الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٨٥ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 107 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨٥ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى إخبارا عاما يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت ، كقوله : ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون ، وكذلك الملائكة وحملة العرش ، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء ، فيكون آخرا كما كان أولا .
وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس ، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت ، فإذا انقضت المدة وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها من صلب آدم وانتهت البرية - أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها ، كثيرها وقليلها ، كبيرها وصغيرها ، فلا يظلم أحدا مثقال ذرة ، ولهذا قال : ( وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد العزيز الأويسي ، حدثنا علي بن أبي علي اللهبي عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قال : لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية ، جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه فقال : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ) كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ) إن في الله عزاء من كل مصيبة ، وخلفا من كل هالك ، ودركا من كل فائت ، فبالله فثقوا ، وإياه فارجوا ، فإن المصاب من حرم الثواب ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
قال جعفر بن محمد : فأخبرني أبي أن علي بن أبي طالب قال : أتدرون من هذا ؟
هذا الخضر ، عليه السلام .
وقوله : ( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) أي : من جنب النار ونجا منها وأدخل الجنة ، فقد فاز كل الفوز .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ، اقرءوا إن شئتم : ( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) .
هذا حديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه بدون هذه الزيادة ، وقد رواه بدون هذه الزيادة أبو حاتم ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه ، من حديث محمد بن عمرو هذا .
ورواه ابن مردويه [ أيضا ] من وجه آخر فقال : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن يحيى ، أنبأنا حميد بن مسعدة ، أنبأنا عمرو بن علي ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها " .
قال : ثم تلا هذه الآية : ( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) وتقدم عند قوله تعالى : ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ما رواه الإمام أحمد ، عن وكيع عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أحب أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة ، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " .
وقوله : ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) تصغيرا لشأن الدنيا ، وتحقيرا لأمرها ، وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة ، كما قال تعالى : ( بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى ) [ الأعلى : 16 ، 17 ] [ وقال تعالى : ( وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) [ الرعد : 26 ] وقال تعالى : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ] ) [ النحل : 96 ] .
وقال تعالى : ( وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى ) [ القصص : 60 ] وفي الحديث : " والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم إصبعه في اليم ، فلينظر بم ترجع إليه ؟
" .
وقال قتادة في قوله : ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) هي متاع ، هي متاع ، متروكة ، أوشكت - والله الذي لا إله إلا هو - أن تضمحل عن أهلها ، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم ، ولا قوة إلا بالله .
القول في تأويل قوله : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: أن مصير هؤلاء المفترين على الله من اليهود، المكذبين برسوله، الذين وصف صفتهم، وأخبر عن جراءتهم على ربهم= ومصير غيرهم من جميع خلقه تعالى ذكره، ومرجع جميعهم، إليه.
لأنه قد حَتم الموت على جميعهم، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا يحزنك تكذيبُ من كذبك، يا محمد، من هؤلاء اليهود وغيرهم، وافتراء من افترى عليَّ، فقد كُذِّب قبلك رسلٌ جاءوا من الآيات والحجج من أرسلوا إليه، بمثل الذي جئتَ من أرسلت إليه، فلك فيهم أسوة تتعزى بهم، ومصيرُ من كذَّبك وافترى عليّ وغيرهم ومرجعهم إليّ، فأوفّي كل نفس منهم جزاء عمله يوم القيامة، كما قال جل ثناؤه: " وإنما توفَّون أجوركم يوم القيامة "، يعني: أجور أعمالكم، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشر=" فمن زحزح عن النار "، يقول: فمن نُحِّي عن النار وأبعد منها (19) =" فقد فاز "، يقول: فقد نجا وظفر بحاجته.
* * * يقال منه: " فاز فلان بطلبته، يفوز فوزًا ومفازًا ومفازة "، إذا ظفر بها.
* * * وإنما معنى ذلك: فمن نُحِّي عن النار فأبعد منها وأدخل الجنة، فقد نجا وظفر بعظيم الكرامة=" وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور "، يقول: وما لذّات الدنيا وشهواتها وما فيها من زينتها وزخارفها=" إلا متاع الغرور "، يقول: إلا متعة يمتعكموها الغرور والخداع المضمحلّ الذي لا حقيقة له عند الامتحان، ولا صحة له عند الاختبار.
فأنتم تلتذون بما متعكم الغرور من دنياكم، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب والمكاره.
يقول تعالى ذكره: ولا تركنوا إلى الدنيا فتسكنوا إليها، فإنما أنتم منها في غرور تمتَّعون، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون.
(20) * * * وقد روي في تأويل ذلك ما:- 8314 - حدثني به المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن عبد الرحمن بن سابط في قوله: " وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور "، قال: كزاد الراعي، تزوِّده الكفّ من التمر، أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن.
* * * فكأن ابن سابط ذهب في تأويله هذا، إلى أن معنى الآية: وما الحياة الدنيا إلا متاعٌ قليلٌ، لا يُبلِّغ مَنْ تمتعه ولا يكفيه لسفره.
وهذا التأويل، وإن كان وجهًا من وجوه التأويل، فإن الصحيح من القول فيه هو ما قلنا.
لأن " الغرور " إنما هو الخداع في كلام العرب.
وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لصرفه إلى معنى القلة، لأن الشيء قد يكون قليلا وصاحبه منه في غير خداع ولا غرور.
وأما الذي هو في غرور، فلا القليل يصح له ولا الكثير مما هو منه في غرور.
* * * و " الغرور " مصدر من قول القائل: " غرني فلان فهو يغرُّني غرورًا " بضم " الغين ".
وأما إذا فتحت " الغين " من " الغرور "، فهو صفة للشيطان الغَرور، الذي يغر ابن آدم حتى يدخله من معصية الله فيما يستوجب به عقوبته.
* * * وقد: 8315 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبدة وعبد الرحيم قالا حدثنا &; 7-454 &; محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، واقرءوا إن شئتم " وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ".
(21) ----------------------- الهوامش : (19) انظر تفسير"زحزح" فيما سلف 2: 375.
(20) انظر تفسير: "المتاع" فيما سلف 1: 539 ، 540 / 3: 55.
(21) الحديث: 8315 - عبدة: هو ابن سليمان الكلابي الكوفي.
وعبد الرحيم: هو ابن سليمان المروزي الأشل.
والحديث رواه أحمد في المسند: 9649 (ج2 ص438 حلبي) ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد ابن عمرو - بهذا الإسناد.
وكذلك رواه الترمذي 4: 85 ، عن عبد بن حميد وغيره ، عن محمد بن عمرو.
وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وكذلك رواه الحاكم في المستدرك 2: 299 ، من طريق شجاع بن الوليد ، عن محمد بن عمرو.
وقال: "هذا حديث على شرط مسلم ، ولم يخرجاه".
ووافقه الذهبي.
وذكره ابن كثير 2: 311 ، من رواية ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، عن محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن محمد بن عمرو.
ثم قال ابن كثير: "هذا حديث ثابت في الصحيحين ، من غير هذا الوجه ، بدون هذه الزيادة [يعني ذكر الآية في الحديث].
وقد رواه بهذه الزيادة أبو حاتم بن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه ، من حديث محمد بن عمرو".
وذكره السيوطي 2: 107 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وهناد ، وعبد بن حميد.
وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 4: 277 ، من رواية الترمذي - ضمن ألفاظ للحديث بمعناه ، عند أحمد ، والبخاري ، والطبراني في الأوسط"بأسناد رواته رواة الصحيح" ، وابن حبان في صحيحه.
قوله تعالى : كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرورفيه سبع مسائل :الأولى : لما أخبر جل وتعالى عن الباخلين وكفرهم في قولهم : إن الله فقير ونحن أغنياء وأمر المؤمنين بالصبر على أذاهم في قوله : لتبلون الآية - بين أن ذلك مما ينقضي ولا يدوم ; فإن أمد الدنيا قريب ، ويوم القيامة يوم الجزاء .
ذائقة الموت من الذوق ، وهذا مما لا محيص عنه للإنسان ، ولا محيد عنه لحيوان .
وقد قال أمية بن أبي الصلت :من لم يمت عبطة يمت هرما للموت كأس وإن المرء ذائقهاوقال آخر :الموت باب وكل الناس داخله فليت شعري بعد الباب ما الدارالثانية : قراءة العامة ذائقة الموت بالإضافة .
وقرأ الأعمش ويحيى وابن أبي إسحاق " ذائقة الموت " بالتنوين ونصب الموت .
قالوا : لأنها لم تذق بعد .
وذلك أن اسم الفاعل على ضربين : أحدهما أن يكون بمعنى المضي .
والثاني بمعنى الاستقبال ; فإن أردت الأول لم يكن فيه إلا الإضافة إلى ما بعده ; كقولك : هذا ضارب زيد أمس ، وقاتل بكر أمس ; لأنه يجري مجرى الاسم الجامد وهو العلم ، نحو غلام زيد ، وصاحب بكر .
قال الشاعر :الحافظو عورة العشيرة لا يأ تيهم من ورائهم وكفوإن أردت الثاني جاز الجر .
والنصب والتنوين فيما هذا سبيله هو الأصل ; لأنه يجري [ ص: 279 ] مجرى الفعل المضارع فإن كان الفعل غير متعد ، لم يتعد نحو قائم زيد .
وإن كان متعديا عديته ونصبت به ، فتقول : زيد ضارب عمرا بمعنى يضرب عمرا .
ويجوز حذف التنوين والإضافة تخفيفا ، كما قال المرار " :سل الهموم بكل معطي رأسه ناج مخالط صهبة متعيسمغتال أحبله مبين عنقه في منكب زبن المطي عرندسفحذف التنوين تخفيفا ، والأصل : معط رأسه بالتنوين والنصب ، ومثل هذا أيضا في التنزيل قوله تعالى هل هن كاشفات ضره وما كان مثله .الثالثة : ثم اعلم أن للموت أسبابا وأمارات ، فمن علامات موت المؤمن عرق الجبين .
أخرجه النسائي من حديث بريدة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : المؤمن يموت بعرق الجبين .
وقد بيناه في " التذكرة " فإذا احتضر لقن الشهادة ; لقوله عليه السلام : لقنوا موتاكم لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه فيختم له بالشهادة ; ولا يعاد عليه منها لئلا يضجر .
ويستحب قراءة " يس " ذلك الوقت ; لقوله عليه السلام : اقرءوا يس على موتاكم أخرجه أبو داود .
وذكر الآجري في كتاب النصيحة من حديث أم الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من ميت يقرأ عنده سورة يس إلا هون عليه الموت .
فإذا قضي وتبع البصر الروح كما [ ص: 280 ] أخبر - صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم وارتفعت العبادات وزال التكليف ، توجهت على الأحياء أحكام ; منها : تغميضه ، وإعلام إخوانه الصلحاء بموته .
وكرهه قوم وقالوا : هو من النعي .
والأول أصح ، وقد بيناه في غير هذا الموضع .
ومنها الأخذ في تجهيزه بالغسل والدفن لئلا يسرع إليه التغير ; قال - صلى الله عليه وسلم - لقوم أخروا دفن ميتهم : عجلوا بدفن جيفتكم وقال : أسرعوا بالجنازة الحديث ، وسيأتي .الرابعة : فأما غسله فهو سنة لجميع المسلمين حاشا الشهيد على ما تقدم .
قيل : غسله واجب قاله القاضي عبد الوهاب .
والأول : مذهب الكتاب ، وعلى هذين القولين العلماء .
وسبب الخلاف قوله عليه السلام لأم عطية في غسلها ابنته زينب ، على ما في كتاب مسلم .
وقيل : هي أم كلثوم ، على ما في كتاب أبي داود : اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك الحديث .
وهو الأصل عند العلماء في غسل الموتى .
فقيل : المراد بهذا الأمر بيان حكم الغسل فيكون واجبا .
وقيل : المقصود منه تعليم كيفية الغسل فلا يكون فيه ما يدل على الوجوب .
قالوا ويدل عليه قوله : ( إن رأيتن ذلك ) وهذا يقتضي إخراج ظاهر الأمر عن الوجوب ; لأنه فوضه إلى نظرهن .
قيل لهم : هذا فيه بعد ; لأن ردك ( إن رأيتن ) إلى الأمر ، ليس السابق إلى الفهم بل السابق رجوع هذا الشرط إلى أقرب مذكور ، وهو ( أكثر من ذلك ) أو إلى التخيير في الأعداد .
وعلى الجملة فلا خلاف في أن غسل الميت مشروع معمول به في الشريعة لا يترك .
وصفته كصفة غسل الجنابة على ما هو معروف .
ولا يجاوز السبع غسلات في غسل الميت بإجماع ; على ما حكاه أبو عمر .
فإن خرج منه شيء بعد السبع غسل الموضع [ ص: 281 ] وحده ، وحكمه حكم الجنب إذا أحدث بعد غسله .
فإذا فرغ من غسله كفنه في ثيابه وهي :الخامسة : والتكفين واجب عند عامة العلماء ، فإن كان له مال فمن رأس ماله عند عامة العلماء إلا ما حكي عن طاوس أنه قال : من الثلث كان المال قليلا أو كثيرا .
فإن كان الميت ممن تلزم غيره نفقته في حياته من سيد إن كان عبدا أو أب أو زوج أو ابن ; فعلى السيد باتفاق ، وعلى الزوج والأب والابن باختلاف .
ثم على بيت المال أو على جماعة المسلمين على الكفاية .
والذي يتعين منه بتعيين الفرض ستر العورة ; فإن كان فيه فضل غير أنه لا يعم جميع الجسد غطي رأسه ووجهه إكراما لوجهه وسترا لما يظهر من تغير محاسنه .والأصل في هذا قصة مصعب بن عمير ، فإنه ترك يوم أحد نمرة كان إذا غطي رأسه خرجت رجلاه ، وإذا غطي رجلاه خرج رأسه ; فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر أخرج الحديث مسلم .والوتر مستحب عند كافة العلماء في الكفن ، وكلهم مجمعون على أنه ليس فيه حد والمستحب منه البياض قال - صلى الله عليه وسلم - : البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم أخرجه أبو داود .
وكفن - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف .
والكفن في غير البياض جائز إلا أن يكون حريرا أو خزا .فإن تشاح الورثة في الكفن قضي عليهم في مثل لباسه في جمعته وأعياده قال - صلى الله عليه وسلم - : إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه أخرجه مسلم .
إلا أن يوصي بأقل من ذلك .
فإن أوصى بسرف قيل : يبطل الزائد .
وقيل : يكون في الثلث .
والأول أصح ; لقوله تعالى : ولا تسرفوا .
وقال أبو بكر : إنه للمهلة .
فإذا فرغ من غسله وتكفينه ووضع على سريره واحتمله الرجال على أعناقهم وهي :السادسة : فالحكم الإسراع في المشي ; لقوله عليه السلام : أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم .
لا كما يفعله اليوم [ ص: 282 ] الجهال في المشي رويدا والوقوف بها المرة بعد المرة ، وقراءة القرآن بالألحان إلى ما لا يحل ولا يجوز حسب ما يفعله أهل الديار المصرية بموتاهم .
روى النسائي : أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا خالد قال أنبأنا عيينة بن عبد الرحمن قال حدثني أبي قال : شهدت جنازة عبد الرحمن بن سمرة وخرج زياد يمشي بين يدي السرير ، فجعل رجال من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم ويقولون : رويدا رويدا ، بارك الله فيكم !
فكانوا يدبون دبيبا ، حتى إذا كنا ببعض طريق المربد لحقنا أبو بكرة - رضي الله عنه - على بغلة فلما رأى الذين يصنعون حمل عليهم ببغلته وأهوى إليهم بالسوط فقال : خلوا !
فوالذي أكرم وجه أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - لقد رأيتنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنها لنكاد نرمل بها رملا ، فانبسط القوم .
وروى أبو ماجدة عن ابن مسعود قال سألنا نبينا صلى الله عليه سلم عن المشي مع الجنازة فقال : دون الخبب إن يكن خيرا يعجل إليه وإن يكن غير ذلك فبعدا لأهل النار الحديث .
قال أبو عمر : والذي عليه جماعة العلماء في ذلك الإسراع فوق السجية قليلا ، والعجلة أحب إليهم من الإبطاء .
ويكره الإسراع الذي يشق على ضعفة الناس ممن يتبعها .
وقال إبراهيم النخعي : بطئوا بها قليلا ولا تدبوا دبيب اليهود والنصارى .
وقد تأول قوم الإسراع في حديث أبي هريرة تعجيل الدفن لا المشي ، وليس بشيء لما ذكرنا .
وبالله التوفيق .السابعة : وأما الصلاة عليه فهي واجبة على الكفاية كالجهاد .
هذا هو المشهور من مذاهب العلماء : مالك وغيره ; لقوله في النجاشي : قوموا فصلوا عليه .
وقال أصبغ : إنها سنة .
وروى عن مالك .
وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان في " براءة " .الثامنة : وأما دفنه في التراب ودسه وستره فذلك واجب ; لقوله تعالى : فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه .
وهناك يذكر حكم بنيان القبر وما [ ص: 283 ] يستحب منه ، وكيفية جعل الميت فيه .
ويأتي في " الكهف " حكم بناء المسجد عليه ، إن شاء الله تعالى .
فهذه جملة من أحكام الموتى وما يجب لهم على الأحياء .
وعن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا أخرجه مسلم .
وفي سنن النسائي عنها أيضا قالت : ذكر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - هالك بسوء فقال : لا تذكروا هلكاكم إلا بخير .قوله تعالى : وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فأجر المؤمن ثواب ، وأجر الكافر عقاب ، ولم يعتد بالنعمة والبلية في الدنيا أجرا وجزاء ; لأنها عرصة الفناء .فمن زحزح عن النار أي أبعد .
وأدخل الجنة فقد فاز ظفر بما يرجو ، ونجا مما يخاف .
وروى الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من سره أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه .
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرءوا إن شئتم فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز .وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور أي تغر المؤمن وتخدعه فيظن طول البقاء وهي فانية .
والمتاع ما يتمتع به وينتفع ; كالفأس والقدر والقصعة ثم يزول ولا يبقى ملكه ; قاله أكثر المفسرين .
قال الحسن : كخضرة النبات ، ولعب البنات لا حاصل له .
وقال قتادة : هي متاع [ ص: 284 ] متروك توشك أن تضمحل بأهلها ; فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع .
ولقد أحسن من قال :هي الدار دار الأذى والقذى ودار الفناء ودار الغيرفلو نلتها بحذافيرها لمت ولم تقض منها الوطرأيا من يؤمل طول الخلود وطول الخلود عليه ضررإذا أنت شبت وبان الشباب فلا خير في العيش بعد الكبروالغرور ( بفتح الغين ) الشيطان ; يغر الناس بالتمنية والمواعيد الكاذبة .
قال ابن عرفة : الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه ، وفيه باطن مكروه أو مجهول .
والشيطان غرور ; لأنه يحمل على محاب النفس ، ووراء ذلك ما يسوء .
قال : ومن هذا بيع الغرر ، وهو ما كان له ظاهر بيع يغر وباطن مجهول .
هذه الآية الكريمة فيها التزهيد في الدنيا بفنائها وعدم بقائها، وأنها متاع الغرور، تفتن بزخرفها، وتخدع بغرورها، وتغر بمحاسنها، ثم هي منتقلة، ومنتقل عنها إلى دار القرار، التي توفى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار، من خير وشر.
{ فمن زحزح } أي: أخرج، { عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } أي: حصل له الفوز العظيم من العذاب الأليم، والوصول إلى جنات النعيم، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ومفهوم الآية، أن من لم يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فإنه لم يفز، بل قد شقي الشقاء الأبدي، وابتلي بالعذاب السرمدي.
وفي هذه الآية إشارة لطيفة إلى نعيم البرزخ وعذابه، وأن العاملين يجزون فيه بعض الجزاء مما عملوه، ويقدم لهم أنموذج مما أسلفوه، يفهم هذا من قوله: { وإنما توفون أجوركم يوم القيامة } أي: توفية الأعمال التامة، إنما يكون يوم القيامة، وأما ما دون ذلك فيكون في البرزخ، بل قد يكون قبل ذلك في الدنيا كقوله تعالى: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر }
قوله عز وجل : ( كل نفس ) منفوسة ، ( ذائقة الموت ) وفي الحديث : " لما خلق الله تعالى آدم اشتكت الأرض إلى ربها لما أخذ منها فوعدها أن يرد فيها ما أخذ منها فما من أحد إلا يدفن في التربة التي خلق منها " ، ( وإنما توفون أجوركم ) توفون جزاء أعمالكم ، ( يوم القيامة ) إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، ( فمن زحزح ) نجي وأزيل ، ( عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) ظفر بالنجاة ونجا من الخوف ، ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) يعني منفعة ومتعة كالفأس والقدر والقصعة ثم تزول ولا تبقى .
وقال الحسن : كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل له .
قال قتادة : هي متاع متروكة يوشك أن تضمحل بأهلها فخذوا من هذا المتاع بطاعة الله ما استطعتم والغرور : الباطل .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أنا حاجب بن أحمد الطوسي ، أخبرنا محمد بن يحيى ، أخبرنا ابن هارون ، أخبرنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " واقرءوا إن شئتم " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون " ( السجدة - 17 ) وإن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرءوا إن شئتم : وظل ممدود ( الواقعة - 30 ) ولموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما عليها واقرءوا إن شئتم ( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) .
«كل نفس ذائقة الموت وإنما توفَّون أجوركم» جزاء أعمالكم «يوم القيامة فمن زُحزح» بعد «عن النار وأدخل الجنة فقد فاز» نال غاية مطلوبه «وما الحياة الدنيا» أي العيش فيها «إلا متاع الغرور» الباطل يتمتع به قليلا ثم يفنى.
كل نفس لا بدَّ أن تذوق الموت، وبهذا يرجع جميع الخلق إلى ربهم؛ ليحاسبهم.
وإنما تُوفَّون أجوركم على أعمالكم وافية غير منقوصة يوم القيامة، فمن أكرمه ربه ونجَّاه من النار وأدخله الجنة فقد نال غاية ما يطلب.
وما الحياة الدنيا إلا متعة زائلة، فلا تغترُّوا بها.
ثم بين - سبحانه - أن مرد الخلق جميعا إلى الله ، وأن كل نفس مهما طال عمرها لا بد أن يصيبها الموت ، وأن الدار الباقية إنما هى الدار الآخرة التى سيحاسب الناس فيها على أعمالهم فقال - تعالى - : { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة } .قال ابن كثير : " يخبر - تعالى - إخبارا عاما يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت ، كقوله - تعالى - :{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام } فهو - تعالى - وحده الحى الذى لا يموت والجن والإنس يموتون ، وكذلك الملائكة وحملة العرش ، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء فيكون آخرا كما كان أولا ، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس ، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت .
.
" .وقوله { ذَآئِقَةُ الموت } من الذوق وحقيقته إدراك الطعوم ، والمراد به هنا حدوث الموت لكل نفس .وعبر عن حدوث الموت لكل نفس بذوقه ، للإشارة إلى أنه عند ذوق المذاق إما مرا لما يستتبعه من عذاب ، وإما حلوا هنيئا بسبب ما يكون بعده من أجر وثواب .وأسند ذوق الموت إلى النفس ولم يسنده إلى الشخص : لأن النفس روح ، والشخص جزءان : جسم ونفس ، والنفس هى التى تبقى بعد مفارقتها للجسد ، فهى التى تذوق الموت كما ذاقت الحياة الدنيا .وقوله { وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة } أى : وإنما تعطون جزاء أعمالكم وافيا تاما يوم القيامة .
يوم يقوم الناس لرب العالمين ليحاسبهم على أعمالهم ، فيجازى الذين أساءوا بما عملوا .
ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .قال صاحب الكشاف : فإن قلت كيف اتصل قوله - تعالى - : { وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة } بما قبله؟
قلتك اتصاله به على معنى أن كلكم تموتون ، ولا بد لكم من الموت ولا توفون أجوركم على طاعتكم ومعصيتكم عقيب موتكم ، وإنما توفونها يوم قيامكم من القبور .فإن قلت : فهذا يوهم نفى ما يروى من أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة نم حفر النار؟
قلت : كلمة التوفية تزيل هذا الوهم ، لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون فى ذلك اليوم ، وما يكون قبل ذلك فهو بعض الأجور " .وقال الفخر الرازى : " بين - سبحانه - أن تمام الأجر والثواب لا يصل إلى المكلف إلا يوم القيامة ، لأن كل منفعة تصل إلى المكلف فى الدنيا فهى مكدرة بالغموم والهموم وبخوف الانقطاع والزوال ، والأجر التام والثواب الكامل إنما يصل إلى المكلف يوم القيامة ، لأن هناك يحصل السرور بلا غم ، والأمن بلا خوف ، واللذة بلا ألم ، والسعادة بلا خوف الانقطاع .وكذا القول فى العقاب ، فإنه لا يحصل فى الدنيا ألم خالص عن شوائب اللذة ، بل يمتزج به راحات وتخفيفات ، وإنما الألم التام الخالص الباقى هو الذى يكون يوم القيامة " .ثم قال - تعالى - { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ } .الزحزحة عن النار : هى التنحية عنها ، وعدم الاقتراب منها والفعل زحزح مضاعف الفعل زحه عن المكان إذا جذبه وأبعده عنه بعجلة وسرعة .والمعنى أن كل نفس سيدركها الموت لا محالة .
وأن الناس سيحاسبون على أعمالهم يوم القيامة ، فمن كانت نتيجة حسابه الإبعاد عن النار ، والنجاةن من سعيرها ، فقد فاز فوزاً عظيما ، وأدرك البغية التى ليس بعدها بغية .والفاء فو قوله { فَمَن زُحْزِحَ } للتفريع على قوله { تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ } .وجمع - سبحانه - بين { زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة } مع أن فى الثانى غنية عن الأول ، للإشعار بأن دخول الجنة يشتمل على نعمتين عظيمتين وهما : النجاة من النار ، والتلذذ بنعيم الجنة .وفى الحديث الشريف عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " موضع سوط فى الجنة خير من الدنيا وما فيها ، اقرءوا إن شئتم { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ } " .وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة ، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " .ثم ختم - الآية بقوله : { وَما الحياة الدنيا إِلاَّ مَتَاعُ الغرور } .والمتاع : هو ما يتمتع به الإنسان وينتفع به مما يباع ويشترى .والغرور - بضم الغين - مصدر غره أى خدعه وأطعمه بالباطل .أى : ليست هذه الحياة الدنيا التى نعيش فيها .
ونستمتع بلذاتها ومنافعها ، إلا متاعا يستمتع به المغتر بها ، الذى لا يفكر فى أى شىء سواها ، ثم يحاسب على ذلك حسابا عسيراً يوم القيامة ، أما الذى يأخذ من متاعها بالطريقة التى أمر الله - تعالى - بها ، فإنه يكون من السعداء فى دنياهم وآخرتهم .قال صاحب الكشاف : شبه - سبحانه - الدنيا بالمتاع الذى يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه ، ثم يتبين له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور .
وعن سعيد بن جبير : إنما هذا لمن آثرها على الآخرة ، فاما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ " .فالآية الكريمة ترغيب للمؤمنين فى الطاعة ، وتحذير للعصاة من المعصية ، وتذكير للجميع بأن مرجعهم إلى الله إن عاجلا أو آجلا ، وسيلقى كل إنسان جزاءه على عمله ، وأن السعادة الحقة لمن نال رضا الله يوم يلقاه .
في قوله: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ ﴾ وجوه: أحدها: فان كذبوك في قولك أن الأنبياء المتقدمين جاؤا إلى هؤلاء اليهود بالقربان الذي تأكله النار فكذبوهم وقتلوهم، فقد كذب رسل من قبلك: نوح وهود وصالح وابراهيم وشعيب وغيرهم.
والثاني: أن المراد: فإن كذبوك في أصل النبوة والشريعة فقد كذب رسل من قبلك، ولعل هذا الوجه أوجه، لأنه تعالى لم يخصص، ولأن تكذيبهم في أصل النبوة أعظم، ولأنه يدخل تحته التكذيب في ذلك الحجاج.
والمقصود من هذا الكلام تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيان أن هذا التكذيب ليس أمرا مختصا به من بين سائر الأنبياء، بل شأن جميع الكفار تكذيب جميع الأنبياء والطعن فيهم، مع أن حالهم في ظهور المعجزات عليهم وفي نزول الكتب إليهم كحالك، ومع هذا فإنهم صبروا على ما نالهم من أولئك الأمم واحتملوا إيذاءهم في جنب تأدية الرسالة، فكن متأسيا بهم سالكا مثل طريقتهم في هذا المعنى، وإنما صار ذلك تسلية لأن المصيبة إذا عمت طابت وخفت، فأما البينات فهي الحجج والمعجزات، وأما الزبر فهي الكتب، وهي جمع زبور، والزبور الكتاب، بمعنى المزبور أي المكتوب، يقال: زبرت الكتاب أي كتبته، وكل كتاب زبور.
قال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة، وعلى هذا: الأشبه أن يكون معنى الزبور من الزبر الذي هو الزجر، يقال: زبرت الرجل إذا زجرته عن الباطل، وسمي الكتاب زبوراً لما فيه من الزبر عن خلاف الحق، وبه سمي زبور داود لكثرة ما فيه من الزواجر والمواعظ.
وقرأ ابن عباس ﴿ وبالزبر ﴾ أعاد الباء للتأكيد وأما المنير فهو من قولك أنرت الشيء أي أوضحته، وفي الآية مسألتان.
المسألة الأولى: المراد من البينات المعجزات ثم عطف عليها الزبر والكتاب، وهذا يقتضي أن يقال إن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم، وذلك يدل على أن أحدا من الأنبياء ما كانت كتبهم معجزة لهم، فالتوراة والانجيل والزبور والصحف ما كان شيء منها معجزة، وأما القرآن فهو وحده كتاب ومعجزة، وهذا أحد خواص الرسول عليه الصلاة والسلام.
المسألة الثانية: عطف الكتاب المنير على الزبر مع أن الكتاب المنير لابد وأن يكون من الزبر، وإنما حسن هذا العطف لأن الكتاب المنير أشرف الكتب وأحسن الزبر، فحسن العطف كما في قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ ﴾ وقال: ﴿ مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ ووجه زيادة الشرف فيه إما كونه مشتملا على جميع الشريعة، أو كونه باقياً على وجه الدهر، ويحتمل أن يكون المراد بالزبر: الصحف، وبالكتاب المنير التوراة والانجيل والزبور.
قوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت ﴾ .
اعلم ان المقصود من هذه الآية تأكيد تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام والمبالغة في إزالة الحزن من قلبه وذلك من وجهين: أحدهما: أن عاقبة الكل الموت، وهذه الغموم والأحزان تذهب وتزول ولا يبقى شيء منها، والحزن متى كان كذلك لم يلتفت العاقل اليه.
والثاني: أن بعد هذه الدار دار يتميز فيها المحسن عن المسيء، ويتوفر على عمل كل واحد ما يليق به من الجزاء، وكل واحد من هذين الوجهين في غاية القوة في إزالة الحزن والغم عن قلوب العقلاء، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت ﴾ سؤال: وهو أن الله تعالى يسمى بالنفس قال: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ وأيضاً النفس والذات واحد فعلى هذا يدخل الجمادات تحت اسم النفس، ويلزم على هذا عموم الموت في الجمادات، وأيضاً قال تعالى: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله ﴾ وذلك يقتضي أن لا يموت الداخلون في هذا الاستثناء، وهذا العموم يقتضي موت الكل، وأيضاً يقتضي وقوع الموت لأهل الجنة ولأهل النار لأن كلهم نفوس.
وجوابه: أن المراد بالآية المكلفون الحاضرون في دار التكليف بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية: ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ ﴾ فان هذا المعنى لا يتأتى إلا فيهم، وأيضا العام بعد التخصيص يبقى حجة.
المسألة الثانية: ﴿ ذَائِقَةُ ﴾ فاعلة من الذوق، واسم الفاعل إذا أضيف إلى اسم وأريد به الماضي لم يجز فيه إلا الجر، كقولك: زيد ضارب عمرو أمس، فان أردت به الحال والاستقبال جاز الجر والنصب تقول: هو ضارب زيد غدا، وضارب زيدا غدا، قال تعالى: ﴿ هَلْ هُنَّ كاشفات ضُرّهِ ﴾ قرئ بالوجهين لأنه للاستقبال.
وروي عن الحسن أنه قرأ ﴿ ذَائِقَةُ الموت ﴾ بالتنوين ونصب الموت وهذا هو الأصل وقرأ الأعمش ﴿ ذَائِقَةُ الموت ﴾ بطرح التنوين مع النصب كقوله: ولا ذاكر الله إلا قليلا *** وتمام الكلام في هذه المسألة يأتي في سورة النساء عند قوله: ﴿ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ ﴾ ان شاء الله تعالى.
المسألة الثالثة: زعمت الفلاسفة أن الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية، وذلك لأن هذه الحياة الجسمانية لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية، ثم إن الحرارة الغريزية تؤثر في تحليل الرطوبة الغريزية، ولا تزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفئ الحرارة الغريزية ويحصل الموت، فبهذا الطريق كان الموت ضروريا في هذه الحياة.
قالوا وقوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت ﴾ يدل على أن النفوس لا تموت بموت البدن، لأنه جعل النفس ذائقة الموت، والذائق لابد وأن يكون باقيا حال حصول الذوق، والمعنى أن كل نفس ذائقة موت البدن، وهذا يدل على أن النفس غير البدن، وعلى أن النفس لا تموت بموت البدن، وأيضا: لفظ النفس مختص بالأجسام، وفيه تنبيه على أن ضرورة الموت مختصة بالحياة الجسمانية، فأما الأرواح المجردة فلا، وقد جاء في الروايات ما هو خلاف ذلك، فانه روي عن ابن عباس أنه قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ قالت الملائكة مات أهل الأرض، ولما نزل قوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت ﴾ قالت الملائكة متنا.
المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت ﴾ يدل على أن المقتول يسمى بالميت وإنما لا يسمى المذكى بالميت بسبب التخصيص بالعرف.
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ بين تعالى أن تمام الأجر والثواب لا يصل الى المكلف إلا يوم القيامة، لأن كل منفعة تصل الى المكلف في الدنيا فهي مكدرة بالغموم والهموم وبخوف الانقطاع والزوال، والأجر التام والثواب الكامل إنما يصل الى المكلف يوم القيامة لأن هناك يحصل السرور بلا غم، والأمن بلا خوف، واللذة بلا ألم.
والسعادة بلا خوف الانقطاع، وكذا القول في جانب العقاب فانه لا يحصل في الدنيا ألم خالص عن شوائب اللذة، بل يمتزج به راحات وتخفيفات، وإنما الألم التام الخالص الباقي هو الذي يكون يوم القيامة، نعوذ بالله منه.
ثم قال تعالى: ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ ﴾ الزحزحة التنحية والابعاد، وهو تكرير الزح، والزح هو الجذب بعجلة، وهذا تنبيه على أن الإنسان حينما كان في الدنيا كأنه كان في النار، وما ذاك إلا لكثرة آفاتها وشدة بلياتها، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «الدنيا سجن المؤمن».
واعلم أنه لا مقصود للانسان وراء هذين الأمرين، الخلاص عن العذاب، والوصول الى الثواب، فبين تعالى أن من وصل الى هذين المطلوبين فقد فاز بالمقصد الأقصى والغاية التي لا مطلوب بعدها.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» وقرأ قوله تعالى: ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فاز ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليؤت الى الناس ما يحب أن يؤتى اليه».
ثم قال: ﴿ وَما الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور ﴾ الغرور مصدر من قولك: غررت فلاناً غروراً شبه الله الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر عليه حتى يشتريه ثم يظهر له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور، وعن سعيد بن جبير: أن هذا في حق من آثر الدنيا على الآخرة، وأما من طلب الآخرة بها فانها نعم المتاع، والله أعلم.
واعلم أن فساد الدنيا من وجوه: أولها: أنه لو حصل للانسان جميع مراداته لكان غمه وهمه أزيد من سروره، لأجل قصر وقته وقلة الوثوق به وعدم علمه بأنه هل ينتفع به أم لا.
وثانيها: أن الإنسان كلما كان وجدانه بمرادات الدنيا أكثر كان حرصه في طلبها أكثر، ولكما كان الحرص أكثر كان تألم القلب بسبب ذلك الحرص أشد، فان الإنسان يتوهم أنه إذا فاز بمقصوده سكنت نفسه وليس كذلك، بل يزداد طلبه وحرصه ورغبته.
وثالثها: أن الإنسان بقدر ما يجد من الدنيا يبقى محروما عن الآخرة التي هي أعظم السعادات والخيرات، ومتى عرفت هذه الوجوه الثلاثة علمت أن الدنيا متاع الغرور، وأنها كما وصفها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال: لين مسها قاتل سمها.
وقال بعضهم: الدنيا ظاهرها مطية السرور، وباطنها مطية الشرور.
<div class="verse-tafsir"
وقرأ اليزيدي ﴿ ذائقة الموت ﴾ على الأصل.
وقرأ الأعمش (ذَائِقَةُ الموت) بطرح التنوين مع النصب كقوله: وَلاَ ذَاكِرَ اللَّهَ إلاّ قَلِيلا فإن قلت: كيف اتصل به قوله: ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ ﴾ ؟
قلت: اتصاله به على أن كلكم تموتون ولا بدّ لكم من الموت ولا توفون أجوركم على طاعاتكم ومعاصيكم عقيب موتكم، وإنما توفونها يوم قيامكم من القبور.
فإن قلت فهذا يوهم نفي ما يروي أن «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار» قلت: كلمة التوفية تزيل هذا الوهم، لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون ذلك اليوم، وما يكون قبل ذلك فبعض الأجور.
الزحزحزة: التنحية والإبعاد تكرير الزح، وهو الجذب بعجلة ﴿ فَقَدْ فَازَ ﴾ فقد حصل له الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط الله والعذاب السرمد، ونيل رضوان الله والنعيم المخلد.
اللهم وفقنا لما ندرك به عندك الفوز في المآب.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» وهذا شامل للمحافظة على حقوق الله وحقوق العباد.
شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغرّ حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته.
والشيطان هو المدلس الغرور.
وعن سعيد بن جبير: إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ، خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الأذى والشدائد والصبر عليها، حتى إذا لقوها لقوها وهم مستعدون لايرهقهم ما يرهق من يصيبه الشدة بغتة فينكرها وتشمئز منها نفسه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْمُصَدِّقِ والمُكَذِّبِ.
وقُرِئَ «ذائِقَةً المَوْتَ» بِالنَّصْبِ مَعَ التَّنْوِينِ وعَدَمِهِ كَقَوْلِهِ: «وَلا ذاكِرٌ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا» ﴿ وَإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ ﴾ تُعْطَوْنَ جَزاءَ أعْمالِكم خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا تامًّا وافِيًا.
﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ يَوْمَ قِيامِكم مِنَ القُبُورِ، ولَفْظُ التَّوْفِيَةِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَبْلَها بَعْضُ الأُجُورِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ».» ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ ﴾ بَعُدَ عَنْها، والزَّحْزَحَةُ في الأصْلِ تَكْرِيرُ الزَّحِّ وهو الجَذْبُ بِعَجَلَةٍ.
﴿ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ﴾ بِالنَّجاةِ ونَيْلِ المُرادِ، والفَوْزُ الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ : «مَن أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ويَأْتِي إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ».» ﴿ وَما الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ أيْ لَذّاتُها وزَخارِفُها.
﴿ إلا مَتاعُ الغُرُورِ ﴾ شَبَّهَها بِالمَتاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلى المُسْتامِ ويُغَرُّ حَتّى يَشْتَرِيَهُ، وهَذا لِمَن آثَرَها عَلى الآخِرَةِ.
فَأمّا مَن طَلَبَ بِها الآخِرَةَ فَهي لَهُ مَتاعُ بَلاغٍ والغُرُورُ مَصْدَرٌ أوْ جَمْعُ غارٍ.
<div class="verse-tafsir"
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)
{كُلُّ نَفْسٍ} مبتدأ والخبر {ذَائِقَةُ الموت} وجاز الابتداء بالنكرة لما فيه من العموم والمعنى لا يحزنك تكذيبهم إياك فمرجع الخلق إليّ فأجازيهم على التكذيب وأجازيك على الصبر وذلك قوله {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة} أي تعطون ثواب أعمالكم على الكمال يوم القيامة فإن الدنيا ليست بدار الجزاء {فَمَن زُحْزِحَ} بعد والزحزحة الإبعاد {عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ} ظفر بالخير وقيل فقد حصل له الفوز المطلق وقيل الفوز نيل المحبوب والبعد عن المكروه {وَمَا الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور} شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور وعن سعيد بن جبير إنما هذا لمن آثرها على الآخرة فأما من طلب الاخرة فإنها متاع بلاغ وعن الحسن كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل لها
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: مُتْنا.
ووُقُوعُ المَوْتِ لِلْأنْفُسِ في هَذِهِ النَّشْأةِ الحَيَوانِيَّةِ الجُسْمانِيَّةِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ إلّا أنَّ الحُكَماءَ بَنَوْا ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الحَياةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِالرُّطُوبَةِ والحَرارَةِ الغَرِيزِيَّتَيْنِ.
ثُمَّ إنَّ الحَرارَةَ تُؤَثِّرُ في تَحْلِيلِ الرُّطُوبَةِ، فَإذا قَلَّتِ الرُّطُوبَةُ ضَعُفَتِ الحَرارَةُ، ولا تَزالُ هَذِهِ الحالُ مُسْتَمِرَّةً إلى أنْ تَفْنى الرُّطُوبَةُ الأصْلِيَّةُ فَتَنْطَفِئَ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ ويَحْصُلَ المَوْتُ، ومِن هُنا قالُوا: إنَّ الأرْواحَ المُجَرَّدَةَ لا تَمُوتُ ولا يُتَصَوَّرُ مَوْتُها إذْ لا حَرارَةَ هُناكَ ولا رُطُوبَةَ، وقَدْ ناقَشَهُمُ المُسْلِمُونَ في ذَلِكَ والمَدارُ عِنْدَهم عَلى الحَرارَةِ الكافُ ورُطُوبَةُ النُّونِ، ولَعَلَّهم يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَوْتٍ ومَوْتٍ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَقْتُولَ مَيِّتٌ، وعَلى أنَّ النَّفْسَ باقِيَةٌ بَعْدَ البَدَنِ؛ لِأنَّ الذّائِقَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ باقِيًا حالَ حُصُولِ المَذُوقِ فَتَدَبَّرْ.
وقَرَأ اليَزِيدِيُّ: (ذائِقَةً المَوْتَ) بِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ المَوْتِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: (ذائِقَةَ المَوْتَ) بِطَرْحِ التَّنْوِينِ مَعَ النَّصْبِ كَما في قَوْلِهِ: فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكِرًا لِلَّهِ إلّا قَلِيلا وعَلى القِراءاتِ الثَّلاثِ (كُلُّ نَفْسٍ) مُبْتَدَأٌ وجازَ ذَلِكَ وإنْ كانَ نَكِرَةً لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ، و(ذائِقَةُ) الخَبَرُ، وأُنِّثَ عَلى مَعْنى (كُلُّ) لِأنَّ (كُلُّ نَفْسٍ) نُفُوسٌ، ولَوْ ذُكِرَ في غَيْرِ القُرْآنِ عَلى لَفْظِ (كُلُّ) جازَ.
﴿ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ ﴾ أيْ تُعْطَوْنَ أجْزِيَةَ أعْمالِكم وافِيَةً تامَّةً ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيْ وقْتَ قِيامِكم مِنَ القُبُورِ، فالقِيامَةُ مَصْدَرٌ والوَحْدَةُ لِقِيامِهِمْ دَفْعَةً واحِدَةً، وفي لَفْظِ التَّوْفِيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ بَعْضَ أُجُورِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ تَصِلُ إلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النِّيرانِ»، وقِيلَ: النُّكْتَةُ في ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ يَقَعُ الجَزاءُ بِبَعْضِ الأعْمالِ في الدُّنْيا، ولَعَلَّ مَن يُنْكِرُ عَذابَ القَبْرِ تَتَعَيَّنُ عِنْدَهُ هَذِهِ النُّكْتَةُ.
﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ ﴾ أيْ بَعْدَ يَوْمِئِذٍ عَنْ نارِ جَهَنَّمَ، وأصْلُ الزَّحْزَحَةِ تَكْرِيرُ الزَّحِّ، وهو الجَذْبُ بِعَجَلَةٍ، وقَدْ أُرِيدَ هُنا المَعْنى اللّازِمُ ﴿ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ﴾ أيْ سَعِدَ ونَجا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأصْلُ الفَوْزِ الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، وبَعْضُ النّاسِ قَدَّرَ لَهُ هُنا مُتَعَلِّقًا أيْ فازَ بِالنَّجاةِ ونِيلِ المُرادِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ حُذِفَ لِلْعُمُومِ أيْ بِكُلِّ ما يُرِيدُ، وفي الخَبَرِ: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أحَدِكم في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ».
وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ويَأْتِي إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ».
وذِكْرُ دُخُولِ الجَنَّةِ بَعْدَ البُعْدِ عَنِ النّارِ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ البُعْدِ عَنْها دُخُولُ الجَنَّةِ كَما هو ظاهِرٌ.
﴿ وما الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ أيْ لِذاتِها وشَهَواتِها وزِينَتِها ﴿ إلا مَتاعُ الغُرُورِ ﴾ (185) المَتاعُ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ بِهِ مِمّا يُباعُ ويَشْتَرى، وقَدْ شَبَّهَها سُبْحانَهُ بِذَلِكَ المَتاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلى المُسْتامِ ويُغَيِّرُ حَتّى يَشْتَرِيَهُ إشارَةً إلى غايَةِ رَداءَتِها عِنْدَ مَن أمْعَنَ النَّظَرَ فِيها: إذا امْتَحَنَ الدُّنْيا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ ∗∗∗ لَهُ عَنْ عَدُوٍّ في ثِيابِ صَدِيقِ وعَنْ قَتادَةَ: هي مَتاعٌ مَتْرُوكٌ أوْشَكَتْ واللَّهِ أنْ تَضْمَحِلَّ عَنْ أهْلِها، فَخُذُوا مِن هَذا المَتاعِ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى إنِ اسْتَطَعْتُمْ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: هي لَيِّنٌ مَسُّها، قاتِلٌ سُمُّها.
وقِيلَ: الدُّنْيا ظاهِرُها مَظِنَّةُ السُّرُورِ، وباطِنُها مَطِيَّةُ الشُّرُورِ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا التَّشْبِيهَ بِالنِّسْبَةِ لِمَن آثَرَها عَلى الآخِرَةِ، وأمّا مَن طَلَبَ بِها الآخِرَةَ فَهي لَهُ مَتاعُ بِلاغٍ.
وفِي الخَبَرِ: «" نِعْمَ المالُ الصّالِحُ لِلرَّجُلِ الصّالِحِ».
والغُرُورُ مَصْدَرٌ أوْ جَمْعُ غارٍ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ قال الكلبي: لما نزل قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [الرحمن: 26] قالت الملائكة هلك أهل الأرض، فلما نزل: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أيقنت الملائكة أنها هلكت معهم.
ثم قال وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ أي توفون ثواب أعمالكم يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ يقول بَعُد وَنُحِّي عنها وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ يعني: نجا وسعد في الجنة.
حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا المسيب عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو أن النبيّ قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْيَأت إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْه» .
وقوله: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ قال ابن عباس: متاع الغرور مثل القدر والقارورة والسكرجة ونحو ذلك، لأن ذلك لا يدوم، وكذلك الدنيا تزول وتفنى ولا تبقى.
ويقال: هو مثل الزجاج الذي يسرع إليه الكسر، ولا يصلحه الجبر.
ويقال: كزاد المسافر، يسرع إليه الفناء فكذلك الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ مِنْ أمْر القُرْبان، والمعنى: أنَّ هذا منكم تعلُّل/ وتعنُّت، ولو أتيتُكُمْ بقُرْبَان، لتعلَّلتم بغَيْرِ ذلك، ثم أَنَّسَ سبحانه نبيَّه بالأُسْوة والقُدْوة فيمن تقدَّم من الأنبياء.
قال الفَخْر «١» : والمرادُ بِالْبَيِّناتِ المعجزاتُ.
انتهى.
وَالزُّبُرِ: الكتابُ المكتوبُ، قال الزَّجَّاج «٢» : زَبَرْتُ: كَتَبْتُ.
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)
وقوله سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ...
الآية: وعظ فيه تسلية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولأمته عن أمْرِ الدُّنْيا وأهلِها، ووَعْدٌ بالفلاحِ في الآخرةِ فبالفكْرة في المَوْت يَهُونُ أمر الكُفَّار وتكذيبُهم، وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ، أي: على الكمالِ، ولا محَالَة أنَّ يوم القيامةِ تَقَعُ فيه توفية الأجور، وتوفية العقوبات، وزُحْزِحَ: معناه: أبعد، والمَكَانُ الزَّحْزَاحُ:
البعيدُ، وفازَ: معناه: نجا من خطره وخوفه، والْغُرُورِ: الخَدْعُ، والتَّرْجِيَةُ بالباطل والحياةِ الدنيا، وكُلُّ ما فيها من الأموالِ هي متاعٌ قليلٌ يخدَعُ المرء، ويمنِّيه الأباطيلَ وعلى هذا فسَّر الآيةَ جمهور المفسّرين، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، ثم تَلاَ هذه الآيةَ، قُلْتُ: وأسند أبو بَكْر بْنُ الخَطِيبِ، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ:
«مَا سَكَنَ حُبُّ الدُّنْيَا قَلْبَ عَبْدٍ قَطُّ إلاَّ التاط «٣» مِنْهَا بِخِصَالٍ ثَلاَثٍ: أَمَلٌ لاَ يَبْلُغُ مُنْتَهَاهُ، وَفَقْرٌ لاَ يُدْرِكُ غِنَاهُ، وشغل لا ينفكّ عناه» «٤» .
انتهى.
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)
وقوله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ...
الآية: خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأمته، والمعنى: لتختبرنَّ ولتمتحننَّ في أموالكم بالمَصَائب والأرزاء، وبالإنفاق في سبيل الله،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ .
قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما نَزَلَ في بَنِي آَدَمَ، فَأيْنَ ذِكْرُ المَوْتِ في الجِنِّ، والطَّيْرِ، والأنْعامِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» وفي ذِكْرِ المَوْتِ تَهْدِيدٌ لِلْمُكَذِّبِينَ بِالمَصِيرِ، وتَزْهِيدٌ في الدُّنْيا، وتَنْبِيهٌ عَلى اغْتِنامِ الأجَلِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ بِشارَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُسِيئِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن زُحْزِحَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: نُجِّيَ وأُبْعِدَ.
﴿ فَقَدْ فازَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ فازَ: تَباعَدَ عَنِ المَكْرُوهِ، ولَقِيَ ما يُحِبُّ، يُقالُ لِمَن نَجا مِن هَلَكَةٍ، ولِمَن لَقِيَ ما يَغْتَبِطُ بِهِ: قَدْ فازَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ ﴾ يُرِيدُ أنَّ العَيْشَ فِيها يَغُرُّ الإنْسانَ بِما يُمَنِّيهِ مِن طُولِ البَقاءِ، وسَيَنْقَطِعُ عَنْ قَرِيبٍ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي مَتاعُ الغُرُورِ لِمَن لَمْ يَشْتَغِلْ بِطَلَبِ الآَخِرَةِ، فَأمّا مَن يَشْتَغِلُ بِطَلَبِ الآَخِرَةِ، فَهي لَهُ مَتاعٌ بِلاغٌ إلى ما هو خَيْرٌ مِنها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ ﴾ هَذا خَبَرٌ واعِظٌ فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ ولِأُمَّتِهِ عن أمْرِ الدُنْيا وأهْلِها، وعْدٌ في الآخِرَةِ، فَبِالفِكْرَةِ في المَوْتِ يَهُونُ أمْرُ الكُفّارِ وتَكْذِيبُهُمْ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ حَيَّةٍ، والذَوْقُ هُنا: اسْتِعارَةٌ، "وَإنَّما" حاصِرَةٌ عَلى التَوْفِيَةِ الَّتِي هي عَلى الكَمالِ، لِأنَّ مَن قُضِيَ لَهُ بِالجَنَّةِ فَهو ما لَمْ يَدْخُلْها غَيْرُ مُوَفّىً.
وخَصَّ تَعالى ذِكْرَ الأُجُورِ لِشَرَفِها وإشارَةً إلى مَعْرِفَتِهِ لِمُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ، ولا مَحالَةَ أنَّ المَعْنى: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ تَقَعُ فِيهِ الأُجُورُ وتَوْفِيَةُ العِقابِ.
و"زُحْزِحَ" مَعْناهُ: أُبْعِدَ، والمَكانُ الزَحْزَحُ: البَعِيدُ.
و"فازَ" مَعْناهُ: نَجا مِن خَطَرِهِ وخَوْفِهِ، و"الغُرُورِ" الخَدْعُ والتَرْجِيَةُ بِالباطِلِ، والحَياةُ الدُنْيا وكُلُّ ما فِيها مِنَ الأمْوالِ فَهي مَتاعٌ قَلِيلٌ تَخْدَعُ المَرْءَ وتُمَنِّيهِ الأباطِيلَ.
وعَلى هَذا فَسَّرَ الآيَةَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ سابِطٍ: مَتاعُ الغُرُورِ كَزادِ الراعِي، يُزَوَّدُ الكَفَّ مِنَ التَمْرِ أوِ الشَيْءَ مِنَ الدَقِيقِ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَبَنَ، قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ إلى أنَّ مَتاعَ الدُنْيا قَلِيلٌ لا يَكْفِي مَن تَمَتَّعَ بِهِ ولا يُبَلِّغُهُ سَفَرَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والغُرُورُ في هَذا المَعْنى مُسْتَعْمَلٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: "عَشِّ ولا تَغْتَرَّ"، أيْ لا تَجْتَزِئْ بِما لا يَكْفِيكَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: "مَتاعُ الغُرُورِ": القَوارِيرُ، أيْ: لا بُدَّ لَها مِنَ الانْكِسارِ والفَسادِ، فَكَذَلِكَ أمْرُ الحَياةِ الدُنْيا كُلُّهُ.
وهَذا تَشْبِيهٌ مِن عِكْرِمَةَ.
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ "الغَرُورِ" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ: "ذائِقَةٌ"، بِالتَنْوِينِ "المَوْتَ" بِالنَصْبِ، وقالَ النَبِيُّ ، « "لَمَوْضِعُ سَوْطِ أحَدِكم في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُنْيا وما فِيها" ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ..» <div class="verse-tafsir"
هذه الآية مرتبطة بأصل الغرض المسوق له الكلام، وهو تسلية المؤمنين على ما أصابهم يوم أُحُد، وتفنيد المنافقين في مزَاعمهم أنّ الناس لو استشاروهم في القتال لأشاروا بما فيه سلامتهم فلا يهلكوا، فبعد أنّ بيّن لهم ما يدفع توهّمهم أنّ الانهزام كان خذلاناً من الله وتعجّبهم منه كيف يلحق قوماً خرجوا لنصر الدين وأن لا سبب للهزيمة بقوله: ﴿ إنما استزلهم الشيطان ﴾ [آل عمران: 155] ثم بيّن لهم أنّ في تلك الرزّية فوائد بقول الله تعالى: ﴿ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ﴾ [آل عمران: 153] وقوله: ﴿ وليعلم المؤمنين ﴾ [آل عمران: 166]، ثم أمرهم بالتسليم لله في كلّ حال فقال: ﴿ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ﴾ [آل عمران: 166] وقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم ﴾ [آل عمران: 156] الآية.
وبيّن لهم أنّ قتلى المؤمنين الذين حزِنوا لهم إنّما هم أحياء، وأنّ المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم لا يضيع الله أجرهم ولا فَضْلَ ثباتهم، وبيّن لهم أنّ سلامة الكفّار لا ينبغي أن تُحزن المؤمنين ولا أن تسرّ الكافرين، وأبطل في خلال ذلك مقال المنافقين بقوله: ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ [آل عمران: 154] وبقوله: ﴿ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا ﴾ [آل عمران: 168] إلى قوله: ﴿ قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ﴾ [آل عمران: 168] ختم ذلك كلّه بما هو جامع للغرضين في قوله تعالى: ﴿ كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ لأنّ المصيبة والحزن إنّما نشآ على موت من استشهد من خيرة المؤمنين، يعني أنّ الموت لمّا كان غاية كلّ حيّ فلو لم يموتوا اليوم لماتوا بعدَ ذلك فلا تأسفوا على موت قتلاكم في سبيل الله، ولا يفتنكم المنافقون بذلك، ويكون قوله بعده: ﴿ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ قصر قلب لتنزيل المؤمنين فيما أصابهم من الحزن على قتلاهم وعلى هزيمتهم، منزلة من لا يترقّب من عمله إلاّ منافع الدنيا وهو النصر والغنيمة، مع أنّ نهاية الأجر في نعيم الآخرة، ولذلك قال: ﴿ توفون أجوركم ﴾ أي تكمل لكم، وفيه تعريض، بأنّهم قد حصلت لهم أجور عظيمة في الدنيا على تأييدهم للدين: منها النصر يوم بدر، ومنها كفّ أيدي المشركين عنهم في أيام مقامهم بمكّة إلى أن تمكّنوا من الهجرة.
والذوق هنا أطلق على وِجداننِ الموت، تقدّم بيان استعماله عند قوله آنفاً: ﴿ ونقول ذوقوا عذاب الحريق ﴾ [آل عمران: 181] وشاع إطلاقه على حصول الموت، قال تعالى: ﴿ لا يذوقون فيها الموت ﴾ [الدخان: 56] ويقال ذاق طعم الموت.
والتوفية: إعطاء الشيء وافياً.
ويطلقها الفقهاء على مطلق الإعطاء والتسليم، والأجور جمع الأجر بمعنى الثواب، ووجه جمعه مراعاة أنواع الأعمال.
ويوم القيامة يومُ الحشر سمّي بذلك لأنّه يقوم فيه الناس من خمود الموت إلى نهوض الحياة.
والفاء في قوله: ﴿ فمن زحزح ﴾ للتفريع على ﴿ توفون أجوركم ﴾ ، ومعنى: ﴿ زحزح ﴾ أبعد.
وحقيقةُ فعل زحزح أنها جذبٌ بسرعة، وهو مضاعف زَحَّه عن المكان إذا جذبه بعجلة.
وإنّما جُمع بين ﴿ زُحزح عن النار وأدخل الجنة ﴾ ، مع أنّ في الثاني غنية عن الأوّل، للدلالة على أنّ دخول الجنة يشتمل على نعمتين عظيمتين: النجاة من النار، ونعيم الجنّة.
ومعنى ﴿ فقد فاز ﴾ نال مبتغاه من الخير لأنّ ترتّب الفوز على دخول الجنّة والزحزحة عن النار معلوم فلا فائدة في ذكر الشرط إلاّ لهذا.
والعرب تعتمد في هذا على القرائن، فقد يكون الجواب عين الشرط لبيان التحقّق، نحو قول القائل: من عرفني فقد عرفني، وقد يكون عينه بزيادة قيد نحو قوله تعالى: ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراما ﴾ وقد يكون على معنى بلوغ أقصى غايات نوع الجواب والشرط كما في هذه الآية وقوله: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ على أحد وجهين، وقول العرب: «مَنْ أدرك مَرْعَى الصَّمَّان فقَدْ أدرك» وجميع ما قرّر في الجواب يأتي مثله في الصفة ونحوها كقوله: ﴿ ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ﴾ [القصص: 63].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا ﴾ وفي هَذا الأذى ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رُوِيَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ كانَ يَهْجُو النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ ويُحَرِّضُ عَلَيْهِمُ المُشْرِكِينَ حَتّى قَتَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ.
والثّانِي: أنَّ فَنُحاصَ اليَهُودِيَّ سَيِّدَ بَنِي قَيْنُقاعَ لَمّا سُئِلَ الإمْدادَ قالَ: احْتاجَ رَبُّكم إلى أنْ نُمِدَّهُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ الأذى ما كانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الشِّرْكِ كَقَوْلِ اليَهُودِ: عُزَيْزٌ ابْنُ اللَّهِ، وكَقَوْلِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ حتى يأتينا بقربان تأكله النار ﴾ قال: يتصدق الرجل منا فإذا تقبل منه أنزلت عليه نار من السماء فأكلته.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كان من قبلنا من الأمم يقرب أحدهم القربان، فتخرج الناس فينظرون أيتقبل منهم أم لا، فإن تقبل منهم جاءت نار بيضاء من السماء فأكلت ما قرب، وإن لم يتقبل لم تأت النار فعرف الناس أن لم يقبل منهم، فلما بعث الله محمداً سأله أهل الكتاب أن يأتيهم بقربان ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ﴾ القربان ﴿ فلمَ قتلتموهم ﴾ يعيرهم بكفرهم قبل اليوم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ الذين قالوا إن الله عهد...
﴾ الآية.
قال هم اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن أتيتنا بقربان تأكله النار صدقناك وإلا فلست بنبي.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الشعبي قال: إن الرجل يشترك في دم الرجل، وقد قتل قبل أن يولد.
ثم قرأ الشعبي ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم ﴾ فجعلهم هم الذين قتلوهم ولقد قتلوا قبل أن يولدوا بسبعمائة عام.
ولكن قالوا قتلوا بحق وسنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ الذين قالوا إن الله عهد إلينا....
﴾ الآية.
قال: كذبوا على الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن العلاء بن بدر قال: كانت رسل تجيء بالبينات، ورسل علامة نبوتهم أن يضع أحدهم لحم البقر على يده فتجيء نار من السماء فتأكله.
فأنزل الله: ﴿ قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فإن كذبوك ﴾ قال: اليهود.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فقد كذبت رسل من قبلك ﴾ قال: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي عن أصحابه في قوله: ﴿ بالبينات ﴾ قال: الحرام والحلال ﴿ والزبر ﴾ قال: كتب الأنبياء ﴿ والكتاب المنير ﴾ قال: هو القرآن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ والزبر والكتاب المنير ﴾ قال: يضاعف الشيء وهو واحد.
قوله تعالى: ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ الآية.
أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن علي بن أبي طالب قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية.
جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه فقال: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته ﴿ كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل ما فات فبالله فثقوا، وإياه فأرجوا، فإن المصاب من حرم الثواب.
فقال علي: هذا الخضر.
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححاه وابن حبان وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، واقرأوا إن شئتم ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها.
ثم تلا هذه الآية ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا بما عليها، ولقاب قوس أحدهم في الجنة خير من الدنيا بما عليها» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال: إن آخر من يدخل الجنة يعطى من النور بقدر ما دام يحبو فهو في النور حتى تجاوز الصراط.
فذلك قوله: ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ﴾ .
وأخرج أحمد عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ فقد فاز ﴾ قال سعد: ونجا.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول عبد الله بن رواحة: وعسى أن أفوز ثمت ألقى ** حجة اتقى بها الفتانا وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن سابط في قوله: ﴿ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ﴾ قال: كزاد الراعي يزوده الكف من التمر، أو الشيء من الدقيق يشرب عليه اللبن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ﴾ قال: هي متاع متروك أوشكت والله أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم.
ولا قوَّة إلا بالله.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ الآية.
﴿ ذَائِقَةُ ﴾ : فاعِلَة، مِنَ: (الذَّوْقِ).
واسم الفاعِلِ إذا أضيف إلى اسمٍ، وأُريِدَ (١) (زيْدٌ ضارِبُ عمروٍ أمسِ)، فإنْ أردت به الحالَ والاستقبالَ، جازَ الجَرُّ والنَصْبُ؛ تقول: (هو ضاربُ زيدٍ غدًا)، و (ضاربٌ زيدًا (٢) ﴿ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ ﴾ .
و ﴿ كاشفات ضُرَّه ﴾ (٣) (٤) وروي عن الحسن أنه قرأ: (ذائقةٌ الموتَ) (٥) ﴿ ظَالِمِي أِنْفُسِهِمْ ﴾ في سورة النساء.
وقوله تعالى: ﴿ فَقَدْ فَازَ ﴾ .
الفَوْزُ؛ معناه: الظَّفَرُ بالخير، والنجاةُ من الشَّرِّ (٦) قال الزّجاج (٧) (٨) (٩) ﴿ فَازَ ﴾ : تَبَاعَدَ مِنَ المكروه، ولَقِيَ ما يُحِب.
وقوله تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ يريد: العيش في هذه الدار الفانية، تَغُرُّ الإنسان بما تُمَنِّيهِ مِنْ طولِ البقاء، وسينقطع عن قريب.
فَوُصِفت بأنها متاعُ الغرُوُر؛ لأنها بمنزلة مَنْ يَغُرّ ببذل المحبوب، والتخييل [إليك] (١٠) و ﴿ المَتَاع ﴾ قد ذكرنا أنه كل ما يُنْتَفَع به، وُيسْتَمتَعُ (١١) ﴿ الْغُرُورِ ﴾ لأنه يَغُرّ.
(١) في (ج): (أريد) بدون واو.
(٢) في (أ)، (ب): (زيد).
والمثبت من (ج)، وهو الصواب.
(٣) ﴿ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ ﴾ : ليس في: (ج).
(٤) ﴿ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ ﴾ -بالتنوين، ونصب الراء المشددة من ﴿ ضُرِّهِ ﴾ - هي قراءة أبي عمرو، ورواية الكسائي عن أبي بكر عن عاصم.
وقرأ الباقون: ﴿ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ ﴾ على الإضافة.
انظر: "السبعة" 562، و"التبصرة" لمكي 660، و"الكشف" له 2/ 239، وكتاب "الإقناع" 2/ 750.
(٥) لم أقف على مصدر قراءة الحسن.
وقد قرأ بها: الأعمشُ، واليَزِيدي، وأبو حَيْوَة، ويحيى، وأبي إسحاق.
انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 165أ، و"تفسير القرطبي" 4/ 297، و"البحر المحيط" 3/ 133.
وذكر الزمخشريُّ، عن الأعمش، أنه قرأ: ﴿ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ -بدون التنوين، مع النصب- أنظر: "الكشاف" 1/ 485.
(٦) ورد هذا التعريف بنصه عن الليث بن المظفر، في "تهذيب اللغة" 13/ 264 (فوز).
(٧) في: "معاني القرآن" له 1/ 495.
نقله عنه بتصرف.
(٨) الغِبْطَة: حسن الحال، والنعمة والسرور؛ يقال: (فلانٌ مُغْتَبِطٌ)؛ أي: في غِبْطَةٍ.
وجائز أن تقول: (مُغتَبَط) -بفتح الباء-، و (قد اغْتَبَطَ، فهو مُغْتَبِط)، و (اغْتُبط، فهو مغتَبَطٌ).
انظر: "اللسان" 6/ 3208 (غبط).
(٩) في (ج): (وتأويل)، وفي "معاني القرآن": فتأويله.
(١٠) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(١١) انظر: "تفسير البسيط" تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَمَن زُحْزِحَ ﴾ أي نحي وأبعد ﴿ لَتُبْلَوُنَّ ﴾ الآية: خطاب للمسلمين، والبلاء في الأنفس بالموت والأمراض، وفي الأموال بالمصائب والإنفاق ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ ﴾ الآية: سببها قول اليهود: إن الله فقير، وسبهم للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين ﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ ﴾ قال ابن عباس: هي لليهود؛ أخذ عليهم العهد في أمر محمد صلى الله عليه وسلم فكتموه، وهي عامة في كل من علمه الله علماً ﴿ الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ ﴾ الآية: قال ابن عباس نزلت في أهل الكتاب سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا إليه بذلك، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه، وقال سعيد الخدري: نزلت في المنافقين: كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، وإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ ﴾ بالتاء وفتح الباء: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وبالياء وضم الباء: أسند الفعل للذين يفرحون: أي لا يحسبون أنفسهم بمفازة من العذاب، ومن قرأ: تحسين بالتاء: فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والذين يفرحون مفعول به، وبمفازة المفعول الثاني، وكرر فلا تحسبنهم: للتأكيد، ومن قرأ لا يحسبن بالياء من أسفل، فإنه حذف المفعولين، لدلالة مفعولي لا تحسبنهم عليهما.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولا يحزنك ﴾ من الأفعال حيث كان إلا قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ نافع ومثله ﴿ ليحزنني ﴾ و ﴿ ليحزن الذين آمنوا ﴾ وقرأ يزيد على ضده.
الباقون: بفتح الياء وضم الراء.
ولا خلاف في مثل ﴿ يحزنون ﴾ و ﴿ لا تحزن ﴾ مما هو لازم ﴿ ولا يحسبن ﴾ وثلاثة بعدها بالياء التحتانية مع ضم الباء في ﴿ تحسبنهم ﴾ أبو عمرو وابن كثير، وقرأ حمزة كلها بتاء الخطاب، وقرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب كلها بالتحتانية إلا قوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ فإنها بالتاء وفتح الباء.
الباقون: الأولياء على الغيبة والأخريان بالخطاب.
/ ﴿ يميز ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب عياش مخير.
الباقون: خفيف بفتح الياء وكسر الميم.
﴿ يعملون خبير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿ لقد سمع ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام.
﴿ سيكتب ﴾ بضم الياء وفتح التاء ﴿ وقتلهم ﴾ برفع اللام و ﴿ ويقول ﴾ على الغيبة: حمزة الباقون: بالنون فيهما على التكلم.
ونصب اللام في ﴿ وقتلهم ﴾ ﴿ وبالزبر ﴾ ابن عامر ﴿ وبالكتاب ﴾ الحلواني عن هشام.
الباقون: بغير إعادة الخافض فيهما ﴿ زحزع عن ﴾ مدغماً: شجاع وأبو شعيب من طريق العطار وابن مهران ﴿ ليبيننه ﴾ ﴿ ولا يكتمونه ﴾ بالياء فيهما لأنهم غيب: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير رويس وأبو بكر وحماد.
الباقون: بتاء الخطاب فيهما على حكاية مخاطبتهم.
الوقوف: ﴿ في الكفر ﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال إضمار اللام أو الفاء ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ في الآخرة ﴾ ج لعطف المختلفين مع اتحاج مقصود الكلام ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج لما ذكر ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ 5 ﴿ لأنفسهم ﴾ ط ﴿ إثما ﴾ ج لما ذكر أياَ ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ من الطيب ﴾ ط ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ شراً لهم ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ أغنياء ﴾ م لئلا يصير ما بعده من مقولهم، ومن قرأ بضم الياء فوقفه مطلق.
﴿ بغير حق ﴾ ج لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالياء لأن التقدير: ويقول الله أو يقول الزبانية فلا ينعطف على قوله: ﴿ سيكتب ﴾ مع اتساق المعنى.
﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ج ه لاحتمال الصفة وأن يكون المراد هم الذين، والوقف أولى لأنه لا يظلم العبيد ملطقاً لا العبيد الموصوفة.
نعم لو كان بدلاً من الذين قالوا إن الله فقير صح ﴿ تأكله النار ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ الموت ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لابتداء شرط في أمر معظم.
﴿ فقد فاز ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ ولا تكتمونه ﴾ ز لأن الجملتين وان اتفقتا لم يكن النبذ متصلاً بأخذ الميثاق فلم يضف إلى ظرف "إذ" ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ يشترون ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ج لما ذكر.
﴿ أليم ﴾ ه {والأ ﴿ ض ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: نزلت في كفار قريش وإنه جعل رسوله آمناً من شرهم وأتاح العاقبة له وإن جمعوا الجموع وجهزوا الجيوش حتى يظهر هذا الدين على الأديان كلها، وقيل في المنافقين ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوّفون المؤمنين بسبب واقعة أحد، ويؤيسونهم من النصر والظفر، وربما يقولون: إن محمداً لطالب ملك فتارة يكون الأمر له وتارة يكون عليه، ولو كان رسولاً ما غلبه أحد.
وقيل: إن قوماً من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفاً من قريش، فاغتم النبي لذلك فبيّن الله أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك.
ونصر بعضهم هذا القول بأن المسارعة وهي شدة الرغبة في الكفر إنما تناسب من كفر بعد الإيمان / المستمر على الكفر، وبأن إرادته أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة إنما تليق بمن آمن فاستوجب الحظ ثم أحبط، وبأن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود وذلك هو ما قدر النبي من الانتفاع بإيمانهم أو انتفاعهم بالإيمان فبيّن الله أنه لا يلحق بسبب فوات ذلك ضرر بالدين، وأن وبال ذلك يعود عليهم كما دل عليه بقية الآية.
فإن قيل: الحزن على كفر الكافر وعلى معصية العاصي طاعة، فكيف نهى نبي الله عن ذلك؟
فالجواب أنه نهي عن الإسراف في الحزن بحيث يأتي عليه ونظيره ﴿ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ﴾ أو المراد لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك ﴿ إنهم لن يضروا الله ﴾ أي دينه ﴿ شيئاً ﴾ من الضرر.
﴿ يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ﴾ فيه دليل على أن إرادة الله تتعلق بالعدم، وتنصيص على أن الخير والشر والنفع والضر بإرادة الله، ومعنى قوله: ﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ أنه كما لاحظ لهم من منافع الآخرة فلهم حظ عظيم من مضارها.
وفي الإخبار عن إرادة عدم الجعل دون الإخبار عن عدم الجعل إشعار بأن استحقاقهم للحرمان بلغ إلى حد أراد أرحم الراحمين أن لا يرحمهم وأن الداعي إلى تعذيبهم خلص خلوصاً لم يبق معه صارف ألبتة.
ثم أنزل في اليهود خاصة وهو الأشبه أو في الكفار عامة ﴿ إن الذين اشتروا ﴾ الآية.
والغرض تأكيد تقوية قلب الرسول كأنه قيل: إن أكثرهم ينازعونك في الدين لا لأجل شبهة لهم بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا.
ومن كان عقله هذا القدر - وهو أن يبيع بالقليل من الدنيا السعادة الكثيرة في الآخرة - كان في غاية الحماقة، ومثله لا يقدر على إلحاق الضرر بالغير.
ولو قيل: إن الآية في المرتدين فالمعنى أن اختيار دين بعد دين ثم الارتداد على العقبين يدل على الاضطراب وضعف الرأي، والإنسان المضطرب الحال لا قدرة له على إيصال الضرر إلى الغير.
ثم بين أن بقاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد والكفار الذين بقوا بعد شهداء أحد لا خير فيه فقال: ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بالياء فقوله: ﴿ الذين كفروا ﴾ فاعل، و"أن" مع ما في حيزه ساد مسد مفعوليه.
ومن قرأ بتاء الخطاب فـ ﴿ الذين كفروا ﴾ مفعول أول و"أن" مع ما في حيزه بدل منه.
وصح الإبدال وإن لم يمض إلا أحد المفعولين لأن المبدل في حكم المنحي.
ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض.
مع امتناع السكوت على متاعك؟
والتقدير: ولا تحسبن الذين كفروا أن إملائي خير لهم على أن "ما" مصدرية.
ويجوز أن يقدر مضافمحذوف أي لا تحسبنهم أصحاب أن الإملاء خير لهم، أو لا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم.
قال الأصمعي: يقال أملى عليه الزمان أي طال.
وأملى له أي طوّل له وأمهله.
قال أبو عبيدة: ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة، والملوان الليل والنهار.
ويقال: أقمت عنده ملاوة من الدهر أي حيناً وبرهة.
و ﴿ إثماً ﴾ نصب على التمييز.
وفي / وصف العذاب أوّلاً بالعظم ثم بالألم ثم بالإهانة تدرج من الأهون إلى الأشق، وفيه من الوعيد والسخط ما لا يخفى.
قالت الأشاعرة ههنا: إن إطالة المدة من فعل الله لا محالة.
والآية دلت على أنها ليست بخير ففيه دلالة على أنه فاعل الخير والشر.
وأيضاً إنه نص على أن الغرض من هذا الإملاء، أن يزدادوا إثماً، فإذن الكفر والمعاصي بإرادة الله.
وأيضاً أخبر عنهم أنه لا خير لهم فيه وأنهم لا يحصلون منه إلا على ازدياد الغي والإثم، والإتيان بخلاف خبر الله محال، فعلمنا أنهم مجبورون على ذلك في صورة مختارين.
أجابت المعتزلة بأن المراد أن هذا الإملاء ليس خيراً من موت الشهداء إذ الآية من تتمة قصة أحد، لا أنه ليس بخير مطلقاً.
وزيف بأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا مع المفضل عليه، لكنه لم يذكر فعلمنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيراً من شيء آخر، وعن الثاني أن ازدياد الإثم علة للإملاء وليس كل علة بغرض كقولك: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة.
ومثله ﴿ وجعلو لله أنداداً ليضلوا ﴾ وهم ما فعلوا ذلك إلا ضلال.
ويقال: ما كانت موعظتي لك إلا للزيادة في تماديك في الغي إذا كانت عاقبة الموعظة ذلك.
ورد بأن حمل اللام على لام العاقبة عدول عن الظاهر، على أنا نعلم بالبرهان أن علمه بأنهم مزدادون إثماً على تقدير الإمهال علة فاعلية لازديادهم إثماً فكان فاعلاً للازدياد ومريداً له.
قالوا: في الكلام تقديم وتأخير وترتيبه: لا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملي لهم خير لأنفسهم.
ويعضده قراءة يحيى بن وثاب بكسر "إن" الأولى وفتح الثانية.
وردّ بأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، والقراءة الشاذة لا اعتداد بها مع أن الواحدي أنكرها.
ثم إنه أخبر أنه لا يجوز في حكمته أن يترك المؤمنين على ما هم عليه من اختلاط المخلص بالمنافق، ولكنه يعزل أحد الجنسين عن الآخر بإلقاء الحوادث وإبداء الوقائع كما في قصة أحد.
لله در النائبات فإنها *** صدأ اللئام وصيقل الأحرار فقال: ﴿ ما كان الله ليذر ﴾ اللام لتأكيد النفي والخطاب في ﴿ أنتم ﴾ للمصدقين جميعاً من أهل الإخلاص والنفاق.
خوطبوا بأنه ما كان في حكمة الله أن يترك المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض.
وماز وميَّز لغتان.
مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزاً، وميّزته تمييزاً.
وفي الحديث " "من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة وحجة " ولفظ الطيب والخبيث وإن كان مفرداً إلا أنه للجنس والمراد جميع / المنافقين من المؤمنين، وإنما قدم الخبيث على الطيب ليقع فعل الميز عليه ليعلم أنه المطرح من الشيئين الملقى لرداءته، فإن الميز يقع على الأدون والأهون.
وبم يحصل هذا الميز؟
قيل: بالمحن والمصائب كالقتل والهزيمة وكما دعاهم النبي إلى الخروج مع ما بهم من القروح، فبمثل ذلك يظهر الثابت من المتزلزل والساكن من المتقلقل.
وقيل: بإعلاء كلمة الدين وقلة شوكة المخالفين ليظهره على الدين كله.
وقيل: بالوحي إلى نبيه ولهذا أردفه بقوله: ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبي ﴾ أي يصطفي ويختار ﴿ من رسله من يشاء ﴾ وبناء الكلام على ثلاث مراتب: الأولى أن هذا المنصب الذي استأثر الله بعلمه لا يليق بكل منكم، وإنما هو مخصوص بالمصطفين من عيبده.
الثانية أن الرسول أيضاً لا يعلم المغيبات بأن يطلع عليها من تلقاء نفسه وبخاصية فيه، ولكنه إنما يعلم ذلك من طريق الوحي وإطلاع الله إياه عليه أن هذا مؤمن وذاك منافق.
الثالثة أن هذا أيضاً مختص ببعض الرسل وفي بعض الأوقات حسب مشيئته وإرادته.
﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ ومن جملة الإيمان بالله أن تعتقدوه وحده علاماً للغيوب، ومن جملة الإيمان بالرسل أن تنزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عبيداً مصطفين لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله .
ووجه النظم على القول الأول: لا تظنوا أن هذا التمييز يحصل بأن يطلعكم الله على غيبه ويقول إن فلاناً مؤمن وفلاناً منافق، فإن سنة الله جارية بأنه لا يطلع العوام على غيبه ولا يكون لهم سبيل إلى معرفة الأمور إلا بالامتحان والقرائن المفيدة للظن الغالب، ولكنه يصطفي من رسله من يشاء، فيعلمهم أن هذا مؤمن وذاك منافق ويختارهم للرسالة ووضع التكاليف الشاقة التي بمثلها يتميز الفريقان ويخلص أهل الوفاء من أهل الجفاء.
أو المراد ما كان الله ليطلعكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول، ولكنه يخص من يشاء بالرسالة ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل، فآمنوا بالله ورسله كلهم، لأن طريق ثبوت نبوّتهم واحد، فمن أقر بنبوّة واحد منهم لزمه الإقرار بنبوّة كلهم ثم اتبعه الوعد بالثواب فقال: ﴿ وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ﴾ قال السدي: قال رسول الله : " "عرضت عليّ أمتي في صورها كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر " فبلغ ذلك المنافقين فاستهزؤا فقالوا: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فأنزل الله ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين ﴾ .
وقال الكلبي: قالت قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك فنزلت.
وقال أبو العالية: نزلت حين سأل المؤمنون أن يعطو علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق.
/ ثم إنه عز من قائل لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد، حرض على بذل المال في سبيل الله فقال: ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب قدر مضافاً أي لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم، وكذا من قرأ بالياء وجعل فاعله ضمير النبي أو أحد.
ومن جعل الموصول فاعلاً فالمفعول الأول محذوف للدلالة.
التقدير: ولا تحسبن هؤلاء بخلهم هو خيراً وهو صيغة الفصل.
قال الواحدي: جمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مانعي الزكاة لترتب الوعيد عليه وسوق الكلام في معرض الذم، ولأن تارك التفضل لو عدّ بخيلاً لم يتخلص الإنسان من البخل إلا بإخراج جميع المال.
وفي حكم الزكاة سائر المصارف الواجبة كالإنفاق على النفس وعلى الأقربين الذين يلزمه مؤنتهم، وعلى المضطر، وفي الذب عن المسلمين إذا قصدهم عدوّ وتعين دفعهم بالمال.
وروى عطية عن ابن عباس أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد ونبوّته.
وأراد بالبخل كتمان العلم الذي آتاهم الله، وعلى هذا يكون عوداً إلى ما انجرّ منه الكلام إلى قصة أحد، وذلك هو شرح أحوال أهل الكتاب ويعضده أن كثيراً من آيات بقية السورة فيهم.
وعلى هذا التفسير فمعنى ﴿ سيطوّقون ﴾ أن الله يجعل في رقابهم طوقاً من النار كقوله : " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار" والسر فيه أنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق.
وعلى التفسير الأول فإما أن يكون محمولاً على ظاهره وهو أن يجعل ما بخل به من الزكاة حية يطوّقها في عنقه تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه ويقول: أنا مالك.
عن ابن مسعود عن النبي : " ما من رجل له مال لا يؤدي حق ماله إلا جعل طوقاً في عنقه شجاعاً أقرع يفر منه وهو يتبعه " ثم قرأ مصداقه من كتاب الله عز وجل ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ الآية.
وعن ابن عمر قال: قال : " إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يخيل إليه ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان فيلزمه أي يطوّقه يقول: أن كنزك " وأما أن يكون على طريق التمثيل لا على أن ثمة أطواقاً أي سيلزمون إثمه في الآخرة إلزام الطوق.
وفي أمثالهم "يقلدها طوق الحمامة" إذا جاء بهنة يسب بها ويذم.
وقال مجاهد: معناه سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة.
ونظيره ما روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وعلى الذين يطوّقونه فدية ﴾ قال المفسرون: يكلفونه ولا يطيقونه أي يؤمرون بأداء ما منعوه حتى لا يمكنهم الإتيان به فيكون ذلك توبيخاً على معنى هلا فعلتم ذلك حين كان ممكناً؟
﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره.
فمالهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله؟
ونظيره قوله: ﴿ وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ﴾ وقال كثير من المفسرين: المقصود أنه يبطل ملك جميع المالكين إلا ملك الله فيصير كالميراث.
قال ابن الأنباري: يقال ورث فلان علم فلان إذا تفرد به بعد أن كان مشاركاً له فيه.
ومثله ﴿ وورث سليمان داود ﴾ أي انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركاً له فيه أو غالباً عليه ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، أي يجازيهم على منعهم الحقوق.
ومن قرأ على الخطاب فللالتفات وهي أبلغ في الوعيد لأن الغضب كأنه تناهى إلى حد أقبل على الخطاب وشافه بالعتاب.
ثم شرع في حكاية شبه الطاعنين في نبوة محمد .
وذلك أنه لما أمر بالإنفاق في سبيل الله قالوا: لو كان محمد صادقاً في أن الله يطلب منا المال فهو إذن فقير ونحن أغنياء، لكن الفقر على الله محال فمحمد غير صادق.
وأيضاً لو كان نبياً لكان إنما يطلب المال لأجل أن تجيء نار من السماء فتحرقه كما كان في الأزمنة السالفة، فلما لم يفعل ذلك عرفنا أنه ليس بنبي.
فهذا بيان النظم وليس في الآية تعيين القائلين إلا أن العلماء نسبوا هذا القول إلى اليهود لعنهم الله لقولهم في موضع آخر ﴿ يد الله مغلولة ﴾ عنوا أنه بخيل.
وذلك الجهل يناسب هذا الجهل، ولأن التشبيه غالب عليهم، والقائل بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه قادراً على كل المقدورات، وإذا عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني، ولما روي عكرمة ومحمد بن إسحق والسدي ومقاتل "أن رسول الله كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً.
فقال فنحاص عن عازوراء ـ وهو من علمائهم - أتزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا فهو إذن فقير ونحن أغنياء، فغضب أبو بكر ولطمه في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك.
فذهب فنحاص إلى رسول الله وقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك.
فقال رسول الله صلى الله لأبي بكر: ما الذي حملك على ما صنعت؟
فقال: يا رسول الله إن عدوّ الله قال هكذا.
فجحد ذلك فنحاص فنزلت هذه الآية تصديقاً لأبي بكر" .
وأيضاً إن موسى لما طلب منهم الجهاد ببذل النفوس قالوا له: إذهب أنت وربك فقاتلا.
فلا يبعد أن محمداً لما طلب منهم الأموال قالوا له: لو كان الإله غنياً فأي حاجة إلى أموالنا.
ثم إن القائل لو كان فنحاصاً وحده فإنما / يستقيم قوله: ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا ﴾ لأن أتباع الرجل والمقتدين به حكمهم حكمه.
ثم إنه لم يجبهم عن شبهتهم.
أما على قواعد أهل السنة فبأن يقول يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا يبعد أن يأمر عبيدة ببذل الأموال مع كونه أغنى الإغنياء.
وأما على قوانين المعتزلة فبأن في هذا التكليف فوائد منها: إزالة حب المال عن القلب، ومنها التوسل إلى الثواب المخلد، ومنها تسخير البعض للبعض فبذلك ترتبط أمور التمدن وتنتظم أحوال صلاح المعاش والمعاد وإنما لم يجب لكثرة ورودها في القرآن ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له اضعافاً كثيرة ﴾ ﴿ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ﴾ ولأن وجوب الوجود عبارة عن الغنى المطلق حتى لا يحتاج في ذاته ولا في شيء من صفاته ولا بجهة من جهاته إلى ما سوى ذاته.
فمن اعترف بوجوب وجوده ثم شك في كمال غناه في وجوده فقد عاد بالنقض على موضوعه فلا يستحق الجواب عند أولي الألباب، وإنما يستأهل صنوفاً من العتاب وضروباً من العذاب فلهذا قال على جهة الوعيد ﴿ سنكتب ما قالوا ﴾ في صحائف الحفظة، أو نستحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه كما يثبت المكتوب فلا ينسى.
وفي التفسير الكبير: سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يبقى على لسان الأمة إلى يوم القيامة.
ثم عطف عليه قتلهم الأنبياء ليدل على أنهم كما لو يقدروا الله حق قدره حتى نسبوا إليه ما نسبوه، فكذلك لم يقضوا حقوق الأنبياء ففعلوا بهم ما فعلوا.
﴿ ونقول ذوقوا عذاب الحريق ﴾ وهو من أسماء جهنم.
"فعيل" بمعنى "مفعول" كالأليم بمعنى المؤلم.
أو سميت باسم صاحبها أي ذات حرقة.
والمعنى: ينتقم منهم فيقول لهم ذوقوا عذاب النار كما أذقتم المسلمين جرع الغصص.
وهذا القول يحتمل أن يقال عند الموت، أو عند الحشر، أو عند قراءة الكتب.
ويحتمل أن يكون كناية عن الوعيد وإن لم يكن ثمة قول ﴿ ذلك ﴾ العذاب أو الوعيد ﴿ بما قدمت أيديكم ﴾ من السب والقتل.
وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال يباشر باليد، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب وإن كان بعضه باللسان أو بسائر الجوارح والآلات.
وإنما جمع لأن المخاطب جمع ولو كان مفرداً.
قيل: بما قدمت يداك مثنى كما في سورة الحج.
قال الجبائي: قوله: ﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ليس بظلام للعبيد، فيه دلالة على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلماً بتقدير أن لا يقع منهم الذنوب.
وفيه بطلان قول المجبرة أن الله يعذب الأطفال بغير جرم ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب، ويدل على كون العبد فاعلاً وإلا لكان الظلم حاصلاً.
والجواب أنه لم ينف الظلم عن نفسه بمعنى أن الجزاء إنما كان مرتباً على الذنب الصادر بكسب العبد وفعله فلا ظلم، بل بمعنى / أنه مالك الملك، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء لم يكن ذلك ظلماً، فخلق ذلك الفعل فيهم وترتيب العذاب عليه لا يكون ظلماً.
قيل: إنه نفى الظلم الكثير عن نفسه وذلك يوهم ثبوت أصل الظلم له، أجاب القاضي بأن العذاب الذي توعد بأن يفعل بهم لو كان ظلماً لكان عظيماً، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتاً.
وهذا يؤكد ما ذكر أن إيصال العقاب إليهم كان يكون ظلماً عظيماً لو لم يكونوا مذنبين، أقو ل: إنه نفى حقيقة الظلم عنه في قوله: ﴿ وما ظلمناهم ﴾ ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ وبحقيقة ما ذكرناه أنه مالك الكل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولكنه نفى ههنا كثرة الشر والظلم أن يصدر عنه كأنه قال: إن خُيِّلَ إليكم أن في الوجود شراً بناء على ما في ظنكم من أن الحكيم قد يصدر عنه الشر القليل بتبعية الخير الكثير، فاعلموا أني منزه عن صدور الشر الكثير مني، وأن هذا من الشر القليل الذي في ضمنه خير كثير.
ونقول: أراد نفي الشر القليل وأصل الظلم عنه، ولكن القليل من الظلم بالنسبة إلى رحمته الذاتية كثير، فلهذا عبر عنه بلفظ الكثرة والمبالغة.
ثم قرر الشبهة الأخرى لهم فقال: ﴿ الذين قالوا إن الله عهد إلينا ﴾ قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله فقالوا: تزعم أن الله بعثك إلينا رسولاً، وأنزل عليك الكتاب، وإن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك فنزلت.
قال عطاء: كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت، فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف ولا دخان لها فتأكل ذلك القربان وهو البر الذي يتقرب به إلى الله.
وأصله مصدر كالكفران والرجحان.
ثم سمي به نفس المتقرب به إلى الله ومنه قوله لكعب بن عجرة: " "يا كعب، الصوم جنة والصلاة قربان" أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في الحاجة لديه.
وللعلماء فيما ادعاه اليهود قولان: قال السدي: إن هذا الشرط جاء في التوراة مع الاستثناء.
قال: من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمداً.
فكانت هذه العادة جارية إلى مبعث المسيح ثم زالت.
وقيل: إنه افتراء لأن المعجزات كلها في كونها خارقة للعادة وآية لصحة النبوة سواء، فأي فائدة في تخصيصها؟
ولأنه إما أن يكون في التوراة أن مدعي / النبوة وإن جاء بجميع الآيات لا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه الآية المعينة، وحينئذٍ لا تكون سائر المعجزات دالة على الصدق، وإذا جاز الطعن فيها جاز في هذه.
وإما أن يكون فيها أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة أية كانت.
وحينئذٍ يكون طلب هذا المعجز المعين عبثاً فلهذا نسبهم الله إلى الجحود والعناد فقال: ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ﴾ أي بمدلوله ومؤدّاه ﴿ فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ﴾ إنما الإيمان يجب عند الإتيان بالقربان.
وإنما ذكر مجيء الرسل بالبينات ولم يقتصر على مجيء القربان ليتم الإلزام.
وذلك أن القوم يحتمل أن يقولوا إن الإتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط لكن لا يلزم من وجوده وجود المشروط.
فلو اكتفى بذكر القربان لم يتم الإلزام، وحيث أضاف إليه البينات ثبت أنهم أتوا بالموجب وبالشرط جميعاً، فكان الإقرار بالنبوة واجباً.
ثم سلى رسوله بقوله: ﴿ فإن كذبوك ﴾ في أصل الشريعة والنبوة أو في قولك إن الأنبياء الأقدمين جاؤهم بالبينات وبالقربان فقتلوهم ﴿ فقد كذب رسل من قبلك ﴾ وأي رسل والمصيبة إذا عمت طابت ﴿ جاؤا بالبينات ﴾ وهي الحجج الواضحات والمعجزات الباهرات.
والزبر هي الصحف جمع زبور بمعنى مزبور أي مكتوب.
وقال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة فيشبه أن يكون من الزبر بمعنى الزجر عن خلاف الحق وبه سمي زبور داود لما فيه من الزواجر والمواعظ والكتاب المنير الموضح أو الواضح المستنير.
يعلم من عطف الزبور والكتاب على البينات، أن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم، وأنها لم تكن معجزة لهم والإعجاز من خواص القرآن.
وعطف الكتاب المنير على الزبر لأن الكتاب بوصفه بالإثارة أو الاستنارة أشرف من مطلق الزبر فخص بعد العموم لشرفه مثل ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكال ﴾ وقيل: المراد بالزبر الصحف، وبالكتاب المنير التوراة والإنجيل والزبور.
ثم أكد التسلية بقوله: ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل الغموم والأشجان الدنيوية، وكذا العلم بأن وراء هذه الدار داراً يتميز فيها المحسن عن المسيء، ويرى كل منهما جزاء عمله.
والمراد لكل نفس ذائقة الموت كل ذات.
فالقضية لا يمكن إجراؤها على عمومها لاستثناء الله منها ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ وكذا كل الجمادات لأن لها ذوات.
ولقوله: ﴿ فصعق من في السموات و من في الأرض إلا من شاء الله ﴾ ولأنه لا موت لأهل الجنة ولأهل النار.
فالمراد المكلفون الحاضرون في دار التكليف، والملائكة عند من يجوّز الموت عليهم.
روي عن ابن عباس: لما نزل قوله : ﴿ كل من عليها فان ﴾ \[الرحمن: /26\] قالت الملائكة: مات أهل الأرض.
فلما نزل ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ قالت الملائكة: متنا.
وفي الآية دليل على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن، لأن الذائق لا بد أن يكون باقياً حال حصول الذوق.
قالت الحكماء: الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية لأنها لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية، ثم إن الحرارة الغريزية تؤثر في تقليل الرطوبة الغريزية.
وإذا قلت: الرطوبة الغريزية ضعفت الحرارة الغريزية، ولا يزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت، فبهذا الطريق كان الموت ضرورياً في هذه الحياة.
قالوا: والأرواح المجردة لا موت لها، وناقشهم المسلمون فيه ﴿ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ في ذكر التوفية إشارة إلى أن بعض الأجور يعطى قبل ذلك اليوم كما قال : " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" .
﴿ فمن زحزح عن النار ﴾ الزح التنحية والإبعاد والزحزحة تكريره ﴿ فقد فاز ﴾ لم يقيد الفوز بشيء لأنه لا فوز وراء هذين الأمرين: الخلاص من العذاب والوصل إلى الثواب.
فمن حصل له هذان فقد فاز الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به.
قال : " "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " فالأول رعاية حقوق الله، والثاني محافظة حقوق العباد.
ثم شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغرّ حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته، وذلك أن لذاتها تفنى وتبعاتها تبقى.
والغرور بالضم مصدر، الغار المدلس هو الشيطان.
عن علي بن أبي طالب: لين مسها قاتل سمها.
وعن بعضهم: الدنيا ظاهرها مظنة السرور وباطنها مطية الشرور.
وعن سعيد بن جبير: إنما هذا المن آثرها على الآخرة.
فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ.
﴿ لتبلون في أموالكم ﴾ اللام جواب القسم المقدر، والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو للساكنين ولما كان يجب لما قبلها من الضم.
والمراد ما نالهم من الفقر والضر والقتل والجرح، والتكاليف الشاقة البدينة والمالية من الصلاة والزكاة والصوم والجهاد, والذي كانوا يسمعونه من الكفرة كالطعن في الدين الحنيف وأهليه، وإغراء المخالفين وتحريضهم عليهم وإغواء المنافقين وتنفيرهم عنهم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على ما ابتلاكم الله به ﴿ وتتقوا ﴾ المخالفة أو تصبروا على أداء الواجبات وتتقوا ارتكاب المحظورات ﴿ فإن ذلك ﴾ الصبر والتقوى ﴿ من عزم الأمور ﴾ من معزوماتها الذي لا يترخص العاقل في تركه لكونه حميد العاقبة بين الصواب، أو هو من / عزائم الله ومما ألزمكم الأخذ به.
قال الواحدي: كان هذا قبل نزول آية القتال.
وقال القفال: الظاهر أنها نزلت بعد قصة أحد فلا تكون منسوخة بآية السيف.
والمراد الصبر على ما يؤذون به الرسول على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم واستعمال مداراتهم من كثير من الأحوال.
والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه.
عن كعب بن مالك "أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً وكان يهجو النبي ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان النبي قدم المدينة وأهلها أخلاط - المسلمون والمشركون واليهود - فأراد النبي أن يستصلحهم كلهم.
فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر الله نبيه بالصبر على ذلك فنزلت الآية" .
روي "أن رسول الله ركب على حمار وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن خزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي وذلك قبل أن يسلم عبد الله.
فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة.
فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا.
فسلم رسول الله ثم وقف.
فنزل ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن.
فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجلسنا.
ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.
فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك.
فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون.
فلم يزل النبي يخفضهم حتى سكنوا.
ثم ركب النبي دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي؟
قال: كذا وكذا.
فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي نزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك فعفا عنه رسول الله " ، وأنزل الله هذه الآية.
ثم إنه عجب من حال اليهود أنه كيف يليق بحالهم إيراد الطعن في نبوته مع أن كتبهم ناطقة به- وأيضاً من جملة إيذائهم الرسول أنهم كانوا يكتمون من نعته وصفته فلهذا قال: ﴿ وإذا أخذ الله ﴾ بإضمار "اذكر" والضمير في ﴿ لتبيننه ﴾ قيل لمحمد لأنه معلوم وإن كان غير مذكور أي لتبينن حاله وهذا قول سعيد بن جبير والسدي.
وقال الحسن وقتادة: يعود إلى الكتاب كأنه أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه.
وقيل له الله لتفعلن ﴿ ولا يكتمونه ﴾ قيل: الواو للحال أي غير كاتمين.
ويحتمل أن تكون للعطف وإن لم يكن مؤكداً بالنون.
والأمر بالبيان يتضمن النهي عن الكتمان، لكنه صرح به للتأكيد ﴿ فنبذوه / وراء ظهورهم ﴾ جعلوه كالشيء المطروح المتروك.
وعن علي : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا.
وقال قتادة: مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب.
وطوبى لعالم ناطق ولمستمع واع، هذا علم علماً فبذله، وهذا سمع خيراً فوعاه.
ومعنى قوله: ﴿ واشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ أنهم كتموا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان حظ يسير من الدنيا ﴿ فبئس ما يشترون ﴾ هو ويدخل في الوعيد كل من كتم شيئاً من أمر الدين لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارّهم واستجذاب لمبارّهم، أو لتقية من غير ضرورة، أو لبخل بالعلم وغيره أن ينسب إلى غيره.
ثم ذكر نوعاً آخر من إيذاء اليهود وأوعدهم عليه وسلى رسوله بذلك فقال: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب وفتح الباب فالخطاب للرسول أو لكل أحد، وأحد المفعولين ﴿ الذين يفرحون ﴾ والثاني ﴿ بمفازة ﴾ .
وقوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ إعادة للعامل لطول الكلام وإفادة التأكيد.
ومن ضم الباء في الثاني مع تاء فالخطاب للمؤمنين، ومن ضمها مع ياء الغيبة فالضمير للذين يفرحون، والمفعول الأول محذوف أي لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين، والثاني للتأكيد.
ومعنى ﴿ بما أتوا ﴾ بما فعلوا.
وأتى وجاء يستعملان بمعنى فعل.
قال : ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ ﴿ لقد جئت شيئاً فرياً ﴾ .
ومعنى بمفازة من العذاب بمنجاة منه أي بمكان الفوز.
وقال الفراء: أي ببعد منه لأن الفوز التباعد عن المكروه.
في الصحيحين "أن مروان قال لرافع أبوابه: اذهب إلى ابن عباس وقل له: لئن كان كل امرىء منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون.
فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه إنما دعا النبي يهوداً فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه، ثم قرأ ابن عباس ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآيتين" .
وقال الضحاك: "كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتاب من اليهود في الأرض كلها أن محمداً ليس نبي الله فأثبتوا على دينكم واجمعوا كلمتكم على ذلك.
فاجتمعت كلمتهم على الكفر بمحمد والقرآن، ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا ونحن أهل الصوم والصلاة، نحن أولياء الله.
فذلك قول الله ﴿ يفرحون بما أتوا ﴾ بما فعلوا ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ / فأنزل الله هذه الآية" .
يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة.
وعن أبي سعيد الخدري "أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله إلى الغزو تخلفوا عنه، فإذا قدم اعتذروا عنده وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فأنزل الله هذه الآية" .
وهذه الوجوه كلها مشتركة في الإتيان بما لا ينبغي ومحبة / الحمد عليه ووصفه بسداد السيرة وحسن السريرة.
ونحن إذا أنصفنا من انفسنا وجدنا أكثر مجاري أمورنا على هذه الحالة، فنسأله العصمة والهداية.
ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولله ملك السموات والأرض ﴾ ولغرض أنه كيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب؟
التأويل: ﴿ هو خيراً لهم بل هو شر لهم ﴾ كل واحد من صفتي البخل والسخاء بمنزلة الإكسير حتى يجعل الخير شراً وبالعكس.
﴿ سيطوّقون ﴾ شبه بالطوق لأنه يحيط بالقلب ومنه ينشأ معظم الصفات الذميمة كالحرص والحسد والحقد والعداوة والكبر والغضب والبخل "حب الدنيا رأس كل خطيئة" ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ الإنسان ورث الدنيا والآخرة أولئك هم الوارثون.
والوارث إذا مات من غير وارث فميراثه لبيت المال.
فالإشارة فيه أن من غلب عليه هذه الصفات ومات قلبه فقد بطل استعداد وراثته فميراثه لله ﴿ إن الله فقير ونحن أغنياء ﴾ فيه أن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، فيعكس القضايا فيصف الرب بصفات العبد والعبد بصفات الرب وذلك لغلبة الصفات الذميمة واستيلاء سلطان الهوى والشيطان، فيقول تارة: أنا ربكم الأعلى، وتارة إن الله فقير ونحن أغنياء.
﴿ بقربان تأكله النار ﴾ قالت يهود صفات النفس البهيمية والسبعية والشياطنية لا ننقاد لرسول أي لخاطر رحماني أو إلهام رباني حتى يأتينا بقربان هو الدنيا وما فيها يجعلها نسيكة لله عز وجل، تأكله نار الله الموقدة التي تقدح من زناد محبتهم،فإن كثيراً من الطالبين الصادقين يجعلون الدنيا وما فيها قرباناً لله فلا تأكله نار الله، قل يا وارد الحق ﴿ قد جاءكم رسل من قبلي ﴾ أي واردات الحق بالبينات بالحجج الباهرة ﴿ وبالذي قلتم ﴾ أي بجعل الدنيا قرباناً ﴿ فلم قتلتموهم ﴾ غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم يبق أثر الواردات.
﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ كلهم مستعدون للفناء في الله، ولا بد لها من موت.
فمن كان موته بالأسباب تكون حياته بالأسباب، ومن كان فناؤه في الله يكون بقاؤه بالله.
﴿ لتبلون ﴾ بالجهاد الأكبر ﴿ ولتسمعن ﴾ من أهل العلم الظاهر ومن أهل الرياء ﴿ أذى كثيراً ﴾ بالغيبة والملامة والإنكار والاعتراض ﴿ وإن تصبروا ﴾ على جهاد النفس ﴿ وتتقوا ﴾ بالله عما سواه ﴿ فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ أي من أمور أولي العزم ﴿ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ﴾ : فيه دلائل: أحدها: دليل إثبات الرسالة؛ لأنه ليس في العقل ألا تبقى هذه الأنفس أبداً، ولا تدوم، ولا فيه آثار فنائها وموتها، ثم وجود العلم من كل منهم بالموت، والتسليم له، والإقرار منهم أن كل نفس تموت - يدل أنهم إنما عرفوا ذلك وأيقنوا به من خبر السماء بالوحي، والله أعلم.
ثم إن كل حي يتلذذ بحياته، وحُبِّب ذلك إليه، ويتكرّه الموت ويبغضه؛ دل أن هذا العالم لم يكن بالطباع، ولكن كان بغيره؛ لما يتلذذ طبع كل منهم بالحياة، ويتكره بالموت ويتنغص به؛ إذ لو كان به: لكان يختار ما يتلذذ به، ويدفع ما يتكره به؛ فدلَّ أن غيراً فَعَلَ ذلك وخلق؛ لما ذكر: ﴿ خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ ﴾ الآية [الملك: 2]؛ وفي ذلك بطلان قول أصحاب الطبائع.
وأيضاً: أن كل نفس يجتمع فيها الطبائع المختلفة المتضادة، التي من طبعها التنافر - لم يجز أن يكون بنفسه تجتمع؛ دل أن له جامعاً.
وأيضا: إن كان العالَم لو كان بنفسه وطبعه لاختار كلٌّ لنفسه أحوالاً: أحسنَ الأحوال وألذها؛ فيبطل به الشرور والقبائح؛ فدلَّ وجود ذلك على كونه بغيره.
ثم فيه أن ذلك الغير - الذي كان به العالم - واحدٌ لا عدد؛ إذ لو كان بعدد لم يحتمل وجود العالم على الطبائع المختلفة والهمم المتفرقة: لما جَمَعَ هذا فَرَّقَ الآخر، وما أثبت هذا نفي الآخر، وفي ذلك فساد الرُّبوبية؛ فدلَّ وجوده على ما ذكرنا: أنه واحد لا عدد؛ فاتسق تدبيره ونفذ أمره، مع ما كان الأمر المعتاد بين الملوك في الشاهد: أن من فعل هذا نقض الآخر، وما رام هذا إيجادَهُ يريد الآخر إعدامَهُ، وما أبقى هذا أراد الآخر إفناءه؛ وفي ذلك تناقض وتناف؛ فدلَّ الوجود على أن الذي به كان - واحد لا عدد، ثم يحتمل على الاصطلاح منهم؛ لأنه يدلُّ على العجز والجهل: أن العجز والجهل هو الذي حملهم على الاصطلاح، والعاجز والجاهل لا يَصْلُحُ أن يكون إلهاً وربّاً، وبالله التوفيق.
ثم الدلالة على حكمته وعلمه: ما لم يُعَايَنْ شَيءٌ وَلاَ يَشَاهَدْ إلا وفيه حكمة عجيبة؛ ودلالة بديعة مما يَعْجَزُ الحكماء عن إدراك مائيته، وكيفية خروجه على ما خرج، وعلم كل أحد منهم بتصور علمه على ما عنده من الحكمة، والعلم عن إدراك كُنّهِ ذلك فيما ذكرنا، وخروجُ الفعل متقناً محكماً - دلالةُ حكمةِ مبدعه وخالقه، وبالله التوفيق.
ثم الدلالة أنه لم يخلق الخلق للفناء خاصَّة؛ ولكن خلق للعواقب: يتأمَّل ويرجى ويخاف ويحذر - خروج فعل كل أحد في الشاهد من الحكمة إذا بني للفناء والنقض، فإذا كان الحكمة التي هي جزء يُخرج فعلَهُ عن الحكمة؛ إذا كان ذلك للفناء والهلاك خاصَّة؛ فخروج الكل عن ذلك لذلك أحرى وأولى أن يكون سفها لا حكمة، والله الموفق.
قال: دلت طمأنينة القلوب بموت كل نفس، وترك حكماء البشر الاحتيال - في دفعه، على ما ليس في الجوهر دليله، ولا في العقل امتناعه - أنه عرف ذلك بمن له التدبير فيها بالوحي إليه؛ وفي ذلك إيجاب القول بالرسل، ثم دل قهر جميع الحكماء به على حب الحياة إليهم، وبغض الموت عندهم - على خروج جميع الأحياء عن تدبيرهم، وفي خروجهم خروج الأموات؛ إذ هم تحت تدبير الأحياء.
ثم في طمأنينة كل قلب على الموت دلالةُ التدبير للواحد؛ إذ لو كان لأكثر لَجُوز التمانع وإبطال الوارد من الحيّ؛ وفي ذلك ارتياب، مع ما كانت كل نفس تحت أمور تقهرها، وتحوجها إلى أمور تعلم أن مدبِّرها هيأها على ذلك وطَبَعَهَا، وأنه العليم بما به صلاحها وقوامها وإليه حاجتها، وعلى ذلك جبلها؛ ليظهر عظيم حكمته وتعاليه عن الشرك في التدبير، أو المعونة في التقدير.
ثم لا يحتمل نشوء مثله على ما جرى عليه من حكمته في موت كُلٍّ - أنه كان للموت أنشأ لا لغير؛ إذ تدبيرُ فعلٍ واحد للفناء خاصَّة من حكمة البشر - يُخْرج عن معنى الحكمة، ويدلُّ على قصور صاحب ذلك وسفهه؛ فجملة العالم الذي كانت حكمة الحكماء جزءاً منها، وعقل العقلاء بعضاً منها - أحق وأولى؛ فثبت أنها أُنْشِئَتْ ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، ويوم تجزى كل نفس بما كسبت، وذلك قوله - -: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ﴾ الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ لما ذكرنا أنهم لها خلقوا - أعني: الآخرة - للجزاء والثواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ ﴾ : قيل: بُعِّدَ ونُحِّيَ عنها.
﴿ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ : قيل: فاز: نجا، وقيل: سَعِدَ، وقيل: الفائز: السابق، وقيل: فاز: غنم.
وأصل الفوز: النجاة، أي: نجا مما يخاف ويحذر، ويظفر بما يتأمَّل ويرجو.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ ﴾ : حياة الدنيا للدنيا غرور؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَٰدِ ﴾ حياة الدنيا للدنيا لعب ولهو وغرور، وللآخرة: ليست بلعب ولا لهو ولا غرور.
وأصل الغرور: هو أن يتراءى الشيء في ظاهره حسناً مموهاً؛ يغتر بها كل ناظر إليها ظاهراً، فإذا نظر في باطنها وجدها قاتلة مهلكة، نعوذ بالله من الاغترار بها.
وقيل: الحياة الدنيا - على ما عند أولئك الكفرة - لعب ولهو، وعند المؤمنين حكمة.
<div class="verse-tafsir"
كل نفس مهما تكن لا بد أن تذوق الموت، فلا يغتر مخلوق بهذه الدنيا، وفي يوم القيامة تعطون أجور أعمالكم كاملة غير منقوصة، فمن أبعده الله عن النار وأدخله الجنة؛ فقد نال ما يرجو من الخير، ونجا مما يخاف من الشر، وما الحياة الدنيا إلا متاع زائل، ولا يتعلق بها إلا المخدوع.
<div class="verse-tafsir" id="91.5Mpr2"
إنها تسلية أخرى، كأنه يقول لا تضجر ولا تسأم لما ترى من معاندة الكافرين فإن هذا مُنْتَهٍ وكل ما له نهاية فلا بد من الوصول إليه فالذي يصير إليه هؤلاء المعاندون قريب فيجازون على أعمالهم ولا تنتظر أن يوفوا جزاء عملهم السيء كله في هذه الدار كما أن أجرك على عملك لا توفاه في هذه الحياة، فحسبك ما أصبت من الجزاء الحسن وحسبهم ما أصيبوا، وما يصابون به من الجزاء السيء في الدنيا، وأعلم أنه لا يوفى أحد جزاءه في هذه الدار لأن توفية الأجور إنما تكون في الآخرة.
ويصح وصلها بما قبلها من قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾ إلخ، أي أن أولئك البخلاء الذين يمنعون الحقوق وأولئك المتجرئين على الله والظالمين لرسله والذين عاندوا خاتم النبين، كل أولئك سيموتون كما يموت غيرهم ويوفون أجورهم يوم القيامة.
وكذلك لا يحسبن أحد من المؤمنين الذين يقاومون هؤلاء ويلقون منهم سبيل الإيمان ما يلقون أنهم يوفون أجورهم في الدنيا، كلا إنهم إنما أجورهم يوم القيامة.
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ لكلمة "نفس" استعمالات يصح في بعض المواضع منها ما لا يصح في موضع آخر، والمتبادر هنا أن المراد بالنفس هنا ما به الحياة المعروفة في الحيوان، ولا يصح أن تكون هنا بمعنى الذات واستشكلوا موت النفس مع أنها باقية لأنها تبعث يوم القيامة، وإنما يبعث الموجود ولو عدمت النفس لما صح أن يقال إنها تبعث وإنما كان يقال توجد، وأجابوا عنه بأن كونها باقية لا ينافي كونها تذوق الموت، فإن الذي يذوق هو الموجود، والميت لا يذوق لأن الذوق شعور فالحالة المخصوصة التي هي مفارقة الروح للبدن إنما تشعر بها النفس، وأما البدن فلا شعور له لأنه يموت، ومن العبث والجهل البحث في تعريف الموت، فالموت هو الموت المعروف لكل أحد.
وهناك جواب آخر أبسط من هذا وأظهر وهو أن الخطاب هنا على العرف المعهود في التخاطب المتبادر لكل عربي وهو أن كل حي يموت.
﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ ذكر توفية الأجور ثم بين ذلك بأبلغ عبارة موجزة إيجازًا معجزًا، فأعلم أن هنالك جنة ونارًا، وأن من الناس من يلقى في تلك ومنهم من يدخل في هذه، وأبان عظيم هول النار وشدتها بالتعبير عن النجاة عنها بالزحزحة كأن كل شخص كان مشرفًا على السقوط فيها وأن مجرد الزحزحة عنها فوز كبير، وفيه إيماء إلى أن أعمال الناس سائقة لهم إلى النار لأنها حيوانية في الغالب حتى لا يكاد يدخل أحد الجنة إلا بعد أن يكون زحزح عما كان صائرًا إليه من السقوط في النار.
أما هؤلاء المزحزحون فهم الذين غلبت في نفوسهم الصفات الروحية على الصفات الحيوانية فأخلصوا في إيمانهم وفي أعمالهم وجاهدوا في الله حق جهاده حتى لم يبق في نفوسهم شائبة من إشراك غير الله في عمل من الأعمال.
أفاد هذا الايجاز كل هذه المعاني ولم يحتج في هذه الآية إلى مثل ما ذكر في آيات أخرى من وصف الجنة والنار لما يقتضيه السياق هنالك من الإطناب والتعريف بشيء من أمور عالم الغيب، وعبر بالفاء في قوله: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ ﴾ للترتيب وبيان السبب.
﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ : الحياة الدنيا هي السفلى أو القربى والمراد منها حياتنا هذه أي معيشتنا الحاضرة التي نتمتع باللذات الحسية كالأكل والشرب، أو المعنوية كالجاه والمنصب والسيادة، هذه الحياة هي أقرب الحياتين وأدناهما وأحطهما وهي على كل حال متاع الغرور لأن صاحبها دائمًا مغرور مخدوع لها تشغله كل حين بجلب لذاتها ودفع آلامها فهو يتعب لما لا يستحق التعب، ويشقى لتوهم السعادة ويتعب نقدًا ليستريح نسئة.
والعبارة جاءت بصيغة الحصر فهي تشمل حياة الأبرار الذين يصرفون أعمالهم في نفع الناس حبًا بالخير وتقربًا إلى الله من حيث هم متمتعون فيها إما من حيث أن لذتهم فيما هم فيه قهرية، وإما على معنى أنها لا بقاء لها، أو يقال إن ما كان من عمل الخير والطاعة ليس من متاع الدنيا والحصر بحسب ما عليه الغالب.
﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ يصح اتصال هذه الآية بما قبلها من قوله تعالى ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾ الآيات، فإن فيها ذكر البخل بالمال وذكر حال اليهود، وهذه تذكر البلاء بالمال وما سيلاقي المؤمنين من أولئك اليهود وغيرهم.
ويصح أن يكون على ما قاله بعضهم متصلًا بما هو قبل ذلك من أول واقعة أُحد إلى هنا كأنه يقول إن ما وقع من الإبتلاء في الأنفس والأموال والطعن في تلك الواقعة ليس آخر الابتلاء بل لابد أن تُبْلوا بعد ذلك بكل هذه الضروب منه، وتجري فيكم سنته تعالى في خلقه فلا تظنوا أنكم جلستم على عرش العزة واعتصمتم بالمنعة، وأمنتم حوادث الكون فإنه لابد أن يعاملكم الله تعالى كما يعامل الأمم معاملة المختبر المبتلي، لا ليعلم ما لم يكن يعلم من أمركم فهو علام الغيوب بل ليميز الخبيث من الطيب من بعد كما ماز الكثيرين في واقعة أُحد.
والابتلاء في الأموال يفسر بفرض الصدقات والبذل في سبيل الله -وهو كل ما يوصل إلى الخير- وبالجوائح والآفات، وهذا الجمع أولى مما ذهب إليه بعضهم من تخصيصه بالأول، وبعضهم من تخصيصه بالثاني، والابتلاء في الأنفس يكون بتكليف بذلها في سبيل الله وبموت من يحب الإنسان من الأهل والأصدقاء، والابتلاء بالتكليف هو أهم الابتلاءين، وذلك أن الله تعالى لم يكفل للمسلمين الحفظ والنصر والسيادة لأنهم مسلمون وإنما يكلفهم الجري على سننه تعالى كغيرهم فلابد لهم من الاستعداد للمدافعة دائمًا وذلك يقتضي بذل المال والنفس.
ومن هنا تعلم غلط الذين يفسرون الابتلاء بالمال والأمر ببذله والجهاد به، كل ذلك بالزكاة، وما الزكاة إلا نوع من أنواع الحقوق التي جعلها الله في المال وهي كثيرة تشمل كل ما به صلاح الأمة ورفع شأنها من الأعمال، وكل ما يدفع عنها الأعداء، ويرد عنها المكاره والأسواء، ومن ذلك الابتلاء في المدافعة عن الحق سواء كان بالمال أو بالنفس، فهو يوطن نفوسهم على الأخذ بالاحتياط في الأمور العامة، والاستعانة عليها بالمال، وتحمل المكاره ويحذرهم من الشره والطمع في المال حتى إذا طمعوا أو قصروا في الاحتياط كما وقع لهم في أُحد علموا أنهم ما أصيبوا إلا بما كسبت أيديهم، أو قصرت فيه هممهم فلا يتعللون ولا يقولون كيف أُصبنا ونحن مسلمون، وقدم ذكر المال لأنه هو الوسيلة التي يكون بها الاستعداد لبذل النفس فبذل المال يحتاج إليه قبل بذل النفس، أو لأن الإنسان كثيرًا ما يبذل نفسه دفاعًا عن ماله فالذين قالوا إن المال شقيق الروح لاحظوا الغالب ومن غير الغالب أن يقدم الإنسان ماله على نفسه.
علمنا أن فائدة الابتلاء هي تمييز الخبيث من الطيب، وأما الإخبار به ففائدته التعريف بالسنن الإلهية وتهيئة المؤمن لها وحمله على الاستعداد لمقاومتها، فإن من تحدث له النعمة فجأة على غير استعداد ولا سعي ترجى هي من ورائه تدهشه وتبطره وربما تهيج عصبه فيقع في داء أو يموت فجأة، وكذلك من تقع به المصيبة فجأة على غير استعداد يعظم عليه المر ويحيط به الغم حتى يقتله في بعض الأحيان، أما المستعد فإنه يكون ضليعًا قويًا.
﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ﴾ ، إن مثل هذا يدخل في الابتلاء في الأنفس وإنما خصه بالذكر لأنه من الأهمية بمكان.
﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ ، الصبر هو تلقي المكروه بالاحتمال وكظم النفس عليه مع الروية في دفعه ومقاومة ما يحدثه من الجزع، فهو مركب من أمرين: دفع الجزع ومحاولة طرده ثم مقاومة أثره حتى لا يغلب على النفس، وإنما يكون ذلك مع الإحساس بألم المكروه فمن لا يحس به لا يسمى صابرًا وإنما هو فاقد للإحساس يسمى بليدًا، وفرق بين الصبر والبلادة، فالصبر وسط بين الجزع والبلادة، وما أحسن قرن التقوى بالصبر في هذه الموعظة وهي أن يمتثل ما هدى الله إليه فعلًا وتركًا عن باعث القلب.
وذلك من عزم الأمور أي التي يجب أن تعقد عليها العزيمة وتصح النية وجوبًا محتمًا لا ضعف فيه.
<div class="verse-tafsir"