تفسير سورة آل عمران الآيات ١٥٦-١٥٨ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٥٦-١٥٨

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّۭى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةًۭ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ١٥٦ وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ١٥٧ وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ ١٥٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

يقول بعض المفسرين إن هذا القول وقع من بعض الكفار فعلًا فنهى الله المؤمنين أن يقولوا مثله، والمختار أن هذا القول لا يصدر إلا عن كافر فلا يليق مثله بالمؤمنين.

أما وقد سأل سائل الآن عن مسألة القضاء والقدر فإنني أجيب السائل بمثل ما أجبت به من سألني عن ذلك من غير المسلمين إذ قال: "إن هذه العقيدة هي السبب في تأخر المسلمين عن غيرهم من الأمم، فإنهم ينكرون الأسباب ولا يحفلون بها".

فقلت له: إن ما ينتقد على المسلمين من ذلك لا يرجع منه شيء إلى الإسلام الخالص، فما قرره فهو الحق الواقع في نفسه الذي لا يمكن لمؤمن ولا ملحد إنكاره، إن القضاء عبارة عن تعلق العلم الإلهي بالشيء، والعلم انكشاف لا يفيد الإلزام، والقدر وقوع الشيء على حسب العلم، والعلم لا يكون إلا مطابقًا للواقع وإلا كان جهلًا، أو الواقع غير واقع وهو محال، وهنا أمران كل منهما ثابت في نفسه: أحدهما: أن الله خالق كل شيء.

وثانيهما: أن هذا النوع من المخلوقات الذي يسمى "الإنسان" يعمل أعماله بقصد واختيار، ولكنه غير تام القدرة ولا الإرادة ولا العلم، فقد يعزم على العمل ثم تنفسخ عزيمته لتغير علمه بالمصلحة أو لعجزه عن تنفيذ ما عزم عليه مع بقاء علمه بأنه هو الموافق للمصلحة، وذلك لمرض يلم به أو مانع يحول دون ما أراده، وهذا يقع مع الناس كل يوم ولكنهم قد يغفلون عنه ويغترون بما ينفذ من عزائمهم فيظنون أن الإنسان يفعل ما يشاء.

جاء مصر رجلان من الأوروبيين الذين جرت عادة أمثالهم بأن يحددوا مدة سفرهم ومقامهم في كل بلد يزورونه قبل الشروع في السفر، وكان مما كتباه في برنامج سفرهما أنهما يقيمان بمصر ستة أيام، فمرض أحدهما فاضطر إلى أن يمد في مدة السفر بغير حساب، وهكذا شأن الإنسان يعزم فيعمل، أو يعجز أو يموت قبل التمكن من العمل، فاختياره في أعماله وقدرته عليها ومعرفته الأسباب وقيامها به كل ذلك له حدود لا يتجاوزها، فهو لا يحيط علمًا بأسباب الموت ولا يقدر على اجتناب كل ما يعمل من أسبابه، وما كل سبب يتعرض له يقع، فجميع الذين يصطلون بنار الحرب يعرضون أنفسهم للقتل، وقد يسلم أكثرهم ويقتل أقلهم.

﴿ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ  ﴾ أي لا تكونوا يا معشر المؤمنين مثل أولئك الكافرين في اعتقادهم ولا تقولوا مثل قولهم الناشئ عن ذلك الاعتقاد.

﴿ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  ﴾ أي إن الحياة والممات بيد الله تعالى وهو ممد الموجودات كلها بما يحفظ وجوده، والعالمين بحياتهم وموتهم، فلا يليق بالعاقل أن يقول لمن أماته لو كان في مكان كذا لما مات بل كانت حياته أطول، وهناك علة أخرى من علل النهي عن مثل ذلك القول وهي ما أفاده قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ  ﴾ وبيان ذلك أن حظ الحي من هذه الحياة هو ما يجمعه من المال والمتاع الذي تتحقق به شهواته وحظوظه، وما يلاقيه من يقتل أو يموت في سبيل الله من مغفرته تعالى ورحمته فهو خير لي من جميع ما يتمتع به في هذه الدار الفانية، والموت في سبيل الله هو الموت في أي عمل من الأعمال التي يعملها الإنسان لله أي سبيل البر والخير التي هدى الله الإنسان إليها ويرضاها منه، وقد يموت الإنسان في أثناء الحرب من التعب أو غير ذلك من الأسباب التي يأتيها المحارب في أثنائها فيكون ذلك من الموت في سبيل الله  .

﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ  ﴾ : إنه ليس لله تعالى مكان يحصره فيحشر الناس ويساقون إليه، ولكن الإنسان يغفل في هذه الدار عن الله فينسى هيبته وجلاله وينصرف عن استشعار عظمته وسلطانه؛ لاشتغاله بدفع المكاره عن نفسه، وجلب اللذات والرغائب لها، وأما ذلك اليوم يحشر له الناس فلا اشتغال فيه بتقويم بنية، ولا التمتع بلذة، ولا مدافعة عدو، ولا مقاومة مكروه، ولا بتربية نفس، ولا تنزيه حس، وإنما يستقبل فيه كل أحد ما يلاقيه من الله تعالى جزاء على عمله لا يشغله عنه شيء فيكون بذلك راجعًا عن كل شيء كان فيه إلى الله تعالى محشورًا مع سائر الناس إليه لا يشغلهم عنه شيء.

وإذا كان هذا مصير كل من يموت أو يقتل إلى الله تعالى مهما كان سبب موته أو قتله ومهما طالت حياته فالاشتغال بذكر سبب هذا المصير ومبدأه لا يفيد وإنما الذي يفيد هو الاهتمام بذلك المستقبل، والاشتغال بالاستعداد له وذلك دأب العقلاء من المؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله