الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة النساء
تفسيرُ سورةِ النساء كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 242 دقيقة قراءةافتتح سبحانه السورة بتذكير الناس المخاطبين بأنهم من نفس واحدة فكان هذا تمهيدًا وبراعة مطلع؛ لما في السورة من أحكام القرابة بالنسب والمصاهرة وما يتعلق بذلك من أحكام الأنكحة والمواريث، فبينّ القرابة العامة بالإجمال ثم ذكر الأرحام وشرع بعد ذلك في تفصيل الأحكام المتعلقة بها.
وسميت سورة النساء لأنها افتتحت بذكر النساء وبعض الأحكام المتعلقة بهن، وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ خطاب عام ليس خاصًا بقوم دون قوم فلا وجه لتخصيصها بأهل مكة كما فعل المفسر (الجلال) لا سيما مع العلم بأن السورة مدنية إلا آية واحدة فيها شك هل هي مدنية أم مكية، ولفظ الناس اسم لجنس البشر قيل أصله "أناس" فحذفت الهمزة عند إدخال الألف واللام عليه.
﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ ظاهرة، فإن الخلق أثر القدرة ومن كان متصفًا بهذه القدرة العظيمة جدير بأن يتقى ويحذر عصيانه، كذا قال بعضهم.
وأحسن من هذا أن يقال إن هذا تمهيد لما يأتي من أحكام اليتامى ونحوها كأنه يقول يا أيها الناس خافوا الله واتقوا اعتداء ما وضعه لكم من حدود الأعمال، واعلموا أنكم أقرباء يجمعكم نسب واحد، وترجعون إلى أصل واحد فعليكم أن تعطفوا على الضعيف كاليتيم الذي فقد والده وتحافظوا على حقوقه.
وليس المراد بالنفس الواحدة آدم بالنص ولا بالظاهر، فمن المفسرين من يقول إن كل نداء مثل هذا يراد به أهل مكة أو قريش فإذا صح هذا هنا جاز أن يفهم منه بنوا قريش أن النفس الواحدة هي قريش أو عدنان، وإذا قلنا إن الخطاب لجميع أهل الدعوة إلى الإسلام، أي لجميع الأمم، فلا شك أن كل أمة تفهم منه ما تعتقده، فالذين يعتقدون أن جميع البشر من سلالة آدم يفهمون أن المراد بالنفس الواحدة آدم، والذين يعتقدون أن لكل صنف من البشر أبًا يحملون النفس على ما يعتقدون (والأصناف الكبرى هي الأبيض القوقاسي، والأصفر المغولي، والأسود الزنجي، وغيره، وبعض فروع هذا تكاد تكون أصولًا كالأحمر الحبشي، والهندي الأمريكي، والملقي).
والقرينة على أنه ليس المراد هنا بالنفس الواحدة آدم قوله ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ﴾ بالتنكير وكان المناسب على هذا الوجه أن يقول وبث منها جميع الرجال والنساء.
وكيف ينص على نفس معهودة والخطاب عام لجميع الشعوب وهذا العهد ليس معروفًا عند جميعهم فمن الناس من لا يعرفون آدم ولا حواء ولم يسمعوا بهما، وهذا النسب المشهور عند ذرية نوح مثلًا هو مأخوذ عن العبرانيين فإنهم هم الذين جعلوا للبشر تاريخًا متصلًا بآدم وحددوا له زمنًا قريبًا، وأهل الصين ينسبون البشر إلى أب آخر ويذهبون بتاريخه إلى زمن أبعد من الزمن الذي ذهب إليه العبرانيون.
والعلم والبحث في آثار البشر مما يطعن في تاريخ العبرانيين، ونحن المسلمين لا نكلف تصديق تاريخ اليهود وإن عزوه إلى موسى فإنه لا ثقة عندنا بأنه من التوراة وأنه بقي كما جاء به موسى.
نحن لا نحتج على ما وراء مدركات الحس والعقل إلا بالوحي الذي جاء به نبينا ، وإننا نقف عند هذا الوحي لا نزيد ولا ننقص، كما قلنا مرات كثيرة، وقد أبهم الله تعالى ههنا أمر النفس التي خلق الناس منها وجاء بها نكرة فندعها على إبهامها، فإذا ثبت ما يقوله الباحثون من الإفرنج من أن لكل صنف من أصناف البشر أبًا كان ذلك غير وارد على كتابنا كما يرد على كتابهم التوراة لما فيها من النص الصريح في ذلك، وهو مما حمل باحثيهم على الطعن في كونها من عند الله تعالى ووحيه.
وما ورد في آيات أخرى من مخاطبة الناس بقوله: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ ﴾ لا ينافي هذا ولا يعد نصًا قاطعًا في كون جميع البشر من أبنائه إذ يكفي في صحة الخطاب أن يكون من وجه إليهم في زمن التنزيل من أولاد آدم، وقد تقدم في تفسير قصة آدم في أوائل سورة البقرة أنه كان في الأرض قبله نوع من هذا الجنس فسدوا فيها وسفكوا الدماء.
﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ﴾ نكر رجالًا ونساء وأكد هذا بقوله كثيرًا إشارة إلى كثرة الأنواع، وإلى أنه ليس المراد بالتثنية في قوله "منهما" آدم وحواء بل كل زوجين، وهو ينطبق على ما قلناه في تفسير الجملة السابقة، ثم إن ذكر خلق الزوج بعد ذكر خلق الناس لا يقتضي تأخره عنه في الزمن فإن العطف بالواو لا يفيد الترتيب ولا ينافي كون الكلام مرتبًا متناسقًا كما تطلب البلاغة، فإنه جاء على أسلوب التفصيل بعد الإجمال.
يقول إنه خلقكم من نفس واحدة فهذا إجمال فصله ببيان كونه خلق من جنس تلك النفس زوجًا لها، وجعل النسل من الزوجين كليهما فجميع سلائل البشر متولدة من زوجين ذكر وأنثى.
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ﴾ إن الأرحام إما منصوب عطفًا على لفظ الجلالة وإما مجرورة عطفًا على الضمير في "به" وهو جائز بنص هذه الآية على هذه القراءة، وهي متواترة خلافًا لبعضهم.
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ إن الله تعالى ذكرنا هنا بمراقبته لنا؛ لتنبيهنا إلى الإخلاص، يعني أن من تذكر أن الله مشرف عليه مراقب لأعماله كان جديرًا بأن يتقيه ويلتزم حدوده.
<div class="verse-tafsir"
قلنا إن الكلام في أوائل هذه السورة في الأهل والأقارب والأزواج وهو يتسلسل في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ الآية، ولذلك افتتحها بالتذكير بالقرابة والأخوة العامة، وهي كون الأمة من نفس واحدة ثم طفق يبين حقوق الضعفاء من الناس كاليتامى، والنساء، والسفهاء، ويأمر بالتزامها فقال: ﴿ وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ﴾ واليتيم لغة من مات أبوه مطلقًا، وفي عرف الفقهاء من مات أبوه وهو صغير فمتى بلغ زال يتمه، إلا إذا بلغ سفيهًا فإنه يبقى في حكم اليتيم ولا يزول عنه الحجر.
ومعنى إيتاء اليتامى أموالهم هو جعلها لهم خاصة وعدم أكل شيء منها بالباطل، أي أنفقوا عليهم من أموالهم حتى يزول يتمهم بالرشد كما يأتي في آية ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ﴾ فعند ذلك يدفع إليهم ما بقي لهم بعد النفقة عليهم في زمن اليتم والقصور.
فهذه الآية في إعطاء اليتامى أموالهم في حالتي اليتم والرشد، كل حالة بحسبها، وتلك خاصة بحال الرشد، وليس في هذه تجوز كما قالوا فإن نفقة ولي اليتيم عليه من ماله يصدق عليه أنه إيتاء مال اليتيم لليتيم.
والمقصود من هذه الآية ظاهر وهو المحافظة على مال اليتيم وجعله له خاصة وعدم هضم شيء منه لأن اليتيم ضعيف لا يقدر على حفظه والدفاع عنه ولذلك قال: ﴿ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ﴾ المراد بالخبيث الحرام، وبالطيب الحلال، أي لا تتمتعوا بمال اليتيم في المواضع والأحوال التي من شأنكم أن تتمتعوا فيها بأموالكم.
يعني أن الإنسان إنما يباح له التمتع بمال نفسه في الطرق المشروعة فإذا عرض له استمتاع فعليه أن يجعله من مال نفسه لا من مال اليتيم الذي هو قيم ووصي عليه، فإذا استمتع بمال اليتيم فقد جعل مال اليتيم في هذا الوضع بدلًا من ماله، وبهذا يظهر معني التبدل والاستبدال.
وقوله: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ﴾ أي لا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم، وهذا صريح فيما إذا كان للولي مال يضم مال اليتيم إليه، ويمكن أن يقال إن أكله مفردًا غير مضموم إلى مال الولي أولى بالتحريم وهو داخل في عموم قوله: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ﴾ وقيل يفهم من هذا القيد جواز أكل الوصي الفقير الذي لا مال له شيئًا من مال اليتيم.
وسيأتي التصريح بذلك في الآية السادسة.
﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ أي إن أكل مال اليتيم، أو تبدل الخبيث بالطيب منه، أو ما ذكر من مجموع الأمرين، وكانت تفعله الجاهلية، كان في حكم الله حوبًا كبيرًا أي إثمًا عظيمًا.
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ﴾ .
جاء ذكر تعدد الزوجات في سياق الكلام على اليتامى، والنهي عن أكل أموالهم ولو بواسطة الزوجية، فقال إن أحسستم من أنفسكم الخوف من أكل مال الزوجة اليتيمة فعليكم أن لا تتزوجوا بها فإن الله تعالى جعل لكم مندوحة عن اليتامى بما أباحه لكم من التزوج بغيرهن إلى أربع نسوة، ولكن إن خفتم أن لا تعدلوا بين الزوجات، أو الزوجتين فعليكم أن تلتزموا واحدة فقط، والخوف من عدم العدل يصدق بالظن والشك فيه بل يصدق بتوهمه أيضًا، ولكن الشرع قد يغتفر الوهم لأنه قلما يخلو منه علم بمثل هذه الأمور فالذي يباح له أن يتزوج ثانية أو أكثر هو الذي يثق من نفسه بالعدل بحيث لا يتردد فيه، أو يظن ذلك ويكون التردد فيه ضعيفًا.
ولما قال: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ﴾ علله بقوله: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ﴾ أي أقرب من عدم الجور والظلم فجعل البعد من الجور سببًا في التشريع، وهذا مؤكد لاشتراط العدل ووجوب تحريه، ومنبه إلى أن العدل عزيز.
وقد قال تعالى في آية أخرى من هذه السورة ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ وقد يحمل هذا على العدل في ميل القلب ولولا ذلك لكان مجموع الآيتين منتجًا عدم جواز التعدد بوجه ما، ولما كان يظهر وجه قوله بعد ما تقدم من الآية ﴿ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾ والله يغفر للعبد ما لا يدخل تحت طاقته من ميل قلبه، وقد كان النبي يميل في آخر عهده إلى عائشة أكثر من سائر نسائه ولكنه لا يخصها بشيء دونهن، أي بغير رضاهن وإذنهن، وكان يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك".
أي من ميل القلب.
فمن تأمل الآيتين علم أن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام أمر مضيق فيه أشد التضييق، كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور، وإذا تأمل المتأمل مع هذا التضييق ما يترتب على التعدد في هذا الزمان من المفاسد جزم بأنه لا يمكن لأحد أن يربي أمة فشا فيها تعدد الزوجات، فإن البيت الذي فيه زوجتان لزوج واحد لا تستقيم له حال ولا يقوم فيه نظام، بل يتعاون الرجل مع زوجاته على إفساد البيت كأن كل واحد منهم عدو للآخر، ثم يجيء الأولاد بعضهم لبعض عدو، فمفسدة تعدد الزوجات تنتقل من الأفراد إلى البيوت ومن البيوت إلى الأمة.
كان للتعدد في صدر الإسلام فوائد أهمها صلة النسب والصهر الذي تقوى به العصبية، ولم يكن له من الضرر مثل ما له الآن لأن الدين كان متمكنًا في نفوس النساء والرجال، وكان أذى الضرة لا يتجاوز ضرتها، أما اليوم فإن الضرر ينتقل من كل ضرة إلى ولدها إلى والده إلى سائر أقاربه فهي تغري بينهم العداوة والبغضاء، تغري ولدها بعداوة إخوته، وتغري زوجها بهضم حقوق ولده من غيرها، وهو بحماقته يطيع أحب نسائه اليه فيدب الفساد في العائلة كلها، ولو شئت تفصيل الرزايا والمصائب المتولدة من تعدد الزوجات لأتيت بما تقشعر منه جلود المؤمنين فمنها السرقة، والزنا، والكذب، والخيانة، والجبن، والتزوير بل منها القتل حتى قتل الولد والده، والوالد ولده، والزوجة زوجها، والزوج زوجته، كل ذلك واقع ثابت في المحاكم.
وناهيك بتربية المرأة التي لا تعرف قيمة الزوج ولا قيمة الولد، وهي جاهلة بنفسها وجاهلة بدينها، لا تعرف منه إلا خرافات وضلالات تلقفتها من أمثالها، يتبرأ منها كل كتاب منزل وكل نبي مرسل، فلو تربي النساء تربية دينية صحيحة يكون بها الدين هو صاحب السلطان الأعلى على قلوبهن بحيث يكون هو الحاكم على الغيرة لما كان هنالك ضرر على الأمة من تعدد الزوجات، وإنما كان يكون ضرره قاصرًا عليهن في الغالب.
أما والأمر على ما نرى ونسمع فلا سبيل إلى تربية الأمة مع فشو تعدد الزوجات فيها، فيجب على العلماء النظر في هذه المسألة، خصوصًا الحنفية منهم الذين بيدهم الأمر وعلى مذهبهم الحكم، فهم لا ينكرون أن الدين أنزل لمصلحة الناس وخيرهم، وأن من أصوله منع الضرر والضرار، فإذا ترتب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه فيما قبله فلا شك في وجوب تغير الحكم وتطبيقه على الحال الحاضرة يعني على قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وبهذا يعلم أن تعدد الزوجات محرم قطعًا عند الخوف من عدم العدل.
تقدم أن إباحة تعدد الزوجات مضيقة قد اشترط فيها ما يصعب تحققه فكأنه نهى عن كثرة الأزواج، وتقدم أنه يحرم على من خاف عدم العدل أن يتزوج أكثر من واحدة ولا يفهم منه كما فهم بعض المجاورين أنه لو عقد في هذه الحالة يكون العقد باطلًا أو فاسدًا، فإن الحرمة عارضة لا تقتضي بطلان العقد فقد يخاف الظلم وقد يظلم ثم يتوب فيعدل فيعيش عيشة حلالًا.
أما قوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ فهو معطوف على قوله: ﴿ فَوَاحِدَةً ﴾ أي فالزموا زوجًا واحدة وأمسكوا زوجًا واحدة مع العدل -وهذا فيمن كان متزوجًا كثيرات- أو الزموا ما ملكت أيمانكم واكتفوا بالتسري بهن بغير شرط، ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ﴾ أي أقرب إلى عدم العول وهو الجور، فإن العدل بين الإماء في الفراش غير واجب إذ لا حق لهن فيه وإنما لهن الحق في الكفاية بالمعروف، وهذا لا يفيد حل ما جرى عليه المسلمون منذ قرون كثيرة من الإسراف في التمتع بالجواري المملوكات بحق أو بغير حق مهما ترتب على ذلك من المفاسد، كما شوهد ولا يزال يشاهد في بعض البلاد إلى الآن.
﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ الصدقات جمع صدقة بضم الدال وفيه لغات منها الصداق وهو ما يعطى للمرأة قبل الدخول عن طيب نفس، وينبغي أن يلاحظ في هذا العطاء معنى أعلى من المعنى الذي لاحظه الذين يسمون أنفسهم الفقهاء من أن الصداق والمهر بمعنى العوض عن البضع والثمن له، كلا إن الصلة بين الزوجين أعلى وأشرف من الصلة بين الرجل وفرسه أو جاريته ولذلك قال "نحلة"، فالذي ينبغي أن يلاحظ هو أن هذا العطاء آية من آيات المحبة وصلة القربى وتوثيق عرى المودة والرحمة، وأنه واجب حتم لا تخيير فيه كما يتخير المشتري والمستأجر، وترى عرف الناس جاريًا على عدم الاكتفاء بهذا العطاء بل يشفعه الزوج بالهدايا والتحف.
﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ لا يجوز للرجل أن يأكل شيئًا من مال امرأته إلا إذا علم أن نفسها طيبة به، فإذا طلب منها شيئًا فحملها الخجل أو الخوف على إعطائه ما طلب فلا يحل له، وعلامات الرضا وطيب النفس لا تخفى على أحد، وإن كان اللابسون لباس الصالحين المتحلين بعقود السبح الذين يحركون شفاههم ويلوكون ألسنتهم بما يسمونه ذكرًا يستحلون أكل أموال نسائهم إذا أعطينها، أو أجزن أخذها بالترهيب أو الخداع أو الخجل، ويقولون إنهن أعطيننا ولنا الظاهر والله يتولى السرائر.
وقد قال تعالى في آية آتية ﴿ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ فإذا شدد هذا التشديد في طور المفارقة فكيف يكون الحكم في طور الاجتماع والمعاشرة.
<div class="verse-tafsir"
أمرنا الله تعالى في الآيات السابقة بإيتاء اليتامى أموالهم وبإيتاء النساء صدقاتهن أي مهورهن وأتى في قوله: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾ بشرط للإيتاء يعم الأمرين السابقين أي اعطوا كل يتيم ماله اذا بلغ، وكل امرأة صداقها، إلا إذا كان أحدهما سفيهًا لا يحسن التصرف في ماله فحينئذ يمتنع أن تعطوه إياه لئلا يضيعه، ويجب أن تحفظوه له أو يرشد.
وإنما قال: ﴿ أَمْوَالَكُمْ ﴾ ولم يقل أموالهم مع أن الخطاب للأولياء والمال للسفهاء الذين في ولايتهم للتنبيه على أمور: أحدها: أنه إذا ضاع هذا المال ولم يبق للسفيه من ماله ما ينفق منه عليه وجب على وليه أن ينفق عليه من مال نفسه، فبذلك تكون إضاعة مال السفيه مفضية إلى إضاعة شيء من مال الولي فكأن ماله عين ماله.
ثانيها: أن هؤلاء السفهاء إذا رشدوا وأموالهم محفوظة لهم، وتصرفوا فيها تصرف الراشدين، وأنفقوا منها في الوجوه الشرعية من المصالح العامة والخاصة فإنه يصيب هؤلاء الأولياء حظ منها.
ثالثها: التكافل في الأمة واعتبار مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين كما قلناه في آيات أخرى، وذهب (الجلال) إلى أنه أضاف الأموال إليهم لأنها في أيديهم، كأنه قال ولا تؤتوا السفاء أموالهم التي في أيديكم وهو غير ظاهر.
وما قال من قال إن السفهاء هنا هم أولاد المخاطبين الصغار إلا لحيرته في هذه الكاف في قوله: ﴿ أَمْوَالَكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ لَكُمْ ﴾ وعدم ظهور النكتة له في إيثار ضمير الخطاب على ضمير الغيبة.
في هذه الجملة من الآية تحريض على حفظ المال وتعريف بقيمته فلا يجوز للمسلم أن يبذر أمواله.
وكان السلف من أشد الناس محافظة على ما في أيديهم وأعرف الناس بتحصيل المال من وجوه الحلال، فأين من هذا ما نسمعه من خطباء مساجدنا من تزهيد الناس، وغل أيديهم، وإغرائهم بالكسل والخمول حتي صار المسلم يعدل عن الكسب الشريف إلى الكسب المرذول من الغش والحيلة والخداع، ذلك أن الإنسان ميال بطبعه إلى الراحة فعندما يسمع من الخطباء والعلماء والمعروفين بالصلحاء عبارات التزهيد في الدنيا فإنه يرضي بها ميله إلى الراحة، ثم إنه لا بد له من الكسب فيختار أقله سعيًا وأخفه مؤنة، وهو أخسه وأبعده عن الشرف.
على أن هذا التزهيد في الدنيا من هؤلاء لم يأت بما يساق لأجله من الترغيب في الآخرة والاستعداد لها، بل إن خطباءنا ووعاظنا قد زهدوا الناس في الدنيا وقطعوهم عن الآخرة فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، وما ذلك إلا لجهلهم وعدم عملهم بما يعظون به غيرهم، والواجب على المسلم العارف بالإسلام أن يبين للناس الجمع بين الدنيا والآخرة.
﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ ﴾ وإنما قال: ﴿ فِيهَا ﴾ ولم يقل: (منها)، لأن المراد -كما قال في الكشاف- اجعلوها مكانًا لرزقهم، بأن تتجروا فيها، وتتربحوا، حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق.
الرزق يعم وجوه الانفاق كلها كالأكل والمبيت والزواج والكسوة، وإنما قال واكسوهم فخص الكسوة بالذكر لأن الناس يتساهلون فيها أحيانًا، وتخصيص "الجلال" الرزق بالإطعام لا يصح.
﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ المعروف هو ما تعرفه النفوس الكريمة وتألفه ويقابله المنكر وهو ما تنكره وتمجه، فالمعروف هنا يشمل تطييب القلوب بإفهام السفيه أن المال ماله لا فضل لأحد في الإنفاق منه عليه، ليسهل عليه الحجر، ويشمل النصح والإرشاد وتعليم ما ينبغي أن يعلمه السفيه وما يعده للرشد، فان السفه كثيرًا ما يكون عارضًا للشخص لا فطريًا، فإذا عولج بالنصح والتأديب حسنت حاله، فهذا هو القول المعروف الذي أمر الله أولياء السفهاء به زيادة على حفظ أموالهم وتثميرها والانفاق عليهم منها.
﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ إن ما تقدم من الأمر بإيتاء اليتامى أموالهم كان مجملًا، وفي هذه الآية تفصيل لكيفية الإيتاء ووقته وما يعتبر فيه.
وقد اختلف العلماء في ابتلاء اليتيم كيف يكون، فقال بعضمهم: يعطي شيئًا من المال ليتصرف فيه فيري تصرفه كيف يكون فإن أحسن فيه كان راشدًا وإلا كان على سفهه، وقال بعضهم: إن الإعطاء لا يجوز إلا بعد الابتلاء، وإيناس الرشد فمن أعطاه قبل ذلك يكون مخالفًا للأمر ومجازفًا بالمال، والصواب أن يحضره الولي المعاملات المالية، ويطلعه على كيفية التصرف، ويسأله عند كل عمل عن رأيه فيه، فإذا رأى أجوبته سديدة ورأيه صالحًا يعلم أنه قد رشد.
واعْتُرِض هذا أيضًا بأن القول لا يغني عن الفعل شيئًا فإن قليلًا من النباهة يكفي لإحسان الجواب إن قيل له ما تقول في ثمن هذا؟
وما أشبه ذلك، وإننا نرى كثيرًا من الذين نسميهم أذكياء ومتعلمين يتكلم أحدهم في الزراعة عن علم يقول: ينبغي كذا من السماد، وكذا من السقي والعذق، فإذا أُرسل إلى الأرض وكُلِّف العمل ينام معظم النهار ولا يصل شيئًا أو يعمل فيسيء العمل ولا يحسنه، بل ترى من الناس من يتكلم في الأخلاق وكيفية معاملة الناس فيحسن القول كما ينبغي، ولكنه يسيء في المعاملة فيكون عمله مخالفًا لقوله، فقائل هذا القول الثاني قد غفل عن القاعدة التي اتفق عليها العقلاء وهي أن بين العلم والتجربة بونًا شاسعًا، فكم رأينا أناسًا من المحسنين في الكلام، السفهاء في الأعمال الذين إذا سألتهم عن طرق الاقتصاد في المعاملة وتدبير الثروة أجابوك أحسن جواب مبني على قواعد العلم الحديث المبني على التجارب وإمعان النظر، ثم هم يسفهون في عملهم ويبذرون الأموال تبذيرًا يسارعون فيه إلى الفقر.
أعرف من هؤلاء رجلًا ترك له والده ثروة قدرت قيمتها بمليون جنيه فأتلفها بإسرافه وهو الآن يطلب إعانة من الجمعية الخيرية الإسلامية!!
فالرأي الأول أسد وأصوب وما اعترض به عليه يجاب عنه بأن الممنوع قبل العلم بالرشد هو إعطاء اليتيم ماله كله ليستقل بالتصرف فيه، وأما إعطاؤه طائفة منه ليتصرف فيها تحت مراقبة الولي ابتلاء واختبارًا له، فهو غير ممنوع بل هو المأمور به في هذه الآية.
و ﴿ حَتَّى ﴾ ابتدائية أي ابتلوا اليتامى إلى ابتداء البلوغ، وكونها ابتدائية لا ينافي كونها للغاية التي هي معناها الأصلي الذي لا يفارقها، وإنما فرقوا بين التي تدخل على الجملة الكاملة والتي تدخل على المفرد في الإعراب، فسموا الأولى الابتدائية وهى التي لا تجر المفرد، وسموا الثانية الجارة وهي التي تجر المفرد.
والغاية في الأولى هو مفهوم الجملة التي بعدها أي ابتلوهم إلى ابتداء الحد الذي يبلغون فيه سن النكاح، فإن آنستم منهم بعد البلوغ رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم وإلا فاستمروا على الابتلاء إلى أن تأنسوا منهم الرشد، وجملة فإن آنستم جواب حتى إذا بلغوا.
﴿ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ﴾ : إن النهي عن أكل أموال اليتامى إسرافًا وبدارًا هو كالأمر قبله تفصيل للآية الناهية عن أكل أموال اليتامى إلى أموال الأولياء، وقد قيد النهي هنا بالإسراف وهو صرف مال اليتيم في غير محله ولو على اليتيم نفسه وسمي هذا أكلًا لأنه إضاعة، والأكل يطلق على إضاعة الشيء ولكن ضم مال اليتيم إلى مال الولي لا يسمى إسرافًا، وقيده أيضًا بالبدار والمسابقة لكبر اليتيم لأن الولي الضعيف الذمة يستعجل ببعض التصرفات في مال اليتيم التي له منها منفعة لئلا تفوته إذا كبر اليتيم وأخذ ماله.
فهاتان الحالان: الإسراف وبدار، ومسابقة كبر اليتيم ببعض التصرف هما من مواضع الضعف التي تعرض للإنسان، فنبه الله تعالى عليهما ونهى عنهما ليراقب الولي ربه فيهما إذا عرضتا له.
﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ يعني أن الأكل بالمعروف هو القرض والأجرة، ولا يباح أكل شيء منه بلا عوض كسائر أموال الناس، وكذلك الحكم في أموال المجانين والمعاتيه، ولكن ما ذكر في كيفية الأكل لا يظهر في الاستقراض وقد يظهر في الأجرة.
﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ﴾ : ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأمر بالإشهاد أمر إرشاد لا أمر وجوب وهم متفقون على أن الأوامر المارة كلها للإيجاب القطعي والنواهي كلها للتحريم، وظاهر السياق أن هذا الأمر مثل ما سبقه، ولعل السبب فيما قاله الفقهاء هو أن الناس تهاونوا بأمر الإشهاد وأهملوه من زمن بعيد فسهل ذلك على الفقهاء التأويل ورأوه أولى من تأثيم الناس وجعل أكثرهم مخالفين لما فرض عليهم، ولا شك عندي أن الإشهاد حتم، وأن تركه يؤدي إلى النزاع والتخاصم والتقاضي كما هو مشاهد، فإذا فرضنا أن الناس كانوا في زمن ما مستمسكين بعروة الدين استمساكًا عامًا، وكان اليتامى يحسنون الظن في الأولياء فلا يتهمونهم، وأن الإشهاد لم يكن متحتمًا عليم لأجل هذا، أفليس هذا الزمن المعلوم مخالفًا لذلك الزمن المجهول مخالفة تقتضي أن يُجعَل الإشهاد ضربة لازب لقطع عرق الخصام ونزوع النفس إلى النزاع والمشاغبة؟
﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ الحسيب هو المراقب المطلع على ما يعمل العامل، وإنما جاء بهذا بعد الأمر بالإشهاد القاطع لعرق النزاع ليدلنا على أن الإشهاد -وإن حصل وكان يسقط الدعوى عند القاضي بالمال- لا يسقط الحق عند الله إذا كان الولي خائنًا، إذ لا يخفى عليه تعالى ما يخفى على الشهود والحكام، وكأن هؤلاء الأوصياء الخبثاء الذين نعرفهم لم يسمعوا قول الله في ذلك قط، فقد كثرت فيهم وفي غيرهم الخيانة وأكل أموال اليتامى والسفهاء والأوقاف بالحيل حتى أنه يمكنني أن أقول: إنه لا يوجد في القطر المصري عشرة أشخاص يصلحون للوصاية على اليتيم أو السفيه والوقف، وقد نص الفقهاء على أن النظر على الوقف كالوصاية على اليتيم.
فانظروا إلى هذه الدقة في الآية الكريمة من الأمر باختبار اليتيم، ودفع ماله إليه عند بلوغه رشده، ومن النهي عن أكل شيء منه بطرف الإسراف ومبادرة كبره، ومن الأمر بالإشهاد عليه عند الدفع، ثم التنبيه إلى مراقبة الله تعالى التي تتناول جميع ذلك.
ومن مباحث اللفظ في الآية أن بعض النحاة يقولون إن الباء الداخلة على لفظ الجلالة في قوله: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ ﴾ زائدة، والمعنى كفى الله حسيبًا، وبعضهم يقول إن الفاعل مصدر محذوف والباء حرف جر أصلي متعلق به، وهذا كله من تطبيق القرآن على القواعد التي وضعوها ونحن نقول إن المعنى مع وجود الباء هو غير المعنى مع عدمها، فلها معنى في الكلام كيفما أعربت، وإن "كفى" فعل ليس له فاعل، والجار متعلق به، ومعناه أن الله هو أشد من يراقب ويحاسب.
وهذه الجملة من فرائد البلاغة المسموعة التي لا تحتذى ولا يؤتي بمثل لها قد جاءت على هذه الكيفية النادرة مثلها في حسنها، فلا يمكن تطبيقها على القواعد الموضوعة للكلام المعروف عند جميع العرب الدائر على ألسنة أهل الفصاحة والفهاهة على السواء.
إن القواعد النحوية ونحوها وضعت بعد وضع اللغة لا قبلها فلا يمكن أن تكون عامة شاملة لكل كلام، ولكن النحاة حاولوا إدخال كل الكلام في قواعدهم، وكان يجب أن يقولوا كما قال بعض أهل اللغة في بعض الكلام النادر الاستعمال إنه ورد هكذا على غير القاعدة التي وضعناها فهو نظام سماعي يحفظ في اللغة ولا يقاس عليه.
<div class="verse-tafsir"
جمهور المفسرين على أن هذا الكلام جديد وهو انصراف عن الموضوع قبله ولكن قوله تعالى بعد ثلاث آيات: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ﴾ إلخ، يدل على أن الكلام في شأن اليتامى لا يزال متصلًا، فإنه بعد أن بَيَّن التفصيل في حرمة أكل أموال اليتامى، وأمر بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا، ذكر أن المال الموروث الذي يحفظه الأولياء لليتامى يشترك فيه الرجال والنساء خلافًا لما كان في الجاهلية من عدم توريث النساء، فهذا تفصيل آخر في المال نفسه بعد ذلك التفصيل في الإعطاء ووقته وشرطه.
ومال اليتامى إنما يكون في الأغلب من الوالدين والأقربين، فمعنى الآية إذا كان لليتامى مال مما تركه لهم الوالدون والأقربون فهم فيه على الفريضة لا فرق في شركة النساء والرجال فيه بين القليل والكثير، ولهذا كرر ﴿ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾ وعنى بقوله: ﴿ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ أنه حق معين مقطوع به لا محاباة فيه وليس لأحد أن ينقصهم منه شيئًا.
﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ الخطاب في قوله: ﴿ فَارْزُقُوهُمْ ﴾ لأرباب المال الذين يقسم عليهم، وإذا كانت القسمة بين اليتامى الذين رشدوا كان للولي أن يعظهم ويرشدهم إلى ما ينبغي في هذه الحال وليس له أن يعطي شيئًا من غير ماله إلا بإذن أرباب المال، والأدب الذي يرشد إليه الكتاب في هذا المقام هو اعتبار أن هذا المال رزق ساقه الله إلى الوارثين عفوًا بغير كسب منهم ولا سعي، فلا ينبغي أن يبخلوا به على المحتاجين من ذوي القربى واليتامى والمساكين من أمتهم، ويتركوهم يذهبون منكسري القلب مضطربي النفس، ومنهم من يكون الحرمان مدعاة حسده للوارث.
وأما قول المعروف فهو ما تطيب به نفوس هؤلاء المحتاجين عندما يأخذون ما يفاض عليهم حتى لا يثقل على عزيز النفس منهم ما يأخذه، ويرضى الطامع في أكثر مما أعطى بما أعطى فإن من الفقراء من يظهر استقلال ما ناله، واستكثار ما نال سواه فينبغي أن يلاطف مثل هذا ولا يغلظ له في القول.
والحكمة في الأمر بقول المعروف أن من عادة الناس أن يتضايقوا ويتبرموا من حضور ذوي القربى مجلسهم في هذه الحالة، ومن كان كارهًا لشيء تظهر كراهته له في فلتات لسانه، فعلمنا الله تعالى هذا الأدب في الحديث لنهذب به هذه السجية التي تعد من ضعف الإنسان المشار إليه في مثل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا ﴾ الآيات.
ذهب بعض المفسرين إلى أن الأمر بقوله: ﴿ فَارْزُقُوهُمْ ﴾ للندب، وقالوا إنه لو كان واجبًا لحدد وقدر كما حددت المواريث، وليس هذا بدليل فقد يجب العطاء ويوكل الأمر في المقدار إلى المعطي.
وقال سعيد بن جبير إنه للوجوب، وهجره الناس كما هجروا العمل بآية الاستئذان عند دخول البيوت، وهذا هو القول المختار، والقول بأنه ندب أو منسوخ من تفسير القرآن بالرأي، وهو أن يختار الإنسان لنفسه رأيًا ومذهبًا ويحاول جر القرآن إليه وتحويله إلى موافقته بإخراج الألفاظ عن ظواهر معانيها المتبادرة منها، وإن من رحمة الله تعالى بنا أن فوض أمر مقدار ما نعطيه إلينا وجعله مما يتفاضل فيه الأسخياء.
﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ ، في الآية وجهان: أحدهما: أن المطالبين بالقول السديد في هذه الآية هم المطالبون بالقول المعروف في الآية التي قبلها، فتكون هذه الآية معللة للأمر بالقول المعروف في تلك متصلة بها مباشرة، ذلك أنه يجوز أن ينهي بعض حاضري القسمة عن رزق اليتامى والمساكين الذين يحضرونها.
وهذا يكثر في الناس لا سيما إذا كان الورثة من الأغنياء الوجهاء، فإن الناس يتحببون إليهم بما يوهم الغيرة على أموالهم.
فالله تعالى يذكر هؤلاء الذين يحولون دون عمل البر بأن يخافوا الله أن يتركوا بعد موتهم ورثة ضعفاء يحتاجون ما يحتاجه حاضر والقسمة وطالبو البر من اليتامى والمساكين فيعاملوا بالحرمان والقسوة، فهو يرشدهم إلى معاملة هؤلاء الضعفاء بمثل ما يحبون أن تعامل به ذريتهم إذا تركوهم ضعافًا.
والوجه الثاني: أن الخطاب للأوصياء والأولياء الذين يقومون على اليتامى، فهو بعد الوصية بحفظ أموالهم وحسن تربيتهم بابتلائهم واختبارهم بالعمل ليعرف رشدهم، أمرهم بإحسان القول لهم أيضًا، فإن اليتيم يجرحه أقل قول يهين لا سيما ذكر أبيه وأمه بسوء.
وقد جرت العادة بتساهل الناس في مثل هذه الأقوال وإن كانوا عدولًا حافظين للأموال محسنين في المعاملة، فقلما يوجد يتيم في بيت إلا ويمتهن ويقهر بالسوء من القول، وذكر والديه بما يشينهما ولذلك ورد التأكيد بالوصية باليتامى في الكتاب والسنة.
<div class="verse-tafsir"
الخطاب في الآية عام موجه إلى جميع المكلفين في الأمة لأنهم؛ هم الذين يقسمون التركة وينفذون الوصية، ولتكافل الأمة في الأمور العامة.
﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، واختير فيها هذا التعبير للإشعار بإبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع توريث النساء، كما تقدم فكأنه جعل إرث الأنثى مقررًا معروفًا، وأخبر بأن للذكر مثله مرتين، أو جعله هو الأصل في التشريع وجعل إرث الذكر محمولًا عليه، يعرف بالإضافة إليه، ولولا ذلك لقال: للأنثى نصف حظ الذكر، وإذا لا يفيد هذا المعنى ولا يلتئم السياق بعده كما ترى.
﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ : هذا تحريض على أخذ وصية الله تعالى وأحكامه بقوة، وتنبيه إلى أنه تعالى فرضها وهو يعلم ما فيها من الخير والمصلحة لنا ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ، وإذا كنا نعلم أنه تعالى شأنه أعلم منا بمصالحنا ومنافعنا فما علينا إلا أن نذعن لوصاياه وفرائضه، ونعمل بما ينزله علينا من هدايته، وكما يشير اسم العليم هنا إلى وضع تلك الأحكام على قواعد العلم بمصلحة العباد ومنفعتهم يشير أيضًا إلى وجوب مراقبة الوارثين والقوام على التركات لله تعالى في عملهم بتلك الأحكام، لأنه لا يخفى عليه حال من يلتزم الحق في ذلك ويقف عند حدود الله وحال من يتعدى تلك الحدود بأكل شيء من الوصايا أو الدين أو حق صغار الوارثين أو النساء الذي فرضه الله لهم كما كانت تفعل الجاهلية، ولذلك قال في الآية السابقة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ فللتذكير بعلمه تعالى هنا فائدتان، تتعلق بحكمة التشريع، وفائدة تتعلق بكيفية التنفيذ.
وقد يخطر في البال أن المناسب الظاهر في هذه الآية أن يقرن وصف العلم بوصف الحكمة كالآية الأخرى فيقال: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ فما هي النكتة في إيثار الوصف بالحلم على الوصف بالحكمة، والمقام مقام تشريع وحث على اتباع الشريعة، لا مقام حث على التوبة فيؤتى فيه بالحلم الذي يناسب العفو والرحمة؟
والجواب عن ذلك أن التذكير بعلم الله تعالى لما كان متضمنًا لإنذار من يتعدى حدوده تعالى فيما تقدم من الوصية والدين والفرائض ووعيده، وكان تحقق الإنذار والوعيد بعقاب معتدي الحدود وهاضم الحقوق قد يتأخر عن الذنب، وكان ذلك مدعاة غرور الغافل، ذكرنا تعالى هنا بحلمه لنعلم أن تأخر نزول العقاب لا ينافي ذلك الوعيد والانذار، ولا يصح أن يكون سببًا للجراءة والاغترار، فإن الحليم هو الذي لا تستفزه المعصية إلى التعجيل بالعقوبة، وليس في الحلم شيء من معنى العفو والرحمة، فكأنه يقول لا يغرن الطامع في الاعتداء وأكل الحقوق تمتع بعض المعتدين بما أكلوا بالباطل فينسى علم الله تعالى بحقيقة حالهم، ووعيده لأمثالهم، فيظن أنهم بمفازة من العذاب فيتجرأ على مثل ما تجرأوا عليه من الاعتداء، ولا يغرن المعتدي نفسه، تأخر نزول الوعيد به، فيتمادى في المعصية، بدلًا من المبادرة إلى التوبة، لا يغرن هذا ولا ذاك تأخير العقوبة فإنه إمهال يقتضيه الحلم، لا إهمال من العجز أو عدم العلم، وفائدة المذنب من حلم الحليم القادر أنه يترك له وقتًا للتوبة والإنابة بالتأمل في بشاعة الذنب وسوء عاقبته، فإذا أصر المذنب على ذنبه، ولم يبق للحلم فائدة في إصلاح شأنه، يوشك أن يكون عقاب الحليم له أشد من عقاب السفيه على البادرة عند حدوثها، ومن الأمثال في ذلك: ﴿ اتقوا غيظ الحليم ﴾ ذلك بأن غيظه لا يكون إلا عند آخر درجات الحلم إذا لم تبق الذنوب منه شيئًا، وعند ذلك يكون انتقامه عظيما.
نعم إن حلم الله تعالى لا يزول ولكنه يعامل به كل أحد بقدر معلوم: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بحلمه كما أنه لا ينبغي له أن يغتر بكرمه ﴿ يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ كَلَّا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
الإشارة في قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ تتناول الأحكام التي ذكرت من أول هذه السورة إلى ما قبل هذه الآية أي أنه تعالى جعل تلك الأحكام حدودًا لأعمال المكلفين ينتهون منها إليها ولا يجوز لهم أن يتجاوزوها ويتعدوها، وهكذا جميع أحكامه في المأمورات والمنهيات وكذا المباحات فإن لها حدودًا إذا تجاوزها المكلف وقع في المحظور فقد قال : ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ .
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ : طاعة الرسول هي طاعة الله بعينها لأنه إنما يأمرنا بما يوحيه إليه الله من مصالحنا التي فيها سعادتنا في الدنيا والآخرة، وإنما يذكر طاعة الرسول مع طاعة الله لأن من الناس من كانوا يعتقدون قبل اليهودية وبعدها وكذلك بعد الإسلام إلى اليوم، أن الإنسان يمكن أن يستغني بعقله وعلمه عن الوحي، يقول أحدهم: إنني أعتقد أن للعالم صانعًا عليمًا حكيمًا، وأعمل بعد ذلك بما يصل إليه عقلي من الخير واجتناب الشر.
وهذا خطأ من الإنسان، ولو صح ذلك لما كان في حاجة إلى الرسل، وقد تقدم في تفسير سورة الفاتحة أن الإنسان محتاج بطبيعته النوعية إلى هداية الدين، وأنها هي الهداية الرابعة التي وهبها الله للإنسان بعد هداية الحواس والوجدان والعقل، فلم يكن العقل في عصر من عصوره كافيًا لهداية أمة من أممه ومرقيًا له بدون معونة الدين.
﴿ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا ﴾ إن في ذكر أهل الجنة بلفظ الجمع إشارة إلى تمتعهم بالاجتماع، وأنس بعضهم ببعض، والمنعم يسره أن يكون مع غيره، قال المعري الحكيم: ولو أني حبيت الخلد وحدي لما أحببت بالخلد انفرادا وأما من قذفه عصيانه لله ولرسوله في النار فإن له من العذاب ما يمنعه عن الأنس بغيره فهو وحيد لا يجد لذة في الاجتماع بغيره ولا أنسًا، فلما كان لا يتمتع بمنفعة من منافع الاجتماع كان كأنه وحيد والتعبير بلفظ "خالدًا" يشير إلى ذلك.
ذهب بعض المختلفين إلى أن تعدي حدود الله تعالى هنا يراد به جميع الحدود لا جنسها، ومن تعدى حدود الله كلها ولم يقف عند شيء منها فهو كافر خالد في النار.
وقال بعضهم إن التعدي يصدق بالبعض وهو يكون من الكفر وجحود الحكم بعدم الإذعان له.
والجحود إما صريح وإما غير صريح ولكنه حقيقي وإن لم يصرح به صاحبه، فإن أخذ شيء من حق إنسان وإعطاءه لآخر لا يكون إلا من إنكار حكم الله في تحريم ذلك أو الشك فيه، وإن الحاكم إذا ثبتت عنده السرقة فحبس السارق ولم يقطع يده كان منكرًا للحد الذي أوجب الله معاقبة السارق به، أو مستقبحًا له وكلاهما من الكفر وإن لم يصرح به صاحبه.
وإذا تأملتم في هذا الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة تجدونه لفظيًا فإن الكلام في المصير على الذنب مع العلم بأنه ذنب، لأنه تعالى قال في الناجين المسارعين إلى الجنة: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ فإن من يعمل الذنب ولا يخطر في باله عند ارتكابه أنه منهي عنه لا يعد مُصِرًا عالمًا، وقد بينا من قبل أن للمذنب حالتين، وإننا نعيد ذلك ولا نزال نلح في تقريره إلى أن نموت: الحالة الأولى: غلبة الباعث النفسي من الشهوة أو الغضب على الإنسان حتى يغيب عن ذهنه الأمر الإلهي فيقع في الذنب وقلبه غائب عن الوعيد غير متذكر للنهي، وإذا تذكره يكون ضعيفًا كنور ضئيل يلوح في ظلمة ذلك الباعث المتغلب ثم لا يلبث أن يزول أو يختفي، فإذا سكنت شهوته أو سكت عنه غضبه وتذكر النهي والوعيد ندم وتاب، ووقع من نفسه في أشد اللوم والعتاب، وذلك ضرب من ضروب العقاب، وصاحبه جدير بالنجاة في يوم المآب.
الحالة الثانية: أن يقدم المرء على الذنب جريئًا عليه، متعمدًا ارتكابه، عالمًا بتحريمه، مؤثرا له على الطاعة بتركه لا يصرفه عنه تذكر النهي والوعيد عليه، فهذا هو الذي قد أحاطت به خطيئته حتى آثر طاعة شهوته على طاعة الله ورسوله فصدق عليه قوله تعالى: ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .
ربما يقول قائل: إننا نرى كثيرًا من أفراد هذا الصنف مع تلبسهم بهذه الحالة يطمعون في عفو الله ومغفرته وذلك دليل الإيمان المنجي.
والجواب عن هذا: أن من يصر على معصيته تعالى عامدًا عالمًا بنهيه ووعيده لا يكون مؤمنًا بصدق خبره، ولا مذعنًا لشرعه الذي تنال رحمته ورضاه بالتزامه، وعذابه وبأسه باعتداء حدوده، فيكون إذا مستهزءًا به، فالإصرار على العصيان مع عدم استشعاره الخوف والندم لا يجتمع مع الإيمان الصحيح بعظمة الله وصدقه دي وعده ووعيده، وبهذا الذي قررته يكون الخلاف لفظيًا لا حقيقيًا.
﴿ وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ أراد الله تعالى بالعذاب المهين عذاب الروح بالإهانة.
<div class="verse-tafsir"
اختلف المفسرون في الآيتين فالجمهور على أنهما في الزنا خاصة، ولأجل الفرار من التكرار قالوا: إن الآية الأولى في المحصنات أي الثيبات فهن اللواتي كان يحبسن في البيوت إذا زنين حتى يتوفاهن الموت، والثانية في غير المحصنين والمحصنات أي في الأبكار ولهذا كان العقاب فيها أخف، وعلى هذا يكون الزاني المحصن مسكوتا عنه.
والآيتان على هذا القول منسوختان بالحد المفروض في سورة النور وهو السبيل الذي جعله الله للنساء اللواتي يمسكن في البيوت.
ولكن يبقى في نظم الآية شيء وهو أن كلا من توفِّي الموت ومن جعل السبيل قد جعل غاية للإمساك في البيوت بعد وقوعه، فعلى هذا لا يصح تفسير السبيل بإنزال حكم جديد فيهن يكون المعني على هذا التفسير فامسكوهن في البيوت إلى أن يمتن أو ينزل الله فيهن حكمًا جديدًا.
وقد فسر السبيل بعضهم بالزواج كأن يسخر الله للمرأة المحبوسة رجلًا آخر يتزوجها، وقد وافق (الجلال) الجمهور في الأولى وخالفهم في الثانية فقال إنها في الزنا واللواط معا ثم رجح أنها في اللواط، فتكون الأولى منسوخة على رأيه، والثانية غير منسوخة.
وخالف الجمهور أبو مسلم في الآيتين فقال: إن الأولى في المساحقات، والثانية في اللواط فلا نسخ.
وحكمة حبس المساحقات على هذا القول هو أن المرأة التي تعتاد المساحقة تأبى الرجال وتكره قربهم -أي فلا ترضى أن تكون حرثًا للنسل- فتعاقب بالإمساك في البيت والمنع من مخالطة أمثالها من النساء إلى أن تموت أو تتزوج.
وفي إسناد جعل السبيل لها إلى الله تعالى إشارة إلى عسر النزوع عن هذه العادة الذميمة، والشفاء منها حتى بالترك الذي هو أثر الحبس فكأنها لا تزول إلا بعناية خاصة منه تعالى.
واعترض على أبي مسلم بأن تفسير الفاحشة في الآية الأولى لم يقل به أحد وبأن الصحابة اختلفوا في حد اللواط، فأجاب عن الأول بأن مجاهدًا قال به، وناهيك بمجاهد، وبأنه ثَبتَ في الأصول أنه يجوز للعالم أن يفسر القرآن ويفهم منه ما لم يكن مرويًا عن أحد بشرط أن لا يخرج بذلك عن مدلولات اللغة العربية في مفرداتها وأساليبها، وأجاب عن الثاني بأن الصحابة إنما اختلفوا في حد اللواط وهذا لا يمنع كون الآية نزلت في العقوبة عليه وهي لا حد فيها.
ومما يجاب به عن أبي مسلم أن الصحابة ما كانوا يجلسون لتفسير القرآن إلا عند الحاجة، وإنما كانوا يتدارسونه ويتدبرونه للاهتداء والاتعاظ وهم يفهمونه لأنه نزل بلغتهم فإذا سألهم سائل عن تفسير آية ذكروا له تفسيرها، وقد يسكتون عن حكم الشيء السنين الطوال لعدم وقوعه فإذا وقعت الواقعة ذكروا حكمها، فإذا جاء في القرآن حكم السحاق ولم نجد عندنا رواية عن الصحابة فيه ولا حكمًا منهم على امرأة بالحبس لأجله علمنا أن سبب هذا وذاك هو أنه لم يقع في زمنهم ويشهد به أربعة منهم، وإذا كان القرآن يضع عقابًا على فاحشة أو جريمة فيمتنع عنها أهل الإيمان فلا تقع، أو لا تظهر فيهم ولا تثبت على أحد، فهذا مما نحمد الله تعالى عليه ونحمد المؤمنين والمؤمنات، ولا نعده من المستحيلات، فالحق أن ما ذهب إليه أبو مسلم هو الراجح في الآيتين.
وبحثوا في جمع اللاتي يأتين الفاحشة وتثنية اللذين يأتيانها وعدوه مشكلًا، وما هو بمشكل، بل نكتته ظاهرة وهي أن النساء لما كن لا يجدن من العار في السحاق ما يجده الرجل في إتيان مثله كانت فاحشة السحاق مظنة الشيوع والإظهار بين النساء، وفاحشة اللواط مظنة الإخفاء حتى لا تكاد تتجاوز اللذين يأتيانها.
ففي التعبير بصيغة المثنى إشارة إلى ذلك وتقرير لكون فاحشة اللواط عارًا فاضحًا يتبرأ منه كل ذي فطرة سليمة، ويجوز أن يكون اختلاف التعبير بالجمع والتثنية من باب التنويع فذلك معهود في الكلام البليغ مع الأمن من الاشتباه.
<div class="verse-tafsir"
ذكر في الآية السابقة التوبة وبيّن في هذه الآية حكمها وحالها ترغيبًا فيها وتنفيرًا عن المعصية بما شدد في شرط قبولها، وفيه إرشاد لأولياء الأمر إلى الطريق الذي يسلكونه مع العصاة في معاقبتهم وتأديبهم، فإنه فرض في الآية السابقة معاقبة أهل الفواحش، وأمر بالإعراض عمن تاب بشرط إصلاح العمل، وكأن هذه الآية شرح لذلك الإصلاح، أي إن تابوا مثل هذه التوبة فأعرضوا عنهم وكفوا عن عقابهم.
ويذكرون ههنا مسألة الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة في وجوب الصلاح عليه تعالى والقول الفصل في ذلك: أن قبول هذه التوبة على الله تعالى ليس بإيجاب موجب له سلطة يوجب بها على الله، تعالى الله عن ذلك!
وإنما ذلك من جملة الكمال الذي أوجبه تعالى على نفسه بمشيئته واختياره، وهذه العبارة وأمثالها مما ظاهره وجوب بعض الأشياء على الله قد جاءت على طريق العرب في التخاطب، ولا يفهم منها إلا أن ذلك واقع ما له من دافع، ولكن بإيجاب الله تعالى له، ولا يمكن أن يظن عاقل أن قانونًا يحكم على الألوهية، فجعل الخلاف في هذه المسألة لفظيًا ظاهرًا لا تكلف فيه.
والسوء هو العمل القبيح، والجهالة تصدق بمعنى السفاهة وبمعنى الجهل الذي هو ضد العلم فالسفاهة إنما سميت سفاهة لأن صاحبها يجهل عاقبتها الرديئة أو يجهل مصلحة نفسه.
وقال بعضهم: المراد بالجهالة هنا العصيان والمخالفة، وعبر عن ذلك بالجهالة لبيان قبحه ولتضمنه للجهالة وتنزيل المعاصي منزلة الجاهل بمصلحة نفسه.
وقال بعضهم: إن المراد بها عدم العلم التام بمقدار ما يترتب على عمل السوء من العقاب، لا تعمد العصيان، وذلك أن ناقص العلم بحقيقة الذنوب ووجه ترتب العقاب عليه ودرجة ذلك العقاب وتحتمه يقع في الذنب، ويعمل السوء باختياره غير مغلوب على أمره وهو يظن أنه عمل ما فيه الخير والنفع لنفسه، كاللص يعلم أن السرقة محرمة ولكنه لا يعلم أن العقاب عليها حتى لأن عنده احتمالات من العلم الناقص تشككه فيما ورد من وعيد السارق كشفاعة الشفعاء من المشايخ والجيران الصالحين، وكاحتمال العفو والمغفرة، وكالمكفرات، فإذا عرض له شيء يسرقه وتذكر الوعيد على السرقة ينتصب في ذهنه ميزان الترجيح بين الانتفاع العاجل بما يسرقه، والعقاب الآجل على هذه المعصية فإذا عرض له الشك في العقاب رجحت كفة داعية السرقة لأن الانتفاع بالمسروق يقيني، والعقاب عليه مشكوك فيه.
وهكذا شأن الإنسان في جميع الأعمال الاختيارية لا يمكن أن يأتي شيئًا منها إلا إذا كان يعتقد نفعه له ورجحانه على مقابله إن خطر في باله المقابل، فعلم من هذا أن عمل السوء لا يمكن أن يصدر من الإنسان إلا مع التلبس بالجهل، وعدم إقامة الميزان القسط في الترجيح بين الفعل والترك، فهو لا يرتكب المعصية إلا جهلًا بحقيقة الوعيد، أو متأولًا له بمثل ما أشرنا إليه من انتظار الشفاعة والمغفرة، أو مغلوبًا بشهوة أو غضب، فإذا زالت الجهالة عن قريب فتاب كانت توبته مقبولة حتمًا، واختلفوا فيالزمن القريب: فعن ابن عباس وغيره هو أن يتوب في حال الصحة والأمل في الحياة، وعن ابن جرير هو أن يتوب وهو مدرك يعقل، وأشهر الأقوال أن يتوب قبل الغرغرة.
إن من كان قوي الإيمان بحيث لا تقع المعصية منه إلا عن بادرة غضب أو شهوة، أو جهل بأنها معصية تستوجب العقوبة، فهو من أولئك الذين لا يقع منهم عمل السوء إلا هفوة بعد هفوة، ولا يلبثون أن يبادروا إلى التوبة، ولذلك ذكر السوء مفردًا وقال فيمن لا تقبل توبتهم: ﴿ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ بالجمع فأشعرنا أن التوبة إنما تقبل حتمًا ممن تقع الذنوب منهم أفذاذًا، ويلم واحدهم بها إلمامًا، ولكنه لا يصر عليها، بل يبادر إلى التوية منها، ثم قد يطوف به بعد التوبة طائف آخر من الشيطان، فيعود ثانية إلى العصيان، ويتبعه التوبة والإحسان، فلا تتمكن من نفسه ظلمة المعصية، ولا تحيط به الخطيئة، فالصواب أن يفسر قوله تعالى: ﴿ مِنْ قَرِيبٍ ﴾ بالقرب من زمن الذنب وهو المتبادر من اللفظ عند أهل اللغة، والذنب التائب أحد رجلين: رجل عارف بتحريم الذنب ولكن تلم به تلك الجهالة، التي تحدث الرعونة في الإرادة، فيقع في الذنب ثم يثوب إليه علمه فيؤثر في نفسه فيتوب، ورجل وقع في الذنب وهو لا يعلم أنه محرم، ولكنه على جهله ببعض أمور الدين ليس راضيًا بجهله، ولا مهملًا لأمر دينه، بل هو يبحث ويسأل ويتعلم فلا يطول عليه الأمد حتى يعلم أن ما كان ألم به محرم فيتوب منه حالًا.
فكل من هذين يصدق عليه أنه تاب من قريب، فالقرب ليس له حد محدود وإنما هو أمر نسبي فمن أصر على عمل السوء زمنًا طويلًا لجهله بأنه معصية محرمة ثم علم فتاب فلا شك أن الله تعالى يقبل توبته وقد يصدق عليه أنه تاب من قريب بالنسبة إلى زمن العلم.
إنهم يقسمون التائبين إلى طبقات، ويقولون: إن الإنسان عريق في الشر كأنه عجن بطينته، ذلك أن الشهوات الحيوانية تسبق فيه الشهوات العقلية، فهو يألف الشهوات أولًا ثم يجيء العقل ليضع لتلك الشهوات النظام والقوانين، والعلم بما شرع فيها من هداية الدين، ومجاهدة النفس على امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فكل إنسان له هفوة قبل أن يستحصف العقل، ويفقه أسرار النقل، فمن الناس من هو كبير النفس عالي الاستعداد إذا وقع في الخطيئة مرة، كان له أكبر عبرة، وهو لا يقع فيها إلا وهو غافل عن عواقبها، ومصورًا إياها بصورة أحسن من صورتها، وأنتم تعلمون أن الإنسان لا يعرف مقدار الشيء قبل الدخول فيه، فإذا ألّم العاقل السليم الفطرة بالذنب وذاق لذاته عرف حقيقته وعند ذلك يعود إليه علمه الذي حجبته عنه الشهوة، ويقوى في نفسه ما كان ضعف نور البصيرة، فيوازن بين هذه اللذة، وبين قبح المعصية، وما لها من سوء العاقبة، فيظهر له من مهانة نفسه وسوء اختياره، ما عسى أن يصير إليه أمره إذا عاد إلى ذلك واعتاده وعرف به، فيندم ويقلع عن هذا الذنب وعن غيره، ويحمل نفسه على الفضيلة، ويصرفها عن كل رذيلة.
ومن الناس من تكون داعية الشهوة أقوى في نفوسهم وأرسخ فكلما أطاعوها في معصية قامت الخواطر الإلهية تحاربها بلوم صاحبها وتوبيخه حتى تنتصر عليها وتقهرها قهرًا لا تقوم لها بعده قائمة، وهؤلاء يعدون من التوابين أيضًا، ومنهم فرقة تقوى بالمجاهدة على اجتناب كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم فتكون الحرب في نفوسهم سجالًا بين ما يلمون به من الصغائر، وبين الخواطر الإلهية التي هي جند الإيمان.
وكثير من الناس يقع في الذنب فيتوب ويستغفر، ثم يعرض له مرة أخرى فيعود إليه، ثم يلوم نفسه ويندم ويستغفر وهلم جرا، فهؤلاء في أدنى طبقات التوابين، والنفس الباقية أرخص عندهم من الفانية، وهم مع ذلك محل للرجاء لأن لهم زاجرًا من أنفسهم يذكرهم دائمًا بالرجوع إلى الله تعالى عقب كل خطيئة فيوشك أن يقوى هذا الزاجر المذكر على الشهوات المزينة للخطيئة، فإن كل تكرار الإثم يزيد الشهوة ضراوة والنفس جرأة فتكرار تذكير العلم الصحيح يحدث فيها ألمًا يقاوم تلك الضراوة بتقريع النفس وتحقيرها وتصوير سوء العاقبة لها، فتكون الحرب سجالًا، وأثر الآلام في النفس أقوى من أثر اللذات فإما أن تنتصر الخواطر والزواجر الإلهية بذلك فيلحق صاحب هذه النفس ببعض تلك الطبقات التي صحت توبتها، وإما أن تنكسر أمام جند الشهوة حتى تحيط بصاحبها الخطيئة فيكون من المصرين الهالكين.
ثم قال تعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ أشار إليهم بعد حصر التوبة المقبولة لهم لتأكيد ذلك الحصر، ولاستحضارهم في الذهن عند الحكم، حتى لا يخطر في بال القارئ والسامع إشراك غيرهم معهم فيه، وضمن التوبة معنى العطف أي يعطف عليهم بقبول توبتهم، ويعود برحمته عليهم.
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ إن مثل هذا كان معهودًا في الأديان السابقة، وذلك أن الأمم استثقلت التكاليف لجهلها بفائدتها ففسقت عن أمر ربها واتبعت أهواءها وجعلت حظها من الدين بعض الأذكار والأوراد السهلة التي لا تمنعها من شهواتها وأهواءها شيئًا، فصار الدين عند أكثرهم عبارة عن حركات لسانية وبدنية لا تهذب خلقًا ولا تصلح عملًا، وقد اتبع الكثيرون مناسبتهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع ﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ .
بعد ما بيّن تعالى حال من ضمن قبول توبتهم قال مبينًا حال من قطع بأنه ليس لهم توبة مقبولة عنده ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ﴾ قال تعالى في الآية السابقة ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ ﴾ لم يقل هنا "وليست التوبة على الله" إلخ، وذلك أنه ليس المراد نفي القطع بقبول توبتهم، وإنما المراد نفي وقوع التوبة الصحيحة منهم وأنه ليس من شأنها أن تكون لهم، ولو نفي كونها مما أوجبه تعالى على نفسه لكان المعنى أنها غير واجبة لهم ولا مقطوع بقبولها منهم ولكنهم قد ينالونها.
وقال هناك ﴿ يَعْمَلُونَ السُّوءَ ﴾ وههنا ﴿ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ والجمع ههنا يعم جمع أفراد النوع الواحد من المعاصي التي تكون بالإصرار والتكرار، فالمصر على ذنب واحد من الذين يعملون السيئات حتمًا، ويعم جمع الأنواع المختلفة منها.
وقال هناك ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ ﴾ فأسند التوبة إليهم وقال ههنا ﴿ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ ﴾ فبيّن أن واحد هؤلاء يدعي التوبة عند العلم بالعجز عن الذنب، أي أن قلبه لم ينخلع من الذنب ونفسه لم ترغب عنه فيكون تائبًا.
وإنما مثله كمثل رجل كان يعيث في أرض آخر فسادًا فظفر به هذا ووضع السيف على عنقه وأراد أن يفصل رأسه عن بدنه فاستغاث وقال: إنه لا يعود إلى ذلك الإفساد، ولكن نفسه لم تنفر منه ولم تستقبحه لأنه فساد، فهي إذا زال الخوف تعود إلى الدعوة إليه، ولا تلقى من صاحبها إلا الطاعة والانقياد، ولهذا قيد القول بكلمة "الآن" والآنية تنافي الاستمرار الذي دل عليه المضارع "يتوبون" هناك.
ومن هنا يمكننا أن نميز الحق من بين تلك الأقوال التي رووها في حضور الموت كقولهم إن المراد به حال الحشرجة أو الغرغرة أو ذهاب التمييز والإدراك، ومن كان في مثل هذه الأحوال لا يصدر عنه قول.
والمختار أن المراد بحضور الموت هو تحقق وقوعه واليأس من الحياة، و "حتى" ابتدائية وما بعدها غاية لما قبلها، أي ليست التوبة للذين يعملون السيئات منهمكين فيها إلى حضور موتهم وصدور ذلك القول منهم.
إنهم يرون هنا أحاديث في قبول توبة العبد ما لم يغرغر أو تبلغ روحه الحلقوم، وإني أوافقهم على ذلك إذا حصلت التوبة بالفعل، بأن أدرك المذنب قبح ما كان عمله من السيئات وكرهه وندم على مزاولته وزال ميله إليه من قلبه بحيث لو عاش لما عاد إليه.
وما كل تصور لقبح الذنب أو تصديق بقبحه وضرره يكون سببًا لتركه فإن للتصورات والتصديقات مراتب لا يعتد منها في باب العلم النافع إلا بالقوي الذي يترتب عليه العمل لرجحانه على مقابله.
وإليكم مثلًا للتصديق المرجوح، فأنا أصدق ما قاله الأطباء لي أن صوتي يضره الحامض، وقد أيدت التجربة ذلك، وأنا مع ذلك لا أعده علمًا يقينًا تامًا لأنه مغلوب بعلم وجداني أقوى منه وهو ما ألفت النفس من إدراك لذة الحامض وطلب الطبيعة له، ولو كان علمًا تامًا لما تناولت الحامض في بعض الأوقات، فإن العلم الحقيقي هو الذي يحكم على الإرادة ويصرفها في العمل فلا تجد عن طاعته مصرفًا.
وهذا المعنى هو الذي أدركه الصوفية إذ قالوا إن الاعتقاد أو الإدراك لا يكون علمًا صحيحًا نافعًا يثيب الله عليه إلا إذا صار ذوقًا، ويعنون بصيرورته ذوقًا أن يصير وجدانًا للنفس يمتزج بها ويكون هو الحاكم عليها.
فليت شعري هل يحدث للمُصِرّ على السيئات المستأنس بها في عامة أيام الحياة مثل هذا الوجدان لقبحها وكراهتها قبل الموت من حيث أنها مدنسة للنفس، مبعدة لها عن منازل الأبرار؟
أم الذي يحصل له هو إدراك العجز عنها واليأس منها وكراهة ما يتوقعه من قرب العقاب عليها بالموت الذي يكون من ورائه نزول الوعيد به؟
وهل يسمى هذا الأخير توبة من الذنب، ورجوعًا إلى ما يرضاه الرب؟
الله أعلم بالسرائر، وإنما يجازي الناس بحسب ما يعلم، وعلينا أن نأخذ بالأحوط والأسلم.
قال تعالى: ﴿ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ إن المراد بالكفر هنا ما هو دون الشرك، وعدم تصديق دعوة النبوة وهو استعمال معروف في القرآن وصرح به بعض العلماء الأعلام وقالوا إنه يوجد كفر دون كفر، وبه فسر أبو حامد الغزالي الحديث الصحيح: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"، فقد بيّن أن ما يجب الإيمان به قسمان: قسم يجب أن يعلم لذاته ولا يتعلق به عمل كالإيمان بوجود الله ووحدانيته وسائر ما وصف به نفسه، وبالوحي وصدق الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وقسم يجب أن يعلم ليعمل به كالإيمان بالفرائض وكون أدائها من أسباب رضوان الله، ومثوبته وبتحريم المحرمات وكون اقترافها من أسباب سخطه تعالى وعقابه، أي فوق ما في الفرائض من إصلاح النفس وحال الاجتماع، وما في المحرمات من الضرر في الأفراد والجمعيات.
<div class="verse-tafsir"
وجه الاتصال ظاهر وهو أن الكلام من أول السورة في النساء والبيوت وإنما جاء ذكر التوبة استطرادًا.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ كانت العرب تحتقر النساء وتعدهن من قبيل المتاع والعروض، حتى كان الأقربون يرثون زوجة من يموت منهم كما يرثون ماله فحرم الله هذا العمل من أعمال الجاهلية، ولفظ الكره هنا ليس قيدًا وإنما هو بيان للواقع الذي كانوا عليه فإنهم كانوا يرثونهن بغير رضاهن.
﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ ليس معنى العضل هنا ما قاله المفسر (الجلال) من أنه المنع من زواج الغير، بل معناه لا تضاروهن ولا تضيقوا عليهن ليكرهنكم ويضطررن إلى الافتداء منكم، فقد كانوا يتزوجون من يعجبهم حسنها، ويزوجون من لا تعجبهم أو يمسكونها حتى تفتدى بما كانت ورثت من قريب الوارث أو ما كانت أخذت من صداق ونحوه أو المجموع من هذا وذاك، وربما كلفوها الزيادة إن علموا أنها تستطيعها، وذلك هو الفضل المحرم منها.
﴿ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ روي عن بعض مفسري السلف أن الفاحشة هنا هي الزنا، وعن بعضهم أنها النشوز، وعن بعضهم أنها الفحش بالقول.
والصواب عدم تعيينها وتخصيصها بأحد هذه الأمور بل تبقى على إطلاقها فتصدق بالسرقة أيضًا فإنها من الأمور الفاحشة الممقوتة عند الناس، ولكن يعتبر فيها الوصف المنصوص وهو أن تكون مبينة أي ظاهرة فاضحة لصاحبها، وإنما اشترط هذا القيد لئلا يظلم الرجل المرأة بإصابتها الهفوة واللمم، أو بمجرد سوء الظن والتهم، فمن الرجال الغيور السيء الظن يؤاخذ المرأة بالهفوة فيعدها فاحشة.
وقد حرم الله المضارة لأجل أن يأخذ الرجل منها بعض ما كان آتاها من صداق أو غيره فعلم منه أن المضارة لأخذ جميع ذلك أو أكثر منه حرام بالأولى، وإنما أُبيح للرجل أن يضيق على امرأته إذا أتت بالفاحشة المبينة، لأن المرأة قد تكره الرجل وتميل إلى غيره فتؤذيه بفحش من القول أو الفعل ليملها ويسأم معاشرتها فيطلقها فتأخذ ما كان آتاها وتتزوج آخر تتمتع معه بمال الأول، وربما فعلت معه بعد ذلك كما فعلت بالأول.
وإذا علم النساء أن العضل والتضييق بيد الرجال مما أبيح لهم إذا هن أهنهم بارتكاب الفاحشة المبينة فإن ذلك يكفهن عن ارتكابها والاحتيال بها على أرذل الكسب.
﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ المدار في المعروف على ما تعرفه المرأة ولا تستنكره وما يليق به وبها بحسب طبقتهما في الناس.
﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ إن ذكر إرادة الاستبدال مبني على الغالب في مثل هذه الحالة وليس شرطًا لعدم حل أخذ شيء من مال المرأة، فإذا طلقها وهو لا يريد تزوج غيرها وإنما كره عشرتها، أو اختار الوحدة وعدم التقيد بالنساء أو غير ذلك فإنه لا يحل له أخذ شيء من مالها كما يعلم من اشتراط الإتيان بفاحشة مبينة.
﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ ، نكتة التعبير بقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ أي مع كون الظاهر أن يقول وقد أفضيتم إليهن أو أفضى أحدكم إلى الآخر، هي الإشارة إلى كون كل واحد من الزوجين بمنزلة جزء الآخر وبعضه المتمم لوجوده، فكأن بعض الحقيقة كان منفصلًا عن بعضها الآخر فوصل إليه بهذا الإفضاء واتحد به.
ثم قال: ﴿ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ إن هذا الميثاق الذي أخذه النساء من الرجال لابد أن يكون مناسبًا لمعنى الإفضاء في كون كل منهما من شؤون الفطرة السليمة وهو، ما أشارت غليه الآية الكريمة: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ فهذه آية من آيات الفطرة الإلهية هي أقوى ما تعتمد عليه المرأة في ترك أبويها وإخوتها وسائر أهلها والرضا بالاتصال برجل غريب عنها تساهمه السراء والضراء، فمن آيات الله تعالى في هذا الإنسان أن تقبل المرأة بالانفصال من أهلها ذوي الغيرة عليها لأجل الاتصال بالغريب تكون زوجًا له، ويكون زوجًا لها، تسكن إليه ويسكن إليها، ويكون بينهما من المودة والرحمة أقوى من كل ما يكون بين ذوي القربى، فكأنه يقول إن المرأة لا تقدم على الزوجية وترضى بأن تترك جميع أنصارها وأحبائها لأجل زوجها إلا وهي واثقة بأن تكون صلتها به أقوى من كل صلة، وعيشتها معه أهنأ من كل عيشة، وهذا ميثاق فطري من أغلظ المواثيق وأشدها إحكامًا.
وإنما يفقه هذا المعنى الإنسان الذي يحس إحساس الإنسان، فليتأمل تلك الحالة التي ينشئها الله تعالى بين الرجل وامرأته يجد أن المرأة أضعف من الرجل وأنها تقبل عليه وتسلم نفسها إليه مع علمها بأنه قادر على هضم حقوقها، فعلى أي شيء تعتمد في هذا الإقبال والتسليم؟
وما هو الضمان الذي تأخذه عليه والميثاق الذي تواثقه به؟
ماذا يقع في نفس المرأة إذا قيل لها إنك ستكونين زوجًا لفلان؟
إن أول شيء يخطر في بالها عند سماع مثل هذا القول أو التفكر فيه وإن لم تسأل عنه هو أنها ستكون عنده على حال أفضل من حالها عند أبيها وأمها، وما ذلك إلا لشيء استقر في فطرتها وراء الشهوة، ذلك الشيء هو عقل إلهي وشعور فطري أودع فيها ميلًا إلى صلة مخصوصة لم تعهدها من قبل، وثقة مخصوصة لا تجدها في أحد من الأهل، وحنوًا مخصوصًا لا تجد له موضعًا إلا البعل، فمجموع ذلك هو الميثاق الغليظ الذي أخذته من الرجل بمقتضى نظام الفطرة الذي يوثق به ما لا يوثق بالكلام الموثق بالعهود والإيمان، وبه تعتقد المرأة أنها بالزواج قد أقبلت على سعادة ليس وراءها سعادة في هذه الحياة وإن لم تر من رضيت به زوجًا، ولم تسمع له من قبل كلامًا، فهذا ما علمنا الله تعالى إياه وذكرنا به -وهو مركوز في أعماق نفوسنا- بقوله إن النساء قد أخذن من الرجال بالزواج ميثاقًا غليظًا، فما هي قيمة من لا يفي بهذا الميثاق وما هي مكانته من الإنسانية؟!.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ : إن النكاح له إطلاقان يطلق على عقد الزوجية وعلى ما وراء العقد وما يقصد به، أي على مجموعهما وهو المراد هناك، وقد صرح الفقهاء بأنه يطلق على العقد وعلى الوطء واختلفوا في أي من الإطلاقين هو الحقيقي وأيهما المجازي.
والظاهر أنه لا يطلق شرعًا على الوطء من غير عقد وإنما كمال معناه الشرعي العقد وما وراءه كما قلنا وقد يطلق على العقد وحده وهو الذي تمكن معرفته وتبنى عليه الأحكام في الغالب بخلاف ما قاله الحنفية من أن حقيقته الوطء.
﴿ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ : إن هذا النكاح وإن كان سبيلًا مسلوكًا إلا أنه سبيل سيء لم يزده السير فيه إلا قبحًا ومقتًا.
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ الآية.
إن الله تعالى جعل بين الناس ضروبًا من الصلة يتراحمون بها ويتعاونون على دفع المضار وجلب المنافع، وأقوى هذه الصلات صلة القرابة وصلة الصهر، ولكل واحدة من هاتين الصلتين درجات متفاوتة، فأما صلة القرابة فأقواها ما يكون بين الأولاد والوالدين من العاطفة والأريحية، فمن اكتنه السر في عطف الأب على ولده يجد في نفسه داعية فطرية تدفعه إلى العناية بتربيته إلى أن يكون رجلًا مثله، فهو ينظر إليه كنظره إلى بعض أعضائه، ويعتمد عليه في مستقبل أيامه، ويجد في نفس الوالد شعورًا بأن أباه كان منشأ وجوده وممد حياته، وقوام تأديبه وعنوان شرفه، وبهذا الشعور يحترم الابن أباه، وبتلك الرحمة والأريحية يعطف الأب على ابنه ويساعده.
وأما الإخوة والأخوات فالصلة بينهما تشبه الصلة بين الوالدين والأولاد من حيث أنهم كأعضاء الجسم الواحد، فإن الأخ والأخت من أصل واحد يستويان في النسبة إليه من غير تفاوت بينهما، ثم إنهما ينشآن في حجر واحد على طريقة واحدة في الغالب، وعاطفة الأخوة بينهما متكافئة، ليست أقوى في أحدهما منها في الآخر كقوة عاطفة الأمومة والأبوة على عاطفة البنوة، فلهذه الأسباب يكون أنس أحدهما بالآخر أنس مساواة لا يضاهيه أنس آخر، إذ لا يوجد بين البشر صلة أخرى فيها هذا النوع من المساواة الكاملة، وعواطف الود والثقة المتبادلة.
ويحكى أن امرأة شفعت عند الحجاج في زوجها وابنها وأخيها، وكان يريد قتلهم، فشفعها في واحد مُبهم منهم، وأمرها أن تختار من يبقى، فاختارت أخاها، فسألها عن سبب ذلك فقالت: إن الأخ لا عوض عنه وقد مات الوالدان، وأما الزوج والولد فيمكن الاعتياض عنهما بمثلهما، فأعجبه هذا الجواب وعفا عن الثلاثة، وقال: لو اختارت الزوج لما أبقى لها أحدًا.
وجملة القول أن صلة الأخوة صلة فطرية قوية، وإن الإخوة والأخوات لا يشتهي بعضهم التمتع ببعض، لأن عاطفة الأخوة تكون هي المسئولية على النفس، بحيث لا يبقى لسواها موضع ما سلمت الفطرة، فقضت حكمة الشريعة بتحريم نكاح الأخت حتى لا يكون لمعتلي الفطرة منفذ لاستبدال داعية الشهوة بعاطفة الأخوة.
وأما العمات والخالات فهن من طينة الأب والأم، وفي الحديث: "عم الرجل صنو أبيه" أي هما كالصنوان يخرجان من أصل النخلة، وتقدم هذا في تفسير ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾ فعدوا إسماعيل من آبائه لأنه أخ لإسحاق، فكأنه هو.
ولهذا المعنى- الذي كانت به صلة العمومة من صلة الأبوة، وصلة الخؤولة من صلة الأمومة- قالوا: إن تحريم الجدات مندرج في تحريم الأمهات وداخل فيه، فكان من محاسن دين الفطرة المحافظة على عاطفة صلة العمومة والخؤولة والتراحم والتعاون بها، وأن لا تنزو الشهوة عليها، وذلك بتحريم نكاح العمات والخالات.
وأما بنات الأخ وبنات الأخت فهما من الإنسان بمنزلة بناته من حيث إن أخاه وأخته كنفسه، وصاحب الفطرة السليمة يجد لهما هذه العاطفة من نفسه، وكذا صاحب الفطرة السقيمة، إلا أن عاطفة هذا تكون سقيمة.
نعم إن عطف الرجل على بنته يكون أقوى، لكونها بضعة منه، نمت وترعرت بعنايته ورعايته، وأنسه بأخيه وأخته يكون أقوى من أنسه ببناتهما، كما تقدم.
وأما الفرق بين العمات والخالات، وبين بنات الإخوة والأخوات، فهو أن الحب لهؤلاء حب عطف وحنان، والحب لأولئك حب تكريم واحترام، فهما من حيث البعد عن مواقع الشهوة متكافئان، وإنما قدم في النظم الكريم ذكر العمات والخالات لأن الإدلاء بهما من الآباء والأمهات، فصلتهما أشرف وأعلى من صلة الإخوة والأخوات.
هذه هي أنواع القرابة القريبة التي يتراحم الناس بها ويتعاطفون، ويتوادون ويتعاونون، بما جعل الله لها في النفوس من الحب والحنان، والعطف والاحترام، فحرم الله فيها النكاح لأجل أن تتوجه عاطفة الزوجية ومحبتها إلى من ضعفت الصلة الطبيعية أو النسبية بينهم كالغرباء والأجانب، والطبقات البعيدة من سلالات الأقارب، كأولاد الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وبذلك تتجدد بين البشر قرابة الصهر، التي تكون في المودة والرحمة كقرابة النسب، فتتسع دائرة المحبة والرحمة بين الناس، فهذه حكمة الشرع الروحية في محرمات القرابة.
<div class="verse-tafsir"
المحصنات المتزوجات، وما ملكت الأيمان بالسبي في حرب دينية وأزواجهن كفار في دار الحرب ينفسخ نكاحهن ويحل الاستمتاع بهن بعد الاستبراء.
فإذا قيل إن ما ملكت الأيمان يشمل المملوكة المتزوجة في دار الإسلام وهي محرمة على سيدها أن يفترشها بالإجماع!
فالجواب أن العموم هنا مخصوص بالمسبيات، وسكت عن المملوكات المتزوجات لأن التزوج بالمملوكات خلاف الأصل، وهو مكروه في الشرع والذوق والعقل، فهو كالتنبيه إلى أنه لا ينبغي أن يكون، ولذلك شدد فيه كما يأتي ويزاد على هذا أنه أَمْر لم يكن معروفًا عند التنزيل.
أما لماذا قال: ﴿ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ مع أن صيغة الجمع مغنية عن هذا القيد؟
..
فقال بعضهم: النكتة في ذلك تأكيد العموم، وليس هذا القول كافيًا ولا وافيًا، وصرح بعضهم بغموض النكتة في ذلك، واستشكله المفسرون، حتى روي عن مجاهد أنه قال: لو كنت أعلم من يفسرها لضربت إليه أكباد الإبل -أي لسافر إليه وإن بعد مكانه.
وعندي أن هذا القيد يكاد يكون بديهيًا، فإن لفظ ﴿ الْمُحْصَنَاتِ ﴾ قد يراد به العفيفات أو المسلمات، فلو لم يقل هنا ﴿ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ لتوهم أن المحصنات إنما يحرم نكاحهن إذا كن مسلمات، فأفاد هذا القيد العموم والإطلاق، أي أن عقد الزوجية محترم مطلقًا، لا فرق فيه بين المؤمنات والكافات والحرائر والمملوكات، فيحرم تزوج أية امرأة في عصمة رجل وحصنه.
﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ﴾ ذكر فيما مر أكثر المحرمات من النساء، وبقي من المحرمات بالرضاعة غير الأمهات والأخوات من المحرمات بالنسب، ومثل الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وقد قال إنه أحل لنا ما وراء ذلك، فربما يقال إنه يدخل فيه ما ذكر آنفًا ونحوه من المحرم إجماعًا أو بنصوص أخرى كالمطلقة ثلاثًا والمشركة والمرتدة!
والجواب: أن بعض ما ذكر يؤخذ مما تقدم، فإن الله تعالى قد ذكر من كل صنف من المحرمات بعضه فدخل في الأمهات الجدات، وفي البنات بنات الأولاد إلخ، وبعضها يؤخذ من آيات أخرى كتحريم المشركات والمطلقة ثلاثًا على مطلقها في سورة البقرة، وقد يقال إن ما ذكر هنا من المحرمات مجمل بينته السنة، والسر في النص على ما ذكر أنه كان واقعًا شائعًا في الجاهلية فهو يعلمنا بالنص على الواقع أن لا نتعرض إلا للأمور الوجودية، وأن الأمور المفروضة والمتخيلة لا ينبغي الالتفات لها ولا الاشتغال بها.
﴿ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾ معناه أن يقصد الرجل إحصان المرأة وحفظها أن ينالها أحد سواه ليكن عفيفات طاهرات، ولا يكون التزوج لمجرد التمتع وسفح الماء وإراقته، وهو يدل على بطلان النكاح الموقت وهو نكاح المتعة الذي يشترط فيه الأجل.
﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ فسروا الطول هنا بالمال الذي يدفع مهرًا وهو تحكم ضيقوا به معنى الكلمة، وهي من مادة الطول -بالضم- فمعناها الفضل والزيادة، والفضل يختلف باختلاف الأشخاص والطبقات، وقد قدر بعضهم -"كالحنفية"- المهر بدراهم معدودة، فقال بعضهم ربع دينار، وقال بعضهم عشرة دراهم وليس في الكتاب ولا في السنة ما يؤيده، بل ورد أن النبي قال لمريد الزواج: "التمس ولو خاتمًا من حديد"، وروي أن بعضهم تزوج بتعليم الزوجة شيئًا من القرآن مهرًا، وتزوج بعضهم بنعلين، ولم يقيد السلف المهر بقدر معين.
وتفسير الطول بالغنى لا يلائم تحديد المحددين فإنه لا يكاد أحد يجد أمة يرضى أن يزوجها سيدها بأقل من ربع دينار، أو عشرة دراهم، أو نعلين.
وفسره أبو حنيفة بأن يكون عنده حرة يستمتع بنكاحها بالفعل، أي ومن لم يكن منكم متزوجًا امرأة حرة مؤمنة فله أن يتزوج أمة، فحاصله عدم الجمع بين الحرة والأمة، والطول أوسع من كل ما قالوه، وهو الفضل والسعة المعنوية والمادية فقد يعجز الرجل عن التزوج بحرة وهو ذو مال يقدر به على المهر المعتاد لنفور النساء منه لعيب في خُلقه أو خَلْقه، وقد يعجز عن القيام بغير المهر من حقوق المرأة الحرة فإن لها حقوقًا كثيرة في النفقة والمساواة وغير ذلك وليس للأمة مثل تلك الحقوق كلها، ففقد استطاعة الطول له صور كثير، والمؤمنات ليس بقيد في الحرائر ولا الإماء أيضًا وإن قيل به وإنما هو لبيان الواقع فإنه كان نهاهم عن نكاح المشركات في سورة البقرة وهن أولئك الوثنيات اللواتي لا كتاب لقومهن وسكت عن نكاح الكتابيات والنهي عن نكاح المشركات لا يشملهن، فكان الزواج محصورًا في المؤمنات فذكره لأنه الواقع.
ثم صرح بحل زواجهن في سورة المائدة وهي قد نزلت بعد سورة النساء بلا خلاف، وفي الوصف بالمؤمنة إرشاد إلى ترجيحها على الكتابية عند التعارض.
﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ : إيتاء الأجور بالمعروف معناه بالمتعارف بين الناس ولم يقل هنا كما قال في الحرائر "فريضة" لأن المؤنة فيه أخف، والأمر أهون، والتساهل في أجور الإماء معهود بين الناس، ولا إشكال في إعطائها المهر مع كونها لا تملك لأن المملوك يقبض وإن كان لا يملك وقد نقل أبو بكر الرازي عن بعض أئمة المالكية أن السيد إذا زوج جاريته فقد جعل للزوج ضربًا من الولاية عليها لا يشاركه هو فيه فما تأخذه من الزوج يكون في مقابلة ما أسقط السيد حقه منه، فلا يكون له حظ منه بل يكون لها وحدها، وهذا هو الصحيح.
﴿ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ : وأن تصبروا خير لكم لما فيه من تربية الإرادة وملكة العفة وتحكيم العقل بالهوى ومن عدم تعريض الولد للرق، ولفساد الأخلاق بالإرث، فإن الجارية بمنزلة المتاع والحيوان، فهي تشعر دائمًا بالذل والهوان، فيرث أولادها إحساسها ووجدانها الخسيس.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ إلخ، استئناف بياني كأن قائلًا يقول ما هي حكمة هذه الأحكام وفائدتها لنا وهل كلف الله تعالى أمم الأنبياء السابقين إياها أو مثلها فلم يبح لهم أن يتزوجوا كل امرأة؟
وهل كان ما أمرنا به ونهانا عنه تشديدًا علينا أم تخفيفًا عنا؟؟
فجاءت الآيات مبينة أجوبة هذه الأسئلة التي من شأنها أن تخطر بالبال بعد العلم بتلك الأحكام، وقوله: ﴿ لِيُبَيِّنَ ﴾ معناه أن يبين، فاللام ناصبة بمعنى "أن" المصدرية كما قال الكوفيون، ومثله ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ .
﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ ومنهم الذين يقولون بنكاح المتعة.
<div class="verse-tafsir"
كان الكلام من أول السورة إلى هنا في معاملة اليتامى والأقارب والنساء ثم، في معاملة سائر الناس ومدار الكلام في تلك المعاملات على المال حتى أنه لما ذكر ما يحل وما يحرم من النساء، لم يخرج الكلام عن أحكام المال فقد ذكر ما يفرض لهن وما يجب من إيتائهن أجورهن، وبعد ذكر تلك الأنواع من الحقوق المالية ذكر قاعدة عامة للتعامل المالي فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ أضاف الأموال إلى الجميع فلم يقل لا يأكل بعضكم مال بعض للتنبيه على ما قررناه مرارًا من تكافل الأمة في حقوقها ومصالحها كأنه يقول إن مال كل واحد منكم هو مال أمتكم فإذا استباح أحدكم أن يأكل مال الآخر بالباطل كان كأنه أباح لغيره أكل ماله وهضم حقوقه لأن المرء يدان كما يدين.
وإن في هذه الإضافة تنبيهًا إلى مسألة أخرى وهي أن صاحب المال الحائز له يجب عليه بذله للمحتاج، فكما لا يجوز للمحتاج أن يأخذ شيئًا من مال غيره بالباطل كالسرقة والغصب، لا يجوز لصاحب المال أن يبخل عليه بما يحتاج إليه.
وفسر (الجلال) وغيره الباطل بالمحرم.
وهو إحالة للشيء على نفسه فإن الله حرم الباطل بهذه الآية، فقولهم إن الباطل هو المحرم يجعل حاصل معنى الآية: إنني جعلت المال المحرم محرمًا، والصواب أن الباطل هو ما يقابل الحق ويضاده، والكتاب يطلق الألفاظ كالحق والمعروف والحسنات أو الصالحات، وما يقابلها وهو الباطل والمكر والسيئات، ويكل فهمها إلى أهل الفطرة السليمة من العارفين باللغة ومن ذلك قوله في اليهود ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ فحق فلان في المال هو الثابت له في العرف وهو ما إذا عرض على العقلاء المنصفين أصحاب الفطرة السليمة يقولون إنه له، فيدخل في الباطل الغصب والغش والخداع والربا والغبن والتغرير، وقوله: ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ للإشعار بأن المال المحرم لأنهه باطل هو ما كان موضع التنازع في التعامل بين المتعاملين كأنه واقع بين الآكل والمأكول منه، كل منهما يريد جذبه لنفسه، فيجب أن يكون المرجح للمال بين اثنين يتنازعان فيه هو الحقن فلا يجوز لأحد أن يأخذه بالباطل، وعبر بالأكل عن مطلق الأخذ لأنه أقوى أسبابه وأعمها وأكثرها.
قال تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ قالوا إن الآية دليل على تحريم ما عدا ربح التجارة من أموال الناس -أي كالهدية والهبة- ثم نسخ ذلك بآية النور المبيحة للإنسان أن يأكل من بيوت أقاربه وأصدقائه، وهو افتراء على الذين لا أصل له، إذ لا يعقل أن تكون الهبة محرمة في وقت من الأوقات، ولا ما في معناها كإقراء الضيف، وإنما يكون التحريم فيما يمانع فيه صاحب المال فيؤخذ بدون رضاه، أو بدون علمه، مع العلم أو الظن بأنه لا يسمح به.
وإنما استثنى الله التجارة من عموم الأموال التي يجري فيها الأكل بالباطل، أي بدون مقابل، لأن معظم أنواعها يدخل فيها الأكل بالباطل، فإن تحديد قيمة الشيء وجعل عوضه أو ثمنه على قدره بقسطاس الحق المستقيم عزيز وعسير إن لم يكن محالًا.
فالمراد من الاستثناء التسامح بما يكون فيه أحد العوضين أكبر من الآخر وما يكون سبب التعاوض فيه براعة التاجر في تزيين سلعته وترويجها بزخرف القول من غير غش ولا خداع ولا تغرير كما يقع ذلك كثيرًا، فإن الإنسان كثيرًا ما يشتري الشيء من غير حاجة شديدة إليه، وكثيرًا ما يشتريه بثمن يعلم أنه يمكن ابتياعه بأقل منه من مكان آخر، ولا يكون سبب ذلك إلا خلابة التاجر وزخرفه، وقد يكون ذلك من المحافظة على الصدق واتقاء التغرير والغش، فيكون من باطل التجارة الحاصلة بالتراضي، وهو المستثنى، والحكمة في إباحة ذلك الترغيب في التجارة لشدة حاجة الناس إليها وتنبيه الناس إلى استعمال ما أوتوا من الذكاء والفطنة في اختبار الأشياء والتدقيق في المعاملة حفظًا لأموالهم التي جعلها الله لهم قيامًا أن يذهب شيء منها بالباطل، أي بدون منفعة تقابلها.
فعلى هذا يكون الاستثناء متصلًا خرج به الربح الكثير، الذي يكون بغير غش ولا تغرير، بل بتراض لم تنخدع فيه إرادة المغبون، ولو لم يبح مثل هذا لما رغب في التجارة ولا اشتغل بها أحد من أهل الدين على شدة حاجة العمران إليها وعدم الاستغناء عنها، إذ لا يمكن أن تتبارى الهمم فيها مع التضييق في مثل هذا، وقد شعر الناس منذ العصور الخالية بما يلابس التجارة من الباطل حتى أن اليونانيين جعلوا للتجارة والسرقة إلهًا أو ربًا واحدًا فيما كان عندهم من الآلهة والأرباب لأنواع المخلوقات وكليات الأخلاق والأعمال.
﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن المشار إليه في قوله "ذلك" كل ما تقدم النهي عنه من أول السورة إلى الآية السابقة، وقال ابن جرير إن المشار إليه هو ما نهي عنه من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ إلى هنا، وذلك أن المنهيات التي قبل تلك الآية قد اقترنت بالوعيد عليها على حسب سنة القرآن، ولكن هذه المنهيات الأخيرة لم يوعد عليها بشيء وإن وصفت بالقبح الذي يترتب عليه الوعيد.
-وهي النهي عن إرث النساء كرهًا، وعن عضلهن لأخذ شيء من مالهن، وعن نكاح ما نكح الآباء في الجاهلية، وعن أكل أموال الناس بالباطل، وعن القتل- وقال بعضهم إن المشار إليه في هذه الآية هو القتل فقط، وقد قصر كل التقصير، وأكثر المفسرين على أن المراد بذلك ما في الآية الأخيرة من النهي عن أكل أموال الناس بالباطل وعن القتل، وهذا هو المعقول المقبول فإن ما قبلها من المنهيات التي لم تقترن بالوعيد قد اقترنت بالوصف الدال عليه.
والعدوان هو التعدي على الحق، فكأنه قال بغير حق، وهو يتعلق بالقصد فمعناه: أن يتعمد الفاعل إتيان الفعل وهو يعلم أنه قد تعدى الحق وجاوزه إلى الباطل، والظلم يتعلق بالفعل نفسه بأن كان المعتدي لم يتحر ويجتهد في استبانة ما يحل له فيفعل ما لا يحل، والوعيد مقرون بالأمرين معًا وهما أن يقصد الفاعل العدوان وأن يكون فعله ظلمًا في الواقع ونفس الأمر فإذا وجد أحدهما دون الآخر لا يستحق هذا الوعيد الشديد.
مثال تحقق العدوان دون الظلم أن يقتل الإنسان رجلًا بقصد الاعتداء عليه ثم يظهر له أنه كان راصدًا له يريد قتله ولو لم يسبقه لقتله، أو أنه كان قتل من له ولاية دمه كأصله أو فرعه، فههنا لم يتحقق الظلم وأما العدوان فواقع لا محالة، ومثال تحقق الظلم فقط أن يسلب امرؤ مال آخر ظانًا أنه ماله الذي كان سرقه أو اغتصبه منه، ثم يتبين له أن المال ليس ماله وأنه لم يكن هو الذي أخذ ماله، وأن يقتل رجلًا رآه هاجمًا عليه فظن أنه صائل يريد قتله ثم يتبين له خطأ ظنه، فههنا تحقق الظلم ولكن لم يتحقق العدوان.
﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ إن معنى كونه يسيرًا على الله تعالى هو أن حلمه في الدنيا على المعتدين الظالمين وعدم معالجتهم بالعقوبة لا يقتضي أن ينجوا من عقابه في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
اختلف العلماء هل في المعاصي صغيرة وكبيرة أم المعاصي كلها كبائر؟
نقلوا عن ابن عباس: أن كل ما عصي الله به فهو كبيرة.
صرح بذلك الباقلاني والاسفراييني وإمام الحرمين، وقالت المعتزلة وبعض الأشاعرة إن من الذنوب كبائر وصغائر، وقال الغزالي إن هذا من البديهيات، وقد اختلف في الصغائر والكبائر فقيل هي سبع لحديث صحيح في ذلك ولكن الأحاديث الصحيحة في عدها مختلفة ومجموعها يزيد على سبع وقد ذكرت على سبيل التمثيل.
إن الذين قسموا المعصية إلى صغيرة وكبيرة وأرادوا بالسيئات الصغائر لم يفهموا الآية وقد قال الله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ ، فجعل أهل السيئات في مقابلة المؤمنين فهم المشركون والكافرون المفسدون، وقال: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ الآية، وما العهد بتفسيرها ببعيد، ولا يمكن حمل السيئات فيها على الصغائر.
والصواب أن في كل سيئة وفي كل نهي خاطبنا الله تعالى به كبيرة أو كبائر، وصغيرة أو صغائر، وأكبر الكبائر في كل ذنب عدم المبالاة بالنهي والأمر واحترام التكليف ومنه الإصرار، فإن المصر على الذنب لا يكون محترمًا ولا مباليًا بالأمر والنهي.
فالله تعالى يقول: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ أي الكبائر التي يتضمنها كل شيء تنهون عنه ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ أي نكفر عنكم صغيره فلا نؤاخذكم عليه، فإضافة السيئات إلى ضمير المخاطبين يدل على ما قاله جمهور الأشاعرة من أنه لا كبيرة بمعنى أن بعض السيئات يكون كبيرة مطلقًا على الدوام وإن فعل بجهالة عارضة وعدم استهانة، ولا صغيرة مطلقًا وإن فعلت لعدم الاكتراث بالنهي وأصر الفاعل عليها، ويدل على هذا ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما حين قال له الكبائر سبع فقال هي إلى السبعمائة أقرب، ولا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار، أي مع توبة.
فكل ذنب يرتكب لعارض يعرض على النفس من استشاطة غضب، أو غلبة جبن، أو ثورة شهوة وصاحبه متمكن من الدين يخاف الله ولا يستحل محارمه فهو من السيئات التي يكفرها الله تعالى إذا كان لولا ذلك العارض القاهر للنفس لم يكن ليجترحه تهاونًا بالدين، وكان بعد اجتراحه إياه حال كونه مغلوبًا على أمره يندم ويتألم ويتوب ويرجع إلى الله ويعزم على عدم العودة إلى اقتراف مثله، فهو بعدم إصراره وباستقرار هيبة الله وخوفه في نفسه، يكون أهلًا لأن يتوب الله عليه ويكفر عنه، وكل ذنب يرتكبه الإنسان مع التهاون بالأمر وعدم المبالاة بنظر الله إليه ورؤيته إياه حيث نهاه فهو مهما كان صغيرًا يعد كبيرة.
ومثال ذلك تطفيف الكيل والميزان وإخسارهما فقد قال تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ وهو يصدق بالقليل والكثير ولو حبة، والهمز واللمز فقد قال: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ أي الذين اعتادوا الهمز واللمز وهما عيب الناس والطعن في أعراضهم والويل الهلاك فهو وعيد شديد.
<div class="verse-tafsir"
نهى أولًا عن أكل الناس بعضهم أموال بعض بالباطل وأوعد فاعل ذلك، وبيّن بعد ذلك وما قبله من المناهي ما يغفر منها وما لا يغفر، ثم أرشدنا بعد هذا كله إلى قطع عرق كل تعد على الأموال والأنفس وسائر الحقوق، وهو التمني وعدم استعمال كل لمواهبه في الجد والكسب وكل ما يتمناه الإنسان لنفسه من الخير.
وروي في سبب نزولها ثلاث روايات إحداها عن مجاهد قال: قالت أم سلمة رضي الله عنها: يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو وإنما لنا نصف الميراث.
فأنزل الله تعالى الآية، والثانية عن عكرمة أن النساء سألن الجهاد فقلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال.
فنزلت، والثالثة عن قتادة والسدي قالا: لما نزل قوله تعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ﴾ قال الرجال إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا كما فضلنا عليهن في الميراث فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء، وقالت النساء إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ .
سبب تلك الروايات الحيرة في فهم الآية، ومعناها ظاهر، وهو أن الله تعالى كلف كلًا من الرجال والنساء أعمالًا، فما كان خاصًا بالرجال لهم نصيب من أجره لا يشاركهم فيه النساء، وما كان خاصًا بالنساء لهن نصيب من أجره لا يشاركهن فيه الرجال، وليس لأحدهما أن يتمنى ما هو مختص بالآخر، وجعل الخطاب عامًا للفريقين مع أن الرجال لم يتمنوا أن يكونوا نساء ولا أن يعملوا عمل النساء وهو الولادة وتربية الأولاد وغير ذلك مما هو معروف وإنما كان النساء هن اللواتي تمنين عمل الرجال، وأي عمل الرجال تمنين؟
تمنين أخص أعمال الرجولية وهو حماية الذمار والدفاع عن الحق بالقوة، ففي هذا التعبير عناية بالنساء وتلطف بهن وهن موضع للرأفة والرحمة لضعفهن وإخلاصهن فيما تمنين، والحكمة في ذلك أن لا يظهر ذلك التمني الناشئ عن الحياة الملية الشريفة فإن تمني مثل هذا العمل غريب من النساء جدًا؛ وسببه أن الأمة في عنفوان حياتها يكون النساء والأطفال فيها مشتركين مع الرجال في هذه الحياة وفي آثارها، وإنها لتسري فيها سريانًا عجيبًا، ومن عرف تاريخ الإسلام ونهضة العرب به وسيرة النبي والمؤمنين به في زمنه يرى أن النساء كن يسرن مع الرجال في كل منقبة وكل عمل، فقد كن يأتين ويبايعن النبي تلك المبايعة المذكورة في "سورة الممتحنة" كما كان يبايعه الرجال، وكن ينفرن معهم إذا نفروا للقتال، يخدمن الجرحى ويأتين غير ذلك من الأعمال، فأراد الله أن يختص النساء بأعمال البيوت والرجال بالأعمال الشاقة التي في خارجها ليتقن كل منهما عمله ويقوم به كما يجب مع الإخلاص له، وتنكير لفظ "نصيب" لإفادة أن ليس كل ما يعمله العامل يؤجر عليه وإنما الأجر على ما عمل بالإخلاص، ﴿ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ أي ليسأله كل منكم الإعانة والقوة على ما نيط به حيث لا يجوز له أن يتمنى ما نيط بالآخر.
ويدخل في هذا النهي تمني كل ما هو من الأمور الخلقية كالجمال والعقل إذ لا فائدة في تمنيها لمن لم يعطها، ولا يدخل فيه ما يقع تحت قدرة الإنسان من الأمور الكسبية إذ يحمد من الناس أن ينظر بعضهم إلى ما نال الآخر ويتمنى لنفسه مثله وخيرًا منه بالسعي والجد كأنه يقول وجهوا أنظاركم إلى ما يقع تحت كسبكم، ولا توجهوها إلى ما ليس في استطاعتكم فإنما الفضل بالأعمال الكسبية فلا تتمنوا شيئًا بغير كسبكم وعملكم.
<div class="verse-tafsir"
الظاهر أن الكلام في الأموال فإنه نهى عن أكلها بالباطل ثم نهى عن تمني أحد ما فَضَله به غيره من المال لأن التمني يسوق إلى التعدي، وإنما أورد النهي عامًا لزيادة الفائدة، والسياق يفيد أن المال هو المقصود أولًا وبالذات لأن أكثر التمني يتعلق به، وذكر القاعدة العامة في الثروة وهي الكسب، ثم انتقل من ذكر الغالب وهو الكسب إلى غير الغالب وهو الإرث فقال: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ ﴾ فالموالي من لهم الولاية على التركة، و " من " في قوله تعالى: ﴿ مِمَّا تَرَكَ ﴾ ابتدائية والجملة تتم بقوله: "ترك" والمعنى: ولكل من الرجال الذين لهم نصيب مما اكتسبوا والنساء اللواتي لهن نصيب مما اكتسبن موالي لهم حق الولاية على ما يتركون من كسبهم، وهؤلاء الموالي هم: ﴿ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ أي جميع الورثة من الأصول والفروع والحواشي والأزواج كما تقدم التفصيل في أول السورة، فالمراد هنا بالذين عقدت أيمانكم الأزواج فإن كل واحد من الزوجين يصير زوجًا له حق الإرث بالعقد، والمتعارف عند الناس في العقد أن يكون بالمصافحة باليدين ﴿ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ أي فأعطوا هؤلاء الموالي نصيبهم المفروض لهم ولا تنقصوهم منه شيئًا.
ولما كان الميراث موضعًا لطمع بعض الوارثين قال تعالى بعد الأمر بإعطاء كل ذي حق حقه ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴾ أي إنه تعالى رقيب عليكم حاضر يشهد تصرفكم في التركة وغيرها فلا يحملكم الطمع وحسد بعضكم لبعض الوارثين على أن يأكل من نصيبه شيئًا سواء كان ذكرًا أم أنثى كبيرًا أم صغيرًا.
<div class="verse-tafsir"
المراد بالقيام هنا هو الرياسة التي يتصرف فيها المرؤوس بإرادته واختياره وليس معناها أن يكون المرؤوس مقهورًا مسلوب الإرادة لا يعمل عملًا إلا ما يوجهه إليه رئيسه فإن كون الشخص قيمًا على آخر هو عبارة عن إرشاده والمراقبة عليه في تنفيذ ما يرشده إليه أي ملاحظته في أعماله وتربيته، ومنها حفظ المنزل وعدم مفارقته ولو لنحو زيارة أولي القربى إلا في الأوقات والأحوال التي يأذن بها الرجل ويرضى.
والمراد بتفضيل بعضهم على بعض تفضيل الرجال على النساء، ولو قال "بما فضلهم عليهن" أو قال "بتفضيلهم عليهن" لكان أخصر وأظهر فيما قلنا إنه المراد وإنما الحكمة في هذا التعبير هي عين الحكمة في قوله ﴿ وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ وهي إفادة أن المرأة من الرجل والرجل من المرأة بمنزلة الأعضاء من بدن الشخص الواحد، فالرجل بمنزلة الرأس والمرأة بمنزلة البدن.
وما به الفضل قسمان فطري وكسبي فالفطري هو أن مزاج الرجل أقوى وأكمل، وأتم وأجمل، وإنكم لتجدون من الغرابة أن أقول إن الرجل أجمل من المرأة وإنما الجمال تابع لتمام الخلقة وكمالها، وما الإنسان في جسمه الحي إلا نوع من أنواع الحيوان فنظام الخلقة فيها واحد، وإننا نرى ذكور جميع الحيوانات أكمل وأجمل من إناثها كما ترون في الديك والدجاجة، والكبش والنعجة، والأسد واللبوة، ومن كمال خلقة الرجال وجمالها شعر اللحية والشاربين، ولذلك يعد الأجرد ناقص الخلقة ويتمنى لو يجد دواء ينبت الشعر وإن كان ممن اعتادوا حلق اللحى، ويتبع قوة المزاج وكمال الخلقة قوة العقل وصحة النظر في مبادئ الأمور وغايتها، ومن أمثال الأطباء والعلماء العقل السليم في الجسم السليم، ويتبع ذلك الكمال في الأعمال الكسبية، فالرجال أقدر على الكسب والاختراع والتصرف في الأمور.
﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾ الغيب هنا هو ما يستحي من إظهاره أي حافظات لكل ما هو خاص بأمور الزوجية الخاصة بالزوجين فلا يطلع أحد منهن على شيء مما هو خاص بالزوج.
إن هذا القسم من النساء ليس للرجال عليهن شيء من سلطان التأديب وإنما سلطانهم على القسم الثاني الذي بينه وبين حكمه بقوله ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾ النشوز في الأصل بمعنى الارتفاع فالمرأة التي تخرج عن حقوق الرجل قد ترفعت عليه وحاولت أن تكون فوق رئيسها، بل ترفعت أيضًا عن طبيعتها وما يقتضيه نظام الفطرة في التعامل، فتكون كالناشز من الأرض الذي خرج عن الاستواء، وقد فسر بعضهم خوف النشوز بتوقعه فقط، وبعضهم بالعلم به، ولكن يقال لم ترك لفظ العلم واستبدل به لفظ الخوف؟، أو لَمْ يقل واللاتي ينشزن؟
لا جرم أن في تعبير القرآن حكمة لطيفة وهي أن الله تعالى لما كان يجب أن تكون المعيشة بين الزوجين معيشة محبة ومودة وتراض والتئام، لم يشأ أن يسند النشوز إلى النساء اسنادًا يدل على أن من شأنه أن يقع منهن فعلًا، بل عبر عن ذلك بعبارة تومئ إلى أن من شأنه أن لا يقع لأنه خروج عن الأصل الذي يقوم به نظام الفطرة، وتطيب به المعيشة، ففي هذا التعبير تنبيه لطيف إلى مكانة المرأة وما هو الأولى في شأنها، وإلى ما يجب على الرجل من السياسة لها وحسن التلطف في معاملتها، حتى إذا آنس منها ما يخشى أن يؤول إلى الترفع وعدم القيام بحقوق الزوجية فعليه أولًا أن يبدأ بالوعظ الذي يرى أنه يؤثر في نفسها، والوعظ يختلف باختلاف حال المرأة فمنهن من يؤثر في نفسها التخويف من الله وعقابه على النشوز، ومنهن من يؤثر في نفسها التهديد والتحذير من سوء العاقبة في الدنيا كشماتة الأعداء والمنع من بعض الرغائب كالثياب الحسنة والحلي، والرجل العاقل لا يخفى عليه الوعظ الذي يؤثر في قلب امرأته.
وأما الهجر فهو ضرب من ضروب التأديب لمن تحب زوجها ويشق عليها هجره إياها.
وذهب بعض المفسرين ومنهم ابن جرير الطبري -أن المرأة التي تنشز لا تبالي بهجر زوجها بمعنى إعراضه عنها، وقالوا: إن معنى: ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ ﴾ قيدوهن، من هجر البعير إذا شده بالهجار وهو القيد الذي يقيد به.
وليس هذا الذي قالوه بشيء، وما هم بالواقفين على أخلاق النساء وطباعهن، فإن منهن من تحب زوجها ويزين لها الطيش والرعونة النشوز عليه، ومنهن من تنشز امتحانًا لزوجها ليظهر لها أو للناس مقدار شغفه بها وحرصه على رضاها.
إن مشروعية ضرب النساء ليست بالأمر المستنكر في العقل أو الفطرة فيحتاج إلى التأويل، فهو أمر يحتاج إليه في حال فساد البيئة وغلبة الأخلاق الفاسدة، وإنما يباح إذا رأى الرجل أن رجوع المرأة عن نشوزها يتوقف عليه، وإذا صلحت البيئة وصار النساء يعقلن النصيحة ويستجبن للوعظ أو يزدجرن بالهجر، فيجب الاستغناء عن الضرب، فلكل حال حكم يناسبها في الشرع، ونحن مأمورون على كل حال بالرفق بالنساء واجتناب ظلمهن، وإمساكهن بمعروف، أو تسريحهن بإحسان، والأحاديث في الوصية بالنساء كثيرة جدًا.
﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ﴾ أي إن أطعنكم بواحدة من هذه الخصال التأديبية فلا تبغوا بتجاوزها إلى غيرها فابدأوا بما بدأ الله به من الوعظ فإن لم يفد فليهجر، فإن لم يفد فليضرب، فإذا لم يفد هذا أيضًا يلجأ إلى التحكيم، ويفهم من هذا أن القانتات لا سبيل عليهن حتى في الوعظ والنصح فضلًا عن الهجر والضرب.
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ أتى بهذا بعد النهي عن البغي لأن الرجل إنما يبغي على المرأة بما يحسه في نفسه من الاستعلاء عليها وكونه أكبر منها وأقدر فذكره تعالى بعلوه وكبريائه وقدرته عليه ليتعظ ويخشع ويتقي الله فيها.
واعلموا أن الرجال الذين يحاولون بظلم النساء أن يكونوا سادة في بيوتهم إنما يلدون عبيدًا لغيرهم.
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ .
الخطاب للمؤمنين، ولا يتأتى أن يكلف كل واحد أو كل جماعة منهم ذلك، ولذلك قال بعض المفسرين إن الخطاب هنا موجه إلى من يمكنه القيام بهذا العمل ممن يمثل المسلمين وهم الحكام، وقال بعضهم إن الخطاب عام ويدخل فيه الزوجان وأقاربهما فإن قام به الزوجان أو ذوو القربى أو الجيران فذاك وإلا وجب على من بلغه أمرهما من المسلمين أن يسعى في إصلاح ذات بينهما بذلك.
وكلا القولين وجيه فالأول يكلف الحكام ملاحظة أحوال العامة والاجتهاد في إصلاح أحوالهم، والثاني يكلف كل المسلمين أن يلاحظ بعضهم شؤون بعض ويعينه على ما تحسن به حاله، واختلفوا في وظيفة الحكمين فقال بعضهم: إنهما وكيلان لا يحكمان إلا بما وكلا به وقال بعضهم إنهما حاكمان.
روى الشافعي في الأم والبيهقي في السنن وغيرهما عن عبيدة السلماني قال "جاء رجل وامرأة إلى علي كرم الله وجهه ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأمرهم علي أن يبعثوا رجلًا حكمًا من أهله، ورجلًا حكمًا من أهلها ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟
عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، قالت المرأة: رضيت كتاب الله تعالى بما علي به ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به".
وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في هذه الآية "هذا في الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما أمر الله تعالى أن يبعثوا رجلًا صالحًا من أهل الرجل ورجلًا مثله من أهل المرأة فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقسروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قسروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع أمرهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي كره ولا يرث الكاره الراضي"، وقوله: ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ يشعر بأنه يجب على الحكمين أن لا يدخرا وسعًا في الإصلاح كأنه يقول إن صحت إرادتهما فالتوفيق كائن لا محالة.
وهذا يدل على نهاية العناية من الله تعالى في إحكام نظام البيوت الذي لا قيمة له عند المسلمين في هذا الزمان، وانظروا كيف لم يذكر مقابل "التوفيق" بينهما وهو "التفريق" عند تعينه، لم يذكره حتى لا يُذَكِّر به لأنه يبغضه، وليشعر النفوس أنه ليس من شأنه أن يقع.
وظاهر الأمر أن هذا التحكيم واجب لكنهم اختلفوا فيه فقال بعضهم إنه واجب وبعضهم إنه مندوب واشتغلوا بالخلاف فيه عن العمل به، لأن عنايتنا بالدين صارت محصورة في الخلاف والجدل، وتعصب كل طائفة من المسلمين لقول واحد من المختلفين، مع عدم العناية بالعمل به، فهاهم أولاء قد أهملوا هذه الوصية الجليلة لا يعمل بها أحد على أنها مندوبة والبيوت يدب فيها الفساد، فيفتك بالأخلاق والآداب، ويسري من الوالدين إلى الأولاد.
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾ أي أنه كان فيما شرعه لكم من هذا الحكم عليمًا بأحوال العباد وأخلاقهم وما يصلح لهم خبيرًا بما يقع بينهم وبأسبابه الظاهرة والباطنة فلا يخفى عليه شيء من وسائل الإصلاح بينهما، وإني لأكاد أبصر الآية الحكيمة تومئ بالاسمين الكريمين إلى أن كثيرًا من الخلاف يقع بين الزوجين فيظن أنه مما يتعذر تلافيه وهو في الواقع ونفس الأمر ناشئ عن سوء التفاهم لأسباب عارضة، لا عن تباين في الطباع أو عداوة راسخة، وما كان كذلك يسهل على الحكمين الخبيرين بدخائل الزوجين لقربها منهما، أن يمحصا ما علق من أسبابه في قلوبهما، متى حسنت النية وصحت الإرادة.
إن الزوجية أقوى رابطة تربط اثنين من البشر أحدهما الآخر فهي الصلة التي بها يشعر كل من الزوجين بأنه شريك الآخر في كل شيء مادي ومعنوي حتى إن كل واحد منهما يؤاخذ الآخر على دقائق خطرات الحب، وخفايا خلجات القلب، يستشفها من وراء الحجب، أو توحيها إليه حركات الأجفان، أو يستنبطها من فلتات اللسان إذا لم تصرح بها شواهد الامتحان، فهما يتغايران في أخفى ما يشتركان فيه، ويكتفيان بشهادة الظنة والوهم عليه، فيغريهما ذلك بالتنازع في كل ما يقصر فيه أحدهما، من الأمور المشتركة بينهما، وما أكثرها، وأعسر التوقي منها، فكثيرًا ما يفضي التنازع إلى التقاطع، والتغاير إلى التدابر، فإن تعاتبا فجدل ومراء، لا استعتاب واسترضاء، حتى يحل الكره والبغضاء محل الحب والهناء، لذلك يصح لك أن تحكم إن كنت عليمًا بالأخلاق والطباع، خبيرًا بشؤون الاجتماع، بأن تلك الحكمة التي أرسلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، هي القاعدة الثابتة الصحيحة في جميع الأمم وجميع الأعصار، وأنها يجب أن تكون في محل الذكرى من الحكمين، اللذين يريدان إصلاح ما بين الزوجين، كما يجب أن يعرفها ولا ينساها جميع الأزواج..
تلك الحكمة هي قوله للتي صرحت بأنها لا تحب زوجها، إذا كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تخبره بذلك فإن أقل البيوت ما بني على المحبة وإنما يعيش -(أو قال يتعاشر)- الناس بالحسب والإسلام، أي إن حسب كل من الزوجين وشرفه إنما يحفظ بحسن عشرته للآخر وكذلك الإسلام يأمرهما بأن يتعاشرا بالمعروف.
قد اهتدى الإفرنج إلى العمل بهذه الحكمة البالغة بعد أن استبحر علم النفس والأخلاق وتدبير المنزل عندهم فربوا نساءهم ورجالهم على احترام رابطة الزوجية، وعلى أن يجتهد كل من الزوجين أن يعيشا بالمحبة فإن لم يسعدا بها فليعيشا بالحسب وهو تكريم كل منهما للآخر ومراعاته لشرفه وقيامه بما يجب له من الآداب والأعمال التي جرى عليها عرف أمتهم، ثم يعذره فيما وراء ذلك وإن علم أنه لا يحبه فلا يذكر له ذلك، وقد صرحوا بأن سعادة المحبة الزوجية الخالصة قلما تمتع بها زوجان وإن كانت أمنية كل الأزواج، وإنما يستبدلون بها المودة العملية.
ولكنهم بإباحة المخالطة والتبرج قد أفرطوا في إرخاء العنان، حتى صار الأزواج يتسامحون في السفاح أو اتخاذ الأخدان، وهذا ما يعصم مجموع أمتنا منه الإسلام.
<div class="verse-tafsir"
كل ما تقدم من الأحكام كان خاصًا بنظام القرابة والمصاهرة وحال البيوت التي تتكون منها الأمة، ثم إنه تعالى بعد بيان تلك الأحكام الخصوصية، أراد أن ينبهنا إلى بعض الحقوق العمومية وهي العناية بكل من يستحق العناية وحسن المعاملة من الناس، فبدأ ذلك بالأمر بعبادته تعالى، وعبادته ملاك حفظ الأحكام والعمل بها وهي الخضوع له تعالى وتمكين هيبته وخشيته من النفس، والخشوع لسلطانه في السر والجهر، فمتى كان الإنسان على هذا فإنه يقيم هذه الأحكام وغيرها حتى تصلح جميع أعماله، ولذلك كانت النية عندنا تجعل الأعمال العادية عبادات كالزارع يزرع ليقيم أمر بيته ويعول من يقوته ويفيض من فضل كسبه على الفقراء والمساكين ويساعد على الأعمال ذات المنافع العامة، فعمله بهذه النية يجعل حرثه من أفضل العبادات، فليست العبادة في قوله هنا: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ خاصة بالتوحيد كما قال المفسر (الجلال) بل هي عامة كما قلنا تشمل التوحيد وجميع ما يمده من الأعمال.
﴿ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ من الأشياء أو شيئًا من الإشراك، اختلف تعبيرهم والمعنى واحد، والإشراك بالله يستلزم الإيمان به والنهي عنه يستلزم النهي عن التعطيل بالأولى.
والإشراك قد ذكر في القرآن بعض ضروبه عند مشركي العرب وهو عبادة الأصنام باتخاذهم أولياء وشفعاء ووسطاء عند الله تعالى يقربون المتوسل بهم إليه ويقضون الحاجات عنده كما هو المعهود من معنى الولاية والشفاعة عندهم، والآيات في ذلك كثيرة ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ .
وذكر أن أهل الكتاب دخل عليهم الشرك فالنصارى عبدوا المسيح وبعضهم عبد أمه السيدة مريم رضي الله عنها، وقال الله في الفريقين: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ، وقد ورد في تفسيره بالحديث الصحيح المرفوع أنهم كانوا يضعون لهم أحكام الحلال والحرام فيتبعونهم فيها وسبق ذكر ذلك في التفسير غير مرة.
فالشرك أنواع وضروب أدناها ما يتبادر إلى أذهان عامة المسلمين أنه العبادة لغير الله كالركوع والسجود له، وأشدها وأقواها هو ما سماه الله دعاء واستشفاعًا وهو التوسل بهم إلى الله وتوسيطهم بينهم وبينه تعالى، فالقرآن ناطق بهذا وهو المشهور في كتب السير والتاريخ، فهذا المعنى هو أشد أنواع الشرك وأقوى مظاهره التي يتجلى فيها معناه أتم التجلي، وهو الذي لا ينفع معه صلاة ولا صيام ولا عبادة أخرى.
ولقد فشا هذا الشرك في المسلمين اليوم، ومن الشواهد عل ذلك حال المعتقدين الغالين في البدوي "شيخ العرب" والدسوقي وغيرهما وهي شواهد لا تحتمل التأويل، وإن الذين يؤولون لأمثال هؤلاء إنما يتكلفون الاعتذار لهم لزحزحتهم عن شرك جلي واضح إلى شرك أقل منه جلاءً ووضوحًا، ولكنه شرك ظاهر على كل حال، وليس هو من الشرك الخفي الذي وردت الأحاديث بالاستعاذة منه، الذي لا يكاد يسلم منه إلا الصديقون، ومنه أن يعمل المؤمن العمل الصالح من العبادة لله تعالى ويجب أن يمدح عليه أو يتلذذ بالمدح عليه.
﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ الخطاب لعموم الأفراد أي ليحسن كل لوالديه، وذلك أنهما السبب الظاهر في وجود الولد ونموه بما بذلا من الجهد والطاقة في تربيته بكل رحمة وإخلاص، وقد بينت كتب الأحكام الظاهرة ما للوالدين من حقوق النفقة وبينت كتب الدين جميع الحقوق، والمراد بكتب الدين كتب آدابه كالإحياء للغزالي ويجمع هذه الحقوق كلها آيتا سورة الإسراء.
﴿ وَبِذِي الْقُرْبَى ﴾ : إذا قام الإنسان بحقوق الله تعالى فصحت عقيدته وصلحت أعماله، وقام بحقوق الوالدين فصلح حالهما وحاله، تتكون بذلك وحدة البيوت الصغيرة المركبة من الوالدين والأولاد، وبصلاح هذا البيت الصغير يحدث له قوة، فإذا عاون أهله البيوت الأخرى التي تنسب إلى هذا البيت بالقرابة وعاونته هي أيضًا يكون لكل من البيوت المتعاونة قوة كبرى يمكنه أن يحسن بها إلى المحتاجين الذين ليس لهم بيوت تكفيهم مؤنة الحاجة إلى الناس الذين لا يجمعهم بهم النسب، وهم الذين عطفهم على ذوي القربى بقوله: ﴿ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ﴾ فإن الله تعالى يوصي باليتامى في مثل هذا المقام لأن اليتيم يهمل أمره بفقده الناصر القوي الغيور وهو الأب أو تكون تربيته ناقصة بالجهل الذي هو جناية على العقل، أو فساد الأخلاق الذي هو جناية على النفس، وهو بجهله وفساد أخلاقه يكون شرًا على أولاد الناس يعاشرهم فيسري إليهم فساده، وقلما تستطيع الأم أن تربي الولد تربية كاملة مهما اتسعت معارفها.
وكذلك المساكين لا تنتظم الهيئة الاجتماعية إلا بالعناية بهم وصلاح حالهم فإن أهمل أمرَهم الأغنياء كانوا بلاء وويلًا على الناس.
وقلما ينظر الناس في المسكنة إلى غير العدم وصفر الكف، والمهم معرفة سبب ذلك فإن من الناس من يكون سبب عدمه وعوزه ضعفه وعجزه عن الكسب، أو نزول الجوائح السماوية تذهب بماله من غير تقصير منه، وهذا هو المسكين الحقيقي الذي تجب مواساته بالمال الذي يقع موقعًا من كفايته، ومنهم العادم الذي ما عدم المال إلا بالإسراف والتبذير والمخيلة والفخفخة الباطلة، ومنهم العادم الذي ما عدم المال إلا لكسله وإهماله للكسب طمعًا فيها في أيدي الناس واتكالًا عليهم، أو بسلوكه فيه مسلك الغش والخيانة حتى يفضح سره ويظهر أمره فيحبط عمله، فالمساكين على ضربين: مسكين معذور يساعد بالمال ينفقه، أو يساعد على تحصيله بكسبه إن كان قادرًا على ذلك، ومسكين غير معذور يرشد إلى تقصيره، ولا يساعد على إسرافه وتبذيره، بل يدل على طرق الكسب، فإن اتعظ وقبل النصح، وإلا ترك أمره إلى أولي الأمر، والله بصير بالعباد.
﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ : حدد بعضهم الجوار بأربعين دارًا من كل جانب من الجوانب الأربعة.
والحكمة في الوصية بالجار هي التي تعرفنا سر الوصية ومعنى الجوار، المراد بالجار من تجاوره ويتراءى وجهك ووجهه في غدوك أو رواحك إلى دارك، فيجب أن تعامل من ترى وتعاشر بالحسنى فتكون في راحة معهم ويكونون في راحة معك.
﴿ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ﴾ : هو من صاحبته وعرفته ولو وقتًا قصيرًا.
﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ : إنه من تبناه السبيل في غير معصية.
﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ : أوصانا الله تعالى بهؤلاء الذين يعدون في عرف الناس أدنى الطبقات لئلا نظن أن استرقاقهم يجيز امتهانهم ويجعلهم كالحيوانات المسخرة، فبيّن لنا أن لهم حقًا في الإحسان كسائر طبقات الناس، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ هذا تعليل أو بمنزلة التعليل لكل هذه الوصايا المتقدمة، والمختال هو المتكبر الذي يظهر على بدنه أثر من كبره في الحركات والأعمال، فيرى نفسه أعلى من نفوس الناس، وأنه يجب على غيره أن يتحمل من تيهه ما لا يتحمله هو منه، فالمختال من تمكنت في نفسه ملكة الكبر وظهر أثرها في عمله وشمائله فهو أشر من المتكبر غير المختال، والفخور هو المتكبر الذي يظهر أثر الكبر في قوله كما يظهر في فعل المختال، فهو يذكر ما يرى أنه ممتاز به على الناس تبجحًا بنفسه وتعريضًا باحتقاره غيره، فالمختال الفخور مبغوض عند الله تعالى لأنه احتقر جميع الحقوق التي وضعها وأوجبها للناس وعمي عن نعمه تعالى عليهم وعنايته بهم، بل لا يجد هذا المتكبر في نفسه معنى عظمة الله وكبريائه لأنه لو وجدها لتأدب وشعر بضعفه وعجزه وصغاره، فهو جاحد أو كالجاحد لصفات الألوهية التي لا تليق إلا بها ولا تكون بحق إلا لها.
فمن فتش نفسه وحاسبها علم أنه لا يعينه على القيام بعبادة الله تعالى ويطهره من نزعات الشرك به ومنازعته في صفاته ويسهل عليه القيام بوصاياه هذه وبغيرها إلا سكون النفس ومعرفتها قدرها ببراءتها من خلق الكبر الخبيث الذي تظهر آثار تمكنه ورسوخه بالخيلاء والفخر.
إن المختال لا يقوم بعبادة الله تعالى لأن عملًا ما لا يسمى عبادة إلا إذا كان صادرًا عن الشعور بعظمة المعبود، وسلطانه الأعلى غير المحدود، ومن أُوتي هذا الشعور خشع قلبه، ومن خشع قلبه خشعت جوارحه، فلا يكون مختالًا، إن المختال لا يقوم بحقوق الوالدين ولا حقوق ذوي القربى لأنه لا يشعر بما عليه من الحق لغيره، وإذا كان لا يقوم بحقوق الوالدين، وفضلهما عليه ليس فوقه إلا فضل الله تعالى، ولا بحقوق ذوي القربى وهم بمقتضى النسب في طبقته، فهل يرى نفسه مطالبًا بحق ما لليتيم الضعيف، أو للمسكين الأسيف، أو للجار القريب أو البعيد، أو للصاحب النبيه أو المغمول، أو لابن السبيل المعروف أو المجهول؟!
كلا إن هذا رجل مفتون بنفسه، مسحور في عقله وحسه، فلا يرجى منه البر والإحسان، وإنما يتوقع منه الإساءة والكفران.
﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ ، قال المفسر "يبخلون بما آتاهم الله من العلم والمال وهم اليهود".
وهما قولان فمن خص البخل بالبخل بالعلم جعل الكلام في اليهود، ومن قال هو البخل بالمال لم يجعله في اليهود، فالمفسر جمع بين القولين وخص الكلام باليهود واضطر لأجل ذلك إلى قطع الكلام وجعل "الذين" مبتدأ خبر محذوف، وإن لم يوجد في الكلام ما يدل عليه، ولمن يحمل الكلام على اليهود مندوحة عن هذا القطع إلى أهون منه وهو القطع من ابتداء قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ ﴾ إلخ، ومن العجيب أن مثل ابن جرير الطبري حمل الكلام على اليهود كأنه تعالى بعد تلك الأوامر بالإحسان ختم الكلام بقوله إن الله لا يحب اليهود، وما هذا بأقرب إلى البلاغة من القطع الأول، وأعجب من قوله ابن جرير تعليله إياه بأنه لا يوجد في الناس أمة تأمر الناس بالبخل على أنه دين فَتعيَّن أن يكون المراد بالبخل البخل بغير المال.
وكأن ابن جرير لم يخبر الناس فإن من طبيعة البخيل الأمر بالبخل بحاله ومقاله ليسهل على نفسه خلقه الذميم ويجد له فيه أقرانًا وأمثالًا.
وإن من الناس من أمروني بالبخل مرارًا، وإن أمرهم كان يؤثر في نفسي أحيانًا، حتى إنه ربما رددت يدي بالدراهم إلى جيبي بعد إخراجها إذا كان للبخيل المنفر شبهة قوية كقوله؛ إن هذا غير مستحق فإعطاؤه إضاعة وإذا وضعت ما تريد إعطاءه إياه في موضع كذا يكون خيرًا وأولى.
المتعين في السياق أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ تعليل لما قبله، وأن قوله: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾ إلخ، وصف لمن كان مختالًا فخورًا أو بدل منه، ولم يذكر ما يبخلون به فيخصه بالمال لأن الإحسان بالوالدين وذي القربى وما عطف عليهم في الآية لم يكن مرادًا به الإحسان بالمال فقط كما علم مما تقدم بل منه الإحسان بالقول والمعاملة، فالمراد بالبخل البخل بذلك الإحسان المأمور به فهو أعم من البخل بالمال فيشمل البخل بلين الكلام وإلقاء السلام والنصح في التعليم، وبالنفس لإنقاذ المشرف على التهلكة، وكذلك كتمان ما آتاهم الله من فضله يشمل كتمان المال وكتمان العلم، وجيء به بعد الأول لتوبيخ أهله، وبيان أنهم لا حق لهم فيه، ويجوز أن يخص البخل بإمساك المال، ويجعل الكتمان عامًا شاملًا لما عداه من أنواع الإحسان، فالكلام في الإحسان، والمقصرون فيه إنما يقصرون بعلة الخيلاء والفخر، اللذين هما مظهر الترفع والكبر، فهو بين لنا أن من كان ملوث النفس بتلك الرذيلة لا يكون محسنًا، لأن الكبر يستلزم جحود الحق، ولا سيما إذا ظهرت آثاره بالقول والعمل، وجحود الحق يستلزم منعه ومنعه هو البخل، فبين أن الملوثين بذلك الخلق الذي يبغض الله صاحبه ولا يحبه يبخلون بما أمروا به من الإحسان ويأمرون الناس بالبخل إما بلسان المقال وإما بلسان الحال بأن يكونوا قدوة سيئة في ذلك، ويكتمون نعم الله تعالى عليهم بإنكارها وعدم الشكر عليها بالإنفاق منها ولذلك توعدهم بقوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ أي وهيأنا لهم بكبرهم وكفرهم، وبخلهم وعدم شكرهم، عذابًا ذا إهانة يجمع لهم فيه بين الألم والمهانة والذلة جزاء كبرهم وقال للكافرين ولم يقل لهم للإيذان بأن هذه الأخلاق والأعمال إنما تكون من الكفور، لا من المؤمن الشكور.
﴿ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾ الرئاء ويخفف فيقال الرياء مصدر راءى كالمراءاة، والجملة عطف على الذين يبخلون وأعيد الموصول للدلالة على المغايرة في الأصناف كقوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾ من سورة آل عمران، أي إن مانعي الإحسان من أهل الفخر والخيلاء صنفان صنف يبخلون ويكتمون فضل الله عليهم وصنف يبذلون المال لا شكرًا لله على نعمته واعترافًا لعباده بحقوقهم، بل ينفقونها رئاء الناس أي مرائين لهم يقصدون أن يروهم فيعظموا قدرهم، ويحمدوا فعلهم، فالمرائي لا يقصد بإنفاقه إلا الفخر على الناس بكبريائه وإشراع الطريق لخيلائه، فإنفاقه أثر تلك الملكة الرديئة.
والكبرياء كما تكون من شيء في نفس الشخص، تكون أيضًا بما يكون له من المال والعرض، فإنك لترى الرجل يمشي ينظر إلى عطفيه ويفكر في نفسه هل هو محل الإعجاب والتعظيم من الناس أم لا، وشر هذا دون شر البخيل، فإن هذا يحمل الناس على قبول اختياله وفخره في مقابلة شيء يبذله لهم، فكأنه رأى لهم شيئًا من الحق عليه وهو بذل التعظيم والثناء الذي يطلبه برئائه، وأما البخيل فقد بلغ من احتقاره للناس واختياله وفخره عليهم أن لا يرى لهم عليه حقًا ما فهو يكلفهم تعظيمه ومدحه لأجل ماله -وماله في الصندوق مكتوم عنهم- فهو شر من المرائي بلا شك، ولذلك قدم ذكر البلاء اهتمامًا بهم لأنهم أعرق في تلك الرذيلة وآثارها.
والمرائي في الحقيقة بخيل لا يرى لأحد عليه حقًا ولكنه يتوهم أنه صاحب الفضل على الناس ولذلك يخص ببذله في الغالب من لا حق لهم عنده ويبخل على أرباب الحقوق المؤكدة حتى على زوجه وولده وخادمه، وعلى الأقربين حتى الوالدين، ولا يتحرى في إنفاقه مواضع النفع العام ولا الخاص وإنما يتحرى مواطن التعظيم والمدح وإن كان الإنفاق هنالك ضارًا كالمساعدة على الفسق أو الفتن، فهو تاجر يشتري تعظيم الناس له وتسخيرهم لقضاء حاجة والقيام بخدمته.
ثم وصف الله تعالى هؤلاء المجرمين المرائين بقوله: ﴿ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾ وهو من عطف السبب على المسبب والعلة على المعلول، ذلك بأن المرائي يثق بما عند الناس ما لا يثق بما عند الله، ويرجح التقرب إليهم على التقرب إليه، ويؤثر ما عندهم من المدح وتوقع النفع، على ما أعده الله في الآخرة على الإيمان وعمل الصالحات، فالله في نظره المظلم أهون من الناس، فهل يعد مثل هذا مؤمنًا بالله إيمانًا حقيقيًا، مؤمنًا باليوم الآخر كما يجب؟
أم يكون إيمانه تخيلًا كتخيل الشعراء وقولًا كقول الصبيان: والله ما فعلت كذا!.
فالواحد منهم ينطق باسم الله ويؤكد باسمه الكريم الكلام وهو لا يعرف الله وإنما يسمع الناس يقولون قولًا فيقلدهم بما يحفظ منه، لا يعرف أنه هو موجد الكائنات، النافذ علمه وقدرته بما في الأرض والسموات، فهل يكون مثل هذا مؤمنًا بالله واليوم الآخر؟
كلا إنه لو كان مؤمنًا باليوم الآخر موقنًا بأن له هنالك حياة أبدية لا نهاية لها، لما فضل عليها عرض هذه الحياة القصيرة التي لا قيمة لها.
ومن آيات الفرق بين المخلص والمرائي أن المرائي يلتمس الفرص والمناسبات للفخر والتبجح بما أعطى وما فعل، والمخلص قلما يتذكر عمله أو يذكره إلا لمصلحة، كأن يرغب بعض الناس في البذل فيقول للغني مثلًا إنني على فقري أو على قدر حالي قد أعطيت في مصلحة كذا وكذا درهمًا أو دينارًا فاللائق بك أن تبذل كذا.
﴿ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ﴾ في الآية تنبيه إلى قرناء المرء في سيرته وما ينبغي من اختيار القرين الصالح على قرين السوء، وتعريض بتنفير أولئك الأنصار من مقارنة أولئك اليهود الذين كانوا ينهونهم عن الإنفاق في سبيل الله وبيان أنهم شياطين يعدون الفقر، وينهون عن المعروف ويأمرون بالمنكر، والقرين الصالح من يكون عونًا لك على الخير مرغبًا لك فيه، منفرًا لك بنصحه وسيرته عن الشر مبعدًا لك عنه، مذكرًا لك بتقصيرك، مبصرًا إياك بعيوب نفسك، وكم أصلح القرين الصالح فاسدًا، وكم أفسد قرين السوء صالحًا.
﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ﴾ أي ما الذي كان يصيبهم من الضرر لو آمنوا وأنفقوا، وهذا الكلام موجه إلى جميع المكلفين المخاطبين بالقرآن.
وكان أكثر العرب يؤمنون قبل البعثة بالله تعالى وكونه هو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، ومنهم من كان يؤمن بحياة أخرى بعد الموت، وكانوا مع ذلك مشركين وإيمانهم على غير الوجه الصحيح، وكذلك أهل الكتاب كانوا يؤمنون بالله وباليوم الآخر ولكن الشرك كان قد تغلغل فيهم أيضًا، فالمراد الإيمان الصحيح مع الإذعان الذي يظهر أثره في العمل، و "لو" على معناها وجوابها محذوف دل عليه ما قبله من الاستفهام، والكلام مسوق مساق التعجب من حالهم في إنفاق المال وعمل الإحسان لوجه الله وابتغاء رضوانه وثوابه في الآخرة، والمراد من التعجب إثارة عجب الناس من حالهم إذ لو أخلصوا لما فاتتهم منفعة الدنيا، ولفازوا مع ذلك بسعادة العقبى، وكثيرًا ما يفوت المرائي غرضه من التقرب إلى الناس وامتلاك قلوبهم وتسخيرهم لخدمته أو الثناء عليه، ويفوز بذلك المخلص الذي يخفي العمل من حيث لا يطلبه ولا يحتسبه ففي هذه الحالة يكون للمخلص سعادة الدارين، ويرجع المرائي يخفي حنين، بل يكون قد خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين، فجهل المرائين جدير بأن يتعجب منه لأنه جهل بالله وجهل بأحوال الناس، ولو آمنوا وأخلصوا وأحسنوا ووثقوا بوعد الله ووعيده لكان هذا الإيمان كنز سعادة لهم، فإن من يحسن موقنًا أن المال والجاه من فضل الله على العبد وأنه ينبغي أن يتقرب بهما إليه تعلو همته فتهون عليه المصاعب والنوائب، ويكون هذا الإيمان الصحيح عوضًا له من كل فائت، وسلوى في كل مصاب، وفاقد الإيمان الحقيقي عرضة للغم واليأس من كل خير عندما يرى خيبة أمله وكذب ظنه في الناس، فإذا وقع في مصاب عظيم كفقد المال ولا سيما إذا ذهب كل ماله وأمسى فقيرًا ولم ينقذه الناس ولا بالوا به فإن الغم والقهر ربما أماتاه جزعًا لا صبرًا، وربما بخع نفسه وانتحر بيده.
ولذلك يكثر الانتحار من فاقدي الإيمان.
وأما المؤمن فإن أقل ما يؤتاه في المصائب هو الصبر والسلوى فيكون وقع المصيبة على نفسه أخف، وثواء الحزن في قلبه أقل، وأكثره أن تكون المصيبة في حقه رحمة، وتتحول النقمة فيها نعمة، بما يستفيد فيها من الاختبار والتمحيص، وكمال العبرة والتهذيب.
على أن المؤمنين المحسنين المخلصين يكونون أبعد عن النوائب والمصائب من غيرهم، وقد يبتلي الله المؤمن ويمتحن صبره فيعطيه إيمانه من الرجاء بالله تعالى ما تخالط حلاوته مرارة المصيبة حتى تغلبها أحيانًا، وإن من الناس من يعظم رجاؤه بالله وصبره على حكمه ورضاه بقضائه واعتقاده أنه ما ابتلاه إلا ليربيه ويعظم أجره حتى أنه ليأنس بالمصيبة ويتلذذ بها وهذا قليل نادر ولكنه واقع.
﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴾ لو لم ينزل في معاملة الناس بعضهم لبعض إلا هذه الآيات ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ -إلى قوله-: ﴿ عَلِيمًا ﴾ لكانت كافية لهداية من له قلب يشعر وعقل يفكر، فأين منها تقصير المنتسبين إلى الإسلام في اتباع هذه الأوامر، وواقع حال الناس في معاملة الوالدين والأقربين والجيران واليتامى والمساكين وهو ما يتبرأ منه الإسلام؟!.
<div class="verse-tafsir"
بعد ما بيّن تعالى صفات المتكبرين وسوء حالهم وتوعدهم على ذلك أراد أن يزيد الأمر تأكيدًا ووعيدًا فبين أنه لا يظلم أحدًا من العاملين بتلك الوصايا قليلًا أو كثيرًا، بل يوفيه حقه بالقسطاس المستقيم، فالآية تتميم لموضوع الأوامر السابقة وترغيب للعاملين في الخير كما قال في سورة الزلزلة ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ إلخ، فمن سمع هذه الآية تعظم رغبته في الخير ورجاؤه في الله تعالى.
وللعابثين بالكتاب وبعقائد الناس كلام في الآية أقاموه على أساس مذاهبهم فمن ذلك قول المعتزلة، إنه يجوز الظلم على الله تعالى لأنه لو لم يكن جائزًا لما تمدح بنفيه.
ورد عليهم الآخرون بأنه تعالى نفى عن نفسه السنة والنوم وأنتم متفقون معنا على استحالة ذلك عليه.
فردوا عليهم بأن نفي الظلم كلام في أفعاله ونفي النوم كلام في صفاته وفرق بينهما، وهذا كله من الجدل الباطل والهذيان، وإدخال الفلسفة في الدين بغير عقل ولا بيان، ومثله قول بعض المنتمين إلى السنة بجواز تخلف الوعيد ولا يعد ذلك ظلمًا لأن الظلم لا يتصور منه تعالى.
وبلغ بهم الجهل من تأييد هذا الرأي إلى تجويز الكذب على الله تعالى، وجعلوا هذا نصرًا للسنة.
والذي قذف بهؤلاء في هذه المهاوي هو الجدل والمراء لتأييد المذاهب التي تقلدوها، والتزام كل فريق تفنيد الآخر وإظهار خطئه لا طلب الحق أينما ظهر.
ولهم مثل هذه الجهالات الكثير البعيد عن كتاب الله ودينه، كقول المعتزلة: إن بعض الأشياء حسن لذاته وبعضها قبيح لذاته، ويجب على الله تعالى أن يفعل الأصلح من الأمرين الجائزين وكقول بعض من لم يفهم مسألة أفعال العباد بما يدل على جواز العبث على الله تعالى وكل هذا جهل.
والذي يفهم من الآية أن هناك حقيقة ثابتة في نفسها وهي الظلم، وأن هذا لا يقع من الله تعالى لأنه من النقص الذي يتنزه عنه وهو ذو الكمال المطلق والفضل العظيم، وقد خلق للناس مشاعر يدركون بها وعقولًا يهتدون بها إلى ما لا يدركه الحس، وشرع لهم من أحكام الدين وآدابه ما لا تستقل عقولهم بالوصول إلى مثله في هديتهم، وحفظ مصالحهم، وجعل فوائد الدين وآدابه سائقة إلى الخير صارفة عن الشر لتأييدها بالوعد والوعيد فمن وقع بعد ذلك فيما يضره ويؤذيه وترتبت عليه عقوبته كان هو الظلم لنفسه لأن الله لا يظلم أحدًا.
ونفي الظلم ههنا على إطلاقه يشمل المؤمن والكافر والذرة فيه عبارة عن منتهى الصغر في الأجسام، وقيل الذرة الهباء، وقيل النمل الصغير الأحمر، أو الذرة رأس النملة الصغيرة، وأظهر من هذه الآية في العموم ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ إلخ، وقد قدر مفسرنا (الجلال) في الآية هنا (أحدًا) للإشارة إلى العموم.
ولكن ورد في الكافرين ما يدل على أنه لا أثر لعملهم في الآخرة كقوله: ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ وقوله في عملهم: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ وقد قال بعضهم في الجمع إن الله يجازيهم على أعمالهم في الدنيا وهذا تأويل لا يأتي في سورة الزلزلة لأن الكلام فيها خاص بيوم القيامة.
وقال بعضهم غير ذلك، كل يحمل الآية على مذهبه كما هي عادة المقلدين في جعل مذاهبهم أصلًا والقرآن العزيز فرعًا يحمل عليها ولو بالتأويل السقيم والتحريف البعيد.
ومن العجب أن يقول قائل بهذه التأويلات وقد ورد في الأحاديث المسلمة عند قائليها أن بعض المشركين يخفف عنه العذاب بعمل له: حاتم بكرمه، وأبو طالب بكفالته النبي ونصره إياه، بل ورد حديث بالتخفيف عن أبي لهب لعتقه "ثوبة" حين بشر بالنبي هذا وأبو لهب هو الذي نزل فيه ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ إلخ، السورة فالمعنى الصحيح إذن للآيات هو أن الله لا يقيم وزنًا للمشرك في مقابلة شركه بمعنى أنه لا يقابل الشرك عمل صالح فيمحوه بل الأعمال الصالحة بإزاء الشرك هباء، ولكن المشرك العاصي أشد عذابًا من المشرك المحسن.
ولا يعقل أن يكون المحسن والمسيء عنده تعالى سواء فإن هذا من الظلم المنفي بلا شك.
﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ بعد ما جاء بالوعد والوعيد في الآية السابقة جاء بهذه الآية معطوفة بالفاء، فهو يقول إذا كان الله لا يضيع من عمل عامل مثقال ذرة فكيف يكون حال الناس إذا جمعهم الله وجاء بالشهداء عليهم وهم الأنبياء فما من أمة إلا ولها بشير ونذير.
هذه الشهادة هي التي غفل عنها الناس وبكى لها النبي إذ أمر بعض الصحابة بأن يقرأ عليه شيئًا من القرآن وهو أعلم بالناس بالقرآن.
هذه الشهادة يوم يجمع الله الناس مع أنبيائهم هي عبارة عن مقابلة عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم بعقائد الأنبياء وأعمالهم وأخلاقهم.
تعرض أعمال كل أمة على نبيها لا فرق بين اليهود والنصارى والمسلمين وسائر أتباع الأنبياء، فمن شهد لهم نبيهم بعد معرفة أعمالهم وظهورها بأنهم على ما جاء به وعمل وأمر الناس بالعمل به فهم الناجون.
إن كل أمة من أتباع الأنبياء تدعي أتباع نبيها وإن كانت قلوبهم مملوءة بالحقد والحسد والغل وأعمالهم كلها شرورًا ومفاسد عليهم وعلى الناس فهؤلاء يتبرأ الأنبياء منهم وإن ادعوا عن اتِّباعهم والانتماء إليهم.
<div class="verse-tafsir"
أمر الله تعالى في الآيات السابقة بعبادته وترك الشرك به وبالإحسان للوالدين وغيرهم وتوعد الذين لا يقومون بهذه الأوامر والنواهي، وقد عرفنا من سور أخرى أن الله تعالى يأمر بالاستعانة بالصلاة على القيام بأمور الدين وتكاليفه كما قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ وقد كثر في القرآن الأمر بالصلاة، لا بالصلاة هكذا مطلقًا بل بإقامتها، وإنما إقامتها القيام بها على الوجه الأكمل، وهو أن ينبعث المؤمن إليها بباعث الشعور بعظمة الله وجلاله، ويؤديها بالخشوع له تعالى، فهذه الصلاة هي التي تعين على القيام بالأوامر وترك النواهي، ولذلك جاء ذكرها ههنا عقب تلك الأوامر والنواهي الجامعة، وقد ذكرت الصلاة في القرآن بأساليب مختلفة وذكرت ههنا في سياق النهي عن الإتيان بها في حال السكر الذي لا يتأتى معه الخشوع والحضور مع الله تعالى بمناجاته بكتابه وذكره ودعائه فالمراد بالصلاة حقيقتها لا موضعها وهو المساجد كما قال الشافعية، والنهي عن قربانها دون مطلق الإتيان بها لا يدل على إرادة المسجد إذ النهي عن قربان العمل معروف في الكلام العربي وفي التنزيل خاصة ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾ والنهي عن العمل بهذه الصيغة يتضمن النهي عن مقدماته ومن مقدمات الصلاة الإقامة فقد سنها الله لنا لأعدادنا للدخول في الصلاة.
وقال بعض المفرقين الذين يحملون القرآن على مذاهبهم المستحدثة إن الآية تدل على جواز بل وقوع التكليف بالمحال إذ وجَّه الأمر إلى السكران وهو لا يعي الخطاب.
والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن الخطاب موجه إلى المسلم قبل السكر بأن يجتنبه إذا ظن أنه ينتهي به إلى التلبس بالصلاة في أثنائه، فهو أمر بالاحتياط واجتناب السكر في أكثر الأوقات.
ثانيها: أن الأمر موجه إلى جمهور المؤمنين لأنهم متكافلون مأمورون بمنع المنكر، فعليهم أن يمنعوا السكران من الدخول في الصلاة فالأمر على حد ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ﴾ ثالثها: أن السكر الذي يطلبه الغواة لا ينافي فهم الخطاب وهو النشوة والسرور ففي هذه الحالة يَفْهَم السكران ويُفْهِم ويصح أن يوجه إليه الخطاب، ولكنه لا يضبط أعماله وأفكاره وأقواله بالتفصيل، ولذلك قال تعالى: ﴿ حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾ فأما ما ينتهي إليه السكران مما لا يقصد فصاحبه لا يخاطب فيه وهو ما عرّف به أبو حنيفة السكران إذ قال: إنه من لا يفرّق بين الأرض والسماء.
وهناك قول آخر في معنى هذا القول، وهذا التعليل للنهي يفيد أن العلم بما يقوله الإنسان في الصلاة من تلاوة وذكر واجب أو شرط والعلم به فهمه، ولهذا المعنى أجاز أبو حنيفة الصلاة بغير العربية لمن لا يحسنها أي إلى أن يحسنها أو يعجز.
هذا هو حاصل المعنى على القول بأن المراد بالصلاة حقيقتها كما هو الظاهر فإن أريد بها موضعها فالمراد تنزيه المساجد وهي بيوت الله عن اللغو والكلام الباطل الذي من شأنه أن يبدر من السكران.
وحتى للغاية.
﴿ وَلَا جُنُبًا ﴾ والجنب يعرفه كل أحد.
﴿ إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ المراد بالصلاة مواضعها أي المساجد والعابر هنا هو المجتاز لها لحاجة.
﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ﴾ .
المعنى أن حكم المريض والمسافر إذا أراد الصلاة كحكم المحدث حدثًا أصغر أو ملامس النساء ولم يجد الماء، فعلى كل هؤلاء التيمم فقط.
هذا ما يفهمه القارئ من الآية نفسها إذا لم يكلف نفسه حملها على مذهب من وراء القرآن يجعلها بالتكلف حجة له منطبقة عليه.
وقد طالعت في تفسيرها خمسة وعشرين تفسيرًا فلم أجد فيها غناء ولا رأيت قولًا فيها يسلم من التكلف ثم رجعت إلى المصحف وحده فوجدت المعنى واضحًا جليًا، فالقرآن أفصح الكلام وأبلغه وأظهره وهو لا يحتاج عند من يعرف العربية، مفرداتها وأساليبها إلى تكلفات فنون النحو وغيره من فنون اللغة عند حافظي أحكامها من الكتب مع عدم تحصيل ملكة البلاغة.
<div class="verse-tafsir"
الكلام انتقال من الأحكام وما عليها من الوعد والوعيد إلى بيان حال بعض الأمم من حيث أخذهم بأحكام دينهم وعدمه، ليذكر الذين خوطبوا بالأحكام المتقدمة بأن الله تعالى مهيمن عليهم كما هيمن على من قبلهم فإذا هم قصروا يأخذهم بالعقاب الذي رتبه على ترك أحكام دينه في الدنيا والآخرة.
والمنتظر من المؤمنين بعد ذكر الأحكام الماضية وما قرنت به من الوعد والوعيد أن يأخذوا بها على الوجه الموصل إلى إصلاح الأنفس وهو أثرها المراد منها وذلك بأن يؤخذ بها في صورتها ومعناها لا في صورتها فقط، ولكن جرت سنة الله في الأمم أن يكتفي بعض الناس من الدين ببعض الظواهر والرسوم الدينية كما جرى عليه بعض اليهود في القرابين وأحكام الطهارة الظاهرة وهذا لا يكفي في اتباع الدين والقيام به على الوجه المصلح للنفوس كما أراد الله من التشريع، فأراد الله تعالى بعد بيان بعض الأحكام التي لها رسوم ظاهرة كالغسل والتيمم أن يذكر المسلمين بحال بعض الأمم التي هذا شأنها، وكون هذا لم يغن عنها من الله شيئًا، ولم ينالوا به مرضاته، ولم يكونوا به أهلًا لكرامته ووعده فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ﴾ قال أوتوا نصيبًا من الكتاب لأنهم لم يأخذوا الكتاب كله بل تركوا كثيرًا من أحكامه لم يعملوا بها، وزادوا عليها، والزيادة فيه كالنقص منه، فالتوراة تنهاهم عن الكذب وإيذاء الناس وأكل الربا مثلًا، وكانوا يفعلون ذلك، وزاد لهم علماؤهم ورؤساؤهم كثيرًا من الأحكام والرسوم والتقاليد الدينية، فهم يتمسكون بها وليست من التوراة ولا مما يعرفونه عن موسى ، وهم يدعون اتباعه في الدين، فالأمر المحقق الذي لا شك فيه هو أنهم يعملون ببعض أحكام التوراة وقد أهملوا سائرها.
ففي مقام الاحتجاج بالعمل بالدين وعدمه يذكر الواقع وهو أنهم لم يؤتوا الكتاب كله إذ لم يعملوا به كله وإنما عملوا ببعضه، وفي مقام الاحتجاج عليهم بالإيمان بالنبي والقرآن يناديهم ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا ﴾ إلخ، كما ترى في الآية التالية لهذه الآية ومثلها كثير.
﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ : التحريف يطلق على معنيين: أحدهما: تأويل القول بحمله على غير معناه الذي وضع له وهو المتبادر لأنه هو الذي حملهم على مجاحدة النبي وإنكار نبوته وهم يعلمون، إذ أولوا ولا يزالون يؤولون البشارات به إلى اليوم كما يؤولون ما ورد في المسيح ويحملونه على شخص آخر لا يزالون ينتظرونه ثانيهما: أخذ كلمة أو طائفة من الكلم من موضع من الكتاب ووضعها في موضع آخر وقد حصل مثل هذا التشويش في كتب اليهود، خلطوا فيما يؤثر عن موسى ما كتب بعده بزمن طويل، وكذلك وقع في كلام غيره من الأنبياء، وقد اعترف بهذا بعض المتأخرين من أهل الكتاب، وإنما كان هذا منهم بقصد الإصلاح.
وهذا النوع من التحريف لا يضر المسلمين ولم يكن هو الحامل على إنكار ما جاء به النبي .
﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا ﴾ يحتمل أن يكون المعنى واسمع شيئًا لا يستحق أن يسمع، وأما "راعنا" فقد روي أن اليهود كانوا يتسابون بكلمة "راعينا" العبرانية أو السريانية فسمعوا بعض المؤمنين يقولون للنبي راعنا، من المراعاة أو بمعنى ارعنا سمعك، فافترضوها وصاروا يلوون ألسنتهم بالكلمة ويصرفونها إلى المعنى الآخر ﴿ لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ﴾ فيجعلونها في الظاهر راعنا وبليِّ اللسان وإمالته "راعينا" ينوون بذلك الشتم والسخرية، أو جعله راعيًا من رعاء الشاء أو من الرعن والرعونة.
وأنا لا أرتضي ما رووه وما قالوه في كون هذه الكلمة سبًا بالعبرانية وأختار عليه في تعليل النهي عنها أنها لما كانت من المراعاة وهي تقتضي المشاركة نهوا عنها تأديبًا لهم إذ لا يليق أن يقولوا للنبي "راعنا نرعك" كما هو معنى المشاركة، كما نهوا أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض.
وهناك وجه آخر يقال في اللغة: راعى الحمار الحمر، إذ رعى معها، فكان اليهود يحرّفون الكلمة إلى هذا المعنى وإن كان فيها سب لأنفسهم على حد "اقتلوني ومالكًا"، ومن تحريف اللسان وليه في خطابهم للنبي قولهم في التحية "السام عليكم" يوهمون بفتل اللسان وجمجمته أنهم يقولون السلام عليكم، وقد ثبت هذا في الصحيح وأنه كان بعد العلم بذلك يجيبهم بقوله "وعليكم" أي كل أحد يموت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ﴾ طمس الوجه أن يعرض له ما يغطيه فيمنع صاحبه أن يتوجه إلى مقصده ومتى بطل التوجه الصحيح إلى المقصد امتنع السعي إليه المؤدي إلى الوصول، وذلك هو الخذلان والخيبة، أي آمنوا قبل أن نعمي عليكم السبيل بما نبصر المؤمنين بشؤونكم ونغريهم بكم فتردون على أدباركم بأن يكون سعيكم إلى غير خيركم.
﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ﴾ ورد في أهل السبت أن الله أهلكهم فمعنى اللعنة هنا الإهلاك بقرينة التشبيه.
<div class="verse-tafsir"
قالوا إن سبب نزول هذه الآية قصة وحشي وأنه ندم على قتله لما أخلفه مولاه ما وعده من عتقه وراجع النبي في إسلامه، فكأنهم يثبتون أن لله جلت عظمته كان يداعب وحشيًا وأصحابه ويستميلهم بآية بعد آية، ولا حاجة إلى هذا كله فالكلام ملتئم بعضه مع بعض فهو بعد ما ذكر من شأن اليهود وأن عمدتهم في تكذيب النبي تحريف أحبارهم للكتاب واتباعهم لهم في أمر الدين كما قال في آية أخرى ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ وورد في تفسيرها المرفوع أنهم كانوا يتبعونهم في التحليل والتحريم من غير رجوع إلى أصل الكتاب، فهذه الآية تشير إلى أنهم وقعوا في الشرك المشار إليه في الآية الأخرى إذ الشرك بالله يتحقق باعتماد الإنسان على غير الله مع الله في طلب النجاة من رزايا الدنيا ومصائبها، أو من العذاب في الآخرة كما يتحقق بالأخذ بقول بعض الناس في التشريع كالعبادات والعقائد والحلال والحرام، وإثبات الشرك لليهود، وفي تلك الآية لا ينافي تسميتهم أهل الكتاب الذي يدخل فيه الإيمان بالله والأنبياء فإنه قال في الآية السابقة ﴿ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ أي إيمانًا لا يعتد به إذ لا يقي صاحبه من الشرك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ سبق في الآيات قبل هذه أن اليهود حكموا بأن المشركين أهدى سبيلًا من المؤمنين، وذلك من الحسد والغرور بأنفسهم فإنهم يقولون ذلك مع أنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت فهم في شر حال، ويعيبون من هم في أحسن حال، فالله تعالى يقول إن هؤلاء يريدون أن يضيق فضل الله بعباده ولا يجبون أن يكون لأمة من الأمم فضلٍ أكثر مما لهم أو مثله أو قريبًا منه لما استحوذ عليهم من الغرور بنسبهم وتقاليدهم مع سوء حالهم، فكأنه قال: هل غرر هؤلاء بأنفسهم تغريرًا، أم لهم نصيب من الملك في هذا الكون فهم يمنعون الناس فلا يأتونهم منه نقيرًا، أم يحسدون على ما أعطاهم الله من فضله، أي العرب.
﴿ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ والعرب منهم فإنهم من ذرية ولده إسماعيل، وقد كانت ظهرت تباشير الملك العظيم فيهم عند نزول هذه الآيات، فإنها مدينة متأخرة وكانت شوكة المسلمين قد قويت، فالآية مبشرة لهم بالملك الذي يتبع النبوة والحكمة، والحاصل أن حال اليهود يومئذ كان لا يعدو هذه الأمور الثلاثة، إما غرور خادع يظنون معه أن فضل الله محصور فيهم، ورحمته تضيق عن غير شعب إسرائيل من خلقه، وإما حسبان أن ملك الكون في أيديهم فهم لا يسمحون لأحد بشيء منه ولو حقيرًا كالنقير، وإما حسد العرب على ما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة والملك الذي ظهرت مبادئ عظمته.
﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ﴾ : يرجع الضمير إلى ما ذكر من الكتاب والحكمة والملك العظيم، فأما الإيمان بالكتاب والحكمة فظاهر، وأما الإيمان بالملك فهو الإيمان بوعد الله تعالى به، وهكذا شأن الناس في كل شيء لا يتفقون عليه وإنما يأخذ به بعضهم ويعرض عنه آخرون.
<div class="verse-tafsir"
قال تعالى في الآية السابقة: ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ﴾ ، وتوعد من صد عنه بسعير جهنم، ثم فصّل هذا الوعيد بقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا ﴾ ونقلوا عن سيبويه أن "سوف" تأتي للتهديد وتنوب عنها السين ويستشهدون بهذه الآية.
ولكن ورد دخول السين على الفعل في مقام الوعد في الآية الآتية: ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ ﴾ والصواب أن السين وسوف على معناهما المشهور في إفادة التنفيس والتأخير واشتق لفظ التسويف بمعنى التأخير من سوف، ولكن بعضهم استشكل التسويف هنا ولو نظروا في مثل هذا الوعيد لرأوا أن حصوله يكون متأخرًا جدًا عن وقت نزول الآية به، على أن للتراخي والبعد معنى آخر بحسب اعتبار المقام في الخطاب، فإذا نظر إلى حال المغرورين بما هم فيه من قوة وعزة، الذين صرفهم غرورهم وطغيانهم بعزتهم عن النظر فيما جاء به النبي من البينات والهدى فصدوا عنه استغناء بما هم فيه، يراهم بهذا الغرور بعداء جدًا عن تصور الوعيد والتفكير فيه، فيكون هذا التسويف مرعيًا فيه حالهم ليتفكروا في مستقبل أمرهم.
﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ﴾ نضج الجلود هو نحو نضج الثمار والطعام وهو عبارة عن فقد التماسك الحيوي والبعد عن الحياة وإنما تتبدل لأن النضج يذهب القوة الحيوية التي بها الإحساس فإذا بقيت ناضجة يقل الإحساس بما يمسها أو يزول، لذلك تتبدل بها جلود حية غيرها ﴿ لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ لأن الذوق والإحساس يصل إلى النفس بواسطة الحياة في الجلد، ومن هنا قال بعض المفسرين إن المراد بتبديل الجلود دوام العذاب فالكلام تمثيل أو كناية عن دوام الإحساس بالعذاب، فإنه أراد أن يزيل وهمًا ربما يعرض للناس بالقياس على ما يعهدون في أنفسهم من أن الذي يتعود الألم يقل شعوره به ويصير عاديًا عنده كما نرى من حال الرجل تعمل له عملية جراحية وتتكرر فإنه في المرة الأولى يتألم تألمًا شديدًا ثم لا يزال يخف بالتدريج حتى نراه لا يبالي به، وهكذا نشاهد في كثير من الآلام والأمراض التي يطول أمرها.
يعنى كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة بحيث ظنوا أنهم الآن حدّثوا ووجدوا فيكون المقصود دوام العذاب وعدم انقطاعه.
<div class="verse-tafsir"
قال في لباب النقول: أخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال لما فتح رسول الله مكة دعا عثمان بن طلحة فلما أتاه قال أرني المفتاح فلما بسط يده إليه قام العباس فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي أجمعه لي مع السقاية، فكف عثمان يده فقال رسول الله هات المفتاح يا عثمان، فقال هاك أمانة الله.
فقام ففتح الكعبة ثم خرج فطاف بالبيت ثم نزل عليه جبريل برد المفتاح فدعا عثمان ابن طلحة فأعطاه المفتاح ثم قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ حتى فرغ من الآية.
بعد ما بيّن الله تعالى لنا من شأن أهل الكتاب ما بينه حتى تفضيلهم المشركين في الهداية على المؤمنين بالله وحده وبجميع كتبه ورسله أدبنا بهذا الأدب العالي وأمرنا بالأمانة العامة وهي الاعتراف بالحق سواء كان الحق حسيًا أو معنويًا فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ فالكلام متصل بما قبله بمناسبة قوية تجعل السياق كعقد من الجوهر متناسب اللآلئ، فسواء صح ما ذكر من حكاية مفتاح الكعبة أو لم يصح فإن صحته لا تضر بالتئام السياق، ولا بعموم الحكم إذ السبب الخاص لا ينافي عموم الحكم.
والأمانة حق عند المكلف يتعلق به حق غيره ويودعه لأجل أن يوصله إلى ذلك الغير كالمال والعلم سواء كان المودَع عنده ذلك الحق قد تعاقد مع المودع على ذلك بعقد قولي خاص صرح فيه بأنه يجب على المودَع عنده أن يؤدي كذا إلى فلان مثلًا أم لم يكن كذلك، فإن ما جرى عليه التعامل بين الناس في الأمور العامة هو بمثابة ما يتعاقد عليه الأفراد في الأمور الخاصة، فالذي يتعلم العلم قد أُدع أمانة وأُخذ عليه العهد بالتعامل والعرف بأن يؤدي هذه الأمانة ويفيد الناس ويرشدهم بهذا العلم، وقد أخذ الله العهد العام على الناس بهذا التعامل المتعارف بينهم شرعًا وعرفًا بنص قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾ ، ولذلك عد علماء أهل الكتاب خائنين بكتمان صفات النبي ، فيجب على العالم أن يؤدي أمانة العلم إلى الناس كما يجب على من أُودع المال أن يرده إلى صاحبه، ويتوقف أداء أمانة العلم على تعرف الطرق التي توصل إلى ذلك فيجب أن تعرف هذه الطرق لأجل السير فيها، وإعراض العلماء عن معرفة الطرق التي تتأدى بها هذه الأمانة بالفعل هو ابتعاد عن الواجب الذي أُمروا به وإخفاء الحق بإخفاء وسائله هو عين الإضاعة للحق، فإذا رأينا الجهل بالحق والخير فاشيًا بين الناس واستبدلت به الشرور والبدع، ورأينا أن العلماء لم يعلموهم بما يجب في ذلك فيمكننا أن نجزم بأن هؤلاء العلماء لم يؤدوا الأمانة وهي ما استحفظوا عليه من كتاب الله، ولا عذر لهم في ترك استبانة الطريق الموصل إلى ذلك بسهولة وقرب، فهم خونة الناس وليسوا بالأمناء.
﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ وكذلك أمر الله من يحكم بين الناس أن يحكم بالعدل، والحكم بين الناس له طرق منها الولاية العامة والقضاء، ومنها تحكيم المتخاصمين لشخص في قضية خاصة، فكل من يحكم يجب عليه أن يعدل، وقد أمر الله بالعدل في آيات أخرى كقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ﴾ الآية، وقوله: ﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ ، وقوله: ﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴾ ، ونهى عن الظلم وأوعد عليه في آيات كثيرة، ولم يذكر لنا حد العدل ولا تفسيره ولم يرد في السنة تفسير له أيضًا.
والعدل وقف على أمرين: أحدهما: أن يعلم الحاكم الحكم الذي شرعه الله ليكون الفصل بين الناس به مثال ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ فهو يوجب علينا أن نوفي بما نتعاقد عليه وقوله: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ الآية، وهو قد حرم أكل أموال الناس ورشوة الحكام، وكذلك ما ورد في السنة المتواترة في أحكامه وقضائه ، فيجب على الحاكم تطبيق أحكامه على ما علم من حكم الله ورسوله، وقد يكون التطبيق ظاهرًا وقد يحتاج فيه إلى قياس واستنباط وإجهاد للفكر، فهذا النوع من العدل معروف عند الناس وإنما يذكر لتنبيه الناس وتذكيرهم.
والركن الثاني للعدل: يتألف من أمرين: أحدهما: فهم الدعوى من المدعي والجواب من المدعى عليه ليعرف موضوع ما به التنازع والتخاصم بأدلته من الخصمين.
ثانيهما: استقامة الحاكم وخلوه من الميل إلى أحد الخصمين ومن الهوى بأن يكره أحد الخصمين وإن كان لا يميل إلى الآخر، وهذا المعنى معروف للناس أيضًا فكل من ركني العدل معروف ولذلك ذكر الله العدل ولم يفسره لأنه معروف بنفسه كالنور.
ولك وقد فهمت ما قلناه أن تقول: العدل عبارة عن إيصال الحق إلى صاحبه من أقرب الطرق إليه، ولا يتحقق ذلك إلا بإقامة الركنين اللذين بيناهما، فكل ما خرج عنهما فهو ظلم.
فإذا أخر القاضي النظر في القضية اتباعًا لرسوم وعادات لا يتوقف عليها إقامة العدل، أو لم يقبل الشهادة لأنها لم تؤد بألفاظ مخصوصة وإن تبين بها الحق المراد أواخر الحكم بعد انتهاء المحاكمة واستيفاء أسبابها هل يكون مقيمًا لعدل؟!
فإذا علمنا هذا وتأملنا في الأحكام التي تجري عندنا اليوم فهل نراها جارية على أصول العدل؟!
نجد محاكمنا الشرعية تشترط في توجيه الدعوى وفي شهادة الشهود شروطًا وألفاظًا معينة كلفظ "أشهد"، ولفظ "هذا"، أو "المذكور" وتبين النقد وذكر البلد الذي ضرب فيه وإن كان ذلك مفهومًا من الكلام لا يختلف في فهمه القاضي ولا الخصم، فهذه الاصطلاحات كثيرًا ما تحول دون العدل، إذ ترد الدعوى من أصلها أو الشهادة لعدم موافقتها للألفاظ المصطلح عليها وإن أدت معناها، وكذلك كل ما يحول بين الناس وفهم الشريعة يكون من أسباب إضاعة العدل، ولا عذر للناس بالجهل إذ يجب عليهم فهم الشريعة وإزالة كل ما يحول دون فهمها من الاصطلاحات، ولو كنا نقيم العدل لما كنا في هذه الحالة من الضعف وسوء الحال.
إنني اطلعت بعد الدرس الماضي على كتاب (السياسة الشرعية) لابن تيمية فإذا هو كله مبني على هذه الآية، فإنه توسع في ذكر أنواع الأمانة التي أودعها الله في أيدي الحكام، ومنها أن لا يولوا الأمور إلا خيار الناس الصالحين لها، وأورد في ذلك أحاديث كثيرة منها الحديث المشهور: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة" أي ساعة قيامة الأمة وهلاكها، لأن لكل أمة ساعة أي وقتًا تهلك فيه أو يذهب استقلالها.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ إن هذه الآية وما قبلها وردتا في مقابلة قول الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب: إن الكافرين أهدى من المؤمنين، بعد ما بيّن تعالى أنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، ومن الطاغوت عند المشركين الأصنام والكهان فكانوا يحكمون الكاهن ويجعلونه شارعًا ويقتسمون عند الصنم ويعدون ذلك فصلًا من الخصومة، وقد اتخذ اليهود الجبت والطاغوت مثلهم وطواغيتهم رؤساؤهم الذين يحكمون فيهم بأهوائهم فيتبعونهم ككعب بن الأشرف مع أن عندهم التوراة فيها حكم الله، ولكنهم كانوا يقولون إن هؤلاء الرؤساء أعلم منا بالتوراة وبمصلحتنا، فالله تعالى قد بيّن لنا حالهم وقرنه ببيان ما يجب أن نسير عليه في الشريعة والأحكام حتى لا نضل كما ضل المشركون وأهل الكتاب الذين اتخذوا أفرادًا منهم أربابًا إذ جعلوهم شارعين فكانوا سبب طغيانهم ولذلك سموا طواغيت.
أمر بطاعة الله وهي العمل بكتابه العزيز، وبطاعة الرسول لأنه هو الذي بين للناس ما نزل إليهم، وقد أعاد لفظ الطاعة لتأكيد طاعة الرسول لأن دين الإسلام دين توحيد محض لا يجعل لغير الله أمرًا ولا نهيًا ولا تشريعًا ولا تأثيرًا، فكان ربما يستغرب في كتابه الأمر بطاعة غير وحي الله، ولكن قضت سنة الله بأن يبلغ عنه شرعه للناس رسل منهم، وتكفل بعصمتهم في التبليغ، ولذلك وجب أن يطاعوا فيما يبينون به الدين والشرع.
مثال ذلك أن الله تعالى هو الذي شرع لنا عبادة الصلاة وأمرنا بها ولكنه لم يبين لنا في الكتاب كيفيتها، وعدد ركعاتها، ولا ركوعها وسجودها، ولا تحديد أوقاتها فبينها الرسول بأمره تعالى إياه بذلك في مثل قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ فهذا البيان بإرشاد من الله تعالى، فاتباعه لا ينافي التوحيد ولا كون الشارع هو الله تعالى وحده.
وأما أولو الأمر قد اختلف فيهم، فقال بعضهم: هم الأمراء، واشترطوا فيهم أن لا يأمروا بمحرم كما قال مفسرنا (الجلال) وغيره، والآية مطلقة.
وبعضهم أطلق في الحكام فأوجبوا طاعة كل حاكم وغفلوا عن قوله تعالى: ﴿ مِنْكُمْ ﴾ ، وقال بعضهم إنهم العلماء، ولكن العلماء يختلفون فمن يطاع في المسائل الخلافية ومن يعصي؟
وحجة هؤلاء أن العلماء هم الذين يمكنهم أن يستنبطوا الأحكام غير المنصوصة من الأحكام المنصوصة.
وقالت الشيعة إنهم الأئمة المعصومون، وهذا مردود إذ لا دليل على هذه العصمة، ولو أريد ذلك لصرحت به الآية.
ومعنى أولي الأمر الذين يناط بهم النظر في أمر إصلاح الناس أو مصالح الناس، وهؤلاء يختلفون أيضًا فكيف يؤمر بطاعتهم بدون شرط ولا قيد؟
إنني فكرت في هذه المسألة من زمن بعيد فانتهى بي الفكر إلى أن المراد بأولي الأمر جماعة أهل الحل والعقد من المسلمين، وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة، فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر أو حكم وجب أن يطاعوا فيه، بشرط أن يكونوا منا، وأن لا يخالفوا أمر الله ولا سنة رسوله التي عرفت بالتوتر، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه، وأن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة وهو ما لأولي الأمر سلطة فيه ووقوف عليه.
وأما العبادات وما كان من قبل الاعتقاد الديني فلا يتعلق به أمر أهل الحل والعقد بل هو مما يؤخذ عن الله ورسوله فقط ليس لأحد رأي فيه إلا ما يكون في فهمه.
فأهل الحل والعقد من المؤمنين إذا أجمعوا على أمر من مصالح الأمة ليس فيه نص عن الشارع مختارين في ذلك غير مكرهين عليه بقوة أحد ولا نفوذه فطاعتهم واجبة ويصح أن يقال هم معصومون في هذا الإجماع، ولذلك أطلق الأمر بطاعتهم بلا شرط مع اعتبار الوصف والاتباع المفهوم من الآية.
وذلك كالديوان الذي أنشأه عمر باستشارة أهل الرأي من الصحابة ، وغيره من المصالح التي أحدثها برأي أولي الأمر من الصحابة ولم تكن في زمن النبي ولم يعترض أحد من علمائهم على ذلك.
فأمر الله في كتابه وسنة رسوله الثابتة القطعية التي جرى عليها بالعمل هما الأصل الذي لا يرد، وما لا يوجد فيه نص عنهما ينظر فيه أولو الأمر، إذا كان من المصالح، لأنهم هم الذين يثق بهم الناس فيها ويتبعونهم، فيجب أن يتشاوروا في تقرير ما ينبغي العمل به، فإذا اتفقوا وأجمعوا وجب العمل بما أجمعوا عليه، وإن اختلفوا وتنازعوا فقد بين الواجب فيما تنازعوا بقوله: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ وذلك بأن يعرض على كتاب الله وسنة رسوله وما فيهما من القواعد العامة والسيرة المطردة فما كان موافقًا لهما علم أنه صالح لنا ووجب الأخذ به وما كان منافرًا علم أنه غير صالح ووجب تركه وبذلك يزول التنازع وتجتمع الكلمة، وهذا الرد واستنباط الفصل في الخلاف من القواعد هو الذي يعبر عنه بالقياس والأول هو الإجماع الذي يعتد به، وقد اشترطوا في القياس شروطًا بالنظر إلى العلة، والغرض من هذا الرد أن لا يقع خلاف في الدين والشرع لأنه لا خلاف ولا اختلاف في أحكامهما.
وإن ما اهتديت إليه في تفسير أولي الأمر، من كونهم جماعة أهل الحل والعقد لم أكن أظن أن أحدًا من المفسرين قد سبقني إليه حتى في تفسير النيسابوري.
﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ قيل: إن الشرط متعلق بالأخير وهو الرد إلى الله والرسول، والغرض منه تذكيرهم بالله حتى لا يستعملوا شهواتهم وحظوظهم في الرد، وقيل: متعلق بكل ما تقدم من طاعة الله وطاعة الرسول وأولي الأمر، وهو الظاهر.
وجمهور المفسرين على أنه تهديد من الله تعالى لمن يخالف أمرًا من هذه الأوامر وإخراج له من حظيرة الإيمان، ومعنى كونه خيرًا انه أنفع من كل ما عداه، ولو جرى المسلمون عليه لما أصابهم ما أصابهم من الشقاء، فقد رأينا كيف سعد المهتدون به، وكيف شقي الذين أعرضوا عنه واستبدوا بالأمر، وأما كونه أحسن تأويلًا فهو أن الأوامر والأحكام إنما تكون صورًا معقولة وعبارات مقولة حتى يعمل بها فتظهر فائدتها وأثرها، فعلمنا بالآخرة ليس إلا صورًا ذهنية لا نعرف الحقائق التي تنطبق عليها إلا إذا صرنا إليها.
<div class="verse-tafsir"
الكلام متصل بما قبله فإنه تعالى ذكر أن اليهود يؤمنون بالجبت والطاغوت إلخ، وذكر من سوء حالهم ووعيدهم ما ذكر، ثم أمر المؤمنين بعد ذلك بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل لأن أولئك قد خانوا بجعلهم الكافرين أهدى سبيلًا من المؤمنين، وأمرهم بطاعة الله ورسوله في كل شيء، وطاعة أولي الأمر فيما يجمعون عليه مختارين لا مسيطر عليهم فيه، وبرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، في مقابلة طاعة أولئك للطاغوت وإيمانهم به وبالجبت واتباعهم للهوى.
وبعد هذا بين لنا حال طائفة أخرى بين الطائفتين وهم لمنافقون الذين يزعمون أنهم آمنوا ومن مقتضى الإيمان امتثال ما أمر به المؤمنين في الآيتين السابقتين، ولكنهم مع هذه الدعوى يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت الذي عليه تلك الطائفة فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ﴾ وقد ذكر المفسرون أسبابًا متعددة لنزول هذه الآية يمنعنا اختلافها وتشتت رواياتها أن نجزم بواحدة معينة منها وإنما نسترشد بمجموعها إلى معرفة حال من أعرضوا عن حكم الرسول ، وقد تقدم أن "الطاغوت" مصدر الطغيان وهو يصدق على كل ما جاءت الروايات في سبب نزول الآية بالتحاكم إليهم.
ومن قصد التحاكم إلى أي حاكم يريد أن يحكم له بالباطل ويهرب إليه من الحق فهو مؤمن بالطاغوت، ولا كذلك الذي يتحاكم إلى من يظن أنه يحكم بالحق، وكل من يتحاكم إليه من دون الله ورسوله ممن يحكم بغير ما أنزل الله على رسوله فهو راغب عن الحق إلى الباطل، وذلك عين الطاغوت الذي هو بمعنى الطغيان الكثير، ويدخل في هذا ما يقع كثيرًا من تحاكم الخصمين إلى الدجالين كالعرافين وأصحاب المندل والرمل ومدّعي الكشف، ويخرج المحكم في الصلح وكل ما أذن به الشرع مما هو معروف.
﴿ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ أي أن الشيطان الذي هو داعية الباطل والشر في نفس الإنسان يريد أن يجعل بينهم وبين الحق مسافة بعيدة فيكون ضلالهم عنه مستمرًا لأنهم لشدة بعدهم عنه لا يهتدون إلى الطريق الموصلة إليه.
يسأل أحدكم: فما تقول في هذه المحاكم الأهلية والقوانين؟
وأقول: تلك عقوبة عوقب بها المسلمون أن خرجوا عن هداية قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ فإذا كنا قد تركنا هذه الهداية للقيل والقال وآراء الرجال من قبل أن نبتلي بهذه القوانين ومنفذيها، فأي فرق بين آراء فلان وآراء فلان وكلها آراء منها الموافق لنصوص الكتاب والسنة ومنها المخالف له؟
ونحن الآن مكرهون إلى التحاكم إلى هذه القوانين فما كان منها يخالف حكم الله تعالى يقال فيه أي في أهله ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمان ﴾ الآية.
وانظر إلى ما هو موكول إلينا إلى الآن كالأحكام الشخصية، والعبادات، والمعاملات بين الوالدين ولأولاد والأزواج الزوجات، فهل نرجع في شيء من ذلك إلى الله ورسوله؟
إذا تنازع عالمان منا في مسألة فهل يردّانها إلى الله ورسوله أن يردّانها إلى قيل وقال، فهذا يقول قال "الجمل"، وهذا يقول قال "الصاوي"، وفلان وفلان.
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾ إن الحامل لهم على هذا الصدود هو إتباع شهواتهم وألفتهم للباطل، وعدو الحق يعرض عنه إعراضًا شديدًا.
ثم أراد تعالى أن يبيّن سخافتهم وجهلهم وعدم طاقتهم بالثبات على هذا الصدود فقال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ إلخ، أي لو عقلوا لالتزموا ما أظهروا قبوله من الإسلام وعملوا بمقتضى ما ادعوه من الإيمان ليتم لهم الاستفادة منه، لن العاقل يعلم أن تلك الحال التي اختاروا فيها التحاكم إلى الطاغوت لا تدوم لهم وأنه يوشك أن ينتقلوا منها فيقعوا في مصاب يضطرهم إلى الرجوع إلى النبي ليكشفه عنهم وأن يعتذروا عن صدودهم بأنهم ما كانوا يريدون بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحسانًا وتوفيقًا، كأنه يقول فكيف يفعلون إذ أطلعك الله على شأنهم في إعراضهم عن حكم الله والتحاكم إليك وتبينّ أن عملهم يكذب دعواهم الإيمان؟
إنهم إذًا يستحقون العقوبة والإذلال ليكونوا عبرة لغيرهم.
وذهب أبو مسلم إلى أن في الآية بشارة بأن المنافقين سيقعون في مصيبة تفضح أمرهم، وتكشف سرهم، وهل يتوبون حينئذ ويجيئونك أم لا؟
ويقول غيره ليس المراد بذلك البشارة بشيء سيقع، وإنما هو بيان ناجز لأمرهم، وإيذان بمؤاخذاتهم وإذلالهم، وإراءتهم أنهم سفهاء الأحلام، مستحقون لما يعاقبهم به النبي .
فكيف يكون حال هؤلاء المنافقين أو حالهم وحال أمثالهم، أو كيف يكون الشأن في أمرهم إذا أصابتهم مصيبة يسبب ما قدمت أيديهم أي ما عملوا من السيئات بباعث النفاق الظاهر، والخبث الباطن، فإن الأعمال السيئة تترتب عليها آثار سيئة، وتكون لها عواقب ضارة لا يمكن كتمانها، ولا يستغني صاحبها عن الاستعانة فيها بقومه وأولياء أمره، فالآية تنذر جميع المنافقين الذين يستخفون من النار بأعمال النفاق مبينة أن هذه الأعمال لابد أن يترتب عليها بعض المصائب التي تفضح أمرهم، وتضطرهم إلى الرجوع إلى النبي والاعتذار له، والحلف على ذلك ليصدقه، فإنهم يشعرون بأنهم متهمون بالكذب.
أو كيف تعاملهم في هذه الشدة أيها الرسول بعد علمك بما كان من صدودهم عنك، في وقت الاستغناء عنك، هل تعطف عليهم وتقبل قولهم إذا أصابتهم المصيبة التي يستحقونها بارتكاب أسبابها ﴿ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾ أي يخادعونك بالحلف بالله إنهم ما أرادوا بما علموا من الصدود أو من الأعمال المنكرة والمعاصي التي ترتبت عليها المصيبة إلا إحسانًا في للمعاملة وتوفيقًا بينهم وبين خصمهم بالصلح أو الجمع بين منفعة الخصمين، وقالوا نحن نعلم أنك لا تحكم إلا بِمُرِّ الحق لا تراعي فيه أحدًا فلم نر ضررًا في استمالة خصومنا بقبول حكم طواغيتهم والتوفيق بين منفعتنا ومنفعتهم.
سأل العليم الحكيم كيف تكون المعاملة في هذه الحال تمهيدًا لبيان ما يجب العمل به وهو قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من الكفر والحقد والكيد وتربص الدوائر بالمؤمنين ليظهروا عداوتهم.
والعبارة تدل على تعظيم الأمر أي فظاعته وكبره، ولا يزال مثلها مستعملًا فيما يعظم شأنه من خير وشر ومسرة وحزن، يقول الرجل لمن يحبه ويحفظ وده: الله يعلم ما في نفسي لك، ويقول في العدو الماكر المخادع الله يعلم ما في قلبه.
والمعنى إن ما في قلوب هؤلاء المنافقين كبير جدًا لا يعرفه كما هو إلا الله تعالى ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أي أصرف وجهك عنهم ولا تقبل عليهم بالبشاشة والتكريم ﴿ وَعِظْهُمْ ﴾ ببيان سوء حالهم لهم إذا هم أصروا على ما هم عليه ﴿ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾ يبلغ من نفوسهم الأثر الذي تريد أن تحدثه فيه.
<div class="verse-tafsir"
بعد ما بين تعالى ما ينبغي للرسول مع أولئك المنافقين قال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ فهذا كالدليل على استحقاق أولئك المنافقين للمقت لأنهم لم يرضوا بحكم الرسول .
يقول إننا أرسلنا هذا الرسول على حكمتنا وسنتنا في الرسل قبله، وإننا لا نرسلهم إلا ليطاعوا بإذن الله تعالى، فمن صدر عنهم وخرج عن طاعتهم أو رغبة عن حكمهم كان خارجًا هم حكمنا وسنتنا فيهم مرتكبًا أكبر الآثام في ذلك.
وقوله: ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ للاحتراس، لأن الطاعة في الحقيقة لله تعالى، فهذا القيد من قيود القرآن المحكمة الذاهبة بظنون من يظنون أن الرسول يطاع لذاته بلا شرط ولا قيد، فهو يقول: إن الطاعة الذاتية ليست إلا لله تعالى رب الناس وخالقهم، وقد أمر أن تطاع رسله فطاعتهم واجبة بإذنه وإيجابه.
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ .
إنه تعالى سمى ترك طاعة الرسول ظلمًا للأنفس أي إفسادًا لمصلحتها لأن الرسول هاد إلى مصالح الناس في دنياهم وآخرتهم، وهذا الظلم يشمل الاعتداء والبغي والتحاكم إلى الطاغوت وغير ذلك.
والاستغفار هو الإقبال على الله وعزم التائب على اجتناب الذنب وعدم العودة إليه مع الصدق والإخلاص لله في ذلك.
وأما الاستغفار باللسان عقب الذنب من دون هذا التوجه القلبي فليس استغفارًا حقيقيًا.
إنكم تعلمون أن مشاركة الناس بعضهم لبعض في الدعاء مسنونة، وأن من سننه تعالى أن يتقبل من الجماعة بأسرع مما يتقبل من الواحد، فدعاء الجماعة أرجى للإجابة وإن كان كل داع موعودًا بالاستجابة.
وحقية الدعاء إظهار العبودية والخضوع له تعالى، والإجابة التي وعد بها هي الإثابة وحسن الجزاء، فمتى أخلص الداعي أجاب الله دعاءه سواء كان بإعطائه ما طلب أو بغير ذلك من الأجر والثواب، وإنما كانت المشاركة في الدعاء أرجى للقبول لأن الداعين الكثيرين لشخص يؤدون هذه العبادة بسببه أي أن ذنبه يكون هو السبب في شعورهم وإحساسهم كلهم بالحاجة إلى الله تعالى والخضوع له والاتحاد المرضي عنده فكأن حاجته حاجتهم كلهم، فإذا كان الرسول هو الداعي والمستغفر لأولئك التائبين من ظلمهم لأنفسهم مع استغفارهم هم فذلك من اشتراك قلبه الشريف مع قلوبهم بالحاجة إلى تطهير الله لهم من دنس الذنب، وطلب النجاة من عقوبته وناهيك بقرب الرسول من ربه والرجاء في استجابة دعائه.
وأما اشتراط استغفار الرسول إلى استغفارهم فمعناه أن توبتهم لا تتحقق إلا إذا رضي عن توبتهم رضاء كاملًا بحيث يشعر قلبه الرحيم بالمؤمنين بحاجتهم إلى المغفرة لصحة توبتهم وإخلاصهم، فذنبهم ذلك لا يغفر إلا بضم استغفار إلى استغفارهم وليس كل ذنب كذلك، بل يكتفي في سائر الذنوب بتوبة العبد المذنب حيث كان والإخلاص لله تعالى.
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ تقريع على ما سبقه وهو نفي وإبطال لظن الظانين أنهم بمجرد محافظتهم على أحكام الدين الظاهرة يكونون صحيحي الإيمان، مستحقين للنجاة من عذاب الآخرة وللفوز بثوابها، لا وربك لا يكونون مؤمنين حتى يكونوا موقنين في قلوبهم مذعنين في بواطنهم، ولا يكونون كذلك حتى يحكموك فيما شجر واختلط بينهم من الحقوق، ثم بعد أن تحكم بينهم لا يجدوا في أنفسهم الضيق الذي يحصل للمحكوم عليه إذا لم يكن خاضعًا للحكم من قلبه، فإن الحرج إنما يلازم قلب من لم يخضع، ذلك بأن المؤمن لا ينازع أحدًا في شيء إلا بما عنده من شبهة الحق فإذا كان كل من الخصمين يرضى بالحق متى عرفه وزالت الشبهة عنه كما هو شأن المؤمن فحكم الرسول يرضيهما ظاهرًا وباطنًا لأنه أعدل من يحكم بالحق.
<div class="verse-tafsir"
لكان خيرًا لهم في مصالحهم، وأشد تثبيتًا لهم في إيمانهم، فإن الامتثال إيمانًا واحتسابًا يتضمن الذكرى وتصور احترام أمر الله والشعور بسلطانه، وإمرار هذه الذكرى على القلب عند كل عمل مشروع يقوي الإيمان ويثبته، وكلما عمل المرء بالشريعة عملًا صحيحًا انفتح له باب المعرفة، فيها بل ذلك مطرد في كل علم.
ومن مباحث اللفظ في كيفية الأداء اختلاف القراء في "أن" و "أو" من قوله تعالى: ﴿ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا ﴾ قرأ أبو عمرو ويعقوب بكسر نون "أن" وضم واو "أو" وعاصم وحمزة بكسرهما والباقون بضمهما وهما لغتان.
فأما الكسر فهو الأصل في التخلص من التقاء الساكنين عند النحاة، وأما الضم فإجراؤهما مجرى الهمزة المتصلة بالفعل تنقل حركة ما بعدها إليها، وأما قراءة أبي عمرو فجمع بين طريقتي العرب في ذلك من قبيل التلفيق، ومنها أن قوله تعالى ﴿ مَا فَعَلُوهُ ﴾ يعود ضميره إلى القتل والخروج وإفراد الضمير لأن الفعل جنس واحد أو بتأويل ما ذكر.
﴿ وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ "إذًا" حرف جواب وجزاء ولذلك ذكر في الكشاف أنها هنا جواب لسؤال مقدر كأنه قيل ماذا يكون من هذا الخير العظيم والتثبيت فأجيب هو أن نؤتيهم أي نعطيهم أجرًا عظيمًا إلخ، ﴿ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ الصراط المستقيم هنا هو طريق العمل الصالح على الوجه الصحيح.
<div class="verse-tafsir"
الصديقون: هم قوم دون الأنبياء في الفضيلة، وهم الذين زكت فطرتهم، واعتدلت أمزجتهم، وصفت سرائرهم، حتى أنهم يميزون بين الحق والباطل والخير والشر بمجرد عروضه لهم، فهم يصدقون بالحق على أكمل وجه، ويبالغون في صدق اللسان والعمل، كما نقل عن أبي بكر الصديق أنه بمجرد ما بلغته دعوة النبي عرف أنها الحق وقبلها وصدق بها فصدق النبي في قوله وعمله أكمل الصدق، ويليه في ذلك جميع السابقين الأولين فإنهم انقادوا إلى الإسلام بسهولة قبل أن تظهر الآيات وثمرات الإيمان تمام الظهور كعثمان بن عفان وعثمان بن مظعون إلخ..
إلخ، ودرجة هؤلاء قريبة من مرتبة النبوة، بل الأنبياء صديقون وزيادة.
﴿ وَالشُّهَدَاءِ ﴾ هم الذين أمرنا الله تعالى أن نكون منهم في قوله: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ وهم أهل العدل والإنصاف الذين يؤيدون الحق بالشهادة لأهله بأنهم محقون، ويشهدون على أهل الباطل أنهم مبطلون، ودرجتهم تلي درجة الصديقين.
والصديقون شهداء وزيادة.
﴿ وَالصَّالِحِينَ ﴾ : هم الذين صلحت أعمالهم في الغالب، ويكفي أن تغلب حسناتهم على سيئاتهم وأن لا يصروا على الذنب وهم يعلمون.
هؤلاء الأصناف الأربعة هم صفوة الله من عباده، وقد كانوا موجودين في كل أمة، ومن أطاع الله والرسول من هذه الأمة كان منهم، وحشر يوم القيامة معهم، لأنه وقد ختم الله النبوة والرسالة لابد أن يرتقي في الإتباع إلى درجة أحد الأصناف الثلاثة: الصديقين والشهداء والصالحين ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ أي أن مرافقة أولئك الأصناف هي في الدرجة التي يرغب العاقل فيها لحسنها، وفي الكشاف أن في هذه الجملة معنى التعجب كأنه قيل ما أحسن أولئك رفيقًا، والرفيق كالصديق والخليط الصاحب، والأصحاب يرتفق بعضهم للعض.
واستعملت العرب الرفيق والرسول والبريد مفردًا استعمال الجمع أو الجنس ولهذا حسن الأفراد هنا، وقيل تقدير الكلام وحسن كل فريق من أولئك رفيقًا.
﴿ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ﴾ في هذه العبارة وجهان: أحدهما: أن المعنى ذلك الذي ذكر من جزاء من يطيع الله ورسوله هو الفضل الكامل الذي لا يعلوه فضل، فإن الصعود إلى إحدى تلك المراتب في الدنيا وما يتبعه من مرافقة أهلها وأهل من فوقها في الآخرة هو منتهى السعادة، فيه يتفاضل الناس فيفضل بعضهم بعضًا، وهو من الله تفضل به على عباده.
وثانيهما: أن المعنى ذلك الفضل الذي ذكر من جزاء المطيعين هو من الله تعالى.
ويرى بعض الناس أن التعبير بلفظ الفضل ينافي أن يكون ذلك جزاء ويقتضي أن يكون زيادة على الجزاء، سمه جزاء أو لا تسمه هو من فضل الله تعالى على كل حال.
﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ وكيف لا تقع الكفاية بعلمه بالأعمال وبدرجة الإخلاص فيها وبما يستحق العامل من الجزاء، وإرادته تعالى للجزاء الوفاق ولجزاء الفضل ولزيادة الفضل ذلك كله تابع لعلمه المحيط، فهو يعطي بإرادته ومشيئته، ويشاء بحسب علمه، فالتذكير بالعلم الإلهي في آخر السياق يشعرنا بأن شيئًا من أعمالنا ونياتنا لا يعزب من علمه، ليحذر المنافقون المراؤون، لعلهم يتذكرون فيتوبون، وليطمئن المؤمنون الصادقون، لعلهم ينشطون ويزدادون.
<div class="verse-tafsir"
الكلام من أول السورة إلى قوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ في موضوع خاص وهو ما يكون بين الأهل والأقارب والأزواج واليتامى من المعاملات المالية والمصاهرة والإرث.
والآيات من قوله: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ الآية إلى هنا في مطالبة المؤمنين بالإخلاص في العبادة، وحسن المعاملة بين الأقربين واليتامى والمساكين والجيران والأصحاب والأرقاء وسائر الناس، وأحكام بعض العبادات وبيان ما فيها من تثبيت النفس على الصدق في المعاملة، وضرب لهم فيها مثل اليهود والذين كان لهم كتاب يهتدون به، ونهاهم أن يكونوا مثلهم وعلمهم كيف يعملون بأمرهم برد الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، وطاعة الله ورسوله وأولي الأمر منهم، ورد ما يتنازعون فيه إلى الله ورسوله، وأكد أمر طاعة الرسول وبيّن حال المنافقين الذين يريدون التحاكم إلى الطاغوت.
ولا شك أن المسلمين إذا عملوا بهذه الأحكام صلح حالهم فيما بينهم، واستقامت أمورهم وصاروا متحدين متعاونين على الأعمال النافعة وحفظ الجامعة، ووثق بعضهم ببعض في التعاون على مصالحهم والدفاع عن حقيقتهم، فالغرض من هذه الوصايا انتظام شمل المسلمين وصلاح أمورهم الخاصة والعامة.
بعد بيان هذا أراد الله تعالى أن يوجه المسلمين إلى أمر آخر يلي اجتماعهم على عقيدة واحدة، ومصلحة واحدة، وانتظام شؤونهم وصلاح حالهم وهو ما يتم لهم به الأمن وحسن الحال بالنسبة إلى غيرهم، وذلك أنه كان للمسلمين عند التنزيل أعداء يناصبونهم ويفتنونهم في دينهم، والإنسان لا يتم له نظام في معيشته ولا هناء ولا راحة إلا بالأمنين كليهما: الأمن الداخلي والأمن الخارجي، فلما أرشدنا الله إلى ما به أمننا الداخلي أرشدنا إلى ما به أمننا مع الخارجين عنا المخالفين لنا في ديننا، وذلك إما بمعاهدات تكون بيننا وبينهم نطمئن بها على ديننا وأنفسنا ومصالحنا، وإما باتقاء شرهم بالقوة، وهذه الآيات في بيان ذلك وهي كثيرة كما يأتي.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ : الحذر، والحذر الاحتراس والاستعداد لاتقاء شر العدو، وذلك بأن نعرف حال العدو ومبلغ استعداده وقوته، وإذا كان الأعداء متعددين فلابد في أخذ الحذر من معرفة ما بينهم من الوفاق والخلاف وان نعرف الوسائل لمقاومتهم إذا هجموا، وأن يعمل بتلك الوسائل فهذه ثلاثة لا بد منها، وذلك أن العدو إذا أنس غرة هاجمنا وذا لم يهاجمنا بالفعل كنا دائمًا مهددين منه، فإن لم نهدد في نفس ديارنا كنا مهددين في أطرافها، فإذا أقمنا ديننا أو دعونا إليه عند حدود العدو فإنه لابد أن يعارضنا في ذلك، وإذا احتجنا إلى السفر إلى أرضه كنا على خطر، وكل هذا يدخل في قوله: ﴿ خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ ، كما قال في آية أخرى ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ إلخ، وعلى النفوس المستعدة للفهم أن تبحث في كل ما يتوقف عليه امتثال الأمر من علم وعمل.
ويدخل في ذلك معرفة حل العدو معرفة أرضه وبلاده، طرقها ومضايقها وجبالها وأنهارها، فإننا إذا اضطررنا في تأديبه إلى دخول بلاده فدخلناها ونحن جاهلون لها كنا على خطر، وفي أمثال العرب "قتلت أرض جاهلها"، وتجب معرفة مثل ذلك من أرضنا بالأولى حتى إذا هاجمنا فيها لا يكون أعلم بها منا.
ويدخل في الاستعداد والحذر معرفة الأسلحة واتخاذها واستعمالها فإذا كان ذلك يتوقف على معرفة الهندسة والكيمياء والطبيعة وجر الأثقال فيجب تحصيل كل ذلك كما هو الشأن في هذه الأيام، ذلك أنه أطلق الحذر، أي ولا يتحقق الامتثال إلا بما تتحقق به الوقاية والاحتراز في كل زمن بحسبه.
وقد كان النبي والصحابة عارفين بأرض عدوهم وكان للنبي عيون جواسيس في مكة يأتونه بالأخبار ولما أخبروه بنقض قريش العهد استعد فتح مكة.
ولما جاء أبو سفيان لتجديد العهد لظنه لم يعلموا بنكثهم لم يفلح وكان جواب النبي والصحابة له واحدًا.
وقال أبو بكر لخالد يوم حرب اليمامة: حاربهم بمثل ما يحاربونك به السيف بالسيف والرمح بالرمح، وهذه كلمة جليلة، فالقول وعمل النبي وأصحابه كل ذلك دال على أن الاستعداد يختلف باختلاف حال العدو وقوته.
﴿ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ : النفر مستعمل في الخروج إلى الحرب وثبات جماعات ولا تتقيد الجماعة بعدد معين.
وجميعًا يراد به جميع المؤمنين على الإطلاق وهذا على حسب حال العدو.
وإن أخذ الحذر ليشمل مع ما تقدم كيفية سوق الجيش وقيادته وهو النفر، ولما كان هذا مما قد يتساهل فيه خصه بالذكر فأمر به بهذا التفصيل ولو لم يصرح به لكان الاجتهاد في أخذ الحذر مما قد يقف دونه فلا يصل إليه، وهو أن النفر على حسب الحاجة إلى مقاومة العدو، وهو أن يرسل الجيش جماعات وفرقًا كما عليه العمل حتى الآن، فإذا احتيج في المقاومة إلى نفر جميع أفراد الأمة وخروجهم للجهاد وجب وهو قوله ﴿ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ وليس المراد أن يكون النفر على كيفيتين الأولى أن يقسم الجيش إلى فرق وسرايا والثانية أن يسير خميسًا واحدًا، وليس هذا هو المراد وإنما المراد الأول.
ويتوقف امتثال هذا الأمر على أن تكون الأمة كلها مستعدة دائمًا للجهاد بأن يتعلم كل فرد من أفرادها فنون الحرب ويتمرنوا عليها بالعمل، فيظهر أن المعافاة من الخدمة العسكرية ليست شرفًا بل هي إباحة لترك ما أوجبه الله في كتابه.
﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ : أي يبطئ هو عن السير إبطاء الضعف في إيمانه، والإتيان بصيغة التشديد للمبالغة في الفعل وتكراره، وليس معناه أن يحمل غيره على البطء فإن الخطاب للمؤمنين وهذا لا يصدر عن مؤمن، ويقال في اللغة "بطأ" بالتشديد (لازم) بمعنى أبطأ وقد شح الله حال هذا القسم من الضعفاء توبيخًا لهم وإزعاجًا إلى تطهير نفوسهم وتزكيتها فقال: ﴿ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ﴾ فشكره لله على عدم شهوده لتلك الحرب دليل على إيمانه ﴿ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ كالظفر والغنيمة، ﴿ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ أي ليقولن قول من ليس منكم، ولا جمعته مودة بكم، يا ليتني كنت معهم فأفوز بذلك الفضل فوزهم، فهو قد نسي أنه كان أخًا لكم، وكان من شأنه أن يخرج معكم، وما منعه أن يخرج إلا ضعف إيمانه، ثم إن تمنيه بعد الظفر أو الغنيمة لو كان معكم دليل على ضعف عقله وكونه ممن يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، وهم الذين تشير إليهم الآية التالية: <div class="verse-tafsir"
﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ ﴾ بيّن الله تعالى حال ضعفاء الإيمان الذين يبطئون عن القتال في سبيله في دلهم بهذه الآية على طريق تطهير نفوسهم من ذلك الذنب العظيم، ذنب القعود عن القتال، ولو عملوا كل صالح وضعفت نفوسهم عن القتال لما كان ذلك مكفرًا لخطيئتهم، وسبيل الله هي طريق الحق والانتصار له، فمنه إعلاء كلمة الله ونشر دعوة الإسلام، ومنه دفاع الأعداء إذا هددوا أمتنا، أو أغاروا على أرضنا، أو نهبوا أموالنا، أو صادرونا في تجارتنا، وصدونا عن استعمال حقوقنا مع الناس، فسبيل الله عبارة عن تأييد الحق الذي قرره ويدخل فيه كل ما ذكرناه.
ويشرون بمعنى يبيعون قولًا واحدًا بلا احتمال، واستعمال القرآن فيه مطرد ففي سورة يوسف ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ أي باعوه، وقال تعالى ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي باعوها، وقال: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ﴾ أي يبيعها، والباء في صيغة البيع تدخل على الثمن دائمًا، فالمعنى إن من أراد أن يبيع الحياة الدنيا ويبذلها ويجعل الآخرة ثمنًا لها وبدلًا عنها فليقاتل في سبيل الله.
﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ﴾ الخطاب لضعفاء الإيمان من المسلمين، لا للمنافقين، والمستضعفون هم المؤمنون المحصورون في مكة يضطهدهم المشركون ويظلمونهم، وقد جعل لهم سبيلًا خاصًا عطفه على سبيل الله مع أنه داخل فيه كما علم من تفسيرنا له، والنكتة فيه إثارة النخوة، وهز الأريحية الطبيعية، وإيقاظ شعور الأنفة والرحمة، ولذلك مثل حالهم بما يدعو إلى نصرتهم، فقال: ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾ .
﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ .
هذه الآية جواب عما عساه يطوف بخواطر أولئك الضعفاء، وهو أننا لا نقاتل لأننا ضعفاء والأعداء أكثر منا عَددًا، وأقوى منا عُددًا، فدلهم الله تعالى على قوة المؤمنين التي لا تعادلها قوة، وضعف الأعداء الذي لا يفيد معه كيد ولا حيلة، وهو أن المؤمنين يقاتلون في سبيل الله، وهو تأييد الحق الذي يوقن به صاحبه، وصاحب اليقين والمقاصد الصحيحة الفاضلة تتوجه بكل قواها إلى إتمام الاستعداد، ويكون أجدر بالصبر والثبات، وفي ذلك من القوة ما ليس في كثرة العدد والعدد.
<div class="verse-tafsir"
أخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي فقالوا يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: "أُمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم"، فلما حوله الله إلى المدينة أمرهم بالقتال فكفوا، فأنزل الله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ الآية.
ذكره السيوطي في لباب النقول.
ورواه ابن جرير في تفسيره، وعنده روايات أخرى أنها في أُناس من الصحابة على الإبهام.
إنني أجزم ببطلان هذه الرواية مهما كان سندها لأنني أُبرئ السابقين الأولين كسعد وعبد الرحمن مما رموا به، وهذه الآية متصلة بما قبلها فإن الله تعالى أمر بأخذ الحذر والاستعداد للقتال والنفر له وذكر حال المبطئين لضعف قلوبهم وأمرهم بما أمرهم من القتال في سبيله وإنقاذ المستضعفين، ثم ذكر بعد ذلك شأنًا آخر من شؤونهم، وذلك أن المسلمين كانوا قبل الإسلام في تخاصم وتلاحم وحروب مستعرة مستمرة ولا سيما الأوس والخزرج، فإن الحروب بينهم لم تنقطع إلا بالإسلام وبعد هجرة النبي إليهم.
أمرهم الإسلام بالسلم وتهذيب النفوس بالعبادة والكف عن الاعتداء والقتال إلى أن اشتدت الحاجة إليه ففرضه عليهم فكرهه الضعفاء منهم، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ﴾ الاستفهام للتعجيب منهم إذ أمرهم الله تعالى باحترام الدماء، وكف الأيدي عن الاعتداء، وبإقامة الصلاة، وبالخشوع والعبودية لله، وتمكين الإيمان في قلوبهم، وبإيتاء الزكاة التي تفيد مع تمكين الإيمان شد أواخي التراحم بينهم، فأحبوا أن يكتب الله عليهم القتال ليجروا على ما تعودوا، فلما كتبه عليهم للدفاع عن بيضتهم، وحماية حقيقتهم، كرهه الضعفاء منهم، وكان عليهم أن يفقهوا من الأمر بكف الأيدي أن الله تعالى لا يحب سفك الدماء، وأنه ما كتب القتال إلا لضرورة دفاع المبطلين المغيرين على الحق وأهله لأنهم خالفوا أباطيلهم، واتبعوا الحق من ربهم، فيريدون أن ينكلوا بهم، أو يرجعوا عن حقهم، فأين محل الاستنكار في مثل هذه الحال؟
فهؤلاء هم ضعفاء المسلمين الذين ذكر أنهم يبطئون عن القتال ولذلك قال: ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ و "أو" هنا بمعنى "بل" أي أنهم يخشون الناس بالقعود عن قتالهم على ما فيه من مخالفة أمر الله تعالى، ولما كان من شأن الذي يساوي بين اثنين من الخشية أن يميل إلى هذا تارة وإلى الآخرة تارة، وكان هؤلاء قد رجحوا بترك القتال خشية الناس مطلقًا قال "أو أشد خشية" أي بل أشد خشية.
كان بعض أهل القوم بطرًا جاهلًا إذا أصابه خير ونعمة يقول إن الله تعالى قد أكرمه بما أعطاه من ذلك وأصدره من لدنه وساقه إليه من خزائن فضله عناية منه به لعلو منزلته، وإذا وصل إليه شر- وهو المراد من السيئة - يزعم أن منبع هذا الشر هو النبي ، وأن شؤم وجوده هو ينبوع هذه السيئات والشرور.
فهؤلاء الجاهلون الذين كانوا يرون الخير والشر والحسنة والسيئة يتناوبانهم قبل ظهور النبي وبعده كانوا يفرقون بينهما في السبب الأول لكل منهما فينسبون الخير أو الحسنة إلى الله تعالى على أنه مصدرها الأول ومعطيها الحقيقي، يشيرون بذلك إلى أنه لا يد للنبي فيه وينسبون الشر أو السيئة إلى النبي على أنه مصدرها الأول ومنبعها الحقيقي، كذلك وأن شؤمه هو الذي رماهم بها وهذا هو معنى ﴿ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أو ﴿ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ أي من لدنه ومن خزائن عطائه ومن لدنك ومن رزاياك التي ترمي بها الناس.
فرد الله عليهم هذه المزاعم بقول: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أي أن السبب الأول وواضع أسباب الخير والشر المنعم بالنعم والرامي بالنقم إنما هو الله وحده وليس لِيُمْن ولا لشؤم مدخل في ذلك، فهو بيان للفاعل الأول الذي يرد إليه الفعل فيما لا تتناوله قدرة البشر ولا يقع عليه كسبهم، وهو الذي كان يعنيه أولئك المشاقون عندما يقولون الحسنة من الله والسيئة من محمد، أي أنه لا دخل لاختيارهم في الأولى ولا في الثانية، وأن الأولى من عناية الله بهم، والثانية من شؤم محمد عليهم، فجاءت الآية ترميهم بالجهل فيما زعموا ولو عقلوا لعلموا أن ليس لأحد فيما وراء الأسباب المعروفة فعل، الخير والشر في ذلك سواء.
هذا فيما يتعلق بمن بيده الأمر الأعلى في الخير والشر والنعم والنقم أما ما يتعلق بسنة الله في طريق كسب الخير والتوقي من الشر والتمسك بأسباب ذلك فالأمر على خلاف ما يزعمون كذلك، فإن الله قد وهبنا من العقل والقوى ما يكفينا في توفير أسباب سعادتنا والبعد عن مساقط الشقاء، فإذا نحن استعملنا تلك المواهب فيما وهبت لأجله وصرفنا حواسنا وعقولنا في الوجوه التي ننال منها الخير وذلك إنما يكون بتصحيح الفكر وإخضاع جميع قوانا لأحكامه وفهم شرائع الله حق الفهم والتزام ما حدده فيها فلا ريب في أننا ننال الخير والسعادة ونبعد عن الشقاء والتعاسة، وهذه النعم إنما يكون مصدرها تلك المواهب الإلهية فهي من الله تعالى، فما أصابك من حسنة فمن الله، لأن قواك التي كسبت بها الخير واستغزرت بها الحسنات، بل واستعمالك لتلك القوى إنما هو من الله، لأنك لم تأت بشيء سوى استعمال ما وهب الله، فاتصال الحسنة بالله ظاهرن ولا يفصلها عنه فاصل لا ظاهر ولا باطن.
وأما إذا أسأنا التصرف في أعمالنا، وفرطنا في النظر في شؤوننا، وأهملنا العقل وانصرفنا عن سر ما أودع الله في شرائعه، وغفلنا عن فهمه، فاتبعنا الهوى في أفعالنا، وجلبنا بذلك الشر عن أنفسنا، كان ما أصابنا من ذلك صادرًا عن سوء اختيارنا، وإن كان الله تعالى هو الذي يسوقه إلينا جزاء ما فرطنا، ولا يجوز لنا أن نسبب ذلك إلى شؤم أحد أو تصرفه.
ونسبة الشر والسيئات إلينا في هذه الحالة ظاهرة الصحة، فأما المواهب الإلهية بطبيعتها فهي متصلة بالخير والحسنات وغنما يبطل أثَرها إهمالُها، أو سوء استعمالها، وعن كلا الأمرين يساق الشر إلى أهله وهما من كسب المهملين وسيّئي الاستعمال، فحق أن ينسب إليهم ما أصيبوا به وهم الكاسبون لسببه، فقد حالوا بكسبهم بين القوى التي غرزها الله فيهم لتؤدي إلى الخير والسعادة وبيّن ما حقها أن تؤدي إليه من ذلك، وبعدوا بها عن حكمة الله فيها وصاروا بها إلى ضد ما خلقت لأجله، فكل ما يحدث بسبب هذا الكسب الجديد فأجدر به أن لا ينسب إلا إلى كاسبه.
وحاصل الكلام في المقامين أنه إذا نظر إلى السبب الأول الذي يعطي ويمنع ويمنح ويسلب وينعم وينتقم فذلك هو الله وحده ولا يجوز أن يقال إن سواه يقدر على ذلك، ومن زعم غير هذا فهو لا يكاد يفقه كلامًا، لأن نسبة الخير إلى الله ونسبة الشر إلى شخص من الأشخاص، بهذا المعنى، مما لا يكاد يعقل، فإن الذي يأتي بالخير ويقدر على سوقه هو الذي يأتي بالشر ويقدر عليه، فالتفريق ضرب من الخبل في العقل.
وإذا نظرنا إلى الأسباب المسنونة التي دعا الله الخلق إلى استعمالها ليكونوا سعداء ولا يكونوا أشقياء فمن أصابته نعمة بحسن استعماله لما وهب الله فذلك من فضل الله لأنه أحسن استعمال الآلات التي مَنَّ الله عليه بها فعليه أن يحمد الله ويشكره على ما أتاه، ومن فرط أو أفرط في استعمال شيء من ذلك فلا يلومن إلا نفسه، فهو الذي أساء إليها بسوء استعماله ما لديه من المواهب، وليس بسائغ له أن ينسب شيئًا من ذلك إلى النبي ولا إلى غيره، فإن النبي أو سواه لم يغلبه على اختياره ولم يقهره على إتيان ما كان سببًا في الانتقام منه.
فلو عقل هؤلاء القوم لحمدوا الله وحمدوك -(يا محمد)- على ما ينالون من خير، فإن الله هو مانحهم ما وصلوا به إلى الخير وأنت داعيهم لالتزام شرائع الله وفي التزامها سعادتهم.
ثم إذا أصابهم شر كان عليهم أن يرجعوا باللائمة على أنفسهم لتقصيرهم في أعمالهم أو خروجهم عن حدود الله فعند ذلك يعلمون أن الله قد انتقم منهم للتقصير، أو العصيان فيؤدبون أنفسهم ليخرجوا من نقمته إلى نعمته لأن الكل من عنده وإنما ينعم على من أحسن الاختيار ويسلب نعمته عمن أساءه.
وقد تضافرت الآثار على أن طاعة الله من أسباب النعم، وأن عصيانه من مجالب النقم، وطاعة الله إنما تكون بإتباع سننه، وصرف ما وهب من الوسائل فيما وهب لأجله.
ولهذا النوع من التعبير نظائر في عرف التخاطب فإنك لو كنت فقيرًا وأعطاك والدك مثلًا رأس مال فاشتغلت بتنميته وبالاستفادة منه مع حسن في التصرف وقصد في الإنفاق وصرت بذلك غنيًا فإنه يحق لك أن تقول إن غناك إنما كان من ذلك الذي أعطاك رأس المال وأعدك به للغنى، أما لو أسأت التصرف فيه وأخذت تنفق منه فيما لا يرضاه واطلع على ذلك منك فاسترد ما بقي منه وحرمك نعمة التمتع به فلا ريب أن يقال إن سبب ذلك إنما هو نفسك وسوء اختيارها مع أن المعطي والمسترد في الحالين واحد وهو والدك، غير أن الأمر ينسب إلى مصدره الأول إذا انتهى على حسب ما يريد وينسب إلى السبب القريب إذا جاء على غير ما يحب لأن تحويل الوسائل عن الطريق التي كان ينبغي أن تجري فيها إلى مقاصدها، إنما ينسب إلى من حولها وعدل بها عما كان يجب أن تسير إليه.
وهناك للآية معنى أدق، يشعر به ذو وجدان أرق مما يجده الغافلون من سائر الخلق، وهو أن ما وجدت من فرح ومسرة وما تمتعت به لذة حسية أو عقلية فهو الخير الذي ساقه الله إليك واختاره لك وما خلقت إلا لتكون سعيدًا بما وهبك، أما ما تجده من حزن وكدر فهو من نفسك، ولو نفذت بصيرتك إلى سر الحكمة فيما سبق إليك لفرحت بالمحزن فرحك بالسار، وإنما أنت بقصر نظرك تحب أن تختار ما لم يختره لك العليم بك المدبر لشأنك، ولو نظرت إلى العالم نظرة من يعرفه حق المعرفة وأخذته كما هو وعلى ما هو عليه لكانت المصائب لديك بمنزلة التوابل الحريفة يضيفها طاهيك على ما يهيئ لك من طعام لتزيده حسن طعم، وتشحذ منك الاشتهاء لاستيفاء اللذة، واستحسنت بذلك كل ما اختاره الله لك ولا يمنعك ذلك من التزام حدوده والتعرض لنعمه، والتحول عن مَصَابّ نقمه، فإن اللذة التي تجدها في النقمة إنما هي لذة التأديب، ومتاع التعليم والتهذيب، وهو متاع تجتني فائدته، ولا تلتزم طريقته، فكما يسر طالب الأدب أن يتحمل المشقة في تحصيله وأن يلتذ بما يلاقيه من تعب فيه، يسره كذلك أن يرتقي فوق ذلك المقام إلى مستوى يجد نفسه فيه متمتعًا بما حصل، بالغًا ما أمل، وفي هذا كفاية لمن يريد أن يكتفي.
<div class="verse-tafsir"
ليس هذا خاصًا بالمنافقين، بل يكون من ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب.
وقد زعم بعض المفسرين أن الأمر بالإعراض عن المنافقين هنا منسوخ بقوله تعالى: ﴿ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴾ ورده الفخر الرازي.
وقالوا مثله في الآية السابقة، وإنهم لا يكادون يتركون آية من آيات العفو والصفح والحلم ومكارم الأخلاق في معاملة المخالفين إلا ويزعمون نسخه، وهو موقف ننكره كل الإنكار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ﴾ أي أنهم من الطيش والخفة بحيث يستفزهم كل خبر عن العدو يصل إليهم فيطلق ألسنتهم بالكلام فيه وإذاعته بين الناس.
وما كان ينبغي أن تشيع في العامة أخبار الحرب وأسرارها ولا أن تخوض العامة في السياسة فإن ذلك يشغلها بما يضر ولا ينفع - يضرهم أنفسهم بما يشغلهم عن شؤونهم الخاصة، ويضر الأمة والدولة بما يفسد عليها من أمر المصلحة العامة-.
﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ : فالمعنى لو أن أولئك المذيعين ردوا ذلك الأمر، إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلًا عنده وعند بعض أولي الأمر، وهم الذي يستنبطون مثله ويستخرجون خفاياه بدقة نظرهم، فهو إذن من الأمور التي لا يكتنه سرها كل فرد من أفراد أولي الأمر، وإنما يدرك غوره بعضهم لأن لكل طائفة منهم استعدادًا للإحاطة ببعض المسائل المتعلقة بسياسة الأمة وإدارتها دون بعض، فهذا يرجح رأيه في المسائل الحربية، وهذا يرجح رأيه في المسائل المالية، وهذا يرجح رأيه في المسائل القضائية، وكل المسائل تكون شورى بينهم، فإذا كان مثل هذا لا يستنبطه إلا بعض أولي الأمر دون بعض فكيف يصح أن يجعل شَرْعًا بين العامة يذيعون به؟
هذا وجه.
والوجه الثاني: أن المستنبطين هم بعض الذين يردون الأمر إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أي لو ردوا ذلك الأمر إليهم وطلبوا العلم به من ناحيتهم لعلمه من يقدر أن يستفيد العلم به من الرسول ومن أولي الأمر منهم، فإن الرسول وأولي الأمر هم العارفون به، وما كل من يرجع إليهم فيه يقدر أن يستنبط من معرفتهم ما يحب أن يعرف، بل ذلك مما يقدر عليه بعض الناس دون بعض.
والمختار الوجه الأول، فالواجب على الجميع تفويض ذلك إلى الرسول وإلى أولي الأمر في زمنه وإليهم دون غيرهم من بعده لأن جميع المصالح العامة توكل إليهم ومن أمكنه أن يعلم بهذا التفويض شيئًا يستنبطه منهم فليقف عنده، ولا يتعده، فإن مثل هذا من حقهم، والناس فيه تبع لهم، ولذلك وجبت فيه طاعتهم.
لا غضاضة في هذا على فرد من أفراد المسلمين، ولا خدشًا لحريته واستقلاله، ولا نيلًا من عزة نفسه، فحسبه أنه حر مستقل في خويصة نفسه، لم يكلف أن يقلد أحدًا في عقيدته ولا في عبادته، ولا غير ذلك من شؤونه الخاصة به، وليس من الحكمة ولا من العدل ولا المصلحة أن يسمح له بالتصرف في شؤون الأمة ومصالحها، وأن يفتات عليها في أمورها العامة، وإنما الحكمة والعدل في أن تكون الأمة في مجموعها حرة مستقلة في شؤونها كالأفراد في خاصة أنفسهم، فلا يتصرف في هذه الشؤون العامة إلا من تثق بهم من أهل الحل والعقد، المعبر عنهم في كتاب الله بأولي الأمر، لأن تصرفهم وقد وثقت بهم الأمة هو عين تصرفها، وذلك منتهى ما يمكن أن تكون به سلطتها من نفسها.
وزعم الرازي وغيره أن في هذه الآية دليلًا على حجية القياس الأصولي، وإنما تعلق الأصوليون في هذا بكلمة "يستنبطونه" وهي من مصطلحاتهم الفنية ولم تستعمل في القرآن بهذا المعنى فقولهم مردود.
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ وفسر بعض المفسرين الفضل والرحمة بالقرآن وبعثة النبي والقليل المستثنى بمثل قس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل الذين كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة النبي وهو تفسير نختاره ونوافقهم عليه.
<div class="verse-tafsir"
تقدم أن الآيات في وصف أولئك الضعفاء، ولما قال إن الرسول ليس حفيظًا عليهم وإنما هو مبلغ عن الله تعالى أيد هذا وأوضحه بقوله: ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي أنك أنت المكلف أن تقاتل في سبيل الله، والرقيب على نفسك فقم بما يجب عليك بالعمل وحرض المؤمنين على القتال معك لأن التحريض من التبليغ الذي منه الأمور والنهي ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ عسى هنا تدل على الإعداد والتهيئة لأن الترجي الحقيقي محال على العالم بكل شيء القادر على كل شيء، فهي بمعنى الخير والوعد، وخيره تعالى حق لأنه لا يخلف الميعاد، والبأس القوة، وكان بأس الكافرين موجهًا إلى إذلال المؤمنين، لأجل الإيمان لا لذواتهم وأشخاصهم، فتأييد الإيمان متوقف على كف بأسهم، وكف متوقف على تصدي المؤمنين للجهاد.
<div class="verse-tafsir"
حمل المفسر (الجلال) وغيره الشفاعة على ما يكون بين الناس في شؤونهم الخاصة من المعايش.
وهو خطأ فإن هذا التخصيص يذهب بما فيه الآية من القوة والحرارة ويخرجها من السياق، والصواب أنها أعم، فالمقصود أولًا وبالذات الشفاعة المتعلقة بالحرب، وقد علمنا أن الآيات في المبطئين عن القتال والذين يبيتون ما لا يرضي الله تعالى من خلاف ما أمر به الرسول ، ومن ذلك ضروب الاعتذار التي كانوا يعتذرون بها، وقد يكون هذا الاعتذار بواسطة بعض الناس الذين يرجى السماع لهم والقبول منهم، وهو عين الشفاعة.
وبعد أن علم الله المؤمنين طريقة الشفاعة الحسنة والسيئة، وهي من أسباب التواصل بين الناس، علمهم سنة التحية بينهم وبين إخوانهم الضعفاء والأقوياء في الإيمان وحس الأدب بينهم وبين من يلقونه في أسفارهم فقال: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ .
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ : لمعنى أنه رقيب عليكم في مراعاة هذه الصلة بينكم بالتحية، وفيه تأكيد لأمر هذه الصلة بين الناس.
<div class="verse-tafsir"
الفاء في قوله تعالى ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ تشعر بارتباط الآية بما قبلها، وزعم بعضهم أن الفاء للاستئناف وهذا لا معنى له، وإنما يخترع الجاهل تعليلات ومعاني لما لا يفهمه فالآية مرتبطة بما قبلها أشد الارتباط إذ الكلام السابق كان في أحكام القتال حتى ما ورد في الشفاعة الحسنة والسيئة، وقد ختمه بقوله: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ إلخ، أي لا إله غيره يخشى ويخاف أو يرجى فتترك تلك الأحكام لأجله، ثم جاء بهذه الآيات موصولة بما قبلها بالفاء وهي تفيد تفريع الاستفهام الإنكاري فيها على ما قبله، أي إذا كان الله تعالى قد أمركم بالقتال في سبيله وتوعد المبطئين عنه والذين تمنوا تأخير كتابته عليهم، وإذا كان لا إله غيره فيترك أمره وطاعته لأجله -فما لكم تترددون في أمر المنافقين وتنقسمون فيهم إلى فئتين.
والمنافقون هنا غير من نزلت فيهم آيات البقرة وسورة المنافقين وأمثالهن من الآيات، المراد بالمنافقين هنا فريق من المشركين كانوا يظهرون المودة للمسلمين والولاء لهم وهم كاذبون فيما يظهرون، ضلعهم مع أمثالهم من المشركين، ويحتاطون في إظهار الولاء للمسلمين إذا رأوا منهم قوة، فإذا ظهر لهم ضعفهم انقلبوا عليهم وأظهروا لهم العداوة.
فكان المؤمنون فيهم على قسمين منهم من يرى أن يعدوا من الأولياء ويستعان بهم على سائر المشركين المحادين لهم جهرًا، ومنهم من يرى أن يعاملوا كما يعامل غيرهم من المجاهرين بالعداوة ممن لا ينافق، فأنكر الله عليهم ذلك وقال: ﴿ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾ : أي كيف تتفرقون في شأنهم والحال أن الله تعالى أركسهم وصرفهم عن الحق الذي أنتم عليه بما كسبوا من أعمال الشرك والمعاصي حتى أنهم لا ينظرون فيه نظر إنصاف وغنما ينظرون إليكم وما أنتم عليه نظر الأعداء المبطلين ويتربصون بكم الدوائر.
﴿ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ ﴾ أي حتى يؤمنوا ويهاجروا، وكانت الهجرة لازمة للإيمان لزومًا مطردًا، فلذلك استغنى بذكرها عن ذكره إيجازًا.
<div class="verse-tafsir"
هذه الآية جاءت بعد أن ورد ما ورد في المذبذبين الذين أذن الله بقتلهم إلا من استثنى للتناسب وتتميم أحكام القتل، فذكر هنا أن شأن المؤمن أن لا يقتل مؤمنًا لأن الإيمان مانع ذلك وبيانه من وجهين: أحدهما: أن المؤمن إنما يصح إيمانه ويكمل إذا كان يشعر بحقوق الإيمان عليه وهي حقوق لله وحقوق للعباد، ومن حدود حقوق المؤمنين أن في القصاص حياة لما فيه من الزجر عن القتل فالمؤمن الصادق يشعر بهذا الحق وهذه الحياة وأنه إذا أخل بحقوق الدماء فقد استهزأ بحياة الأمة، ومن استهزأ بحياة الأمة ولم يحترم أكبر حقوقها ولم يبال بما يقع فيه المؤمنون من الخطر فأمره معلوم، فإنه باعتدائه على مؤمن قد هدم ركنًا من أركان قوة الإيمان وحزبه وذلك آية عدم المبالاة بقوة الإيمان وقوامه، والمؤمن غيور على الإيمان فلا يصدر منه ذلك أي ليس من شأنه أن يصدر عنه.
ثم ذكر سبب العقوبة على الخطأ في الأمور العظيمة كأمر القتل وهو أن الخطأ فيه لا يخلو من التهاون وعدم العناية بالاحتياط، ومثل الخطأ في هذا الأمر النسيان ولولا أن من شأنها أن يعاقب الله عليهما لما أمرنا تعالى بالدعاء بأن لا يؤاخذنا عليهما بقوله في آخر سورة البقرة: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ ولم يخبرنا أنه رفع عنا المؤاخذة عليهما في الدنيا والآخرة.
وقد ثبت بنص القرآن أن آدم نسى ومع ذلك سميت مخالفته معصية وعوقب عليها، ولكن ورد في الحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
وهو معقول ولا ينافي ما قلناه، فإن عقاب قتل الخطأ ليس هو عقاب قتل العمد وهو ﴿ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ وأما في الآخرة فلا يؤاخذنا بما نفعله مخالفًا لأمره إذا نسينا أو أخطأنا فيرجى أن يستجيب الله دعاءنا.
﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ هذا فرع عن كون القتل ليس من شأن المؤمن لأنه ينافي الإيمان.
وقال ابن عباس هذه الآية آخر آية نزلت في عقاب القتل.
وقال بعض الصحابة إن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ نزل قبل هذه الآية بستة أشهر فهذه الآية مخصصة له، وقد قلنا من قبل إن قوله تعالى: ﴿ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ فيه مع تغليظ أمر الشرك أن كل شيء بمشيئته تعالى فلو شاء أن يخصص أحدًا بالمغفرة فلا مرد لمشيئته.
وقد يقال إنه أخرج من هذه المشيئة من يقتل مؤمنًا متعمدًا فآية ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ نزلت ترغيبًا للمشركين الذين آذوا النبي في الإيمان، وهم الذين نزل فيهم ﴿ إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ وقد نقل عن ابن عباس أن قاتل العمد لا توبة له وقالوا إن آية الفرقان نزلت في المشركين والتوبة فيها متعلقة بعدة أعمال منها القتل ومنها الشرك.
وقد يقال كيف تقبل التوبة من المشرك القاتل الزاني ولا تقبل من المؤمن الذي ارتكب القتل وحده؟
ويمكن أن يجاب من القائلين بعدم توبة القاتل بأن المشرك الذي لم يؤمن بالشريعة التي تحرم هذه الأمور له شبه عذر لأنه كان متبعًا لهواه بالكفر وما يتبعه ولم يكن ظهر له صدق النبوة وما يتبع ذلك، فلما ظهر له الدليل على أن ما كان عليه هو كفر وضلال تاب وأناب وآمن وعمل الصالحات فهو جدير بالعفو وإن كان في إجرامه السابق مقصرًا في النظر والاستدلال، وأما المؤمن الموقن بصحة النبوة وتحريم الله للقتل وجعله قاتل النفس البريئة كقاتل الناس جميعًا فلا عذر له بل لا يعقل أن يرجح هواه على إيمانه مع أنه لا يطرأ على إيمانه من الشك الاضطراري ما يكون له شبه عذر، أما إذا طرأ عليه ذلك فإن حكمه حكم القاتل الكافر.
وذلك أن الكافر الذي بلغته الدعوة ولم يؤمن لم يعرض عن الإيمان، إلا لأن الدليل لم يظهر له على صحة النبوة، وهو يعاقب على التقصير في النظر وتصحيح الاستدلال حتى يخلد في النار.
وإذا أحسن النظر وتبين له الهدى فآمن واهتدى يغفر له ما قد سلف في زمن الكفر لأنه كان عملًا مرتبًا على الكفر، والكفر نفسه كان خطأ منه فأشبه قتله قتل الخطأ.
ومثله من أخطأ في الدليل بعد التسليم به لشبهة عرضت له فيه فمعصيته لم تكن تهاونًا بأمر الله ولا استهزاء بآياته ولا دليلًا على إيثاره لهواه على ما عند الله.
أما القاتل المؤمن فأمره على غير ذلك، فإنه مؤمن بالله وبرسوله وبما جاء به إيمان يقين وإذعان لما جاء به الدين من تعظيم أمر الدعاء، وهو يعلم أن المؤمن أخ له ونصير بحكم الإيمان فكيف يعمد بعد هذا إلى الاستهانة بأمر الله وحكمه، وحل ما عقده وتوهين أمر دينه بهدم أركان قوته وتجرئة الناس على مثل ذلك حتى يهن المسلمون ويضعفوا ويكون بأسهم بينهم شديدًا لا جرم أن عقابه يكون شديدًا بحيث لا تقبل توبته.
ومن نظر إلى انحلال أمر الإسلام والمسلمين بعدما أقدم بعضهم على سفك دم بعض من زمن طويل يظهر له وجه هذا، وأن القاتل لا يعذر بهذه الجراءة على هذه الجريمة وهو لم تعرض له شبهة في أمر الله، إذ لا رائحة للعذر في عمله، بل هو مرجح للغضب وحب الانتقام وشهوة النفس على أمر الله تعالى، ومن فضل شهوة نفسه الخسيسة الضارة على نظر الله وعلى كتابه ودينه ومصلحة المؤمنين بغير شبهة ما فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ وتأمل قوله: ﴿ يَعْلَمُونَ ﴾ ولو سمح الله أن يفضل أحد شهوته أو حميته وغضبه على الله ورسوله وكتابه ودينه والمؤمنين، ووعده بالمغفرة، لتجرأ الناس على كل شيء ولم يكن للدين ولا للشرع حرمة في قلوبهم.
فهذا تقرير قول من قالوا إن القاتل لا تقبل توبته ولابد من عقابه والروايات فيه عن الصحابة والسلف كثيرة تراجع في تفسير ابن جرير.
<div class="verse-tafsir"
بَيَّن الله تعالى في الآية السابقة بعض أحكام المنافقين ومنه نَهْي المؤمنين أن يتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا، ومنها أن الذين يلقون إلى المؤمنين السلم ويعتزلون قتالهم لا يجوز لهم أن يقاتلوهم، فنهى عن قتل من لم يقاتل، ثم ذكر أنه ليس من شأن المؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا على سبيل الخطأ.
وبعد هذا أراد تعالى أن ينبه المؤمنين على ضرب من ضروب قتل الخطأ كان يحصل في ذلك العهد عند السفر إلى أرض المشركين.
وذلك أن الإسلام كان قد انتشر ولم يبق مكان في بلاد العرب وقبائلهم يخلو من المسلمين أو ممن يميلون إلى الإسلام، ويتربصون الفرص للاتصال بأهله للدخول فيه فأعلم الله المؤمنين بذلك وأمرهم أن لا يحسبوا كل من يجدونه في دار الكفر كافرًا، وأن يتبينوا فيمن تظهر منهم علامات الإسلام كالشهادة أو السلام الذي هو تحية المؤمنين وعلامة الأمن والاستئمان، وأن لا يحملوا مثل هذا على المخادعة إذ ربما يكون الإيمان قد طاف على هذه القلوب وألم بها إن لم يكن تمكن فيها.
وقد أفادت الآية أن ما سبق من قتل من ألقى السلام لشبهة التقية قد مضى على أنه من قتل الخطأ وأن الله تعالى أراد بإنزالها أن يعد ما منه بعد نزلها من قتل العمد لأنه أمر فيها بالتثبت ونهى عن إنكار إسلام من يدعي الإسلام ولو بإلقاء تحيته فكيف بمن ينطق بالشهادتين، ثم ذكر ما من شأنه أن يقوي الشبهة في نفس من يظن أن إظهار الإسلام لأجل التقية وهو ابتغاء عرض الحياة الدنيا.
فهدى المؤمن بهذا إلى أن يتهم نفسه ويفتش عن قلبه ولا يبني الظن على ميله وهواه، بل أوجب عليه أن يبني على الظاهر ويقبله حتى يتبين له خلافه.
﴿ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ هذا تأكيد لذلك التنبيه في قوله: ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ لأجل التحذير من الوقوع في مثل هذا الخطأ فهو شبيه بالوعيد، ويحتمل أن يكون وعيدًا إذا قلنا إن قوله تعالى: ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ حكم جديد بأن قتل من ألقى السلام يعد من قتل المؤمن عمدًا.
والمعنى أن الله تعالى خبير بأعمالكم لا يخفى عليه شيء من مرجحات الحمل عليها في نفوسكم، فإن كان فيه ابتغاء حظ الحياة الدنيا فهو يجازيكم على ذلك فلا تغفلوا، بل تثبتوا وتبينوا، وحكم الآية يعمل به بصرف النظر عن سبب نزولها وهو؛ أن كل من أظهر الإسلام يقبل منه ويعد مسلمًا ولا يبحث عن الباعث له على ذلك، ولا يتهم في صدقه وإخلاصه.
<div class="verse-tafsir"
ذكر تعالى في الآية السابقة فضل المجاهدين في سبيل الله على القاعدين لغير عجز فعلم أن العاجز معذور، ومعنى سبيل الله الطريق الذي يرضيه ويقيم دينه، ثم ذكر حال قوم أخلدوا إلى السكون وقعدوا عن نصر الدين بل وعن إقامته حيث هو، وعذروا أنفسهم بأنهم في أرض الكفر حيث اضطهدهم الكافرون ومنعوهم من إقامة الحق وهم عاجزون عن مقاومتهم، ولكن في الحقيقة غير معذورين لأنه يجب عليهم الهجرة إلى المؤمنين الذي يعتزون بهم، فهم يحبون لبلادهم، وإخلادهم إلى أرضهم، وسكونهم إلى أهليهم ومعارفهم، ضعفاء في الحق لا مستضعفون، وهم بضعفهم هذا فظلمهم لأنفسهم عبارة عن تركهم العمل بالحق خوفًا من الأذى وفقد الكرامة عند عشرائهم المبطلين.
وهذا الاعتذار هو نحو مما يعتذر به الذين جاءوا أهل البدع على بدعهم في هذا العصر وفي كثير من الأعصار، يعتذرون بأنهم يجبّون الغيبة عن أنفسهم ويدارون المبطلين وهو عذر باطل، فالواجب عليهم إقامة الحق مع احتمال الأذى في سبيل الله، أو الهجرة إلى حيث يتمكنون من إقامة دينهم، وللفقهاء خلاف في الهجرة هل وجوبها مضى أو هو مستمر في كل زمان؟
والمالكية على الوجوب.
ولا معنى عندي للخلاف في وجوب الهجرة من الأرض التي يمنع فيها المؤمن من العمل بدينه، أو يؤذي فيه إيذاء لا يقدر على احتماله، وأما المقيم في دار الكافرين ولكنه لا يمنع ولا يؤذي إذا هو عمل بدينه بل يمكنه أن يقيم جميع أحكامه بلا نكير فلا يجب عليه أن يهاجر وذلك كالمسلمين في بلاد الإنكليز لهذا العهد بل ربما كانت الإقامة في دار الكفر سببًا لظهور محاسن الإسلام وإقبال الناس عليه.
قال تعالى: ﴿ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ﴾ دل الوعيد في الآية السابقة مع الاستثناء في هذه الآية على أن أولئك الذين اعتذروا عن عدم إقامة دينهم وعدم الفرار به هجرة إلى الله ورسوله غير صادقين في اعتذارهم، فإن الاستضعاف الحقيقي عذر صحيح ولذلك استثنى أهله من الوعيد بهذه الآية، وقرن الرجال بالنساء والولدان فيها يشعر أن المراد بالرجال والشيوخ الضعفاء والعجزة الذين هم كمن ذكر معهم ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴾ ، أي قد ضاقت بهم الحيل كلها فلم يستطيعوا ركوب واحدة منها، وعميت عليهم الطرق جميعًا فلم يهتدوا طريقًا منها، إما للزمانة والمرض، وإما للفقر والجهل بمسالك الأرض وأخراتها ومضايقها، قال بعض المفسرين: "بحيث لو خرجوا هلكوا" أي بركوب التعاسيف أو قلة الزاد أو عدم الراحلة.
وفسر بعضهم الولدان بالعبيد والإماء، وقال بعضهم بل هم الأولاد الصغار الذين لا يستطيعون ضربًا في الأرض.
وروي عن ابن عباس أنه قال كنت أنا وأمي من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون إلى الهجرة سبيلاً، واستشكل بأن الأولاد غير مكلفين فلا يتناولهم الوعيد فيحتاج إلى استثنائهم، وأجاب في الكشاف بأنه "يجوز أن يكون المراد المراهقين منهم الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء فليحقوا بهم في التكليف".
﴿ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ قالوا: إن "عسى" في كلام الله للتحقيق.
ولا يصح على إطلاقه لأنه يسلب الكلمة معناها فكأنه لا محل لها، ونقول فيها ما قلناه في لعل وهو أن معناها الإعداد والتهيئة، والمعنى أنه تعالى يعدهم ويهيؤهم لعفوه، والنكتة في اختيار التعبير عن التحقيق بعسى الدالة على الترجي -أن صح- هي تعظيم أمر ترك الهجرة وتغليظ جرمه.
<div class="verse-tafsir"
الكلام لا يزال في الجهاد وقد مر في الآيات السابقة الحث عليه لإقامة الدين وحفظه، وإيجاب الهجرة لأجل ذلك وتوبيخ من لم يهاجر من أرض لا يقدر فيها على إقامة دينه، والجهاد يستلزم السفر، والهجرة سفر، وهذه الآيات في بيان أحكام من سافر للجهاد، أو هاجر في سبيل الله إذا أراد الصلاة وخاف أن يفتن عنها، وهو أنه يجوز له أن يقصر منها وأن يصلي جماعتها بالكيفية التي ذكرت في الآية الثانية من هذه الآية.
والقصر المذكور في الآية الأولى هنا ليس هو قصر الصلاة الرباعية في السفر المبين بشروطه في كتب الفقه مأخوذ من السنة المتواترة، وأما ما هنا فهو في صلاة الخوف كما ورد عن بعض الصحابة وغيرهم من السلف، والشرط فيها على ظاهره، والقول بأنه "لبيان الواقع فلا مفهوم له" لغو من القول لا يجوز أن يقال في أعلى الكلام وأبلغه، فهذا القصر المذكور في الآية الأولى هو المبين في الآية التي بعدها، وفي سورة البقرة بقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ فآية البقرة في القصر من هيئة الصلاة والرخصة في عدم إقامة صورتها بأن يكتفي الرجال المشاة والركبان بالإيماء عن الركوع والسجود، وهو قول في القصر المراد، والآية التي نحن بصدد تفسيرها في القصر من عدد الركعات بأن تصلي طائفة مع الإمام ركعة واحدة فإذا أتمتها جاءت طائفة أخرى وهي التي كانت تحرس الأولى فصلت معه الركعة الثانية، وليس في الآية أن واحدة من الطائفتين تتم الصلاة.
<div class="verse-tafsir"
روى ابن جرير أن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في غزوة أحد كما نزل فيها: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ حين باتوا مثقلين بالجراح.
ثم جاء (الجلال) فنقل رأي عكرمة بالمعنى من غير فأخطأ في تصويره إذ قال إنها نزلت "لما بعث النبي طائفة في طلب أبي سفيان وأصحابه لما رجعا من أحد فشكوا الجراحات".
والمعروف في القصة أن الصحابة كانوا بعد غزوة أحد يرغبون اقتفاء أثر أبي سفيان على إثقالهم بالجراح.
ولا حاجة في فهم الآية إلى ما ذكر بل هو مناف للأسلوب البليغ إذ القصة ذكرت في سورة آل عمران تامة وهذه جاءت في سياق أحكام أخرى.
كان الكلام فيما سبق في شأن الحرب وما يقع فيها، وبيان كيفية الصلاة في أثنائها، وما يراعى فيها إذا كان العدو متأهبًا للحرب من اليقظة وأخذ الحذر وحمل السلاح في أثنائها، وبيّن للمؤمنين في هذا السياق شدة عداوة الكفار لهم وتربصهم غفلتهم وإهمالهم ليوقعوا بهم.
بعد هذا نهى عن الضعف في لقائهم، وإقامة الحجة على كون المشركين أجدر بالخوف منهم، لأن ما في القتال والاستعداد من الألم والمشقة يستوي فيه المؤمن والكافر، ويمتاز المؤمن بأن عنده من الرجاء بالله ما ليس عند الكافر، فهو يرجو منه النصر الذي وعد به، ويعتقد أنه قادر على إنجاز وعده، ويرجو ثواب الآخرة على جهاده لأنه في سبيل الله، وقوة الرجاء تخفف كل ألم وربما تذهب الإنسان عنه وتنسيه إياه.
<div class="verse-tafsir"
بعد أن حذر الله المنافقين من أعداء الحق الذين يحاولون طمسه بإهلاك أهله، أراد أن يحذرهم من ما يخشى على الحق من جهة الغفلة عنه، وترك العناية بالنظر في حقيقته وترك حفظه، فإن إهمال العناية بالحق أشد الخطرين عليه لأنه يكون سببًا لفقد العدل أو تداعي أركانه وذلك يفضي إلى هلاك الأمة وكذلك إهمال غير العدل من الأصول العامة التي جاء بها الدين، فالعدو لا يمكنه إهلاك أمة كبيرة وإعدامها، ولكن ترك الأصول المقومة للأمة كالعدل وغيره يهلك كل أمة تهمله ولذلك قال: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ - مستأنفة فعطفها على ما قبلها ليس من قبيل عطف المفرد على المفرد المشارك له في الحكم، بل من قبيل عطف الجملة الابتدائية على جملة قبلها لارتباطهما بالمعنى العام، والمعنى ولا تتهاون بتحري الحق اغترارًا بلحن الخائنين وقوة صلابتهم في الخصومة لئلا تكون خصيمًا لهم وتقع في ورطة الدفاع عنهم، وهذا الخطاب ليس خاصًا بالنبي بل هو عام لكل من يحكم بين الناس بما أنزل الله كما أمر الله.
﴿ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ﴾ واستغفر الله مما يعرض لك من شؤون البشر من نحو ميل إلى من تراه ألحن بحجته، أو الركون إلى مسلم لأجل إسلامه تحسينًا للظن به، فإن ذلك قد يوقع الاشتباه، وتكون صورة صاحبه صورة من أتى الذنب الذي يوجب له الاستغفار، وإن لم يكن متعمدًا للزيغ عن العدل، والتحيز إلى الخصم، فهذا من زيادة الحرص على الحق، كأن مجرد الالتفات إلى قول المخادع كاف في وجوب الاحتراس منه، وناهيك بما في ذلك من التشديد فيه.
﴿ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ إن هؤلاء الخائنين يوجدون في كل زمان ومكان، وهذا النهي لم يكن موجهًا إلى النبي خاصة، وإنما هو تشريع وجه إلى المكلفين كافة، وفي جعله بصيغة الخطاب له -وهو أعدل الناس وأكملهم- مبالغة في التحذير من هذه الخلة المعهودة من الحكام، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾ أي من اعتاد الخيانة وألف الإثم فلم يعد ينفر منه، ولا يخاف العقاب الإلهي عليه، فيراقبه فيه، وإنما يحب الله أهل الأمانة والاستقامة.
﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ .
هذه الآيات تحذير من أعداء الحق والعدل الذين يحاولون هدم ركنهما وهذا الركن هو المقصود من الشرائع، وإنما يمتثل هذا التحذير بالاجتهاد وتحري العدل وعدم الاغترار بظاهر الخصماء.
والسوء ما يسوء به الإنسان غيره، والظلم ما كان ضرره خاصًا بالعامل كترك الفريضة، والاستغفار طلب المغفرة من الله تعالى ويتضمن ذلك لازمه وهو الشعور بقبح الذنب والتوبة منه.
ولسيدنا علي كرم الله وجهه خطبة في تفسير الاستغفار بالتوبة التي تذيب الشحم وتفني العظم.
ومعنى وجدانه الله غفورًا رحيمًا أن الله أكرم من أن يرد توبة عبده إذا اطلع على قلبه وعرف الصدق والإخلاص.
﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ أي أنه تعالى قد حدد للناس بعلمه حدود الشرائع التي يضرهم تجاوزها، وبحكمته جعل لها عقابًا يضر المتجاوز لها، فهو إذًا يضر نفسه ولا يضر الله شيئًا.
﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ الخطيئة ما يصدر من الذنب عن الفاعل خطأ أي من غير ملاحظة أنه ذنب مخالف للشريعة، والإثم يصدر عنه مع الملاحظة أنه ذنب، أي مع تذكره وتصوره عند الفعل، وأن عدم الملاحظة والشعور بالذنب عند فعله قد يكون سببه تمكن داعيته من النفس ووصولها إلى درجة الملكات الراسخة والأخلاق الثابتة التي تصدر عنها الأعمال بغير تكلف ولا تدبر، وهذا المعنى هو المراد هنا.
والبهتان الكذب الذي يبهت المكذوب عليه أي يحيره ويدهشه.
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ﴾ .
كان الكلام في المختانين أنفسهم ومحاولتهم زحزحة الرسول عن الحق، وقد أراد تعالى بعد بيان تلك الأوامر والنواهي وتوجيهها إلى نبيه أن يبين فضله ونعمته عليه.
ولا يصح تفسير الآية بما ورد من قصة طعمة لأنه على ما روى قد هم هو وأصحابه بإضلال النبي عن الحق الذي أنزله الله عليه، وهو تعالى يقول إنه بفضله ورحمته عليه قد صرف نفوس الأشرار عن الطمع في إضلاله وألهم بذلك، وذلك أن الأشرار إذا توجهت إرادتهم وهممهم إلى التلبيس على شخص ومخادعته ومحاولة صرفه عن الحق فلابد له أن يشغل طائفة من وقته لمقاومتهم، وكشف حيلهم وتمييز تلبيسهم، وذلك يشغل المرء عن تقرير الحقائق، وصرف وقت المقاومة إلى عمل آخر صالح نافع، ولذلك تفضل الله على نبيه ورحمه بصرف كيد الأشرار عنه حتى بِالَهِّم بغشه وزحزحته عن صراط الله الذي أقامه عليه.
<div class="verse-tafsir"
إن الكلام في الذين يختانون أنفسهم ويستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ومعناه أن الغالب عليهم الشر فهو الذي يجري في نجواهم لأنه أكبر همهم، والنكتة في ذكر الكثير هنا هو أن من النجوى ما يكون في الشؤون الخاصة كالزراعة والتجارة مثلا فلا توصف بالشر، ولا هي مرادة من الخير، وإنما المراد بالنجوى الكثيرة المنفي بالخير عنها، النجوى في شؤون الناس ولذلك استثنى الأمور الثلاثة التي هي مجامع الخير للناس.
﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ﴾ إلخ.
لما بيّن الله تعالى في الآية التي قبل هذه وعده بالجزاء الحسن للذين يتناجون بالخير، ويبتغون بنفع الناس مرضاة الله ، أراد أن يبيِّن في هذه الآية وعيده لأولئك الذين يتناجون بالشر، ويبيتون ما يكيدون به للناس، فهو يقول إن أولئك القوم مشاقون للرسول إذا كان يفعلون بعد أن ظهرت لهم الهداية على لسانه ، وقامت عليهم الحجة بحقيقة ما جاء به، وأما من لم تتبين لهم الهداية فلا يستحقون هذا الوعيد، وهم متفاوتون فمن نظر منهم في الدليل فلم يظهر له الحق وبقي متوجهًا إلى طلبه بتكرار النظر والاستدلال مع الإخلاص فهو معذور غير مؤاخذ كالذي لم تبلغه الدعوة، وعليه جمهور الأشاعرة.
والمشاقة بعد ما تبين الهدى إنما تكون عنادًا وعصبية أو اتباعًا لشهوة تفوت بهذه الهداية.
<div class="verse-tafsir"
تقدم صدور هذه الآية في هذه السورة وتتمها هناك ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ وقد تقدمها هنالك إثبات ضلال أهل الكتاب وتحريفهم، ودعوتهم إلى الإيمان بما أنزله الله على نبيه مصدقًا لما معهم، فقد بيّن لهم أن اتباع الرسول فيما جاء به والتسليم له درجات -فمنها ما تغلب النفوس على مخالفته نزوات الشهوة وثورات الغضب ثم يعود صاحبه ويتوب، فهذا مما قد تناله المغفرة، وأما التوحيد الذي هو أساس الدين فلا يُغْفَر الميل عنه إلى ضرب من ضروب الشك.
والآيات التي قبل هذه الآية تفيد أن السياق هنا كالسياق هناك فأعادها لذلك المقصد وهو بيان أن مشاقة الرسول ومخالفته إنما تكون بالخروج عن التوحيد والوقوع في الشرك لأن؛ التوحيد روح الدين وقوامه، فالمناسبة هنا تقتضي أن يعاد هذا المعنى، وهي إعادة تنادي البلاغة بطلبها، ولا تعد من التكرار الذي قالوا إنه ينافي البلاغة، فإن هذا إنما يتحقق إذا كان المخاطبون قد فهموا منك معنى تمام الفهم كما تريد ثم ذكرته لهم بعبارة لا تزيدهم فائدة ولا تأثيرًا جديدًا ولا تمكينًا للمعنى، وأما ما يفيد شيئًا من هذا الذي ذكرناه فهو الذي تقتضيه البلاغة.
﴿ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا ﴾ إن كثيرًا من المفسرين قالوا إن المراد بالإناث هنا الموتى لأن العرب تطلق عليهم لفظ الإناث لضعفهم أو يقال لعجزهم، ومع ذلك كان يعظمون بعض الموتى ويدعونها كما يفعل ذلك كثير من أهل الكتاب ومسلمي القرون.
وهذا هو الذي اختاره، والمراد بالدعاء ذلك التوجه المخصوص بطلب المعونة لهيبة غيبية لا يعقل الإنسان معناها، أما تفسير البعض للإناث بالأصنام، فهو مستبعد، وكذلك تفسيرها بالملائكة، لأنهم سموهم بنات الله.
﴿ وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا ﴾ أي وما يدعون بدعوتها إلا شيطانًا مريدًا، قالوا الشيطان يطلق على العارم الخبيث من الجن والإنس، والمريد والمارد المتعري من الخيرات من قولهم: شجر أمرد إذا تعرى من الورق ومنه رملة مرداء لم تنبت شيئًا، أو هو من مرد على الشيء إذا مرن عليه حتى صار يأتيه بغير تكلف ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ ﴾ أي شيطانًا مرد على الإغواء والإضلال، أو تمرد واستكبر عن الطاعة ثم وصفه وصفًا آخر فقال ﴿ لَعْنَةُ اللَّهِ ﴾ واللعن عبارة عن الطرد والإبعاد مع السخط والإهانة والخزي، أي أبعده الله عن مواقع فضله وتوفيقه وموجبات رحمته، أي أنهم يدعون إلا ذلك الشيطان المريد الملعون الذي هو داعية الباطل والشر في نفس الإنسان ما يوسوس في صدره ويعده ويمينه كما بينه قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ إلخ.
النصيب المفروض هو ما للشيطان في نفس كل أحد من الاستعداد للشر الذي هو أحد النجدين في قوله تعالى: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ فهذا هو عون الشيطان على الإنسان، وهو عام في الناس حتى المعصومين، ولكن أخبرنا الله تعالى أنه ليس له سلطان على عباده المخلصين، فإذا هو زين لهم شيئًا لا يغلبهم على عمله، فما من إنسان إلا ويشعر في نفسه بوسوسة الشيطان فإن لم يكن بالشرك فبالمعصية والإصرار عليها أو الرياء في العبادة.
وهذا القول وأمثاله في القرآن المجيد في مخاطبة إبليس مع البارئ جلّ وعلا هو من الأقوال التكوينية أي التي يعبر بها عن تكوين العالم، وما خلقه الله عليه كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ فقوله تعالى هذا للسماء والأرض قول تكويني لا تكليفي فهو من قبيل قوله للشيء.
﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وقولهما: ﴿ أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ تكويني أيضًا فهو عبارة عن كونهما وجدتا كما أراد الله تعالى أن توجدا عليه كما يجيب العبد العاقل نداء مولاه.
والمعنى أن الشيطان خلق هكذا فدعاؤه متمرد على الحق بعيد عن الخير مغري بإغواء البشر وإضلالهم كما عبر عن طبعه وسجيته بصيغة القسم: ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ ..
إن إضلاله لمن يضلهم هو عبارة عن صرفهم عن العقائد الصحيحة بمعنى أنه يشغلهم عن الدلائل الموصلة إلى الحق والهدى، وأما التمنية فهي في الأعمال بأن يزين لهم الاستعجال باللذات الحاضرة والتسويف بالتوبة وبالعمل الصالح، بل هذا اسم جامع لأنواع وحي الشيطان كلها وتغريره للناس بعفو الله ورحمته ومغفرته.
﴿ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ ﴾ البتك يقارب البت في معناه العام الذي هو القطع والفصل، فالبت يقال في قطع الحبل والوصل من الحسيات، وفي الطلاق يقال طلقها بتة أي طلاقًا بائًنًا.
والبتك يقال في قطع الأعضاء والشعر ونتف الريش، وبتكت الشعر تناولت بتكة منه وهي بالكسر القطعة المنجذبة جمعها بتك قال الشاعر: * طارت وفي يده من ريشها بتك * والمراد به ما كانوا يفعلونه من قطع آذان بعض الأنعام لأصنامهم كالبحائر التي كانوا يقطعون أو يشقون آذانها شقًا واسعًا ويتركون الحمل عليها.
وكان هذا من أسخف أعمالهم الوثنية وسفه عقولهم ولهذا خصه بالذكر وإن كان داخلًا فيما قبله.
﴿ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ جرى قليل من المفسرين على أن المراد بتغيير خلق الله تغيير دينه، وذهب بعضهم إلى أنه التغيير الحسي، وبعضهم إلى أنه التغيير المعنوي وبعضهم إلى ما يشملها، وقال كثير منهم إن المراد تغيير الفطرة الإنسانية بتحويلها عما فطرت عليه من الميل إلى النظر والاستدلال وطلب الحق، وتربيتها على الأباطيل والرذائل والمنكرات، فالله سبحانه قد أحسن كل شيء خلقه وهؤلاء يفسدون ما خلق ويطمسون عقول الناس.
﴿ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ لولا وعود الشيطان لما عني أولياؤه بنشر مذاهبهم الفاسدة وآرائهم وأضاليلهم، التي يبتغون بها الرفعة والجاه والمال، وهؤلاء موجودون في كل زمان ويعرفون بمقاصدهم، وقد دل على هذا ما قبله ولكنه ذكره ليصل به قوله: ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ أي إلا باطلًا يغترون به ولا يملكون منه ما يحبون.
<div class="verse-tafsir"
يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.
وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.
إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟
أي دين أرشد إرشاده؟
أي شرع كشرعه في كماله؟
ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟
وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟
لا يحير جوابًا.
وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.
﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ .
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.
وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.
﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.
ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟
ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ .
فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.
متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].
الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.
آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].