تفسير سورة آل عمران الآيات ٦٩-٧٤ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ٦٩-٧٤

وَدَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ٦٩ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ٧٠ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ٧١ وَقَالَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٧٢ وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌۭ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ٧٣ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ٧٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 4 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ معناه إنهم بتوجههم إلى الإضلال واشتغالهم به ينصرفون عن النظر في طرق الهداية وما أوتيه النبي  من الآيات البينات على كونه نبيًا هاديًا، فهم يعبثون بعقولهم ويفسدون فطرتهم باختيارهم.

ولا وجه لمن قال: إن معنى إضلال أنفسهم هو كون عاقبته شرًا عليهم ووبالًا في الآخرة لأنهم يعذبون عليه.

فإن الكلام في المحاجة وبيان اعوجاج طريقة المضلين، وأما العقاب في الآخرة على الإضلال فهو مبين في مواضع من الكتاب وليس هذا محله وهو لا يفيد هنا في الاحتجاج لأنه إنذار لغير مؤمن بالنذير، ولكل مقام مقال.

﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  ﴾ : هذا النوع الذي تحكيه الآية من صد اليهود عن الإسلام مبني على قاعدة طبيعية في البشر وهي أن من علامة الحق أن لا يرجع عنه من يعرفه، وقد فقه هذا "هرقل" صاحب الروم فكان مما سأل عنه أبا سفيان من شؤون النبي  عندما دعاه إلى الإسلام هل يرجع عنه من دخل في دينه؟

فقال أبو سفيان: لا.

وقد أرادت هذه الطائفة أن تغش الناس من هذه الناحية ليقولوا لولا أن ظهر لهؤلاء بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه، واطلعوا على باطنه وخوافيه، إذ لا يعقل أن يترك الانسان الحق بعد معرفته، ويرغب عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب.

فإن قيل إن بعض الناس قد ارتدوا عن الإسلام بعد الدخول فيه رغبة لا حيلة ومكيدة كما كاد هؤلاء فماذا تقول في هؤلاء؟

والجواب عن هذا يرجع إلى قاعدة أخرى وهي أن بعض الناس قد يدخل في الشيء رغبة فيه لاعتقاده أن فيه منفعة له لا لاعتقاده أنه حق في نفسه فإذا بدا له في ذلك ما لم يكن يحتسب وخاب ظنه في المنفعة فإنه يترك ذلك الشيء.

ويظهر لي أن النبي  ما أمر بقتل المرتد إلا لتخويف أولئك الذين كانوا يدبرون المكايد لإرجاع الناس عن الإسلام بالتشكيك فيه لأن مثل هذه المكايد إذا لم يكن لها أثر في نفوس الأقوياء من الصحابة الذين عرفوا الحق ووصلوا فيه إلى عين اليقين فإنها قد تخدع الضعفاء الذين يدخلون في الإسلام لتفضيله على الوثنية في الجملة قبل أن تطمئن قلوبهم بالإيمان كالذين كانوا يعرفون بالمؤلفة قلوبهم.

وبهذا يتفق الحديث الآمر بذلك مع الآيات النافية للإكراه في الدين والمنكرة فيما رأى، وقد أفتيت بذلك كما ظهر لي.

والله أعلم.

﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ  ﴾ هذا من قول الكائدين من أهل الكتاب.

وآمن له صدقه وسلم له ما يقول قال تعالى: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ  ﴾ وقال حكاية عن إخوة يوسف: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا  ﴾ .

الإيمان يتعدى باللام إذا أريد بالتصديق الثقة والركون كقوله: ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أي فيكون تصديقًا خاصًا تضمن معنى زائدًا، وذلك أن اليهود حصروا الثقة بأنفسهم لزعمهم أن النبوة لا تكون إلا فيهم، بل غلوا في التعصب والغرور حتى حقروا جميع الناس، فجعلوا كل ما يكون من أنفسهم حسنًا وما يكون من غيرهم قبيحًا، وهذا من الانتكاس الذي يحول بين أهله وبين كل خير، وإننا نرى من الناس اليوم من يحاول تغرير قومه بحملهم على أن يكونوا كذلك يحقرون كل ما لم يأت منهم وإن كان حسنًا، فنعوذ بالله من الخذلان، وعسى أن يعتبر هؤلاء بما رد الله به على أهل الكتاب إذ قال لنبيه: ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ  ﴾ لا هدى شعب معين هو لازم من لوازم ذاته فهو سبحانه يبين هداه على لسان من شاء من عباده لا تتقيد مشيئته بأحد ولا بشعب.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل