الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ٢٨-٣٠
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةجاء قوله تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ بعد تلك الآية التي نبه الله فيها النبي والمؤمنين إلى الالتجاء إليه معترفين أن بيده الملك والعز ومجامع الخير والسلطان المطلق في تصريف الكون يعطي من يشاء ويمنع من يشاء فإذا كانت العزة والقوة له عز شأنه فمن الجهل والغرور أن يعتز بغيره من دونه، وأن يلتجأ إلى غير جنابه، أو يذل المؤمن في غير بابه، وقد نطقت السير بأن بعض الذين كانوا يدخلون في الإسلام كان يقع منهم قبل الاطمئنان بالإيمان اغتراره بعزة الكافرين وقوتهم وشوكتهم فيوالونهم ويركنون إليهم وهذا أمر طبيعي في البشر.
وذكروا في سبب نزول الآية أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وقصته معروفة وقيل إنها نزلت في ابن أبي سلول (زعيم المنافقين) وقيل في جماعة من الصحابة كانوا يوالون بعض اليهود، ومهما كان السبب في نزولها فإنا نعلم أن من طبيعة الاجتماع في كل دعوة أن يوجد في المستجيبين لها القوي والضعيف، على أن مظاهر القوة والعزة تغر بعض الصادقين وتؤثر في نفوس بعض المخلصين فما بالك بغيرهم، ولذلك نهى الله تعالى المؤمنين عن اتخاذ الأولياء من الكافرين.
وقد ورد بمعنى هذه الآية آيات أخرى فلا بد من تفسيرها تفسيرًا تتفق به معانيها.
الأولياء: الأنصار، والاتخاذ يفيد معنى الاصطناع، وهم عبارة عن مكاشفتهم بالأسرار الخاصة بمصلحة الدين، وقوله: ﴿ مِنْ دُوْنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ قيد في الاتخاذ، أي لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء وأنصارًا في شيء تقدم فيه مصلحتهم على مصلحة المؤمنين أي كما فعل حاطب بن أبي بلتعة، لأن في هذا اختيارًا لهم وتفضيلًا على المؤمنين، بل فيه إعانة للكفر على الإيمان ولو بطريق اللزوم، ومن شأن هذا أن لا يصدر من مؤمن ولو كان فيه مصلحة خاصة له، ولذلك هم عمر بقتل حاطب وسماه منافقًا لولا أن نهاه عن ذلك وذكره بأنه من أهل بدر.
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ ﴾ الآية فالموادة مشاركة في الأعمال، فإن كانت في شأن من شؤون المؤمنين من حيث هم مؤمنون والكافرين من حيث هم كافرون فالممنوع منها ما يكون فيه خذلان لدينك وإيذاء لأهله أو إضاعة لمصالحهم، وأما ما عدا ذلك كالتجارة وغيرها من ضروب المعاملات الدنيوية فلا تدخل في ذلك النفي لأنها ليست معاملة في محادة الله ورسوله أي في معاداتهما ومقاومة دينهما.
﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾ : معنى العبارة أنه يكون بينه وبين الله غاية البعد أي تنقطع صلة الإيمان بينه وبين الله تعالى أي فيكون من الكافرين كما قال في آية أخرى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ أو معناه فيكون عدو الله وقوله ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ استثناء من أعم الأحوال أي إن ترك موالاة الكافرين على المؤمنين حتم في كل حال إلا في حال الخوف من شيء تتقونه منهم فلكم حينئذ أن توالوهم بقدر ما يتقى به ذلك الشيء، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه الموالاة تكون صورية لأنها للمؤمنين لا عليهم، والظاهر أن الاستثناء منقطع والمعنى ليس لكم أن توالوهم على المؤمنين ولكن لكم أن تتقوا ضررهم بموالاتهم.
وإذا جازت موالاتهم لاتقاء الضرر فجوازه لأجل منفعة المسلمين يكون أولى، وعلى هذا يجوز لحكام المسلمين أن يحالفوا الدول غير المسلمة لأجل فائدة المؤمنين بدفع الضرر أو جلب المنفعة وليس لهم أن يتولوهم في شيء يضر بالمسلمين وإن لم يكونوا من رعيتهم.
وهذه الموالاة لا تختص بوقت الضعف بل هي جائزة في كل وقت.
﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾ الكلام تتمة لوعيد من يوالي الكافرين ناصرًا إياهم على المؤمنين والمعنى اتقوا واحذروا، أو ليحذروا يوم تجد كل نفس عملها من الخير مهما قل محضرًا.
ولا يجوز تقدير "اذكر" متعلقًا لقوله "يوم تجد" كما فعل (الجلال).
ومعنى كونه محضرًا أن فائدته ومنفعته تكون حاضرة لديه.
وأما عمل السوء فتود كل نفس اقترفته ولو بعد عنها ولم تره وتؤخذ بجزائه.
وهذا يدل على أن عمل الشر يكون محضرًا أيضًا ولكنه عبر عنه بما ذكر ليدل على أن إحضاره مؤذ لصاحبه يود لو لم يكن، ومنه يعلم أن إحضار عمل الخير يكون غبطة لصاحبه وسرورًا.
وهذا التعبير ضرب من التمثيل كالآيات التي فيها ذكر كتب الأعمال وأخذها بالأيمان والشمائل فإن الغرض من التعبير بأخذها باليمين أخذها بالقبول الحسن ومن أخذها بالشمال أو من وراء الظهر أخذها مع الكراهية والامتعاض.
ومن مباحث اللفظ في الآية دخول الحرف المصدري على مثله في قوله ﴿ لَوْ أَنَّ ﴾ وهو معروف في الكلام العربي الفصيح فلا حاجة إلى جعل الأصل فيه المنع وتأويل ما سمع منه.
<div class="verse-tafsir"