تفسير سورة آل عمران الآيات ١٩٦-٢٠٠ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٩٦-٢٠٠

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ ١٩٦ مَتَـٰعٌۭ قَلِيلٌۭ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ١٩٧ لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّـٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لِّلْأَبْرَارِ ١٩٨ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ١٩٩ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٢٠٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 4 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

كان الكلام في أولي الألباب المؤمنين وقد علمنا أن الله تعال يستجيب لهم بالأعمال، فالعبرة بالعمل ومنه المهاجرة وتحمل الإيذاء في سبيل الله، وبذل النفس في القتال حتى يقتلوا وبذلك يستحقون ثواب الله تعالى.

ثم ذكر حال الكافرين للمقابلة وربط الكلام بما قبله بالنهي عن الاغترار بما هم فيه من نعيم وتمتع، كأنه يقول على المؤمن أن يجعل مرمى طرفه ذلك الثواب الذي وعدته فهو النعيم الحقيقي الباقي وهذا الذي فيه الكافرون متاع قليل فلا تطلبوه ولا تحفلوا به، يسهل بهذا على المسلمين ما كلفوه من تحمل الإيذاء والعناء في إقامة الحق.

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا  ﴾ ، إنه بعد أن بيّن حال المؤمنين وما أعد لهم من الثواب، وذكر حال الكافرين وما أعد لهم من العقاب، ذكر فريقًا من أهل الكتاب يهتدون بهذا القرآن، وكانوا مهتدين من قبله بما عندهم من هدي الانبياء، وذكر من وصفهم الخشوع لله، وما كل من يدعي الإيمان بالكتاب خاشع لله، وهذا الخشوع هور روح الدين وهو السائق لهم إلى الإيمان بالنبي الجديد وهو الذي حال بينهم وبين أن يشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، وهذا الثمن يعم المال والجاه فإن منه التمتع بما كانوا فيه من ذلك، وإن صعب على الإنسان أن يترك ما ألفه، وخص هؤلاء بالذكر على كونهم من المؤمنين الذين وعدوا بما تقدم ذكره في مقابلة الكافرين لأجل القدوة بهم في صبرهم على الحق في الدين السابق والدين اللاحق.

وذكر إيمانهم بصيغة التأكيد لأن أهل الكتاب كانوا بغرورهم بكتابهم وتوهمهم الاستغناء بما عندهم عن غيره كانوا أبعد الناس عن الإيمان، وكان من الغرابة بعد ذلك العناد ومكابرة النبي  وحسده على النبوة والتشدد في إيذائه أن يؤمن بعضهم إيمانًا صحيحًا كاملًا، ولهذا كان المؤمنون منهم قليلين وكانوا من خيارهم علمًا وفضلًا وبصيرة.

وإننا نرى علماءنا الأذكياء في هذا العصر قلما يرجعون عن عقيدة أو رأي في الدين جروا عليه وتلقوه عن مشايخهم، وقرأوه في كتبهم، وإن كان باطلًا وخطأ ظاهرًا.

وفي هذه الآية تأييد لكون حال المؤمنين على ما كانوا عليه من ضيق خيرًا من حال الكافرين على ما كانوا عليه من سعة، كأنه يقول انظروا إلى حال الأخيار من أهل الكتاب كيف لا يحفلون بذلك المتاع الدنيوي بل يؤثرون عليه ما عند الله تعالى، فهذا من باب المثل والأسوة للمسلمين.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ أي اصبروا على ما يلحقكم من الأذى، وصابروا الأعداء الذين يقاومونكم ليغلبوكم على أمركم ويخذلون الحق الذي في أيديكم، واربطوا الخيل كما يربطونها استعدادًا للجهاد.

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ يكثر الله تعالى من هذه الوصية ومع ذلك نرى الناس قد انصرفوا عنها بتة، حتى صار التقي عند الناس هو الأهبل الذي لا يعقل مصلحته ولا مصلحة الناس، ولا شيء أشأم على التقوى من فهمها بهذا المعنى.

التقوى أن تقي نفسك من الله أي من غضبه وسخطه وعقوبته، ولا يمكن هذا إلا بعد معرفته ومعرفة ما يرضيه وما يسخطه، ولا يعرف هذا إلا من فهم كتاب الله تعالى وعرف سنة نبيه  وسيرة سلف الأمة الصالح مطالبًا نفسه بالاهتداء بذلك كله، فمن صبر وصابر ورابط لأجل حماية الحق وأهله، ونشر دعوته واتقى ربه في سائر شؤونه فقد أعد نفسه بذلك للفلاح والفوز بالسعادة عند الله تعالى.

- ٤ -

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده