تفسير سورة آل عمران الآيات ١٠٤-١٠٩ عند تأويلات أهل السنة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٠٤-١٠٩

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌۭ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ١٠٤ وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ١٠٥ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌۭ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌۭ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ١٠٦ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ١٠٧ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعَـٰلَمِينَ ١٠٨ وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ١٠٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله: ﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا خبراً في الحقيقة، وإن كان في الظاهر أمراً؛ فإن كان خبراً ففيه دلالة أن جماعة منهم إذا قاموا على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر - سقط ذلك عن الآخرين؛ لأنه ذكر فيه حرف التبعيض، وهو قوله: ﴿ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ...

﴾ الآية.

ويحتمل أن يكون على الأمر في الظاهر والحقيقة جميعاً، ويكون قوله: ﴿ مِّنْكُمْ ﴾ - صلة، فإن كان على هذا ففيه أن على [كل] أحد أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، وذلك واجب؛ كأنه قال: كونوا أمّة ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ الآية؛ لأنه ذكر - جل وعز - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آي كثيرة من كتابه، منها هذا: ﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ...

﴾ الآية، ومنها قوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، وذمّ من تركهما بقوله: ﴿ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ  ﴾ .

ورُوي عن عكرمة أن ابن عباس -  ما - قال له: "قد أعياني أن أعلم ما يفعل بمن أمسك عن الوعظ، فقلت: أنا أعلمك ذلك، اقرأ الآية الثانية: ﴿ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ...

 ﴾ ، فقال لي: أصبت.

فاستدل ابن عباس -  - بهذه الآية على أنّ الله أهلك من عمل السوء، ومن لم ينه عنه من يعمله، فجعل - والله أعلم - الممسكين عن نهي الظالمين مع الظالمين في العذاب.

وقد رُوي عن أبي بكر الصديق -  - قال: "يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ  ﴾ وإني سمعت رسول الله  يقول: "إِذَا رَأَوا الظَّالِمَ، فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِهِ - أَو شَكَ أَنْ يَعُمَّهُم اللهُ بِعِقَابٍ" وعن جرير قال: سمعت رسول الله  يقول: "إنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ فِي القَوْمِ، وَيَعْمَلُ فِيهِمْ بِمَعَاصِي الرَّحْمَنِ، وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُ وَأَعَزُّ، وَلَوْ شَاءُوا أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدِهِ لأَخَذُوا عَلَى يَدِهِ؛ فَيَرْهَبُوا لَهُ؛ فَيُعَذِّبُهُمُ اللهُ بِهِ" وعن حذيفة قال: قال رسول الله  : "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوْنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيَعُمَّكُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُونَهُ ولا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ" وعن أبي سعيد الخدري يذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ اللهَ لَيَسْأَلُ العَبْدَ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذَا رَأَيْتَ مُنْكَراً أَنْ تُنْكِرَهُ؟

فإذَا اللهُ لَقَّنَ عَبْداً حُجَّتَهُ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، وَثِقْتُ بِكَ، وَفَرَقْتُ مِنَ النَّاسِ" وعن أبي هريرة -  - قال: اجتمع نفر من أصحاب رسول الله  [فقالوا: يا رسول الله]، أرأيت إن قلنا بالمعروف حتى لا يبقى من المعروف إلا ما عملنا به، وانتهينا عن المنكر حتى لا يبقى، أيسعنا ألا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر؟

فقال: "مُرُوا بالمَعْروفِ، وإنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ كُلِّهِ، وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تُنْهَوُا عَنْهُ".

ولا ينبغي للرجل أن يقول: لست ممن يعمل بالمعروف كله، وينتهي عن المنكر كله، حتى آمر غيري وأنهاه، فإن فعله المعروف واجب عليه، فلا يجب إذا قصر في واجب أن يقصر في غيره.

وقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ .

يحتمل: وجوهاً: يحتمل: ﴿ كُنْتُمْ ﴾ : أي: صرتم خير أمّة أظهرت للناس؛ بما تدعون الخلق إلى النجاة والخير.

ويحتمل: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ في الكتب السالفة؛ بأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.

ويحتمل: تكونون خير أمة إن أمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر.

ويحتمل: ﴿ كُنْتُمْ ﴾ : صرتم خير أمّة، وكانوا كذلك هم خير ممن تقدمهم من الأمم؛ بما بذلوا مهجهم لله في نصر دينه، وإظهار كلمته، والإشفاق على رسوله، حتى كان أحبّ إليهم من أنفسهم؛ ويرونه أولى بهم، والله الموفق.

ثم اختلف في المعروف والمنكر، قيل: المعروف: كل مستحسن في العقل فهو معروف، وكل مستقبح فيه فهو منكر.

ويحتمل الأمر بالمعروف: هو الأمر بالإيمان، والنهي عن المنكر: هوا لنهي عن الكفر؛ دليله: قوله: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية، يؤمنون هم، ويأمرون غيرهم بالإيمان، وينهون عن الكفر.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ ﴾ : لأن التفرق هو سبيل الشيطان بقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ  ﴾ .

﴿ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ ﴾ : والبينات: هي الحجج التي أتى بها.

ويحتمل: بيان ما في كتابهم من صفة [رسولنا] محمد  ونعته [الشريف].

ويحتمل: تفرقوا عما نهج لهم الله، وأوضح لهم الرسل؛ فأبدعوا لأنفسهم الأديان بالأهواء، فحذرنا ذلك، وعرفنا أن الخير كله في اتباع من جعله الله حجة له، ودليلاً عليه، وداعياً إليه، ولا قوة إلا بالله.

﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ : دلّ هذا أن السبيل هو الذي يدعو الشيطان إليها.

وقوله: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ...

﴾ الآية: وصف الله - عز وجل - وجوه أهل الجنة بالبياض؛ لأن البياض هو غاية ما يكون به الصفاء؛ لأن كل الألوان تظهر في البياض، ووصف - عز وجل - وجوه أهل النار بالسواد؛ لأن السواد هو نهاية ما تكون به الظلمة؛ إذ الألوان لا تظهر في السواد فهو شبيه بالظلمة.

وقد يحتمل أن يكون المراد من وصف البياض والسواد - ليس نفس البياض والسواد؛ ولكنّ البياض هو كناية عن شدّة السرور والفرح، والسّواد كناية عن شدة الحزن والأسف؛ كقوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ  ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ  ﴾ ، ووصف وجوه أهل الجنة بالضحك، وليس على حقيقة الضحك؛ ولكن وصف بغاية السرور والفرح؛ وكذلك وجوه أهل النار وصفها بالغير والقتر؛ وهو وصف بشدة الحزن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ : يحتمل وجوهاً: يحتمل: أكفرتم بألسنتكم بعدما شهدت خلقتكم بوحدانية الله  ؛ لأن خلقة كل أحد تشهد على وحدانيته.

ويحتمل: أي: كفرتم بعدما آمنتم بمحمّد  قبل أن يبعث بوجودكم، نعته وصفته في كتابكم وعلى هذا قال بعض أهل التأويل: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ  ﴾ : أي: على استجابة كثير منهم من الأجلّة والكبراء، الذين لا يعرفون بالتعنت في الدّين ولا بالتقليد، [والله أعلم].

ويحتمل قوله: أكفرتم أنتم بعد أن آمن منكم فرق؟!؛ لأن منهم من قد آمن، ومنهم من كفر، فقال لمن كفر: أكفرتم أنتم وقد آمن منكم نفر؟!

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ  ﴾ والله أعلم؛ وكقوله: ﴿ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ ﴾ ؟!

[الصف: 14].

وقيل: أراد بالإيمان - الذي قالوا حين أخرجوا من ظهر آدم.

وفي الآية ردّ قول المعتزلة بتخليد أهل الكبائر في النار، وإخراجهم إياهم من الإيمان من غير أن أدخلوهم في الكفر؛ لأنه - عز وجل - لم يجعل إلا فريقين: بياض الوجوه، وسواد الوجوه، فبياض الوجوه هم المؤمنون، وسواد الوجوه هم الكافرون؛ لأنه قال: ﴿ أَكْفَرْتُمْ ﴾ فأصحاب الكبائر لم يكفروا بارتكابهم الكبيرة، ولم يجعل الله -  - فرقة ثالثة؛ وهم فرقة ثالثة؛ وكذلك قال - عز وجل -: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ  ﴾ لم يجعل الخلق إلا فريقين، وهم جعلوا فرقاً؛ وكقوله: ﴿ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ  ﴾ .

فإن قيل: ذكر في الآية الكفر بعد الإيمان، ثم لم يكن فيه منع دخول من لم يكفر بعد الإيمان؛ فامتنع ألا يكون فيه منع دخول صاحب الكبيرة.

فجوابنا ما سبق: أن خلقه كل كافر تشهد على [وحدانية الله  ]، لكنهم كفروا بألسنتهم، وذلك كفر بعد الإيمان؛ فلم يجز أن يدخل في الآية من لم يكن كافراً في حكم الكافر، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ﴾ .

في الظاهر أمر، لكنه في الحقيقة ليس بأمر؛ لأن العذاب لا يذاق، وإنما يذوق هو؛ فكأنه قال: اعلموا أن عليكم العذاب.

وقوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ...

﴾ \[الآية\]: يحتمل: ﴿ آيَاتُ ٱللَّهِ ﴾ : حجج الله وبراهنيه.

ويحتمل: ﴿ آيَاتُ ٱللَّهِ ﴾ : القرآن.

﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : ببيان الحق.

ويحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ : بالدّين، والدين هو الحق، ويحتمل: أن الآيات هي الحق.

قال الشيخ - رحمه الله -: أي: بالأمر بالدعاء إلى الحق.

ويحتمل: الحق الذي لله على عباده، ولبعضهم على بعض.

وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ : والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فإذا كان ما في السماوات وما في الأرض كله له، من وصف في الخلق بالظلم إنما وصف؛ لأنه يضع حق بعض في بعض، ويمنع حق بعض؛ فيجعل لغير المحق، فالله يتعالى عن ذلك.

وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .

أي: لا يريد أن يظلمهم، وإن شئت قلت: قلت الإرادة صفة لكل فاعل في الحقيقة؛ فكأنه قال: لا يظلمهم، وكيف يظلم؟!

وإنما يظلم بنفع تسرّه إليه النفس، أو ضرر يدفع به، فالغني بذاته متعال عن ذلك.

وقوله: ﴿ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ .

أي: إليه يرجع إمر كل أحد، فلا يحتمل الظلم [وجود الظلم منه].

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله