَّ لَكِ رَبًّا وخالِقًا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، فَنَظَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ فَغَفَرَ لَهُ».

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَوْنٍ قالَ: سَألْتُ أُمَّ الدَّرْداءِ، ما كانَ أفْضَلُ عِبادَةِ أبِي الدَّرْداءِ ؟

قالَتِ: التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: سَمِعْتُ غَيْرَ واحِدٍ - لا اثْنَيْنِ ولا ثَلاثَةً - مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُونَ: إنَّ ضِياءَ الإيمانِ - أوْ نُورَ الإيمانِ - التَّفَكُّرُ، واقْتَصَرَ سُبْحانَهُ عَلى ذِكْرِ التَّفَكُّرِ ﴿ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ولَمْ يَتَعَرَّضْ جَلَّ شَأْنُهُ لِإدْراجِ اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ في ذَلِكَ السِّلْكِ مَعَ ذِكْرِهِ فِيما سَلَفَ - وشَرَفُ التَّفَكُّرِ فِيهِ أيْضًا كَما يَقْتَضِيهِ التَّعْلِيلُ، وظاهِرُ ما أخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: «تَفَكُّرُ ساعَةٍ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ ثَمانِينَ سَنَةً» - إمّا لِلْإيذانِ بِظُهُورِ انْدِراجِ ذَلِكَ فِيما ذُكِرَ لِما أنَّ الِاخْتِلافَ مِنَ الأحْوالِ التّابِعَةِ لِأحْوالِ السَّمَواتِ والأرْضِ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ، وإمّا لِلْإشْعارِ بِمُسارَعَةِ المَذْكُورِينَ إلى الحُكْمِ بِالنَّتِيجَةِ لِمُجَرَّدِ تَفَكُّرِهِمْ في بَعْضِ الآياتِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها في إثْباتِ المَطْلُوبِ.

﴿ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ الإشارَةُ إلى السَّمَواتِ والأرْضِ لِما أنَّهُما بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ الخَلْقِ بِهِما في مَعْنى المَخْلُوقِ، أوْ إلى الخَلْقِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وقِيلَ: إلَيْهِما بِاعْتِبارِ المُتَفَكَّرِ فِيهِ، وعَلى كُلٍّ فَأمْرُ الإفْرادِ والتَّذْكِيرِ واضِحٌ والعُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ إلى اسْمِ الإشارَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها مَخْلُوقاتٌ عَجِيبَةٌ يَجِبُ أنْ يُعْتَنى بِكَمالِ تَمْيِيزِها اسْتِعْظامًا لَها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ﴾ والباطِلُ العَبَثُ وهو ما لا فائِدَةَ فِيهِ مُطْلَقًا أوْ ما لا فائِدَةَ فِيهِ يُعْتَدُّ بِها أوْ ما لا يُقْصَدُ بِهِ فائِدَةٌ، وقِيلَ: الذّاهِبُ الزّائِلُ الَّذِي لا يَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ وصَلابَةٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ قَوْلٌ لا قُوَّةَ لَهُ ولا صَلابَةَ، وهو إمّا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ خَلْقًا باطِلًا أوْ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ.

والمَعْنى رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا المَخْلُوقَ أوِ المُتَفَكَّرَ فِيهِ العَظِيمَ الشَّأْنِ عارِيًا عَنِ الحِكْمَةِ خالِيًا عَنِ المَصْلَحَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ أوْضاعُ الغافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ المُعْرِضِينَ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيهِ العادِمِينَ مِن جَناحِ النَّظَرِ قُدّاماهُ وخَوافِيهِ، بَلْ خَلَقْتَهُ مُشْتَمِلًا عَلى حِكَمٍ جَلِيلَةٍ مُنْتَظِمًا لِمَصالِحَ عَظِيمَةٍ تَقِفُ الأفْكارُ حَسْرى دُونَ الإحاطَةِ بِها، وتَكِلُّ أقْدامُ الأذْهانِ دُونَ الوُقُوفِ عَلَيْها بِأسْرِها، ومِن جُمْلَتِها أنْ يَكُونَ مَدارًا لِمَعايِشِ العِبادِ ومَنارًا يُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَةِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ حَسْبَما نَطَقَتْ بِهِ كُتُبُكَ وجاءَتْ بِهِ رُسُلُكَ.

والجُمْلَةُ بِتَمامِها في حَيِّزِ النَّصْبِ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ يَقُولُونَ ( رَبَّنا ) إلَخْ، وجُمْلَةُ القَوْلِ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ( يَتَفَكَّرُونَ ) أيْ يَتَفَكَّرُونَ في ذَلِكَ قائِلِينَ ﴿ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ وإلى هَذا ذَهَبَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ النَّظْمَ الكَرِيمَ لا يُساعِدُهُ لِما أنَّ (ما) في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما هو قَيْدٌ لَهُ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مِن مَبادِئِ الحُكْمِ الَّذِي أُجْرِيَ عَلى المَوْصُولِ ودَواعِي ثُبُوتِهِ لَهُ كَذِكْرِهِمْ لِلَّهِ تَعالى في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ في خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ فَإنَّهُما مِمّا يُؤَدِّي إلى اجْتِلاءِ تِلْكَ الآياتِ والِاسْتِدْلالِ بِها عَلى المَطْلُوبِ، ولا رَيْبَ أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ لَيْسَ مِن مَبادِئِ الِاسْتِدْلالِ المَذْكُورِ بَلْ مِن نَتائِجِها المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ، فاعْتِبارُهُ قَيْدًا لِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، فاللّائِقُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ القَوْلِ اسْتِئْنافًا مُبَيِّنًا لِنَتِيجَةِ التَّفَكُّرِ، ومَدْلُولُ الآياتِ ناشِئًا مِمّا سَبَقَ، فَإنَّ النَّفْسَ عِنْدَ سَماعِ تَخْصِيصِ الآياتِ المَنصُوبَةِ في خَلْقِ العالَمِ - بِأُولِي الألْبابِ - ثُمَّ وصْفُهم بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والتَّفَكُّرِ في مَجالِ تِلْكَ الآياتِ تَبْقى مُتَرَقِّبَةً لِما يَظْهَرُ مِنهم مِن آثارِها وأحْكامِها كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ عِنْدَ تَفَكُّرِهِمْ في ذَلِكَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّتِيجَةِ ؟

فَقِيلَ: يَقُولُونَ كَيْتَ وكَيْتَ مِمّا يُنْبِئُ عَنْ وُقُوفِهِمْ عَلى سِرِّ الخَلْقِ المُؤَدِّي إلى مَعْرِفَةِ صِدْقِ الرُّسُلِ وحَقِّيَةِ الكُتُبِ النّاطِقَةِ بِتَفاصِيلِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَوْصُولِ مَوْصُولًا نَعْتًا (لِأُولِي)، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَفْصُولًا مَنصُوبًا أوْ مَرْفُوعًا عَلى المَدْحِ مَثَلًا فَتَأْتِي الحالِيَّةُ مِن ذَلِكَ إذْ لا اشْتِباهَ في أنَّ قَوْلَهم هَذا مِن مَبادِئِ مَدْحِهِمْ ومَحاسِنِ مَناقِبِهِمْ، ويَكُونُ في إبْرازِ هَذا القَوْلِ في مَعْرِضِ الحالِ إشْعارٌ بِمُقارَنَتِهِ لِتَفَكُّرِهِمْ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ وتَلَعْثُمٍ في ذَلِكَ انْتَهى، وهو كَلامٌ تَلُوحُ عَلَيْهِ أماراتُ التَّحْقِيقِ ومَخايِلُ التَّدْقِيقِ.

والقَوْلُ بِأنَّ الحالِيَّةَ تَجْتَمِعُ مَعَ كَوْنِ القَوْلِ المَذْكُورِ مِنَ النَّتائِجِ لا يَخْفى ما فِيهِ، ثُمَّ كَوْنُ هَذا القَوْلِ مِن نَتائِجِ التَّفَكُّرِ مِمّا لا يَكادُ يُنْكِرُهُ ذُو فِكْرٍ، وتَوْضِيحُ ذَلِكَ - عَلى رَأْيٍ - أنَّ القَوْمَ لَمّا تَفَكَّرُوا في مَخْلُوقاتِهِ سُبْحانَهُ ولا سِيَّما السَّمَواتِ مَعَ ما فِيها مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والأرْضِ، وما عَلَيْها مِنَ البِحارِ والجِبالِ والمَعادِنِ، عَرَفُوا أنَّ لَها رَبًّا وصانِعًا فَقالُوا: ﴿ رَبَّنا ﴾ ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا في أنَّ في كُلٍّ مِن ذَلِكَ حِكَمًا ومَقاصِدَ وفَوائِدَ لا تُحِيطُ بِتَفاصِيلِها الأفْكارُ قالُوا: ﴿ ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ ثُمَّ لَمّا تَأمَّلُوا وقاسُوا أحْوالَ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ إلى صانِعِها رَأوْا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الصّانِعُ مُنَزَّهًا عَنْ مُشابَهَةِ شَيْءٍ مِنها، فَإذَنْ هو لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا عَرَضٍ ولا في حَيِّزٍ ولا بِمُفْتَقِرٍ (ولا ولا ...) فَقالُوا: ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ أيْ تَنْزِيهًا لَكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِكَ، ثُمَّ لَمّا اسْتَغْرَقُوا في بِحارِ العَظَمَةِ والجَلالِ وبَلَغُوا هَذا المَبْلَغَ الأعْظَمَ وتَحَقَّقُوا أنَّ مِن قَدَرَ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الإنْشاءِ بِلا مِثالٍ يَحْتَذِيهِ أوْ قانُونٍ يَنْتَحِيهِ واتُّصِفَ بِالقُدْرَةِ الشّامِلَةِ والحِكْمَةِ الكامِلَةِ كانَ عَلى إعادَةِ مَن نَطَقَتِ الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ بِإعادَتِهِ أقْدَرَ، وإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا لِحِكْمَةٍ باهِرَةٍ هي جَزاءُ المُكَلَّفِينَ بِحَسْبِ اسْتِحْقاقِهِمُ المَنُوطِ بِأعْمالِهِمُ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ طَلَبُوا النَّجاةَ مِمّا يَحِيقُ بِالمُقَصِّرِينَ ويَلِيقُ بِالمُخِلِّينَ فَقالُوا: ﴿ فَقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ (191) أيْ فَوَفِّقْنا لِلْعَمَلِ بِما فَهِمْنا مِنَ الدَّلالَةِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الفاءَ لِتَرَتُّبِ الدُّعاءِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ النّارِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ مِن وُجُوبِ الطّاعَةِ واجْتِنابِ المَعْصِيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَنَحْنُ نُطِيعُكَ ﴿ فَقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ الَّتِي هي جَزاءُ مَن عَصاكَ و(سُبْحانَكَ) مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِتَقْوِيَةِ الكَلامِ وتَأْكِيدِهِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ كَوْنُها مُؤَكِّدَةً لِنَفْيِ العَبَثِ عَنْ خَلْقِهِ.

وبَعْضُهم قالَ: بِهَذا التَّأْكِيدِ ولَمْ يَقُلْ بِالِاعْتِراضِ وجَعَلَ ما بَعْدَ الفاءِ مُتَرَتِّبًا عَلى التَّنْزِيهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِسُبْحانِكَ، وادَّعى أنَّهُ الأظْهَرُ لِانْدِراجِ تَنَزُّهِهِ تَعالى عَنْ رَدِّ سُؤالِ الخاضِعِينَ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ فِيهِ، ولا يَخْفى تَفَرُّعُ المَسْألَةِ عَلى التَّنْزِيهِ عَنْ خَيْبَةِ رَجاءِ الرّاجِينَ وقِيلَ: إنَّهُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ إذا نَزَّهْناكَ أوْ وحَّدْناكَ ﴿ فَقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ الَّذِي هو جَزاءُ الَّذِينَ لَمْ يُنَزِّهُوا أوْ لَمْ يُوَحِّدُوا، واسْتَدَلَّ الطَّبَرْسِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ والضَّلالَ والقَبائِحَ لَيْسَتْ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها باطِلَةٌ بِالإجْماعِ، وقَدْ نَفى اللَّهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ حِكايَةً عَنْ أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ رُضِي قَوْلُهم بِأنَّهُ لا باطِلَ فِيما خَلَقَهُ سُبْحانَهُ، فَيَجِبُ بِذَلِكَ القَطْعُ بِأنَّ القَبائِحَ كُلَّها لَيْسَتْ مُضافَةً إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ، ومَنفِيَّةٌ عَنْهُ خَلْقًا وإيجادًا، وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ الأشْياءَ كُلَّها سَواءٌ مِن حَيْثُ أنَّها خَلْقُ اللَّهِ تَعالى ومُشْتَمِلَةٌ عَلى المَصالِحِ والحِكَمِ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ﴾ وتَفاوُتِها إنَّما هو بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ وكَوْنِ بَعْضِها مُتَعَلِّقَ الأمْرِ والبَعْضِ الآخَرِ مُتَعَلِّقَ النَّهْيَ مَثَلًا لا بِاعْتِبارِ كَوْنِ البَعْضِ مُشْتَمِلًا عَلى الحِكْمَةِ، والبَعْضِ الآخَرِ عارِيًا عَنْها، فالقَبائِحُ مِن حَيْثُ إنَّها خَلْقُ اللَّهِ تَعالى لَيْسَتْ باطِلَةً لِأنَّ الباطِلَ كَما عَلِمْتَ هو ما لا فائِدَةَ فِيهِ مُطْلَقًا أوْ ما لا فائِدَةَ فِيهِ يُعْتَدُّ بِها أوْ ما لا يُقْصَدُ بِهِ فائِدَةٌ، وهي لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِاشْتِمالِها في أنْفُسِها عَلى الحِكَمِ والفَوائِدِ الجَمَّةِ الَّتِي لا يَبْعُدُ قَصْدُ اللَّهِ تَعالى لَها مَعَ غِناهُ الذّاتِيِّ عَنْها، ولا يُشْتَرَطُ كَوْنُ تِلْكَ الفَوائِدِ لِمَن صَدَرَتْ عَلى يَدِهِ وإلّا لَزِمَ خُلُوُّ كَثِيرٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ تَعالى عَنِ الفَوائِدِ وتَسْمِيَتِها قَبائِحَ إنَّما هي بِاعْتِبارِ كَوْنِها مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ لِحِكْمَةٍ أيْضًا، وهو لا يَسْتَدْعِي كَوْنَها خالِيَةً عَنِ الحِكْمَةِ بَلْ قُصارى ذَلِكَ أنَّهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ رِضاهُ سُبْحانَهُ بِها شَرْعًا المُسْتَدْعِي ذَلِكَ لِلْعِقابِ عَلَيْها بِسَبَبِ أنَّ إفاضَتَها كانَتْ حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ الأزَلِيِّ فَدَعْوى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها باطِلَةٌ - باطِلَةٌ كَدَعْوى الإجْماعِ عَلى ذَلِكَ، وكَأنَّ القائِلَ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنى الباطِلِ فَقالَ ما قالَ، واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم أيْضًا عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ وهو مَبْنِيٌّ ظاهِرًا عَلى أنَّ الباطِلَ العَبَثُ بِالمَعْنى الثّالِثِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ مَعْنى العَبَثِ لَيْسَ مَحْصُورًا فِيهِ وبِفَرْضِ الحَصْرِ لا بَأْسَ بِهَذا القَوْلِ عَلى ما ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، لَكِنْ مَعَ القَوْلِ بِالغِنى الذّاتِيِّ وعَدَمِ الِاسْتِكْمالِ بِالغَيْرِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في البَقَرَةِ، واحْتَجَّ حُكَماءُ الإسْلامِ بِها عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ وأوْدَعَ فِيها قُوًى مَخْصُوصَةً وجَعَلَها بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِن حَرَكاتِها، واتِّصالِ بَعْضِها بِبَعْضٍ مَصالِحَ في هَذا العالَمِ لِأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَكانَتْ باطِلَةً، ولا يُمْكِنُ أنْ تُقْصَرَ مَنافِعُها عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ فَقَطْ لِأنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ الماءِ والهَواءِ يُشارِكُها في ذَلِكَ فَلا تَبْقى لِخُصُوصِيّاتِها فائِدَةٌ وهو خِلافُ النَّصِّ، وناقَشَهُمُ المُتَكَلِّمُونَ في ذَلِكَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفَلَكِيّاتُ أسْبابًا عادِيَّةً لِلْأرْضِيّاتِ لا حَقِيقِيَّةً، وأنَّ التَّأْثِيرَ عِنْدَها لا بِها ويَكْفِي ذَلِكَ فائِدَةً لِخَلْقِها.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِإيداعِ القُوى في الفَلَكِيّاتِ بَلْ وفي جَمِيعِ الأسْبابِ مَعَ القَوْلِ بِأنَّها مُؤَثِّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، بَلْ هو المَذْهَبُ المَنصُورُ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ وحَقَّقْناهُ فِيما قَبْلُ، وهو لا يُنافِي اسْتِنادَ الكُلِّ إلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ ولا يُزاحِمُ جَرَيانَ الأُمُورِ كُلِّها بِقَضائِهِ وقَدَرَهِ تَعالى شَأْنُهُ، نَعَمِ القَوْلُ بِأنَّ الفَلَكِيّاتِ ونَحْوَها مُؤَثِّرَةٌ بِنَفْسِها ولَوْ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ تَعالى ضَلالٌ واعْتِقادُهُ كُفْرٌ، وعَلى ذَلِكَ يَخْرُجُ ما وقَعَ في الخَبَرِ: «مَن قالَ: أُمْطِرْنا بِنَوْءِ كَذا فَهو كافِرٌ بِاللَّهِ تَعالى مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومَن قالَ: أُمْطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَهو مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ تَعالى كافِرٌ بِالكَوْكَبِ».

فَلْيُحْفَظْ.

<div class="verse-tafsir"

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ ١٩٢

﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ ﴾ مُبالَغَةٌ في اسْتِدْعاءِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ، وبَيانٌ لِسَبَبِهِ، وصُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِالنِّداءِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ إلى مُعَوِّدِ الإحْسانِ كَما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ الرَّبِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: اسْمُ اللَّهِ تَعالى الأكْبَرُ رَبِّ رَبِّ، والتَّأْكِيدُ بِأنَّ الإظْهارَ كَمالُ اليَقِينِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ والإيذانِ بِشِدَّةِ الخَوْفِ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّهْوِيلِ، وذُكِرَ الإدْخالُ في مَوارِدِ العَذابِ لِتَعْيِينِ كَيْفِيَّتِهِ وتَبْيِينِ غايَةِ فَظاعَتِهِ والإخْزاءِ - كَما قالَ الواحِدِيُّ - جاءَ لِمَعانٍ مُتَقارِبَةٍ، فَعَنِ الزَّجّاجِ يُقالُ: أخْزى اللَّهُ تَعالى العَدُوَّ أيْ أبْعَدَهُ، وقِيلَ: أهانَهُ وقِيلَ: فَضَحَهُ وقِيلَ: أهْلَكَهُ، ونُقِلَ هَذا عَنِ المُفَضَّلِ، وقِيلَ: أحَلَّهُ مَحَلًّا وأوْقَفَهُ مَوْقِفًا يَسْتَحِي مِنهُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الخِزْيُ في اللُّغَةِ الهَلاكُ بِتَلَفٍ أوْ بِانْقِطاعِ حُجَّةٍ أوْ بِوُقُوعٍ في بَلاءٍ، والمُرادُ فَقَدْ أخْزَيْتُهُ خِزْيًا لا غايَةَ وراءَهُ، ومِنَ القَواعِدِ المُقَرِّرَةِ أنَّهُ إذا جُعِلَ الجَزاءُ أمْرًا ظاهِرَ اللُّزُومِ لِلشَّرْطِ سَواءٌ كانَ اللُّزُومُ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ كَما في قَوْلِهِمْ: مَن أدْرَكَ مَرْعى الصُّمّانِ فَقَدْ أدْرَكَ، أوْ بِالِاسْتِلْزامِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ يُحْمَلُ عَلى أعْظَمِ أفْرادِهِ وأخَصِّها لِتَرْبِيَةِ الفائِدَةِ، ولِهَذا قُيِّدَ الخِزْيُ بِما قُيِّدَ، واحْتَجَّ حُكَماءُ الإسْلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أقْوى مِنَ العَذابِ الجُسْمانِيِّ وذَلِكَ لِأنَّهُ رُتِّبَ فِيها العَذابُ الرُّوحانِيُّ وهو الإخْزاءُ بِناءً عَلى أنَّهُ الإهانَةُ والتَّخْجِيلُ عَلى الجُسْمانِيِّ الَّذِي هو إدْخالُ النّارِ وجُعِلَ الثّانِي شَرْطًا والأوَّلُ جَزاءً، والمُرادُ مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ الجَزاءُ والشَّرْطُ قَيْدٌ لَهُ، فَيُشْعِرُ بِأنَّهُ أقْوى وأفْظَعُ وإلّا لَعُكِسَ، كَما قالَ الإمامُ الرّازِيُّ - وأيْضًا المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( وقِنا عَذاب النّارِ ) طَلَبُ الوِقايَةِ مِنهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: رَبَّنا إلَخْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ طَلَبَ الوِقايَةَ مِنَ المَذْكُورِ لِتَرَتُّبِ الخِزْيِ عَلَيْهِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ غايَةٌ يُخافُ مِنهُ - كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - واحْتَجَّ بِها المُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ لِأنَّهُ إذا أدْخَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَقَدْ أخْزاهُ، والمُؤْمِنُ لا يُخْزى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن أنْ لا يَكُونَ مَن آمَنَ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُخْزِيًا أنْ لا يَكُونَ غَيْرُهُ وهو مُؤْمِنٌ كَذَلِكَ، وأيْضًا الآيَةُ لَيْسَتْ عامَّةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ مِنكم إلا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴾ ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ فَتُحْمَلُ عَلى مَن أُدْخِلَ النّارَ لِلْخُلُودِ وهُمُ الكُفّارُ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أنَسٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وقَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ.

وأيْضًا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ مَن يَدْخُلُها مُخْزًى حالَ دُخُولِهِ وإنْ كانَتْ عاقِبَةُ أهْلِ الكَبائِرِ مِنهُمُ الخُرُوجَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي ﴾ إلَخْ، نَفْيُ الخِزْيِ فِيهِ عَلى الإطْلاقِ، والمُطْلَقُ يَكْفِي في صِدْقِهِ صُورَةٌ واحِدَةٌ وهو نَفْيُ الخِزْيِ المُخَلَّدِ، وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: الإخْزاءُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّخْجِيلِ والإهْلاكِ، والمُثْبَتُ هو الأوَّلُ والمَنفِيُّ هو الثّانِي، وحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ التَّنافِي، واحْتَجَّتِ المُرْجِئَةُ بِها عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يَدْخُلُ النّارَ لِأنَّهُ مُؤْمِنٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى:: ﴿ وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ﴾ والمُؤْمِنُ لا يُخْزى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ ﴾ إلَخْ، والمُدْخَلُ في النّارِ مُخْزًى لِهَذِهِ الآيَةِ، وأُجِيبَ بِمَنعِ المُقَدِّماتِ بِأسْرِها، أمّا الأُولى فَبِاحْتِمالِ أنْ لا يُسَمّى بَعْدَ القَتْلِ مُؤْمِنًا، وإنْ كانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا، وأمّا الأُخْرَيانِ فَبِخُصُوصِ المَحْمُولِ وجُزْئِيَّةِ المَوْضُوعِ كَما تَقَرَّرَ آنِفًا.

﴿ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ ﴾ (192) أيْ لَيْسَ لِكُلٍّ مِنهم ناصِرٌ يَنْصُرُهُ ويُخَلِّصُهُ مِمّا هو فِيهِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلُ لِإظْهارِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلِاسْتِدْعاءِ، ووَضْعُ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُدْخَلِينَ لِذَمِّهِمْ والإشْعارِ بِتَعْلِيلِ دُخُولِهِمُ النّارَ بِظُلْمِهِمْ، وتَمَسَّكَتِ المُعْتَزِلَةُ بِنَفْيِ الأنْصارِ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ لِسائِرِ المُدْخَلِينَ، وأُجِيبَ بِأنَّ الظّالِمَ عَلى الإطْلاقِ هو الكافِرُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ وقِيلَ: نَفِيُ النّاصِرِ لا يَمْنَعُ نَفْيَ الشَّفِيعِ لِأنَّ النَّصْرَ دَفْعٌ بِقُوَّةٍ، والشَّفاعَةُ تَخْلِيصٌ بِخُضُوعٍ وتَضَرُّعٍ ولَهُ وجْهٌ، والقَوْلُ: بِأنَّ العُرْفَ لا يُساعِدُهُ غَيْرُ مُتَّجِهٍ.

وقالَ في الكَشْفِ: الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مَن دَخَلَ النّارَ لا ناصِرَ لَهُ مِن دُخُولِها، أمّا إنَّهُ لا ناصِرَ لَهُ مِنَ الخُرُوجِ بَعْدَ الدُّخُولِ فَلا، وذَلِكَ لِأنَّهُ عامٌّ في نَفْيِ الإفْرادِ مُهْمَلٌ بِحَسَبِ الأوْقاتِ، والظّاهِرُ التَّقْيِيدُ بِما يَطْلُبُ النَّصْرَ أوَّلًا لِأجْلِهِ كَمَن أُخِذَ يُعاقَبُ فَقُلْتَ: ما لُهُ مَن ناصِرٍ، لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ أنَّ العِقابَ لا يَنْتَهِي بِنَفْسِهِ، وأنَّهُ بَعْدَ العِقابِ لَمْ يُشَفَّعْ، بَلْ فُهِمَ مِنهُ لَمْ يَمْنَعْهُ أحَدٌ مِمّا حَلَّ بِهِ، ثُمَّ إنْ سَلِمَ التَّساوِي لَمْ يَدُلَّ عَلى النَّفْيِ، وأجابَ غَيْرُ واحِدٍ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِ الظّالِمِ وعَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ النَّصْرِ والشَّفاعَةِ بِأنَّ الأدِلَّةَ الدّالَّةَ عَلى الشَّفاعَةِ وهي أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى مُخَصَّصَةٌ لِلْعُمُومِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَنْفَعُكَ هُنا.

<div class="verse-tafsir"

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًۭا يُنَادِى لِلْإِيمَـٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا ۚ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ ١٩٣

﴿ رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ ﴾ عَلى مَعْنى القَوْلِ أيْضًا وهو كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: حِكايَةٌ لِدُعاءٍ آخَرَ مَبْنِيٍّ عَلى تَأمُّلِهِمْ في الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ بَعْدَ حِكايَةِ دُعائِهِمُ السّابِقِ المَبْنِيِّ عَلى تَفَكُّرِهِمْ في الأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ التَّفَكُّرَ مُسْتَدْعٍ في الجُمْلَةِ لِهَذا القَوْلِ، وفي تَصْدِيرِ مُقَدِّمَةِ الدُّعاءِ بِالنِّداءِ إشارَةٌ إلى كَمالِ تَوَجُّهِهِمْ إلى مَوْلاهم وعَدَمِ غَفْلَتِهِمْ عَنْهُ مَعَ إظْهارِ كَمالِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ إلى مُعَوِّدِ الإحْسانِ والإفْضالِ، وفي التَّأْكِيدِ إيذانٌ بِصُدُورٍ ذَلِكَ عَنْهم بِوُفُورِ الرَّغْبَةِ ومَزِيدِ العِنايَةِ وكَمالِ النَّشاطِ، والمُرادُ بِالمُنادِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو المُرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ.

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ القُرْآنُ وهو المَحْكِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ وقَتادَةَ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ يَسْمَعُ كُلُّ واحِدٍ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولا يَراهُ، والقُرْآنُ ظاهِرٌ باقٍ عَلى مَمَرِّ الأيّامِ والدُّهُورِ يَسْمَعُهُ مَن أدْرَكَ عَصْرَ نُزُولِهِ ومَن لَمْ يُدْرِكْ، ولِأهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ أنْ يَقُولُوا: مَن بَلَغَهُ بِعْثَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ودَعْوَتُهُ جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ: سَمِعْنا مُنادِيًا وإنْ كانَ فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّجَوُّزِ، وأيْضًا المُرادُ بِالنِّداءِ الدُّعاءُ، ونِسْبَتُهُ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أشْهَرُ وأظْهَرُ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ ﴾ ، ﴿ أدْعُو إلى اللَّهِ ﴾ ، ﴿ وداعِيًا إلى اللَّهِ ﴾ وهي إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقِيقَةٌ وإلى القُرْآنِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: تُنادِيكَ أجْداثٌ وهُنَّ صُمُوتٌ وسُكّانُها تَحْتَ التُّرابِ سُكُوتُ والتَّنْوِينُ في المُنادى لِلتَّفْخِيمِ، وإيثارُهُ عَلى الدّاعِي لِلْإشارَةِ إلى كَمالِ اعْتِنائِهِ بِشَأْنِ الدَّعْوَةِ وتَبْلِيغِها إلى القَرِيبِ والبَعِيدِ لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وقَدْ كانَ شَأْنُهُ الرَّفِيعُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الخُطَبِ ذَلِكَ الرَّفْعَ حَقِيقَةً، فَفي الخَبَرِ «كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْناهُ وعَلا صَوْتُهُ واشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكم ومَسّاكم».

ولَمّا كانَ النِّداءُ مَخْصُوصًا بِما يُؤَدِّي لَهُ ومُنْتَهِيًا إلَيْهِ تَعَدّى بِاللّامِ وإلى تارَةً، وتارَةً فاللّامُ في لِلْإيمانِ عَلى ظاهِرِها ولا حاجَةَ إلى جَعْلِها بِمَعْنى إلى أوِ الباءِ، ولا إلى جَعْلِها بِمَعْنى العِلَّةِ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ - وجُمْلَةُ (يُنادِي) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِسَمِعَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأخْفَشُ وكَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ مِن تَعَدِّي سَمِعَ هَذِهِ إلى مَفْعُولَيْنِ ولا حَذْفَ في الكَلامِ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها لا تَتَعَدّى إلّا إلى واحِدٍ واخْتارَهُ ابْنُ الحاجِبِ قالَ فِي أمالِيهِ: وقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ السَّماعَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ مِن جِهَةِ المَعْنى والاسْتِعْمالِ، أمّا المَعْنى فَلِتَوَقُّفِهِ عَلى مَسْمُوعٍ، وأمّا الِاسْتِعْمالُ فَلِقَوْلِهِمْ: سَمِعْتُ زَيْدًا يَقُولُ ذَلِكَ وسَمِعْتُهُ قائِلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ ﴾ ولا وجْهَ لَهُ لِأنَّهُ يَكْفِي في تَعَلُّقِهِ المَسْمُوعُ دُونَ المَسْمُوعِ مِنهُ، وإنَّما المَسْمُوعُ مِنهُ كالمَشْمُومِ مِنهُ، فَكَما أنَّ الشَّمَّ لا يَتَعَدّى إلّا إلى واحِدٍ فَكَذَلِكَ السَّماعُ فَهو مِمّا حُذِفَ فِيهِ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ، ويُذْكَرُ بَعْدَهُ حالٌ تُبَيِّنُهُ ويُقَدَّرُ في ﴿ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ ﴾ يَسْمَعُونَ أصْواتَكُمُ انْتَهى.

والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ المَسْمُوعَ صِفَةً بَعْدَ النَّكِرَةِ وحالًا بَعْدَ المَعْرِفَةِ وهو الظّاهِرُ، وادْعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الأوْفَقَ بِالمَعْنى فِيما جَعَلَهُ حالًا أوْ وصْفًا أنْ يُجْعَلَ بَدَلًا بِتَأْوِيلِ الفِعْلِ بِالمَصْدَرِ عَلى ما يَراهُ بَعْضُ النُّحاةِ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ في الِاسْتِعْمالِ فَلِذا أُوثِرَتِ الوَصْفِيَّةُ أوِ الحالِيَّةُ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ السَّماعَ إذا وقَعَ عَلى غَيْرِ الصَّوْتِ فَلا بُدَّ أنْ يُذْكَرَ بَعْدَهُ فِعْلٌ مُضارِعٌ يَدُلُّ عَلى الصَّوْتِ ولا يَجُوزُ غَيْرُهُ - وهو غَيْرُ صَحِيحٍ لِوُقُوعِ الظَّرْفِ واسْمِ الفاعِلِ كَما سَمِعْتَهُ، وفي تَعْلِيقِ السَّماعِ بِالذّاتِ مُبالَغَةٌ في تَحْقِيقِهِ، والإيذانِ بِوُقُوعِهِ بِلا واسِطَةٍ عِنْدَ صُدُورِ المَسْمُوعِ عَنِ المُتَكَلِّمِ، وفي إطْلاقِ المُنادِي أوَّلًا حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ مُنادِيًا ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ ما دُعِيَ لَهُ، ثُمَّ قَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ بَعْدَ: ﴿ يُنادِي لِلإيمانِ ﴾ ما لا يَخْفى مِنَ التَّعْظِيمِ لِشَأْنِ المُنادِي والمُنادى لَهُ، ولَوْ قِيلَ مِن أوَّلِ الأمْرِ (مُنادِيًا لِلْإيمانِ) لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ المَثابَةِ، وحَذْفُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِيُنادِي إيذانًا بِالعُمُومِ أيْ يُنادِي كُلَّ واحِدٍ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم أيْ أنْ آمِنُوا بِهِ عَلى أنَّ أنْ تَفْسِيرِيَّةٌ، أوْ بِأنْ آمِنُوا عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، وعَلى الأوَّلِ فَآمِنُوا تَفْسِيرٌ لِيُنادِي لِأنَّ نِداءَهُ عَيَّنَ قَوْلَهُ: آمِنُوا والتَّقْدِيرُ يُنادِي لِلْإيمانِ أيْ يَقُولُ: آمِنُوا ولَيْسَ تَفْسِيرًا لِلْإيمانِ كَما تُوُهِّمَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ بِأنْ آمِنُوا مُتَعَلِّقًا بِـ (يُنادِي) لِأنَّهُ المُنادى بِهِ ولَيْسَ بَدَلًا مِنَ الإيمانِ كَما زَعَمَهُ البَعْضُ، ومِنَ المُحَقِّقِينَ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى احْتِمالِ المَصْدَرِيَّةِ لِما أنَّ كَثِيرًا مِنَ النُّحاةِ يَأْبى التَّفْسِيرِيَّةَ لِما فِيها مِنَ التَّكَلُّفِ، ومَنِ اخْتارَها قالَ: إنَّ المَصْدَرِيَّةَ تَسْتَدْعِي التَّأْوِيلَ بِالمَصْدَرِ وهو مُفَوِّتٌ لِمَعْنى الطَّلَبِ المَقْصُودِ مِنَ الكَلامِ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُقَدَّرُ الطَّلَبُ في التَّأْوِيلِ إذا كانَتْ داخِلَةً عَلى الأمْرِ، وكَذا يُقَدَّرُ ما يُناسِبُ الماضِي والمُسْتَقْبَلَ إذا كانَتْ داخِلَةً عَلَيْهِما، ولا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ الحاصِلُ مِنَ الكُلِّ بِمُجَرَّدِ مَعْنى المَصْدَرِ لِئَلّا يَفُوتَ المَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ وأخَوَيْهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ إشارَةٌ إلى بَعْضِ الأدِلَّةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ورَمْزٌ إلى نِعْمَتِهِ جَلَّ وعَلا عَلى المُخاطَبِينَ لِيَذْكُرُوها فَيُسارِعُوا إلى امْتِثالِ الأمْرِ، وفي إطْلاقِ الإيمانِ ثُمَّ تَقْيِيدِهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ ( فَآمَنّا ) عَطْفٌ عَلى ( سَمْعِنا )، والعَطْفُ بِالفاءِ مُؤْذِنٌ بِتَعْجِيلِ القَبُولِ وتَسَبُّبِ الإيمانِ عَنِ السَّماعِ مِن غَيْرِ مُهْلَةِ، والمَعْنى فَآمَنّا بِرَبِّنا لَمّا دُعِينا إلى ذَلِكَ قالَ أبُو مَنصُورٍ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ الِاسْتِثْناءِ في الإيمانِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿ رَبَّنا ﴾ تَكْرِيرٌ كَما قِيلَ لِلتَّضَرُّعِ وإظْهارٍ لِكَمالِ الخُضُوعِ وعَرْضٍ لِلِاعْتِرافِ بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى مَعَ الإيمانِ بِهِ.

﴿ فاغْفِرْ لَنا ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى الإيمانِ بِهِ تَعالى والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الفاءُ أيْ فاسْتُرْ لَنا ﴿ ذُنُوبَنا ﴾ أيْ كَبائِرِنا ﴿ وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا ﴾ أيْ صَغائِرِنا، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الذُّنُوبِ ما تَقَدَّمَ مِنَ المَعاصِي، ومِنَ السَّيِّئاتِ ما تَأخَّرَ مِنها، وقِيلَ: الأوَّلُ ما أتى بِهِ الإنْسانُ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً، والثّانِي ما أتى بِهِ مِنَ الجَهْلِ بِذَلِكَ، والأوَّلُ هو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وأُيِّدَ بِأنَّهُ المُناسِبُ لِلُّغَةِ لِأنَّ الذَّنْبَ مَأْخُوذٌ مِنَ الذَّنَبِ بِمَعْنى الذَّيْلِ فاسْتَعْمِلَ فِيما تُسْتَوْخَمُ عاقِبَتُهُ وهو الكَبِيرَةُ لِما يُعْقِبُها مِنَ الإثْمِ العَظِيمِ، ولِذَلِكَ تُسَمّى تَبِعَةً اعْتِبارًا بِما يَتْبَعُها مِنَ العِقابِ كَما صَرَّحَ بِهِ الرّاغِبُ، وأمّا السَّيِّئَةُ فَمِنَ السُّوءِ وهو المُسْتَقْبَحُ، ولِذَلِكَ تُقابَلُ بِالحَسَنَةِ فَتَكُونُ أخَفَّ، وتَأْيِيدُهُ بِأنَّ الغُفْرانَ مُخْتَصٌّ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى والتَّكْفِيرُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في فِعْلِ العَبْدِ كَما يُقالُ: كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وهو يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الثّانِي أخَفَّ مِنَ الأوَّلِ عَلى تَحَمُّلِ ما فِيهِ، إنَّما يَقْتَضِي مُجَرَّدَ الأخَفِّيَةِ، وأمّا كَوْنُ الأوَّلِ الكَبائِرَ والثّانِي الصَّغائِرَ بِالمَعْنى المُرادِ فَلا يَجُوزُ يُرادُ بِالأوَّلِ والثّانِي ما ذُكِرَ في القَوْلِ الثّالِثِ، فَإنَّ الأخَفِّيَةَ وعَدَمَها فِيهِ مِمّا لا سُتْرَةَ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ المَفْهُومُ مِن كَثِيرٍ مِن عِباراتِ اللُّغَوِيِّينَ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ الغُفْرانِ والتَّكْفِيرِ، بَلْ صَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ.

وقِيلَ: في التَّكْفِيرِ مَعْنًى زائِدٌ وهو التَّغْطِيَةُ لِلْأمْنِ مِنَ الفَضِيحَةِ وقِيلَ: إنَّهُ كَثِيرًا ما يُعْتَبَرُ فِيهِ مَعْنى الإذْهابِ والإزالَةِ ولِهَذا يُعَدّى بِعْنَ والغُفْرانُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وفي ذِكْرِ (لَنا) و(عَنّا) في الآيَةِ مَعَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: فاغْفِرْ ذُنُوبَنا وكَفِّرْ سَيِّئاتِنا لَأفادَ المَقْصُودَ إيماءً إلى وُفُورِ الرَّغْبَةِ في هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الدُّعاءَ الأوَّلَ مُتَضَمِّنٌ لِلدُّعاءِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى لِلتَّوْبَةِ لِأنَّهُ السَّبَبُ لِمَغْفِرَةِ الكَبائِرِ، وأنَّ الدُّعاءَ الثّانِيَ مُتَضَمِّنٌ لِطَلَبِ التَّوْفِيقِ مِنهُ سُبْحانَهُ لِلِاجْتِنابِ عَنِ الكَبائِرِ لِأنَّهُ السَّبَبُ لِتَفْكِيرِ الصَّغائِرِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَغْفِرَةَ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ الأشاعِرَةِ، وأنْ بَعْضَهُمُ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ حَيْثُ إنَّهم طَلَبُوا المَغْفِرَةَ بِدُونِ ذِكْرِ التَّوْبَةِ بَلْ بِدُونِ التَّوْبَةِ بِدَلالَةِ فاءَ التَّعْقِيبِ كَذا قِيلَ وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ما فِيهِ، فَتَدَبَّرْ.

﴿ وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ ﴾ أيْ مَخْصُوصِينَ بِالِانْخِراطِ في سِلْكِهِمْ والعَدِّ مِن زُمْرَتِهِمْ، ولا مَجالَ لِكَوْنِ المَعِيَّةِ زَمانِيَّةً إذْ مِنهم مَن ماتَ قَبْلُ، ومَن يَمُوتُ بَعْدُ، وفي طَلَبِهِمُ التَّوَفِّيَ وإسْنادِهِمْ لَهُ إلى اللَّهِ تَعالى إشْعارٌ بِأنَّهم يُحِبُّونَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى، ومَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى أحَبَّ اللَّهُ تَعالى لِقاءَهُ.

والأبْرارُ جَمْعُ بَرٍّ كَأرْبابٍ جَمْعُ رَبٍّ وقِيلَ: جَمْعُ بارٍّ كَأصْحابٍ جَمْعُ صاحِبٍ، وضُعِّفَ بِأنَّ فاعِلًا لا يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ، وأصْحابٌ جَمْعُ صَحْبٍ بِالسُّكُونِ، أوْ صَحِبٍ بِالكَسْرِ مُخَفَّفُ صاحِبٍ بِحَذْفِ الألِفِ.

وبَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أثْبَتَهُ وجَعَلَهُ نادِرًا، ونُكْتَةُ قَوْلِهِمْ مَعَ (الأبْرارِ) دُونَ أبْرارًا التَّذَلُّلُ، وأنَّ المُرادَ لَسْنا بِأبْرارٍ فَأسْلِكْنا مَعَهم واجْعَلْنا مِن أتْباعِهِمْ، وفي الكَشْفِ إنَّ في ذَلِكَ هَضْمًا لِلنَّفْسِ وحُسْنَ أدَبٍ مَعَ إدْماجِ مُبالَغَةٍ لِأنَّهُ مِن بابِ هو مِنَ العُلَماءِ بَدَلَ عالِمٍ.

<div class="verse-tafsir"

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ١٩٤

﴿ رَبَّنا وآتِنا ﴾ أيْ بَعْدِ التَّوَفِّي ﴿ ما وعَدْتَنا ﴾ أيْ بِهِ أوْ إيّاهُ، والمُرادُ بِذَلِكَ الثَّوابُ ﴿ عَلى رُسُلِكَ ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالوَعْدِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، وعَدْتَنا عَلى تَصْدِيقٍ أوِ امْتِثالِ رُسُلِكَ وهو كَما يُقالُ - وعَدَ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ عَلى الطّاعَةِ، وعَلى الثّانِي وعَدْتَنا وعْدًا كائِنًا عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ عَلى تَقْدِيرِ الألْسِنَةِ بِالوَعْدِ أيْضًا فَتَخِفَّ مُؤْنَةُ الحَذْفِ، وتَعَلُّقُهُ بِآتِنا كَما جَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ خِلافُ الظّاهِرِ.

وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ جَوَّزَ التَّعَلُّقَ بِكَوْنٍ مُقَيَّدٍ هو حالٌ مِن (ما) أيْ مُنْزَلًا أوْ مَحْمُولًا ﴿ عَلى رُسُلِكَ ﴾ .

واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ القاعِدَةَ أنَّ مُتَعَلِّقَ الظَّرْفِ إذا كانَ كَوْنًا مُقَيَّدًا لا يَجُوزُ حَذْفُهُ، وإنَّما يُحْذَفُ إذا كانَ كَوْنًا مُطْلَقًا، وأيْضًا الظَّرْفُ هُنا حالٌ وهو إذا وقَعَ حالًا أوْ خَبَرًا أوْ صِفَةً يَتَعَلَّقُ بِكَوْنٍ مُطْلَقٍ لا مُقَيَّدٍ، وأُجِيبَ بِمَنعِ انْحِصارِ التَّعَلُّقِ في كَوْنٍ مُطْلَقٍ بَلْ يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ أوْ بِمُقَيَّدٍ، ويَجُوزُ حَذْفُهُ إذا كانَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، ولا يَخْفى مَتانَةُ الجَوابِ، وأنَّ إنْكارَ أبِي حَيّانَ لَيْسَ بِشَيْءٍ إلّا أنَّ تَقْدِيرَ كَوْنٍ مُقَيَّدٍ فِيما نَحْنُ فِيهِ تَعَسُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.

وزَعَمَ بَعْضُهم جَوازَ كَوْنِ عَلى بِمَعْنى مَعَ، وأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِآتِنا، ولا حَذْفَ لِشَيْءٍ أصْلًا، والمُرادُ آتِنا مَعَ رُسُلِكَ وشارِكْهم مَعَنا في أجْرِنا، فَإنَّ الدّالَّ عَلى الخَيْرِ كَفاعِلِهِ، وفائِدَةُ طَلَبِ تَشْرِيكِهِمْ مَعَهم أداءُ حَقِّهِمْ وتَكْثِيرُ فَضِيلِهِمْ بِبَرَكَةِ مُشارَكَتِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ عَلَيْهِ، بَلْ ولا كَلامُ أحَدٍ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وجَمَعَ الرُّسُلَ مَعَ أنَّ المُنادِيَ هو واحِدُ الآحادِ  وحْدَهُ لِما أنَّ دَعْوَتَهُ لا سِيَّما عَلى مِنبَرِ التَّوْحِيدِ، وما أجْمَعَ عَلَيْهِ الكُلُّ مِنَ الشَّرائِعِ مُنْطَوِيَةٌ عَلى دَعْوَةِ الكُلِّ فَتَصْدِيقُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَصْدِيقٌ لَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكَذا المَوْعُودُ عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الثَّوابِ مَوْعُودٌ عَلى لِسانِهِمْ، وإيثارُ الجَمْعِ عَلى الأوَّلِ لِإظْهارِ الرَّغْبَةِ في تَيّارِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الثَّوابَ عَلى تَصْدِيقِ رُسُلٍ أعْظَمُ مِنَ الثَّوابِ عَلى تَصْدِيقِ رَسُولٍ واحِدٍ، وعَلى الثّانِي لِإظْهارِ كَمالِ الثِّقَةِ بِإنْجازِ المَوْعُودِ بِناءً عَلى كَثْرَةِ الشُّهُودِ، وتَأْخِيرُ هَذا الدُّعاءِ بِناءً عَلى ما ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ المَوْصُولِ، ويَكادُ يَكُونُ مَقْطُوعًا بِهِ ظاهِرًا لِأنَّ الأمْرَ أُخْرَوِيٌّ.

وأمّا إذا فُسِّرَ بِالنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ كَما قِيلَ، فَتَأْخِيرُهُ عَمّا قَبْلَهُ إمّا لِأنَّهُ مِن بابِ التَّحْلِيَةِ والآخَرَ مِن بابِ التَّخْلِيَةِ، والتَّحْلِيَةُ مُتَأخِّرَةٌ عَنِ التَّخْلِيَةِ، وإمّا لِأنَّ الأوَّلَ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى تَحَقُّقِهِ النَّجاةَ في العُقْبى، وعَلى عَدَمِهِ الهَلاكَ فِيها، والثّانِي لَيْسَ كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى فَيَكُونُ دُونَهُ، فَلِهَذا أُخِّرَ عَنْهُ، وأيَّدَ كَوْنَ المُرادِ النَّصْرَ لا الثَّوابَ الأُخْرَوِيَّ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ لِأنَّ طَلَبَ الثَّوابِ يُغْنِي عَنْ هَذا الدُّعاءِ لِأنَّ الثَّوابَ مَتى حَصَلَ كانَ الخِزْيُ عَنْهم بِمَراحِلَ، وهَذا بِخِلافٍ ما إذا كانَ المُرادُ مِنَ الأوَّلِ الدُّعاءَ بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا فَإنَّ عَدَمَ الإغْناءِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ بَلْ في الجَمْعِ بَيْنَ الدُّعاءَيْنِ حِينَئِذٍ لَطافَةٌ إذْ مَآلُ الأوَّلِ (لا تُخْزِنا) في الدُّنْيا بِغَلَبَةِ العَدُوِّ عَلَيْنا فَكَأنَّهم قالُوا: لا تُخْزِنا في الدُّنْيا ولا تُخْزِنا في الآخِرَةِ، وغايَرُوا في التَّعْبِيرِ فَعَبَّرُوا في طَلَبِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ بِعِبارَةٍ لِلِاخْتِلافِ بَيْنَ المَطْلُوبَيْنِ أنْفُسِهِما، وأُجِيبَ بِأنَّ فائِدَةَ التَّعْقِيبِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ الإشارَةُ إلى أنَّهم طَلَبُوا ثَوابًا كامِلًا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ خِزْيٌ ووُقُوعٌ في بَلاءٍ، وكَأنَّهم لَمّا طَلَبُوا ما هو المُتَمَنّى الأعْظَمُ وغايَةُ ما يَرْجُوهُ الرّاجُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ الأيْوَمِ وهو الثَّوابُ التَفَتُوا إلى طَلَبِ ما يَعْظُمُ بِهِ أمْرُهُ ويَرْتَفِعُ بِهِ في ذَلِكَ المَوْقِفِ قَدْرُهُ وهو تَرْكُ العَذابِ بِالمَرَّةِ، وفي الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ عَلى هَذا مِنَ اللُّطْفِ ما لا يَخْفى، وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهم طَلَبُوا الثَّوابَ أوَّلًا بِاعْتِبارِ أنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ العَذابَ الجُسْمانِيَّ ثُمَّ طَلَبُوا دَفْعَ العَذابِ الرُّوحانِيِّ بِناءً عَلى أنَّ الخِزْيَ الإهانَةُ والتَّخْجِيلُ، فَيَكُونُ في الكَلامِ تَرَقٍّ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى كَأنَّهم قالُوا: رَبَّنا ادْفَعْ عَنّا العَذابَ الجُسْمانِيَّ وادْفَعْ عَنّا ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو العَذابُ الرُّوحانِيُّ، وإنْ أنْتَ أبَيْتَ هَذا وذاكَ وادَّعَيْتَ التَّلازُمَ بَيْنَ الثَّوابِ وتَرْكِ الخِزْيِ فَلَنا أنْ نَقُولَ: إنَّ القَوْمَ لِمَزِيدِ حِرْصِهِمْ وفَرْطِ رَغْبَتِهِمْ في النَّجاةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ الأهْوالُ وتَشِيبُ فِيهِ الأطْفالُ لَمْ يَكْتَفُوا بِأحَدِ الدُّعاءَيْنِ وإنِ اسْتَلْزَمَ الآخَرَ بَلْ جَمَعُوا بَيْنَهُما لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الإلْحاحِ - واللَّهُ تَعالى يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ - فَهو أقْرَبُ إلى الإجابَةِ، وقَدَّمُوا الأوَّلَ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِما قَبْلَهُ صِيغَةً، ومِنَ النّاسِ مَن يُؤَوِّلُ هَذا الدُّعاءَ بِأنَّهُ طَلَبُ العِصْمَةِ عَمّا يَقْتَضِي الإخْزاءَ، وجُعِلَ خَتْمَ الأدْعِيَةِ لِيَكُونَ خِتامُها مِسْكًا لِأنَّ المَطْلُوبَ فِيهِ أمْرٌ عَظِيمٌ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ مَعْنًى ولَفْظًا، ويَجِبُ ذَلِكَ قَطْعًا إنْ كانَ الكَلامُ مُؤَوَّلًا، أوْ كانَ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ النَّصْرِ، ويَتَرَجَّحُ بَلْ يَكادُ يَجِبُ أيْضًا إذا كانَ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ الثَّوابِ واحْتِمالِ أنَّهُ مِمّا تَنازَعَ فِيهِ (آتِنا ﴿ ولا تُخْزِنا ﴾ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ هو كَما تَرى.

﴿ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ (194) تَذْيِيلٌ لِتَحْقِيقِ ما نَظَمُوا في سِلْكِ الدُّعاءِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِما قَبِلَ الأخِيرِ اللّازِمِ لَهُ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الأجْهُورِيُّ، و(المِيعادَ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الوَعْدِ، وقَيَّدَهُ الكَثِيرُ هُنا بِالإثابَةِ والإجابَةِ وهو الظّاهِرُ، وأمّا تَفْسِيرُهُ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - فَصَحِيحٌ لِأنَّهُ مِيعادُ النّاسِ لِلْجَزاءِ، وقَدْ يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ، وتَرْكُ العَطْفِ فِي هَذِهِ الأدْعِيَةِ المُفْتَتَحَةِ بِالنِّداءِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ المَطالِبِ وعُلُوِّ شَأْنِها، وقَدْ أشَرْنا إلى سِرِّ تَكْرارِ النِّداءِ بِذَلِكَ الِاسْمِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ مَرَّةً: يا رَبِّ، فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى: لَبَّيْكَ يا مُوسى، فَعَجِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ فَقالَ: يا رَبِّ أهَذا لِي خاصَّةً ؟

فَقالَ: لا ولَكِنْ لِكُلِّ مَن يَدْعُونِي بِالرُّبُوبِيَّةِ، وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَن أحْزَنَهُ أمْرٌ فَقالَ: رَبَّنا رَبَّنا خَمْسَ مَرّاتٍ نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِمّا يَخافُ وأعْطاهُ ما أرادَ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: ما مِن عَبْدٍ يَقُولُ يا رَبِّ ثَلاثَ مَرّاتٍ إلّا نَظَرَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، فَذُكِرَ لِلْحَسَنِ فَقالَ: أما تَقْرَأِ القُرْآنَ ﴿ رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا ﴾ إلَخْ.

فَإنْ قُلْتَ: إنَّ وعْدَ اللَّهِ تَعالى واجِبُ الوُقُوعِ لِاسْتِحالَةِ الخُلْفِ في وعْدِهِ سُبْحانَهُ إجْماعًا فَكَيْفَ طَلَبَ القَوْمُ ما هو واقِعٌ لا مَحالَةَ ؟

قُلْتُ: أُجِيبَ بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ تَعالى لَهم لَيْسَ بِحَسَبِ ذَواتِهِمْ بَلْ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ، فالمَقْصُودُ مِنَ الدُّعاءِ التَّوْفِيقُ لِلْأعْمالِ الَّتِي يَصِيرُونَ بِها أهْلًا لِحُصُولِ المَوْعُودِ، أوِ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ الِاسْتِكانَةِ والتَّذَلُّلِ لِلَّهِ تَعالى بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ وبِهَذا يَلْتَئِمُ التَّذْيِيلُ أتَمَّ التِئامٍ، واخْتارَ هَذا الجُبّائِيُّ وعَلِيُّ بْنُ عِيسى، أوِ الدُّعاءُ تَعَبُّدِيٌّ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ادْعُونِي ﴾ فَلا يَضُرُّ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا بِواجِبِ الوُقُوعِ، وما يَسْتَحِيلُ خِلافُهُ، ومِن ذَلِكَ ﴿ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ﴾ وقِيلَ: إنَّ المَوْعُودَ بِهِ هو النَّصْرُ لا غَيْرُ، والقَوْمُ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَكِنَّهم لَمْ يُوَقَّتْ لَهم في الوَعْدِ لِيَعْلَمُوهُ فَرَغِبُوا إلى اللَّهِ تَعالى في تَعْجِيلِ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ السُّرُورِ بِالظَّفَرِ، فالمَوْعُودُ غَيْرُ مَسْؤُولٍ والمَسْؤُولُ غَيْرُ مَوْعُودٍ، فَلا إشْكالَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَّبَرِيُّ وقالَ: إنَّ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَن هاجَرَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واسْتَبْطَأُوا النَّصْرَ عَلى أعْدائِهِمْ بَعْدَ أنْ وُعِدُوا بِهِ وقالُوا: لا صَبْرَ لَنا عَلى أناتِكَ وحِلْمِكَ، وقَوِيَ بِما بَعْدُ مِنَ الآياتِ، وكَلامُ أبِي القاسِمِ البَلْخِيِّ يُشِيرُ إلى هَذا أيْضًا وفِيهِ كَلامٌ يُعْلَمُ مِمّا قَدَّمْنا، وقِيلَ: لَيْسَ هُناكَ دُعاءٌ حَقِيقَةً بَلِ الكَلامُ مُخْرَجٌ مُخْرَجَ المَسْألَةِ، والمُرادُ مِنهُ الخَبَرُ، ولا يَخْفى أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيقِ، ويَزِيدُهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ.

<div class="verse-tafsir"

فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَـٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَـٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ثَوَابًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ ﴾ الِاسْتِجابَةُ الإجابَةُ، ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ الإجابَةَ تُطْلَقُ عَلى الجَوابِ ولَوْ بِالرَّدِّ، والِاسْتِجابَةُ الجَوابُ بِحُصُولِ المُرادِ لِأنَّ زِيادَةَ السِّينِ تَدُلُّ عَلَيْهِ إذْ هو لِطَلَبِ الجَوابِ، والمَطْلُوبُ ما يُوافِقُ المُرادَ لا ما يُخالِفُهُ، وتَتَعَدّى بِاللّامِ وهو الشّائِعُ، وقَدْ تَتَعَدّى بِنَفْسِها كَما في قَوْلِهِ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ وهَذا كَما قالَ الشِّهابُ وغَيْرُهُ: في التَّعْدِيَةِ إلى الدّاعِي، وأمّا إلى الدُّعاءِ فَشائِعٌ بِدُونِ اللّامِ مِثْلُ: اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ ولِهَذا قِيلَ: إنَّ هَذا البَيْتَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لَمْ يَسْتَجِبْ دُعاءَهُ، والفاءَ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ إمّا عَلى الِاسْتِئْنافِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ ولا ضَيْرَ في اخْتِلافِهِما صِيغَةً لِما أنَّ صِيغَةَ المُسْتَقْبَلِ هُناكَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ المُناسِبِ لِمَقامِ الدُّعاءِ، وصِيغَةُ الماضِي هُنا لِلْإيذانِ بِتَحْقِيقِ الِاسْتِجابَةِ وتَقَرُّرِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ أيْ دَعَوْا بِهَذِهِ الأدْعِيَةِ ﴿ فاسْتَجابَ لَهُمْ ﴾ إلَخْ.

وإنْ قُدِّرَ ذَلِكَ القَوْلُ المُقَدَّرُ حالًا فَهو عَطْفٌ عَلى (يَتَفَكَّرُونَ) بِاعْتِبارِ مُقارَنَتِهِ لِما وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( رَبَّنا ) إلَخْ، فَإنَّ الِاسْتِجابَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى دَعَواتِهِمْ لا عَلى مُجَرَّدِ تَفَكُّرِهِمْ، وحَيْثُ كانَتْ مِن أوْصافِهِمُ الجَمِيلَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى أعْمالِهِمْ بِالآخِرَةِ اسْتَحَقَّتِ الِانْتِظامَ في سِلْكِ مَحاسِنِهِمُ المَعْدُودَةِ في أثْناءِ مَدْحِهِمْ وأمّا عَلى كَوْنِ المَوْصُولِ نَعْتًا لِأُولِي الألْبابِ فَلا مَساغَ لِهَذا العَطْفِ لِما عَرَفْتَ سابِقًا، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، والمَشْهُورُ العَطْفُ عَلى المُنْساقِ إلى الذِّهْنِ وهو المُنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، وفي ذِكْرِ الرَّبِّ هُنا مُضافًا ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا أسْمَعُ اللَّهُ تَعالى ذَكَرَ النِّساءَ في الهِجْرَةِ بِشَيْءٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَجابَ لَهُمْ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ»، فَقالَتِ الأنْصارُ: هي أوَّلُ ظَعِينَةٍ قَدِمَتْ عَلَيْنا.

ولَعَلَّ المُرادَ أنَّها نَزَلَتْ تَتِمَّةً لِما قَبْلَها.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْها أنَّها قالَتْ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ ﴾ .

﴿ أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ ﴾ أيْ بِأنِّي، وهَكَذا قَرَأ أُبَيٌّ، واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِهِ فَخَرَّجَهُ العَلّامَةُ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ فاسْتَجابَ لَهُمْ ﴾ بِسَبَبِ أنَّهُ لا يَضِيعُ عَمَلٌ عامِلٌ مِنهم أيْ سُنَّتُهُ السُّنِّيَةُ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى ذَلِكَ، وجُعِلَ التَّكَلُّمُ في ( أنِّي ) والخِطابُ في ( مِنكم ) مِن بابِ الِالتِفاتِ، والنُّكْتَةُ الخاصَّةُ فِيهِ إظْهارُ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الِاسْتِجابَةِ وتَشْرِيفُ الدّاعِينَ بِشَرَفِ الخِطابِ، والتَّعَرُّضُ لِبَيانِ السَّبَبِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِجابَةِ، والإشْعارُ بِأنَّ مَدارَها أعْمالُهُمُ الَّتِي قَدَّمُوها عَلى الدُّعاءِ لا مُجَرَّدَ الدُّعاءِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّها صِلَةٌ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا إمّا مِن فاعِلِ (اسْتَجابَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (لَهُمْ) والتَّقْدِيرُ مُخاطِبًا لَهم بِأنِّي، أوْ مُخاطَبِينَ بِأنِّي إلَخْ، وقِيلَ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِاسْتَجابَ لِأنَّ فِيها مَعْنى القَوْلِ، وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، ويُؤَيِّدُ القَوْلَيْنِ أنَّهُ قُرِئَ (إنِّي) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وفِيها يَتَعَيَّنُ إرادَةُ القَوْلِ ومَوْقِعُهُ الحالُ أيْ قائِلًا إنِّي أوْ مَقُولًا لَهم (إنِّي) إلَخْ، وتَوافُقُ القِراءَتَيْنِ خَيْرٌ مِن تَخالُفِهِما، وهَذا التَّوافُقُ ظاهِرٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ وصاحِبُ القِيلِ وإنِ اخْتُلِفَ فِيهِما شِدَّةً وضَعْفًا، وأمّا عَلى ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ فالظُّهُورُ لا يَكادُ يَظْهَرُ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ غَيْرُ ظاهِرٍ كَما لا يَخْفى، وقُرِئَ: (لا أُضَيِّعُ) بِالتَّشْدِيدِ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَعْدِ العامِلِينَ عَلى العُمُومِ مَعَ الرَّمْزِ إلى وعِيدِ المُعْرِضِينَ غايَةُ اللُّطْفِ بِحالِ هَؤُلاءِ الدّاعِينَ لا سِيَّما وقَدْ عَبَّرَ هُناكَ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ بِالإضاعَةِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِإضاعَةِ حَقِيقَةٍ إذِ الأعْمالُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَلْزَمَ مِن تَخَلُّفِهِ عَنْها إضاعَتُها، ولَكِنْ عَبَّرَ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِأمْرِ الإثابَةِ حَتّى كَأنَّها واجِبَةٌ عَلَيْهِ تَعالى - كَذا قِيلَ - والمَشْهُورُ أنَّ الإضاعَةَ في الأصْلِ الإهْلاكُ ومِثْلُها التَّضْيِيعُ، ويُقالُ: ضاعَ يَضِيعُ ضَيْعَةً وضَياعًا بِالفَتْحِ إذا هَلَكَ، واسْتُعْمِلَتْ هُنا بِمَعْنى الإبْطالِ أيْ لا أُبْطِلُ عَمَلَ عامِلٍ كائِنٍ مِنكم ﴿ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى ﴾ بَيانٌ لِعامِلٍ، وتَأْكِيدٌ لِعُمُومِهِ إمّا عَلى مَعْنى شَخْصٍ عامِلٍ أوْ عَلى التَّغْلِيبِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن مِنكم بَدَلَ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ إذْ هُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و(مِن) إمّا ابْتِدائِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِن أصْلِ بَعْضٍ، أوْ بِدُونِهِ لِأنَّ الذَّكَرَ مِنَ الأُنْثى والأُنْثى مِنَ الذَّكَرِ، وإمّا اتِّصالِيَّةٌ والِاتِّصالُ إمّا بِحَسَبِ اتِّحادِ الأصْلِ، أوِ المُرادُ بِهِ الِاتِّصالُ في الِاخْتِلاطِ أوِ التَّعاوُنِ، أوِ الِاتِّحادُ في الدِّينِ حَتّى كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الآخَرِ لِما بَيْنَهُما مِن أُخُوَّةِ الإسْلامِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِسَبَبِ انْتِظامِ النِّساءِ في سِلْكِ الدُّخُولِ مَعَ الرِّجالِ في الوَعْدِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا أوْ صِفَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ ضَرْبُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في العَمَلِ، وتَعْدادٌ لِبَعْضِ أحاسِنِ أفْرادِهِ مَعَ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ.

وأصْلُ المُهاجِرَةِ مِنَ الهِجْرَةِ وهو التَّرْكُ، وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ في المُهاجَرَةِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ أيْ تَرْكُ الأُولى لِلثّانِيَةِ مُطْلَقًا، أوْ لِلدِّينِ عَلى ما هو الشّائِعُ في اسْتِعْمالِ الشَّرْعِ، والمُتَبادِرُ في الآيَةِ هو هَذا المَعْنى، وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ عَطْفُ تَفْسِيرٍ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ تِلْكَ المُهاجَرَةَ كانَتْ عَنْ قَسْرٍ واضْطِرارٍ لِأنَّ المُشْرِكِينَ آذَوْهم وظَلَمُوهم حَتّى اضْطُرُّوا إلى الخُرُوجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هاجَرُوا الشِّرْكَ وتَرَكُوهُ وحِينَئِذٍ يَكُونُ ﴿ وأُخْرِجُوا ﴾ إلَخْ تَأْسِيسًا ﴿ وأُوذُوا في سَبِيلِي ﴾ أيْ بِسَبَبِ طاعَتِي وعِبادَتِي ودِينِي وذَلِكَ سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِنَ الإيذاءِ ما هو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِالإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا كانَ يُصِيبُ المُؤْمِنِينَ مِن قِبَلِ المُشْرِكِينَ ﴿ وقاتَلُوا ﴾ أيَّ الكُفّارَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ وقُتِلُوا ﴾ اسْتُشْهِدُوا في القِتالِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالعَكْسِ، ولا إشْكالَ فِيها لِأنَّ الواوَ لا تُوجِبُ تَرْتِيبًا، وقُدِّمَ القَتْلُ لِفَضْلِهِ بِالشَّهادَةِ هَذا إذا كانَ القَتْلُ والمُقاتَلَةُ مِن شَخْصٍ واحِدٍ، أمّا إذا كانَ المُرادُ قُتِلَ بَعْضٌ وقاتَلَ بَعْضٌ آخَرَ ولَمْ يَضْعُفُوا بِقَتْلِ إخْوانِهِمْ فاعْتِبارُ التَّرْتِيبِ فِيها أيْضًا لا يَضُرُّ، وصَحَّحَ هَذِهِ الإرادَةَ أنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى اتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَوْصُولِ المَذْكُورِ بِكُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ بَلْ عَلى اتِّصافِ الكُلِّ بِالكُلِّ في الجُمْلَةِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِاتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ المَوْصُولِ بِواحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ، أوْ بِاثْنَيْنِ مِنها، أوْ بِأكْثَرَ فَحِينَئِذٍ يَتَأتّى ما ذُكِرَ إمّا بِطْرِيقِ التَّوْزِيعِ أيْ مِنهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا ومِنهُمُ الَّذِينَ قاتَلُوا، أوْ بِطْرِيقِ حَذْفِ بَعْضِ المَوْصُولاتِ مِنَ البَيْنِ - كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ - أيْ والَّذِينَ قُتِلُوا والَّذِينَ قاتَلُوا، ويُؤَيِّدُ كَوْنُ المَعْنى عَلى اتِّصافِ الكُلِّ بِالكُلِّ في الجُمْلَةِ أنَّهُ لَوْ كانَ المَعْنى عَلى اتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ بِالكُلِّ لَكانَ قَدْ أُضِيعَ عَمَلُ مَنِ اتُّصِفَ بِالبَعْضِ مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ قُتِلُوا وقَدْ قاتَلُوا فَقَدْ مُضْمَرَةٌ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ - مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ الكَلامُ الجَلِيلُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ (قُتِّلُوا) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لَأُكَفِّرَنَّ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو المَوْصُولُ، وزَعَمَ ثَعْلَبٌ أنَّ الجُمْلَةَ لا تَقَعُ خَبَرًا ووَجَّهَهُ أنَّ الخَبَرَ لَهُ مَحَلٌّ وجَوابَ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَهُ - وهو الثّانِي - فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّ لَهُ مَحَلًّا مِن جِهَةِ الخَبَرِيَّةِ ولا مَحَلَّ لَهُ مِن جِهَةِ الجَوابِيَّةِ، أوِ الَّذِي لا مَحَلَّ لَهُ الجَوابُ والخَبَرُ مَجْمُوعُ القَسَمِ وجَوابِهِ، ولا يَضُرُّ كَوْنُ الجُمْلَةِ إنْشائِيَّةً لِتَأْوِيلِها بِالخَبَرِ أوْ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ كَما هو مَعْرُوفٌ في أمْثالِهِ، والتَّكْفِيرُ في الأصْلِ السِّتْرُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ ولِاقْتِضائِهِ بَقاءَ الشَّيْءِ المَسْتُورِ - وهو لَيْسَ بِمُرادٍ - فَسَّرَهُ هُنا بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِالمَحْوِ، والمُرادُ مِن مَحْوِ السَّيِّئاتِ مَحْوُ آثارِها مِنَ القَلْبِ، أوْ مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ، وإثْباتُ الطّاعَةِ مَكانَها كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ والمُرادُ مِنَ السَّيِّئاتِ فِيما نَحْنُ فِيهِ الصَّغائِرُ لِأنَّها الَّتِي تُكَفَّرُ بِالقُرُباتِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنِ العُلَماءِ، لَكِنْ بِشَرْطِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ كَما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ جُمْهُورِ أهْلِ السُّنَّةِ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِما في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الصَّلَواتُ الخَمْسُ والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَها ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» .

وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ الصَّغائِرَ تَقَعُ مُكَفَّرَةً بِمُجَرَّدِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ ولا دَخْلَ لِلْقُرُباتِ في تَكْفِيرِها، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ وحَمَلَهُ الجُمْهُورُ عَلى مَعْنى نُكَفِّرُ عَنْكم سَيِّئاتِكم بِحَسَناتِكم وأوْرَدُوا عَلى المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ قَدْ ورَدَ: «صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفارَّةُ سَنَتَيْنِ»، «وصَوْمُ يَوْمِ عاشُوراءَ كَفارَّةُ سَنَةٍ» .

ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ كَثِيرٌ، فَإذا كانَ مُجَرَّدُ اجْتِنابِ الكَبائِرِ مُكَفِّرًا فَما الحاجَةُ لِمَقاساتِ هَذا الصَّوْمِ مَثَلًا ؟

وإنَّما لَمْ تُحْمَلِ السَّيِّئاتُ عَلى ما يَعُمُّ الكَبائِرَ لِأنَّها لا بُدَّ لَها مِنَ التَّوْبَةِ ولا تُكَفِّرُها القُرُباتُ أصْلًا في المَشْهُورِ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ فَرْضٌ عَلى الخاصَّةِ والعامَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ ﴾ ويَلْزَمُ مِن تَكْفِيرِ الكَبائِرِ بِغَيْرِها بُطْلانُ فَرْضِيَّتِها وهو خِلافُ النَّصِّ.

وقالَ ابْنُ الصَّلاحِ في فَتاوِيهِ: قَدْ يُكَفِّرُ بَعْضُ القُرُباتِ كالصَّلاةِ مَثَلًا بَعْضَ الكَبائِرِ إذا لَمْ يَكُنْ صَغِيرَةٌ، وصَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِأنَّ الطّاعاتِ لا تُكَفِّرُ الكَبائِرَ لَكِنْ قَدْ تُخَفِّفُها، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ القُرْبَةَ تَمْحُو الخَطِيئَةَ سَواءٌ كانَتْ كَبِيرَةً أوْ صَغِيرَةً، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ﴾ وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أتْبِعِ السَّيِّئاتِ الحَسَنَةَ تَمْحُها» .

وفِيهِ بَحْثٌ إذِ الحَسَنَةُ في الآيَةِ والحَدِيثِ بِمَعْنى التَّوْبَةِ إنْ أُخِذَتِ السَّيِّئَةُ عامَّةً.

ولا يُمْكِنُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حَمْلُها عَلى الظّاهِرِ لِما أنَّ السَّيِّئَةَ حِينَئِذٍ تَشْمَلُ حُقُوقَ العِبادِ والإجْماعِ عَلى أنَّ الحَسَناتِ لا تُذْهِبُها وإنَّما تُذْهِبُها التَّوْبَةُ بِشُرُوطِها المُعْتَبَرَةِ المَعْلُومَةِ، وأيْضًا لَوْ أُخِذَ بِعُمُومِ الحُكْمِ لَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الفَسادُ مِن عَدَمِ خَوْفٍ في المَعادِ عَلى أنَّ في سَبَبِ النُّزُولِ ما يُرْشِدُ إلى تَخْصِيصِ كُلٍّ مِنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ، فَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ رَجُلًا أصابَ مِنِ امْرَأةٍ قُبْلَةً ثُمَّ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ، فَدَعاهُ فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ رَجُلٌ: هَذِهِ لَهُ خاصَّةً يا رَسُولِ اللَّهِ ؟

فَقالَ: بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً».

ووَجْهُ الإرْشادِ إمّا إلى تَخْصِيصِ الحَسَنَةِ بِالتَّوْبَةِ فَهو أنَّهُ جاءَهُ تائِبًا ولَيْسَ في الحَدِيثِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صَدَرَ مِنهُ حَسَنَةٌ أُخْرى، وإمّا عَلى تَخْصِيصِ السَّيِّئَةِ بِالصَّغِيرَةِ فَلِأنَّ ما وقَعَ مِنهُ كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ تَقْبِيلَ الأجْنَبِيَّةِ مِنَ الصَّغائِرِ كَما صَرَّحُوا بِهِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ: إنَّ الحَسَنَةَ تُكَفِّرُ الصَّغِيرَةَ ما لَمْ يُصِرَّ عَلَيْها سَواءٌ فَعَلَ الكَبِيرَةَ أمْ لا مَعَ القَوْلِ الأصَحِّ بِأنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الصَّغِيرَةِ واجِبَةٌ أيْضًا، ولَوْ لَمْ يَأْتِ بِكَبِيرَةٍ لِجَوازِ تَعْذِيبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِها خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وقِيلَ: الواجِبُ الإتْيانُ بِالتَّوْبَةِ أوْ بِمُكَفِّرِها مِنَ الحَسَنَةِ، وفي المَسْألَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ.

ولَعَلَّ التَّوْبَةَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تُفْضِي إلى إتْمامِهِ، هَذا ورُبَّما يُقالُ: إنَّ حَمْلَ السَّيِّئاتِ هُنا عَلى ما يَعُمُّ الكَبائِرَ سائِغٌ بِناءً عَلى أنَّ المُهاجَرَةَ تَرْكُ الشِّرْكِ وهو إنَّما يَكُونُ بِالإسْلامِ، والإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وحِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ في السَّيِّئاتِ شَبَهُ التَّوْزِيعِ بِأنْ يُؤْخَذَ مِن أنْواعِ مَدْلُولِها مَعَ كُلِّ وصْفٍ ما يُناسِبُهُ، ويَكُونُ هَذا تَصْرِيحًا بِوَعْدِ ما سَألَهُ الدّاعُونَ مِن غُفْرانِ الذُّنُوبِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ بِالخُصُوصِ بَعْدَ ما وُعِدَ ذَلِكَ بِالعُمُومِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الإسْلامَ يَجُبُ ما قَبْلَهُ مُطْلَقًا، وفِيهِ خِلافٌ، فَقَدْ قالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّ الإسْلامَ المُقارِنَ لِلنَّدَمِ إنَّما يُكَفِّرُ وِزْرَ الكُفْرِ لا غَيْرَ، وأمّا غَيْرُهُ مِنَ المَعاصِي فَلا يُكَفَّرُ إلّا بِتَوْبَةٍ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ كَما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ، واسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنْ أحْسَنَ في الإسْلامِ لَمْ يُؤاخَذْ بِالأوَّلِ ولا بِالآخِرِ، وإنْ أساءَ في الإسْلامِ أُخِذَ بِالأوَّلِ والآخِرِ».

ولَوْ كانَ الإسْلامُ يُكَفِّرُ سائِرَ المَعاصِي لَمْ يُؤاخَذْ بِها إذا أسْلَمَ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَعَ اعْتِبارِ ما ذُكِرَ مِن شَبَهِ التَّوْزِيعِ يُهَوَّنُ أمْرُ الخِلافِ كَما لا يَخْفى عَلى أرْبابِ الإنْصافِ فَتَدَبَّرْ.

﴿ ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَبَّرَ عَنْهُ الدّاعُونَ فِيما قَبْلُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ﴾ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، أوْ رَمْزٌ إلى ما سَألُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ عَلى القَوْلِ الآخَرِ ﴿ ثَوابًا ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ لِأنَّ مَعْنى الجُمْلَةِ لَأُثِيبَنَّهم بِذَلِكَ، فَوَضَعَ ثَوابًا مَوْضِعَ الإثابَةِ وإنْ كانَ في الأصْلِ اسْمًا لِما يُثابُ بِهِ كالعَطاءِ لِما يُعْطى، وقِيلَ: إنَّهُ تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ مِن جَنّاتٍ لِوَصْفِها، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ أيْ مُثابًا بِها أوْ مُثابِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن جَنّاتٍ، وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ صِفَةٌ لِثَوابًا وهو وصْفٌ مُؤَكِّدٌ لِأنَّ الثَّوابَ لا يَكُونُ إلّا مِن عِنْدِهِ تَعالى لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِهِ تَعْظِيمًا لِلثَّوابِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، ولا يَرِدُ أنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ كَيْفَ يَكُونُ مُؤَكِّدًا، لِما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ أنَّ الوَصْفَ المُؤَكِّدَ لا يُنافِي كَوْنَ المَصْدَرِ مُؤَكِّدًا.

وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِثَوابًا بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِاسْمِ المَفْعُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ ﴾ (195) تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( عِنْدَهُ ) و(حُسْنُ الثَّوابِ) مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ ثانٍ، والظَّرْفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والكَلامُ مُخْرَجٌ مُخْرَجَ قَوْلِ الرَّجُلِ: عِنْدِي ما تُرِيدُ يُرِيدُ اخْتِصاصَهُ بِهِ وتَمَلُّكَهُ لَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَلَيْسَ مَعْنًى عِنْدَهُ ﴿ حُسْنُ الثَّوابِ ﴾ أنَّ الثَّوابَ بِحَضْرَتِهِ وبِالقُرْبِ مِنهُ عَلى ما هو حَقِيقَةُ لَفْظِ عِنْدَهُ، بَلْ مَثَّلَ هُناكَ كَوْنَهُ بِقُدْرَتِهِ وفَضْلِهِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِحالِ الشَّيْءِ يَكُونُ بِحَضْرَةِ أحَدٍ لا يَدَّعِيهِ لِغَيْرِهِ، والِاخْتِصاصُ مُسْتَفادٌ مِن هَذا التَّمْثِيلِ حَتّى لَوْ لَمْ يُجْعَلْ ﴿ حُسْنُ الثَّوابِ ﴾ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا كانَ الِاخْتِصاصُ بِحالِهِ، وقَدْ أفادَتِ الآيَةُ مَزِيدَ فَضْلِ المُهاجِرِينَ ورِفْعَةَ شَأْنِهِمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لَفُقَراءُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ تُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ إذا أُمِرُوا سَمِعُوا وأطاعُوا، وإنْ كانَتْ لِرَجُلٍ مِنهم حاجَةٌ إلى السُّلْطانِ لَمْ تُقْضَ حَتّى يَمُوتَ وهي في صَدْرِهِ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى يَدْعُو يَوْمَ القِيامَةِ الجَنَّةَ فَتَأْتِي بِزَخْرَفَتِها وزِينَتِها فَيَقُولُ: أيْنَ عِبادِي الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِي وأُوذُوا في سَبِيلِي وجاهَدُوا في سَبِيلِي، ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فَيَدْخُلُونَها بِغَيْرِ عَذابٍ ولا حِسابٍ، وتَأْتِي المَلائِكَةُ فَيَسْجُدُونَ ويَقُولُونَ: رَبَّنا نَحْنُ نُسَبِّحُ لَكَ اللَّيْلَ والنَّهارَ ونُقَدِّسُ لَكَ ما هَؤُلاءِ الَّذِينَ آثَرْتَهم عَلَيْنا ؟

فَيَقُولُ: هَؤُلاءِ عِبادِي الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِي وأُوذُوا في سَبِيلِي، فَتَدْخُلُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ مَن كُلِّ بابٍ: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ ١٩٦

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ مِنهُ أُمَّتُهُ، وكَثِيرًا ما يُخاطَبُ سَيِّدُ القَوْمِ بِشَيْءٍ ويُرادُ أتْباعُهُ فَيَقُومُ خِطابُهُ مَقامَ خِطابِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وغَيْرِهِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ المُخاطَبِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ المُرادَ تَثْبِيتُهُ  عَلى ما هو عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ ﴾ وضُعِّفَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَكُونُ مِنهُ تَزَلْزُلٌ حَتّى يُؤْمَرَ بِالثَّباتِ - وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى - والنَّهْيُ في المَعْنى لِلْمُخاطَبِ أيْ لا تَغْتَرَّ بِما عَلَيْهِ الكَفَرَةُ مِنَ التَّبَسُّطِ في المَكاسِبِ والمَتاجِرِ والمَزارِعِ ووُفُورِ الحَظِّ، وإنَّما جُعِلَ النَّهْيُ ظاهِرًا لِلتَّقَلُّبِ تَنْزِيلًا لِلسَّبَبِ مَنزِلَةَ المُسَبَّبِ، فَإنَّ تَغْرِيرَ التَّقَلُّبِ لِلْمُخاطَبِ سَبَبٌ واغْتِرارَهُ بِهِ مُسَبَّبٌ، فَمَنَعَ السَّبَبَ بِوُرُودِ النَّهْيِ عَلَيْهِ لِيَمْتَنِعَ المُسَبَّبَ الَّذِي هو اغْتِرارُ المُخاطَبِ بِذَلِكَ السَّبَبِ عَلى طَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ وهو أبْلَغُ مِن وُرُودِ النَّهْيِ عَلى المُسَبَّبِ مِن أوَّلِ الأمْرِ قالُوا: وهَذا عَلى عَكْسِ قَوْلِ القائِلِ: لا أرَيَنَّكَ هُنا فَإنَّ فِيهِ النَّهْيَ عَنِ المُسَبَّبِ وهو الرُّؤْيَةُ لِيَمْتَنِعَ السَّبَبُ وهو حُضُورُ المُخاطَبِ.

وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ الغارِّيَّةَ والمَغْرُورِيَّةَ مُتَضايِفانِ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ القَطْعَ والِانْقِطاعَ ونَحْوَ ذَلِكَ مَثَلًا مُتَضايِفانِ، وحُقِّقَ أنَّ المُتَضايِفَيْنِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ أحَدُهُما سَبَبًا لِلْآخَرِ بَلْ هُما مَعًا في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: عُلِّقَ النَّهْيُ بِكَوْنِ التَّقَلُّبِ غارًّا لِيُفِيدَ نَهْيَ المُخاطَبِ عَنِ الِاغْتِرارِ لِأنَّ نَفْيَ أحَدِ المُتَضايِفَيْنِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الآخَرِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما لَمْ يَقَعِ الإجْماعُ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ النَّظَرَ الصّائِبَ يَقْضِي بِخِلافِهِ، وفُسِّرَ المَوْصُولُ بِالمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَقَدْ ذَكَرَ الواحِدِيُّ «أنَّهم كانُوا في رَخاءٍ ولِينٍ مِنَ العَيْشِ وكانُوا يَتَّجِرُونَ ويَتَنَعَّمُونَ فَقالَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ تَعالى فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجُهْدِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ»، وبَعْضٌ فَسَرَّهُ بِاليَهُودِ، وحَكى أنَّهم كانُوا يَضْرِبُونَ في الأرْضِ ويُصِيبُونَ الأمْوالَ والمُؤْمِنُونَ في عَناءٍ فَنَزَلَتْ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الفَرّاءُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ بِبَيانِ قُبْحِ ما أُوتِيَ الكَفَرَةُ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا إثْرَ بَيانِ حُسْنِ ما سَيَنالُونَهُ مِنَ الثَّوابِ الجَزِيلِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِرِوايَةِ رُوَيْسٍ وزَيْدٍ (ولا يَغَرُنَّكَ) بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ.

<div class="verse-tafsir"

مَتَـٰعٌۭ قَلِيلٌۭ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ١٩٧

﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو يَعْنِي: تَقَلُّبُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ، وقُلْتُهُ إمّا بِاعْتِبارِ قَصْرِ مُدَّتِهِ أوْ بِالقِياسِ إلى ما فاتَهم مِمّا أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ، وفِيما رَواهُ مُسْلِمٌ مَرْفُوعًا: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ فَيَنْظُرُ بِمَ تَرْجِعُ» .

وقِيلَ: إنَّ وصْفَ ذَلِكَ المَتاعِ بِالقِلَّةِ بِالقِياسِ إلى مُؤْنَةِ السَّعْيِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ فَضْلًا عَمّا يَلْحَقُهُ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ في دارِ الثَّوابِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

﴿ ثُمَّ مَأْواهُمْ ﴾ أيْ مَصِيرُهُمُ الَّذِي يَأْوُونَ إلَيْهِ ويَسْتَقِرُّونَ فِيهِ بَعْدَ انْتِقالِهِمْ مِنَ الأماكِنِ الَّتِي يَتَقَلَّبُونَ فِيها.

﴿ جَهَنَّمُ ﴾ الَّتِي لا يُوصَفُ عَذابُها ﴿ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ (197) أيْ بِئْسَ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ وفَرَشُوا جَهَنَّمُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَصِيرَهم إلى تِلْكَ الدّارِ مِمّا جَنَتْهُ أنْفُسُهم وكَسَبَتْهُ أيْدِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّـٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لِّلْأَبْرَارِ ١٩٨

﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ﴾ (لَكِنْ) لِلِاسْتِدْراكِ عِنْدَ النُّحاةِ وهو رَفْعُ تَوَهُّمٍ ناشِئٍ مِنَ السّابِقِ، وعِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي لِقَصْرِ القَلْبِ ورَدِّ اعْتِقادِ المُخاطَبِ، وتَوْجِيهُ الآيَةِ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ لَمّا وصَفَ الكُفّارَ بِقِلَّةِ نَفْعِ تَقَلُّبِهِمْ في التِّجارَةِ وتَصَرُّفِهِمْ في البِلادِ لِأجْلِها جازَ أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ التِّجارَةَ مِن حَيْثُ هي مُقْتَضِيَةٌ لِذَلِكَ فاسْتُدْرِكَ أنَّ المُتَّقِينَ وإنْ أخَذُوا في التِّجارَةِ لا يَضُرُّهم ذَلِكَ وأنَّ لَهم ما وُعِدُوا بِهِ، أوْ يُقالُ إنَّهُ تَعالى لَمّا جَعَلَ تَمَتُّعَ المُتَقَلِّبِينَ قَلِيلًا مَعَ سِعَةِ حالِهِمْ أوْهَمَ ذَلِكَ أنَّ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَزالُونَ في الجُهْدِ والجُوعِ في مَتاعٍ في كَمالِ القِلَّةِ فَدُفِعَ بِأنَّ تَمَتُّعَهم لِلِاتِّقاءِ ولِلِاجْتِنابِ عَنِ الدُّنْيا، ولا تَمَتُّعَ مِنَ الدُّنْيا فَوْقَهُ؛ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ إلى نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ أبَدِيَّةٍ هي الخُلُودُ في الجَنّاتِ، وعَلى الثّانِي رَدٌّ لِاعْتِقادِ الكَفَرَةِ أنَّهم مُتَمَتِّعُونَ مِنَ الحَياةِ والمُؤْمِنُونَ في خُسْرانٍ عَظِيمٍ، وعَلَّلَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ جَعْلَ التَّقْوى في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِالإشْعارِ بِكَوْنِ الخِصالِ المَذْكُورَةِ مِن بابِ التَّقْوى، والمُرادُ بِها الِاتِّقاءُ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ، و(جَنّاتٌ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ أوْ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، والظَّرْفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، و(خالِدِينَ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (لَهُمْ) أوْ مِن (جَنّاتٌ) لِتَخْصِيصِها بِجُمْلَةِ الصِّفَةِ، والعامِلُ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (لَكِنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ.

﴿ نُزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ النُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ وكَذا النُّزْلُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ما يُعَدُّ لِلضَّيْفِ أوَّلَ نُزُولِهِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ وصِلَةٍ، قالَ الضَّبِّيُّ: وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الزّادِ مُطْلَقًا، ويَكُونُ جَمْعًا بِمَعْنى النّازِلِينَ كَما في قَوْلِ الأعْشى.

أوْ يَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ وقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ في الآيَةِ، وكَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، قِيلَ: وأصْلُ مَعْنى النُّزُلِ مُفْرَدًا الفَضْلُ والرَّيْعُ في الطَّعامِ، ويُسْتَعارُ لِلْحاصِلِ عَنِ الشَّيْءِ، ونَصْبُهُ هُنا إمّا عَلى الحالِيَّةِ مِن (جَنّاتٌ) لِتَخْصِيصِها بِالوَصْفِ، والعامِلُ فِيهِ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ إنْ كانَ بِمَعْنى ما يُعَدُّ إلَخْ، وجَعْلُ الجَنَّةِ حِينَئِذٍ نَفْسَها (نُزُلًا) مِن بابِ التَّجَوُّزِ، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذاتِ نُزُلٍ، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في (خالِدِينَ) إنْ كانَ جَمْعًا، وإمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ إنْ كانَ مَصْدَرًا وهو حِينَئِذٍ بِمَعْنى النُّزُولِ أيْ نَزَلُوها نُزُلًا، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ مَصْدَرِيَّتِهِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَفْعُولِ فَيَكُونُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (فِيها) أيْ مَنزُولَةً، والظَّرْفُ صِفَةُ (نُزُلًا) إنْ لَمْ تَجْعَلْهُ جَمْعًا، وإنْ جَعَلْتَهُ جَمْعًا فَفِيهِ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ (نُزُلًا) إيّاها، والثّانِي أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ أيْ بِفَضْلِهِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّ النُّزُلَ بِالمَعْنى الأوَّلِ، وعَلَيْهِ تَمَسَّكَ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ الجَنَّةُ بِكُلِّيَّتِها نُزُلًا فَلا بُدَّ مِن شَيْءٍ آخَرَ يَكُونُ أصْلًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ، وهو كَما تَرى، نَعَمْ فِيهِ حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى أنَّ القَوْمَ ضُيُوفُ اللَّهِ تَعالى وفي ذَلِكَ كَمالُ اللُّطْفِ بِهِمْ.

﴿ وما عِنْدَ اللَّهِ ﴾ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ الدّائِمَةِ لِكَثْرَتِهِ ودَوامِهِ ﴿ خَيْرٌ لِلأبْرارِ ﴾ (198) مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ مِنَ المَتاعِ القَلِيلِ الزّائِلِ لِقِلَّتِهِ وزَوالِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالأبْرارِ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ كَما قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِأنَّ الصِّفاتِ المَعْدُودَةَ مِن أعْمالِ البِرِّ كَما أنَّها مِن قَبِيلِ التَّقْوى، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مِمّا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الرُّؤْيَةِ لِأنَّ فِيهِ إيذانًا بِمَقامِ العِنْدِيَّةِ والقُرْبِ الَّذِي لا يُوازِيهِ شَيْءٌ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، والظَّرْفُ صِلَتُهُ، و(خَيْرٌ) خَبَرُهُ، و ﴿ لِلأبْرارِ ﴾ صِفَةُ (خَيْرٌ) .

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (لِلْأبْرارِ) خَبَرًا، والنِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ أيْ والَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مُسْتَقِرٌّ لِلْأبْرارِ، و(خَيْرٌ) عَلى هَذا خَبَرٌ ثانٍ، وقِيلَ (لِلْأبْرارِ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ، و(خَيْرٌ) خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِحالٍ لِغَيْرِهِ، والفَصْلُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِ الحالِ غَيْرُ المُبْتَدَأِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ في الِاخْتِيارِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ١٩٩

﴿ وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَمّا ماتَ النَّجاشِيُّ: ”اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَنْ أخٍ لَكم، فَخَرَجَ فَصَلّى بِنا فَكَبَّرَ أرْبَعَ تَكْبِيراتٍ فَقالَ المُنافِقُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ وقَتادَةَ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّها نَزَلَتْ في أرْبَعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ نَجْرانَ مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ، اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ كانُوا جَمِيعًا عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَآمِنُوا بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ إسْحاقَ أنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ أسْلَمُوا، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ومَن مَعَهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ، وأشْهَرُ الرِّواياتِ أنَّها نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ - وهو بِفَتْحِ النُّونِ عَلى المَشْهُورِ - كَما قالَ الزَّرْكَشِيُّ.

ونَقَلَ ابْنُ السَّيِّدِ كَسْرَها - وعَلَيْهِ ابْنُ دِحْيَةَ - وفَتْحُ الجِيمِ مُخَفَّفَةً - وتَشْدِيدُها غَلَطٌ - وآخِرُهُ ياءٌ ساكِنَةٌ وهو الأكْثَرُ رِوايَةً لِأنَّها لَيْسَتْ لِلنِّسْبَةِ، ونَقَلَ ابْنُ الأثِيرِ تَشْدِيدَها، ومِنهم مَن جَعَلَهُ غَلَطًا - وهو لَقَبُ كُلِّ مَن مَلَكَ الحَبَشَةَ - واسْمُهُ أصْحَمَةُ - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الصّادِ المُهْمَلَةِ وحاءٍ مُهْمَلَةٍ - والحَبَشَةُ يَقُولُونَهُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ومَعْناهُ عِنْدَهم عَطِيَّةُ الصَّنَمِ، وذَكَرَ مُقاتِلٌ في نَوادِرِ التَّفْسِيرِ أنَّ اسْمَهُ مَكْحُولُ بْنُ صَعْصَعَةَ، والأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وقَدْ تُوُفِّيَ في رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسَ كُلُّهم كَمَن حُكِيَتْ صِفاتُهم مِن نَبْذِ المِيثاقِ وتَحْرِيفِ الكِتابِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَلْ مِنهم مَن لَهُ مَناقِبُ جَلِيلَةٌ، وفِيها أيْضًا تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ هم أقْبَحُ أصْنافِ الكُفّارِ، وبِهَذا يَحْصُلُ رَبْطٌ بَيْنَ الآيَةِ وما قَبْلَها مِنَ الآياتِ، وإذا لاحَظْتَ اشْتِراكَ هَؤُلاءِ مَعَ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الثَّوابِ قَوِيَتِ المُناسِبَةُ، وإذا لاحَظَ أنَّ فِيما تَقَدَّمَ مَدْحَ المُهاجِرِينَ وفي هَذا مَدْحًا لِلْمُهاجِرِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّ الهِجْرَةَ الأُولى كانَتْ إلَيْهِمْ كانَ أمْرُ المُناسَبَةِ أقْوى، وإذا اعْتُبِرَ تَفْسِيرُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَغُرَّنَّكَ ﴾ بِاليَهُودِ زادَتْ قُوَّةُ بَعْدَ ولامُ الِابْتِداءِ داخِلَةٌ عَلى اسْمِ إنَّ وجازَ ذَلِكَ لِتَقَدُّمِ الخَبَرِ.

﴿ وما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ الشَّأْنِ ﴿ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ﴾ مِنَ الإنْجِيلِ والتَّوْراةِ أوْ مِنهُما، وتَأْخِيرُ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ عَنْ إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ في الذِّكْرِ مَعَ أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ في الوُجُودِ لِما أنَّ القُرْآنَ عِيارٌ ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ، فَإنَّ إيمانَهم بِذَلِكَ إنَّما يُعْتَبَرُ بِتَبَعِيَّةِ إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ إذْ لا عِبْرَةَ بِما في الكِتابَيْنِ مِنَ الأحْكامِ المَنسُوخَةِ وما لَمْ يُنْسَخْ إنَّما يُعْتَبَرُ مِن حَيْثُ ثُبُوتُهُ بِالقُرْآنِ ولِتَعَلُّقِ ما بَعْدُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: قُدِّمَ الإيمانُ بِما أُنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ تَعْجِيلًا لِإدْخالِ المَسَرَّةِ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ مِنَ الإيمانِ بِالثّانِي الإيمانُ بِهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا كَتْمٍ كَما هو شَأْنُ المُحَرِّفِينَ والكاتِمِينَ واتِّباعِ كُلٍّ مِنَ العامَّةِ.

﴿ خاشِعِينَ لِلَّهِ ﴾ أيْ خاضِعِينَ لَهُ سُبْحانَهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: خائِفِينَ مُتَذَلِّلِينَ، وقالَ الحَسَنُ: الخُشُوعُ الخَوْفُ اللّازِمُ لِلْقَلْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو حالٌ مِن فاعِلِ (يُؤْمِنُ) وجُمِعَ حَمْلًا عَلى المَعْنى بَعْدَ ما حَمَلَ عَلى اللَّفْظِ أوَّلًا، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ إلَيْهِمْ وهو أقْرَبُ لَفْظًا فَقَطْ، وجِيءَ بِالحالِ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ خَوْفًا مِنَ القَتْلِ، و(لِلَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِخاشِعِينَ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المَنفِيِّ بَعْدَهُ وهو في نِيَّةِ التَّأْخِيرِ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، والأوَّلُ أوْلى، وفي هَذا النَّفْيِ تَصْرِيحٌ بِمُخالَفَتِهِمْ لِلْمُحَرِّفِينَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، والمَعْنى لا يَأْخُذُونَ عِوَضًا يَسِيرًا عَلى تَحْرِيفِ الكِتابِ وكِتْمانِ الحَقِّ مِنَ الرِّشا والمَآكِلِ كَما فَعَلَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ وصَفَهُ سُبْحانَهُ فِيما تَقَدَّمَ، ووَصْفُ الثَّمَنِ بِالقَلِيلِ إمّا لِأنَّ كُلَّ ما يُؤْخَذُ عَلى التَّحْرِيفِ كَذَلِكَ ولَوْ كانَ مِلْءِ الخافِقَيْنِ، وإمّا لِمُجَرَّدِ التَّعْرِيضِ بِالآخِذِينَ ومَدْحِهِمْ بِما ذُكِرَ لَيْسَ مِن حَيْثُ عَدَمُ الأخْذِ فَقَطْ بَلْ لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ إظْهارَ ما في الآياتِ مِنَ الهُدى وشَواهِدِ نُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، واخْتِيارُ صِيغَةِ البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ ﴿ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ ثَوابُ أعْمالِهِمْ وأجْرُ طاعَتِهِمْ، والإضافَةُ لِلْعَهْدِ أيِ الأجْرُ المُخْتَصُّ بِهِمُ المَوْعُودُ لَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ﴾ وفي التَّعْبِيرِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ، وفي الكَلامِ أوْجُهٌ مِنَ الإعْرابِ فَقَدْ قالُوا: إنَّ (أُولَئِكَ) مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ، وأجْرُهم مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ، أوِ الظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وأجْرُهم مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، و(عِنْدَ رَبِّهِمْ) نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِن ﴿ أجْرُهُمْ ﴾ .

وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِهِ بِناءً عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ لَهم أنْ يُؤْجَرُوا عِنْدَ رَبِّهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أجْرُهم مُبْتَدَأً، و(عِنْدَ رَبِّهِمْ) خَبَرَهُ، ولَهم مُتَعَلِّقٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ والثُّبُوتِ لِأنَّهُ في حُكْمِ الظَّرْفِ، والأوْجَهُ مِن هَذِهِ الأوْجُهِ هو الشّائِعُ عَلى ألْسِنَةِ المُعْرِبِينَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ (199) إمّا كِنايَةٌ عَنْ كَمالِ عِلْمِهِ تَعالى بِمَقادِيرِ الأُجُورِ ومَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ، وأنَّهُ يُوَفِّيها كُلَّ عامِلٍ عَلى ما يَنْبَغِي وقَدْرِ ما يَنْبَغِي وحِينَئِذٍ تَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا وارِدًا عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أوْ تَذْيِيلًا لِبَيانِ عِلَّةِ الحُكْمِ المُفادِ بِما ذُكِرَ، وإمّا كِنايَةٌ عَنْ قُرْبِ الأجْرِ المَوْعُودِ فَإنَّ سُرْعَةَ الحِسابِ تَسْتَدْعِي سُرْعَةَ الجَزاءِ وحِينَئِذٍ تَكُونُ الجُمْلَةُ تَكْمِيلًا لِما قَبْلَها فَإنَّهُ في مَعْنى الوَعْدِ كَأنَّهُ قِيلَ: (لَهم أجْرٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) عَنْ قَرِيبٍ، وفُصِلَتْ لِأنَّ الحُكْمَ بِقُرْبِ الأجْرِ مِمّا يُؤَكِّدُ ثُبُوتَهُ ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ في تَضاعِيفِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٢٠٠

ما بَيَّنَ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ وشَرَحَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ وما قاساهُ المُؤْمِنُونَ الكِرامُ مِن أُولَئِكَ اللِّئامِ مِنَ الآلامِ - خَتَمَ السُّورَةَ بِما يَضُوعُ مِنهُ مِسْكُ التَّمَسُّكِ بِما مَضى، ويَضِيعُ بِامْتِثالِ ما فِيهِ مَكايِدُ الأعْداءِ ولَوْ ضاقَ لَها الفَضا، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ﴾ أيِ احْبِسُوا نُفُوسَكم عَنِ الجَزَعِ مِمّا يَنالُها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الأمْرُ بِما يَعُمُّ أقْسامَ الصَّبْرِ الثَّلاثَةَ المُتَفاوِتَةَ في الدَّرَجَةِ الوارِدَةَ في الخَبَرِ، وهو الصَّبْرُ عَلى المُصِيبَةِ، والصَّبْرُ عَلى الطّاعَةِ، والصَّبْرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، ﴿ وصابِرُوا ﴾ أيِ اصْبِرُوا عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى صَبْرًا أكْثَرَ مِن صَبْرِهِمْ، وذِكْرُهُ بَعْدَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ العامِّ لِأنَّهُ أشَدُّ فَيَكُونُ أفْضَلَ فالعَطْفُ كَعَطْفِ جِبْرِيلَ عَلى المَلائِكَةِ، (والصَّلاةِ الوُسْطى) (عَلى الصَّلَواتِ) وهَذا وإنْ آلَ إلى الأمْرِ بِالجِهادِ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ مِنهُ ﴿ ورابِطُوا ﴾ أيْ أقِيمُوا في الثُّغُورِ رابِطِينَ خُيُولَكم فِيها حابِسِينَ لَها مُتَرَصِّدِينَ لِلْغَزْوِ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ بِالِغِينَ في ذَلِكَ المَبْلَغِ الأوْفى أكْثَرَ مِن أعْدائِكم، والمُرابَطَةُ أيْضًا نَوْعٌ مِنَ الصَّبْرِ فالعَطْفُ هُنا كالعَطْفِ السّابِقِ.

وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما عَلَيْها» .

وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن ماتَ مُرابِطًا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى أُجْرِيَ عَلَيْهِ أجْرُ عَمَلِهِ الصّالِحِ الَّذِي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وأمِنَ مِنَ الفَتّانِ، وبَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى آمِنًا مِنَ الفَزَعِ ”» .

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ لا بَأْسَ بِهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ:“ «مَن رابَطَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى جَعَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ سَبْعَ خَنادِقَ كُلُّ خَنْدَقٍ كَسَبْعِ سَمَواتٍ وسَبْعِ أرَضِينَ» .

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: «الصَّلاةُ بِأرْضِ الرِّباطِ بِألْفِ ألْفَيْ صَلاةٍ» .

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الرِّباطَ أفْضَلُ مِنَ الجِهادِ لِأنَّهُ حَقْنُ دِماءِ المُسْلِمِينَ، والجِهادُ سَفْكُ دِماءِ المُشْرِكِينَ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ عَلى الإطْلاقِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ جَمِيعُ ما مَرَّ انْدِراجًا أوَّلِيًّا.

﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ (200) أيْ لِكَيْ تَظْفَرُوا وتَفُوزُوا بِنِيلِ المُنْيَةِ ودَرْكِ البُغْيَةِ والوُصُولِ إلى النُّجْحِ في الطِّلْبَةِ، وذَلِكَ حَقِيقَةُ الفَلاحِ، وهَذِهِ الآيَةُ عَلى ما سَمِعْتَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما يُرْشِدُ المُؤْمِنَ إلى ما فِيهِ مَصْلَحَةُ الدِّينِ والدُّنْيا ويَرْقى بِهِ إلى الذُّرْوَةِ العُلْيا، وقَرَّرَ ذَلِكَ بَعْضُهم بِأنَّ أحْوالَ الإنْسانِ قِسْمانِ: الأوَّلُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ وحْدَهُ، والثّانِي ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن حَيْثُ المُشارَكَةُ مَعَ أهْلِ المَنزِلِ والمَدِينَةِ، وقَدْ أمَرَ سُبْحانَهُ - نَظَرًا إلى الأوَّلِ - بِالصَّبْرِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ الصَّبْرُ عَلى مَشَقَّةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، والصَّبْرُ عَلى أداءِ الواجِباتِ والمَندُوباتِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَنهِيّاتِ، والصَّبْرُ عَلى شَدائِدِ الدُّنْيا وآفاتِها ومَخاوِفِها، وأمَرَ - نَظَرًا إلى الثّانِي- بِالمُصابَرَةِ ويَدْخُلُ فِيها تَحَمُّلُ الأخْلاقِ الرَّدِيَةِ مِنَ الأقارِبِ والأجانِبِ، وتَرْكُ الِانْتِقامِ مِنهم، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، والجِهادُ مَعَ أعْداءِ الدِّينِ بِاللِّسانِ والسِّنانِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا كانَ تَكْلِيفُ الإنْسانِ بِما ذُكِرَ لا بُدَّ لَهُ مِن إصْلاحِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ الباعِثَةِ عَلى أضْدادِ ذَلِكَ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالمُرابِطَةِ أعَمَّ مِن أنْ تَكُونَ مُرابَطَةَ ثَغْرٍ أوْ نَفْسٍ، ثُمَّ لَمّا كانَتْ مُلاحَظَةُ الحَقِّ جَلَّ وعَلا لا بُدَّ مِنها في جَمِيعِ الأعْمالِ والأقْوالِ حَتّى يَكُونَ مُعْتَدًّا بِها أمَرَ سُبْحانَهُ بِالتَّقْوى، ثُمَّ لَمّا تَمَّتْ وظائِفُ العُبُودِيَّةِ خَتَمَ الكَلامَ بِوَظِيفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وهو رَجاءُ الفَلاحِ مِنهُ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ تَمَحُّلٌ ظاهِرٌ وتَعَسُّفٌ لا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ، وأوْلى مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالصَّبْرِ العامِّ أوَّلًا لِأنَّهُ كَما في الخَبَرِ بِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ وهو مِفْتاحُ الفَرَجِ.

وقالَ بَعْضُهم: لِكُلِّ شَيْءٍ جَوْهَرٌ، وجَوْهَرُ الإنْسانِ العَقْلُ، وجَوْهَرُ العَقْلِ الصَّبْرُ، وادَّعى غَيْرُ واحِدٍ أنَّ جَمِيعَ المَراتِبِ العَلِيَّةِ والمَراقِي السَّنِيَّةِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ لا تُنالُ إلّا بِالصَّبْرِ، ومِن هُنا قالَ الشّاعِرُ: لَأسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أوْ أُدْرِكَ المُنى فَما انْقادَتِ الآمالُ إلّا لِصابِرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ ثانِيًا بِنَوْعٍ خاصٍّ مِنَ الصَّبْرِ وهي المُجاهِدَةُ الَّتِي يَحْصُلُ بِها النَّفْعُ العامُّ والعِزُّ التّامُّ، وقَدْ جاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا تَرَكْتُمُ الجِهادَ سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم ذُلًّا لا يَنْزِعُهُ حَتّى تَرْجِعُوا إلى دِينِكم» .

ثُمَّ تَرَقّى إلى نَوْعٍ آخَرَ مِن ذَلِكَ هو أعْلى وأغْلى وهو المُرابَطَةُ الَّتِي هي الإقامَةُ في ثَغْرٍ لِدَفْعِ سُوءٍ مُتَرَقَّبٍ مِمَّنْ وراءَهُ، ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ آخِرَ الأمْرِ بِالتَّقْوى العامَّةِ إذْ لَوْلاها لَأوْشَكَ أنْ يُخالِطَ تِلْكَ الأشْياءَ شَيْءٌ مِنَ الرِّياءِ والعُجْبِ ورُؤْيَةِ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَيُفْسِدُها، وبِهَذا تَمَّ المَعْجُونُ الَّذِي يُبْرِئُ العِلَّةَ ورُوِّقَ الشَّرابُ الَّذِي يَرْوِي الغُلَّةَ.

ومِن هُنا عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما هو المَشْهُورُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وقَدْ رُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ غَيْرُ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: أقَبْلَ عَلَيَّ أبُو هُرَيْرَةَ يَوْمًا فَقالَ: أتَدْرِي يا ابْنَ أخِي فِيمَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ﴾ إلَخْ ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: أمّا إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَزْوٌ يُرابِطُونَ فِيهِ ولَكِنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ يَعْمُرُونَ المَساجِدَ، يُصَلُّونَ الصَّلاةَ في مَواقِيتِها ثُمَّ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيها، فَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ أيِ ﴿ اصْبِرُوا ﴾ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ ﴿ وصابِرُوا ﴾ أنْفُسَكم وهَواكم ﴿ ورابِطُوا ﴾ في مَساجِدِكم ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فِيما عَلَّمَكم ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ .

وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ألا أُخْبِرُكم بِما يَمْحُو اللَّهُ تَعالى بِهِ الخَطايا ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ ؟

إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطا إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ فَذَلِكُمُ الرِّباطُ فَذَلِكُمُ الرِّباطُ» .

ولَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أصَحُّ مِنَ الرِّوايَةِ الأُولى مَعَ ما في الحُكْمِ فِيها بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ غَزْوٌ يُرابِطُونَ فِيهِ مِنَ البُعْدِ بَلْ لا يَكادُ يَسْلَمُ ذَلِكَ لَهُ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ وإنْ كانَتْ صَحِيحَةً لا تُنافِي التَّفْسِيرَ المَشْهُورَ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ اللّامُ في الرِّباطِ فِيها لِلْعَهْدِ، ويُرادُ بِهِ الرِّباطُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ويَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فَذَلِكُمُ الرِّباطُ» مِن قَبِيلِ زَيْدٌ أسَدٌ، والمُرادُ تَشْبِيهُ ذَلِكَ بِالرِّباطِ عَلى وجْهِ المُبالِغَةِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ المُرادَ اصْبِرُوا عَلى الجِهادِ، وصابِرُوا عَدُوَّكم، ورابِطُوا عَلى دِينِكم.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: اصْبِرُوا عَلى المُصِيبَةِ، وصابِرُوا عَلى الصَّلَواتِ، ورابِطُوا في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: اصْبِرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وصابِرُوا أهْلَ الضَّلالِ، ورابِطُوا في سَبِيلِ اللَّهِ.

وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ أوْلى.

* * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ) ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيِ العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ ﴿ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ الظُّلْمَةِ والنُّورِ ﴿ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ ﴾ وهُمُ النّاظِرُونَ إلى الخَلْقِ بِعَيْنِ الحَقِّ ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا ﴾ في مَقامِ الرُّوحِ بِالمُشاهَدَةِ ﴿ وقُعُودًا ﴾ في مَحَلِّ القَلْبِ بِالمُكاشَفَةِ ﴿ وعَلى جُنُوبِهِمْ ﴾ أيْ تَقَلُّباتِهِمْ في مَكامِنِ النَّفْسِ بِالمُجاهَدَةِ، وقالَ بَعْضُهم: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا ﴾ أيْ قائِمِينَ بِاتِّباعِ أوامِرِهِ ﴿ وقُعُودًا ﴾ أيْ قاعِدِينَ عَنْ زَواجِرِهِ ونَواهِيهِ ﴿ وعَلى جُنُوبِهِمْ ﴾ أيْ ومُجْتَنِبِينَ مُطالَعاتِ المُخالَفاتِ بِحالٍ ﴿ ويَتَفَكَّرُونَ ﴾ بِألْبابِهِمُ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الوَهْمِ ﴿ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وذَلِكَ التَّفَكُّرُ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ الأوَّلُ طَلَبُ غَيْبَةِ القُلُوبِ في الغُيُوبِ الَّتِي هي كُنُوزُ أنْوارِ الصِّفاتِ لِإدْراكِ أنْوارِ القُدْرَةِ الَّتِي تُبَلِّغُ الشّاهِدَ إلى المَشْهُودِ، والثّانِي جَوَلانُ القُلُوبِ بِنَعْتِ التَّفَكُّرِ فِي إبْداعِ المُلْكِ طَلَبًا لِمُشاهَدَةِ المَلِكِ في المُلْكِ فَإذا شاهَدُوا قالُوا ﴿ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ بَلْ هو مَرايا لِأسْمائِكَ ومَظاهِرٌ لِصِفاتِكَ، ويُفْصِحُ بِالمَقْصُودِ قَوْلُ لَبِيدٍ: ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ وكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالَةَ زائِلُ ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ أيْ تَنْزِيهًا لَكَ مِن أنْ يَكُونَ في الوُجُودِ سِواكَ ﴿ فَقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ وهي نارُ الِاحْتِجابِ بِالأكْوانِ عَنْ رُؤْيَةِ المُكَوِّنِ ﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ ﴾ وتَحْجُبُهُ عَنِ الرُّؤْيَةِ ﴿ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ ﴾ وأذْلَلْتَهُ بِالبُعْدِ عَنْكَ ﴿ وما لِلظّالِمِينَ ﴾ الَّذِينَ أشْرَكُوا ما لا وُجُودَ لَهُ في العِيرِ ولا النَّفِيرِ ﴿ مِن أنْصارٍ ﴾ لِاسْتِيلاءِ التَّجَلِّي القَهْرِيِّ عَلَيْهِمْ.

﴿ رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا ﴾ بِأسْماعِ قُلُوبِنا ﴿ مُنادِيًا ﴾ مِن أسْرارِنا الَّتِي هي شاطِئُ وادِي الرُّوحِ الأيْمَنِ ﴿ يُنادِي لِلإيمانِ ﴾ العِيانِيِّ ﴿ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا ﴾ أيْ شاهِدُوا رَبَّكم فَشاهَدْنا، أوْ ﴿ إنَّنا سَمِعْنا ﴾ في المَقامِ الأوَّلِ ﴿ مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ ﴾ والمُرادُ بِهِ هو اللَّهُ تَعالى حِينَ خاطَبَ الأرْواحَ في عالَمِ الذَّرِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ لَهم إلى الإيمانِ ﴿ فَآمَنّا ﴾ يَعْنُونَ قَوْلَهم: (بَلى) حِينَ شاهَدُوهُ هُناكَ سُبْحانَهُ ﴿ رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ﴾ أيْ ذُنُوبَ صِفاتِنا بِصِفاتِكَ ﴿ وكَفِّرْ عَنّا ﴾ سَيِّئاتِ أفْعالِنا بِرُؤْيَةِ أفْعالِكَ ﴿ وتَوَفَّنا ﴾ عَنْ ذَواتِنا بِالمَوْتِ الِاخْتِيارِيِّ ﴿ مَعَ الأبْرارِ ﴾ وهُمُ القائِمُونَ عَلى حَدِّ التَّفْرِيدِ والتَّوْحِيدِ ﴿ رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى ﴾ ألْسِنَةِ ﴿ رُسُلِكَ ﴾ بِقَوْلِكَ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ﴾ ، ﴿ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ بِأنْ تَحْجُبَنا بِنِعْمَتِكَ عَنْكَ ﴿ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ ﴿ فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ ﴾ لِكَمالِ رَحْمَتِهِ ﴿ أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ ﴾ القَلْبُ وعَمَلُهُ مِثْلُ الإخْلاصِ واليَقِينِ ﴿ أوْ أُنْثى ﴾ النَّفْسُ وعَمَلُها إذا تَرَكَتِ المُجاهَداتِ والطّاعاتِ القالَبِيَّةِ ﴿ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ﴾ إذْ يَجْمَعُكم أصْلٌ واحِدٌ وهو الرُّوحُ الإنْسانِيَّةُ ﴿ فالَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ وهي مَأْلُوفاتُ أنْفُسِهِمْ ﴿ وأُوذُوا في سَبِيلِي ﴾ بِما قاسَوْا مِنَ المُنْكِرِينَ، وعَنْ بَعْضِ العارِفِينَ أنَّ القَوْمَ إذا لَمْ يَذُوقُوا مَرارَةَ إيذاءِ المُنْكِرِينَ لَمْ يَفُوزُوا بِحَلاوَةِ كَأْسِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولِهَذا قالَ الجُنَيْدُ - قُدِّسَ سِرُّهُ -: جَزى اللَّهُ تَعالى إخْوانَنا عَنّا خَيْرًا رَدُّونا بِجَفائِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، وقاتَلُوا أنْفُسَهم فِيَّ وهي أعْدى أعْدائِهِمْ، وقُتِلُوا بِسَيْفِ الفَناءِ ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ الصَّغائِرَ والكَبائِرَ مِن بَقايا صِفاتِهِمْ وذَواتِهِمْ ﴿ ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ ﴾ ثَلاثٌ وهي جَنَّةُ الأفْعالِ، وجَنَّةُ الصِّفاتِ، وجَنَّةُ الذّاتِ ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ أنْهارُ العُلُومِ والتَّجَلِّياتِ ﴿ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ الجامِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ ﴿ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ ﴾ فَلا يَكُونُ بِيَدِ غَيْرِهِ ثَوابٌ أصْلًا.

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ حُجِبُوا عَنِ التَّوْحِيدِ ﴿ فِي البِلادِ ﴾ في المَقاماتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأحْوالِ ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴾ لِسُرْعَةِ زَوالِهِ وعَدَمِ نَفْعِهِ ﴿ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ ﴾ الحِرْمانُ ﴿ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ الَّذِي اخْتارُوهُ بِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِمْ.

﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ ﴾ بِأنْ تَجَرَّدُوا كَمالَ التَّجَرُّدِ ﴿ لَهم جَنّاتٌ ﴾ ثَلاثٌ عِوَضُ ذَلِكَ ﴿ نُزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ مُعَدًّا لَهم ﴿ وما عِنْدَ اللَّهِ ﴾ مِن نِعَمِ المُشاهِدَةِ ولِطائِفِ القُرْبَةِ وحَلاوَةِ الوُصْلَةِ ﴿ خَيْرٌ لِلأبْرارِ ﴾ ﴿ وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ ويُحَقِّقُ التَّوْحِيدَ الذّاتِيَّ ﴿ وما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ مِن عِلَمِ التَّوْحِيدِ والِاسْتِقامَةِ ﴿ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ﴾ مِن عِلْمِ المَبْدَأِ والمَعادِ ونَيْلِ الدَّرَجاتِ ﴿ خاشِعِينَ لِلَّهِ ﴾ لِلتَّجَلِّي الذّاتِيِّ، وما تَجَلّى اللَّهُ تَعالى لِشَيْءٍ إلّا خَضَعَ لَهُ ﴿ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ تَعالى وهي تَجَلِّياتُ صِفاتِهِ ﴿ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ وهي تِلْكَ الجَنّاتُ ﴿ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ فَيُوصِلُ إلَيْهِمْ أجْرَهم بِلا إبْطاءٍ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ﴾ عَنِ المَعاصِي ﴿ وصابِرُوا ﴾ عَلى الطّاعاتِ ﴿ ورابِطُوا ﴾ الأرْواحَ بِالمُشاهَدَةِ ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ مِن مُشاهَدَةِ الأغْيارِ ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ بِالتَّجَرُّدِ عَنْ هُمُومِكم وخَطَراتِكم، أوْ ﴿ اصْبِرُوا ﴾ في مَقامِ النَّفْسِ بِالمُجاهَدَةِ ﴿ وصابِرُوا ﴾ في مَقامِ القَلْبِ مَعَ التَّجَلِّياتِ ﴿ ورابِطُوا ﴾ فِي مَقامِ الرُّوحِ ذَواتِكم حَتّى لا تَعْتَرِيَكم فَتْرَةٌ أوْ غَفْلَةٌ واتَّقُوا اللَّهَ عَنِ المُخالَفَةِ والإعْراضِ والجَفاءِ لَعَلَّكم تَفُوزُونَ بِالفَلاحِ الحَقِيقِيِّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَنا الحَظَّ الأوْفى مِنِ امْتِثالِ هَذِهِ الأوامِرِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

وهَذِهِ الآياتُ العَشْرُ كانَ يَقْرَؤُها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كُلَّ لَيْلَةٍ، كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ عَنْ عُثْمانَ قالَ: مَن قَرَأ آخِرَ آلِ عِمْرانَ في لَيْلَةٍ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ قِيامَ لَيْلَةٍ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا: «مَن قَرَأ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها آلُ عِمْرانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ومَلائِكَتُهُ حَتّى تَجِبَ الشَّمْسُ» .

وخَبَرُ - «مَن قَرَأ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ أُعْطِيَ بِكُلِّ آيَةٍ أمانًا عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ» - مَوْضُوعٌ مُخْتَلَقٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقَدْ عابُوا عَلى مَن أوْرَدَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَعْصِمَنا عَنِ الزَّلَلِ ويَحْفَظَنا مِنَ الخَطَأِ والخَطَلِ، إنَّهُ جَوادٌ كَرِيمٌ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، ولْيَكُنْ هَذا خاتِمَةَ ما أمْلَيْتُهُ مِن تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ والزَّهْراوَيْنِ، وأنا أرْغَبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالإخْلاصِ أنْ يُوصِلَنِي إلى تَفْسِيرِ المُعَوِّذَتَيْنِ، وهو الجِلْدُ الأوَّلُ مِن رُوحِ المَعانِي ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجِلْدُ الثّانِي وكانَ الفَراغُ مِنهُ في غُرَّةِ مُحَرَّمِ الحَرامِ سَنَةَ 1254 ألْفٍ ومِائَتَيْنِ وأرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ، وصَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

آمِينَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد