الآية ١٦٦ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٦٦ من سورة آل عمران

وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٦٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 107 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٦ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦٦ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ) أي : فراركم بين يدي عدوكم وقتلهم لجماعة منكم وجراحتهم لآخرين ، كان بقضاء الله وقدره ، وله الحكمة في ذلك .

[ وقوله ] ( وليعلم المؤمنين ) أي : الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: والذي أصابكم " يوم التقى الجمعان "، وهو يوم أحد، حين التقى جمع المسلمين والمشركين.

ويعني بـ" الذي أصابهم "، ما نال من القتل مَنْ قُتِل منهم، ومن الجراح من جرح منهم =" فبإذن الله،" يقول: فهو بإذن الله كان = يعني: بقضائه وقدَره فيكم.

(1) .

* * * وأجاب " ما " بالفاء، لأن " ما " حرف جزاء، وقد بينت نظير ذلك فيما مضى قبل (2) .

* * * =" وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا "، بمعنى: وليعلم الله المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا، أصابكم ما أصابكم يوم التقى الجمعان بأحد، ليميِّز أهلُ الإيمان بالله ورسوله المؤمنين منكم من المنافقين فيعرفونهم، لا يخفى عليهم أمر الفريقين.

وقد بينا تأويل قوله: " وليعلم المؤمنين " فيما مضى، وما وجه ذلك، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(3) .

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال ابن إسحاق.

8192- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين "، أي: ما أصابكم حين التقيتم أنتم وعدوّكم، فبإذني كان ذلك حين فعلتم ما فعلتم، بعد أن جاءكم نصري، وصدقتكم وعدي، (4) ليميز بين المنافقين والمؤمنين، وليعلم الذين نافقوا منكم، أي: ليظهروا ما فيهم.

(5) ---------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"الإذن" فيما سلف 2: 449 ، 450 / 4: 286 / 5 : 355 ، 395 / 7 : 289.

(2) انظر ما سلف 5: 585.

(3) انظر ما سلف 3: 160 / 7 : 246 ، 325.

(4) في المطبوعة: "وصدقتم وعدي" ، والصواب من المخطوطة وسيرة ابن هشام.

(5) الأثر: 8192- سيرة ابن هشام 3: 125 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8187.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنينيعني يوم أحد من القتل والجرح والهزيمة .

فبإذن الله أي بعلمه .

وقيل : بقضائه وقدره .

قال القفال : أي فبتخليته بينكم وبينهم ، لا أنه أراد ذلك .

وهذا تأويل المعتزلة .

ودخلت الفاء في فبإذن الله لأن " ما " بمعنى الذي .

أي والذي أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ; فأشبه الكلام معنى الشرط ، كما قال سيبويه : الذي قام فله درهم .

وليعلم المؤمنين

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أخبر أن ما أصابهم يوم التقى الجمعان، جمع المسلمين وجمع المشركين في \"أحد\" من القتل والهزيمة، أنه بإذنه وقضائه وقدره، لا مرد له ولا بد من وقوعه.

والأمر القدري -إذا نفذ، لم يبق إلا التسليم له، وأنه قدره لحكم عظيمة وفوائد جسيمة، وأنه ليتبين بذلك المؤمن من المنافق

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما أصابكم يوم التقى الجمعان ) بأحد من القتل والجرح والهزيمة ، ( فبإذن الله ) أي : بقضائه وقدره ، ( وليعلم المؤمنين ) أي : ليميز وقيل ليرى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما أصابكم يوم التقى الجمعان» بأحد «فبإذن الله» بإرادته «وليعلم» علم ظهور «المؤمنين» حقا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما وقع بكم مِن جراح أو قتل في غزوة "أُحد" يوم التقى جَمْعُ المؤمنين وجمع المشركين فكان النصر للمؤمنين أولا ثم للمشركين ثانيًا، فذلك كله بقضاء الله وقدره، وليظهر ما علمه الله في الأزل؛ ليميز المؤمنين الصادقين منكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

{ وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان فَبِإِذْنِ الله وَلِيَعْلَمَ المؤمنين } .أى : وما أصابكم - أيها المؤمنون - من قتل وجراح وآلام يوم التقى جمعكم وجمع أعدائكم فى أحد ، { فَبِإِذْنِ الله } أى فبإرادته وعلمه ، إذ ما من شىء يقع فى هذا الكون إلا بتقدير الله وعلمه ، فعليكم أن تستسلموا لإرادة الله ، وأن تعودوا إلى أنفسكم فتهذبوها وتروضوها على تقوى الله وطاعته ، حتى تكونوا أهلا لنصرته وعونه .و " ما " موصولة بمعنى الذى فى محل رفع بالابتداء ، وجملة { أَصَابَكُمْ } صلة الموصولة ، وقوله { فَبِإِذْنِ الله } هو الخبر .

ودخلت الفاء فى الخبر لشبه المبتدأ بالشرط .

وقوله { وَلِيَعْلَمَ المؤمنين } بيان لبعض الحكم التى من أجلها حدث ما حدث فى غزوة أحد .والعلم هنا كناية عن الظهور والتقرر فى الخارج لما قدره - سبحانه - فى الأزل أى أراد الله أن يحدث ما حدث فى غزوة أحد ليظهر للناس ويميز لهم المؤمنين من غيرهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا متعلق بما تقدم من قوله: ﴿ أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ  ﴾ فذكر في هذه الآية الأولى أنها أصابتهم بذنبهم ومن عند أنفسهم، وذكر في هذه الآية أنها أصابتهم لوجه آخر، وهو أن يتميز المؤمن عن المنافق، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ يَوْمَ التقى الجمعان ﴾ المراد يوم أحد، والجمعان: أحدهما جمع المسلمين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني: جمع المشركين الذين كانوا مع أبي سفيان.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ فَبِإِذْنِ الله ﴾ وجوه: الأول: أن إذن الله عبارة عن التخلية وترك المدافعة، استعار الاذن لتخلية الكفار فانه لم يمنعهم منهم ليبتليهم، لأن الاذن في الشيء لا يدفع المأذون عن مراده، فلما كان ترك المدافعة من لوازم الاذن أطلق لفظ الاذن على ترك المدافعة على سبيل المجاز.

الوجه الثاني: فباذن الله: أي بعلمه كقوله: ﴿ وَأَذَانٌ مّنَ الله  ﴾ أي إعلام، وكقوله: ﴿ آذناكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ  ﴾ وقوله: ﴿ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله  ﴾ وكل ذلك بمعنى العلم.

طعن الواحدي فيه فقال: الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم ولا تقع التسلية إلا إذا كان واقعا بعلمه، لأن علمه عام في جميع المعلومات بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ  ﴾ .

الوجه الثالث: أن المراد من الاذن الأمر، بدليل قوله: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ  ﴾ والمعنى أنه تعالى لما أمر بالمحاربة، ثم صارت تلك المحاربة مؤدية إلى ذلك الانهزام، صح على سبيل المجاز أن يقال حصل ذلك بأمره.

الوجه الرابع: وهو المنقول عن ابن عباس: أن المراد من الاذن قضاء الله بذلك وحكمه به وهذا أولى لأن الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم، والتسلية إنما تحصل إذا قيل إن ذلك وقع بقضاء الله وقدره، فحينئذ يرضون بما قضى الله.

ثم قال: ﴿ وَلِيَعْلَمَ المؤمنين * وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ ﴾ والمعنى ليميز المؤمنين عن المنافقين وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: يقال: نافق الرجل فهو منافق إذا أظهر كلمة الايمان وأضمر خلافها، والنفاق اسم إسلامي اختلف في اشتقاقه على وجوه: الأول: قال أبو عبيدة: هو من نافقاء اليربوع، وذلك لأن جحر اليربوع له بابان: القاصعاء والنافقاء، فاذا طلب من أيهما كان خرج من الآخر فقيل للمنافق أنه منافق، لأنه وضع لنفسه طريقين، إظهار الاسلام وإضمار الكفر، فمن أيهما طلبته خرج من الآخر: الثاني: قال ابن الأَنباري: المنافق من النفق وهو السرب، ومعناه أنه يتستر بالاسلام كما يتستر الرجل في السرب.

الثالث: أنه مأخوذ من النافقاء، لكن على غير هذا الوجه الذي ذكره أبو عبيدة، وهو أن النافقاء جحر يحفره اليربوع في داخل الأرض، ثم انه يرقق بما فوق الجحر، حتى إذا رابه ريب دفع التراب برأسه وخرج، فقيل للمنافق منافق لأنه يضمر الكفر في باطنه، فاذا فتشته رمى عنه ذلك الكفر وتمسك بالاسلام.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ المؤمنين ﴾ ظاهره يشعر بأنه لأجل أن يحصل له هذا العلم أذن في تلك المصيبة، وهذا يشعر بتجدد علم الله، وهذا محال في حق علم الله تعالى، فالمراد هاهنا من العلم المعلوم، والتقدير: ليتبين المؤمن من المنافق، وليتميز أحدهما عن الآخر حصل الاذن في تلك المصيبة، وقد تقدم تقرير هذا المعنى في الآيات المتقدمة والله أعلم.

المسألة الثالثة: في الآية حذف، تقديره: وليعلم إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين.

فان قيل: لم قال: ﴿ وَلِيَعْلَمَ المؤمنين * وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ ﴾ ولم يقل: وليعلم المنافقين.

قلنا: الاسم يدل على تأكيد ذلك المعنى، والفعل يدل على تجدده، وقوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ المؤمنين ﴾ يدل على كونهم مستقرين على إيمانهم متثبتين فيه، وأما ﴿ نَافَقُواْ ﴾ فيدل على كونهم إنما شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت.

ثم قال تعالى: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في أن هذا القائل من هو؟

وجهان: الأول: قال الأصم: انه الرسول عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم إلى القتال.

الثاني: روي أن عبدالله بن أبي بن سلول لما خرج بعسكره إلى أحد قالوا: لم نلقي أنفسنا في القتل، فرجعوا وكانوا ثلثمائة من جملة الألف الذين خرج بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم عبدالله بن عمرو بن حرام أبو جابر بن عبدالله الأنصاري: أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور العدو، فهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ ﴾ يعني قول عبدالله هذا.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا ﴾ يعني إن كان في قلبكم حب الدين والاسلام فقاتلوا للدين والاسلام، وإن لم تكونوا كذلك، فقاتلوا دفعاً عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم، يعني كونوا إما من رجال الدين، أو من رجال الدنيا.

قال السدي وابن جريج: ادفعوا عنا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا، قالوا: لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة والعظمة، والأول هو الوجه.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا ﴾ تصريح بأنهم قدموا طلب الدين على طلب الدنيا، وذلك يدل على أن المسلم لابد وأن يقدم الدين على الدنيا في كل المهمات.

ثم قال تعالى: ﴿ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان ﴾ وهذا هو الجواب الذي ذكره المنافقون وفيه وجهان: الأول: أن يكون المراد أن الفريقين لا يقتتلان ألبتة، فلهذا رجعنا.

الثاني: أن يكون المعنى لو نعلم ما يصلح أن يسمى قتالا لاتبعناكم، يعني أن الذي يقدمون عليه لا يقال له قتال، وإنما هو إلقاء النفس في التهلكة لأن رأي عبدالله كان في الاقامة بالمدينة، وما كان يستصوب الخروج.

واعلم أنه إن كان المراد من هذا الكلام هو الوجه الأول فهو فاسد، وذلك لأن الظن في أحوال الدنيا قائم مقام العلم، وأمارات حصول القتال كانت ظاهرة في ذلك اليوم، ولو قيل لهذا المنافق الذي ذكر هذا الجواب: فينبغي لك لو شاهدت من شهر سيفه في الحرب أن لا تقدم على مقاتلته لأنك لا تعلم منه قتالا، وكذا القول في سائر التصرفات في أمور الدنيا، بل الحق أن الجهاد واجب عند ظهور أمارات المحاربة، ولا أمارات أقوى من قربهم من المدينة عند جبل أحد، فدل ذكر هذا الجواب على غاية الخزي والنفاق، وإنه كان غرضهم من ذكر هذا الجواب إما التلبيس، وإما الاستهزاء.

وأما إن كان مراد المنافق هو الوجه الثاني فهو أيضاً باطل، لأن الله تعالى لما وعدهم بالنصرة والإعانة لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء للنفس في التهلكة.

ثم إنه بين حالهم عندما ذكروا هذا الجواب فقال: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في التأويل وجهان: الأول: أنهم كانوا قبل هذه الواقعة يظهرون الايمان من أنفسهم وما ظهرت منهم أمارة تدل على كفرهم، فلما رجعوا عن عسكر المؤمنين تباعدوا بذلك عن أن يظن بهم كونهم مؤمنين.

واعلم أن رجوعهم عن معاونة المسلمين دل على أنهم ليسوا من المسلمين، وأيضاً قولهم: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم ﴾ يدل على أنهم ليسوا من المسلمين، وذلك لأنا بينا أن هذا الكلام يدل إما على السخرية بالمسلمين، وإما على عدم الوثوق بقول النبي صلى الله عليه وسلم وكل واحد منهما كفر.

الوجه الثاني: في التأويل أن يكون المراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الايمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانعزال يجر إلى تقوية المشركين.

المسألة الثانية: قال أكثر العلماء: إن هذا تنصيص من الله تعالى على أنهم كفار، قال الحسن اذا قال الله تعالى: ﴿ أَقْرَبُ ﴾ فهو اليقين بأنهم مشركون، وهو مثل قوله: ﴿ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ فهذه الزيادة لا شك فيها، وأيضا المكلف لا يمكن أن ينفك عن الايمان والكفر، فلما دلت الآية على القرب لزم حصول الكفر.

وقال الواحدي في البسيط: هذه الآية دليل على أن من أتى بكلمة التوحيد لم يكفر ولم يطلق القول بتكفيره، لانه تعالى لم يطلق القول بكفرهم مع أنهم كانوا كافرين، لاظهارهم القول بلا إله إلا الله محمد رسول الله.

ثم قال تعالى: ﴿ يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ والمراد أن لسانهم مخالف لقلبهم، فهم وإن كانوا يظهرون الايمان باللسان لكنهم يضمرون في قلوبهم الكفر.

ثم قال: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾ .

فان قيل: إن المعلوم اذا علمه عالمان لا يكون أحدهما أعلم به من الآخر، فما معنى قوله: ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾ .

قلنا: المراد أن الله تعالى يعلم من تفاصيل تلك الاحوال ما لا يعلمه غيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أصابتكم مُّصِيبَةٌ ﴾ يريد: ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم ﴿ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا ﴾ يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين.

و ﴿ لَّمّا ﴾ نصب بقلتم.

و ﴿ أصابتكم ﴾ في محل الجرّ بإضافة ﴿ لَّمّا ﴾ إليه وتقديره: أقلتم حين أصابتكم.

و ﴿ أنى هذا ﴾ نصب لأنه مقول، والهمزة للتقرير والتقريع.

فإن قلت: علام عطفت الواو هذه الجملة؟

قلت: على ما مضى من قصة أحد من قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ ﴾ ويجوز أن تكون معطوفة على محذوف، كأنه قيل: أفعلتم كذا وقلتم حينئذ كذا، أنى هذا: من أين هذا.

كقوله تعالى: ﴿ أنى لَكِ هذا ﴾ [آل عمران: 7] لقوله: ﴿ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ مِنْ عِندِ الله ﴾ والمعنى: أنتم السبب فيما أصابكم، لاختياركم الخروج من المدينة، أو لتخليتكم المركز.

وعن عليّ رضي الله عنه: لأخذكم الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤذن لكم ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فهو قادر على النصر وعلى منعه، وعلى أن يصيب بكم تارة ويصيب منكم أخرى ﴿ وَمَا أصابكم ﴾ يوم أحد يوم التقى جمعكم وجمع المشركين ﴿ ف ﴾ هو كائن ﴿ بِإِذُنِ الله ﴾ أي بتخليته، استعار الإذن لتخليته الكفار.

وأنه لم يمنعهم منهم ليبتليهم، لأنّ الآذن مخل بين المأذون له ومراده ﴿ وَلِيَعْلَمَ ﴾ وهو كائن ليتميز المؤمنون والمنافقون، وليظهر إيمان هؤلاء ونفاق هؤلاء ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ ﴾ من جملة الصلة عطف على نافقوا، وإنما لم يقل فقالوا لأنه جواب لسؤال اقتضاه دعاء المؤمنين لهم إلى القتال، كأنه قيل: فماذا قالوا لهم.

فقيل: قالوا: لو نعلم.

ويجوز أن تقتصر الصلة على ﴿ نَافَقُواْ ﴾ ، ويكون ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ ﴾ كلاما مبتدأ قسم الأمر عليهم بين أن يقاتلوا للآخرة كما يقاتل المؤمنون، وبين أن يقاتلوا إن لم يكن بهم غم الآخرة دفعاً عن أنفسهم وأهليهم وأموالهم، فأبوا القتال وجحدوا القدرة عليه رأساً لنفاقهم ودغلهم وذلك ما روى أن عبد الله بن أبيّ انخذل مع حلفائه، فقيل له، فقال ذلك.

وقيل: ﴿ أَوِ ادفعوا ﴾ العدوّ بتكثيركم سواد المجاهدين وإن لم تقاتلوا لأنّ كثرة السواد مما يروع العدو ويكسر منه.

وعن سهل بن سعد الساعدي وقد كف بصره: لو أمكنني لبعت داري ولحقت بثغر من ثغور المسلمين فكنت بينهم وبين عدوهم.

قيل وكيف وقد ذهب بصرك؟

قال لقوله: ﴿ أَوِ ادفعوا ﴾ أراد: كثروا سوادهم.

ووجه آخر وهو أن يكون معنى قولهم: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً ﴾ لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً ﴿ لاتبعناكم ﴾ يعنون أن ما أنتم فيه لخطإ رأيكم وزللكم عن الصواب ليس بشيء، ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء بالأنفس إلى التهلكة، لأنّ رأي عبد الله كان في الإقامة بالمدينة وما كان يستصوب الخروج ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان ﴾ يعني أنهم قبل ذلك اليوم كانوا يتظاهرون بالإيمان وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا، تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر.

وقيل: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأنّ تقليلهم سواد المسلمين بالانخذال تقوية للمشركين ﴿ يَقُولُونَ بأفواههم ﴾ لا يتجاوز إيمانهم أفواههم ومخارج الحروف منهم ولا تعي قلوبهم منه شيئاً.

وذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم، وأنّ إيمانهم موجود في أفواههم معدوم في قلوبهم، خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم لأفواههم ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾ من النفاق.

وبما يجري بعضهم مع بعض من ذمّ المؤمنين وتجهيلهم وتخطئة رأيهم والشماتة بهم وغير ذلك، لأنكم تعلمون بعض ذلك علماً مجملاً بأمارات، وأنا أعلم كله علم إحاطة بتفاصيله وكيفياته ﴿ الذين قَالُواْ ﴾ في إعرابه أوجه: أن يكون نصباً على الذمّ أو على الردّ على الذين نافقوا، أو رفعاً على هم الذين قالوا أو على الإبدال من واو يكتمون.

ويجوز أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في بأفواههم أو قلوبهم، كقوله: عَلَى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حَاتِمُ ﴿ لإخوانهم ﴾ لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد أو إخوانهم في النسب وفي سكنى الدار ﴿ وَقَعَدُواْ ﴾ أي قالوا وقد قعدوا على القتال: لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من القعود ووافقونا فيه لما قتلوا كما لم نقتل ﴿ قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ معناه: قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلاً وهو القعود عن القتال، فجدوا إلى دفع الموت سبيلاً، يعني أن ذلك الدفع غير مغن عنكم، لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت، لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة، ولا بد لكم من أن يتعلق بكم بعضها.

وروي: أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً.

فإن قلت: فقد كانوا صادقين في أنهم دفعوا القتل عن أنفسهم بالقعود، فما معنى قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ ؟

قلت: معناه أن النجاة من القتل يجوز أن يكون سببها القعود عن القتال وأن يكون غيره، لأن أسباب النجاة كثيرة، وقد يكون قتال الرجل سبب نجاته ولو لم يقاتل لقتل، فما يدريكم أن سبب نجاتكم القعود وأنكم صادقون في مقالتكم؟

وما أنكرتم أن يكون السبب غيره.

ووجه آخر: إن كنتم صادقين في قولكم: لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا، يعني أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقتلوا قاعدين كما قتلوا مقاتلين.

وقوله: ﴿ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ ﴾ استهزاء بهم، أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت، فادرؤا جميع أسبابه حتى لا تموتوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ جَمْعُ المُسْلِمِينَ وجَمْعُ المُشْرِكِينَ يُرِيدُ يَوْمَ أُحُدٍ.

﴿ فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فَهو كائِنٌ بِقَضائِهِ أوْ تَخْلِيَتِهِ الكُفّارَ سَمّاها إذْنًا لِأنَّها مِن لَوازِمِهِ.

﴿ وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا ﴾ ولِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ والمُنافِقُونَ فَيَظْهَرُ إيمانُ هَؤُلاءِ وكُفْرُ هَؤُلاءِ.

﴿ وَقِيلَ لَهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى نافَقُوا داخِلٌ في الصِّلَةِ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ.

﴿ تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا ﴾ تَقْسِيمٌ لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ وتَخْيِيرٌ بَيْنَ أنْ يُقاتِلُوا لِلْآخِرَةِ أوْ لِلدَّفْعِ عَنِ الأنْفُسِ والأمْوالِ.

وقِيلَ مَعْناهُ قاتِلُوا الكَفَرَةَ أوِ ادْفَعُوهم بِتَكْثِيرِهِمْ سَوادَ المُجاهِدِينَ، فَإنَّ كَثْرَةَ السَّوادِ مِمّا يُرَوِّعُ العَدُوَّ ويَكْسِرُ مِنهُ.

﴿ قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ ﴾ لَوْ نَعْلَمُ ما يَصِحُّ أنْ يُسَمّى قِتالًا لاتَّبَعْناكم فِيهِ لَكِنْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ بِقِتالٍ بَلْ إلْقاءٍ بِالأنْفُسِ إلى التَّهْلُكَةِ، أوْ لَوْ نُحْسِنُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم فِيهِ، وإنَّما قالُوهُ دَغْلًا واسْتِهْزاءً.

﴿ هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ ﴾ لِانْخِذالِهِمْ وكَلامِهِمْ هَذا فَإنَّها أوَّلُ أماراتٍ ظَهَرَتْ مِنهم مُؤْذِنَةً بِكُفْرِهِمْ.

وقِيلَ هم لِأهْلِ الكُفْرِ أقْرَبُ نُصْرَةً مِنهم لِأهْلِ الإيمانِ، إذْ كانَ انْخِذالُهم ومَقالُهم تَقْوِيَةً لِلْمُشْرِكِينَ وتَخْذِيلًا لِلْمُؤْمِنِينَ.

﴿ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ﴾ يُظْهِرُونَ خِلافَ ما يُضْمِرُونَ، لا تُواطِئُ قُلُوبُهم ألْسِنَتَهم بِالإيمانِ.

وإضافَةُ القَوْلِ إلى الأفْواهِ تَأْكِيدٌ وتَصْوِيرٌ.

﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ﴾ مِنَ النِّفاقِ.

وما يَخْلُو بِهِ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ مُفَصَّلًا بِعِلْمٍ واجِبٍ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَهُ مُجْمَلًا بِأماراتٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا أصابكم} ما بمعنى الذي وهو مبتدأ {يَوْمَ التقى الجمعان} جمعكم وجمع المشركين بأحد والخبر {فَبِإِذْنِ الله} فكائن بأذن الله أي بعلمه وقضائه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ورَفْعًا لِما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِنَ الجَوابِ مِنِ اسْتِقْلالِهِمْ في وُقُوعِ الحادِثَةِ رَجَعَ إلى خِطابِهِمْ بِرَفْعِ الواسِطَةِ وجَوابِ سُؤالِهِمْ بِأبْسَطِ عِبارَةٍ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أصابَكُمْ ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّكْبَةِ بِقَتْلِ مَن قُتِلَ مِنكم ﴿ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ أيُّ جَمْعُكم وجَمْعُ أعْدائِكُمُ المُشْرِكِينَ، والمُرادُ بِذَلِكَ اليَوْمِ يَوْمُ أُحُدٍ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ - لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِهِ يَوْمُ أُحُدٍ، ويَوْمُ بَدْرٍ - بَعِيدٌ جِدًّا ﴿ فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ بِإرادَتِهِ، وقِيلَ: بِتَخْلِيَتِهِ، و(ما) اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ (أصابَكُمْ) صِلَتُهُ، وبِإذْنِ اللَّهِ: خَبَرُهُ.

والمُرادُ بِإذْنِ اللَّهِ يَكُونُ ويَحْصُلُ، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ مَعْنى الشَّرْطِ، ووَجْهُ السَّبَبِيَّةِ لَيْسَ بِظاهِرٍ إذِ الإصابَةُ لَيْسَتْ سَبَبًا لِلْإرادَةِ ولا لِلتَّخْلِيَةِ، بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ فَهو مِن قَبِيلِ ﴿ وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلْإخْبارِ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّ قَيْدَ الأوامِرِ قَدْ يَكُونُ لِلْمَطْلُوبِ وقَدْ يَكُونُ لِلطّالِبِ، وكَذا الإخْبارُ، وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وادَّعى السَّمِينُ أنَّ في الكَلامِ إضْمارًا أيْ فَهو بِإذْنِ اللَّهِ، ودُخُولُ الفاءِ لِما تَقَدَّمَ، ثُمَّ قالَ: وهَذا مُشْكِلٌ عَلى ما قَرَّرَهُ الجُمْهُورُ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَهم دُخُولُ هَذِهِ الفاءِ زائِدَةً في الخَبَرِ إلّا بِشُرُوطٍ، مِنها أنْ تَكُونَ الصِّلَةُ مُسْتَقْبَلَةً في المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ الفاءَ إنَّما دَخَلَتْ لِلشَّبَهِ بِالشَّرْطِ، والشَّرْطُ إنَّما يَكُونُ في الِاسْتِقْبالِ لا في الماضِي، فَلَوْ قُلْتَ: الَّذِي أتانِي أمْسِ فَلَهُ دِرْهَمٌ لَمْ يَصِحَّ، و(أصابَكُمْ) هُنا ماضٍ مَعْنًى كَما أنَّهُ ماضٍ لَفْظًا؛ لِأنَّ القِصَّةَ ماضِيَةٌ فَكَيْفَ جازَ دُخُولُ هَذِهِ الفاءِ ؟

وأجابُوا عَنْهُ بِأنَّهُ يُحْمَلُ عَلى التَّبَيُّنِ أيْ وما يَتَبَيَّنُ إصابَتُهُ إيّاكم فَهو بِإذْنِ اللَّهِ كَما تَأوَّلُوا ﴿ وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ ﴾ بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: وإذا صَحَّ هَذا التَّأْوِيلُ فَلْيُجْعَلْ (ما) هُنا شَرْطًا صَرِيحًا، وتَكُونُ الفاءُ داخِلَةً وُجُوبًا لِكَوْنِها واقِعَةً جَوابًا لِلشَّرْطِ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

﴿ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ ﴾ (166) عَطْفٌ عَلى بِإذْنِ اللَّهِ، مِن عَطْفِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، والمُرادُ لِيَظْهَرَ لِلنّاسِ ويَثْبُتَ لَدَيْهِمْ إيمانُ المُؤْمِنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي أنعم الله عليهم إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني: من أصلهم ونسبهم من العرب، يعرفون نسبه.

ويقال: من أنفسهم، يعني من جنسهم من بني آدم، ولم يجعله من الملائكة.

وإنما خاطب بذلك المؤمنين خاصة لأن المؤمنين هم الذين صدقوه فكأنه منهم.

وقرئ في الشاذ: من أَنفسكم بنصب الفاء، أي من أشرفهم.

وقد كانت له فضيلة في ثلاثة أشياء: أحدها: أنه كان من نسب شريف لأنهم اتفقوا أن العرب أفضل، ثم من العرب قريش، ثم من قريش بنو هاشم، فجعله من بني هاشم.

والثاني: إنه كان أميناً فيهم قبل الوحي.

والثالث: أنه كان أمياً لكي لا يرتاب فيه الافتعال.

ثم قال: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ أي يعرض عليهم القرآن وَيُزَكِّيهِمْ يعني يأخذ منهم الزكاة ليطهر أموالهم، ويقال: ويزكيهم يعني يطهرهم من الذنوب والشرك.

ويقال: ويزكيهم أي يأمرهم بكلمة الإخلاص، وهي قول لا إله إلا الله، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يعني القرآن، والحكمة أي الفقه وبيان الحلال والحرام وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: وقد كانوا مِن قَبْلُ مجيء محمد  لفي خطأ بَيِّن.

ثم رجع إلى قصة أُحد وذكر التعزية للمؤمنين بما أصابهم من الجراحات، فقال: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ يعني يوم أحد قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها يوم بدر، لأن المسلمين يوم بدر قتلوا سبعين نفساً من صناديد قريش وأسروا سبعين، وقتل من المسلمين يوم أُحد سبعين ولم يؤسر منهم أحد، فذلك قوله تعالى: قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها وقوله: أَوَلَمَّا فالألف للاستفهام والواو للعطف وما صلة، فكأنه قال: ولئن متم أو قتلتم أو أصابتكم مصيبة يوم أحد، قد أصبتم مثليها يوم بدر قُلْتُمْ أَنَّى هذا يعني قلتم: فمن أين لنا هذا؟

وكيف أصابنا هذا ونحن مسلمون؟

قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ أي من عند قومكم بمعصية الرماة، بتركهم ما أمرهم به رسول الله  .

وقال الضحاك: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، يعني بذنوبكم التي سلفت منكم قبل القتال، يعني إن في ذلك تطهيراً لما سلف من ذنوبكم وهو قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] .

إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من النصرة والهزيمة وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فبإذن الله، أي جمع المسلمين وجمع المشركين فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي فبإرادة الله أصابكم وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا يعني أصابتكم المصيبة لكي يظهر المؤمن من المنافق.

ثم بيّن أمر المنافقين وصنيعهم وقلة حسبتهم في أمر الجهاد، فقال: وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا يعني: إن لم تقاتلوا لوجه الله، فقاتلوا دفعاً عن أنفسكم وحريمكم.

قال الكلبي: ويقال ادفعوا يعني: كثروا.

وقال القتبي: ادفعوا، أي كثروا لأنكم إذا كثرتم ثم دفعتم القوم بكثرتكم قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يعني: أن ميلهم إلى الكفر أقرب من ميلهم إلى الإيمان.

وقوله: لَاتَّبَعْناكُمْ أي لجئنا معكم.

قال الضحاك: وذلك أن النبيّ  لما خرج يوم أحد، أبصر كتيبة خثناء وفيها كبكبة من الناس، فقال: «مَنْ هَؤُلاءِ» ؟

فقيل: يا نبيّ الله، هؤلاء حلفاء عبد الله بن أبي.

فقال: «إِنَّا لاَ نَسْتَعِينُ بِالكُفَّارِ» فرجع عبد الله مع حلفائه من اليهود.

فقال له عمر: أقم مع المؤمنين.

فقال: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ.

ويقال: إن عونهم للكفار أكثر من عونهم للمؤمنين يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ذكر الأفواه على معنى التأكيد، لأن الرجل يقول بالمجاز بالإشارة، وهذا كما قال: يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ [البقرة: 79] ويَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: 11] وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ من النفاق والكفر.

ونزل فيهم أيضاً: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ من المنافقين وَقَعَدُوا عن الجهاد لَوْ أَطاعُونا في القعود عن الجهاد مَا قُتِلُوا في الغزو قُلْ لهم يا محمد فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ في حال حضور الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في مقالتكم.

قال الفقيه: سمعت بعض المفسرين بسمرقند يقول: لما نزلت هذه الآية: فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ مات يومئذ سبعون نفساً من المنافقين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ «١» : قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ عقوبةً لمعصيتكم لنبيِّكم- عليه السلام-.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ، يعني: يوم أُحُد.

وقوله سبحانه: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، أيْ: ليعلم اللَّه المؤمن مِنَ المُنَافق، والإشارة بقوله سبحانه: نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ: هي إلى عَبْد اللَّه بن أبَيٍّ وأصحابه، حين انخزل بنَحْو ثُلُث النَّاسِ، فمشى في إثرهم عبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزَامٍ أبُو جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فقَالَ لهم: اتقوا اللَّهَ، ولا تَتْرُكُوا نبيَّكم، وقاتلوا في سَبيلِ اللَّهِ، أو ادفعوا، ونحْوَ هذا من القولِ، فقال له ابْنُ أُبَيٍّ: ما أرى أَنْ يكُونَ قِتَالاً، ولو علمْنا أنْ يكُونَ قتَالٌ، لكنا معكم، فلما يَئِسَ منهم عبْدُ اللَّهِ، قال: اذهبوا أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَسَيْغُنِي اللَّهُ رَسُولَهُ عَنْكُمْ، ومضى مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاستشهد.

وقوله تعالى: أَوِ ادْفَعُوا، قال ابنُ جُرَيْجٍ وغيره: معناه: كَثِّروا السوادَ، وإنْ لم تقاتِلُوا/، فيندفع القَوْم لكثرتِكُمْ «٢» ، وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ قولَ عبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «أو ادفعوا» : استدعاء للقتَالِ حميَّةً إذ ليسوا بأهْلٍ للقتال في سبيل اللَّه، والمعنى:

قاتلوا في سبيل اللَّه، أو قاتلوا دفاعاً عن الحَوْزَة ألا ترى أنَّ قُزْمَانَ قَالَ في ذلك اليَوْمِ:

واللَّهِ، ما قاتلْتُ إلاَّ على أحساب قَوْمِي، وقَوْلِ الأنصاريِّ يومئذ لَمَّا أرسلَتْ قُرَيْشٌ الظَّهْرَ في الزُّروع: أترعى زُرُوعَ بَنِي قيلة، ولمّا نضارب.

الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨) وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)

وقوله تعالى: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا، الَّذِينَ بدل من الَّذِينَ المتقدِّم، لِإِخْوانِهِمْ، أي: لأجْلِ إخوانهم، أوْ في شأنِ إخوانهم المقتولِينَ، ويحتمل أنْ يريد: لإخوانهم الأحياءِ مِنَ المُنَافِقِينَ، ويكون الضميرُ في «أَطَاعُونَا» للمقتولين، وقَعَدُوا: جملةٌ في موضِعِ الحالِ، معترضةٌ أثْنَاءَ الكلامِ، وقولهم: لَوْ أَطاعُونا، يريدون: في ألاَّ يخرُجُوا، وباقِي الآيةِ بَيِّن.

ثم أخْبَرَ سبحانه عن الشهداءِ أنهم في الجنَّة أحياءٌ يرزقون، وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلَى الشُّهَدَاءِ، فَيَقُولُ: يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ، فَأَزِيدَكُمْ؟

فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، لاَ فَوْقَ مَا أَعْطَيْتَنَا، هَذِهِ الجَنَّةُ نَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ نَشَاءُ، لَكِنَّا نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنَا إلَى الدُّنْيَا، فَنُقَاتِلَ فِي سَبِيلِكَ، فَنُقْتَلُ مَرَّةً أخرى، فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: قَدْ سَبَقَ أَنَّكُمْ لاَ تُرَدُّونَ» «١» ، والأحاديثُ في فَضْل الشُّهَداء كثيرةٌ.

قال الفَخْر «٢» : والرواياتُ في هذا البابِ كأنَّها بلَغَتْ حدَّ التواتر، ثم قَالَ: قال بعْضُ المفسِّرين: أرواحُ الشُّهَدَاءِ أحياءٌ، وهي تركَعُ وتَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ إلى يَوْمِ القِيامةِ.

انتهى.

والعقيدةُ أنَّ الأرواحَ كلَّها أحياء، لا فرق بَيْن الشهداءِ وغيرهم في ذلك إلاَّ ما خَصَّص اللَّه به الشُّهداءَ مِنْ زيادَةِ المَزِيَّة والحياةِ الَّتِي ليْسَتْ بمكيَّفة، وفي «صحيح مسْلِمٍ» ، عن مَسْرُوقٍ قال، سَأَلْنَا ابْنَ مَسْعُودٍ عن هذه الآية: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فقال: أَمَّا أَنَا، فَقَدْ سَأَلْتُ عَنْ ذلك، فقال، يعني النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ القَنَادِيلِ ...

» «٣» الحديثَ إلى آخره اهـ.

ومن الآثار الصحيحةِ الدالَّة على فَضْلِ الشُّهداءِ ما رواه مالكٌ في «الموطَّإ» أنه بلَغَهُ أنَّ عمرو بْنَ الجَمُوحِ «٤» ، وعبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الأنصارِيَّيْنِ ثُمَّ السُّلَمِيَّيْنِ كَانَا قد حفر السّيل

قبرهما، وكان قَبْرُهما ممَّا يَلِي السَّيْلَ، وكانا في قَبْرٍ واحدٍ، وهما مِمَّن استشهد يَوْمَ أُحُدٍ، فحفر عنهما ليغيَّرَا مِنْ مَكَانِهِمَا، فَوُجِدَا لم يُغَيَّرا، كأنما ماتا بالأمْسِ، وكان أحدُهُما قَدْ جُرِحَ فَوَضَعَ يَدَهُ على جُرْحِهِ، فَدُفِنَ، وهو كذلك، فَأُمِيطَتْ يده عَنْ جُرْحِهِ، ثم أرْسِلَتْ، فَرَجَعَتْ، كما كانَتْ، وكان بَيْنَ أُحُدٍ، وبَيْنَ يَوْمَ حُفِرَ عَنْهُمَا سِتٌّ وأربعون سنَةً، قال أبو عمر في «التمهيد» : حديثُ مالكٍ هذا يتَّصلُ من وجوهٍ صحاحٍ بمعنى واحدٍ متقاربٍ، وعبد اللَّه بن عمرو هذا هو والدُ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، وعَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ هو ابنُ عَمِّه، ثم أسند أبو عمر، عن جابرِ بنِ عبْدِ اللَّهِ، قال: لما أراد معاويةُ أنْ يُجْرِيَ العَيْنَ بأُحُدٍ، نُودِيَ بالمدينةِ: مَنْ كان له/ قتيلٌ، فليأت قتيله، قال جابرٌ: فأتيناهم، فأخرجْنَاهم رطَاباً يَتَثَنَّوْنَ، فأصابَتِ المِسْحَاةُ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فانفطرت دَماً، قال أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ: «لاَ يُنْكِرُ بَعْدَ هَذَا مُنْكَرٌ أَبداً» وفي رواية: «فاستخرجهم- يعني: معاويةَ-، بعد سِتٍّ وأربعين سنَةً لَيِّنَةً أجسادُهم، تتثنى أطرافهم» ، قال أبو عمر: الذي أصابَتِ المِسْحَاةُ أصبُعَهُ هو حمزةُ (رضي اللَّه عنه) .

ثم أسند عَنْ جابِرٍ قال: رأَيْتُ الشهداءَ يَخْرجُونَ على رِقَابِ الرجَالِ كأنهم رجَالٌ نُوَّمٌ حتى إذا أَصَابَتِ المِسْحَاةُ قَدَمَ حمزةَ (رضي اللَّه عنه) : «فانثعبت دَماً» انتهى.

وقوله سبحانه: وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ ...

الآية: معناه: يُسَرُّونَ، ويَفْرَحُونَ، وذهَبَ قتادة وغيره إلى أنَّ استبشارهم هو أنهم يقولُونَ: إخواننا الذين تركْنَاهم خَلْفَنَا في الدنيا يُقَاتِلُونَ في سَبيل اللَّه مع نبيِّهم، فيستشهدُونَ، فينالُونَ مِنَ الكرامَةِ مِثْلَ ما نِلْنَا نَحْنُ، فيسرُّون لهم بذلك إذْ يحصُلُونَ لا خَوْفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنُونَ «١» ، وذهب فريقٌ من العلماءِ إلى أَنَّ الإشارة في قوله: بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا، إلى جميع المؤمنين الَّذِينَ لم يلحقوا بهم في فَضْل الشهادة وذَلك لِمَا عايَنُوا من ثوابِ اللَّهِ، فهم فرحون لأنفسهم بما

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ الجَمْعانُ: النَّبِيُّ وأصْحابُهُ، وأبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، وذَلِكَ في يَوْمِ أُحُدٍ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ما أصابَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أمْرُهُ، والثّانِي: قَضاؤُهُ رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والثّالِثُ: عَلْمُهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: لِيَظْهَرَ إيمانُ المُؤْمِنِينَ بِثُبُوتِهِمْ عَلى ما نالَهم، ويَظْهَرَ نِفاقُ المُنافِقِينَ بِفَشَلِهِمْ وقِلَّةِ صَبْرِهِمْ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنِّفاقُ مَأْخُوذٌ مِن نافِقاءِ اليَرْبُوعِ، وهو جِحَرَ مِن جِحَرَتِهِ يَخْرُجُ مِنهُ إذا أخَذَ عَلَيْهِ الجُحْرُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ.

قالَ الزِّيادَيُّ عَنِ الأصْمَعِيِّ: ولِلْيَرْبُوعِ أرْبَعَةُ أجْحِرَةٍ، النّافِقاءُ: وهو الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ كَثِيرًا، ويَدْخُلُ مِنهُ كَثِيرًا.

والقاصِعاءُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُخْرِجُ تُرابَ الجُحْرِ، ثُمَّ يَقْصَعُ بِبَعْضِهِ كَأنَّهُ يَسُدُّ بِهِ فَمَ الجُحْرِ، ومِنهُ يُقالُ: جُرِحَ فُلانٌ قَدْ قَصَعَ بِالدَّمِ: إذا امْتَلَأ ولَمْ يَسِلْ.

والدّامّاءُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يُخْرِجُ التُّرابَ مِن فَمِ الجُحْرِ، ثُمَّ يَدُمُّ بِهِ فَمَ الجُحْرِ، كَأنَّهُ يَطْلِيهِ بِهِ، ومِنهُ يُقالُ: أدْمِمْ قَدْرَكَ بِشَحْمٍ، أيِ: اطْلِها بِهِ.

والرّاهِطاءُ، ولَمْ يَذْكُرِ اشْتِقاقَهُ، وإنَّما يَتَّخِذُ هَذِهِ الجُحْرَ عَدَدًا، فَإذا أخَذَ عَلَيْهِ بَعْضَها، خَرَجَ مِن بَعْضٍ.

قالَ أبُو زَيْدٍ: فَشُبِّهَ المُنافِقُ بِهِ، لِأنَّهُ يَدْخُلُ في الإسْلامِ بِلَفْظِهِ، ويَخْرُجُ مِنهُ بِعُقْدَةٍ، كَما يَدْخُلُ اليَرْبُوعُ مِن بابٍ ويَخْرُجُ مِن بابٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والنِّفاقُ: لَفْظٌ إسْلامِيٌّ لَمْ تَكُنِ العَرَبُ تَعْرِفُهُ قَبْلَ الإسْلامِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمُرادُ بِالَّذِينِ نافَقُوا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ.

قالَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ  يَوْمَ أُحُدٍ، ومَعَهُ المُسْلِمُونَ، وهم ألْفُ رَجُلٍ، والمُشْرِكُونَ ثَلاثَةُ آَلافٍ، فَرَجَعَ عَنْهُ ابْنُ أُبَيٍّ في ثَلاثِمِائَةٍ.» فَأمّا القِتالُ، فَمُباشَرَةُ الحَرْبِ.

وفي المُرادِ بِالدَّفْعِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ التَّكْثِيرُ بِالعَدَدِ.

رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ في آَخَرِينَ.

.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ ادْفَعُوا عَنْ أنْفُسِكم وحَرِيمِكم، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى القِتالِ أيْضًا.

قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: (لَوْ ﴿ نَعْلَمُ قِتالا) ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: لَوْ نَعْلَمُ أنَّ اليَوْمَ يَجْرِي قِتالٌ ما أسْلَمْناكم، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: لَوْ كُنّا نُحْسِنُ القِتالَ لاتَّبَعْناكم.

والثّالِثُ: إنَّما مَعْناهُ: أنَّ هُناكَ قَتْلًا ولَيْسَ بِقِتالٍ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هم لِلْكُفْرِ ﴾ أيْ: إلى الكُفْرِ ﴿ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ ﴾ أيْ: إلى الإيمانِ، وإنَّما قالَ: يَوْمَئِذٍ، لِأنَّهم فِيما قَبْلُ لَمْ يَظْهَرُوا مِثْلَ ما أظْهَرُوا، فَكانُوا بِظاهِرِ حالِهِمْ فِيما قَبْلُ أقْرَبُ إلى الإيمانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

أحَدُهُما: يَنْطِقُونَ بِالإيمانِ، ولَيْسَ في قُلُوبِهِمْ إلّا الكُفْرُ.

والثّانِي: يَقُولُونَ: نَحْنُ أنْصارٌ، وهم أعْداءٌ.

وذَكَرَ في الَّذِي يَكْتُمُونَ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ النِّفاقُ.

والثّانِي: العَداوَةُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكم هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ واللهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ﴾ الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَما أصابَكُمْ" لِلْمُؤْمِنِينَ، والجَمْعانِ هُما عَسْكَرُ النَبِيِّ  وعَسْكَرُ قُرَيْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ، ودَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: "فَبِإذْنِ اللهِ" رابِطَةً مُشَدِّدَةً، وذَلِكَ لِلْإبْهامِ الَّذِي في "ما" فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَرْطَ، وهَذا كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: الَّذِي قامَ فَلَهُ دِرْهَمانِ، فَيَحْسُنُ دُخُولُ الفاءِ إذا كانَ القِيامُ سَبَبَ الإعْطاءِ، وكَذَلِكَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ، فالمَعْنى إنَّما هُوَ: وما أذِنَ اللهُ فِيهِ فَهو الَّذِي أصابَ، لَكِنْ قَدَّمَ الأهَمَّ في نُفُوسِهِمْ والأقْرَبَ إلى حِسِّهِمْ.

والإذْنُ: التَمْكِينُ مِنَ الشَيْءِ مَعَ العِلْمِ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلِيَعْلَمَ" مَعْناهُ: لِيَكُونَ العِلْمُ مَعَ وُجُودِ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، أيْ مُساوِقِينَ لِلْعِلْمِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ.

واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَعْلَمَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ فِي آخِرِ الكَلامِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ نافَقُوا وقِيلَ لَهُمْ ﴾ هي إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ الَّذِينَ انْصَرَفُوا مَعَهُ عَنِ النَبِيِّ  يَوْمَ أُحُدٍ، وذَلِكَ أنَّهُ «كانَ مِن رَأْيِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ أنْ لا يَخْرُجَ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ  بِالناسِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَدْ ذَكَرْناهُ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أطاعَهم وعَصانِي، فانْخَزَلَ بِنَحْوِ ثُلُثِ الناسِ، فَمَشى في أثَرِهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ الأنْصارِيُّ أبُو جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فَقالَ لَهُمُ: اتَّقُوا اللهَ ولا تَتْرُكُوا نَبِيَّكُمْ، وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أوِ ادْفَعُوا، أو نَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ، فَقالَ لَهُ ابْنُ أُبَيٍّ: ما أرى أنْ يَكُونَ قِتالٌ، ولَوْ عَلِمْنا أنْ يَكُونَ قِتالٌ لَكُنّا مَعَكم.

فَلَمّا يَئِسَ مِنهم عَبْدُ اللهِ قالَ: اذْهَبُوا أعْداءَ اللهِ، فَسَيُغْنِي اللهُ رَسُولَهُ عنكُمْ، ومَضى مَعَ النَبِيِّ  فاسْتُشْهِدَ.» واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "أوِ ادْفَعُوا"، فَقالَ السُدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُمْ: مَعْناهُ: كَثِّرُوا السَوادَ وإنْ لَمْ تُقاتِلُوا، فَيَنْدَفِعُ القَوْمُ لِكَثْرَتِكُمْ، وقالَ أبُو عَوْنٍ الأنْصارِيُّ: مَعْناهُ: رابِطُوا، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، ولا مَحالَةَ أنَّ المُرابِطَ مُدافِعٌ، لِأنَّهُ لَوْلا مَكانُ المُرابِطِينَ في الثُغُورِ لَجاءَها العَدُوُّ، والمُكَثِّرُ لِلسَّوادِ مُدافِعٌ وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: رَأيْتُ يَوْمَ القادِسِيَّةَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمى، وعَلَيْهِ دِرْعٌ يَجُرُّ أطْرافَها وبِيَدِهِ رايَةٌ سَوْداءٌ، فَقِيلَ لَهُ: ألَيْسَ قَدْ أنْزَلَ اللهُ عُذْرَكَ؟

قالَ: بَلى، ولَكِنِّي أُكَثِّرُ المُسْلِمِينَ بِنَفْسِي، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: فَكَيْفَ بِسَوادِي في سَبِيلِ اللهِ.

وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: "أوِ ادْفَعُوا" إنَّما هو اسْتِدْعاءُ القِتالِ حَمِيَّةً، لِأنَّهُ دَعاهم إلى القِتالِ في سَبِيلِ اللهِ، وهو أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا، فَلَمّا رَأى أنَّهم لَيْسُوا أهْلَ ذَلِكَ، عَرَضَ عَلَيْهِمُ الوَجْهَ الَّذِي يَحْشِمُهم ويَبْعَثُ الأنَفَةَ، أيْ: أو قاتِلُوا دِفاعًا عَنِ الحَوْزَةِ، ألا تَرى أنَّ قُزْمانَ قالَ: "واللهِ ما قاتَلْتُ إلّا عَلى أحْسابِ قَوْمِي"، وألا تَرى أنَّ بَعْضَ الأنْصارِ قالَ يَوْمَ أُحُدٍ، لَمّا رَأى قُرَيْشًا قَدْ أرْسَلَتِ الظَهْرَ في زُرُوعِ قَناةٍ قالَ: "أتُرْعى زُرُوعُ بَنِي قَيْلَةَ ولَمّا نُضارِبْ"؟

وكانَ النَبِيُّ  قَدْ أمَرَ ألّا يُقاتِلَ أحَدٌ حَتّى يَأْمُرَهُ بِالقِتالِ، وكَأنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ دَعاهم إلى هَذا الأمْرِ العَرَبِيِّ الخارِجِ عَنِ الدِينِ والقِتالِ في سَبِيلِ اللهِ.

وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: "أقْرَبُ" مَأْخُوذٌ مِنَ القُرْبِ ضِدِّ البُعْدِ، وسَدَّتِ "اللامُ" في قَوْلِهِ: "لِلْكُفْرِ" و"لِلْإيمانِ" مَسَدَّ "إلى".

وحَكى النَقّاشُ أنَّ قَوْلَهُ: "أقْرَبُ" مَأْخُوذٌ مِنَ القَرَبِ -بِفَتْحِ القافِ والراءِ- وهو الطَلَبُ، والقارِبُ طالِبُ الماءِ، ولَيْلَةُ القَرَبِ لَيْلَةُ الوِرْدِ، فاللَفْظَةُ بِمَعْنى أطْلُبُ، واللامُ مُتَمَكِّنَةٌ عَلى هَذا القَوْلِ.

وقَوْلُهُ: "بِأفْواهِهِمْ" تَأْكِيدٌ، مِثْلُ "يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ".

وقَوْلُهُ: ﴿ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ﴾ يُرِيدُ ما يُظْهِرُونَ مِنَ الكَلِمَةِ الحاقِنَةِ لِدِمائِهِمْ، ثُمَّ فَضَحَهم تَعالى بِقَوْلِهِ، ﴿ واللهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ وعَداوَةِ الدِينِ، وفي الكَلامِ تَوَعُّدٌ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ أو لما أصابتكم مصيبة ﴾ [آل عمران: 165] وهو كلام وارد على معنى التسليم أي: هَبُوا أنّ هذه مصيبة، ولم يكن عنها عوض، فهي بقدر الله، فالواجب التسليم، ثم رَجَع إلى ذكر بعض ما في ذلك من الحكمة.

وقوله: ﴿ وما أصابكم ﴾ أرادَ به عين المراد بقوله: ﴿ أصابكم مصيبة ﴾ وهي مصيبة الهزيمة.

وإنّما أعيد ما أصابكم لِيعيّن اليوم بأنّه يومَ التقى الجمعان.

وما موصولة مضمّنة معنى الشرط كأنّه قيل: وأمّا ما أصابكم، لأنّ قوله: ﴿ وما أصابكم ﴾ معناه بيانُ سببه وحكمته، فلذلك قرن الخبر بالفاء.

و ﴿ يوم التقى الجمعان ﴾ هو يوم أُحُد.

وإنَّما لم يقل وهي بإذن الله لأنَّ المقصود إعلان ذكر المصيبة وأنّها بإذن الله إذ المقام مقام إظهار الحقيقة، وأمّا التعبير بلفظ ﴿ ما أصابكم ﴾ دون أن يعاد لفظ المصيبة فتفنّن، أو قُصد الإطناب.

والإذن هنا مستعمل في غير معناه إذ لا معنى لتوجّه الإذن إلى المصيبة فهو مجاز في تخلية الله تعالى بين أسباب المصيبة وبين المصابين، وعدم تدارك ذلك باللطف.

ووجه الشبه أنّ الإذن تخلية بين المأذون ومطلوبِه ومراده، ذلك أنّ الله تعالى رتّب الأسباب والمسبّبات في هذا العالم على نظام، فإذا جاءت المسبّبات من قِبَل أسبابها فلا عجب، والمسلمون أقلّ من المشركين عدداً وعُدداً فانتصار المسلمين يومَ بدر كرامة لهم، وانهزامهم يوم أُحُد عادة وليس بإهانة.

فهذا المراد بالإذن.

وقَوله: ﴿ وليعلم المؤمنين ﴾ عطف على ﴿ فإذن الله ﴾ عذفَ العلّة على السبب.

والعلم هنا كناية عن الظهور والتقرّر في الخارج كقول إياس بن قبيصة الطائي: وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطر بيننا *** لأَعْلَمَ مَنْ جَبَانُها مِن شجاعها أراد لتظهر شجاعتي وجبن الآخرين.

وقد تقدّم نظيره قريباً.

و ﴿ الذين نافقوا ﴾ هم عبد الله بنُ أبيّ ومن انخزل معه يوم أحُد، وهم الذين قيل لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا.

قاله لهم عبد الله بن عُمَر بن حَرَام الأنصاري، والدُ جابر بن عبد الله، فإنّه لمّا رأى انخزالهم قال لهم: اتّقوا الله ولا تتركوا نبيئكم وقاتلوا في سبيل الله أو ادفَعوا.

والمراد بالدفع حِراسة الجيش وهو الرباط أي: ادفعوا عنّا من يريدنا من العدوّ فلمّا قال عبد الله بن عمر بن حرام ذلك أجابه عبد الله بن أبي وأصحابه بقولهم: لَوْ نَعْلَمُ قتالاً لاتَّبعناكم، أي لم نعلم أنّه قتال، قيل: أرادوا أنّ هذا ليس بقتال بل إلقاء باليد إلى التَّهْلُكَة، وقيل: أرادوا أنّ قريشاً لا ينوون القتال، وهذا لا يصحّ إلاّ لو كان قولُهم هذا حاصلاً قبل انخزالهم، وعلى هذين فالعِلم بمعنى التحقّق المسمّى بالتصديق عند المناطقة، وقيل: أرادوا لو نحسن القتال لاتّبعناكم، فالعِلم بمعنى المعرفة، وقولهم حينئذ تهكّم وتعذُّر.

ومعنى ﴿ هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان ﴾ أنّ ما يُشاهد من حالهم يومئذ أقرب دلالة على أنهم يُبطنون الكفر مِن دلالة أقوالهم: إنَّا مسلمون، واعتذارِهم بقولهم: لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم.

أي إنّ عذرهم ظاهر الكذب، وإرادة تفشيل المسلمين، والقرب مجاز في ظهور الكفر عليهم.

ويتعلّق كلّ من المجرورين في قوله: ﴿ منهم للإيمان ﴾ بقوله: ﴿ أقرب ﴾ لأنّ ﴿ أقرب ﴾ تفضيل يقتضي فاضلاً ومفضولاً، فلا يقع لبْس في تعلّق مجرورين به لأنّ السامع يَردّ كل مجرور إلى بعض معنى التفضيل.

وقوله: ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ استئناف لبيان مغزى هذا الاقتراب، لأنّهم يبدون من حالهم أنّهم مؤمنون، فكيف جُعلوا إلى الكفر أقربَ، فقيل: إنّ الذي يُبدونه ليس موافقاً لما في قلوبهم، وفي هذا الاستئناف ما يمنع أن يكون المراد من الكفر في قوله: ﴿ هم للكفر ﴾ أهلَ الكفر.

وقوله: ﴿ الذين قالوا لإخوانهم ﴾ بدل من ﴿ الذين نافقوا ﴾ ، أو صفة له، إذا كان مضمون صلته أشهر عند السامعين، إذ لعلّهم عُرفوا من قبل بقولهم فيما تقدّم ﴿ لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ فذُكِر هنا وصفاً لهم ليتميّزُوا كمال تمييز.

واللام في (لإخوانهم) للتعليل وليست للتعدية، قالوا: كما هي في قوله: ﴿ وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ﴾ [آل عمران: 156].

والمراد بالإخوان هنا عين المراد هناك، وهم الخزرج الذين قتلوا يوم أُحُد، وهم من جلّة المؤمنين.

وجملة ﴿ وقعدوا ﴾ حال معترَضة، ومعنى لو أطاعونا أي امتثلوا إشارتنا في عدم الخروج إلى أُحُد، وفعلوا كما فعلنا، وقرأ الجمهور: ما قُتِلوا بتخفيف التاء من القتل.

وقرأه هشام عن ابن عامر بتشديد التاء من التقتيل للمبالغة في القتل، وهو يفيد معنى تفظيعهم ما أصاب إخوانهم من القتل طعناً في طاعتهم النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: ﴿ قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ﴾ أي ادرأوه عند حلوله، فإنّ من لم يمت بالسيف مات بغيره أي: إن كنتم صادقين في أنّ سبب موت إخوانكم هو عصين أمركم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها ﴾ يَعْنِي بِالمُصِيبَةِ الَّتِي أصابَتْهم يَوْمَ أُحُدٍ، وبِالَّتِي أصابُوها يَوْمَ بَدْرٍ.

﴿ قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ ﴾ في الَّذِي هو مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: خِلافُهم في الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ لِلْقِتالِ يَوْمَ أُحُدٍ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ  أمَرَهم أنْ يَتَحَصَّنُوا بِها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: اخْتِيارُهُمُ الفِداءَ مِنَ السَّبْعِينَ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى القَتْلِ، وقَدْ قِيلَ لَهُمْ: إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قُتِلَ مِنكم مِثْلُهم، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وعَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ.

والثّالِثُ: خِلافُ الرُّماةِ يَوْمَ أُحُدٍ لِأمْرِ النَّبِيِّ  في مُلازَمَةِ مَوْضِعِهِمْ.

﴿ وَما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِيَرى المُؤْمِنِينَ.

والثّانِي: لِيُمَيَّزُوا مِنَ المُنافِقِينَ.

﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا ﴾ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهَ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ.

﴿ وَقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي جاهِدُوا.

﴿ أوِ ادْفَعُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَكْثِيرَ السَّوادِ وإنْ لَمْ يُقاتِلُوا وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: مَعْناهُ رابِطُوا عَلى الخَيْلِ إنْ لَمْ تُقاتِلُوا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَوْفٍ الأنْصارِيِّ.

﴿ قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ ﴾ قِيلَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حِزامٍ قالَ لَهُمُ: [اتَّقُوا اللَّهَ ولا تَتْرُكُوا نَبِيَّكم فَقالَ لَهُ ابْنُ أُبَيٍّ]: عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا؟

ارْجِعُوا بِنا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم.

﴿ هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ ﴾ لِأنَّهم بِإظْهارِ الإيمانِ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ الكُفّارِ، وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِإظْهارِ الإيمانِ أقْرَبَ إلى الإيمانِ، ثُمَّ صارُوا بِما فَعَلُوهُ أقْرَبَ إلى الكُفْرِ مِنَ الإيمانِ.

﴿ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ﴾ يَعْنِي ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإسْلامِ ولَيْسَ في قُلُوبِهِمْ مِنهُ شَيْءٌ.

وَإنَّما قالَ: ﴿ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ﴾ وإنْ كانَ القَوْلُ لا يَكُونُ إلّا بِهِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: التَّأْكِيدُ.

والثّانِي: أنَّهُ رُبَّما نُسِبَ القَوْلُ إلى السّاكِتِ مَجازًا إذْ كانَ بِهِ راضِيًا.

﴿ الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا ﴾ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ حِينَ انْخَذَلُوا وقَعَدُوا، وكانُوا نَحْوَ ثَلاثِمِائَةٍ وتَخَلَّفَ عَنْهم مَن قُتِلَ مِنهم (فَقالُوا: لَوْ أطاعُونا وقَعَدُوا مَعَنا ما قُتِلُوا).

﴿ قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ ﴾ أيِ ادْفَعُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: تَقُولُ وقَدْ دَرَأْتُ لَها وضِينِي أهَذا دِينُهُ أبَدًا ودِينِي ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في خَبَرِكم أنَّهم لَوْ أطاعُوا ما قُتِلُوا.

والثّانِي: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ في تَثْبِيطِكم عَنِ الجِهادِ فِرارًا مِنَ القَتْلِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو لما أصابتكم مصيبة...

﴾ الآية.

يقول: إنكم قد أصبتم من المشركين يوم بدر مثلي ما أصابوا منكم يوم أحد.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: قتل المسلمون من المشركين يوم بدر سبعين واسروا سبعين، وقتل المشركون يوم أحد من المسلمين سبعين.

فذلك قوله: ﴿ أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ﴾ ونحن مسلمون نقاتل غضباً لله، وهؤلاء مشركون ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ عقوبة لكم بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال ما قال.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: لما رأوا من قتل منهم يوم أحد قالوا: من أين هذا ما كان للكفار أن يقتلوا منا؟

فلما رأى الله ما قالوا من ذلك قال الله: هم بالأسرى الذين أخذتم يوم بدر، فردهم الله بذلك، وعجل لهم عقوبة ذلك في الدنيا ليسلموا منها في الآخرة.

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه عن علي قال: «جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فذكر ذلك لهم فقالوا: يا رسول الله عشائرنا واخواننا نأخذ فداءهم فنقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا بعدتهم، فليس في ذلك ما نكره.

فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلاً عدة أسارى أهل بدر» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن وابن جريج ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ عقوبة لكم بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: لا تتبعوهم يوم أحد فاتبعوهم.

وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ قلتم أنى هذا ﴾ ونحن مسلمون نقاتل غضباً لله، وهؤلاء مشركون.

فقال: ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ عقوبة بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: لا تتبعوهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ﴾ قال: أصيبوا يوم أحد قتل منهم سبعون يومئذ، وأصابوا مثليها يوم بدر قتلوا من المشركين سبعين وأسروا سبعين ﴿ قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ﴾ «ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم أحد حين قدم أبو سفيان والمشركون: إنا في جنة حصينة يعني بذلك المدينة فدعوا القوم يدخلوا علينا نقاتلهم فقال له أناس من الأنصار: إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة، وقد كنا نمنع من الغزو في الجاهلية فبالإسلام أحق أن يمتنع منه، فأبرز بنا إلى القوم.

فانطلق فلبس لأمته فتلاوم القوم فقالوا: عرض نبي الله صلى الله عليه وسلم بأمر وعرضتم بغيره، اذهب يا حمزة فقل له امرنا لأمرك تبع.

فأتى حمزة فقال له.

فقال: إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز، وإنه ستكون فيكم مصيبة.

قالوا: يا نبي الله خاصة أو عامة؟

قال: سترونها» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن إسحاق في قوله: ﴿ وليعلم المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا ﴾ فقال: ليميز بين المؤمنين والمنافقين ﴿ وقيل لهم تعالوا قاتلوا ﴾ يعني عبد الله بن أبي وأصحابه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو ادفعوا ﴾ قال: كثروا بأنفسكم وإن لم تقاتلوا.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعيد يقول: لو بعت داري فلحقت بثغر من ثغور المسلمين، فكنت بين المسلمين وبين عدوّهم.

فقلت: كيف وقد ذهب بصرك؟

قال: ألم تسمع إلى قوله الله ﴿ تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ﴾ أسوّد مع الناس ففعل.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ أو ادفعوا ﴾ قال: كونوا سواداً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عون الأنصاري في قوله: ﴿ أو ادفعوا ﴾ قال: رابطوا.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن شهاب وغيره قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشرط بين أحد والمدينة انخذل عنهم عبد الله بن أُبَيَّ بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا، فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام من بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضرهم عدوهم.

قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكن لا نرى أن يكون قتال» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ﴾ قال: لو نعلم انا واجدون معكم مكان قتال لاتبعناكم.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة قالوا ﴿ لو نعلم قتالاً لأتَّبعناكم ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن أبي.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد في ألف رجل وقد وعدهم الفتح إن صبروا، فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبي في ثلاثمائة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالاً ولئن أطعتنا لترجعن معنا.

فذكر الله.

فهو قولهم: ولئن أطعتنا لترجعن ﴿ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا...

﴾ الاية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ الذين قالوا لإخوانهم...

﴾ الآية.

قال: ذكر لنا أنها نزلت في عدوّ الله عبد الله بن أبي.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع ﴿ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا ﴾ قال: نزلت في عدوّ الله عبد الله بن أبي.

وأخرج ابن جرير عن جابر بن عبد الله في قوله: ﴿ الذين قالوا لإخوانهم ﴾ قال: هو عبد الله بن أبي.

وأخرج عن السدي في الآية قال: هم عبد الله بن أبي وأصحابه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج في الآية قال: هو عبد الله بن أبي الذين قعدوا وقالوا لإخوانهم الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن إسحاق ﴿ قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت ﴾ أي أنه لا بد من الموت، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا، وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله حرصاً على البقاء في الدنيا وفراراً من الموت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال: إن الله أنزل على نبيه في القدرية ﴿ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: هم الكفار يقولون لاخوانهم لو كانوا عندنا ما قتلوا، يحسبون أن حضورهم للقتال هو يقدمهم إلى الأجل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ دَخَلَتْ الفاءُ في ﴿ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ (١) (٢) ﴿ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ  ﴾ .

ومعنى قوله: ﴿ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ : قيل: بِعِلْمِ الله (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

(١) في (ج): (بإذن).

(٢) في (ج): (متعلق).

(٣) ممن قال ذلك الزجاج، في "معاني القرآن" 1/ 488.

(٤) لم أقف على مصدر قوله.

وقد أورده ابن الجوزي في: "زاد المسير" 1/ 497.

(٥) في (أ): (أصابكم).

والمثبت من: (ب)، (ج).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَوْمَ التقى الجمعان ﴾ أي جمع المسلمين والمشركين يوم أحد ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ ﴾ الآية: كان رأي عبد الله بن أبي بن سلول أن لا يخرج المسلمون إلى المشركين، فلما طلب الخروج قوم من المسلمين، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم: غضب عبد الله، وقال: أطاعهم وعصانا، فرجع ورجع معه ثلاثمائة رجل وخمسون فمشى في أثرهم عبد الله بن عمر بن حرام الأنصاري، وقال لهم: ارجعوا قاتلوا في سبيل الله، أو ادفعوا، فقال له عبد الله بن أبي: ما أرى أن يكون لو علمنا أنه يكون قتال لكنا معكم ﴿ أَوِ ادفعوا ﴾ أي كثروا السواد، وإن لم تقاتلوا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يغل ﴾ بفتح الياء وضم الغين: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم غير المفضل ويعقوب غير رويس.

الباقون: بالضم والفتح على البناء للمفعول.

﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: الحلواني عن هشام.

الباقون: بتاء الخطاب.

﴿ قتلوا ﴾ بالتشديد: ابن عامر.

الباقون: بالتخفيف.

﴿ وإن الله ﴾ بالكسر على الابتداء: عليّ.

الباقون: بالفتح.

﴿ وخافوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل.

الباقون بالحذف.

الوقوف: ﴿ إن يغل ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ يوم القيامة ﴾ ج لانتهاء جزاء الشرط مع العطف ﴿ لايظلمون ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ بما تعملون ﴾ ه ﴿ والحكمة ﴾ ج لمكان العطف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مثليها ﴾ (لا) لأن استفهام الإنكار دخل على ﴿ قلتم ﴾ ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ وليعلم المؤمنين ﴾ ه لا ﴿ نافقوا ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف والوصل أولى على تقدير وقد قيل لهم.

﴿ أو ادفعوا ﴾ ط ﴿ لاتبعناكم ﴾ ط ﴿ للإيمان ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف.

﴿ في قلوبهم ﴾ ط ﴿ يكتمون ﴾ ج لاحتمال كون "الذين" بدلاً عن ضمير ﴿ يكتمون ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف.

﴿ ما قتلوا ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أمواتاً ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ص ﴿ يرزقون ﴾ ه لا لأن ﴿ فرحين ﴾ حالهم.

﴿ من فضله ﴾ (لا) للعطف.

﴿ من خلفهم ﴾ (لا) لتعلق "أن".

﴿ يحزنون ﴾ ه م للآية واستئناف الفعل إذ يستحيل أن يكون الاستبشار حالاً للذين يحزنون.

﴿ وفضل ﴾ (لا) لأن التقدير وبأن ومن كسر وقف والجملة حينئذٍ اعتراضية.

﴿ المؤمنين ﴾ ه ج لأن "الذين" يصلح صفة اللمؤمنين ومبتدأ خبره للذين أحسنوا، أو نصباً على المدح والأول أوجه لاتحاد الصفة.

﴿ القرح ﴾ ط لمن لم يقف على ﴿ المؤمنين ﴾ .

﴿ عظيم ﴾ ج لاحتمال البدل وكونه خبر مبتدأ محذوف.

﴿ إيماناً ﴾ ق والوصل أولى للعطف واتصال توكل اللسان بيقين القلب.

﴿ الوكيل ﴾ ه ﴿ سوء ﴾ لا للعطف ﴿ رضوان الله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ أولياءه ﴾ ص لوصل النهي عن الخوف بعد ذكر التخويف ﴿ مؤمنين ﴾ ه.

التفسير: هذا حكم من أحكام الجهاد.

وأصل الغلول أخذ الشيء في خفية.

يقال: أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئاً من اللحم ليسرقه.

والغل الحقد الكامن في الصدر.

والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الدرع والثياب، والغلل الماء الذي يجري في / أصول الشجر لأنه مستتر بالأشجار.

وقال  : " "من بعثناه على عمل فغل شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه" وقال أيضاً: " هدايا الولاة غلول" " وقال الجوهري: غل يغل غلولاً أي خان.

وأغل مثله إلا أن العرف جعله في الغالب مخصوصاً بالخيانة في الغنيمة حتى قال أبو عبيدة: الغلول في المغنم خاصة، وقد جعله النبي  من الكبائر.

عن ثوبان عن رسول الله  : " "من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاثة دخل الجنة الكبر والغلول والدين " وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله  ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال: " لا ألْفَيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك " ومعنى الآية فيمن قرأ بفتح الياء وضم الغين: ما كان لنبي أن يخون أي ما صح وما ينبغي له ذلك لأن النبوة تنافي الغلول لأنها أعلى المراتب الإنسانية، فلا يليق بصاحبها ما هو عار في الدنيا ونار في الآخرة، كيف وإنه أمين على الوحي النازل عليه من فوق سبع سموات، أفلا يكون أميناً في الأرض؟

هيهات.

وقيل: اللام منقولة والتقدير: وما كان نبي ليغل كقوله ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد  ﴾ أي ما كان الله ليتخذ ولداً.

ومن قرأ بضم الياء وفتح الغين ففيه وجهان: أحدهما يخان أي يؤخذ من غنيمته.

وفي تخصيصه بهذه الحرمة والخيانة محرمة على الإطلاق فوائد منها: أن المجني عليه كلما كان أجل منصباً كانت الخيانة في حقه أفحش.

ومنها أنه لا يكاد يخفى عليه من قبل الوحي فكان مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا.

ومنها أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في غاية الفقر، فكانت تلك الخيانة وقتئذٍ أقبح.

وثانيهما يخوّن أي ينسب إلى الخيانة فيكون من / الإغلال.

قال المبرد: تقول العرب: أكفرت الرجل جعلته كافراً أو نسبته إلى الكفرة.

قال القتيبي: لو كان هذا هو المراد لقيل "يغلل" كما يقال: "يفسق ويكفر" والأولى أن يقال: هو من أغللته أي وجدته غالاً كما يقال: أبخلته أي وجدته كذلك.

ومن هنا قال في الكشاف: معناه راجع إلى القراءة الأولى إذ معناه ما صح له أن يوجد غلالاً ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً.

وكان ابن عباس ينكر على هذه القراءة ويقول: كيف لا ينسب إلى الخيانة وقد كان يقتل؟

وقال خصيف: قلت لسعيد بن جبير: ما كان لنبي أن يغل.

فقال: بل يغل ويقتل.

ولا يخفى أن الإنكار لا يتوجه إذا كان أغل بمعنى وجده غالاً، وإنما يتوجه إذا كان الإغلال بمعنى النسبة إلى الخيانة كما روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله  أخذها.

وقد طعن بعضهم في هذه القراءة وقال: إن أكثر ما جاء من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل ﴿ ما كان لنا أن نشرك  ﴾ ﴿ ما كان ليأخذ أخاه  ﴾ ﴿ ما كان لنفس أن تموت  ﴾ ﴿ ما كان الله ليضل قوماً  ﴾ ﴿ وما كان الله ليطلعكم  ﴾ وحكى أبو عبيدة عن يونس أنه قال: ليس في الكلام "ما كان لك أن تضرب" بضم التاء.

والحق أن القرآن حجة على غيره لا بالعكس.

ويوافق هذه القراءة ما روي "أنه  لما وقعت غنائم هوازن في يده غله رجل بمخيط فنزلت" .

وعلى هذا يغل بمعنى يخان.

وإن جعل يغل بمعنى يوجد غالاً فالقراءتان متعاضدتان ويوافقهما أسباب النزول، أكثرها يروي "أنه تأخرت قسمة الغنيمة في بعض الغزوات لمانع فجاءه قوم وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟

فقال  : لو كان لكم مثل أحد ذهباً ما حبست منكم درهماً، أترون أني أغلكم مغنمكم؟

فنزلت" .

وعن ابن عباس "أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي  من الغنائم بشيء زائد فنزلت" .

وقال الكلبي ومقاتل: "نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز طلباً للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر.

فقال لهم  : ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟

فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً فقال  : بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم" .

وروي "أنه  بعث طلائع فغنم بعدهم غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع" فنزلت مبالغة في النهي لرسوله يعني وما كان لنبي أن يعطي قوماً ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية.

وسمى حرمان بعض الغزاة غلولاً تغليظاً وتقبيحاً لصورة الأمر.

وقيل: نزلت في أداء الوحي.

كان يقرأ القرآن - وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم - فسألوه أن يترك ذلك فقيل: / ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم رغبة في الناس أو رهبة منهم ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ أكثر المفسرين أجروه على ظاهره ونظيره في مانع الزكاة ﴿ يوم يحمى عليها في نار جهنم  ﴾ ويدل عليه الحديث الذي رويناه وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ثم يقال له: أنزل إليه فخذه فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله على ظهره فلا يقبل منه.

وعن بعض جفاة الأعراب أنه سرق نافجة مسك فتليت عليه هذه الآية فقال: إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل.

قلت: ذلك الشقي قاس الأمور الأخروية على الأمور الدنيوية، ولم يعلم أن ذلك المسك وقتئذٍ يكون أنتن من الجيفة وأثقل من الجبل وذلك ليذوق وبال أمره ويرى نقيض مقصوده.

قال المحققون: والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادات فضيحته.

ومثله قوله  : " لكل غادر لواء يوم القيامة " وقال أبو مسلم: هذا على سبيل التمثيل والتصوير لوباله وتبعته.

والمراد أنه  يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه لأنه لا يخفى عليه خافية.

وقيل: المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره من غير دليل ولا ضرورة.

﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ إثبات للجزاء لكل كاسب على سبيل العموم ليعلم صاحب الغلول أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب وهذا أبلغ مما لو خص الغال بتوفية الجزاء فقيل: ثم يوفى ما كسب.

ثم فصل ما أجمل فقال: ﴿ أفمن اتبع ﴾ والهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره "أمن اتقى فاتبع" قال الكلبي والضحاك: أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول ﴿ كمن باء بسخط من الله ﴾ رجع منه بشدّة إرادة انتقام لأجل الغلول؟

وقال الزجاج: أفمن اتبع رضوان الله بامتثال امر النبي  حين دعاهم إلى دفع المشركين يوم أحد، كمن باء بسخط من الله وهم الذين لم يمتثلوا؟

وقيل: الأولون المهاجرون والآخرون المنافقون.

وقيل: أفمن اتبع رضوان الله بالإيمان والعمل بطاعته كمن باء بسخط من الله بالكفر به والاشتغال بمعصيته؟

وهذا القول أقرب لتكون الآية مجراة على العموم وإن كان سبب النزول خاصاً.

وقوله: ﴿ ومأواه جهنم ﴾ من تمام صلة من "باء".

وقوله: ﴿ وبئس المصير ﴾ اعتراض.

قال القفال: لا يجوز في الحكمة أن يُسوى بين المسيء والمحسن وإلا كان إغراء بالمعاصي وإباحة لهما وإهمالاً للطاعات وتنفيراً عنها.

﴿ هم درجات ﴾ قيل: أي لهم / درجات.

وحسن هذا الحذف لأن اختلاف أعمالهم كأنه قد صيرهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها.

وقالت الحكماء: النفوس الإنسانية مختلفة بالماهية يدل عليها اختلاف صفاتها بالإشراق والإظلام، ومن هنا قال  : "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" فهم في أنفسهم درجات لا أن لهم درجات.

وقيل: المراد ذوو درجات.

ثم الضمير إلى أي شيء يعود؟

قيل: إلى من اتبع رضوان الله لأن الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب، والدركات في أهل العقاب.

ولأنه قد ذكر وصف من باء بسخط من الله وهو أن مأواه جهنم فيكون هذا وصفاً لمن اتبع الرضوان ويؤيده قوله: ﴿ عند الله ﴾ وهذا وإن كان معناه في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا" ولا يراد به عندية المكان لتنزهه  عن ذلك إلا أنه يفيد في الجملة تشريفاً وأنه يليق بأهل الثواب.

وقال الحسن: يعود إلى من باء بسخط لأنه أقرب لأنهم متفاوتون في العذاب.

عن رسول الله  : "إن منها ضحضاحاً وغمراً " وقال: " إن أهون أهل النار عذاباً رجل يحذى له نعلان من نار يغلى من حرهما دماغه ينادي يا رب وهل يعذب أحد عذابي " والأوجه أن يكون عائداً إلى الكل، لأن درجات أهل الثواب متفاوتة، وكذا دركات أهل العقاب حسب تفاوت أعمال الخلق.

وقد تستعمل الدرجات في مراتب أهل النار كقوله: ﴿ ولكل درجات مما عملوا  ﴾ ﴿ والله بصير بما يعملون ﴾ فيجازيهم بمقدارها.

قوله عز من قائل: ﴿ لقد منّ الله على المؤمنين ﴾ في النظم وجوه منها: أن هذا الرسول نشأ فيما بينهم ولم يظهر منه طول عمره إلا الصدق والأمانة، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة؟

ومنها كأنه  قال: لا أكتفي في وصفه بأن أنزهه عن الخيانة ولكني أقول: إن وجوده فيكم من أعظم نعمي عليكم.

ومنها أنكم كنتم خاملين جاهلين وإنما حصل لكم الشرف والعلم بسبب هذا الرسول، فالطعن فيه طعن فيكم.

ومنها أن مثل هذا الرجل يجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ويكون معه باليد واللسان والسيف والسنان، فيكون المقصود العود إلى ترغيب المسلمين في الجهاد.

ومعنى المنّ ههنا الإنعام على من لا يطلب الجزاء منه.

والوجه في المنة إما أن يعود إلى أصل البعثة، وإما أن يعود إلى بعثة هذا الرسول.

فمن الأول أن الخلق مجبولون على النقصان والجهالة، والنبي يورد عليهم / وجوه دلائل الكمال ويزيح عللهم في كل حال.

وأيضاً إنهم وإن شهدت فطرتهم بوجوب خدمة مولاهم لكن لا يعرفون كيفية تلك الخدمة إلى أن يشرحها النبي  لهم.

وأيضاً أنهم جبلوا على الكسل والملل فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات فيزول فتورهم ويتجدد نشاطهم.

وبالجملة فعقول البشر يمنزلة أنوار البصر، وعقل النبي بمنزلة نور الشمس.

فكما لا يتم الانتفاع بنور البصر إلا عند سطوع نور الشمس، فكذلك لا يحصل الاهتداء بمجرد العقل ما لم ينضم إليه إرشاد النبي  .

ومن الثاني أن هذا الرسول بعث ﴿ من أنفسهم ﴾ أي من جنسهم عربياً مثلهم، أو من ولد إسماعيل كما أنهم من ولده.

فعلى هذا يكون المراد بالمؤمنين من آمن مع الرسول من قومه.

وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون به، ووجه المنة أنه إذا كان اللسان واحداً سهل عليهم أخذ ما يجب أخذه عنه، وإذا كانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة كان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به.

وفيه أيضاً شرف لهم وفخر كما قال: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ وذلك أن الافتخار بإبراهيم  كان مشتركاً فيه بين اليهود والنصارى والعرب.

ثم اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى وبالتوراة والإنجيل، وما كان للعرب ما يقابل ذلك.

فلما بعث الله محمداً وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائداً على شرف جميع الأمم.

وقيل: ﴿ من أنفسهم ﴾ أي من جنس الإنس لا من الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل.

ويروى عن النبي  وعن فاطمة أنهما قرآ ﴿ من أنفسهم ﴾ بفتح الفاء أي أشرفهم، وعلى هذا يكون المؤمنون عاماً.

ويحتمل أن يراد بهم العرب ويصح لأن عدنان ذروة ولد إسماعيل، ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان، وخندف ذروة مضر، ومدركة ذروة خندف، وقريش ذروة مدركة، وذروة قريش محمد  .

وأما سائر أوصافه من قوله: ﴿ يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ﴾ فقد مر تفسيرها في البقرة عند قوله: ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً  ﴾ وإعراب قوله: ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ كما سلف في قوله: ﴿ وإن كانت لكبيرة  ﴾ ومعنى المنة فيه أن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان موقعها أعظم.

فبعثة هذا الرسول عقب الجهل والذهاب عن الدين تكون أعم نفعاً وأتم وقعاً.

ثم لما أجاب عن نسبة النبي  إلى الغلول، حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم لو كان رسولاً من عند الله ما انهزم عسكره وهو المراد بقوله: ﴿ أنى هذا ﴾ وأجاب عنها بقوله: ﴿ قل هو من عند انفسكم ﴾ والواو في قوله ﴿ أو لما أصابتكم ﴾ لعطف هذه الجملة الاستفهامية على ما قبلها من قصة أحد إلا أن حرف الاستفهام قدم على واو العطف لأن له صدر الكلام و ﴿ لما ﴾ ظرف ﴿ قلتم ﴾ ومقول القول ﴿ أنى هذا ﴾ و ﴿ وأصابتكم ﴾ في محل / الجر بإضافة ﴿ لما ﴾ إليه.

والتقدير: أقلتم حين أصابتكم؟

ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على محذوف كأنه قيل: أفعلتم كذا، وقلتم حينئذٍ من أين أصابنا هذا، وكيف نصروا علينا، ونحن على الحق ومعنا الرسول وهم على الباطل ولا نبي معهم؟

والمراد بالمصيبة واقعة أحد، وبمثلها وقعة بدر.

وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقيل: أراد نسبة الضعف في الهزيمة لا في عدد القتلى والأسرى.

فالمسلمون هزموا الكفار يوم بدر وهزموهم أيضاً في الأولى يوم أحد، ثم لما عصوا الله هزمهم المشركون فانهزام المشركين حصل مرتين، وانهزام المسلمين حصل مرة واحدة فخرج عن قوله: ﴿ قد أصبتم مثليها ﴾ جواب ضمني يعني أن أحوال الدنيا لا تدوم على حالة واحدة، فإذا أصبتم منهم مثلي ما نالوا منكم فما وجه الاستبعاد؟

لكنه صرح بجواب آخر فقال: ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ وفي تقريره وجهان: الأول أن هذه المصيبة بشؤم معصيتكم.

وذلك أنهم عصوا الرسول في أمور في الخروج عن المدينة وكان رأيه في الإقامة، ثم في الفشل وفي التنازع وفي مقارقة المركز وفي الاشتغال بطلب الغنيمة.

الثاني ما روي عن علي  أنه قال: جاء جبريل  إلى النبي  يوم بدر فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وأمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم.

فذكر رسول الله  ذلك لقومه فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء منهم فنتقوى به على قتال العدو ونرضى أن يستشهد منا بعددهم.

فقتل يوم أحد سبعون رجلاً بعدد أسارى بدر.

فمعنى ﴿ هو من عند أنفسكم ﴾ هو بأخذكم الفداء واختياركم القتل.

وتمسك المعتزلة بالآية على أن للعبد اختياراً في الفعل والترك، وأنه من عند نفسه.

وعارضهم الأشاعرة بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ فإن فعل العبد من جملة الأشياء فيكون الله قادراً عليه.

فلو وجد بإيجاد العبد امتنع من الله أن يقدر عليه إذ لا قدرة على إيجاد الموجود والحق أن وجود الواسطة لا ينافي انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب ويؤيده قوله: ﴿ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ﴾ قال ابن عباس: أي وقع بقضائه وحكمه وفيه تسلية للمؤمنين لأن الرضا بالقضاء لازم.

وقيل: بتخليته لأن الإذن مخل بين المأذون له ومراده، فاستعير الإذن للتخلية، وإن اعتبرتم المصالح فذاك قد وقع ﴿ ليعلم المؤمنين ﴾ أي ليتميزوا عن أهل النفاق.

وإنما لم يقل "وليعلم المنافقين" ليناسب المؤمنين لفظاً لأن الغرض تصوير أنهم شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت وأحدثوها، ولأنه عطف على الصلة.

﴿ وقيل لهم ﴾ قال الأصم: هذا القائل رسول الله  ، كان يدعوهم إلى / القتال.

وقيل: هو أبو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، لما انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس تبعهم وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم ﴿ تعالوا قاتلوا في سبيل الله ﴾ إن كان في قلبكم حب هذا الدين ﴿ أو ادفعوا ﴾ عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم يكن بكم هم الآخرة وطلب مرضاة الله أي كونوا من رجال الدين أو من رجال الدنيا.

وقال السدي وابن جريج: ادفعوا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة والرعب.

ثم إنه كأن سائلاً سأل فما أجاب المنافقون عند دعاء المؤمنين إياهم إلى القتال؟

فقيل: ﴿ قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ﴾ كأنهم جحدوا أن يكون بين الفريقين قتالألبتة.

أو المراد لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً لوافقناكم عليه, ولكنكم تلقون بأيديكم إلى التهلكة، وذلك أن رأي عبد الله كان في الإقامة وما كان يستصوب الخروج من المدينة، وكلا المعنيين منهم في الجواب فاسد.

أما الأول فلأن ظهور أمارات الحرب كافٍ في وجوب القتال والدفع عن النفس والمال.

والظن في أمور الدنيا قائم مقام العلم، ولا أمارة أقوى من قرب الأعداء من المدينة عند جبل أحد.

وأما الثاني فلأنه  لما وعدهم بالنصر والغلبة إن صبروا واتقوا لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء النفس إلى التهليكة.

ولركاكة جوابهم قال: ﴿ هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان ﴾ لأنهم تباعدوا بهذا الجواب المنبىء عن الدغل والنفاق عن الإيمان المظنون بهم قبل اليوم.

والمراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخزال تقوية لجانب المشركين وعلى الأول قال أكثر العلماء: إنه تنصيص من الله  على أنهم كفار لأن القرب من الكفر حصول الكفر.

قال الحسن: إذا قال الله أقرب فهو اليقين بأنهم مشركون كقوله: ﴿ مائة ألف أو يزيدون  ﴾ فهذه الزيادة لا شك فيها.

وقال الواحدي: فيه دليل على أن الآتي بكلمة التوحيد لا يكفر لأنه  لم يظهر القول بتكفيرهم ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ أي لا يتجاوز الإيمان حناجرهم ومخارج الحروف منهم خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم ما نطقوا به من التوحيد ﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ من بغض الإسلام والمسلمين وسائر مجاري أحوالهم فيما بينهم.

وذلك أن المؤمنين قد علموا بعض ذلك بالقرائن والأمارات، وهو  عالم بتفاصيل ذلك ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض  ﴾ .

﴿ الذين قالوا ﴾ منصوب على الذم أو على البدل من ﴿ الذين نافقوا ﴾ أو مرفوع على الذم أي هم الذين، أو على البدل من ضمير ﴿ يكتمون ﴾ وقيل: يجوز أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في ﴿ أفواههم ﴾ أو ﴿ قلوبهم ﴾ ﴿ لإخوانهم ﴾ لأجل إخوانهم المقتولين يوم أحد / إخوة في النسب أو في سكنى الدار أو في الجنسية في النفاق.

والقائلون - عند جمهور المفسرين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه.

واعترض الأصم بأنه قد خرج يوم أحد فكيف وصف بالقعود في قوله: ﴿ وقعدوا ﴾ أي والحال أنهم قد قعدوا عن القتال.

والجواب أن القعود عن القتال وهو الجبن عنه وتركه لا ينافي الخروج.

﴿ لو أطاعونا ﴾ في أمرنا إياهم بالقعود ﴿ ما قتلوا ﴾ كأنهم قعدوا وما اكتفوا بذلك بل أرادوا تثبيط غيرهم وذلك لما في الطباع من محبة الحياة وكراهة الموت.

"ومن يسمع يخل" فلعل بعض ضعفة المسلمين إذا سمع ذلك رغب في القعود ونفر طبعه عن الجهاد فأجابهم الله  بقوله: ﴿ قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ﴾ في أن الحذر يغني عن القدر، وأن سلامتكم كانت بسبب قيودكم لا بغيره من أسباب النجاة, وفيه استهزاء بهم أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت فادفعوا جميع أسبابه حتى لا تموتوا.

وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً.

جميع ذلك بناء على أن القتل أمر مكروه يجب على العاقل أن يتحرز منه لو أمكنه، لكنا لا نسلم ذلك وهو المراد بقوله: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ﴾ والخطاب للرسول أو لكل أحد.

ومن قرأ على الغيبة فالضمير للرسول.

أو المراد لا يحسبن حاسب أو لا يحسبنهم أمواتاً.

وضمير المفعول للذين قتلوا أي لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً.

فحذف المفعول الأوّل لدلالة الكلام عليه، فكأنه مذكرو كما حذف المبتدأ في قوله: ﴿ بل أحياء ﴾ أي هم أحياء للدلالة.

عن ابن عباس قال: قال رسول الله  " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهارالجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله عز وجل أنا أبلغهم عنكم فأنزل هذه الآية " وعن جابر بن عبد الله قال: "نظر إليّ رسول الله  فقال: ما لي أراك مهتماً؟

قلت: يا رسول الله قتل أبي وترك ديناً وعيالاً.

فقال: ألا أخبرك ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحاً.

فقال: يا عبدي سلني أعطك.

فقال: أسألك أن تردّني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية.

فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون.

فقال: يا رب فأبلغ من روائي " فنزلت.

وقال جماعة من أهل التفسير: نزلت / الآية في شهداء بئر معونة.

وقال بعضهم: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فنزلت الآية تنفيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم أنهم أحياء متنعمون.

واختلف العلماء في معنى هذه الحياة.

فعن طائفة أنها على سبيل المجاز.

وقال الأصم والبلخي: أريد بها الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبة.

وروي أن عبد الملك بن مروان لما رأى الزهري وعلم فقهه وتحقيقه قال: ما مات من خلف مثلك.

ومن هذه الطائفة من قال: مجاز هذه الحياة أن أجسادهم باقية في قبورهم وأنها لا تبلى تحت الأرض ألبتة.

روي أنه لما أراد معاوية أن يجري العين إلى قبور الشهداء أمر بأن ينادي: من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع.

قال جابر: فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان فأصاب المسحاة أصبع رجل منهم فقطرت دماً.

ومن هؤلاء من قال: المراد أنهم لا يغسلون كما لا يغسل الأحياء وذهبت طائفة من متكلمي المعتزلة إلى أن المراد أنهم سيصيرون أحياء والغرض تعذيب منكري المعاد، وزيف بأنه عدول عن الظاهر، وبأن عذاب القبر ثابت.

فالثواب أولى.

وبأنه نهى عن حسبانهم أمواتاً والذي يزيل هذا الحسبان هو اعتقاد أنهم أحياء في الحال لا اعتقاد أنهم أحياء في قوم القيامة، فإن ذلك مما لا يشك النبي والمؤمنون فيه.

وبما رويناه عن ابن عباس أن أرواحهم في أجواف طير.

وبقوله: ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ والاستبشار بمن يكون في الدنيا لا بد أن يكون قبل يوم القيامة.

وذهب كثير من المحققين إلى أنهم أحياء في الحال لكن بحياة روحانية، وأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة.

وذلك أن الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه البنية، لأن أجزاء البدن في الذوبان والانحلال ويعرض لها السمن والهزال والقوّة والكلال، وكلنا يجد من نفسه أنه شيء واحد من أول عمره إلى آخره والباقي مغاير للمتبدل.

ولأن الإنسان يكون عالماً بنفسه حالماً يكون غافلاً عن جميع أعضائه وأجزائه، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم.

ثم ذلك الشيء المغاير لهذا البدن المحسوس سواء كان جسماً مخصوصاً سارياً أو جوهراً مجرداً لا يبعد أن ينفصل بعد موت البدن حياً أو أماته الله فيعيده حياً, وبهذا يثبت عذاب القبر وثوابه وتزول الشبهات.

ومن تأمل في الأمور الواردة عليه وجد أحوال النفس مضادة لأحوال البدن، ووجد قوة أحدهما مقتضية لضعف الآخر، كما أن البدن يضعف وقت النوم وتقوى النفس على مشاهدة المغيبات ونقوش عالم الأرواح، وإذا أعرضت النفس عن الطعام والشراب وأقبلت على مطالعة العالم العلوي زادت سروراً وابتهاجاً وفرحاً وارتياحاً، وانطبعت فيها الجلايا القدسية، وانكشفت لها المعارف الإلهية، وأكثر أرباب / الشرع على أنهم أحياء في الحال بحياة جسمانية.

ثم منهم من قال: إنه  يصعد أجسادهم إلى السموات وإلى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادات والكرامات إليها، ومنهم من قال: بل يتركها في الأرض ويحييها ويوصل هذه السعادات إليها.

ومن الناس من طعن في هذه القول وقال: إن تجويز كون البدن الميت الملقى في التراب حياً متنعماً عاقلاً عارفاً نوع من السفسطة.

والحق في هذه المسألة عندي خلاف ما يقوله أهل التناسخ من أن النفس بعد موت بدنها تقبل على بدن آخر وتعرض عن الأوّل بالكلية، وخلاف ما يقوله الفلاسفة من أن النفس تنقطع علاقتها عن البدن مطلقاً وإنما تلتذ أو تتألم هي بما اكتسبت من المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة أو بالعقائد الباطلة والملكات الذميمة.

والذي أقوله: إن النفس تبقى لها علاقة مع بدنها لا بالتحريك واكتساب الأعمال، ولكن بالتلذذ والتألم والتعقل ونحوها.

وليس ببدع أن يتغير التعلق بحسب تغير الأطوار كما كان يتغير في مدّة العمر بحسب الأسنان والأمزجة.

والتحقيق فيه أن النفس في هذا العالم جعلت متصرفة في البدن لأجل اكتساب الأعمال والملكات، وأنه يفتقر إلى تحريك الأعضاء وأعمال الجوارح والآلات، وبعد الموت تجعل متصرفة فيه من جهة الجزاء والحساب، فكيف ينبغي أن يقاس أحدهما على الآخر؟

فلعله يكفي بعد الموت أن يكون له علاقة التلذذ والتألم والإدراك فقط إلى أن تقوم القيامة الكبرى.

وهذا القدر لا ينافي كون البدن مشاهداً في القبر من غير تحرك ولا إحساس ونطق، ويؤيده ما روي "أنه  وقف على قليب بدر وقال: يافلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً؟

فإني وجدت ما وعدني الله حقاً.

فقال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها؟

فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا عليّ شيئاً" .

وفي حديث عذاب القبر " إنه ليسمع قرع نعالهم " ولعل السر في أنه اكتفى بهذا القدر من التصرف أنه إن كان أكثر من ذلك كما سيكون في القيامة الكبرى نافى تكليف سائر الأحياء وأفضى الأمر إلى الإلجاء وهو السر في آخر حديث عذاب القبر " فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين" وأما الشهداء فلا يبعد أن يجازيهم الله  بمزيد التلذذ بنعيم الآخرة كما قتلوا تعجيلاً للثواب.

وكما عجلوا الانقطاع عن طيبات الدنيا ومشتهياتها فإن جزاء كل طائفة ينبغي أن يناسب عملهم.

فافهم / هذه الأسرار فإنها علق مضنة وبه ثبت جميع ما ورد في الشريعة الحقة والله أعلم.

ومعنى ﴿ عند ربهم ﴾ أنهم مقربون ذوو كرامة كقوله: ﴿ فالذين عند ربك  ﴾ أو المراد بحيث لا يملك أحد جزاءهم سوى ربهم، أو المراد في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا".

يرزقون كما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها التنعم برزق الله كما ورد في الحديث.

﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ وهو توفيق الشهادة وما خصصهم به من التفضيل على غيرهم من قبل تعجيل رزق الجنة ونعيمها.

وقال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم.

فقوله: ﴿ يرزقون ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ فرحين ﴾ إشارة إلى الابتهاج الحاصل بسبب التعظيم.

بلسان الحكماء ﴿ يرزقون ﴾ إشارة إلى كون ذواتهم مشرقة بالمعارف الإلهية و ﴿ فرحين ﴾ رمز إلى ابتهاجها بالنظر إلى ينبوع النور ومصدر الكمال، و ﴿ يستبشرون بالذين ﴾ بإخوانهم من المجاهدين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم.

والاستبشار السرور الحاصل بالبشارة.

ومعنى ﴿ من خلفهم ﴾ أنهم بقوا بعدهم.

وقيل لم يحلقوا بهم أي لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم ﴿ ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ بدل الاشتمال من "الذين".

وذلك أن الله يبشرهم بأن من تركوا خلفهم من المؤمنين يبعثون امنين يوم القيامة، فهم مستبشرون بأنه لا خوف عليهم, وإنما بشرهم الله بذلك لأنهم لما فارقوا الدنيا بغتة كان ذلك مظنة أن يكون لهم نوع تعلق بأحوال إخوانهم وهو شبه تألم، فأكرمهم الله  بإزالة ذلك التعلق بأن أعلمهم أمن إخوانهم من عذاب الله فحصل لهم سروران: من قبل حالهم في أنفسهم وذلك قوله: ﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ ومن قبل حال إخوانهم وأعزتهم وذلك قوله ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ ثم كرر هذا المعنى لمزيد التأكد فقال: ﴿ يستبشرون بنعمة من الله ﴾ وهي الثواب.

وفضل وهو التفضل الزائد وهذا هو سرورهم بسعادة أنفسهم.

﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ﴿ لا يضيع أجر المؤمنين ﴾ وهذا سرورهم بسعادة إخوانهم المؤمنين.

ثم إنه  مدح المؤمنين بغزوتين متصلتين بغزوة أحد تعرف أولاهما بغزوة حمراء الأسد، والثانية بغزوة بدر الصغرى.

أما الأولى فما روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وقالوا: إنا قتلنا أكثرهم ولم يبقَ منهم إلاّ القليل.

فلم تركناهم؟

فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوّتهم فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال: لا أريد الآن أن يخرج معي إلا من حضر يومنا بالأمس.

فخرج في سبعين من الصحابة حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي من المدينة على ثمانية أميال - فألقى الله الرعب في قلوب / المشركين وانهزموا.

فنزلت ﴿ الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا ﴾ بإتيان جميع المأمورات ﴿ واتقوا ﴾ بالانتهاء عن المحظورات ﴿ وأحسنوا ﴾ في طاعة الرسول واتقوا مخالفته وإن بلغ الأمر بهم إلى الجراحات.

روي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة.

ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صاحبه ساعة.

و "من" في قوله: ﴿ للذين أحسنوا منهم ﴾ للتبيين لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم.

وقال أبو بكر الأصم: نزلت في يوم أحد لما رجع النبي  بالناس بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنهم بعد أن مثلوا بحمزة، فصلى عليهم النبي  ودفنهم بدمائهم.

وذكروا "أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة فقال  للزبير: ردّها لئلا تجزع من مثلة أخيها.

فقالت: قد بلغني ما فعل به وذلك يسير في جنب طاعة الله  .

فقال للزبير: فدعها تنظر إليه، فقالت خيراً واستغفرت له.

وجاءت امرأة أخرى قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها، فلما رأت الرسول  وهو حي قالت: إن كل مصيبة بعدك هدر" .

وأما الثانية فروى ابن عباس "أن أبا سفيان لما عزم أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى القابل فنقتتل بها إن شئت.

فقال  لعمر: قل بيننا وبينك ذاك إن شاء الله.

فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل مرّ الظهران، فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال: يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن أرجع.

ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جرأة فألحق بالمدينة وثبطهم ولك عندي عشر من الإبل.

فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأي أتوكم في دياركم وقراركم فقتلوا أكثركم، فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم.

فقال  : والذي نفسي بيده لأخرجنّ إليهم وحدي.

فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى وهي ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام.

فلم يلق رسول الله  وأصحابه أحداً من المشركين.

وكانت معهم تجارت ونفقات فوافوا السوق وباعوا ما معهم واشتروا بها أدماً وزبيباً وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.

ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق وأنزل الله في المؤمنين ﴿ الذي قال لهم الناس ﴾ " يعني نعيم بن مسعود كما ذكرناه.

وإنما عبر / عن الإنسان الواحد بالناس لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل وما له إلا فرس واحد.

ولأن الواحد إذا قال قولاً وله أتباع يقولون مثل قوله ويرضون به، حسن إضافة ذلك الفعل إلى الكل كقوله  : ﴿ وإذا قتلتم نفساً  ﴾ وحين قال نعيم ذلك القول لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامّونه ويصلون جناح كلامه، وقال ابن عباس ومحمد بن إسحق: "مر ركب من عبد القيس بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليخوفوهم وضمن لهم عليه جعلاً - حمل بعير من زبيب -" .

وقال السدي: هم منافقو المدينة كانوا يثبطون المسلمين عند الخروج ويقولون: إن الناس قد جمعوا لكم يعني أبا سفيان وأصحابه.

والمفعول محذوف أي جمعوا لكم الجموع.

والعرب تسمي الجيش جمعاً.

﴿ فاخشوهم فزادهم ﴾ قول نعيم أو قول المثبطين ﴿ إيماناً ﴾ لأنهم لم يسمعوا قولهم وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام فكان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى بحسب زيادتها ونقصانها.

وأما من قال: الإيمان عبارة عن نفس التصديق فتأويله أن الزيادة وقعت في ثمرات الإيمان، ولكنها جعلت في الإيمان مجازاً.

وقد مر تحقيق الكلام لنا في هذا المعنى في أوائل الكتاب.

وكما أنهم أضمروا ذلك بحسب الاعتقاد وافقوا الخليل  حين ألقي في النار فأظهروه باللسان وقالوا: حسبنا الله.

وقد مر إعراب مثله في البقرة في قوله: ﴿ فحسبه جهنم  ﴾ ﴿ ونعم الوكيل ﴾ الكافي أو الكافل أو الموكول إليه هو.

ثم عملوا بما اعتقدوه وقالوا فخرجوا ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله ﴾ وهي العافية ﴿ وفضل ﴾ وهو الربح بالتجارة، أو النعمة منافع الدنيا والفضل ثواب الآخرة ﴿ لم يمسسهم سوء ﴾ لم يصبهم قتل ولا جراح وصفهم بأنه حصل لهم الملائم ولم يحصل لهم المنافي وهذه غاية المطلب ونهاية الأماني، وإن ذلك ثمرة الإخلاص والتوكل على الله  وتعالى .

ثم روي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزواً؟

فقال  : ﴿ واتبعوا رضوان الله ﴾ ليعلموا أن لهم ثواب المجاهدين حيث قضوا ما عليهم.

ثم قال: ﴿ والله ذو فضل عظيم ﴾ تنبيهاً على أن السبب الكلي في ثواب المطيعين هو فضل ربهم ورحمته عليهم ولم ينج أحداً عمله إلا أن يتغمده الله برحمته، فعلى المؤمن أن لا يثق إلا بالله ولا يخاف أحداً إلا إياه وذلك قوله: ﴿ إنما ذلكم ﴾ المثبط هو ﴿ الشيطان ﴾ لعتوّه وتمرده وإعوائه، ثم بين شيطنته بقوله: ﴿ يخوّف أولياءه ﴾ أو الشيطان صفة اسم الإشارة، وهذه الجملة خبر والمعفول الأوّل محذوف أي يخوّفكم أولياءه ﴿ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ﴾ فإن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس الذين هم أولياء المثبطين.

والأولياء هم أبو سفيان وأصحابه.

وقيل: الشيطان هو إبليس.

وقيل: المضاف محذوف والتقدير إنما / ذلكم قول الشيطان.

وقيل: يخوّف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله  .

وعلى هذا فالضمير في ﴿ فلا تخافوهم ﴾ للناس في قوله: ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ وقيل: التقدير يخوّفكم بأوليائه كقوله: ﴿ ويخوّفونك بالذين من دونه  ﴾ فحذف حرف الجر قاله الفراء والزجاج وأبو علي، وزيفه ابن الأنباري بأن التخويف قد يتعدى بنفسه إلى مفعولين فلا ضرورة إلى إضمار حرف الجر.

الله حسبي.

التأويل: قد ذكرنا أن النفس يبقى لها نوع تعلق ببدنها.

فالآن نقول: إن روح الشهيد مخصوص بمزيد تعلق ببدنه جزاء له على تعجيب إذاقة مرارة الفراق عن الدنيا، ولهذا لا تبلى أجساد كثير منهم وتبقى غضة طرية وكأنهم هم الشهداء في الحقيقة، وهكذا أجساد الكاملين من النبيين و الصديقين الذين قتلوا أنفسهم بسيوف الرياضات، ومطارف الأذكار، وأسنة ألسنة الطاعنين، وتجرع سموم مخالفات النفس، ومكايدة الشيطان حتى ماتوا بالإرادة وحيوا بالطبيعة.

وليس كل تعلق بهذا العالم سبباً للتألم بل بعضه سبب اللذة والابتهاج ﴿ يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين  ﴾ وكما ورد في حديث الشهداء " "من يبلغ إخواننا عنا إنا في الجنة" والذي جاء فيه " "إن أرواحهم في أجواف طير خضر" فلعل ذلك جزاء لهم على خروج الدم والأبخرة اللطيفة منهم ظلماً.

فمن الممكن أن يخلق الله  من ذلك جسماً لطيفاً شبه طائر، ويكون لروح الشهيد به مزيد تعلق حتى تحركه ويطير حيث شاء من السماء والأرض وإلى الجنة بإذن الله  .

وأما كون الطيرخضراً فإما لأن بدن الميت يميل إلى الخضرة، وإما أن يكون عبارة عن النضرة ﴿ تعرف في وجوههم نضرة النعيم  ﴾ وإما لأن حالهم بالنسبة إلى ما سيؤل إليه أهل الجنة والنار يوم القيامة كالمتوسط بين الحالين الذين يعبر عنهما بالبياض والسواد في قوله: ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه  ﴾ وهذه المعاني ما وجدتها في كتب التفسير والتأويل، وأرجو أن أكون مصيباً فيها الغرض والله  ورسوله أعلم بمرادهما.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ ﴾ : يوم أحد؛ حيث قتل منكم سبعون.

﴿ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا ﴾ يوم بدر: قتلتم سبعين وأسرتم سبعين.

وقيل: إن ذلك كله يوم أحد كانت الدائرة والهزيمة على المشتركين في البداية، ثم هُزِم المؤمنون، يقول: إن أصابكم في آخره ما أصاب، فقد أصابهم - أيضاً - مثلاها؛ بذكر هذا لهم - والله أعلم - على التسلي بما أصيبوا؛ لتسلى ذلك عنهم، أو يذكرهم نعمَهُ عليهم بما أصيب المشركون مثلي ذلك؛ ليشكروا له عليها، وليعلموا أنهم لم يُخَصُّوا هم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ : كأنه يعاتبهم - والله أعلم - بقولهم: ﴿ أَنَّىٰ هَـٰذَا ﴾ ؛ فقال ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ : يعاتبهم بتركهم الاشتغال بالتوبة عما ارتكبوا من عصيان ربهم، والخلاف لنبيهم  ؛ إذ مثل ذلك الكلام لا يكون إلا ممن كان متبرئاً عن ارتكاب المنهي والخلافِ لأمره، فأما من كان من ارتكاب المناهي والخلاف لربه؛ فلا يسع ذلك أو كان ما أصابهم إنما أصاب محنة منه، ولله أن يمتحن عباده بأنواع المحن على يدي من شاء؛ إذ كلهم عبيده، فعاتبهم لما لم يعرفوا محنه، و ﴿ قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا ﴾ ، ونحن مسلمون [نقاتل] في سبيل الله، وهم مشركون؟!

فقال: ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ ، يقول: بمعصيتكم الرسولَ  ، وبترككم ما أمركم به من حفظ المركز وغيره؛ كقوله: ﴿ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ  ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله -  -: ﴿ قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا ﴾ : يخرج إن كان من أهل النفاق مخرج الاستهزاء، أي: لو كان ما يقول محمد  من النصر له والرسالة حقّاً؛ فمن اين بُلي بهذا؟!

وذلك كقولهم: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا  ﴾ ، وقولهم يوم الخندق: ﴿ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً  ﴾ ، وغير ذلك مما عليه معتمدهم في إظهار الإسلام، والله أعلم.

وإن كان ذلك من أهل الإيمان فهو سؤال تعريف الوجه الذي بلوا به، وهم أنصار دين الله، وقد وعد لأنصار دينه النصر، وإن الذي ينصره الله لا يغلبه شيء، وكان قد وُعِدوا إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، أو يما كانوا رأوا الدَّبْرَةَ عليهم والهزيمة من الأعداء، فيقولون: بم انقلب علينا الأمر؛ فبين أنه بما قد عصوا ومالوا عن الله، وإن كان ذلك عن بعضهم لا عن كلهم: فجائز ذلك بحق المحنة؛ إذ قد يجوز الابتداء به مع ما يكون ذلك عن المعاصي أزجر، وللاجتماع على الطاعة أدعى؛ إذ المحنة بمثله تدعو كلاً إلى اتقاء الخلاف، ومنع إخوانه - أيضاً - عن ذلك؛ فيكون به التآلف وصلاح ذات البين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ : من النصر والهزيمة، ولكن ما أصابكم إنما أصاب بمعصيتكم ربكم، وخلافكم رسوله  ، أو أصابكم؛ محنة منه إياكم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ﴾ : جمع المؤمنين، وجمع المشركين.

﴿ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ : قيل: فبمشيئة الله وإرادته، وقيل: ﴿ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ : فبتخلية الله إياكم لما لعلهم رأوا النصر والغلبة بالكثرة، أو بالقوة والعدة؛ فخلاهم الله بينهم وبين عدوهم؛ ليعلموا أن أمثالهم مع قتلهم وضعفهم لا ينتصرون من أمثال أولئك مع كثرة عددهم، وقوّة أبدانهم، وعدتهم في سلاحهم، ولكن بالله ينتصرون منهم، ويتغلبون عليهم.

وقيل: ﴿ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ : بعلم الله، أي: يعلم الله ما يصيبكم من خير أو شرّ، ليس عن سهو وغفلة منه يصيبكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ ﴾ : كما ذكرنا فيما تقدم؛ ليعلم ما قد علم أنهم يؤمنون، ويصبرون على البلايا والقتال مؤمنين صابرين محتسبين؛ وكذلك ليعلم ما قد علم أنهم ينافقون، ويصيرون منافقين، غير صابرين، ولا محتسبين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ ﴾ : قوله: ﴿ أَوِ ٱدْفَعُواْ ﴾ : يحتمل: ﴿ أَوِ ٱدْفَعُواْ ﴾ ، أي: كثّروا السواد؛ لأن المشركين إذا رأوا سواد المؤمنين [كثيراً] يُرْهبهم ذلك ويخوفهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ  ﴾ .

ويحتمل: أو ادفعوا العدو عن أنفسكم؛ لما لعلهم يقصدون أنفس المؤمنين المقاتلين، أو ادفعوا عن أموالكم وذراريكم ويقصدون ذلك، أو ادفعوا عن دينكم إذا قصدوا دينكم، وقد يقصدون ذلك، أو أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ ﴾ - واحداً، أي: قاتلوا في سبيل الله وادفعوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ ﴾ يعني: المنافقين، قيل: قال المنافقون الذين تخلفوا في المدينة لرسول الله  ، وقيل: قال ذلك غيرهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ : يعني: المنافقين، أخبر أنهم إلى الكفر أقرب من الإيمان للكفر وإلى الكفر من الكفر، كل ذلك لغة، وفي حرف حفصة: هم "إلى الكفر أقرب"، وتأويله - والله أعلم -: أن المنافقين كانوا لا يعرفون الله - عز وجل - ولا كانوا يعبدونه؛ فإنما هم عباد النعمة، يمليون إلى حيث مالت النعمة: إن كانت مع المؤمنين؛ فيظهرون من أنفسهم الوفاق لهم، وإن كانت مع المشركين فمعهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ...

﴾ الآية [النساء: 141]، وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...

﴾ الآية [الحج: 11]، وأما الكفار: فإنهم كانوا يعرفون الله، لكنهم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان لوجهين: أحدهما: لما اتخذوها أرباباً.

والثاني: يطلبون بذلك تقربهم إلى الله زلفي؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، لكنهم إذا أصابتهم الشدة، ولم يروا فيما عبدوا الفرج عن ذلك - فزعوا إلى الله عز وجل، كقوله -  -: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ  ﴾ ، فإذا ذهب ذلك عنهم عادوا إلى دينهم الأول، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ﴾ الآية [الزمر: 8]، وأمّا المؤمنون: فهم في جميع أحوالهم: في حال الرخاء والشدة، والضراء والسراء - مخلصون لله صابرون على مصائبهم وشدائدهم قائلون: ﴿ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ : يحتمل هذا وجوهاً: قيل: إنما كانوا كذا؛ لأنهم كانوا يقولون للمؤمنين: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ  ﴾ وإن كان للكافرين نصيب قالوا: ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ : ذكروا كونهم مع المؤمنين، وذكروا في الكافرين استحواذهم عليهم، ومنعهم من المؤمنين؛ فذلك آية الأقرب منهم.

ويحتمل: أقرب منهم للإيمان؛ لأن ما أظهروا من الإيمان كذب، والكفر نفسه كذب؛ فما أظهروا من الإيمان فهو كذب إلى الكذب الذي هم عليه أقرب، وهو الكفر.

وعن ابن عباس -  -: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ ، قال: "هم يومئذ يسرون الكفر، ويظهرون الإيمان، وسرّ العبد أولى من علانيته، وفعله أولى من قوله".

﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ : وهو قولهم، وقيل: هم منهم أقرب؛ لأنهم كانوا في الحقيقة كفاراً على دينهم.

وفي قوله -  -: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ - يحتمل الذم، وقيل: كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا  ﴾ ؛ فيكون الوصف بالقرب على الوقوع والوجوب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ ، أي: هي لهم - وبالله التوفيق - وذلك لأنهم كانوا أهل نفاق، والكفر لم يكن يفارق قلوبهم، وما كان من إيمانهم كان يظاهر اللسان، [ثم] قد يفارقها في أكثر أوقاتهم، والله أعلم.

وقد يكون على القرب من حيث كانوا شاكّين في الأمر، والشاك في أمر الكفر والإيمان تارك للإيمان؛ إذ حقيقته تصديقٌ عن معرفة، ولم يكن لهم معرفة، والكفر قد يكون بالتكذيب؛ كأن له بما يكذب علم بالكذب أولاً؛ فلذلك كان الكفر أقرب إليهم، ويحتمل: أقرب إليهم: أولى بهم، وهم به أحق أن يعرفوا؛ بما جعل الله لهم من إعلام ذلك في لحن القول، ثم في أفعال الخير، ثمّ في أحوال الجهاد، ومما يظهر منهم من آثار الكفر في الأقوال والأفعال مما جاء به القرآن، والله أعلم.

فإن قيل في قوله: ﴿ أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ -: كيف عم هؤلاء بالعقوبة، وإنما كان العصيان والخلاف في الأمر من بعضهم لا من الكل، قيل: لما خرج لهم ذلك مخرج الامتحان والابتلاء، لا مخرج الجزاء لفعلهم، ولله أن يمتحن عباده ابتداء بأنواع المحن من غير أن يسبق منهم خلاف في الأمر أو عصيان، وكل عقوبة خرجت مخرج جزاء عصيان أو خلاف في أمر - لم يؤاخذ غيرُ مرتكبها؛ لقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ  ﴾ ، وما خرج مخرج الامتحان جاز أن يعمهم؛ لما ذكرنا أن له ابتداء امتحان، أو إن كان ما كان منهم بمعونة غيرهم؛ فعمهم لذلك بذلك، كقُطّاع الطريق وكسُرّاق أن تعمهم العقوبة جميعاً: مَنْ أخذ ومن لم يأخذ، ومن تولى ومن لم يتولَّ؛ فكذلك هذا، أو كانوا جميعاً كنفس واحدة؛ فعمهم بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ ﴾ قيل: لأخوانهم في الدين، ومعارفهم من المنافقين: ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا ﴾ ولم يخرجوا إلى الجهاد ﴿ مَا قُتِلُوا ﴾ .

وقيل: لأخوانهم في النسب والقرابة، وليسوا بإخوانهم في الدين والولاية؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً  ﴾ ليس بأخيهم في الدين [ولا] في الولاية؛ ولكن كان أخاهم في النسب والقرابة.

﴿ لَوْ أَطَاعُونَا ﴾ وقعدوا عن الخروج في الجهاد ﴿ مَا قُتِلُوا ﴾ في الغزو.

ثم قال - عز وجل - لنبيّه  أن قل لهم: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ ﴾ أي: ادفعوا عن أنفسكم الموت ﴿ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ بأنهم لو قعدوا في بيوتهم ما قتلوا؛ فمعناه - والله أعلم -: أن من قتل في سبيل الله فمكتوب ذلك عليه، ومن مات في بيته فمكتوب ذلك عليه، فإذا لم تقدروا دفع ما كتب عليكم من الموت؛ كيف زعمتم أنهم لو قعدوا ما قتلوا، وهو مكتوب عليهم كالموت؟!.

وهذه الآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إن من قتل مات قبل أجله، أو قبل أن يستوفي أجله؛ فهم واليهود فيما أنكر الله عليهم قولهم لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا - سواءٌ بقوله: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما حدث لكم من القَتْل والجِرَاح والهزيمة يوم أحد حين التقى جمعكم وجَمْعُ المشركين، فهو بإذن الله وقدره؛ لحكمة بالغة حتى يظهر المؤمنون الصادقون.

<div class="verse-tafsir" id="91.OYQ0j"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام إنكار لتعجبهم وبيان لمنة الله تعالى عليهم حتى في واقعة أُحد، فإن خذلانهم فيها لم يبلغ مبلغ ظفرهم في بدر بل كان نصرهم هناك ضعفي انتصار المشركين هنا، كأنه يقول لماذا نسيتم فضل الله عليكم في بدر فلم تذكروه!.

وأخذتم تعجبون مما أصابكم في أُحد وتسألون عن سببه ومصدره؟!

وقال المفسرون إن سبب تعجبهم مما أصابهم هو اعتقادهم أنهم لا بد أن ينتصروا وهم مسلمون يقاتلون في سبيل الله وفيهم رسوله -وتقدم كشف هذه الشبهة في تفسير الآيات السابقة- وقد ذكر هنا تعجبهم ليبني عليه هذا الجواب وما فيه من الحكم لأولي الألباب وهو: ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ  ﴾ فإنكم أخطأتم الرأي بخروجكم من المدينة إلى أُحد وكان الرأي ما رآه النبي  من البقاء فيها حتى إذا ما دخلها المشركون عليهم قاتلوهم على أفواه الأزقة والشوارع، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من سطوح المنازل، وروي هذا عن الربيع، ثم إنكم فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم الرسول طمعًا في الغنيمة ففارق الرماة منكم موقعهم الذي أقامهم فيه لحماية ظهوركم بنضح عدوكم بالنبل إذا أراد أن يكر عليكم من ورائكم.

هذا المتبادر المشهور والمعقول والمعنى الموافق لقاعدة كون العقوبات آثارًا لازمة للأعمال، وروي عن عكرمة، ويروي عن الحسن أن ما حصل يوم أُحد من المصيبة كان عقابًا على أخذ الفداء عن أسرى بدر الذي عاتب الله عليه نبيه بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ  ﴾ إلخ، وقووه بما رواه ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والنسائي عن علي كرم الله وجهه قال: جاء جبريل إلى النبي  ، فقال يا محمد إن الله تعالى قد كره ما فعل قومك في أخذهم الأسارى وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وإما أن يأخذوا منهم الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، فدعا رسول الله  الناس فذكر لهم ذلك فقالوا يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا نأخذ فداءهم، نتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم فليس ذلك ما نكره، فقتل منهم يوم أُحد سبعون رجلًا عدة أسارى أهل بدر.

﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ بناء على كون وجه تعجبهم هو وجود الرسول  فيهم، أي أن الرسول  لا ينفع أمة قد خالفت السنن والطبائع فلا تغتروا بوجودكم معه، مع المخالفة لله وله، فهو لا يحميكم، مما تقتضيه سنن الله فيكم.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن قوله تعالى ﴿ أَوَلَمَّا  ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن همزة الاستفهام قدمت على الواو لأن لها الصدارة والواو عاطفة للجملة الاستفهامية.

وثانيهما: أن الواو عاطفة لما بعدها على محذوف قبلها هو الجملة الاستفهامية والتقدير: أأخطأتم الرأي في الخروج إلى أحد، وفعلتم ما فعلتم من الفشل والعصيان، ولم تبالوا بذلك وتفكروا في عاقبته، ولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا تعجبًا منه واستغرابًا؟

وقدر بعضهم غير ذلك.

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ أي لا عجزًا في القدرة، ولا قهرًا للإرادة، وهذا صريح في أن قدرته لا يمنعها وجود الرسول فيهم.

﴿ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ  وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ  ﴾ ليس قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ  ﴾ للاحتراس، بل لرفع شأن هذا اليوم الذي حصل فيه التمييز بين الفريقين وقال إنهم أقرب إلى الكفر ولم يقل إنهم كفار مع علمه بحالهم تأديبًا لهم ومنعًا للتهجم على التكفير بالعلامات والقرائن.

إنه تعالى كان يعلم أنهم يبطنون الكفر وأن امتناعهم عن الجهاد عمل من أعمال الكفر ولكنه لم يصرح به في الآية بل صرح بما يومئ إليه تأديبًا لهم عسى أن يتوب منهم من لم يتمكن الكفر في قلبه ومنعًا للناس من الهجوم على التكفير.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن قوله تعالى ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا  ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على ﴿ نَافَقُوا  ﴾ وهو الظاهر المتبادر.

والثاني: أنه استئناف، وقوله قبله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا  ﴾ قد تم به الكلام السابق، قالوا الواو في قوله: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ  ﴾ هي التي يسمونها واو الاستئناف على هذا القول، وقد خلط بعضهم في الكلام عن هذه الواو لعدم فهم المراد منها وليس هو بمعنى الاستئناف المشهور وإنما تأتي؛ لوصل كلام بكلام آخر مباين للأول تمام المباينة من جهة ذاته، ومرتبط به من جهة السياق والغرض، ففي مثل هذه الحال إذا فصل الثاني من الأول يكون في الفصل البحت وحشة على السمع وإيهام للذهن، أن الغرض الذي سيق له الكلام قد انتهى فيجئ المتكلم بالواو وليستمر الأنس بالكلام في الغرض الواحد ويظل الذهن منتظرًا لغاية الفائدة والغرض منه، فكأن المتكلم عند نقطة بالجملة المستأنفة بالواو للانتقال من جزء من كلامه قد تم إلى جزء آخر يراد به مثل ما يراد مما قبله يقول: هذا جزء من الكلام يثبت غرضي ويبين مرادي وثم جزء آخر منه وهو كذا.

ومنها أن اللام في قوله: ﴿ لِلْكُفْرِ  ﴾ و ﴿ لِلْإِيمَانِ  ﴾ متعلقة "بأقرب" على أنها بمعنى "إلى"، فإن المستعمل في صلة القرب حرفًا "إلى" و "من" يقال قرب منه وقرب إليه، وقال بعضهم إنه يتعدى باللام أيضًا.

﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا  ﴾ هذا وصف آخر من أوصاف المنافقين جاء في سياق التقريع المتقدم، وقدم القول فيه على القعود عن القتال لأنه أقبح منه، فإن القعود ربما كان لعذر أو التمس الناس له عذرًا واللوم فيه على فاعله وحده لأن إثمه لا يتعداه إلى غيره، وأما هذا لقول الخبيث فإنه أدل على فساد السريرة وضعف العقل والدين، وضرره يتعدى لما فيه من تثبيط همم المجاهدين.

﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ أي أن هذا القول في حكمه الجازم يتضمن أن علمهم قد أحاط بأسباب الموت في هذه الواقعة، وإذا أجاز هذا فيها جاز في غيرها وحينئذ يمكنهم درء الموت أي دفعه عن أنفسهم ولذلك طالبهم به وجعله حجة عليهم.

وقد يقال إن فرقًا بين التوقي من القتل بالبعد عن أسبابه، وبين دفع الموت بالمرة، فالموت حتم عند انتهاء الأجل المحدود وإن طال، والقتل ليس كذلك فكيف احتج عليهم بطلب درء الموت عن أنفسهم؟

وهذا اعتراض يجيء من وقوف النظر، فكل يعلم، ولا سيما من حارب، أنه ما كل من حارب يقتل فقد عرف بالتجربة أن كثيرين يصابون بالرصاص في أثناء القتال، ولا يموتون وأن كثيرين يخرجون من المعمعة سالمين ولا يلبثون بعدها أن يموتوا حتف أنوفهم كما يموت كثير من القاعدين عن القتال فما كل مقاتل يموت، ولا كل قاعد يسلم، وإذا لم يكن أحد الأمرين حتمًا سقط قولهم وظهر بطلانه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده