تفسير سورة آل عمران الآيات ١٢١-١٢٩ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٢١-١٢٩

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَـٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١ إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ١٢٢ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍۢ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌۭ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٢٣ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ١٢٤ بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ ۗ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ١٢٦ لِيَقْطَعَ طَرَفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا۟ خَآئِبِينَ ١٢٧ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَـٰلِمُونَ ١٢٨ وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٢٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 34 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

إن هذه الآيات وعشرات بعدها نزلت في شأن غزوة أحد، ويتوقف فهمها على الوقوف على قصة تلك الغزوة ولو إجمالًا فوجب لذلك أن نأتي قبل تفسيرها بما يعين على فهمها ويبين له مواقع تلك الأخبار وما فيها من الحكم والأحكام فنقول: لما خذل الله المشركين في غزوة بدر ورجع فلهم إلى مكة مقهورين موتورين نذر أبو سفيان بن حرب أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدًا  فخرج في مائة رجل من قريش حتى أتى بني النضير ليلًا، وبات ليلة واحدة عند سلام بن مشكم اليهودي سيد بني النضير وصاحب كنزهم فسقاه الخمر وبطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقبة ليلته وأرسل أصحابه إلى ناحية من المدينة يقال لها العريض فقطعوا وحرقوا صورًا من النخل ورأوا رجلًا من الأنصار وحليفًا له فقتلوهما ونذر به رسول الله  ، فخرج في طلبهم فلم يدركهم لأنهم فروا وألقوا سويقًا كثيرًا من أزوادهم يتخففون به فسميت غزوة السويق وكانت بعد بدر بشهرين، وإنما ذكرناها قبل ذكر أحد ليعلم القارئ أن العدوان من المشركين على المسلمين كان متصلًا متلاحقًا.

ولما رجع أبو سفيان إلى مكة أخذ يؤلب على رسول الله  والمسلمين وكان بعد قتل صناديد قريش في بدر هو السيد الرئيس فيهم، لذلك كلمه في أمر المسلمين الموتورون من عظماء قريش كعبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية ليبذل مال العير التي كان جاء بها من الشام في أخذ الثأر فرضي هو وأصحاب العير بذلك، وكان مال العير كما في السيرة الحلبية خمسين ألف دينار ربحت مثلها فبذلوا الربح في هذه الحرب فاجتمعت قريش للحرب حين فعل ذلك أبو سفيان بن حرب وخرجت بحدها وجدها وأحابيشها، ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة فكانوا نحو ثلاثة آلاف وأخذوا معهم نساءهم التماس الحفيظة وأن لا يفروا فإن الفرار بالنساء عسر والفرار دونهن عار، وكان مع أبي سفيان وهو القائد زوجه هند ابنة عتبة فكانت تحرض الغلام وحشيًا الحبشي الذي أرسله مولاه جبير بن مطعم ليقتل حمزة عم النبي  بعمه طعمة بن عدي الذي قتل ببدر وقد علق عتقه على قتله وكان هذا الحبشي ماهرًا في الرمي بالحربة على بعد قلما يخطئ فكانت هند كلما رأته في الجيش تقول له" ويها أبا دسمة اشف واشتف"، تخاطبه بالتكنية تكريمًا له، وذكر الحلبي أنهم ساروا أيضًا بالقيان والدفوف والمعازف والخمور.

نزل أبو سفيان بجيشه قريبًا من أحد في مكان يقال له "عينين" على شفير الوادي مقابل المدينة وكان ذلك في شوال من السنة الثالثة فلما علم رسول الله  بذلك استشار أصحابه كعادته أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة وكان رأيه هو أن يتحصنوا بالمدينة فإن دخلها العدو عليهم قاتلوه على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت ووافقه على هذا الرأي أكابر المهاجرين والأنصار كما في السيرة الحلبية وعبد الله بن أُبي، وكان هو الرأي، وأشار عليه جماعة من الصحابة أكثرهم من الأحداث وممن كان فاتهم الخروج يوم بدر بأن يخرج إليهم رغبتهم في القتال فما زالوا يلحون على رسول الله  حتى دخل فلبس لأمته بعد صلاة الجمعة وكان قد أوصاهم في خطبتها ووعدهم بأن لهم النصر ما صبروا، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله  ولم يكن لنا ذلك وقالوا له قد استكرهناك ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد فقال: "ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه"، أي لما في فسخ العزيمة بعد إحكامها وتوثيقها من الضعف ومبادئ الفشل وسوء الأسوة.

وفي سحر يوم السبت خرج بألف من أصحابه واستعمل بالمدينة عبد الله بن أم مكتوم الأعمى على الصلاة بمن بقي فيها.

فلما كانوا بالشوط بين المدينة وأحد انعزل عنه عبد الله بن أُبي بن سلول بنحو ثلث العسكر (وهم ٣٠٠) وقال: أطاعهم وعصاني -وفي رواية أطاع الولدان زمن لا رأي له- فما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس.

فرجع بمن اتبعه من قومه أهل النفاق والريب فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا.

قالوا لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع ولكن نرى أنه لا يكون قتال.

وقد كان المسلمون نحو ثلث المشركين الذين خرجوا إليهم فأمسوا وقد ذهب من الثلث نحو ثلثه.

وهمت بنو سلمة من الأوس وبنو حارثة من الخزرج أن تفشلا فعصمهما الله تعالى.

وقد كان خروج المنافقين منهم خيرًا لهم كما قال تعالى في مثل ذلك يوم تبوك ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا  ﴾ الآية وإنما ارتأى عبد الله بن أُبي عدم الخروج ليكتفي أمر القتال أو خطره حرصًا على الحياة وإيثارًا لها على إعلاء كلمة الله فكان على موافقته للرسول في الرأي مخالفًا له في سببه وعلته، فالرسول  كان يراعي في جميع حروبه التي كانت كلها دفاعًا قاعدة ارتكاب أخف الضررين وأبعد الأمرين عن العدوان رحمة بالناس وإيثارًا للسلام.

وتعزز رأيه المبني على هذه السنة برؤيا رآها قبل ذلك وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.

رأى أن في سيفه ثلمة ورأى أن بقرًا تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته فكان ذلك الرجل حمزة عمه  -وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون وتأول الدرع بالمدينة.

ولكنه على هذا كله عمل برأي الجمهور من أصحابه.

إقامة لقاعدة الشورى التي أمره الله بها وهو لم يخالف بذلك قاعدة ارتكاب أخف الضررين بل جرى عليها لأن مخالفة رأي الجمهور ولو إلى خير الأمرين هضم لحق الجماعة وإخلال بأمر الشورى التي هي أساس الخير كله.

وإنما يكون المكث في المدينة خيرًا من الخروج إلى العدو في أحد لو لم يكن مخلًا بقاعدة الشورى كما هو ظاهر، فكيف ترك المسلمون هذا الهدى النبوي الأعلى ورضوا بأن يكون ملوكهم وأمراؤهم مستبدين بالأحكام والمصالح العامة يديرون دولابها بأهوائهم التي لا تتفق مع الدين ولا مع العقل؟؟

وسأل قوم من الأنصار النبي  أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود فأبى وكان في الحقيقة ضلع اليهود مع المشركين، ولم يكونوا في عهودهم بموفين.

ومضى النبي بأصحابه حتى مر بهم في حرة بني حارثة وقال لهم "من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (قرب) لا يمر بنا عليهم؟" قال أبو خثيمة أخو بني حارثة ابن الحارث: أنا يا رسول الله.

فنفذ به في حرة قومه بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بن قيظي وكان رجلًا منافقًا ضرير البصر.

فلما سمع حس رسول الله  وأصحابه قام يحثو في وجوههم التراب ويقول إن كنت رسول الله فلا أحل لك أن تدخل حائطي.

قال ابن هشام: وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: والله لو أني أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك.

فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله  : "لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر".

وفي هذه المسألة من علم النبي بفن الحرب الإرشاد إلى اختيار أقرب الطرق إلى العدو وأخفاها عنه وذلك يتوقف على العلم بخرت الأرض الذي يعرف اليوم بعلم الجغرافية وإباحة المرور في ملك الناس عند الحاجة إلى ذلك لتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

وفيها من رحمته  أنه لم يأذن بقتل ذلك المنافق المجاهر بعدائه بل رحمه وعذره ولم تكن المصلحة العامة تتوقف على قتله.

ولم تكن العرب قبل الإسلام تراعي هذه الدقة في حفظ الدماء بل قلما تراعيه أمة من الأمم في زمن الحرب.

ومضى رسول الله  حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: "لا يقاتلن أحد حتى نأمر بالقتال" وفي ذلك من إحكام الحرب أن الرئيس هو الذي يفتحها وما كانت العرب تراعي ذلك دائمًا لا سيما إذا حدث ما يثير حميتهم وقد امتثلوا الأمر على استشراف ولذلك قال بعض الأنصار وقد رأى قريشًا قد سرحت الظهر والكراع في زروع للمسلمين: أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب؟

وفيه من الفوائد ما لا محل لشرحه هنا.

فلما أصبح يوم السبت تعبى للقتال وهو في سبعمائة فيهم خمسون فارسًا وظاهر بين درعين - أي لبس درعًا فوق درع - واستعمل على الرماة وكانوا خمسين عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض وقال: "انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك" ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بني عبد الدار وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بين العوام وعلى الأخرى المنذر بن عمرو.

ثم استعرض  الشبان يومئذ فرد من استصغره عن القتال وهم ١٧ وأجاز أفرادًا من أبناء الخامسة عشرة قيل لسنهم وقيل لبنيتهم وطاقتهم ولعله الصواب فإنه كان قد رد سمرة بن جندب ورافع بن خديج ولهما خمس عشرة سنة فقيل له يا رسول الله إن رافعًا رام فأجازه فقيل له فإن سمرة يصرع رافعًا.

فأجازه وروي أنهما تصارعا أمامه.

ورد عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعمرو بن حزم وأسيد بن ظهير والبراء بن عازب ثم أجازهم يوم الخندق وهم أبناء خمس عشرة إذ كانوا يطيقون القتال في هذه السن كما هو الغالب في العرب يومئذ.

وتعبت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل معهم مئتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل وابتدأت الحرب بالمبارزة.

ولما اشتبك القتال والتقى الناس بعضهم ببعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن خلف الرجال ويحرضهن، فقالت هند فيما يقول: ويهًا بني عبد الدار * ويهًا حماة الأدبار * ضربًا بكل بتار * إن تقبلوا نعانق * ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق.

وروي أن النبي  كان يقول عند سماع نشيد النساء: "اللهم بك أحول وبك أصول وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل".

وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر عبد بن عمرو بن صيفي وكان رأس الأوس في الجاهلية فلما جاء الإسلام شرق به وجاهر رسول الله  بالعداوة، وخرج من المدينة إلى مكة يؤلب قريشًا على قتاله ويزعم أن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه، وكان يسمى الراهب فسماه النبي  بالفاسق.

ولما برز نادى قومه وتعرف إليهم فقالوا له: لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق.

فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر.

وقاتل قتالًا شديدًا.

وقد كان الظفر للمسلمين في المبارزة ثم في الملاحمة وأبلى يومئذ أبو دجانة الأنصاري الذي أعطاه النبي  سيفه وحمزة أسد الله وأسد رسوله وعلي بن أبي طالب والنضر بن أنس وسعد بن الربيع وغيرهم بلاء عظيمًا حتى انهزم المشركون وولوا مدبرين.

وروي أن حمزة قتل ٣١ مشركًا.

لما انهزم المشركون وولوا إلى نسائهم مدبرين ورأى الرماة من المسلمين هزيمتهم ترك الرماة مركزهم الذي أمرهم رسول الله  بحفظه وأن لا يدعوه سواء كان الظفر للمسلمين أو عليهم "وإن رأوا الطير تتخطف العسكر" لئلا يكر عليهم المشركون ويأتوهم من ورائهم وهو ما يعبر عنه في الاصطلاح العسكري بخط الرجعة.

وقالوا: يا قوم الغنيمة الغنيمة.

فذكرهم أميرهم عهد رسول الله  فلم يرجعوا وظنوا أن ليس للمشركين رجعة فذهبوا في طلب الغنيمة وأخلوا الثغر.

فلما رأى الفرسان المشركين الثغر خاليًا قد خلا من الرماة كروا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين وأبلوا فيهم حتى خلصوا إلى رسول الله  فجرحوا وجهه الشريف وكسروا رباعيته اليمنى من ثناياه السفلى وهشموا البيضة التي على رأسه ودثوه بالحجارة حتى وقع لشقه وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين فأخد علي بيده واحتضنه طلحة بن عبيد الله.

وكان الذي تولى أذاه عمر بن قمئة وعتبة ابن وقاص.

وقتل مصعب بن عمير بين يديه فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب، ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه فانتزعهما أبو عبيدة ابن الجراح عض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته، وطمع فيه المشركون فأدركوه يريدون منه ما الله عاصم إياه منهم بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ  ﴾ وحال دونه نفر من المسلمين نحو عشرة حتى قتلوا، ثم جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه، وترس عليه أبو دجانة بنفسه فكان يقع النبل على ظهره وهو لا يتحرك حتى كثر فيه، ودافع عنه أيضًا بعض النساء اللواتي شهدن القتال.

وقد انتهت الحرب بصرف الله المشركين عما كانوا يريدون من استئصال المسلمين فإن المسلمين كانوا أولًا هم الغالبين بحسن تدبير الرسول  والصبر والثبات وتمحض القصد إلى الدفاع عن دين الله وأهله فلما أخرجهم الظفر عن التزام طاعة رسولهم وقائدهم ودب إلى قلوب فريق منهم الطمع في الغنيمة فشلوا وتنازعوا في الأمر كما سيأتي في تفسير قوله ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ  ﴾ وزادهم فشلًا إشاعة قتل الرسول  حتى فر كثيرون إلى المدينة منهم عثمان بن عفان والوليد بن عقبة وخارجة بن زيد ولكنهم استحيوا من دخولها فرجعوا بعد ثلاث.

واختلط الأمر على كثير ممن ثبت ولما جاءهم خالد بالفرسان من ورائهم صار يضرب بعضهم بعضًا على غير هدى فمنهم الذين استبسلوا وأرادوا أن يموتوا على ما مات عليه رسول الله  ومنهم الذين كانوا معه  يفدونه بأنفسهم ويتلقون السهام والسيوف دونه حتى كان يعز عليهم أن يروه ناظرًا إلى جهة المشركين لئلا يصيبه سهم فكان أبو طلحة الذي تقدم ذكر نضاله عنه يقول له: يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تنظر يصبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك، ولما علم سائر المسلمين ببقاء رسول الله  نفخت فيهم روح جديدة من القوة فاجتمع أمرهم حتى يئس المشركون منهم وصرفهم الله عنهم كما صرح به القرآن العزيز فيما يأتي.

فهذا ما كان من حرب الثلاثة آلاف من المشركين للسبعمائة من المسلمين.

ولما انكفأ المشركون راجعين ظن المسلمون أنهم يريدون المدينة فقال النبي  لعلي: "أخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة وإن كانوا ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدنية، فوالذي نفس محمد بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم ثم لأنجزنهم فيها" فرآهم علي قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا مكة.

ولما عزموا على الرجوع أشرف أبو سفيان على المسلمين وناداهم: موعدكم الموسم ببدر.

فقال النبي  : "قولوا نعم قد فعلنا".

ولما كان المشركون في الطريق تلاوموا فيما بينهم وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا، أصبتم شوكتهم وحدهم وتركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم.

فبلغ ذلك النبي  فنادى الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم وقال: "لا يخرج معنا إلا من شهد القتال" فاستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد والخوف وقالوا: "سمعًا وطاعة" وذلك من خوارق قوة الإيمان وآياته الكبرى فإن هؤلاء المستجيبين كان قد برح بهم التعب والجراح تبريحًا.

فسار بهم حتى بلغوا "حمراء الأسد".

وأقبل معبد الخزاعي إلى رسول الله  فأسلم فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيخذله فلحقه بالروحاء، فقال ما وراءك يا معبد؟

فقال: محمد وأصحابه قد تحرقوا عليكم وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم.

فقال: ما تقول؟

قال: ما أرى أن ترتحل حتى يطلع أول جيش من وراء هذه الأكمة.

فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم.

قال: فلا تفعل فإني لك ناصح.

فرجعوا على أعقابهم إلى مكة.

ولقي أبو سفيان بعض المشركين يريد المدينة فقال: هل لك أن تبلغ محمدًا رسالة وأوقر لك راحلتك زبيبًا إذا أتيت إلى مكة؟

قال: نعم.

قال: أبلغ محمدًا أنا قد أجمعنا الكرة لنستأصله ونستأصل أصحابه.

فلما بلغ النبي والمؤمنين قوله قولوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل".

ولما رجعوا قال المنافقون فيمن قتل لو كانوا أطاعونا ولم يخرجوا لما قتلوا.

وجه اتصال الآيات بما قبلها هو أنه تعالى نهاهم في تلك عن اتخاذ بطانة من الأعداء المعروفين بالعداوة لهم وأعلمهم ببغضهم إياهم وإن خادعهم أفراد منهم بدعوى الإيمان وأنهم إن يصبروا ويتقوا ما يجب اتقاؤه لا يضرهم كيدهم شيئًا.

وبعد هذا البيان ذكرهم في هذه الآيات بوقعة أحد وما كان فيها من كيد المنافقين إذ قالوا أولًا وآخرًا وإذ خرجوا ثم انشقوا ورجعوا ليخذلوا المؤمنين ويوقعوا الفشل فيهم، ومن كيد المشركين وتألبهم الذي لم يكن له من دافع إلا الصبر حتى عن الغنيمة التي طمع فيها الرماة فتركوا موقعهم، وإلا التقوى ومنها بل أهمها طاعة الرسول  فيما أمر به هؤلاء الرماة، وذكرهم أيضًا بوقعة بدر إذ نصرهم على قلتهم بصبرهم وتقواهم.

قال تعالى ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾ أي واذكر بعد هذا يا محمد إذ خرجت من بيت أهلك غدوة وذلك سحر يوم السبت سابع شوال من سنة ثلاث للهجرة ﴿ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ  ﴾ أي توطنهم وتنزلهم أماكن ومواضع في الشعب من "أُحد" لأجل القتال فيها، فمنها موضع للرماة وموضع للفرسان وموضع لسائر المؤمنين، فالمقاعد جمع مقعد وهو في الأصل مكان القعود كالمجلس لمكان الجلوس والمقام لمكان القيام، ثم استعملت هذه الألفاظ كلها بمعنى المكان توسعًا.

وقيل تبوئة المقاعد تسويتها وتهيئتها ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ لم يخف عنه شيء مما قيل في مشاورتك لمن معك في أمر الخروج إلى لقاء المشركين في "أُحد" أو انتظارهم في المدينة، فهو قد سمع أقوال المشركين وعلم نية كل قائل وأن منهم المخلص في قوله وإن أخطأ في رأيه كالقائلين بالخروج إليهم ومنهم غير المخلص في قوله وإن كان صوابًا كعبد الله بن أُبي ومن معه من المنافقين.

ويصح أن يكون الوصفان الكريمان متعلقًا للظرف في الآية التالية كما نبينه في تفسيرها.

وذهب ابن جرير إلى أن الخطاب في هذه الآية للنبي والمراد به أصحابه يضرب لهم مثلًا أو مثلين على صدق وعده في الآية السابقة ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا  ﴾ بتذكيرهم بما كان يوم "أُحد" من وقوع المصيبة بهم عند ترك الرماة الصبر والتقوى - وذنب الجماعة أو الأمة لا يكون عقابه قاصرًا على من اقترفه بل يكون عامًا- وبما كان يوم بدر إذ نصرهم على قلتهم وذلتهم.

وهذا الرأي يتفق مع ما ذكرناه في وجه الاتصال بين الآيات.

﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا  ﴾ قال ابن جرير يعني بذلك جل ثناؤه والله سميع عليم حين همت طائفتان منكم أن تفشلا.

والهم حديث النفس وتوجهها إلى الشيء والفشل ضعف مع جبن.

وقيل إن هذا بدل من قوله ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ  ﴾ وقيل متعلق بتبوئ.

أي كان  يتخذ المعسكر للمؤمنين وينزل كل طائفة منهم منزلًا في وقت همت فيه طائفتان منهم بالفشل افتتانًا بكيد المنافقين الذين رجعوا من المعسكر.

والطائفتان هما بنو سلمة وبنو حارثة من الأنصار، ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا  ﴾ أي متولي أمورهما لصدق إيمانهما لذلك صرف الفشل عنهما وثبتهما فلم يجيبا داعي الضعف الذي ألمّ بهما عند رجوع ثلث العسكر بل تذكرا ولاية الله للمؤمنين فوثقا به وتوكلا عليه ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ  ﴾ أمثالهم لا على حولهم وقوتهم ولا على أعوانهم وأنصارهم وإنما يبذلون حولهم وقوتهم.

ويأخذون أهبتهم وعدتهم، إقامة لسنن الله تعالى في خلقه إذ جعل الأسباب مفضية إلى المسببات وهو الفاعل المسخر للسبب والمسبب والموفق بينهما فينصر الفئة القليلة على الكثيرة إن شاء كما نصر المؤمنين يوم بدر ولذلك قال: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ  ﴾ وهو ماء أو بئر بين مكة والمدينة كان لرجل اسمه بدر فسمي باسمه ثم أطلق اللفظ على المكان الذي هو فيه.

وقد كانت فيه أول غزوة قاتل فيها النبي المشركين في ١٧ رمضان من السنة الثالثة للهجرة فنصره الله عليهم نصرًا مؤزرًا ﴿ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ  ﴾ أي نصركم في حال ذلة كنتم فيها على قتلكم -كما يفيده لفظ أذلة، إذ هو جمع قلة- وقد كانوا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلًا.

والمراد بكونهم أذلة أنهم لا منعة لهم إذ كانوا قليلي العدة من السلاح والظهر والزاد.

ولا غضاضة في الذل إلا إذا كان عن قهر من البغاة والظالمين، ولم يكن المؤمنون بمقهورين ومستذلين من الكافرين وإنما كانت قوتهم في أوائل تكونها ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ فإن التقوى هي التي تعدكم لقيام مقام الشكر على النعم التي يسديكم إياها فمن لم يَرُضْ نفسه بالتقوى غلب عليه اتباع الهوى فلا يرجى له أن يكون شاكرًا يصرف النعمة التي وهبت لأجله من الحكم والمنافع.

﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ قيل إن هذا متعلق بقوله ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ  ﴾ وقيل إنه خاص بوقعة أحد التي ورد فيها هذا السياق كقوله ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا  ﴾ متعلق بتبوئ أو بسميع أو بدل من إذ الأولى.

والتقدير تبوئهم مقاعد للقتال في الوقت الذي هَمَّ فيه بعضهم بالفشل مع أن الله نصركم ببدر على قلة وذلة -وفي الوقت الذي كنت تقول فيه للمؤمنين ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ  ﴾ وهذا هو المختار.

والتقدير على الأول أن الله نصركم ببدر في ذلك الوقت الذي كنت تقول فيه لهم ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ  ﴾ إلخ أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين.

فشق ذلك عليهم فأنزل الله ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ  ﴾ إلخ فبلغت كرزًا الهزيمة فلم يمد المشركين.

ورواه ابن جرير عن الشعبي وعن غيره وذكر الخلاف في حصول هذا الإمداد بالفعل وأن بعضهم يقول أنه لم يحصل وبعضهم قال إنه حصل يوم بدر ونقل عن بعضهم أن الوعد بالإمداد وإن لم يحصل ببدر عام في كل الحروب وأنهم أُمدوا في حرب قريظة والنضير والأحزاب ولم يمدوا يوم أحد لأنهم لم يصبروا ولم يتقوا.

وروي عن الضحاك أن هذا كان وعدًا من الله يوم أحد عرضه على نبيه محمد  أن المؤمنين إن اتقوا وصبروا أمدهم بخمسة آلاف.

وروي نحوه عن ابن زيد قال "قالوا لرسول الله  وهم ينظرون المشركين أليس الله يمدنا كما أمدنا يوم بدر؟

فقال رسول الله  ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين وإنما أمدكم يوم بدر بألف.

قال فجاءت الزيادة ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ  ﴾ الفور في الأصل فوران القِدْر ونحوها ثم استعير الفور للسرعة ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج من صاحبها على شيء، فمعنى يأتوكم من فورهم من ساعتهم هذه بدون إبطاء ومسومين من التسويم قرأها ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بكسر الواو المشددة والباقون بفتحها.

وقد ورد سومه الأمر بمعنى كلفه إياه وسوم فلانًا خلاه وسومه في ماله حكمه وصرفه وسوم الخيل أرسلها، وكل هذه المعاني ظاهرة على قراءة فتح الواو من "مسومين" فيصح أن يكون المعنى أن هؤلاء الملائكة يكونون مكلفين من الله تثبيت قلوب المؤمنين، أو محكمين ومصرفين فيما يفعلونه في النفوس من إلهام النصر بتثبيت القلوب والربط عليها، أو مرسلين من عنده تعالى.

وأما قراءة كسر الواو "مسومين" فهي من قولهم سوم على القوم إذا أغار عليهم ففتك بهم ولو بالإعانة المعنوية على ذلك.

وقال بعض المفسرين إنه من التسويم بمعنى إظهار سيما الشيء أي علامته أي معلمين أنفسهم أو خيلهم وهو كما ترى لولا الرواية لم يخطر على بال أحد منهم ويمكن أن يقال مسومين للمؤمنين بما يظهر عليهم من سيما تثبيتهم إياهم.

قال ابن جرير بعد ذكر الخلاف في هذا الإمداد ما نصه: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال إن الله أخبر عن نبيه محمد  أنه قال للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا، ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف ولا على أنهم لم يمدوا بهم، وقد يجوز أن يكون الله أمدهم على نحو ما رواه الذين اثبتوا أن الله أمدّهم، وقد يجوز أن يكون الله لم يمدهم على النحو الذي ذكره من أنكر ذلك.

ولا خبر عندنا صح من الوجه الذي يثبت أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف، وغير جائز أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به ولا خبر به فنسلم لأحد الفريقين قوله.

غير أن في القرآن دلالة على أنهم قد أُمدوا يوم بدر بألف من الملائكة وذلك قوله: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ  ﴾ أما في أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها في أنهم أُمدوا وذلك أنهم لو أُمدوا لم يهزموا وينل منهم ما نيل منهم".

﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزٌ الحَكِيمٌ  ﴾ قال ابن جرير: يعني تعالى ذكره وما جعل الله وعده إياكم ما وعدكم به من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددهم إلا بشرى لكم يبشركم بها ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ  ﴾ يقول وكي تطمئن بوعده الذي وعدكم من ذلك قلوبكم فتسكن إليه ولا تجزع من كثرة عدد عدوكم وقلة عددكم ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ  ﴾ يعني وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلا بعون الله لا من قبل المدد الذي يأتيكم من الملائكة.

وذكر بعض أهل السير أن الملائكة قاتلت يوم أحد، وهو ما نفاه ابن جرير وقد ذكرنا عبارته، بل روي عن ابن عباس أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر وفيما عداه كانوا عددًا ومددًا لا يقاتلون.

وأنكر أبو بكر الأصم قتال الملائكة وقال إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار وبتقدير حضوره أي فائدة في إرسال سائر الملائكة، وأيضًا فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم، وأيضًا لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أو لا، وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك ولأنه خلاف قوله: ﴿ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ  ﴾ ولو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل البتة، وعلى الثاني كان يلزم جز الرؤوس وتمزق البطون وإسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم والمرافق والمخالف.

وأيضًا إنهم كانوا أجسامًا كثيفة وجب أن يراهم الكل وإن كانوا أجسامًا لطيفة هوائية فكيف ثبتوا على الخيول.

ذكر ذلك الرازي والنيسابوري فالرازي أورد هذا عن الأصم وذكر حججه مفصلة كعادته بقوله الحجة الأولى- الحجة الثانية إلخ ولخصه النيسابوري عنه بما ذكرناه.

واعترض الرازي عليه بأن مثل هذا إنما يصدر من غير المؤمنين وكان يجب أن يرد عليه بما يدفع هذه الحجج أو يبين لها مخرجًا.

ليس في القرآن الكريم نص ناطق بأن الملائكة قاتلت بالفعل فيحتج به الرازي على أبي بكر الأصم وإنما جاء ذكر الملائكة في سياق الكلام عن غزوة بدر في سورة الأنفال على أنها وعد من الله تعالى بإمداد المؤمنين بألف من الملائكة، وفسر هذا الإمداد بقوله  : ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ  ﴾ قال ابن جرير في معنى التثبيت "يقول قووا بقتال أعدائهم" فأنت ترى أنه جزم بأن عمل الملائكة في ذلك اليوم إنما كان موضوعه القلوب بتقوية عزيمتها، وتصحيح نيتها، وذكر قول من قال إن ذلك كان بمعونتهم في القتال بصيغة تدل على ضعفه "قيل" وجعل قوله تعالى: ﴿ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ  ﴾ إلخ من تتمة خطاب الله للمؤمنين وهو الظاهر.

وبعض المفسرين يجعله بيانًا لما تثبت به الملائكة النفوس أي أنها تلقي فيها اعتقاد القاء الله الرعب في قلوب المشركين إلخ.

وبهذا يندفع ما قاله الرازي على الأصم ولا يبقى محل لحججه فإنه لا ينكر أن الملائكة أرواح يمكن أن يكون لها اتصال ما بأرواح بعض البشر وتأثير فيها بالإلهام أو تقوية العزائم.

ويؤيده قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى  ﴾ كما قال مثل ذلك في هذه السورة.

هذا ما كان يوم بدر وسيأتي بسطه في تفسير سورة الأنفال إن أحيانا الله تعالى.

وأما يوم أحد فالمحققون على أنه لم يحصل إمداد بالملائكة ولا وعد من الله بذلك وإنما أخبر الله عن رسوله  أنه ذكر ذلك لأصحابه وجعل الوعد به معلقًا على ثلاثة أمور: الصبر، والتقوى، وإتيان الأعداء من فورهم.

ولم تتحقق هذه الشروط فلم يحصل الإمداد كما تقدم.

ولكن القول أفاد البشارة والطمأنينة.

وبقي أن يقال ما الحكمة وما السبب في إمداد الله المؤمنين يوم بدر بملائكة يثبتون قلوبهم، وحرمانهم من ذلك يوم أحد حتى أصاب العدو منهم ما أصاب؟

والجواب عن ذلك يعلم من اختلاف حال المؤمنين في ذينك اليومين فنذكره هنا مجملًا مع بيان فلسفته الروحانية وندع التفصيل فيه إلى تفسير الآيات هنا وفي سورة الأنفال فإن ما هنا تفصيل لما في وقعة أحد من الحكم وما في سورة الأنفال تفصيل لما كان في وقعة بدر من ذلك.

كان المؤمنون يوم بدر في قلة وذلة من الضعف والحاجة فلم يكن لهم اعتماد إلا على الله تعالى وما وهبهم من قوة في أبدانهم ونفوسهم وما أمرهم به من الثبات والذكر إذ قال: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ فبذلوا كل قواهم وامتثلوا أمر ربهم ولم يكن في نفوسهم استشراف إلى شيء ما غير نصر الله وإقامة دينه والذود عن نبيه لا في أول القتال ولا في أثنائه فكانت أرواحهم بهذا الإيمان وهذا الصفاء قد علت وارتقت حتى استعدت لقبول الإلهام من أرواح الملائكة والتقوى بنوع ما من الاتصال بها.

وأما يوم أحد فقد كان بعضهم في أول الأمر على مقربة من الافتتان بما كان من المنافقين، ولذلك همت طائفتان منهم أن تفشلا، ثم إنهم لما تثبتوا وباشروا القتال انتصروا وهزموا المشركين الذين هم أكثر من ثلاثة أمثالهم، فكان بعد ذلك أن خرج بعضهم عن التقوى وخالفوا أمر الرسول  وطمعوا في الغنيمة وفشلوا وتنازعوا في الأمر فضعف استعداد أرواحهم فلم ترتق إلى أهلية الاستمداد من أرواح الملائكة فلم يكن لهم منهم مدد لأن الإمداد، لا يكون إلا على حسب الاستعداد.

هذا هو السبب لما حصل بحسب ما يظهر لنا وأما حكمته فهي تمحيص المؤمنين كمل سيأتي في قوله ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ  ﴾ إلخ وتربيتهم بالفعل على إقامة سنن الله تعالى في الأسباب والمسببات كما سيأتي في قوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ وبيان أن هذه السنن حاكمة حتى على الرسول  ، وأن قتل الرسول  ، أو موته لا ينبغي أن يكون مثبطًا للهمم ولا داعية إلى الانقلاب على الأعقاب وأنه ليس له من أمر العباد شيء وأن كل ما يصيبهم من المصائب فهو نتيجة عملهم إذ هو عقوبة طبيعية لهم وغير ذلك مما بينه الله تعالى في قوله: ﴿ أو لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ  ﴾ إلخ وقوله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ  ﴾ إلخ وغيرهما فلا نتعجله قبل الكلام في تفسير الآيات الناطقة به وما هي ببعيد.

ومن نكت البلاغة المؤيدة لما ذكرنا من اختلاف الحالين في الوقعتين أنه تعالى قال هنا: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ  ﴾ وقال في سورة الأنفال: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ  ﴾ والفرق بينهما أن المؤمنين لم يكن لهم يوم بدر ما تطمئن به قلوبهم غير وعد الله وبشارته لهم على لسان رسوله  ، ولذلك كان من دعائه يومئذ: "اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعْبَد في الأرض أبدًا"، وقال عمر راوي هذا الحديث: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال يا نبي الله كفاك مناشدتك لربك فإنه سينجر لك ما وعدك.

وأنزل الله يومئذ ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ  ﴾ .

فكان بهذا الوعد اطمئنان قلوبهم لا بسواه، فلذلك قدم "به" على "قلوبكم" وأما في يوم أحد فلم تكن الحال كذلك، كما علم مما تقدم آنفًا، فلم تَعْدُ البشارة أن تكون مما يطمئن به القلب فقال: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ  ﴾ من غير قصر ثم قال تعالى: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ  ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا متعلق بقوله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ  ﴾ وبعض آخر إلى أنه من الكلام في وقعة أحد المقصودة بالذات فإن ذكر النصر ببدر إنما جاء استطرادًا، ولذلك أنكروا أن يكون ذكر الملائكة الثلاثة الآلاف والخمسة الآلاف متعلقًا به.

وهذا هو المختار عندنا.

أي أنه فعل ما فعل ليقطع طرفًا، أو ما النصر إلا من عنده ليقطع طرفًا.

ومعنى قطع الطرف منهم إهلاك طائفة منهم، يقال: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ  ﴾ إذا هلكوا، وقد نطق به التنزيل.

وعبر عن الطائفة بالطرف لأنهم الأقرب إلى المسلمين من الوسط أو أراد بهم الأشراف منهم، كذا قيل، والمتبادر الأول لا لأنه من باب ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ  ﴾ كما قيل، بل لأن الطرف هو أول ما يوصل إليه من الجيش.

وقد أهلك الله من المشركين يوم أحد طائفة في أول الحرب.

روى ابن جرير عن السدي أنه قال: ذكر الله قتلى المشركين يعني بأحد وكانوا ثمانية عشر رجلًا فقال: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ إلخ.

ونقول: قد ذكر غير واحد من أهل السير أن قتلى المشركين يوم أحد كانوا ثمانية عشر رجلًا ورد عليهم آخرون بأن حمزة وحده قتل نحو ثلاثين.

وصرح بعضهم بأن سبب غلط من قال ذلك القول هو ما روي أن بعض المسلمين أراد عد قتلى المشركين بعد ثمانية عشر.

وصرح بعضهم بأن سبب ذلك أن المشركين أخذوا قتلاهم أو دفنوهم لئلا يمثل بهم المسلمون بعد المعركة كما مثلوا هم بالمسلمين عندما أصابوا الغرة منهم وهذا هو المعقول.

وأما قوله: ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ  ﴾ فقد فسروه بأقوال منها أن معناه يخزيهم ومنها أن معناه يصرعهم لوجوههم، وفي الأساس: كبت الله عدوه أكبه وأهلكه.

ولكن صاحب الأساس فسر الكلمة في الكشاف بقوله: "ليخزيهم ويغيظهم بالهزيمة" وقال الراغب: الكبت الرد بعنف وتذليل.

وقال البيضاوي "أو يخزيهم والكبت شدة الغيظ أو وهن يقع في القلب" وكل هذه المعاني وردت في كتب اللغة وصرح البيضاوي بأن "أو" هنا للتنويع لا للترديد، والمعنى أنه يقطع طرفًا وطائفة ويكبت طائفة أخرى أي ويتوب على طائفة ويعذب طائفة كما في الآية الآتية: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ  ﴾ جملة "ليس لك من الأمر شيء" معترضة بين هذا التقسيم وما بعدها معطوف على ما قبلها.

ولما كانت هذه الآية مما نزل في وقعة أحد كما روي في الصحيح تعينّ أن تكون التي قبلها كذلك وإلا كانت غير مفهومة إلا بتكلف ينزه القرآن عن مثله على كونه لا حاجة إليه.

أما كونها نزلت في شأن واقعة أحد فيدل عليه ما ورد في سبب نزولها روى أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله  يوم أحد "اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام اللهم العن سهيل بن عمرو اللهم العن صفوان بن أمية" فنزلت هذه الآية فتيب عليهم كلهم، وروى البخاري عن أبي هريرة نحوه وروى أحمد ومسلم من حديث أنس أن النبي  كسرت رباعيته يوم أحد وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم" فأنزل الله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ  ﴾ الآية ذكر ذلك كله السيوطي في لباب النقول ولم يعز الأول إلى الترمذي والنسائي اكتفاء بمن هو أصح منهما رواية.

وقد روى ذلك ابن جرير من عدة طرق.

وما روي غير ذلك لا يعتد به.

ولا تنافي بين حديث ابن عمرو وحديث أنس لأن الجمع بينهما ظاهر وهو أنه قال ما قال فيهم حين أدموه ثم لعن رؤساءهم فنزلت الآية عقب ذلك كله.

وأما المعنى فقد قال ابن جرير: يعني بذلك تعالى ذكره: ليقطع طرفًا من اللذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ليس لك من الأمر شيء.

فقوله: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  ﴾ منصوب عطفًا على قوله أو: ﴿ يَكْبِتَهُمْ  ﴾ وقد يحتمل أن يكون تأويله ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم فيكون نصب يتوب بمعنى "أو" التي هي في معنى "حتى" والقول الأول أولى بالصواب لأنه لا شيء من أمر الخلق إلى أحد سوى خالقهم قبل توبة الكفار وعقابهم وبعد ذلك.

وتأويل "ليس لك من الأمر شيء ليس إليك يا محمد من أمر خلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري وتنهى فيهم إلى طاعتي وإنما أمرهم إلي والقضاء فيهم بيدي دون غيري أقضي فيهم وأحكم بالذي أشاء من التوبة على من كفر بي وعصاني وخالف أمري أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنقم المبيرة وإما في آجل الآخرة بما أعددت لأهل الكفر بي.

انتهى قول ابن جرير وقد أورد بعده ما عنده من الروايات في الآية.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده