تفسير سورة آل عمران الآيات ١٨٠-١٨٤ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٨٠-١٨٤

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًۭا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّۭ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ١٨٠ لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌۭ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ١٨١ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍۢ لِّلْعَبِيدِ ١٨٢ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍۢ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١٨٣ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌۭ مِّن قَبْلِكَ جَآءُو بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ ١٨٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 10 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

هذا كلام جديد مستقل لا يتعلق بواقعة أحد لا على سبيل القصد ولا على سبيل الاستطراد، فقد جاء في سياق القصة آيات في شؤون الكافرين في أنفسهم وما يليق بهم من الخزي والعقوبة ونحو ذلك تذكر للمناسبة، ثم يعود الكلام إلى ما يتعلق بالواقعة، وقد انتهى ذلك بالآيات التي قبل هذه الآيات وأما هذه وما بعدها إلى آخر السورة فهي ضروب من الإرشاد وذلك لا يمنع أن يكون بينها وبين ما قبلها تناسب، بل التناسب فيها ظاهر.

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ  ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بما آتاهم الله من فضله المال، وأن البخل به هو البخل بالصدقة المفروضة فيه، وعدم التصريح بذلك من ضروب إيجاز القرآن، فكثيرًا ما يترك التصريح بالقول لأنه مفهوم من السياق والقرائن دالة عليه واللبس مأمون، فلا يخطر ببال أحد أن الوعيد هو على البخل بجميع ما يملك الإنسان من فضل ربه عليه فإن الله أباح لنا الطيبات والزينة في نص كتابه، والعقل يجزم أيضًا بأن الله لا يكلف الناس بذل كل ما يكسبون وأن يبقوا جائعين عراة بائسين.

وذهب آخرون إلى أن ذلك هو العلم وأن الكلام في اليهود الذين أوتوا صفات النبي  فكتموها، والأولى أن تبقى على عمومها فإن المال من فضل الله وكذلك العلم والجاه، والناس مطالبون بشكر ذلك والبخل على الناس به كفر لا شكر.

والحكمة في ترك النص على أن البخل المذموم هنا هو البخل بما يجب بذله مما يتفضل الله به على المكلف هي أن في العموم من التأثير في النفس ما ليس للتخصيص، وهذه السورة متأخرة في النزول وكانت أكثر الأحكام إذا أُنزلت مقررة فإذا طرق سمع المؤمن هذا القول تذكر فضل الله عليه وأن عليه فيه حقًا للناس، وأن هذا الخطاب يذكر به سواء منه ما هو معلوم معين وما ليس بمعلوم ولا معين بل هو موكول إلى اجتهاده الذي يتبع عاطفة الإيمان.

وإنما نفى أولًا كونه خيرًا ثم أثبت كونه شرًا مع أن الثاني هو الظاهر الذي لا يماري فيه لأن المانع للحق إنما يمنعه لأنه يحسب أن في منعه خيرًا له لما في بقاء المال في اليد مثلًا من الانتفاع به بالتمتع باللذات، ودفع الغوائل والآفات، وتوهم التمكن من قضاء الحاجات، فإن قيل إن التحديد كان أوضح وأنفى للإبهام قلنا إن القرآن كتاب هداية ووعظ يخاطب الأرواح ليجذبها إلى الخير وبالعبارة التي هي أحسن تأثيرًا لا ككتب الفقه وغيره من كتب الفنون التي تتحرى فيها التعريفات الجامعة المانعة.

وكتاب هذا شأنه لا يجري على السنن التي لا تليق إلا بضعفاء العقول الذين فسدت فطرتهم بالتعاليم الفاسدة، وإن مثل هذه العبارة المطلقة التي تخطر في البال بذل كل ما في اليد، وتكاد توجبه لولا الدلائل الأخرى، تحدث في النفس أريحية للبذل تدفعها إلى بذل الواجب وزيادة عليه.

﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  ﴾ : إن الآية لم تبينه ولا أشارت إلى كيفيته، فإن ورد في صحيح الأحاديث ما يبينه اتبع الوارد بقدره لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ووجب الإيمان به عند من صح عنده على أنه من خبر الغيب الذي أمرنا بالإيمان به لمحض الاتباع، وذهب بعض المفسرين إلى أن معناه أنهم يحملون تبعة أموالهم، يقال طوقني الأمر أي الزمني إيه فحاصل المعنى على هذا أن العقاب على البخل لزام لا مرد له.

﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ  ﴾ : العبارة تبين أن كل ما يعطاه الإنسان من مال وجاه وقوة وعلم فإنه عرض زائل وصاحبه يفنى ويزول، ولا معنى لاستبقاء الفاني ما هو فان مثله بل عليه أن يضع كل شيء في موضعه الذي يصلح له، ويبذله في وجوهه اللائقة به، أي فهو بذلك يكون خليفة لله في إتمام حكمته في أرضه، ومحسنًا للتصرف فيما استخلف فيه.

﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير  لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا  ﴾ ، قال مفسرنا كغيره أي نأمر بكتابته وغفلوا عن قوله: ﴿ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ  ﴾ فإنه كان من سلفهم فما معنى التعبير عن كتابته بصيغة الاستقبال؟

لابد من تفسيره بوجه يصح في الأمرين، ولكن ضعف المسلمين في لغة القرآن هو الذي أوقعهم في هذا الضعف في الفهم، والضعف في الدين وتبع ذلك الضعف في كل شيء.

ولا يقال إن الفعل إذا أسند إلى الله تعالى يتجرد من الزمان فإن الكلام في اختلاف التعبير، والمعنى الصحيح لهذه الكلمة "سنعاقبهم على ذلك حتمًا" فإن الكتابة هنا عبارة عن حفظه عليهم، ويراد به لازمه وهو العقوبة عليه، والتوعد بحفظ الذنب وكتابته وإرادة العقوبة عليه شائع مستعمل حتى اليوم فلا يحتاج إلى دقة نظر، ولفظ الكتابة أكد من لفظ الحفظ لما فيه من معنى الاستتباب وأمن النسيان، وإنما ضم قتل الانبياء - وهو أفظع جرائم هذا الشعب - إلى الجريمة التي سيق الوعيد لأجلها لبيان أن مثل هذا الكفر والتهور ليس بدعًا من أمرهم فإنه سبق لهم أن قتلوا الهداة المرشدين بعد ما جاءوهم بالبينات فهم يجرون في هذا على عرق وليس هو بأول كبائرهم، وللإيذان بأن الجريمتين سيان في العظم واستحقاق العقاب.

وأما إضافة القتل إلى الحاضرين فقد تقدمت حكمته في سورة البقرة، ويشير إليه قول المفسرين: إنهم يعدون قتلة لرضاهم بما فعله سلفهم، وهذا تحويم حول المعنى الذي اوضحناه هناك وهو أن الأمم متكافلة في الأمور العامة، إذ يجب على الأمة الإنكار على فاعل المنكر من أفرادها وتغييره، أو النهي عنه لئلا يفشو فيها فيصير خلقًا من أخلاقها، أو عادة من عاداتها فتستحق عقوبته في الدنيا كالضعف والفقر وفقد الاستقلال، كما تستحق عقوبته في الآخرة بما دنس نفوسها، ولذلك لعن الله تعالى الذين كفروا من بني إسرائيل بما عصوا وكانوا يعتدون وبيّن سبب ذلك بقوله: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ  ﴾ .

ذلك بأن من أقر فاعل المنكر فلم ينهه ولم يسخط عليه تكون نفسه مشاكلة لنفسه تأنس بما تأنس به، ثم لا يلبث أن يفعل المنكر ولو بعد حين ما لم يكن عاجزًا عن ذلك بسبب من الأسباب الحسية كضعف الجسم أو قلة المال، أي أن مثل هذا لا يترك المنكر لأنه رزيلة تدنس نفس فاعلها، فيكون بعيدًا عن الخير غير مستحق لرضوان الله  .

وثم وجه آخر يجعل إسناد المنكر إلى مقره والراضي به إسنادًا قريبًا من الحقيقة وهو أن عدم النهي عن المنكر هو السبب في انتشاره وشيوعه لأن الميالين إلى المنكر لو علموا أن الناس يمقتونهم ويؤاخذونهم عليه لما فعلوه إلا ما يكون من الخلس الخفية، ولذلك كان الساكت على المنكر شريك الفاعل في الإثم.

كل هذا ظاهر فيمن يفعل المنكر في زمنه ولا ينكره، وأما من يقع المنكر من قومهم قبل زمنهم، كاليهود الذين نزلت هذه الآية وأمثالها فيهم كقوله: ﴿ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ  ﴾ فهم يتفقون مع من سبقهم في علة الجريمة ومبعثها من النفس وهو عدم المبالاة بالدين، وقد كان هذا الخلف متفقين مع من سبقهم في الأخلاق والسجايا، وينتسبون إليهم انتساب حسب وتشرف أي فهم جديرون بأن يكونوا على شاكلتهم.

إن الله تعالى نبهنا بهذا الضرب من التعبير إلى أن المتأخر إذا لم ينظر إلى عمل المتقدم بعين البصيرة ويطبقه على الشريعة فيستحسن منه ما استحسنت ويستقبح ما استهجنت، ويسجل على المسيء من سلفه إساءته وينفر منها، فإنه يعد عند الله تعالى مثله وشريكًا له في إثمه ومستحقًا لمثل عقوبته، فعليكم باتخذ الوسائل لإزالة المنكرات الفاشية ولا بد في ذلك من بذل الجهد، وإعمال الروية والفكر، وما علينا الآن في مثل هذه البلاد إلا الحيلة في بذل النصح والإرشاد، بأي ضرب من ضروبه، وكل أسلوب من أساليبه.

﴿ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ  ﴾ وقرأ حمزة "ويقول" الذوق عبارة عن الشعور بالألم أو ضده فمعنى ذوقوا تألموا، أما كيفية القول فلا نبحث فيها وإنما نعلم أن الله تعالى يوصل هذا المعنى إليهم.

﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ  ﴾ : يعني أن هذه العقوبة عدل منه سبحانه، وأشار بصيغة المبالغة (ظلام) إلى أن مثل هذه التسوية لا تصدر إلا ممن كان كثير الظلم مبالغًا فيه.

﴿ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ  ﴾ أي أولئك هو الذين قالوا في الاعتذار عن عدم الإيمان بمحمد  : إن الله عهد إلينا في كتابه التوراة أن لا نؤمن لرسول يدعى أنه مرسل من الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار.

قال المفسرون إنهم أرادوا شيئًا كان شائعًا عندهم وهو أن يذبح القربان من النعم أو غيرها، فيوضع في مكان معين فتأتي نار بيضاء من السماء لها دوي فتأخذه أو تحرقه.

وروي ابن جرير عن ابن عباس أن الرجل منهم كان يتصدق بالصدقة فإذا تقبل منه نزلت عليه نار من السماء فأكلته، أي أكلت ما تصدق به.

ويجوز، وهو الأظهر، أن يكون معنى ﴿ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ  ﴾ أن يفرض علينا تقريب قربان يحرق بالنار فقد كان من أحكام الشريعة عندهم أن يحرقوا بعض القربان وقد أمر الله تعالى نبيه أن يرد عليهم فقال: ﴿ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ في زعمكم أنكم لا تؤمنون بي لأني لم آمر بإحراق القرابين، أي إنكم لم ترضوا بعصيان أولئك الرسل فقط بل قسوتم عليهم وقتلتموهم، ولا ريب أن هذا لم يقع منكم إلا لأنكم شعب غليظ الرقبة وأنكم قساة غلف القلوب لا تفقهون الحق ولا تذعنون له، وهذا مبني على ما قلناه من اعتبار الأمة باتفاق أخلاقها وصفاتها وعاداتها العامة كالشخص الواحد، وكان هذا المعنى معروفًا عند العرب فإنهم يلصقون جريمة الشخص بقبيلته ويؤاخذونها به ولو بعد موته، ويدلنا هذا على أن الجنايات والجرائم مرتبطة في حكم الله تعالى بمناشئها ومنابعها، فمن لم يرتكب الجريمة لأن آلاتها وأسبابها غير حاضرة لديه لا يكون بريئًا من الجريمة إذا كان منشأُها والباعث عليها مستقرًا في نفسه، وهذا المنشأ هو التهاون بأمر الشريعة وعدم المبالاة بأمر الحق والتحري فيه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله