الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٢٨ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 153 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٨ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
نهى الله ، تبارك وتعالى ، عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين ، وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين ، ثم توعد على ذلك فقال : ( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) أي : من يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله كما قال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ) [ النساء : 144 ] وقال [ تعالى ] ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم [ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ] ) [ المائدة : 51 ] .
[ وقال تعالى ] ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ) إلى أن قال : ( ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل ) [ الممتحنة : 1 ] وقال تعالى - بعد ذكر موالاة المؤمنين للمؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب - : ( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) [ الأنفال : 73 ] .
وقوله : ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) أي : إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم ، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته ، كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال : " إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم " .
وقال الثوري : قال ابن عباس ، رضي الله عنهما : ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان ، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس : إنما التقية باللسان ، وكذا قال أبو العالية ، وأبو الشعثاء والضحاك ، والربيع بن أنس .
ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى : ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [ ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ] ) [ النحل : 106 ] .
وقال البخاري : قال الحسن : التقية إلى يوم القيامة .
ثم قال تعالى : ( ويحذركم الله نفسه ) أي : يحذركم نقمته ، أي مخالفته وسطوته في عذابه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه .
ثم قال تعالى : ( وإلى الله المصير ) أي : إليه المرجع والمنقلب ، فيجازي كل عامل بعمله .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سويد بن سعيد ، حدثنا مسلم بن خالد ، عن ابن أبي حسين ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن عمرو بن ميمون [ بن مهران ] قال : قام فينا معاذ بن جبل فقال : يا بني أود ، إني رسول رسول الله إليكم ، تعلمون أن المعاد [ إلى الله ] إلى الجنة أو إلى النار .
القول في تأويل قوله : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً قال أبو جعفر: وهذا نهيٌ من الله عز وجل المؤمنين أن يتخذوا الكفارَ أعوانًا وأنصارًا وظهورًا، ولذلك كسر " يتخذِ"، لأنه في موضع جزمٌ بالنهي، ولكنه كسر " الذال " منه، للساكن الذي لقيه وهي ساكنة.
(61) * * * ومعنى ذلك: لا تتخذوا، أيها المؤمنون، الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، (62) وتدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَنْ يفعل ذلك =" فليس من الله في شيء "، يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر =" إلا أن تتقوا منهم تقاة "، إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مُسلم بفعل، كما:- 6825 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين "، قال: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يُلاطفوا الكفار أو يتخذوهم وليجةً من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفارُ عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم اللُّطف، ويخالفونهم في الدين.
وذلك قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاةً".
&; 6-314 &; 6826 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الحجاجُ بن عمرو حليفُ كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد، قد بَطَنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر بن زَنْبَر، (63) وعبد الله بن جبير، وسعد بن خيثمة، لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم!
فأبى أولئك النفر إلا مُباطنتهم ولزومهم، فأنـزل الله عز وجل: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " إلى قوله: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
(64) 6827 - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين "، يقول: لا يتخذ المؤمن كافرًا وليًّا من دون المؤمنين.
(65) 6828 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين " إلى " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، أما " أولياء " فيواليهم في دينهم، ويظهرهم على عورة المؤمنين، فمن فعل هذا فهو مشرك، فقد برئ الله منه = إلا أن يتقي تقاةً، فهو يظهر الولاية لهم في دينهم، والبراءةَ من المؤمنين.
6829 - حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان، &; 6-315 &; عن ابن جريج، عمن حدثه، عن ابن عباس: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: التقاة التكلم باللسان، وقلبُه مطمئن بالإيمان.
6830 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: ما لم يُهرِق دم مسلم، وما لم يستحلّ ماله.
6831 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين "، إلا مصانعةً في الدنيا ومُخالقة.
(66) 6832 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
6833 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " إلى " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: قال أبو العالية: التقيَّة باللسان وليس بالعمل.
6834 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عُبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: التقيةُ باللسان.
مَنْ حُمل على أمر يتكلم به وهو لله معصيةٌ، فتكلم مخافةً على نفسه، وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه، إنما التقيَّة باللسان.
6835 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، فالتقية باللسان.
مَنْ حُمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله، فيتكلم به مخافة &; 6-316 &; الناس وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن ذلك لا يضره.
إنما التقية باللسان.
* * * وقال آخرون: معنى: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، إلا أن يكون بينك وبينه قرابة.
ذكر من قال ذلك: 6836 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين إلا أن تتقوا منهم تقيَّة "، نهى الله المؤمنين أن يوادّوا الكفار أو يتولَّوْهم دون المؤمنين.
وقال الله: " إلا أن تتقوا منهم تقيَّة "، (67) الرحم من المشركين، من غير أن يتولوهم في دينهم، إلا أن يَصل رحمًا له في المشركين.
6837 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء "، قال: لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرًا وليًّا في دينه، وقوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: أن يكون بينك وبينه قرابة، فتصله لذلك.
6838 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة "، قال: صاحبهم في الدنيا معروفًا، الرحم وغيره.
فأما في الدّين فلا.
* * * قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله قتادة تأويلٌ له وجه، وليس بالوجه الذي يدل عليه ظاهر الآية: إلا أن تتقوا من الكافرين تقاة= فالأغلب من معاني هذا الكلام: إلا أن تخافوا منهم مخافةً.
فالتقية التي ذكرها الله في هذه الآية.
إنما هي تقية من الكفار لا من غيرهم.
ووجَّهه قتادة إلى أن تأويله: إلا أن تتقوا الله من أجل القرابة التي بينكم وبينهم تقاة، فتصلون رحمها.
وليس ذلك الغالب على &; 6-317 &; معنى الكلام.
والتأويلُ في القرآن على الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب المستعمَل فيهم.
* * * وقد اختلفت القرأة في قراءة قوله: " إلا أن تتقوا منهم تقاة " فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار: ( إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً )، على تقدير " فُعَلة " مثل: " تُخَمة، وتؤَدَة وتُكأة "، من " اتقيت ".
* * * وقرأ ذلك آخرون: ( إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تَقِيَّةً )، على مثال " فعيلة ".
* * * قال أبو جعفر: والقراءة التي هي القراءةُ عندنا، قراءةُ من قرأها: " إلا أن تتقوا منهم تُقاة "، لثبوت حجة ذلك بأنه القراءةُ الصحيحة، بالنقل المستفيض الذي يمتنع منه الخطأ.
* * * القول في تأويل قوله عز وجل : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك، ويخوّفكم الله من نفسه أن تَرْكبوا معاصيه، أو توالوا أعداءه، فإن لله مرجعكم وَمصيركم بعد مماتكم، ويوم حشركم لموقف الحساب = (68) يعنى بذلك: متى صرتم إليه وقد خالفتم ما أمركم به، وأتيتم ما نهاكم عنهُ من اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، نالكم من عقاب ربكم ما لا قِبَل لكم به، يقول: فاتقوه واحذرُوه أن ينالكم ذلك منه، فإنه شديد العقاب.
------------------------ الهوامش : (61) انظر معاني القرآن للفراء 1: 205.
(62) انظر تفسير"الولي" و"الأولياء" فيما سلف 2: 489 ، 564 / ثم: 5: 424 / 6: 141 ، 142 = والقول في"من دون" فيما سلف 2: 489.
(63) في المطبوعة: "بن زبير" ، وصححته من سيرة ابن هشام ، ومن ترجمته في الإصابة.
وتسميته"رفاعة بن عبد المنذر" ، ولكن هكذا جاء هنا ، وكذلك في تفسير البغوي ، وأظنه خطأ ، فلم يذكروا ذلك في ترجمته.
(64) الأثر: 6826- لم أجده في سيرة ابن هشام التي بين أيدينا من سيرة ابن إسحاق.
وقوله: "بطنوا بنفر من الأنصار" ، يقال: "بطن فلان بفلان يبطن بطونًا وبطانة" إذا كان خاصًا به ، ذا علم بداخلة أمره ، مؤانسًا له ، مطلعًا على سره ، ومنه المباطنة.
(65) الأثر: 6827- انظر التعليق عل الأثر السالف رقم: 6822.
(66) خالق الناس يخالقهم مخالقة: عاشرهم على أخلاقهم ، مثل"تخلق" ، أي: تصنع وتجمل وتحسن.
(67) في المطبوعة في هذا الموضع"تقاة" ، وهي في المخطوطة: "تقية" بتشديد الياء بالقلم ، وكذلك أثبتها ، وهي إحدى القراءتين كما سيذكر الطبري بعد.
(68) انظر تفسير"المصير" فيما سلف 3: 56 / 6: 128.
قوله تعالى : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصيرفيه مسألتان :الأولى : قال ابن عباس : نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار فيتخذوهم أولياء ; ومثله لا تتخذوا بطانة من دونكم وهناك يأتي بيان هذا المعنى .
ومعنى فليس من الله في شيء أي فليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيء ; مثل واسأل القرية .
وحكى سيبويه " هو مني فرسخين " أي من أصحابي ومعي .
ثم استثنى وهي : الثانية : فقال : إلا أن تتقوا منهم تقاة قال معاذ بن جبل ومجاهد : كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين ; فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم .
قال ابن عباس : هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا يقتل ولا يأتي مأثما .
وقال الحسن : [ ص: 55 ] التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة ، ولا تقية في القتل .
وقرأ جابر بن زيد ومجاهد والضحاك : " إلا أن تتقوا منهم تقية " وقيل : إن المؤمن إذا كان قائما بين الكفار فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفا على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم .
ومن أكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر ; بل يجوز له ذلك على ما يأتي بيانه في ( النحل ) إن شاء الله تعالى .
وأمال حمزة والكسائي " تقاة " ، وفخم الباقون ; وأصل ( تقاة ) وقية على وزن فعلة ; مثل تؤدة وتهمة ، قلبت الواو تاء والياء ألفا .
وروى الضحاك عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدريا تقيا وكان له حلف من اليهود ; فلما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب قال عبادة : يا نبي الله ، إن معي خمسمائة رجل من اليهود ، وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو .
فأنزل الله تعالى : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين الآية .
وقيل : إنها نزلت في عمار بن ياسر حين تكلم ببعض ما أراد منه المشركون ، على ما يأتي بيانه في ( النحل ) .قوله تعالى : ويحذركم الله نفسه قال الزجاج : أي : ويحذركم الله إياه .
ثم استغنوا عن ذلك بذا وصار المستعمل ; قال تعالى : تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك فمعناه تعلم ما عندي وما في حقيقتي ولا أعلم ما عندك ولا ما في حقيقتك .
وقال غيره : المعنى ويحذركم الله عقابه ; مثل واسأل القرية .
وقال : تعلم ما في نفسي أي مغيبي ، فجعلت النفس في موضع الإضمار لأنه فيها يكون .
وإلى الله المصير أي : وإلى جزاء الله المصير .
وفيه إقرار بالبعث .
وهذا نهي من الله تعالى للمؤمنين عن موالاة الكافرين بالمحبة والنصرة والاستعانة بهم على أمر من أمور المسلمين، وتوعد على ذلك فقال: { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } أي: فقد انقطع عن الله، وليس له في دين الله نصيب، لأن موالاة الكافرين لا تجتمع مع الإيمان، لأن الإيمان يأمر بموالاة الله وموالاة أوليائه المؤمنين المتعاونين على إقامة دين الله وجهاد أعدائه، قال تعالى: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } فمن والى - الكافرين من دون المؤمنين الذين يريدون أن يطفؤا نور الله ويفتنوا أولياءه خرج من حزب المؤمنين، وصار من حزب الكافرين، قال تعالى: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } وفي هذه الآية دليل على الابتعاد عن الكفار وعن معاشرتهم وصداقتهم، والميل إليهم والركون إليهم، وأنه لا يجوز أن يولى كافر ولاية من ولايات المسلمين، ولا يستعان به على الأمور التي هي مصالح لعموم المسلمين.
قال الله تعالى: { إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي: تخافوهم على أنفسكم فيحل لكم أن تفعلوا ما تعصمون به دماءكم من التقية باللسان وإظهار ما به تحصل التقية.
ثم قال تعالى: { ويحذركم الله نفسه } أي: فلا تتعرضوا لسخطه بارتكاب معاصيه فيعاقبكم على ذلك { وإلى الله المصير } أي: مرجع العباد ليوم التناد، فيحصي أعمالهم ويحاسبهم عليها ويجازيهم، فإياكم أن تفعلوا من الأعمال القباح ما تستحقون به العقوبة، واعملوا ما به يحصل الأجر والمثوبة، ثم أخبر عن سعة علمه لما في النفوس خصوصا، ولما في السماء والأرض عموما، وعن كمال قدرته، ففيه إرشاد إلى تطهير القلوب واستحضار علم الله كل وقت فيستحي العبد من ربه أن يرى قلبه محلا لكل فكر رديء، بل يشغل أفكاره فيما يقرب إلى الله من تدبر آية من كتاب، أو سنة من أحاديث رسول الله، أو تصور وبحث في علم ينفعه، أو تفكر في مخلوقات الله ونعمه، أو نصح لعباد الله، وفي ضمن أخبار الله عن علمه وقدرته الإخبار بما هو لازم ذلك من المجازاة على الأعمال، ومحل ذلك يوم القيامة، فهو الذي توفى به النفوس بأعمالها فلهذا قال { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا }
قوله عز وجل : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) قال ابن عباس رضي الله عنه : كان الحجاج بن عمرو بن أبي الحقيق وقيس بن زيد ( يظنون ) بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم ، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر : اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنونكم عن دينكم ، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال مقاتل : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره وكانوا يظهرون المودة لكفار مكة .
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل هذه الآية ، ونهى المؤمنين عن مثل [ فعلهم ] .
قوله تعالى : ( ومن يفعل ذلك ) أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم وإظهارهم على عورة المسلمين ( فليس من الله في شيء ) [ أي ليس من دين الله في شيء ] ثم استثنى فقال ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) يعني : إلا أن تخافوا منهم مخافة ، قرأ مجاهد ويعقوب " تقية " على وزن بقية لأنهم كتبوها بالياء ولم يكتبوها بالألف ، مثل حصاة ونواة ، وهي مصدر يقال تقيته تقاة وتقى تقية وتقوى فإذا قلت اتقيت كان المصدر الاتقاء ، وإنما قال تتقوا من الاتقاء ثم قال : تقاة ولم يقل اتقاء لأن معنى اللفظين إذا كان واحدا يجوز إخراج مصدر أحدهما على لفظ الآخر كقوله تعالى : " وتبتل إليه تبتيلا " ( 8 - المزمل ) ومعنى الآية : أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين ، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه من غير أن يستحل دما حراما أو مالا حراما ، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين ، والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية ، قال الله تعالى : " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان " ( 106 - النحل ) ثم هذا رخصة ، فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم وأنكر قوم التقية [ اليوم ] قال معاذ بن جبل ومجاهد : كانت التقية في [ بدو ] الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين ، وأما اليوم فقد أعز الله الإسلام فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم ، وقال يحيى البكاء : قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج : إن الحسن كان يقول لكم التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان؟
فقال سعيد : ليس في الإسلام تقية إنما التقية في أهل الحرب ( ويحذركم الله نفسه ) أي يخوفكم الله عقوبته على موالاة الكفار وارتكاب المنهي عنه ومخالفة المأمور ( وإلى الله المصير ) .
«لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء» يوالونهم «من دون» أي غير «المؤمنين ومن يفعل ذلك» أي يواليهم «فليس من» دين «الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة» مصدر تقيته أي تخافوا مخافة فلكم موالاتهم باللسان دون القلب وهذا قبل عزَّة الإسلام ويجري فيمن هو في بلد ليس قويا فيها «ويحذركم» يخوفكم «الله نفسه» أن يغضب عليكم إن واليتموهم «وإلى الله المصير» المرجع فيجازيكم.
ينهى الله المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء بالمحبة والنصرة من دون المؤمنين، ومَن يتولهم فقد برِئ من الله، والله برِيء منه، إلا أن تكونوا ضعافًا خائفين فقد رخَّص الله لكم في مهادنتهم اتقاء لشرهم، حتى تقوى شوكتكم، ويحذركم الله نفسه، فاتقوه وخافوه.
وإلى الله وحده رجوع الخلائق للحساب والجزاء.
أورد المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات :منها أن جماعة من اليهود كانوا يصادقون جماعة من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة ابن المنذر ، وعبد الله بن جبير ، وسعيد بن خيشمة لأولئك النفر من الأنصار : اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا ملازمتهم وبماطنتهم لئلا يفتنوكم عن دينكم ، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم وملازمتهم ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية " .وقوله { أَوْلِيَآءَ } جمع ولى ، والولاء والتوالى - كما يقول الراغب : أن يحصل شيئان فصاعداً حصولا ليس بينهما ما ليس منهما ، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ، ومن حين النسبة ومن حين الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد .والولاية - بكسر الواو - النصرة والولاية - تولى الأمر ، وقيل هما بمعنى واحد " .و " لا " ناهية .
والفعل " يتخذ " مجزوم بها ، وهو متعد لمفعولين :أولهما : { الكافرين } .وثانيهما : { أَوْلِيَآءَ } .والمعنى : لا يحل للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء ونصراء ، بل عليهم أن يراعوا ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين ، وأن يقدموها على ما بينهم وبين الكفار من قرابة أو صداقة أو غير ذلك من ألوان الصلات لأن في تقديم مصلحة الكافرين على مصلحة المؤمنين تقديما للكفر على الإيمان ومن شأن المؤمن الصادق في إيمانه أن لا يصدر منه ذلك .وقد ورد مثل هذا النهى فى كثير من الآيات ومن ذلك قوله - تعالى - { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة } وقوله - تعالى - { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } قال اللآلوسي : وقوله { مِن دُونِ المؤمنين } حال من الفاعل ، أى متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين استقلالا أو اشتراكا ، ولا مفهوم لهذا الظرف إما لأنه ورد في قوم بأعيانهم والَوْا الكفار دون المؤمنين فهو لبيان الواقع .
أو لأن ذكره للإشارة إلى أن الحقيق بالموالاة هم المؤمنون ، وفى موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفار " .قالوا : والموالاة الممنوعة هي التي يكون فيها خذلان للدين أو إيذاء لأهله أو إضاعة لمصالحهم ، وأما ما عدا ذلك كالنجارة وغيرها من ضروب المعاملات الدنيوية فلا تدخل في ذلك النهي ، لأنها ليس معاملة فيها أذى للإسلام والمسلمين " .وكرر - سبحانه - لفظ " المؤمنين " بأداة التعريف أل للإشارة إلى أن الثاني هو عين الأول ، وفي ذلك إشعار بأن المؤمنين الذين يتخذون الكافرين أولياء ونصراء ، يتركون أنفسهم ويهملونها ويتخذون من عدونهم نهاية لها .ثم قال - تعالى - { وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ } أى : ومن يتخذ الكافرين أولياء وأنصارا من دون المؤمنين ، فإنه في هذه الحالة يكون بعيدا عن ولايته لله ، ومنسلخا منها رأسا وليس بينه وبين الله صلة تذكر .فاسم الإشاراة { ذلك } يعود على الاتخاذ المفهوم من الفعل يتخذ؟والتنوين في { شَيْءٍ } للتحقير أى ليس في شىء يصح أن يطلق عليه اسم الولاية ، لأن موالاة الولى وموالاة عدوه متنافيان كما قال الشاعر :تود عدوى ثم تزعم أنني ...
صديقك ليس النوك عنك بعازبو " من " شرطية ، و { يَفْعَلْ } فعل الشرط ، وجوابه " فليس من الله في شىء " واسم ليس ضمير يعود على " من " وقوله { فِي شَيْءٍ } خبرها .
أى فليس الموالى في شىء كائن من الله - تعالى - والجملة معترضى بين المستثى والمستثنى منه .وقال - سبحانه - { فَلَيْسَ مِنَ الله } ولم يقل " فليس من ولاية الله " للإشعار بأن من اختار مناصرة المشركين وموالاتهم فقد ترك ذات الله - تعالى - وكان مؤثرا لقوة الكفار على قوة العزيز الجبال ، فهو في هذه الحالة يعاند الله نفسه ، ثم استثنى - سبحانه - من أحوال النهى حال التقية فقال : { إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً } وقوله : { تَتَّقُواْ } من الاتقاء بمعنى تجنب المكروه ، وعدى بمن لتضمينه معنى تخافوا { تُقَاةً } مصدر تقيته - كرميته - بمعنى اتقيته ووزنه فعلة ويجمع على تقى : كرطبة ورطب .
وأصل تقاة : وقية من الوقاية .
فأبدلت الواو المضمومة تاء والياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها .والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال ، والتقدير : لا تتخذوا أيها المؤمنون الكافرين أولياء في أى حال من الأحوال إلا في حال اتقائكم منهم أى إلا أن تخافوا منهم مخافة .
أو إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه من الضرر في النفس أو المال أو العرض .كأن يكون الكفار غالبين ظاهرين .
أو كنتم في قوم كفار فيرخص لكم في مداراتهم باللسان ، على ألا تنطوى قلوبكم على شىء من مودتهم ، بل دارونهم وأنتم لهم كارهون .
وألا تعملوا ما هو محرم كشرب الخمر ، أو إطلاعهم على عورات المسلمين أو الانحياز إليهم في مجافاة بعض المسلمين ، وإذن فلا رخصة إلا في المداراة باللسان .
ثم ختم - سبحانه - الآية بهذا التهديد الشديد حيث قال - تعالى - { وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وإلى الله المصير } .والتحذير : هو التخويف لأجل الحذر واليقظة ، من أن يقع الإنسان في قول أو عمل منهى عنه .ونفسه : منصوب على نزع الخافض .
والمصير : المرجع والمآب .أى : ويحذركم الله - تعالى - من نفسه أى من عقابه وانتقامه ، وإليه - سبحانه - مرجعكم ومصيركم فيحاسبكم على أعمالكم .وقوله { وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } فيه ما فيه من التهديد والتخويف من موالاة الكافرين ، لأن التحذير من ذات الله ، يقتضى الخوف ووقع الرهبة في النفس من الذات العلية ، وذلك كما يقال : - والله المثل الأعلى - احذر الأسد ، فإن هذا القائل يريد أن ذات الأسد في كل أحوالها موهوبة ، ولأن كلمة " نفس " تقال لتأكيد التعبير عن الذات .أى أن التحذير قد جاءكم من الله - تعالى - لا من غيره فعليكم أن تمتثلوا أمره ، فإن إليه وحده المآل وانتهاء أمر العباد .وسيجازيهم على أعمالهم بما يستحقون فاحذروا التعرض لعقابه ، وقوله { وَإِلَيَّ المصير } تذييل مقرر لمضمون ما قبله ومحقق لوقوعه .
هذا ، ولبعض العلماء كلام طويل عن التقية - وهى أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن مخافة الأذى الشديد - فقد قال الآلوسى ما ملخصه :" وفي الآية دليل على مشروعية التقية ، وعرفوها بالمحافظة على النفس أو العرض من شر الأعداء .
.والعدو قسمان :الأول : من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم .والثاني : من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والإمارة ، ومن هنا صارت التقية قسمين :أما القسم الأول فالحكم الشرعي فيه أن كل مؤمن وقع في محل لا يمكن له فيه أن يظهر دينه لتعرض المخالفين له بالعداوة فإنه يجب عليه أن يهاجر من ذلك المكان إلى مكان يستطيع فيه أن يظهر دينه ، إلا إذا كان ممن لهم عذر شرعي كالنساء والصبيان والعجزة فقد قال تعالى : { إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض قالوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فأولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنسآء والولدان لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فأولئك عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً } وإذا كان التخويف بالقتل ونحوه جاز له المكث والموافقة لهم ظاهرا بقدر الضرورة مع السعى في حيلة للخروج والفرار بدينه .والموافقة لهم حينئذ رخصة ، وإظهار ما في قلبه عزيمة فلو مات مات شهيداً بدليل ما روى من أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما : " أتشهد أن محمدا رسول الله؟
قال : نعم ، نعم ، نعم فقال له : أتشهد أنى رسول الله؟
قال : نعم .
ثم دعا الثاني فقال له أتشهد أنى رسول الله؟
قال إني رسول الله؟
قال إنى أصم ، قالها ثلاثا ، فضرب عنقه ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه فهنيئا له .
وأما الآخر فقد قبل رخصة الله فلا تبعة عليه " .وأما القسم الثانى وهو من كانت عداواته بسبب المال والإمارة وما إلى ذلك ، فقد اختلف فى وجوي هجرة صاحبه ، فقال بعضهم تجب أن الله قد نهى عن إضاعة المال .
وقال آخرون لا تجب ، لأنها لمصلحة دنيوية ولا يعود على من تركها نقصان في الدين .وعد قوم من باب التقية الجائزة مداراة الكفار والفسقة والظلمة وإلانة الكلام لهم والتبسم في وجوههم لكف أذاهم وصيانة العرض منهم - بشرط أن لا تكون هذه المدارة مخالفة لأصول الدين وتعاليمه - فإن كانت مخالفة لذلك فلا تجوز .روى البخارى عن عائشة قالت : " استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس أخو العشيرة ، ثم أذن له فألان له القول ، فقلت يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له القول؟
فقال : " يا عائشة إن من شر الناس من يتركه الناس اتقاء فحشه " إلى غير ذلك من الأحاديث .
لكن لا تنبغي المداراة إلى حيث يخدش الدين ، ويرتكب المنكر ، وتسىء الظنون " .ثم يبين - سبحانه - أنه عليم بالظواهر والبواطن ، وأمر بأن يكثروا من العمل الصالح الذى ينفعهم يوم القيامة ، وأن يلتزموا طاعة الله ورسوله لكى يسعدوا في دينهم ودنياهم ، وأن يراقبوا الله - تعالى - في أقوالهم وأعمالهم لأنه - سبحانه - لا تخفى عليه خافية فقال تعالى : { قُلْ إِن تُخْفُواْ .
.
.
} .
في كيفية النظم وجهان الأول: أنه تعالى لما ذكر ما يجب أن يكون المؤمن عليه في تعظيم الله تعالى، ثم ذكر بعده ما يجب أن يكون المؤمن عليه في المعاملة مع الناس، لأن كمال الأمر ليس إلا في شيئين: التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله قال: ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين ﴾ الثاني: لما بيّن أنه تعالى مالك الدنيا والآخرة بين أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده، وعند أوليائه دون أعدائه.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في سبب النزول وجوه: الأول: جاء قوم من اليهود إلى قوم المسلمين ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الرحمن بن جبير، وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر من المسلمين: اجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا أن يفتنوكم عن دينكم فنزلت هذه الآية والثاني: قال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، وكانوا يتولون اليهود والمشركين ويخبرونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية الثالث: أنها نزلت في عبادة بن الصامت وكان له حلفاء من اليهود، ففي يوم الأحزاب قال يا نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فنزلت هذه الآية.
فإن قيل: إنه تعالى قال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيء ﴾ وهذه صفة الكافر.
قلنا: معنى الآية فليس من ولاية الله في شيء، وهذا لا يوجب الكفر في تحريم موالاة الكافرين.
واعلم أنه تعالى أنزل آيات كثيرة في هذا المعنى منها قوله تعالى: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ ﴾ وقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاء ﴾ وقوله: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء ﴾ وقال: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ .
واعلم أن كون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون راضياً بكفره ويتولاه لأجله، وهذا ممنوع منه لأن كل من فعل ذلك كان مصوباً له في ذلك الدين، وتصويب الكفر كفر والرضا بالكفر كفر، فيستحيل أن يبقى مؤمناً مع كونه بهذه الصفة.
فإن قيل: أليس أنه تعالى قال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيء ﴾ وهذا لا يوجب الكفر فلا يكون داخلاً تحت هذه الآية، لأنه تعالى قال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فلابد وأن يكون خطاباً في شيء يبقى المؤمن معه مؤمناً.
وثانيها: المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر، وذلك غير ممنوع منه.
والقسم الثالث: وهو كالمتوسط بين القسمين الأولين هو أن موالاة الكفار بمعنى الركون إليهم والمعونة، والمظاهرة، والنصرة إما بسبب القرابة، أو بسبب المحبة مع اعتقاد أن دينه باطل فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه، لأن الموالاة بهذا المعنى قد تجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه، وذلك يخرجه عن الإسلام فلا جرم هدد الله تعالى فيه فقال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيء ﴾ .
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء بمعنى أن يتولوهم دون المؤمنين، فأما إذا تولوهم وتولوا المؤمنين معهم فذلك ليس بمنهي عنه، وأيضاً فقوله: ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء ﴾ فيه زيادة مزية، لأن الرجل قد يوالي غيره ولا يتخذه موالياً فالنهي عن اتخاذه موالياً لا يوجب النهي عن أصل مولاته.
قلنا: هذان الاحتمالان وإن قاما في الآية إلا أن سائر الآيات الدالة على أنه لا تجوز موالاتهم دلّت على سقوط هذين الاحتمالين.
المسألة الثانية: إنما كسرت الذال من يتخذ لأنها مجزوم للنهي، وحركت لاجتماع الساكنين قال الزجاج: ولو رفع على الخبر لجاز، ويكون المعنى على الرفع أن من كان مؤمناً فلا ينبغي أن يتخذ الكافر ولياً.
واعلم أن معنى النهي ومعنى الخبر يتقاربان لأنه متى كانت صفة المؤمن أن لا يوالي الكافر كان لا محالة منهياً عن موالاة الكافر، ومتى كان منهياً عن ذلك، كان لا محالة من شأنه وطريقته أن لا يفعل ذلك.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ مِن دُونِ المؤمنين ﴾ أي من غير المؤمنين كقوله: ﴿ وادعوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ الله ﴾ أي من غير الله، وذلك لأن لفظ دون مختص بالمكان، تقول: زيد جلس دون عمرو أي في مكان أسفل منه، ثم إن من كان مبايناً لغيره في المكان فهو مغاير له فجعل لفظ دون مستعملاً في معنى غير، ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيء ﴾ وفيه حذف، والمعنى فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ من ولاية الله تعالى رأساً، وهذا أمر معقول فإن موالاة الولي، وموالاة عدوه ضدان قال الشاعر: تود عدوي ثم تزعم أنني *** صديقك ليس النوك عنك بعازب ويحتمل أن يكون المعنى: فليس من دين الله في شيء وهذا أبلغ.
ثم قال تعالى: ﴿ إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الكسائي: تقاة بالإمالة، وقرأ نافع وحمزة: بين التفخيم والإمالة، والباقون بالتفخيم، وقرأ يعقوب تقية وإنما جازت الإمالة لتؤذن أن الألف من الياء، وتقاة وزنها فعلة نحو تؤدة وتخمة، ومن فخم فلأجل الحرف المستعلي وهو القاف.
المسألة الثانية: قال الواحدي: تقيته تقاة، وتقى، وتقية، وتقوى، فإذا قلت اتقيت كان مصدره الاتقياء، وإنما قال تتقوا ثم قال تقاة ولم يقل اتقاء اسم وضع موضع المصدر، كما يقال: جلس جلسة، وركب ركبة، وقال الله تعالى: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ وقال الشاعر: وبعد عطائك المائة الرتاعا *** فأجراه مجرى الإعطاء، قال: ويجوز أن يجعل تقاة هاهنا مثل رماة فيكون حالاً مؤكدة.
المسألة الثالثة: قال الحسن أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟
قال: نعم نعم نعم، فقال: أفتشهد أني رسول الله؟
قال: نعم، وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة، ومحمد رسول قريش، فتركه ودعا الآخر فقال أتشهد أن محمداً رسول الله؟
قال: نعم، قال: أفتشهد أني رسول الله؟
فقال: إني أصم ثلاثا، فقدمه وقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئاً له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه.
واعلم أن نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان ﴾ .
المسألة الرابعة: اعلم أن للتقية أحكاماً كثيرة ونحن نذكر بعضها.
الحكم الأول: أن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار، ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة، ولكن بشرط أن يضمر خلافه، وأن يعرض في كل ما يقول، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب.
الحكم الثاني للتقية: هو أنه لو أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل، ودليله ما ذكرناه في قصة مسيلمة.
الحكم الثالث للتقية: أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة، وقد تجوز أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات واطلاع الكفار على عورات المسلمين، فذلك غير جائز ألبتة.
الحكم الرابع: ظاهر الآية يدل أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين إلا أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة على النفس.
الحكم الخامس: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال يحتمل أن يحكم فيها بالجواز، لقوله صلى الله عليه وسلم: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد» ولأن الحاجة إلى المال شديدة والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء، وجاز الاقتصار على التيمم دفعاً لذلك القدر من نقصان المال، فكيف لا يجوز هاهنا، والله أعلم.
الحكم السادس: قال مجاهد: هذا الحكم كان ثابتاً في أول الإسلام لأجل ضعف المؤمنين فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا، وروى عوف عن الحسن: أنه قال التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة، وهذا القول أولى، لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان.
ثم قال تعالى: ﴿ وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ ﴾ وفيه قولان الأول: أن فيه محذوفاً، والتقدير: ويحذركم الله عقاب نفسه، وقال أبو مسلم المعنى ﴿ وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ ﴾ أن تعصوه فتستحقوا عقابه والفائدة في ذكر النفس أنه لو قال: ويحذركم الله فهذا لا يفيد أن الذي أريد التحذير منه هو عقاب يصدر من الله أو من غيره، فلما ذكر النفس زال هذا الاشتباه، ومعلوم أن العقاب الصادر عنه يكون أعظم أنواع العقاب لكونه قادراً على ما لا نهاية له، وأنه لا قدرة لأحد على دفعه ومنعه مما أراد.
والقول الثاني: أن النفس هاهنا تعود إلى اتخاذ الأولياء من الكفار، أي ينهاهم الله عن نفس هذا الفعل.
ثم قال: ﴿ وإلى الله المصير ﴾ والمعنى: إن الله يحذركم عقابه عند مصيركم إلى الله.
<div class="verse-tafsir"
نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر، وقد كرّر ذلك في القرآن ﴿ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ [المائدة: 51] ، ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاء ﴾ [المائدة: 50] ، ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله ﴾ الآيه [المجادلة: 22] .
والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان ﴿ مِن دُونِ المؤمنين ﴾ يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْء ﴾ ومن يوالي الكفرة فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية، يعني أنه منسلخ من ولاية الله رأساً، وهذا أمر معقول فإنّ موالاة الوليّ وموالاة عدوّه متنافيان، قال: تَوَدُّ عَدُوِّى ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّنِي ** صدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعَازِبِ ﴿ إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة ﴾ إلا أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه.
وقرئ: ﴿ تقية ﴾ .
قيل للمتقي تقاة وتقية، كقولهم: ضرب الأمير لمضروبه.
رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة مخالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعدواة والبغضاء، وانتظار زوال المانع من قشر العصا، كقول عيسى صلوات الله عليه (كن وسطاً وامش جانباً) ﴿ وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ ﴾ فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه، وهذا وعيد شديد.
ويجوز أن يضمن ﴿ تَتَّقُواْ ﴾ معنى تحذروا وتخافوا، فيعدى بمن وينتصب ﴿ تقاة ﴾ أو تقية على المصدر، كقوله تعالى: ﴿ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ [آل عمران: 102] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ ﴾ نُهُوا عَنْ مُوالاتِهِمْ لِقَرابَةٍ وصَداقَةٍ جاهِلِيَّةٍ ونَحْوِهِما، حَتّى لا يَكُونَ حُبُّهم وبُغْضُهم إلّا في اللَّهِ، أوْ عَنِ الِاسْتِعانَةِ بِهِمْ في الغَزْوِ وسائِرِ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ.
﴿ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِالمُوالاةِ، وأنَّ في مُوالاتِهِمْ مَندُوحَةً عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ.
﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ أيِ اتِّخاذُهم أوْلِياءَ.
فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ، أيْ مِن وِلايَتِهِ في شَيْءٍ يَصِحُّ أنْ يُسَمّى وِلايَةً، فَإنَّ مُوالاتَيِ المُتَعادِيَيْنِ لا يَجْتَمِعانِ قالَ: تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أنَّنِي صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوَكُ عَنْكَ بِعازِبِ ﴿ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ﴾ إلّا أنْ تَخافُوا مِن جِهَتِهِمْ ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ، أوِ اتِّقاءً.
والفِعْلُ مُعَدًّى بِمَن لِأنَّهُ في مَعْنى تَحْذَرُوا وتَخافُوا.
وقَرَأيَعْقُوبُ «تَقِيَّةً» .
مُنِعَ عَنْ مُوالاتِهِمْ ظاهِرًا وباطِنًا في الأوْقاتِ كُلِّها إلّا وقْتَ المَخافَةِ، فَإنَّ إظْهارَ المُوالاةِ حِينَئِذٍ جائِزٌ كَما قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: كُنْ وسَطًا وامْشِ جانِبًا.
﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ ﴾ فَلا تَتَعَرَّضُوا لِسُخْطِهِ بِمُخالَفَةِ أحْكامِهِ ومُوالاةِ أعْدائِهِ، وهو تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ مُشْعِرٌ بِتَناهِي النَّهْيِ في القُبْحِ وذِكْرِ النَّفْسِ، لِيَعْلَمَ أنَّ المُحَذَّرَ مِنهُ عِقابٌ يَصْدُرُ مِنهُ تَعالى فَلا يُؤْبَهُ دُونَهُ بِما يَحْذَرُ مِنَ الكَفَرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)
{لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاءَ} نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم
أو لصداقة قبل الإسلام أو غير ذلك وقد قرر ذلك في القرآن والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم في الإيمان {مِن دون المؤمنين} يعنى أن لكم موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم {وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ} أي ومن يوال الكفرة فليس من ولاية الله في شيء لأن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة} إلا أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه أي إلا أن يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ومالك فحينذ يجوز لك إظهار الموالاة وإبطال المعاداة {وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ} أي ذاته فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه وهذا وعيد شديد {وإلى الله المصير} أي مصيركم إليه والعذاب معد لديه وهو وعيد آخر
﴿ لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ ﴾ قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: كانَ الحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو.
وكَهْمَسُ بْنُ أبِي الحَقِيقِ وقَيْسُ بْنُ زَيْدٍ والكُلُّ مِنَ اليَهُودِ يُباطِنُونَ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ فَقالَ رَفاعَةُ بْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ وسَعِيدُ بْنُ خَيْثَمَةَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ: اِجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ واحْذَرُوا لُزُومَهم ومُباطَنَتَهم لا يَفْتِنُوكم عَنْ دِينِكم فَأبى أُولَئِكَ النَّفَرُ إلّا مُباطَنَتَهم ومُلازَمَتَهم فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، كانُوا يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ ويَأْتُونَهم بِالأخْبارِ ويَرْجُونَ أنْ يَكُونَ لَهُمُ الظَّفْرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ ونَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ فِعْلِهِمْ.
ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ «أنَّها نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ الأنْصارِيِّ وكانَ بَدْرِيًّا نَقِيبًا وكانَ لَهُ حُلَفاءُ مِنَ اليَهُودِ، فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ الأحْزابِ قالَعُبادَةُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ مَعِي خَمْسَمِائَةٍ مِنَ اليَهُودِ وقَدْ رَأيْتُ أنْ يَخْرُجُوا مَعِي فَأسْتَظْهِرُ بِهِمْ عَلى العَدُوِّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ لا يَتَّخِذِ ﴾ الخ».
والفِعْلُ مَجْزُومٌ بِلا النّاهِيَةِ، وأجازَ الكِسائِيُّ فِيهِ الرَّفْعَ عَلى الخَبَرِ والمَعْنى عَلى النَّهْيِ أيْضًا وهو مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ فَأوْلِياءُ مَفْعُولٌ ثانٍ أوْ حالٌ، وهو جَمْعُ ولِيٍّ بِمَعْنى المُوالِي مِنَ الوَلْيِ وهو القُرْبُ، والمُرادُ لا يُراعُوا أُمُورًا كانَتْ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُراعُوا ما هم عَلَيْهِ الآنَ مِمّا يَقْتَضِيهِ الإسْلامُ مِن بُغْضٍ وحُبٍّ شَرْعِيَّيْنِ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِما، وإنَّما قَيَّدْنا بِذَلِكَ لَمّا قالُوا: إنَّ المَحَبَّةَ لِقَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ قَدِيمَةٍ أوْ جَدِيدَةٍ خارِجَةٌ عَنِ الِاخْتِيارِ مَعْفُوَّةٌ ساقِطَةٌ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ.
وحَمْلُ المُوالاةِ عَلى ما يَعُمُّ الِاسْتِعانَةَ بِهِمْ في الغَزْوِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ ومَذْهَبُنا وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ يَجُوزُ ويَرْضَخُ لَهم لَكِنْ إنَّما يُسْتَعانُ بِهِمْ عَلى قِتالِ المُشْرِكِينَ لا البُغاةِ عَلى ما صَرَّحُوا بِهِ، وما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ لِبَدْرٍ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مُشْرِكٌ كانَ ذا جَراءَةٍ ونَجْدَةٍ فَفَرِحَ أصْحابُ النَّبِيِّ حِينَ رَأوْهُ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ : اِرْجِعْ فَلَنْ أسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» فَمَنسُوخٌ «بِأنَّ النَّبِيَّ اِسْتَعانَ بِيَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ ورَضَخَ لَهم واسْتَعانَ بِصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ في هَوازِنَ،» وذَكَرَ بَعْضُهم جَوازَ الِاسْتِعانَةِ بِشَرْطِ الحاجَةِ والوُثُوقِ، أمّا بِدُونِهِما فَلا تَجُوزُ وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ خَبَرُ عائِشَةَ، وكَذا ما رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في سَبَبِ النُّزُولِ وبِهِ يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ أدِلَّةِ المَنعِ وأدِلَّةِ الجَوازِ عَلى أنَّ بَعْضَ المُحَقِّقِينَ ذَكَرَ أنَّ الِاسْتِعانَةَ المَنهِيَّ عَنْها إنَّما هي اِسْتِعانَةُ الذَّلِيلِ بِالعَزِيزِ وأمّا إذا كانَتْ مِن بابِ اِسْتِعانَةِ العَزِيزِ بِالذَّلِيلِ فَقَدْ أُذِنَ لَنا بِها، ومِن ذَلِكَ اِتِّخاذُ الكُفّارِ عَبِيدًا وخَدَمًا ونِكاحُ الكِتابِيّاتِ مِنهم وهو كَلامٌ حَسَنٌ كَما لا يَخْفى.
ومِنَ النّاسِ مَنِ اِسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُهم عُمّالًا ولا اِسْتِخْدامُهم في أُمُورِ الدِّيوانِ وغَيْرِهِ، وكَذا أدْخَلُوا في المُوالاةِ المَنهِيِّ عَنْها السَّلامَ والتَّعْظِيمِ والدُّعاءَ بِالكُنْيَةِ والتَّوْقِيرِ بِالمَجالِسِ، وفي «فَتاوى العَلّامَةِ اِبْنِ حَجَرٍ» جَوازُ القِيامِ في المَجْلِسِ لِأهْلِ الذِّمَّةِ وعَدَّ ذَلِكَ مِن بابِ البِرِّ والإحْسانِ المَأْذُونِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهُ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ ولَعَلَّ الصَّحِيحَ أنَّ كُلَّ ما عَدَّهُ العُرْفُ تَعْظِيمًا وحَسِبَهُ المُسْلِمُونَ مُوالاةً فَهو مَنهِيٌّ عَنْهُ ولَوْ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ لا سِيَّما إذا أوْقَعَ شَيْئًا في قُلُوبِ ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ، ولا أرى القِيامَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ في المَجْلِسِ إلّا مِنَ الأُمُورِ المَحْظُورَةِ لِأنَّ دَلالَتَهُ عَلى التَّعْظِيمِ قَوِيَّةٌ وجَعْلَهُ مِنَ الإحْسانِ لا أراهُ مِنَ الإحْسانِ، كَما لا يَخْفى.
﴿ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أيْ مُتَجاوِزِينَ المُؤْمِنِينَ إلى الكافِرِينَ اِسْتِقْلالًا أوِ اِشْتِراكًا ولا مَفْهُومَ لِهَذا الظَّرْفِ إمّا لِأنَّهُ ورَدَ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ والَوُا الكُفّارَ دُونَ المُؤْمِنِينَ فَهو لِبَيانِ الواقِعِ أوْ لِأنَّ ذِكْرَهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الحَقِيقَ بِالمُوالاةِ هُمُ المُؤْمِنُونَ وفي مُوالاتِهِمْ مَندُوحَةٌ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ، وكَوْنُ هَذِهِ النُّكْتَةِ تَقْتَضِي أنْ يُقالَ مَعَ وُجُودِ المُؤْمِنِينَ دُونَ ﴿ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ في حَيِّزِ المَنعِ وكَوْنُهُ إشارَةً إلى أنَّ وِلايَتَهم لا تُجامِعُ وِلايَةَ المُؤْمِنِينَ في غايَةِ الخَفاءِ، وقِيلَ: الظَّرْفُ في حَيِّزِ الصِّفَةِ لِأوْلِياءَ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الِاتِّخاذِ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ لا تَجْعَلُوا اِبْتِداءَ الوِلايَةِ مِن مَكانٍ دُونَ مَكانِ المُؤْمِنِينَ.
﴿ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ أيِ الِاتِّخاذَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالفِعْلِ، كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِلِاخْتِصارِ أوْ لِإيهامِ الِاسْتِهْجانِ بِذِكْرِهِ، و(مَن) شَرْطِيَّةٌ، و ﴿ يَفْعَلْ ﴾ فِعْلُ الشَّرْطِ، وجَوابُهُ ﴿ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ ﴾ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مِن وِلايَتِهِ، أوْ مِن دِينِهِ، والظَّرْفُ الأوَّلُ حالٌ مِن (شَيْءٍ) والثّانِي خَبَرُ لَيْسَ، وتَنْوِينُ (شَيْءٍ) لِلتَّحْقِيرِ أيْ لَيْسَ في شَيْءٍ يَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اِسْمُ الوِلايَةِ أوِ الدِّينِ لِأنَّ مُوالاةَ المُتَضادَّيْنِ مِمّا لا تَكادُ تَدْخُلُ خَيْمَةَ الوُقُوعِ، ولِهَذا قِيلَ: تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أنَّنِي صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعازِبِ وقِيلَ أيْضًا: إذا والى صَدِيقُكَ مَن تُعادِي ∗∗∗ فَقَدْ عاداكَ وانْقَطَعَ الكَلامُ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ تَتَّقُوا ﴾ عَلى صِيغَةِ الخِطابِ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ اِسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ والعامِلُ فِيهِ فِعْلُ النَّهْيِ مُعْتَبِرًا فِيهِ الخِطابَ أيْ لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ اِتِّقائِكُمْ، وقِيلَ: اِسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، أيْ لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُ الكافِرَ ولِيًّا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِلتَّقِيَّةِ (مِنهُمْ) أيْ مِن جِهَتِهِمْ؛ ومِن لِلِابْتِداءِ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تُقاةً ﴾ لِأنَّهُ نَعْتُ النَّكِرَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْها، والمُرادُ بِالتُّقاةِ ما يُتَّقى مِنهُ وتَكُونُ بِمَعْنى اِتِّقاءٍ وهو الشّائِعُ، فَعَلى الأوَّلِ: يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ لِ (تَتَّقُوا)، وعَلى الثّانِي: مَفْعُولًا مُطْلَقًا لَهُ، و(مِنهُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وتَعَدّى بِمِن لِأنَّهُ بِمَعْنى خافَ، وخافَ يُتَعَدّى بِها نَحْوَ: ﴿ وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا ﴾ و ﴿ فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا ﴾ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ، وتُرِكَ المَفْعُولُ الآخَرُ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ ضَرَرًا ونَحْوَهُ، وأصْلُ تُقاةٍ وُقَيَةٌ بِواوٍ مَضْمُومَةٍ وياءٍ مُتَحَرِّكَةٍ بَعْدَ القافِ المَفْتُوحَةِ فَأُبْدِلَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ تاءً كَتُجاهٍ وأُبْدِلَتِ الياءُ المُتَحَرِّكَةُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها ووَزْنُهُ فُعَلَةٌ كَتُخَمَةٍ وتُؤَدَةٍ وهو في المَصادِرِ غَيْرُ مَقِيسٍ وإنَّما المَقِيسُ اِتِّقاءٌ كاقْتِداءٍ، وقَرَأ أبُو الرَّجاءِ وقَتادَةُ (تَقِيَّةً) بِالياءِ المُشَدَّدَةِ ووَزْنُها فَعِيلَةٌ والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ أيْضًا.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ التَّقِيَّةِ وعَرَّفُوها بِمُحافَظَةِ النَّفْسِ أوِ العِرْضِ أوِ المالِ مِن شَرِّ الأعْداءِ، والعَدُوُّ قِسْمانِ: الأوَّلُ: مَن كانَتْ عَداوَتُهُ مَبْنِيَّةً عَلى اِخْتِلافِ الدِّينِ كالكافِرِ والمُسْلِمِ، والثّانِي: مَن كانَتْ عَداوَتُهُ مَبْنِيَّةً عَلى أغْراضٍ دُنْيَوِيَّةٍ كالمالِ والمَتاعِ والمُلْكِ والإمارَةِ، ومِن هُنا صارَتِ التَّقِيَّةُ قِسْمَيْنِ: أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فالحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِيهِ أنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ وقَعَ في مَحَلٍّ لا يُمْكِنُ لَهُ أنْ يُظْهِرَ دِينَهُ لِتَعَرُّضِ المُخالِفِينَ وجَبَ عَلَيْهِ الهِجْرَةُ إلى مَحَلٍّ يَقْدِرُ فِيهِ عَلى إظْهارِ دِينِهِ، ولا يَجُوزُ لَهُ أصْلًا أنْ يَبْقى هُناكَ ويُخْفِيَ دِينَهُ ويَتَشَبَّثَ بِعُذْرِ الِاسْتِضْعافِ فَإنَّ أرْضَ اللَّهِ تَعالى واسِعَةٌ، نَعَمْ إنْ كانَ مِمَّنْ لَهم عُذْرٌ شَرْعِيٌّ في تَرْكِ الهِجْرَةِ كالصِّبْيانِ والنِّساءِ والعُمْيانِ والمَحْبُوسِينَ واَلَّذِينَ يُخَوِّفُهُمُ المُخالِفُونَ بِالقَتْلِ أوْ قَتْلِ الأوْلادِ أوِ الآباءِ أوِ الأُمَّهاتِ تَخْوِيفًا يُظَنُّ مَعَهُ إيقاعُ ما خَوَّفُوا بِهِ غالِبًا، سَواءٌ كانَ هَذا القَتْلُ بِضَرْبِ العُنُقِ أوْ بِحَبْسِ القُوتِ أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ المُكْثُ مَعَ المُخالِفِ والمُوافِقَةِ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ ويَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْعى في الحِيلَةِ لِلْخُرُوجِ والفِرارِ بِدِينِهِ ولَوْ كانَ التَّخْوِيفُ بِفَواتِ المَنفَعَةِ أوْ بِلُحُوقِ المَشَقَّةِ الَّتِي يُمْكِنُهُ تَحَمُّلُها كالحَبْسِ مَعَ القُوتِ والضَّرْبِ القَلِيلِ الغَيْرِ المُهْلِكِ لا يَجُوزُ لَهُ مُوافَقَتُهم.
وفِي صُورَةِ الجَوازِ أيْضًا مُوافَقَتُهم رُخْصَةٌ وإظْهارُ مَذْهَبِهِ عَزِيمَةٌ فَلَوْ تَلِفَتْ نَفْسُهُ لِذَلِكَ فَإنَّهُ شَهِيدٌ قَطْعًا، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّها رُخْصَةٌ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: «”أنَّ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ أخَذَ رَجُلَيْنِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ لِأحَدِهِما: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟
قالَ: نَعَمْ، فَقالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟
قالَ: نَعَمْ، ثُمَّ دَعا بِالآخَرِ فَقالَ لَهُ: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟
قالَ:، نَعَمْ فَقالَ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟
قالَ: إنِّي أصَمُّ، قالَها ثَلاثًا، وفي كُلٍّ يُجِيبُهُ بِأنِّي أصَمُّ فَضَرَبَ عُنُقَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: أمّا هَذا المَقْتُولُ فَقَدْ مَضى عَلى صِدْقِهِ ويَقِينِهِ وأُخِذَ بِفَضْلِهِ فَهَنِيئًا لَهُ، وأمّا الآخَرُ فَقَدْ رَخَّصَهُ اللَّهُ تَعالى فَلا تَبِعَةَ عَلَيْهِ“».
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَقَدِ اِخْتَلَفَ العُلَماءُ في وُجُوبِ الهِجْرَةِ وعَدَمِهِ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: تَجِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ ﴾ وبِدَلِيلِ النَّهْيِ عَنْ إضاعَةِ المالِ، وقالَ قَوْمٌ: لا تَجِبُ، إذِ الهِجْرَةُ عَنْ ذَلِكَ المَقامِ مَصْلَحَةٌ مِنَ المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولا يَعُودُ مِن تَرْكِها نُقْصانٌ في الدِّينِ لِاتِّحادِ المِلَّةِ وعَدُوُّهُ القَوِيُّ المُؤْمِنُ لا يَتَعَرَّضُ لَهُ بِالسُّوءِ مِن حَيْثُ هو مُؤْمِنٌ، وقالَ بَعْضُهُمِ: الحَقُّ أنَّ الهِجْرَةَ هُنا قَدْ تَجِبُ أيْضًا إذا خافَ هَلاكَ نَفْسِهِ أوْ أقارِبِهِ أوْ هَتْكَ حُرْمَتِهِ بِالإفْراطِ، ولَكِنْ لَيْسَتْ عِبادَةً وقُرْبَةً حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْها الثَّوابُ فَإنَّ وُجُوبَها لِمَحْضِ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ لِذَلِكَ المُهاجِرِ لا لِإصْلاحِ الدِّينِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْها الثَّوابُ ولَيْسَ كُلُّ واجِبٍ يُثابُ عَلَيْهِ لِأنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ كُلَّ واجِبٍ لا يَكُونُ عِبادَةً بَلْ كَثِيرٌ مِنَ الواجِباتِ ما لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوابٌ كالأكْلِ عِنْدَ شِدَّةِ المَجاعَةِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَضَرّاتِ المَعْلُومَةِ أوِ المَظْنُونَةِ في المَرَضِ، وعَنْ تَناوُلِ السُّمُومِ في حالِ الصِّحَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهَذِهِ الهِجْرَةِ أيْضًا مِن هَذا القَبِيلِ ولَيْسَتْ هي كالهِجْرَةِ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ لِتَكُونَ مُسْتَوْجَبَةً بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِثَوابِ الآخِرَةِ.
وعَدَّ قَوْمٌ مِن بابِ التَّقِيَّةِ مُداراةَ الكُفّارِ والفَسَقَةِ والظَّلَمَةِ وإلانَةَ الكَلامِ لَهم والتَّبَسُّمَ في وُجُوهِهِمْ والِانْبِساطَ مَعَهم وإعْطاءَهم لِكَفِّ أذاهم وقَطْعِ لِسانِهِمْ وصِيانَةِ العِرْضِ مِنهم ولا يُعَدُّ ذَلِكَ مِن بابِ المُوالاةِ المَنهِيِّ عَنْها بَلْ هي سُنَّةٌ وأمْرٌ مَشْرُوعٌ، فَقَدْ رَوى الدَّيْلَمِيُّ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: «”إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي بِمُداراةِ النّاسِ كَما أمَرَنِي بِإقامَةِ الفَرائِضِ“،» وفي رِوايَةٍ: «”بُعِثْتُ بِالمُداراةِ“،» وفي «اَلْجامِعِ»: «”سَيَأْتِيكم رَكْبٌ مُبْغِضُونَ فَإذا جاءُوكم فَرَحِّبُوا بِهِمْ“،» ورَوى اِبْنُ أبِي الدُّنْيا: «”رَأْسُ العَقْلِ بَعْدَ الإيمانِ بِاَللَّهِ تَعالى مُداراةُ النّاسِ“،» وفي رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ: «”رَأسُ العَقْلِ المُداراةُ“،» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ: «”مُداراةُ النّاسِ صَدَقَةٌ“،» وفي رِوايَةٍ لَهُ: «”ما وقى بِهِ المُؤْمِنُ عِرْضَهُ فَهو صَدَقَةٌ“،» وأخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ: «”مَن عاشَ مُدارِيًا ماتَ شَهِيدًا قُوا بِأمْوالِكم أعْراضِكم ولِيُصانِعْ أحَدُكم بِلِسانِهِ عَنْ دِينِهِ“،» وعَنْ بُرْدَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «”اِسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وأنا عِنْدَهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : بِئْسَ اِبْنُ العَشِيرَةِ أوْ أخُو العَشِيرَةِ ثُمَّ أذِنَ لَهُ فَألانَ لَهُ القَوْلَ فَلَمّا خَرَجَ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ ما قُلْتَ ثُمَّ ألَنْتَ لَهُ القَوْلَ؟
فَقالَ: يا عائِشَةُ إنَّ مِن أشَرِّ النّاسِ مَن يَتْرُكُهُ النّاسُ أوْ يَدَعُهُ النّاسُ اِتِّقاءَ فُحْشِهِ“».
وفِي «اَلْبُخارِيِّ» عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: ”إنّا لَنُكَشِّرُ في وُجُوهِ أقْوامٍ وإنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَنُهم“، وفي رِوايَةِ الكُشْمَيْهَنِيِّ: ”وإنَّ قُلُوبَنا لَتَقْلِيهِمْ“، وفي رِوايَةِ اِبْنِ أبِي الدُّنْيا وإبْراهِيمَ الحَرَمِيِّ بِزِيادَةٍ: ”ونَضْحَكُ إلَيْهِمْ“، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ لَكِنْ لا تَنْبَغِي المُداراةُ إلى حَيْثُ يُخْدَشُ الدِّينُ ويُرْتَكَبُ المُنْكَرُ وتُسِيءُ الظُّنُونُ.
ووَراءَ هَذا التَّحْقِيقِ قَوْلانِ لِفِئَتَيْنِ مُتَبايِنَتَيْنِ مِنَ النّاسِ وهُمُ الخَوارِجُ والشِّيعَةُ، أمّا الخَوارِجُ فَذَهَبُوا إلى أنَّهُ لا تَجُوزُ التَّقِيَّةُ بِحالٍ ولا يُراعى المالُ وحِفْظُ النَّفْسِ والعِرْضِ في مُقابَلَةِ الدِّينِ أصْلًا ولَهم تَشْدِيداتٌ في هَذا البابِ عَجِيبَةٌ مِنها أنَّ أحَدًا لَوْ كانَ يُصَلِّي وجاءَ سارِقٌ أوْ غاصِبٌ لِيَسْرِقَ أوْ يَغْصِبَ مالَهُ الخَطِيرَ لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُها، وطَعَنُوا عَلى بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ صَحابِيِّ رَسُولِ اللَّهِ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ يُحافِظُ فَرَسَهُ فِي صِلاتِهِ كَيْ لا يَهْرُبَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا المَذْهَبَ مِنَ التَّفْرِيطِ بِمَكانٍ، وأمّا الشِّيعَةُ فَكَلامُهم مُضْطَرِبٌ في هَذا المَقامِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها جائِزَةٌ في الأقْوالِ كُلِّها عِنْدَ الضَّرُورَةِ ورُبَّما وجَبَتْ فِيها لِضَرْبٍ مِنَ اللُّطْفِ والِاسْتِصْلاحِ ولا تَجُوزُ في الأفْعالِ كَقَتْلِ المُؤْمِنِ ولا فِيما يُعْلَمُ أوْ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ إفْسادٌ في الدِّينِ؛ وقالَ المُفِيدُ: إنَّها قَدْ تَجِبُ أحْيانًا وقَدْ يَكُونُ فِعْلُها في وقْتٍ أفْضَلَ مِن تَرْكِها وقَدْ يَكُونُ تَرْكُها أفْضَلَ مِن فِعْلِها، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ: إنَّ ظاهِرَ الرِّواياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّها واجِبَةٌ عِنْدَ الخَوْفِ عَلى النَّفْسِ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّها واجِبَةٌ عِنْدَ الخَوْفِ عَلى المالِ أيْضًا ومُسْتَحَبَّةٌ لِصِيانَةِ العِرْضِ حَتّى يُسَنَّ لِمَنِ اِجْتَمَعَ مَعَ أهْلِ السُّنَّةِ أنْ يُوافِقَهم في صَلاتِهِمْ وصِيامِهِمْ وسائِرِ ما يَدِينُونَ بِهِ، ورَوَوْا عَنْ بَعْضِ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ: «مَن صَلّى وراءَ سُنِّيٍّ تَقِيَّةً فَكَأنَّما صَلّى وراءَ نَبِيٍّ»، وفي وُجُوبِ قَضاءِ تِلْكَ الصَّلاةِ عِنْدَهم خِلافٌ، وكَذا في وُجُوبِ قَضاءِ الصَّوْمِ عَلى مَن أفْطَرَ تَقِيَّةً حَيْثُ لا يَحُلُّ الإفْطارُ قَوْلانِ أيْضًا، وفي أفْضَلِيَّةِ التَّقِيَّةِ مِن سُنِّيٍّ واحِدٍ صِيانَةً لِمَذْهَبِ الشِّيعَةِ عَنِ الطَّعْنِ خِلافٌ أيْضًا، وأفْتى كَثِيرٌ مِنهم بِالأفْضَلِيَّةِ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى جَوازِ بَلْ وُجُوبِ إظْهارِ الكُفْرِ لِأدْنى مَخافَةٍ أوْ طَمَعٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِنَ الإفْراطِ بِمَكانٍ، وحَمَّلُوا أكْثَرَ أفْعالِ الأئِمَّةِ مِمّا يُوافِقُ مَذْهَبَ أهْلِ السُّنَّةِ ويَقُومُ بِهِ الدَّلِيلُ عَلى رَدِّ مَذْهَبِ الشِّيعَةِ عَلى التَّقِيَّةِ وجَعَلُوا هَذا أصْلًا أصِيلًا عِنْدَهم وأسَّسُوا عَلَيْهِ دِينَهم وهو الشّائِعُ الآنَ فِيما بَيْنَهم حَتّى نَسَبُوا ذَلِكَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ وجُلُّ غَرَضِهِمْ مِن ذَلِكَ إبْطالُ خِلافَةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ويَأْبى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.
فَفِي كُتُبِهِمْ ما يُبْطِلُ كَوْنَ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وبَنِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَوِي تَقِيَّةٍ بَلْ ويُبْطِلُ أيْضًا فَضْلَها الَّذِي زَعَمُوهُ، فَفي كِتابِ «نَهْجِ البَلاغَةِ» الَّذِي هو أصَحُّ الكُتُبِ بَعْدَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى في زَعْمِهِمْ: أنَّ الأمِيرَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، قالَ: عَلامَةُ الإيمانِ إيثارُكَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلى الكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ، وأيْنَ هَذا مِن تَفْسِيرِهِمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ ﴾ بِأكْثَرِكم تَقِيَّةً؟!
وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: إنِّي واَللَّهِ لَوْ لَقِيتُهم واحِدًا وهم طِلاعُ الأرْضِ كُلِّها ما بالَيْتُ ولا اِسْتَوْحَشْتُ وإنِّي مِن ضَلالَتِهِمُ الَّتِي هم فِيها والهُدى الَّذِي أنا عَلَيْهِ لَعَلى بَصِيرَةٍ مِن نَفْسِي ويَقِينٍ مِن رَبِّي وإلى لِقاءِ اللَّهِ تَعالى وحُسْنِ ثَوابِهِ لَمُنْتَظِرٌ راجٍ.
وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأمِيرَ لَمْ يَخَفْ وهو مُنْفَرِدٌ مِن حَرْبِ الأعْداءِ وهم جُمُوعٌ، ومِثْلُهُ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَتَأتّى فِيما فِيهِ هَدْمُ الدِّينِ.
ورَوى العَيّاشِيُّ عَنْ زُرارَةَ بْنِ أعْيُنٍ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أنَّهُ قالَ: تَوَضَّأ رَجُلٌ ومَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَجاءَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَوَجَأ عَلى رَقَبَتِهِ فَقالَ: ويْلُكَ تُصَلِّي وأنْتَ عَلى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَقالَ: أمَرَنِي عُمَرُ، فَأخَذَ بِيَدِهِ فانْتَهى إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: اُنْظُرْ ما يَقُولُ هَذا عَنْكَ ورَفَعَ صَوْتَهُ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَقالَ عُمَرُ: أنا أمَرْتُهُ بِذَلِكَ فانْظُرْ كَيْفَ رَفَعَ الصَّوْتَ وأنْكَرَ ولَمْ يَتَأقَّ.
ورَوى الرّاوَنْدِيُّ شارِحُ «نَهْجِ البَلاغَةِ» ومُعْتَقِدُ الشِّيعَةِ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ أنَّ عَلِيًّا بَلَغَهُ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ ذَكَرَ شِيعَتَهُ فاسْتَقْبَلَهُ في بَعْضِ طُرُقاتِ بَساتِينِ المَدِينَةِ وفي يَدِ عَلِيٍّ قَوْسٌ فَقالَ: يا عُمَرُ بَلَغَنِي عَنْكَ ذِكْرَكَ لِشِيعَتِي، فَقالَ: أرْبَعٌ عَلى صَلْعَتِكَ، فَقالَ عَلِيٌّ إنَّكَ هَهُنا ثُمَّ رَمى بِالقَوْسِ عَلى الأرْضِ فَإذا هي ثُعْبانٌ كالبَعِيرِ فاغِرًا فاهُ، وقَدْ أقْبَلَ نَحْوَ عُمَرَ لِيَبْتَلِعَهُ، فَقالَ عُمَرُ: اللَّهَ اللَّهَ يا أبا الحَسَنِ لا عُدْتُّ بَعْدَها في شَيْءٍ فَجَعَلَ يَتَضَرَّعُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى الثُّعْبانِ فَعادَتِ القَوْسُ كَما كانَتْ فَمَضى عُمَرُ إلى بَيْتِهِ، قالَ سَلْمانُ: فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ دَعانِي عَلِيٌّ فَقالَ: سِرْ إلى عُمَرَ فَإنَّهُ حُمِلَ إلَيْهِ مالٌ مِن ناحِيَةِ المَشْرِقِ وقَدْ عَزَمَ أنْ يُخَبِّئَهُ فَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ عَلِيٌّ: أخْرِجْ ما حُمِلَ إلَيْكَ مِنَ المَشْرِقِ فَفَرِّقْهُ عَلى مَن هو لَهم ولا، تُخَبِّهِ فَأفْضَحَكَ قالَ سَلْمانُ: فَمَضَيْتُ إلَيْهِ وأدَّيْتُ الرِّسالَةَ فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ أمْرِ صاحِبِكَ مِن أيْنَ عَلِمَ بِهِ؟
فَقُلْتُ وهَلْ يَخْفى عَلَيْهِ مِثْلُ هَذا؟
فَقالَ: يا سَلْمانُ اِقْبَلْ عَنِّي ما أقُولُ لَكَ ما عَلِيٌّ إلّا ساحِرٌ، وإنِّي لِمُسْتَيْقِنٌ بِكَ والصَّوابُ أنْ تُفارِقَهُ وتَصِيرُ مِن جُمْلَتِنا، قُلْتُ: لَيْسَ كَما قُلْتَ لَكِنَّهُ ورِثَ مِن أسْرارِ النُّبُوَّةِ ما قَدْ رَأيْتَ مِنهُ وعِنْدَهُ أكْثَرُ مِن هَذا، قالَ: اِرْجِعْ إلَيْهِ فَقُلِ: السَّمْعُ والطّاعَةُ لِأمْرِكَ فَرَجَعْتُ إلى عَلِيٍّ، فَقالَ: أُحَدِّثُكَ عَمّا جَرى بَيْنَكُما، فَقُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ مِنِّي فَتَكَلَّمَ بِما جَرى بَيْنَنا، ثُمَّ قالَ: إنَّ رُعْبَ الثُّعْبانِ في قَلْبِهِ إلى أنْ يَمُوتَ، وفي هَذِهِ الرِّوايَةِ ضَرْبُ عُنُقِ التَّقِيَّةِ أيْضًا إذْ صاحِبُ هَذِهِ القَوْسِ تُغْنِيهِ قَوْسُهُ عَنْها ولا تَحُوجُهُ أنْ يُزَوِّجَ اِبْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ مِن عُمَرَ خَوْفًا مِنهُ وتَقِيَّةً.
ورَوى الكُلَيْنِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: «إنِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ كِتابًا فَقالَ جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ هَذِهِ وصَّيْتُكَ إلى النُّجَباءِ فَقالَ: ومَنِ النُّجَباءُ يا جِبْرِيلُ؟
فَقالَ: عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ووَلَدُهُ وكانَ عَلى الكِتابِ خَواتِمُ مِن ذَهَبٍ فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى عَلِيٍّ وأمَرَهُ أنْ يَفُكَّ خاتَمًا مِنهُ فَيَعْمَلُ بِما فِيهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى الحَسَنِ فَفَكَّ مِنهُ خاتَمًا فَعَمِلَ بِما فِيهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى الحُسَيْنِ فَفَكَّ خاتَمًا فَوَجَدَ فِيهِ أنِ اُخْرُجْ بِقَوْمِكَ إلى الشَّهادَةِ فَلا شَهادَةَ لَهم إلّا مَعَكَ واشْتَرِ نَفْسَكَ لِلَّهِ تَعالى فَفَعَلَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ فَفَكَّ خاتَمًا فَوَجَدَ فِيهِ أنِ اُطْرُقْ واصْمُتْ والزَمْ مَنزِلَكَ واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ فَفَعَلَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى اِبْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فَفَكَّ خاتَمًا فَوَجَدَ فِيهِ حَدِّثِ النّاسَ وأفْتِهِمْ وانْشُرْ عُلُومَ أهْلِ بَيْتِكَ وصَدِّقْ آباءَكَ الصّالِحِينَ ولا تَخافَنَّ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى فَإنَّهُ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ عَلَيْكَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى جَعْفَرٍ الصّادِقِ فَفَكَّ خاتَمًا فَوَجَدَ فِيهِ حَدِّثِ النّاسَ وافْتِهِمْ ولا تَخافَنَّ إلّا اللَّهَ تَعالى وانْشُرْ عُلُومَ أهْلِ بَيْتِكَ وصَدِّقْ آباءَكَ الصّالِحِينَ فَإنَّكَ في حِرْزٍ وأمانٍ فَفَعَلَ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلى مُوسى وهَكَذا إلى المَهْدِيِّ».
ورَواهُ مِن طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ مُعاذٍ أيْضًا عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ، وفي الخاتَمِ الخامِسِ: وقُلِ الحَقَّ في الأمْنِ والخَوْفِ ولا تَخْشَ إلّا اللَّهَ تَعالى، وهَذِهِ الرِّوايَةُ أيْضًا صَرِيحَةٌ بِأنَّ أُولَئِكَ الكِرامَ لَيْسَ دِينُهُمِ التَّقِيَّةَ كَما تَزْعُمُهُ الشِّيعَةُ.
ورَوى سَلِيمُ بْنُ قَيْسٍ الهِلالِيُّ الشِّيعِيُّ مِن خَبَرٍ طَوِيلٍ أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ قالَ: لَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ومالَ النّاسُ إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَبايَعُوهُ حَمَلَتْ فاطِمَةُ وأخَذَتْ بِيَدِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ ولَمْ تَدَعْ أحَدًا مِن أهْلِ بَدْرٍ وأهْلِ السّابِقَةِ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ إلّا ناشَدَتْهُمُ اللَّهَ تَعالى حَقِّي ودَعَوَتْهم إلى نُصْرَتِي، فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي مِن جَمِيعِ النّاسِ إلّا أرْبَعَةٌ: الزُّبَيْرُ وسَلْمانُ وأبُو ذَرٍّ والمِقْدادُ، وهَذِهِ تَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقِيَّةَ لَمْ تَكُنْ واجِبَةً عَلى الإمامِ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ عِنْدَ مَن بايَعَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيهِ ما فِيهِ.
وفِي «كِتابِ أبانَ بْنِ عَيّاشٍ» أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَعَثَ إلى عَلِيٍّ قُنْفُذًا حِينَ بايَعَهُ النّاسُ ولَمْ يُبايِعْهُ عَلِيٌّ، وقالَ: اِنْطَلِقْ إلى عَلِيٍّ وقُلْ لَهُ أجِبْ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، فانْطَلَقَ فَبَلَّغَهُ، فَقالَ لَهُ: ما أسْرَعَ ما كَذَبْتُمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وارْتَدَدْتُمْ واَللَّهِ ما اِسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ غَيْرِي، وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ لَمّا يُجِبْ عَلى غَضَبِ عُمَرَ وأضْرَمَ النّارَ بِبابِ عَلِيٍّ وأحْرَقَهُ ودَخَلَ فاسْتَقْبَلَتْهُ فاطِمَةُ وصاحَتْ يا أبَتاهُ ويا رَسُولَ اللَّهِ فَرَفَعَ عُمَرُ السَّيْفَ وهو في غِمْدِهِ فَوَجَأ بِهِ جَنْبَها المُبارَكَ ورَفَعَ السَّوْطَ فَضَرَبَ بِهِ ضِرْعَها فَصاحَتْ يا أبَتاهُ فَأخَذَ عَلِيٌّ بِتَلابِيبِ عُمَرَ وهَزَّهُ ووَجَأ أنْفَهُ ورَقَبَتَهُ، وفِيهِ أيْضًا أنَّ عُمَرَ قالَ لِعَلِيٍّ: بايِعْ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إنْ لَمْ أفْعَلْ ذَلِكَ؟
قالَ: إذًا واَللَّهِ تَعالى لَأضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، قالَ: كَذَبْتَ واَللَّهِ يا اِبْنِ صُهاكَ لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ أنْتَ ألْأمُ وأضْعَفُ مِن ذَلِكَ، فَهَذِهِ الرِّواياتُ تَدُلُّ صَرِيحًا أنَّ التَّقِيَّةَ بِمَراحِلَ عَنْ ذَلِكَ الإمامِ إذْ لا مَعْنى لِهَذِهِ المُناقَشَةِ والمُسابَّةِ مَعَ وُجُوبِ التَّقِيَّةِ.
ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِنانٍ أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ قالَ لِعُمَرَ: يا مَغْرُورُ إنِّي أراكَ في الدُّنْيا قَتِيلًا بِجِراحَةٍ مِن عِنْدِ أُمِّ مَعْمَرٍ تَحْكُمُ عَلَيْهِ جَوْرًا فَيَقْتُلُكَ ويَدْخُلُ بِذَلِكَ الجَنانَ عَلى رَغْمٍ مِنكَ.
ورَوِيَ أيْضًا أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ مَرَّةً: إنَّ لَكَ ولِصاحِبِكَ الَّذِي قُمْتَ مَقامَهُ هَتْكًا وصَلْبًا تَخْرُجانِ مِن جِوارِ رَسُولِ اللَّهِ فَتُصْلَبانِ عَلى شَجَرَةٍ يابِسَةٍ فَتُورِقُ فَيُفْتَتَنُ بِذَلِكَ مَن والاكُما ثُمَّ يُؤْتى بِالنّارِ الَّتِي أُضْرِمَتْ لِإبْراهِيمَ ويَأْتِي جُرْجِيسُ ودانْيالُ وكُلُّ نَبِيٍّ وصِدِّيقٍ فَتُصْلَبانِ فِيها فَتُحْرَقانِ وتَصِيرانِ رَمادًا ثُمَّ تَأْتِي رِيحٌ فَتَنْسِفُكُما في اليَمِّ نَسْفًا، فانْظُرْ بِاَللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ مَن يَرْوِي هَذِهِ الأكاذِيبَ عَنِ الإمامِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ هَلْ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَقُولَ بِنِسْبَةِ التَّقِيَّةِ إلَيْهِ سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى، هَذا العَجَبُ العُجابُ والدّاءُ العُضالُ.
ومِمّا يَرُدُّ قَوْلَهم أيْضًا أنَّ التَّقِيَّةَ لا تَكُونُ إلّا لِخَوْفٍ، والخَوْفُ قِسْمانِ: الأوَّلُ: الخَوْفُ عَلى النَّفْسِ وهو مُنْتَفٍ في حَقِّ حَضَراتِ الأئِمَّةِ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ مَوْتَهُمُ الطَّبِيعِيَّ بِاخْتِيارِهِمْ كَما أثْبَتَ هَذِهِ المَسْألَةَ الكُلَيْنِيُّ في «اَلْكافِي»، وعَقَدَ لَها بابًا وأجْمَعَ عَلَيْها سائِرُ الإمامِيَّةِ، وثانِيهُما: أنَّ الأئِمَّةَ يَكُونُ لَهم عِلْمٌ بِما كانَ وما يَكُونُ فَهم يَعْلَمُونَ آجالَهم وكَيْفِيّاتِ مَوْتِهِمْ وأوْقاتَهُ بِالتَّفْصِيلِ والتَّخْصِيصِ فَقَبْلَ وقْتِهِ لا يَخافُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ويَتَأقَّوْنَ في دِينِهِمْ ويَغُرُّونَ عَوامَّ المُؤْمِنِينَ، القِسْمُ الثّانِي: خَوْفُ المَشَقَّةِ والإيذاءِ البَدَنِيِّ والسَّبِّ والشَّتْمِ وهَتْكِ الحُرْمَةِ ولا شَكَّ أنَّ تَحَمُّلَ هَذِهِ الأُمُورِ والصَّبْرَ عَلَيْها وظِيفَةُ الصُّلَحاءِ فَقَدْ كانُوا يَتَحَمَّلُونَ البَلاءَ دائِمًا في اِمْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى ورُبَّما قابَلُوا السَّلاطِينَ الجَبابِرَةَ، وأهْلُ البَيْتِ النَّبَوِيِّ أوْلى بِتَحَمُّلِ الشَّدائِدِ في نُصْرَةِ دَيْنِ جَدِّهِمْ .
وأيْضًا لَوْ كانَتِ التَّقِيَّةُ واجِبَةً لَمْ يَتَوَقَّفْ إمامُ الأئِمَّةِ عَنْ بَيْعَةِ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ سِتَّةَ أشْهُرٍ وماذا مَنَعَهُ مِن أداءِ الواجِبِ أوَّلَ وهْلَةٍ.
ومِمّا يَرُدُّ قَوْلَهم في نِسْبَةِ التَّقِيَّةِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالمَعْنى الَّذِي أرادَهُ قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلا اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ : ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِن النّاسِ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، نَعَمْ لَوْ أرادُوا بِالتَّقِيَّةِ المُداراةَ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها لَكانَ لِنِسْبَتِها إلى الأنْبِياءِ والأئِمَّةِ وجْهٌ، وهَذا أحَدُ مَحْمَلَيْنِ لِما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: التَّقِيَّةُ جائِزَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والثّانِي: حَمْلُ التَّقِيَّةِ عَلى ظاهِرِها وكَوْنُها جائِزَةً إنَّما هو عَلى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ.
ومِنَ النّاسِ مَن أوْجَبَ نَوْعًا مِنَ التَّقِيَّةِ خاصًّا بِخَواصِّ المُؤْمِنِينَ وهو حِفْظُ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ عَنِ الإفْشاءِ لِلْأغْيارِ المُوجِبِ لِمَفاسِدَ كُلِّيَّةٍ فَتَراهم مَتى سُئِلُوا عَنْ سِرٍّ أبْهَمُوهُ وتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَوْ عُرِضَ عَلى العامَّةِ بَلْ وعَلى عُلَمائِهِمْ ما فَهِمُوهُ، وأفْرَغُوهُ بِقَوالِبَ لا يَفْهَمُ المُرادَ مِنها إلّا مَن حَسى مِن كَأْسِهِمْ أوْ تَعَطَّرَتْ أرْجاءُ فُؤادِهِ مِن عَبِيرِ عَنْبَرِ أنْفاسِهِمْ، وهَذا وإنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ضَلالُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ وانْجَرَّ إلى الطَّعْنِ بِأُولَئِكَ السّادَةِ الأكْياسِ حَتّى رَمى الكَثِيرَ مِنهم بِالزَّنْدَقَةِ وأفْتى بِقَتْلِهِمْ مَن سَمِعَ كَلامَهم وما حَقَّقَهُ إلّا أنَّهم رَأوْا هَذا دُونَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإفْشاءِ مِنَ المَفاسِدِ الَّتِي تَعُمُّ الأرْضَ: وحَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ وكَتْمُ الأسْرارِ عَنْ أهْلِها فِيهِ فَواتُ خَيْرٍ عَظِيمٍ ومُوجِبٌ لِعَذابٍ ألِيمٍ، وقَدْ يُقالُ: لَيْسَ هَذا مِن بابِ التَّقِيَّةِ في شَيْءٍ إلّا أنَّ القَوْمَ تَكَلَّمُوا بِما طَفَحَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ وظَهَرَ عَلى عَلانِيَتِهِمْ وكانَتِ المَعانِي المُرادَةُ لَهم بِحَيْثُ تَضِيقُ عَنْها العِبارَةُ ولا يَحُومُ حَوْلَ حِماها سِوى الإشارَةِ، ومَن حَذا حَذْوَهم واقْتَفى في التَّجَرُّدِ إثْرَهم فَهِمَ ما قالُوا وتَحَقَّقَ ما إلَيْهِ مالُوا، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ذَكَرَهُ الشَّعَرانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في «اَلدُّرَرُ المَنثُورَةُ في بَيانِ زُبْدَةِ العُلُومِ المَشْهُورَةِ» مِمّا نَصُّهُ، وأمّا زُبْدَةُ عِلْمِ التَّصَوُّفِ الَّذِي وضَعَ القَوْمَ فِيهِ رَسائِلَهم فَهو نَتِيجَةُ العَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ فَمَن عَمِلَ بِما عَلِمَ تَكَلَّمَ كَما تَكَلَّمُوا وصارَ جَمِيعُ ما قالُوهُ بَعْضَ ما عِنْدَهُ لِأنَّهُ كُلَّما تَرَقّى العَبْدُ في بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى دَقَّ كَلامِهِ عَلى الأفْهامِ حَتّى قالَ بَعْضُهم لِشَيْخِهِ: إنَّ كَلامَ أخِي فُلانٍ يَدِقُّ عَلَيَّ فَهْمُهُ فَقالَ: لِأنَّ لَكَ قَمِيصَيْنِ ولَهُ قَمِيصٌ واحِدٌ فَهو أعْلى مَرْتَبَةً مِنكَ، وهَذا هو الَّذِي دَعا الفُقَهاءُ ونَحْوُهم مِن أهْلِ الحِجابِ إلى تَسْمِيَةِ عِلْمِ الصُّوفِيَّةِ بِعِلْمِ الباطِنِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِباطِنٍ إذِ الباطِنُ إنَّما هو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى وأمّا جَمِيعُ ما عَلِمَهُ الخَلْقُ عَلى اِخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ فَهو مِن عِلْمِ الظّاهِرِ لِأنَّهُ ظَهَرَ لِلْخَلْقِ فاعْلَمْ ذَلِكَ، اِنْتَهى.
فَعَلى هَذا، الإنْكارُ عَلى القَوْمِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ.
﴿ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ أيْ عِقابَ نَفْسِهِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وفِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ مُشْعِرٌ بِتَناهِي المَنهِيِّ عَنْهُ في القُبْحِ حَيْثُ عَلَّقَ التَّحْذِيرَ بِنَفْسِهِ.
وإطْلاقُ النَّفْسِ عَلَيْهِ تَعالى بِالمَعْنى الَّذِي أرادَهُ جائِزٌ مِن غَيْرِ مُشاكَلَةٍ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: النَّفْسُ بِمَعْنى الذّاتِ وجَوازُ إطْلاقِهِ حِينَئِذٍ بِلا مُشاكَلَةٍ مِمّا لا كَلامَ فِيهِ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ، وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ بِعَدَمِ الجَوازِ وإنْ أُرِيدَ بِهِ الذّاتُ إلّا مُشاكَلَةً.
﴿ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ ﴾ أيِ المَرْجِعُ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، قِيلَ: والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلى حُكْمِهِ أوْ جَزائِهِ ولَيْسَ بِاللّازِمِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ومُحَقِّقٌ لِوُقُوعِهِ حَتْمًا.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ قال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت في شأن المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه من أهل النفاق، وكانوا قد أظهروا الإيمان، وكانوا يتولون اليهود في العون والنصرة، ويأتونهم بالأخبار، ويرجون أن يكون لهم ظفر على محمد وأصحابه وقال مقاتل: نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة وغيره، ممن كانوا يظهرون المودة لكفار مكة، فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ، فهذا نهي بلفظ المغايبة، يعني لا يتخذونهم أولياء في العون والنصرة مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ يعني ليس في ولاية الله من شيء.
ويقال: ليس في دين الله مِن شيء، لأن ولي الكافر يكون راضياً بكفره، ومن كان راضياً بكفره، فهو كافر مثله كقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: 51] .
ثم استثنى لما علم أن بعض المسلمين، ربما يُبْتَلون في أيدي الكفار فقال تعالى: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً.
قرأ يعقوب الحضرمي تقية، وقراءة العامة تقاة، ومعناهما واحد، يعني يرضيهم بلسانه، وقلبه مطمئن الإيمان، فلا إثم عليه كما قال الله تعالى في آية أخرى إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل: 106] قرأ حمزة والكسائي تُقاةً بالإمالة.
وقرأ الباقون بتفخيم الألف ثم قال: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ يعني يخوّفكم الله بعقوبته، أي الذي يتخذ الكافر وليّاً بغير ضرورة، وهذا وعيد لهم.
ويقال: إذا كان الوعيد مبهماً، فهو أشد ثم قال تعالى: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أي مرجعكم في الآخرة، فيجازيكم بأعمالكم.
<div class="verse-tafsir"
وأمته، على جهة التوقيفِ والتعجيب: فكيف حالُ هؤلاءِ المغترِّين بالأباطيل، إِذا حشروا يوم القيامة، واضمحلت تلك الزخارفُ والدعاوى، وجوَّزوا بما اكتسبوه مِنْ كفرهم، وأعمالهم القبيحة، قال ابن عطيَّة: والصحيحُ في يوم القيامةِ أنَّه يَوْمٌ لأنَّ قبله ليلةٌ، وفيه شَمْسٌ «١» ، وقال النقَّاش: المراد باليوم الوقت.
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)
وقوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ...
الآية: هو سبحانه وتعالى مالكُ الملكِ كلِّه مطلقاً في جميع أنواعه، وأشرفُ ملكٍ يؤتيه عباده سعادةُ الآخرة، رُوِيَ أنَّ الآية نزلَتْ بسبب أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشَّر أُمَّتَه بفتح مُلْك فارس وغيره، فقالَتِ اليهودُ والمنافقُونَ: هَيْهَاتَ، وكذَّبوا بذلك.
ومذهب البصريِّين أن الأصل في «اللَّهُمَّ» : يَا أَللَّهُ، فعوِّض من ياء النداءِ ميماً مشدَّدة.
و «مالك» : نصْبٌ على النداء، وخص تعالى الخَيْر بالذكْر، وهو تعالى بيده كلُّ شيء إِذ الآية في معنى دعاء ورغبة، فكأنَّ المعنى: بِيَدِكَ الخَيْرُ فأجزِلْ حظِّي منه، قال النوويُّ: ورُوِّينَا في كتاب «التِّرْمذيِّ» وغيره، عن عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب (رضي اللَّه عنه) أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم/ قَالَ: «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه وَحْده لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ» «٢» ، ورواه الحاكمُ أبو عبد اللَّه في «المُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» من طرق كثيرةٍ، وزاد فيه في بعْضِ طرقه: «وبنى لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ» قال الحاكمُ: وفي الباب، عن جابر،
وأبي هريرة، وبُرَيْدَة الأسلميِّ.
اهـ من «الحلية» «١» .
وقال ابن عبَّاس وغيره في معنى قوله تعالى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ...
الآية: إنه ما ينتقصُ من النهار، فيزيد في الليل، وما ينتقصُ من الليلِ، فيزيدُ في النَّهار دَأَباً كلَّ فَصْلٍ من السنة «٢» ، وتحتملُ ألفاظُ الآية أنْ يدخل فيها تعاقُبُ الليلِ والنهارِ كأن زوالَ أحدهما وُلُوجٌ في الآخر.
واختلف في معنى قوله تعالى: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ...
الآيةَ:
فقال الحسَنُ: معناهُ: يُخْرِجُ المؤمِنَ من الكافر، والكافِرَ من المؤمن «٣» ، وروي نحْوَه، عن سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ «٤» ، وروى الزُّهْرِيُّ، أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، لمَّا سَمِعَ نَغْمَةَ «٥» خَالِدَةَ بِنْتِ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ» فأُخْبِرَ بِهَا، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «سُبْحَانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ» ، وكَانَتِ امرأة صَالِحَةً، وكَانَ أَبُوهَا كَافِراً «٦» ، والمرادُ على هذا:
موتُ قلبِ الكافرِ، وحياةُ قَلْب المؤمن.
وذهب جمهورٌ كثيرٌ إِلى أنَّ الحياة والمَوْتَ في الآية حقيقةٌ، لا أنها استعارةٌ، ثم اختلفوا في المُثُلِ التي فسَّروا بها.
فقال ابن مسعود: هي النُّطْفة، تخْرُج من الرجُلِ، وهي ميتة، وهو حيٌّ، ويخرج الرجلُ منْها، وهي ميتة «١» .
وقال عكرمة: هو إِخراج الدَّجَاجة، وهي حية، مِن البَيْضَة، وهي ميتة، وإِخراج البيضة، وهي ميتة من الدَّجَاجة، وهي حية «٢» .
وروى السُّدِّيُّ، عن أبي مالكٍ، قال: هي الحبَّة تَخْرُجُ من السنبلةِ، والسنبلةُ تخرجُ من الحبَّة، وكذلك النَّوَاة «٣» .
وقوله تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ ...
الآية: هذا النهْيُ عن الاِتخاذِ، إِنما هو عن إِظهار اللُّطْفِ للكفَّار، والميلِ إِليهم، فأما أنْ يتخذوا بالقَلْب، فلا يفعل ذلك مؤمن، ولفظ الآية عامٌّ في جميع الأعصار.
واختلف في سَبَب نزولها، فقال ابنُ عَبَّاس: في كَعْبِ بْنِ الأَشْرَف وغيره، قد بطنوا بنَفَرٍ من الأنصار، ليفتنُوهم عن دِينِهِمْ، فنزلَتْ في ذلك الآيةُ «٤» ، وقال قومٌ: نزلَتْ في قصَّة حاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وكتابِه إلى أهْل مكَّة «٥» ، والآيةُ عامَّة في جميع هذا.
وقوله تعالى: فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ: معناه: في شيءٍ مَرْضِيٍّ كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا» «٦» ، ثم أباح سبحانه إِظهار اتخاذهم بشرط الاِتقاءِ، فأما إِبطانه، فلا يصحُّ أن يتصف به مؤمنٌ في حالٍ.
وقوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ ...
إلى آخر الآية: وعيد وتنبيه ووعظ وتذكير بالآخرة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ كانَ لَهُ حُلَفاءٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ يَوْمَ الأحْزابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مَعِيَ خَمْسَمِائَةً مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ رَأيْتُ أنْ أسْتَظْهِرَ بِهِمْ عَلى العَدُوِّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وأصْحابِهِ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ، ويَأْتُونَهم بِالأخْبارِ يَرْجُونَ لَهُمُ الظَّفْرَ مِنَ النَّبِيِّ ، فَنَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِمْ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ، كانُوا يُباطِنُونَ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، فَنَهاهم قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، وقالُوا: اجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ، فَأبَوْا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ وغَيْرِهِ، كانُوا يُظْهِرُونَ المَوَدَّةَ لِكُفّارِ مَكَّةَ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ذَلِكَ، هَذا قَوْلُ المُقاتِلِينَ، ابْنِ سُلَيْمانَ، وابْنِ حَيّانَ.
فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: لا يَجْعَلُ المُؤْمِنُ وِلايَتَهُ لِمَن هو غَيْرُ مُؤْمِنٍ، أيْ: لا يَتَناوَلُ الوِلايَةَ مِن مَكانٍ دُونَ مَكانِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا كَلامٌ جَرى عَلى المَثَلِ في المَكانِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ دُونَكَ، ولَسْتَ تُرِيدُ المَكانَ، ولَكِنَّكَ جَعَلْتَ الشَّرَفَ بِمَنزِلَةِ الِارْتِفاعِ في المَكانِ، والخِسَّةَ كالِاسْتِفالِ في المَكانِ.
ومَعْنى ﴿ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ ﴾ أيْ: فاللَّهُ بَرِيءٌ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ﴾ قَرَأ يَعْقُوبُ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ "تَقِيَّةً" بِفَتْحِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، قالَ مُجاهِدٌ: إلّا مُصانَعَةً في الدُّنْيا.
قالَ أبُو العالِيَةِ: التُّقاةُ بِاللِّسانِ، لا بِالعَمَلِ.
* فَصْلٌ والتَّقِيَّةُ رُخْصَةٌ، ولَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: وقَدْ قِيلَ: إنْ عُرِضْتَ عَلى السَّيْفِ تُجِيبُ؟
قالَ: لا.
وقالَ: إذا أجابَ العالِمُ تَقِيَّةً، والجاهِلُ بِجَهْلٍ، فَمَتى يَتَبَيَّنُ الحَقُّ؟
وسَنَشْرَحُ هَذا المَعْنى في "النَّحْلِ" عِنْدَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ ﴾ ، إنْ شاءَ اللَّهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أولِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِن اللهِ في شَيْءٍ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللهِ نَفْسَهُ وإلى اللهِ المَصِيرُ ﴾ هَذا النَهْيُ عَنِ الاتِّخاذِ إنَّما هو فِيما يُظْهِرُهُ المَرْءُ، فَأمّا أنْ يَتَّخِذَهُ بِقَلْبِهِ ونِيَّتِهِ فَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ، والمَنهِيُّونَ هُنا قَدْ قَرَّرَ لَهُمُ الإيمانَ، فالنَهْيُ إنَّما هو عِبارَةٌ عن إظْهارِ اللُطْفِ لِلْكُفّارِ والمَيْلِ إلَيْهِمْ، ولَفْظُ الآيَةِ عامٌّ في جَمِيعِ الأعْصارِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وابْنُ أبِي الحَقِيقِ وقَيْسُ بْنُ زَيْدٍ قَدْ بَطَنُوا بِنَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ لِيَفْتِنُوهم عن دِينِهِمْ، فَقالَ رِفاعَةُ بْنُ المُنْذِرِ بْنِ زَبِيرٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ وسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ لِأُولَئِكَ النَفَرِ: اجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ واحْذَرُوا مُباطَنَتَهُمْ، فَأبى أُولَئِكَ النَفَرُ إلّا مُوالاةَ اليَهُودِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
وقالَ قَوْمٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قِصَّةِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ وكِتابِهِ إلى أهْلِ مَكَّةَ، والآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ هَذا، ويَدْخُلُ فِيها فِعْلُ أبِي لُبابَةَ في إشارَتِهِ إلى حَلْقِهِ حِينَ بَعَثَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في اسْتِنْزالِ بَنِي قُرَيْظَةَ.
وأمّا تَعْذِيبُ بَنِي المُغِيرَةِ لِعَمّارٍ فَنَزَلَ فِيما أباحَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَمّارٍ ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن دُونِ ﴾ عِبارَةٌ عن كَوْنِ الشَيْءِ الَّذِي تُضافُ إلَيْهِ "دُونَ" غائِبًا مُتَنَحِّيًا لَيْسَ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ في شَيْءٍ، وفي المَثَلِ: "وَأُمِرَّ دُونَ عُبَيْدَةَ الوَذَمُ" كَأنَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَنْتَهِيَ إلى الشَيْءِ الَّذِي تُضافُ إلَيْهِ، ورَتَّبَها الزَجّاجُ: المُضادَّةَ لِلشَّرَفِ مِنَ الشَيْءِ الدُونِ، وفِيما قالَهُ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيْءٍ ﴾ مَعْناهُ: في شَيْءٍ مَرْضِيٍّ عَلى الكَمالِ والصَوابِ، وهَذا كَما قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا"» وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ مِنَ التَقَرُّبِ إلى اللهِ أوِ التَزَلُّفِ ونَحْوِ هَذا.
وقَوْلُهُ "فِي شَيْءٍ" هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ( لَيْسَ مِن اللهِ ) ثُمَّ أباحَ اللهُ إظْهارَ اتِّخاذِهِمْ بِشَرْطِ الِاتِّقاءِ، فَأمّا إبْطانُهُ فَلا يَصِحُّ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ مُؤْمِنٌ في حالٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "تُقاةً" أصْلُهُ وُقَيَةٌ - عَلى وزْنِ فُعَلَةٍ- بِضَمِّ الفاءِ وفَتْحِ العَيْنِ - أبْدَلُوا مِنَ الواوِ تاءً كَتُجاهَ وتُكَأةٍ فَصارَ تُقَيَةً ثُمَّ قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها فَجاءَ تُقاةً قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تُقاةً مِثْلَ رُماةٍ حالًا مِن "تَتَّقُوا" وهو جَمْعُ فاعِلٍ وإنْ كانَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنهُ فاعِلٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ تَقِيٍّ وجُعِلَ فَعِيلٌ بِمَنزِلَةِ فاعِلٍ.
وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَحّاكُ وأبُو رَجاءٍ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ "تَقِيَّةً" - بِفَتْحِ التاءِ وشَدِّ الياءِ - عَلى وزْنِ فَعِيلَةٍ، وكَذَلِكَ رَوى المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، وأمالَ الكِسائِيُّ القافَ في "تُقاةً" في المَوْضِعَيْنِ، وأمالَ حَمْزَةُ في هَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يُمِلْ في قَوْلِهِ: ﴿ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ ، وفَتَحَ سائِرُ القُرّاءِ القافَ إلّا أنَّ نافِعًا كانَ يَقْرَؤُها بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ.
وذَهَبَ قَتادَةُ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ﴿ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ﴾ مِن جِهَةِ صِلَةِ الرَحِمِ أيْ: مَلامَةً، فَكَأنَّ الآيَةَ عِنْدَهُ مُبِيحَةٌ الإحْسانَ إلى القَرابَةِ مِنَ الكُفّارِ.
وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: إلّا أنْ تَخافُوا مِنهم خَوْفًا، وهَذا هو مَعْنى التَقِيَّةِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في التَقِيَّةِ مِمَّنْ تَكُونُ؟
وبِأيِّ شَيْءٍ تَكُونُ؟
وأيَّ شَيْءٍ تُبِيحُ؟
فَأمّا الَّذِي تَكُونُ مِنهُ التَقِيَّةُ؛ فَكُلُّ قادِرٍ غالِبٍ يُكْرِهُ بِجَوْرٍ مِنهُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الكُفّارُ إذا غَلَبُوا وجَوَرَةُ الرُؤَساءِ والسَلّابَةُ، وأهْلُ الجاهِ في الحَواضِرِ.
قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: وزَوْجُ المَرْأةِ قَدْ يُكْرِهُ.
وأمّا بِأيِّ شَيْءٍ تَكُونُ التَقِيَّةُ ويَتَرَتَّبُ حُكْمُها؟
فَذَلِكَ بِخَوْفِ القَتْلِ، وبِالخَوْفِ عَلى الجَوارِحِ، وبِالضَرْبِ بِالسَوْطِ، وبِسائِرِ التَعْذِيبِ، فَإذا فُعِلَ بِالإنْسانِ شَيْءٌ مِن هَذا أو خافَهُ خَوْفًا مُتَمَكِّنًا؛ فَهو مُكْرَهٌ ولَهُ حُكْمُ التَقِيَّةِ.
والسَجْنُ إكْراهٌ، والتَقْيِيدُ إكْراهٌ، والتَهْدِيدُ والوَعِيدُ إكْراهٌ، وعَداوَةُ أهْلِ الجاهِ الجَوَرَةِ تَقِيَّةٌ.
وهَذِهِ كُلُّها بِحَسَبِ حالِ المُكْرَهِ وبِحَسَبِ الشَيْءِ الَّذِي يُكْرَهُ عَلَيْهِ، فَكَمْ مِنَ الناسِ لَيْسَ السَجْنُ فِيهِمْ بِإكْراهٍ، وكَذَلِكَ الرَجُلُ العَظِيمُ يُكْرَهُ بِالسَجْنِ والضَرْبِ غَيْرِ المُتْلِفِ لِيَكْفُرَ، فَهَذا لا تُتَصَوَّرُ تَقِيَّتُهُ مِن جِهَةِ عِظَمِ الشَيْءِ الَّذِي طُلِبَ مِنهُ، ومَسائِلُ الإكْراهِ هي مِنَ النَوْعِ الَّذِي يَدْخُلُهُ فِقْهُ الحالِ.
وأمّا أيَّ شَيْءٍ تُبِيحُ؟
فاتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى إباحَتِها لِلْأقْوالِ بِاللِسانِ؛ مِنَ الكُفْرِ وما دُونَهُ، ومِن بَيْعٍ وهِبَةٍ وطَلاقٍ، وإطْلاقِ القَوْلِ بِهَذا كُلِّهِ، ومِن مُداراةٍ ومُصانَعَةٍ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما مِن كَلامٍ يَدْرَأُ عَنِّي سَوْطَيْنِ مِن ذِي سُلْطانٍ إلّا كُنْتُ مُتَكَلِّمًا بِهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في الأفْعالِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ مِنهُمُ الحَسَنُ ومَكْحُولٌ ومَسْرُوقٌ: يَفْعَلُ المُكْرَهُ كُلَّ ما حُمِلَ عَلَيْهِ مِمّا حَرَّمَ اللهُ فِعْلَهُ، ويُنْجِي نَفْسَهُ بِذَلِكَ.
وقالَ مَسْرُوقٌ: فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتّى ماتَ دَخَلَ النارَ.
وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم سَحْنُونُ: بَلْ إنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتّى ماتَ فَهو مَأْجُورٌ، وتَرْكُهُ ذَلِكَ المُباحَ أفْضَلُ مِنَ اسْتِعْمالِهِ.
ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ في رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: نَهِيتُ بْنُ الحارِثِ، أخَذَتْهُ الفُرْسُ أسِيرًا، فَعُرِضَ عَلَيْهِ شُرْبُ الخَمْرِ وأكْلُ الخِنْزِيرِ وهُدِّدَ بِالنارِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَذَفُوهُ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَقالَ: وما كانَ عَلى نَهِيتٍ أنْ يَأْكُلَ؟
وقالَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: التَقِيَّةُ إنَّما هي مُبِيحَةٌ لِلْأقْوالِ، فَأمّا الأفْعالُ فَلا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والرَبِيعِ والضَحّاكِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن سَحْنُونٍ، وقالَ الحَسَنُ في الرَجُلِ يُقالُ لَهُ: اسْجُدْ لِصَنَمٍ وإلّا قَتَلْناكَ، قالَ: إنْ كانَ الصَنَمُ مُقابِلَ القِبْلَةِ فَلْيَسْجُدْ ويَجْعَلْ نِيَّتَهُ لِلَّهِ، فَإنْ كانَ إلى غَيْرِ القِبْلَةِ فَلا وإنْ قَتَلُوهُ، قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما يَمْنَعُهُ أنْ يَجْعَلَ نِيَّتَهُ لِلَّهِ وإنْ كانَ لِغَيْرِ قِبْلَةٍ، وفي كِتابِ اللهِ: ﴿ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللهِ ﴾ .
وفي الشَرْعِ إباحَةُ التَنَفُّلِ لِلْمُسافِرِ إلى غَيْرِ القِبْلَةِ.
هَذِهِ قَواعِدُ مَسْألَةِ التَقِيَّةِ، وأمّا تَشَعُّبُ مَسائِلِها فَكَثِيرٌ لا يَقْتَضِي الإيجازُ جَمْعَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ ﴾ ...
إلى آخِرِ الآيَةِ، وعِيدٌ وتَنْبِيهٌ ووَعْظٌ وتَذْكِيرٌ بِالآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:" نَفْسَهُ" نائِبَةٌ عن إيّاهُ، وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ عَلى مَعْهُودِ ما يَفْهَمُهُ البَشَرُ، والنَفْسُ في مِثْلِ هَذا راجِعٌ إلى الذاتِ، وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ لِأنَّ التَحْذِيرَ إنَّما هو مِن عِقابٍ وتَنْكِيلٍ ونَحْوِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ عِقابَهُ..
<div class="verse-tafsir"
استئناف عُقب به الآي المتقدمة، المتضمّنة عداء المشركين للإسلام وأهله، وحسد اليهود لهم، وتولّيهم عنه: من قوله: ﴿ إن الذين كفروا لن تغني عنهم ﴾ [آل عمران: 116] إلى هنا.
فالمناسبة أنّ هذه كالنتيجة لما تقدمها: نَهى الله المؤمنين بعد ما بيّن لهم بغي المخالفين وإعراضهم أنْ يتخذوا الكفّار أولياءَ من دون المؤمنين؛ لأنّ اتّخاذهم أولياء بعد أنْ سَفَّه الآخرون دينهم وسَفَّهوا أحلامهم في اتِّباعه يعدّ ضعفاً في الدين وتصويباً للمعتدين.
وشاع في اصطلاح القرآن إطلاق وصف الكفر على الشرك، والكافرين والذين كفروا على المشركين، ولعلّ تعليق النهي عن الاتّخاذ بالكافرين بهذا المعنى هنا لأنّ المشركين هم الذين كان بينهم وبين المهاجرين صلات، وأنساب، ومودّات، ومخالطات مالية، فكانوا بمظنّة الموالاة مع بعضهم.
وقد علم كل سامع أنّ من يشابه المشركين في موقفه تجاه الإسلام يكون تولّي المؤمنين إياه كتولّيهم المشركين.
وقد يكون المراد بالكافرين جميع المخالفين في الدين: مثل المراد من قوله: ﴿ ومن يكفر بآيات اللَّه فإنّ اللَّه سريع الحساب ﴾ [آل عمران: 19]، فلذلك كله قيل: إن الآية نزلت في «حاطب بن أبي بلتعه» وكان كان من أفاضل المهاجرين وخلّص المؤمنين، إلا أنه تأول فكتب كتاباً إلى قريش يعلمهم بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة، وقيل: نزلت في أسماءَ ابنة أبي بكر لما استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بِرّ والدتها وصِلتِها، أي قبل أن تجيء أمّها إلى المدينة راغبة؛ فإنّه ثبت في «الصحيح» أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: صِلِي أمَّككِ.
وقيل: نزلت في فريق من الأنصار كانوا متولِّين لكعْب بن الأشرف، وأبي رافع ابن أبي الحُقَيق، وهما يهوديان بيثرب.
وقيل: نزلت في المنافقين وهم ممّن يتولى اليهود؛ إذ هم كفّار جهتهم، وقيل: نزلت في عبادة بن الصامت وكان له حلف مع اليهود، فلما كان يوم الأحزاب، قال عُبادة للنبيء صلى الله عليه وسلم إنّ معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يَخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو.
وقيل: نزلت في عمار بن ياسر لما أخذه المشركون فعذّبوه عذاباً شديداً، فقال ما أرادوه منه، فكَفُّوا عنه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: " كيف تجد قلبك " قال: «مطمئناً بالإيمان» فقال: فإنْ عَادُوا فعُد.
وقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ (من) لتأكيد الظرفية.
والمعنى: مباعدين المؤمنين أي في الولاية، وهو تقييد للنهي بحسب الظاهر، فيكون المنهي عنه اتخاذ الكافرين أولياءَ دون المؤمنين، أي ولاية المؤمن الكفّار التي تنافي ولايته المؤمنين، وذلك عندما يكون في تولّي الكافرين إضرار بالمؤمنين، وأصل القيود أن تكون للاحتراز، ويدل لذلك قوله بعده: «ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء» لأنّه نفيٌ لوصلة من يفعل ذلك بجانب الله تعالى في جميع الأحوال، والعرب تقول: «أنت منّي وأنا منك» في معنى شدة الاتّصال حتى كأنّ أحدهما جزء من الآخر، أو مبتدأ منه، ويقولون في الانفصال والقطيعة: لست منّي ولست منك؛ قال النابغة: فإنّي لستُ منك ولستَ منّي *** فقوله: ﴿ في شيء ﴾ تصريح بعموم النفي في جميع الأحوال لرفع احتمال تأويل نفي الاتّصال بأغلب الأحوال فالمعنى أنّ فاعل ذلك مقطوع عن الانتماء إلى الله، وهذا ينادي على أنّ المنهي عنه هنا ضرب من ضروب الكفر، وهو الحال التي كان عليها المنافقون، وكانوا يظنّون ترويجها على المؤمنين، ففضحهم الله تعالى، ولذلك قيل: إنّ هذه الآية نزلت في المنافقين، ومِمَّا يدل على ذلك أنّها نظير الآية الأخرى: ﴿ يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً إنّ المنافقين في الدّرَك الأسفل من النار ﴾ [النساء: 144، 145].
وقيل: لا مفهوم لقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ لأنّ آيات كثيرة دلت على النهي عن ولاية الكافرين مطلقاً: كقوله: ﴿ يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ﴾ [المائدة: 51] وقوله ﴿ يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتّخذوا دينكم هزؤاً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفّار أولياء ﴾ [المائدة: 57] وإلى هذا الوجه مالَ الفخر.
واسم الإشارة في قوله: ﴿ ذلك ﴾ بمعنى ذلك المذكور، وهو مضمون قوله: ﴿ أولياء من دون المؤمنين ﴾ .
والآية نهي عن موالاة الكافرين دون المؤمنين باعتبار القيد أو مطلقاً، والموالاة تكون بالظاهر والباطن وبالظاهر فقط، وتعتورها أحوال تتبعها أحكام، وقد استخلصتُ من ذلك ثمانية أحوال.
الحالة الأولى: أن يتّخذ المسلم جماعة الكفر، أو طائفته، أولياء له في باطن أمره، ميلاً إلى كفرهم، ونواء لأهل الإسلام، وهذه الحالة كفر، وهي حال المنافقين، وفي حديث عتبان بن مالك: أنّ قائلاً قال في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم " أين مالك بن الدُّخْشُن "، فقال آخر: «ذلك منافق لا يحبّ الله ورسوله» فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تقل ذلك أما سمعتَه يقول لا إله إلاّ الله يبْتغي بذلك وجه الله " فقال القائل: «الله ورسوله أعلم فإنّا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين».
فجعل هذا الرجل الانحياز إلى المنافقين علامة على النفاق لولا شهادة الرسول لمالك بالإيمان أي في قلبه مع إظهاره بشهادة لا إله إلاّ الله.
الحالة الثانية: الركون إلى طوائف الكفر ومظاهرتهم لأجل قرابة ومحبة دون الميل إلى دينهم، في وقت يكون فيه الكفّار متجاهرين بعداوة المسلمين، والاستهزاء بهم، وإذاهم كما كان معظم أحوال الكفّار، عند ظهور الإسلام مع عدم الانقطاع عن مودة المسلمين، وهذه حالة لا توجب كفر صاحبها، إلاّ أنّ ارتكبها إثم عظيم، لأنّ صاحبها يوشك أن يواليهم على مضرة الإسلام، على أنّه من الواجب إظهار الحميّة للإسلام، والغيرة عليه، كما قل العتابي: تودّ عدوّي ثم تزعم أنّني *** صديقك إنّ الرأي عنك لَعَازب وفي مثلها نزل قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتّخذوا دينكم هزؤاً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفّار أولياء ﴾ [المائدة: 9] قال ابن عطية: كانت كفّار قريش من المستهزئين» وفي مثل ذلك ورد قوله تعالى: ﴿ إنّما ينهاكم اللَّهعن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم ﴾ [الممتحنة: 9] الآية وقوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ﴾ [آل عمران: 118] الآية نزلت في قوم كان، بينهم وبين اليهود، جوار وحلف في الجاهلية، فداوموا عليه في الإسلام فكانوا يأنسون بهم ويستنيمون إليهم، ومنهم أصحاب كعب بن الأشرف، وأبي رافع ابن أبي الحُقَيْق، وكانا يؤذيان رسول الله صلى الله عليه وسلم الحالة الثالثة: كذلك، بدون أن يكون طوائف الكفّار متجاهرين ببغض المسلمين ولا بأذاهم، كما كان نصارى العرب عند ظهور الإسلام قال تعالى: ﴿ ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا، الذين قالوا إنّا نصارى ﴾ [المائدة: 82] وكذلك كان حال الحبشة فإنّهم حموا المؤمنين، وآووهم، قال الفخر: وهذه واسطة، وهي لا توجب الكفر، إلاّ أنّه منهيّ عنه، إذ قد يجرّ إلى استحسان ما هم عليه وانطلاء مكائدهم على المسلمين.
الحالة الرابعة: موالاة طائفة من الكفّار لأجل الإضرار بطائفة معيّنة من المسلمين مثل الانتصار بالكفّار على جماعة من المسلمين، وهذه الحالة أحكامها متفاوتة، فقد قال مالك، في الجاسوس يتجسس للكفّار على المسلمين: إنّه يُوكل إلى اجتهاد الإمام، وهو الصواب لأنّ التجسس يختلف المقصد منه إذ قد يفعله المسلم غروراً، ويفعله طمعاً، وقد يكون على سبيل الفلتة، وقد يكون له دأباً وعادة، وقال ابن القاسم: ذلك زندقة لا توبة فيه، أي لا يستتاب ويقتل كالزنديق، وهو الذي يُظهر الإسلام ويسر الكفار، إذَا اطُّلع عليه، وقال ابن وهب رِدّة ويستتاب، وهما قولان ضعيفان من جهة النظر.
وقد استعان المعتمد ابن عباد صاحب أشبيلية بالجلالقة على المرابطين اللمْتونيين، فيقال: إنّ فقهاء الأندلس أفتوا أميرَ المسلمين علياً بنَ يوسف بننِ تاشفين، بكفر ابن عبّاد، فكانت سبب اعتقاله ولم يقتله ولم ينقل أنّه استتابه.
الحالة الخامسة: أن يتّخذ المؤمنون طائفة من الكفّار أولياء لنصر المسلمين على أعدائهم، في حين إظهار أولئك الكفار محبة المسلمين وعَرْضِهم النصرة لهم، وهذه قد اختلف العلماء في حكمها: ففي المدوّنة قال ابن القاسم: لا يستعان بالمشركين في القتال لقوله عليه السلام لكافرٍ تبعه يوم خروجه إلى بدر: " ارجع فلن أستعين بمشرك " وروى أبو الفرج، وعبد الملك بن حبيب: أنّ مالكاً قال: لا بأس بالاستعانة بهم عند الحاجة، قال ابن عبد البر: وحديث «لَن أستعين بمشرك» مختلف في سنده، وقال جماعة: هو منسوخ، قال عياض: حملُه بعض علمائنا على أنّه كان في وقت خاص واحتجّ هؤلاء بغزو صفوان بن أمية مع النبي صلى الله عليه وسلم في حنين، وفي غزوة الطائف، وهو يومئذ غير مسلم، واحتجوا أيضاً بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أنّ أبا سفيان يجمع الجموع ليوم أحد قال لبني النضير من اليهود: «إنَّا وأنتم أهل كتاب وإنّ لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر فإمّا قاتلتم معنا وإلاّ أعرتمونا السلاح» وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، والشافعي، والليث، والأوزاعي، ومن أصحابنا من قال: لا نطلب منهم المعونة، وإذا استأذنونا لا نأذن لهم: لأنّ الإذن كالطلب، ولكن إذا أخرجوا معنا من تلقاء أنفسهم لم نمنعهم، ورام بهذا الوجه التوفيق بين قول ابن القاسم ورواية أبي الفرج، قاله ابن رشد في البيان من كتاب الجهاد، ونقل ابن رشد عن الطحاوي عن أبي حنيفة: أنّه أجاز الاستعانة بأهل الكتاب دون المشركين، قال ابن رشد: وهذا لا وجه له، وعن أصبغ المنع مطلقاً بلا تأويل.
الحالة السادسة: أن يتّخذ واحد من المسلمين واحداً من الكافرين بعينه وَليّاً له، في حسن المعاشرة أو لقرابة، لكمال فيه أو نحو ذلك، من غير أن يكون في ذلك إضرار بالمسلمين، وذلك غير ممنوع، فقد قال تعالى في الأبوين: ﴿ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً ﴾ [لقمان: 15] واستأذنتْ أسماءُ النبي صلى الله عليه وسلم في برّ والدتها وصِلتها، وهي كافرة، فقال لها: «صِلِي أمّك» وفي هذا المعنى نزل قوله تعالى: ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ﴾ [الممتجنة: 8] قيل نزلت في والدة أسماءَ، وقيل في طوائف من مشركي مكة: وهم كنانة، وخزاعة، ومزينة، وبنو الحرث ابن كعب، كانوا يودّون انتصار المسلمين على أهل مكة.
وعن مالك تجوز تعزية الكافر بمن يموت له.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرتاح للأخنس بن شريق الثقفي، لما يبديه من محبة النبي، والتردّد عليه، وقد نفعهم يوم الطائف إذ صرف بني زهرة، وكانوا ثلاثمائة فارس، عن قتال المسلمين، وخنس بهم كما تقدم في قوله تعالى: الحالة السابعة: حالة المعاملات الدنيوية: كالتجارات، والعهود، والمصالحات، أحكامها مختلفة باختلاف الأحوال وتفاصيلها في الفقه.
الحالة الثامنة: حالة إظهار الموالاة لهم لاتّقاء الضر وهذه هي المشار إليها بقوله تعالى: إلا أن تتقوا منهم تقاة}.
والاستثناء في ﴿ إلاّ أن تتّقوا ﴾ منقطع ناشئ عن جملة ﴿ فليس من الله في شيء ﴾ لأنّ الاتّقاء ليس ممّا تضمنه اسم الإشارة، ولكنّه أشبَه الولاية في المعاملة.
والاتّقاء: تجنّب المكروه، وتعديته بحرف (مِن) إمّا لأنّ الاتّقاء تستّر فعديّ بمن كما يعدّى فعل تستّر، وإمّا لتضمينه معنى تخافوا.
و ﴿ تُقاةً ﴾ قرأه الجمهور: بضم المثنّاة الفوقية وفتح القاف بعدها ألف، وهو اسم مصدر الاتّقاء، وأصله وُقَيَة فحذفت الواو التي هي فاء الكلمة تبعاً لفعل اتّقى إذ قلبت واوه تاء ليتأتّى إدغامها في تاء الافتعال، ثم أتبعوا ذلك باسم مصدره كالتُّجاة والتكْلة والتوءَدَة والتخْمة إذ لا وجه لإبدال الفاء تاء في مثل تقاة إلاّ هذا.
وشذّ تُراث.
يدل لهذا المقصد قول الجوهري: «وقولهم تُجاهك بني على قولهم اتّجه لهم رأي».
وفي «اللسان» في تخمة، «لأنّهم توهّموا التاء أصلية لكثرة الاستعمال».
ويدل لذلك أيضاً قرن هذه الأسماء مع أفعالها في نحو هذه الآية، ونحو قوله: ﴿ يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ﴾ [آل عمران: 102] وقرأه يعقوب بفتح الفوقية وكسر القاف وفتح التحتية مشدّدة بوزن فَعِيلة.
وفائدة التأكيد بالمفعول المطلق هنا: الإشارة إلى تحقّق كون الحالة حالة تَقِية، وهذه التقية مثل الحال التي كان عليها المستضعفون من المؤمنين الذين لم يَجدوا سبيلاً للهجرة، قال تعالى: ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ [النحل: 106] ومثل الحالة التي لقيها مسلمو الأندلس حين أكرههم النصارى على الكفر فتظاهروا به إلى أن تمكّنت طوائف منهم من الفرار، وطوائف من استئذان الكفّار في الهجرة إلى بلاد الإسلام فأذن لهم العدوّ، وكذلك يجب أن تكون التُّقاة غير دائمة لأنّها إذا طالت دخل الكفر في الذراري.
وقوله: ﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ تحذير من المخالفة ومن التساهل في دعوى التقية واستمرارها أو طول زمانها.
وانتصاب ﴿ نفسَه ﴾ على نزع الخافض وأصله ويحذّركم الله من نفسه، وهذا النزع هو أصل انتصاب الاسمين في باب التحذير في قولهم إياك الأسدَ، وأصله أحَذِّرك من الأسد.
وقد جعل التّحذير هنا من نفس الله أي ذاته ليكون أعمّ في الأحوال، لأنّه لو قيل يحذركم الله غضبه لتوهّم أنّ لله رضا لا يضرّ معه، تعمّد مخالفة أوامره، والعربُ إذا أرادت تعميم أحوال الذات علّقت الحكم بالذات: كقولهم لولا فلان لهلك فلان، وقوله تعالى: ﴿ ولولا رجال مؤمنون إلى قوله لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً ﴾ [الفتح: 25] ومن هذا القبيل تعليق شرط لولا على الوجود المطلق الذي سوغ حذف الخبر بعد لولا.
وسيجيء الكلام على صحة إطلاق النفس مضافاً إلى الله تعالى في سورة العقود عند قوله تعالى: ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ [المائدة: 116].
وهذا إعذار وموعظة وتهديد بالعقاب على مخالفة ما نهاهم الله عنه.
و ﴿ المصير ﴾ : هو الرجوع، وأريد به البعث بعد الموت وقد عَلِم مثبتو البعث لا يكون إلاّ إلى الله، فالتقديم في قوله: ﴿ وإلى الله ﴾ لمجرد الاهتمام، وهذا تعريض بالوعيد أكد به صريح التهديد الذي قبله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ ﴾ في آلِ عِمْرانَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى وهارُونُ ابْنا عِمْرانَ.
والثّانِي: أنَّهُ المَسِيحُ، لِأنَّ مَرْيَمَ بِنْتُ عِمْرانَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
وَفِيما اصْطَفاهم بِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اصْطَفاهم بِاخْتِيارِ دِينِهِمْ لَهم، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
والثّانِي: أنَّهُ اصْطَفاهم بِتَفْضِيلِهِمْ في الأُمُورِ الَّتِي مَيَّزَهم بِها عَلى أهْلِ زَمانِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اصْطَفاهم بِاخْتِيارِهِمْ لِلنُّبُوَّةِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم صارُوا ذُرِّيَّةً بِالتَّناصُرِ لا بِالنَّسَبِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ ﴾ يَعْنِي في الِاجْتِماعِ عَلى الضَّلالِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهم في التَّناسُلِ والنَّسَبِ، إذْ جَمِيعُهم مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، ثُمَّ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، ثُمَّ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان الحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد، قد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر، وعبدالله بن جبير، وسعد بن خيثمة، لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء النفر من يهود واحذروا مباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم.
فأبى أولئك النفر، فأنزل الله فيهم ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين ﴾ إلى قوله: ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ .
وأخرج ابن جرير وأبي المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار ويتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين أولياء، فيظهرون لهم اللطف، ويخالفونهم في الدين.
وذلك قوله: ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ﴾ فقد برئ الله منه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ فالتقية باللسان من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله فيتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإِيمان، فإن ذلك لا يضره إنما التقية باللسان.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طريق عطاء عن ابن عباس ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ قال: ﴿ التقاة ﴾ التكلم باللسان والقلب مطمئن بالإِيمان، ولا يبسط يده فيقتل ولا إلى إثم فإنه لا عذر له.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ قال: إلا مصانعة في الدنيا ومخالقة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال: ﴿ التقية ﴾ باللسان وليس بالعمل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ قال: إلا أن يكون بينك وبينه قرابة فتصله لذلك.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: ﴿ التقية ﴾ جائزة إلى يوم القيامة.
وأخرج عبد عن أبي رجاء أنه كان يقرأ ﴿ إلا تتقوا منهم تقية ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه كان يقرؤها ﴿ إلا أن تتقوا منه تقية ﴾ بالياء.
وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ بالألف ورفع التاء.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) (٣) وقال المُقاتِلان (٤) (٥) قال الفرَّاء (٦) ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ : نهيٌ؛ فجُزم على ذلك.
ولو رُفِع على الخبر كقراءة من قرأ: ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ﴾ (٧) قال الزجَّاج (٨) ومعنى (الأولياء) ههنا: الأنصار، والأعوان، أو (٩) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
(مِنْ) ههنا معناه: ابتداء الغاية، على تقدير (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) والمعنى (١٥) ﴿ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، وتحقيق له.
والتأويل: أولياء من غير المؤمنين وسواهم؛ كقوله تعالى ﴿ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي: غير الله.
وقد مرَّ.
وقد ثبت بهذه الآية تحريمُ موالاة الكافرين: والله تعالى قد قطع بيننا وبينهم أصلَ الموالاة.
قال ابن عباس في هذه الآية (١٦) ﴿ لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ﴾ (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ أي: اتِّخاذ الأولياء منهم (١٨) ﴿ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾ .
أي: من دين الله، فحذف الدينَ اكتفاءً بالمضاف إليه، والمعنى: أنه قد برئ من الله، وفارق دينه، ثمَّ استثنى، فقال: ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ .
ذكرنا معنى الاتقاء وحقيقته في قوله: ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .
و (التُّقاة) ههنا مصدر، ووزنها: فُعَلَة، مثل: (تُخَمَة)، و (تُؤَدَة)، و (تُكَأَة)، و (تُهمَة).
والتَّاء في كل هذا مبدلة من الواو (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) وإنما قال: (تتَّقوا)؛ من: الاتِّقاء، ثم قال: (تُقاةً)، ولم يقل: اتِّقاءً: لأن العرب قد تَذْكُر المصدرَ من غير لفظ الفعل، إذا كان ما ذُكِر من المصدر يوافق (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقال أيضًا: ولاح بجانب (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقال بعض النحويين (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) فأجراه مجْرَى الإعطاء (٣٣) قال: ويجوز أن تجعل (تُقاة) ههنا مثل: (رُماة)، فتكون حالاً مؤكدة (٣٤) قال المفسرون (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) قال ابن عباس في هذه الآية (٣٩) (٤٠) (٤١) وظاهر الآية يدل على أن التقيَّة إنما تَحلُّ مع الكفار الغالبين، غير أن مذهب الشافعي رحمه الله: [أنَّ الحالةَ بين] (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) [وأمال] (٤٦) ﴿ تُقَاةً ﴾ ههنا (٤٧) (٤٨) وحُجَّة (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ .
أي: يخوفكم الله على موالاة الكفار عذابَ نَفْسِهِ، وعقوبَتَه، فحذف المضاف، وهو قول ابن عباس (٥٤) (٥٥) قال الزجَّاج (٥٦) ﴿ نَفْسَهُ ﴾ : إيَّاه، كأنه قال: ويحذركم الله إيَّاه.
وقال بعضهم (٥٧) (٥٨) (٥٩) (١) قوله، في "تفسير الطبري" 3/ 228، "تفسير الثعلبي" 3/ 34 أ، "أسباب النزول" للواحدي ص104، "تفسير البغوي" 2/ 25، "زاد المسير" 1/ 371، "لباب النقول" للسيوطي 52.
(٢) (كانوا): ساقطة من (ج).
(٣) في (أ)، (ب)، (ج): (يتوالونهم)، والمثبت من (د).
وتفسير (الوسيط) للمؤلف (تح: بالطيور): 187.
(٤) في (أ)، (ب)، (د): (مقاتلان).
والمثبت من (ج) وهو الصواب؛ لموافقة لما في "تفسير الثعلبي" 3/ 34 أ، والمقاتلان؛ هما: مقاتل بن سليمان، ومقاتل بن حيان، وقد أخرج لهما الثعلبي في "تفسيره" وجعلهما من مصادره.
انظر: "تفسيره" 1/ 7 ب، وقول مقاتل بن سليمان في تفسيره 1/ 270.
ويبدو أن الواحدي نقل القول عنهما من "تفيسر الثعلبي" 34 أ، وقد أورد البغوي في "تفسيره" 2/ 25 قولَ مقاتل، ولم يُعَيِّن مَنْ منهما.
ونَصَّ على وروده عنهما ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 371، وقال: (هذا قول المقَاتِلَيْن: ابنِ سُليمان، وابن حَيان).
(٥) هو: حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو اللَّخمي، صحابي، أصله من اليمن، وكان حليفًا للزبير، شهد بدرًا، وهو الذي كاتب أهل مكة يخبرهم بتجهز رسول الله لغزوهم، مُريدًا بذلك أن يتخذ عند الكفار يدا يحمي بها أهله الذين في مكة، حيث لا عشيرة له بها تحميهم، وقد قبل النبي عذره.
وقد أنزل الله فيه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ﴾ ، توفي سنة (30هـ).
انظر: "صحيح البخاري" 8/ 633.
كتاب التفسير.
سورة الممتحنة، "الاستيعاب" 1/ 374، "الإصابة" 1/ 300.
(٦) في "معاني القرآن" له 1/ 205 نقله عنه بالمعنى.
(٧) وهي قراءة: ابن كثير، وأبي عمرو، وقرأ الباقون: ﴿ تُضَارَّ ﴾ ، بفتح الرَّاء المشددة.
انظر: "الحجة" لابن زنجلة: 136، "اتحاف فضلاء البشر" 1/ 440.
والقراءة بجزم ﴿ لاَ يَتَّخِذِ ﴾ ، قراءة الجمهور، وقرأ المفضل الضبِّي برفع الذال، وأجاز الكسائي الرفعَ على الخبر، والمراد به النهي.
انظر: "إعراب القرآن" للنحاس: 1/ 320، "التبيان" للعكبري: 1/ 183، "البحر المحيط" 1/ 422.
(٨) في "معاني القرآن" له 1/ 395، نقله عنه نصًّا.
(٩) (أو): ساقطة من (ج).
وفي (د)، (و).
(١٠) (تقدير): ساقطة من (ب).
(١١) والتقدير بعبارة أوضح: لا تجعلوا ابتداء الولاية من مكان دون مكان المؤمنين.
وكون (مِن) لابتداء الغاية، هو الوجه الأظهر، والوجه الآخر: أن (مِن) في موضع نصب، صفة للأولياء.
وقال سليمان الجمل: (إنها في محل الحال من الفاعل).
انظر: "التبيان" للعكبري 1/ 183، "البحر المحيط" 2/ 423، "الدر المصون" 3/ 107، "الفتوحات الإلهية" للجمل 1/ 258.
(١٢) من قوله: (وهذا ..) إلى (..
مكان المؤمنين): نقله عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 396 مع اختلافٍ يسير جدًّا بين النصين.
(١٣) (مستفل): وردت في "معاني القرآن" مستقل، وما أورده المؤلف هنا هو الصواب؛ لمناسبتها لسياق الكلام.
و (التَّسفُّلُ)، نقيض التَّعلِّي، انظر: "التاج" 14/ 347 (سفل).
(١٤) كالاستفال: وردت في "معاني القرآن" (كالاستقبال)؛ ولا وجه لها، والصواب ما أثبته المؤلفُ.
(١٥) في (ج): (فالمعنى)، وفي (د): (والمكانى).
(١٦) قوله، في "تفسير الطبري" 3/ 227، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 628، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 28ونسب إخراجه كذلك لابن المنذر.
ونهاية قول ابن عباس إلى (..
الكفار)، أما الآيات القرآنية، فهي من إلحاق المؤلف الواحدي تفسيرًا لقول ابن عباس.
(١٧) وقال ابن عطية: (ولفظ الآية عام في جميع الأعصار)، وقال أبو حيان: (وظاهر الآية تقتضي النهي عن موالاتهم إلا ما فُسح لنا فيه من اتِّخاذهم عبيدًا، والاستعانة بهم استعانة العزيز بالذليل، والأرفع بالأوضع، والنكاح فيهم).
"المحرر الوجيز" 3/ 71.
وذكر سلميان الجمل أن ترك موالاة المؤمنين يصدق بصورتين: إما أن تقصر الموالاة على الكافرين، أو أن يُشرك بينهم وبين المؤمنين في الموالة، وكلا الصورتين داخلتان في منطوق النهي، فموالاة الكافرين ممنوعة، استقلالًا أو اشتراكًا مع المؤمنين.
انظر: "الفتوحات الإلهية" 1/ 258.
وانظر: "البحر المحيط" 2/ 422.
(١٨) (اتخاذ الأولياء منهم): ساقط من (د).
(١٩) انظر: "تفسير البسيط" (تح: د.
الفوزان): 2/ 48، "كتاب سيبويه" 4/ 333، "سر صناعة الإعراب" 1/ 145 - 148، "شرح الشافية" 3/ 80 - 83، "الممتع في التصريف" 1/ 383.
ومعنى (تُخمَة): ما يصيب الإنسان من الطعام، إذا استثقله ولم يستمرئه.
وهي مأخوذة من: (الوَخامة).
و (تُؤَدَة) بالتسكين والفتح: التأني والتمهل، واصلها: (وُأدَةٌ).
و (تُكَأة): ما يُتَّكأ عليه، و (رجل تُكَأة): كثير الإتِّكاء، وأصلها: (وُكَأة).
و (تُهَمَة): الظنُّ، أصلها: (الوُهَمَة)، من: الوهم، وهو: الظَّن.
"اللسان" 8/ 4791 (وخم)، 8/ 4745 (وأد)، 8/ 4904 (وكأ)، 8/ 4933 (وهم).
(٢٠) من قوله: (ويقال ..) إلى نهاية بيت الشعر (..
احتقارًا): نقله بتصرف عن "تفسير الثعلبي" 3/ 34 ب.
(٢١) في (ج): (قلبت).
(٢٢) انظر: "إصلاح المنطق" 24، ومادة (وقى)، في "تهذيب اللغة" 4/ 3941، "الصحاح" 6/ 2527، "اللسان" 8/ 4901.
(٢٣) في (ج): (موافق).
(٢٤) هو: عمير بن شُيَيْم التَّغْلبي، تقدمت ترجمته.
(٢٥) عجز بيت، وصدره: وخير الأمر ما استقبلت منه وهو في: "ديوانه" 35، "كتاب سيبويه" 4/ 82، "أدب الكاتب" 630، "الشعر والشعراء" 2/ 728، "المقتضب" 3/ 205، "الأصول في النحو" 3/ 134، "شرح المفضليات" لابن الأنباري 352، "الخصائص" 2/ 309، "الاقتضاب" 477، "شرح أدب الكاتب" 305، "أمالي ابن الشجري" 2/ 141، "وضح البرهان" 1/ 239، "شرح المفصل" 1/ 111، "خزانة الأدب" 2/ 369.
ومعنى البيت: أن خير الأمور ما تدبرته في أوله فعرفت إلام تنتهي عاقبته، وشر الأمور ما تُرك النظرُ في أوله، وتُتُبِّعت أواخرُه بالنظر.
والشاهد فيه: أنه أتى بـ"اتِّباعًا" مصدرًا لـ"تتبع"، لأن معناهما واحد.
(٢٦) (د): (من جانب).
(٢٧) (د): (الثوب).
(٢٨) لم أقف عليه في ديوان القطامي، وأورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 34 ب، ونسبه للقطامي، وبين أنه يصف غَيْثًا، وأورده أبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 424.
(٢٩) لم أهتد إلى القائل، وقد ذكره أبو حيان في "البحر" 2/ 424، والحلبي في "الدر" 3/ 111 عند بيان نصب ﴿ تقاه ﴾ على الحال كما سيأتي.
(٣٠) أي على تقدير: إلا أن تتقوا منهم اتقاءً، فيكون مفعولًا مطلقًا.
(٣١) "جَلْسَة": اسم للمرَّة، و"جِلْسَة": اسم للهيئة، وهكذا "رِكْبة" و"رَكْبَة".
يقول ابن مالك - في صياغة اسم المرَّة والهيئة من الثلاثي: و"فَعْلَةٌ" لمرَّةٍ كجَلْسَهْ ...
و"فِعْلَةٌ" لهيئة كجِلْسَهْ (٣٢) عجز بيت، وصدره: أكُفْرًا بعد ردِّ الموتِ عني وهو للقطامي، في "ديوانه" 37، كما ورد في "الشعر والشعراء" 2/ 727، و"الخصائص" 2/ 221، و"الأصول في النحو" 1/ 149، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 396، و"اللسان" 8/ 163 (سمع)، 9/ 141 (زهف)، 15/ 69 (عطا)، 138 (غنا)، و"شرح شذور الذهب" 412، و"المقاصد النحوية" 3/ 505، 4/ 295، "منهج السالك" 2/ 288، و"شرح شواهد المغني" 2/ 849، و"الهمع" 3/ 103، "معاهد التنصيص" 1/ 179، و"التصريح" 2/ 64، "الخزانة" 8/ 136، 137، "الدرر" 1/ 161.
والشاعر يمدح في البيت زُفَر بن الحارث الكِلاَبي، بعد أن مَنَّ عليه بإطلاق أساره من قبيلة قيس، التي كانت تنوي قتله، وأعطاه مائة من الإبل.
وقوله: (أكفرًا) استفهام إنكاري؛ أي: لا أخونك بعد أن أنقذتني من الموت، وأعطيتني مائة من الإبل (الرِّتاع)؛ أي: الراعية.
والشاهد فيه: إعمال اسم المصدر: وهو (عطاء) عملَ المصدر، وهو (إعطاء)، ولذا نصب به المفعول، وهو (المائة).
(٣٣) اسم المصدر المأخوذ من حدث لغيره، كـ (الثواب، والكلام، والعطاء)، منع البصريون إعمالَه، إلَّا في الضرورة، وأجاز إعمالَه الكوفيُّون والبغداديُّون قياسًا؛ إلحاقًا له بالمصدر.
واستثنى الكسائي إمام الكوفيين ثلاثةَ ألفاظ، هي: (الخبز) و (الدهن) و (القوت)، فإنها لا تعمل، فلا يقال: (عجبت من خبزكَ الخبزَ)، ولا (من دهنكَ رأسكَ)، ولا (من قوتِكَ عيالَكَ)، وأجاز ذلك الفرَّاءُ، لما حكاه عن العرب مثل: (أعجبني دهنَ زيدٍ لحيَتَه).
انظر: "همع الهوامع" 2/ 94 - 95.
(٣٤) أي: إنَّ (تقاة) هنا جمعٌ، حالها حال (رُماة) التي مفردها: (رامٍ)، وإن لم يأت من (تقاة) لفظ (فاعل)؛ لأن (فُعَلَة) تأتي جمعًا لفاعل الوصف المعتل اللَّام.
انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3940 (وقى)، "البحر المحيط" 2/ 424، "الدر المصون" 3/ 111، "التبيان" للعكبري: (184).
(٣٥) من قوله: (قال المفسرون ..) إلى (..
عورة المسلمين): نقله بتصرف عن "تفسير الثعلبي" 3/ 35 أ.
(٣٦) في (د): (يحالفهم)، وفي "تفسير الثعلبي" (يتحالفهم)، وقد أثبَتُّ (يخالفهم)؛ لورودها في النسخ الثلاث، ولأنها تحتمل المخالفة القلبية، وإلا فإني أرجِّح أن تكون (يخالقهم)، بمعنى: يصانعهم، ويعاشرهم على أخلاقهم، وهكذا وردت عن مجاهد في تفسير الآية، حيث قال: (إلَّا مصانعة في الدنيا، ومُخالقة).
انظر: "تفسير الطبري" 3/ 229، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 629.
(٣٧) (دفعا عن نفسه): ساقط من: (ب).
(٣٨) في (د): (عورات).
(٣٩) الوارد عن ابن عباس في المصادر التي بين يدي ما يفيد هذا المعنى، وليس بهذا اللفظ.
انظر: "تفسير الطبري" 3/ 228، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 229، "المستدرك" للحاكم 2/ 291، "الدر المنثور" 2/ 29.
(٤٠) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وهو مثبت من: (ب)، (ج)، (د).
(٤١) قال ابن العربي: (لا خلاف في ذلك) "أحكام القرآن" 3/ 1179، وانظر: "أحكام القرآن" للجصاص: 1/ 9، 3/ 192، "تفسير القرطبي" 10/ 188.
(٤٢) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وهو بياض في (ب)، والمثبت من (ج)، (د).
(٤٣) (المسلمين): مكانها بياض في: (ب).
(٤٤) (شاكلت): أي: شابهت، ووافقت.
انظر: "القاموس" (1019) (شكل).
(٤٥) انظر: "أحكام القرآن" للكيا الهراسي: 2/ 285، 4/ 246، "الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية" للسيوطي: 206، "حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب" 2/ 390.
(٤٦) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ).
وفي (ب)، (ج)، وأما المثبت من (د).
(٤٧) انظر: "الحجة" للفارسي: 3/ 27، وقال: (وأمال حمزة منهم (تقاة) إشمامًا من غير مبالغة)، "حجة القراءات" لابن زنجلة: 159.
(٤٨) الحروف المستعلية، هي: الخاء، والطاء، والظاء، والصاد، والضاد، والغين، والقاف.
انظر: "الرعاية" لمكي 123، "التمهيد" لابن الجزري 90.
(٤٩) من قوله: (وحجة ..) إلى (..
أميلت التي في تقاة): نقله عن "الحجة" للفارسي: 3/ 30 - 31 بتصرف واختصار.
(٥٠) انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 132، و 4/ 134.
(٥١) هكذا جاءت في جميع النسخ.
والذي في "الحجة" للفارسي، "كتاب سيبويه" (عِرْقا) بالعين المكسورة، من: العِرقاة، وهي: أصل الشيء، وما يقوم عليه.
وهي في الشَّجَر: أرُومُه الأوسط الذي تتشعب منه العروق.
انظر: "اللسان" 5/ 2903 (عرق).
أما (غَرقى)، فهي جمع: غريق.
ويلاحظ أن سيبويه قد ذكر أن العلة في إمالة (عِرقا) هي وجود الكسرة في أولها، وليس ذاك في (غرقى).
انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 134، "الدر المصون" 3/ 112 - 113.
(٥٢) (سقى)، (وصغى): ساقطتان من (د).
(٥٣) (أميلت): ساقطة من (ج).
(٥٤) لم أهتد إلى مصدر قوله، اللهم إلا ما ورد في "المحرر الوجيز" 3/ 77 من قوله هو والحسَنَ: (ويحذركم الله عقابه)، وانظر: "البحر المحيط" 2/ 425.
(٥٥) انظر (نفس) في "تهذيب اللغة" 4/ 3629.
(٥٦) في "معاني القرآن" له 1/ 397، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 384، "المحرر الوجيز" 3/ 76، "القاموس المحيط" (577).
(٥٧) لم أهتد إلى هذا القائل.
(٥٨) ما بين المعقوفين في (أ): غير واضح، وفي (ب): (أن)، والمثبت من (ج)، (د).
(٥٩) والآية من الأدلة على أن لله تعالى نفسًا، وهي صفة من صفاته العلية، تليق بكماله وجلاله سبحانه.
انظر: "قطف الثمر في عقيدة أهل الأثر" لصديق خان: 65.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون ﴾ الآية.
عامة في جميع الأعصار، وسببها ميل بعض الأنصار إلى بعض اليهود، وقيل: كتاب حاطب إلى مشركي قريش ﴿ فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ ﴾ تبرؤ ممن فعل ذلك.
ووعيد على موالاة الكفار، وفي الكلام حذف تقديره: ليس من التقرب إلى الله ﴿ فِي شَيْءٍ ﴾ ، وموضع في شيء نصب على الحال من الضمير في ليس من الله، قاله ابن عطية ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ ﴾ إباحة لموالاتهم إن خافوا منهم، والمراد موالاة في الظاهر مع البغضاء في الباطن ﴿ تقاة ﴾ وزنه فعلة بضم الفاء وفتح العين.
وفاؤه واو، وأبدل منها تاء، ولامه ياء أبدل منها ألف، وهو منصوب على المصدرية، ويجوز أن ينصب على الحال من الضمير في تتقوا ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ ﴾ تخويف ﴿ يَوْمَ تَجِدُ ﴾ منصوب على الظرفية، والعامل فيه فعل مضمر تقديره: اذكروا أو خافوا وقيل: العامل فيه قدير، وقيل: المصير، وقيل: يحذركم ﴿ وَمَا عَمِلَتْ مِن سواء ﴾ مبتدأ خبره تودّ، أو معطوف ﴿ أَمَدَاً ﴾ أي مسافة ﴿ والله رَؤُوفٌ ﴾ ذُكر بعد التحذير تأنيساً لئلا يفرط في الخوف، أو لأن التحذير والتنبيه رأفة ﴿ فاتبعوني ﴾ جعل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم علامة على محبة العبد لله تعالى وشرط في محبة الله للعبد ومغفرته له، وقيل إنّ الآية خطاب لنصارى نجران ومعناها على العموم في جميع الناس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الحي من الميت والميت من الحي ﴾ بالتشديد على "فيعل" حيث كان: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون بالتخفيف على "فيل".
﴿ منهم تقية ﴾ بكسر القاف وفتح الياء وتشديدها: أبو زيد عن المفضل وسهل ويعقوب.
الباقون ﴿ تقاة ﴾ بضم التاء.
وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة.
الوقوف: ﴿ ممن تشاء ﴾ ط لتناهي الجملتين المتضايفتين معنى إلى جملتين مثلهما ﴿ ونذل من تشاء ﴾ ط ﴿ الخير ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه، ﴿ في الليل ﴾ ز للفصل بين الجملتين المتضادتين ﴿ من الحي ﴾ ز لعطف المتفقتين ﴿ حساب ﴾ ه، ﴿ المؤمنين ﴾ ج ﴿ تقاة ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه، ﴿ يعلمه الله ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه، ﴿ محضرا ﴾ ج والأجوز أن يوقف على ﴿ سوء ﴾ تقديره وما عملت من سوء كذلك.
﴿ بعيداً ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ ذنوبكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والرسول ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.
﴿ الكافرين ﴾ ه، ﴿ العالمين ﴾ (لا) لأن ﴿ ذرّية ﴾ بدل.
﴿ من بعض ﴾ ج ﴿ عليم ﴾ (لا) لاحتمال أن "إذ" متعلق بالوصفين أي سمع دعاءها وعلم رجاءها حين قالت، أو اصطفى آل عمران وقت قولها ولاحتمال نصب "إذ" بإضمار "اذكر".
/التفسير: إنه لما ذكر من طريقة المعاندين ما ذكر، علم نبيه طريقة مباينة لطريقتهم من كيفية التمجيد والتعظيم فقال: ﴿ قل اللهم ﴾ ومعناه عند سيبويه يا الله والميم المشددة عوض عن الياء.
وإنما أخرت تبركاً باسم الله وهذا من خصائص اسم الله.
كما اختص بدخول تاء القسم، وبدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف، وبقطع همزته في يا الله.
وعند الكوفيين أصله يا الله أمنا بخير أي أقصدنا، فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء.
وخففت الهمزة من أمّ.
وزيف بأن التقدير لو كان كذلك لزم أن يذكر الدعاء بعده بالعطف مثل: اللهم واغفر لنا.
ولجاز أن يتكلم به على أصله من غير تخفيف الهمزة وبإثبات حرف النداء وأجيب بأنه إنما لم يوسط العاطف لئلا يصير السؤال سؤالين ضرورة مغايرة المعطوف للمعطوف عليه بخلاف ما لو جعل الثاني تفسيراً للأول فيكون آكد.
وبأن الأصل كثيراً ما يصير متروكاً مثل: ما أكرمه فإنه لا يقال: شيء ما أكرمه في التعجب.
﴿ ومالك الملك ﴾ نداء مستأنف عند سيبويه.
فإن النداء باللهم لا يوصف كما لا توصف أخواته من الأسماء المختصة بالنداء نحو: يا هناه ويا نومان ويا ملكعان وفل.
وأجاز المبرد نصبه على النعت كما جاز في "يا ألله".
عن ابن عباس وأنس بن مالك "أن رسول الله حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم؟
هم أعز وأمنع من ذلك" فنزلت الآية.
وعن عمرو بن عون "أن رسول الله لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله ، يخبره ، فأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدعتها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كالمصباح في جوف بيت مظلم، وكبر وكبر المسلمون وقال : أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال : أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة فقال: أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا.
فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا" فنزلت.
وقال الحسن: إن الله أمر نبيه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب عليهما.
وأمره بذلك دليل على أن يستجيب له هذا الدعاء وهكذا منازل الأنبياء إذا أمروا بدعاء استجيب دعاؤهم.
﴿ مالك الملك ﴾ أي تملك جنس الملاك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، وفيه أن قدرة الخلق في كل ما يقدرون عليه ليست إلا بأقدار / الله .
ثم لما بين كونه مالك الملك وأنه هو الذي يقدر كل قادر على مقدوره ويملك كل مالك على مملوكه فصل ذلك بقوله: ﴿ تؤتى الملك من تشاء ﴾ أي النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك.
فالأول عام شامل والآخر بعض من الكل.
وهذا الملك قيل: ملك النبوة لأنها أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر على بواطن الخلق، والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق.
والأنبياء أمرهم نافذ في البواطن والظواهر، فعلى كل أحد أن يقبل شريعتهم ولهم أن يقتلوا من أرادوا من المتمردين.
ولهذا استبعد بعض الجهلة أن يكون النبي بشراً ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ ومن المجوّزين من كان يقول إن محمداً فقير يتيم فكيف يليق به هذا المنصب العظيم؟
﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ وكانت اليهود تقول: النبوة في أسلافنا فنحن أحق بها.
وقد روينا في تفسير قوله: ﴿ قل للذين كفروا ستغلبون ﴾ أن اليهود تكبروا على النبي بكثرة عددهم وعددهم فرد الله على جميع هؤلاء الطوائف بأنه مالك الملك يؤتي الملك - وهو النبوة - من يشاء، وينزع الملك - النبوة - ممن يشاء لا بمعنى أنه يعزله عن النبوة فإن ذلك غير جائز بالإجماع بل بمعنى أنه ينقلها من نسل إلى نسل كما نزع عن بني إسرائيل ووضع في العرب، أو بمعنى أنه لا يعطيه النبوة ابتداء كقوله: ﴿ الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ فإنه يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط.
ومثله ﴿ أو لتعودنّ في ملتنا ﴾ مع أن الأنبياء لم يكونوا في ملتهم قط حتى يتصور العود إليها.
وقيل: المراد من الملك التسلط الظاهر وهو الاقتدار على المال بأنواعه وعلى الجاه، وهو أن يكون مهيباً عند الناس وجيهاً غالباً مظفراً مطاعاً.
ومن المعلوم أن كل ذلك بإيتاء الله .
فكم من عاقل قليل المال، ورب جاهل غافل رخي البال، وقد رأينا كثيراً من الملوك بذلوا الأموال لتحصيل الحشمة والجاه وما ازدادوا إلا حقارة وخمولاً، فعلمنا أن الكل بإيتاء الله سواء في ذلك ملوك العدل وملوك الجور، لأن حصول الملك للجائر إن لم يقع بفاعل ففيه سد باب إثبات الصانع، وإن حصل بفعل المتغلب فكل أحد يتمنى حصول الملك والدولة لنفسه ولا يتيسر له.
فلم يبق إلا أن يكون من مسبب الأسباب وفاعل الكل ومدبر الأمور وناظم مصالح الجمهور.
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني *** بتخوم أقطار السماء تعلقي لكن من رزق الحجى حرم الغنى *** ضدان مفترقان أيّ تفرق ومن الدليل على القضاء وكونه *** بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق وكذا الكلام في نزع الملك فإنه كما ينزع الملك من الظالم فقد ينزعه من العادل لمصلحة تقتضي ذلك.
والنزع يكون بالموت وبإزالة العقل والقوى والقدرة والحواس وبتلف الأموال وغير ذلك.
في بعض الكتب "أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة.
وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم" وهذا كقوله "كما تكونوا يولى عليكم" والصحيح أن الملك عام يدخل فيه النبوة والولاية والعلم والعقل والصحة والأخلاق الحسنة وملك النفاذ والقدرة وملك محبة القلوب وملك الأموال والأولاد إلى غير ذلك، فإن اللفظ عام ولا دليل على التخصيص ﴿ وتعز من تشاء وتذل من تشاء ﴾ كل من الإعزاز والإذلال في الدين أو في الدنيا، ولا عزة في الدين كعزة الإيمان ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ وفي ضده لا ذلة كذلة الكفر وعزة الدنيا كإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت، وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق، وكل ذلك بتيسير الله وتقديره ﴿ بيدك الخير ﴾ أي بقدرتك يحصل كل الخيرات وليس في يد غيرك منها شيء.
وإنما خص الخير بالذكر وإن كان بيده الخير والشر والنفع والضرّ، لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة، أي بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، أو لأن جميع أفعاله من نافع وضار لا يخلو عن حكمة ومصلحة وإن كنا لا نعلم تفصيلها فكلها خير، أو لأن القادر على إيصال الخير أقدر على إيصال الشر فاكتفى بالأول عن الثاني.
وللاحتراز عن لفظ الشر مع أن ذلك صار مذكورا بالتضمن في قوله: ﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ ولأن الخير يصدر عن الحكم بالذات والشر بالعرض فاقتصر على الخير.
﴿ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ﴾ وذلك بأن يجعل الليل قصيراً ويدخل ذلك القدر في النهار وبالعكس.
ففي كل منهما قوام العالم ونظامه.
أو يأتي بالليل عقيب النهار فيلبس الدنيا ظلمته بعد أن كان فيها ضوء النهار، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس الدنيا ضوأه.
فالمراد بالإيلاج إيجاد كل منهما عقيب الآخر والأول أقرب إلى اللفظ، فإن الإيلاج الإدخال فإذا زاد من هذا في ذلك فقد أدخله فيه ﴿ وتخرج الحي من الميت ﴾ المؤمن من الكافر ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ أي كافراً فهديناه، أو الطيب من الخبيث، أو الحيوان من النطفة، أو الطير من البيضة وبالعكس.
والنطفة تسمى ميتاً ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاًَ فأحياكم ﴾ أو يخرج السنبلة من الحبة، والنخلة من النواة وبالعكس.
فإخراج النبات من الأرض يسمى إحياء ﴿ يحيي الأرض بعد موتها ﴾ ﴿ وترزق من تشاء بغير حساب ﴾ تقدم مثله في البقرة.
وإذا كان كذلك فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم / ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم.
ثم لما علم كيفية التعظيم لأمر الله أردفه بشريطة الشفقة على خلق الله، أو نقول: لما ذكر أنه مالك الملك وبيده العزة والذلة والخير كله.
بيّن أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه دون أعدائه فقال: ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين ﴾ بالجزم، ولكن كسر الذال للساكنين.
قال الزجاج: ولو رفع على الخبر جاز، ولكنه لم يقرأ.
والخبر والطلب يقام كل منهما مقام الآخر.
وقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم على المؤمنين.
عن ابن عباس قال: "كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد وهؤلا كانوا من اليهود يباطنون نفراً من الأنصار يفتنونهم عن دينهم.
فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود.
فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم" فنزلت هذه الآية.
وعن ابن عباس أيضاً في رواية الضحاك: "نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرياً نقيباً، وكان له حلفاء من اليهود.
فلما خرج النبي يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو" فنزلت.
وقال الكلبي: نزلت في المنافقين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه - كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله فأنزل الله هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم.
وقد كرر ذلك في آيات أخر كثيرة ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم ﴾ ﴿ لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ﴾ ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ﴾ وكون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون راضياً بكفره والرضا بالكفر كفر فيستحيل أن يصدر عن المؤمن فلا يدخل تحت الآية لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وثانيها المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر وذلك غير ممنوع منه والثالث كالمتوسط بين القسمين وهو الركون إليهم والمعونة والمظاهرة لقرابة أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك، ولهذا قال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، وكانوا يظهرون المودّة لكفار مكة مع اعتقاد أن دينهم باطل، فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه حذراً من أن يجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه حتى يخصه بالموالاة دون المؤمنين، فلا جرم هدد فقال: ﴿ من يفعل ذلك فليس من الله ﴾ أي من ولايته أو من دينه ﴿ في شيء ﴾ يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ عن ولاية الله رأساً، وهذا كالبيان لقوله: ﴿ من دون المؤمنين ﴾ ليعلم أن الاشتراك بينهم وبين المؤمنين في الموالاة غير متصوّر وهذا أمر معقول، فإن موالاة الولي وموالاة عدوه ضدان قال: تود عدوّي ثم تزعم أنني *** صديقك ليس النوك عنك بعازب قال بعض الحكماء: هذا ليس بكلي فإنه قد يكون المشفق على العدوّ مشفقاً على العدو الآخر كالملك العادل فإنه محب لهما، فإن أراد أحد أن يعم الحكم لا بد له أن يزيد عليه إذا كانوا في مرتبة واحدة ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ قال الجوهري: يقال اتقى تقية وتقاة مثل اتخم تخمة، وفاؤها واو كتراث.
فالتقاة اسم وضع موضع المصدر.
قال الواحدي: ويجوز أن يجعل "تقاة" ههنا مثل "دعاة" و "رماة" فيكون حالاً مؤكدة، وعلى هذين الوجهين يكون تتقوا مضمناً معنى تحذروا أو تخافوا ولذا عدي بـ"من".
ويحتمل أن يكون التقاة أو التقية بمعنى المتقي مثل: ضرب الأمير لمضروبه، فالمعنى إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه.
رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة محالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع من قشر العصا وإظهار الطوية كقول عيسى : كن وسطاً وامش جانباً أي ليكن جسدك بين الناس وقلبك مع الله.
وللتقية عند العلماء أحكام منها: إذا كان الرجل في قوم كفار يخاف منهم على نفسه جاز له أن يظهر المحبة والموالاة ولكن بشرط أن يضمر خلافه ويعرّض في كل ما يقول ما أمكن، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب.
ومنه أنها رخصة فلو تركها كان أفضل لما "روى الحسن أنه أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟
قال: نعم.
قال: أتشهد أني رسول الله؟
قال: نعم.
- وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ومحمد رسول قريش - فتركه ودعا الآخر وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟
فقال: نعم نعم نعم.
فقال: أتشهد أني رسول الله؟
فقال: إني أصم ثلاثاً، فقدمه وقتله.
فبلغ ذلك رسول الله : فقال: أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيأ له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه" .
ونظير هذه الآية ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ ومنها أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة.
وقد يجوز أن تكون أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين، فأما الذي يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال وشهادة الزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز ألبتة.
ومنها أن الشافعي جوز التقية بين المسلمين كما جوّزها بين الكافر محاماة على النفس.
ومنها أنها جائزة لصون المال على الأصح كما أنها جائزة لصون النفس لقوله : " "حرمة مال المسلم كحرمة دمه" و "من قتل دون ماله فهو شهيد " ولأن الحاجة إلى المال شديدة ولهذا يسقط فرض الوضوء ويجوز الاقتصار على / التيمم إذا بيع الماء بالغبن.
قال مجاهد: كان هذا في أول الإسلام فقط لضعف المؤمنين.
وروى عوف عن الحسن أنه قال: التقية جائزة إلى يوم القيامة.
وهذا أرجح عند الأئمة.
﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ قيل: أي عقاب نفسه.
وفيه تهديد عظيم لمن تعرّض لسخطه بموالاة أعدائه لأن شدة العقاب على حسب قدرة المعاقب.
وفائدة ذكر النفس تصريح بأن الذي حذر منه هو عقاب يصدر من الله لا من غيره.
وقيل: الضمير يعود إلى اتخاذ الأولياء أي ينهاكم الله عن نفس هذا الفعل.
ثم حذر عن جعل الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية فقال: ﴿ قل إن تخفوا ما في صدوركم ﴾ أي قلوبكم وضمائركم لأن القلب في الصدر فجاز إقامة الظرف مقام المظروف ﴿ أو تبدوه يعلمه الله ﴾ يتعلق به علمه الأزلي.
ثم استأنف بياناً أشفى وتحذيراً أوفى فقال: ﴿ ويعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ ثم قال إتماماً للتحذير ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ ثم خلط الوعيد بالوعد والترهيب بالترغيب فقال: ﴿ يوم تجد ﴾ وفي عامله وجوه قال ابن الأنباري: وإلى الله المصير يوم تجد.
وقيل: والله على كل شيء قدير يوم تجد، وخص ذلك اليوم بالذكر وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة الله تعظيماً لشأنه مثل ﴿ مالك يوم الدين ﴾ وقيل: انتصابه بمضمر أي اذكر.
والأظهر أن العامل فيه ﴿ تود ﴾ والضمير في ﴿ بينه ﴾ لليوم أي تود كل نفس يوم تجد ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء محضراً أيضاً لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً.
والأمد الغاية التي ينتهي إليها مكاناً كانت أو زماناً.
والمقصود تمني بعده كقوله: ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ﴾ ومعنى كون العمل محضراً هو أن يكون ما كتب فيه العمل من الصحائف حاضراً، أو يكون جزاؤه حاضراً إذ العمل عرض لا يبقى.
ثم إن لم يكن يوم متعلقاً بـ ﴿ تود ﴾ احتمل أن يكون ﴿ تود ﴾ صفة ﴿ سوء ﴾ والضمير في ﴿ بينه ﴾ يعود إليه، واحتمل أن يكون حالاً، واحتمل أن يكون ﴿ ما عملت ﴾ مبتدأ من الصلة والموصول و ﴿ تود ﴾ خبره وهو الأكثر، واحتمل أن يكون "ما" شرطية و ﴿ تود ﴾ جزاء له وهو قليل كقوله: وإن أتاه خليل يوم مسغبة *** يقول لا غائب ما لي ولا حرم وقراءة عبد الله ﴿ ودت ﴾ يحتملها على السواء إلا أن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم ﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ تأكيد للوعيد ﴿ والله رؤوف بالعباد ﴾ قال الحسن: ومن رأفته أن حذرهم نفسه وعرّفهم كمال علمه وقدرته، وأنه يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذرهم من استحقاق غضبه.
ويجوز أن يراد أنه / رؤوف بهم حيث أمهلهم للتوبة والتلافي، أو هو وعد كما أن التحذير وعيد، أو المراد بالعباد عباده المخلصون كقوله: ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ كما هو منتقم من الفساق ومحذرهم نفسه فهو رؤوف بالعباد المطيعين والمحسنين.
ثم إنه دعا القوم إلى الإيمان به ورسوله من طريق آخر سوى طريق التهديد والتحذير فقال: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله ﴾ قال الحسن وابن جريج: زعم أقوام على عهد رسول الله أنهم يحبون الله فقالوا: يا محمد إنا نحب ربنا فأنزل الله هذه الآية.
وروى الضحاك عن ابن عباس قال: "وقف النبي على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها فقال: يا معشر قريش، لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل ولقد كانا على الإسلام.
فقالت قريش: يا محمد إنا نعبد هذه حباً لله ليقربونا إلى الله زلفى" .
فأنزل الله ﴿ قل إن كنتم تحبون الله ﴾ وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه ﴿ فاتبعوني يحببكم الله ﴾ فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم.
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت حين زعمت اليهود أنهم أبناء الله وأحباؤه.
وقيل: نزلت في نصارى نجران زعموا أنهم يعظمون المسيح ويعبدونه حباً لله وتعظيماً له.
والحاصل أن كل من يدعي محبة الله من فرق العقلاء فلا بد أن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه، فإذا قامت الدلائل العقلية والمعجزات الحسية على نبوة محمد وجبت متابعته.
فليس في متابعته إلا أنه يدعوهم إلى طاعة الله وتعظيمه وترك تعظيم غيره.
فمن أحب الله كان راغباً فيه لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب والإعراض بالكلية عن غيره، وقد مر في تفسير قوله: ﴿ والذين آمنوا أشد حباً لله ﴾ تحقيق المحبة وأنها من الله عبارة عن إعطاء الثواب.
وقال: ﴿ ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ ليدل مع إيفاء الثواب على إزالة العقاب وهذه غاية ما يطلبه كل عاقل.
﴿ والله غفور ﴾ في الدنيا يستر على عبده أنواع المعاصي ﴿ رحيم ﴾ في الآخرة يثيبه على مثقال الذرة من الطاعة والحسنة.
يروى أنه لما نزل ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ﴾ قال عبد الله بن أبيّ إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى فنزلت ﴿ قل أطيعوا الله والرسول ﴾ وذلك أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته ثم إن المنافق ألقى شبهة في البين أمره الله أن يقول: إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا لما يقوله النصارى في عيسى بل لكوني رسولاً من عند الله ومبلغ تكاليفه ﴿ فإن تولوا ﴾ أعرضوا أو تعرضوا على أن يكون التاء الأولى محذوفة ويدخل في جملة ما يقوله الرسول لهم، فإنه لا يحصل للكافرين محبة الله لأنها عبارة عن الثناء لهم وإيصال الثواب إليهم، والكافر يستحق الذم واللعن وهذا ضد المحبة.
ثم إنه لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بيّن / علو درجات الرسل وسموّ طبقاتهم فقال: ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً ﴾ الآية أي جعلهم صفوة خلقه والمختارين من بينهم تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة، وذلك باستخلاصهم من الصفات الذميمة وتحليتهم بالخصال الحميدة كقوله: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ وقيل: المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح ولكن الأصل عدم الإضمار.
وذكر الحليمي في كتاب المنهاج أن الأنبياء عليهم السلام مخالفون لغيرهم في القوى الجسمانية والقوى الروحانية.
أما القوى الجسمانية فهي إما مدركة أو محركة.
أما المدركة فهي الحواس الظاهرة أو الباطنة أما الظاهرة فقوله " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها " وقوله: " أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري" وهذا يدل على كمال القوة الباصرة ونظيرها ما حصل لإبراهيم ﴿ وكذلك نُرِي إبراهيم ملكوت السموات والأرض ﴾ ذكروا في تفسيره أن الله تعالى قوّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت وليس بمستبعد، فإنه يروى أن زرقاء اليمامة كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام.
ويقال: إن النسر وغيره من عظام الجوارح يرتفع فيرى صيده من مائة فرسخ.
وقال : " أطت السماء وحق لها أن تئط " فسمع أطيط السماء.
ومثله ما زعمت الفلاسفة أن فيثاغورس راض نفسه حتى سمع حفيف الفلك.
وقد سمع سليمان كلام النمل وفهمه.
ومثله ما يروى أن النبي تكلم مع الذئب ومع البعير، وقد وجد يعقوب ريح يوسف من مسيرة أيام.
وقال " إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم" وهو دليل كمال قوة الذوق.
وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، قيل: وهو دليل قوة اللمس كما في النعامة والسمندل وفيه نظر، إذ لا إدراك ههنا فكيف يستدل به على قوة الإدراك؟
بل يجب أن يحمل هذا على معنى آخر وهو أنه لا يبعد أن يجعل المنافي ملائماً للإعجاز أو لخاصية أودعها في المنافي حتى يصير ملائماً.
وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ قال : ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ ومنها قوة الذكاء قال علي رضي / الله عنه: علمني رسول الله ألف باب من العلم فاستنبطت من كل باب ألف باب.
وإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي؟
وأما القوة المحركة فكعروج النبي وعروج عيسى إلى السماء، وكرفع إدريس وإلياس على ما ورد في الأخبار.
وأما القوة الروحانية العقلية فنقول: إن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس، أو كالمخالفة صفاء ونورية وانجذاباً إلى عالم الأرواح، فلا جرم تجري عليها الأنوار الفائضة من المبادىء العالية أتم من سائر النفوس وأكمل، ولهذا بعثت مكملة للناقصين ومعلمة للجاهلين ومرشدة للطالبين مصطفاة على العالمين من جميع سكان الأرضين عند من يقول الملك أفضل من البشر، أو من سكان السموات أيضاً عند من يرى البشر أفضل المخلوقات.
ثم إن القرآن دل على أن أول الأنبياء اصفطاء آدم صفي الله وخليفته.
ثم إنه وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم وهم: شيث وأولاده إلى إدريس، ثم إلى نوح ثم إلى إبرهيم ثم انشعب من إبراهيم شعبتان: إسماعيل وإسحق.
فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد ، وجعل إسحق مبدأ لشعبتين يعقوب وعيص.
فوضع النبوة في نسل يعقوب، ووضع الملك في نسل عيص، واستمر ذلك إلى زمان محمد .
فلما ظهر محمد نقل نور النبوة ونور الملك إليه وبقي الدين والملك في أمته إلى يوم القيامة، فالمراد بآل إبراهيم أولاده عليهم الصلاة والسلام وهو المطلوب بقوله: ﴿ ومن ذريتي ﴾ بعد قوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً ﴾ وأما آل عمران فقيل: أولاد عمران بن يصهر والدموسي وهارون.
وقيل: المراد بعمران والد مريم وهو عمران بن ماثان بدليل قوله عقيبه ﴿ إذ قالت امرأة عمران ﴾ ولا شك أنه عمران بن ماثان جد عيسى من قبل الأم، ولأن الكلام سيق للنصارى الذين يحتجون على إلهية عيسى بالخوارق التي ظهرت على يده.
فالله يقول: إن ذلك باصطفاء الله إياه لا لكونه شريكاً للإله ولأن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله : ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين ﴾ .
﴿ ذرية ﴾ بدل ممن سوى آدم ﴿ بعضها من بعض ﴾ قيل: أي في التوحيد والإخلاص والطاعة كقوله: ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ﴾ وذلك لاشتراكهم في النفاق.
وقيل: معناه أن غير آدم كانوا متوالدين من آدم.
وقيل: يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض، موسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من قاهث، وقاهث من لاوي، ولاوي من يعقوب، ويعقوب من إسحق.
وكذلك عيسى من مريم، ومريم بنت عمران بن ماثان.
ثم قال في الكشاف: ماثان بن سليمان بن داود بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق وفيه نظر، لأن بين ماثان وسليمان قوماً آخرين، وكذلك بين ايشا ويهوذا.
﴿ والله / سميع ﴾ لأقوال العباد ﴿ عليم ﴾ بضمائرهم وأفعالهم فيصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولاً وفعلاً.
ويحتمل أن يكون الكلام مع اليهود والنصارى الذين كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه تغريراً للعوام مع علمهم ببطلان هذا الكلام، فيكون أول الكلام تشريفاً للمرسلين وآخره تهديداً للمبطلين كأنه قيل: والله سميع لأقوالهم الباطلة، عليم بأغراضهم الفاسدة فيجازيهم بحسب ذلك.
ويحتمل أن يتعلق بما بعده كما في الوقوف.
التأويل: مالك هو ملك الوجود فلا وجود بالحقيقة إلا له، تؤتي الوجود من تشاء وتنزع الوجود ممن تشاء، فتخلق بعض الموجودات مستعداً للبقاء كالملائكة والإنسان، توجد بعضها قابلاً للفناء كالنبات والحيوان غير الإنسان.
﴿ وتعز من تشاء ﴾ بعزة الوجود النوري، ﴿ وتذل من تشاء ﴾ بذل القبض القهري، بيدك الخير.
﴿ إنك على كل شيء قدير ﴾ تضمين للدعاء بذكر السبب كما يقال للجواد إنك الذي يقدر على إعطاء كل خير فأتنا وأعزنا يا مفيض كل خير، ويا كاشف كل ضير.
تولج ليل ظلمات الصفات البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية وبالعكس، تخرج القلب الحي بالحياة الحقيقية من النفس الميتة، وتخرج القلب الميت عن الحياة الحقيقية من النفس الحية بالحياة المجازية الحيوانية.
لا يتخذ القلب المؤمن والروح والسر وصفاتها الكافرين من النفس الأمّارة والشيطان والهوى والدنيا أولياء من دون المؤمنين من القلب والروح والسر، ومن يفعل ذلك من القلوب فليس من أنوار الله وألطافه في شيء إلا أن تخافوا من هلاك النفوس.
فالنفس مركب الروح فتواسوها كيلا تعجز عن السير في الرجوع وتهلك في الطريق من شدة الرياضات وكثرة المجاهدات.
﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ أي من صفات قهره ﴿ قل إن تخفوا ما في صدوركم ﴾ من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس ﴿ ويعلم ما في السموات ﴾ قلوبكم ﴿ وما في الأرض ﴾ نفوسكم ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت ﴾ أثر الخير والشر ظاهر في ذات المرء وصفاته، وبحسب ذلك يبيض وجه قلبه أو يسود ولكنه في غفلة من هذا محجوب عنه بحجاب النفس والجسم كمثل نائم لدغته حية كحية الكفر والخصال الذميمة فلا يحس بها ما دام نائماً نوم الغفلة، فإذا مات انتبه وأحس، ثم أخبر عن طريق الوصول أنه في متابعة الرسول.
واعلم أن للاتباع ثلاث درجات، ولمحبة المحب ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع على حسب الاتباع ثلاث درجات.
أما درجات الاتباع فالأولى درجة عوام المؤمنين وهي متابعة أعماله ، والثانية درجة الخواص وهي متابعة أخلاقه، والثالثة درجة أخص الخواص وهي متابعة أحواله.
وأما درجات محبة المحب فالأولى محبة العوام وهي مطالعة المنة من رؤية إحسان المحسن "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها" وهذا حب / يتغير بتغير الإحسان وهو لمتابعي الأعمال الذين يطمعون في الأجر على ما يعملون وفيه قال أبو الطيب: وما أنا بالباغي على الحب رشوة *** ضعيف هوى يرجى عليه ثواب والثانية محبة الخواص المتبعين للأخلاق الذين يحبونه إعظاماً وإجلالاً له، ولأنه أهل لذلك كما قالت رابعة: أحبك حبين حب الهوى *** وحب لأنك أهل لذاكا ويضطر هذا المحب في هذه الدرجة إلى إيثار الحق على غيره، وهذا الحب يبقى على الأبد بقاء الكمال والجلال على السرمد وفيه قال: سأعبد الله لا أرجو مثوبته *** لكن تعبد إعظام وإجلال والثالثة محبة أخص الخواص المتبعين للأحوال وهي الناشئة من الجذبة الإلهية في مكان من "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" وأهل هذه المحبة هم المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، غذينا بالمحبة يوم قالت *** له الدنيا أتينا طائعينا وحقيقة هذه المحبة أن يفنى المحب بسطوتها وتبقى المحبة فيه بلا هو كما أن النار تفني الحطب بسطوتها وتبقى النار منه بلا هو.
وحقيقة هذه المحبة نار لا تبقي ولا تذر.
وأما درجات محبة الله للعبد فاعلم أن كل صفة من صفات الله من العلم والقدرة والإرادة وغيرها فإنها لا تشبه في الحقيقة صفات المخلوقين، حتى الوجود فإنه وإن عم الخالق والمخلوق إلا أن وجوده واجب بنفسه ووجود غيره ممكن في ذاته واجب به، فليس في الكون إلا الله وأفعاله.
قرأ القارى بين يدي الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير رحمه الله قوله: ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ فقال: بحق يحبهم لأنه لا يحب إلا نفسه فليس في الوجود إلا هو، وما سواه فهو من صنعه.
والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه.
والغرض أن محبة الله للخلق عائدة إليه حقيقة إلا أنه لما كان مرورها على الخلق فبحسب ذلك اختلفت مراتبها، مع أنها صدرت عن محل واحد هو محل "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف" فما تعلقت إلا بأهل المعرفة وذلك قوله: "فخلقت الخلق لأعرف" لكنها تعلقت بالعوام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال فقيل لهم ﴿ فاتبعوني ﴾ بالأعمال الصالحة ﴿ يحببكم الله ﴾ يخصكم بالرحمة ﴿ ويغفر لكم ﴾ ذنوبكم التي صدرت منكم على خلاف / المتابعة.
وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق فقيل لهم: ﴿ فاتبعوني ﴾ بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل يخصكم بتجلي صفات الجمال ﴿ ويغفر لكم ذنوبكم ﴾ يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته.
وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة بالجذبات ومشربهم الأحوال فقيل لهم ﴿ فاتبعوني ﴾ ببذل الوجود ﴿ يحببكم الله ﴾ يخصكم بجذبكم إلى نفسه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ذنوب وجودكم فيمحوكم عنكم ويثبتكم به كما قال: "فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً" فهم بين روضة المحو وغدير الإثبات أحياء غير أموات، ويكون في هذا المقام المحب والمحبوب والمحبة واحداً كما أن الرائي في المرآة يشاهد ذاته بذاته وصفاته بصفاته فيكون الرائي والمرئي والرؤية واحداً.
﴿ قل أطيعوا الله والرسول ﴾ فإن متابعته صورة جذبة الحق وصدف درّة محبته لكم.
﴿ إن الله اصطفى آدم ﴾ وذلك أن الله خلق العالمين سبعة أنواع: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والنفوس والعقول والأرواح، وجمع في آدم جميع الأنواع وخصه بتشريف ثامن هو تشريف ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ فهو المظهر لجميع آياته وصفاته وذاته وهو معنى جعله خليفة ومعنى قوله "وإن الله خلق آدم على صورته" ثم ذكر خواص أولاد آدم نوحاً وآل إبراهيم وآل عمران والمراد بالآل كل مؤمن تقي ﴿ بعضها من بعض ﴾ بالوراثة الدينية " "العلماء ورثة الأنبياء" فالعالم كشجرة وثمرتها أهل المعرفة ﴿ والله سميع ﴾ لدعائهم ﴿ عليم ﴾ بأحوالهم وخصالهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ ﴾ ، أي: لا يكونون أولياء لهم، وإن اتخذوا أولياء؛ بل هم لهم أعداء؛ كقوله: ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...
﴾ إلى آخر الآية.
ويحتمل: على النهي، أي: لا تتخذوا أولياء؛ كقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً ﴾ : اختلف فيه: قيل: إلا أن يكون بينكم وبينهم قرابة ورحم؛ فتصلون أرحامهم من غير أن تتولوهم في دينهم، على ما جاء عن علي - [ ] - "أنه قال لرسول الله لما مات أبوه أبو طالب -: إِنَّ عَمَّكَ الضَّالَّ تُوفيِّ، فقال له رسول الله : اذْهَبْ فَوَارِهِ" ويحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ ﴾ على أنفسكم ﴿ مِنْهُمْ تُقَـٰةً ﴾ ، إلا أن تخافوا منهم فتظهروا لهم ذلك مخافة الهلاك، وقلوبكم على غير ذلك.
وعن ابن عباس - -: "التَّقِيَّةُ: التَّكَلُّمُ بِاللِّسَانِ، وَقَلْبُه مُطْمَئِنٌ بِالإِيمَانِ".
وقوله: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ : قيل: عقوبته.
[وقيل: نقمته؛ يقول الرجل لآخر: احذر فلاناً، إنما يريد نقمته وبوائقه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ عقوبته].
وبوائقه، التي تكون من نفسه لما يكن ذلك به لا بغيره، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ ﴾ : يحتمل: ما تخفوا من ولاية الكفار وتبدوه - يعلمه الله، فيه إخبار أن في قلوبهم شيئاً.
ويحتمل: أن يكون أراد جميع ما يخفون ويبدون ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ الآية.
<div class="verse-tafsir"
لا تتخذوا -أيها المؤمنون- الكافرين أولياء تحبونهم وتنصرونهم من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فقد برئ من الله وبرئ الله منه، إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فلا حرج أن تتقوا أذاهم بإظهار اللين في الكلام واللطف في الفعال، مع إضمار العداوة لهم، ويحذركم الله نفسه فخافوه، ولا تتعرضوا لغضبه بارتكاب المعاصي، وإلى الله وحده رجوع العباد يوم القيامة لمجازاتهم على أعمالهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.JwPzg"
جاء قوله تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ بعد تلك الآية التي نبه الله فيها النبي والمؤمنين إلى الالتجاء إليه معترفين أن بيده الملك والعز ومجامع الخير والسلطان المطلق في تصريف الكون يعطي من يشاء ويمنع من يشاء فإذا كانت العزة والقوة له عز شأنه فمن الجهل والغرور أن يعتز بغيره من دونه، وأن يلتجأ إلى غير جنابه، أو يذل المؤمن في غير بابه، وقد نطقت السير بأن بعض الذين كانوا يدخلون في الإسلام كان يقع منهم قبل الاطمئنان بالإيمان اغتراره بعزة الكافرين وقوتهم وشوكتهم فيوالونهم ويركنون إليهم وهذا أمر طبيعي في البشر.
وذكروا في سبب نزول الآية أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وقصته معروفة وقيل إنها نزلت في ابن أبي سلول (زعيم المنافقين) وقيل في جماعة من الصحابة كانوا يوالون بعض اليهود، ومهما كان السبب في نزولها فإنا نعلم أن من طبيعة الاجتماع في كل دعوة أن يوجد في المستجيبين لها القوي والضعيف، على أن مظاهر القوة والعزة تغر بعض الصادقين وتؤثر في نفوس بعض المخلصين فما بالك بغيرهم، ولذلك نهى الله تعالى المؤمنين عن اتخاذ الأولياء من الكافرين.
وقد ورد بمعنى هذه الآية آيات أخرى فلا بد من تفسيرها تفسيرًا تتفق به معانيها.
الأولياء: الأنصار، والاتخاذ يفيد معنى الاصطناع، وهم عبارة عن مكاشفتهم بالأسرار الخاصة بمصلحة الدين، وقوله: ﴿ مِنْ دُوْنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ قيد في الاتخاذ، أي لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء وأنصارًا في شيء تقدم فيه مصلحتهم على مصلحة المؤمنين أي كما فعل حاطب بن أبي بلتعة، لأن في هذا اختيارًا لهم وتفضيلًا على المؤمنين، بل فيه إعانة للكفر على الإيمان ولو بطريق اللزوم، ومن شأن هذا أن لا يصدر من مؤمن ولو كان فيه مصلحة خاصة له، ولذلك هم عمر بقتل حاطب وسماه منافقًا لولا أن نهاه عن ذلك وذكره بأنه من أهل بدر.
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ ﴾ الآية فالموادة مشاركة في الأعمال، فإن كانت في شأن من شؤون المؤمنين من حيث هم مؤمنون والكافرين من حيث هم كافرون فالممنوع منها ما يكون فيه خذلان لدينك وإيذاء لأهله أو إضاعة لمصالحهم، وأما ما عدا ذلك كالتجارة وغيرها من ضروب المعاملات الدنيوية فلا تدخل في ذلك النفي لأنها ليست معاملة في محادة الله ورسوله أي في معاداتهما ومقاومة دينهما.
﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾ : معنى العبارة أنه يكون بينه وبين الله غاية البعد أي تنقطع صلة الإيمان بينه وبين الله تعالى أي فيكون من الكافرين كما قال في آية أخرى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ أو معناه فيكون عدو الله وقوله ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ استثناء من أعم الأحوال أي إن ترك موالاة الكافرين على المؤمنين حتم في كل حال إلا في حال الخوف من شيء تتقونه منهم فلكم حينئذ أن توالوهم بقدر ما يتقى به ذلك الشيء، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه الموالاة تكون صورية لأنها للمؤمنين لا عليهم، والظاهر أن الاستثناء منقطع والمعنى ليس لكم أن توالوهم على المؤمنين ولكن لكم أن تتقوا ضررهم بموالاتهم.
وإذا جازت موالاتهم لاتقاء الضرر فجوازه لأجل منفعة المسلمين يكون أولى، وعلى هذا يجوز لحكام المسلمين أن يحالفوا الدول غير المسلمة لأجل فائدة المؤمنين بدفع الضرر أو جلب المنفعة وليس لهم أن يتولوهم في شيء يضر بالمسلمين وإن لم يكونوا من رعيتهم.
وهذه الموالاة لا تختص بوقت الضعف بل هي جائزة في كل وقت.
﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾ الكلام تتمة لوعيد من يوالي الكافرين ناصرًا إياهم على المؤمنين والمعنى اتقوا واحذروا، أو ليحذروا يوم تجد كل نفس عملها من الخير مهما قل محضرًا.
ولا يجوز تقدير "اذكر" متعلقًا لقوله "يوم تجد" كما فعل (الجلال).
ومعنى كونه محضرًا أن فائدته ومنفعته تكون حاضرة لديه.
وأما عمل السوء فتود كل نفس اقترفته ولو بعد عنها ولم تره وتؤخذ بجزائه.
وهذا يدل على أن عمل الشر يكون محضرًا أيضًا ولكنه عبر عنه بما ذكر ليدل على أن إحضاره مؤذ لصاحبه يود لو لم يكن، ومنه يعلم أن إحضار عمل الخير يكون غبطة لصاحبه وسرورًا.
وهذا التعبير ضرب من التمثيل كالآيات التي فيها ذكر كتب الأعمال وأخذها بالأيمان والشمائل فإن الغرض من التعبير بأخذها باليمين أخذها بالقبول الحسن ومن أخذها بالشمال أو من وراء الظهر أخذها مع الكراهية والامتعاض.
ومن مباحث اللفظ في الآية دخول الحرف المصدري على مثله في قوله ﴿ لَوْ أَنَّ ﴾ وهو معروف في الكلام العربي الفصيح فلا حاجة إلى جعل الأصل فيه المنع وتأويل ما سمع منه.
<div class="verse-tafsir"