الآية ١٢٧ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٢٧ من سورة آل عمران

لِيَقْطَعَ طَرَفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا۟ خَآئِبِينَ ١٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 126 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٧ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٧ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( ليقطع طرفا من الذين كفروا ) أي : أمركم بالجهاد والجلاد ، لما له في ذلك من الحكمة في كل تقدير ، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين .

فقال : ( ليقطع طرفا ) أي : ليهلك أمة ( من الذين كفروا أو يكبتهم ) أي : يخزيهم ويردهم بغيظهم لما لم ينالوا منكم ما أرادوا ، ولهذا قال : ( أو يكبتهم فينقلبوا ) أي : يرجعوا ( خائبين ) أي : لم يحصلوا على ما أملوا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: وما جعل الله وعده إياكم ما وعدكم من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددهم =" إلا بشرى لكم "، يعني بشرى، يبشركم بها =" ولتطمئن قلوبكم به "، يقول.

وكي تطمئن بوعده الذي وعدكم من ذلك قلوبكم، فتسكن إليه، ولا تجزع من كثرة عدد عدوكم، وقلة عددكم =" وما النصر إلا من عند الله "، يعني: وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلا بعون الله، لا من قِبَل المدد الذي يأتيكم من الملائكة.

يقول: فعلى الله فتوكلوا، وبه فاستعينوا، لا بالجموع وكثرة العدد، فإن نصركم إن كان إنما يكون بالله وبعونه ومعكم من ملائكته خمسة آلاف، (51) فإنه إلى أن يكون ذلك بعون الله وبتقويته إياكم على عدوكم، وإن كان معكم من البشر جموع كثيرة = أحْرَى، (52) فاتقوا الله واصبروا على جهاد عدوكم، فإن الله ناصركم عليهم.

كما:- 7793- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وما جعله الله إلا بشرى لكم "، يقول: إنما جعلهم ليستبشروا بهم وليطمئنوا إليهم، ولم يقاتلوا معهم يومئذ = يعني يوم أحد = قال مجاهد: ولم يقاتلوا معهم يومئذ ولا قبله ولا بعده إلا يوم بدر.

7794- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به "، لما أعرف من ضعفكم، وما النصر إلا من عندي بسلطاني وقدرتي، وذلك أن العزّ والحكم إلىّ، (53) لا إلى أحد من خلقي.

(54) 7795- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " وما النصر إلا من عند الله "، لو شاء أن ينصركم بغير الملائكة فعَل " العزيز الحكيم ".

* * * وأما معنى قوله: " العزيز الحكيم "، فإنه جل ثناؤه يعني: " العزيز " في انتقامه من أهل الكفر به بأيدي أوليائه من أهل طاعته =" الحكيم " في تدبيره لكم، أيها المؤمنون، على أعدائكم من أهل الكفر، وغير ذلك من أموره.

(55) يقول: فأبشروا أيها المؤمنون، بتدبيري لكم على أعدائكم، ونصري إياكم عليهم، إن أنتم أطعتموني فيما أمرتكم به، وصبرتم لجهاد عدوِّى وعدوِّكم.

---------------- الهوامش : (51) في المخطوطة والمطبوعة: "وبعونه معكم من ملائكته.

.

." بإسقاط الواو من"معكم" ، وهو خلل في الكلام والسياق.

(52) سياق الكلام: "فإنه إلى أن يكون ذلك بعون الله وبتقويته إياكم.

.

.

أحرى".

ثم انظر إلى هذا الإمام كيف يتحرى في بيان معاني كتاب الله إخلاص التوحيد لله ، ونفى الشرك عنه في صفاته سبحانه ، فأخرج من النصر ما يتوهم المتوهم أن نزول الملائكة كان هو سبب نصر المؤمنين ، فلخص المعنى تلخيصًا كله تقوى لله وإخلاص له ، ونفي للشرك عن صفاته سبحانه ، فبين أن النصر من عند الله للمؤمنين وللملائكة جميعًا على عدو الله وعدوهم ، وأنهم إنما كانوا مددًا للمؤمنين ، كما قال ربنا سبحانه.

وهذا من فقه أبي جعفر وبصره وتحققه بمعاني هذا الكتاب الذي لا يدرك أحد توحيد الله حق توحيده إلا بتلاوته وفهمه وتفقهه فيه ، واتباعه لبيانه العربي المحكم.

ورحم الله أبا جعفر ، فإنه كان إمامًا في التفسير ، قيما عليه.

(53) في المطبوعة: "وذلك أني أعرف الحكمة التي لا إلى أحد من خلقي" ، وهو كلام قد ضل عنه معناه.

وفي المخطوطة: "وذلك أن العرف الحكمة التي لا إلى أحد من خلقي" ، وهو شبيه به في الخطل.

والصواب ما أثبته من نص ابن إسحاق في سيرة ابن هشام.

(54) الأثر: 7994- سيرة ابن هشام 3: 114 ، وهو تابع للأثرين السالفين: 7733 ، 7741.

(55) في المخطوطة: "في تدبيره ولكم أيها المؤمنون وعلى أعدائكم" ، وهو لا يستقيم مع سياقته ، والصواب ما في المطبوعة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ليقطع طرفا من الذين كفروا أي بالقتل .

ونظم الآية : ولقد نصركم الله ببدر ليقطع .

وقيل : المعنى وما النصر إلا من عند الله ليقطع .

ويجوز أن يكون متعلقا ب يمددكم ، أي يمددكم ليقطع .

والمعنى : من قتل من المشركين يوم بدر ، عن الحسن وغيره .

السدي : يعني به من قتل من المشركين يوم أحد وكانوا ثمانية عشر رجلا .

ومعنى يكبتهم يحزنهم ; والمكبوت المحزون .

وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء إلى أبي طلحة فرأى ابنه مكبوتا فقال : ( ما شأنه ) ؟

فقيل : مات بعيره .

وأصله فيما ذكر بعض أهل اللغة " يكبدهم " أي يصيبهم بالحزن والغيظ في أكبادهم ، فأبدلت الدال تاء ، كما قلبت في سبت رأسه وسبده أي حلقه .

كبت الله العدو كبتا إذا صرفه وأذله ، كبده ، أصابه في كبده ; يقال : قد أحرق الحزن كبده ، وأحرقت العداوة كبده .

وتقول العرب للعدو : أسود الكبد ; قال الأعشى :فما أجشمت من إتيان قوم هم الأعداء والأكباد سودكأن الأكباد لما احترقت بشدة العداوة اسودت .

وقرأ أبو مجلز " أو يكبدهم " بالدال .

والخائب : المنقطع الأمل .

خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب .

والخياب : القدح لا يوري .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أن نصره عباده المؤمنين لأحد أمرين: إما أن يقطع طرفا من الذين كفروا، أي: جانبا منهم وركنا من أركانهم، إما بقتل، أو أسر، أو استيلاء على بلد، أو غنيمة مال، فيقوى بذلك المؤمنون ويذل الكافرون، وذلك لأن مقاومتهم ومحاربتهم للإسلام تتألف من أشخاصهم وسلاحهم وأموالهم وأرضهم فبهذه الأمور تحصل منهم المقاومة والمقاتلة فقطع شيء من ذلك ذهاب لبعض قوتهم، الأمر الثاني أن يريد الكفار بقوتهم وكثرتهم، طمعا في المسلمين، ويمنوا أنفسهم ذلك، ويحرصوا عليه غاية الحرص، ويبذلوا قواهم وأموالهم في ذلك، فينصر الله المؤمنين عليهم ويردهم خائبين لم ينالوا مقصودهم، بل يرجعون بخسارة وغم وحسرة، وإذا تأملت الواقع رأيت نصر الله لعباده المؤمنين دائرا بين هذين الأمرين، غير خارج عنهما إما نصر عليهم أو خذل لهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ليقطع طرفا من الذين كفروا ) يقول : لقد نصركم الله ببدر ليقطع طرفا أي : لكي يهلك طائفة من الذين كفروا وقال السدي : معناه ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر ، فقتل من قادتهم وسادتهم يوم بدر سبعون وأسر سبعون ومن حمل الآية على حرب أحد فقد قتل منهم يومئذ ستة عشر وكانت النصرة للمسلمين حتى خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فانقلب عليهم ، ( أو يكبتهم ) قال الكلبي : يهزمهم وقال يمان : يصرعهم لوجوههم ، قال السدي : يلعنهم ، وقال أبو عبيدة : يهلكهم ، وقيل : يحزنهم ، والمكبوت : الحزين وقيل أصله : يكبدهم أي : يصيب الحزن والغيظ أكبادهم ، والتاء والدال يتعاقبان كما يقال سبت رأسه وسبده : إذا حلقه ، وقيل : يكبتهم بالخيبة ، ( فينقلبوا خائبين ) ينالوا شيئا مما كانوا يرجون من الظفر بكم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ليقطع» متعلق ينصركم أي ليُهلك «طرفا من الذين كفروا» بالقتل والأسر «أو يكبتهم» يذلهم بالهزيمة «فينقلبوا» يرجعوا «خائبين» لم ينالوا ما راموه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكان نصر الله لكم بـ "بدْر" ليهلك فريقًا من الكفار بالقتل، ومن نجا منهم من القتل رجع حزينًا قد ضاقت عليه نفسه، يَظْهر عليه الخزي والعار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - الحكمة من هذا النصر والثمرات التى ترتبت عليه فقال - تعالى - : { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الذين كفروا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } .وقوله { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الذين كفروا أَوْ يَكْبِتَهُمْ } متعلق بقوله { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } وما بينهما تحقيق لحقيته ، وبيان لكيفية وقوعه .والقطع - كما يقول الراغب - فصل الشىء مدركا بالبصر كالأجسام ، أو مدركا بالبصيرة كالأشياء المعقولة والمراد به هنا الإهلاك والقتل .والطرف - بفتح الراء - جانب الشىء أو الجزء المتطرف منه كاليدين والرجلين والرأس .والمراد به هنا طائفة من المشركين .والكبت فى اللغة : صرع الشىء على وجهه .

يقال : كبته فانكبت ، والمراد به هنا الإخزاء والإذلال وشدة الغيظ بسبب ما أصابهم من هزيمة .وخائبين من الخيبة وهى انقطاع الأمل فى الحصول على الشىء .

يقال : خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب .والمعنى : ولقد نصركم الله - تعالى - ببدر وأنتم فى قلة من العدد والعدة { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الذين كفروا } أى ليهلك طائفة من الذين كفروا ويستأصلهم بالقتل .

وينقص من أرضهم بالفتح ، ومن سلطانهم بالقهر ، ومن أموالهم بالغنيمة { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أى يذلهم ويخزيهم ويغيظهم غيظا شديدا بسبب ما نزل بهم من هزيمة ، حتى يخبو صوت الكفر ، ويعلو صوت الإيمان :وقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } أى فينهزموا ويرتدوا على أدبارهم منقطعى الآمال ، غير ظافرين بمبتغاهم .قال الآلوسى : " ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف فقال { لِيَقْطَعَ طَرَفاً } لأن أطراف الشىء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته .

وقيل : لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله - تعالى - { ياأيها الذين آمَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار } وقيل للإشارة إلى أنهم كانوا أشرافا ، ومنه قولهم : هو من أطراف العرب أى من أشرافهم ، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم فى السير .

.

فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم بالقتل والأسر .

وقد وقع ذلك فى بدر فقد قتل المؤمنون من المشركين سبعين وأسروا سبعين " .و { أَوْ } فى قوله { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } للتنويع .

لأن القطع والكبت قد وقعا للمشركين ، فهى مانعة خلو ، أى لا يخلو أمر الكافرين من الهلاك والكبت .وعبر عن عودتهم خائبين بقوله { فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ } للإشارة إلى أن مقاصدهم وأهدافهم قد انقلبت ، فقد كانوا يقصدون إطفاء نور الإسلام فخاب قصدهم ، وطاش سهمهم ، وعادوا وقد فقدوا الكثيرين من وجوههم وصناديديهم ، وتركوا خلقهم فى الأسر العشرات من رجالهم .أما الإسلام فقد ازداد نوره تألقا ، وازداد أتباعه إيمانا على إيمانهم .

ورزقهم الله - تعالى - نصره المبين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الكناية في قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ الله ﴾ عائدة على المصدر، كأنه قال: وما جعل الله المدد والإمداد إلا بشرى لكم بأنكم تنصرون فدل ﴿ يُمْدِدْكُمْ ﴾ على الإمداد فكنى عنه، كما قال: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ  ﴾ معناه: وإن أكله لفسق فدل ﴿ تَأْكُلُواْ ﴾ على الأكل فكنى عنه وقال الزجاج ﴿ وَمَا جَعَلَهُ الله ﴾ أي ذكر المدد ﴿ إِلاَّ بشرى ﴾ والبشرى اسم من الإبشار ومضى الكلام في معنى التبشير في سورة البقرة في قوله: ﴿ وَبَشّرِ الذين ءَامَنُواْ  ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾ وفيه سؤال: وهو أن قوله: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ ﴾ فعل وقوله: ﴿ إِلاَّ بشرى ﴾ اسم وعطف الفعل على الاسم مستنكر، فكان الواجب أن يقال إلا بشرى لكم واطمئناناً، أو يقال إلا ليبشركم ولتطمئن قلوبكم به فلم ترك ذلك وعدل عنه إلى عطف الفعل على الاسم.

والجواب عنه من وجهين: الأول: في ذكر الإمداد مطلوبان، وأحدهما أقوى في المطلوبية من الآخر، فأحدهما إدخال السرور في قلوبهم، وهو المراد بقوله: ﴿ إِلاَّ بشرى ﴾ والثاني: حصول الطمأنينة على أن إعانة الله ونصرته معهم فلا يجبنوا عن المحاربة، وهذا هو المقصود الأصلي ففرق بين هاتين العبارتين تنبيهاً على حصول التفاوت بين هذين الأمرين في المطلوبية فكونه بشرى مطلوب ولكن المطلوب الأقوى حصول الطمأنينة، فلهذا أدخل حرف التعليل على فعل الطمأنينة، فقال: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ ﴾ ونظيره قوله: ﴿ والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً  ﴾ ولما كان المقصود الأصلي هو الركوب أدخل حرف التعليل عليها، فكذا هاهنا الثاني؛ قال بعضهم في الجواب: الواو زائدة والتقدير وما جعله الله إلا بشرى لكم لتطمئن به قلوبكم.

ثم قال: ﴿ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله ﴾ والغرض منه أن يكون توكلهم على الله لا على الملائكة وهذا تنبيه على أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند الإعراض عن الأسباب والإقبال بالكلية على مسبب الأسباب أو قوله: ﴿ العزيز الحكيم ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال قدرته، والحكيم إشارة إلى كمال علمه، فلا يخفى عليه حاجات العباد ولا يعجز عن إجابة الدعوات، وكل من كان كذلك لم يتوقع النصر إلا من رحمته ولا الإعانة إلا من فضله وكرمه.

ثم قال: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ ﴾ واللام في ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفاً ﴾ متعلق بقوله: ﴿ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله العزيز الحكيم ﴾ والمعنى أن المقصود من نصركم بواسطة إمداد الملائكة هو أن يقطعوا طرفاً من الذين كفروا، أي يهلكوا طائفة منهم ويقتلوا قطعة منهم، قيل: إنه راجع إلى قوله: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾ ، ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفاً ﴾ ولكنه ذكر بغير حرف العطف لأنه إذا كان البعض قريباً من البعض جاز حذف العاطف، وهو كما يقول السيد لعبده: أكرمتك لتخدمني لتعينني لتقوم بخدمتي حذف العاطف، لأن البعض يقرب من البعض، فكذا هاهنا، وقوله: ﴿ طَرَفاً ﴾ أي طائفة وقطعة وإنما حسن في هذا الموضع ذكر الطرف ولم يحسن ذكر الوسط لأنه لا وصول إلى الوسط إلا بعد الأخذ من الطرف، وهذا يوافق قوله تعالى: ﴿ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا  ﴾ .

ثم قال: ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ الكبت في اللغة صرع الشيء على وجهه، يقال: كبته فانكبت هذا تفسيره، ثم قد يذكر والمراد به الإخزاء والإهلاك واللعن والهزيمة والغيظ والإذلال، فكل ذلك ذكره المفسرون في تفسير الكبت، وقوله: ﴿ خَائِبِينَ ﴾ الخيبة هي الحرمان والفرق بين الخيبة وبين اليأس أن الخيبة لا تكون إلا بعد التوقع، وأما اليأس فإنه قد يكون بعد التوقع وقبله، فنقيض اليأس الرجاء، ونقيض الخيبة الظفر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أمرهم بألا يتوكلوا إلا عليه ولا يفوّضوا أمورهم إلا إليه ثم ذكرهم ما يوجب عليهم التوكل مما يسر لهم من الفتح يوم بدر وهم في حالة قلة وذلة.

والأذلة: جمع قلة والذلان جمع الكثرة.

وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلاً، وذلتهم، ما كان بهم من ضعف الحال وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد وما كان معهم إلا فرس واحد.

وقلتهم أنهم كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، وكان عدوّهم في حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس والشَّكَّة والشَّوْكة.

وبدر: اسم ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدراً فسمي به ﴿ فاتقوا الله ﴾ في الثبات مع رسوله ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصرته.

أو لعلكم ينعم الله عليكم نعمة أخرى تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام لأنه سبب له ﴿ إِذْ تَقُولُ ﴾ ظرف لنصركم، على أن يقول لهم ذلك يوم بدر، أو بدل ثان من ﴿ وإِذْ غَدَوْتَ ﴾ على أن يقوله لهم يوم أحد.

فإن قلت: كيف يصح أن يقول لهم يوم أحد ولم تنزل فيه الملائكة؟

قلت: قاله لهم مع اشتراط الصبر والتقوى (عليهم)، فلم يصبروا عن الغنائم ولم يتقوا، حيث خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك لم تنزل الملائكة؛ ولو تموا على ما شرط عليهم لنزلت.

وإنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة لتقوى قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر الله.

ومعنى ﴿ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ ﴾ إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة.

وإنما جيء بلن الذي هو لتأكيد النفي، للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوّهم وشوكته كالآيسين من النصر.

و ﴿ بلى ﴾ إيجاب لما بعد لن، بمعنى: بل يكفيكم الإمداد بهم، فأوجب الكفاية ثم قال: ﴿ وإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ يمددكم بأكثر من ذلك العدد مسوّمين للقتال ﴿ وَيَأْتُوكُمْ ﴾ يعني المشركين ﴿ مّن فَوْرِهِمْ هذا ﴾ من قولك: قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره.

ومنه قول أبي حنيفة رحمه الله: الأمر على الفور لا على التراخي، وهو مصدر من: فارت القدر، إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج على شيء من صاحبها؛ فقيل: خرج من فوره، كما تقول: خرج من ساعته، لم يلبث.

والمعنى: أنهم إن يأتوكم من ساعتهم هذه ﴿ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ ﴾ بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم، يريد: أنّ الله يعجل نصرتكم وييسر فتحكم إن صبرتم واتقيتم.

وقرئ: ﴿ منزلين ﴾ بالتشديد.

﴿ ومنزلين ﴾ بكسر الزاي، بمعنى: منزلين النصر.

و ﴿ مُسَوّمِينَ ﴾ بفتح الواو وكسرها.

بمعنى: معلمين.

ومعلمين أنفسهم أو خيلهم.

قال الكلبي: معلمين بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم.

وعن الضحاك: معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها.

وعن مجاهد: مجزوزة أذناب خيلهم.

وعن قتادة: كانوا على خيل بلق.

وعن عروة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء، فنزلت الملائكة كذلك، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه: «تسوّموا فإنّ الملائكة قد تسوّمت» .

﴿ وَمَا جَعَلَهُ الله ﴾ الهاء لأن يمدكم.

أي: وما جعل الله إمدادكم بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾ كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة قلوبهم ﴿ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله ﴾ لا من عند المقاتلة إذا تكاثروا، ولا من عند الملائكة والسكينة، ولكن ذلك مما يقوي به الله رجاء النصرة والطمع في الرحمة، ويربط به على قلوب المجاهدين ﴿ العزيز ﴾ الذي لا يغالب في حكمه ﴿ الحكيم ﴾ الذي يعطي النصر ويمنعه لما يرى من المصلحة ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ ﴾ ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر، وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش وصناديدهم ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة ﴿ فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ ﴾ غير ظافرين بمبتغاهم.

ونحوه ﴿ وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً ﴾ [الأحزاب: 25] ويقال: كبته، بمعنى كبده إذا ضرب كبده بالغيظ والحرقة.

وقيل في قول أبي الطيب: لأَكْبِتَ حَاسِداً وَأرى عَدُوًّا هومن الكبد والرئة، واللام المتعلقة بقوله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله ﴾ أو بقوله: ﴿ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله ﴾ ﴿ أَوْ يَتُوبَ ﴾ عطف على ما قبله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما جَعَلَهُ اللَّهُ ﴾ وما جَعَلَ إمْدادَكم بِالمَلائِكَةِ.

﴿ إلا بُشْرى لَكُمْ ﴾ إلّا بِشارَةً لَكم بِالنَّصْرِ.

﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ ﴾ ولِتَسْكُنَ إلَيْهِ مِنَ الخَوْفِ.

﴿ وَما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ لا مِنَ العُدَّةِ والعَدَدِ، وهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا حاجَةَ في نَصْرِهِمْ إلى مَدَدٍ وإنَّما أمَدَّهم ووَعَدَ لَهم بِهِ بِشارَةً لَهم ورَبْطًا عَلى قُلُوبِهِمْ، مِن حَيْثُ إنَّ نَظَرَ العامَّةِ إلى الأسْبابِ أكْثَرُ، وحَثًّا عَلى أنْ لا يُبالُوا بِمَن تَأخَّرَ عَنْهم.

﴿ العَزِيزِ ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ في أقْضِيَتِهِ.

﴿ الحَكِيمِ ﴾ الَّذِي يَنْصُرُ ويَخْذُلُ بِوَسَطٍ وبِغَيْرِ وسَطٍ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ.

﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَصْرِكُمْ، أوْ وما النَّصْرُ إنْ كانَ اللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمَعْنى لِيَنْقُصَ مِنهم بِقَتْلِ بَعْضٍ وأسْرِ آخَرِينَ، وهو ما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قَتْلِ سَبْعِينَ وأسْرِ سَبْعِينَ مِن صَنادِيدِهِمْ.

﴿ أوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ أوْ يُخْزِيَهُمْ، والكَبْتُ شِدَّةُ الغَيْظِ، أوْ وهَنٌ يَقَعُ في القَلْبِ، وأوْ لِلتَّنْوِيعِ دُونَ التَّرْدِيدِ ﴿ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ﴾ فَيَنْهَزِمُوا مُنْقَطِعِي الآمالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

واللام في {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ} ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش متعلقه بقوله ولقد نصركم الله أو بقوله وما النصر إلا من عند الله أو يمددكم ربكم {أَوْ يَكْبِتَهُمْ} أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة وحقيقة الكبت شدَّة وهن تقع في القلب فيصرع فى الوجه

آل عمران (١٢٧ _ ١٣٣)

لأجله {فينقلبوا خائبين} فيرجعو غير ظافرين بمبتغاهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ﴾ وما بَيْنَهُما تَحْقِيقٌ لَحَقِّيَتِهِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿ إذْ تَقُولُ ﴾ ظَرْفًا لِنَصَرَكم لا بَدَلًا مِن ( إذْ غَدَوْت ) لِئَلّا يُفْصَلَ بِأجْنَبِيٍّ، ولِأنَّهُ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ.

والظّاهِرُ أنَّ هَذا في شَأْنِ بَدْرٍ، والمَقْصُورُ عَلى التَّعْلِيلِ بِما ذُكِرَ مِنَ البُشْرى والِاطْمِئْنانِ إنَّما هو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، فَلا يَقْدَحُ في تَعْلِيلِ أصْلِ النَّصْرِ بِالقَطْعِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ النَّصْرِ المَعْهُودِ، والمُعَلَّلُ بِالبِشارَةِ والِاطْمِئْنانِ إنَّما هو الإمْدادُ الصُّورِيُّ لا ما في ضِمْنِهِ مِنَ النَّصْرِ المَعْنَوِيِّ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ وعَمُودُهُ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الصَّبْرِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ هو الخَبَرُ مُخِلٌّ بِسِدادِ المَعْنى، كَيْفَ لا ومَعْناهُ قَصْرُ النَّصْرِ المَخْصُوصِ المُعَلَّلِ بِعِلَّةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلى الحُصُولِ مِن جِهَتِهِ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ إلّا قَصْرُ حَقِيقَةِ النَّصْرِ كَما في الأوَّلِ، أوِ النَّصْرُ المَعْهُودُ كَما في الثّانِي عَلى ذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ فَعَلَ ذَلِكَ التَّدْبِيرَ، أوْ أمَدَّكم بِالمَلائِكَةِ لِيَقْطَعَ مُنْقَطِعٌ عَنِ القَبُولِ، والقَطْعُ الإهْلاكُ، والمُرادُ مِنَ الطَّرَفِ طائِفَةٌ مِنهم قِيلَ: ولَمْ يُعَبِّرْ عَنْ تِلْكَ الطّائِفَةِ بِالوَسَطِ بَلْ بِالطَّرَفِ لِأنَّ أطْرافَ الشَّيْءِ يُتَوَصَّلُ بِها إلى تَوْهِينِهِ وإزالَتِهِ، وقِيلَ: لِأنَّ الطَّرَفَ أقْرَبُ إلى المُؤْمِنِينَ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ﴾ ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم كانُوا أشْرافًا، فَفي الأساسِ هو مِن أطْرافِ العَرَبِ أيْ أشْرافِها، ولَعَلَّ إطْلاقَ الأطْرافِ عَلى الأشْرافِ لِتَقَدُّمِهِمْ في السَّيْرِ، ومِن ذَلِكَ قالُوا: الأطْرافُ مَنازِلُ الأشْرافِ، فَلا يَرِدُ أنَّ الوَسَطَ أيْضًا يُشْعِرُ بِالشَّرَفِ، فالمَعْنى لِيُهْلِكَ صَنادِيدَ الَّذِينَ كَفَرُوا ورُؤَساءَهُمُ المُتَقَدِّمِينَ فِيهِمْ بِقَتْلٍ وأسْرٍ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ في بَدْرٍ كَما قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ وقَتادَةُ، فَقَدْ قُتِلَ مِن أُولَئِكَ سَبْعُونَ وأُسِرَ سَبْعُونَ، واعْتِبارُ ذَلِكَ في أُحُدٍ حَيْثُ قُتِلَ فِيهِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن رُؤَسائِهِمْ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، وقَدِ اسْتَبْعَدُوهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ﴿ أوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ أيْ يُخْزِيَهم قالَهُ قَتادَةُ والرَّبِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرِّمَّةِ: لَمْ أنْسَ مِن شَجَنٍ لَمْ أنْسَ مَوْقِفَنا في حَيْرَةٍ بَيْنَ مَسْرُورٍ ومَكْبُوتِ وقالَ الجُبّائِيُّ والكَلْبِيُّ: أيْ يَرُدُّهم مُنْهَزِمِينَ، وقالَ السُّدِّيُّ: أيْ يَلْعَنُهم وأصْلُ الكَبْتِ الغَيْظُ والغَمُّ المُؤَثِّرُ، وقِيلَ: صَرْعُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِهِ، وقِيلَ: إنَّ كَبَتَهُ يَكُونُ بِمَعْنى كَبِدِهِ أيْ أصابَ كَبِدَهُ كَرَآهُ بِمَعْنى أصابَ رِئَتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَنَبِّي: لِأكْبِتَ حاسِدًا وأرى عَدُوًّا ∗∗∗ كَأنَّهُما وداعَكِ والرَّحِيلُ والآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ قُرِئَ: أوْ يَكْبِدَهم، وأوْ لِلتَّنْوِيعِ دُونَ التَّرْدِيدِ لِوُقُوعِ الأمْرَيْنِ ﴿ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ﴾ (127) أيْ فَيَنْهَزِمُوا مُنْقَطِعِي الآمالِ فالخَيْبَةُ انْقِطاعُ الأمَلِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ اليَأْسِ بِأنَّ الخَيْبَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الأمَلِ، واليَأْسُ يَكُونُ بَعْدَهُ وقَبْلَهُ، ونَقِيضُ الخَيْبَةِ الظَّفَرُ، ونَقِيضُ اليَأْسِ الرَّجاءُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني أرسل الملائكة ونصر المؤمنين لكي يقطع طرفاً، أي يستأصل جماعة من الذين كفروا أَوْ يَكْبِتَهُمْ قال الكلبي: أي يهزمهم.

وقال مقاتل: يعني يخزيهم كقوله كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [المجادلة: 5] ويقال: يقنطهم فَيَنْقَلِبُوا إلى مكة خائِبِينَ لم يصيبوا ظفراً ولا خيراً، وقد قتل منهم سبعون وأسر منهم سبعون.

ويقال معناه وما جعله الله إلا بشرى لكم، ولتطمئن قلوبكم به، وليقطع طرفاً من الذين كفروا.

ثم قال عز وجل: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ روى جويبر عن الضحاك قال: لما كان يوم أحد، كسرت رباعية النبيّ  وأدمي ساقه، وقتل سبعون رجلاً من الصحابة، فَهَمَّ النبيّ  أن يدعو على المشركين، فأنزل الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أي ليس لك من الحكم شيء، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ يعني كفار قريش يهديهم إلى الإسلام.

وقال الكلبي: فهمّ رسول الله  أن يلعن الذين انهزموا من الصحابة يوم أحد، فنزل: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ يعني الذين انهزموا أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ قال: فلما نزلت هذه الآية، كفّ ولم يلعن المشركين، ولا الذين انهزموا من الصحابة، لعلم الله فيهم أنهم سيتوبون، وأن المشركين سيؤمن كثير منهم.

وقد آمن كثير منهم فمنهم: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم.

قال مقاتل: وكان سبعون رجلاً من أصحاب الصُّفَّة، خرجوا إلى الغزو محتسبين، فقتل السبعون جميعاً، فشقّ ذلك على النبي  ، فدعا الله عليهم أربعين يوماً في صلاة الغداة، فنزل قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ويقال: معنى قوله أو يتوب عليهم، أو يعذبهم إن لم يكونوا من أهل التوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ومُسَوِّمِينَ: معناه: مُعْلِمِينَ بعَلاَماتٍ، وروي أنَّ الملائكةَ أَعْلَمَتْ يَوْمَ بَدْرٍ بعمائمَ بِيضٍ إلاَّ جِبْرِيل فإنه كان بِعَمَامَةٍ صَفْرَاءَ على مثالِ عَمَامَةِ الزُّبَيْرِ بن العوّام «١» ، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ للمسلمينَ يَوْمَ بَدْرٍ: «سُوِّمُوا فَإنَّ المَلاَئِكَةَ قد سوّمت» «٢» .

وقوله سبحانه: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ: الضميرُ في جَعَلَهُ اللَّهُ: عائدٌ على الإنزال والإمداد، ومعنى الآية: وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا بهِ، وتطمئنَّ به قلوبكم، وترون حِفَايَةَ اللَّه بكم، وإلا فالكثرةُ لا تُغْنِي شيئًا إلاَّ أنْ ينصر اللَّه، واللاَّمُ في قوله: لِيَقْطَعَ متعلِّقة بقوله: وَمَا النَّصْرُ، ويحتمل أنْ تكون متعلِّقة ب جَعَلَهُ فيكون قَطْع الطَّرف إشارةً إلى مَنْ قتل ببَدْرٍ على قول ابن إسحاق وغيره، أو إلى «٣» من قتل بأحد على ما قال السُّدِّيُّ «٤» ، وقتل من المشركين ببَدْرٍ سبعون، وقُتِلَ منهم يوم أحد اثنان وعِشْرُونَ رجُلاً، والطرف الفريق.

وقوله سبحانه: أَوْ يَكْبِتَهُمْ: معناه يُخْزِيَهُمْ والكَبْتُ: الصرع لليَدَيْن.

وقال ص: الكَبْت: الهزيمة، وقيل: الصَّرْع لليدين اهـ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا ﴾ مَعْناهُ: نَصَرَكم بِبَدْرٍ لِيَقْطَعَ طَرَفًا.

قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: لِيَقْتُلَ قِطْعَةً مِنهم.

وفي أيِّ يَوْمٍ كانَ ذَلِكَ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في يَوْمِ بَدْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: يَوْمَ أُحُدٍ، قُتِلَ مِنهم ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: يَهْزِمُهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: يُخْزِيهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: يَصْرَعُهم، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ، واليَزِيدِيُّ.

وقالَ الخَلِيلُ: هو الصَّرْعُ عَلى الوَجْهِ.

والرّابِعُ: يُهْلِكُهم، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والخامِسُ: يَلْعَنُهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والسّادِسُ: يَظْفَرُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ المَبَرِّدُ.

والسّابِعُ: يَغِيظُهم، قالَهُ النَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أهْلُ النَّظَرِ يَرَوْنَ أنَّ التّاءَ فِيهِ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ دالٍ، كَأنَّ الأصْلَ فِيهِ: يُكَبِّدُهم، أيْ: يُصِيبُهم في أكْبادِهِمْ بِالحُزْنِ والغَيْظِ، وشَدَّةِ العَداوَةِ، ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ قَدْ أحْرَقَ الحُزْنُ كَبِدَهُ، وأحْرَقَتِ العَداوَةُ كَبِدَهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: العَدُوُّ: أسْوَدُ الكَبِدِ.

قالَ الأعْشى: فَمًا أُجْشِمْتُ مِن إتْيانِ قَوْمٍ هُمُ الأعْداءُ والأكْبادُ سُودُ كَأنَّ الأكْبادَ لَمّا احْتَرَقَتْ بِشِدَّةِ العَداوَةِ، اسْوَدَّتْ، ومِنهُ يُقالُ لِلْعَدُوِّ: كاشِحٌ، لِأنَّهُ يُخْبِئُ يَخْبَأُ العَداوَةَ في كَشْحِهِ.

والكَشْحُ: الخاصِرَةُ، وإنَّما يُرِيدُونَ الكَبِدَ، لِأنَّ الكَبِدَ هُناكَ.

قالَ الشّاعِرُ: وأضْمَرَ أضْغانًا عَلى كُشُوحِها والتّاءُ والدّالُ مُتَقارِبَتا المَخْرَجِ، والعَرَبُ تُدْغِمُ إحْداهُما في الأُخْرى، وتُبْدِلُ إحْداهُما مِنَ الأُخْرى، كَقَوْلِهِمْ: هَرَتَ الثَّوْبَ وهَرَدَهُ: إذا خَرَقَهُ، وكَذَلِكَ: كُبِتَ العَدُوُّ، وكَبَّدَهُ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الخائِبُ: الَّذِي لَمْ يَنَلْ ما أمَّلَ.

وقالَ غَيْرُهُ: الفَرْقُ بَيْنَ الخَيْبَةِ واليَأْسِ، أنَّ الخَيْبَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الأمَلِ، واليَأْسَ قَدْ يَكُونُ مِن غَيْرِ أمَلٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما جَعَلَهُ اللهُ إلا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللهُ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أو يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ﴾ ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ الضَمِيرُ في "جَعَلَهُ اللهُ" عائِدٌ عَلى الإنْزالِ والإمْدادِ، والبُشْرى مَصْدَرٌ، واللامُ فِي: "وَلِتَطْمَئِنَّ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "جَعَلَهُ".

ومَعْنى الآيَةِ: وما كانَ هَذا الإمْدادُ إلّا لِتَسْتَبْشِرُوا بِهِ وتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وتَرَوْا حِفايَةَ اللهِ بِكُمْ، وإلّا فالكَثْرَةُ لا تُغْنِي شَيْئًا إلّا أنْ يَنْصُرَ اللهُ.

وقَوْلُهُ: "وَما النَصْرُ" يُرِيدُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي الإدالَةُ لِلْكُفّارِ مِن عِنْدِ اللهِ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَقْطَعَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما النَصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ وعَلى هَذا لا يَكُونُ قَطْعُ الطَرَفِ مُخْتَصًّا بِيَوْمٍ، اللهُمَّ إلّا أنْ تَكُونَ الألِفُ واللامُ في "النَصْرُ" لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ "وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ"، حَكاهُ ابْنُ فُورَكٍ وهو قَلِقٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: "أو يَكْبِتَهُمْ" لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَقْطَعَ" مُتَعَلِّقَةً بِـ "جَعَلَهُ"، فَيَكُونَ قَطْعُ الطَرَفِ إشارَةً إلى مَن قُتِلَ بِبَدْرٍ عَلى ما قالَ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُمْ، أو إلى مَن قُتِلَ بِأُحُدٍ عَلى ما قالَ السُدِّيُّ، وقُتِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ سَبْعُونَ، وقُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ اثْنانِ وعِشْرُونَ رَجُلًا.

وقالَ السُدِّيُّ: قُتِلَ مِنهم ثَمانِيَةَ عَشَرَ والأوَّلُ أصَحُّ.

والطَرَفُ: الفَرِيقُ، ومَتى قَتَلَ المُسْلِمُونَ كُفّارًا في حَرْبٍ فَقَدْ قَطَعُوا طَرَفًا، لِأنَّهُ الَّذِي ولِيَهم مِنَ الكُفّارِ، فَكَأنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ رُقْعَةٌ وهَؤُلاءِ المَقْتُولُونَ طَرَفٌ مِنها أيْ حاشِيَةٌ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "لِيَقْطَعَ طَرَفًا" بِمَنزِلَةِ: لِيَقْطَعَ دابِرًا.

وقَوْلُهُ: "أو يَكْبِتَهُمْ" مَعْناهُ: أو يُخْزِيهِمْ، والكَبْتُ: الصَرْعُ لِلْيَدَيْنِ، وقالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: التاءُ بَدَلٌ مِن دالِ كَبَتَهُ، أصْلُها كَبَدَهُ أيْ: فَعَلَ بِهِ ما يُؤْذِي كَبِدَهُ، وإذا نَصَرَ اللهُ عَلى أُمَّةٍ كافِرَةٍ فَلا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، إمّا أنْ يُقْتَلَ مِنهم أو يَخِيبُوا، فَذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الهَزْمِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وهَذا التَوْقِيفُ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ بِسَبَبٍ كَمَنَ جِهَةَ النَبِيِّ  .

ورُوِيَ في ذَلِكَ «أنَّهُ لَمّا هُزِمَ أصْحابُهُ، وشُجَّ في وجْهِهِ حَتّى دَخَلَتْ بَعْضُ حَلَقِ الدِرْعِ في خَدِّهِ، وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ، وارْتَثَّ بِالحِجارَةِ حَتّى صُرِعَ لِجَنْبِهِ، تَحَيَّزَ عَنِ المَلْحَمَةِ، وجَعَلَ يَمْسَحُ الدَمَ مِن وجْهِهِ ويَقُولُ: "لا يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ"» هَكَذا لَفْظُ الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وفي بَعْضِ الطُرُقِ: "وَكَيْفَ يُفْلِحُ؟" وفي بَعْضِها «أنَّ سالِمًا مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ كانَ يَغْسِلُ الدَمَ عن وجْهِ رَسُولِ اللهِ  ، قالَ: فَأفاقَ وهو يَقُولُ: "كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ وهو يَدْعُوهم إلى اللهِ؟" فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَأنَّ النَبِيَّ  لَحِقَهُ في تِلْكَ الحالِ يَأْسٌ مِن فَلاحِ كُفّارِ قُرَيْشٍ، فَمالَتْ نَفْسُهُ إلى أنْ يَسْتَأْصِلَهُمُ اللهُ ويُرِيحَ مِنهُمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ دَعا عَلَيْهِمْ أوِ اسْتَأْذَنَ في أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ، ورَوى ابْنُ عُمَرَ وغَيْرُهُ: أنَّهُ دَعا عَلى أبِي سُفْيانَ والحارِثِ بْنِ هِشامٍ وصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ بِاللَعْنَةِ، إلى غَيْرِ هَذا مِن مَعْناهُ، فَقِيلَ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ أيْ: عَواقِبُ الأُمُورِ بِيَدِ اللهِ، فامْضِ أنْتَ لِشَأْنِكَ ودُمْ عَلى الدُعاءِ إلى رَبِّكَ.

قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ: ﴿ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى "يَكْبِتَهُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَوْلُهُ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ اعْتِراضٌ أثْناءَ الكَلامِ، وقَوْلُهُ: "أو يَتُوبَ" مَعْناهُ: فَيُسْلِمُونَ، وقَوْلُهُ: "أو يُعَذِّبَهُمْ" مَعْناهُ: في الآخِرَةِ بِأنْ يُوافُوا عَلى الكُفْرِ.

قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أو يَتُوبَ" بِمَعْنى حَتّى يَتُوبَ، أو إلى أنْ يَتُوبَ، فَيَجِيءُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: لا أُفارِقُكَ أو تَقْضِينِي حَقِّي، وكَما تَقُولُ: لا يَتِمُّ هَذا الأمْرُ أو يَجِيءُ فُلانٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ لَيْسَ بِاعْتِراضٍ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وإنَّما المَعْنى الإخْبارُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ لَيْسَ يَتَحَصَّلُ لَهُ مِن أمْرِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ شَيْءٌ يُؤَمِّلُهُ إلّا أنْ يَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَيُسْلِمُوا، فَيَرى مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أحَدَ أمَلَيْهِ فِيهِمْ، أو يُعَذِّبَهُمُ اللهُ بِقَتْلٍ في الدُنْيا، أو بِنارٍ في الآخِرَةِ أو بِهِما، فَيَرى مُحَمَّدٌ  الأمَلَ الآخَرَ.

وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ رَدْعٌ كَما هو في التَأْوِيلِ الأوَّلِ، وذَلِكَ التَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "أو يَتُوبُ" "أو يُعَذِّبُ" بِرَفْعِ الباءِ فِيهِما، المَعْنى: أو هو يَتُوبُ، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى ظُلْمَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ.

ثُمَّ أكَّدَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ بِالقَوْلِ العامِّ، وذَكَرَ الحُجَّةَ الساطِعَةَ في ذَلِكَ وهي مِلْكُهُ الأشْياءَ، إذْ ذَلِكَ مُقْتَضٍ أنْ يَفْعَلَ بِحَقِّ مِلْكِهِ ما شاءَ، لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وذَكَرَ أنَّ الغُفْرانَ أوِ التَعْذِيبَ إنَّما هو بِمَشِيئَتِهِ وحَسَبَ السابِقِ في عِلْمِهِ، ثُمَّ رَجا في آخِرِ ذَلِكَ تَأْنِيسًا لِلنُّفُوسِ وجَلْبًا لَها إلى طاعَتِهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .

و"ما" في قَوْلِهِ ﴿ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ ، إشارَةٌ إلى جُمْلَةِ العالَمِ فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ ما؛ وما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِدُعاءِ النَبِيِّ  عَلى المُشْرِكِينَ كَلامٌ ضَعِيفٌ كُلُّهُ، ولَيْسَ هَذا مِن مَواضِعِ الناسِخِ والمَنسُوخِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن تكون جملة ﴿ وما جعله الله إلا بشرى ﴾ في موضع الحال من اسم الجلالة في قوله: ﴿ ولقد نصركم الله ببدر ﴾ [البقرة: 123] والمعنى لقد نصركم الله ببدر حين تقول للمؤمنين مَا وعدك الله به في حال أنّ الله ما جعل ذلك الوعدَ إلاّ بشرى لكم وإلاّ فإنَّه وعَدَكم النصر كما في قوله تعالى: ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنَّها لكم ﴾ [الأنفال: 70] الآية.

ويجوز أن يكون الواو للعطف عطفَ الإخبار على التذكير والامتنان.

وإظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار للتنويه بهذه العناية من الله بهم، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين.

وضمير النصب في قوله: ﴿ جعله ﴾ عائد إلى الإمداد المستفاد مِن ﴿ يمددكم ﴾ [آل عمران: 125] أو إلى الوعد المستفاد من قوله: ﴿ إن تصبروا وتتقوا ﴾ [آل عمران: 125] الآية.

والاستثناء مفرّغ.

و ﴿ بشرى ﴾ مفعول ثان ل (جعله) أي ما جعل الله الإمداد والوعد به إلاّ أنَّه بشرى، أي جعله بشرى، ولم يجعله غير ذلك.

و (لكم) متعلّق ب (بشرى).

وفائدة التصريح به مع ظهور أن البشرى إليهم هي الدلالة على تكرمة الله تعالى إيّاهم بأنْ بَشَّرهم بشرى لأجلهم كما في التصريح بذلك في قوله تعالى: ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ [الشرح: 1] والبشرى اسم لمصدر بَشَّر كالرُّجعى، والبشرى خبر بحصول ما فيه نفع ومسرّة للمخبر به، فإنّ الله لمَّا وعدهم بالنَّصر أيقنوا به فكان في تبيين سببه وهو الإمداد بالملائكة طَمْأنة لنفوسهم لأنّ النفوس تركن إلى الصّور المألوفة.

والطمْأنة والطُّمأنِينة: السكون وعدم الاضطراب، واستعيرت هنا ليقين النَّفس بحصول الأمر تشبيهاً للعلم الثابت بثبات النفس أي عدم اضطرابها، وتقدّمت عند قوله تعالى: ﴿ ولكن ليطمئنّ قلبي ﴾ في سورة [البقرة: 260].

( ﴿ وعُطف ولتطمئنّ ﴾ على ﴿ بُشرى ﴾ فكانَ داخلاً في حيّز الاستثناء فيكون استثناء مِن علللٍ، أي ما جعله الله لأجل شيء إلاّ لأجل أن تطمئن قلوبكم به.

وجملة ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ تذييل أي كلّ نصر هو من الله لا من الملائكة.

وإجراء وصفي العزيز الحكيم هنا لأنَّهما أولى بالذكر في هذا المقام، لأنّ العزيز ينصر من يريد نصره، والحكيم يعلم من يستحق نصره وكيف يُعطاه.

وقوله: ﴿ ليقطع طرفاً ﴾ متعلّق ب (النَّصر) باعتبار أنَّه علَّة لبعض أحوال النصر، أي ليقطع يوم بدر طرفاً من المشركين.

والطَّرف بالتحريك يجوز أن يكون بمعنى النَّاحية، ويخصّ بالنَّاحية الَّتي هي منتهى المكان، قال أبو تمّام: كانت هي الوسَطَ المحميّ فاتّصلتْ *** بها الحَوادث حتَّى أصبحت طَرفا فيكون استعارة لطائفة من المشركين كقوله تعالى: ﴿ أو لم يروا أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ﴾ [الرعد: 41] ويجوز أن يكون بمعنى الجزء المتطرّف من الجسد كاليدين والرجلين والرأس فيكون مستعاراً هنا لأشراففِ المشركين، أي ليقطع من جسم الشرك أهم أعضائه، أي ليستأصل صناديد الَّذين كفروا.

وتنكير (طرفاً) للتفخيم، ويقال: هو من أطراف العرب، أي من أشرافها وأهل بيوتاتها.

ومَعنى ﴿ أو يكبتهم ﴾ يصيبهم بغمّ وكمد، وأصل كبت كَبَد بالدال إذا أصابه في كَبده.

كقولهم: صُدرَ إذا أصيب في صدره، وكُلِيَ إذا أصيب في كُلْيَتِه، ومُتِنَ إذا أصيب في مَتْنه، ورُئي إذا أصيب في رِئته، فأبدلت الدال تاء وقد تبدل التاء دالاً كقولهم: سَبَد رأسَه وسبَته أي حلقه.

والعرب تتخيّل الغمّ والحزن مقرّه الكبد، والغضب مقرّه الصّدر وأعضاء التنفّس.

قال أبو الطيب يمدح سيف الدّولة حِين سفره عن أنطاكية: لأَكْبِتَ حَاسداً وأرِي عَدُواً *** كأنَّهُمَا ودَاعُكَ والرّحيلُ وقد استقرى أحوال الهزيمة فإنّ فريقاً قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقاً كبتُوا وانقلبوا خائبين، وفريقاً مَنَّ الله عليهم بالإسلام، فأسلموا، وفريقاً عُذّبوا بالموت على الكفر بعد ذلك، أو عذبوا في الدنيا بالذلّ، والصغار، والأسر، والمَنّ عليهم يوم الفتح، بعد أخذ بلدهم و«أو» بين هذه الأفعال للتقسيم.

وهذا القطع والكبت قد مضيا يوم بدر قبل نزول هذه الآية بنحو سنتين، فالتَّعبير عنهما بصيغة المضارع لقصد استحضار الحالة العجيبة في ذلك النصر المبين العزيز النظير.

وجملة ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ معترضة بين المتعاطفات، والخطاب للنَّبيء صلى الله عليه وسلم فيجوز أن تُحْمَل على صريح لفظها، فيكون المعنى نفي أن يكون للنَّبيء، أي لقتاله الكفارَ بجيشه من المسلمين، تأثير في حصول النَّصر يوم بدر، فإن المسلمين كانوا في قلّة من كُلّ جانب من جوانب القتال، أي فالنصر حصل بمحض فضل الله على المسلمين، وهذا من معنى قوله: ﴿ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ [الأنفال: 17].

ولفظ (الأمر) من قوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ معناه الشأن، و(أل) فيه للعهد، أي من الشأن الذي عرفتموه وهو النَّصر.

ويجوز أن تحمل الجملة على أنَّها كناية عن صرف النَّبيء عليْه الصلاة والسلام عن الاشتغال بشأن ما صنع الله بالَّذين كفروا، من قطع طَرفهم، وكبْتِهم أو توبة عليهم، أو تعذيب لهم: أي فذلك موكول إلينا نحقّقُه متى أردنا، ويتخلّف متى أردنا على حسب ما تقتضيه حكمتنا، وذلك كالاعتذار عن تخلّف نصر المُسلمين يوم أحُد.

فلفظ (الأمر) بمعنى شأن المشركين.

والتعريفُ فيه عوض عن المضاف إليه، أي ليس لك من أمرهم اهتمام.

وهذا تذكير بما كان للنَّبيء صلى الله عليه وسلم يوم بدر من تخوّف ظهور المشركين عليه، وإلحاحه في الدّعاء بالنَّصر.

ولعلّ النَّبيء صلى الله عليه وسلم كان يوَدّ استيصال جميع المشركين يوم بدر حيث وجد مقتضى ذلك وهو نزول الملائكة لإهلاكهم، فذكّره الله بذلك أنَّه لم يقدّر استيصالهم جميعاً بل جعل الانتقام منهم ألواناً فانتقم من طائفة بقطع طرَف منهم، ومن بقيّتهم بالكَبْتتِ، وهو الحزن على قتلاهم، وذهاب رؤسائهم، واختلال أمورهم، واستبقى طائفة ليتوب عليهم ويهديهم، فيكونوا قوّة للمسلمين فيؤمنوا بعد ذلك، وهم من آمن من أهل مكَّة قبل الفتح، ويوم الفتح: مثل أبي سفيان، والحارث بن هشام أخي أبي جهل، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وخالد بن الوليد، وعذّب طائفة عذاب الدنيا بالأسر، أو بالقتل: مثل ابن خَطل، والنضْر بن الحارث، فلذلك قيل له: «ليس لك من الأمر شيء».

ووضعت هذه الجملة بين المتعاطفات ليظهر أنّ المراد من الأمر هو الأمر الدائر بين هذه الأحوال الأربعة من أحوال المشركين، أي ليس لك من أمر هذه الأحوال الأربعة شيء ولكنّه موكول إلى الله، هو أعلم بما سيصيرون إليه وجَعل هذه الجملة قبل قوله: ﴿ أو يتوب عليهم ﴾ استئناس للنَّبيء صلى الله عليه وسلم إذ قُدّم ما يدلّ على الانتقام منهم لأجله، ثُمّ أردف بما يدلّ على العفو عنهم، ثُمّ أردف بما يدلّ على عقابهم، ففي بعض هذه الأحوال إرضاء له من جانب الانتصار له، وفي بعضها إرضاء له من جانب تطويعهم له.

ولأجل هذا المقصد عاد الكلام إلى بقية عقوبات المشركين بقوله تعالى: ﴿ أو يعذبهم ﴾ .

ولكون التَّذكير بيوم بدر وقع في خلال الإشارة إلى وقعة أحُد، كأنّ في هذا التَّقسيم إيماء إلى ما يصلح بياناً لِحكمة الهزيمة اللاحقة المسلمين يوم أحُد، إذ كان في استبقاء كثير من المشركين، لم يصبهم القتلُ يومئذ، ادّخار فريق عظيم منهم للإسلام فيما بعد، بَعْد أن حصل رعبهم من المسلمين بوقعة بدر، وإن حسِبوا للمسلمين أي حساب بما شاهدوه من شجاعتهم يوم أحُد، وإن لم ينتصروا.

ولا يستقيم أن يكون قوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ متعلّقاً بأحوال يوم أحُد: لأنّ سياق الكلام ينبو عنه، وحال المشركين يوم أحُد لا يناسبه قولُه: ﴿ ليقطع طرفاً من الذين كفروا ﴾ إلى قوله: ﴿ خائبين ﴾ .

ووقع في «صَحِيح مسلم»، عن أنس بن مالك: أنّ النَّبيء صلى الله عليه وسلم شُجّ وجهه، وكُسرت رباعيته يوم أحُد، وجاء المسلمون يمسحون الدم عن وجه نبيّهم، فقال النَّبيء عليْه السَّلام: " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم " أي في حال أنَّه يدعوهم إلى الخير عند ربّهم، فنزلت الآية، ومعناه: لا تستبْعِد فلاحهم.

ولا شكّ أن قوله فنزلت هذه الآية مُتأوّل على إرادة:: فذُكِّر النَّبيء صلى الله عليه وسلم بهذه الآية، لظهور أن ما ذكروه غير صالح لأن يكون سبباً لأنّ النَّبيء تعجّب من فلاحهم أو استبعده، ولم يدّع لنفسه شيئاً، أو عملاً، حتَّى يقال: «ليس لك من الأمر شيء».

وروى الترمذي: أنّ النَّبيء صلى الله عليه وسلم دعا على أربعة من المشركين، وسمّى أناساً، فنزلت هذه الآية لنهيه عن ذلك، ثُمّ أسلموا.

وقيل: إنَّه همّ بالدعاء، أو استأذن الله أن يدعو عليهم بالاستيصال، فنهى.

ويردّ هذه الوجوه ما في «صحيح مسلم»، عن ابن مسعود، قال: كأنِّي أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيئاً من الأنبياء ضربه قومه، وهو يمسح الدم عن وجهه، وهو يقول: ربّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون.

وورد أنَّه لمَّا شجّ وجهه يوم أحُد قال له أصحابه: لو دعوت عليهم، فقال: إنِّي لم أبعث لَعَّاناً، ولكِنِّي بعثت داعياً ورحمة، اللَّهُمّ اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون.

وما ثبت من خُلقه صلى الله عليه وسلم أنَّه كان لا ينتقم لنفسه.

وأغرَبَ جماعة فقالوا نزل قوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ نسخاً لما كان يدعو به النَّبيء صلى الله عليه وسلم في قنوته على رِعْل، وذكْوان، وعُصية، ولِحْيان، الَّذين قتلوا أصحاب بئر معونة، وسندهم في ذلك ما وقع في «البخاري» أنّ النَّبيء صلى الله عليه وسلم لم يزل يدعو عليهم، حتَّى أنزل الله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ .

قال ابن عطية: وهذا كلام ضعيف كله وليس هذا من مواضع الناسخ والمنسوخ.

وكيف يصحّ أن تكون نزلت لنسخ ذلك وهي متوسطة بين علل النَّصر الواقع يوم بدر.

وتفسيرُ ما وقع في «صحيح البخاري» من حديث أبي هريرة: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء على المشركين بعد نزول هذه الآية أخذاً بكامل الأدب، لأنّ الله لمَّا أعلمه في هذا بما يدلّ على أن الله أعلَمُ بما فيه نفع الإسلام، ونقمة الكفر، ترك الدعاء عليهم إذ لعلّهم أن يسلموا.

وإذ جعلنا دعاءه صلى الله عليه وسلم على قبائل من المشركين في القنوت شرعاً تقررّ بالاجتهاد في موضع الإباحة لأن أصل الدعاء على العدوّ مباح، فتركه لذلك بعد نزول هذه الآية، من قبيل النسخ بالقياس، نسخت حكم الإباحة التي هي استواء الفعل والترك بإثبات حكم أولوية الفعل.

ومنهم من أبعد المرمى، وزعم أن قوله: ﴿ أو يتوب عليهم ﴾ منصوب بأن مضمرة وجوباً، وأنّ (أو) بمعنى حتَّى: أي ليس لك من أمر إيمانهم شيء حتَّى يتوب الله عليهم، أي لا يؤمنون إلاّ إذا تاب عليهم، وهل يجهل هذا أحد حتَّى يحتاج إلى بيانه، على أن الجملة وقعت بين علل النصر، فكيف يشتّت الكلام، وتنتثر المتعاطفات.

ومنهم من جعل ﴿ أو يتوب عليهم ﴾ عطفاً على قوله ﴿ الأمر ﴾ أو على قوله ﴿ شيء ﴾ ، من عطف الفعل على اسم خالص بإضمار أنْ على سبيل الجواز، أي ليس لك من أمرهم أو توبتهم شيء، أو ليس لك من الأمر شيء أو توبة عليهم.

فإن قلت: هلاّ جمع العقوبات متوالية: فقال ليقطع طرفاً من الَّذين كفروا، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين، أو يتوبَ عليهم، أو يعذّبهم، قلت: روعي قضاء حقّ جمع النظير أولاً، وجمع الضدّين ثانياً، بجمع القَطْع والكبْتتِ، ثم جمع التوبة والعذاب، على نحو ما أجاب به أبو الطيب عن نقد من نقد قوله في سيف الدّولة: وقفتَ وما في الموت شَكّ لواقف *** كأنَّك في جفن الردى وهو نائم تَمُرّ بك الأبطال كَلْمى حزينة *** ووَجْهُك وَضّاح وثَغرك باسم إذ قدّم من صفتيه تشبيهه بكونه في جفن الردى لمناسبة الموت، وأخَّر الحال وهي ووجهك وضّاح لمضادّة قوله كلمى حزينة، في قصة مذكورة في كتب الأدب.

واللام الجارّة لام الملك، وكاف الخطاب لمعيّن، وهو الرسول عليه الصّلاة والسّلام.

وهذه الجملة تجري مجرى المثل إذ ركبت تركيباً وجيزاً محذوفاً منه بعض الكلمات، ولم أظفر، فيما حفظت من غير القرآن، بأنَّها كانت مستعملة عند العرب، فلعلّها من مبتكرات القرآن، وقريب منها قوله: ﴿ وما أملك لك من اللَّه من شيء ﴾ [الممتحنة: 4] وسيجيء قريب منها في قوله الآتي: ﴿ يقولون هل لنا من الأمر من شيء ﴾ [آل عمران: 154] و ﴿ يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ [آل عمران: 154] فإن كانت حكاية قولهم بلفظه، فقد دلّ على أنّ هذه الكلمة مستعملة عند العرب، وإن كان حكاية بالمعنى فلا.

وقوله: ﴿ فإنهم ظالمون ﴾ إشارة إلى أنَّهم بالعقوبة أجدر، وأنّ التّوبة عليهم إن وقعت فضل من الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ.

﴿ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ والكِفايَةُ مِقْدارُ سَدِّ الخَلَّةِ، والِاكْتِفاءُ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ، والإمْدادُ إعْطاءُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، والأصْلُ في الإمْدادِ هو الزِّيادَةُ ومِنهُ مَدُّ الماءِ وهو زِيادَتُهُ.

﴿ بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن وجْهِهِمْ هَذا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: مِن غَضَبِهِمْ هَذا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وأبِي صالِحٍ، وأصْلُ الفَوْرِ فَوْرُ القِدْرِ، وهو غَلَيانُها عِنْدَ شِدَّةِ الحُمّى، ومِنهُ فَوْرُ الغَضَبِ لِأنَّهُ كَفَوْرِ القِدْرِ.

﴿ يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ قَرَأ بِكَسْرِ الواوِ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، ومَعْناها: أنَّهم سَوَّمُوا خَيْلَهم بِعَلامَةٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الواوِ، ومَعْناها: أنَّها سائِمَةٌ وهي المُرْسَلَةُ في المَرْعى.

واخْتَلَفُوا في التَّسْوِيمِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ بِالصُّوفِ في نَواصِي الخَيْلِ وآذانِها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ.

الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ وعَلَيْهِمْ عَمائِمُ صُفْرٌ، وهو قَوْلُ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ.

واخْتَلَفُوا في عَدَدِهِمْ فَقالَ الحَسَنُ: كانُوا خَمْسَةَ آلافٍ، وقالَ غَيْرُهُ: كانُوا ثَمانِيَةَ آلافٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُقاتِلِ المَلائِكَةُ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ.

﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ بِقَتْلِ صَنادِيدِهِمْ وقادَتِهِمْ إلى الكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، كانَ الَّذِي قُتِلَ مِنهم ثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وسَطًا، لِأنَّ الطَّرَفَ أقْرَبُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الوَسَطِ، فاخْتَصَّ القَطْعُ بِما هو إلَيْهِمْ أقْرَبُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ  ﴾ ﴿ أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ﴾ ، وفِي: ( يَكْبِتَهم ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُحْزِنُهم، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: الكَبْتُ: الصَّرْعُ عَلى الوَجْهِ، وهو قَوْلُ الخَلِيلِ.

والفَرْقُ بَيْنَ الخائِبِ والآيِسِ أنَّ الخَيْبَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ أمَلٍ، واليَأْسُ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ أمَلٍ.

﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ في عِقابِهِمْ واسْتِصْلاحِهِمْ، وإنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم.

والثّانِي: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ فِيما تُرِيدُهُ وتَفْعَلُهُ في أصْحابِكَ وفِيهِمْ، وَإنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى فِيما يَفْعَلُهُ مِنَ اللُّطْفِ بِهِمْ في التَّوْبَةِ والِاسْتِصْلاحِ أوْ في العَذابِ والِانْتِقامِ.

والثّالِثُ: أُنْزِلَتْ عَلى سَبَبٍ لَمّا كُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ  .

واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْمًا قالُوا بَعْدَ كَسْرِ رَباعِيَتُهُ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ نالُوا هَذا مِن نَبِيِّهِمْ، وهو حَرِيصٌ عَلى هِدايَتِهِمْ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، والحَسَنِ وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ  هَمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِالدُّعاءِ فاسْتَأْذَنَ فِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَكَفَّ وإنَّما لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ لِما في المَعْلُومِ مِن تَوْبَةِ بَعْضِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز جابر المحاربي يمد المشركين، فشق ذلك عليهم، فانزل الله: ﴿ ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف ﴾ إلى قوله: ﴿ مسوّمين ﴾ قال: فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمد المشركين؛ ولم يمد المسلمون بالخمسة.

وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: لما كان يوم بدر بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه إلا أنه قال: ﴿ ويأتوكم من فورهم هذا ﴾ يعني كرزاً وأصحابه ﴿ يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين ﴾ فبلغ كرزاً وأصحابه الهزيمة فلم يمدهم ولم تنزل الخمسة، وأمدوا بعد ذلك بألف فهم أربعة آلاف من الملائكة مع المسلمين.

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ إذ تقول للمؤمنين ﴾ الآية.

قال: هذا يوم بدر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: أمدوا بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف.

وذلك يوم بدر.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ بلى إن تصبروا وتتقوا...

﴾ الآية.

قال هذا يوم أحد فلم يصبروا ولم يتقوا فلم يمدوا يوم أحد، ولو مدوا لم يهزموا يومئذ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لم يمد النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ولا بملك واحد لقول الله: ﴿ إن تصبروا وتتقوا ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ إن تصبروا وتتقوا ﴾ الآية.

قال: كان هذا موعداً من الله يوم أحد عرضه على نبيه صلى الله عليه وسلم، أن المؤمنين إن اتقوا وصبروا أيدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، ففر المسلمون يوم أحد وولوا مدبرين فلم يمدهم الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: «قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ينتظرون المشركين: يا رسول الله أليس يمدنا الله كما أمدنا يوم بدر؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ﴾ فإنما أمدكم يوم بدر بألف قال: فجاءت الزيادة من الله على أن يصبروا ويتقوا» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويأتوكم من فورهم هذا ﴾ يقول: من سفرهم هذا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: ﴿ من فورهم ﴾ من وجههم.

وأخرج ابن جرير عن الحسن والربيع وقتادة والسدي.

مثله.

وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن عكرمة ﴿ من فورهم ﴾ قال: فورهم ذلك كان يوم أحد، غضبوا ليوم بدر مما لقوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ من فورهم ﴾ قال: من غضبهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي صالح مولى أم هانئ.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ ويأتوكم من فورهم ﴾ يقول: وجههم وغضبهم.

وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ مسوّمين ﴾ قال: معلمين، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائمَ سوداً، ويوم أحد عمائمَ حمراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير، أن الزبير كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتمراً أو مُعْتَماً بها فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر.

وأخرج ابن إسحاق والطبراني عن ابن عباس قال: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاً، قد أرسلوها في ظهورهم.

ويوم حنين عمائم حمراً، ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون عدداً ومدداً لا يضربون.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ مسوّمين ﴾ قال: الملائكة عليهم عمائم بيض مسوّمة فتلك سيما الملائكة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الشاعر يقول: ولقد حميت الخيل تحمل شكة ** جرداء صافية الأديم مسوّمة وأخرج ابن جريرعن أبي أسيد وكان بدرياً أنه كان يقول: لو أن بصري معي ثم ذهبتم معي إلى أحد لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة في عمائم صفر، قد طرحوها بين أكتافهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن عروة قال: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق، وكان على الزبير يومئذ عمامة صفراء.

وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة عن عروة قال: نزل جبريل يوم بدر على سيما الزبير، وهو معتم بعمامة صفراء.

وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن عباد بن عبد الله بن الزبير، أنه بلغه أن الملائكة نزلت يوم بدر، وهم طير بيض عليهم عمائم صفر، وكان على رأس الزبير يومئذ عمامة صفراء من بين الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم «نزلت الملائكة على سيما أبي عبد الله.

وجاء النبي صلى الله عليه وسلم عمامة صفراء» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عمير بن إسحاق قال: إن أول ما كان الصوف ليوم بدر.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسوّموا فإن الملائكة قد تسوّمت.

فهو أول يوم وضع الصوف» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله: ﴿ مسوّمين ﴾ قال: بالعهن الأحمر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ مسوّمين ﴾ قال: أتوا مسوّمين بالصوف، فسوّم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ مسوّمين ﴾ قال: معلمين مجزوزة أذناب خيولهم ونواصيها، فيها الصوف والعهن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ مسوّمين ﴾ قال: ذكر لنا أن سيماهم يومئذ الصوف بنواصي خيلهم وأذنابهم، وأنهم على خيل بلق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة ﴿ مسوّمين ﴾ قال عليهم سيما القتال.

وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: كانوا يومئذ على خيل بلق.

وأخرج عبد بن حميد عن عمير بن إسحاق قال: «لما كان يوم أحد أجلى الله الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقي سعد من مالك يرمي، وفتى شاب ينبل به كلما فني النبل أتاه به فنثره فقال: ارم أبا إسحق، ارم أبا إسحق.

فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل فلم يعرف» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وما جعله الله بشرى لكم ﴾ يقول: إنما جعلهم لتستبشروا بهم ولتطمئنوا إليهم، ولم يقاتلوا معهم يومئذ لا قبله ولا بعده، إلا يوم بدر.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ قال: لو شاء أن ينصركم بغير الملائكة فعل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ليقطع طرفاً من الذين كفروا ﴾ قال: قطع الله يوم بدر طرفاً من الكفار، وقتل صناديدهم ورؤوسهم وقادتهم في الشر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ ليقطع طرفاً ﴾ قال: هذا يوم بدر، قطع الله طائفة منهم وبقيت طائفة.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: ذكر الله قتلى المشركين بأحد، وكانوا ثمانية عشر رجلاً فقال: ﴿ ليقطع طرفاً من الذين كفروا ﴾ ثم ذكر الشهداء فقال: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ﴾ الآية.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد ﴿ أو يكبتهم ﴾ قال: يخزيهم.

وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع.

مثله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ اللّام تعود إلى قوله: ﴿ وَلَقَد نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدرٍ ﴾ (١) ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا ﴾ ؛ أي: لِيُهلك طائفةً، ولِيَقْتُلَ قِطْعَةً.

قال السُّدِّي (٢) (٣) وقال بعضهم (٤) (٥) (٦) (٧) ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾ ، و ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا ﴾ ، ولكنه ذُكِر بغير حرفِ العطف؛ لأنَّ الكلامَ إذا كان بعضُه ملتبسًا ببعضٍ، جاز حذفُ العاطف؛ كقوله: ﴿ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ  ﴾ .

وإنما قال: ﴿ طَرَفًا ﴾ ولم يقل: (وَسَطًا)؛ لأنه لا يُوصَلُ إلى الوَسَطِ الا بعد قطع الطَّرَفِ، وهذا القَطْعُ إنما هو بأيدي المؤمنين، وإنما يقطعون الطَّرَفَ الذي يليهم مَنَ الكافرين، وهذا يوافق قوله: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ  ﴾ ، وعلى هذا -أيضًا- قولُه: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ الكَبْتُ -في اللغة-: صَرْعُ الشيء على وجهه؛ يُقال: (كَبَتَهُ، فانْكَبَتَ) (٨) (٩) (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ خَائِبِينَ ﴾ الخَيْبَةُ: حِرْمانُ البُغْيَة (١٢) وقد أنجز الله وَعْدَهُ يوم بَدْرٍ؛ بِقَطْع (١٣) (١) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 85، و"الثعلبي" 3/ 113 أ، و"البغوي" 2/ 101.

وعزا السمين الحلبي هذا القول -كذلك- للحوفي.

انظر: "الدر المصون" 3/ 390، واستبعده السمين؛ لطول الفصل بين اللام ومتعلقه.

(٢) قوله هذا -بنصه- في: "تفسير الثعلبي" 3/ 113 أ، و"تفسير البغوي" 2/ 101.

(٣) الذي وقفت عليه من قول السدي: أن المَعني بالآية: مَن قُتِل من الكفار يوم أحد، وهم ثمانية عشر رجلًا.

وقد ورد قوله هذا في: "تفسير الطبري" 4/ 85، و"النكت والعيون" 1/ 422، و"زاد المسير" 1/ 454.

وممن قال بأن المراد بها مَن قتل يوم بدر: قتادة، والربيع، والحسن، وابن إسحاق، والجمهور.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 85، و"زاد المسير" 1/ 454.

أما ما ذكره المؤلف من عدد قتلى وأسرى المشركين في معركة بدر، فانظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 362، و"تاريخ الطبري" 2/ 474.

(٤) لم أقف على القائل.

(٥) قال السمين: (وفيه نظر من حيث إنه قد فُصل بين المصدر ومُتَعَلَّقه بأجنبي، وهو: الخبر).

"الدر المصون" 3/ 390.

(٦) ممن قال بهذا: أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 297.

(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

وعلى هذا الوجه يكون قوله تعالى: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه.

== وهناك أقوال أخرى في عود الللام في ﴿ لِيَقْطَعَ ﴾ .

انظر: "تفسير ابن عطية" 3/ 313، و"الدر المصون" 3/ 390.

(٨) انظر: كتاب "العين" 5/ 342 (كبت)، و"مجاز القرآن" 1/ 103، و"تهذيب اللغة" 10/ 152 (كبت).

(٩) (قد): ساقطة من (ب).

(١٠) (يُذْكَرُ): وردت في (أ)، (ج): (يذكرو).

وفي (ب): (يذكروا).

وما أثبتُّهُ هو ما استصوبته، لأن في (أ)، (ج) قد تكون الضمة التي على الواو كتبها الناسخ بحجم أكبر من حجمها الطبيعي، وتزحلقت قليلًا إلى ما بعد الرَّاء.

أما الذي في نسخة (ب) فلا وجه له، لأن الفعل كُتِب فيها في حالة الجمع، وحذفت منه النون التي هي علامة رفعه، والصواب إثباتها، لأنه من الأفعال الخمسة.

(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 299، و"سيرة ابن هشام" 3/ 61، و"غريب القرآن" لابن اليزيدي 44، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 110، و"تفسير الطبري" 4/ 86، == و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 467، و"ابن أبي حاتم" 3/ 756، و"نزهة القلوب" للسجستاني 485، و"بحر العلوم" 1/ 297، و"زاد المسير" 1/ 454.

قال ابن قتيبة: (لأن أهل النظر يَرَوْن أن التاء فيه منقلبة عن دال؛ كأن الأصل فيه: (يكبدُهُم)، أي: يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ وشدة العداوة.

ومنه يقال: (فلان قد أحرق الحزنُ كبِدَهُ).

و (أحرقت العداوة كبده).

والعرب تقول للعدو: (أسود الكبد) ..) ثم أتبع قائلاً: (والتاء والدال متقاربتان المَخرَجَيْن.

والعرب تدغم إحداهما في الأخرى، وتبدل إحداهما من الأخرى).

"تفسير غريب القرآن" 110.

وانظر (كبت) في "تهذيب اللغة" 4/ 3088، "اللسان" 6/ 3805، "عمدة الحفاظ" 477.

(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 957 (خاب)، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 472، و"اللسان" 3/ 1297 (خيب).

(١٣) في (ج): (فقطع).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ ﴾ الضمير للمشركين، والفور السرعة: أي من ساعتهم وقيل: المعنى من سفرهم ﴿ بِخَمْسَةِ ءالاف ﴾ بأكثر من العدد الذي يكفيكم ليزيد ذلك في قوتكم، فإن كان هذا يوم بدر، فقد قاتلت فيه الملائكة، وإن كان يوم أحد فقد شرط في قوله: إن تصبروا وتتقوا، فلما خالفوا الشرط لم تنزل الملائكة ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾ بفتح الواو وكسرها أي معلمين، أو معلمين أنفسهم أو خيلهم، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء، إلاّ جبريل فإنه كانت عمامته صفراء، وقيل: كانت عمائمهم صفر، وكانت خيلهم مجزوزة الأذناب وقيل: كانوا على خيل بُلق ﴿ وَمَا جَعَلَهُ ﴾ الضمير عائد على الإنزال، أو الإمداد ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ ﴾ معطوف على بشرى لأنه هذا الفعل بتأويل المصدر، وقيل: يتعلق بفعل مضمر يدل عليه جعله ﴿ لِيَقْطَعَ ﴾ يتعلق بقوله: ولقد نصركم الله أو بقوله: وما النصر ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ ﴾ جملة اعتراضية بين المعطوفين، ونزلت لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة على أحياء قبائل من العرب فترك الدعاء عليهم ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ معناه يسلمون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تبوّى المؤمنين ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير شجاع وورش والأعشى وحمزة في الوقف.

﴿ منزلين ﴾ بالتشديد وفتح الزاي: ابن عامر.

الباقون: بالتخفيف والفتح أيضاً.

﴿ مسوّمين ﴾ بكسر الواو: أبو عمرو وابن كثير وعاصم وسهل ورويس.

الباقون.

بالفتح.

الوقوف: ﴿ للقتال ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لأن "إذ" بدل من ﴿ إذ غدوت ﴾ أو يتعلق بالوصفين أو بقوله ﴿ تبوىء ﴾ ﴿ أن تفشلا ﴾ (لا) لأن الواو للحال ﴿ وليهما ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ أذلة ﴾ ج للفاء ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ منزلين ﴾ ط لتمام القول ﴿ بلى ﴾ (لا) لاتحاد مع ما بعده ﴿ مسوّمين ﴾ ه ﴿ قلوبكم به ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ (لا) لتعلق اللام بمعنى الفعل في النصر ﴿ خائبين ﴾ ه ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

/ التفسير: أنه  لما وعدهم النصر على الأعداء إن هم صبروا واتقوا وخلاف ذلك إن لم يصبروا، أتبعه قوله: ﴿ وإذا غدوت من أهلك ﴾ ﴿ ولقد نصركم الله ببدر ﴾ يعني أنهم يوم أحد كانوا كثيرين مستعدين للقتال، فلما خالفوا أمر الرسول  انهزموا، ويوم بدر كانوا قليلين غير مستعدين لكنهم أطاعوا أمر الرسول فغلبوا واستولوا على خصومهم.

ووجه آخر في النظر وهو أن الانكسار يوم أحد إنما حصل بسبب تخلف عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، وذلك يدل على أنه لا يجوز اتخاذ المنافقين بطانة.

قال أبو مسلم: هذا كلام معطوف بالواو عل قوله: ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا  ﴾ أي قد كان لكم مثل تلك الآية إذ غدا الرسول يبوىء المؤمنين.

والجمهور على أنه منصوب بإضمار "اذكر" وعن الحسن أن هذا الغدو كان يوم بدر.

وعن مجاهد أنه يوم الأحزاب.

وأكثر العلماء بالمغازي على أن هذه الآية نزلت في واقعة أحد.

وهو قول ابن عباس والسدي وابن إسحق والربيع والأصم وأبي مسلم.

"روي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فاستشار رسول الله  أصحابه ودعا  عبد الله بن أبيّ ولم يدعه قط قبلها فاستشاره.

فقال عبد الله وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدوّ قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟

فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين.

وقال بعضهم: يا رسول الله اخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لا يرون أنا قد جبنا عنهم.

وقال  : إني رأيت في منامي بقراً مذبحة حولي فأوّلتها خيراً، أو رأيت في ذباب سيفي ثلماً فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأوّلتها المدينة.

فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم، فقال رجال من المسلمين - قد فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد-: اخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به  حتى دخل فلبس لأمته.

فلما رأوه قد لبس لأمته ندموا وقالوا: بئسما صنعنا، نشير على رسول الله  والوحي يأتيه.

فقالوا: اصنع يا رسول الله ما رأيت.

فقال: لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل.

فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة من المدينة" .

قالوا من منزل عائشة وهو المراد بقوله: ﴿ من أهلك ﴾ عن مجاهد والواحدي "أنه مشى على رجليه إلى أحد وأصبح بالشعب منها يوم السبت للنصف من شوّال.

وجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوّم بهم القداح إن رأى صدراً خارجاً قال: تأخر.

وكان نزوله في جانب الوادي، وجعل  ظهره وعسكره إلى أحد.

وأمر  عبد الله بن جبير علىالرماة وقال لهم: انضحوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا، وقال  لأصحابه: اثبتوا في هذا المقام فإذا عاينوكم ولوكم الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام" .

"ثم إن رسول الله  لما خالف، رأى عبد الله بن أبيّ شق عليه ذلك وقال: أطاع الصبيان وعصاني ثم قال لأصحابة: إن محمداً  إنما يظفر بعدوّكم وقد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا، فإذا رأيتم أعداءهم فانهزموا فيتبعونكم فيصير الأمر على خلاف ما ذكر محمد  .

فلما التقى الفريقان انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس وقال: يا قوم علام نقتل أولادنا وأنفسنا.

وكان جملة عسكر الإسلام ألفاً - وقيل: تسعمائة وخمسين - فبقي نحو من سبعمائة.

وكان المشركون ثلاثة آلاف فقوّاهم الله مع ذلك حتى هزموا المشركين.

لكنهم لما رأوا انهزام القوم وكان الله  بشرهم بذلك طمعوا أن تكون هذه الواقعة كواقعة بدر، فطلبوا المدبرين وتركوا ذلك الموضع وخالفوا أمر الرسول الله  ولم يعلموا أن ظفرهم يوم بدر ببركة طاعتهم لله ولرسوله، ومتى تركهم الله مع عدوّهم لم يقوموا لهم.

فنزع الله الرعب من قلوب المشركين، فكرّوا على المسلمين وتفرق العسكر عن رسول الله  كما قال: ﴿ إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ﴾ وشج وجه رسول الله  وكسرت رباعيته وشلت يد طلحة دونه  ولم يبق معه إلا أبو بكر وعلي والعباس وطلحة وسعد.

ووقعت الصيحة في العسكر أن محمداً قتل.

فأشرف أبو سفيان وقال: أفي القوم محمد؟

فقال النبي  : لا تجيبوه.

فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟

فقال: لا تجيبوه؟

قال: أفي القوم ابن الخطاب؟

فقال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا.

فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدوّ الله.

أبقى الله لك ما يخزيك.

فقال أبو سفيان مرتجزاً: أعل هبل أعل هبل.

فقال النبي  : أجيبوه.

فقالوا: ما نقول؟

قال: قولوا: الله أعلى وأجل.

قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم.

فقال  : أجيبوه.

قالوا: ما نقول؟

قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال.

فقال رسول الله  : أجيبوه.

قالوا: ما نقول؟

قال: قولوا لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" .

ولنرجع إلى التفسير بوّأته منزلاً وبوّأت له منزلاً أنزلته فيه.

ومقاعد أي مواطن ومواقف، وقد اتتسع في "قعد" و"قام" حتى استعمل المقعد والمقام في المكان ومنه قوله تعالى: ﴿ في مقعد صدق  ﴾ وقوله: ﴿ قبل أن تقوم من مقامك  ﴾ أي من موضع حكمك.

ويحتمل أنه  لما أمرهم أن يثبتوا في تلك الأمكنة ولا ينتقلوا عنها شبهت بالمقاعد لذلك، ويحتمل أن المقاتلين قد يقعدون في الأمكنة المعينة إلى أن يلاقيهم العدوّ فيقوموا فلهذا سميت تلك المواضع مقاعد ﴿ والله سميع ﴾ لأقوالكم ﴿ عليم ﴾ بضمائركم ونياتكم فإنا بينا أنه كان في القوم موافق ومنافق ﴿ إذ همت طائفتان منكم ﴾ هما / حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وهما الجناحان.

﴿ أن تفشلا ﴾ والفشل الجبن والخور.

والظاهر أنها ما كانت عزيمة ممضاة ولكنها كانت حديث نفس وقلما تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع.

فإن ساعدها صاحبها ذم وإن ردها إلى الثبات والصبر فلا بأس بما فعل.

وعن معاوية أنه قال: عليكم بحفظ الشعر فقد كدت أضع رجلي في الركاب يوم صفين فما ثبتني إلاّ قوم عمرو بن الأطنابة: أقول لها إذا جشأت وجاشت *** مكانك تحمدي أو تستريحي ومما يدل على أن ذلك الهمّ لم يفض إلى حد العصيان قوله  : ﴿ والله وليهما ﴾ ولو كانت عزيمة لما ثبت معها الولاية.

ويجوز أن يراد والله ناصرهما ومتولي أمرهما فما لهما يفشلان ولا يتوكلان على الله ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ والتوكل "تفعل" من وكل أمره إلى فلان إذا اعتمد في كفايته عليه ولم يتوله بنفسه.

وفيه إشارة إلى أن الإنسان يجب أن يدفع ما يعرض له من مكروه وآفة بالتوكل على الله، وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك.

عن جابر: "فينا نزلت ﴿ إذ همت طائفتان ﴾ نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة.

وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله ﴿ والله وليهما ﴾ " أخرجاه في الصحيحين.

ومع ذلك قال بعض العلماء: إن الله أبهم ذكرهما وستر عليهما ولا يجوز لنا أن نهتك ذلك الستر.

﴿ ولقد نصركم الله ببدر ﴾ وإنه ماء بين مكة والمدينة.

عن الواقدي أنه اسم لماء بعينه.

وعن الشعبي أنه سمي باسم رجل كان ذلك الماء له ﴿ وأنتم أذلة ﴾ إنما جاء بجمع القلة دون الأذلاء الذي هو للكثرة ليدل على أنهم مع قلة العدد - وهو المراد بذلتهم - كانوا قليلي العدد أيضاً كما مر في تفسير قوله: ﴿ قد كان لكم آية  ﴾ ولم يعن بالذلة ههنا نقيض العزة لقوله: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ أو لعل المراد أنهم كانوا أذلة في عزم المشركين وفي اعتقادهم لقلة عددهم وسلاحهم كما حكى عنهم "ليخرجن الأعز منها الأذل" أو لعل الصحابة كانوا قد شاهدوا الكفار في مكة في غاية القوة والشوكة، وإلى هذا الوقت ما اتفق لهم استيلاء على أولئك الكفار فكانت هيبتهم باقية في نفوسهم ﴿ فاتقوا الله ﴾ وفي الثبات مع رسوله ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ بسبب تقواكم ما أنعم به عليكم من نصره.

أو لعل الله ينعم عليكم نعمة أخرى تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام لأنه سبب له ﴿ إذ تقول للمؤمنين ﴾ اختلف المفسرون في أن هذا الوعد حصل يوم بدر فيكون العامل في "إذ" قوله: ﴿ نصركم ﴾ أو حصل يوم أحد فيكون بدلاً ثانياً من ﴿ إذا غدوت ﴾ والأول قول أكثر المفسرين لأن الكلام متصل بقصة بدر، ولأن العدد والعُدَدَ يوم بدر أقل وكان الاحتياج إلى المدد أكثر.

والثاني مروي عن ابن عباس والكلبي والواقدي ومقاتل ومحمد بن إسحق، لأن المدد / يوم بدر كان بألف من الملائكة لقوله  في سورة الأنفال ﴿ فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة  ﴾ دون ثلاثة آلاف وخمسة آلاف فأنى صاروا خمسة الاف؛ وأجيب بأنهم أمدوا بألف ثم زيد ألفان ثم زيد فصاروا ثلاثة آلاف، ثم زيدت ألفان آخران فصاروا خمسة آلاف.

فكأنه قيل لهم: ألم يكفيكم أن يمدكم ربكم بألف من الملائكة؟

فقالوا: بلى ثم قيل: ألم يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف؟

فقالوا: بلى.

ثم قيل لهم: إن تصبروا وتتقوا يمددكم ربكم بخمسة آلاف.

وهو كما روي أنه  قال لأصحابه: " أيسركم أن تكونوا ربع أهل الجنة؟

قالوا: نعم.

قال: أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟

قالوا: نعم.

قال: فإني أرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة" وأيضاً لعل أهل بدر أمدوا بألف، ثم بلغهم أن بعض المشركين يريد إمداد قريش بعدد كثير فخافوا وشق ذلك عليهم لقلة عددهم فوعدهم الله بأن الكفار إن جاءهم مدد فأنا أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة.

ثم إنه لم يأت قريشاً ذلك المدد بل انصرفوا حين بلغهم هزيمة قريش فاستغنى عن إمداد المسلمين بالزيادة على الألف.

قالوا: إن الكفار كانوا يوم بدر ألفاً والمسلمون على الثلث منهم فأنزل الله ألفاً من الملائكة بعدد الكفار، وأما يوم أحد فكان عدد المسلمين ألفاً وعدد الكفار ثلاثة آلاف، فلا جرم أنزل الله ثلاثة آلاف من الملائكة بعدد الكفار أيضاً، ثم وعدهم أن يجعل الثلاثة الآلاف خمسة آلاف إن صبروا واتقوا.

وأجيب بأن هذا تقريب حسن ولكنه لا يغلب على الظن أن يكون الأمر كذلك.

قالوا: قال  : ﴿ ويأتوكم من فورهم ﴾ ويوم أحد هو الذي كان يأتيهم الأعداء، أما يوم بدر فهم ذهبوا إلى الأعداء.

وأجيب بأن المشركين لما سمعوا يوم بدر أن الرسول  وأصحابه قد تعرضوا للعير، ثار الغضب في قلوبهم واجتمعوا وقصدوا النبي  .

ثم إن الصحابة لما سمعوا ذلك خافوا فأخبرهم الله  أنهم إن أتوكم من فورهم يمددكم ربكم بخمسة آلاف.

ثم قالوا في وجه النظم إنه  ذكر قصة أحد ثم قال: ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ أي يجب أن يكون توكلكم على الله لا على كثرة عددكم وعُدَدِكم ﴿ ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ﴾ ثم عاد إلى قصة أحد.

ثم إنزال خمسة آلاف كان مشروطاً بشرط أن يصبروا ويتقوا.

ثم إنهم لم يصبروا عن الغنائم ولم يتقوا بل خالفوا أمر الرسول، فلما فات الشرط لا جرم فات المشروط.

وأما إنزال ثلاثة آلاف فإنه  وعدهم ذلك بشرط أن يثبتوا في تلك المقاعد، فلما أهملوا الشرط لم يحصل المشروط.

روى الواقدي عن مجاهد أنه قال: حضرت الملائكة يوم أحد ولكنهم لم يقاتلوا.

وروي عن / رسول الله  أنه أعطى اللواء مصعب بن عمير فقتل مصعب فأخذه ملك في صورة مصعب فقال رسول الله  : تقدم يا مصعب.

فقال الملك: لست بمصعب.

فعرف الرسول  أنه ملك أمد به.

وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: كنت أرمي السهم يومئذٍ فيرده عليّ رجل أبيض حسن الوجه وما كنت أعرفه، فظننت أنه ملك.

هذا حاصل تقرير القولين.

واختلفوا أيضاً في عدد الملائكة فمنهم من ضم العدد الناقص إلى العدد الزائد لأن الوعد بإمداد الثلاثة الآلاف لا شرط فيه، والوعد بإمداد خمسة الآلاف مشروط بالصبر والتقوى ومجيء الكفار من فورهم فهما متغايران وعلى هذا إن حملنا الآية على قصة بدر وقد ورد فيها ذكر الألف في موضع آخر فيكون المجموع تسعة آلاف، وإن حملناها على قصة أحد كان الجميع ثمانية آلاف.

ومنهم من أدخل الناقص في الزائد فقال: وعدوا بألف ثم زيد ألفان فصح أن يقال: وعدوا بثلاثة آلاف.

ثم زيد ألفان آخران فوعدوا بخمسة آلاف.

وأجمع أهل التفسير وأرباب السير أنه  أنزل الملائكة يوم بدر وأنهم قاتلوا الكفار.

وعن ابن عباس أنه لم تقاتل الملائكة سوى يوم بدر، وفيما سواه كانوا عدداً ومدداً لا يقاتلون ولا يضربون.

ومنهم من قال: إن نصر الملائكة بإلقاء الرعب في قلوب الكفار وبإشعار المؤمنين بأن النصرة لهم.

وأما أبو بكر الأصم فقد أنكر إمداد الملائكة وقال: إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط، فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار، وبتقدير حضوره فأي فائدة في إرسال سائر الملائكة؟

وأيضاً فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم.

وأيضاً لو قاتلوا فإما أن يكون بحيث يراهم الناس أولاً، وعلى الأول كان المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك، ولأنه خلاف قوله ﴿ ويقللكم في أعينهم  ﴾ ولو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل ذلك ألبتة.

وعلى الثاني كان يلزم جز الرؤوس وتمزيق البطون وإسقاط الكفار عن الأفراس من غير مشاهدة فاعل لهذه الأفعال ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم والموافق والمخالف.

وأيضاً إنهم لو كانوا أجساماً كثيفة وجب أن يراهم الكل، وإن كانوا أجساماً لطيفة هوائية فكيف ثبتوا على الخبول؟

واعلم أن هذه الشبة لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة وبمن يدعي التمسك بها ويعترف بأنه  قادر على ما يشاء فاعل لما يريد، فما كان يليق بالأصم إيرادها مع أن نص القرآن ناطق بها وورودها في الإخبار قريب من التواتر.

روى عبيد بن عمير قال: "لما رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا ويقولون: لم نر الخيل البلق ولا الرجال / البيض الذين كنا نراهم يوم بدر" .

والتحقيق في هذا المقام أن التكليف ينافي الإلجاء، وأنه  قادر على إهلاك جميع الكفار في لحظة واحدة بملك واحد بل بأدنى من ذلك أو بلا سبب، وكذا على أن يجبرهم على الإسلام ويقسرهم عليه، لكنه لما أراد إشادة هذا الدين على مهل وتدريج بواسطة الدعوة بطريق الابتلاء والتكليف، فلا جرم أجرى الأمور على ما أجرى فله الحمد على ما أولى، وله الحكم في الآخرة والأولى.

والحاصل أن إهلاك قوم لوط كان بعد انقضاء تكليفهم وهو حين نزول البأس، فلا جرم أظهر القدرة وجعل عاليها سافلها، وفي حرب أحد كان الزمان زمان تكليف، فلا جرم أظهر الحكمة ليتميز الموافق من المنافق، والثابت من المضطرب، فإنه لو جرى الأمر في أحد كما جرى في بدر أشبه أن يفضي الأمر إلى حد الإلجاء ونافى التكليف ونوط الثواب والعقاب به، ولمثل ذلك أمد بالملائكة حين أمد على عادة الإمداد بالعساكر وإلا فملك واحد يكفي في إهلاك كثير من الناس فاعلم.

ولنعد إلى تفسير الألفاظ.

قال صاحب الكشاف: إنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة ليقوي قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر الله.

ومعنى ﴿ ألن يكفيكم ﴾ إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة وإنما جيء بـ "لن" الذي هو تأكيد النقي للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوهم كالآيسين من النصر.

ومعنى الكفاية سد الخلة والقيام بما يجب، ومعنى الإمداد إعطاء الشيء حالاً بعد حال.

قال بعضهم: ما كان على جهة القوة والإعانة.

قيل فيه: أمده يمده.

وما كان على جهة الزيادة قيل فيه: مده يمده.

وقرىء ﴿ منزلين ﴾ بكسر الزاي بمعنى منزلين النصر.

﴿ بلى ﴾ إيجاب لما بعد "لن" أي بلى يكفيكم الإمداد بهم فأوجب الكفاية.

ثم قال: ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ﴾ يعني المشركين ﴿ من فورهم هذا ﴾ أي من ساعتهم هذه.

والفور مصدر من فارت القدر إذا غلت، ثم استعمل في معنى السرعة.

يقال: جاء فلان ورجع من فوره.

ومنه قول الأصوليين الأمور للفور أو للتراخي.

ثم سميت به الحالة التي لا توقف فيها على صاحبها فقيل: خرج من فوره كما يقال من ساعته لم يلبث.

جعل مجيء خمسة آلاف مشروطاً بثلاثة أشياء: الصبر والتقوى ومجيء الكفار على الفور.

فلما لم توجد هذه الشرائط بكلها أو بجلها فلا جرم لم يوجد المشروط.

ويحتمل أن يعلق قوله: ﴿ من فورهم هذا ﴾ بما بعده أي يمددكم ربكم بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر النزول عن الإتيان.

وفيه بشارة بتعجيل النصر والفتح إن صبروا عن الغنائم واتقوا مخالفة الرسول.

وقوله: ﴿ مسومين ﴾ من السومة العلامة، وقد يعلم الفارس يوم اللقاء بعلامة ليعرف بها.

فمن قرأ بكسر الواو فمعناه معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة، ومن قرأ بالفتح فالمعنى أن الله سوّمهم.

قال / الكلبي: معلمين بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم.

وعن الضحاك: معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الخيول وأذنابها.

وعن مجاهد: مجزوزة أذناب خيلهم.

وعن قتادة: كانوا على خيل بلق.

وعن عروة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك.

وعن رسول الله  أنه قال لأصحابه يوم بدر: تسوموا فإن الملائكة قد تسوّمت.

وقيل: مسومين مرسلين من أسمت الإبل وسوّمتها أرسلتها للرعي.

فالمعنى أن الملائكة أرسلت خيولهم على الكفار لقتلهم وأسرهم، أو أن الله  أرسلهم على المشركين ليهلكوهم كما تهلك الماشية النبات في المراعي.

﴿ وما جعله الله ﴾ الضمير عائد إلى المدد أو الإمداد الدال عليه الفعل.

وقال الزجاج: وما جعل الله ذكر المدد إلا بشرى وهي اسم من البشارة أي إلا لتبشروا بأنكم تنصرون ﴿ ولتطمئن قلوبكم به ﴾ كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم.

﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ لا من المقاتلة إذا تكاثروا، ولا من عند الملائكة والسكينة.

ولكن ذلك مما يقوي به الله رجاء النصرة ويربط به على قلوب المجاهدين.

وفيه تنبيه على أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند الإعراض عن الأسباب والإقبال بالكلية على مسببها.

وقوله: ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى كمال قدرته و ﴿ الحكيم ﴾ إشارة إلى كمال علمه فلا يخفى عليه حاجات العباد ولا يعجز عن أنجاحها ﴿ ليقطع طرفاً ﴾ أي طائفة وقطعة من الذين كفروا.

وإنما حسن في هذا الموضع ذكر الطرف دون الوسط لأنه لا وصول إلى الوسط إلا بعد الأخذ من الطرف كما قال: ﴿ أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها  ﴾ ﴿ قاتلوا الذين يلونكم من الكفار  ﴾ ﴿ أو يكبتهم ﴾ الكبت في اللغة صرع الشيء على وجهه.

وفسره الأئمة ههنا بالإخزاء والإهلاك واللعن والهزيمة والغيظ والإذلال والكل متقارب ﴿ فينقلبوا خائبين ﴾ غير ظافرين بمبتغاهم قيل: الخيبة لا تكون إلا بعد التوقع ونقيضه الظفر.

وأما الياس فقد يكون قبل التوقع وبعده.

ونقيضه الرجاء، واللام في ﴿ ليقطع ﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد نصركم ﴾ أو بقوله ﴿ وما النصر ﴾ ويحتمل أن يكون من تمام قوله: ﴿ ولتطمئن ﴾ ولكنه ذكر بغير العاطف لأنه إذا كان البعض قريباً من البعض جاز حذف العاطف كما يقول السيد لعبده: اشتريتك لتخدمني لتعينني لتقوم بخدمتي.

قوله عز من قائل: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ فيه قولان: أحدهما وهو الأشهر أنه نزل في قصة أحد عن أنس بن مالك قال: "كسرت رباعية رسول الله  يوم أحد ودمي وجهه فجعل يسيل الدم على وجهه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟" وفي رواية: "شج رأسه  عتبة بن أبي وقاص يوم أحد وكسر رباعيته / فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول الحديث فنزلت" .

وفي رواية عن ابن عمر أن النبي  لعن أقواماً فقال : " اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية" فنزلت هذه الآية.

وفيها ﴿ أو يتوب عليهم ﴾ فتاب الله على هؤلاء فحس إسلامهم.

وقيل نزلت في حمزة بن عبد المطلب.

وذلك أنه  لما رآه ورأى ما فعلوه به من المثلة قال: لأمثلن منهم بثلاثين فنزلت، وقيل: أراد يعلن المسلمين الذين خالفوه أمره والذين انهزموا فمنعه الله عن ذلك.

مروى عن ابن عباس، وقيل: أراد أن يستغفر للمسلمين الذين عصوا أمره فنزلت.

وقال القفال: كل هذه الأمور وقعت يوم أحد فلا يمتنع حمل نزول الآية في الكل.

القول الثاني: وإليه ذهب مقاتل أنها نزلت في واقعة أخرى وهي "أن النبي  بعث جمعاً من خيار الصحابة زهاء سبعين إلى بني عامر ليعلموهم القرآن.

فلما وصلوا إلى موضع يقال له بئر معونة، ذهب إليهم عامر بن الطفيل مع عسكره وأخذهم وقتلهم.

فجزع من ذلك رسول الله  شديداً ودعا على الكفار في القنوت أربعين يوماً يقول بعد ما يرفع رأسه من الركعة الثانية في الصبح: اللهم العن بني لحيان والعن رعلاً وذكوان.

اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمسضعفين بمكة.

اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف حتى أنزل الله عز وجل ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ " ولا يخفى أن ظاهر الآية يدل على أنه  كان يفعل فعلاً فمنع منه، وحينئذٍ يتوجه الإشكال بأن فعل ذلك الفعل إن كان من الله  فكيف منعه منه وإلا فهو قدح في عصمته ومناف لقوله: ﴿ وما ينطق عن الهوى  ﴾ والجواب أن المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع مشتغل به كقوله: ﴿ ولا تطع الكافرين  ﴾ مع أنه ما أطاعهم وقوله: ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ مع أنه ما أشرك قط.

ولعله  شاهد من قتل حمزة وغيره ما أورثه حزناً شديداً، وكان من الممكن أن يحمله على ما لا ينبغي من الفعل والقول، فنص الله  على المنع تقوية لعصمته  وتأكيداً لطهارته.

ولئن سلمنا أنه كان مشغولاً بذلك الفعل والقول فإنه محمول على ترك الأولى، والنهي إرشاد إلى اختيار الأفضل وأيضاً إن دعاء النبي  لا يكون بمجرد التشهي وإنما هو بطلب الأصلح فالذي يظن به خلاف مسؤوله  وقد وقع فهو بالحقيقة سؤاله  ، ولهذا سأل الله  أن يجعل لعنه على من لا يستحقه طهراً وزكاة ورحمة والله أعلم.

وقوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ معناه ليس لك من قصة هذه الواقعة ومن شأن هذه الحادثة شيء، فإني أعلم بمصالح عبادي، أو المراد الأمر الذي هو خلاف النهي أي ليس لك من / أمر خلقي شيء إلا ما يكون أمري وحكمي.

وقوله: ﴿ أو يتوب ﴾ منصوب بإضمار "أن".

و"أن يتوب" في حكم اسم معطوف بأو على الأمر أي ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم.

ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ شيء ﴾ والحاصل منع رسول الله  من كل فعل أو قول إلا ما كان بإذنه وأمره.

وفيه إرشاد إلى كمال درجات العبودية وأن لا يخوض العبد في أسرار ملكه  وملكوته.

وعن الفراء والزجاج أن قوله: ﴿ أو يتوب عليهم ﴾ عطف على ﴿ ليقطع ﴾ وما بعده.

وقوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ كالكلام الأجنبي الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه كما تقول: ضربت زيداً فاعلم ذاك وعمراً.

فيكون المعنى أن الله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر.

وقيل: "أو" بمعنى "إلا أن" كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي.

والمعنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم.

ثم التوبة عليهم مفسرة عند أهل السنة بخلق الندم فيه على ما مضى، وخلق العزم فيهم على أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل.

وأكدوا هذا الظاهر ببرهان عقلي وهو أن الندم كراهة تحصل في القلب عما سلف منه، والعزم إرادة تتعلق بترك ذلك الفعل فيما يستقبل.

فلو كانت هذه الإرادة فعل العبد لافتقر في فعلها إلى إرادة أخرى وتسلسل، فهو إذن بخلق الله  .

وأما المعتزلة ففسروا التوبة عليهم إما بفعل الألطاف أو بقبول التوبة منهم.

وقوله: ﴿ فإنهم ظالمون ﴾ تعليل حسن التعذيب بسبب شركهم أو عصيانهم.

ثم أكد ما ذكر من قوله: ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ بقوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ أي هما والحقائق والماهيات التي فيهما لله، فليس الحكم فيهما إلا له.

ثم ذكر لازم الملك والحكم فقال: ﴿ يغفر لمن يشاء ﴾ بعميم فضله وإن كان من الأبالسة والفراعنة ﴿ ويعذب من يشاء ﴾ بحكم الإلهية والقدرة وإن كان من الملائكة المقربين والصديقين وكل ذلك يحسن منه شرعاً وعقلاً وإلا لم يحصل لكمال الملك والحكم إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب، ولهذا ختم الكلام بقوله: ﴿ والله غفور رحيم ﴾ هذا قول الأشاعرة ويؤكده ما يروى عن ابن عباس في تفسير الآية: يهب الذنب الكبير لمن يشاء، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير, وأيدوا هذا النقل بدليل عقلي يشبه ما مر آنفاً، وهو أن الإرادات كلها تستند إلى الله  دفعاً للتسلسل.

فإذا خلق الله إرادة الطاعة أطاع، وإذا خلق إرادة المعصية عصى.

فطاعة العبد أو معصيته تنتهي إلى الله، وفعل الله لا يوجب على الله شيئاً.

أما المعتزلة فناقشوا في ذلك ورووا عن الحسن: يغفر لمن يشاء بالتوبة ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين، ويعذب من يشاء ولا يشاء أن يعذب إلا المستوجبين للعذاب.

والحق / أن العذاب لازم ملكة العصيان، وكذا القرب منه  لازم ملكة الطاعة.

فإن أريد بالوجوب هذا فلا نزاع، وإن أريد غير ذلك فممنوع والله أعلم.

التأويل: أخبر عن النصر بعد الصبر بقوله: ﴿ وإذا غدوت ﴾ وهو إشارة إلى جوهر السالك الصادق والسائر العاشق، وذلك أن يغدو في طلب الحق والرجوع إلى المبدأ من أصله أي صفات نفسه الحيوانية والبهيمية ﴿ تبوىء المؤمنين ﴾ أي صفاتك الروحانية مقاعد لقتال النفس والشيطان والدنيا ﴿ والله سميع ﴾ لدعائكم بالإخلاص للخلاص عن ورطة تيه الهوى ﴿ عليم ﴾ بصدق نياتكم في طلب الحق.

﴿ إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ﴾ يعني القلب وأوصافه والروح وأخلاقه ﴿ والله وليهما ﴾ ليخرجهما من ظلمات البشرية إلى نور الربوبية ﴿ ولقد نصركم الله ببدر ﴾ الدنيا ﴿ وأنتم أذلة ﴾ من غلبات شهوات النفس ﴿ إذ تقول للمؤمنين ﴾ فيه إشارة إلى أن نور النبي  يلهم أرواح المؤمنين على الدوام عند مقاتلة الشياطين ومجاهدة النفس ومكابدة الهوى في الركون إلى زخارف الدنيا.

وثلاثة آلاف من الملائكة إشارة إلى الجنود الروحانية الملكوتية التي لا تدركها الحواس كقوله: ﴿ وأنزل جنوداً لم تروها  ﴾ ﴿ بلى إن تصبروا ﴾ على مخالفة النفس وتثقوا بالله عما سواه يزدكم في الإمداد بالجنود ﴿ ليقطع طرفاً ﴾ ليقهر بعضاً من الصفات النفسانية التي هي منشأ الكفر بنصر الروح وصفاته ﴿ أو يكبتهم ﴾ أو يغلبهم ويظفر بهم ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ يعز بحكمته من يشاء على ما يشاء والله المستعان على ما تصفون.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ .

يذكرهم - عز وجل - ألا يتكلوا إلى أنفسهم لكثرتهم ولقوتهم ولعدّتهم، ولا يثقوا بأحد سواه، بل على الله يتوكلون، وإليه يكلون، وبه يثقون؛ لأنه أخبر أنهم كانوا أذلة ضعفاء فنصرهم، وأمدّ لهم بالملائكة حتى قهر عدوهم - مع ضعفهم، وقلة عددهم - يوم بدر.

ويوم أحد: كانوا أقوياء كثيري العدد؛ فوكلوا إلى أنفسهم، فكانت الهزيمة عليهم.

وقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .

يعني: اتقوا معاصيه ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .

فيه دلالة أن الشكر إنما يكون في طاعته، واتقاء معاصيه، وأن المحنة إنما تكون في الشكر لما أنعم عليه، والتكفير لما سبق منه من الجفاء والغفلة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ ﴾ ، وذكر في سورة الأنفال: ﴿ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ  ﴾ .

فاختلف فيه: قيل: كانوا عشرة آلاف؛ لأنه ذكر مرة: ثلاثة آلاف، ومرة: خمسة آلاف.

ومرة: ألفاً - مردفين؛ فيكون ألفان، فذلك عشرة آلاف.

وقيل: كانوا تسعة آلاف: ثلاثة آلاف وخمسة آلاف، وألف.

وقيل: كانوا كلهم خمسة آلاف: ثلاثة آلاف؛ وألفان مدد لهم.

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: كان يوم أحد.

وقال آخرون: يوم بدر.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ  ﴾ يوم بدر، ولا ندري كيف كانت القصة؟

وليس لنا إلى معرفة القصة حاجة؛ سوى أن فيه بشارة للمؤمنين بالنصر لهم، والمعونة بقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾ جعل في ذلك تسكين قلوب المسلمين.

ثم اختلف في "قتال الملائكة": قال بعضهم: قاتل الملائكة الكفار.

وقال آخرون: لم يقاتلوا، ولكن جاءوا بتسكين قلوبهم ما ذكر في الآية، ولا يحتمل القتال؛ لأنه ذكر في الآية: ﴿ وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ  ﴾ ، ولو كانوا يقاتلون لم يكن لما يقلل معنى؛ ولأن الواحد منهم كاف لجميع المشركين، ألا ترى أن جبريل -  - كيف رفع قريات لوط إلى السماء فقلبها؟!

فدلّ لما ذكرنا، والله أعلم.

وقيل: قاتلوا يوم بدر، ولم يقاتلوا يوم أحد.

فلا ندري كيف كان الأمر؟.

وقوله: ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾ : قيل: "منزلين"؛ "ومسوّمين" سواء، وهو من الإرسال؛ ومن التسويم.

وقيل: معلمين بعلامة، وذلك - والله أعلم - لِيُعْلِمَ المؤمنين حاجتهم إلى العلامة، [لا أن] الملائكة يحتاجون إلى العلامة؛ وكذلك روي عن نبيّ الله  أنه قال لأصحابه يوم بدر: "تَسَوَّمُوا؛ فإنَّ المَلائِكةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ" وقوله: ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .

ليعلم أنّ في النصر لطفاً من الله لا يوصل إليه شيء من خلقه؛ لأنه نفاه عنهم مع مدد الملائكة؛ ليعلم أن كل منصور على آخر - إنما كان ذلك من الله - عز وجل.

وقوله: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ...

﴾ \[الآية\].

قال قتادة: "كان يوم بدر قتل صناديدهم وقادتهم في الشر".

وقيل: ﴿ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ : جماعة.

وقيل: ﴿ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ...

﴾ : يعني: أهل مكة.

وقوله: ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ : قيل: يخزيهم.

وعن ابن عباس -  - قال: "الكبت: الهزيمة".

وقيل: الكيت: هو الصرع على وجهه.

وقوله: ﴿ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ ﴾ : والخائب: هو الذي لم يظفر بحاجته، أي: رجعوا ولم يصيبوا ما أمَّلوا.

قال الشيخ - رحمه الله -: ما ذكر من حضور الملائكة الحرب فهو - والله أعلم - في حق محنة الملائكة، ولله أن يمتحنهم بما شاء من الحضور والمعونة، والكف عن ذلك، أوالدعاء لأوليائه بالنصر، وبما شاء الله من الوجوه التي يمتحن بها عباده، وفيهم من قد امتحنه على الأرزاق والأرواح، والأمطار والأعمال، وأنواع الأذكار والأفعال؛ إذ هم خلق اصطفاهم واختارهم لعبادته وطاعته في جميع ما يأمرهم؛ ليجل به قدرهم، ويعلي رتبتهم، ثم لو أذن لهم بالمعونة أعانوا المؤمنين على قدر الإذن لهم؛ إذ هم - على ما وصفهم الله -: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ ﴾ فصلت: 38] وغير ذلك مما وصفهم بالطاعة له، والاتباع لأمره، وما أكرمهم من هيبة جلاله، وخوف عقابه، صلوات الله عليهم أجمعين.

ثم كان للمؤمنين في حضورهم أنواع البشارات فيما لم يكن أذن لهم بالقتال، وأنواع الآيات فيما قد أذن لهم، على ما ذكر من أمر بدر وغيره؛ مما أخبر الله - عز وجل - من إرسال جنوده، وهزيمة أعدائه؛ بمنّه وفضله، من ذلك: ما قال الله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية [الأنفال: 12]، أن يكون الله يؤيّدهم بما به تشجيع قلوب المؤمنين على ما قد أمكن أعداءه من أنواع الوساوس، التي لديها تضطرب قلوبهم، وتزل أقدامهم، فمثله يمكن أولياءه في تشجيع المؤمنين، ليسكن قلوبهم، ويثبت أقدامهم، والله أعلم.

والثاني: أن يكون الذي جُبل عليه الخلق أن يكون كل أحد عند معاينة الحاجة إلى دعائه، وما يحتمل وسعه من معونة؛ عليه أقبل وبه أرغب؛ فيكون للمؤمنين بحضورهم رجاء النصر بدعائهم، ويخرج قوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا...

﴾ الآية [غافر: 51]، وقوله -  -: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.

أو كان رسول الله  في عصرهم يبشرهم بحضورهم؛ فيكون لهم بذلك فضل ثبات وقرار حياة منهم بما أعلموا إطلاعهم على ذلك، أو يكون لهم فضل قوة بذلك، وإقبال على الأمر؛ على ما جبل الخلق من الإقبال على الأمور المهمة، وإذا كثروا على ذلك قوله: ﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ  ﴾ ولعلهم - أيضاً - بما يطمعون أنهم لو أطاعوا الله، وثبتوا لأعدائه - أن لهم النصر والدفع، فكان ذلك بعض ما يستبشرون؛ وعلى ذلك أكثر ما بلي أصحاب رسول الله  بالهزيمة، إنما كان يصرف قلوبهم إلى بعض ما جبل عليه البشر من حبّ الدنيا، والإعجاب بالكثرة، ونحو ذلك، ثم من أعظم الأعلام في ذلك ما قال الله - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ فتكون البشارة والطمأنينة بالذي جبل عليه البشر على ما بينتُ، ويكون النصر من عند الله، الذي متى أراد نصر أحد لن يغلب، قلَّت أعوانه أو كثرت، وذلك لطف من الله العزيز العليم؛ يريهم النصر من الوجه الذي لا يعلمه إلا هو، وفي حال الأنفس من أنفسهم أن يقوم لعدوهم؛ ليعلموا عظيم لطفه الذي بمثله ارتفعت درجات الأخيار، وشرفت منازلهم، ولو كان لهم بالإذن؛ على ما ذكر من قوة جبريل -  - في قلب قريات لوط بجناح واحد، لم يكن يقوم لمثله أهل الأرض، فضلاً عن عدد يسير منهم، ولكنهم لا يتقدمون بين يدي الله، والله لم يكن أذن لهم في القتال عند كل مشهد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هذا النصر الذي تحقق لكم في غزوة بدر أراد به أن يهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل، ويخزي طائفة أخرى، ويغيظهم بهزيمتهم، فيرجعوا بفشل وذل.

<div class="verse-tafsir" id="91.bez89"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إن هذه الآيات وعشرات بعدها نزلت في شأن غزوة أحد، ويتوقف فهمها على الوقوف على قصة تلك الغزوة ولو إجمالًا فوجب لذلك أن نأتي قبل تفسيرها بما يعين على فهمها ويبين له مواقع تلك الأخبار وما فيها من الحكم والأحكام فنقول: لما خذل الله المشركين في غزوة بدر ورجع فلهم إلى مكة مقهورين موتورين نذر أبو سفيان بن حرب أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدًا  فخرج في مائة رجل من قريش حتى أتى بني النضير ليلًا، وبات ليلة واحدة عند سلام بن مشكم اليهودي سيد بني النضير وصاحب كنزهم فسقاه الخمر وبطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقبة ليلته وأرسل أصحابه إلى ناحية من المدينة يقال لها العريض فقطعوا وحرقوا صورًا من النخل ورأوا رجلًا من الأنصار وحليفًا له فقتلوهما ونذر به رسول الله  ، فخرج في طلبهم فلم يدركهم لأنهم فروا وألقوا سويقًا كثيرًا من أزوادهم يتخففون به فسميت غزوة السويق وكانت بعد بدر بشهرين، وإنما ذكرناها قبل ذكر أحد ليعلم القارئ أن العدوان من المشركين على المسلمين كان متصلًا متلاحقًا.

ولما رجع أبو سفيان إلى مكة أخذ يؤلب على رسول الله  والمسلمين وكان بعد قتل صناديد قريش في بدر هو السيد الرئيس فيهم، لذلك كلمه في أمر المسلمين الموتورون من عظماء قريش كعبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية ليبذل مال العير التي كان جاء بها من الشام في أخذ الثأر فرضي هو وأصحاب العير بذلك، وكان مال العير كما في السيرة الحلبية خمسين ألف دينار ربحت مثلها فبذلوا الربح في هذه الحرب فاجتمعت قريش للحرب حين فعل ذلك أبو سفيان بن حرب وخرجت بحدها وجدها وأحابيشها، ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة فكانوا نحو ثلاثة آلاف وأخذوا معهم نساءهم التماس الحفيظة وأن لا يفروا فإن الفرار بالنساء عسر والفرار دونهن عار، وكان مع أبي سفيان وهو القائد زوجه هند ابنة عتبة فكانت تحرض الغلام وحشيًا الحبشي الذي أرسله مولاه جبير بن مطعم ليقتل حمزة عم النبي  بعمه طعمة بن عدي الذي قتل ببدر وقد علق عتقه على قتله وكان هذا الحبشي ماهرًا في الرمي بالحربة على بعد قلما يخطئ فكانت هند كلما رأته في الجيش تقول له" ويها أبا دسمة اشف واشتف"، تخاطبه بالتكنية تكريمًا له، وذكر الحلبي أنهم ساروا أيضًا بالقيان والدفوف والمعازف والخمور.

نزل أبو سفيان بجيشه قريبًا من أحد في مكان يقال له "عينين" على شفير الوادي مقابل المدينة وكان ذلك في شوال من السنة الثالثة فلما علم رسول الله  بذلك استشار أصحابه كعادته أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة وكان رأيه هو أن يتحصنوا بالمدينة فإن دخلها العدو عليهم قاتلوه على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت ووافقه على هذا الرأي أكابر المهاجرين والأنصار كما في السيرة الحلبية وعبد الله بن أُبي، وكان هو الرأي، وأشار عليه جماعة من الصحابة أكثرهم من الأحداث وممن كان فاتهم الخروج يوم بدر بأن يخرج إليهم رغبتهم في القتال فما زالوا يلحون على رسول الله  حتى دخل فلبس لأمته بعد صلاة الجمعة وكان قد أوصاهم في خطبتها ووعدهم بأن لهم النصر ما صبروا، ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله  ولم يكن لنا ذلك وقالوا له قد استكرهناك ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد فقال: "ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه"، أي لما في فسخ العزيمة بعد إحكامها وتوثيقها من الضعف ومبادئ الفشل وسوء الأسوة.

وفي سحر يوم السبت خرج بألف من أصحابه واستعمل بالمدينة عبد الله بن أم مكتوم الأعمى على الصلاة بمن بقي فيها.

فلما كانوا بالشوط بين المدينة وأحد انعزل عنه عبد الله بن أُبي بن سلول بنحو ثلث العسكر (وهم ٣٠٠) وقال: أطاعهم وعصاني -وفي رواية أطاع الولدان زمن لا رأي له- فما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس.

فرجع بمن اتبعه من قومه أهل النفاق والريب فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا.

قالوا لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع ولكن نرى أنه لا يكون قتال.

وقد كان المسلمون نحو ثلث المشركين الذين خرجوا إليهم فأمسوا وقد ذهب من الثلث نحو ثلثه.

وهمت بنو سلمة من الأوس وبنو حارثة من الخزرج أن تفشلا فعصمهما الله تعالى.

وقد كان خروج المنافقين منهم خيرًا لهم كما قال تعالى في مثل ذلك يوم تبوك ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا  ﴾ الآية وإنما ارتأى عبد الله بن أُبي عدم الخروج ليكتفي أمر القتال أو خطره حرصًا على الحياة وإيثارًا لها على إعلاء كلمة الله فكان على موافقته للرسول في الرأي مخالفًا له في سببه وعلته، فالرسول  كان يراعي في جميع حروبه التي كانت كلها دفاعًا قاعدة ارتكاب أخف الضررين وأبعد الأمرين عن العدوان رحمة بالناس وإيثارًا للسلام.

وتعزز رأيه المبني على هذه السنة برؤيا رآها قبل ذلك وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.

رأى أن في سيفه ثلمة ورأى أن بقرًا تذبح وأنه أدخل يده في درع حصينة فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته فكان ذلك الرجل حمزة عمه  -وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون وتأول الدرع بالمدينة.

ولكنه على هذا كله عمل برأي الجمهور من أصحابه.

إقامة لقاعدة الشورى التي أمره الله بها وهو لم يخالف بذلك قاعدة ارتكاب أخف الضررين بل جرى عليها لأن مخالفة رأي الجمهور ولو إلى خير الأمرين هضم لحق الجماعة وإخلال بأمر الشورى التي هي أساس الخير كله.

وإنما يكون المكث في المدينة خيرًا من الخروج إلى العدو في أحد لو لم يكن مخلًا بقاعدة الشورى كما هو ظاهر، فكيف ترك المسلمون هذا الهدى النبوي الأعلى ورضوا بأن يكون ملوكهم وأمراؤهم مستبدين بالأحكام والمصالح العامة يديرون دولابها بأهوائهم التي لا تتفق مع الدين ولا مع العقل؟؟

وسأل قوم من الأنصار النبي  أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود فأبى وكان في الحقيقة ضلع اليهود مع المشركين، ولم يكونوا في عهودهم بموفين.

ومضى النبي بأصحابه حتى مر بهم في حرة بني حارثة وقال لهم "من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (قرب) لا يمر بنا عليهم؟" قال أبو خثيمة أخو بني حارثة ابن الحارث: أنا يا رسول الله.

فنفذ به في حرة قومه بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بن قيظي وكان رجلًا منافقًا ضرير البصر.

فلما سمع حس رسول الله  وأصحابه قام يحثو في وجوههم التراب ويقول إن كنت رسول الله فلا أحل لك أن تدخل حائطي.

قال ابن هشام: وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: والله لو أني أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك.

فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله  : "لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر".

وفي هذه المسألة من علم النبي بفن الحرب الإرشاد إلى اختيار أقرب الطرق إلى العدو وأخفاها عنه وذلك يتوقف على العلم بخرت الأرض الذي يعرف اليوم بعلم الجغرافية وإباحة المرور في ملك الناس عند الحاجة إلى ذلك لتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

وفيها من رحمته  أنه لم يأذن بقتل ذلك المنافق المجاهر بعدائه بل رحمه وعذره ولم تكن المصلحة العامة تتوقف على قتله.

ولم تكن العرب قبل الإسلام تراعي هذه الدقة في حفظ الدماء بل قلما تراعيه أمة من الأمم في زمن الحرب.

ومضى رسول الله  حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: "لا يقاتلن أحد حتى نأمر بالقتال" وفي ذلك من إحكام الحرب أن الرئيس هو الذي يفتحها وما كانت العرب تراعي ذلك دائمًا لا سيما إذا حدث ما يثير حميتهم وقد امتثلوا الأمر على استشراف ولذلك قال بعض الأنصار وقد رأى قريشًا قد سرحت الظهر والكراع في زروع للمسلمين: أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب؟

وفيه من الفوائد ما لا محل لشرحه هنا.

فلما أصبح يوم السبت تعبى للقتال وهو في سبعمائة فيهم خمسون فارسًا وظاهر بين درعين - أي لبس درعًا فوق درع - واستعمل على الرماة وكانوا خمسين عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض وقال: "انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك" ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بني عبد الدار وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بين العوام وعلى الأخرى المنذر بن عمرو.

ثم استعرض  الشبان يومئذ فرد من استصغره عن القتال وهم ١٧ وأجاز أفرادًا من أبناء الخامسة عشرة قيل لسنهم وقيل لبنيتهم وطاقتهم ولعله الصواب فإنه كان قد رد سمرة بن جندب ورافع بن خديج ولهما خمس عشرة سنة فقيل له يا رسول الله إن رافعًا رام فأجازه فقيل له فإن سمرة يصرع رافعًا.

فأجازه وروي أنهما تصارعا أمامه.

ورد عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعمرو بن حزم وأسيد بن ظهير والبراء بن عازب ثم أجازهم يوم الخندق وهم أبناء خمس عشرة إذ كانوا يطيقون القتال في هذه السن كما هو الغالب في العرب يومئذ.

وتعبت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل معهم مئتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل وابتدأت الحرب بالمبارزة.

ولما اشتبك القتال والتقى الناس بعضهم ببعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن خلف الرجال ويحرضهن، فقالت هند فيما يقول: ويهًا بني عبد الدار * ويهًا حماة الأدبار * ضربًا بكل بتار * إن تقبلوا نعانق * ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق.

وروي أن النبي  كان يقول عند سماع نشيد النساء: "اللهم بك أحول وبك أصول وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل".

وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر عبد بن عمرو بن صيفي وكان رأس الأوس في الجاهلية فلما جاء الإسلام شرق به وجاهر رسول الله  بالعداوة، وخرج من المدينة إلى مكة يؤلب قريشًا على قتاله ويزعم أن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه، وكان يسمى الراهب فسماه النبي  بالفاسق.

ولما برز نادى قومه وتعرف إليهم فقالوا له: لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق.

فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر.

وقاتل قتالًا شديدًا.

وقد كان الظفر للمسلمين في المبارزة ثم في الملاحمة وأبلى يومئذ أبو دجانة الأنصاري الذي أعطاه النبي  سيفه وحمزة أسد الله وأسد رسوله وعلي بن أبي طالب والنضر بن أنس وسعد بن الربيع وغيرهم بلاء عظيمًا حتى انهزم المشركون وولوا مدبرين.

وروي أن حمزة قتل ٣١ مشركًا.

لما انهزم المشركون وولوا إلى نسائهم مدبرين ورأى الرماة من المسلمين هزيمتهم ترك الرماة مركزهم الذي أمرهم رسول الله  بحفظه وأن لا يدعوه سواء كان الظفر للمسلمين أو عليهم "وإن رأوا الطير تتخطف العسكر" لئلا يكر عليهم المشركون ويأتوهم من ورائهم وهو ما يعبر عنه في الاصطلاح العسكري بخط الرجعة.

وقالوا: يا قوم الغنيمة الغنيمة.

فذكرهم أميرهم عهد رسول الله  فلم يرجعوا وظنوا أن ليس للمشركين رجعة فذهبوا في طلب الغنيمة وأخلوا الثغر.

فلما رأى الفرسان المشركين الثغر خاليًا قد خلا من الرماة كروا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين وأبلوا فيهم حتى خلصوا إلى رسول الله  فجرحوا وجهه الشريف وكسروا رباعيته اليمنى من ثناياه السفلى وهشموا البيضة التي على رأسه ودثوه بالحجارة حتى وقع لشقه وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين فأخد علي بيده واحتضنه طلحة بن عبيد الله.

وكان الذي تولى أذاه عمر بن قمئة وعتبة ابن وقاص.

وقتل مصعب بن عمير بين يديه فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب، ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه فانتزعهما أبو عبيدة ابن الجراح عض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته، وطمع فيه المشركون فأدركوه يريدون منه ما الله عاصم إياه منهم بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ  ﴾ وحال دونه نفر من المسلمين نحو عشرة حتى قتلوا، ثم جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه، وترس عليه أبو دجانة بنفسه فكان يقع النبل على ظهره وهو لا يتحرك حتى كثر فيه، ودافع عنه أيضًا بعض النساء اللواتي شهدن القتال.

وقد انتهت الحرب بصرف الله المشركين عما كانوا يريدون من استئصال المسلمين فإن المسلمين كانوا أولًا هم الغالبين بحسن تدبير الرسول  والصبر والثبات وتمحض القصد إلى الدفاع عن دين الله وأهله فلما أخرجهم الظفر عن التزام طاعة رسولهم وقائدهم ودب إلى قلوب فريق منهم الطمع في الغنيمة فشلوا وتنازعوا في الأمر كما سيأتي في تفسير قوله ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ  ﴾ وزادهم فشلًا إشاعة قتل الرسول  حتى فر كثيرون إلى المدينة منهم عثمان بن عفان والوليد بن عقبة وخارجة بن زيد ولكنهم استحيوا من دخولها فرجعوا بعد ثلاث.

واختلط الأمر على كثير ممن ثبت ولما جاءهم خالد بالفرسان من ورائهم صار يضرب بعضهم بعضًا على غير هدى فمنهم الذين استبسلوا وأرادوا أن يموتوا على ما مات عليه رسول الله  ومنهم الذين كانوا معه  يفدونه بأنفسهم ويتلقون السهام والسيوف دونه حتى كان يعز عليهم أن يروه ناظرًا إلى جهة المشركين لئلا يصيبه سهم فكان أبو طلحة الذي تقدم ذكر نضاله عنه يقول له: يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تنظر يصبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك، ولما علم سائر المسلمين ببقاء رسول الله  نفخت فيهم روح جديدة من القوة فاجتمع أمرهم حتى يئس المشركون منهم وصرفهم الله عنهم كما صرح به القرآن العزيز فيما يأتي.

فهذا ما كان من حرب الثلاثة آلاف من المشركين للسبعمائة من المسلمين.

ولما انكفأ المشركون راجعين ظن المسلمون أنهم يريدون المدينة فقال النبي  لعلي: "أخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة وإن كانوا ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدنية، فوالذي نفس محمد بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم ثم لأنجزنهم فيها" فرآهم علي قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا مكة.

ولما عزموا على الرجوع أشرف أبو سفيان على المسلمين وناداهم: موعدكم الموسم ببدر.

فقال النبي  : "قولوا نعم قد فعلنا".

ولما كان المشركون في الطريق تلاوموا فيما بينهم وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا، أصبتم شوكتهم وحدهم وتركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم.

فبلغ ذلك النبي  فنادى الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم وقال: "لا يخرج معنا إلا من شهد القتال" فاستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد والخوف وقالوا: "سمعًا وطاعة" وذلك من خوارق قوة الإيمان وآياته الكبرى فإن هؤلاء المستجيبين كان قد برح بهم التعب والجراح تبريحًا.

فسار بهم حتى بلغوا "حمراء الأسد".

وأقبل معبد الخزاعي إلى رسول الله  فأسلم فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيخذله فلحقه بالروحاء، فقال ما وراءك يا معبد؟

فقال: محمد وأصحابه قد تحرقوا عليكم وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم.

فقال: ما تقول؟

قال: ما أرى أن ترتحل حتى يطلع أول جيش من وراء هذه الأكمة.

فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم.

قال: فلا تفعل فإني لك ناصح.

فرجعوا على أعقابهم إلى مكة.

ولقي أبو سفيان بعض المشركين يريد المدينة فقال: هل لك أن تبلغ محمدًا رسالة وأوقر لك راحلتك زبيبًا إذا أتيت إلى مكة؟

قال: نعم.

قال: أبلغ محمدًا أنا قد أجمعنا الكرة لنستأصله ونستأصل أصحابه.

فلما بلغ النبي والمؤمنين قوله قولوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل".

ولما رجعوا قال المنافقون فيمن قتل لو كانوا أطاعونا ولم يخرجوا لما قتلوا.

وجه اتصال الآيات بما قبلها هو أنه تعالى نهاهم في تلك عن اتخاذ بطانة من الأعداء المعروفين بالعداوة لهم وأعلمهم ببغضهم إياهم وإن خادعهم أفراد منهم بدعوى الإيمان وأنهم إن يصبروا ويتقوا ما يجب اتقاؤه لا يضرهم كيدهم شيئًا.

وبعد هذا البيان ذكرهم في هذه الآيات بوقعة أحد وما كان فيها من كيد المنافقين إذ قالوا أولًا وآخرًا وإذ خرجوا ثم انشقوا ورجعوا ليخذلوا المؤمنين ويوقعوا الفشل فيهم، ومن كيد المشركين وتألبهم الذي لم يكن له من دافع إلا الصبر حتى عن الغنيمة التي طمع فيها الرماة فتركوا موقعهم، وإلا التقوى ومنها بل أهمها طاعة الرسول  فيما أمر به هؤلاء الرماة، وذكرهم أيضًا بوقعة بدر إذ نصرهم على قلتهم بصبرهم وتقواهم.

قال تعالى ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾ أي واذكر بعد هذا يا محمد إذ خرجت من بيت أهلك غدوة وذلك سحر يوم السبت سابع شوال من سنة ثلاث للهجرة ﴿ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ  ﴾ أي توطنهم وتنزلهم أماكن ومواضع في الشعب من "أُحد" لأجل القتال فيها، فمنها موضع للرماة وموضع للفرسان وموضع لسائر المؤمنين، فالمقاعد جمع مقعد وهو في الأصل مكان القعود كالمجلس لمكان الجلوس والمقام لمكان القيام، ثم استعملت هذه الألفاظ كلها بمعنى المكان توسعًا.

وقيل تبوئة المقاعد تسويتها وتهيئتها ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ لم يخف عنه شيء مما قيل في مشاورتك لمن معك في أمر الخروج إلى لقاء المشركين في "أُحد" أو انتظارهم في المدينة، فهو قد سمع أقوال المشركين وعلم نية كل قائل وأن منهم المخلص في قوله وإن أخطأ في رأيه كالقائلين بالخروج إليهم ومنهم غير المخلص في قوله وإن كان صوابًا كعبد الله بن أُبي ومن معه من المنافقين.

ويصح أن يكون الوصفان الكريمان متعلقًا للظرف في الآية التالية كما نبينه في تفسيرها.

وذهب ابن جرير إلى أن الخطاب في هذه الآية للنبي والمراد به أصحابه يضرب لهم مثلًا أو مثلين على صدق وعده في الآية السابقة ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا  ﴾ بتذكيرهم بما كان يوم "أُحد" من وقوع المصيبة بهم عند ترك الرماة الصبر والتقوى - وذنب الجماعة أو الأمة لا يكون عقابه قاصرًا على من اقترفه بل يكون عامًا- وبما كان يوم بدر إذ نصرهم على قلتهم وذلتهم.

وهذا الرأي يتفق مع ما ذكرناه في وجه الاتصال بين الآيات.

﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا  ﴾ قال ابن جرير يعني بذلك جل ثناؤه والله سميع عليم حين همت طائفتان منكم أن تفشلا.

والهم حديث النفس وتوجهها إلى الشيء والفشل ضعف مع جبن.

وقيل إن هذا بدل من قوله ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ  ﴾ وقيل متعلق بتبوئ.

أي كان  يتخذ المعسكر للمؤمنين وينزل كل طائفة منهم منزلًا في وقت همت فيه طائفتان منهم بالفشل افتتانًا بكيد المنافقين الذين رجعوا من المعسكر.

والطائفتان هما بنو سلمة وبنو حارثة من الأنصار، ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا  ﴾ أي متولي أمورهما لصدق إيمانهما لذلك صرف الفشل عنهما وثبتهما فلم يجيبا داعي الضعف الذي ألمّ بهما عند رجوع ثلث العسكر بل تذكرا ولاية الله للمؤمنين فوثقا به وتوكلا عليه ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ  ﴾ أمثالهم لا على حولهم وقوتهم ولا على أعوانهم وأنصارهم وإنما يبذلون حولهم وقوتهم.

ويأخذون أهبتهم وعدتهم، إقامة لسنن الله تعالى في خلقه إذ جعل الأسباب مفضية إلى المسببات وهو الفاعل المسخر للسبب والمسبب والموفق بينهما فينصر الفئة القليلة على الكثيرة إن شاء كما نصر المؤمنين يوم بدر ولذلك قال: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ  ﴾ وهو ماء أو بئر بين مكة والمدينة كان لرجل اسمه بدر فسمي باسمه ثم أطلق اللفظ على المكان الذي هو فيه.

وقد كانت فيه أول غزوة قاتل فيها النبي المشركين في ١٧ رمضان من السنة الثالثة للهجرة فنصره الله عليهم نصرًا مؤزرًا ﴿ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ  ﴾ أي نصركم في حال ذلة كنتم فيها على قتلكم -كما يفيده لفظ أذلة، إذ هو جمع قلة- وقد كانوا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلًا.

والمراد بكونهم أذلة أنهم لا منعة لهم إذ كانوا قليلي العدة من السلاح والظهر والزاد.

ولا غضاضة في الذل إلا إذا كان عن قهر من البغاة والظالمين، ولم يكن المؤمنون بمقهورين ومستذلين من الكافرين وإنما كانت قوتهم في أوائل تكونها ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ فإن التقوى هي التي تعدكم لقيام مقام الشكر على النعم التي يسديكم إياها فمن لم يَرُضْ نفسه بالتقوى غلب عليه اتباع الهوى فلا يرجى له أن يكون شاكرًا يصرف النعمة التي وهبت لأجله من الحكم والمنافع.

﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ قيل إن هذا متعلق بقوله ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ  ﴾ وقيل إنه خاص بوقعة أحد التي ورد فيها هذا السياق كقوله ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا  ﴾ متعلق بتبوئ أو بسميع أو بدل من إذ الأولى.

والتقدير تبوئهم مقاعد للقتال في الوقت الذي هَمَّ فيه بعضهم بالفشل مع أن الله نصركم ببدر على قلة وذلة -وفي الوقت الذي كنت تقول فيه للمؤمنين ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ  ﴾ وهذا هو المختار.

والتقدير على الأول أن الله نصركم ببدر في ذلك الوقت الذي كنت تقول فيه لهم ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ  ﴾ إلخ أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين.

فشق ذلك عليهم فأنزل الله ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ  ﴾ إلخ فبلغت كرزًا الهزيمة فلم يمد المشركين.

ورواه ابن جرير عن الشعبي وعن غيره وذكر الخلاف في حصول هذا الإمداد بالفعل وأن بعضهم يقول أنه لم يحصل وبعضهم قال إنه حصل يوم بدر ونقل عن بعضهم أن الوعد بالإمداد وإن لم يحصل ببدر عام في كل الحروب وأنهم أُمدوا في حرب قريظة والنضير والأحزاب ولم يمدوا يوم أحد لأنهم لم يصبروا ولم يتقوا.

وروي عن الضحاك أن هذا كان وعدًا من الله يوم أحد عرضه على نبيه محمد  أن المؤمنين إن اتقوا وصبروا أمدهم بخمسة آلاف.

وروي نحوه عن ابن زيد قال "قالوا لرسول الله  وهم ينظرون المشركين أليس الله يمدنا كما أمدنا يوم بدر؟

فقال رسول الله  ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين وإنما أمدكم يوم بدر بألف.

قال فجاءت الزيادة ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ  ﴾ الفور في الأصل فوران القِدْر ونحوها ثم استعير الفور للسرعة ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج من صاحبها على شيء، فمعنى يأتوكم من فورهم من ساعتهم هذه بدون إبطاء ومسومين من التسويم قرأها ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بكسر الواو المشددة والباقون بفتحها.

وقد ورد سومه الأمر بمعنى كلفه إياه وسوم فلانًا خلاه وسومه في ماله حكمه وصرفه وسوم الخيل أرسلها، وكل هذه المعاني ظاهرة على قراءة فتح الواو من "مسومين" فيصح أن يكون المعنى أن هؤلاء الملائكة يكونون مكلفين من الله تثبيت قلوب المؤمنين، أو محكمين ومصرفين فيما يفعلونه في النفوس من إلهام النصر بتثبيت القلوب والربط عليها، أو مرسلين من عنده تعالى.

وأما قراءة كسر الواو "مسومين" فهي من قولهم سوم على القوم إذا أغار عليهم ففتك بهم ولو بالإعانة المعنوية على ذلك.

وقال بعض المفسرين إنه من التسويم بمعنى إظهار سيما الشيء أي علامته أي معلمين أنفسهم أو خيلهم وهو كما ترى لولا الرواية لم يخطر على بال أحد منهم ويمكن أن يقال مسومين للمؤمنين بما يظهر عليهم من سيما تثبيتهم إياهم.

قال ابن جرير بعد ذكر الخلاف في هذا الإمداد ما نصه: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال إن الله أخبر عن نبيه محمد  أنه قال للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا، ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف ولا على أنهم لم يمدوا بهم، وقد يجوز أن يكون الله أمدهم على نحو ما رواه الذين اثبتوا أن الله أمدّهم، وقد يجوز أن يكون الله لم يمدهم على النحو الذي ذكره من أنكر ذلك.

ولا خبر عندنا صح من الوجه الذي يثبت أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف، وغير جائز أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به ولا خبر به فنسلم لأحد الفريقين قوله.

غير أن في القرآن دلالة على أنهم قد أُمدوا يوم بدر بألف من الملائكة وذلك قوله: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ  ﴾ أما في أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها في أنهم أُمدوا وذلك أنهم لو أُمدوا لم يهزموا وينل منهم ما نيل منهم".

﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزٌ الحَكِيمٌ  ﴾ قال ابن جرير: يعني تعالى ذكره وما جعل الله وعده إياكم ما وعدكم به من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددهم إلا بشرى لكم يبشركم بها ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ  ﴾ يقول وكي تطمئن بوعده الذي وعدكم من ذلك قلوبكم فتسكن إليه ولا تجزع من كثرة عدد عدوكم وقلة عددكم ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ  ﴾ يعني وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلا بعون الله لا من قبل المدد الذي يأتيكم من الملائكة.

وذكر بعض أهل السير أن الملائكة قاتلت يوم أحد، وهو ما نفاه ابن جرير وقد ذكرنا عبارته، بل روي عن ابن عباس أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر وفيما عداه كانوا عددًا ومددًا لا يقاتلون.

وأنكر أبو بكر الأصم قتال الملائكة وقال إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوط فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار وبتقدير حضوره أي فائدة في إرسال سائر الملائكة، وأيضًا فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم، وأيضًا لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أو لا، وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك ولأنه خلاف قوله: ﴿ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ  ﴾ ولو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل البتة، وعلى الثاني كان يلزم جز الرؤوس وتمزق البطون وإسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم والمرافق والمخالف.

وأيضًا إنهم كانوا أجسامًا كثيفة وجب أن يراهم الكل وإن كانوا أجسامًا لطيفة هوائية فكيف ثبتوا على الخيول.

ذكر ذلك الرازي والنيسابوري فالرازي أورد هذا عن الأصم وذكر حججه مفصلة كعادته بقوله الحجة الأولى- الحجة الثانية إلخ ولخصه النيسابوري عنه بما ذكرناه.

واعترض الرازي عليه بأن مثل هذا إنما يصدر من غير المؤمنين وكان يجب أن يرد عليه بما يدفع هذه الحجج أو يبين لها مخرجًا.

ليس في القرآن الكريم نص ناطق بأن الملائكة قاتلت بالفعل فيحتج به الرازي على أبي بكر الأصم وإنما جاء ذكر الملائكة في سياق الكلام عن غزوة بدر في سورة الأنفال على أنها وعد من الله تعالى بإمداد المؤمنين بألف من الملائكة، وفسر هذا الإمداد بقوله  : ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ  ﴾ قال ابن جرير في معنى التثبيت "يقول قووا بقتال أعدائهم" فأنت ترى أنه جزم بأن عمل الملائكة في ذلك اليوم إنما كان موضوعه القلوب بتقوية عزيمتها، وتصحيح نيتها، وذكر قول من قال إن ذلك كان بمعونتهم في القتال بصيغة تدل على ضعفه "قيل" وجعل قوله تعالى: ﴿ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ  ﴾ إلخ من تتمة خطاب الله للمؤمنين وهو الظاهر.

وبعض المفسرين يجعله بيانًا لما تثبت به الملائكة النفوس أي أنها تلقي فيها اعتقاد القاء الله الرعب في قلوب المشركين إلخ.

وبهذا يندفع ما قاله الرازي على الأصم ولا يبقى محل لحججه فإنه لا ينكر أن الملائكة أرواح يمكن أن يكون لها اتصال ما بأرواح بعض البشر وتأثير فيها بالإلهام أو تقوية العزائم.

ويؤيده قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى  ﴾ كما قال مثل ذلك في هذه السورة.

هذا ما كان يوم بدر وسيأتي بسطه في تفسير سورة الأنفال إن أحيانا الله تعالى.

وأما يوم أحد فالمحققون على أنه لم يحصل إمداد بالملائكة ولا وعد من الله بذلك وإنما أخبر الله عن رسوله  أنه ذكر ذلك لأصحابه وجعل الوعد به معلقًا على ثلاثة أمور: الصبر، والتقوى، وإتيان الأعداء من فورهم.

ولم تتحقق هذه الشروط فلم يحصل الإمداد كما تقدم.

ولكن القول أفاد البشارة والطمأنينة.

وبقي أن يقال ما الحكمة وما السبب في إمداد الله المؤمنين يوم بدر بملائكة يثبتون قلوبهم، وحرمانهم من ذلك يوم أحد حتى أصاب العدو منهم ما أصاب؟

والجواب عن ذلك يعلم من اختلاف حال المؤمنين في ذينك اليومين فنذكره هنا مجملًا مع بيان فلسفته الروحانية وندع التفصيل فيه إلى تفسير الآيات هنا وفي سورة الأنفال فإن ما هنا تفصيل لما في وقعة أحد من الحكم وما في سورة الأنفال تفصيل لما كان في وقعة بدر من ذلك.

كان المؤمنون يوم بدر في قلة وذلة من الضعف والحاجة فلم يكن لهم اعتماد إلا على الله تعالى وما وهبهم من قوة في أبدانهم ونفوسهم وما أمرهم به من الثبات والذكر إذ قال: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ فبذلوا كل قواهم وامتثلوا أمر ربهم ولم يكن في نفوسهم استشراف إلى شيء ما غير نصر الله وإقامة دينه والذود عن نبيه لا في أول القتال ولا في أثنائه فكانت أرواحهم بهذا الإيمان وهذا الصفاء قد علت وارتقت حتى استعدت لقبول الإلهام من أرواح الملائكة والتقوى بنوع ما من الاتصال بها.

وأما يوم أحد فقد كان بعضهم في أول الأمر على مقربة من الافتتان بما كان من المنافقين، ولذلك همت طائفتان منهم أن تفشلا، ثم إنهم لما تثبتوا وباشروا القتال انتصروا وهزموا المشركين الذين هم أكثر من ثلاثة أمثالهم، فكان بعد ذلك أن خرج بعضهم عن التقوى وخالفوا أمر الرسول  وطمعوا في الغنيمة وفشلوا وتنازعوا في الأمر فضعف استعداد أرواحهم فلم ترتق إلى أهلية الاستمداد من أرواح الملائكة فلم يكن لهم منهم مدد لأن الإمداد، لا يكون إلا على حسب الاستعداد.

هذا هو السبب لما حصل بحسب ما يظهر لنا وأما حكمته فهي تمحيص المؤمنين كمل سيأتي في قوله ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ  ﴾ إلخ وتربيتهم بالفعل على إقامة سنن الله تعالى في الأسباب والمسببات كما سيأتي في قوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ وبيان أن هذه السنن حاكمة حتى على الرسول  ، وأن قتل الرسول  ، أو موته لا ينبغي أن يكون مثبطًا للهمم ولا داعية إلى الانقلاب على الأعقاب وأنه ليس له من أمر العباد شيء وأن كل ما يصيبهم من المصائب فهو نتيجة عملهم إذ هو عقوبة طبيعية لهم وغير ذلك مما بينه الله تعالى في قوله: ﴿ أو لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ  ﴾ إلخ وقوله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ  ﴾ إلخ وغيرهما فلا نتعجله قبل الكلام في تفسير الآيات الناطقة به وما هي ببعيد.

ومن نكت البلاغة المؤيدة لما ذكرنا من اختلاف الحالين في الوقعتين أنه تعالى قال هنا: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ  ﴾ وقال في سورة الأنفال: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ  ﴾ والفرق بينهما أن المؤمنين لم يكن لهم يوم بدر ما تطمئن به قلوبهم غير وعد الله وبشارته لهم على لسان رسوله  ، ولذلك كان من دعائه يومئذ: "اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعْبَد في الأرض أبدًا"، وقال عمر راوي هذا الحديث: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال يا نبي الله كفاك مناشدتك لربك فإنه سينجر لك ما وعدك.

وأنزل الله يومئذ ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ  ﴾ .

فكان بهذا الوعد اطمئنان قلوبهم لا بسواه، فلذلك قدم "به" على "قلوبكم" وأما في يوم أحد فلم تكن الحال كذلك، كما علم مما تقدم آنفًا، فلم تَعْدُ البشارة أن تكون مما يطمئن به القلب فقال: ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ  ﴾ من غير قصر ثم قال تعالى: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ  ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا متعلق بقوله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ  ﴾ وبعض آخر إلى أنه من الكلام في وقعة أحد المقصودة بالذات فإن ذكر النصر ببدر إنما جاء استطرادًا، ولذلك أنكروا أن يكون ذكر الملائكة الثلاثة الآلاف والخمسة الآلاف متعلقًا به.

وهذا هو المختار عندنا.

أي أنه فعل ما فعل ليقطع طرفًا، أو ما النصر إلا من عنده ليقطع طرفًا.

ومعنى قطع الطرف منهم إهلاك طائفة منهم، يقال: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ  ﴾ إذا هلكوا، وقد نطق به التنزيل.

وعبر عن الطائفة بالطرف لأنهم الأقرب إلى المسلمين من الوسط أو أراد بهم الأشراف منهم، كذا قيل، والمتبادر الأول لا لأنه من باب ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ  ﴾ كما قيل، بل لأن الطرف هو أول ما يوصل إليه من الجيش.

وقد أهلك الله من المشركين يوم أحد طائفة في أول الحرب.

روى ابن جرير عن السدي أنه قال: ذكر الله قتلى المشركين يعني بأحد وكانوا ثمانية عشر رجلًا فقال: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ إلخ.

ونقول: قد ذكر غير واحد من أهل السير أن قتلى المشركين يوم أحد كانوا ثمانية عشر رجلًا ورد عليهم آخرون بأن حمزة وحده قتل نحو ثلاثين.

وصرح بعضهم بأن سبب غلط من قال ذلك القول هو ما روي أن بعض المسلمين أراد عد قتلى المشركين بعد ثمانية عشر.

وصرح بعضهم بأن سبب ذلك أن المشركين أخذوا قتلاهم أو دفنوهم لئلا يمثل بهم المسلمون بعد المعركة كما مثلوا هم بالمسلمين عندما أصابوا الغرة منهم وهذا هو المعقول.

وأما قوله: ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ  ﴾ فقد فسروه بأقوال منها أن معناه يخزيهم ومنها أن معناه يصرعهم لوجوههم، وفي الأساس: كبت الله عدوه أكبه وأهلكه.

ولكن صاحب الأساس فسر الكلمة في الكشاف بقوله: "ليخزيهم ويغيظهم بالهزيمة" وقال الراغب: الكبت الرد بعنف وتذليل.

وقال البيضاوي "أو يخزيهم والكبت شدة الغيظ أو وهن يقع في القلب" وكل هذه المعاني وردت في كتب اللغة وصرح البيضاوي بأن "أو" هنا للتنويع لا للترديد، والمعنى أنه يقطع طرفًا وطائفة ويكبت طائفة أخرى أي ويتوب على طائفة ويعذب طائفة كما في الآية الآتية: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ  ﴾ جملة "ليس لك من الأمر شيء" معترضة بين هذا التقسيم وما بعدها معطوف على ما قبلها.

ولما كانت هذه الآية مما نزل في وقعة أحد كما روي في الصحيح تعينّ أن تكون التي قبلها كذلك وإلا كانت غير مفهومة إلا بتكلف ينزه القرآن عن مثله على كونه لا حاجة إليه.

أما كونها نزلت في شأن واقعة أحد فيدل عليه ما ورد في سبب نزولها روى أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله  يوم أحد "اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام اللهم العن سهيل بن عمرو اللهم العن صفوان بن أمية" فنزلت هذه الآية فتيب عليهم كلهم، وروى البخاري عن أبي هريرة نحوه وروى أحمد ومسلم من حديث أنس أن النبي  كسرت رباعيته يوم أحد وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم" فأنزل الله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ  ﴾ الآية ذكر ذلك كله السيوطي في لباب النقول ولم يعز الأول إلى الترمذي والنسائي اكتفاء بمن هو أصح منهما رواية.

وقد روى ذلك ابن جرير من عدة طرق.

وما روي غير ذلك لا يعتد به.

ولا تنافي بين حديث ابن عمرو وحديث أنس لأن الجمع بينهما ظاهر وهو أنه قال ما قال فيهم حين أدموه ثم لعن رؤساءهم فنزلت الآية عقب ذلك كله.

وأما المعنى فقد قال ابن جرير: يعني بذلك تعالى ذكره: ليقطع طرفًا من اللذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ليس لك من الأمر شيء.

فقوله: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  ﴾ منصوب عطفًا على قوله أو: ﴿ يَكْبِتَهُمْ  ﴾ وقد يحتمل أن يكون تأويله ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم فيكون نصب يتوب بمعنى "أو" التي هي في معنى "حتى" والقول الأول أولى بالصواب لأنه لا شيء من أمر الخلق إلى أحد سوى خالقهم قبل توبة الكفار وعقابهم وبعد ذلك.

وتأويل "ليس لك من الأمر شيء ليس إليك يا محمد من أمر خلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري وتنهى فيهم إلى طاعتي وإنما أمرهم إلي والقضاء فيهم بيدي دون غيري أقضي فيهم وأحكم بالذي أشاء من التوبة على من كفر بي وعصاني وخالف أمري أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنقم المبيرة وإما في آجل الآخرة بما أعددت لأهل الكفر بي.

انتهى قول ابن جرير وقد أورد بعده ما عنده من الروايات في الآية.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل