الآية ١٨٦ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٨٦ من سورة آل عمران

۞ لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًۭى كَثِيرًۭا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ١٨٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨٦ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨٦ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ) كقوله ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ) [ وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ] ) [ البقرة : 155 ، 156 ] أي : لا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله ، ويبتلى المؤمن على قدر دينه ، إن كان في دينه صلابة زيد في البلاء ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ) يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر ، مسليا لهم عما نالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين ، وآمرا لهم بالصبر والصفح والعفو حتى يفرج الله ، فقال : ( وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، أخبرني عروة بن الزبير : أن أسامة بن زيد أخبره قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ، ويصبرون على الأذى ، قال الله : ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ) قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو ما أمره الله به ، حتى أذن الله فيهم .

هكذا رواه مختصرا ، وقد ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية مطولا فقال : حدثنا أبو اليمان ، أنبأنا شعيب ، عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير ، أن أسامة بن زيد أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار ، عليه قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وراءه ، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج ، قبل وقعة بدر ، قال : حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي - ابن سلول ، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي ، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين ، عبدة الأوثان واليهود والمسلمين ، وفي المجلس عبد الله بن رواحة ، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال : " لا تغبروا علينا .

فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف ، فنزل فدعاهم إلى الله عز وجل ، وقرأ عليهم القرآن ، فقال عبد الله بن أبي : أيها المرء ، إنه لا أحسن مما تقول ، إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا ، ارجع إلى رحلك ، فمن جاءك فاقصص عليه .

فقال عبد الله بن رواحة : بلى يا رسول الله ، فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك .

فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا ، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته ، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " يا سعد ، ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي - قال كذا وكذا " .

فقال سعد : يا رسول الله ، اعف عنه واصفح فوالله الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك ، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة ، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك ، فذلك الذي فعل به ما رأيت ، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب ، كما أمرهم الله ، ويصبرون على الأذى ، قال الله تعالى : ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا [ وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ] ) وقال تعالى : ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ) الآية [ البقرة : 109 ] ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو ما أمره الله به ، حتى أذن الله فيهم ، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا ، فقتل الله به صناديد كفار قريش ، قال عبد الله بن أبي - ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان : هذا أمر قد توجه ، فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام وأسلموا .

فكان من قام بحق ، أو أمر بمعروف ، أو نهى عن منكر ، فلا بد أن يؤذى ، فما له دواء إلا الصبر في الله ، والاستعانة بالله ، والرجوع إلى الله ، عز وجل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (186) قال أبو جعفر: يعني بقوله: تعالى ذكره: (22) " لتبلون في أموالكم "، لتختبرن بالمصائب في أموالكم (23) =" وأنفسكم "، يعني: وبهلاك الأقرباء والعشائر من أهل نصرتكم وملتكم (24) =" ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، يعني: من اليهود وقولهم: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ، وقولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ، وما أشبه ذلك من افترائهم على الله=" ومن الذين أشركوا "، يعني النصارى=" أذى كثيرًا "، (25) والأذى من اليهود ما ذكرنا، ومن النصارى قولهم: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ، وما أشبه ذلك من كفرهم بالله=" وإن تصبروا وتتقوا "، يقول: وإن تصبروا لأمر الله الذي أمركم به فيهم وفي غيرهم من طاعته=" وتتقوا "، يقول: وتتقوا الله فيما أمركم ونهاكم، فتعملوا في ذلك بطاعته=" فإن ذلك من عزم الأمور "، يقول: فإن ذلك الصبر والتقوى مما عزم الله عليه وأمركم به.

* * * وقيل: إن ذلك كله نـزل في فنخاص اليهودي، سيد بني قَيْنُقَاع، كالذي:- 8316 - حدثنا به القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال عكرمة في قوله: " لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا "، قال: نـزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أبي بكر رضوان الله عليه، وفي فنحاص اليهودي سيد بني قينُقاع قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رحمه الله إلى فنحاص يستمدُّه، وكتب إليه بكتاب، وقال لأبي بكر: " لا تَفتاتنَّ عليّ بشيء حتى ترجع ".

(26) فجاء أبو بكر وهو متوشِّح بالسيف، فأعطاه الكتاب، فلما قرأه قال: " قد احتاج ربكم أن نمده "!

فهمّ أبو بكر أن يضربه بالسيف، ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تفتاتنّ علي بشيء حتى ترجع "، &; 7-456 &; فكف، ونـزلت: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ .

(27) وما بين الآيتين إلى قوله: " لتبلون في أموالكم وأنفسكم "، نـزلت هذه الآيات في بني قينقاع إلى قوله: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ = قال ابن جريج: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم قال: " لتبلون في أموالكم وأنفسكم "، قال: أعلم الله المؤمنين أنه سيبتليهم، فينظر كيف صبرهم على دينهم.

ثم قال: " ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، يعني: اليهود والنصارى=" ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا " فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ، ومن النصارى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ، فكان المسلمون ينصبون لهم الحرب إذ يسمعون إشراكهم، (28) فقال الله: " وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور "، يقول: من القوة مما عزم الله عليه وأمركم به.

* * * وقال آخرون: بل نـزلت في كعب بن الأشرف، وذلك أنه كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتشبّب بنساء المسلمين.

* ذكر من قال ذلك: 8317 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله: " ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا "، قال: هو كعب بن الأشرف، وكان يحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره، ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم.

فانطلق إليه خمسة نفر من الأنصار، فيهم محمد بن مسلمة، ورجل &; 7-457 &; يقال له أبو عبس.

فأتوه وهو في مجلس قومه بالعَوَالي، (29) فلما رآهم ذعر منهم، فأنكر شأنهم، وقالوا: جئناك لحاجة!

قال: فليدن إليّ بعضكم فليحدثني بحاجته.

فجاءه رجل منهم فقال: جئناك لنبيعك أدراعًا عندنا لنستنفق بها.

(30) فقال: والله لئن فعلتم لقد جُهدتم منذ نـزل بكم هذا الرجل!

فواعدوه أن يأتوه عشاءً حين هدأ عنهم الناس، (31) فأتوه فنادوه، فقالت امرأته: ما طَرقك هؤلاء ساعتهم هذه لشيء مما تحب!

قال: إنهم حدثوني بحديثهم وشأنهم.

(32) قال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة: أنه أشرف عليهم فكلمهم، فقال: أترهَنُوني أبناءكم؟

وأرادوا أن يبيعهم تمرًا.

قال، فقالوا: إنا نستحيي أن تعير أبناؤنا فيقال: " هذا رهينة وَسْق، وهذا رهينة وسقين "!

(33) فقال: أترهنوني نسائكم؟

قالوا: أنت أجملُ الناس، ولا نأمنك!

وأي امرأة تمتنع منك لجمالك!

ولكنا نرهنك سلاحنا، فقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم.

فقال: ائتوني بسلاحكم، واحتملوا ما شئتم.

قالوا: فأنـزل إلينا نأخذ عليك وتأخذ علينا.

فذهب ينـزل، (34) فتعلقت به امرأته وقالت: أرسل إلى أمثالهم من قومك يكونوا معك.

قال: لو وجدني هؤلاء نائمًا ما أيقظوني!

قالت: فكلِّمهم من فوق البيت، فأبى عليها، فنـزل إليهم يفوحُ ريحه.

قالوا: ما هذه الريح يا فلان؟

قال: هذا عطرُ أم فلان!

امرأته.

فدنا إليه بعضهم يشم رائحته، ثم اعتنقه، ثم قال: اقتلوا عدو الله!

فطعنه أبو عَبس في خاصرته، وعلاه محمد بن مسلمة بالسيف، فقتلوه ثم رجعوا.

فأصبحت اليهود مذعورين، فجاءوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: قتل سيدنا غيلة!

فذكّرهم النبي صلى الله عليه وسلم صَنيعه، وما كان يحضّ عليهم، ويحرض في قتالهم ويؤذيهم، ثم دعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم صلحًا، قال: فكان ذلك الكتابُ مع عليّ رضوان الله عليه.

* * * ---------------- الهوامش : (22) في المطبوعة والمخطوطة"يعني بذلك تعالى ذكره" ، وسياق التفسير هنا يقتضي ما أثبت.

(23) انظر تفسير"الابتلاء" فيما سلف 2: 49 / 3: 7 ، 220 / 5: 339 / 7: 297 ، 235.

(24) انظر تفسير"أنفسهم" فيما سلف 6: 501.

(25) انظر تفسير"الأذى" فيما سلف 4: 374.

(26) كل من أحدث دونك شيئا ، ومضى عليه ولم يستشرك ، واستبد به دونك ، فقد فاتك بالشيء وافتات عليك به أوفيه.

هو"افتعال" من"الفوت" ، وهو السبق إلى الشيء دون ائتمار أو مشورة.

(27) انظر أخبار فنخاص اليهودي في الآثار السالفة: 8300 - 8302.

(28) في المطبوعة: "ويسمعون إشراكهم" بالواو ، وفي المخطوطة ، هذه الواو كأنها (د) ، فآثرت أن أجعلها"إذ" ، لأنها حق المعنى.

(29) "العوالي" ، جمع عالية.

و"العالية": اسم لكل ما كان من جهة نجد من المدينة ، من قراها وعمائرها إلى تهامة ، وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهو"السافلة".

وعوالي المدينة ، بينها وبين المدينة أربعة أميال ، وقيل ثلاثة ، وذلك أدناها ، وأبعدها ثمانية.

(30) استنفق بالمال: جعله نفقة يقضى بها حاجته وحاجة عياله.

(31) هدأ عنهم الناس: سكن عنهم الناس وقلت حركتهم وناموا.

وفي المخطوطة: "حين هدى عنهم الناس" بطرح الهمزة ، وهو صواب جيد ، جاء في شعر ابن هرمة ، من أبياته الأليمة الموجعة: لَيْـتَ السَّـبَاعَ لَنَـا كَـانَتْ مُجَــاوِرَةً وَأَنَّنَــا لا نَـرَى مِمَّـنْ نَـرَى أَحَـدَا إِنَّ السِّــبَاعَ لَتَهْــدَا عَـنْ فَرائِسِـهَا وَالنَّــاسُ لَيْسَ بِهَــادٍ شَـرُّهُمْ أَبَـدَا يريد: "لتهدأ" و"بهادئ شرهم".

(32) هذا بدأ سياق آخر للخبر ، منقطع عما قبله من خبر الزهري ، ولم يتم خبر الزهري ، بل أتم خبر عكرمة الذي أدخله على سياقه.

(33) "الوسق" كيل معلوم ، قيل: هو حمل بعير ، وقيل: ستون صاعًا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم.

(34) قوله: "ذهب ينـزل" ، أي تحرك لينـزل ، و"ذهب" من ألفاظ الاستعانة التي تدخل على الكلام لتصوير حركة ، أو بيان فعل مثل قولهم: "قعد فلان لا يمر به أحد إلا سبه" ، أو "قعد لا يسأله سائل إلا حرمه" ، لا يراد به حقيقة القعود ، بل استمرار ذلك منه واتصاله ، وحاله عند رؤية الناس ، أو طروق السائل.

واستعمال"ذهب" بهذا المعنى كثير الورود في كلامهم ، وإن لم تذكره كتب اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمورهذا الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته والمعنى : لتختبرن ولتمتحنن في أموالكم بالمصائب والأرزاء بالإنفاق في سبيل الله وسائر تكاليف الشرع .

والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب .

وبدأ بذكر الأموال لكثرة المصائب بها .

ولتسمعن إن قيل : لم ثبتت الواو في لتبلون وحذفت من ولتسمعن ; فالجواب أن الواو في " لتبلون " قبلها فتحة فحركت لالتقاء الساكنين ، وخصت بالضمة لأنها واو الجمع ، ولم يجز حذفها لأنها ليس قبلها ما يدل عليها ، وحذفت من " ولتسمعن " لأن قبلها ما يدل عليها .

ولا يجوز همز الواو في " لتبلون " لأن حركتها عارضة ; قاله النحاس وغيره .

ويقال للواحد من المذكر : لتبلين يا رجل .

وللاثنين : لتبليان يا رجلان .

ولجماعة الرجال : لتبلون .

ونزلت بسبب أن أبا بكر - رضي الله عنه - سمع يهوديا يقول : إن الله فقير ونحن أغنياء .

ردا على القرآن واستخفافا به حين أنزل الله من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فلطمه ; فشكاه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت .

قيل : إن قائلها فنحاص اليهودي ; عن عكرمة .

الزهري : هو كعب بن الأشرف نزلت بسببه ; وكان شاعرا ، وكان يهجو النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، ويؤلب عليه كفار قريش ، ويشبب بنساء المسلمين حتى بعث إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محمد بن مسلمة وأصحابه فقتله القتلة المشهورة في السير [ ص: 285 ] وصحيح الخبر .

وقيل غير هذا .

وكان - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة كان بها اليهود والمشركون ، فكان هو وأصحابه يسمعون أذى كثيرا .

، وفي الصحيحين أنه عليه السلام مر بابن أبي وهو عليه السلام على حمار فدعاه إلى الله تعالى فقال ابن أبي : إن كان ما تقول حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا !

ارجع إلى رحلك ، فمن جاءك فاقصص عليه .

وقبض على أنفه لئلا يصيبه غبار الحمار ، فقال ابن رواحة : نعم يا رسول الله ، فاغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك .

واستب المشركون الذين كانوا حول ابن أبي والمسلمون ، وما زال النبي - صلى الله عليه وسلم - يسكنهم حتى سكنوا .

ثم دخل على سعد بن عبادة يعوده وهو مريض ، فقال : ( ألم تسمع ما قال فلان ) فقال سعد : اعف عنه واصفح ، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاءك الله بالحق الذي نزل ، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة ; فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق به ، فذلك فعل به ما رأيت .

فعفا عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزلت هذه الآية .

قيل : هذا كان قبل نزول القتال ، وندب الله عباده إلى الصبر والتقوى وأخبر أنه من عزم الأمور .

وكذا في البخاري في سياق الحديث ، إن ذلك كان قبل نزول القتال .

والأظهر أنه ليس بمنسوخ ; فإن الجدال بالأحسن والمداراة أبدا مندوب إليها ، وكان عليه السلام مع الأمر بالقتال يوادع اليهود ويداريهم ، ويصفح عن المنافقين ، وهذا بين .

ومعنى عزم الأمور شدها وصلابتها .

وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى ويخاطب المؤمنين أنهم سيبتلون في أموالهم من النفقات الواجبة والمستحبة، ومن التعريض لإتلافها في سبيل الله، وفي أنفسهم من التكليف بأعباء التكاليف الثقيلة على كثير من الناس، كالجهاد في سبيل الله، والتعرض فيه للتعب والقتل والأسر والجراح، وكالأمراض التي تصيبه في نفسه، أو فيمن يحب.

{ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } من الطعن فيكم، وفي دينكم وكتابكم ورسولكم.

وفي إخباره لعباده المؤمنين بذلك، عدة فوائد: منها: أن حكمته تعالى تقتضي ذلك، ليتميز المؤمن الصادق من غيره.

ومنها: أنه تعالى يقدر عليهم هذه الأمور، لما يريده بهم من الخير ليعلي درجاتهم، ويكفر من سيئاتهم، وليزداد بذلك إيمانهم، ويتم به إيقانهم، فإنه إذا أخبرهم بذلك ووقع كما أخبر { قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما } ومنها: أنه أخبرهم بذلك لتتوطن نفوسهم على وقوع ذلك، والصبر عليه إذا وقع؛ لأنهم قد استعدوا لوقوعه، فيهون عليهم حمله، وتخف عليهم مؤنته، ويلجأون إلى الصبر والتقوى، ولهذا قال: { وإن تصبروا وتتقوا } أي: إن تصبروا على ما نالكم في أموالكم وأنفسكم، من الابتلاء والامتحان وعلى أذية الظالمين، وتتقوا الله في ذلك الصبر بأن تنووا به وجه الله والتقرب إليه، ولم تتعدوا في صبركم الحد الشرعي من الصبر في موضع لا يحل لكم فيه الاحتمال، بل وظيفتكم فيه الانتقام من أعداء الله.

{ فإن ذلك من عزم الأمور } أي: من الأمور التي يعزم عليها، وينافس فيها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم والهمم العالية كما قال تعالى: { وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ) الآية قال عكرمة ومقاتل والكلبي وابن جريج : نزلت الآية في أبي بكر وفنحاص بن عازوراء .

وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى فنحاص بن عازوراء سيد بني قينقاع ليستمده ، وكتب إليه كتابا وقال لأبي بكر رضي الله عنه " لا تفتاتن علي بشيء حتى ترجع " فجاء أبو بكر رضي الله عنه وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب فلما قرأه قال : قد احتاج ربك إلى أن نمده ، فهم أبو بكر رضي الله عنه أن يضربه بالسيف ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تفتاتن علي بشيء حتى ترجع " فكف فنزلت هذه الآية .

وقال الزهري : نزلت في كعب بن الأشرف فإنه كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسب المسلمين ، ويحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره ويشبب بنساء المسلمين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من لي بابن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله " ؟

.

فقال محمد بن مسلمة الأنصاري : أنا لك يا رسول الله ، أنا أقتله قال : " فافعل إن قدرت على ذلك " .

فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما تعلق نفسه ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه وقال له : لم تركت الطعام والشراب؟

قال : يا رسول الله قلت قولا ولا أدري هل أفي به أم لا فقال : إنما عليك الجهد .

فقال : يا رسول الله إنه لا بد لنا من أن نقول قال : قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك ، فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلام وأبو نائلة ، وكان أخا كعب من الرضاعة ، وعباد بن بشر والحارث بن أوس وأبو عيسى بن جبير فمشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم ، وقال : " انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم " ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في ليلة مقمرة .

فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فقدموا أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة وتناشدا الشعر ، وكان أبو نائلة يقول الشعر ، ثم قال : ويحك يا ابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم علي قال أفعل قال : كان قدوم هذا الرجل بلادنا بلاء عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة ، وانقطعت عنا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت الأنفس ، فقال كعب : أنا ابن الأشرف أما والله لقد كنت أخبرتك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى هذا ، فقال أبو نائلة : إن معي أصحابا أردنا أن تبيعنا طعامك ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك قال : أترهنوني أبناءكم قال : إنا نستحي إن يعير أبناؤنا فيقال هذا رهينة وسق وهذا رهينة وسقين قال : ترهنوني نساءكم قالوا : كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ولا نأمنك وأية امرأة تمتنع منك لجمالك؟

ولكنا نرهنك الحلقة يعني : السلاح وقد علمت حاجتنا إلى السلاح ، قال : نعم وأراد أبو نائلة أن لا ينكر السلاح إذا رآه فوعده أن يأتيه فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم خبره .

فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه ليلا فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس ، فوثب من ملحفته فقالت امرأته : أسمع صوتا يقطر منه الدم ، وإنك رجل محارب وإن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة فكلمهم من فوق الحصن فقال : إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة وإن هؤلاء لو وجدوني نائما ما أيقظوني ، وإن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب ، فنزل إليهم فتحدث معهم ساعة ثم قالوا : يا ابن الأشرف هل لك إلى أن نتماشى إلى شعب العجوز نتحدث فيه بقية ليلتنا هذه؟

قال : إن شئتم؟

فخرجوا يتماشون وكان أبو نائلة قال : لأصحابه إني فاتل شعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه ، ثم إنه شام يده في فود رأسه ثم شم يده فقال : ما رأيت كالليلة طيب عروس قط ، قال : إنه طيب أم فلان يعني امرأته ، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة فعاد لمثلها ثم أخذ بفودي رأسه حتى استمكن ثم قال : اضربوا عدو الله فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار ، قال فوضعته في ثندوته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله ، وقد أصيب الحارث بن أوس بجرح في رأسه أصابه بعض أسيافنا ، فخرجنا وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث ونزفه الدم ، فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله آخر الليل وهو قائم يصلي فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل كعب وجئنا برأسه إليه وتفل على جرح صاحبنا .

فرجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود وقعتنا بعدو الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه " فوثب محيصة بن مسعود على سنينة رجل من تجار اليهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم وكان أسن من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول : أي عدو الله قتلته أما والله لرب شحم في بطنك من ماله .

قال محيصة : والله لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لضربت عنقك ، قال : لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟

قال : نعم قال والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب؟

!

فأسلم حويصة وأنزل الله تعالى في شأن كعب : ( لتبلون ) لتخبرن اللام للتأكيد وفيه معنى القسم ، والنون لتأكيد القسم ( في أموالكم ) بالجوائح والعاهات والخسران ( وأنفسكم ) بالأمراض وقيل : بمصائب الأقارب والعشائر ، قال عطاء : هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم ورباعهم وعذبوهم وقال الحسن : هو ما فرض عليهم في أموالهم وأنفسهم من الحقوق ، كالصلاة والصيام والحج والجهاد والزكاة ، ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) يعني : اليهود والنصارى ، ( ومن الذين أشركوا ) يعني : مشركي العرب ، ( أذى كثيرا وإن تصبروا ) على أذاهم ( وتتقوا ) الله ، ( فإن ذلك من عزم الأمور ) من حق الأمور وخيرها وقال عطاء : من حقيقة الإيمان .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لَتُبْلَوُنَّ» حذف منه نون الرفع لتوالي النونات والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين، لتختبرن «في أموالكم» بالفرائض فيها والحوائج «وأنفسكم» بالعبادات والبلاء «وَلَتَسْمَعُنَّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم» اليهود والنصارى «ومن الذين أشركوا» من العرب «أذى كثيرا» من السب والطعن والتشبيب بنسائكم «وإن تصبروا» على ذلك «وتتقوا» الله بالفرائض «فإن ذلك من عزم الأمور» أي: من معزوماتها التي يعزم عليها لوجوبها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لَتُخْتَبَرُنَّ -أيها المؤمنون- في أموالكم بإخراج النفقات الواجبة والمستحبَّة، وبالجوائح التي تصيبها، وفي أنفسكم بما يجب عليكم من الطاعات، وما يحلُّ بكم من جراح أو قتل وفَقْد للأحباب، وذلك حتى يتميَّز المؤمن الصادق من غيره.

ولتَسمعُنَّ من اليهود والنصارى والمشركين ما يؤذي أسماعكم من ألفاظ الشرك والطعن في دينكم.

وإن تصبروا -أيها المؤمنون- على ذلك كله، وتتقوا الله بلزوم طاعته واجتناب معصيته، فإن ذلك من الأمور التي يُعزم عليها، وينافس فيها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - للمؤمنين أنهم سيتعرضون فى المستقبل للمحن والآلام كما تعرضوا لذلك فى أيامهم الماضية ، وأن من الواجب عليهم أن يتقبلوا ذلك بعزيمة صادقة ، وصبر جميل فقال - تعالى - : { لَتُبْلَوُنَّ في أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً } .وقوله { لَتُبْلَوُنَّ } جواب قسم محذوف أى : والله لتبلون أى لتختبرن .

والمراد لتعاملن معاملة المختبر والممتحن ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق ، ومن التمسك بمكارم الأخلاق ، فإن المصائب محك الرجال .وإنما أخبرهم - سبحانه - بما سيقع لهم من بلاء ، ليوطنوا أنفسهم على احتماله عند وقوعه ، وليستعدوا لتلقيه من غير فزع أو جزع ، فإن الشدة المتوقعة يسهل احتمالها ، أما الشدة التى تقع من غير توقع فإنها يصعب احتمالها .والمعنى : لتبلون - أيها المؤمنون - ولتختبرن { في أَمْوَالِكُمْ } بما يصيبها من الآفات ، وبما تطالبون به من إنفاق فى سبيل إعلاء كلمة الله ، ولتختبرن أيضاً فى { أَنْفُسِكُمْ } بسبب ما يصيبكم من جراح وآلام من قبل أعدائكم ، وبسبب ما تتعرضون له من حروب ومتاعب وشدائد ، وفضلا عن ذلك فإنكم { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } وهم اليهود والنصارى { وَمِنَ الذين أشركوا } وهم كفار العرب ، لتسمعن من هؤلاء جميعا { أَذًى كَثِيراً } كالطعن فى دينكم ، والاستهزاء بعقيدتكم ، والسخرية من شريعتكم والاستخفاف بالتعاليم التى أتاكم بها نبيكم ، والتفنن فيما يضركم .وقد رتب - سبحانه - ما يصيب المؤمنين ترتيبا تدريجيا ، فابتدأ بأدتى ألوان البلاء وهو الإصابة فى المال ، فإنها مع شدتها وقسوتها على الإنسان إلا أنها أهون من الإصابة فى النفس لأنها أغلى من المال ، ثم ختم ألوان الابتلاء ببيان الدرجة العليا منه وهى التى تختص بالإصابة فى الدين ، وقد عبر عنها بقوله : { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً } .وإنما كانت الإصابة فى الدين أعلى أنواع البلاء ، لأن المؤمن الصادق يهون عليه ماله ، وتهون عليه نفسه ، ولكنه لا يهون عليه دينه ، ويسهل عليه أن يتحمل الأذى فى ماله ونفسه ولكن ليس من السهل عليه أن يؤذى فى دينه .

.

.ولقد كان أبو بكر الصديق مشهورا بلينه ورفقه .

ولكنه مع ذلك - لقوة إيمانه - لم يحتمل من " فنحاص " اليهودى أن يصف الخالق - عز وجل - بأنه فقير ، فما كان من الصديق إلا أن شجَّ وجه فنحاص عندما قال ذلك القول الباطل .وقد جمع - سبحانه - بين أهل الكتاب وبين المشركين فى عداوتهم وإيذائهم للمؤمنين ، للإشعار بأن الكفر ملة واحدة ، وأن العالم بالكتاب والجاهل به يستويان فى معاداتهم للحق ، لأن العناد إذا استولى على القلوب زاد الجاهلين جهلا وحمقا ، وزاد العالمين حقداً وحسداً .ثم أرشد - سبحانه - المؤمنين إلى العلاج الذى يعين على التغلب على هذا البلاء فقال : { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور } .أى : وإن تصبروا على تلك الشدائد ، وتقابلوها يضبط النفس ، وقوة الاحتمال .

{ وَتَتَّقُواْ } الله فى كل ما أمركم به ونهاكم عنه ، تنالوا رضاه - سبحانه - وتنجوا من كيد أعدائكم .والإشارة فى قوله { فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور } تعود إلى المذكور ضمنا من الصبر والتقوى ، أى فإن صبركم وتقواكم من الأمور التى يجب أن يسير عليها كل عاقل .

لأنها تؤدى إلى النجاح والظفر .وقوله { فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور } دليل على جواب الشرط .والتقدير : وإن تصبروا وتتقوا تنالوا ثواب أ÷ل العزم فإن ذلك من عزم الأمور .فالآية الكريمة استئناف مسوق لإيقاظ المؤمنين ، وتنبيههم إلى سنة من سنن الحياة ، وهى أن أهل الحق لا بد من أن يتعرضوا للابتلاء والامتحان ، فعليهم أن يوطنوا أنفسهم على تحمل كل ذلك ، لأن ضعفاء العزيمة ليسوا أهلا لبلوغ النصر .ولقد بين النبى صلى الله عليه وسلم أن قوة الإيمان وشدة البلاء متلازمان ، فقد روى الترمذى عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : قلت يا رسول الله ، أى الناس أشد بلاء؟

قال : الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل .

فيبتلى الرجل على حسب دينه .

فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه ، وإن كان فى دينه رقة ابتلى على حسب دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه خطيئة " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما سلى الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت  ﴾ زاد في تسليته بهذه الآية، فبين أن الكفار بعد أن آذوا الرسول والمسلمين يوم أحد، فسيؤذونهم أيضا في المستقبل بكل طريق يمكنهم، من الايذاء بالنفس والايذاء بالمال، والغرض من هذا الاعلام أن يوطنوا أنفسهم على الصبر وترك الجزع، وذلك لأن الإنسان إذا لم يعلم نزول البلاء عليه فاذا انزل البلاء عليه شق ذلك عليه، أما اذا كان عالما بأنه سينزل، فاذا نزل لم يعظم وقعه عليه.

أما قوله: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أموالكم وَأَنفُسِكُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: اللام لام القسم، والنون دخلت مؤكدة وضمت الواو لسكونها وسكون النون، ولم تكسر لالتقاء الساكنين لأنها واو جمع فحركت بما كان يجب لما قبلها من الضم، ومثله ﴿ اشتروا الضلالة  ﴾ .

المسألة الثانية: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ ﴾ لتختبرن، ومعلوم أنه لا يجوز في وصف الله تعالى الاختبار لأنه طلب المعرفة ليعرف الجيد من الردئ، ولكن معناه في وصف الله تعالى أنه يعامل العبد معاملة المختبر.

المسألة الثالثة: اختلفوا في معنى هذا الابتلاء فقال بعضهم: المراد ما ينالهم من الشدة والفقر وما ينالهم من القتل والجرح والهزيمة من جهة الكفار، ومن حيث ألزموا الصبر في الجهاد.

وقال الحسن: المراد به التكاليف الشديدة المتعلقة بالبدن والمال، وهي الصلاة والزكاة والجهاد.

قال القاضي: والظاهر يحتمل كل واحد من الأمرين فلا يمتنع حمله عليهما.

وأما قوله: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً ﴾ فالمراد منه أنواع الايذاء الحاصلة من اليهود والنصارى والمشركين للمسلمين، وذلك لأنهم كانوا يقولون عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، وثالث ثلاثة، وكانوا يطعنون في الرسول عليه الصلاة والسلام بكل ما يقدرون عليه، ولقد هجاه كعب بن الأشرف، وكانوا يحرضون الناس على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وأما المشركون فهم كانوا يحرضون الناس على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ويجمعون العساكر على محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ويثبطون المسلمين عن نصرته، فيجب أن يكون الكلام محمولا على الكل إذ ليس حمله على البعض أولى من حمله على الثاني.

ثم قال عطفا على الأمرين: ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال المفسرون: بعث الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر الى فنحاص اليهودي يستمده، فقال فنحاص قد احتاج ربك الى أن نمده، فهم أبو بكر رضي الله عنه أن يضربه بالسيف، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين بعثه: لا تغلبن على شيء حتى ترجع إلي، فتذكر أبو بكر رضي الله عنه ذلك وكف عن الضرب ونزلت هذه الآية.

المسألة الثانية: للآية تأويلان: الأول: أن المراد منه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالمصابرة على الابتلاء في النفس والمال، والمصابرة على تحمل الأذى وترك المعارضة والمقابلة، وإنما أوجب الله تعالى ذلك لأنه أقرب الى دخول المخالف في الدين، كما قال: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى  ﴾ وقال: ﴿ قُل لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله  ﴾ والمراد بهذا الغفران الصبر وترك الانتقام وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً  ﴾ وقال: ﴿ فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل  ﴾ وقال: ﴿ ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ  ﴾ قال الواحدي رحمه الله: كان هذا قبل نزول آية السيف.

قال القفال رحمه الله: الذي عندي أن هذا ليس بمنسوخ والظاهر أنها نزلت عقيب قصة أحد، والمعنى أنهم أمروا بالصبر على ما يؤذون به الرسول صلى الله عليه وسلم على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم، واستعمال مداراتهم في كثير من الأحوال.

والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه، واعلم أن قول الواحدي ضعيف، والقول ما قاله القفَّال.

الوجه الثاني في التأويل: أن يكون المراد من الصبر والتقوى: الصبر على مجاهدة الكفار ومنابذتهم والانكار عليهم، فأمروا بالصبر على مشاق الجهاد، والجري على نهج أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الانكار على اليهود والاتقاء عن المداهنة مع الكفار، والسكوت عن إظهار الانكار.

المسألة الثالثة: الصبر عبارة عن احتمال المكروه، والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي فقدم ذكر الصبر ثم ذكر عقبه التقوى، لأن الإنسان إنما يقدم على الصبر لأجل أنه يريد الاتقاء عما لا ينبغي، وفيه وجه آخر: وهو أن المراد من الصبر هو أن مقابلة الاساءة بالاساءة تفضي إلى ازدياد الاساءة، فأمر بالصبر تقليلا لمضار الدنيا، وأمر بالتقوى تقليلا لمضار الآخرة، فكانت الآية على هذا التأويل جامعة لآداب الدنيا والآخرة.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ مِنْ عَزْمِ الأمور ﴾ أي من صواب التدبير الذي لا شك في ظهور الرشد فيه، وهو مما ينبغي لكل عاقل أن يعزم عليه، فتأخذ نفسه لا محالة به، والعزم كأنه من جملة الحزم وأصله من قول الرجل: عزمت عليك أن تفعل كذا، أي ألزمته إياك لا محالة على وجه لا يجوز ذلك الترخص في تركه، فما كان من الأمور حميد العاقبة معروفاً بالرشد والصواب فهو من عزم الأمور لأنه مما لا يجوز لعاقل أن يترخص في تركه، ويحتمل وجها آخر، وهو أن يكون معناه: فإن ذلك مما قد عزم عليكم فيه أي ألزمتم الأخذ به، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

والبلاء في الأنفس: القتل والأسر والجراح وما يرد عليها من أنواع المخاوف والمصائب.

وفي الأموال: الإنفاق في سبل الخير وما يقع فيها من الآفات.

وما يسمعون من أهل الكتاب المطاعن في الدين الحنيف، وصدّ من أراد الإيمان، وتخطئة من آمن.

وما كان من كعب بن الأشرف من هجائه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريض المشركين، ومن فنحاص، ومن بني قريظة والنضير ﴿ فَإِنَّ ذلك ﴾ فإن الصبر والتقوى ﴿ مِنْ عَزْمِ الأمور ﴾ من معزومات الأمور، أي مما يجب العزم عليه من الأمور أو مما عزم الله أن يكون، يعني أنّ ذلك عزمة من عزمات الله لابد لكم أن تصبروا وتتقوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَتُبْلَوُنَّ ﴾ أيْ واللَّهِ لَتُخْتَبَرُنَّ.

﴿ فِي أمْوالِكُمْ ﴾ بِتَكْلِيفِ الإنْفاقِ وما يُصِيبُها مِنَ الآفاتِ.

﴿ وَأنْفُسِكُمْ ﴾ بِالجِهادِ والقَتْلِ والأسْرِ والجِراحِ، وما يُرَدُّ عَلَيْها مِنَ المَخاوِفِ والأمْراضِ والمَتاعِبِ.

﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا ﴾ مِن هِجاءِ الرَّسُولِ  ، والطَّعْنِ في الدِّينِ وإغْراءِ الكَفَرَةِ عَلى المُسْلِمِينَ.

أخْبَرَهم بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِها لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى الصَّبْرِ والِاحْتِمالِ، ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِها حَتّى لا يُرْهِقَهم نُزُولُها.

﴿ وَإنْ تَصْبِرُوا ﴾ عَلى ذَلِكَ.

﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ.

﴿ فَإنَّ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي الصَّبْرَ والتَّقْوى.

﴿ مِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ مِن مَعْزُوماتِ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ العَزْمُ عَلَيْها، أوْ مِمّا عَزَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أيْ أمَرَ بِهِ وبالَغَ فِيهِ.

والعَزْمُ في الأصْلِ ثَباتُ الرَّأْيِ عَلى الشَّيْءِ نَحْوَ إمْضائِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَتُبْلَوُنَّ} والله لتبلون أي لتختبرن {فِى أموالكم} بانفاق فى سبيل الله وبما يقع فيها ن الآفات {وأَنفُسِكُمْ} بالقتل والأسر والجراح وما يرد عليها من أنواع المخاوف والمصائب وهذه الآية دليل على أن النفس هي الجسم المعاين دون ما فيه من المعنى الباطل كما قال بعض أهل الكلام والفلاسفة كذا في شرح التأويلات {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ} يعني اليهود والنصارى {وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً} كالطعن في الدين وصد من أراد الإيمان وتخطئة من آمن ونحو ذلك {وَأَن تَصْبِرُواْ} على أذاهم {وَتَتَّقُواْ} مخالفة أمر الله {فَإِنَّ ذلك} فإن الصبر والتقوى {مِنْ عَزْمِ الأمور} من معزومات الأمور أي مما يجب العزم عليه من الأمور خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على

احتمال ما سيلقون من الشدائد والصبر عليها حتى إذا لقوها وهم مستعدون لا يرهقهم ما يرهق من تصيبه الشدة بغتة فينكرها وتشمئز منها نفسه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَتُبْلَوُنَّ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لَتُخْتَبَرُنَّ، والمُرادُ لَتُعامَلُنَّ مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ لِيَظْهَرَ ما عِنْدَكم مِنَ الثَّباتِ عَلى الحَقِّ والأفْعالِ الحَسَنَةِ، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الِابْتِلاءِ عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّهُ مُحالٌ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ كَما مَرَّ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ لَهم مَعَهُ  ، وإنَّما أخْبَرَهم سُبْحانَهُ بِما سَيَقَعُ لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى احْتِمالِهِ عِنْدَ وُقُوعِهِ، ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ ويُقابِلُوهُ بِحُسْنِ الصَّبْرِ والثَّباتِ، فَإنَّ هُجُومَ البَلاءِ مِمّا يَزِيدُ في اللَّأْواءِ والِاسْتِعْدادِ لِلْكَرْبِ مِمّا يُهَوِّنُ الخَطْبَ، ولِتَحْقِيقِ مَعْنى الِابْتِلاءِ لِهَذا التَّهْوِينِ أتى بِالتَّأْكِيدِ، وقَدْ يُقالُ: أتى بِهِ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ المُبْتَلى بِهِ مُبالَغَةً في الحَثِّ عَلى ما أُرِيدَ مِنهم مِنَ التَّهَيُّؤِ والِاسْتِعْدادِ، وعَلى أيِّ وجْهٍ، فالجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَسْلِيَةِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى عَمّا سَيَلْقَوْنَهُ مِن جِهَةِ أعْدائِهِ سُبْحانَهُ إثْرَ تَسْلِيَتِهِمْ عَمّا وقَعَ مِنهم، وقِيلَ: إنَّما سِيقَتْ لِبَيانِ أنَّ الدُّنْيا دارُ مِحْنَةٍ وابْتِلاءٍ، وأنَّها إنَّما زُوِيَتْ عَنِ المُؤْمِنِينَ لِيَصْبِرُوا فَيُؤْجَرُوا إثْرَ بَيانِ أنَّها (مَتاعُ الغُرُورِ)، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى كَما لا يَخْفى، والواوُ المَضْمُومَةُ ضَمِيرُ الرَّفْعِ، ولامُ الكَلِمَةِ مَحْذُوفَةٌ لِعِلَّةٍ تَصْرِيفِيَّةٍ، وإنَّما حُرِّكَتْ هَذِهِ الواوُ دَفْعًا لِلثِّقَلِ الحاصِلِ مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وكانَ ذَلِكَ بِالضَّمِّ لِيَدُلَّ عَلى المَحْذُوفِ في الجُمْلَةِ، ولَمْ تُقْلَبِ الواوُ ألِفًا مَعَ تَرْكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها لِعُرُوضِ ذَلِكَ ﴿ فِي أمْوالِكُمْ ﴾ بِالفَرائِضِ فِيها والجَوائِحِ، واقْتَصَرَ بَعْضٌ عَلى الثّانِي مُدَّعِيًا أنَّ الأوَّلَ المُمَثَّلَ في كَلامِهِمْ بِالإنْفاقِ المَأْمُورِ بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، والزَّكاةُ لا يَلِيقُ نَظْمُهُ في سِلْكِ الِابْتِلاءِ لِما أنَّهُ مِن بابِ الإضْعافِ لا مِن قَبِيلِ الإتْلافِ، وفِيهِ نَظَرٌ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وعَنِ الحَسَنِ الِاقْتِصارُ عَلى الأوَّلِ، والأوْلى القَوْلُ بِالعُمُومِ (و) في (أنْفُسِكُمْ) بِالقَتْلِ والجِراحِ والأسْرِ والأمْراضِ وفَقْدِ الأقارِبِ وسائِرِ ما يَرِدُ عَلَيْها مِن أصْنافِ المَتاعِبِ والمَخاوِفِ والشَّدائِدِ، وقَدَّمَ الأمْوالَ عَلى الأنْفُسِ لِلتَّرَقِّي إلى الأشْرَفِ، أوْ لِأنَّ الرَّزايا في الأمْوالِ أكْثَرُ مِنَ الرَّزايا في الأنْفُسِ.

﴿ ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إيتائِكُمُ القُرْآنَ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ إمّا لِلْإشْعارِ بِمَدارِ الشِّقاقِ، والإيذانِ بِأنَّ ما يَسْمَعُونَهُ مِنهم مُسْتَنِدٌ عَلى زَعْمِهِمْ إلى الكِتابِ، وإمّا لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ صُدُورِ ذَلِكَ المَسْمُوعِ مِنهم، وشِدَّةِ وقْعِهِ عَلى الأسْماعِ حَيْثُ إنَّهُ كَلامٌ صَدَرَ مِمَّنْ لا يُتَوَقَّعُ صُدُورُهُ مِنهُ لِوُجُودِ زاجِرٍ عَنْهُ مَعَهُ، وهو إيتاؤُهُ الكِتابَ كَما قِيلَ، والتَّصْرِيحُ بِالقَبْلِيَّةِ إمّا لِتَأْكِيدِ الإشْعارِ وتَقْوِيَةِ المَدارِ، وإمّا لِلْمُبالَغَةِ في أمْرِ الزّاجِرِ عَنْ صُدُورِ ذَلِكَ المَسْمُوعِ مِن أُولَئِكَ المُسْمِعِينَ.

﴿ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ وهم كُفّارُ العَرَبِ ﴿ أذًى كَثِيرًا ﴾ كالطَّعْنِ في الدِّينِ وتَخْطِئَةِ مَن آمَنَ والِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّشْبِيبِ بِنِساءِ المُؤْمِنِينَ.

﴿ وإنْ تَصْبِرُوا ﴾ عَلى تِلْكَ الشَّدائِدِ عِنْدَ وُرُودِها ﴿ وتَتَّقُوا ﴾ أيْ تَتَمَسَّكُوا بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ والتَّبَتُّلِ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ والإعْراضِ عَمّا سِواهُ بِالمَرَّةِ بِحَيْثُ يَسْتَوِي عِنْدَكم وُصُولُ المَحْبُوبِ ولِقاءُ المَكْرُوهِ ﴿ فَإنَّ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ ضِمْنًا مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ إمّا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَذْكُورٍ صَرِيحًا عَلى ما قِيلَ، أوْ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَةِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِما.

وتَوْحِيدُ حَرْفِ الخِطابِ إمّا بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ اعْتِناءً بِشَأْنِ المُخاطَبِ بِهِ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالخِطابِ مُجَرَّدُ التَّنْبِيهِ مِن غَيْرِ خُصُوصِيَّةِ أحْوالِ المُخاطَبِينَ.

﴿ مِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ (186) أيِ الأُمُورُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يَعْزِمَها كُلُّ أحَدٍ لِما فِيهِ مِن كَمالِ المَزِيَّةِ والشَّرَفِ والعِزِّ، أوْ مِمّا عَزَمَهُ اللَّهُ تَعالى وأوْجَبَهُ عَلى عِبادِهِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فالعَزْمُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَعْزُومِ وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: عَزَمْتُ الأمْرَ - كَما نَقَلَهَ الرّاغِبُ - والأشْهَرُ: عَزَمْتُ عَلى الأمْرِ، ودَعْوى أنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ سِواهُ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ كَدَعْوى عَدَمِ صِحَّةِ نِسْبَةِ العَزْمِ إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَوْطِينُ النَّفْسِ وعَقْدُ القَلْبِ عَلى ما يُرى فِعْلُهُ وهو مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى، ومِمّا يُؤَيِّدُ صِحَّةُ النِّسْبَةِ أنَّهُ قُرِئَ: (فَإذا عَزَمْتُ) بِضَمِّ التّاءِ وهو حِينَئِذٍ بِمَعْنى الإرادَةِ والإيجابِ، ومِنهُ قَوْلُ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «نُهِينا عَنِ اتِّباعِ الجَنائِزِ، ولَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنا»، وما في حَدِيثٍ آخَرَ يُرَغِّبُنا في قِيامِ رَمَضانَ مِن غَيْرِ عَزِيمَةٍ.

وقَوْلُهم: عَزَماتُ اللَّهِ تَعالى - كَما نَقَلَهُ الأزْهَرِيُّ - ومِن هَذا البابِ قَوْلُ الفُقَهاءِ: تَرْكُ الصَّلاةِ زَمَنَ الحَيْضِ عَزِيمَةٌ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِجَوابٍ واقِعٍ مَوْقِعَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: (وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ) أوْ فَقَدْ أحْسَنْتُمْ، أوْ نَحْوُهُما ﴿ فَإنَّ ذَلِكَ ﴾ إلَخْ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى صَبْرِ المُخاطَبِينَ وتَقْواهم، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الجُمْلَةُ بِنَفْسِها جَوابَ الشَّرْطِ، وفي إبْرازِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى في صُورَةِ الشَّرْطِيَّةِ مِن إظْهارِ كَمالِ اللُّطْفِ بِالعِبادِ ما لا يَخْفى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ كانَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ القِتالِ، وبِنُزُولِها نُسِخَ ذَلِكَ، وصُحِّحَ عَدَمُ النَّسْخِ وأنَّ الأمْرَ بِما ذُكِرَ كانَ مِن بابِ المُداراةِ الَّتِي لا تُنافِي الأمْرَ بِالقِتالِ، وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلٍ ما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.

وأخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ أخْبَرَهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  رَكِبَ عَلى حِمارٍ عَلى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وأرْدَفَ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ وسارَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ في بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ قَبْلَ وقْعَةِ بَدْرٍ حَتّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ، فَإذا في المَجْلِسِ أخْلاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأوْثانِ واليَهُودِ، وفي المَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، فَلَمّا غَشّى المَجْلِسَ عَجاجَةُ الدّابَّةِ خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أنْفَهُ بِرِدائِهِ ثُمَّ قالَ: لا تُغَبِّرُوا عَلَيْنا، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ وقَفَ فَنَزَلَ ودَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أيُّها المَرْءُ إنَّهُ لا أحْسَنُ مِمّا تَقُولُ إنْ كانَ حَقًّا فَلا تُؤْذِنا بِهِ في مَجالِسِنا، ارْجِعْ إلى رَحْلِكَ فَمَن جاءَكَ فاقْصُصْ عَلَيْهِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ فاغْشَنا بِهِ في مَجالِسِنا فَإنّا نُحِبُّ ذَلِكَ، واسْتَبَّ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ حَتّى كادُوا يَتَساوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُخَفِّضُهم حَتّى سَكَنُوا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دابَّتَهُ فَسارَ حَتّى دَخَلَ عَلى سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ فَقالَ لَهُ: يا سَعْدُ ألَمْ تَسْمَعْ ما قالَ أبُو حُبابٍ - يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ - قالَ: كَذا وكَذا ؟

فَقالَ سَعْدٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ اعْفُ عَنْهُ واصْفَحْ، فَوالَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ لَقَدْ جاءَ اللَّهُ تَعالى بِالحَقِّ الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْكَ، وقَدِ اصْطَلَحَ أهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ عَلى أنْ يُتَوِّجُوهُ ويَعْصِبُوهُ بِالعِصابَةِ، فَلَمّا رَدَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِالحَقِّ الَّذِي أعْطاكَهُ شَرِقَ فَغَصَّ بِذَلِكَ، فَعَفا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ» .

ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّ كانَ شاعِرًا وكانَ يَهْجُو النَّبِيَّ  ويُحَرِّضُ عَلَيْهِ كُفّارَ قُرَيْشٍ في شِعْرِهِ، وكانَ النَّبِيُّ  قَدِمَ المَدِينَةَ وأهْلُها أخْلاطٌ، مِنهُمُ المُسْلِمُونَ ومِنهُمُ المُشْرِكُونَ ومِنهُمُ اليَهُودُ، فَأرادَ النَّبِيُّ  أنْ يَسْتَصْلِحَهم كُلَّهم، فَكانَ المُشْرِكُونَ واليَهُودُ يُؤْذُونَهُ ويُؤْذُونَ أصْحابَهُ أشَدَّ الأذى، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ  بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ، وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ ولَتَسْمَعُنَّ ﴾ الآيَةَ.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الزَّهْرِيِّ «أنَّ كَعْبًا هَذا كانَ يَهْجُو النَّبِيَّ  ويُشَبِّبُ بِنِساءِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ  : " مَن لِي بِابْنِ الأشْرَفِ ؟

فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَخَرَجَ هو ورَضِيعُهُ أبُو نائِلَةَ مَعَ جَماعَةٍ فَقَتَلُوهُ غِيلَةً، وأتَوْا بِرَأْسِهِ إلى النَّبِيِّ  آخِرَ اللَّيْلِ وهو قائِمٌ يُصَلِّي» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ يقول: لتختبرن في أموالكم بالنقصان والذهاب، ويقال بوجوب الحقوق فيها وفي أنفسكم، بالأمراض والأوجاع والقتل وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ حين قالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [آل عمران: 181] وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يعني مشركي العرب أَذىً كَثِيراً باللسان والفعل، ويقال: نزلت الآية في شأن أبي بكر  ، كانوا أهل الجاهلية يهددونه ويشتمونه ويقولون: إن ما يفعله محمد  بمشاورته، فأمره الله تعالى بأن يصبر على أذاهم.

فقال تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا على أذاهم وَتَتَّقُوا المكافأة ويقال وتتقوا معاصيه فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يعني من حقائق الأمور.

ويقال: إن ذلك الصبر من خير الأمور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وفي سَائِرِ تَكَاليفِ الشَّرْع، والابتلاء في الأنفس بالمَوْتِ، والأمراضِ وفَقْدِ الأحبَّة، قال الفَخْر «١» : قال الواحديُّ «٢» : اللام في لَتُبْلَوُنَّ: لامُ قسمٍ.

انتهى.

وقوله: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ...

الآية: قال عِكْرِمَةُ وغَيْره: السبَبُ في نزولها أقوالُ فِنْحَاص «٣» ، وقال الزُّهْريُّ «٤» وغيره: نزلَتْ بسبب كَعْب بن الأشْرفِ حتى بعث إلَيْه رسُولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم مَنْ قتله، والأذَى: اسمٌ جامعٌ في معنى الضَّرَر، وهو هنا يشملُ أقوالهم فيما يَخُصُّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأصحابه مِنْ سبٍّ، وأقوالهم في جِهَة اللَّه سبحانه، وأنبيائه، وندَبَ سبحانه إلى الصبْرِ والتقوى، وأخبر أنه مِنْ عَزْم الأمور، أي: مِنْ أشدِّها وأحسنها، والعَزْمُ: إمضاءُ الأَمْر المُرَوَّى المُنَقَّح، وليس ركوب الرأي دون رويّة عزما.

وقوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ...

الآية: توبيخ لمعاصري النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ثم هو مع ذلك خَبَرٌ عامٌّ لهم ولغيرهم، قال جمهورٌ من العلماء:

الآية عامَّةٌ في كلِّ من علَّمه اللَّه عِلْماً، وعلماءُ هذه الأمَّة داخلُونَ في هذا الميثاقِ، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ، فَكَتَمَهُ، أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» «٥» ، والضميرُ في: لَتُبَيِّنُنَّهُ، وَلا تَكْتُمُونَهُ: عائدٌ على الْكِتابَ، والنَّبْذُ: الطَّرْح، وأظهر الأقوال في هذه الآيةِ أنَّها نزلَتْ في اليهودِ، وهم المعْنِيُّون، ثم كلِّ كاتمٍ من هذه الأمَّة يأخذ بحظِّه من هذه المَذَمَّةِ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ  مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، فَغَشِيَ المَجْلِسَ عُجاجَةُ الدّابَّةِ، فَخَمَّرَ ابْنُ أُبَيٍّ أنْفَهُ بِرِدائِهِ، وقالَ: لا تُغَبِّرُوا عَلَيْنا، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ  ، ثُمَّ دَعاهم إلى اللَّهِ، وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآَنَ، فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: إنَّهُ لا أحْسَنَ مِمّا تَقُولُ، إنْ كانَ حَقًّا فَلا تُؤْذِنا في مَجالِسِنا.

وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: اغْشَنا بِهِ في مَجالِسِنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَإنّا نُحِبُّ ذَلِكَ، فاسْتَبَّ المُسْلِمُونَ، والمُشْرِكُونَ، واليَهُودُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ عُرْوَةُ عَنْ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ.

.

والثّانِي: أنَ المُشْرِكِينَ واليَهُودَ كانُوا يُؤْذُونَ النَّبِيَّ  وأصْحابَهُ أشَدَّ الأذى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ الأنْصارِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ فِيما جَرى بَيْنَ أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ، وبَيْنَ فِنْحاصَ اليَهُودِيِّ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في النَّبِيِّ  ، وأبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

واخْتارَهُ مُقاتِلٌ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في النَّبِيِّ  ، وأبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وفِنْحاصُ اليَهُودِيُّ.

.

والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، كانَ يُحَرِّضُ المُشْرِكِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  وأصْحابِهِ في شِعْرِهِ، وهَذا مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى "لَتُبْلَوُنَّ": لُتَخْتَبَرُنَّ، أيْ: تُوَقَعُ عَلَيْكُمُ المِحَنُ، فَيَعْلَمُ المُؤْمِنُ حَقًّا مِن غَيْرِهِ.

و"النُّونُ" دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً مَعَ لامِ القَسَمِ، وضُمَّتِ الواوُ لِسُكُونِها، وسُكُونِ النُّونِ.

وفي البَلْوى في الأمْوالِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ذَهابُها ونُقْصانُها.

والثّانِي: ما فُرِضَ فِيها مِنَ الحُقُوقِ.

وَفِي البَلْوى في الأنْفُسِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَصائِبُ، والقَتْلُ.

والثّانِي: ما فُرِضَ مِنَ العِباداتِ.

والثّالِثُ: الأمْراضُ.

والرّابِعُ: المُصِيبَةُ بِالأقارِبِ، والعَشائِرِ.

وَقالَ عَطاءٌ: هُمُ المُهاجِرُونَ أخَذَ المُشْرِكُونَ أمْوالَهم، وباعُوا رِباعَهم، وعَذَّبُوهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، والَّذِينَ أشْرَكُوا: مُشْرِكُو العَرَبِ ﴿ وَإنْ تَصْبِرُوا ﴾ عَلى الأذى ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ اللَّهَ بِمُجانَبَةِ مَعاصِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ أيْ: ما يَعْزِمُ عَلَيْهِ، لِظُهُورِ رُشْدِهِ.

* فَصْلٌ والجُمْهُورُ عَلى إحْكامِ هَذِهِ الآَيَةِ، وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الصَّبْرَ المَذْكُورَ مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ﴾ هَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ وأُمَّتِهِ، والمَعْنى: لَتُخْتَبَرُنَّ ولَتُمْتَحَنُنَّ في أمْوالِكم بِالمَصائِبِ والأرْزاءِ، وبِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، وفي سائِرِ تَكالِيفِ الشَرْعِ، والِابْتِلاءُ في الأنْفُسِ بِالمَوْتِ والأمْراضِ، وفَقْدِ الأحِبَّةِ بِالمَوْتِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ ﴾ فَقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: السَبَبُ في ذَلِكَ قَوْلُ فِنْحاصَ: إنَّ اللهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ  ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وقالَ الزُهْرِيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، فَإنَّهُ كانَ يَهْجُو النَبِيَّ  وأصْحابَهُ ويُشَبِّبُ بِنِساءِ المُسْلِمِينَ، حَتّى بَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ  مَن قَتَلَهُ القَتَلَةَ المَشْهُورَةَ في السِيرَةِ.

والأذى اسْمٌ جامِعٌ في مَعْنى الضَرَرِ وهو هُنا يَشْمَلُ أقْوالَهم فِيما يَخُصُّ النَبِيَّ  وأصْحابَهُ مِن سَبِّهِمْ وأقْوالِهِمْ في جِهَةِ اللهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ.

ونَدَبَ اللهُ تَعالى عِبادَهُ إلى الصَبْرِ والتَقْوى، وأخْبَرَ أنَّهُ مِن عَزْمِ الأُمُورِ، أيْ مِن أشَدِّها وأحْسَنِها.

والعَزْمُ: إمْضاءُ الأمْرِ المُرَوّى المُنَقَّحُ، ولَيْسَ رُكُوبُ الأمْرِ دُونَ رَوِيَّةٍ عَزْمًا إلّا عَلى مَقْطَعِ المُشِيحِينَ مِن فُتّاكِ العَرَبِ كَما قالَ: إذا هَمَّ ألْقى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَزْمَهُ ونَكَّبَ عن ذِكْرِ الحَوادِثِ جانِبا وقالَ النَقّاشُ: العَزْمُ والحَزْمُ بِمَعْنىً واحِدٍ، الحاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ العَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَطَأٌ.

والحَزْمُ: جَوْدَةُ النَظَرِ في الأُمُورِ وتَنْقِيحُهُ والحَذَرُ مِنَ الخَطَإ فِيهِ، والعَزْمُ: قَصْدُ الإمْضاءِ، واللهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ وَشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ  ﴾ فالمُشاوَرَةُ وما كانَ في مَعْناها هو الحَزْمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ أحْزِمُ لَوْ أعْزِمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ ...

الآيَةُ، تَوْبِيخٌ لِمُعاصِرِي النَبِيِّ  ، ثُمَّ هو مَعَ ذَلِكَ خَبَرٌ عامٌّ لَهم ولِغَيْرِهِمْ.

والعامِلُ في "إذْ" فِعْلٌ مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، وأخَذَ هَذا المِيثاقَ وهو عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: الآيَةُ في اليَهُودِ خاصَّةً، أخَذَ اللهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ فَكَتَمُوهُ ونَبَذُوهُ.

قالَ مُسْلِمٌ البَطِينُ: سَألَ الحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ جُلَساءَهُ عن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَقامَ رَجُلٌ إلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَسَألَهُ فَقالَ لَهُ: نَزَلَتْ في يَهُودَ، أخَذَ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ في أمْرِ مُحَمَّدٍ فَكَتَمُوهُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ لَتُبَيِّنُنَّهُ" فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: "فَنَبَذُوهُ" عائِدًا عَلى الناسِ الَّذِينَ بَيَّنَ الأنْبِياءُ لَهم.

وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الآيَةُ في اليَهُودِ والنَصارى.

وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ مَن عَلَّمَهُ اللهُ عِلْمًا، وعُلَماءُ هَذِهِ الأُمَّةِ داخِلُونَ في هَذا المِيثاقِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "مَن سُئِلَ عن عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِن نارٍ"» وقَدْ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: إنِّي لَأُحَدِّثُكم حَدِيثًا، ولَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللهِ ما حَدَّثْتُكُمُوهُ، ثُمَّ تَلا: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللهُ مِنَ الكِتابِ  ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "لَيُبَيِّنَنَّهُ لِلنّاسِ ولا يَكْتُمُونَهُ"، بِالياءِ مِن أسْفَلَ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ وحَفْصٌ وعاصِمٌ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فِيهِما، وكِلا القِراءَتَيْنِ مُتَّجِهٌ، والضَمِيرُ في الفِعْلَيْنِ عائِدٌ عَلى الكِتابِ.

وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لَتُبَيِّنُونَهُ" دُونَ النُونِ الثَقِيلَةِ، وقَدْ لا تَلْزَمُ هَذِهِ النُونُ لامَ القَسَمِ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ.

والنَبْذُ: الطَرْحُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَراءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ اسْتِعارَةٌ لِما يُبالَغُ في اطِّراحِهِ، ومِنهُ ﴿ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا  ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: تَمِيمَ بْنَ مُرٍّ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي ∗∗∗ بِظَهْرٍ فَلا يَعْيا عَلَيَّ جَوابُها ومِنهُ بِالمَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الراكِبِ".» أرادَ عَلَيْهِ السَلامُ: لا تَجْعَلُوا ذِكْرِي وطاعَتِي خَلْفَ أظْهُرِكُمْ، وهو مَوْضِعُ القَدَحِ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ....................................

∗∗∗ ما نِيطَ خَلْفَ الراكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ والتَشْبِيهُ بِالقَدَحِ إنَّما هو في هَيْئَتِهِ لا في مَعْناهُ، لِأنَّ الراكِبَ يَحْتاجُهُ، ومَحَلُّهُ مِن مَحَلّاتِ الراكِبِ جَلِيلٌ.

والثَمَنُ القَلِيلُ: هو مَكْسَبُ الدُنْيا.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: والظاهِرُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وهُمُ المَعْنِيُّونَ ثُمَّ إنَّ كُلَّ كاتِمٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ يَأْخُذُ بِحَظِّهِ مِن هَذِهِ المَذَمَّةِ ويَتَّصِفُ بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف لإيقاظ المؤمنين إلى ما يعترض أهل الحقّ وأنصار الرسل من البلوى، وتنبيه لهم على أنّهم إن كانوا ممّن توهنهم الهزيمة فليسوا أحرياء بنصر الحقّ، وأكّد الفعل بلام القسم وبنون التوكيد الشديدة لإفادة تحقيق الابتلاء، إذ نون التوكيد الشديدة أقوى في الدلالة على التوكيد من الخفيفة.

فأصل ﴿ لتبلونّ ﴾ لتبلووننّ فلمّا توالى ثلاث نونات ثقل في النطق فحذفت نون الرفع فالتقى ساكنان: واو الرفع ونون التوكيد الشديدة، فحذفت واو الرفع لأنّها ليست أصلاً في الكلمة فصار لتبْلَوُنّ.

وكذلك القول في تصريف قوله تعالى: ﴿ ولتسمعنّ ﴾ وفي توكيده.

والابتلاء: الاختبار، ويراد به هنا لازمه وهو المصيبة، لأنّ في المصائب اختباراً لمقدار الثبات.

والابتلاء في الأموال هو نفقات الجهاد، وتلاشي أموالهم التي تركوها بمكّة.

والابتلاء في الأنفس هو القتل والجراح.

وجمع مع ذلك سماع المكروه من أهل الكتاب والمشركين في يوم أُحُد وبعده.

والأذى هو الضرّ بالقول كقوله تعالى: ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ [آل عمران: 111] كما تقدّم آنفاً، ولذلك وصفه هنا بالكثير، أي الخارج عن الحدّ الذي تحتمله النفوس غالباً، وكلّ ذلك ممّا يفضي إلى الفشل، فأمَرَهم الله بالصبر على ذلك حتّى يحصل لهم النصر، وأمرهم بالتقوى أي الدوام على أمور الإيمان والإقبال على بثّه وتأييده، فأمّا الصبر على الابتلاء في الأموال والأنفس فيشمل الجهاد، وأمّا الصبر على الأذى ففي وقتى الحرب والسلم، فليست الآية مقتضية عدم الإذن بالقتال من حيث إنه أمرهم بالصبر على أذى الكفّار حتّى تكون منسوخة بآيات السيف، لأنّ الظاهر أنّ الآية نزلت بعد وقعة أُحُد، وهي بعد الأمر بالقتال.

قاله القفّال.

وقوله: ﴿ فإن ذلك ﴾ الإشارة إلى ما تقدّم من الصبر والتقوى بتأويل: فإنّ المذكور.

و (عزم الأمور) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الأمور العَزم، ووصفَ الأمور وهو جمع بعزم وهو مفرد لأنّ أصل عزم أنه مصدر فيلزم لفظه حالة واحدة، وهو هنا مصدر بمعنى المفعول، أي من الأمور المعزوم عليها.

والعزم إمضاء الرأي وعدم التردّد بعد تبيين السداد.

قال تعالى: ﴿ وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ [آل عمران: 159] والمراد هنا العزم في الخيرات، قال تعالى: ﴿ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ﴾ [الأحقاف: 35] وقال: ﴿ ولم نجد له عزما ﴾ [طه: 115].

ووقع قوله: ﴿ فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ دليلاً على جواب الشرط، والتقدير: وإن تصبروا وتتّقوا تنالوا ثواب أهل العزم فإنّ ذلك من عزم الأمور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا ﴾ وفي هَذا الأذى ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رُوِيَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ كانَ يَهْجُو النَّبِيَّ  والمُؤْمِنِينَ ويُحَرِّضُ عَلَيْهِمُ المُشْرِكِينَ حَتّى قَتَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّ فَنُحاصَ اليَهُودِيَّ سَيِّدَ بَنِي قَيْنُقاعَ لَمّا سُئِلَ الإمْدادَ قالَ: احْتاجَ رَبُّكم إلى أنْ نُمِدَّهُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ الأذى ما كانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الشِّرْكِ كَقَوْلِ اليَهُودِ: عُزَيْزٌ ابْنُ اللَّهِ، وكَقَوْلِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ لتبلون...

﴾ الآية قال: أعلم الله المؤمنين أنه سيبتليهم، فينظر كيف صبرهم على دينهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري في قوله: ﴿ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ قال: هو كعب بن الأشرف، وكان يحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره، ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وأخرج ابن المنذر من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج ﴿ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب ﴾ يعني اليهود والنصارى، فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم: عزير ابن الله.

ومن النصارى قولهم: المسيح ابن الله.

وكان المسلمون ينصبون لهم الحرب، ويسمعون إشراكهم بالله ﴿ وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ قال: من القوّة مما عزم الله عليه وأمركم به.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وإن تصبروا وتتقوا...

﴾ الآية.

قال: أمر الله المؤمنين أن يصبروا على من آذاهم رغم أنهم كانوا يقولون: يا أصحاب محمد لستم على شيء، نحن أولى بالله منكم، أنتم ضلال.

فأمروا أن يمضوا ويصبروا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إن ذلك من عزم الأمور ﴾ يعني هذا الصبر على الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿ من عزم الأمور ﴾ يعني من حق الأمور التي أمر الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ الآية.

اللَّام، لام القَسَمِ.

والنونُ دخلت مُؤَّكِدَةً.

وضُمَّت الواوُ لِسُكُونها وسكون النون.

ولم تكسر لالتقاء الساكنين؛ لأنها واو جمع، فحركت بما كان يَجِبُ لِمَا قبلها مِنَ الضَمِّ.

ومثله: ﴿ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ  ﴾ .

وقد مَرّ مستقصًى فيه.

ومعنى ﴿ لَتُبْلَوُنَّ ﴾ : لَتُخْتَبَرُنَّ.

ولا يجوز في وصف الله تعالى الاختبار؛ لأنه طلب المعرفة، لِيُعْرَفَ الجَيِّدُ مِنَ الرَّديء، ولكنَّ معناه -في وصف الله-: أنه يُعامِلُ العبدَ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ.

واختلفوا في معنى هذا الابتلاء: فقال ابن عباس -في رواية عطاء- (١) وقال الحَسَنُ (٢) (٣) وقال مقاتل (٤) يعنى: بالحوائِجِ (٥) قال (٦)  ، وأبي بكر  .

وقوله تعالى: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ﴾ .

قال عكرمة (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا ﴾ أي: على الأذى الذي ينالكم (١٣) (١٤) قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ .

قال ابن عباس (١٥) ﴿ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ ؛ أي: ذلك مِمَّا يُعْزَم عليه مِنَ الأمْرِ (١٦) (١٧) (١٨) ومعنى قول ابن عباس: (مِنْ حقيقة الإيمان)؛ أي: مِمَّا عَزَمْتم عليه مِنَ الأمر، وهو الإيمانُ والتصديق لِوَعْدِ الله بالنُّصْرِةِ.

(١) أورد هذا القولَ الثعلبيُّ، في: "تفسيره" 3/ 167 ب، قائلًا: (قال عطاء ..).

(٢) قوله، في: "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 833، و"تفسير الثعلبي" 3/ 167 - ب.

(٣) ولفظه عند ابن أبي حاتم: (قال نُبْتلى -والله- في أموالنا وأنفسنا).

(٤) لم أقف على مصدر قوله، وليس هو في تفسيره.

وقد أورد هذا القول -مع اختلاف يسير- الثعلبي، في "تفسيره" 3/ 167 ب، ولم يعزه لقائل.

(٥) هكذا في (أ)، (ب).

وفي (ج): (بالحوائح) بدون إعجام.

وفي "تفسير الثعلبي": (بالجوائح).

وهي أولى بسياق الكلام والمعنى المراد؛ لأن الجوائح، هي: الشدائد التي تجتاح المال.

ومفردها: جائحة.

انظر: "القاموس المحيط" 276 (جوح).

(٦) في: "تفسيره" 1/ 320.

(٧) من قوله: (قال عكرمة ..) إلى (..

ونزلت هذه الآية): نقله -باختصار وتصرف- عن "تفسير الثعلبي" 3/ 165 ب.

وقول عكرمة في "تفسير الطبري" 4/ 200، و"النكت والعيون" 1/ 441.

(٨) في "تفسيره" 1/ 319.

(٩) لم أقف على مصدرٍ آخر لقوله، سوى "تفسير الثعلبي".

(١٠) لم أقف على مصدر قوله.

وقد ورد عنه في الآية قولُه: (يعني اليهود والنصارى، ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ﴾ ، فكان المسلمون يسمعون مِنَ اليهود قولَهم.

﴿ عُزَيْرُ ابْنُ الله ﴾ ، ومِنَ النصارَى قولَهم: ﴿ المَسِيحُ ابْنُ الله ﴾ ، فكان المسلمون ينصبون لهم الحربَ إذْ يَسْمَعُون إشراكَهم ..).

أخرجه: الطبريُّ في: "تفسيره": 4/ 200 - 201، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 835، وأورده الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 441، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 189 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر.

(١١) يقال: (افْتَاتَ عليكَ فِيهِ، وفَاتَكَ بِهِ)؛ أي: أحدث شيئا دون أمرك.

والمصدر: (الافتِيَات)، وهو من: (الفَوْت)، وهو: السبق إلى الشيء دون ائتمار مَنْ يُؤْتَمَر.

انظر: "اللسان" 6/ 3481 (فوت).

(١٢) انظر تفسير الآية: 181 والتعليق على قول ابن عباس في الهامش.

وقد ورد في سبب نزولها، ما رواه الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه: (أن كعب بن الأشرف اليهودي، كان شاعرًا، وكان يهجو النبي  ، == وُيحرِّض كفارَ قريش في شعره، وكان النبي  ، قدم المدينة، وأهلها أخلاطٌ: منهم المسلمون، ومنهم المشركون، ومنهم اليهود، فأراد النبي  ، أن يستصلحهم كلَّهم، وكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر اللهُ النبى  ، بالصبر على ذلك، وفيهم أنزل الله: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ الآية.).

"أسباب النزول"، للمؤلف: ص 138 - 139.

وقد أخرجه: أبو داود في "السنن" رقم (3000) كتاب الخراج، باب: كيف كان إخراج اليهود من المدينة، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 142، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" 2/ 33، والطبري في "تفسيره" 4/ 201 عن الزهري مرسلا، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 834 أخرجه متصلًا.

وأورده الثعلبيُّ في "تفسيره" 3/ 166 أ، والسيوطي في "لباب النقول" 62.

وانظر: الصحيح المسند من "أسباب النزول" ص 65.

وورد -كذلك- في سبب نزولها: أن رسول الله  ، مرَّ -وهو على حمار- على مجلس فيه عبد الله بن أبَيّ -وذلك قبل إسلامه- وفي المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عَجَاجة الدابَّةِ، خَمَّرَ ابن أبَيّ أنفَهُ بردائه، ثم قال: لا تُغَبِّروا علينا.

فسلم رسول الله ثم وقف، فنزل، ودعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال ابن أبَيّ: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقًا فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.

فقال ابن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك.

واستب المسلمون والمشركون واليهود، حتى كادوا يتساورون، فلم يزل  ، يخفضهم حتى سكتوا.

ففي فِعْل ابن أبَيّ نَزَلَ قولُه تعالى ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ .

انظر: السبب بالتفصيل في: "أسباب النزول" للمؤلف: ص 139 - 140.

وقد أخرج هذه القصة: البخاريُ في "صحيحه" (4566) كتاب التفسير، باب: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ ، ولكن ليس فيه النص على أن هذه القصة سبب لنزول الآية.

وإنما ذكر البخاريُّ القصةَ، ثم ذكر عقبها: (قال الله -عز وجل-: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ ﴾ ، وقال: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا  ﴾ .

= (١٣) في (ج): (الذين أنا لكم) بدلا من: (الأذى الذي ينالكم).

(١٤) آية السيف، هي-في أصح الأقوال-: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)  ﴾ .

ودعوى النسخ على هذه الآية، لا يسلم؛ حيث إننا مأمورون بالصبر على أذى أعداء الله على كل حال، قبل القتال وأثناءه وبعده، بل إن الصَّبرَ أثناء القتال أحوج ما نكون إليه، فكيف ينسخه الأمر بالقتال؟

كما أن الآية ذكرت البلاء في الأموال والأنفس، قبل ذكر أذى أعداء الله للمسلمين، فنحن مأمورون بالصبر على جميع أنواع البلاء، فلا يعقل أن يُنسَخ فعل الصبر، ويبقى فعله محكما غير منسوخ.

كما أن الآية أمرت بالتقوى مع الصبر، فقالت: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾ ، وجُعِل الأمران فعلين للشرط، وأشارت الآية إليهما في جواب الشرط باسم الإشارة، فقالت: ﴿ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ فلا يعقل أن ينسخ فعل الشرط، ويَبقَى الآخرمحكما غير منسوخ.

انظر: "النسخ في القرآن" د.

مصطفى زيد 2/ 516.

(١٥) أورده هذا القول، الثعلبي في "تفسيره" 3/ 167 ب، وعزاه لعطاء.

ويبدو أنه من رواية عطاء عن ابن عباس.

(١٦) في (ج): (الأمور).

(١٧) في (ج): (الخط).

(١٨) العَزْمُ -في اللغة-: الجِدُّ، وما عَقَد عليه قلْبُك مِنْ أنك فاعله.

و (عَزَمَ الأمْرُ): جَدَّ الأمر.

و (عزائم الأمور، وعَوازِمُها): فرائضها التي عَزَمَ اللهُ علينا بفعلها، أو التي يُؤَكَد الرأي أو النية والعزم عليها.

و (عزائم الله): فرائضه التي أوجبها علينا.

انظر (عزم) في: "تهذيب اللغة" 3/ 2425، و"اللسان" 5/ 2932، و"الكُلِّيَّات" لأبي البقاء 650، و"المصباح المنير" 155.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَمَن زُحْزِحَ ﴾ أي نحي وأبعد ﴿ لَتُبْلَوُنَّ ﴾ الآية: خطاب للمسلمين، والبلاء في الأنفس بالموت والأمراض، وفي الأموال بالمصائب والإنفاق ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ ﴾ الآية: سببها قول اليهود: إن الله فقير، وسبهم للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين ﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ ﴾ قال ابن عباس: هي لليهود؛ أخذ عليهم العهد في أمر محمد صلى الله عليه وسلم فكتموه، وهي عامة في كل من علمه الله علماً ﴿ الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ ﴾ الآية: قال ابن عباس نزلت في أهل الكتاب سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا إليه بذلك، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه، وقال سعيد الخدري: نزلت في المنافقين: كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، وإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ ﴾ بالتاء وفتح الباء: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وبالياء وضم الباء: أسند الفعل للذين يفرحون: أي لا يحسبون أنفسهم بمفازة من العذاب، ومن قرأ: تحسين بالتاء: فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والذين يفرحون مفعول به، وبمفازة المفعول الثاني، وكرر فلا تحسبنهم: للتأكيد، ومن قرأ لا يحسبن بالياء من أسفل، فإنه حذف المفعولين، لدلالة مفعولي لا تحسبنهم عليهما.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا يحزنك ﴾ من الأفعال حيث كان إلا قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ نافع ومثله ﴿ ليحزنني  ﴾ و ﴿ ليحزن الذين آمنوا  ﴾ وقرأ يزيد على ضده.

الباقون: بفتح الياء وضم الراء.

ولا خلاف في مثل ﴿ يحزنون  ﴾ و ﴿ لا تحزن  ﴾ مما هو لازم ﴿ ولا يحسبن ﴾ وثلاثة بعدها بالياء التحتانية مع ضم الباء في ﴿ تحسبنهم ﴾ أبو عمرو وابن كثير، وقرأ حمزة كلها بتاء الخطاب، وقرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب كلها بالتحتانية إلا قوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ فإنها بالتاء وفتح الباء.

الباقون: الأولياء على الغيبة والأخريان بالخطاب.

/ ﴿ يميز ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب عياش مخير.

الباقون: خفيف بفتح الياء وكسر الميم.

﴿ يعملون خبير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو ﴿ لقد سمع ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام.

﴿ سيكتب ﴾ بضم الياء وفتح التاء ﴿ وقتلهم ﴾ برفع اللام و ﴿ ويقول ﴾ على الغيبة: حمزة الباقون: بالنون فيهما على التكلم.

ونصب اللام في ﴿ وقتلهم ﴾ ﴿ وبالزبر ﴾ ابن عامر ﴿ وبالكتاب ﴾ الحلواني عن هشام.

الباقون: بغير إعادة الخافض فيهما ﴿ زحزع عن ﴾ مدغماً: شجاع وأبو شعيب من طريق العطار وابن مهران ﴿ ليبيننه ﴾ ﴿ ولا يكتمونه ﴾ بالياء فيهما لأنهم غيب: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير رويس وأبو بكر وحماد.

الباقون: بتاء الخطاب فيهما على حكاية مخاطبتهم.

الوقوف: ﴿ في الكفر ﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال إضمار اللام أو الفاء ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ في الآخرة ﴾ ج لعطف المختلفين مع اتحاج مقصود الكلام ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ج لما ذكر ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ 5 ﴿ لأنفسهم ﴾ ط ﴿ إثما ﴾ ج لما ذكر أياَ ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ من الطيب ﴾ ط ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ شراً لهم ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ أغنياء ﴾ م لئلا يصير ما بعده من مقولهم، ومن قرأ بضم الياء فوقفه مطلق.

﴿ بغير حق ﴾ ج لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالياء لأن التقدير: ويقول الله أو يقول الزبانية فلا ينعطف على قوله: ﴿ سيكتب ﴾ مع اتساق المعنى.

﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ج ه لاحتمال الصفة وأن يكون المراد هم الذين، والوقف أولى لأنه لا يظلم العبيد ملطقاً لا العبيد الموصوفة.

نعم لو كان بدلاً من الذين قالوا إن الله فقير صح ﴿ تأكله النار ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ المنير ﴾ ه ﴿ الموت ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لابتداء شرط في أمر معظم.

﴿ فقد فاز ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كثيراً ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ ولا تكتمونه ﴾ ز لأن الجملتين وان اتفقتا لم يكن النبذ متصلاً بأخذ الميثاق فلم يضف إلى ظرف "إذ" ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ يشترون ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ج لما ذكر.

﴿ أليم ﴾ ه {والأ ﴿ ض ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: نزلت في كفار قريش وإنه  جعل رسوله آمناً من شرهم وأتاح العاقبة له وإن جمعوا الجموع وجهزوا الجيوش حتى يظهر هذا الدين على الأديان كلها، وقيل في المنافقين ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوّفون المؤمنين بسبب واقعة أحد، ويؤيسونهم من النصر والظفر، وربما يقولون: إن محمداً لطالب ملك فتارة يكون الأمر له وتارة يكون عليه، ولو كان رسولاً ما غلبه أحد.

وقيل: إن قوماً من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفاً من قريش، فاغتم النبي  لذلك فبيّن الله  أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك.

ونصر بعضهم هذا القول بأن المسارعة وهي شدة الرغبة في الكفر إنما تناسب من كفر بعد الإيمان / المستمر على الكفر، وبأن إرادته أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة إنما تليق بمن آمن فاستوجب الحظ ثم أحبط، وبأن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود وذلك هو ما قدر النبي  من الانتفاع بإيمانهم أو انتفاعهم بالإيمان فبيّن الله  أنه لا يلحق بسبب فوات ذلك ضرر بالدين، وأن وبال ذلك يعود عليهم كما دل عليه بقية الآية.

فإن قيل: الحزن على كفر الكافر وعلى معصية العاصي طاعة، فكيف نهى نبي الله عن ذلك؟

فالجواب أنه نهي عن الإسراف في الحزن بحيث يأتي عليه ونظيره ﴿ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين  ﴾ أو المراد لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك ﴿ إنهم لن يضروا الله ﴾ أي دينه ﴿ شيئاً ﴾ من الضرر.

﴿ يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة ﴾ فيه دليل على أن إرادة الله تتعلق بالعدم، وتنصيص على أن الخير والشر والنفع والضر بإرادة الله، ومعنى قوله: ﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ أنه كما لاحظ لهم من منافع الآخرة فلهم حظ عظيم من مضارها.

وفي الإخبار عن إرادة عدم الجعل دون الإخبار عن عدم الجعل إشعار بأن استحقاقهم للحرمان بلغ إلى حد أراد أرحم الراحمين أن لا يرحمهم وأن الداعي إلى تعذيبهم خلص خلوصاً لم يبق معه صارف ألبتة.

ثم أنزل في اليهود خاصة وهو الأشبه أو في الكفار عامة ﴿ إن الذين اشتروا ﴾ الآية.

والغرض تأكيد تقوية قلب الرسول كأنه قيل: إن أكثرهم ينازعونك في الدين لا لأجل شبهة لهم بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا.

ومن كان عقله هذا القدر - وهو أن يبيع بالقليل من الدنيا السعادة الكثيرة في الآخرة - كان في غاية الحماقة، ومثله لا يقدر على إلحاق الضرر بالغير.

ولو قيل: إن الآية في المرتدين فالمعنى أن اختيار دين بعد دين ثم الارتداد على العقبين يدل على الاضطراب وضعف الرأي، والإنسان المضطرب الحال لا قدرة له على إيصال الضرر إلى الغير.

ثم بين أن بقاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد والكفار الذين بقوا بعد شهداء أحد لا خير فيه فقال: ﴿ ولا يحسبن ﴾ من قرأ بالياء فقوله: ﴿ الذين كفروا ﴾ فاعل، و"أن" مع ما في حيزه ساد مسد مفعوليه.

ومن قرأ بتاء الخطاب فـ ﴿ الذين كفروا ﴾ مفعول أول و"أن" مع ما في حيزه بدل منه.

وصح الإبدال وإن لم يمض إلا أحد المفعولين لأن المبدل في حكم المنحي.

ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض.

مع امتناع السكوت على متاعك؟

والتقدير: ولا تحسبن الذين كفروا أن إملائي خير لهم على أن "ما" مصدرية.

ويجوز أن يقدر مضافمحذوف أي لا تحسبنهم أصحاب أن الإملاء خير لهم، أو لا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم.

قال الأصمعي: يقال أملى عليه الزمان أي طال.

وأملى له أي طوّل له وأمهله.

قال أبو عبيدة: ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة، والملوان الليل والنهار.

ويقال: أقمت عنده ملاوة من الدهر أي حيناً وبرهة.

و ﴿ إثماً ﴾ نصب على التمييز.

وفي / وصف العذاب أوّلاً بالعظم ثم بالألم ثم بالإهانة تدرج من الأهون إلى الأشق، وفيه من الوعيد والسخط ما لا يخفى.

قالت الأشاعرة ههنا: إن إطالة المدة من فعل الله لا محالة.

والآية دلت على أنها ليست بخير ففيه دلالة على أنه  فاعل الخير والشر.

وأيضاً إنه نص على أن الغرض من هذا الإملاء، أن يزدادوا إثماً، فإذن الكفر والمعاصي بإرادة الله.

وأيضاً أخبر عنهم أنه لا خير لهم فيه وأنهم لا يحصلون منه إلا على ازدياد الغي والإثم، والإتيان بخلاف خبر الله  محال، فعلمنا أنهم مجبورون على ذلك في صورة مختارين.

أجابت المعتزلة بأن المراد أن هذا الإملاء ليس خيراً من موت الشهداء إذ الآية من تتمة قصة أحد، لا أنه ليس بخير مطلقاً.

وزيف بأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا مع المفضل عليه، لكنه لم يذكر فعلمنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيراً من شيء آخر، وعن الثاني أن ازدياد الإثم علة للإملاء وليس كل علة بغرض كقولك: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة.

ومثله ﴿ وجعلو لله أنداداً ليضلوا  ﴾ وهم ما فعلوا ذلك إلا ضلال.

ويقال: ما كانت موعظتي لك إلا للزيادة في تماديك في الغي إذا كانت عاقبة الموعظة ذلك.

ورد بأن حمل اللام على لام العاقبة عدول عن الظاهر، على أنا نعلم بالبرهان أن علمه  بأنهم مزدادون إثماً على تقدير الإمهال علة فاعلية لازديادهم إثماً فكان  فاعلاً للازدياد ومريداً له.

قالوا: في الكلام تقديم وتأخير وترتيبه: لا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملي لهم خير لأنفسهم.

ويعضده قراءة يحيى بن وثاب بكسر "إن" الأولى وفتح الثانية.

وردّ بأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، والقراءة الشاذة لا اعتداد بها مع أن الواحدي أنكرها.

ثم إنه  أخبر أنه لا يجوز في حكمته أن يترك المؤمنين على ما هم عليه من اختلاط المخلص بالمنافق، ولكنه يعزل أحد الجنسين عن الآخر بإلقاء الحوادث وإبداء الوقائع كما في قصة أحد.

لله در النائبات فإنها *** صدأ اللئام وصيقل الأحرار فقال: ﴿ ما كان الله ليذر ﴾ اللام لتأكيد النفي والخطاب في ﴿ أنتم ﴾ للمصدقين جميعاً من أهل الإخلاص والنفاق.

خوطبوا بأنه ما كان في حكمة الله أن يترك المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض.

وماز وميَّز لغتان.

مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزاً، وميّزته تمييزاً.

وفي الحديث " "من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة وحجة " ولفظ الطيب والخبيث وإن كان مفرداً إلا أنه للجنس والمراد جميع / المنافقين من المؤمنين، وإنما قدم الخبيث على الطيب ليقع فعل الميز عليه ليعلم أنه المطرح من الشيئين الملقى لرداءته، فإن الميز يقع على الأدون والأهون.

وبم يحصل هذا الميز؟

قيل: بالمحن والمصائب كالقتل والهزيمة وكما دعاهم النبي  إلى الخروج مع ما بهم من القروح، فبمثل ذلك يظهر الثابت من المتزلزل والساكن من المتقلقل.

وقيل: بإعلاء كلمة الدين وقلة شوكة المخالفين ليظهره على الدين كله.

وقيل: بالوحي إلى نبيه ولهذا أردفه بقوله: ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبي ﴾ أي يصطفي ويختار ﴿ من رسله من يشاء ﴾ وبناء الكلام على ثلاث مراتب: الأولى أن هذا المنصب الذي استأثر الله  بعلمه لا يليق بكل منكم، وإنما هو مخصوص بالمصطفين من عيبده.

الثانية أن الرسول أيضاً لا يعلم المغيبات بأن يطلع عليها من تلقاء نفسه وبخاصية فيه، ولكنه إنما يعلم ذلك من طريق الوحي وإطلاع الله  إياه عليه أن هذا مؤمن وذاك منافق.

الثالثة أن هذا أيضاً مختص ببعض الرسل وفي بعض الأوقات حسب مشيئته وإرادته.

﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ ومن جملة الإيمان بالله أن تعتقدوه وحده علاماً للغيوب، ومن جملة الإيمان بالرسل أن تنزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عبيداً مصطفين لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله  .

ووجه النظم على القول الأول: لا تظنوا أن هذا التمييز يحصل بأن يطلعكم الله على غيبه ويقول إن فلاناً مؤمن وفلاناً منافق، فإن سنة الله جارية بأنه لا يطلع العوام على غيبه ولا يكون لهم سبيل إلى معرفة الأمور إلا بالامتحان والقرائن المفيدة للظن الغالب، ولكنه يصطفي من رسله من يشاء، فيعلمهم أن هذا مؤمن وذاك منافق ويختارهم للرسالة ووضع التكاليف الشاقة التي بمثلها يتميز الفريقان ويخلص أهل الوفاء من أهل الجفاء.

أو المراد ما كان الله ليطلعكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول، ولكنه يخص من يشاء بالرسالة ثم يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل، فآمنوا بالله ورسله كلهم، لأن طريق ثبوت نبوّتهم واحد، فمن أقر بنبوّة واحد منهم لزمه الإقرار بنبوّة كلهم ثم اتبعه الوعد بالثواب فقال: ﴿ وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ﴾ قال السدي: قال رسول الله  : " "عرضت عليّ أمتي في صورها كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر " فبلغ ذلك المنافقين فاستهزؤا فقالوا: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فأنزل الله ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين ﴾ .

وقال الكلبي: قالت قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك فنزلت.

وقال أبو العالية: نزلت حين سأل المؤمنون أن يعطو علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق.

/ ثم إنه عز من قائل لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد، حرض على بذل المال في سبيل الله فقال: ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب قدر مضافاً أي لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم، وكذا من قرأ بالياء وجعل فاعله ضمير النبي أو أحد.

ومن جعل الموصول فاعلاً فالمفعول الأول محذوف للدلالة.

التقدير: ولا تحسبن هؤلاء بخلهم هو خيراً وهو صيغة الفصل.

قال الواحدي: جمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مانعي الزكاة لترتب الوعيد عليه وسوق الكلام في معرض الذم، ولأن تارك التفضل لو عدّ بخيلاً لم يتخلص الإنسان من البخل إلا بإخراج جميع المال.

وفي حكم الزكاة سائر المصارف الواجبة كالإنفاق على النفس وعلى الأقربين الذين يلزمه مؤنتهم، وعلى المضطر، وفي الذب عن المسلمين إذا قصدهم عدوّ وتعين دفعهم بالمال.

وروى عطية عن ابن عباس أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد  ونبوّته.

وأراد بالبخل كتمان العلم الذي آتاهم الله، وعلى هذا يكون عوداً إلى ما انجرّ منه الكلام إلى قصة أحد، وذلك هو شرح أحوال أهل الكتاب ويعضده أن كثيراً من آيات بقية السورة فيهم.

وعلى هذا التفسير فمعنى ﴿ سيطوّقون ﴾ أن الله  يجعل في رقابهم طوقاً من النار كقوله  : " من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار" والسر فيه أنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق.

وعلى التفسير الأول فإما أن يكون محمولاً على ظاهره وهو أن يجعل ما بخل به من الزكاة حية يطوّقها في عنقه تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه ويقول: أنا مالك.

عن ابن مسعود عن النبي  : " ما من رجل له مال لا يؤدي حق ماله إلا جعل طوقاً في عنقه شجاعاً أقرع يفر منه وهو يتبعه " ثم قرأ مصداقه من كتاب الله عز وجل ﴿ ولا تحسبن الذين يبخلون ﴾ الآية.

وعن ابن عمر قال: قال  : " إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يخيل إليه ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان فيلزمه أي يطوّقه يقول: أن كنزك " وأما أن يكون على طريق التمثيل لا على أن ثمة أطواقاً أي سيلزمون إثمه في الآخرة إلزام الطوق.

وفي أمثالهم "يقلدها طوق الحمامة" إذا جاء بهنة يسب بها ويذم.

وقال مجاهد: معناه سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة.

ونظيره ما روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وعلى الذين يطوّقونه فدية  ﴾ قال المفسرون: يكلفونه ولا يطيقونه أي يؤمرون بأداء ما منعوه حتى لا يمكنهم الإتيان به فيكون ذلك توبيخاً على معنى هلا فعلتم ذلك حين كان ممكناً؟

﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره.

فمالهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله؟

ونظيره قوله: ﴿ وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه  ﴾ وقال كثير من المفسرين: المقصود أنه يبطل ملك جميع المالكين إلا ملك الله فيصير كالميراث.

قال ابن الأنباري: يقال ورث فلان علم فلان إذا تفرد به بعد أن كان مشاركاً له فيه.

ومثله ﴿ وورث سليمان داود  ﴾ أي انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركاً له فيه أو غالباً عليه ﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ من قرأ على الغيبة فظاهر، أي يجازيهم على منعهم الحقوق.

ومن قرأ على الخطاب فللالتفات وهي أبلغ في الوعيد لأن الغضب كأنه تناهى إلى حد أقبل على الخطاب وشافه بالعتاب.

ثم شرع في حكاية شبه الطاعنين في نبوة محمد  .

وذلك أنه لما أمر بالإنفاق في سبيل الله قالوا: لو كان محمد صادقاً في أن الله  يطلب منا المال فهو إذن فقير ونحن أغنياء، لكن الفقر على الله محال فمحمد غير صادق.

وأيضاً لو كان نبياً لكان إنما يطلب المال لأجل أن تجيء نار من السماء فتحرقه كما كان في الأزمنة السالفة، فلما لم يفعل ذلك عرفنا أنه ليس بنبي.

فهذا بيان النظم وليس في الآية تعيين القائلين إلا أن العلماء نسبوا هذا القول إلى اليهود لعنهم الله لقولهم في موضع آخر ﴿ يد الله مغلولة  ﴾ عنوا أنه بخيل.

وذلك الجهل يناسب هذا الجهل، ولأن التشبيه غالب عليهم، والقائل بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه  قادراً على كل المقدورات، وإذا عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني، ولما روي عكرمة ومحمد بن إسحق والسدي ومقاتل "أن رسول الله  كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً.

فقال فنحاص عن عازوراء ـ وهو من علمائهم - أتزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا فهو إذن فقير ونحن أغنياء، فغضب أبو بكر ولطمه في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك.

فذهب فنحاص إلى رسول الله  وقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك.

فقال رسول الله صلى الله لأبي بكر: ما الذي حملك على ما صنعت؟

فقال: يا رسول الله إن عدوّ الله قال هكذا.

فجحد ذلك فنحاص فنزلت هذه الآية تصديقاً لأبي بكر" .

وأيضاً إن موسى لما طلب منهم الجهاد ببذل النفوس قالوا له: إذهب أنت وربك فقاتلا.

فلا يبعد أن محمداً  لما طلب منهم الأموال قالوا له: لو كان الإله غنياً فأي حاجة إلى أموالنا.

ثم إن القائل لو كان فنحاصاً وحده فإنما / يستقيم قوله: ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا ﴾ لأن أتباع الرجل والمقتدين به حكمهم حكمه.

ثم إنه  لم يجبهم عن شبهتهم.

أما على قواعد أهل السنة فبأن يقول يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلا يبعد أن يأمر عبيدة ببذل الأموال مع كونه أغنى الإغنياء.

وأما على قوانين المعتزلة فبأن في هذا التكليف فوائد منها: إزالة حب المال عن القلب، ومنها التوسل إلى الثواب المخلد، ومنها تسخير البعض للبعض فبذلك ترتبط أمور التمدن وتنتظم أحوال صلاح المعاش والمعاد وإنما لم يجب لكثرة ورودها في القرآن ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  ﴾ ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له اضعافاً كثيرة  ﴾ ﴿ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم  ﴾ ولأن وجوب الوجود عبارة عن الغنى المطلق حتى لا يحتاج في ذاته ولا في شيء من صفاته ولا بجهة من جهاته إلى ما سوى ذاته.

فمن اعترف بوجوب وجوده ثم شك في كمال غناه في وجوده فقد عاد بالنقض على موضوعه فلا يستحق الجواب عند أولي الألباب، وإنما يستأهل صنوفاً من العتاب وضروباً من العذاب فلهذا قال على جهة الوعيد ﴿ سنكتب ما قالوا ﴾ في صحائف الحفظة، أو نستحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه كما يثبت المكتوب فلا ينسى.

وفي التفسير الكبير: سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يبقى على لسان الأمة إلى يوم القيامة.

ثم عطف عليه قتلهم الأنبياء ليدل على أنهم كما لو يقدروا الله حق قدره حتى نسبوا إليه ما نسبوه، فكذلك لم يقضوا حقوق الأنبياء ففعلوا بهم ما فعلوا.

﴿ ونقول ذوقوا عذاب الحريق ﴾ وهو من أسماء جهنم.

"فعيل" بمعنى "مفعول" كالأليم بمعنى المؤلم.

أو سميت باسم صاحبها أي ذات حرقة.

والمعنى: ينتقم منهم فيقول لهم ذوقوا عذاب النار كما أذقتم المسلمين جرع الغصص.

وهذا القول يحتمل أن يقال عند الموت، أو عند الحشر، أو عند قراءة الكتب.

ويحتمل أن يكون كناية عن الوعيد وإن لم يكن ثمة قول ﴿ ذلك ﴾ العذاب أو الوعيد ﴿ بما قدمت أيديكم ﴾ من السب والقتل.

وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال يباشر باليد، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب وإن كان بعضه باللسان أو بسائر الجوارح والآلات.

وإنما جمع لأن المخاطب جمع ولو كان مفرداً.

قيل: بما قدمت يداك مثنى كما في سورة الحج.

قال الجبائي: قوله: ﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ليس بظلام للعبيد، فيه دلالة على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلماً بتقدير أن لا يقع منهم الذنوب.

وفيه بطلان قول المجبرة أن الله يعذب الأطفال بغير جرم ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب، ويدل على كون العبد فاعلاً وإلا لكان الظلم حاصلاً.

والجواب أنه لم ينف الظلم عن نفسه بمعنى أن الجزاء إنما كان مرتباً على الذنب الصادر بكسب العبد وفعله فلا ظلم، بل بمعنى / أنه مالك الملك، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء لم يكن ذلك ظلماً، فخلق ذلك الفعل فيهم وترتيب العذاب عليه لا يكون ظلماً.

قيل: إنه نفى الظلم الكثير عن نفسه وذلك يوهم ثبوت أصل الظلم له، أجاب القاضي بأن العذاب الذي توعد بأن يفعل بهم لو كان ظلماً لكان عظيماً، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتاً.

وهذا يؤكد ما ذكر أن إيصال العقاب إليهم كان يكون ظلماً عظيماً لو لم يكونوا مذنبين، أقو ل: إنه  نفى حقيقة الظلم عنه في قوله: ﴿ وما ظلمناهم  ﴾ ﴿ وهم لا يظلمون  ﴾ وبحقيقة ما ذكرناه أنه مالك الكل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولكنه نفى ههنا كثرة الشر والظلم أن يصدر عنه كأنه قال: إن خُيِّلَ إليكم أن في الوجود شراً بناء على ما في ظنكم من أن الحكيم قد يصدر عنه الشر القليل بتبعية الخير الكثير، فاعلموا أني منزه عن صدور الشر الكثير مني، وأن هذا من الشر القليل الذي في ضمنه خير كثير.

ونقول: أراد نفي الشر القليل وأصل الظلم عنه، ولكن القليل من الظلم بالنسبة إلى رحمته الذاتية كثير، فلهذا عبر عنه بلفظ الكثرة والمبالغة.

ثم قرر الشبهة الأخرى لهم فقال: ﴿ الذين قالوا إن الله عهد إلينا ﴾ قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله  فقالوا: تزعم أن الله بعثك إلينا رسولاً، وأنزل عليك الكتاب، وإن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك فنزلت.

قال عطاء: كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت، فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف ولا دخان لها فتأكل ذلك القربان وهو البر الذي يتقرب به إلى الله.

وأصله مصدر كالكفران والرجحان.

ثم سمي به نفس المتقرب به إلى الله ومنه قوله  لكعب بن عجرة: " "يا كعب، الصوم جنة والصلاة قربان" أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في الحاجة لديه.

وللعلماء فيما ادعاه اليهود قولان: قال السدي: إن هذا الشرط جاء في التوراة مع الاستثناء.

قال: من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمداً.

فكانت هذه العادة جارية إلى مبعث المسيح ثم زالت.

وقيل: إنه افتراء لأن المعجزات كلها في كونها خارقة للعادة وآية لصحة النبوة سواء، فأي فائدة في تخصيصها؟

ولأنه إما أن يكون في التوراة أن مدعي / النبوة وإن جاء بجميع الآيات لا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه الآية المعينة، وحينئذٍ لا تكون سائر المعجزات دالة على الصدق، وإذا جاز الطعن فيها جاز في هذه.

وإما أن يكون فيها أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة أية كانت.

وحينئذٍ يكون طلب هذا المعجز المعين عبثاً فلهذا نسبهم الله  إلى الجحود والعناد فقال: ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ﴾ أي بمدلوله ومؤدّاه ﴿ فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ﴾ إنما الإيمان يجب عند الإتيان بالقربان.

وإنما ذكر مجيء الرسل بالبينات ولم يقتصر على مجيء القربان ليتم الإلزام.

وذلك أن القوم يحتمل أن يقولوا إن الإتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط لكن لا يلزم من وجوده وجود المشروط.

فلو اكتفى بذكر القربان لم يتم الإلزام، وحيث أضاف إليه البينات ثبت أنهم أتوا بالموجب وبالشرط جميعاً، فكان الإقرار بالنبوة واجباً.

ثم سلى رسوله بقوله: ﴿ فإن كذبوك ﴾ في أصل الشريعة والنبوة أو في قولك إن الأنبياء الأقدمين جاؤهم بالبينات وبالقربان فقتلوهم ﴿ فقد كذب رسل من قبلك ﴾ وأي رسل والمصيبة إذا عمت طابت ﴿ جاؤا بالبينات ﴾ وهي الحجج الواضحات والمعجزات الباهرات.

والزبر هي الصحف جمع زبور بمعنى مزبور أي مكتوب.

وقال الزجاج: الزبور كل كتاب ذي حكمة فيشبه أن يكون من الزبر بمعنى الزجر عن خلاف الحق وبه سمي زبور داود لما فيه من الزواجر والمواعظ والكتاب المنير الموضح أو الواضح المستنير.

يعلم من عطف الزبور والكتاب على البينات، أن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم، وأنها لم تكن معجزة لهم والإعجاز من خواص القرآن.

وعطف الكتاب المنير على الزبر لأن الكتاب بوصفه بالإثارة أو الاستنارة أشرف من مطلق الزبر فخص بعد العموم لشرفه مثل ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكال  ﴾ وقيل: المراد بالزبر الصحف، وبالكتاب المنير التوراة والإنجيل والزبور.

ثم أكد التسلية بقوله: ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل الغموم والأشجان الدنيوية، وكذا العلم بأن وراء هذه الدار داراً يتميز فيها المحسن عن المسيء، ويرى كل منهما جزاء عمله.

والمراد لكل نفس ذائقة الموت كل ذات.

فالقضية لا يمكن إجراؤها على عمومها لاستثناء الله  منها ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك  ﴾ وكذا كل الجمادات لأن لها ذوات.

ولقوله: ﴿ فصعق من في السموات و من في الأرض إلا من شاء الله  ﴾ ولأنه لا موت لأهل الجنة ولأهل النار.

فالمراد المكلفون الحاضرون في دار التكليف، والملائكة عند من يجوّز الموت عليهم.

روي عن ابن عباس: لما نزل قوله  : ﴿ كل من عليها فان ﴾ \[الرحمن: /26\] قالت الملائكة: مات أهل الأرض.

فلما نزل ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ قالت الملائكة: متنا.

وفي الآية دليل على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن، لأن الذائق لا بد أن يكون باقياً حال حصول الذوق.

قالت الحكماء: الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية لأنها لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية والحرارة الغريزية، ثم إن الحرارة الغريزية تؤثر في تقليل الرطوبة الغريزية.

وإذا قلت: الرطوبة الغريزية ضعفت الحرارة الغريزية، ولا يزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ويحصل الموت، فبهذا الطريق كان الموت ضرورياً في هذه الحياة.

قالوا: والأرواح المجردة لا موت لها، وناقشهم المسلمون فيه ﴿ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ في ذكر التوفية إشارة إلى أن بعض الأجور يعطى قبل ذلك اليوم كما قال  : " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" .

﴿ فمن زحزح عن النار ﴾ الزح التنحية والإبعاد والزحزحة تكريره ﴿ فقد فاز ﴾ لم يقيد الفوز بشيء لأنه لا فوز وراء هذين الأمرين: الخلاص من العذاب والوصل إلى الثواب.

فمن حصل له هذان فقد فاز الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به.

قال  : " "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " فالأول رعاية حقوق الله، والثاني محافظة حقوق العباد.

ثم شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغرّ حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته، وذلك أن لذاتها تفنى وتبعاتها تبقى.

والغرور بالضم مصدر، الغار المدلس هو الشيطان.

عن علي بن أبي طالب: لين مسها قاتل سمها.

وعن بعضهم: الدنيا ظاهرها مظنة السرور وباطنها مطية الشرور.

وعن سعيد بن جبير: إنما هذا المن آثرها على الآخرة.

فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ.

﴿ لتبلون في أموالكم ﴾ اللام جواب القسم المقدر، والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو للساكنين ولما كان يجب لما قبلها من الضم.

والمراد ما نالهم من الفقر والضر والقتل والجرح، والتكاليف الشاقة البدينة والمالية من الصلاة والزكاة والصوم والجهاد, والذي كانوا يسمعونه من الكفرة كالطعن في الدين الحنيف وأهليه، وإغراء المخالفين وتحريضهم عليهم وإغواء المنافقين وتنفيرهم عنهم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على ما ابتلاكم الله به ﴿ وتتقوا ﴾ المخالفة أو تصبروا على أداء الواجبات وتتقوا ارتكاب المحظورات ﴿ فإن ذلك ﴾ الصبر والتقوى ﴿ من عزم الأمور ﴾ من معزوماتها الذي لا يترخص العاقل في تركه لكونه حميد العاقبة بين الصواب، أو هو من / عزائم الله ومما ألزمكم الأخذ به.

قال الواحدي: كان هذا قبل نزول آية القتال.

وقال القفال: الظاهر أنها نزلت بعد قصة أحد فلا تكون منسوخة بآية السيف.

والمراد الصبر على ما يؤذون به الرسول على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم واستعمال مداراتهم من كثير من الأحوال.

والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه.

عن كعب بن مالك "أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً وكان يهجو النبي  ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان النبي  قدم المدينة وأهلها أخلاط - المسلمون والمشركون واليهود - فأراد النبي  أن يستصلحهم كلهم.

فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر الله نبيه بالصبر على ذلك فنزلت الآية" .

روي "أن رسول الله  ركب على حمار وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن خزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي وذلك قبل أن يسلم عبد الله.

فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة.

فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا.

فسلم رسول الله  ثم وقف.

فنزل ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن.

فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجلسنا.

ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.

فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك.

فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون.

فلم يزل النبي  يخفضهم حتى سكنوا.

ثم ركب النبي  دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي؟

قال: كذا وكذا.

فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي نزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك فعفا عنه رسول الله  " ، وأنزل الله هذه الآية.

ثم إنه  عجب من حال اليهود أنه كيف يليق بحالهم إيراد الطعن في نبوته مع أن كتبهم ناطقة به- وأيضاً من جملة إيذائهم الرسول أنهم كانوا يكتمون من نعته وصفته فلهذا قال: ﴿ وإذا أخذ الله ﴾ بإضمار "اذكر" والضمير في ﴿ لتبيننه ﴾ قيل لمحمد لأنه معلوم وإن كان غير مذكور أي لتبينن حاله وهذا قول سعيد بن جبير والسدي.

وقال الحسن وقتادة: يعود إلى الكتاب كأنه أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه.

وقيل له الله لتفعلن ﴿ ولا يكتمونه ﴾ قيل: الواو للحال أي غير كاتمين.

ويحتمل أن تكون للعطف وإن لم يكن مؤكداً بالنون.

والأمر بالبيان يتضمن النهي عن الكتمان، لكنه صرح به للتأكيد ﴿ فنبذوه / وراء ظهورهم ﴾ جعلوه كالشيء المطروح المتروك.

وعن علي  : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا.

وقال قتادة: مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب.

وطوبى لعالم ناطق ولمستمع واع، هذا علم علماً فبذله، وهذا سمع خيراً فوعاه.

ومعنى قوله: ﴿ واشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ أنهم كتموا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان حظ يسير من الدنيا ﴿ فبئس ما يشترون ﴾ هو ويدخل في الوعيد كل من كتم شيئاً من أمر الدين لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارّهم واستجذاب لمبارّهم، أو لتقية من غير ضرورة، أو لبخل بالعلم وغيره أن ينسب إلى غيره.

ثم ذكر نوعاً آخر من إيذاء اليهود وأوعدهم عليه وسلى رسوله بذلك فقال: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب وفتح الباب فالخطاب للرسول أو لكل أحد، وأحد المفعولين ﴿ الذين يفرحون ﴾ والثاني ﴿ بمفازة ﴾ .

وقوله: ﴿ فلاتحسبنهم ﴾ إعادة للعامل لطول الكلام وإفادة التأكيد.

ومن ضم الباء في الثاني مع تاء فالخطاب للمؤمنين، ومن ضمها مع ياء الغيبة فالضمير للذين يفرحون، والمفعول الأول محذوف أي لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين، والثاني للتأكيد.

ومعنى ﴿ بما أتوا ﴾ بما فعلوا.

وأتى وجاء يستعملان بمعنى فعل.

قال  : ﴿ إنه كان وعده مأتياً  ﴾ ﴿ لقد جئت شيئاً فرياً  ﴾ .

ومعنى بمفازة من العذاب بمنجاة منه أي بمكان الفوز.

وقال الفراء: أي ببعد منه لأن الفوز التباعد عن المكروه.

في الصحيحين "أن مروان قال لرافع أبوابه: اذهب إلى ابن عباس وقل له: لئن كان كل امرىء منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون.

فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه إنما دعا النبي  يهوداً فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه، ثم قرأ ابن عباس ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآيتين" .

وقال الضحاك: "كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتاب من اليهود في الأرض كلها أن محمداً ليس نبي الله فأثبتوا على دينكم واجمعوا كلمتكم على ذلك.

فاجتمعت كلمتهم على الكفر بمحمد والقرآن، ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا ونحن أهل الصوم والصلاة، نحن أولياء الله.

فذلك قول الله ﴿ يفرحون بما أتوا ﴾ بما فعلوا ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ / فأنزل الله هذه الآية" .

يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة.

وعن أبي سعيد الخدري "أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله  إلى الغزو تخلفوا عنه، فإذا قدم اعتذروا عنده وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فأنزل الله هذه الآية" .

وهذه الوجوه كلها مشتركة في الإتيان بما لا ينبغي ومحبة / الحمد عليه ووصفه بسداد السيرة وحسن السريرة.

ونحن إذا أنصفنا من انفسنا وجدنا أكثر مجاري أمورنا على هذه الحالة، فنسأله العصمة والهداية.

ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولله ملك السموات والأرض ﴾ ولغرض أنه كيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا القادر الغالب؟

التأويل: ﴿ هو خيراً لهم بل هو شر لهم ﴾ كل واحد من صفتي البخل والسخاء بمنزلة الإكسير حتى يجعل الخير شراً وبالعكس.

﴿ سيطوّقون ﴾ شبه بالطوق لأنه يحيط بالقلب ومنه ينشأ معظم الصفات الذميمة كالحرص والحسد والحقد والعداوة والكبر والغضب والبخل "حب الدنيا رأس كل خطيئة" ﴿ ولله ميراث السموات والأرض ﴾ الإنسان ورث الدنيا والآخرة أولئك هم الوارثون.

والوارث إذا مات من غير وارث فميراثه لبيت المال.

فالإشارة فيه أن من غلب عليه هذه الصفات ومات قلبه فقد بطل استعداد وراثته فميراثه لله ﴿ إن الله فقير ونحن أغنياء ﴾ فيه أن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، فيعكس القضايا فيصف الرب بصفات العبد والعبد بصفات الرب وذلك لغلبة الصفات الذميمة واستيلاء سلطان الهوى والشيطان، فيقول تارة: أنا ربكم الأعلى، وتارة إن الله فقير ونحن أغنياء.

﴿ بقربان تأكله النار ﴾ قالت يهود صفات النفس البهيمية والسبعية والشياطنية لا ننقاد لرسول أي لخاطر رحماني أو إلهام رباني حتى يأتينا بقربان هو الدنيا وما فيها يجعلها نسيكة لله عز وجل، تأكله نار الله الموقدة التي تقدح من زناد محبتهم،فإن كثيراً من الطالبين الصادقين يجعلون الدنيا وما فيها قرباناً لله فلا تأكله نار الله، قل يا وارد الحق ﴿ قد جاءكم رسل من قبلي ﴾ أي واردات الحق بالبينات بالحجج الباهرة ﴿ وبالذي قلتم ﴾ أي بجعل الدنيا قرباناً ﴿ فلم قتلتموهم ﴾ غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم يبق أثر الواردات.

﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ كلهم مستعدون للفناء في الله، ولا بد لها من موت.

فمن كان موته بالأسباب تكون حياته بالأسباب، ومن كان فناؤه في الله يكون بقاؤه بالله.

﴿ لتبلون ﴾ بالجهاد الأكبر ﴿ ولتسمعن ﴾ من أهل العلم الظاهر ومن أهل الرياء ﴿ أذى كثيراً ﴾ بالغيبة والملامة والإنكار والاعتراض ﴿ وإن تصبروا ﴾ على جهاد النفس ﴿ وتتقوا ﴾ بالله عما سواه ﴿ فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ أي من أمور أولي العزم ﴿ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل  ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ : يحتمل الابتلاء في الأموال والأنفس: أن يُبْلَوْا بالنقصان فيها؛ كقوله - عزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ...

﴾ الآية [البقرة: 155].

ويحتمل: أن يُبْلَوْا بما جعل فيها من العبادات، [من نحو: الزكاة في الأموال والصدقات والحقوق التي جعل فيها، وفي الأنفس: من العبادات]: من الصلاة والجهاد والحج، وغيرها من العبادات، و الله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ : يعني: الذين لهم علم بالكتاب ومن غيرهم.

﴿ أَذًى كَثِيراً ﴾ [أي: تسمعون أنتم من هؤلاء أذى كثيراً، على ما سمع إخوانكم الذين كانوا من قبلكم من أقوامهم أذى كثيراً]؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ ﴾ : على أذاهم.

﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ : مكافأتهم، على ما صبر أولئك واتقوا مكافأتهم.

﴿ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ : قيل: من خير الأمور؛ هذا يحتمل.

وقيل: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ من قولهم: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ ﴾ ، يعني: العرب، ﴿ أَذًى كَثِيراً ﴾ ، يعني: نصب الحروب فيما بينهم، والقتال، والسب وغير ذلك، ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ ﴾ : على ذلك والطاعة له، ﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ : معاصي الربِّ، ﴿ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ :، يعني: من حزم الأمور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ : أي: الذين أوتوا العلم بالكتاب، وأَخَذَ الميثاق؛ ليبينوا، أي: يُبَيِّنُوا للناس ما في الكتاب من الأمر والنهي، وما يحل وما يحرم، وغير ذلك من الأحكام، ولا يكتموا ذلك.

ويحتمل: أن أخذ عليهم الميثاق: أنْ بَيَّنُوا للناس بَعْثَ محمد  وصِفَتَهُ، ولا تكتموه بالتحريف وبترك البيان.

وقوله: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ أي: لم يعملوا بما فيه، ولا بينوا للناس؛ فهو كالمنبوذ وراء ظهروهم.

﴿ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً...

﴾ الآية: قد ذكرنا معناه في غير موضع.

وعن علي -  - قال: "ما أخذ الله ميثاقاً على أهل الجهل بطلب العلم، حتى أخذ ميثاقاً من أهل العلم ببيان العلم؛ لأن العلم كان قبل الجهل".

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ ﴾ : قيل: بما غيَّروا من نعت محمد  وصفته في كتابهم وكتموه، وتبديلهم الكتاب، وإعجاب الناس ذلك وحمدهم على ذلك.

وقيل: إن اليهود دخلوا على رسول الله  ، فقالوا: نحن نعرفك ونصدقك - وليس ذلك في قلوبهم - فلما خرجوا من عند [رسول الله]  قال لهم المسلمون: ما صنعتم؟

فيقولون: عرفناه وصدقناه؛ فيقول المسلمون: أحسنتم، بارك الله فيكم: يحمدهم المسلمون على ما أظهروا من الإيمان، وهم يحبون أن يحمدوا على ذلك؛ فذلك تأويل قوله: ﴿ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ ﴾ .

وقيل: إنهم قالوا: نحن أهل الكتاب الأول والعلم، وأهل الصلاة والزكاة.

ولم يكونوا كذلك، وأحبُّوا أن يحمدوا على ذلك، والله أعلم بالقصَِّة.

وفي قوله - عز وجل أيضاً -: ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ...

﴾ الآية - دلّ ما ذم الله عباده، وأوعدهم عليه أليم عقابه فيما أحبُّوا الحمد على ما لم يفعلوا - على  الربِّ عن قول المعتزلة في قولهم: ليس لله في الإيمان تدبير سوى الأمر، ولا صُنْعٌ، وقد أحبَّ أن يحمد عليه بقوله - عز وجل -: ﴿ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، بقوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ  ﴾ ، وقولهِ -  -: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ  ﴾ في غير موضع من القرآن، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لتُختبرنّ -أيها المؤمنون- في أموالكم، بأداء الحقوق الواجبة فيها، وبما ينزل بها من مصائب، ولتختبرُنَّ في أنفسكم بالقيام بتكاليف الشريعة، وما ينزل بكم من أنواع البلاء، ولتسمعُنّ من الذين أُعطوا الكتب من قبلكم ومن الذين أشركوا شيئًا كثيرًا مما يؤذيكم من الطعن فيكم وفي دينكم، وإن تصبروا على ما يصيبكم من أنواع المصائب والابتلاءات، وتتقوا الله بفعل ما أمر وتَرْك ما نهى، فإن ذلك من الأمور التي تحتاج إلى عزم، ويتنافس فيها المتنافسون.

من فوائد الآيات من سوء فعال اليهود وقبيح أخلاقهم اعتداؤهم على أنبياء الله بالتكذيب والقتل.

كل فوز في الدنيا فهو ناقص، وإنما الفوز التام في الآخرة، بالنجاة من النار ودخول الجنة.

من أنواع الابتلاء الأذى الذي ينال المؤمنين في دينهم وأنفسهم من قِبَل أهل الكتاب والمشركين، والواجب حينئذ الصبر وتقوى الله تعالى.

<div class="verse-tafsir" id="91.NOZWD"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إنها تسلية أخرى، كأنه يقول لا تضجر ولا تسأم لما ترى من معاندة الكافرين فإن هذا مُنْتَهٍ وكل ما له نهاية فلا بد من الوصول إليه فالذي يصير إليه هؤلاء المعاندون قريب فيجازون على أعمالهم ولا تنتظر أن يوفوا جزاء عملهم السيء كله في هذه الدار كما أن أجرك على عملك لا توفاه في هذه الحياة، فحسبك ما أصبت من الجزاء الحسن وحسبهم ما أصيبوا، وما يصابون به من الجزاء السيء في الدنيا، وأعلم أنه لا يوفى أحد جزاءه في هذه الدار لأن توفية الأجور إنما تكون في الآخرة.

ويصح وصلها بما قبلها من قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ  ﴾ إلخ، أي أن أولئك البخلاء الذين يمنعون الحقوق وأولئك المتجرئين على الله والظالمين لرسله والذين عاندوا خاتم النبين، كل أولئك سيموتون كما يموت غيرهم ويوفون أجورهم يوم القيامة.

وكذلك لا يحسبن أحد من المؤمنين الذين يقاومون هؤلاء ويلقون منهم سبيل الإيمان ما يلقون أنهم يوفون أجورهم في الدنيا، كلا إنهم إنما أجورهم يوم القيامة.

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ  ﴾ لكلمة "نفس" استعمالات يصح في بعض المواضع منها ما لا يصح في موضع آخر، والمتبادر هنا أن المراد بالنفس هنا ما به الحياة المعروفة في الحيوان، ولا يصح أن تكون هنا بمعنى الذات واستشكلوا موت النفس مع أنها باقية لأنها تبعث يوم القيامة، وإنما يبعث الموجود ولو عدمت النفس لما صح أن يقال إنها تبعث وإنما كان يقال توجد، وأجابوا عنه بأن كونها باقية لا ينافي كونها تذوق الموت، فإن الذي يذوق هو الموجود، والميت لا يذوق لأن الذوق شعور فالحالة المخصوصة التي هي مفارقة الروح للبدن إنما تشعر بها النفس، وأما البدن فلا شعور له لأنه يموت، ومن العبث والجهل البحث في تعريف الموت، فالموت هو الموت المعروف لكل أحد.

وهناك جواب آخر أبسط من هذا وأظهر وهو أن الخطاب هنا على العرف المعهود في التخاطب المتبادر لكل عربي وهو أن كل حي يموت.

﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ  ﴾ ذكر توفية الأجور ثم بين ذلك بأبلغ عبارة موجزة إيجازًا معجزًا، فأعلم أن هنالك جنة ونارًا، وأن من الناس من يلقى في تلك ومنهم من يدخل في هذه، وأبان عظيم هول النار وشدتها بالتعبير عن النجاة عنها بالزحزحة كأن كل شخص كان مشرفًا على السقوط فيها وأن مجرد الزحزحة عنها فوز كبير، وفيه إيماء إلى أن أعمال الناس سائقة لهم إلى النار لأنها حيوانية في الغالب حتى لا يكاد يدخل أحد الجنة إلا بعد أن يكون زحزح عما كان صائرًا إليه من السقوط في النار.

أما هؤلاء المزحزحون فهم الذين غلبت في نفوسهم الصفات الروحية على الصفات الحيوانية فأخلصوا في إيمانهم وفي أعمالهم وجاهدوا في الله حق جهاده حتى لم يبق في نفوسهم شائبة من إشراك غير الله في عمل من الأعمال.

أفاد هذا الايجاز كل هذه المعاني ولم يحتج في هذه الآية إلى مثل ما ذكر في آيات أخرى من وصف الجنة والنار لما يقتضيه السياق هنالك من الإطناب والتعريف بشيء من أمور عالم الغيب، وعبر بالفاء في قوله: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ  ﴾ للترتيب وبيان السبب.

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ  ﴾ : الحياة الدنيا هي السفلى أو القربى والمراد منها حياتنا هذه أي معيشتنا الحاضرة التي نتمتع باللذات الحسية كالأكل والشرب، أو المعنوية كالجاه والمنصب والسيادة، هذه الحياة هي أقرب الحياتين وأدناهما وأحطهما وهي على كل حال متاع الغرور لأن صاحبها دائمًا مغرور مخدوع لها تشغله كل حين بجلب لذاتها ودفع آلامها فهو يتعب لما لا يستحق التعب، ويشقى لتوهم السعادة ويتعب نقدًا ليستريح نسئة.

والعبارة جاءت بصيغة الحصر فهي تشمل حياة الأبرار الذين يصرفون أعمالهم في نفع الناس حبًا بالخير وتقربًا إلى الله  من حيث هم متمتعون فيها إما من حيث أن لذتهم فيما هم فيه قهرية، وإما على معنى أنها لا بقاء لها، أو يقال إن ما كان من عمل الخير والطاعة ليس من متاع الدنيا والحصر بحسب ما عليه الغالب.

﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ  ﴾ يصح اتصال هذه الآية بما قبلها من قوله تعالى ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ  ﴾ الآيات، فإن فيها ذكر البخل بالمال وذكر حال اليهود، وهذه تذكر البلاء بالمال وما سيلاقي المؤمنين من أولئك اليهود وغيرهم.

ويصح أن يكون على ما قاله بعضهم متصلًا بما هو قبل ذلك من أول واقعة أُحد إلى هنا كأنه يقول إن ما وقع من الإبتلاء في الأنفس والأموال والطعن في تلك الواقعة ليس آخر الابتلاء بل لابد أن تُبْلوا بعد ذلك بكل هذه الضروب منه، وتجري فيكم سنته تعالى في خلقه فلا تظنوا أنكم جلستم على عرش العزة واعتصمتم بالمنعة، وأمنتم حوادث الكون فإنه لابد أن يعاملكم الله تعالى كما يعامل الأمم معاملة المختبر المبتلي، لا ليعلم ما لم يكن يعلم من أمركم فهو علام الغيوب بل ليميز الخبيث من الطيب من بعد كما ماز الكثيرين في واقعة أُحد.

والابتلاء في الأموال يفسر بفرض الصدقات والبذل في سبيل الله -وهو كل ما يوصل إلى الخير- وبالجوائح والآفات، وهذا الجمع أولى مما ذهب إليه بعضهم من تخصيصه بالأول، وبعضهم من تخصيصه بالثاني، والابتلاء في الأنفس يكون بتكليف بذلها في سبيل الله وبموت من يحب الإنسان من الأهل والأصدقاء، والابتلاء بالتكليف هو أهم الابتلاءين، وذلك أن الله تعالى لم يكفل للمسلمين الحفظ والنصر والسيادة لأنهم مسلمون وإنما يكلفهم الجري على سننه تعالى كغيرهم فلابد لهم من الاستعداد للمدافعة دائمًا وذلك يقتضي بذل المال والنفس.

ومن هنا تعلم غلط الذين يفسرون الابتلاء بالمال والأمر ببذله والجهاد به، كل ذلك بالزكاة، وما الزكاة إلا نوع من أنواع الحقوق التي جعلها الله في المال وهي كثيرة تشمل كل ما به صلاح الأمة ورفع شأنها من الأعمال، وكل ما يدفع عنها الأعداء، ويرد عنها المكاره والأسواء، ومن ذلك الابتلاء في المدافعة عن الحق سواء كان بالمال أو بالنفس، فهو يوطن نفوسهم على الأخذ بالاحتياط في الأمور العامة، والاستعانة عليها بالمال، وتحمل المكاره ويحذرهم من الشره والطمع في المال حتى إذا طمعوا أو قصروا في الاحتياط كما وقع لهم في أُحد علموا أنهم ما أصيبوا إلا بما كسبت أيديهم، أو قصرت فيه هممهم فلا يتعللون ولا يقولون كيف أُصبنا ونحن مسلمون، وقدم ذكر المال لأنه هو الوسيلة التي يكون بها الاستعداد لبذل النفس فبذل المال يحتاج إليه قبل بذل النفس، أو لأن الإنسان كثيرًا ما يبذل نفسه دفاعًا عن ماله فالذين قالوا إن المال شقيق الروح لاحظوا الغالب ومن غير الغالب أن يقدم الإنسان ماله على نفسه.

علمنا أن فائدة الابتلاء هي تمييز الخبيث من الطيب، وأما الإخبار به ففائدته التعريف بالسنن الإلهية وتهيئة المؤمن لها وحمله على الاستعداد لمقاومتها، فإن من تحدث له النعمة فجأة على غير استعداد ولا سعي ترجى هي من ورائه تدهشه وتبطره وربما تهيج عصبه فيقع في داء أو يموت فجأة، وكذلك من تقع به المصيبة فجأة على غير استعداد يعظم عليه المر ويحيط به الغم حتى يقتله في بعض الأحيان، أما المستعد فإنه يكون ضليعًا قويًا.

﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا  ﴾ ، إن مثل هذا يدخل في الابتلاء في الأنفس وإنما خصه بالذكر لأنه من الأهمية بمكان.

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ  ﴾ ، الصبر هو تلقي المكروه بالاحتمال وكظم النفس عليه مع الروية في دفعه ومقاومة ما يحدثه من الجزع، فهو مركب من أمرين: دفع الجزع ومحاولة طرده ثم مقاومة أثره حتى لا يغلب على النفس، وإنما يكون ذلك مع الإحساس بألم المكروه فمن لا يحس به لا يسمى صابرًا وإنما هو فاقد للإحساس يسمى بليدًا، وفرق بين الصبر والبلادة، فالصبر وسط بين الجزع والبلادة، وما أحسن قرن التقوى بالصبر في هذه الموعظة وهي أن يمتثل ما هدى الله إليه فعلًا وتركًا عن باعث القلب.

وذلك من عزم الأمور أي التي يجب أن تعقد عليها العزيمة وتصح النية وجوبًا محتمًا لا ضعف فيه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده