الآية ٢٩ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٢٩ من سورة آل عمران

قُلْ إِن تُخْفُوا۟ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 65 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٩ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تبارك وتعالى عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر ، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية ، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والآنات واللحظات وجميع الأوقات ، وبجميع ما في السماوات والأرض ، لا يغيب عنه مثقال ذرة ، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال ، وهو ( على كل شيء قدير ) أي : قدرته نافذة في جميع ذلك .

وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته ، وألا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم ، فإنه عالم بجميع أمورهم ، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة ، وإن أنظر من أنظر منهم ، فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر ، ولهذا قال بعد هذا :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " قل " يا محمد، للذين أمرتهم أن لا يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين =" إن تخفوا ما في صدوركم " من موالاة الكفار فتُسِرُّوه، أو تبدوا ذلكم من نفوسكم بألسنتكم وأفعالكم فتظهروه =" يعلمه الله "، فلا يخفى عليه.

يقول: فلا تُضمروا لهم مودّةً ولا تظهروا لهم موالاة، فينالكم من عقوبة ربكم ما لا طاقة لكم به، لأنه يعلم سرّكم وعلانيتكم، فلا يخفى عليه شيء منه، وهو مُحصيه عليكم حتى يجازيَكم عليه بالإحسان إحسانًا، وبالسيئة مثلها، كما:- 6839 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أخبرهم أنه يعلم ما أسرّوا من ذلك وما أعلنوا، فقال: " إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه ".

* * * وأما قوله: " ويعلم ما في السموات وما في الأرض "، فإنه يعني أنه إذ كان لا يخفى عليه شيء هو في سماء أو أرض أو حيث كان، فكيف يخفى عليه - أيها القوم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين - ما في صدوركم من الميْل إليهم بالمودة والمحبة، أو ما تبدونه لهم بالمعونة فعلا وقولا.

* * * وأما قوله: " والله على كل شيء قدير "، فإنه يعني: والله قديرٌ على معاجلتكم بالعقوبة على مُوالاتكم إياهم ومظاهرتكموهم على المؤمنين، وعلى ما يشاء من الأمور كلها، لا يتعذَّر عليه شيء أراده، ولا يمتنع عليه شيء طلبه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قديرفهو العالم بخفيات الصدور وما اشتملت عليه ، وبما في السماوات والأرض وما احتوت عليه ، علام الغيوب لا يعزب عنه مثقال ذرة ولا يغيب عنه شيء ، سبحانه لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا نهي من الله تعالى للمؤمنين عن موالاة الكافرين بالمحبة والنصرة والاستعانة بهم على أمر من أمور المسلمين، وتوعد على ذلك فقال: { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } أي: فقد انقطع عن الله، وليس له في دين الله نصيب، لأن موالاة الكافرين لا تجتمع مع الإيمان، لأن الإيمان يأمر بموالاة الله وموالاة أوليائه المؤمنين المتعاونين على إقامة دين الله وجهاد أعدائه، قال تعالى: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } فمن والى - الكافرين من دون المؤمنين الذين يريدون أن يطفؤا نور الله ويفتنوا أولياءه خرج من حزب المؤمنين، وصار من حزب الكافرين، قال تعالى: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } وفي هذه الآية دليل على الابتعاد عن الكفار وعن معاشرتهم وصداقتهم، والميل إليهم والركون إليهم، وأنه لا يجوز أن يولى كافر ولاية من ولايات المسلمين، ولا يستعان به على الأمور التي هي مصالح لعموم المسلمين.

قال الله تعالى: { إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي: تخافوهم على أنفسكم فيحل لكم أن تفعلوا ما تعصمون به دماءكم من التقية باللسان وإظهار ما به تحصل التقية.

ثم قال تعالى: { ويحذركم الله نفسه } أي: فلا تتعرضوا لسخطه بارتكاب معاصيه فيعاقبكم على ذلك { وإلى الله المصير } أي: مرجع العباد ليوم التناد، فيحصي أعمالهم ويحاسبهم عليها ويجازيهم، فإياكم أن تفعلوا من الأعمال القباح ما تستحقون به العقوبة، واعملوا ما به يحصل الأجر والمثوبة، ثم أخبر عن سعة علمه لما في النفوس خصوصا، ولما في السماء والأرض عموما، وعن كمال قدرته، ففيه إرشاد إلى تطهير القلوب واستحضار علم الله كل وقت فيستحي العبد من ربه أن يرى قلبه محلا لكل فكر رديء، بل يشغل أفكاره فيما يقرب إلى الله من تدبر آية من كتاب، أو سنة من أحاديث رسول الله، أو تصور وبحث في علم ينفعه، أو تفكر في مخلوقات الله ونعمه، أو نصح لعباد الله، وفي ضمن أخبار الله عن علمه وقدرته الإخبار بما هو لازم ذلك من المجازاة على الأعمال، ومحل ذلك يوم القيامة، فهو الذي توفى به النفوس بأعمالها

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل إن تخفوا ما في صدوركم ) أي قلوبكم من مودة الكفار ( أو تبدوه ) موالاتهم قولا وفعلا ( يعلمه الله ) وقال الكلبي : إن تسروا ما في قلوبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من التكذيب أو تظهروه ، بحربه وقتاله ، يعلمه الله ويحفظه عليكم حتى يجازيكم به ثم قال : ( ويعلم ) رفع على الاستئناف ( ما في السماوات وما في الأرض ) يعني إذا كان لا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض فكيف تخفى عليه موالاتكم الكفار وميلكم إليهم بالقلب؟

( والله على كل شيء قدير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» لهم «إن تخفوا ما في صدوركم» قلوبكم من موالاتهم «أو تبدوه» تظهروه «يعلمْه الله و» هو «يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير» ومنه تعذيب من والاهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها النبي- للمؤمنين: إن تكتموا ما استقر في قلوبكم من ممالاة الكافرين ونصرتهم أم تظهروا ذلك لا يَخْفَ على الله منه شيء، فإنَّ علمه محيط بكل ما في السماوات وما في الأرض، وله القدرة التامة على كل شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

المعنى : قل يا محمد لهؤلاء الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، وقل لغيرهم ممن يوجه إليهم الخطاب ، قل لهم على سبيل الإرشاد والتحذير { إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ } من ولاية الكفار أو غيرها من الأقوال والأفعال { يَعْلَمْهُ الله } فيجازيكم عليه بما تستحقون .وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتوجيه هذا القول إلى المخاطبين ترهيب لهم من الآمر وهو الله - تعالى - لأن هذا التنويع في الخطاب من شأنه أن يربى المهابة في القلوب .

وذلك - والله المثل الأعلى - كأن يقول الملك للمخالفين من رعيته : أحذركم من مخالفتى ، ثم يأمر أحد أصفيائه بأن يكرر هذا التحذير وأن يبين لهم سوء عاقبة المخالفين .وقوله { وَيَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض } جملة مستأنفة وليست معطوفة على جواب الشرط وهو { يَعْلَمْهُ الله } ، وذلك لأن علمه - سبحانه - بما في السموات والأرض ليس متوقفا على شرط فلذلك جىء به مستأنفا .

وهذا من باب ذكر بالعام بعد الخاص وهو علم ما فى صدوركم تأكيدا له وتقريراً .وقوله { والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } تذييل قصد به الإخبار بأنه مع علمه الواسع المحيط ، ذو قدرة نافذة على كل شىء وهذا لون من التهديد والتحذير لأن الذي يتوعد غيره بشىء لا يحول بينه وبين تحقيق هذا الشىء إلا أحد أمرين : الجهل بجريمة المجرم ، أو العجز عن تنفيذ وعيده ، فلما أعلمهم - سبحانه - بأن محيط بكل شىء وقادر على كل شىء ، ثبت أنه - سبحانه - متمكن من تنفيذ وعيده .قال صاحب الكشاف : " وقوله { والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } أى : هو قادر على عقوبتكم وهذا بيان لقوله { وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } لأن نفسه وهى ذاته المميزة من سائر الذوات ، متصفة بعلم ذاتى لا يختص بمعلوم دون معلوم .

فهى متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور ، فهى قادرة على المقدورات كلها فكان حقها أن تحذر وتتقى فلا يجسر أحد على قبيح ولا يقصر عن واجب فإنه مطلع عليه لا محالة فلاحق به العقاب .

ولو علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الاطلاع على أحواله ، فوكل همه بما يورد ويصدر ، ونصب عليه عيونا ، وبث من يتجسس عن بواطن أموره : لأخذ حذره و تيقظ في أمره ، واتقى كل ما يتوقع فيه الاسترابة به ، فما بال من علم أن العالم بالذات - يعنى أن علمه بذاته لا بعلم زائد عن ذاته كعلم الحوادث وهذا عند المعتزلة - الذى يعلم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن .

اللهم إنا نعوذ بك من اغترارنا بسترك " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء ظاهراً وباطناً واستثنى عنه التقية في الظاهر أتبع ذلك بالوعيد على أن يصير الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية، وذلك لأن من أقدم عند التقية على إظهار الموالاة، فقد يصير إقدامه على ذلك الفعل بحسب الظاهر سبباً لحصول تلك الموالاة في الباطن، فلا جرم بيّن تعالى أنه عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر، فيعلم العبد أنه لابد أن يجازيه على كل ما عزم عليه في قلبه، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: هذه الآية جملة شرطية فقوله: ﴿ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ ﴾ شرط وقوله: ﴿ يَعْلَمْهُ الله ﴾ جزاء ولا شك أن الجزاء مترتب على الشرط متأخر عنه، فهذا يقتضي حدوث علم الله تعالى.

والجواب: أن تعلق علم الله تعالى بأنه حصل الآن لا يحصل إلا عند حصوله الآن، ثم أن هذه التبدل والتجدد إنما وقع في النسب والإضافات والتعليقات لا في حقيقة العلم، وهذه المسألة لها غور عظيم وهي مذكورة في علم الكلام.

السؤال الثاني: محل البواعث والضمائر هو القلب، فلم قال: ﴿ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾ ولم يقل إن تخفوا ما في قلوبكم؟.

الجواب: لأن القلب في الصدر، فجاز إقامة الصدر مقام القلب كما قال: ﴿ يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس  ﴾ وقال: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فِي الصدور  ﴾ .

السؤال الثالث: إن كانت هذه الآية وعيداً على كل ما يخطر بالبال فهو تكليف ما لا يطاق.

الجواب: ذكرنا تفصيل هذه الكلام في آخر سورة البقرة في قوله: ﴿ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ .

واعلم أنه رفع على الاستئناف، وهو كقوله: ﴿ قاتلوهم يُعَذّبْهُمُ الله  ﴾ جزم الأفاعيل، ثم قال: ﴿ وَيَتُوبَ الله ﴾ فرفع، ومثله قوله: ﴿ فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ وَيَمْحُ الله الباطل  ﴾ رفعاً، وفي قوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ غاية التحذير لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيء فيهما فكيف يخفى عليه الضمير.

ثم قال تعالى: ﴿ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ إتماماً للتحذير، وذلك لأنه لما بيّن أنه تعالى عالم بكل المعلومات كان عالماً بما في قلبه، وكان عالماً بمقادير استحقاقه من الثواب والعقاب، ثم بيّن أنه قادر على جميع المقدورات، فكان لا محالة قادراً على إيصال حق كل أحد إليه، فيكون في هذا تمام الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ ﴾ من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضي الله ﴿ يَعْلَمْهُ ﴾ ولم يخف عليه وهو الذي ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الارض ﴾ لا يخفى عليه منه شيء قط.

فلا يخفى عليه سركم وعلنكم ﴿ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فهو قادر على عقوبتكم.

وهذا بيان لقوله: ﴿ وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ ﴾ [آل عمران: 28] لأنّ نفسه وهي ذاته المميزة من سائر الذوات، متصفة بعلم ذاتي لا يختص بمعلوم دون معلوم، فهي متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور، فهي قادرة على المقدورات كلها، فكان حقها أن تحذر وتتقى فلا يجسر أحد على قبيح ولا يقصر عن واجب، فإن ذلك مطلع عليه لا محالة فلاحق به العقاب، ولو علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الإطلاع على أحواله، فوكل همه بما يورد ويصدر، ونصب عليه عيوناً، وبث من يتجسس عن بواطن أموره، لأخذ حذره وتيقظ في أمره، واتقى كل ما يتوقع فيه الاسترابة به، فما بال من علم أنّ العالم الذات الذي علم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن.

اللهم إنا نعوذ بك من اغترارنا بسترك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ أيْ أنَّهُ يَعْلَمُ ضَمائِرَكم مِن وِلايَةِ الكُفّارِ وغَيْرِها إنْ تُخْفُوها أوْ تُبْدُوها.

﴿ وَيَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ فَيَعْلَمُ سِرَّكم وعَلَنَكم.

﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى عُقُوبَتِكم إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ.

والآيَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ وكَأنَّهُ قالَ ويُحَذِّرُكم نَفْسَهُ لِأنَّها مُتَّصِفَةٌ بِعِلْمٍ ذاتِيٍّ مُحِيطٍ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها، وقُدْرَةٍ ذاتِيَّةٍ تَعُمُّ المَقْدُوراتِ بِأسْرِها، فَلا تَجْسُرُوا عَلى عِصْيانِهِ إذْ ما مِن مَعْصِيَةٍ إلّا وهو مُطَّلِعٌ عَلَيْها قادِرٌ عَلى العِقابِ بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ} من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضى الله {يَعْلَمْهُ الله} ولم يخف عليه وهو أبلغ وعيد {وَيَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} استئناف وليس بمعطوف على جواب الشرط أي هو الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض فلا يخفى عليه سركم وعلنكم {والله على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيكون قادراً على عقوبتكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ ﴾ أيْ تَسُرُّوا ما في قُلُوبِكم مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها وِلايَةُ الكُفّارِ، وإنَّما ذَكَرَ الصَّدْرَ لِأنَّهُ مَحَلُّ القَلْبِ ﴿ أوْ تُبْدُوهُ ﴾ أيْ تُظْهِرُوهُ فِيما بَيْنَكم.

﴿ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ فَيُؤاخِذُكم بِهِ عِنْدَ مَصِيرِكم إلَيْهِ ولا يَنْفَعُكم إخْفاؤُهُ، وتَقْدِيمُ الإخْفاءِ عَلى الإبْداءِ قَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلى سِرِّهِ، ﴿ ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ مِن إيرادِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ تَأْكِيدًا لَهُ وتَقْرِيرًا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ إثْباتٌ لِصِفَةِ القُدْرَةِ بَعْدَ إثْباتِ صِفَةِ العِلْمِ وبِذَلِكَ يَكْمُلُ وجْهُ التَّحْذِيرِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ لِأنَّهُ مُتَّصِفٌ بِعِلْمٍ ذاتِيٍّ مُحِيطٍ بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها وقُدْرَةٍ ذاتِيَّةٍ شامِلَةٍ لَلْمَقْدُوراتِ بِأسْرِها فَلا تَجْسُرُوا عَلى عِصْيانِهِ ومُوالاةِ أعْدائِهِ إذْ ما مِن مَعْصِيَةٍ خَفِيَّةٍ كانَتْ أوْ ظاهِرَةٍ إلّا وهو مُطَّلِعٌ عَلَيْها وقادِرٌ عَلى العِقابِ بِها، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِما عَلِمْتَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ يقول: إن تسروا ما فى قلوبكم من النكوث، وولاية الكفار أَوْ تُبْدُوهُ يعني تعلنوه للمؤمنين يَعْلَمْهُ اللَّهُ لأن الله عليم وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من عمل، فليس يخفى عليه شيء وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من السر والعلانية، والعذاب والمغفرة قدير يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ في الدنيا مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً يعني تجد ثوابه حاضراً، ولا ينقص من ثواب عمله شيء وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ يعني من شر في الدنيا تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً يعني تتمنى النفس أن تكون بينها، وبين ذلك العمل أجلاً بعيداً، كما بين المشرق والمغرب، ولم تعمل ذلك العمل قط ثم قال: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ أي عقوبته في عمل السوء وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ قال ابن عباس: يعني بالمؤمنين خاصة، وهو رحيم بهم.

ويقال: رؤوف بالذين يعملون السوء، حيث لم يعجل بعقوبتهم.

ويقال: ذكر في أول هذه الآية عدله عز وجل في قوله: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، وفي وسطها تخويف وتهديد وهو قوله وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وفي آخرها ذكر رأفته ورحمته وهو قوله وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأمته، على جهة التوقيفِ والتعجيب: فكيف حالُ هؤلاءِ المغترِّين بالأباطيل، إِذا حشروا يوم القيامة، واضمحلت تلك الزخارفُ والدعاوى، وجوَّزوا بما اكتسبوه مِنْ كفرهم، وأعمالهم القبيحة، قال ابن عطيَّة: والصحيحُ في يوم القيامةِ أنَّه يَوْمٌ لأنَّ قبله ليلةٌ، وفيه شَمْسٌ «١» ، وقال النقَّاش: المراد باليوم الوقت.

قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)

وقوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ...

الآية: هو سبحانه وتعالى مالكُ الملكِ كلِّه مطلقاً في جميع أنواعه، وأشرفُ ملكٍ يؤتيه عباده سعادةُ الآخرة، رُوِيَ أنَّ الآية نزلَتْ بسبب أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشَّر أُمَّتَه بفتح مُلْك فارس وغيره، فقالَتِ اليهودُ والمنافقُونَ: هَيْهَاتَ، وكذَّبوا بذلك.

ومذهب البصريِّين أن الأصل في «اللَّهُمَّ» : يَا أَللَّهُ، فعوِّض من ياء النداءِ ميماً مشدَّدة.

و «مالك» : نصْبٌ على النداء، وخص تعالى الخَيْر بالذكْر، وهو تعالى بيده كلُّ شيء إِذ الآية في معنى دعاء ورغبة، فكأنَّ المعنى: بِيَدِكَ الخَيْرُ فأجزِلْ حظِّي منه، قال النوويُّ: ورُوِّينَا في كتاب «التِّرْمذيِّ» وغيره، عن عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب (رضي اللَّه عنه) أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم/ قَالَ: «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه وَحْده لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ» «٢» ، ورواه الحاكمُ أبو عبد اللَّه في «المُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» من طرق كثيرةٍ، وزاد فيه في بعْضِ طرقه: «وبنى لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ» قال الحاكمُ: وفي الباب، عن جابر،

وأبي هريرة، وبُرَيْدَة الأسلميِّ.

اهـ من «الحلية» «١» .

وقال ابن عبَّاس وغيره في معنى قوله تعالى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ...

الآية: إنه ما ينتقصُ من النهار، فيزيد في الليل، وما ينتقصُ من الليلِ، فيزيدُ في النَّهار دَأَباً كلَّ فَصْلٍ من السنة «٢» ، وتحتملُ ألفاظُ الآية أنْ يدخل فيها تعاقُبُ الليلِ والنهارِ كأن زوالَ أحدهما وُلُوجٌ في الآخر.

واختلف في معنى قوله تعالى: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ...

الآيةَ:

فقال الحسَنُ: معناهُ: يُخْرِجُ المؤمِنَ من الكافر، والكافِرَ من المؤمن «٣» ، وروي نحْوَه، عن سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ «٤» ، وروى الزُّهْرِيُّ، أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، لمَّا سَمِعَ نَغْمَةَ «٥» خَالِدَةَ بِنْتِ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ» فأُخْبِرَ بِهَا، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «سُبْحَانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ» ، وكَانَتِ امرأة صَالِحَةً، وكَانَ أَبُوهَا كَافِراً «٦» ، والمرادُ على هذا:

موتُ قلبِ الكافرِ، وحياةُ قَلْب المؤمن.

وذهب جمهورٌ كثيرٌ إِلى أنَّ الحياة والمَوْتَ في الآية حقيقةٌ، لا أنها استعارةٌ، ثم اختلفوا في المُثُلِ التي فسَّروا بها.

فقال ابن مسعود: هي النُّطْفة، تخْرُج من الرجُلِ، وهي ميتة، وهو حيٌّ، ويخرج الرجلُ منْها، وهي ميتة «١» .

وقال عكرمة: هو إِخراج الدَّجَاجة، وهي حية، مِن البَيْضَة، وهي ميتة، وإِخراج البيضة، وهي ميتة من الدَّجَاجة، وهي حية «٢» .

وروى السُّدِّيُّ، عن أبي مالكٍ، قال: هي الحبَّة تَخْرُجُ من السنبلةِ، والسنبلةُ تخرجُ من الحبَّة، وكذلك النَّوَاة «٣» .

وقوله تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ ...

الآية: هذا النهْيُ عن الاِتخاذِ، إِنما هو عن إِظهار اللُّطْفِ للكفَّار، والميلِ إِليهم، فأما أنْ يتخذوا بالقَلْب، فلا يفعل ذلك مؤمن، ولفظ الآية عامٌّ في جميع الأعصار.

واختلف في سَبَب نزولها، فقال ابنُ عَبَّاس: في كَعْبِ بْنِ الأَشْرَف وغيره، قد بطنوا بنَفَرٍ من الأنصار، ليفتنُوهم عن دِينِهِمْ، فنزلَتْ في ذلك الآيةُ «٤» ، وقال قومٌ: نزلَتْ في قصَّة حاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وكتابِه إلى أهْل مكَّة «٥» ، والآيةُ عامَّة في جميع هذا.

وقوله تعالى: فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ: معناه: في شيءٍ مَرْضِيٍّ كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا» «٦» ، ثم أباح سبحانه إِظهار اتخاذهم بشرط الاِتقاءِ، فأما إِبطانه، فلا يصحُّ أن يتصف به مؤمنٌ في حالٍ.

وقوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ ...

إلى آخر الآية: وعيد وتنبيه ووعظ وتذكير بالآخرة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي اتِّخاذَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أو تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ ويَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ الضَمِيرُ في "تُخْفُوا" هو لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ نُهُوا عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أولِياءً، والمَعْنى: إنَّكم إنْ أبْطَنْتُمُ الحِرْصَ عَلى إظْهارِ مُوالاتِهِمْ؛ فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ ويَكْرَهُهُ مِنكم.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى التَفْصِيلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ عُمُومٌ، والشَيْءُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْجُودُ.

و"يَوْمَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في العامِلِ فِيهِ، فَقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: العامِلُ فِيهِ "قَدِيرٌ"، وقالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَإلى اللهِ المَصِيرُ  ﴾ ، وقالَهُ الزَجّاجُ، وقالَ أيْضًا: العامِلُ فِيهِ ( ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ يَوْم ) ورَجَّحَهُ، وقالَ مَكِّيٌّ حِكايَةً: العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ يَوْمَ" و"ما" بِمَعْنى الَّذِي، و"مُحْضَرًا" قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: مُوَفَّرًا، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، والحُضُورُ أبْيَنُ مِن أنْ يُفَسَّرَ بِلَفْظٍ آخَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَعْطُوفَةً عَلى "ما" الأُولى فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ وتَكُونَ "تَوَدُّ" في مَوْضِعِ الحالِ، وإلى هَذا العَطْفِ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، ويَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ "تَوَدُّ" وما بَعْدَهُ، كَأنَّهُ قالَ: وعَمَلُها السَيِّءُ مَرْدُودٌ عِنْدَها، إنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا.

وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "مِن سُوءٍ ودَّتْ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَجُوزُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ "ما" شَرْطِيَّةً، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى قِراءَةِ "تَوَدُّ" لِأنَّ الفِعْلَ مُسْتَقْبَلٌ مَرْفُوعٌ، والشَرْطُ يَقْتَضِي جَزْمَهُ، اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ "فَهِيَ تَوَدُّ" وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ.

والأمَدُ: الغايَةُ المَحْدُودَةُ مِنَ المَكانِ أوِ الزَمانِ.

قالَ النابِغَةُ: .......................

سَبْقَ الجَوادِ إذا اسْتَوْلى عَلى الأمَدِ فَهَذِهِ غايَةٌ في المَكانِ.

وقالَ الطِرِمّاحُ: كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ عِدَّةَ العُمْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـرِ ومُودٍ إذا انْقَضى أمَدُهُ فَهَذِهِ غايَةٌ في الزَمانِ.

وَقالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَسُرُّ أحَدَهم أنْ لا يَلْقى عَمَلَهُ ذَلِكَ أبَدًا، ذَلِكَ مُناهُ، وأمّا في الدُنْيا فَقَدْ كانَتْ خَطِيئَتُهُ يَسْتَلِذُّها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى التَحْذِيرِ، لِأنَّ تَحْذِيرَهُ وتَنْبِيهَهُ عَلى النَجاةِ؛ رَأْفَةٌ مِنهُ بِعِبادِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ إعْلامٍ بِهَذِهِ الصِفَةِ، فَمُقْتَضى ذَلِكَ التَأْنِيسُ لِئَلّا يَفْرُطَ الوَعِيدُ عَلى نَفْسِ مُؤْمِنٍ، وتَجِيءُ الآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ( إنَّ رَبَّكَ شَدِيدُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ ﴾ مَعْناهُ: واللهُ مَحْذُورُ العِقابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من التحذير المجمل إلى ضرب من ضروب تفصيله، وهو إشعار المحذّر باطّلاع الله على ما يخفونه من الأمر.

وذكر الصدور هنا والمراد البواطن والضمائر: جرياً على معروف اللغة من إضافة الخواطر النفسية إلى الصدر والقلب، لأنّ الانفعالات النفسانية وتردّدات التفكّر ونوايا النفوس كلّها يشعر لها بحركات في الصدور.

وزاد أو تُبدوه فأفاد تعميم العلم تعليماً لهم بسعة علم الله تعالى لأنّ مقام إثبات صفات الله تعالى يقتضي الإيضاح.

وجملة ﴿ ويعلم ما في السماوات وما في الأرض ﴾ معطوفة على جملة الشرط فهي معمولة لفعل قل، وليست معطوفة على جواب الشرط: لأنّ علم الله بما في السماوات وما في الأرض ثابت مطلقاً غير معلّق على إخفاء ما في نفوسهم وإبدائه وما في الجملة من التعميم يجعلها في قوة التذييل.

وقوله: ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ إعلام بأنّه مع العلم ذو قدرة على كلّ شيء، وهذا من التهديد؛ إذ المهدِّد لا يحول بينه وبين تحقيق وعيده إلاّ أحد أمرين: الجهل بجريمة المجرم، أو العجز عنه، فلما أعلمهم بعموم علمه، وعموم قدرته، علموا أنّ الله لا يفلتهم من عقابه.

وإظهار اسم الله دون ضميره فلم يقل وهو على كل شيء قدير: لتكون الجملة مستقلة فتجري مجرى المثل، والجملة لها معنى التذييل.

والخطاب للمؤمنين تبعاً لقوله: ﴿ لا يتّخذ المؤمنون الكافرين ﴾ [آل عمران: 28] الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ ﴾ في آلِ عِمْرانَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى وهارُونُ ابْنا عِمْرانَ.

والثّانِي: أنَّهُ المَسِيحُ، لِأنَّ مَرْيَمَ بِنْتُ عِمْرانَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

وَفِيما اصْطَفاهم بِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اصْطَفاهم بِاخْتِيارِ دِينِهِمْ لَهم، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّهُ اصْطَفاهم بِتَفْضِيلِهِمْ في الأُمُورِ الَّتِي مَيَّزَهم بِها عَلى أهْلِ زَمانِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اصْطَفاهم بِاخْتِيارِهِمْ لِلنُّبُوَّةِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم صارُوا ذُرِّيَّةً بِالتَّناصُرِ لا بِالنَّسَبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ  ﴾ يَعْنِي في الِاجْتِماعِ عَلى الضَّلالِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهم في التَّناسُلِ والنَّسَبِ، إذْ جَمِيعُهم مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، ثُمَّ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، ثُمَّ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: أخبرهم أنه يعلم ما أسروا من ذلك وما أعلنوا فقال: ﴿ إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً ﴾ يقول: موفراً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وما عملت من سوء تودُّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ﴾ قال: يسر أحدهم أن لا يلقى عمله ذلك أبداً يكون ذلك مناة، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئة يستلذها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ أمداً بعيداً ﴾ قال: مكاناً بعيداً.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ أمداً ﴾ قال: أجلاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ﴾ قال: من رأفته بهم حذرهم نفسه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾ .

أي: مِن مودة الكفار، وموالاتهم.

هذا قول أكثر المفسرين (١) وقال الكلبي (٢)  ، يقول: إن أخفيتموه أو أظهرتم تكذيبه، بحربه وقتاله، يعلمه الله.

وقال عطاء (٣) قال أهل المعاني: لَمّا نَهَى اللهُ في الآية الأولى عن موالاة الكفار، خوَّفَ وحذَّر في هذه الآية (٤) (٥) [فإن قيل: لِمَ جاء] (٦) ﴿ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ بالجَزْم؛ على جواب (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ .

رفع (١٣) ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ  ﴾ ، جزم الأفاعيل (١٤) ﴿ وَيَتُوُبُ اَللَّهُ  ﴾ ، فرفع.

ومثله، قوله: ﴿ فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ  ﴾ ، ورفعاً (١٥) وفي قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ ، إتمامٌ؛ للتحذير؛ لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيءٌ منهما، فكيف يخفى عليه الضميرُ؟.

وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

تحذيرٌ مِنْ عِقَابِ مَن لا يعْجِزَهُ شىءٌ.

(١) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 230، "تفسير الثعلبي" 3/ 36 أ، "تفسير البغوي" 2/ 26، "زاد المسير" 1/ 372.

(٢) قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 36 أ، "تفسير البغوي" 2/ 26.

(٣) لم اهتد إلى مصدر قوله.

(٤) (في هذه الآية): ساقطة من (ج).

(٥) في (ج): (انظار).

(٦) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ).

والمثبت من: (ب)، (ج)، (د).

(٧) في (ج): (جواز).

(٨) في (ج): (وجوب).

(٩) (الله تعالى): ليس في (أ)، (ب)، (د).

والمثبت من (ج).

(١٠) في (د): (وقيل)، والمثبت من (ج).

(١١) في (ج): (لأنه)، والمثبت من (د).

(١٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).

(١٣) من قوله: (رفع ..) إلى (..

رفعا): نقله بتصرف عن "معاني القرآن" للفراء: 1/ 206.

(١٤) (الأفاعيل): ساقطة من (د).

ومعناه: جُزِمت الأفعال التالية في الآية: (يُعذِّبْهمْ)، (يُخزِهِمْ)، (يَشْفِ)، (يُذْهِبْ).

(١٥) أي: هي في نيَّةِ رفع، مستأنفةٌ، غير داخلة في جزاء الشرط؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقًا.

وسقوط الواو لفظًا، لالتقاء الساكنين في الدرج، وسقوطها خطًّا، حملًا للخطِّ على اللفظ.

انظر: "منار الهدى في بيان الوقف والابتداء" للأشموني: 249.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون ﴾ الآية.

عامة في جميع الأعصار، وسببها ميل بعض الأنصار إلى بعض اليهود، وقيل: كتاب حاطب إلى مشركي قريش ﴿ فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ ﴾ تبرؤ ممن فعل ذلك.

ووعيد على موالاة الكفار، وفي الكلام حذف تقديره: ليس من التقرب إلى الله ﴿ فِي شَيْءٍ ﴾ ، وموضع في شيء نصب على الحال من الضمير في ليس من الله، قاله ابن عطية ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ ﴾ إباحة لموالاتهم إن خافوا منهم، والمراد موالاة في الظاهر مع البغضاء في الباطن ﴿ تقاة ﴾ وزنه فعلة بضم الفاء وفتح العين.

وفاؤه واو، وأبدل منها تاء، ولامه ياء أبدل منها ألف، وهو منصوب على المصدرية، ويجوز أن ينصب على الحال من الضمير في تتقوا ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ ﴾ تخويف ﴿ يَوْمَ تَجِدُ ﴾ منصوب على الظرفية، والعامل فيه فعل مضمر تقديره: اذكروا أو خافوا وقيل: العامل فيه قدير، وقيل: المصير، وقيل: يحذركم ﴿ وَمَا عَمِلَتْ مِن سواء ﴾ مبتدأ خبره تودّ، أو معطوف ﴿ أَمَدَاً ﴾ أي مسافة ﴿ والله رَؤُوفٌ ﴾ ذُكر بعد التحذير تأنيساً لئلا يفرط في الخوف، أو لأن التحذير والتنبيه رأفة ﴿ فاتبعوني ﴾ جعل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم علامة على محبة العبد لله تعالى وشرط في محبة الله للعبد ومغفرته له، وقيل إنّ الآية خطاب لنصارى نجران ومعناها على العموم في جميع الناس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الحي من الميت والميت من الحي ﴾ بالتشديد على "فيعل" حيث كان: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون بالتخفيف على "فيل".

﴿ منهم تقية ﴾ بكسر القاف وفتح الياء وتشديدها: أبو زيد عن المفضل وسهل ويعقوب.

الباقون ﴿ تقاة ﴾ بضم التاء.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة.

الوقوف: ﴿ ممن تشاء ﴾ ط لتناهي الجملتين المتضايفتين معنى إلى جملتين مثلهما ﴿ ونذل من تشاء ﴾ ط ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه، ﴿ في الليل ﴾ ز للفصل بين الجملتين المتضادتين ﴿ من الحي ﴾ ز لعطف المتفقتين ﴿ حساب ﴾ ه، ﴿ المؤمنين ﴾ ج ﴿ تقاة ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه، ﴿ يعلمه الله ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه، ﴿ محضرا ﴾ ج والأجوز أن يوقف على ﴿ سوء ﴾ تقديره وما عملت من سوء كذلك.

﴿ بعيداً ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ ذنوبكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والرسول ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.

﴿ الكافرين ﴾ ه، ﴿ العالمين ﴾ (لا) لأن ﴿ ذرّية ﴾ بدل.

﴿ من بعض ﴾ ج ﴿ عليم ﴾ (لا) لاحتمال أن "إذ" متعلق بالوصفين أي سمع دعاءها وعلم رجاءها حين قالت، أو اصطفى آل عمران وقت قولها ولاحتمال نصب "إذ" بإضمار "اذكر".

/التفسير: إنه  لما ذكر من طريقة المعاندين ما ذكر، علم نبيه  طريقة مباينة لطريقتهم من كيفية التمجيد والتعظيم فقال: ﴿ قل اللهم ﴾ ومعناه عند سيبويه يا الله والميم المشددة عوض عن الياء.

وإنما أخرت تبركاً باسم الله  وهذا من خصائص اسم الله.

كما اختص بدخول تاء القسم، وبدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف، وبقطع همزته في يا الله.

وعند الكوفيين أصله يا الله أمنا بخير أي أقصدنا، فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء.

وخففت الهمزة من أمّ.

وزيف بأن التقدير لو كان كذلك لزم أن يذكر الدعاء بعده بالعطف مثل: اللهم واغفر لنا.

ولجاز أن يتكلم به على أصله من غير تخفيف الهمزة وبإثبات حرف النداء وأجيب بأنه إنما لم يوسط العاطف لئلا يصير السؤال سؤالين ضرورة مغايرة المعطوف للمعطوف عليه بخلاف ما لو جعل الثاني تفسيراً للأول فيكون آكد.

وبأن الأصل كثيراً ما يصير متروكاً مثل: ما أكرمه فإنه لا يقال: شيء ما أكرمه في التعجب.

﴿ ومالك الملك ﴾ نداء مستأنف عند سيبويه.

فإن النداء باللهم لا يوصف كما لا توصف أخواته من الأسماء المختصة بالنداء نحو: يا هناه ويا نومان ويا ملكعان وفل.

وأجاز المبرد نصبه على النعت كما جاز في "يا ألله".

عن ابن عباس وأنس بن مالك "أن رسول الله  حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم؟

هم أعز وأمنع من ذلك" فنزلت الآية.

وعن عمرو بن عون "أن رسول الله  لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله  ، يخبره  ، فأخذ المعول من سلمان فضربها  ضربة صدعتها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كالمصباح في جوف بيت مظلم، وكبر  وكبر المسلمون وقال  : أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال  : أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب  الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا.

فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا" فنزلت.

وقال الحسن: إن الله  أمر نبيه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما.

وأمره بذلك دليل على أن يستجيب له  هذا الدعاء وهكذا منازل الأنبياء إذا أمروا بدعاء استجيب دعاؤهم.

﴿ مالك الملك ﴾ أي تملك جنس الملاك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، وفيه أن قدرة الخلق في كل ما يقدرون عليه ليست إلا بأقدار / الله  .

ثم لما بين كونه مالك الملك وأنه هو الذي يقدر كل قادر على مقدوره ويملك كل مالك على مملوكه فصل ذلك بقوله: ﴿ تؤتى الملك من تشاء ﴾ أي النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك.

فالأول عام شامل والآخر بعض من الكل.

وهذا الملك قيل: ملك النبوة لأنها أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر على بواطن الخلق، والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق.

والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر، فعلى كل أحد أن يقبل شريعتهم ولهم أن يقتلوا من أرادوا من المتمردين.

ولهذا استبعد بعض الجهلة أن يكون النبي بشراً ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً  ﴾ ومن المجوّزين من كان يقول إن محمداً  فقير يتيم فكيف يليق به هذا المنصب العظيم؟

﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  ﴾ وكانت اليهود تقول: النبوة في أسلافنا فنحن أحق بها.

وقد روينا في تفسير قوله: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون  ﴾ أن اليهود تكبروا على النبي  بكثرة عددهم وعددهم فرد الله  على جميع هؤلاء الطوائف بأنه  مالك الملك يؤتي الملك - وهو النبوة - من يشاء، وينزع الملك - النبوة - ممن يشاء لا بمعنى أنه يعزله عن النبوة فإن ذلك غير جائز بالإجماع بل بمعنى أنه ينقلها من نسل إلى نسل كما نزع عن بني إسرائيل ووضع في العرب، أو بمعنى أنه لا يعطيه النبوة ابتداء كقوله: ﴿ الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ فإنه يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط.

ومثله ﴿ أو لتعودنّ في ملتنا  ﴾ مع أن الأنبياء لم يكونوا في ملتهم قط حتى يتصور العود إليها.

وقيل: المراد من الملك التسلط الظاهر وهو الاقتدار على المال بأنواعه وعلى الجاه، وهو أن يكون مهيباً عند الناس وجيهاً غالباً مظفراً مطاعاً.

ومن المعلوم أن كل ذلك بإيتاء الله  .

فكم من عاقل قليل المال، ورب جاهل غافل رخي البال، وقد رأينا كثيراً من الملوك بذلوا الأموال لتحصيل الحشمة والجاه وما ازدادوا إلا حقارة وخمولاً، فعلمنا أن الكل بإيتاء الله  سواء في ذلك ملوك العدل وملوك الجور، لأن حصول الملك للجائر إن لم يقع بفاعل ففيه سد باب إثبات الصانع، وإن حصل بفعل المتغلب فكل أحد يتمنى حصول الملك والدولة لنفسه ولا يتيسر له.

فلم يبق إلا أن يكون من مسبب الأسباب وفاعل الكل ومدبر الأمور وناظم مصالح الجمهور.

لو كان بالحيل الغنى لوجدتني *** بتخوم أقطار السماء تعلقي لكن من رزق الحجى حرم الغنى *** ضدان مفترقان أيّ تفرق ومن الدليل على القضاء وكونه *** بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق وكذا الكلام في نزع الملك فإنه كما ينزع الملك من الظالم فقد ينزعه من العادل لمصلحة تقتضي ذلك.

والنزع يكون بالموت وبإزالة العقل والقوى والقدرة والحواس وبتلف الأموال وغير ذلك.

في بعض الكتب "أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة.

وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم" وهذا كقوله  "كما تكونوا يولى عليكم" والصحيح أن الملك عام يدخل فيه النبوة والولاية والعلم والعقل والصحة والأخلاق الحسنة وملك النفاذ والقدرة وملك محبة القلوب وملك الأموال والأولاد إلى غير ذلك، فإن اللفظ عام ولا دليل على التخصيص ﴿ وتعز من تشاء وتذل من تشاء ﴾ كل من الإعزاز والإذلال في الدين أو في الدنيا، ولا عزة في الدين كعزة الإيمان ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ وفي ضده لا ذلة كذلة الكفر وعزة الدنيا كإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت، وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق، وكل ذلك بتيسير الله  وتقديره ﴿ بيدك الخير ﴾ أي بقدرتك يحصل كل الخيرات وليس في يد غيرك منها شيء.

وإنما خص الخير بالذكر وإن كان بيده الخير والشر والنفع والضرّ، لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة، أي بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، أو لأن جميع أفعاله من نافع وضار لا يخلو عن حكمة ومصلحة وإن كنا لا نعلم تفصيلها فكلها خير، أو لأن القادر على إيصال الخير أقدر على إيصال الشر فاكتفى بالأول عن الثاني.

وللاحتراز عن لفظ الشر مع أن ذلك صار مذكورا بالتضمن في قوله: ﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ ولأن الخير يصدر عن الحكم بالذات والشر بالعرض فاقتصر على الخير.

﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ وذلك بأن يجعل الليل قصيراً ويدخل ذلك القدر في النهار وبالعكس.

ففي كل منهما قوام العالم ونظامه.

أو يأتي بالليل عقيب النهار فيلبس الدنيا ظلمته بعد أن كان فيها ضوء النهار، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوأه.

فالمراد بالإيلاج إيجاد كل منهما عقيب الآخر والأول أقرب إلى اللفظ، فإن الإيلاج الإدخال فإذا زاد من هذا في ذلك فقد أدخله فيه ﴿ وتخرج الحي من الميت ﴾ المؤمن من الكافر ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه  ﴾ أي كافراً فهديناه، أو الطيب من الخبيث، أو الحيوان من النطفة، أو الطير من البيضة وبالعكس.

والنطفة تسمى ميتاً ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاًَ فأحياكم  ﴾ أو يخرج السنبلة من الحبة، والنخلة من النواة وبالعكس.

فإخراج النبات من الأرض يسمى إحياء ﴿ يحيي الأرض بعد موتها  ﴾ ﴿ وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ تقدم مثله في البقرة.

وإذا كان كذلك فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم / ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم.

ثم لما علم كيفية التعظيم لأمر الله أردفه بشريطة الشفقة على خلق الله، أو نقول: لما ذكر أنه مالك الملك وبيده العزة والذلة والخير كله.

بيّن أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه دون أعدائه فقال: ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين ﴾ بالجزم، ولكن كسر الذال للساكنين.

قال الزجاج: ولو رفع على الخبر جاز، ولكنه لم يقرأ.

والخبر والطلب يقام كل منهما مقام الآخر.

وقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم على المؤمنين.

عن ابن عباس قال: "كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد وهؤلا كانوا من اليهود يباطنون نفراً من الأنصار يفتنونهم عن دينهم.

فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود.

فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم" فنزلت هذه الآية.

وعن ابن عباس أيضاً في رواية الضحاك: "نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرياً نقيباً، وكان له حلفاء من اليهود.

فلما خرج النبي  يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو" فنزلت.

وقال الكلبي: نزلت في المنافقين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه - كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله  فأنزل الله  هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم.

وقد كرر ذلك في آيات أخر كثيرة ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم  ﴾ ﴿ لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء  ﴾ ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله  ﴾ وكون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون راضياً بكفره والرضا بالكفر كفر فيستحيل أن يصدر عن المؤمن فلا يدخل تحت الآية لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وثانيها المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر وذلك غير ممنوع منه والثالث كالمتوسط بين القسمين وهو الركون إليهم والمعونة والمظاهرة لقرابة أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك، ولهذا قال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، وكانوا يظهرون المودّة لكفار مكة مع اعتقاد أن دينهم باطل، فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه حذراً من أن يجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه حتى يخصه بالموالاة دون المؤمنين، فلا جرم هدد فقال: ﴿ من يفعل ذلك فليس من الله ﴾ أي من ولايته أو من دينه ﴿ في شيء ﴾ يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ عن ولاية الله رأساً، وهذا كالبيان لقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ ليعلم أن الاشتراك بينهم وبين المؤمنين في الموالاة غير متصوّر وهذا أمر معقول، فإن موالاة الولي وموالاة عدوه ضدان قال: تود عدوّي ثم تزعم أنني *** صديقك ليس النوك عنك بعازب قال بعض الحكماء: هذا ليس بكلي فإنه قد يكون المشفق على العدوّ مشفقاً على العدو الآخر كالملك العادل فإنه محب لهما، فإن أراد أحد أن يعم الحكم لا بد له أن يزيد عليه إذا كانوا في مرتبة واحدة ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ قال الجوهري: يقال اتقى تقية وتقاة مثل اتخم تخمة، وفاؤها واو كتراث.

فالتقاة اسم وضع موضع المصدر.

قال الواحدي: ويجوز أن يجعل "تقاة" ههنا مثل "دعاة" و "رماة" فيكون حالاً مؤكدة، وعلى هذين الوجهين يكون تتقوا مضمناً معنى تحذروا أو تخافوا ولذا عدي بـ"من".

ويحتمل أن يكون التقاة أو التقية بمعنى المتقي مثل: ضرب الأمير لمضروبه، فالمعنى إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه.

رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة محالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع من قشر العصا وإظهار الطوية كقول عيسى  : كن وسطاً وامش جانباً أي ليكن جسدك بين الناس وقلبك مع الله.

وللتقية عند العلماء أحكام منها: إذا كان الرجل في قوم كفار يخاف منهم على نفسه جاز له أن يظهر المحبة والموالاة ولكن بشرط أن يضمر خلافه ويعرّض في كل ما يقول ما أمكن، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب.

ومنه أنها رخصة فلو تركها كان أفضل لما "روى الحسن أنه أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله  فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟

قال: نعم.

قال: أتشهد أني رسول الله؟

قال: نعم.

- وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ومحمد رسول قريش - فتركه ودعا الآخر وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟

فقال: نعم نعم نعم.

فقال: أتشهد أني رسول الله؟

فقال: إني أصم ثلاثاً، فقدمه وقتله.

فبلغ ذلك رسول الله  : فقال: أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيأ له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه" .

ونظير هذه الآية ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ ومنها أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة.

وقد يجوز أن تكون أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين، فأما الذي يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال وشهادة الزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز ألبتة.

ومنها أن الشافعي جوز التقية بين المسلمين كما جوّزها بين الكافر محاماة على النفس.

ومنها أنها جائزة لصون المال على الأصح كما أنها جائزة لصون النفس لقوله  : " "حرمة مال المسلم كحرمة دمه" و "من قتل دون ماله فهو شهيد " ولأن الحاجة إلى المال شديدة ولهذا يسقط فرض الوضوء ويجوز الاقتصار على / التيمم إذا بيع الماء بالغبن.

قال مجاهد: كان هذا في أول الإسلام فقط لضعف المؤمنين.

وروى عوف عن الحسن أنه قال: التقية جائزة إلى يوم القيامة.

وهذا أرجح عند الأئمة.

﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ قيل: أي عقاب نفسه.

وفيه تهديد عظيم لمن تعرّض لسخطه بموالاة أعدائه لأن شدة العقاب على حسب قدرة المعاقب.

وفائدة ذكر النفس تصريح بأن الذي حذر منه هو عقاب يصدر من الله لا من غيره.

وقيل: الضمير يعود إلى اتخاذ الأولياء أي ينهاكم الله عن نفس هذا الفعل.

ثم حذر عن جعل الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية فقال: ﴿ قل إن تخفوا ما في صدوركم ﴾ أي قلوبكم وضمائركم لأن القلب في الصدر فجاز إقامة الظرف مقام المظروف ﴿ أو تبدوه يعلمه الله ﴾ يتعلق به علمه الأزلي.

ثم استأنف بياناً أشفى وتحذيراً أوفى فقال: ﴿ ويعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ ثم قال إتماماً للتحذير ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ ثم خلط الوعيد بالوعد والترهيب بالترغيب فقال: ﴿ يوم تجد ﴾ وفي عامله وجوه قال ابن الأنباري: وإلى الله المصير يوم تجد.

وقيل: والله على كل شيء قدير يوم تجد، وخص ذلك اليوم بالذكر وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة الله  تعظيماً لشأنه مثل ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ وقيل: انتصابه بمضمر أي اذكر.

والأظهر أن العامل فيه ﴿ تود ﴾ والضمير في ﴿ بينه ﴾ لليوم أي تود كل نفس يوم تجد ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء محضراً أيضاً لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً.

والأمد الغاية التي ينتهي إليها مكاناً كانت أو زماناً.

والمقصود تمني بعده كقوله: ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين  ﴾ ومعنى كون العمل محضراً هو أن يكون ما كتب فيه العمل من الصحائف حاضراً، أو يكون جزاؤه حاضراً إذ العمل عرض لا يبقى.

ثم إن لم يكن يوم متعلقاً بـ ﴿ تود ﴾ احتمل أن يكون ﴿ تود ﴾ صفة ﴿ سوء ﴾ والضمير في ﴿ بينه ﴾ يعود إليه، واحتمل أن يكون حالاً، واحتمل أن يكون ﴿ ما عملت ﴾ مبتدأ من الصلة والموصول و ﴿ تود ﴾ خبره وهو الأكثر، واحتمل أن يكون "ما" شرطية و ﴿ تود ﴾ جزاء له وهو قليل كقوله: وإن أتاه خليل يوم مسغبة *** يقول لا غائب ما لي ولا حرم وقراءة عبد الله ﴿ ودت ﴾ يحتملها على السواء إلا أن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم ﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ تأكيد للوعيد ﴿ والله رؤوف بالعباد ﴾ قال الحسن: ومن رأفته أن حذرهم نفسه وعرّفهم كمال علمه وقدرته، وأنه يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذرهم من استحقاق غضبه.

ويجوز أن يراد أنه / رؤوف بهم حيث أمهلهم للتوبة والتلافي، أو هو وعد كما أن التحذير وعيد، أو المراد بالعباد عباده المخلصون كقوله: ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ كما هو منتقم من الفساق ومحذرهم نفسه فهو رؤوف بالعباد المطيعين والمحسنين.

ثم إنه  دعا القوم إلى الإيمان به ورسوله من طريق آخر سوى طريق التهديد والتحذير فقال: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله ﴾ قال الحسن وابن جريج: زعم أقوام على عهد رسول الله  أنهم يحبون الله فقالوا: يا محمد إنا نحب ربنا فأنزل الله هذه الآية.

وروى الضحاك عن ابن عباس قال: "وقف النبي  على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها فقال: يا معشر قريش، لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل ولقد كانا على الإسلام.

فقالت قريش: يا محمد إنا نعبد هذه حباً لله ليقربونا إلى الله زلفى" .

فأنزل الله ﴿ قل إن كنتم تحبون الله ﴾ وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم.

وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت حين زعمت اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه.

وقيل: نزلت في نصارى نجران زعموا أنهم يعظمون المسيح ويعبدونه حباً لله وتعظيماً له.

والحاصل أن كل من يدعي محبة الله  من فرق العقلاء فلا بد أن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه، فإذا قامت الدلائل العقلية والمعجزات الحسية على نبوة محمد  وجبت متابعته.

فليس في متابعته إلا أنه يدعوهم إلى طاعة الله وتعظيمه وترك تعظيم غيره.

فمن أحب الله كان راغباً فيه لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب والإعراض بالكلية عن غيره، وقد مر في تفسير قوله: ﴿ والذين آمنوا أشد حباً لله  ﴾ تحقيق المحبة وأنها من الله  عبارة عن إعطاء الثواب.

وقال: ﴿ ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ ليدل مع إيفاء الثواب على إزالة العقاب وهذه غاية ما يطلبه كل عاقل.

﴿ والله غفور ﴾ في الدنيا يستر على عبده أنواع المعاصي ﴿ رحيم ﴾ في الآخرة يثيبه على مثقال الذرة من الطاعة والحسنة.

يروى أنه لما نزل ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ﴾ قال عبد الله بن أبيّ إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى فنزلت ﴿ قل أطيعوا الله والرسول ﴾ وذلك أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته ثم إن المنافق ألقى شبهة في البين أمره الله  أن يقول: إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا لما يقوله النصارى في عيسى بل لكوني رسولاً من عند الله ومبلغ تكاليفه ﴿ فإن تولوا ﴾ أعرضوا أو تعرضوا على أن يكون التاء الأولى محذوفة ويدخل في جملة ما يقوله الرسول لهم، فإنه لا يحصل للكافرين محبة الله لأنها عبارة عن الثناء لهم وإيصال الثواب إليهم، والكافر يستحق الذم واللعن وهذا ضد المحبة.

ثم إنه  لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بيّن / علو درجات الرسل وسموّ طبقاتهم فقال: ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً ﴾ الآية أي جعلهم صفوة خلقه والمختارين من بينهم تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة، وذلك باستخلاصهم من الصفات الذميمة وتحليتهم بالخصال الحميدة كقوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ وقيل: المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح ولكن الأصل عدم الإضمار.

وذكر الحليمي في كتاب المنهاج أن الأنبياء عليهم السلام مخالفون لغيرهم في القوى الجسمانية والقوى الروحانية.

أما القوى الجسمانية فهي إما مدركة أو محركة.

أما المدركة فهي الحواس الظاهرة أو الباطنة أما الظاهرة فقوله  " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها " وقوله: " أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري" وهذا يدل على كمال القوة الباصرة ونظيرها ما حصل لإبراهيم  ﴿ وكذلك نُرِي إبراهيم ملكوت السموات والأرض  ﴾ ذكروا في تفسيره أن الله تعالى قوّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت وليس بمستبعد، فإنه يروى أن زرقاء اليمامة كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام.

ويقال: إن النسر وغيره من عظام الجوارح يرتفع فيرى صيده من مائة فرسخ.

وقال  : " أطت السماء وحق لها أن تئط " فسمع أطيط السماء.

ومثله ما زعمت الفلاسفة أن فيثاغورس راض نفسه حتى سمع حفيف الفلك.

وقد سمع سليمان كلام النمل وفهمه.

ومثله ما يروى أن النبي  تكلم مع الذئب ومع البعير، وقد وجد يعقوب  ريح يوسف من مسيرة أيام.

وقال  " إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم" وهو دليل كمال قوة الذوق.

وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، قيل: وهو دليل قوة اللمس كما في النعامة والسمندل وفيه نظر، إذ لا إدراك ههنا فكيف يستدل به على قوة الإدراك؟

بل يجب أن يحمل هذا على معنى آخر وهو أنه  لا يبعد أن يجعل المنافي ملائماً للإعجاز أو لخاصية أودعها في المنافي حتى يصير ملائماً.

وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ قال  : ﴿ سنقرئك فلا تنسى  ﴾ ومنها قوة الذكاء قال علي رضي / الله عنه: علمني رسول الله  ألف باب من العلم فاستنبطت من كل باب ألف باب.

وإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي؟

وأما القوة المحركة فكعروج النبي  وعروج عيسى  إلى السماء، وكرفع إدريس وإلياس على ما ورد في الأخبار.

وأما القوة الروحانية العقلية فنقول: إن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس، أو كالمخالفة صفاء ونورية وانجذاباً إلى عالم الأرواح، فلا جرم تجري عليها الأنوار الفائضة من المبادىء العالية أتم من سائر النفوس وأكمل، ولهذا بعثت مكملة للناقصين ومعلمة للجاهلين ومرشدة للطالبين مصطفاة على العالمين من جميع سكان الأرضين عند من يقول الملك أفضل من البشر، أو من سكان السموات أيضاً عند من يرى البشر أفضل المخلوقات.

ثم إن القرآن دل على أن أول الأنبياء اصفطاء آدم صفي الله وخليفته.

ثم إنه وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم وهم: شيث وأولاده إلى إدريس، ثم إلى نوح ثم إلى إبرهيم ثم انشعب من إبراهيم  شعبتان: إسماعيل وإسحق.

فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد  ، وجعل إسحق مبدأ لشعبتين يعقوب وعيص.

فوضع النبوة في نسل يعقوب، ووضع الملك في نسل عيص، واستمر ذلك إلى زمان محمد  .

فلما ظهر محمد  نقل نور النبوة ونور الملك إليه  وبقي الدين والملك في أمته  إلى يوم القيامة، فالمراد بآل إبراهيم أولاده عليهم الصلاة والسلام وهو المطلوب بقوله: ﴿ ومن ذريتي  ﴾ بعد قوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ وأما آل عمران فقيل: أولاد عمران بن يصهر والدموسي وهارون.

وقيل: المراد بعمران والد مريم وهو عمران بن ماثان بدليل قوله عقيبه ﴿ إذ قالت امرأة عمران  ﴾ ولا شك أنه عمران بن ماثان جد عيسى من قبل الأم، ولأن الكلام سيق للنصارى الذين يحتجون على إلهية عيسى  بالخوارق التي ظهرت على يده.

فالله  يقول: إن ذلك باصطفاء الله إياه لا لكونه شريكاً للإله ولأن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله  : ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين  ﴾ .

﴿ ذرية ﴾ بدل ممن سوى آدم ﴿ بعضها من بعض ﴾ قيل: أي في التوحيد والإخلاص والطاعة كقوله: ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض  ﴾ وذلك لاشتراكهم في النفاق.

وقيل: معناه أن غير آدم كانوا متوالدين من آدم.

وقيل: يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض، موسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من قاهث، وقاهث من لاوي، ولاوي من يعقوب، ويعقوب من إسحق.

وكذلك عيسى من مريم، ومريم بنت عمران بن ماثان.

ثم قال في الكشاف: ماثان بن سليمان بن داود بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق وفيه نظر، لأن بين ماثان وسليمان قوماً آخرين، وكذلك بين ايشا ويهوذا.

﴿ والله / سميع ﴾ لأقوال العباد ﴿ عليم ﴾ بضمائرهم وأفعالهم فيصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولاً وفعلاً.

ويحتمل أن يكون الكلام مع اليهود والنصارى الذين كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه تغريراً للعوام مع علمهم ببطلان هذا الكلام، فيكون أول الكلام تشريفاً للمرسلين وآخره تهديداً للمبطلين كأنه قيل: والله سميع لأقوالهم الباطلة، عليم بأغراضهم الفاسدة فيجازيهم بحسب ذلك.

ويحتمل أن يتعلق بما بعده كما في الوقوف.

التأويل: مالك هو ملك الوجود فلا وجود بالحقيقة إلا له، تؤتي الوجود من تشاء وتنزع الوجود ممن تشاء، فتخلق بعض الموجودات مستعداً للبقاء كالملائكة والإنسان، توجد بعضها قابلاً للفناء كالنبات والحيوان غير الإنسان.

﴿ وتعز من تشاء ﴾ بعزة الوجود النوري، ﴿ وتذل من تشاء ﴾ بذل القبض القهري، بيدك الخير.

﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ تضمين للدعاء بذكر السبب كما يقال للجواد إنك الذي يقدر على إعطاء كل خير فأتنا وأعزنا يا مفيض كل خير، ويا كاشف كل ضير.

تولج ليل ظلمات الصفات البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية وبالعكس، تخرج القلب الحي بالحياة الحقيقية من النفس الميتة، وتخرج القلب الميت عن الحياة الحقيقية من النفس الحية بالحياة المجازية الحيوانية.

لا يتخذ القلب المؤمن والروح والسر وصفاتها الكافرين من النفس الأمّارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين من القلب والروح والسر، ومن يفعل ذلك من القلوب فليس من أنوار الله وألطافه في شيء إلا أن تخافوا من هلاك النفوس.

فالنفس مركب الروح فتواسوها كيلا تعجز عن السير في الرجوع وتهلك في الطريق من شدة الرياضات وكثرة المجاهدات.

﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ أي من صفات قهره ﴿ قل إن تخفوا ما في صدوركم ﴾ من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس ﴿ ويعلم ما في السموات ﴾ قلوبكم ﴿ وما في الأرض ﴾ نفوسكم ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت ﴾ أثر الخير والشر ظاهر في ذات المرء وصفاته، وبحسب ذلك يبيض وجه قلبه أو يسود ولكنه في غفلة من هذا محجوب عنه بحجاب النفس والجسم كمثل نائم لدغته حية كحية الكفر والخصال الذميمة فلا يحس بها ما دام نائماً نوم الغفلة، فإذا مات انتبه وأحس، ثم أخبر عن طريق الوصول أنه في متابعة الرسول.

واعلم أن للاتباع ثلاث درجات، ولمحبة المحب ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الاتباع ثلاث درجات.

أما درجات الاتباع فالأولى درجة عوام المؤمنين وهي متابعة أعماله  ، والثانية درجة الخواص وهي متابعة أخلاقه، والثالثة درجة أخص الخواص وهي متابعة أحواله.

وأما درجات محبة المحب فالأولى محبة العوام وهي مطالعة المنة من رؤية إحسان المحسن "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها" وهذا حب / يتغير بتغير الإحسان وهو لمتابعي الأعمال الذين يطمعون في الأجر على ما يعملون وفيه قال أبو الطيب: وما أنا بالباغي على الحب رشوة *** ضعيف هوى يرجى عليه ثواب والثانية محبة الخواص المتبعين للأخلاق الذين يحبونه إعظاماً وإجلالاً له، ولأنه أهل لذلك كما قالت رابعة: أحبك حبين حب الهوى *** وحب لأنك أهل لذاكا ويضطر هذا المحب في هذه الدرجة إلى إيثار الحق على غيره، وهذا الحب يبقى على الأبد بقاء الكمال والجلال على السرمد وفيه قال: سأعبد الله لا أرجو مثوبته *** لكن تعبد إعظام وإجلال والثالثة محبة أخص الخواص المتبعين للأحوال وهي الناشئة من الجذبة الإلهية في مكان من "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" وأهل هذه المحبة هم المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، غذينا بالمحبة يوم قالت *** له الدنيا أتينا طائعينا وحقيقة هذه المحبة أن يفنى المحب بسطوتها وتبقى المحبة فيه بلا هو كما أن النار تفني الحطب بسطوتها وتبقى النار منه بلا هو.

وحقيقة هذه المحبة نار لا تبقي ولا تذر.

وأما درجات محبة الله للعبد فاعلم أن كل صفة من صفات الله  من العلم والقدرة والإرادة وغيرها فإنها لا تشبه في الحقيقة صفات المخلوقين، حتى الوجود فإنه وإن عم الخالق والمخلوق إلا أن وجوده واجب بنفسه ووجود غيره ممكن في ذاته واجب به، فليس في الكون إلا الله وأفعاله.

قرأ القارى بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير رحمه الله قوله: ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ فقال: بحق يحبهم لأنه لا يحب إلا نفسه فليس في الوجود إلا هو، وما سواه فهو من صنعه.

والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه.

والغرض أن محبة الله للخلق عائدة إليه حقيقة إلا أنه لما كان مرورها على الخلق فبحسب ذلك اختلفت مراتبها، مع أنها صدرت عن محل واحد هو محل "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف" فما تعلقت إلا بأهل المعرفة وذلك قوله: "فخلقت الخلق لأعرف" لكنها تعلقت بالعوام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال فقيل لهم ﴿ فاتبعوني ﴾ بالأعمال الصالحة ﴿ يحببكم الله ﴾ يخصكم بالرحمة ﴿ ويغفر لكم ﴾ ذنوبكم التي صدرت منكم على خلاف / المتابعة.

وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق فقيل لهم: ﴿ فاتبعوني ﴾ بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل يخصكم بتجلي صفات الجمال ﴿ ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته.

وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات ومشربهم الأحوال فقيل لهم ﴿ فاتبعوني ﴾ ببذل الوجود ﴿ يحببكم الله ﴾ يخصكم بجذبكم إلى نفسه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ذنوب وجودكم فيمحوكم عنكم ويثبتكم به كما قال: "فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً" فهم بين روضة المحو وغدير الإثبات أحياء غير أموات، ويكون في هذا المقام المحب والمحبوب والمحبة واحداً كما أن الرائي في المرآة يشاهد ذاته بذاته وصفاته بصفاته فيكون الرائي والمرئي والرؤية واحداً.

﴿ قل أطيعوا الله والرسول ﴾ فإن متابعته صورة جذبة الحق وصدف درّة محبته لكم.

﴿ إن الله اصطفى آدم ﴾ وذلك أن الله  خلق العالمين سبعة أنواع: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والنفوس والعقول والأرواح، وجمع في آدم جميع الأنواع وخصه بتشريف ثامن هو تشريف ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ فهو المظهر لجميع آياته وصفاته وذاته وهو معنى جعله خليفة ومعنى قوله  "وإن الله خلق آدم على صورته" ثم ذكر خواص أولاد آدم نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران والمراد بالآل كل مؤمن تقي ﴿ بعضها من بعض ﴾ بالوراثة الدينية " "العلماء ورثة الأنبياء" فالعالم كشجرة وثمرتها أهل المعرفة ﴿ والله سميع ﴾ لدعائهم ﴿ عليم ﴾ بأحوالهم وخصالهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ ﴾ ، أي: لا يكونون أولياء لهم، وإن اتخذوا أولياء؛ بل هم لهم أعداء؛ كقوله: ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...

 ﴾ إلى آخر الآية.

ويحتمل: على النهي، أي: لا تتخذوا أولياء؛ كقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً ﴾ : اختلف فيه: قيل: إلا أن يكون بينكم وبينهم قرابة ورحم؛ فتصلون أرحامهم من غير أن تتولوهم في دينهم، على ما جاء عن علي - [  ] - "أنه قال لرسول الله  لما مات أبوه أبو طالب -: إِنَّ عَمَّكَ الضَّالَّ تُوفيِّ، فقال له رسول الله  : اذْهَبْ فَوَارِهِ" ويحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ ﴾ على أنفسكم ﴿ مِنْهُمْ تُقَـٰةً ﴾ ، إلا أن تخافوا منهم فتظهروا لهم ذلك مخافة الهلاك، وقلوبكم على غير ذلك.

وعن ابن عباس -  -: "التَّقِيَّةُ: التَّكَلُّمُ بِاللِّسَانِ، وَقَلْبُه مُطْمَئِنٌ بِالإِيمَانِ".

وقوله: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ : قيل: عقوبته.

[وقيل: نقمته؛ يقول الرجل لآخر: احذر فلاناً، إنما يريد نقمته وبوائقه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ عقوبته].

وبوائقه، التي تكون من نفسه لما يكن ذلك به لا بغيره، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ ﴾ : يحتمل: ما تخفوا من ولاية الكفار وتبدوه - يعلمه الله، فيه إخبار أن في قلوبهم شيئاً.

ويحتمل: أن يكون أراد جميع ما يخفون ويبدون ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها النبي-: إن تُخفوا ما في صدوركم مما نهاكم الله عنه كموالاة الكفار، أو تظهروا ذلك يعلمه الله، ولا يخفى عليه منه شيء، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.

من فوائد الآيات أن التوفيق والهداية من الله تعالى، والعلم -وإن كثر وبلغ صاحبه أعلى المراتب- إن لم يصاحبه توفيق الله لم ينتفع به المرء.

أن الملك لله تعالى، فهو المعطي المانع، المعز المذل، بيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فلا يُسأل أحد سواه.

خطورة تولي الكافرين، حيث توعَّد الله فاعله بالبراءة منه وبالحساب يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.aAeVR"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

جاء قوله تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ بعد تلك الآية التي نبه الله فيها النبي والمؤمنين إلى الالتجاء إليه معترفين أن بيده الملك والعز ومجامع الخير والسلطان المطلق في تصريف الكون يعطي من يشاء ويمنع من يشاء فإذا كانت العزة والقوة له عز شأنه فمن الجهل والغرور أن يعتز بغيره من دونه، وأن يلتجأ إلى غير جنابه، أو يذل المؤمن في غير بابه، وقد نطقت السير بأن بعض الذين كانوا يدخلون في الإسلام كان يقع منهم قبل الاطمئنان بالإيمان اغتراره بعزة الكافرين وقوتهم وشوكتهم فيوالونهم ويركنون إليهم وهذا أمر طبيعي في البشر.

وذكروا في سبب نزول الآية أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وقصته معروفة وقيل إنها نزلت في ابن أبي سلول (زعيم المنافقين) وقيل في جماعة من الصحابة كانوا يوالون بعض اليهود، ومهما كان السبب في نزولها فإنا نعلم أن من طبيعة الاجتماع في كل دعوة أن يوجد في المستجيبين لها القوي والضعيف، على أن مظاهر القوة والعزة تغر بعض الصادقين وتؤثر في نفوس بعض المخلصين فما بالك بغيرهم، ولذلك نهى الله تعالى المؤمنين عن اتخاذ الأولياء من الكافرين.

وقد ورد بمعنى هذه الآية آيات أخرى فلا بد من تفسيرها تفسيرًا تتفق به معانيها.

الأولياء: الأنصار، والاتخاذ يفيد معنى الاصطناع، وهم عبارة عن مكاشفتهم بالأسرار الخاصة بمصلحة الدين، وقوله: ﴿ مِنْ دُوْنَ المُؤْمِنِينَ  ﴾ قيد في الاتخاذ، أي لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء وأنصارًا في شيء تقدم فيه مصلحتهم على مصلحة المؤمنين أي كما فعل حاطب بن أبي بلتعة، لأن في هذا اختيارًا لهم وتفضيلًا على المؤمنين، بل فيه إعانة للكفر على الإيمان ولو بطريق اللزوم، ومن شأن هذا أن لا يصدر من مؤمن ولو كان فيه مصلحة خاصة له، ولذلك هم عمر  بقتل حاطب وسماه منافقًا لولا أن نهاه  عن ذلك وذكره بأنه من أهل بدر.

وقال تعالى في آية أخرى: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ  ﴾ الآية فالموادة مشاركة في الأعمال، فإن كانت في شأن من شؤون المؤمنين من حيث هم مؤمنون والكافرين من حيث هم كافرون فالممنوع منها ما يكون فيه خذلان لدينك وإيذاء لأهله أو إضاعة لمصالحهم، وأما ما عدا ذلك كالتجارة وغيرها من ضروب المعاملات الدنيوية فلا تدخل في ذلك النفي لأنها ليست معاملة في محادة الله ورسوله أي في معاداتهما ومقاومة دينهما.

﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ  ﴾ : معنى العبارة أنه يكون بينه وبين الله غاية البعد أي تنقطع صلة الإيمان بينه وبين الله تعالى أي فيكون من الكافرين كما قال في آية أخرى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ  ﴾ أو معناه فيكون عدو الله وقوله ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً  ﴾ استثناء من أعم الأحوال أي إن ترك موالاة الكافرين على المؤمنين حتم في كل حال إلا في حال الخوف من شيء تتقونه منهم فلكم حينئذ أن توالوهم بقدر ما يتقى به ذلك الشيء، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه الموالاة تكون صورية لأنها للمؤمنين لا عليهم، والظاهر أن الاستثناء منقطع والمعنى ليس لكم أن توالوهم على المؤمنين ولكن لكم أن تتقوا ضررهم بموالاتهم.

وإذا جازت موالاتهم لاتقاء الضرر فجوازه لأجل منفعة المسلمين يكون أولى، وعلى هذا يجوز لحكام المسلمين أن يحالفوا الدول غير المسلمة لأجل فائدة المؤمنين بدفع الضرر أو جلب المنفعة وليس لهم أن يتولوهم في شيء يضر بالمسلمين وإن لم يكونوا من رعيتهم.

وهذه الموالاة لا تختص بوقت الضعف بل هي جائزة في كل وقت.

﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا  ﴾ الكلام تتمة لوعيد من يوالي الكافرين ناصرًا إياهم على المؤمنين والمعنى اتقوا واحذروا، أو ليحذروا يوم تجد كل نفس عملها من الخير مهما قل محضرًا.

ولا يجوز تقدير "اذكر" متعلقًا لقوله "يوم تجد" كما فعل (الجلال).

ومعنى كونه محضرًا أن فائدته ومنفعته تكون حاضرة لديه.

وأما عمل السوء فتود كل نفس اقترفته ولو بعد عنها ولم تره وتؤخذ بجزائه.

وهذا يدل على أن عمل الشر يكون محضرًا أيضًا ولكنه عبر عنه بما ذكر ليدل على أن إحضاره مؤذ لصاحبه يود لو لم يكن، ومنه يعلم أن إحضار عمل الخير يكون غبطة لصاحبه وسرورًا.

وهذا التعبير ضرب من التمثيل كالآيات التي فيها ذكر كتب الأعمال وأخذها بالأيمان والشمائل فإن الغرض من التعبير بأخذها باليمين أخذها بالقبول الحسن ومن أخذها بالشمال أو من وراء الظهر أخذها مع الكراهية والامتعاض.

ومن مباحث اللفظ في الآية دخول الحرف المصدري على مثله في قوله ﴿ لَوْ أَنَّ  ﴾ وهو معروف في الكلام العربي الفصيح فلا حاجة إلى جعل الأصل فيه المنع وتأويل ما سمع منه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد