تفسير سورة آل عمران الآيات ١٧٦-١٧٨ عند تأويلات أهل السنة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٧٦-١٧٨

وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّۭا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَـٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١٧٧ وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌۭ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًۭا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ١٧٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ ﴾ يحتمل الآية وجهين: يحتمل: ولا يحزنك الذين ظاهروا غيرهم من المشركين عليكم، وقد ظاهر أهل مكة غيرهم من المشركين على رسول الله  فيقول الله لرسوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ مظاهرتهم عليك؛ فإن الله ينصرك؛ فيخرج هذا مخرج البشارة له بالنصر على أعدائه والغلبة عليهم.

ويحتمل - أيضاً - وجهاً آخر: وهو أن رسول الله  كان يشتد عليه كفرهم بالله، ويحزن لذلك، كقوله -  -: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ؛ فيخرج قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ مخرجَ تَسْكينِ الحزن، ودفْعِهِ عنه، والتسلِّي عن ذلك، لا مخرج النهي؛ إذ الحزن يأخذ الإنسان، ويأتيه من غير تكلف ولا صنع، وكقوله -  -: ﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا  ﴾ : هو على مخرج التسكين والدفع عنه، لا على النهي؛ فكذلك الأول - والله أعلم - وكقوله -  - لأم موسى -  -: ﴿ وَلاَ تَحْزَنِيۤ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ، أي: لن يضروا أولياء الله - عز وجل - إنما ضرر ذلك عليهم؛ كقوله -  -: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ؛ لأنه ليس لله في فعلهم وعملهم نفع، ولا في ترك ذلك عليه ضرر؛ إنما المنفعة في عملهم لهم، والضرر في ترك عملهم عليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ : هذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأن الله -  - يقول: أراد ألا يجعل لهم في الآخرة حظاً؛ المعتزلة يقولون: بل أراد أن يجعل لهم حظّاً في الآخرة؛ إذ يقولون: أراد لهم الإيمان، وبالإيمان يكون لهم الحظ في الآخرة، فثبت بالآية أنه لم يكن أراد لهم الإيمان، والآية في قوم خاص علم الله -  - أنه لا يؤمنون أبداً؛ فأراد ألا يجعل لهم حظّاً في الآخرة، ولو كان على ما تقوله المعتزلة؛ بأنه أراد أن يجعل لهم حظّاً في الآخرة - لما أراد لهم أن يؤمنوا، ولكن لم يؤمنوا لكان حاصل قولهم: أراد الله ألا يجعل لمن أراد يؤمن في الآخرة، وذلك جور عندهم، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ : وذكر مرة: ﴿ أَلِيمٌ  ﴾ ومرة: ﴿ شَدِيدٌ  ﴾ ؛ لأن التعذيب بالنار أشد العذاب في الشاهد وأعظمه؛ لذلك أوعد بها في الغائب، وجعل شرابهم وطعامهم ولباسهم منها، فنعوذ بالله من ذلك.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ ﴾ : قد ذكرنا تأويل هذا فيما تقدم.

﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ ما ذكرنا أنه على الوجهين اللذين وصفتهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ ﴾ الآية: اختلف في قراءتها، قرأ بعضهم بالياء: وبعضهم بالتاء: فمن قرأ بالتاء صرف الخطاب إلى رسول الله  ، فقال: لا تحسبن يا محمد أنما نملي لهم خير لهم؛ إنما نملي لهم ليزدادوا شرّاً.

ومن قرأ بالياء: صرف الخطاب إلى الكفرة، فقال: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ﴾ يكون خيراً لهم؛ بل إنما نملي لهم ليكون شرّاً وإثماً لهم؛ فالآية على المعتزلة، لكنهم تأولوا بوجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: "ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما؛، إنما نملي لهم خير لأنفسهم"؛ فيقال [لهم]: لو جاز جعل الآية وصرفها على ما حملتم عليه وصرفتم إليه، جاز حمل جميع الآيات التي فيها وعد للمؤمنين، وصرفها إلى الكافرين، وما كان فيها وعيد للكافرين إلى المؤمنين؛ إذ لا فرق بين هذا وبين جعلكم الخير مكان الإثم، والإثمَ مكان الخير، وبين جعل الوعد في موضع الوعيد، والوعيد في موضع الوعد.

والوجه الثاني: قالوا: أخبر الله -  - عما يئول أمرهم في العاقبة، لا أن كان في الابتداء كذلك؛ كقوله -  -: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ ، ومعلوم أنهم لم يلتقطوا ليكون لهم عدواً وحزناً؛ ولكن إخبار عما آل أمره في العاقبة أن صار لهم عدواً وحزناً؛ وكذلك يقال للرجل: سرقت لتقطع، وقتلت لتقتل، وهو لم يسرق ليقطع، ولا قتل ليقتل؛ ولكن إخبار عما آل أمره وحاله في العاقبة؛ فكذلك هذا، لكن الإخبار عما يئول الأمر يخرج مخرج التنبيه عن السهو والغفلة في الابتداء، فالله -  وتعالى - يتعالى عن ذلك؛ فخرج ذلك مخرج التحقيق في الابتداء، لا مخرج الإخبار عما يئول الأمر في العاقبة، وبالله التوفيق.

والثاني: أن من أراد أمراً يعلم أنه لا يكون فهو لجهل يريد ذلك أو لعبث، فالله -  - يتعالى عن الجهل بالعواقب، أو العبث في الفعل؛ دلَّ أنه كان على ما أراد، لا ما لم يرد، ولو كان الله -  وتعالى - لا يفعل بخلقه إلا ما هو أصلح لهم في الدِّين وأَخْيَرُ - لم يكن لنهي رسول الله  عن الإعجاب بما أعطى الكفرة من الأموال والأولاد بقوله -  وتعالى -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ...

 ﴾ الآية؛ دلّ أنه قد يعطي ما ليس [هو] بأصلح في الدين ولا أَخْيَرَ، والله أعلم.

وقال الشيخ - رحمه الله -: في قوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً ﴾ ، وقولهِ -  -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا...

﴾ الآية [التوبة: 55] وقوله -  -: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 55-56\] ونحو ذلك من الآيات - فيها وجهان على المعتزلة: أحدهما: قولهم في الأصلح: إن الله -  - لو فعل بالخلق شيئاً غيرُهُ أصلحُ لهم في الدين في حال المحنة - كان ذلك جَوْراً، ومعلوم أن الفعل بهم؛ ليزدادوا إثماً لا يبلغ في الصلاح في الدّين الفعلَ بهم؛ ليزدادوا به برّاً، ومعلوم أنه لو كان كذلك لم يكن ليجوز أن يحذر رسوله  عن ذلك، فيقول: لا يعجبك كذا؛ فكأنه قال: لا يعجبك الذي هو صلاح في الدّين، ثم يؤكد ذلك بأنه جعل لهم ذلك ليعذبهم بها، ثم شهد على من حسب ما حسبته المعتزلة بأنهم لا يشعرون؛ فكان ذلك شهادة منه - عز وجل - على كل من وافق رأيُهُ رأيَ أولئك الكفرة: أنهم لا يشعرون، ومعلوم أن الجبابرة والفراعنة لو لم يجعل الله -  - لهم تلك الحواشي والملك والقوة لم يكن ليجترئوا على دعوى الربوبية، ويبلغوا في المآثم ما بلغوا؛ فيكون فوت ذلك أصلح لهم في الدين، وقد قال الله -  -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...

﴾ الآية [الزخرف: 33]، ثم كان معلوماً أنه إذا كان بما يجعل ذلك للفكرة يكفرون، فلو جعل للمؤمنين يؤمنون، ثم يجعل كذلك، [والله أعلم].

وأيّد ذلك قوله -  -: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا...

﴾ الآية [التوبة: 55].

والثاني: أن الإرادة إذ هي صفة لكل فاعل مختار في الحقيقة، وقد أخبر لأي وجه أعطى؛ ثبت أنه أراد ذلك مع ما كان المتعالم من فعل كل أحد لا يخرج على ما أراده ولا يبلغ به ما لو فعل أنه يكون على جهل أو سفه.

فالأول: يكون فعله على ظن أن يكون ذلك فلا يكون.

والثاني: إذا علم ألا يكون؛ فيكون له به عابثاً سفيهاً، جلّ الله -  - عن الوجهين، ثبت أن فعله لما علم أنه يكون لا لغيره ليلحقه به وصف جهل أو سفه؛ وبهما سقوط الربوبية.

ثم وجهت المعتزلة الآية إلى وجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير بمعنى: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملي خير لأنفسهم.

وذلك فاسد لوجهين: أحدهما: لو كان جعل الخير شرّاً والشرّ خيراً بالتأويل، وصرف الآية على سياقها ونظمها - لجاز ذلك في كل وعد ووعيد، وأمر ونهي، وتحليل وتحريم؛ فيصير كل أمور الدنيا مقلوباً.

والثاني: أنه لو كان كذلك لكان يجب أن يعجب به رسول الله  ؛ إذ على كل ذلك معجباً، ولكانوا فيما حسبوا أن ذلك ضرب لهم - يشعرون، لا ألا يشعرون، مع ما قيل: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ﴾ بالياء في بعض القراءة، ومتى كان يحسب الكفرة ذلك شرّاً حتى يعاتبوا على الحسبان؟!

والله الموفق.

والثاني: قالوا ذلك خبر عما يئول الأمر إليه؛ كقوله -  -: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ ، وهم لا لذلك التقطوا، وكمن يقول للسارق: سرقت لتقطع يدك، وكما يقال: [من الوفر] ...

...

...

...

*** لدوا للموت وابنوا للخراب والذي قالوه إنما هو تنبيه وإيقاظ لقوم لا يذكرون عواقب الأمور، فيحرصون عليها عن غفلة بالعواقب، فأمّا الله -  وتعالى - فمحال أن يكون أمره على ذلك ليكون فيما يذكره ذلك؛ ألا ترى أن أحداً لا يقول: ولدت للموت، أو بنيْتُ للخراب؛ لأنه لا لذلك يفعل، وإن كان إليه يئول، وإنما قول الواعظ لهم بما ذكرت؛ كذلك بطل هذا، وأمر قوم فرعون لم يقل: ليكون لهم عندهم؛ إنما هو ليكون لهم عند الله  ، وبما أراد الله، وكان كذلك، ولا قوة إلا بالله.

وقد بيّنا ما في الحكمة تحقيقه من طريق الاعتبار - ولا قوة إلا بالله - والأصل في ذلك أن الله -  - عالم بمن يؤثر عداوته ويعاند آياته، فإرادته ألا يكون منه ذلك حاجة إليه في موالاته، أو إيجاب غلبة عليه في بعض ما يريد، جل الله عن هذا الوصف.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله