تفسير سورة آل عمران الآيات ١٣٧-١٤١ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 3 آل عمران > الآيات ١٣٧-١٤١

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌۭ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ١٣٧ هَـٰذَا بَيَانٌۭ لِّلنَّاسِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةٌۭ لِّلْمُتَّقِينَ ١٣٨ وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ١٣٩ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌۭ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٤٠ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ١٤١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 16 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

هذه الآيات وما بعدها في قصة أُحد وما فيها من السنن الاجتماعية والحكم والأحكام فهي متصلة بقوله  : ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾ إلخ الآيات التي تقدمت.

﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ إن بعض المفسرين يجعل الآيتين الأوليين من هذه الآيات تمهيدًا لما بعدهما من النهي عن الوهن والحزن وما يتبع ذلك، وعلى هذا جرى (الجلال) كأنه يقول إن هذا الذي وقع لا يصح أن يضعف عزائمكم فإن السنن التي قد خلت من قبلكم تبين لكم كيف كانت مصارعة الحق للباطل وكيف ابتلي أهل الحق أحيانًا بالخوف والجوع والانكسار في الحرب ثم كانت العاقبة لهم فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين للرسل المقاومين لهم فإنهم كانوا هم المخذولين المغلوبين وكان جند الله هم المنصورين الغالبين، وإذا كان الأمر كذلك فلا تهنوا ولا تحزنوا لما أصابكم في أُحد.

هذا رأي ضعيف، فإن ذكر السنن بعد آيات متعددة، في موضوعات مختلفة، تفيد معاني كثيرة.

فإن الله تعالى نهى المؤمنين عن اتخاذ بطانة من الأعداء الذين بدت لهم بغضاؤهم، وبيّن هو لهم مجامع خبثهم وكيدهم.

ثم ذكر النبي  والمؤمنين بوقعة أحد وما كان فيها بالإجمال، وذكرهم بنصره لهم ببدر.

ثم ذكر المتقين وأوصافهم وما وعدوا به.

ثم ذكر بعد ذلك كله مضي السنن في الأمم وأنه بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين، فذكر السنن بعد ذلك كله يفيد معاني كثيرة تحتاج إلى شرح طويل جدًا لا معنى واحدًا كما قيل.

وإن في القرآن من إفادة المباني القليلة للمعاني الكثيرة بمعونة السياق والأسلوب ما لا يخطر في بال أحد من كتاب البشر وعلمائهم ومثل هذا مما تجب العناية ببيانه.

يقول الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز إن كون القرآن معجزًا ببلاغته يوجب علينا أن نجعل أسلوبه الذي كان معجزًا به فنًا ليبقى دالًا على وجه إعجازه، كذلك أقول إن إرشاد الله إيانا إلى أن له في خلقه سننًا يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علمًا من العلوم المدونة لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه، فيجب على الأمة في مجموعها أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال وبيّنها العلماء بالتفصيل عملًا بإرشاده كالتوحيد والأصول والفقه.

والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة وقد دلنا على مأخذه من أحوال الأمم إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها.

ولا يحتج علينا بعدم تدوين الصحابة لها فإن الصحابة لم يدونوا غير هذا العلم من العلوم الشرعية التي وضعت لها الأصول والقواعد، وفرعت منها الفروع والمسائل.

وإنني لا أشك في كون الصحابة كانوا مهتدين بهذه السنن وعالمين بمراد الله من ذكرها.

يعني أنهم بما لهم من معرفة أحوال القبائل العربية والشعوب القريبة منهم ومن التجارب والأخبار في الحرب وغيرها وبما منحوا من الذكاء والحذق وقوة الاستنباط كانوا يفهمون المراد من سنن الله تعالى ويهتدون بها في حروبهم وفتوحاتهم وسياستهم للأمم التي استولوا عليها.

وما كانوا عليه من العلم بالتجربة والعمل انفع من العلم النظري المحض وكذلك كانت علومهم كلها، ولما اختلفت حالة العصر اختلافًا احتاجت معه الأمة إلى تدوين علم الأحكام وعلم العقائد وغيرهما كانت محتاجة أيضًا إلى تدوين هذا العلم، ولك أن تسميه علم السنن الإلهية أو علم الاجتماع أو علم السياسة الدينية.

سم بما شئت فلا حرج في التسمية.

ومعنى الجملة: انظروا إلى من تقدمكم من الصالحين والمكذبين فإذا أنتم سلكتم سبيل الصالحين فعاقبتكم كعاقبتهم، وإن سلكتم سبل المكذبين فعاقبتكم كعاقبتهم، وفي هذا تذكير لمن خالف أمر النبي  في أُحد.

ففي الآية مجاري أمن ومجاري خوف، فهو على بشارته لهم فيها بالنصر وهلاك عدوهم ينذرهم عاقبة الميل عن سننه ويبين لهم أنهم إذا ساروا في طريق الضالين من قبلهم فإنهم ينتهون إلى مثل ما انتهوا إليه، فالآية خبر وتشريع، وفي طيها وعد ووعيد.

﴿ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ  ﴾ أي أن المصارعة بين الحق والباطل قد وقعت من الأمم الماضية، وكان أهل الحق يغلبون أهل الباطل ويُنْصَرون عليهم بالصبر والتقوى، وكان ذلك يجري بأسباب مطردة، وعلى طرائق مستقيمة، يعلم منها أن صاحب الحق إذا حافظ عليه ينصر ويرث الأرض، وأن من ينحرف عنه ويعيث في الأرض فسادًا يخذل وتكون عاقبته الدمار، فسيروا في الأرض واسْتْقرُوا ما حل بالأمم ليحصل لكم العلم الصحيح التفصيلي بذلك وهو الذي يحصل به اليقين ويترتب عليه العمل.

وقال بعض المفسرين إن لم تصدقوا فسيروا.

وهذا قول باطل.

والسير في الأرض والبحث عن أحوال الماضين وتعرف ما حل بهم هو الذي يوصل إلى معرفة تلك السنن والاعتبار بها كما ينبغي.

نعم إن النظر في التاريخ الذي يشرح ما عرفه الذين ساروا في الأرض ورأوا آثار الذين خلوا يعطي الإنسان من المعرفة ما يهديه إلى تلك السنن ويفيده عظة واعتبارًا، ولكن دون اعتبار الذي يسير في الأرض بنفسه ويرى الآثار بعينه ولذلك أمر بالسير والنظر.

ثم اتبع ذلك بقوله: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ كأنه يقول إن كل إنسان له عقل يعتبر به فهو يفهم أن السير في الأرض يدله على تلك السنن، ولكن المؤمن المتقي أجدر بفهمها لأن كتابه أرشده إليها وأجدر كذلك بالاهتداء والاتعاظ بها.

وقد بينا في تفسير الفاتحة أن لسير الناس في الحياة سننًا يؤدي بعضها إلى الخير والسعادة وبعضها إلى الهلاك والشقاء وأن من يتبع تلك السنن فلا بد أن ينتهي إلى غايتها سواء كان مؤمنًا أو كافرًا كما قال سيدنا علي: "إن هؤلاء قد انتصروا باجتماعهم على باطلهم وخذلتهم بتفرقكم عن حقكم".

ومن هذه السنن أن اجتماع الناس وتواصلهم وتعاونهم على طلب مصلحة من مصالحهم يكون، مع الثبات، من أسباب نجاحهم ووصولهم إلى مقصدهم سواء كان ما اجتمعوا عليه حقًا أو باطلًا، وإنما يصلون إلى مقصدهم بشيء من الحق والخير ويكون ما عندهم من الباطل قد ثبت باستناده إلى ما معهم من الحق وهو فضيلة الاجتماع والتعاون والثبات.

فالفضائل لها عماد من الحق فإذا قام رجل بدعوى باطلة ولكن رأى جمهور من الناس أنه محق يدعو إلى شيء نافع وأنه يجب نصره فاجتمعوا عليه ونصروه وثبتوا على ذلك فإنهم ينجحون معه بهذه الصفات.

ولكن الغالب أن الباطل لا يدوم بل لا يستمر زمنًا طويلًا لأنه ليس له في الواقع ما يؤيده بل له ما يقاومه فيكون صاحبه دائمًا متزلزلًا فإذا جاء الحق ووجد أنصارًا يجرون على سنة الاجتماع في التعاون والتناصر، ويؤيدون الداعي إليه بالثبات والتعاون، فإنه لا يلبث أن يدمغ الباطل وتكون العاقبة لأهله، فإن شابت حقهم شائبة من الباطل، أو انحرفوا عن سنن الله في تأييده، فإن العاقبة تنذرهم بسوء المصير.

فالقرآن يهدينا في مسائل الحرب والتنازع مع غيرنا إلى أن نعرف أنفسنا وكنه استعدادنا لنكون على بصيرة من حقنا ومن السير على سنن الله في طلبه وفي حفظه وأن نعرف كذلك حال خصمنا ونضع الميزان بيننا وبينه وإلا كنا غير مهتدين ولا متعظين.

﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ إن الحزن إنما يكون على ما فات الإنسان وخسره مما يحبه.

وسببه أنه يشعر أنه قد فاته بفوته شيء من قوته وفقد بفقده شيئًا من عزيمته أو أعضائه.

ذلك بأن صلة الانسان بمحبوباته من المال والمتاع والناس كالأصدقاء وذي القربى تكسبه قوة وتعطيه غبطة وسرورًا فإذا هو فقد شيئًا منها بلا عوض فإنه يعرض لنفسه ألم الحزن الذي يشبه الظلمة ويسمونه كدرًا كأن النفس كانت صافية رائقة فجاء ذلك الانفعال فكدرها بما أزال من صفوها.

وقد يقال هنا نهاهم عن الوهن بما عرض لهم والحزن على ما فقدوا في "أُحد" وكل من الوهن والحزن كان قد وقع وهو أمر طبيعي في مثل الحال التي كانوا عليها؟

والجواب أن المراد بالنهي ما يمكن أن يتعلق به الكسب من معالجة وجدان النفس بالعمل ولو تكلفًا.

كأنه يقول: انظروا في سنن من قبلكم تجدوا أنه ما اجتمع قوم على حق وأحكموا أمرهم وأخذوا أهبتهم وأعدوا لكل أمر عدته، ولم يظلموا أنفسهم في العمل لنصرته، إلا وظفروا بما طلبوا، وعوضوا مما خسروا، فحولوا وجوهكم عن جهة ما خسرتم، وولوها جهة ما يستقبلكم، وانهضوا به العزيمة والحزم، مع التوكل على الله  ، والحزن إنما يكون على فقد ما لا عوض منه وإن لكم خير عوض مما فقدتم، وأنتم الأعلون برجحانكم عليهم في مجموع الوقعتين -بدر وأحد- إذ الذين قتلوا منهم أكثر من الذين قتلوا منكم، على كثرتهم وقلتكم، أو جملة وأنتم الأعلون معترضة يراد بها التبشير بما يكون في المستقبل من النصر، وهما قولان المفسرين.

وسواء كانت للتسلية أو للبشارة فهي مرتبطة بالإيمان الصحيح الذي لا شائبة فيه فإن من اخترق هذا الإيمان فؤاده وتمكن من سويدائه، يكون على يقين من العاقبة، بعد الثقة من مراعاة السنن العامة، والأسباب المطردة، ولذلك قال: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ومثل هذا الشرط كثير في القرآن وهو ليس للشك وإنما يراد به تنبيه المؤمن إلى حاله، ومحاسبة نفسه على أعماله.

رأيت النبي  ليلة الخميس الماضية (غرة ذي القعدة سنة ١٣٢٠) في الرؤيا منصرفًا مع أصحابه من أحد وهو يقول: "لو خيرت بين النصر والهزيمة لاخترت الهزيمة" أي لما في الهزيمة من التأديب الإلهي للمؤمنين وتعليمهم أن يأخذوا بالاحتياط ولا يغتروا بشيء يشغلهم عن الاستعداد وتسديد النظر وأخذ الأهبة وغير ذلك من الأسباب والسنن.

ثم بين تعالى وجه جدارتهم بأن لا يهنوا ولا يحزنوا فقال: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ  ﴾ قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم "قرح" بضم القاف والباقون بفتحها.

قال كثير من المفسرين إن القرح بالفتح والضم واحد فهو "كالضعف" فيه اللغتان ومعناه الجرح، وقال بعضهم إن القرح بالفتح هو الجراح وبالضم أثرها وألمها.

ورجح ابن جرير قراءة الفتح قال "لإجماع أهل التأويل على أن معناه القتل والجراح فذلك يدل على أن القراءة هي بالفتح وكان بعض أهل العربية يزعم أن القَرح والقُرح لغتان بمعنى واحد والمعروف عند أهل العلم بكلام العرب ما قلنا" أي من أن القرح بالفتح يشمل الجرح والقتل ويؤيده أنه هو الذي حصل.

وفي لسان العرب "القَرح والقُرح" لغتان عض السلاح ونحوه مما يجرح الجسد وقيل القَرح الآثار والقُرح الألم.

عبر المضارع بدل الماضي فلم يقل: "إن يمسكم قرح" ليحضر صورة المس في أذهان المخاطبين.

وإن اعتبار المساواة في المثل من التدقيق الفلسفي الذي لم تكن تقصده العرب في مثل هذه العبارة، وهذا القول صحيح على كل تقدير.

﴿ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ  ﴾ .

هذه قاعدة كقاعدة ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ أي هذه سنة من تلك السنن وهي ظاهرة بين الناس بصرف النظر عن المحقين والمبطلين.

والمداولة في الواقع تكون مبنية على أعمال الناس فلا تكون الدولة لفريق دون آخر جزافًا وإنما تكون لمن عرف أسبابها ورعاها حق رعايتها.

أي إذا علمتم أن ذلك سنة، فعليكم أن لا تهنوا وتضعفوا بما أصابكم لأنكم تعلمون أن الدولة تدول.

والعبارة تومئ إلى شيء مطوي كان معلومًا لهم وهو أن لكل دولة سبب فكأنه قال: إذا كانت المداولة منوطة بالأعمال التي تفضي إليها كالاجتماع والثبات وصحة النظر وقوة العزيمة وأخذ الأهبة وإعداد ما يستطاع من القوة فعليكم أن تقوموا بهذه الأعمال وتحكموها أتم الإحكام.

وفي الجملة من الإيجاز وجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة ما لا يعهد مثله في غير القرآن.

ثم قال  : ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ إن المراد بعلم الله فيه علم عباده، وإنهم يفسرونه بعلم الظهور أي ليظهر علمه بذلك.

ومعنى قول الجمهور: أن المراد بالعلم علم الظهور أن العلم بالشيء على أنه سيقع ثابت في الأزل فإذا وقع ذلك الشيء حصل تغير في ذلك المعلوم فصار حالًا بعد أن كان مستقبلًا فهل تعَلُّق العلم به عند الوقوع هو عين تَعَلُّقه به من الأزل إلى قبيل وقوعه؟

قال الحكماء: إن الزمن ليس بشيء بالنسبة إلى الله فليس هناك تقدم ولا تأخر ولا متقدم ولا متأخر فتعلق العلم بالمعلوم واحد في الأزل والأبد.

فعلى هذا القول يكون معنى ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ  ﴾ ليظهر علمه للناس بظهور المعلوم لهم فهو كقوله: ﴿ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ  ﴾ أي يعلم الناس ذلك ويميزونه.

وأما جمهور المتكلمين فيقولون إن الله تعالى يعلم كل شيء أزلًا وأبدًا ولكن تعلق علمه بالأشياء على أنها ستقع غير تعلق علمه بها وهي واقعة فذلك علم غير ظاهر فيه المعلوم في الوجود وهذا علم ظهر متعلقه ووجد.

والمراد بقوله: "ليعلم" الثاني.

إنهم يريدون بعلم الغيب والشهادة معنى آخر، إن العبارة ظاهرة الصحة وإيهام تجدد العلم الإلهي مدفوع، ولكن ما النكتة في اختيار هذه العبارة وأمثالها كقوله في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ ولم لم يبين المراد بعبارة لا إيهام فيها؟

النكتة بيان أن العلم إذا لم يصدقه العمل لا يعتد به.

وبيان ذلك أن الانسان كثيرًا ما يتصور الشيء ويحكم بصحته فيرى أنه يعتقده، ولكن إذا عرض العمل كذبه في اعتقاده وتبين أنه لم يكن متحققًا به وإنما كان صورة انطبعت في مخه مع الغفلة عما يعارضها من سائر عقائده المتمكنة التي لها سلطان على وجدانه وأثر في عمله وأخلاقه وعادته التي تجري عليها أعماله.

مثال ذلك أن بعض الناس تحدثه نفسه بأنه شجاع ويعتقد ذلك لعدم وجود ما يعارضه في نفسه حتى إذا ما عرض له ما لا تظهر به حقيقة الشجاعة بالفعل من الحاجة إلى ركوب الخطر وخوض غمرات الموت دفاعًا عن الحق أو الحقيقة جبن وجزع وظهر غروره بنفسه وانخداعه لوهمه.

ومثله من تحدثه نفسه بأنه لقوة إيمانه عظيم الثقة بالله والتوكل عليه، حتى تظهر الحوادث والوقائع أنه هلوع إذا مسه الشر كان جزوعًا، وإذا مسه الخير كان منوعًا، لا يثق بربه ولا بنفسه.

فأراد الله تعالى أن يرشدنا بقوله ﴿ لِيَعْلَمَ  ﴾ إلى أن العلم لا يكون علمًا والإيمان لا يكون إيمانًا إلا إذا صدقهما العمل وظهر أثرهما بالفعل فكأنه قال ليتبين الذين آمنوا على طريق التمثيل.

وأما قوله: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ  ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أنه من الشهادة في القتال وهي أن يقتل المؤمن في سبيل الله أي مدافعًا عن الحق قاصدًا إعلاء كلمته.

والثاني: أنه من الشهادة على الناس بالمعنى الذي تقدم في قوله  : ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ  ﴾ والأول هو الذي يسبق إلى الذهن في هذا المقام.

وإنما سمي هؤلاء المقتولون شهداء لأنهم يشاهدون بعد الموت من الملكوت ونعيمه ما لا يكون لغيرهم، أو لأنهم ببذل أنفسهم في سبيل الله يكونون من الشهداء على الناس يوم القيامة بالمعنى المشار إليه آنفًا، أو لأنه مشهود لهم بالجنة، ولأن الملائكة تشهد موتهم.

أقوال.

وقوله: ﴿ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ  ﴾ جملة معترضة مسوقة لبيان أن الشهداء يكونون مما خلصوا لله وأخلصوا في إيمانهم وأعمالهم فلم يظلموا أنفسهم بمخالفة الأمر أو النهي، ولا بالخروج عن سنن الله في الخلق، وأنه تعالى لا يصطفي للشهادة الظالمين ما داموا على ظلمهم، وفي ذلك بشارة للمتقين، وإنذار للمقصرين، فالناس قبل الابتلاء بالمحن والفتن يكونون سواء، فإذا ابتلوا تبين المخلص والصادق، والظالم والمنافق، وما أسهل ادعاء الاخلاص والصدق إذا كانت آياتهما مجهولة.

فبيان السبب مؤدب للمقصرين، وقاطع لألسنة المدعين، إلا أن يكونوا مع الأغبياء الجاهلين.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ  ﴾ قال البعض إن التمحيص تكفير الذنوب وهو مردود بأن المعهود من القرآن التعبير عن هذا المعنى بالتكفير، وبأن للتمحيص هنا معنى آخر يتفق مع ما قاله بعض المفسرين في جملته لا في تصويره.

كل إنسان يحكم لنفسه في نفسه بأمور كثيرة يصدقه فيها الحق الواقع أو يكذبه فالمعتقد حقية الدين قد يتصور وقت الرخاء أنه يسهل عليه بذل ماله ونفسه في سبيل الله ليحفظ شرف دينه ويدفع عنه كيد المعتدين، فإذا جاء البأس ظهر له من نفسه خلاف ما كان يتصور.

فالإنسان يلتبس عليه أمر نفسه فلا يتجلى كمال التجلي إلا بالتجارب الكثيرة والامتحان بالشدائد العظيمة، فالتجارب والشدائد كتمحيص الذهب يظهر به زيفه ونضاره.

ثم إنها أيضًا تنفي خبثه وزغله.

كذلك كان الأمر في أحد: تميز المؤمنون الصادقون من المنافقين، وتطهرت نفوس بعض ضعفاء المؤمنين من كدورتها فصارت تبرًا خالصًا، وهؤلاء هم الذين خالفوا أمر النبي  وطمعوا في الغنيمة والذين انهزموا وولوا وهم مدبرون، محص الجميع بتلك الشدة فعلموا أن المسلم ما خلق ليلهو ويلعب، ولا ليكسل ويتواكل، ولا لينال الظفر والسيادة بخوارق العادات، وتبديل سنن الله في المخلوقات، بل خلق ليكون أكثر الناس جدًا في العمل، وأشدهم محافظة على النواميس والسنن.

وأما محق الكافرين بالشدائد فليس معناه فناؤهم وهلاكهم وإنما هو اليأس يسطو عليهم، وفقد الرجاء يذهب بعزائمهم، حتى يذهب ما كان قد بقي من نور الفضيلة في نفوسهم، فلا تبقى لهم شجاعة ولا بأس، ولا شيء من عزة النفس، فيكون أحدهم كالهلال في المحاق لا نور له، بل يكون وجوده كالعدم لأنه لا أثر له ولا فائدة فيه، فذلك محقه إذا غلب على أمره.

وإذا هو انتصر طغى وتجبر، وبغى وظلم، وذلك محق معنوي، وتكون عاقبته المحق الصوري، كذلك لا يثبت للكافرين المبطلين وجود مع المؤمنين الصادقين، وإنما يبقون ظاهرين إذا لم يظهر من أهل الحق والعدل من ينازعهم ويقاوم باطلهم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده