تفسير سورة آل عمران الآيات ١٦٥-١٦٨ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٦٥-١٦٨

أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١٦٥ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٦٦ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًۭا لَّٱتَّبَعْنَـٰكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَـٰنِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ١٦٧ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ ۗ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٦٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

الكلام إنكار لتعجبهم وبيان لمنة الله تعالى عليهم حتى في واقعة أُحد، فإن خذلانهم فيها لم يبلغ مبلغ ظفرهم في بدر بل كان نصرهم هناك ضعفي انتصار المشركين هنا، كأنه يقول لماذا نسيتم فضل الله عليكم في بدر فلم تذكروه!.

وأخذتم تعجبون مما أصابكم في أُحد وتسألون عن سببه ومصدره؟!

وقال المفسرون إن سبب تعجبهم مما أصابهم هو اعتقادهم أنهم لا بد أن ينتصروا وهم مسلمون يقاتلون في سبيل الله وفيهم رسوله -وتقدم كشف هذه الشبهة في تفسير الآيات السابقة- وقد ذكر هنا تعجبهم ليبني عليه هذا الجواب وما فيه من الحكم لأولي الألباب وهو: ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ  ﴾ فإنكم أخطأتم الرأي بخروجكم من المدينة إلى أُحد وكان الرأي ما رآه النبي  من البقاء فيها حتى إذا ما دخلها المشركون عليهم قاتلوهم على أفواه الأزقة والشوارع، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من سطوح المنازل، وروي هذا عن الربيع، ثم إنكم فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم الرسول طمعًا في الغنيمة ففارق الرماة منكم موقعهم الذي أقامهم فيه لحماية ظهوركم بنضح عدوكم بالنبل إذا أراد أن يكر عليكم من ورائكم.

هذا المتبادر المشهور والمعقول والمعنى الموافق لقاعدة كون العقوبات آثارًا لازمة للأعمال، وروي عن عكرمة، ويروي عن الحسن أن ما حصل يوم أُحد من المصيبة كان عقابًا على أخذ الفداء عن أسرى بدر الذي عاتب الله عليه نبيه بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ  ﴾ إلخ، وقووه بما رواه ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والنسائي عن علي كرم الله وجهه قال: جاء جبريل إلى النبي  ، فقال يا محمد إن الله تعالى قد كره ما فعل قومك في أخذهم الأسارى وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وإما أن يأخذوا منهم الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، فدعا رسول الله  الناس فذكر لهم ذلك فقالوا يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا نأخذ فداءهم، نتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم فليس ذلك ما نكره، فقتل منهم يوم أُحد سبعون رجلًا عدة أسارى أهل بدر.

﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ بناء على كون وجه تعجبهم هو وجود الرسول  فيهم، أي أن الرسول  لا ينفع أمة قد خالفت السنن والطبائع فلا تغتروا بوجودكم معه، مع المخالفة لله وله، فهو لا يحميكم، مما تقتضيه سنن الله فيكم.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن قوله تعالى ﴿ أَوَلَمَّا  ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن همزة الاستفهام قدمت على الواو لأن لها الصدارة والواو عاطفة للجملة الاستفهامية.

وثانيهما: أن الواو عاطفة لما بعدها على محذوف قبلها هو الجملة الاستفهامية والتقدير: أأخطأتم الرأي في الخروج إلى أحد، وفعلتم ما فعلتم من الفشل والعصيان، ولم تبالوا بذلك وتفكروا في عاقبته، ولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا تعجبًا منه واستغرابًا؟

وقدر بعضهم غير ذلك.

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ أي لا عجزًا في القدرة، ولا قهرًا للإرادة، وهذا صريح في أن قدرته لا يمنعها وجود الرسول فيهم.

﴿ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ  وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ  ﴾ ليس قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ  ﴾ للاحتراس، بل لرفع شأن هذا اليوم الذي حصل فيه التمييز بين الفريقين وقال إنهم أقرب إلى الكفر ولم يقل إنهم كفار مع علمه بحالهم تأديبًا لهم ومنعًا للتهجم على التكفير بالعلامات والقرائن.

إنه تعالى كان يعلم أنهم يبطنون الكفر وأن امتناعهم عن الجهاد عمل من أعمال الكفر ولكنه لم يصرح به في الآية بل صرح بما يومئ إليه تأديبًا لهم عسى أن يتوب منهم من لم يتمكن الكفر في قلبه ومنعًا للناس من الهجوم على التكفير.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن قوله تعالى ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا  ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على ﴿ نَافَقُوا  ﴾ وهو الظاهر المتبادر.

والثاني: أنه استئناف، وقوله قبله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا  ﴾ قد تم به الكلام السابق، قالوا الواو في قوله: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ  ﴾ هي التي يسمونها واو الاستئناف على هذا القول، وقد خلط بعضهم في الكلام عن هذه الواو لعدم فهم المراد منها وليس هو بمعنى الاستئناف المشهور وإنما تأتي؛ لوصل كلام بكلام آخر مباين للأول تمام المباينة من جهة ذاته، ومرتبط به من جهة السياق والغرض، ففي مثل هذه الحال إذا فصل الثاني من الأول يكون في الفصل البحت وحشة على السمع وإيهام للذهن، أن الغرض الذي سيق له الكلام قد انتهى فيجئ المتكلم بالواو وليستمر الأنس بالكلام في الغرض الواحد ويظل الذهن منتظرًا لغاية الفائدة والغرض منه، فكأن المتكلم عند نقطة بالجملة المستأنفة بالواو للانتقال من جزء من كلامه قد تم إلى جزء آخر يراد به مثل ما يراد مما قبله يقول: هذا جزء من الكلام يثبت غرضي ويبين مرادي وثم جزء آخر منه وهو كذا.

ومنها أن اللام في قوله: ﴿ لِلْكُفْرِ  ﴾ و ﴿ لِلْإِيمَانِ  ﴾ متعلقة "بأقرب" على أنها بمعنى "إلى"، فإن المستعمل في صلة القرب حرفًا "إلى" و "من" يقال قرب منه وقرب إليه، وقال بعضهم إنه يتعدى باللام أيضًا.

﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا  ﴾ هذا وصف آخر من أوصاف المنافقين جاء في سياق التقريع المتقدم، وقدم القول فيه على القعود عن القتال لأنه أقبح منه، فإن القعود ربما كان لعذر أو التمس الناس له عذرًا واللوم فيه على فاعله وحده لأن إثمه لا يتعداه إلى غيره، وأما هذا لقول الخبيث فإنه أدل على فساد السريرة وضعف العقل والدين، وضرره يتعدى لما فيه من تثبيط همم المجاهدين.

﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ أي أن هذا القول في حكمه الجازم يتضمن أن علمهم قد أحاط بأسباب الموت في هذه الواقعة، وإذا أجاز هذا فيها جاز في غيرها وحينئذ يمكنهم درء الموت أي دفعه عن أنفسهم ولذلك طالبهم به وجعله حجة عليهم.

وقد يقال إن فرقًا بين التوقي من القتل بالبعد عن أسبابه، وبين دفع الموت بالمرة، فالموت حتم عند انتهاء الأجل المحدود وإن طال، والقتل ليس كذلك فكيف احتج عليهم بطلب درء الموت عن أنفسهم؟

وهذا اعتراض يجيء من وقوف النظر، فكل يعلم، ولا سيما من حارب، أنه ما كل من حارب يقتل فقد عرف بالتجربة أن كثيرين يصابون بالرصاص في أثناء القتال، ولا يموتون وأن كثيرين يخرجون من المعمعة سالمين ولا يلبثون بعدها أن يموتوا حتف أنوفهم كما يموت كثير من القاعدين عن القتال فما كل مقاتل يموت، ولا كل قاعد يسلم، وإذا لم يكن أحد الأمرين حتمًا سقط قولهم وظهر بطلانه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله