الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ٨١-٨٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةهذا رجوع إلى أصل الموضوع الذي افتتحت السورة بتقريره وهو التنزيل وكون الدين عند الله واحدًا وهو ما كان عليه إبراهيم وسائر النبيين وكون الله تعالى مختارًا فيما يختص به بعض خلقه من مزية أو نبوة.
وقد سيقت تلك المسائل لإثبات نبوة محمد وإزالة شبهات من أنكر من أهل الكتاب بعثة نبي من العرب واستتبع ذلك محاجتهم وبيان خطئهم في ذلك وفي غيره من أمر دينهم.
وهذه المسألة التي تقررها هذه الآية من الحجج الموجهة إليهم لدحض مزاعمهم وهي أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع النبيين وعلى أتباعهم بالتبع لهم بأن ما يعطونه من كتاب وحكمة وإن عظم أمره فالواجب عليهم أن يؤمنوا بمن يرسل من بعدهم مصدقًا لما معهم منه وأن ينصروه.
أما أخذ الميثاق من المرء وهو العهد الموثق المؤكد فهو عبارة عن كون المأخوذ منه وهو المعاهد (بكسر الهاء) يلتزم للآخذ وهو المعاهد (بفتح الهاء) أن يفعل كذا مؤكدًا ذلك باليمين أو بلفظ من المعاهدة أو المواثقة.
وفي قوله "ميثاق النبيين" وجهان: أحدهما: أن معناه الميثاق من النبيين فالنبيون هم المأخوذ عليهم.
وعلى هذا يكون حكمه ساريًا على أتباعهم بالأولى.
وثانيهما: أن إضافة ميثاق إلى النبيين على أنهم أصحابه فهو مضاف إلى الموثق لا إلى الموثق عليه كما تقول عهد الله وميثاق الله.
وحينئذ يكون المأخوذ عليه مسكوتًا عنه للعلم به وتقديره: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على أممهم أو الخطاب لأهل الكتاب والمعنى وإذ أخذ الله عليكم ميثاق النبيين الذين أرسلوا إلى قومكم، أو التقدير ميثاق أمم النبيين.
وكل من القولين مروي عن السلف وممن قال بالثاني من آل البيت جعفر الصادق وهو على حد: ﴿ يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ ﴾ فالخطاب فيه للنبي والمراد أمته عامة.
فإذا سأل سائل عن إيمان نبي بنبي آخر يبعث في عصره هل يستلزم ذلك نسخ الثاني لشريعة الأول؟
فالجواب لا يستلزم ذلك ولا ينافيه، وإنما المقصود تصديق دعوته ونصره على من يؤذيه ويناوئه، فإن تضمنت شريعة الثاني نسخ شيء مما جاء به الأول وجب التسليم له وإلا صدقه بالأصول التي هي واحدة في كل دين ويؤدي كل واحد مع أمته أعمال عبادتها التفصيلية، ولا يعد ذلك اختلافًا وتفرقًا في الدين فإن مثله يأتي في الشريعة الواحدة كأن يؤدي شخصان كفارة اليمين أو غيرها بغير ما يكفر به الآخر هذا بالصيام وذلك بإطعام المساكين، وسبب ذلك اختلاف حال الشخصين فأدى كل واحد ما سهل عليه.
﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ ﴾ إن هذا الأمر بالشهادة دليل على ترجيح قول جعفر الصادق أن العهد مأخوذ من الأنبياء على أممهم، والمعنى أن الله تعالى أمر الأنبياء بأن يشهدوا على أممهم بذلك وهو سبحانه معهم شهيد.
والعبارة ليست نصًا في أن هذه المحاورة وقعت وهذه الأقوال قيلت، والمختار أن المراد بها تقرير المعنى وتوكيده على طريق التمثيل.
﴿ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾ أي أن مقتضى ذلك الميثاق أن دين الله واحد، وأن دعاته متفقون متحدون، فمن تولى بعد الميثاق على ذلك عن هذه الوحدة واتخذ الدين آلة للتفريق والعدوان ولم يؤمن بالنبي المتأخر المصدق لمن تقدمه، ولم ينصره، كأولئك الذين يجحدون نبوة محمد ويؤذونه فأولئك هم الفاسقون أي الخارجون من ميثاق الله الناقضون لعهده، وليسوا من دين الحق في شيء.
﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهًا ﴾ : إن الذين أسلموا طوعًا هم الذين لهم اختيار في الإسلام وأما الذين أسلموا كرهًا فهم الذين فطروا على معرفة الله كالأنبياء والملائكة وإن كان لفظ الكره يطلق في الغالب على ما يخالف الاختيار ويقهره فإن الله تعالى قد استعمله في غير ذلك كقوله بعد ذكر خلق السماء في الكلام على التكوين ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴾ فأطلق الكره وأراد به لازمه وهو عدم الاختيار.
<div class="verse-tafsir"