تفسير سورة آل عمران الآيات ١٠٤-١٠٧ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٠٤-١٠٧

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌۭ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ١٠٤ وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ١٠٥ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌۭ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌۭ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ١٠٦ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ١٠٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 27 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

إن الله تعالى قد وضع لنا بفضله ورحمته قاعدة نرجع إليها عند تفرق الأهواء واختلاف الآراء وهي الاعتصام بحبله، ولذلك نهانا عن التفرق بعد الأمر بالاعتصام الذي قلنا في تفسيره إنه تمثيل لجميع أهوائهم وضبط إرادتهم.

ومن القواعد المسلمة أنه لا تقوم لقوم قائمة إلا إذا كان لهم جامعة تضمهم ووحدة تجمعهم وتربط بعضهم ببعض فيكونون بذلك أمة حية كأنها جسد واحد كما ورد في حديث: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" وحديث: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا".

فإذا كانت الجامعة الموحدة للأمة هي مصدر حياتها، سواء كانت مؤمنة أم كافرة، فلا شك أن المؤمنين أولى بالوحدة من غيرهم لأنهم يعتقدون أن لهم إلهًا واحدًا يرجعون في جميع شؤونهم إلى حكمه الذي يعلو جميع الأهواء ويحول دون التفرق والخلاف.

بل هذا هو ينبوع الحياة الاجتماعية لما دون الأمم من الجمعيات حتى البيوت.

ولما كان لكل جامعة وكل وحدة حفاظ يحفظها أرشدنا  إلى ما تحفظ به جامعتنا التي هي مناط وحدتنا -وأعني بها الاعتصام بحبله- فقال: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  ﴾ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفاظ الجامعة وسياج الوحدة.

وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى "منكم" هل معناه بعضكم أم "من" بيانية.

ذهب مفسرنا (الجلال) إلى الأول لأن ذلك فرض كفاية وسبقه إليه الكشاف وغيره وقال بعضهم بالثاني، قالوا والمعنى ولتكونوا أمة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.

والظاهر أن الكلام على حد "ليكن لي منك صديق" فالأمر عام، ويدل على العموم قوله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ  إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ  إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ  ﴾ فإن التواصي هو الأمر والنهي وقوله  : ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ  كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ  ﴾ وما قص الله علينا شيئًا من أخبار الأمم السالفة إلا لنعتبر به.

وقد أشار المفسر (الجلال) إلى الاعتراض الذي يرد على القول بالعموم وهو أنه يشترط فيمن يأمر وينهي أن يكون عالمًا بالمعروف الذي يأمر به والمنكر الذي ينهى عنه وفي الناس جاهلون لا يعرفون الأحكام.

ولكن هذا الكلام لا ينطبق على ما يجب أن يكون عليه المسلم من العلم، فإن المفروض الذي ينبغي أن يحمل عليه خطاب التنزيل هو أن المسلم لا يجهل ما يجب عليه، وهو مأمور بالعلم والتفريق بين المعروف والمنكر، على أن المعروف عند إطلاقه يراد به ما عرفته العقول والطباع السليمة والمنكر ضده وهو ما أنكرته العقول والطباع السليمة، ولا يلزم لمعرفة هذا قراءة "حاشية ابن عابدين على الدرر" ولا "فتح القدير" ولا "المبسوط" وإنما المرشد إليه، مع سلامة الفطرة، كتاب الله وسنة رسوله المنقولة بالتواتر والعمل وهو ما لا يسع أحد جهله ولا يكون المسلم مسلمًا إلا به.

فالذين منعوا عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جوزوا أن يكون المسلم جاهلًا لا يعرف الخير من الشر ولا يميز بين المعروف والمنكر وهو لا يجوز دينًا.

ثم إن هذه الدعوة إلى الخير والأمر والنهي لها مراتب: فالمرتبة الأولى هي دعوة هذه الأمة سائر الأمم إلى الخير وأن يشاركوهم فيما هم عليه من النور والهدى، وهو الذي يتجه به قول المفسر: إن المراد بالخير الإسلام، وقد فسرنا الإسلام من قبل بأنه دين الله على لسان جميع الأنبياء لجميع الأمم وهو الإخلاص لله تعالى والرجوع عن الهوى إلى حكمه وهذا مطلوب منا بحكم جعلنا أمة وسطًا وشهداء على الناس -كما تقدم في سورة البقرة- وخير أمة أخرجت للناس كما سيأتي بعد آيات مقيدًا بكوننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وبحكم قوله في وصف المؤمنين الذي أذن لهم بالقتال: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ  ﴾ فالواجب دعوة الناس إلى الإسلام أولًا فإن أجابوا وجب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

وأما كون هذا حفاظًا للوحدة ومانعًا من الفرقة فهو أن الأمة إذا اجتمعت على هذا المقصد العالي الشريف، وهو أن تكون مسيطرة على الأمم كلها ومربية لها ومهذبة لنفوسها، فلا شك أن جميع الأهواء الشخصية تتلاشى من بينهم، فإذا عرض الحسد والبغي لأحد من أفرادهم تذكروا وظيفتهم العالية الشريفة التي لا تتم إلا بالتعاون والاجتماع فأزالت الذكرى ما عرض، وشفت النفوس قبل تمكن المرض.

والمرتبة الثانية في الدعوة والأمر والنهي هي دعوة المسلمين بعضهم بعضًا إلى الخير وتآمرهم فيما بينهم بالمعروف وتناهيهم عن المنكر، والعموم فيها ظاهر أيضًا وله طريقان: أحدهما: الدعوة العامة الكلية -كهذا الدرس- ببيان طرق الخير وتطبيق ذلك على أحوال الناس وضرب الأمثال المؤثرة في النفوس التي يأخذ كل سامع منها بحسب حاله.

وإنما يقوم على هذا الطريق خواص الأمة العارفون بأسرار الأحكام وحكمة الدين وفقهه وهم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ  ﴾ ومن مزايا هؤلاء تطبيق أحكام الله تعالى على مصالح العباد في كل زمان ومكان فهم يأخذون من الأمر العام بالدعوة والأمر والنهي على مقدار علمهم.

والطريق الثاني: الدعوة الجزئية الخاصة وهي ما يكون بين الأفراد بعضهم مع بعض، ويستوي فيه العالم والجاهل وهو ما يكون بين المتعارفين من الدلالة على الخير والحث عليه عند عروضه والنهي عن الشر والتحذير منه، وكل من ذلك التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وكل واحد يأخذ من الفريضة العامة بقدره.

وقد يقال: كيف يكون التآمر والتناهي حافظًا للوحدة ونحن نرى الأمر بالعكس، نرى التناصح سبب التخاصم والتدابر حتى صار من أعسر الأمور بين الإخوان والأصحاب أن يقول أحدهما للآخر إنك فعلت كذا وهو منكر فارجع عنه أو إنك قادر على كذا من المعروف فأته.

وعن نفسي فلقد صار من الصعب جدًا، حتى مع من أعده صنيعة لي أو ولدًا أو أخًا، أن أنصحه في الأمر أكثر من مرة خشية أن ينفر ويحمله ذلك على قطع ما بيننا من الرابطة.

فكأن النصح لهم من الكليات التي لا يوجد لها إلا فرد واحد.

ولقد أصبحت -لهذا النفور من النصح- أسلك مع أصحابي والمتصلين بي مسلك الكناية والتعريض في الغالب.

غير أن هذا لا يعد حجة على الله ولا شبهة على دينه لأنه منتهى ما تصل إليه الأمم من الفساد والبعد عن الخير واستحقاق الغضب الإلهي، وتكاد الأمة التي يفشو هذا فيها تكون من الأمم التي تودِّع منها.

وإنما الكلام في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع المسلمين الذين كانوا يشعرون بنعمة الله عليهم بالتأليف بين قلوبهم وإنقاذهم من النار بعد أن كانوا قد أشفوا عليها ومع من يشاركونهم في شعورهم ذاك ويتبعون سنتهم في الاهتداء بما أنزل الله، كما وقع بين الأوس والخزرج في الرواية التي سبق ذكرها.

فأمثال هؤلاء هم الذين يصدق عليهم قوله  : "المؤمن مرآة المؤمن".

إن ما نحن فيه الآن من سوء الحال أثر تفريط كبير تمادى في زمن طويل بعد ما عظم التساهل في ترك التناصح وبطل رد ما يتنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله، أي إلى كتاب الله وسنة رسوله، وخوت القلوب من احترام الدين حتى لم يعد له سلطان على الإرادة، بل صار كل شخص أسير هواه، ومتى أمسى الناس هكذا -لا دين ولا مروءة ولا أدب- فأي فرق بين الطائفة منهم والقطيع من المعز أو البقر.

وإذا سأل سائل عن قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ  ﴾ ؟

فالجواب: أن هذا بعد القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي أن الإنسان لا يضره ضلال غيره إذا هو أمره ونهاه، فإنه لا يكون مهتديًا مع تركه لهذه الفريضة.

من العجب أن بعض الناس اشترطوا لهذه الفريضة شرطًا لم يأذن به الله ولم ينزله في كتابه وهو أنه لا يأمر ولا ينهى إلا من كان مؤتمرًا ومنتهيًا.

ويشترط بعضهم للوجوب شرطًا آخر وهو الأمن على النفس، وكان ينبغي أن يقولوا على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة حتى لا ينفر الناس أو لا يحملهم على إيذائه فإن الله يقول إنه لا نجاة للناس إلا بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر ولم يشترط في ذلك شرطًا.

إن الله تعالى أمر الناس بالتواصي بالحق والدعوة إلى الخير وأمرهم أن يعدوا لذلك عدته ويعرفوا سبلهن وهي مبسوطة في السنة، كقصة ذلك الرجل الذي كان ينادي في الطريق أريد أن أزني: فجاء النبي  وضرب على كتفه وقال: "أتفعل هذا بأمك؟" قال: لا، قال: "أتفعله بأختك؟" قال: لا، وخجل الرجل وانصرف.

وكقصة الأعرابي الذي عاهد الرسول على ترك الكذب.

فهذه هي الحكمة وبها تجب القدوة ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ  ﴾ وإنا لن نكون متبعين له حتى نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر على سنته وطريقته.

هنا يخلطون بين النهي عن المنكر وتغيير المنكر الذي جاء في حديث: "من رأى منكم منكرًا فليغيره".

وهذا شيء آخر غير النهي البتة، فإن النهي عن الشيء إنما يكون قبل فعله وإلا كان رفعًا للواقع أو تحصيلًا للحاصل، فإذا رأيت شخصًا يغش السمن مثلًا وجب عليك تغيير ذلك ومنعه منه بالفعل إن استطعت، فالقدرة والاستطاعة هنا مشروطة بالنص، فإن لم تقدر على ذلك وجب عليك التغيير باللسان، وهو غير خاص بنهي الغاش ووعظه بل يدخل فيه رفع أمره إلى الحاكم الذي يمنعه بقدرة فوق قدرتك.

أما التغيير بالقلب فهو عبارة عن مقت الفاعل وعدم الرضى بفعله.

وللنهي طرق كثيرة وأساليب متعددة ولكل مقام مقال.

نعم إن دعوة الأمة غيرها من الأمم إلى الخير الذي هي عليه لا يطالب بها كل فرد بالفعل، إذ لا يستطيع كل فرد ذلك، وإنما يجب على كل فرد أن يجعل ذلك نصب عينيه حتى إذا عنَّ له بأن لقي أحدًا من أفراد تلك الأمم دعاه، لا أنه ينقطع لذلك ويسافر لأجله، وإنما يقوم بهذا طائفة يعدون له عدته، وسائر الأفراد يقومون به عند الاستطاعة فهو يشبه فريضة الحج، هي فرض عين ولكن على المستطيع.

وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آكد من فريضة الحج، ولم يشترط فيها الاستطاعة لأنها مستطاعة دائمًا.

فإذا قال قائل إن من الناس من لا يستطيع ذلك قطعًا.

فقوله مردود..

والدليل، مثلًا، طائفة الشيعة، فإنهم لما كانت الدعوة ملتزمة عندهم صاروا كلهم دعاة عندما يعن لهم من يدعونه.

ولما كنت في بيروت احتجت إلى ظئر لإرضاع ابنة لي، فجيء بظئر شيعية من "المتاولة"، فكانت في الدار تدعو النساء إلى مذهبها.

وإن رعاة الإبل من الصحابة والتابعين كانوا يدعون كل أحد إلى الإسلام حتى الملوك والأمراء.

فهذا يدل على أن الأمة إذا أرادت الدعوة لا يقف في سبيلها شيء.

وإن الجهل ليس بعذر للمسلم لأنه يجب أن يكون عالمًا.

جملة القول أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض حتم على كل مسلم كما تدل الآية في ظاهرها المتبادر وغيرها من الآيات كقوله تعالى: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ  ﴾ وكذلك عمل الرسول  وأصحابه  .

وكون هذا حفاظًا للأمة وحرزًا ظاهرًا، فإن الناس إذا تركوا دعوة الخير وسكت بعضهم لبعض على ارتكاب المنكرات خرجوا عن معنى الأمة وكانوا أفذاذًا متفرقين لا جامعة لهم ولهذا ضرب الرسول  للمداهن مثل راكب في سفينة يطوف على جماعة معه بماء وكل ينفر مما معه فقال لهم إني في حاجة إليه وذهب ينقر في السفينة فإن أخذوا على يده نجوا ونجا معهم وإلا هلك وهلكوا جميعًا.

ففشوا المنكرات مهلكة للأمة ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً  ﴾ فلا بد للمرء في حفظ نفسه ومن معه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا سيما أمهات المنكرات المفسدة للاجتماع كالكذب والخيانة والحسد والغش.

فهذا ليس من فروض الكفاية التي يتواكل فيها الناس كصلاة الجنازة، إذ لا تجب على كل من علم أن هنا ميتًا أن ينتظر غسله ليصلي عليه بل يكفي أن يعلم أنه يوجد من يصلي عليه، ولكنه إذا رأى منكرًا وجب عليه أن ينهي عنه ولا ينتظره غيره لأنه تغيير على رأيه.

بقي علينا بيان معنى الآية على القول بأن "من" للتبعيض وتقدير الكلام ولتكن منكم طائفة متميزة تقوم بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والمخاطب بهذا جماعة المؤمنين كافة فهم المكلفون أن ينتخبوا منهم أمة تقوم بهذه الفريضة فههنا فريضتان، إحداهما: على جميع المسلمين والثانية: على الأمة التي يختارونها للدعوة.

ولا يفهم معنى هذا حق الفهم إلا بفهم معنى لفظ الأمة وليس معناه الجماعة كما قيل وإلا لما اختير هذا اللفظ.

والصواب أن الأمة أخص من الجماعة فهي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم ووحدة يكونون بها كالأعضاء في بنية الشخص، والمراد بكون المؤمنين كافة مخاطبين بتكوين هذه الأمة لهذا العمل هو أن يكون لكل فرد منهم إرادة وعمل في إيجادها وإسعادها ومراقبة سيرها بحسب الاستطاعة حتى إذا رأوا منها خطأ أو انحرافًا أرجعوها إلى الصواب.

وقد كان المسلمون في الصدر الأول، لا سيما زمن أبي بكر وعمر على هذا النهج من المراقبة للقائمين بالأعمال العامة حتى كان الصعلوك من رعاة الإبل يأمر مثل عمر بن الخطاب -وهو أمير المؤمنين- وينهاه فيما يرى أنه الصواب، ولا بدع فالخلفاء على نزاهتهم وفضلهم ليسوا بمعصومين، وقد صرح عمر بخطئه ورجع عن رأيه غير مرة.

ومن العبر في هذا المقام تنفيذ بلال الحبشي العتيق لأمر عمر بمحاسبة خالد بن الوليد سيد بني مخزوم بعد تبليغه عزله من قيادة الجيش بالشام، ومجمل القصة: أن عمر كتب عندما ولي الخلافة إلى أبي عبيدة وهو في جيش خالد على الشام يوليه إمارة الجيش العامة ويعزل خالدًا عنها، وكان الجيش على حصار دمشق أو في اليرموك -(روايتان)- فكتم أبو عبيدة الأمر وكبر عليه أن يظهره قبل أن يتم لهم النصر، ولما أبطأ على عمر الجواب كتب إلى عبيدة ثانية يأمره فيه بأن يقرأه على ملأ المسلمين، وفيه الإذن بأن يعتقل خالد بعمامته ويحاسب على ما كان منه في إمارته، فهابه أبو عبيدة لشرفه وشجاعته وبلائه في الحرب وحب الجيش له، ولكنه لما قرأ الكتاب قام بلال الحبشي من فقراء الموالي، وحلّ عمامة خالد واعتقله بها، وسأله عما أمر به عمر فخضع وأجاب.

فانظروا ما فعل هدى الإسلام بهؤلاء الكرام، يقوم مولى من الفقراء الضعفاء إلى السيد القرشي العظيم والقائد الكبير فيعقله بعمامته على أعين الملأ الذين كان أميرهم وقائدهم ويحاسبه فيجيبه عن كل ما سأله.

وروى أنه بعد أن أطاع وأجاب داعي الخليفة أعاد إليه بلال قلنسوته وعممه بيده قائلًا: نسمع ونطيع ونفخم موالينا.

وروي أيضًا أن عمر استحضر خالدًا إلى المدينة واعتذر له بعد العتاب بأنه لم يعزله ويأمر فيه بما أمر لريبة وإنما رأى أن الناس افتتنوا به وخاف عليه أن يفتتن بهم وقيل إنه قال له: خفت أن يعبدك أهل الشام.

إذا كان كل فرد من أفراد المسلمين مكلفًا الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمقتضى الوجه الأول في تفسير الآية، فهم مكلفون بمقتضى هذا الوجه الثاني أن يختاروا أمة منهم تقوم بهذا العمل لأجل أن تتقنه وتقدر على تنفيذه، إن لم يوجد ذلك بطبعه كما كان في زمن الصحابة، فإقامة هذه الأمة الخاصة فرض عين يجب على كل مكلف أن يشترك فيه مع الآخرين، ولا مشقة في هذا علينا، فإنه يتيسر لأهل كل قرية أن يجتمعوا ويختاروا واحدًا منهم أو أكثر.

أن يختاروا جماعة يصح أن يطلق عليهم لفظ الأمة ويعملوا ما تعمله بالاتحاد والقوة ليتولوا إقامة هذه الفريضة فيها كما يجب ذلك في كل مجتمع إسلامي سواء كان في الحواضر أو البوادي.

فإن معنى الأمة يدخل فيه معنى الارتباط والوحدة التي تجعل أفرادها على اختلاف وظائفهم وأعمالهم، حتى في إقامة هذه الفريضة عند تشعب الأعمال فيها، كأنهم شخص واحد.

وهذه الأمة يدخل في عملها الأمور العامة التي هي من شأن الحكام وأمور العلم وطرق إفادته ونشره وتقرير الأحكام وأمور العامة الشخصية، ويشترط فيها العلم بذلك، ولذلك جعلت أمة وفي معنى الأمة القوة والاتحاد، وهذه الأمة لا تتم إلا بالقوة والاتحاد، فالأمة المتحدة لا تقهر ولا تغلب من الأفراد ولا تعتذر بالضعف يومًا ما فتترك ما عهد إليها وهو ما لو ترك لتسرب الفساد إلى مجموع المسلمين.

وقد كان المسلمون في زمن الصدر الأول، لا سيما على عهد الخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، على هذه الطريقة فقد كانت خاصة الصحابة الذين عاشروا النبي  وتلقوا عنه متواصلين متكاتفين يشعر كل منهم بما يشعر به الآخر من الحاجة على نشر الإسلام وحفظه ومقاومة كل ما يمس شيئًا من عقائده وآدابه وأحكامه ومصالح أهله وكان سائر المسلمين تبعًا لهم.

ولا نتكلم هنا فيما طرأ على الإسلام فأزال تلك الوحدة ولكننا نذكر ما يجب أن تكون عليه الأمة الداعية على الخير الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر، أي القائمة بالواجبات التي هي قوام الوحدة وحفاظها، فإن أعمالها لا تتم إلا بأمور كثيرة، منها: العلم التام بما يدعون إليه: عن أول ما يجب على هؤلاء الدعاة العلم بالقرآن والعلم بالسنة وسيرة النبي  والخلفاء الراشدين  وسلف الأمة الصالح وبالقدر الكافي من الأحكام.

فهذا شيء من البيان وهو في نفسه يحتاج إلى بيان وتفصيل أهمه: أن العلم بالقرآن إنما ينظر فيه قبل كل شيء إلى كونه هدى وعبرة وموعظة على نحو تفسيرنا هذا وكذلك السنة وما صح من أقوال الرسول وسيرته وينظر في هذا أيضًا إلى الفرق بين ما تواتر عملًا وما صح سندًا وما ليس كذلك.

العلم بحال من توجه إليهم الدعوة: في شئونهم واستعدادهم وطبائع بلادهم وأخلاقهم، أو ما يعبر عنه في عرف العصر بحالهم الاجتماعية، وقد روي أن من أسباب ارتضاء الصحابة بخلافة أبي بكر كونه أنسب العرب، وليس معنى كونه أعلم بالأنساب أنه كان عنده كتاب "بحر الأنساب" يراجع فيه وإنما معناه أنه كان أعلمهم بأحوال قبائل العرب وبطونها وتاريخ كل قبيلة وسابق أيامها وأخلاقها، كالشجاعة والجبن والأمانة والخيانة ومكانها من الضعف والقوة والغنى والفقر وما كان إقدامه -مع لينه وسهولة خلقه التي يعرفها له كل أحد حتى الإفرنج- على حرب أهل الردة إلا لهذا العلم الذي كان به على بصيرة، فلم يهب ولم يخف، وقد خاف عمر وأحجم على شدته المعروفة على الكافرين والمنافقين.

حتى قال أبو بكر: والله لو منعوني عقالًا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله  لقاتلتهم عليه.

فهذه قوة العلم، لا قوة الجهل.

مناشئ علم التاريخ العام: ليعرفوا الفساد في العقائد والأخلاق والعادات فيبنون الدعوة على أصل صحيح ويعرفون كيف تنهض الحجة ويبلغ الكلام غايته من التأثير وكيف يمكن نقل هؤلاء المدعوين من حال إلى حال.

ولهذا كان القرآن مملوءًا بعبر التاريخ.

علم تقويم البلدان: ليعد الدعاة لكل بلاد منها عدتها إذا أرادوا السفر إليها، وقد كان الصحابة  أعلم أهل زمانهم بالتاريخ وما يسمى الآن بتقويم البلدان وبالجغرافية ولذلك أقدموا على الفتوح ومحاربة الأمم فانتصروا عليهم بالعلم لا بالجهل، فلو كانوا يجهلون مسالك بلادهم وطرقها ومواقع المياه وما يصلح موقعًا للقتال فيها لهلكوا وكان الجهل أول أسباب هلاكهم.

ومن قرأ ما حفظ من خطبهم وكتبهم التي كانوا يتراسلون بها ومحاوراتهم في تدبير الأعمال يظهر له ذلك بأجلى بيان.

ومن الناس من ينفر من التاريخ وتقويم البلدان، الذي هو فرع من فروعه، وما أضر هؤلاء إلا بأنفسهم وأمتهم!!

فقد قطعوا الصلة بينهم وبين القدوة الصالحة من سلفهم حتى صار أكثر المسلمين لا يعرفون مبدأ الإسلام ولا كيفية نشأته ولا كيف انتسبوا إليه، فالتاريخ يعرف الإنسان بنفسه من حيث هو متدين إن كان له دين أو من حيث هو إنسان إن كان من بني الإنسان، وما أضر بالفقه شيء كالجهل بالتاريخ لأننا لو حفظنا تاريخ الناس، ومنه عاداتهم وعرفهم ومصالحهم في البلاد التي كان فيها المجتهدون الواضعون لهذا الفقه، لكنا نعرف من أسباب خلافهم ومدارك أقوالهم ما لا نعرفه اليوم، فما كان ذلك الخلاف جزافًا ولا عبثًا.

ألم تر أن الشافعي وضع بعد مجيئه إلى مصر مذهبًا جديدًا غير المذهب القديم الذي كان عليه أيام لم يكن خبيرًا بغير الحجاز والعراق؟

وكذلك كان من خالف به أبو يوسف أستاذه أبا خليفة مما يرجع الكثير منه إلى ما اختبره من حال الناس في مصالحهم ومنافعهم وعرفهم.

فبالله كيف ينتسب امرؤ إلى إمام ويشتغل بعلم مذهبه وهو لا يعرف تاريخه وتاريخ عصره!!

وجملة القول أن الجاهل بالتاريخ لا يصلح أن يكون فردًا من الأمة الداعية إلى الإسلام الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر في الأمور العامة على الوجه الذي يرجى قبوله.

علم النفس: وهو يساوي علم التاريخ في المكانة والفائدة، أي العلم الباحث عن قوى النفس وتصرفها في علومها وتـأثير علومها في أعمالها الإدارية.

مثالب ذلك أن الأصل أن يكون العمل تابعًا للعلم، ولكن كثيرًا من الناس يعتقدون أن عمل كذا ضار ويأتونه وعمل كذا نافع ويتركونه.

فما هو السبب في ذلك، وهل يحسن دعوة هؤلاء إلى الخير وإقناعهم بترك الشر من لا يعرف لماذا تركوا الخير واقترفوا الشر؟

فهذه المعرفة هي من علم النفس الذي يؤخذ منه أن من العلم ما يكون صفة للنفس حاكمة على إرادتها مصرفة لها في أعمالها ومنه ما هو صورة تعرض للذهن لا أثر لها في الإرادة فلا تبعث على العمل وإنما يكون مظهره القول أحيانًا.

ولا تظنوا أن الصحابة لم يكن عندهم شيء من هذا العلم إذ لم يكونوا يدرسونه في الكتب ويتلقونه عن المعلمين فإنكم إذا قرأتم التاريخ وعرفتم كيف كانوا يتجالدون في الحرب، ويجادلون في مواقع الخطب، بمجرد الفطرة التي بعدنا عنها أمكنكم أن تعرفوا مكانهم منه، نعم إن الإنسان في كل زمن يحتاج إلى نوع من طرق التعليم غير ما كان في الزمن الذي قبله، فالحقيقة الواحدة قد تختلف طرق العلم بها باختلاف الزمان والمكان والأحوال.

علم الأخلاق: وهو العلم الذي يبحث في الفضائل وكيفية تربية المرء عليها، وعن الرذائل وطرق توقيه منها، وهو ضروري، وما ورد فيه من الآيات والأحاديث وآثار الصحابة والتابعين يغني بشهرته واستفاضته عن إطالة الكلام فيه.

علم السياسة: وليس المراد بالسياسة الشرعية التي كتب فيها ابن تيمية وغيره.

فهذه على ضرورتها داخلة في علم الكتاب والسنة والأحكام.

وإنما المراد العلم بحال دول العصر، وعلاقتها وطرق سعيها..

والسياسة بهذا المعنى لم تكن في عصر الصحابة.

العلم بالفنون والعلوم: المتداولة في الأمم التي توجه إليها الدعوة ولو بقدر ما يفهم به الدعاة ما يورد على الدين من شبهات تلك العلوم والجواب عنها بما يليق بمعارف المخاطبين بالدعوة.

معرفة الملل والنحل: ومذاهب الأمم فيها ليتيسر للدعاة بيان ما فيها من الباطل، فإن من لم يتبين له بطلان ما هو عليه، لا يلتفت إلى الحق الذي عليه غيره وإن دعاه إليه.

العلم بلغات الأمم التي تراد دعوتها: ومن أعمال هذه الأمة الأخذ على أيدي الظالمين، فإن الظلم أقبح المنكر، والظالم لا يكون إلا قويًا، ولذلك اشترط في الناهين عن المنكر أن يكونوا أمة لأن الأمة لا تخاف ولا تغلب، فهي التي تقوّم عوج الحكومة والمعروف أن الحكومة الإسلامية مبنية على أصل الشورى وهذا صحيح، والآية أدل دليل عليه ودلالتها أقوى من قوله تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ  ﴾ لأن هذا وصف خبري لحال طائفة مخصوصة أكثر ما يدل عليه أن هذا الشيء ممدوح في نفسه محمود عند الله.

وأقوى دلالة قوله: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ  ﴾ فإن أمر الرئيس بالمشاورة يقتضي وجوبه عليه.

ولكن إذا لم يكن هناك ضامن يضمن امتثاله للأمر فماذا يكون إذا هو تركه؟

وأما هذه الآية فإنها تفرض أن يكون في الناس جماعة متحدون أقوياء يتولون الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو عام في الحكام والمحكومين، ولا معروف أعرف من العدل ولا منكر أنكر من الظلم، وقد ورد في الحديث: "لا بد أن يأطروهم على الحق أطرًا".

ومما يناط بهذه الأمة وهو أصل كل معروف النظر في تعليم الجاهلين، فإذا علمت أن في مكان ما طائفة من المسلمين جاهلين بما يجب اتخذت الوسائل لتعليمهم.

ومن هنا يعلم فساد ما يقوله كثير من الفقهاء من أنه لا يجب عليهم أن يتصدوا لتعليم الناس ما لم يسعوا إليهم ويسألوهم.

ولا يجهل أحد أن رسول الله  قد تصدى لتعليم الناس ولم يقعد في بيته منتظرًا سؤال الناس ليفيدهم وكذلك فعل الصحابة عليهم الرضوان اهتداء بهديه.

ثم إن كون القائمين بالأمر والنهي أمة يستلزم أن يكون لها رياسة تدبرها، لأن أمر الجماعة بغير رياسة يكون مختلًا معتلًا، فكل كون لا رياسة فيه فاسد، فالرأس هو مركز تدبير البلدان وتصريف الأعضاء في أعمالها، ،وكذلك يكون رئيس هذه الأمة مصدر النظام وتوزيع الأعمال على العاملين، فمنهم من يوجهون إلى دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، ومنهم من يوجهونهم إلى إرشاد المسلمين في بلادهم، ومقام الرياسة يختار بالمشاورة لكل عمل ولكل بلاد من يكونون أكفاء للقيام بالواجب فيها لتكون أعمالهم مؤدية إلى مقصد الأمة العام، فإن من معنى الأمة أن يكون للأفراد الذين تتكون منهم وحدة في القصد من أعمالهم وسيرهم فإذا اختلفت المقاصد فسد العمل باختلاف الآراء وتنكيث القوى، ولذلك جاء بعد هذه الآية النهي عن التفرق والاختلاف.

ثم إن كون الأمة الخاصة منتخبة من الأمة العامة يقتضي أن تكون للعامة رقابة وسيطرة على الخاصة تحاسبها على تفريطها ولا تعيد انتخاب من يقصر في عمله لمثله.

فالأمة الصغرى المنتخبة (بفتح الخاء) تكون مسيطرة على أفراد الأمة الكبرى المنتخبة (بكسر الخاء) وهذه تكون مسيطرة على الأمة الصغرة وبهذا يكون المسلمون في تكافل وتضامن.

بعد أن أمر  بأن تكون منا أمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وبيّن أن أولئك هم المفلحون دون سواهم لأنهم هم الذين يقيمون الدين ويحفظون سياجه وبهم تتحقق الوحدة المقصودة منه -نهانا عن التفرق والاختلاف الذي يذهب بتلك الوحدة ويتعذر معه القيام بتلك الدعوة الصالحة فقال عز من قائل ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ  ﴾ .

إن هذه الآية كالدليل على أنه يجب أن تكون وجهة الأمة الداعية الآمرة الناهية واحدة، لأن الذين سبقوهم ما أفلحوا لعدم وحدتهم، كأنه يقول لا يمكن أن تتكون فيكم أمة للدعوة والأمر والنهي إلا إذا اجتمعت على مقصد واحد فالترتيب في الآيات طبيعي إذ من البديهي أن المتفقين في المقصد لا يختلفون اختلافًا ضارًا ينافيه وإنما يقع الاختلاف بعد التفرق في المقاصد والتباين في الأهواء بذهاب كل إلى تأييد مقصده وإرضاء هواه فيه.

والاختلاف في الرأي لأجل تأييد المقصد المتفق عليه لا يضر بل ينفع وهو طبيعي لا مندوحة عنه.

قال تعالى في المتفرقين المختلفين بعد مجيء البينات ﴿ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ .

أما عذاب الدنيا فهو أن المتفرقين المختلفين الذين اتبعوا أهواءهم، وحكموا في دينهم آراءهم، يكون بأسهم بينهم شديدًا فيشقى بعضهم ببعض ثم يبتلون بالأمم الطامعة في الضعفاء فتذيقهم الخزي والنكال، وتسلبهم عزة الاستقلال، وأما عذاب الآخرة فقد بيّن الله في كتابه أنه أشد من عذاب الدنيا وأبقى.

هل قام المسلمون بذلك الأمر: "ولتكن منكم أمة"؟

وانتهوا من هذا النهي: "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا"؟!!

أما المتفقون جمعوا عزائمهم وإرادتهم على العلم بما فيه مصلحة أمتهم وملتهم واعتصموا واتفقوا على الأعمال النافعة التي فيها عزتهم وشرفهم وأصبح كل واحد منهم عونًا للآخر ووليًا له فأولئك تبيض وجوههم -أي تنبسط وتتلألأ بهجة وسرورًا- عند ظهور أثر الاتفاق والاعتصام ونتائجهما، وهي السلطة والعزة والشرف وارتفاع المكانة وسعة السلطان.

وهذا الأثر ظاهر في الأمم المتفقة المتحدة التي يتألم مجموعها إذا أهين واحد منها في قطر من أقطار الأرض بعيد أو قريب، وتجيش جميعها مطالبة بنصره والانتقام له لأنه ظلم وأُهين ولا يصح عندها أن يكون منها ثم يظلم أو يهان وتكون هي راضية ناعمة البال.

أولئك الأقوام ترى على وجوههم لألاء العزة وتألق البشر بالشرف والرفعة وهو ما يعبر عنه ببياض الوجه: وأما المختلفون لافتراقهم في المقاصد، وتباينهم في المذاهب والمشارب، الذين لا يتناصرون ولا يتعاضدون ولا يهتم أفرادهم بالمصلحة العامة التي فيها شرف الملة وعزة الأمة فهم الذين تسود وجوههم بالذلة والكآبة يوم تظهر عاقبة تفرقهم واختلافهم بقهر الأجنبي لهم ونزعه السلطة من أيديهم.

والتاريخ شاهد على صدق هذا الجزاء في الماضين، والمشاهدة أصدق وأقوى حجة في الحاضرين.

(فأما اذين اسودت وجوههم) فيقال لهم: ﴿ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ  ﴾ يقال لهم هذا القول في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فلا بد أن يوجد في الناس من يقول للأمة التي وقع لها ذلك مثل هذا القول تغليظًا عليها لأن عملها لا يصدر إلا من الكافرين، وأما في الآخرة فيوبخهم الله بمثل هذا السؤال.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده