الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 3 آل عمران > الآيات ٥٢-٥٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقوله: ﴿ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ ﴾ : قيل: أحسَّ: علم.
وقيل: أحسَّ: رأي؛ وهو كقوله: ﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ ﴾ .
وقيل: أحسّ، أي: وجد، وهو قول الكيساني، وقيل: عرف؛ وهو كله واحد.
ثم قوله: ﴿ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل - والله أعلم - أن قومه لما سألوه أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ تكون لهم آية لرسالته وصدقه؛ ففعل الله - عز وجل - ذلك، وأنزل عليهم المائدة، ثم أخبر أن من كفر منهم بعد إنزال المائدة يعذبه عذاباً لا يعذبه أحداً، فكفروا به؛ فعلم أن العذاب ينزل عليهم؛ فأحبَّ أ ن يخرج بمن آمن به؛ لئلا يأخذهم العذاب، فقال: ﴿ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ؛ يؤيد ذلك قوله: ﴿ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ...
﴾ الآية [الصف: 14].
ويحتمل أن يكونوا أظهروا الإسلام له، وكانوا في الحقيقة على خلاف ذلك، فلما علم ذلك منهم، وقد همُّوا على قتله، قال عند ذلك: ﴿ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ؛ أحبَّ أن يكون معه أنصار مع الله ينصرونه؛ فيظهر المؤمنون من غيرهم، فنصرهم الله على أعدائهم؛ ليظهر المؤمنون من غيرهم، وهو قوله: ﴿ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ ﴾ .
ومن الناس من يقول: إنه لم يكن في سُنَّةِ عيسى - - الأمر بالقتال، وفي الآية إشارة إلى ذلك بقوله: ﴿ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ ﴾ أخبر أنهم أصبحوا ظاهرين على عدوهم؛ فلا يخلو إمَّا أن يكون قتالاً أو غلبة بحجة أو شيء ما يقهرهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ ﴾ : اختلف في الحواريين: قال بعضهم: هم القصَّارون الغسَّالون للثياب، ومبيِّضوها.
وعن ابن عباس - - قال: "إِنَّما سُمُّوا الحَوَارِيِّينَ؛ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ"، وكانوا يصيدون السَّمك.
وقيل: الحواري: الوزير، والناصر، والخاص؛ على ما جاء عن رسول الله : "إِن لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيِّينَ، وَحَوَارِيِّي فُولانٌ وفُلانٌ" ، ذكر نفراً من الصحابة - [رضوان الله عليهم أجمعين] - وإنما أراد - والله أعلم - الناصر والوزير.
ويحتمل أن يكون سمُّوا بذلك؛ لصفاء قلوبهم، وهم أصفياء عيسى، [ ].
كذلك روي عن ابن عباس - - والله أعلم بهم.
وقوله: ﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ ﴾ .
إن الله يتعالى عن أن يُنصَر، ولكن يحتمل ﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: أنصار دين الله، أو أنصار نبيه، أو أنصار أوليائه؛ تعظيماً.
وكذلك قوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ : إن الله لا يُنْصَرُ؛ ولكن يُنْصَرُ دِينُهُ أو رسلُهُ أو أولياؤه؛ وهو كقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ : إن الله لا يُخَادَعُ، ولا يمكر، ولكن لما خادعوا أولياءه أو دينه، أضاف ذلك إلى نفسه؛ فعلى ذلك لما نصروا دين الله ونبيّه ووليّه، أضاف [ذلك] إلى نفسه.
وقوله: ﴿ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ الآية: ينقض قول من يجعل الإيمان غير الإسلام؛ لأنهم أخبروا أنهم آمنوا، وأنهم مسلمون، لم يفرقوا بينهما، وكذلك قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ : لم يفصل بينهما، وجعلهما واحداً، وكذلك قول موسى لقومه: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾ لم يجعل بين الإيمان والإسلام فرقاً، وهو قولنا: إن العمل فيهما واحد؛ لأن الإيمان: بأن تصدق بأنك عبد الله، والإسلام: أن تجعل نفسك لله سالماً.
وقيل: الإيمان: اسم ما بطن، والإسلام: اسم ما ظهر؛ ألا ترى أنه جاز في الإسلام الشهادة، وفي الإيمان التصديق؟!.
وقوله: ﴿ رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ ﴾ .
يعنى - والله أعلم -: بما أنزلت من الكتب السماوية التي أنزلها على الرسل جميعاً، فإن أرادوا بما أنزلت على عيسى - - فالإيمان بواحد من الكتب أو بواحد من الرسل: إيمان بالكتب كلها وبالرسل جميعاً، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
<div class="verse-tafsir"