تفسير سورة آل عمران الآيات ١٠٠-١٠٣ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٠٠-١٠٣

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ ١٠٠ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ١٠١ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ١٠٢ وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءًۭ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًۭا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍۢ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١٠٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

في سبب نزول هذه الآية يروون أن شاس بن قيس -وكان يهوديًا- مر على نفر من الأوس والخزرج يتحدثون، فغاظه ما رأى من تآلفهم بعد العداوة، فأمر شابًا معه من يهود أن يجلس بينهم فيذكرهم "يوم بعاث"، ففعل، فتنازعوا وتفاخروا حتى وثب رجلان: أوس بن قرظي، من الأوس، وجبار بن صخر، من الخزرج، فتقاولا، وغضب الفريقان وتواثبوا للقتال، فبلغ ذلك رسول الله  فجاء حتى وعظهم وأصلح بينهم، فسمعوا وأطاعوا، فأنزل الله في أوس وجبار: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ  ﴾ الآية.

وفي شاس بن قيس: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ  ﴾ الآية.

إن صح ما ورد في سبب نزول هذه الآيات فالمراد بالكفر في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ  ﴾ هو العداوة والبغضاء التي كان الكفر سببها كم أن المراد بالإيمان على هذا هو الألفة والمحبة التي هي ثمرة يانعة من ثمرات الإيمان.

وإذا لم ننظر إلى ما ورد من السبب فالمعنى أن أهل الكتاب قد سلكوا سبل التأويل في الكتاب فحرفوه وانصرفوا عن هدايته إلى تقاليد وضعوها لأنفسهم، فإذا أطعتموهم وسلكتم مسالكهم فإنكم تكفرون بعد إيمانكم.

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ  ﴾ بطاعتهم واتباع أهوائهم ﴿ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ  ﴾ وهي روح الهداية وحفاظ الإيمان ﴿ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ  ﴾ يبين لكم ما نزل إليكم.

﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ  ﴾ وكتابه يكون الاعتصام إذن هو حبله الممدود، ورسوله هو الوسيلة إليه وهو ورده المورود، ﴿ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  ﴾ لا يضل فيه السالك، ولا يخشى عليه من المهالك.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ  ﴾ أي واجب تقواه وما يحق منها.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ﴾ فمعناه استمروا على الإسلام وحافظوا على أعماله حتى الموت.

فالمراد بالإسلام على هذا هو الدين إيمانه وعمله.

ووجه اختيارنا هذا المعنى أنه جاء في مقابلة قوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ  ﴾ وبعد الأمر بالتقوى حق التقوى.

وقيل: إن المراد به الإخلاص.

وقيل: الإيمان دون العمل، لأنه هو الذي يستمر إلى الموت.

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا  ﴾ الأشبه أن تكون العبارة تمثيلًا، كأن الدين في سلطانه على النفوس واستيلائه على الإرادات وما يترتب على ذلك من جريان الأعمال على حسب هديه حبل متين يأخذ به الآخذ فيأمن السقوط، كأن الآخذين به قوم على نشز من الأرض يخشى عليهم السقوط منه فأخذوا بحبل موثق جمعوا به قوتهم فامتنعوا من السقوط.

﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا  ﴾ .

انظر آية الله، قوم متخالفون بين العداوات والإحن يتربص كل واحد بالآخر الهلكة على يده فيأتي الله بهذه الهداية فيجمعهم ويزيل كل ما في نفوسهم من التنافر ويجعلهم إخوانًا ترجع أهواؤهم كلها إلى شيء واحد لا يختلفون فيه وهو حكم الله ولذلك قال: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  ﴾ أي ليعدكم ويؤهلكم بها للاهتداء الدائم المستمر فلا تعودوا إلى عمل الجاهلية من التفرق والعدوان.

والتفرق والاختلاف قسمان: قسم لا يمكن أن يسلم منه البشر فالنهي عنه من قبيل تكليف ما لا يستطاع وليس بمراد في الآيات، وقسم يمكن الاحتراس منه وهو المراد بها أما الأول: فهو الخلاف في الفهم والرأي، ولا مفر منه لأنه مما فطر عليه البشر كما قال تعالى: ﴿ وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ  إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ  ﴾ فاستواء الناس في العقول والأفهام مما لا سبيل إليه ولا مطمع فيه إذ هو من قبيل الحب والبغض فالإخوة الأشقاء في البيت الواحد تختلف أفهامهم في الشيء كما يختلف حبهم له وميلهم إليه.

وأما الثاني: - وهو ما جاءت الأديان لمحوه - فهو تحكيم الأهواء في الدين والأحكام، وهو أشد الأشياء ضررًا في البشر لأنه يطمس أعلام الهداية التي يلجأ إليها في إزالة المضار التي في النوع الأول من الخلاف.

أما كون القسم الأول غير ضار فهو ما يعرفه كل أحد نفسه.

والأمثلة كثيرة..

فمثلًا: إن بيني وبين بعض أصحابي الصادقين في محبتي وإرادة الخير لي خلافًا في إلقاء هذا الدرس هنا، فأنا أعتقد أن إلقاء درس التفسير في الأزهر عمل واجب علي وخير لي، لا أشك في هذا كما أنني لا أشك في هذا الضوء الذي أمامي، ويوجد من أصحابي من يعتقد أن ترك هذا الدرس خير لي من قراءته، ويحاجوني في ذلك قائلين: إن تأخري لأجل الدرس إلى الليل ضار بصحتي، وإنه مثير لحسد الحاسدين لي ودافع لهم إلى الكيد والإيذاء، وإن الدرس نفسه عقيم لأن أكثر الذين يسمعونه لا يفقهون ما أقول ولا يفهمون ومن فهم لا يرجى أن يعمل به لغلبة فساد الأخلاق.

وهذه حجة بعض أصحابي في مخالفة رأيي واعتقادي يصرحون لي بها، ومع ذلك ألقاهم ويلقونني لم ينقص ذلك من مودتنا شيئًا فضلًا عن أن يكون مثارًا للعداوة والبغضاء بيننا، فأنا أعذرهم في رأيهم، مع اعتقادي بإخلاصهم، وهم يعذرونني كذلك.

ولنفرض أن الخلاف بيننا في مسألة دينية كأن أعتقد أنا أن فعل كذا حرام وهم يعتقدون حله أكان يكون بيننا تفرق لأجله؟

كلا، لا ريب عندي أنه لا فرق بين الخلافين وإننا نبقى على هذا الخلاف أصدقاء.

كذلك كان الخلاف بين علماء السلف وأئمة الفقهاء "فمالك" قد نشأ في المدينة ورأى ما كان عليه أهلها من حسن الحال وسلامة القلوب فقال: إن عمل أهل المدينة أصل من الأصول، لأنهم على حسن حالهم وقرب عهدهم بالنبي وأصحابه لا يتفقون على غير ما مضت عليه السنة عملًا.

وأما "أبو حنيفة" فنشأ في العراق، وأهلها كما اشتهر عنهم أهل شقاق ونفاق، فهو معذور إذا لم يحتج بعملهم ولا بعمل غيرهم قياسًا عليهم، ولو اجتمعا لعذر كل منهما الآخر لأنه بذل جهده في استبانة الحق مع الاخلاص لله تعالى وإرادة الخير والطاعة.

وقد نقل عن الائمة أن كل واحد كان يعذر الآخرين فيما خالفوه فيه، ولكن تنكب هذه الطريقة طوائف جاءت بعدهم تقلدهم فيما نقل من مذاهبهم لا في سيرتهم حتى صار الهوى هو الحاكم في الدين وصار المسلمون شيعًا يتعصب كل فريق إلى رأي من مسائل الخلاف ويعادي الآخر إذا خالفه فيه، وكان من جزاء ذلك ما هو مدون في التاريخ.

وما ذلك إلا لأن الحق لم يكن هو مطلوب هؤلاء المتعصبين، وإلا فبالله كيف يصدق أن يكون الإمام "الشافعي" مثلًا مصيبًا في كل ما خالف به غيره؟

وإذا كان الصواب في بعض المسائل الاجتهادية مع غيره فكيف يعقل أن يمر أكثر من ألف سنة على فقهاء مذهبه ولا يظهر لهم شيء من ذلك فيرجعوا عن قوله إلى ما ظهر لهم أنه الصواب من مذهب غيره "كأبي حنيفة" أو "مالك".

وهذا ما يقال في أتباع كل مذهب.

هذا النوع من الخلاف هو الذي ذلت به الأمم بعد عزها وهوت بعد رفعتها وضعفت بعد قوتها.

هو الافتراق في الدين وذهاب أهله مذاهب تجعلهم شيعًا تتحكم فيهم الأهواء كما حصل من الفرق الإسلامية، لا يكاد أحدهم يعلم أن الآخر خالفه في رأي إلا ويبادر إلى الرد عليه بالتأليف وبذل الجهد في تضليله وتقنيد مذهبه، ويقابله الآخر بمثل ذلك، لا يحاول أحد منهم محادثة الآخر والاطلاع على دلائله ووزنها بميزان الانصاف والعدل، فالواجب أولًا محاولة الفهم والإفهام في البحث والمذاكرة وثانيًا أن لا يكون الخلاف مفرقًا بين المختلفين في الدين، فما دام المسلم لا يخل بنصوص كتاب الله ولا باحترام الرسول  فهو على إسلامه لا يكفر ولا يخرج من جماعة المسلمين، فإذا تحكم الهوى فلعن بعضهم بعضًا وكفر بعضهم بعضًا فقد باء بها من قالها كما ورد في الحديث.

ومثل الاختلاف في الدين الاختلاف في المعاملة لا يجوز أن يكون مفرقًا بين المؤمنين بل يرجعون في النزاع إلى حكم الله وأهل الذكر منهم.

فإذا امتثلنا أمر الله ونهيه فاتقينا الخلاف الذي لنا عنه مندوحة وحكمنا كتاب الله ومن أمر الله بالرجوع إليهم في مسائل النزاع فيما نتنازع فيه أمنا من غائلة الخلاف وكنا من المهتدين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده