الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٨٥-١٨٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةإنها تسلية أخرى، كأنه يقول لا تضجر ولا تسأم لما ترى من معاندة الكافرين فإن هذا مُنْتَهٍ وكل ما له نهاية فلا بد من الوصول إليه فالذي يصير إليه هؤلاء المعاندون قريب فيجازون على أعمالهم ولا تنتظر أن يوفوا جزاء عملهم السيء كله في هذه الدار كما أن أجرك على عملك لا توفاه في هذه الحياة، فحسبك ما أصبت من الجزاء الحسن وحسبهم ما أصيبوا، وما يصابون به من الجزاء السيء في الدنيا، وأعلم أنه لا يوفى أحد جزاءه في هذه الدار لأن توفية الأجور إنما تكون في الآخرة.
ويصح وصلها بما قبلها من قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾ إلخ، أي أن أولئك البخلاء الذين يمنعون الحقوق وأولئك المتجرئين على الله والظالمين لرسله والذين عاندوا خاتم النبين، كل أولئك سيموتون كما يموت غيرهم ويوفون أجورهم يوم القيامة.
وكذلك لا يحسبن أحد من المؤمنين الذين يقاومون هؤلاء ويلقون منهم سبيل الإيمان ما يلقون أنهم يوفون أجورهم في الدنيا، كلا إنهم إنما أجورهم يوم القيامة.
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ لكلمة "نفس" استعمالات يصح في بعض المواضع منها ما لا يصح في موضع آخر، والمتبادر هنا أن المراد بالنفس هنا ما به الحياة المعروفة في الحيوان، ولا يصح أن تكون هنا بمعنى الذات واستشكلوا موت النفس مع أنها باقية لأنها تبعث يوم القيامة، وإنما يبعث الموجود ولو عدمت النفس لما صح أن يقال إنها تبعث وإنما كان يقال توجد، وأجابوا عنه بأن كونها باقية لا ينافي كونها تذوق الموت، فإن الذي يذوق هو الموجود، والميت لا يذوق لأن الذوق شعور فالحالة المخصوصة التي هي مفارقة الروح للبدن إنما تشعر بها النفس، وأما البدن فلا شعور له لأنه يموت، ومن العبث والجهل البحث في تعريف الموت، فالموت هو الموت المعروف لكل أحد.
وهناك جواب آخر أبسط من هذا وأظهر وهو أن الخطاب هنا على العرف المعهود في التخاطب المتبادر لكل عربي وهو أن كل حي يموت.
﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ ذكر توفية الأجور ثم بين ذلك بأبلغ عبارة موجزة إيجازًا معجزًا، فأعلم أن هنالك جنة ونارًا، وأن من الناس من يلقى في تلك ومنهم من يدخل في هذه، وأبان عظيم هول النار وشدتها بالتعبير عن النجاة عنها بالزحزحة كأن كل شخص كان مشرفًا على السقوط فيها وأن مجرد الزحزحة عنها فوز كبير، وفيه إيماء إلى أن أعمال الناس سائقة لهم إلى النار لأنها حيوانية في الغالب حتى لا يكاد يدخل أحد الجنة إلا بعد أن يكون زحزح عما كان صائرًا إليه من السقوط في النار.
أما هؤلاء المزحزحون فهم الذين غلبت في نفوسهم الصفات الروحية على الصفات الحيوانية فأخلصوا في إيمانهم وفي أعمالهم وجاهدوا في الله حق جهاده حتى لم يبق في نفوسهم شائبة من إشراك غير الله في عمل من الأعمال.
أفاد هذا الايجاز كل هذه المعاني ولم يحتج في هذه الآية إلى مثل ما ذكر في آيات أخرى من وصف الجنة والنار لما يقتضيه السياق هنالك من الإطناب والتعريف بشيء من أمور عالم الغيب، وعبر بالفاء في قوله: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ ﴾ للترتيب وبيان السبب.
﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ : الحياة الدنيا هي السفلى أو القربى والمراد منها حياتنا هذه أي معيشتنا الحاضرة التي نتمتع باللذات الحسية كالأكل والشرب، أو المعنوية كالجاه والمنصب والسيادة، هذه الحياة هي أقرب الحياتين وأدناهما وأحطهما وهي على كل حال متاع الغرور لأن صاحبها دائمًا مغرور مخدوع لها تشغله كل حين بجلب لذاتها ودفع آلامها فهو يتعب لما لا يستحق التعب، ويشقى لتوهم السعادة ويتعب نقدًا ليستريح نسئة.
والعبارة جاءت بصيغة الحصر فهي تشمل حياة الأبرار الذين يصرفون أعمالهم في نفع الناس حبًا بالخير وتقربًا إلى الله من حيث هم متمتعون فيها إما من حيث أن لذتهم فيما هم فيه قهرية، وإما على معنى أنها لا بقاء لها، أو يقال إن ما كان من عمل الخير والطاعة ليس من متاع الدنيا والحصر بحسب ما عليه الغالب.
﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ يصح اتصال هذه الآية بما قبلها من قوله تعالى ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾ الآيات، فإن فيها ذكر البخل بالمال وذكر حال اليهود، وهذه تذكر البلاء بالمال وما سيلاقي المؤمنين من أولئك اليهود وغيرهم.
ويصح أن يكون على ما قاله بعضهم متصلًا بما هو قبل ذلك من أول واقعة أُحد إلى هنا كأنه يقول إن ما وقع من الإبتلاء في الأنفس والأموال والطعن في تلك الواقعة ليس آخر الابتلاء بل لابد أن تُبْلوا بعد ذلك بكل هذه الضروب منه، وتجري فيكم سنته تعالى في خلقه فلا تظنوا أنكم جلستم على عرش العزة واعتصمتم بالمنعة، وأمنتم حوادث الكون فإنه لابد أن يعاملكم الله تعالى كما يعامل الأمم معاملة المختبر المبتلي، لا ليعلم ما لم يكن يعلم من أمركم فهو علام الغيوب بل ليميز الخبيث من الطيب من بعد كما ماز الكثيرين في واقعة أُحد.
والابتلاء في الأموال يفسر بفرض الصدقات والبذل في سبيل الله -وهو كل ما يوصل إلى الخير- وبالجوائح والآفات، وهذا الجمع أولى مما ذهب إليه بعضهم من تخصيصه بالأول، وبعضهم من تخصيصه بالثاني، والابتلاء في الأنفس يكون بتكليف بذلها في سبيل الله وبموت من يحب الإنسان من الأهل والأصدقاء، والابتلاء بالتكليف هو أهم الابتلاءين، وذلك أن الله تعالى لم يكفل للمسلمين الحفظ والنصر والسيادة لأنهم مسلمون وإنما يكلفهم الجري على سننه تعالى كغيرهم فلابد لهم من الاستعداد للمدافعة دائمًا وذلك يقتضي بذل المال والنفس.
ومن هنا تعلم غلط الذين يفسرون الابتلاء بالمال والأمر ببذله والجهاد به، كل ذلك بالزكاة، وما الزكاة إلا نوع من أنواع الحقوق التي جعلها الله في المال وهي كثيرة تشمل كل ما به صلاح الأمة ورفع شأنها من الأعمال، وكل ما يدفع عنها الأعداء، ويرد عنها المكاره والأسواء، ومن ذلك الابتلاء في المدافعة عن الحق سواء كان بالمال أو بالنفس، فهو يوطن نفوسهم على الأخذ بالاحتياط في الأمور العامة، والاستعانة عليها بالمال، وتحمل المكاره ويحذرهم من الشره والطمع في المال حتى إذا طمعوا أو قصروا في الاحتياط كما وقع لهم في أُحد علموا أنهم ما أصيبوا إلا بما كسبت أيديهم، أو قصرت فيه هممهم فلا يتعللون ولا يقولون كيف أُصبنا ونحن مسلمون، وقدم ذكر المال لأنه هو الوسيلة التي يكون بها الاستعداد لبذل النفس فبذل المال يحتاج إليه قبل بذل النفس، أو لأن الإنسان كثيرًا ما يبذل نفسه دفاعًا عن ماله فالذين قالوا إن المال شقيق الروح لاحظوا الغالب ومن غير الغالب أن يقدم الإنسان ماله على نفسه.
علمنا أن فائدة الابتلاء هي تمييز الخبيث من الطيب، وأما الإخبار به ففائدته التعريف بالسنن الإلهية وتهيئة المؤمن لها وحمله على الاستعداد لمقاومتها، فإن من تحدث له النعمة فجأة على غير استعداد ولا سعي ترجى هي من ورائه تدهشه وتبطره وربما تهيج عصبه فيقع في داء أو يموت فجأة، وكذلك من تقع به المصيبة فجأة على غير استعداد يعظم عليه المر ويحيط به الغم حتى يقتله في بعض الأحيان، أما المستعد فإنه يكون ضليعًا قويًا.
﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ﴾ ، إن مثل هذا يدخل في الابتلاء في الأنفس وإنما خصه بالذكر لأنه من الأهمية بمكان.
﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ ، الصبر هو تلقي المكروه بالاحتمال وكظم النفس عليه مع الروية في دفعه ومقاومة ما يحدثه من الجزع، فهو مركب من أمرين: دفع الجزع ومحاولة طرده ثم مقاومة أثره حتى لا يغلب على النفس، وإنما يكون ذلك مع الإحساس بألم المكروه فمن لا يحس به لا يسمى صابرًا وإنما هو فاقد للإحساس يسمى بليدًا، وفرق بين الصبر والبلادة، فالصبر وسط بين الجزع والبلادة، وما أحسن قرن التقوى بالصبر في هذه الموعظة وهي أن يمتثل ما هدى الله إليه فعلًا وتركًا عن باعث القلب.
وذلك من عزم الأمور أي التي يجب أن تعقد عليها العزيمة وتصح النية وجوبًا محتمًا لا ضعف فيه.
<div class="verse-tafsir"