تفسير سورة آل عمران الآيات ١٦٩-١٧٥ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٦٩-١٧٥

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ١٦٩ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ١٧٠ ۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٧١ ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ ١٧٢ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ ١٧٣ فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍۢ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌۭ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ١٧٤ إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ١٧٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

تطرف جماعة فزعموا أن حياة الشهداء كحياتنا هذه في الدنيا يأكلون أكلنا، ويشربون شربنا ويتمعتون تمتعنا، وهو قول لا يصدر عن عاقل لأن من الشهداء من يحرق بالنار، ومن تأكله السباع أو الأسماك، وقال بعضهم المراد أن أجسادهم لا تبلى، ولم يزد على ذلك، ولكن هذا لم يثبت، على أن الجسد لا ثمرة له إذا خرجت منه الروح.

﴿ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ  ﴾ .

إنما قال: ﴿ مِنْ خَلْفِهِمْ  ﴾ للدلالة على أنهم وراءهم يقتفون أثرهم ويحذون حذوهم قدمًا بقدم، فهو قيد فيه الخبر والحث والترغيب والمدح والبشارة، وهو من البلاغة بالمكان الذي لا يطاول.

﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ  الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ  ﴾ ذُكر في الآية السابقة استبشارهم بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم وأنهم فرحون بما آتاهم الله من فضله ثم ذكر هنا أنه يستبشرون بنعمة من الله وفضل، فالذي آتاهم من فضله مجمل تفصيله ما بعده وهو قسمان: فضل عليهم في إخوانهم الذين وراءهم، وفضل عليهم في أنفسهم وهو نعمة الله عليهم وفضله الخاص بهم في دار الكرامة، وقد أبهمه فلم يعينه للدلالة على عظمه وعلى كونه غيبًا لا يكتنه كنهه في هذه الدار.

ثم اختتم الكلام بفضله على إخوانهم كما افتتحه به وترك العطف لتنزيل الاستبشار الثاني منزلة الاستبشار الأول حتى كأنه هو.

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ  ﴾ : "من" للتبعيض وهي في محلها لأن من المؤمنين الصادقين من لم يخرج معه  إلى "حمراء الأسد" أي وهم من الذين لا يضيع الله أجرهم ولكنهم لا يستحقون الأجر العظيم الذي استحقه الذين خرجوا معه وهم مثقلون بالجراح ومرهقون من الإعياء إلى استئناف قتال أضعافهم من الأقوياء.

وثم وجه آخر وهو أنه وجد في نفوس بعض المؤمنين بعد أُحد شيء من الضعف فهذه الآيات كلها تأديب لهم، ولما دعاهم  للخروج لبوا واستجابوا له ظاهرًا وباطنًا، ولكن عرض لبعضهم عند الخروج بالفعل موانع في أنفسهم، أو أهليهم، فلم يخرجوا فأراد من الذين أحسنوا واتقوا الذين خرجوا بالفعل وهم بعض الذين استجابوا، والإحسان أن يعمل الإنسان العمل على أكمل وجوهه الممكنة والتقوى أن يتقي الإساءة والتقصير فيه.

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ  ﴾ الذين قال لهم الناس هم الذين استجابوا لله وللرسول فخرجوا إلى حمراء الأسد للقاء المشركين إذ عاد بهم أبو سفيان لاستئصالهم وكانوا سبعين رجلًا.

ولكن روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعكرمة أن الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى وذلك أن أبا سفيان قال حين أراد أن ينصرف من أُحد: يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر القابل إن شئت، فقال رسول الله  "ذلك بيننا وبينك إن شاء الله"، فلما كان العام القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل "مجنة" من ناحية "مر الظهران" وقيل بلغ "عسفان" فألقى الله تعالى الرعب في قلبه فبدا له الرجوع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد قدم معتمرًا فقال له أبو سفيان: إني وعدت محمدًا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام ترعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي أن أرجع وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل أضعها في يدي سهيل بن عمرو.

فأتى نعيم المدينة فوجد المسلمين يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال لهم: ما هذا بالرأي، أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا شريد فتريدون أن تخرجوا إليهم وقد جمعوا لكم عند الموسم!

فوالله لا يفلت منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم فقال رسول الله  : "والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي"، فخرج ومعه سبعون راكبًا يقولون "حسبنا الله ونعم الوكيل" حتى وافى بدرًا فأقام بها ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان فلم يلقوا أحدًا لأن أبا سفيان رجع بجيشه إلى مكة، فسماه أهل مكة جيش السويق، وقالوا لهم إنما خرجتم لتشربوا السويق.

قال بعضهم ووافى المسلمون سوق بدر وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدمًا وزبيبًا، وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، وقال في ذلك عبد الله بن رواحة أو كعب بن مالك: وعدنا أبا سفيان وعدًا فلم نجد لميعاده صدقًا وما كان وافيًا فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا لأبت ذميمًا وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه وعمرًا أبا جهل تركناه ثاويًا عصيتم رسول الله أف لدينكم وأمركم الشيء الذي كان غاويًا وإني وإن عنفتموني لقائل فدى لرسول الله أهلي وماليا أطعناه لم نعد له فينا بغيره شهابًا لنا في ظلمة الليل هاديًا فعلى هذه الرواية يكون المراد بالناس الذين قالوا للمؤمنين إن الناس قد جمعوا لكم نعيم بن مسعود ومن وافقه فأذاع قوله، وعن الشافعي أنهم أربعة.

وروي أن ركبًا من عبد القيس مروا بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليجبنوهم وضمن لهم عليه جعلًا.

وعزاه الرازي إلى ابن عباس ومحمد بن اسحق، وذكر قولًا ثالثًا عن السدي أن الناس الذين قالوا هم المنافقون، وأما الناس الذين جمعوا الجموع لقتال المسلمين فهم أبو سفيان وأعوانه قولًا واحدًا، وعندي أنه يجوز أن يكون نعيم بن مسعود قال ذلك، وأن يكون قاله ركب عبد القيس، وتحدث به المنافقون، فإن الأمر الكبير من شأنه أن يتحدث به الناس ويذهبون فيه مع أهوائهم، كما أن السبعين الذين خرجوا مع النبي  إلى بدر الصغرى يجوز أن يكونوا هم الذين خرجوا معه إلى حمراء الأسد، فتصدق الآية على القصتين، وتكون الآيات متأخرة النزول عما قبلها.

وذكر ابن القيم في زاد المعاد والحلبي أن النبي  خرج إلى بدر الموعد في ألف وخمسمائة، ويجمع بينه وبين القول الأول بأن يكون خرج أولًا بالسبعين ثم تبعه الباقون.

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، في الآية التنبيه في الموازنة بين أولياء الشيطان من مشركي مكة وغيرهم، وبين ولي المؤمنين القادر على كل شيء كأنه يقول: عليكم أن توازنوا بين قوتي وقوتهم، ونصرتي ونصرتهم فأنا الذي وعدتكم النصر، وأنا وليكم ونصيركم ما أطعتموني أطعتم رسولي، وفي هذا المقام شبهة تعرض لبعضهم، يقولون إن تكليف عدم الخوف من تكليف ما لا يستطاع، ولا يدخل في الوسع، فإن الإنسان إذا علم أن العَدد الكثير ذا العُدَد العظيمة يريد أن يواثبه وينزل به العذاب بأن رآه أو سمع باستعداده من الثقات فإنه لا يستطيع أن لا يخافه، فكان الظاهر أن يؤمروا بإكراه النفس على المقاومة والمدافعة مع الخوف لا أن ينهوا عن الخوف، والجواب: إن هذه الشبهة حجة الجبناء، فهي لا تطوف إلا في خيال الجبان، فإن أعمال النفس من الخوف والحزن والفرح يتراءى للإنسان انها اضطرارية وأن آثارها كائنة لا محالة مهما حدث سببها، والحقيقة أن ذلك اختيري من وجهين: أحدهما: إن هذه الأمور تأتي بالعادة والمزاولة ولذلك تختلف باختلاف الشعوب والأجيال، فمن اعتاد الإحجام عند الحاجة إلى الدفاع يصير جبانًا، والعادات خاضعة للاختيار بالتربية والتمرين، ففي استطاعة الإنسان أن يقاوم أسباب الخوف ويعوّد نفسه الاستهانة بها.

وثانيهما: أن هذه الأمور إذا حدثت بأسبابها فالإنسان مختار في الإسلاس لها، والاسترسال معها حتى يتمكن أثرها في النفس وتتجسم صورتها في الخيال، ومختار في ضد ذلك وهو مغالبتها والتعمل في صرفها وشغل النفس بما يضادها ويذهب بأثرها أو يتبدل به أثرًا آخر مناقضًا له، فهذا الأمر الاختياري هو مناط التكليف، كأنه يقول: إذا عرضت لكم أسباب الخوف فاستحضروا في نفوسكم قدرة الله على كل شيء، وكونه بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه، وتذكروا وعده بنصركم وإظهار دينكم على الدين كله، وأن الحق يدمغ الباطل فإذا هو زاهق، وتذكروا قوله: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ  ﴾ ثم خذوا أهبتكم وتوكلوا على ربكم فإنه لا يدع لخوف غيره مكانًا في قلوبكم.

إن الوجه الأول إنما يتعلق به الاختيار في التربية التدريجية، والثاني يتعلق به الاختيار فورًا في كل وقت.

وإن قوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ يفيد وجوب توثيق الإيمان بالله في القلب قبل كل شيء لأن تلك الخواطر والهواجس التي تحدث الخوف من أولياء الشيطان لا يمحوها من لوح القلب إلا الإيمان الصحيح لثابت، وفي قوله ﴿ إِنْ كُنْتُمْ  ﴾ إشارة إلى أن إيمان من يرجح الخوف من أولياء الشيطان على الخوف من الله تعالى مشكوك فيه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر